← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8062–8101 · переход к 8067.

стр. 8062

تقدموا لأخذ البيعة لنصرة النبي ﷺ وقيل سموا بذلك [لضمانهم] إسلام قومهم ونصرتهم [النبي] ﷺ ، والنقيب أيضا فوق العريف على القوم وقيل [الأمين]. واعلم أن لرسول الله ﷺ بيعة ثالثة مشهورة وهي البيعة التي وقعت بالحديبية تحت الشجرة عند توجهه من المدينة إلى مكة تسمى بيعة الرضوان وهذه بعد الهجرة بخلاف الأوليين وعبادة شهدها أيضا فهو من المبايعين في الثلاث ﵁، اهـ. تنبيه المبايعة على الإسلام عبارة عن المعاقدة والمعاهدة عليه سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كأن كل واحد منهما يبيع ما عنده من صاحبه فمن طرف النبي ﷺ وعد الثواب ومن طرفهم التزام الطاعة وقد تعرف بأنها عقد الإمام العهد بما يأمر الناس به، قاله الكرماني (١). قوله تواثقنا على الإسلام أي تحالفنا وتعاهدنا والتواثق تفاعل منه والميثاق والعهد مِفعال من الوَثاق وهو في الأصل حبل أو قيد يُشدّ به الأسير والدابة [وذلك لأنها كانت سبب قوة رسول الله ﷺ وظهور الإسلام وإعلاء الكلمة اهـ] (٢). قوله وما أحبّ أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها أي أشهر عند الناس بالفضيلة، وبدر موضع الغزوة العظمى المشهورة لرسول الله ﷺ تُذكّر وتؤنث ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة وإنما

стр. 8063

خصصه بالذكر لشرف غزوة بدر وفضلها على سائر الغزوات والله أعلم. [﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ (١)، بدر ماء سمي] باسم صاحبه. قال العلماء هو اسم صاحب البئر بدر بن يخلد بن النضر بن كنابة وقيل بل هو رجل من بني ضمرة سكن هذا الموضع فنسب إليه ثم غلب اسمه عليه، وقيل بدر اسم بئر حفرها بدر الغفاري يقال له بدر بن النار أو [من] بني النار وهم بطن من غفار بن مليل فكان [هذا] الاسم فألا قدمه الله تعالى لمن ألقي فيها من كفار قريش وهم أهل النار اهـ. قوله والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة. قال الجوهري (٢) الراحلة هي الناقة التي تصلح أن ترحل، ويقال الراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى وإنما سميت راحلة لأنها ترحل أي يشد عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة كقوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٣) أي مرضية. وقال ابن قتيبة الراحلة النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره، فهي كاملة الأوصاف فإذا كانت في إبل عرفت. وقال الأزهري الراحلة عند العرب الجمل النجيب والناقة النجيبة. وقال النووي (٤) وهو أجود من كلام ابن قتيبة: والراحلة البعير الكامل الأوصاف

стр. 8064

الحسن المنظر القوي على الأحمال والأسفار، اهـ، قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام. قوله ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورَّى بغير حتى كانت تلك الغزوة. ورّى يقال ورّى عن الشيء إذا ذكره بلفظ يدل عليه أو على بعضه دلالة خفية عند السامع، اهـ. قاله الحافظ. وتورية الرسول ﷺ الغزو وليس بأن قال إني أريد غزو الموضع الفلاني وهو يريد غيرهم وهو كذب والكذب لا يجوز وإنما كان بالتعريض مثل أن يريد غزو بلد ولم يقل إني أريد ذلك الموضع بل يخفي ذلك في قلبه. فقوله ورّى بغيرها أي سترها وكنى عنها وأوهم أنه يريد غيرها، والحكمة في ذلك التعمية على الكفار ليأتيهم بغتة من غير أن يأخذوا أهبتهم فيكون أنكى فيهم وأدعى لحصول المقصود منهم ويؤيد ذلك قوله الحرب خدعة، قاله في شرح الإلمام. قوله واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، [والمفاز] (١) والمفازة هي الفلاة لا ماء بها، قاله الحافظ، وقال بعضهم والمفاز والمفازة البرية القفراء والجمع المفاوز سميت بذلك على طريق التفاؤل وقيل لأن من قطعها فاز ونجا لأنها مهلكة، [و] قيل يهلك سالكها، يقال فوز الرجل إذا هلك اهـ. قوله واستقبل عدوا كثيرا فجلي للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم. فجلَا هو بتخفيف اللام وقيل والتشديد أي كشفه وبينه وأوضحه وعرّفهم ذلك على وجهه من غير تورية يقال جلوت الشيء كشفته. وقوله ليتأهبوا

стр. 8065

أهبة غزوهم، والأهبة بضم الهمزة وإسكان الهاء أي ليستعدوا لذلك بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك. قوله وأخبرهم بوجههم الذي يريد أي بمقصدهم، ورواه بعضهم بوجهتهم الذي يريد أي بنحوهم ومقصدهم. قوله والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان، والديوان [بكسر الدال ويُحكى بالفتح] (١) هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش والمجاهدين وأهل العطاء، ولم يكن ثم ديوان أولا، وأوّل من دوّن الديوان من المسلمين عمر رضى الله عنه وهو فارسيّ معرَّب وقيل عربي والله أعلم. قاله في النهاية (٢). قوله وغزى رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الظلال والثمار فأنا إليها أصعر، هو بفتح الهمزة والعين المهملة جميعا وسكون الصاد المهملة أي أميل إلى البقاء فيها وأشتهي ذلك والصعر الميل، وقال الجوهري (٣) في الخد خاصة. قاله الحافظ. قوله وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع [فـ] لم أقض من جهازي شيئا. طفقت بمعنى جعلت وأغدو أي أروح والجهاز هو بفتح الجيم وكسرها أي أهبة سفري.

стр. 8066

قوله فلم يزل ذلك يتمادى بي أي يتطاول ويتأخر قاله المنذري، وهو يتفاعل من المدى وفي الحديث لو تمادى الشهر لواصلت [أي فات وقته من أراده بتأخر وقته] (١) وهو من السبق أي سبق الغزاة فلم يلحقهم من تخلّف وفرّط وقصّر. [قوله حتى أسرعوا [و] تفارط الغزو أي [تباعد و] فات وقته من أراده وبعد عليه إدراكه، قاله الحافظ] (٢)، والتفريط ترك الشيء غير مهتبل به وأفرطت الشيء نسيته وتركته والإفراط الزيادة في الشيء حتى خرج به عن حده من قول أو فعل. وقال الفارسي تفارط الغزو أي تسابق وتَدانَى وقرب والفارط السابق اهـ. قاله عياض (٣). قوله حتى استمر بالناس الجد أي الانكماش والحرص قاله عياض. قوله إني لا أرى لي أسوة الإسوة كذا كذا قوله إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق كالمغموض بالغين والضاد المعجمتين هو المعيب المشار إليه بالعيب اهـ، قاله المنذري. وقال النووي وغيره المغموص بالغين المعجمة والصاد المهملة المتهم المستحقر يقال غمصت فلانا وأغمصته إذا استحقرته واستصغرته اهـ. وقال بعضهم مغموصا بالمعجمة ثم المهملة أي مطبوعا بالنفاق [ومتهما به] أي مطعون في دينه متهم بالنفاق. قوله ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوكا، هكذا في أكثر النسخ تبوكا

стр. 8067

بالنصب أي بالألف وهكذا هو في نسخ البخاري وكأنه صرفها لإرادة الموضع دون البقعة اهـ. قاله النووي في شرح مسلم (١). قوله ما فعل كعب بن مالك فقال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه. بنو سلمة بكسر اللام قبيلة معروفة من الأنصار وعطفاه بكسر العين جانباه وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه. قوله فقال له معاذ بن جبل بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا، هذا دليل لرد غيبة المسلم الذي ليس بمتهتك في الباطل وهو من مهمات الآداب وحقوق الإسلام. قوله فبينما هو على ذلك رآى رجلا مبيضا يزول به السراب. المبيض بكسر الياء هو لابس الأبيض ويقال لهم المبيضة والمسودة بالكسر فيهما أي لابسوا البيض [أو] السود ومنه حديث الهجرة قال فنظرنا فإذا برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين بتشديد الياء وكسرها أي لابسين ثيابا بيضا يقال لهم المبيضة والمسودة بالكسر ويجوز أن يكون مبيضا بسكون الباء وتشديد الصاد من البياض أيضا، قاله في النهاية والله أعلم. قوله ويزول به السراب أي يظهر شخصه خيالا فيه، اهـ. قاله المنذري. وقال النووي (٢) في شرح مسلم السراب هو ما يظهر للناس في الهواجر في البراري [كأنه ماء] (٣). وقال في النهاية يزول به السراب يرفعه ويظهره يقال زال به

стр. 8068

السراب إذا [ظهر] شخصه فيه خيالا ومنه قصيد كعب [بن مالك ﵁]: يوما تظل حراب الأرض ترفعها ... من اللوامع تخليط وتزييل يريد أن لوامع السراب تبدو دون حراب [الأرض] فترفعها تارة وتخفضها أخرى، انتهى. قوله فقال رسول الله ﷺ كُن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، قيل معناه أنت أبو خيثمة أو هو أبو خيثمة، قال ثعلب: العرب تقول كُن زيدا أي أنت زيد، وقال صاحب التحرير تقديره اللهم اجعلهُ أبا خثيمة، وقال في النهاية (١) كن أبا خيثمة أي صِرْ يقال للرجل يُرى من بُعد كن فلانا أي أنت فلان أو هو فلان، ومنه حديت [عُمر أنه] دخل المسجد فرآى رجلا برّ الهيئة فقال كن أبا مسلم يعني الخولاني [انتهى]. وأبو خيثمة هذا اسمه عبد الله بن خيثمة، وقيل مالك بن قيس، قال بعض الحفاظ وليس في الصحابة مَن يكنّى أبا خثيمة إلا اثنان: أحدهما هذا والثاني عبد الرحمن بن أبي سبرة الجُعفي انتهى. قاله النووي في شرح مسلم. قوله وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون؛ أي عابوه واحتقروه. قوله قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك حضرني بثي. قافلا أي راجعا والقفول الرجوع من السفر، ويقال في المضارع يقفل بالضم ولا يستعمل القفول في ابتداء السفر وانما سمي المسافرون قافلة تفاؤلا لهم بالقفول والسلامة على أن الجوهري قال إن القافلة هي الرفقة الراجعة من السفر. وقال قُتَبي لا يقال لهم في مبدأتهم قافلة، قاله العراقي في

стр. 8069

شرح الأحكام (١) والبث هو أشد الحزن. قوله فلما قيل إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عني الباطل. أظل بالظاء المعجمة المشالة أي أقبل ودنا قدومه كأنه ألقي علي ظله. وزاح عني الباطل [أي زال وذهب]، يقال زاح عني الأمر يزيح [أي زال] (٢). قوله فأجمعت صدقه أي عزمت عليه [واعتقدته]. [العزيمة] (٣) أجمعت وأزمعته وعزمت عليه بمعنى [عزمت. قاله نفطويه، والعزيمة أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت عليه بمعنى]، قاله في النهاية (٤). يقال أجمع الرجل أمره وأجمع عليه وعزم عليه بمعنى، قال نفطويه وقال أبو الهيثم اللغوي أجمع أمره أي جعله جميعا بعد أن كان متفرقا ومثله المسافر إذا أجمع مكبا وفي الصائم إذا [أجمع الصيام إذا] عزم عليه ونواه، قاله عياض (٥). قوله وكانوا بضعة وثمانين رجلا، البضع من الثلاث إلى التسع، وتقدم الكلام عليه في مواضع من كلام الحافظ في أصل الترغيب. قوله فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، المغضَب هو بفتح الضاد أي الغضبان. قوله فقال لي ما خلَّفك أي عن الغزو، قوله ألم تكن قد ابتعت ظهرك،

стр. 8070

والاستفهام في ألم تكن للتوبيخ والتقريع، وابتعت بمعنى اشتريت، والظهر الراحلة، وتقدم الكلام على الراحلة. قوله ولقد أعطيت جدلا أي حجة ومدافعة في الخصام [وبلاغة]. قاله عياض (١) وقال النووي (٢) أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة بحيث أخرج من عهدة ما ينسب إليّ إذا أردت. وقيل الجدل اللَدَد في الخصام وكانت العرب تتفاخر بذلك لأنه من فصاحة اللسان وقوة العارضة وحضور النفس [وحدة الذهن]، قال الله تعالى في قريش ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٤). قوله [ولكني] (٥) والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي؛ ليوشكن هو بكسر الشين ولا يقال بفتحها أي ليُسرِعنّ الله قوله ولئن حدثتك حديت صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله ، وفي رواية عفو الله . تجِد هو بكسر الجيم وتخفيف الدال أي تغضب. يقال وجد عليه موجودة في الغضب فوجد مستعملة [بخمسة] معان من الموجدة والوجود [والوجدان] والوجد والجدة، قوله عقبى الله أي ثوابه في الآخرة وعقبى الله أن يعقبني خيرا [و] أن

стр. 8071

يثيبني عليه، والعقبى ما يكون بعد الشيء وعلى أثره وما يكون كالعوض منه ومنه العقاب على الذنب لأنه بدل من فعله ومكافأة عليه. قوله فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذب نفسي، يؤنبوني بهمزة مفتوحة بعد الياء [ثم نون مشددة مكسورة] (١) ثم موحدة أي يوبخوني [ويلومونني] أشد اللوم. قال في النهاية (٢) التأنيب المبالغة في التوبيخ والتعنيف. وقال عياض (٣) التأنيب العتب واللوم، ومنه حديث الحسن بن علي لما صالح معاوية قيل له سوّدت وجوه المؤمنين فقال لا تؤنبني اهـ. قوله ثم قلت لهم هل لقي هذا معي أحد قالوا نعم رجلان مرارة بن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي. مرارة بضم الميم وتخفيف الراء المكررة وأما قوله ابن الربيع فكذا وقع في البخاري. قال ابن عبد البر يقال: ابن الربيع وابن ربيعة بالوجهين، ووقع في نسخ مسلم ابن ربيعة وكذا نقله القاضي عياض عن نسخ مسلم. وأما قوله العامري [هكذا هو في جميع نسخ مسلم: العامري] (٤) وأنكره العلماء وقالوا هو غلط إنما صوابه العمري بفتح العين وإسكان الميم من بني عمرو بن عوف، وكذا ذكره البخاري، وكذا نسبه

стр. 8072

محمد بن إسحاق وابن عبد البر وغيرهما من الأئمة، قال القاضي عياض هو الصواب، وإن كان القابسي قد قال: لا أعرفه إلا العامري فالذي عليه الجمهور أصح، وقوله: هلال بن أمية الواقفي هو بقاف ثم فاء منسوب إلى بني واقف بطن من الأنصار، وهو هلال بن أمية بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب بن واقف، واسم واقف مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس الأنصاري. قوله ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه. قال القاضي عياض: هو بالرفع وموضعه نصب على الاختصاص. قال سيبويه نقلا عن العرب اللهم اغفر لنا أيتها العصابة وهذا مثله، وفي هذا هجران أهل البدع والمعاصي. قوله حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي أعرف، معناه حتى تغيَّر عليَّ كل شيء حتى الأرض حتى توحشت علي وصارت [كأنها] أرض لم أعرفها لتوحشها علي. قوله فأما صاحباي فاستكانا أي خضعا وذلا، والاستكانة استفعال من السكون قاله ابن الأثير. قوله وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم، [أي أصغرهم سنا وأقواهم وأشدّهم، ومنه قوله: جلدا معتدلا] [يقال شبّ الغلم كبر وفي صفة أهل الجنة يشبون فلا يهرمون، أي يدوم شبابهم فهم شببة. والشببة جمع شاب ككاتب وكتبة] (١)، والجلد القوة والشدة هو بالفتح ورجل جلد بالسكون

стр. 8073

وجليد بيِّن الجلد والجلادة. قوله مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة وهو ابن عمي، معنى تسوّرته علوته وصعدت سوره وهو أعلاه، والحائط هو البستان، وفيه جواز لدخول الإنسان بستان صديقه وقريبه الذي يدل عليه ويعرف أنه لا يكره ذلك بغير إذنه بشرط أن يعلم أنه ليس له هناك زوجة مكشوفة ونحو ذلك. قوله فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام، إنما لم يردّ ﵇ لعموم النهي عن كلامهم وفيه أنه لا يسلم على المبتدعة ونحوهم وفيه أن السلام كلام وأن من حلف لا يكلم إنسانا فسلم عليه أو رد عليه سلاما حنث، والله أعلم. قوله فقلت له يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمنَّ أني أحب الله ورسوله قال فسكت فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال الله ورسوله أعلم. أنشدك بالله تعالى هو بفتح الهمزة وضم الشين أي أسألك يقال نشده ينشده [إذا سأله بالله] (١) ونشدتك الله أسألك بالله تعالى [أي إذا سأله بالله تعالى] برفع نشدي مأخوذ من النشيد وهو رفع الصوت، يقال [نشدته الله و] (٢) نشدتك بالله. وقال الجوهري نشدت فلانا أنشده نشدا إذا قلت له نشدتك [الله] أي سألتك بالله كأنك [أذكرته] إياه فنشد أي تذكر اهـ، ومنه إنشاد الشعر وهو رفع الصوت به والناشد الطالب سمي به ناشد الضالة لرفع صوته

стр. 8074

بالطلب، وقيل في قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ (١) أي تطلبون به حقوقكم كقولك نشدتك بالله أي سألتك به اهـ قاله في شرح السنة. وقوله الله ورسوله أعلم. قال القاضي عياض (٢) لعل أبا قتادة لم يقصد بهذا تكليمه لأنه منهي عن كلامه وإنما قال ذلك لنفسه لما ناشده الله تعالى، فقال له أبو قتادة مظهرا لاعتقاده [و] لا ليسمعه ولو حلف رجل لا يكلم رجلا فسأله عن شيء فقال الله أعلم يريد إسماعه وجوابه حنث والله أعلم. قوله فبينا أنا أمشي في سوق المدينة وإذا نبطي، بفتح النون والموحدة الفلاح والاستنباط الاستخراج، ثم وصف النبطي بقوله: من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك. يقال النبط والأنباط والنبيط وهم فلاحوا العجم. قاله النووي (٣). وقال غيره نصاراها الذين عمروها. قوله حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان. ملك غسان هو من جملة ملوك اليمن سكنوا الشام واسمه الحارث بن أبي شمس مات كافرا عام الفتح، كاتَبه النبي ﷺ مع شجاع بن وهب وقال النبي ﷺ بعد أن رجع الرسول من عنده بادَ وباد ملكه، قاله شارح مشارق الأنوار.

стр. 8075

تنبيه: غسّان بفتح الغين المعجمة وتشديد السين [المهملة] وبعد الألف نون الأشهر ترك صرف غسان وقيل يصرف، قاله الكرماني. قوله ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، المضيعة فيها لغتان: إحداهما كسر الضاد وإسكان الياء والثانية بإسكان الضاد وفتح الياي أي في موضع وحال يضاع فيه حقك. قوله فألحق بنا نواسك. وفي بعض النسخ نواسيك بزيادة ياء وهو صحيح أي ونحن نواسيك وقطعه عن جواب الأمر ومعناه نشاركك فيما عندنا. قوله فتأممت بها التنور فسجرتها، هكذا هو في جميع نسخ بلادنا فتأممت وهي لغة في تيممت ومعناهما قصدت. ومعنى سجرتها أي أوقدتها فيه وأحرقتها. قال مجاهد (١) في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦)﴾ (٢)، معناه الموقد وأنثّ الضمير لأنه أراد معنى الكتاب وهو الصحيفة فإن قيل كيف [حرق ذلك] وفيها اسم الله تعالى فالجواب إن ذلك صيانة عن التغيير ورب فساد في الظاهر [تضمنه] صلاح والله أعلم. فيه جواز إحراق ما فيه اسم الله تعالى لمصلحة توجب ذلك كما فعل عثمان والصحابة ﵃ بالمصاحف بعد أن غسلوا منها بالماء ما قدروا عليه غير مصحفه الذي اجتمعت الصحابة عليه وكان ذلك صيانة فهي حاجة. وموضع الدلالة من

стр. 8076

حديث كعب أنه أحرق الورقة [وفيها:] ولم يجعلك الله بدار [هوان]. قوله واستُلبث الوحي أي أبطأ وبقي لم ينزل تلك المدة. قوله فإذا رسول رسول الله ﷺ جاء فقال إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل. فذكره إلى أن قال: فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر. الحديث. هذا دليل على أن هذا اللفظ ليس صريحا في الطلاق وإنما هو كناية ولم ينو به الطلاق فلم يقع لأنه زاد فيه حتى يقضي الله في هذا الأمر فهم [منه] (١) أنه قصد المضي غير ولهذا لم يؤمر بتجديد النكاح بعد التوبة وعلى هذا فلو قال ذلك ولم ينو به شيئا لم يقع به طلاق. وللطلاق كنايات و [الـ] صرائح فالصرائح الطلاق والفراق والسراح. قال الشافعي (٢): [ذكر الله] الطلاق في كتابه بهذه الثلاثة الأسماء فمن خاطب امرأته فأفرد لها اسما من هذه لزمته الطلاق وإن لم ينوه [في] الحكم وما تكلم به مما يشبه الطلاق، سوى هذه فليس بطلاق. [و] قال أبو حنيفة الصريح كلمة واحدة وهي الطلاق. وقال مالك: السراح والفراق من الكنايات الظاهرة، فأما التصريح فلا يحتاج إلى نية بخلاف الكناية. وقال [داود] لا يقع في التصريح إلا بالنية أيضا. وأما الكنايات فضابطها أن كل لفظ محتمل للفراق ولم [يسغ]

стр. 8077

استعماله فيه شرعا ولا عرفا فهو كناية، وهي تنقسم إلى جلي وخفي ثم النية المؤثِّرة فيها بالاتفاق أن تقترن بجميع اللفظ فإن اقترنت بأوله وعزبت في أثنائه فالمذهب الوقوع وإن خلا أوله تم نوى في أثنائه ففيه وجهان والله أعلم، قاله في شرح الإلمام، وسيأتي الكلام على ذلك أيضا في كنايات الطلاق. فائدة: ومن الكنايات [كقوله:] أنت خِلِيَّة أي من الأزواج، وبرِيَّة أي منه أيضا وبَتَّة أي مقطوعة الوصلة بهم وبَتْلة أي متروكة النكاح وبائن أي مفارقة وحرام [أنت] عليّ ممنوعة منى للفرقة، وأنت كالميتَة أي حرام بالطلاق كما يحرم أكل الميتة واعتدي واستبرئي أي رحمك لأني طلقتك وتقنّعى [واستبرئ] (١) أي حرمتك بالطلاق فاختفي عني وتجرعي أي كأس الفراق ومرارته وابعدي أي لأنك أجنبية مني واعزبي أي تباعدي مني، ووقع في بعض كتب الفقه واغربي بغين معجمة وراء وهو صحيح أيضا ومعناه صيري غريبة مني أجنبية واذهبي والحقي بأهلك كما ذكر في الحديث. وحبلك على غاربك أي خليت سبيلك أي أنت مرسلة مطلقة غير مشدودة ولا ممسكة بعقد النكاح أي خُلي سبيلك فليس [لك] أحد يمنعك عما تريد تشبيها بالبعير يوضع زمامه على ظهره ويطلق يسرح أين أراد في المرعى، قاله في النهاية (٢)، وأنت واحدة هو بالرفع أي متوحدة بلا زوج وما أشبه ذلك أي

стр. 8078

كقوله تجرعي وتزودي واخرجي وسافري وتزوجي وما في معناه، فإن نوى [به] الطلاق وقع بالإجماع. [كان الرجل في الجاهلية يقول لزوجته أنت خليّة فكانت تطلق منه وهي في الإسلام كنايات الطلاق فإذا نوى بها الطلاق وقع. يقال رجل خلي لا زوجة له وامرأة خلية لا زوج لها، قاله في النهاية (١)] (٢). تنبيه: وظاهر هذا اعتبار اقتران النية بكل اللفظ وهو الصحيح في المنهاج والمحرر وعبارة أصل الروضة فلو اقترنت بأوّل اللفظ دون آخره أو عكسه طلقت على الأصح فوقع التخالف. قال ابن الرفعة المذهب الوقوع فيما اقترنت بأوله ولم يرجح شيئا فيما إذا اقترنت بآخره والمسألة موضحة في شرح المنهاج لابن الملقن فليراجعه من أراد ذلك وإن لم [ينو] به الطلاق لم يقع لأنه يحتمل الطلاق وغيره والأصل بقاء النكاح والله أعلم. فرع: لو قال طلقتك من عقالك لم يكن صريحا لأن العقال مجاز في النكاح، قاله في البحر. فرع آخر: لو قال عليّ الطلاق ونوى الطلاق كان طلاقًا، قال المزني ولا نص للشافعي فيه وكثير من الناس لا يعرفون هذا إلا طلاقًا ورأيت في الكفاية للصيمري الجزم بأنه صريح فقال وإن قال علي الطلاق أو الطلاق لازم لي

стр. 8079

ونحو ذلك فهذا صريح لا يُرجع فيه إلى الإرادة لأن العُرف أوجب ذلك اهـ، قاله في هادي النبيه لابن الملقن. قوله وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب يعني قادرا على خدمة نفسي وأخاف أيضا على نفسي من حدّة الشباب أن أصيب امرأتي وقد نهيت عنها. قوله فلبثت بذلك عشر ليال. أي مكثت واللبث هو المكث. قوله فكمل لنا خمسون ليلة، كمل بفتح الميم وضمها وكسرها. قوله فبينا أنا جالس على الحالة التي ذكر الله منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت أي بما اتسعت ومعناه ضاقت عليّ الأرض مع أنها متسعة [والرحيب] السعة، [يقال] منزل رحب ورحيب ورحاب. قوله سمعت صوت صارخ أوفى على سلع [يقول بأعلى صوته يا كعب بن مالك أبشر. البشارة بالضم والكسر قاله الجوهري (١)] (٢) ومعنى أوفى أشرف وطلع، وسلع هو جبل مشهور بالمدينة وقد أكثرت الشعراء ذكره في أشعارهم، فيه دليل لاستحباب التبشير وتهنئة من تجردت له نعمة ظاهرة واندفعت عنه كربة شديدة ونحو هذا وهذا الاستحباب عام في كل نعمة حصلت أو كربة انكشفت سواء كانت من أمور الدين أو الدنيا.

стр. 8080

قوله فخررت ساجدا وعلمت أن قد جاء الفرج. وهذه السجدة كان بعد صلاة الصبح كما ورد ذلك في هذا الحديث [و] فيه دليل للشافعي وموافقيه في استحباب سجود الشكر لكل نعمة ظاهرة حصلت أو نقمة ظاهرة اندفعت. فائدة قال العلماء في كتب الفقه ومن تجردت له نعمة ظاهرة كقدوم غائب وحدوث ولد وشفاء مريض ونحو ذلك أو اندفعت عنه نقمة ظاهرة كنجاته مما ظن وقوعه به وكالهدم والغرق ونحو ذلك استحب له أن يسجد شكرا لله تعالى أي في غير الصلاة لما روى أبو داود وغيره أنه ﷺ كان إذا جاءه أمر [سُرَّ وخرَّ] (١) ساجدا شكرا لله تعالى وسجد ﷺ في ص شكرا لأنها توبة من الله تعالى على داود صلى الله على نبينا وعليه وسجد أبو بكر عند فتح اليمامة وقتل مسيلمة وسجد عمر عند فتح اليرموك وسجد علي عند رؤية ذي الثديتين قتيلا بالنهروان وأما النعم الباطنة فلا يُسجد لها لأنها ملازمة له في كل أوان فلو يسجد لها لاستغرق عمره بالسجود، [و] أما لو وجد ذلك وهو في الصلاة فلا يسجد فلو خالف بطلت صلاته جزما اهـ. قاله في مختصر الكفاية. تنبيه ولا يكره ذلك في الأوقات المكروهة لفواتها بالتأخير وسجود التلاوة مقيس عليه، وإنما اقتصر النووي (٢) على الشكر لأن النص ورد بها.

стр. 8081

قوله وركض رجل إلي فرسا. الركض هو جري الفرس أي حرّكه برجله وأصل الركض الرفع، وركض الدابة منه أي تحريكها بالرجل قاله عياض (١). قوله وأذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا، أي أعلمهم. قوله: وسعى ساع من أسلم قبلي وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس. السعي هو الإسراع في [المشي]. [قوله] (٢) وأسلم قبيلة معروفة من العرب. [قوله] (٣) قبلي أي نحوي، وأوفى على الجبل أي طلع عليه. قوله فلما أن جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشارته، فيه استحباب إجازة البشير بخلعة وإلا فبغيرها والخلعة أحسن وهي المعتادة. وقوله ببشارته، البشارة بالضم ما يعطى البشير كالعمالة للعامل وبالكسر الاسم لأنه تظهر طلاقة الإنسان وفرحه. قاله في النهاية (٤). قوله والله لا أملك غيرها يومئذ، فالمراد [به] من الثياب ونحوها مما يخلع ويليق بالبشير وفيه دليل على تخصيص اليمين بالنية قال النووي (٥) وهو مذهبنا فإذا حلف لا مال له ونوى نوعا لم يحنث بنوع آخر من المال أو لا يأكل ونوى تمرا لم يحنث بالخبز.

стр. 8082

قوله واستعرت ثوبين فلبستهما، فيه جواز العارية وجواز إعارته الثوب للبس. قوله وانطلقت أيمم النبي الله ﷺ . أي أقصده، ومثله تيممت بها التنور. قوله فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة أي جماعة جماعة يهنئوني بالتوبة. قوله فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني. وطلحة بين عبيد الله القرشي أحد العشرة المبشرة بالجنة ففيه استحباب مصافحة القادم والقيام له إكرام، والهرولة إلى لقائه بشاشة به وفرحا. قوله فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك. معناه سوى يوم إسلامك، وإنما لم يستثنه لأنه معلوم لا بد منه. قوله وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر. [سئل بعض الطلبة الحذاق عن قوله في حديث كعب بن مالك لما أطلق عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وبشر بتوبة الله تعالى عليه. قال: فلما سلمت على رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور؛ الحديث ما الحكمة في تشبيه وججه بالقطعة دون القمر؟ فقال: الحكمة في ذلك والله تعالى أعلم أن القمر بكماله يشوبه بعض سواد فشببه بقطعة في القمر نيرة خالصة من السواد، هذا ما ظهر لي والله تعالى أعلم. ويؤيد ذلك ما رواه ابن العماد في كشف الأسرار أنه قال: سأل ابن الكواء عليا رضي الله تعالى عنه عن ذلك السواد الذي يكون في القمر، فقال أنه أثر مسح جناح جبريل ﵇، وذلك أن

стр. 8083

الله تعالى خلق نور القمر سبعين جزءا، وكذلك نور الشمس، ثم أتى جبريل فمسحه بجناحه -كلمة غير واضحة- القمر تسعة وستين جزءا فحولها إلى الشمس، فأذهب عنه الضوء وأبقى فيه النور. وذكر قوله: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ (١)، وأنت إذا تأملت السواد الذي في القمر وجدتها حروفا أولها الجيم وثانيها الميم وثالثها الياء واللام ألف آخر الكل مكتوب: جميلا، وقد شاهدت ذلك وقرأته مرات، فسبحان من خلقه جميلا] (٢). قوله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. الحديث. معنى أنخلع أخرج منه وأتصدق به. وقال في النهاية (٣) أي أخرج منه جميعه وأتصدق به وأعرى منه كما يعرى الإنسان إذا خلع ثوبه اهـ. وفيه استحباب الصدقة شكرا [للنعم] المتجددة لا سيما ما عظم منها وإنما أمره ﷺ بالاقتصار ببعضه خوفا من تضرره بالفقر وخوفا أن لا يصبر على الإضافة ولا يخالف هذا صدقة أبي بكر ﵁ بجميع ماله فإنه كان صابرا راضيا. فإن قيل كيف قال أنخلع من مالي [فأثبت] له مالا مع قوله أولا نزعت له ثوبيّ والله لا أملك غيرهما؟ فالجواب أن المراد بقوله أنخلع من مالي الأرض والعقار ولهذا قال [فإني] (٤) أمسك سهمي الذي بخيبر ففي هذا

стр. 8084

دليل على أنه لا يستحب التصدق بجميع المال وإنما يستحب التصدق بالفاضل عن الكفاية وهذا في حق من لا يصبر على الإضافة فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمنة والأمكنة وهي مسألة اختلف أهل العلم فيها، فمذهب الشافعي ﵀ إن كانت نفسه شديدة الصبر لم [يكره له] التصدق بجميع ماله ألا ترى أن الصدِّيق ﵁ خرج من جميع أمواله؟ أما من خشي على نفسه قلة الصبر فيكره له الخروج من جميع ماله. وحكى القاضي عياض عن الجماهير أنه يجوز الخروج من جميع المال، وعن بعض أهل العلم أنّ ذلك يجوز وذكر أنه مذهب عمر ﵁ وحكى عن بعضهم أنه لا تجوز الزيادة على الثلث [ومستنده أمر النبي ﷺ أبا لبابة بإخراج الثلث] (١). وعن بعض أهل العلم أنه لا يُزاد على النصف، والله أعلم. قاله ابن عقيل الحنبلي في شرح الأحكام. فائدة: يؤخذ من الحديث أنه ليس من شرط التوبة التصدق بالثياب ولا بالمال وللتوبة شروط أحدها الإقلاع عن الذنب بالقلب والندم على الذنب والعزم على أن لا يعود إليه في الأزمنة المستقبلة فلو تاب في رمضان عن شرب الخمر وفي عزمه أنه بعد رمضان يعود إليه لم تصح توبته ولا بد أن يعزم على أن لا يعود مع القدرة وإلا فلا تتحقق التوبة، فلو جُبَّ ذَكَر الزاني وعزم أن لا يعود لم يتحقق صدق توبته لفقر آلة الزنا. وكذلك من كان يتضرر بشرب الخمر فتاب عنها لذلك لم يتحقق صدق توبته ولا بد أن يكون العزم

стр. 8085

على ترك العود خالصا من الحظوظ الدنيوية فمن ترك شرب الخمر خوفا على سقوط منزلته عند الناس أو خوفا على عدالته لم تصح توبته؛ والشرط الرابع أن يرد ظلامة الآدمي فلا تصح توبة الغاصب حتى يرد العين المغصوبة إلى مالكها. والشروط الأُوَلُ مأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ (١) الآية، لأن من ذكر الله ندم والاستغفار يستلزم الإقلاع والعزم على أن لا يعود لأن الاستغفار مع الإصرار توبة الكذابين، والشرط الرابع من قوله تعالى ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ (٢) لأن من أمسك العين المغصوبة مصر على المعصية فلا تصح توبته حتى يردها على صاحبها. ومن شروط التوبة أن لا تطلع إلى الشمس من مغربها وأن لا تبلغ الروح الحلقوم. قال الله تعالى ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (٣)، وملك الموت إذا حضر وشاهده المريض شخص بصره ولا تنفع التوبة حينئذ، والله أعلم. تنبيه: وهو [دليل] على أن الصادق الإيمان يحرص على التوبة ولو تحمل فيها أشد الشدائد وأن ضيق النفس والأرض بما رحبت مفتاح التوبة والفرج. اهـ. قاله في الحدائق.

стр. 8086

قوله: فوالله ما علمت أحدا أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى أي أنعم عليّ ومنه في حديث هرقل [شكرًا] لما أبلاني الله أي أنعم به علي ومنه قوله تعالى ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (١)، أي نعمة والابتلاء ينطلق على الخير والشر وأصله الاختبار وأكثر ما يأتي مطلقا في الشر فإذا جاء في الخير جاء مقيدا كما قال تعالى ﴿بَلَاءً حَسَنًا﴾ (٢)، وكما قال هنا: أحسن مما أبلاني الله. قال ابن قتيبة يقال أبلاه الله يُبليه [إبلاءً] حسنا وبلاه يبلوه بلاء في الشر. وقال صاحب الأفعال بلاه الله بالخير والشر بلاء اختبره به وصنعه له وأبلاه [الله] (٣) بلاء حسنا فعله به اهـ. قاله النووي في شرح مسلم (٤). قوله والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ . الكذبة بفتح الكاف وكسرها، والذال ساكنة فيهما، قال القاضي عياض (٥) وأنكر بعضهم الكسر إلا إذا أراد الحالة أو الهيئة وليس هذا موضعها. قوله قال كعب والله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ ألا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا. هكذا في جميع نسخ مسلم وكثير من روايات البخاري بفتح

стр. 8087

الهمزة وتشديد اللام لكافة رواة الصحيحين حيث تكرر وعند الأصيلي في باب حديث كعب بن مالك إلا أن أكون كذبته بزيادة أن والصواب الأول ومعناه أن أكون كذبته فأهلك ولا هنا زائدة كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (١) أي أن تسجد. وقوله فأهلك هو بكسر اللام على الفصيح المشهور. وحكي فتحها وهو شاذ ضعيف. قوله قال كعب كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ . يريد تخلفهم عن غزوة تبوك وتأخر توبتهم وهذه اللفظة تقال في الاختصاص وتختص بالمخبر عن نفسه، [والمخاطب يقول] أما أنا فافعل كذا أيها الرجل يعني نفسه، فمعنى قول كعب أيتها الثلاثة أي المخصوصين بالتخلف، قاله في النهاية (٢) والله أعلم، قوله تعالى ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (٣) [الحديث]، [و] كان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع [وتقدم ذكرهم والكلام عليهم] (٤). قوله وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا أي أخَّره والإرجاء التأخير اهـ. قاله الحافظ المنذري. قال النووي في شرح مسلم (٥): واعلم أن في حديث كعب

стр. 8088

بن مالك هذا فوائد كثيرة إحداها إباحة الغنيمة لهذه الأمة لقوله خرجوا يريدون عير قريش. الثانية: فضيلة أهل بدر وأهل العقبة. الثالثة: جواز الحلف من غير استحلاف في غير الدعوى عند القاضي. الرابعة: أنه ينبغي لأمير الجيش إذا أراد غزوة أن يوري بغيرها، لئلا يسبقه الجواسيس ونحوهم بالتحذير، إلا إذا كانت سفرة بعيدة، فيستحب أن يعرفهم البعد ليتأهبوا. الخامسة: التأسف على ما فات من الخير، وتمني المتأسف أنه كان فعله، لقوله: يا ليتني فعلت. السادسة: رد غيبة المسلم لقول معاذ ﵁: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا. السابعة: فضيلة الصدق وملازمته، وإن كان فيه مشقة، فإن عاقبته خير، وإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، كما ثبت في الصحيح وسيأتي هذا الحديث والكلام عليه. الثامنة: استحباب صلاة القادم من سفره ركعتين في مسجد محلته أول قدومه قبل كل شيء. التاسعة: أنه يستحب للقادم من سفر إذا كان مشهورا يقصده الناس للسلام عليه، أن يقعد لهم في مجلس بارز، هين الوصول إليه. العاشرة: الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، وقبول معاذير المنافقين ونحوهم، ما لم يترتب على ذلك مفسدة.

стр. 8089

الحادية عشرة: استحباب هجران أهل البدع والمعاصي الظاهرة، وترك السلام عليهم، ومقاطعتهم تحقيرا لهم وزجرا. الثانية عشرة: استحباب بكائه على نفسه إذا وقعت منه معصية. الثالثة عشرة: أن مسارقة النظر في الصلاة والالتفات لا يبطلها. الرابعة عشرة: أن السلام يسمى كلاما، وكذلك رد السلام، وأن من حلف لا يكلم إنسانا فسلم عليه، أو رد ﵇، [حنث]. الخامسة عشرة: وجوب طاعة الله ورسوله ﷺ على مودة الصديق والقريب وغيرهما، كما فعل أبو قتادة حين سلم عليه كعب، فلم يرد عليه حيث نهي عن كلامه. السادسة عشرة: أنه إذا حلف لا يكلم إنسانا فتكلم، ولم يقصد كلامه بل قصد غيره، فسمع المحلوف عليه لم يحنث الحالف؛ لقوله: الله [ورسوله] (١) أعلم: فإنه محمول على أنه لم يقصد كلامه كما سبق. السابعة عشرة: جواز إحراق ورقة فيها ذكر الله تعالى لمصلحة، كما فعل عثمان والصحابة ﵃ بالمصاحف غير مصحفه الذي اجتمعت الصحابة عليه، وكان ذلك صيانة، فهي حاجة وموضع الدلالة من حديث كعب، أنه أحرق الورقة، وفيها: لم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة. الثامنة عشرة: إخفاء ما يخاف من إظهاره مفسدة وإتلافه. التاسعة عشرة: قوله لامرأته: الحقي بأهلك ليس بصريح طلاق، ولا يقع

стр. 8090

به شيء إذا لم ينو. العشرون: جواز خدمة المرأة زوجها برضاها، وذلك جائز له بالإجماع، فأما إلزامها بذلك فلا. الحادية والعشرون: استحباب الكنايات في ألفاظ الاستمتاع بالنساء ونحوها. الثانية والعشرون: الورع والاحتياط بمجانبة ما يخاف منه الوقوع في منهي عنه، لأنه لم يستأذن في خدمة امرأته له، وعلل بأنه شاب، أي لا يأمن مواقعتها، وقد نهي عنها. الثالثة والعشرون: استحباب سجود الشكر عند تجدد نعمة ظاهرة، أو اندفاع بلية ظاهرة، وهو مذهب الشافعي ﵀ وطائفة، وقال أبو حنيفة وطائفة: لا يشرع. الرابعة والعشرون: استحباب التبشير بالخير. الخامسة والعشرون: استحباب تهنئة من رزقه الله خيرا ظاهرا، أو صرف عنه شرا ظاهرا. السادسة والعشرون: أنه يجوز تخصيص اليمين بالنية، فإذا حلف لا مال له ونوى نوعا لم يحنث بنوع من المال غيره، وإذا حلف لا يأكل [ونوى] خبزا، لم يحنث بأكل اللحم والتمر وسائر المأكول، ولا يحنث إلا بذلك النوع، وكذلك لو حلف لا يكلم زيدا، ونوى كلاما مخصوصا لم يحنث بتكليمه إياه غير ذلك الكلام المخصوص، وهذا كله متفق عليه عند أصحابنا، ودليله من الحديث قوله في الثوبين: والله ما أملك غيرهما، ثم قال

стр. 8091

بعد ذلك من ساعته: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة، ثم قال: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. [السابعة] والعشرون: جواز العارية. [الثامنة] والعشرون: جواز استعارة الثياب للبس. وتقدم ذلك. [التاسعة والعشرون]: استحباب اجتماع الناس عند إمامهم وكبيرهم في الأمور المهمة من بشارة ومشورة وغيرهما. [الثلاثون]: استحباب القيام للوارد [إكراما له] (١) إذا كان من أهل الفضل بأي نوع كان، وقد جاءت به أحاديث جمعتها في جزء مستقل بالترخيص فيه، والجواب عما يظن به مخالفا لذلك. [الحادية] والثلاثون: استحباب المصافحة عند التلاقي وهي سنة بلا خلاف. [الثانية] والثلاثون: استحباب سرور الإمام وكبير القوم بما يسر أصحابه وأتباعه. [الثالثة] والثلاثون: أنه يستحب لمن حصلت له نعمة ظاهرة، أو اندفعت عنه كربة ظاهرة أن يتصدق بشيء صالح من ماله شكرا لله تعالى على إحسانه، وقد ذكر أصحابنا أنه يستحب له سجود الشكر والصدقة جميعا، وقد اجتمعا في هذا الحديث. [الرابعة] والثلاثون: أنه يستحب لمن خاف ألا يصبر على الإضاقة ألا يتصدق بجميع ماله، بل ذلك مكروه له.

стр. 8092

[الخامسة] والثلاثون: أنه يستحب لمن رأى من يريد أن يتصدق بكل ماله ويخاف عليه ألا يصبر على الإضاقة أن ينهاه عن ذلك، ويشير عليه ببعضه. [السادسة] والثلاثون: أنه يستحب لمن تاب بسبب من الخير أن يحافظ على ذلك السبب، فهو أبلغ في تعظيم حرمات الله، وكما فعل كعب ﵁ في الصدق، والله أعلم. ٤٤٣٥ - وعن عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا الأمانة إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم" رواه أحمد (١)، وابن حبان في صحيحه (٢)، والحاكم (٣)، كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب عنه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. [قال الحافظ]: المطلب لم يسمع من عبادة، والله أعلم. قوله وعن عُبادة بن الصامت بضم العين هو أبو الوليد بن الصامت بن

стр. 8093

قيس الأنصاري الخزرجي وهو أول من ولي قضاء فلسطين وكان طويلا جسيما جميلا فاضلا خيِّرا توفي سنة أربع وثلاثين قال في الاستيعاب وجهه عمر إلى الشام قاضيا ومعلِّما فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين ومات بها ودفن ببيت المقدس وقبره بها معروف. وقيل توفي بالرملة. قاله الكرماني (١). وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا. قوله ﷺ : اضمنوا [لي] ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة. الضمان الكفالة تقدم في النكاح. ٤٤٣٦ - وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "تقبلوا لي ستا أتقبل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا وعد فلا يخلف، وإذا ائتمن فلا يخن غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم" رواه أبو بكر بن أبي شيبة (٢) وأبو يعلى (٣) والحاكم (٤) والبيهقي (٥)، ورواتهم ثقات إلا سعد بن سنان.

стр. 8094

قوله وعن أنس تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ تقبلوا لي ستا أتقبل لكم بالجنة الحديث. أتقبل معناه أتكفل لكم بدخول الجنة. ٤٤٣٧ - وعن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحا" رواه البيهقي بإسناد حسن، ورواه أبو داود (١) والترمذي (٢) وحسنه، وابن ماجه (٣) في حديث تقدم في حسن الخلق. قوله وعن أبي أمامة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا الحديث. الزعيم الضامن قال الله تعالى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٤)، والمراد بالبيت هنا القصر.

стр. 8095

٤٤٣٨ - وعن عبد الرحمن بن الحارث عن أبي قراد السلمي ﵁ قال: "كنا عند النبي ﷺ فدعا بطهور، فغمس يده فتوضأ فتتبعناه فحسوناه فقال النبي ﷺ : ما حملكم على ما فعلتم؟ قلنا: حب الله ورسوله قال: فإن أحببتم أن يحبكم الله ورسوله، فأدوا إذا ائتمنتم، واصدقوا إذا حدثتم، وأحسنوا جوار من جاوركم" رواه الطبراني (١). قوله وروي عن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي قراد السلمي عداده في أهل الحجاز، يقال له: ابن الفاكه روى عنه: عمارة بن خزيمة بن ثابت، والحارث بن فضيل (٢). قوله كنا عند النبي ﷺ فدعا بطهور فغمس يده فتوضأ فتتبعناه فحسوناه الحديث. الطهور بالفتح هو الماء الذي يتوضأ به وحسوناه معناه شربناه. ٤٤٣٩ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة" رواه أحمد (٣) وابن أبي الدنيا (٤)

стр. 8096

والطبراني (١) والبيهقي (٢) بأسانيد حسنة. قوله وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي تقدم الكلام على مناقبه. قوله ﷺ أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا حفظ أمانة وصدق حديث وحسن خليقة وعفة في طعمة الحديث. معنى حسن خليقة كذا والعفة في الطعمة المراد بذلك العفة في المأكل يعني أن يكون حلالا. ٤٤٤٠ - وعن الحسن بن علي ﵄ قال: "حفظت من رسول الله ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" رواه الترمذي (٣) وقال حديث حسن صحيح.

стр. 8097

قوله وعن الحسن بن علي تقدم الكلام على مناقبه مبسوطا. قوله ﵁ قال حفظت من رسول الله ﷺ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك الحديث. يريبك بفتح الياء وضمها، ومعناه اترك ما تشك في حله واعدل إلى ما لا شك فيه. قوله فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة. الطمأنينة السكون والريب الشك والاسم الريبة. ٤٤٤١ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: "قلنا: يا نبي الله من خير الناس؟ قال: ذو القلب المخموم، واللسان الصادق. قال: يا نبي الله: قد عرفنا اللسان الصادق فما القلب المخموم؟ قال: التقي الذي لا إثم فيه، ولا بغي، ولا حسد. قال: قلنا يا رسول الله، فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا، ويحب الآخرة. قلنا ما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى رسول الله ﷺ ، فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن. قلنا: أما هذه ففينا" رواه ابن ماجه (١) بإسناد صحيح، وتقدم لفظه، والبيهقي (٢)، وهذا لفظه، وهو أتم. قوله وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي تقدم الكلام على مناقبه. قوله قلنا

стр. 8098

يا نبي الله من خير الناس قال ذو القلب المخموم واللسان الصادق تقدم الكلام على القلب المخموم في الحسد. قوله قلنا يا رسول الله فمن على أثره قال الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة. يشنأ معناه يبغض. قوله فمن على أثره قال مؤمن في خلق حسن، تقدم الكلام على الخلق الحسن في بابه. ٤٤٤٢ - وعن منصور بن المعتمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تحروا الصدق، وإن رأيتم أن الهلكة فيه فإن فيه النجاة" رواه ابن الدنيا في كتاب الصمت (١) هكذا معضلا، ورواته ثقات. وعن منصور بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة بضم الراء، وتشديد الباء المفتوحة، أبو عتاب السلمى الكوفى. وهو من كبار تابعى التابعين. سمع زيد بن وهب، وأبا وائل، وربعى بن حراش، وأبا حازم الأشجعي، وأبا الضحى النخعي، والشعبى، والزهرى، وسالم بن أبى الجعد، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وخلائق. روى عنه سليمان التيمي، وأيوب، وحصين، والأعمش، ومسعد، والثوري، وهو أثبت الناس فيه، وشعبة، وابن عيينة، وزهير، وإسرائيل، وزايدة، ووهيب بن خالد، وفضيل بن عياض، وخلائق. واتفقوا

стр. 8099

على توثيقه، وجلالته، وإتقانه، وزهده، وعبادته، قال ابن مهدى: منصور أثبت أهل الكوفة. وقال ابن المدينى: إذا حدثك عن منصور ابن المعتمر ثقة فقد ملأت يديك لا تريد غيره. وقال الثوري: ما خلفت بالكوفة آمن على الحديث من منصور (١). قوله ﷺ تحروا الصدق وإن رأيتم أن الهلكة فيه الحديث. التحري القصد والاجتهاد في الطلب والعزم على تخصيص الشيء بالفعل والقول. ٤٤٤٣ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا" رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥) وصححه، واللفظ له. قوله وعن ابن مسعود كان ﵁ على قضاء الكوفة وبيت مالها لعمر ﵁ وصدرا من خلافة عثمان ودفن بالبقيع وصلى عليه عثمان وقيل الزبير وقيل عمار بن ياسر وقيل لحذيفة ﵁ أخبرنا برجل قريب السمت والهدى من

стр. 8100

رسول الله ﷺ [نأخذ عنه. قال: ما نعلم أحدا أقرب سمتا وهديا ودلًّا برسول الله ﷺ ] من ابن أم عبد. السمت عبارة عن الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيئة والشمائل، قاله في النهاية (١). والهدى بفتح الهاء وسكون الدال. والدَّلّ بالفتح الهدى؛ [قاله في النهاية (٢)]. وقال أبو عبيد الدل قريب المعنى من الهدى. وتقدم الكلام على مناقبه مبسوطا. [قوله ﷺ عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة الحديث. والهُدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلال في مقابله.] (٣) قوله ﷺ ما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، مبالغة من الصدق في القول والفعل وهي أعلى مراتب العباد عند الله بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومنه سمي أبو بكر الصديق ﵁. قوله ﷺ إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار. والكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به. والفجور الانبعاث في المعاصي. قال العلماء في هذا الحديث الحث على تحري

стр. 8101

الصدق وهو قصده والاعتناء به وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه فإنه إذا تساهل فيه كثر منه [فعرف] به وكتب عند الله لمبالغته صديقا إن اعتاده أو كذابا إن اعتاده، ومعنى يكتب هنا يحكم له بذلك ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم أو صفة الكذابين وعقابهم. والمراد إظهار ذلك للمخلوقين إما بأن يكتبه في ذلك ليشتهر بحظه من الصنفين في الملأ الأعلى وإما [أن] يلقي ذلك في قلوب الناس وألسنتهم كما يوضع له القبول والبغضاء في الأرض وإلا [فقدره] في كتابه السابق قد سبق بكل ذلك والله أعلم. قاله في الديباجة. ٤٤٤٤ - وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم بالصدق، فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب، فإنه مع الفجور، وهما في النار" رواه ابن حبان في صحيحه (١). قوله وعن أبي بكر الصديق تقدم. قوله ﷺ عليكم بالصدق فإنه مع البر. فيه [إشارة] إلى استعمال الصدق في كل الأحوال واجتناب الكذب والاحتراز منه غاية الاحتراز فإنه شعبة من شعب النفاق ويشهد لذلك ما روي عن النبي ﷺ قال آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب. قوله وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار. يريد الميل عن الصدق وأعمال الخير.
следующие страницы →