← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8027–8066 · переход к 8032.

стр. 8027

قوله وعن ابن عمر تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ بينما رجل ممن كان قبلكم يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة. تقدم الكلام على بينما والخيلاء هو الكبر والعجب اهـ. قاله الحافظ ويتجلجل أي يغوص وينزل فيها، قاله المنذري. أيضا وقال في النهاية (١) الجلجلة حركة مع صوت، قال العلماء قيل يحتمل أن يكون هذا الرجل من هذه الأمة فأخبر النبي ﷺ أنه سيقع هذا وقيل هو إخبار عمن قبل هذه الأمة وهذا هو الصحيح وهو الذي فهمه البخاري فأدخله في باب ذكر بني إسرائيل اهـ. ٤٤٢١ - وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "بينا رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما أمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" رواه أحمد (٢) والبزار (٣) بأسانيد رواة أحدها محتج بهم في الصحيح. قوله وعن أبي سعيد الخدري تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : بينما رجل ممن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما أمر الله الأرض فأخذته الحديث. البُرد بضم الباء الموحدة وإسكان

стр. 8028

الراء المهملة نوع من الثياب معروف، قال في المحكم (١) ثوب [فيه] خطوط، والجمع أبراد وأبرُد وبرود. وقال أبو العباس القرطبي (٢) البُردان الرداء والإزار وتقدم الكلام على [قوله] يتجلجل في الحديث قبله. ٤٤٢٢ - وعن جابر ﵁، أحسبه رفعه: "أن رجلا كان في حلة حمراء، فتبختر واختال فيها، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" رواه البزار (٣)، رواته رواة الصحيح. قوله وعن جابر هو ابن عبد الله تقدم الكلام عليه. قوله إن رجلا كان في حلة حمراء متبخترا واختال فيها، التبختر هو مشية فيها تمايل والحلة واحدة الحلل وهي برود اليمن ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد. قوله ﷺ : فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة تقدم معنى الخسف والجلجلة. [لطيفة:] حكاية غريبة رآى مالك بن دينار المهلب أمير المؤمنين وهو يتبختر في أثواب خيلائه فقال ارفع ثيابك فقال له المهلب أوَ ما تعرفني فقال بل أعرفك أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. قاله الحصني في كتابه قمع النفوس (٤).

стр. 8029

٤٤٢٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه، يختال في مشيته إذ خسف الله به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" رواه البخاري (١) ومسلم (٢). [مرجل]: أي ممشط. قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيته الحديث. تقدم الكلام على بينما والحلة. وأما قوله تعجبه نفسه قال أبو العباس القرطبي (٣) إعجاب الرجل بنفسه هو ملاحظته لها بعين الكمال والاستحسان مع نسيان منة الله تعالى فإن رفعها على الغير واحتقره فهو الكبر المذموم. وقوله مرجل رأسه يختال في مشيته وترجيل الشعر المراد به شعر الرأس خاصة. قال في النهاية (٤) تبعا للهروي: الترجيل تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه. وقال في المشارق: رجّل شعره أي مشطه وأرسله، ويقال شعر رجل بكسر الجيم وفتحها وضمها ثلاث لغات إذا كان بين السبوطة والجعودة. قلت [فيه] لغة رابعة وهي إسكان الجيم حكاها في المحكم، ثم قال في المشارق [قال الجوهري] الترجيل بلّ الشعر ثم يمشط، اهـ ذكره العراقي في شرح الأحكام (٥).

стр. 8030

وعن عائشه (١) أنها كانت ترجّل النبي ﷺ وهي حائض، الترجيل تسريح الشعر وفيه دليل على استحباب تربية شعر الرأس للرجل والمستحب لمن طال شعر رأسه أن يتعاهده بالدهن والتسريح ولا يترك رأسه شعثة فإن لم يتفرغ لتعاهده بالدهن والتسريح فحلقه أفضل من تركه، كذا قاله الغزالي وهو ظاهر. وإذا سرّحه بدأ بالشق الأيمن، وكذلك ينبغي أن يبدأ بالشق الأيمن إذا سرّح لحيته، اهـ. وعن وائل بن حجر (٢) قال رآني رسول الله ﷺ ولي شعر طويل فقال ذباب ذباب فانطلقت فأخذته فرآني النبي ﷺ فقال إني لم أعنك، وهذا أحسن، رواه أبو داود في الترجيل (٣) والنسائي في الزينة (٤). الذباب على لفظ جمع ذبابة الشؤم أي هذا شؤم، وقيل الذباب الشر الدائم يقال أصابه ذباب من هذا الأمر أي شر دائم بوّب عليه أبو داود باب تطويل الجمة. قال الخطابي (٥) أخبرني أبو عمر عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال

стр. 8031

الذباب الشؤم، وقال ابن سيدة الذباب الأذى، قال الشاعر: وليس بطارق الجيران مني ... ذباب لا ينام ولا ينيم، اهـ قاله في الديباجة. قوله ﷺ : في حديث أبي هريرة فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة الحديث، يتجلجل بالجيم، ورواه بعضهم بالخاء والأول أصح وأعرف والتجلجل السّوْخ في الأرض مع حركة واضطراب، قاله الخليل (١). وقال الأصمعي (٢) هو الذهاب بالشيء والمجيء به وأصله التردد ومنه تجلجل في كلامه وتلجلج أي تردد وأما تخلخل فبعيد هنا إلا أن يكون من [قولهم] خلخلت العظم إذا أخذت ما عليه من اللحم أو من التخلل والتداخل خلال الأرض. وقال النووي (٣) ومعنى يتجلجل يخسف به بالتدريج إلى يوم القيامة يقال تجلجل في الأرض أي ساخ ودخل فيها وإنما لحقه هذا الوعيد الشديد لأنه كان يصنع ذلك تكبرا أو خيلاء، والخيلاء هو الكبر والعجب كما تقّدم. فائدة: هذا الرجل الذي كان يمشي في حلة فخسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة اسمه الهيزن رجل من أعراب فارس وكذا ذكره

стр. 8032

الطبري (١) أن اسمه الهيزن رجل من أعراب فارس وهم الترك وهو الذي جاء فيه الحديث بينما رجل يمشي في حلة يتبختر فيها فخسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ذكره السهيلي (٢) في كتابه الإعلام وهو القائل فيما حكى الله تعالى عنه قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم في قصة إبراهيم الخليل ﵊ ورميه في النار [وهو الذي جاء فيه هذا الحديث]. ٤٤٢٤ - وروي عن كريب قال: "كنت أقود ابن عباس في زقاق أبي لهب فقال: يا كريب بلغنا مكان كذا وكذا؟ قلت: أنت عنده الآن، فقال: حدثني العباس بن المطلب ﵁ قال: بينا أنا مع النبي ﷺ في هذا الموضع إذ أقبل رجل يتبختر بين بردين، وينظر إلى عطفيه، وقد أعجبته نفسه إذ خسف الله به الأرض في هذا الموضع، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة" رواه أبو يعلى (٣).

стр. 8033

قوله: وعن كريب قوله كنت أقود ابن عباس في زقاق أبي لهب، يعني حين عمي، وزقاق أبي لهب موضع معروف بمكة، وتقدم الكلام على ابن عباس ﵄. قوله: إذ أقبل رجل يتبختر بين بردين وينظر في عطفيه، أي جانبيه يعني تكبرا أو عجبا إذ خسف الله به الأرض في هذا الموطن فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. والمراد بالموطن زقاق أبي لهب، وتقدم معنى الجلجلة. ٤٤٢٥ - وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده؟ فقال له رسول الله ﷺ : إنك لست ممن يفعله خيلاء" رواه مالك (١) والبخاري (٢)، واللفظ له، وهو أتم، ومسلم (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) وتقدم في اللباس أحاديث من هذا. قوله وعن ابن عمر المراد به عبد الله بن عمر تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ : من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه وإن كان على الله كريما تقدم الكلام على هذا الحديث في اللباس. ٤٤٢٦ - وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته، لقي الله ﵎ وهو عليه

стр. 8034

غضبان" رواه الطبراني في الكبير (١) واللفظ له، ورواته محتج بهم في الصحيح، والحاكم (٢) بنحوه، وقال: صحيح على شرط مسلم. قوله وعن ابن عمر تقدم. قوله ﷺ من تعظم في نفسه أو اختال في مشيته لقي الله ﵎ وهو عليه غضبان، [التعظيم] في النفس هو الكبر والنخوة والزهو، قاله في النهاية (٣)، والغضب في الآدمي هو حالة تحصل عند غَلَيانِ دم القلب لإرادة الانتقام جل ربنا وتعالى عن ذلك، وغضب الله تعالى هو انتقامه ممن عصاه. ٤٤٢٧ - وعن خولة بنت قيس ﵂ أن النبي ﷺ قال: إذا مشت أمتي المطيطاء، وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض. رواه ابن حبان في صحيحه (٤)، ورواه الترمذي (٥) وابن

стр. 8035

حبان (١) أيضا من حديث ابن عمر. [المطيطاء] بضم الميم وفتح الطاءين المهملتين بينهما ياء مثناة تحت ممدودا ويقصر: هو التبختر، ومد اليدين في المشي. بئس العبد سها ولها ... ونسي المقابر والبلى قوله وعن خولة بنت قيس كذا. قوله ﷺ إذا مشت أمتي المطيطا وخدمتهم فارس والروم سلط بعضهم على بعض. الحديث. المطيطا بضم الميم وفتح الطاءين المهملتين بينهما ياء مثناة تحت ممدود أو يقصر وهو التبختر ومد اليدين في المشي، اهـ، قاله المنذري. وقال بعض العلماء المطيطا مشية فيها تبختر ومد اليدين، يقال مطوت ومططت يعني مددت والتمطي من ذلك لأنه إذا تمطى مد يديه، ومنه قوله تعالى يتمطى أي يتبختر وهي من المصغرات التي لم يستعمل لها مكبر، [ومثله] حديث علي ﵁ إذا مشت هذه الأمة السميهاء فقد تودع منهم، السمها والسميها بضم السين وتشديد الميم التبختر من الكبر وفي هذا الباطل

стр. 8036

والكذب، اهـ. قال الشاعر: ولا تمشين في الأرض إلا تواضعا ... فكم تحتها قوم هم منك أفضل قوله وخدمتهم فارس والروم، المراد بفارس والروم أي أبناء الملوك، أبناء فارس والروم، وسلط الله شرارها على خيارها [يعني] إذا صارت أمتي متكبرين وعظم ملكهم وأخذوا بفارس والروم وخدمتهم أبناء فارس والروم سلط الله أي جعل الله الحكم بأيدي الظالمين فيظلمون الصالحين ويؤذونهم وهذا نتيجة فساد بعض الأئمة اهـ. والله أعلم. ٤٤٢٨ - وروي عن أسماء بنت عميس ﵄ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بئس العبد عبد تخيل واختال، ونسي الكبير المتعال بئس العبد عبد تجبر واعتدى، ونسي الجبار الأعلى. بئس العبد عبد سها ولها ونسي المقابر والبلى بئس العبد عبد عتى وطغى، ونسي المبتدا والمنتهى بئس العبد عبد يختل الدنيا بالدين بالشهوات بئس العبد عبد طمع يقوده بئس العبد عبد هوى يضله. بئس العبد عبد رغب يذله" رواه الترمذي (١)، وقال:

стр. 8037

حديث غريب، ورواه الطبراني (١) من حديث نعيم بن همار الغطفاني أخصر منه وتقدم. قوله وروي عن أسماء بنت عميس، أسماء بنت عميس امرأة جعفر بن أبي طالب، وعميس أبوها وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث من كنانة وهي أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبي ﷺ . قوله ﷺ : بئس العبد عبد تخيّل، واختال، ونسي الكبير المتعال، بئس موضوعة للذم ونعم للمدح. [قوله] (٢) تخيل واختال أي تخيل أنه خير من غيره فتكبر، والكبير المتعال، قال ابن الأثير هو العظيم ذو الكبرياء، وقيل المتعال عن صفات الخلق، وقيل المتكبر على عتات خلقه، والتاء فيه للتفرد والتخصيص لا للتعاطي والتكلف [والمتعالي] الذي جل عن إفك المفترين وعلا شأنه، وقد يكون بمعنى العالي.

стр. 8038

قوله ﷺ : بئس العبد عبد تجبر واعتدى ونسي الجبار الأعلى، التجبر والاعتداء كذا. قوله ﷺ : بئس العبد عبد سهى ولهى ونسي المقابر والبلى أي اشتغل باللعب. قوله ﷺ : بئس العبد عبد عتا وطغى ونسي المبتدا والمنتهى، العتو التجبر والتكبر، وطغا أي جاوز الحد والقدر في الشر. وقوله ونسي المبتدا والمنتهى أي نسي ابتداء خلقه وهو كونه نطفة وانتهاء حاله الذي يصير إليه وهو أن يكون ترابا. قوله ﷺ : بئس العبد عبد يختل الدين بالشهوات، وفي بعض الروايات يختل الدنيا بالدين أي يطلب الدنيا بعمل الآخرة يريك دينا وورعا حتى إذا ظفر بشيء من أمر الدنيا انكشف ضميره الخبيث قبّح الله الفاعل لذلك، يقال ختله يختله إذا خدعه وراوغَه ويختل الدين بالشهوات أي يقع في الحرام بالتأويل. قوله ﷺ : بئس العبد عبد طمع يقوده أي ذو طمع يقوده الطمع كذا. قوله ﷺ : بئس العبد عبد هوى يضله، أي شهوة أي ذو هوى، من الطريق المستقيم. قوله ﷺ : بئس العبد عبد رُغب بذله والرغب بضم الراء المهملة وإسكان الغين المعجمة ثم بالباء الموحدة هو الشَرَه. قال الجوهري (١) يقال الرغب

стр. 8039

شؤم أي الشره والحرص على الدنيا وقيل [سعة] (١) [الأمل] وطلب الكثير ومنه حديت مازن: وكنت امرأ بالرغب والخمر مولعا. أي بسعة البطن وكثرة الأكل، ويروى بالزاي يعني الجماع وفيه نظر، [وقيل سعة الأمل وطلب الكثير]. [قاله في النهاية (٢)] (٣). ٤٤٢٩ - وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن في جهنم واديا يقال له هبهب، حقا على الله أن يسكنه كل جبار عنيد" رواه أبو يعلى (٤) والطبراني (٥) والحاكم (٦) كلهم من رواية أزهر بن سنان، وقال الحاكم:

стр. 8040

صحيح الإسناد. [هبهب] بفتح الهاءين وموحدتين. قوله وعن أبي موسى، أبو موسى اسمه عبد الله بن قيس تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ إن في جهنم واديا يقال له هبهب بفتح الهاءين وبالباءين الموحدتين، [قاله المنذري] (١). والهبهب السريع، وهبهب الشراب إذا ترقرق، قاله في النهاية (٢). ٤٤٣٠ - وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم" رواه الترمذي (٣)، وقال حديث حسن.

стр. 8041

[قوله: يذهب بنفسه]: أي يترفع ويتكبر. قوله وعن سلمة بن الأكوع، وهو لغة، المحوج أي طرف الزند الذي يلي الإبهام واسم الأكوع سنان بن عبد الله الأسلمي المدني وسلمة يكنى بأبي مسلم أو أبي إياس أو أبي عامر وقيل: هو [أبو] (١) عمرو بن الأكوع شهد بيعة الرضوان وبايع رسول الله ﷺ يومئذ ثلاث في أول الناس وأوسطهم وآخرهم، روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وسبعون حديثا، خرّج البخاري منها أحدا وعشرين، وكان شجاعا [راميا] يسبق الفرس فاضلا خيِّرا سكن الربذة، ويقال أنه كلمه الذئب [قال سلمة رأيت الذئب] (٢) قد أخذ ظبيا فطلبته حتى نزعته منه فقال ويحك مالي ولك عمدت إلى رزق رزقنيه الله ليس من مالك [فتنزعه] منى قال قلت [يا] عباد الله إن هذا لعجب ذئب يتكلم، فقال الذئب أعجب منه أن رسول الله ﷺ في أصول النخل يدعوكم إلى عبادة الله وتأبون إلا عبادة الأوثان، قلت فلحقت برسول الله فأسلمت، مات سنة أربع وسبعين بالمدينة وهو ابن ثمانين سنة، قاله الكرماني (٣). قوله ﷺ لا يزال الرجل يذهب بنفسه الحديث أي يرتفع ويتكبر. [قال] الحافظ وفيه التحذير من [المبادئ] المؤدية إلى الإعجاب قاله في الحدائق.

стр. 8042

٤٤٣١ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه: العجب" رواه البزار (١) بإسناد جيد. قوله وعن أنس تقدم قوله ﷺ لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من العُجب، والعجب أن ينظر العبد إلى نفسه بعين العظمة وينظر غيره فقيرا ويقول أنا وأنا كما قال إبليس أنا خير منه ويطلب الترفع في المجالس والتصدر ويستنكف من رد الكلام، قاله صاحب زاد المسافر وتقدم الكلام عليه قريبا في كلام القرطبي. ٤٤٣٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب" رواه أبو

стр. 8043

داود (١) والترمذي (٢) واللفظ له، وقال: حديث حسن، وستأتي أحاديث من هذا النوع في الترهيب من احتقار المسلم إن شاء الله. [الجعل] بضم الجيم وفتح العين المهملة: هو دويبة أرضية. [يدهده]: أي يدحرج، وزنه ومعناه. [والعبية] بضم العين المهملة وكسرها، وتشديد الباء الموحدة وكسرها، وبعدها ياء مثناة تحت مشددة أيضا: هي الكبر والفخر والنخوة. قوله وعن أبي هريرة تقدم قوله ﷺ لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذي ماتوا إنما هم فحم جهنم وليكونن أهون على الله من الجُعَل الذي يُدَهْرِهُ الخرا بأنفه الحديث. [يدهده] أي يدحرج وزنه معناه، قاله المنذري، وفي حياة الحيوان للدميري روى ابن عدي (٣) في ترجمة أبي معشر واسمه نجيح عن المقبري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال ليدعن الناس فخرجهم في الجاهلية أو ليكونن أبغض إلى الله من الخنافس (٤)، والمراد بالجاهلية المدة التي كانت قبل نبوة رسول الله ﷺ لما كانوا عليه من فاحش الجهالات وقيل هو زمن الفترة مطلقا. قاله في النهاية (٥). والجُعَل بضم الجيم وفتح العين المهملة هو دويبة أرضية اهـ، قاله

стр. 8044

المنذري. وقال في حياة الحيوان (١) الجعل كوزن صُرَد ورطب جمعه جعلان ويقال له أبو جعران وهو دويبة معروفة تسمى الزعقوق تعض البهائم في فروجها فتهرب وهو أكبر من الخنفساء شديد السواد في بطنه لون حمرة للذكر قرنان يوجد كثيرا في مراح البقر والجاموس ومواضع الروث يتولد غالبا من أحشاء البقر ومن شأنه جمع النجاسة وادخارها ومن عجيب أمره أنه يموت من ريح الورد وريح الطيب فإذا أعيد إلى الروث عاش. قال أبو الطيب يصفه: كما تضُرّ رياح الورد بالجعل، وله جناحان لا تكادان تريان إذا طار وله ستة أرجل وسنام مرتفع جدا وهو يمشي القهقري إلى خلفه وهو مع هذه المشية يهتدي إلى بيته وإذا أراد الطيران تنفس فيظهر [جناحاه] ومن عادته أن يحرس النيام فمن قام منهم لحاجته تبعه وذلك من شهوته للغليظ لأنه قوته، اهـ. قوله في حديث ابن عدي أو ليكونن أبغض إلى الله من الخنافس. الخنافس جمع خنفساء وهي بفتح الفاء ممدودة والأنثى خنفسة وضم الفاء في ذلك لغة وكنيتها أم الأسود وهي معروفة تتولد من عفونة الأرض [وبينها] (٢) وبين العقرب صداقة ولهذا تسميها أهل المدينة الشريفة جارية العقرب وهي أنواع منها الجعل وحمار قبّان وبنات وَرْدَان وهي مخصوصة بكثرة الفسو ولذلك تقول العرب في أمثالها الخنفساء إذا تحركت نفست.

стр. 8045

تنبيه: قال الأصفهاني صاحب المغيث (١) في حديث الحجاج أنه رآى خنفساة فقال قاتل الله تعالى أقواما يزعمون أن هذه من خلق الله تعالى، فقيل مم هي؟ فقال هي من وَدَح إبليس. الودحُ ما يتعلق بإلية الشاة من البعر وغيره، يقال ودَحَت الغنم تَوْدَح وتأدح ودحا، وقد ذكره صاحب التتمة بالخاء المعجمة اهـ. فائدة: حكى القزويني أن رجلا رآى خنفساء فقال ماذا يريد الله من خلق هذه حسن شكلها أو طيب ريحها؟ فابتلاه الله بقرحة عجز عنها الأطباء حتى ترك علاجها، فسمع يوما صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدرب فقال هاتوه حتى ينظر في أمري فقالوا ما تصنع بطُرقيّ وقد عجز عنك الأطباء الحذّاق فقال لا بد لي منه، فلما أحضروه ورآى القرحة استدعى بخنفسة فضحك الحاضرون فتذكر العليل القول الذي سبق منه فقال أحضروا ما طلب فإن الرجل على بصيرة، فأحرقها ودرّ رمادها على قرحته فبرئ بإذن الله تعالى، فقال للحاضرين إن الله أراد أن يعرفني أن أخس المخلوقات أعز الأدوية. وحكى ابن خلكان (٢) في ترجمة جعفر بن خالد البرمكي أنه كان عنده أبو عبيد الثقفي فقصدته خنفساء فأمر جعفر بإزالتها فقال أبو عبيد دعوها عسى يأتيني بقصدها إليّ خير فإنهم يزعمون ذاك فأمر له جعفر بألف دينار وقال تحقق زعمهم وأمر بتنحيتها فقصدته ثانيا فأمر له بألف دينار أخرى اهـ. ذكر ذلك في حياة الحيوان (٣) الخواص إذا أخذت رءوس الخنافس وجعلت في برج حمام اجتمع

стр. 8046

الحمام إليه والاكتحال بما في جوفها من الرطوبة يحد البصر ويجلو غشاوة العين ويزيل البياض وينفع السل نفعا بليغا. وقال حنيس بن إسحاق طريق طرد الخناس أن تطرح في أماكنها الكرفس فإنها تهرب من ذلك المكان اهـ. قوله ﷺ : إن الله أذهب عنكم عبيّة الجاهلية وفخرجها بالآباء. العبية قد ضبطها الحافظ وفسرها فقال هي الكبر والفخر والنخوة، اهـ. قوله إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الحديث. يعني انقسم الخلائق على طائفتين مؤمن تقي أو فاجر شقي فإن كان مؤمنا فلا ينبغي للمؤمن أن يتكبر على أحد وإن كان فاجرا فهو ذليل عند الله تعالى، والذليل لا [يستحق] التكبر، والتكبر منهي عنه بكل حال، اهـ. قال العلماء معنى الحديث شببهم النبي ﷺ حالة افتخارهم بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بعد أن نهاهم [بالجعل، وشبَّه] آبائهم المفتخر بهم بالخراء وشبه نفسه افتخارهم به بالدهدهة بالأنف انتهى. [وفي مسند أبي داود الطيالسي (١) وشعب البيهقي (٢) عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده لما يدحرج الجعل بأنفه خير من آباءكم الذين ماتوا في

стр. 8047

الجاهلية. وفي حديث أبي الأحوص الذي رواه الحاكم (١) والطبراني (٢) عن ابن مسعود أنه قرأ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ (٣)، فقال كاد الجعل أن يعذب في حجره بذنب ابن آدم. وروى الطبراني (٤) وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات (٥) والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود (٦) أيضا قال إن ذنوب بني آدم لتقتل الجعل في حجره. وقال مجاهد (٧) في قوله تعالى ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٨) دواب الأرض الخنافس والجعلان منعوا القطر لخطاياهم أي لخطايا بني آدم] (٩).

стр. 8048

الترهيب من القول للفاسق والمبتدع يا سيدي ونحوها من الكلمات الدالة على التعظيم ٤٤٣٣ - عن بريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيدا، فقد أسخطتم ربكم " رواه أبو داود (١) والنسائي (٢) بإسناد صحيح، والحاكم (٣)، ولفظه قال: "إذا قال الرجل للمنافق: يا سيد، فقد أغضب ربه". وقال: صحيح الإسناد كذا قال. قوله عن بريدة هو بريدة بن. كذا قوله ﷺ لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن يكن سيدا فقد أسخطتم ربكم الحديث. وفي الحديث [أيضًا] لا تقولوا للمنافق سيد فإنه إن كان سيدكم وهو منافق فحالكم دون حاله والله لا يرضى لكم ذلك. والسيد يطلق

стр. 8049

على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومحتمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم وأصله من ساد يسود فهو سيود فقلبت الواو ياء لأجل الياء الساكنة قبلها ثم أدغمت، وفي رواية الحاكم إذا قال الرجل للمنافق يا سيد فقد أغضب ربه . وعن أنس (١) قال قال رسول الله ﷺ إن الله يغضب إذا مدح الفاسق في الأرض، وفي رواية إذا مُدح الفاسق غضب الرب واهتز العرش. قال النووي في الأذكار (٢) ونهى أن يقال للمنافق يا سيد قال وفي معنى المنافق الفاسق والظالم والمتهم في دينه أو نحو ذلك، اهـ. قال العلماء وإن كان فاضلا خيرا إما بعلم وإما بصلاح أو بغير ذلك فلا بأس بإطلاق ذلك، فيقال سيد ويا سيد.

стр. 8050

الترغيب في الصدق والترهيب من الكذب ٤٤٣٤ - عن عبد الله بن كعب بن مالك ﵁ قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قط، إلا في غزوة تبوك، غير أني قد تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنه، إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم، على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، وكان من خبري، حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل عدوا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ -يريد بذلك الديوان- قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله ، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعر، فتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في

стр. 8051

نفسي: أنا قادر على ذلك، إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم، فيا ليتني فعلت، ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله ﷺ ، يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال: وهو جالس في القوم بتبوك "ما فعل كعب بن مالك؟ " قال رجل من بني سلمة يا رسول الله حبسه برداه والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول الله ﷺ ، فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا خيثمة" فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون، فقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما، زاح عني الباطل، حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا، فأجمعت صدقه، وصبح رسول الله ﷺ قادما، وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم

стр. 8052

إلى الله، حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: "تعال" فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ " قال: قلت: يا رسول الله إني، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، قال رسول الله ﷺ : "أما هذا، فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك" فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا، لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ ، بما اعتذر به إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله ﷺ لك، قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ ، فأكذب نفسي، قال ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان، قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، قال قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي، قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، قال: فمضيت حين ذكروهما لي، قال ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا الناس، وقال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشب القوم

стр. 8053

وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام. فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمن أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته، فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك، قال: فطفق الناس يشيرون له إلي، حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا، فقرأته فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال فقلت: حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء فتياممت بها التنور فسجرتها بها، حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها، فلا تقربنها، قال: فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك، قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ ، فقالت له: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم،

стр. 8054

فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا، ولكن لا يقربنك" فقالت: إنه، والله ما به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان، إلى يومه هذا، قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ ، إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب، قال: فلبثت بذلك عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا، قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا، قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج، قال: فآذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرسا، وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمم رسول الله ﷺ ، يتلقاني الناس فوجا فوجا، يهنئوني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال: وهو يبرق

стр. 8055

وجهه من السرور ويقول: "أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك" قال فقلت: أمن عندك؟ يا رسول الله أم من عند الله فقال: "لا، بل من عند الله" وكان رسول الله ﷺ ، إذا سر استنار وجهه، كأن وجهه قطعة قمر، قال: وكنا نعرف ذلك، قال: فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "أمسك بعض مالك، فهو خير لك" قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، قال: وقلت: يا رسول الله إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، قال: فوالله ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ ، إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي، قال: فأنزل الله : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ (١)، قال كعب: والله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله ﷺ ، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل

стр. 8056

الوحي، شر ما قال لأحد. وقال الله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ (١)، قال كعب: كنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا، وليس الذي ذكر الله مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣)، واللفظ له، ورواه أبو داود (٤) والنسائي (٥) بنحوه مفرقا مختصرا، وروى الترمذي (٦) قطعة من أوله، ثم قال: وذكر الحديث. [ورى عن الشيء]: إذا ذكره بلفظ يدل عليه، أو على بعضه دلالة خفية عند السامع. [المفاز] والمفازة: هي الفلاة لا ماء بها. [يتمادى بي]: أي يتطاول ويتأخر.

стр. 8057

[وقوله: تفارط الغزو]: أي فات وقته من أراده، وبعد عليه إدراكه. [المغموض] بالغين والضاد المعجمتين: هو المعيب المشار إليه بالعيب. [ويزول به السراب]: أي يظهر شخصه خيالا فيه. [أوفى على سلع]: أي طلع عليه، وسلع جبل معروف في أرض المدينة. [أيمم] أي أقصد. [أرجأ أمرنا]: أخره، والإرجاء: التأخير. [وقوله: فانا إليها أصعر] بفتح الهمزة والعين المهملة جميعا وسكون الصاد المهملة: أي أميل إلى البقاء فيها، وأشتهي ذلك، والصعر: الميل، وقال الجوهري: في الخد خاصة. قوله عن عبد الله بن كعب بن مالك، هو الخزرجي السلمي بفتح الشين، عَمِي كعب في آخر عمره فكان ولده عبد الله هذا يقوده من بين سائر بنيه. قوله قال سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، الحديث. وتبوك بفتح المثناة فوق وبتخفيف الموحدة موضع في طريق الشام منه إلى المدينة [الشريفة] أربع عشرة مرحلة وإلى دمشق أحد عشر، والمشهور عدم صرفه للتأنيث والعلمية، وغزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه قاله النووي في شرح مسلم (١)، وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، وخرج رسول الله ﷺ إليها في ثلاثين ألفا في شدة الحر وكان المسلمون في عسرة. قال غزوة العسرة [وهي ضد اليسرة]

стр. 8058

هي غزوة تبوك سميت بذلك لأنها كانت في زمان شدة الحر وجذب البلاد ولمشقة السفر فيها وعسره على الناس، ووقت طيب الثمار ومفارقة الضلال والمفازة البعيدة وكثرة الأعداء وهم عسكر قيصر ملك الروم، والله أعلم. فأمرهم رسول الله ﷺ بالصدقة فجاء أبو بكر بماله كله وهو أربعة آلاف درهم وجاء عمر بنصف ماله وجهزّ عثمان [نصف] الجيش وقيل جهز عثمان بتسعمائة وخمسين بعيرا وخمسين فرسا وجاء إلى النبي ﷺ بألف دينار ونصب رسول الله ﷺ حجر مسجد تبوك بيده. قوله إنما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد. وقد اختلف العلماء في ذلك [أي في عدد المسلمين يومئذ] (١)، فقال النووي في شرح مسلم غزى رسول الله ﷺ بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف وقد قال أبو زرعة الرازي كانوا سبعين ألفا. وقال ابن إسحاق كانوا ثلاثين ألفا وهذا أشهر، وجمع بينهما بعض الأئمة أن أبا زرعة عدّ التابع والمتبوع وابن إسحاق عد المتبوع فقط، والله أعلم. والعير بالكسر هي الدواب التي تحمل الطعام وغيره من الأمتعة. قال في المشارق: العير هي [الإبل و] (٢) الدواب التي تحمل الطعام وغيره من التجارات مما يجلب للبيع. قال ولا تسمى عيرا إلا إذا كانت كذلك. وقال الجوهري في الصحاح: العير الإبل التي تحمل الميرة، والميرة الطعام وجمعها عيران بكسر العين وفتح الياء اهـ. وقيل العير الإبل

стр. 8059

[بأحمالها] من عار يعير إذا سار وقيل هي القافلة، قاله المنذري في الحواشي. وقال بعضهم العير القافلة لا يكون فيها حمار، قال الله تعالى: ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ (١). تنبيه: قوله عير قريش، وقريش هم ولد النضر بن كنانة وقيل ولد فهر بن مالك بن النضر واختلف في سبب تسميتهم قريشا فقيل من القرش وهو الكسب والجمع لتكسبهم أو لتجمعهم بعد التفرق، وقيل سموا بذلك باسم دابة في البحر من أقوى دوابه لقوتهم وسأل معاوية ابن عباس ﵄ [لم] سميت [قريش]؟ فقال بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل وتعلوا ولا تُعلى والتصغير للتعظيم وإن أردت به الحي صرفته وإن أردت به القبيلة لم تصرفه والفصيح الصرف وورد به القرآن [العظيم] اهـ. قاله في النهاية أو الكرماني على الشك (٢). قوله ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام أي تبايعنا عليه وتعاهدنا وليلة العقبة هي الليلة التي بايع رسول الله ﷺ فيها الأنصار على الإسلام وأن يؤووه وينصروه وهي العقبة التي في طريق منى التي تضاف إليها جمرة العقبة وكانت بيعة العقبة مرتين في سنتين في السنة الأولى كانوا اثنتي عشر وفي الثانية سبعين كلهم من الأنصار. قاله النووي (٣)

стр. 8060

في شرح مسلم قال الكرماني (١) واعلم أن الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة رسول الله ﷺ ليلة العقبة في السنة الأولى وهم اثنا عشر رجلا هم نقباء الأنصار وكان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم فبينما هو عند العقبة إذ لقي رهطا من الخزرج فقال ألا تجلسون أكلمكم قالوا بلى فجلسوا فدعاهم إلى الله تعالى وعرض عليهم الإسلام وتلى عليهم القرآن وقد سمعوا من اليهود أن النبي ﷺ قد أظل زمانه فقال بعضهم لبعض والله كذاك فلا تسبقني اليهود عليكم فأجابوه فلما انصرفوا إلى بلادهم وذكروه [لنفر منهم] فشا أمره ﵇ فأتى في العام المقبل اثنا عشر رجلا إلى الموسم من الأنصار أحدهم عبادة بن الصامت فلقوا رسول الله ﷺ بالعقبة وهي بيعة العقبة الأولى فبايعوه بيعة النساء يعني ما قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله ﴿فِي مَعْرُوفٍ﴾ (٢)، ثم انصرفوا وخرج في العام [الآخر] سبعون رجلا منهم إلى الحج فواعدهم رسول الله ﷺ العقبة أوسط أيام التشريق. قال كعب بن مالك: لما كانت الليلة التي وعدنا فيها بتنا أول الليل مع قومنا فلما استثقل الناس من النوم تسللنا من فرشنا حتى اجتمعنا بالعقبة فأتانا رسول الله ﷺ مع عمه العباس لا غير فقال العباس يا معشر الخزرج إن محمدا منا حيث علمتم وهو في منعة ونصرة [من] قومه وعشيرته وقد أبى إلا

стр. 8061

الانقطاع إليكم فإن كنتم وافين بما وعدتموه فأنتم وما تحملتم وإلا فاتركوه في قومه فتكلم رسول الله ﷺ داعيا إلى الله تعالى مرغبا في الإسلام تاليا للقرآن فأجبناه للإيمان فقال إني أبايعكم على أن تمنعوني مما منعتم منه أبناءكم. فقلنا ابسط يدك نبايعك عليه فقال ﷺ أخرجوا إليّ منكم اثنتي عشر نقيبا فأخرجنا من كل فرقة نقيبا وكان عبادة نقيب بني عوف فبايعوه وهذه بيعة العقبة الثانية ومنهم أيضا أسعد بن زرارة وقال ابن إسحاق أن أسعد بن زرارة إنما أسلم مع النفر الذين سبقوا قومهم بالإسلام بالعقبة الأولى وكان عقبيا بهذه العقبة الأولى والثانية والثالثة [وبايع فيها، وكانت البيعة الأولى وهم ستة نفر أو سبعة. والثانية: وهم اثنا عشر رجلا. والثالثة] وهم سبعون رجلا وبعضهم لا يسمي بيعة الستة عقبة وإنما يجعل عقبتين لا غير ومات أسعد بن زرارة في السنة الأولى في شوال قبل بدر لأن بدرا كانت في رمضان سنة اثنتين وكان موته بمرض يقال له الذبحة فكواه النبي ﷺ بيده فمات. وعن جابر قال مرض أبي بن كعب مرضا فأرسل إليه النبي ﷺ طبيبا فكواه على أكحله، الأكحل هو عرق معروف قال الخليل هو [عرق] الحياة ويقال هو نهر الحياة ففي كل عضو شعبة منه وله فيها اسم منفرد يقال له في اليد الأكحل وفي الفخذ النسا وفي الظهر الأبهر، قاله في الديباجة. تنبيه: النقباء جمع النقيب، وهو مقدم قومه، والناظر على القوم وضمينهم وعرفيهم والنقباء المذكورون في أصحاب النبي ﷺ من الأنصار الذين

стр. 8062

تقدموا لأخذ البيعة لنصرة النبي ﷺ وقيل سموا بذلك [لضمانهم] إسلام قومهم ونصرتهم [النبي] ﷺ ، والنقيب أيضا فوق العريف على القوم وقيل [الأمين]. واعلم أن لرسول الله ﷺ بيعة ثالثة مشهورة وهي البيعة التي وقعت بالحديبية تحت الشجرة عند توجهه من المدينة إلى مكة تسمى بيعة الرضوان وهذه بعد الهجرة بخلاف الأوليين وعبادة شهدها أيضا فهو من المبايعين في الثلاث ﵁، اهـ. تنبيه المبايعة على الإسلام عبارة عن المعاقدة والمعاهدة عليه سميت بذلك تشبيها بالمعاوضة المالية كأن كل واحد منهما يبيع ما عنده من صاحبه فمن طرف النبي ﷺ وعد الثواب ومن طرفهم التزام الطاعة وقد تعرف بأنها عقد الإمام العهد بما يأمر الناس به، قاله الكرماني (١). قوله تواثقنا على الإسلام أي تحالفنا وتعاهدنا والتواثق تفاعل منه والميثاق والعهد مِفعال من الوَثاق وهو في الأصل حبل أو قيد يُشدّ به الأسير والدابة [وذلك لأنها كانت سبب قوة رسول الله ﷺ وظهور الإسلام وإعلاء الكلمة اهـ] (٢). قوله وما أحبّ أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها أي أشهر عند الناس بالفضيلة، وبدر موضع الغزوة العظمى المشهورة لرسول الله ﷺ تُذكّر وتؤنث ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة وإنما

стр. 8063

خصصه بالذكر لشرف غزوة بدر وفضلها على سائر الغزوات والله أعلم. [﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ (١)، بدر ماء سمي] باسم صاحبه. قال العلماء هو اسم صاحب البئر بدر بن يخلد بن النضر بن كنابة وقيل بل هو رجل من بني ضمرة سكن هذا الموضع فنسب إليه ثم غلب اسمه عليه، وقيل بدر اسم بئر حفرها بدر الغفاري يقال له بدر بن النار أو [من] بني النار وهم بطن من غفار بن مليل فكان [هذا] الاسم فألا قدمه الله تعالى لمن ألقي فيها من كفار قريش وهم أهل النار اهـ. قوله والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة. قال الجوهري (٢) الراحلة هي الناقة التي تصلح أن ترحل، ويقال الراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى وإنما سميت راحلة لأنها ترحل أي يشد عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة كقوله تعالى: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (٣) أي مرضية. وقال ابن قتيبة الراحلة النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره، فهي كاملة الأوصاف فإذا كانت في إبل عرفت. وقال الأزهري الراحلة عند العرب الجمل النجيب والناقة النجيبة. وقال النووي (٤) وهو أجود من كلام ابن قتيبة: والراحلة البعير الكامل الأوصاف

стр. 8064

الحسن المنظر القوي على الأحمال والأسفار، اهـ، قاله ابن العماد في شرح عمدة الأحكام. قوله ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورَّى بغير حتى كانت تلك الغزوة. ورّى يقال ورّى عن الشيء إذا ذكره بلفظ يدل عليه أو على بعضه دلالة خفية عند السامع، اهـ. قاله الحافظ. وتورية الرسول ﷺ الغزو وليس بأن قال إني أريد غزو الموضع الفلاني وهو يريد غيرهم وهو كذب والكذب لا يجوز وإنما كان بالتعريض مثل أن يريد غزو بلد ولم يقل إني أريد ذلك الموضع بل يخفي ذلك في قلبه. فقوله ورّى بغيرها أي سترها وكنى عنها وأوهم أنه يريد غيرها، والحكمة في ذلك التعمية على الكفار ليأتيهم بغتة من غير أن يأخذوا أهبتهم فيكون أنكى فيهم وأدعى لحصول المقصود منهم ويؤيد ذلك قوله الحرب خدعة، قاله في شرح الإلمام. قوله واستقبل سفرا بعيدا ومفازا، [والمفاز] (١) والمفازة هي الفلاة لا ماء بها، قاله الحافظ، وقال بعضهم والمفاز والمفازة البرية القفراء والجمع المفاوز سميت بذلك على طريق التفاؤل وقيل لأن من قطعها فاز ونجا لأنها مهلكة، [و] قيل يهلك سالكها، يقال فوز الرجل إذا هلك اهـ. قوله واستقبل عدوا كثيرا فجلي للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم. فجلَا هو بتخفيف اللام وقيل والتشديد أي كشفه وبينه وأوضحه وعرّفهم ذلك على وجهه من غير تورية يقال جلوت الشيء كشفته. وقوله ليتأهبوا

стр. 8065

أهبة غزوهم، والأهبة بضم الهمزة وإسكان الهاء أي ليستعدوا لذلك بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك. قوله وأخبرهم بوجههم الذي يريد أي بمقصدهم، ورواه بعضهم بوجهتهم الذي يريد أي بنحوهم ومقصدهم. قوله والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يريد بذلك الديوان، والديوان [بكسر الدال ويُحكى بالفتح] (١) هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش والمجاهدين وأهل العطاء، ولم يكن ثم ديوان أولا، وأوّل من دوّن الديوان من المسلمين عمر رضى الله عنه وهو فارسيّ معرَّب وقيل عربي والله أعلم. قاله في النهاية (٢). قوله وغزى رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الظلال والثمار فأنا إليها أصعر، هو بفتح الهمزة والعين المهملة جميعا وسكون الصاد المهملة أي أميل إلى البقاء فيها وأشتهي ذلك والصعر الميل، وقال الجوهري (٣) في الخد خاصة. قاله الحافظ. قوله وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع [فـ] لم أقض من جهازي شيئا. طفقت بمعنى جعلت وأغدو أي أروح والجهاز هو بفتح الجيم وكسرها أي أهبة سفري.

стр. 8066

قوله فلم يزل ذلك يتمادى بي أي يتطاول ويتأخر قاله المنذري، وهو يتفاعل من المدى وفي الحديث لو تمادى الشهر لواصلت [أي فات وقته من أراده بتأخر وقته] (١) وهو من السبق أي سبق الغزاة فلم يلحقهم من تخلّف وفرّط وقصّر. [قوله حتى أسرعوا [و] تفارط الغزو أي [تباعد و] فات وقته من أراده وبعد عليه إدراكه، قاله الحافظ] (٢)، والتفريط ترك الشيء غير مهتبل به وأفرطت الشيء نسيته وتركته والإفراط الزيادة في الشيء حتى خرج به عن حده من قول أو فعل. وقال الفارسي تفارط الغزو أي تسابق وتَدانَى وقرب والفارط السابق اهـ. قاله عياض (٣). قوله حتى استمر بالناس الجد أي الانكماش والحرص قاله عياض. قوله إني لا أرى لي أسوة الإسوة كذا كذا قوله إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق كالمغموض بالغين والضاد المعجمتين هو المعيب المشار إليه بالعيب اهـ، قاله المنذري. وقال النووي وغيره المغموص بالغين المعجمة والصاد المهملة المتهم المستحقر يقال غمصت فلانا وأغمصته إذا استحقرته واستصغرته اهـ. وقال بعضهم مغموصا بالمعجمة ثم المهملة أي مطبوعا بالنفاق [ومتهما به] أي مطعون في دينه متهم بالنفاق. قوله ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوكا، هكذا في أكثر النسخ تبوكا
следующие страницы →