← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8132–8171 · переход к 8137.

стр. 8132

لكثرة [مواعيدهما] الكاذبة ومماطلتهم المطالبة. وفي كامل ابن عدي (١) عن مجاهد عن ابن عباس قال وهب رسول الله ﷺ لعمه غلاما وقال لا تسلمه صائغا ولا صيرفيا ولا جزارا، قال الخطابي يشبه أن يكون إنما كره كسب الصائغ لما يدخله من الربا ولما يجري على ألسنتهم من المواعيد الكاذبة في رد المتاع وقد يكثر هذا في الصياغة حتى صار ذلك كالسنة لهم وإن كان غيرهم قد يشركهم في بعض ذلك. وروري عن أبي رافع الصائغ (٢) قال كان [عمر يمازحني] يقول أكذب الناس الصواغ، يقول اليوم وغدا. وقيل رآى أبو هريرة قوما [متعادون.] فقال: ما شأنهم؟ قالوا خرج الدجال فقال [كذبة كَذَبَها] الصباغون. واختلف الأصحاب في قبول شهادة الصباغين والصواغين على [طريقين] والمذهب القطع بالقبول، وقيل لا تقبل شهادتهم قطعا لكثرة الكذب وخلف [الميعاد فيهم]، اهـ.

стр. 8133

ترهيب ذي الوجهين واللسانين ٤٤٧١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهة، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه" رواه مالك (١) والبخاري (٢) ومسلم (٣). قوله عن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ تجدون الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا الحديث. وفقهوا بضم القاف على المشهور وحكي كسرها أي صاروا فقهاء علماء عالمين بالأحكام الشرعية الفقهية والمعادن الأصول ومعادن العرب أصولها [التي] (٤) ينسبون إليها ويتفاخرون بها وشبههم بالمعادن لأنهم أوعية [العلوم] كما أن المعادن أوعية [الجواهر] النفيسة وقيل شبهوا بالمعادن لما فيها من الاستعدادات المتفاوتة وإذا كانت الأصول شريفة كانت الفروع كذلك غالبا. والفضيلة في الإسلام بالتقوى لكن [إن] (٥) انضم إليها شرف النسب ازدادت فضلا. فإن قلت لم قيّد بقوله إذا فقهوا [وكلّ] من أسلم وكان شريفا في الجاهلية فهو خير من الذي لم يكن له [شرف] فيها. قلت: ليس كذلك فإن الوضيع العالم خير من الشريف

стр. 8134

الجاهل، قال الشاعر: والعلم يرفع كل من لم يرفع. قاله الكرماني (١). قوله ﷺ : وتجدون خيار الناس في هذا الشأن أشدهم له كراهة. وفي بعض الأحاديث في هذا [الأمر] بدل الشأن. قال القاضي (٢) يحتمل أن [يراد] به الإسلام كما كان من عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعمرو بن العاصي وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو وغيرهم من مسلمة الفتح وغيرهم ممن كان يكره الإسلام كراهة شديدة ثم لما دخل فيه [أخلص] (٣) وأحبّه وجاهد فيه حق جهاده. قال ويحتمل أن المراد بالأمر والشأن الولايات لأنه إذا أعطيها من غير المسألة أعين عليها. فإن قلت كيف يصير خير جميع الناس بمجرد كراهته له. قلت أن تساووا في سائر الفضائل أو يراد من الناس [الأمراء أو معناه من خيرهم] اهـ قاله الكرماني (٤). قوله ﷺ وتجدون شر الناس ذا الوجهين، أي المنافق، الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، فسببه ظاهر لأنه نفاق محض وكذب وخداع وتحيل على اطلاعه على أسرار الطائفتين وهو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها ويظهر لها أنه منها في خير أو شر وهي مداهنة محرمة. قال الله تعالى ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، اهـ. ٤٤٧٢ - وعن محمد بن زيد أن ناسا قالوا لجده عبد الله بن عمر ﵃: "إننا ندخل على سلطاننا فنقول بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عنده،

стр. 8135

فقال: كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله ﷺ " رواه البخاري (١). قوله وعن محمد بن زيد هو محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أبو عبد الله المدنى (والد عمر بن محمد بن زيد و إخوته) قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة يحتج بحديثه (٢). كذا قوله: أن ناسا قالوا لجده عبد الله بن عمر إنا ندخل على سلطاننا فنقول بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عندهم فقال كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله ﷺ . تقدم الكلام على النفاق في الباب قبله. ٤٤٧٣ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ذو الوجهين في الدنيا يأتي يوم القيامة، وله وجهان من نار" رواه الطبراني في الأوسط (٣). قوله وعن سعد بن أبي وقاص تقدم. قوله سمعت رسول الله ﷺ يقول ذو الوجهين في الدنيا يأتي يوم القيامة وله وجهان من نار. وفي حديث آخر ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها. ذو الوجهين هو الذي يظهر لكل طائفة وجها يرضيها به ويوهمها أنه معها وأنه عدو للأخرى ويبدي لهم مساوئها، والله أعلم. ٤٤٧٤ - وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار" رواه أبو

стр. 8136

داود (١)، وابن حبان في صحيحه (٢). قوله وعن عمار بن ياسر هو أبو اليقظان بالمعجمة بن ياسر [بن عمار] بن مالك المخزومي العنسي بالنون اليمني ثم الشامي وعنس هو رهط الأسود المتنبئ الكذاب وياسر رهن في القمار هو وولده [فقمروهم] فصاروا بذلك عبيدا للقامر فأعزهم الله تعالى بالإسلام فأسلم عمار وأمه سميّة بصيغة التصغير وأبوه ياسر ثلاثتهم قديما وكانوا يعذبون في الله بمكة فيمر بهم رسول الله ﷺ وهم يعذبون فيقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. وقتل أبو جهل سمية ﵂ فكانت أول شهيدة في الإسلام، وأعطاهم عمار ما أرادوا بلسانه واطمأن قلبه بالإيمان فنزلت هذه الآية ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٣)، وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة وصلى إلى القبلتين وقال رسول الله ﷺ ملئ عمار

стр. 8137

إيمان إلى أخمص قدميه وقال له أيضا مرحبا بالطيب المطيب وقال أيضا اهتدوا بهدي عمار وشهد صفين يذب عن أمير المؤمنين علي ﵁. وكانت الصحابة يتبعونه حيث توجه لعلمهم [أنه] مع الفئة العادلة لما قال النبي ﷺ له تقتلك الفئة الباغية، وقتل بصفين ودفنه علي بثيابه حسبما أوصاه ولم يغسله. قال صاحب الاستيعاب وروى أهل الكوفة أنه صلى عليه وهو مذهبهم في الشهداء أنهم لا يغسلونهم ولكن يصلى عليهم وذلك سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث وتسعين. قاله الكرماني (١). قوله ﷺ من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار، تقدم الكلام على ذي الوجهين. [والله تعالى أعلم]. ٤٤٧٥ - وَرُوِيَ عَن أنس ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من كانَ ذَا لسانين جعل الله لَهُ يَوْم الْقِيَامَة لسانين من نَار رَوَاهُ ابْن أبي الدُّنْيَا فِي كتاب الصمت وَالطَّبَرَانِيّ والأصبهاني وَغَيرهم (٢).

стр. 8138

[الترهيب من الحلف بغير الله سيما بالأمانة ومن قوله أنا بريء من الإسلام أو كافر أو نحو ذلك] ٤٤٧٦ - عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" رواه مالك (١) والبخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦). ٤٤٧٧ - وفي رواية لابن ماجه (٧) من حديث بريدة قال: "سمع النبي ﷺ رجلًا يحلف بأبيه فقال: "لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرض بالله فليس من الله". قوله عن ابن عمر تقدم الكلام عليه.

стр. 8139

قوله ﷺ إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت، الحديث. الصمت السكوت. قال العلماء ﵃ كان الحلف بالآباء معتادا في الجاهلية فلما جاء الله تعالى بالإسلام نهاهم الرسول ﷺ عن الحلف بغير الله تعالى ففيه النهي عن الحلف بالآباء [ولا يختص النهي بذلك بل يتعدى إلى كل مخلوق] (١)، والحلف بالشيء تعظيم له، فنهى رسول الله ﷺ عن تعظيم غير الله تعالى بالقسم به لأنهم كانوا يعظمون الآباء ويفتخرون بهم وكانوا إذا اجتمعوا بالموسم ذكروا أفعال آبائهم وأيامهم بها الجاهلية فافتخروا بذلك فنزل قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (٢). وقد اختلف العلماء في أن الحلف بمخلوق حرام أو مكروه والخلاف عند المالكية والحنابلة لكن المشهور عند المالكية الكراهة وعند الحنابلة التحريم وبه قال أهل الظاهر، ويوافقه ما جاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال لأن أحلف بالله مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبرّ، رواه الطبراني (٣) بإسناد رجاله ثقات.

стр. 8140

وقال ابن عبد البر (١) أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروه منهي عنها لا يجوز الحلف لأحد بها واختلفوا في الكفارة إذا حنث فأوجبها بعضهم وأباه بعضهم وهو الصواب، اهـ. وقال الشافعي رحمه الله تعالى (٢) أخشى أن يكون الحلف بغير الله تعالى معصية، قال [أصحابه] أي حرام وإثما. وقال إمام الحرمين (٣) المذهب القطع بأنه ليس بحرام بل مكروه، وكذا قال النووي في شرح مسلم (٤) هو عند أصحابنا مكروه وليس بحرام، وقيّد ذلك الشيخ زين الدين العراقي في شرح الترمذي بالحلف بغير اللات والعزى وملة الإسلام، فأما الحلف بنحو هذا فهو حرام وكان هذا لأنها قد عظمت بالعبادة، وقد قال [أصحابنا] أنه لو اعتقد الحالف بالمخلوق في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر، وعلى هذا يحمل ما روي أن النبي ﷺ قال من حلف بغير الله فقد كفر، انتهى. فمعظِّم اللات والعزى كافر لأن تعظيمهما لا يكون إلا للعبادة بخلاف [مُعظِّم] الأنبياء والملائكة والآباء والعلماء والصالحين بمعنًى غير العبادة لا تحريم فيه لكن الحلف به مكروه أو محرم على الخلاف فيه لورود النهي عنه. فائدة: قال العلماء الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به وحقيقة [التعظيم] مختصة بالله تعالى [فلا]

стр. 8141

يُضاهى [به] غيره. [وقد جاء عن ابن عباس: لئن أحلف بالله تعالى مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره فأبرّ]. [كما قال تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، الحديث، فلا ينبغي مضاهاة غيره به في الألفاظ وإن لم يرد تلك العظمة المخصوصة بالإله المعبود] (١). فإن قيل قد أقسم الله تعالى بمخلوقاته كقوله تعالى ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (٢)، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (٣)، [ونحوها]. [﴿وَالطُّور﴾ (٤)، ﴿وَالنَّجْمِ﴾ (٥)] (٦). فالجواب أن الله تعالى [له] (٧) أن يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها على [شرفها إذ لا يفهم من الحصر على الحلف بالله تعالى أن لا يحلف ببقية أسمائه وصفاته، بل حكمها جميعا واحد فهو حلف به، نبه عليه القاضي والقرطبي وغيرهما. وأما الحلف بما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة كقوله: وخلق الله، ونعمته، ورزقه، فليست بأيمان جائزة. وأما مثل قوله: وعهد الله وأمانة الله وكفالة الله وحق الله فهي ملحقة بالقسم الأول عند المالكية لأنها صفات، وعند الشافعية أنها أيمان إن نوى اليمين، إلا قوله:

стр. 8142

وحق الله؛ فإنه إن نوى به العبادات فليست بيمين وإن أطلق فهي يمين، ويؤخذ منه والنهي عن الحلف بغير الله تعالى وصفاته وهو نهي كراهة عندنا لا يحرم، قاله النووي (١). نعم إن حلف على غير الإسلام أو بشيء من المعبودات دون الله تعالي، أو ما كانت الجاهلية تحلف به كالأنصاب وغيرها فهذا لا يشك في تحريمه، وأما الحلف بالآباء والأسلاف ورءوس السلاطين وحياتهم ونعمتهم ونحو ذلك، فقال في المفهم (٢): ظاهر الحديث تناولهم بحكم عمومه، ولا ينبغي أن تختلف في تحريمه. وأما ما كان معظما في النوع مثل: والنبي والكعبة والعرش والكرسي وحرمة الصالحين فأصحابنا يطلقون على الحلف بها الكراهة، وظاهر الحديث وما قدمناه من النظر التحريم، وهذا جاز في كل محلوف. قال النووي (٣): إذا حلف بشيء من الأصنام أو قال إن فعلت كذا فأنا يهودي أو بريء من الإسلام أو من النبي ﷺ لم تنعقد يمينه بل عليه أن يستغفر الله تعالي، -كلمة غير واضحة- ولا كفارة، هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة في ذلك. وقال البغوي (٤) في حديث الترمذي: ومن يحلف بغير الله فقد أشرك، أنه محمول على التغليظ عند بعضهم، وكذلك في مرتبة الربا شرك.

стр. 8143

فائدة: قال العلماء الحكمة في النهي عن الحلف بغير الله تعالى أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به، وحقيقة العظمة مجتمعة بالله تعالى لا يضاهى به بها غيره، كما قال تعالى: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) الحديث، ولا ينبغي مضاهاة غيره به في الألفاظ وإن لم يرد تلك العظمة المخصوصة بالإله المعبود. فإن قيل: قد أقسم الله تعالى بمخلوقاته لقوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ (١)، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ (٢)، [ونحوها]. [﴿وَالطُّورِ﴾ (٣)، ﴿وَالنَّجْمِ﴾ (٤). فالجواب: أن الله تعالى يقسم بما شاء من مخلوقاته تنبيها على شرف] (٥) المحلوف به فالباري ليس فوقه عظيم يحلف به فتارة يحلف بنفسه وتارة يحلف بمخلوقاته سبحانه وتعالي، وفي الحديث إباحة الحلف بالله تعالى وصفاته كلها وهذا مجمع عليه، وفيه النهي عن الحلف بغير الله تعالى وصفاته وهو عند أصحابنا مكروه ليس بحرام، فالحلف على ثلاثة أقسام ما تباح اليمين به وهو ما ذكر من اسم الذات والصفات، والثاني ما يحرم كالأنصاب والأزلام واللات والعزى فإن قصد تعظيمها كفر وإن لم يقصد فحرام لأن القسم بالشيء تعظيم له، والثالث ما اختلف فيه بين الكراهة والتحريم كالحلف بالآباء والأمانة ونحو ذلك. اهـ.

стр. 8144

فرع: فالحلف باسم الله تعالى كقوله والله والرحمن والقدوس والمهيمن أي الرقيب وعالم [الغيوب] وخالق الخلق والواحد الذي ليس كمثله شيء وما أشبه ذلك أي كالقيوم ومقلب القلوب فكل هذا تنعقد به اليمن أي سواء أطلق أو قصد الله تعالى أو غيره. فرع آخر: فالحلف بصفة من صفات الذات لا تحتمل غيره وهي وعظمة الله تعالى وجلال الله و [عز] الله وكبرياء الله وبقاء الله وكلام الله والقرآن انعقدت يمينه لأن هذه الصفات لم يزل سبحانه موصوفا بها فأشبهت اليمين بأسمائه، وألحق القاضي حسين حلف المسلم بالتوراة والإنجيل أو بآية منسوخة من القرآن بالحلف بالقرآن لأنه كلام الله وصفته اهـ. ٤٤٧٨ - وعنه ﵁: "أنه سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يحلف بغير الله، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" رواه الترمذي (١) وحسنه، وابن حبان في صحيحه (٢)، والحاكم (٣) وقال: صحيح على شرطهما.

стр. 8145

٤٤٧٩ - وفي رواية للحاكم (١): سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل يمين يحلف بها دون الله شرك. قوله وعنه ﵁ تقدم الكلام عليه. قوله سمع ابن عمر رجلا يقول ولا والكعبة فقال لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك الحديث. [حيث يجعل] ما لا يُحلف به محلوفا به كاسم الله الذي به يكون القسم، قاله الكرماني (٢). وقال الترمذي تفسير هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن قوله كفر أو أشرك على التغليظ كما روي عن النبي ﷺ أنه قال الرياء شركك يريد به الشرك الخفي. قال ابن العربي يريد به شرك الأعمال وكفرها ليس شرك الاعتقاد ولا كفره كقوله ﵊ من أبق من مواليه فقد كفر اهـ. فرع: يكره الحلف بغير الله للحديث السابق أول الباب فإن حلف بغير الله كالنبي والكعبة وغير ذلك من المخلوقات لم تنعقد يمينه لأنه مخلوق ليس عظمته كعظمة الخالق وذكر الكعبة مجمع عليها [لا ينعقد] بها اليمين. وأما النبي ﷺ [فإن الإمام أحمد بن حنبل] قال تنعقد به لأنه أحد ركني الشهادة اهـ، والله أعلم. فرع آخر: تصح اليمين من كل عاقل بالغ مختار قاصد إلى اليمين مسلما كان أو كافرا فأما الصبي فلا تصح يمينه ومن زال عقله بنوم أو مرض فلا تصح يمينه وكذا من زال عقله [بدواء أو من زال عقله] بمحرم صحت يمينه ومن أكره [على اليمين لم تصح يمينه للحديث الحسن: (وما استكرهوا عليه)، ومن لم

стр. 8146

يقصد اليمين] فسبق لسانه إليها أي على العادة لقول الإنسان لا والله وبلى والله لأنه قول حمل عليه بغير حق فلم يصح منه كالإكراه على الكفر أو قصد اليمين على شيء فسبق لسانه إلى غيره لم تصح يمينه لعدم القصد إلى ما في النفس وذلك لغو اليمين الذي لا يؤاخذ به. قال الله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (١)، قالت عائشة ﵂ هو قول الرجل لا والله وبلى والله. رواه البخاري (٢) ورواه أبو داود (٣) مرفوعا وصححه ابن حبان (٤) والله أعلم. ذكر [الفرعان] في [هادي] النبيه [على التنبيه] (٥).

стр. 8147

٤٤٨٠ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره وأنا صادق" رواه الطبراني (١) موقوفا، ورواته رواة الصحيح. قوله وعن عبد الله بن مسعود تقدم. قوله لأن أحلف بالله كاذبا أحب إليَّ من أن أحلف بغير الله وأنا صادق، تقدم معناه. ٤٤٨١ - وعن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف بالأمانة فليس منا" رواه أبو داود (٢). قوله وعن بريدة هو أبو عبد الله، ويقال: أبو سهل، ويقال: أبو الحصيب، ويقال: أبو ساسان بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى. سكن المدينة، ثم البصرة، ثم مرو، وتوفى بها سنة اثنتين وستين، وهو آخر من توفى من الصحابة، رضى الله عنهم، بخراسان. روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون

стр. 8148

حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بأحد عشر. أسلم بريدة قبل بدر، ولم يشهدها، وقيل: أسلم بعدها. روى عنه ابناه عبد الله، وسليمان (١). قوله ﷺ من حلف بالأمانة فليس منا الحديث أي ليس ممن اهتدى بهدينا وعملنا وحسن طريقتنا كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله لست منى وتقدم الكلام على ذلك مبسوطا؛ وأما معنى الحديث يشبه أن تكون الكراهة فيه لأجل أنه أمر أن يحلف بأسماء الله تعالى وصفاته [والأمانة أمر من أموره فنهوا عنها من أجل التسوية بينها وبين أسماء الله] (٢) كما نهوا أن يحلفوا بآبائهم. وإذا قال الحالف وأمانة الله كانت يمينا عند أبي حنيفة والشافعي لا يعدها يمينا والله أعلم. ٤٤٨٢ - وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف قال إني برئ من الإسلام، فإن كان كاذبا، فهو كما قال، وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما" رواه أبو داود (٣) وابن ماجه (٤)، والحاكم (٥) وقال: صحيح على شرطهما.

стр. 8149

قوله وعنه ﵁ تقدم. قوله ﷺ من حلف فقال إني من الإسلام فإن كان كاذبا هو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما معناه أنه نقص كمال إسلامه بما صدر منه من هذا اللفظ، وقد تقدم أن لفظ ابن ماجه لم يعد إليه الإسلام سالما، واللفظان صحيحان فنقص هو يتعاطى هذا اللفظ، ونقص إسلامه بذلك، وهذا يدل على تحريم هذا اللفظ، ولو كان صادقا في كلامه، وقد استدل به على ذلك الخطابي فقال فيه دليل على أن من حلف بالبراءة من الإسلام فإنه يأثم، وصرح أيضا بتحريم ذلك ووجوب التوبة منه الماوردي في الحاوي والنووي في الأذكار، وقال في شرح مسلم فيه بيان غلظ تحريم الحلف بملة سوى الإسلام كقوله هو يهودي أو نصراني إن كان كذا أو واللات والعزي، وشبه ذلك ثم قال: وقوله كاذبا ليس المراد به التقييد والاحتراز من الحلف بها صادقا لأنه لا ينفك الحالف بها عن كونه كاذبا، وذلك لأنه لا بد أن يكون معظما لما حلف به فإن كان معتقدا عظمته بقلبه فهو كاذب في ذلك، وإن كان غير معتقد ذلك بقلبه فهو كاذب في الصورة لأنه عظمه بالحلف به، وإذا علم أنه لا ينفك عن كونه كاذبا حمل التقييد بكونه كاذبا على أنه بيان لصورة الحال، ويكون التقييد خرج على سبب فلا يكون له مفهوم، ويكون من باب قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ (١) ونظائره فإن كان الحالف معظما لما حلف به كان كافرا، وإن لم يكن معظما بل كان قلبه مطمئنا بالإيمان فهو كاذب في حلفه بما لا يحلف به، ومعاملته إياه معاملة ما يحلف

стр. 8150

به، ولا يكون كافرا خارجا عن ملة الإسلام، ويجوز أن يطلق عليه اسم الكفر، ويراد كفر النعمة انتهى والتقسيم الذي في حديث بريدة يرد عليه، والظاهر أن كلامه هذا إنما هو مثل قوله واللات والعزي، وإن كان ذكر في صدر كلامه أيضًا قوله هو يهودي إن كان كذا (١). ٤٤٨٣ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من حلف على يمين فهو كما حلف إن قال: هو يهودي، فهو يهودي، وإن قال: هو نصراني، فهو نصراني، وإن قال هو برئ من الإسلام فهو برئ من الإسلام، ومن ادعى دعاء الجاهلية فإنه من جثاء جهنم قالوا: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى" رواه أبو يعلى (٢) والحاكم (٣) واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد كذا قال. قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ من حلف على يمين فهو كما حلف إن قال هو يهودي فهو يهودي الحديث. قال العلماء إن قال ذلك وأراد حقيقة تعليق خروجه من الإسلام بذلك صار كافرا في الحال وجرت عليه أحكام المرتدين وإن لم يرد ذلك لم يكفر لكن ارتكب محرما فيجب عليه التوبة وهي أن يقلع في الحال عن معصيته ويندم على ما فعل ويعزم على أن

стр. 8151

لا يعود إليه أبدا ويستغفر الله تعالى ويقول لا إله إلا الله محمد رسول الله ليجبر الخلل الحاصل فإنه معصية كما صرح به في المطلب (١) وفي شرح العامري عن الخطابي (٢) وغيره أنه تلزمه التوبة والاستغفار. قال النووي في نكته على التنبيه (٣) وهو مستحب وهذا خلاف ما صرح به صاحب الاستقصاء فإنه جزم بالوجوب. فرع قال النووي (٤) قال أصحابنا من حلف باللات والعزى أو غيرهما من الأصنام أو برئ من النبي ﷺ أو نحو ذلك لم تنعقد يمينه بل عليه أن يستغفر الله ويقول لا إله إلا الله، إنما أمر بقول لا إله إلا الله لأنه تعاطى صورة تعظيم الأصنام حين حلف بها. وفي مذاكرة أهل اليمين أنه لا بد مع هذا من قوله أشهد أن محمدا رسول الله معللا بأن إحدى الشهادتين لا يُكتفى بها في الأيمان، هذا لفظه وهو عجيب فإنه لا يكفر بذلك إلا أن يقصد الرضا به فالحديث سيق في معرض التعظيم في اللات والعزى. قال صاحب شرح السنة (٥) إنما أمر بكلمة التوحيد لأن اليمين إنما تكون بالمعبود فإذا حلف باللات والعزى فقد ضاهى الكفار في ذلك فأمر أن يتداركه بكلمة التوحيد. قال لا كفارة عليه وإنما تلزمه الإنابة والاستغفار هذا مذهب الشافعي ومالك وجماهير العلماء.

стр. 8152

وقال أبو حنيفة تجب الكفارة في كل ذلك إلا في قوله أنا مبتدع أو بريء من النبي أو واليهودية احتج بأن الله تعالى أوجب على المظاهر كفارة لأنه منكر من القول وزور والحلف بهذه الأشياء منكر وزور واحتج أصحابنا والجمهور بظاهر هذا الحديث فإنه ﷺ إنما أمره بقول لا إله إلا الله ولم يذكر كفارة ولأن الأصل عدمها حتى يثبت فيها شرع والله تعالى أعلم، [قاله في [هادي] النبيه] (١)، [( ... ) في اللات والعزى:] اللات صخرة اتخذها العرب اسم صنم كان لثقيف بالطائف، قال [أبو] علي اشتقاق اللات من لويت الشيء أي أقمت عليه لأنهم كانوا [يلوون إلي] آلهتم أي يعكفون عليها عبادة وتقربا. وقال جماعة من المفسرين اللات اشتقوها من اسم الله تعالى والعزى من العزيز واختار هذا الأزهري والمراد أنهم [انتزعوا] هذين الاسمين من الاسمين الشريفين، [و] قرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح اللات بتشديد التاء وفسرت هذه القراءة بأن هذا الصنم كان لرجل يلت السويق للمشركين أي يخلطه بالسمن فكعفوا على قبره [يعبدونه]. قال الكلبي كان يقال له صرمة بن غنم كان يسلي السمن فيضعه على صخرة فتأتيه العرب تلتّ به [أسواقهم] (٢) ولما مات الرجل حولت ثقيف [الصخرة] (٣) إلى منازلها. وأما العزى قيل صنم والذي ذكره المحدثون

стр. 8153

وأرباب السير أنها كانت بيتا عظيما لقريش وجميع بني [كنانة] ومضر وكانت أعظم [أصنامهما] وكانت تبجله وكان سدنتها بني شيبان [من بني سليم] فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان بعد فتح مكة ليهدمها فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه حتى انتهى إليها فهدمها ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره فقال هل رأيت شيئا قال لا قال فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها فرجع خالد وهو مغيظ فجرد سيفه [فخرجت] إليه امرأة عريانة سوادء ثائرة الرأس [فجعل السادن] يصيح بها فضربها خالد فجزلها باثنتين ورجع إلى رسول الله ﷺ . وقال عياض (١) اللات صخرة لثقيف كانت في الزمن الأول يجلس عليها رجل يبيع السمن ويلتّه للحجاج فسميت بذلك فلما مات قال عمرو بن لحي إن [ربا] كان [للاتّ فدخل جوف] الصخرة فعبدها الناس [حتى جاء الإسلام، وكان فيها وفي العزى شيطانا يكلمان الناس، واتخذتها ثقيف -يعني اللات- طاغوتا] وبنت لها بيتا وجعلت لها سدنة وخدمة وكانوا يطوفون به اهـ. [فائدة:] الصنم ما اتخذ إلها من دون الله تعالى وقيل هو ما كان له [جسم] أو صورة فإن لم [يكن] له [جسم] أو صورة فهو وثن اهـ. قاله في النهاية (٢). قوله ﷺ من ادعى دعاء الجاهلية فإنه من جثا جهنم أي من جماعات جهنم، وتقدم الكلام على ذلك في باب الالتفات في الصلاة.

стр. 8154

٤٤٨٤ - وروى ابْن مَاجَه من حَدِيث أنس ﵁ قَالَ سمع رَسُول الله ﷺ رجلا يَقُول أَنا إِذا يَهُودِيّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَجَبت (١). ٤٤٨٥ - وعن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من حلف بملة غير الإسلام كاذبا، فهو كما قال" رواه البخاري (٢) ومسلم (٣) في حديث، وأبو داود (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦). قوله وعن ثابت بن الضحاك. كذا قوله ﷺ من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال الحديث. [هو أن يقول الإنسان في يمينه إن كان كذا وكذا فأنا كافر أو يهودي أو نصراني أو] ملة غير الإسلام أي من الملل الباطلة بأن قال بالملة اليهودية لأفعلن كذا فهو كما قال أي صار من الذين يحلفون به سواء كان صادقا أو كاذبا لأنه عظّم دينا باطلا والله أعلم. [أو يقول الإنسان في يمينه إن كان كذا وكذا فأنا كافر أو يهودي أو نصراني أو بريء من الإسلام ويكون كاذا في قوله فإنه يصير إلى ما قاله من الكفر وغيره] (٧).

стр. 8155

قال القاضي البيضاوي (١) ظاهر أنه يختل بهذا الحلف إسلامه ويصير يهوديا كما قال، ويحتمل أن يراد به التهديد والمبالغة في الوعيد كأنه [قال] فهو مستحق لمثل عذاب ما قاله اهـ. وهذا وإن كان ينعقد به يمين عند أبي حنيفة فإنه لا يوجب فيه إلا كفارة اليمين وأما الشافعي فلا يعده يمينا ولا كفارة فيه عنده كما تقدم في الحديث قبله. والملة الدين كملّة الإسلام واليهودية والنصرانية وقيل هي معظم الدين وجملة ما [تجيء] به الرسل، قاله في النهاية (٢). تنبيه: قوله ﷺ فهو كما قال أي فهو على ملة غير الإسلام؛ فإن قلت أهو حقيقة أم تغليظ وزجر عن الحلف بالملة المنسوخة المهجورة لأن الحلف بالشيء تعظيم له؟ قلت: الظاهر أنه تغليظ. قال ابن بطال يعني يقول إن فعلت كذا فأنا يهودي ثم يفعل فهو كاليهودي اهـ، قاله الكرماني (٣). أما الحلف بالنصرانية ونحوها فلا شك في أنه كفر لأن تعظيمها بأي وجه كان يقتضي حقِّيتها وذلك كفر [إلا] أن يتأول الحالف أنه أراد تعظيمها حين كانت حقا قبل نسخها فلا [أكفره] (٤) حينئذ لكن أحكم عليه بالعصيان لبشاعة هذا اللفظ و [التشبيه] فيه بأهل الكفر والضلال والله أعلم، قاله العراقي (٥).

стр. 8156

الترهيب من احتقار المسلم وأنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى ٤٤٨٦ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله. رواه مسلم (١) وغيره. قوله عن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره الحديث. أما كون المسلم [أخو] المسلم فقد الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٢)، والمراد أخوة الإسلام وقد سبق بيان ذلك في الأحاديث الواردة بذلك. قوله لا يظلمه قال القرطبي (٣) معنى يظلمه ينقصه حقه أو يمنعه إياه وقد سبق بيان ذلك في الظلم. وقوله ولا يخذله الخذل قال العلماء ترك الإعانة والنصرة ومعناه إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن له عذر شرعي، وقد قال النبي ﷺ انصر أخاك ظالما أو مظلما. قوله ولا يحقره هو بالحاء المهملة وبالقاف أي لا يحتقره ولا يتكبر عليه ويستصغره ويستقلّه.

стр. 8157

قال القاضي عياض (١) رحمه الله تعالى ورواه بعضهم ولا يُخفره بضم الياء آخر الحروف وبالخاء المعجمة والفاء أي لا يغدر بعهده ولا ينقض أمانه، قال والصواب المعروف هو الأول وهو الموجود في غير كتاب مسلم بغير خلاف، وروي ولا يحتقره وهذا يرد الرواية الثانية والله أعلم، اهـ. وقيل معنى يحقره بنظره بعين القلة والاستصغار وهذا إنما يصدر في الغالب عمن غلب عليه الكبر والجهل وذلك أنه لا يصح له استصغار غيره حتى ينظر إلى نفسه بعين أنه أكبر منه وأعظم وذلك جهل بنفسه وبحال المحتقر فقد يكون [فيها] (٢) ما يقتضي عكس ما وقع للمتكبر اهـ. وروي ولا يسلمه بضم الياء، قال ابن الأثير (٣) يقال أسلم فلان فلانا إذا ألقاه في الهلكة ولم يحمه من عدوه وهو عام في كل من أسلمته إلى شيء لكن دخله التخصيص وغلب عليه الإلقاء في الهلكة ومنه الحديث إني وهبت لخالتي غلاما فقلت لها لا تسلميه حجاما ولا [صائغا] (٤) ولا قصابا أي لا تعطيه من يعلمه إحدى هذه الصنائع إنما كره الحجام والقصاب لأجل النجاسة التي يباشرانها مع تعذر الاحتراز وأما الصائغ فلما يدخل صنعته من الغش ولأنه يصوغ الذهب والفضة وربما كان منه آنية أو حلي للرجال وهو حرام، ولكثرة الوعد والكذب في إنجاز ما

стр. 8158

يستعمل عنده اهـ، قاله في النهاية (١). وروي أيضا ولا يكذبه بفتح الياء وإسكان الكاف ومعناه كذا. قوله ﷺ التقوى ها هنا، قالها ثلاثا ويشير إلى صدره الحديث. [فأصل التقوى الاجتناب والمراد هنا اجتناب المعاصي [وكأن] المتقي يتخذ له وقاية من عذاب الله بترك المخالفة والتقوى أيضا عند أهل الحقيقة الاحتراز بطاعة الله تعالى عن عقوبته، وقيل هي اجتناب ما سوى الله تعالى وجاء في التفسير في قوله تعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٢) هو أن يطاع ولا يعصى ويذكر ولا ينسى ويشكر ولا يكفر، [كذا] (٣) رواه ابن مسعود عن النبي ﷺ وقيل ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو أن لا [تأخذه] في الله لومة لائم و [يقوم] بالقسط ولو على نفسه أو أبيه أو ابنه. وقيل لا يتقى الله حق تقاته حتى يخزن لسانه، اهـ. قاله الأصبهاني شارح الأربعين الودعانية] (٤). والتقوى مصدر اتقى تقاة وتقوى والتاء فيه بدل من الواو لأنه من الوقاية والمتقي هو الذي يجعل بينه وبين ما يخافه من المكروه وقاية تقيه منه ولذلك يقال اتقى الطعنة بدرقته وترسه. وقال ﷺ اتقوا النار ولو بشق تمرة، وعلى هذا فالمتقي هو الذي يخاف الله تعالى ويجعل بينه وبين عذابه وقاية من طاعته [و] حاجزا عن مخالفته فإذن أصل التقوى الخوف والخوف إنما ينشأ عن المعرفة بجلال الله وعظمته وعظيم سلطانه وعقابه والخوف والمعرفة [محلها]

стр. 8159

القلب، والقلب محله الصدر، ولذلك أشار صلى الله عليه سلم إلى صدره وقال: التقوى ها هنا، ومعنى قوله ﷺ التقوى ها هنا أن الأعمال الظاهرة لا [تحصل،] بها التقوى وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته فمن [كانت] التقوى في قلبه فلا ينظر بنظر الحقارة إلى أحد، اهـ. وفيه إشارة إلى أن كرم الخلق عند الله تعالى بالتقوى فرُب من يحتقره الإنسان لضعفه وقلة حظه من الدنيا هو أعظم قدرا عند الله تعالى ممن له قدر في الدنيا، فإن الناس إنما يتفاوتون بحسب التقوى وإذا كان أصل التقوى في القلوب فلا يطلع أحد على حقيقتها إلى الله ، [وقال الله تعالى:] ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وأسند أبو حاتم (١) عن كعب الأحبار قال: والذي فلق لموسى إني لأجد في التوراة: يا ابن آدم اتق ربك وصل رحمك وبر والديك يمد لك في عمرك وييسر لك يسرك ويصرف عنك عسرك. وسمعت أحمد بن موسى المكي بواسط يقول وجد عليّ سيف عطاء السلمي مكتوب وكان حائكا: ألا إنما التقوى هو [العزم] والكرم ... وفخرك بالدنيا هو الذل والندم وليس على عبد تقي نقيصة ... إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم [ثم أسند عن محمد بن علي بن حسين قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة ناداه مناد من السماء دنا الرحيل فأعدّ زادا] (٢).

стр. 8160

فائدة: التقوى خصلة عظيمة وحالة شريفة آخذة بمجامع علوم الشريعة وأعمالها موصلة إلى خير الدنيا والآخرة وهي جماع الخيرات وحقيقة الاتقاء التحرز بطاعة الله عن عقوبته، وأصلها اتقاء الشرك ثم بعده اتقاء المعاصي والنساء ثم بعده اتقاء الشبهات ثم بعده الفضلات وافتتح القشيري باب التقوى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١)، اهـ. قاله في الديباجة. قوله ﷺ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم يعني يكفيه من الشر احتقار أخيه المسلم فإن الله تعالى شرفه فإنه إنما يحتقر أخاه المسلم لتكبره عليه والكبر من أعظم خصال الشر. قوله ﷺ كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله. والدم [والعرض] معروفان. والعرض موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه أو من يلزمه أمره. وقيل هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويُثلب، وقال ابن [قتيبة]: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير ومنه الحديث: استبرأ لدينه وعرضه، أي احتاط لنفسه، لا يجوز فيه معنى الآباء والأسلاف، [والله تعالى أعلم؛] قاله في النهاية (٢). ٤٤٨٧ - وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا؟ فقال: إن الله تعالى جميل يحب الجمال الكبر بطر

стр. 8161

الحق، وغمط الناس" رواه مسلم (١) والترمذي (٢)، والحاكم (٣) إلا أنه قال: "ولكن الكبر من بطر الحق وازدرى الناس" وقال الحاكم: احتجا برواته. [بطر الحق]: دفعه ورده. [وغمط الناس]: بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة: هو احتقارهم وازدراؤهم كما جاء مفسرا عند الحاكم. قوله وعن ابن مسعود تقدم. قوله ﷺ لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، الحديث. لا يدخل الجنة فيه التأويلان السابقان في أمثاله. وقوله مثقال ذرة من كبر، الذرة النملة الصغيرة، تقدم الكلام على هذا الحديث مبسوطا في الكبر، والله تعالى أعلم. ٤٤٨٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم" رواه مالك (٤) ومسلم (٥) وأبو داود (٦) وقال: قال أبو إسحاق: سمعته بالنصب والرفع، ولا أدري أيهما قال، يعني بنصب الكاف من أهلكهم أو رفعها: وفسره مالك إذا قال ذلك معجبا بنفسه

стр. 8162

مزدريا بغيره، فهو أشد هلاكا منهم لأنه لا يدري سرائر الله في خلقه. انتهى (١). قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكم. قال أبو إسحاق: سمعته بالنصب والرفع ولا أدري أيهما يعني بنصب الكاف من أهلكهم ورفعها، اهـ. قاله الحافظ المنذري. وقال الحميدي في الجمع بين الصحيحين الرفع أشهر، اهـ. فمن فتحها كانت فعلا ماضيا ومعناه أن الغالين الذين يؤيسون الناس من رحمة الله [يقولون] هلك الناس أي استوجبوا النار بسوء أعمالهم فإذا قال الرجل ذلك فهو الذي أوجبه لهم لا الله تعالى، وهو الذي لما قال لهم ذلك وأيّسهم حملهم على ترك الطاعة والانهماك في المعاصي فهو الذي أوقعهم في الهلاك. وأما الضم فمعناه أنه إذا قال لهم ذلك فهو أهلكُهم أي أكثرهم هلاكا وهو الرجل يولع بعيب الناس ويذهب بنفسه عجبا ويرى له عليهم فضلا، انتهى، قاله في النهاية (٢). قال المنذري: [ويمكن رد معنى الفتح إلى هذا أي فهو الذي نسبهم إلى الهلاك عجبا بنفسه وازدراء بغيره وذلك مستوح من نسبة الإهلاك إلى ضميره المنفصل ثم المستتر أي بمجرده وتخمينه وبطره ومخالفته لقوله تعالى ﴿إِنَّ

стр. 8163

بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (١) بل يمكن أن تكون الفتحة فتحة بناء كقوله تعالى ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢) فيمن فسره بالوصل فاعلا لتقطع، وهذا التفسير أنسب بالترجمة والله أعلم.] (٣) وفسره مالك فقال إذا قال ذلك معجبا بنفسه مزديا لغيره فهو أشد هلاكا منهم لأنه لا يدري [إبراء] (٤) الله تعالى في خلقه، اهـ. وقيل معناه أنهم قد استحقوا العقوبة والمصير إلى العذاب فهو أشد هلاكا لأنه سدّ باب التوبة والرجاء من الله تعالى. قال الحميدي (٥) قال العلماء فأما من قال ذلك تحزنا لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمره فلا بأس عليه اهـ. وزاد البغوي (٦) وإذا قال ذلك عجبا بنفسه وتصاغرًا للناس فهو المكروه [ذمَّه و] نهى عنه النبي ﷺ . وقال الخطابي (٧): معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك فإذا فعل ذلك فهو أهلهكم أي أسوأ حالا منهم بما يلحقه من الإثم في [غيبتهم] والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنهم خير منهم اهـ.

стр. 8164

٤٤٨٩ - وعن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر له؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك" رواه مسلم (١). قوله وعن جندب بن عبد الله كذا. قوله ﷺ : قال رجل والله لا يغفر الله تعالى لفلان فقال الله من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك، الحديث. وفي الحديث أيضا قال الله تعالى: لا يتعاظمني ذنب أن أغفره أي لا يعظم عليّ وعندي، قاله في النهاية (٢). ومعنى يتألى علي أي يحكم عليّ ويحلف، كقول القائل والله ليدخلن الله فلانا النار. والألية اليمين. قوله تعالى: إني قد غفرت له وأحبطت عملك. يقال أحبط الله عمله أي أبطله، من قولهم حبطت الدابة حبطا بالتحريك إذا أصابت مرعًى طيبا فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت، اهـ. قاله في شرح مشارق الأنوار. قال العلماء وفي حديث جندب هذا دلالة لمذهب أهل السنة في غفران الذنوب بلا توبة إذا شاء الله غفرانها واحتجت المعتزلة في إحباط الأعمال بالمعاصي الكبائر، ومذهب أهل السنة أنها لا تحبط إلا بالكفر، ويتأول حبوط عمل هذا على أنه أسقطت حسناته في مقابلة سيئاته فسمي إحباطا مجازا أو يحتمل أنه جرى منه أمر آخر أوجب الكفر، ويحتمل أن هذا كان في شرع من قبلنا وكان هذا حكمهم اهـ.

стр. 8165

٤٤٩٠ - وعن الحسن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنة، فيقال له: هلم فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر، فيقال له: هلم هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاءه أغلق دونه، فما يزال كذلك حتى إن أحدهم ليفتح له الباب من أبواب الجنة فيقال له: هلم، فما يأتيه من الإياس" رواه البيهقي (١) مرسلا. قوله وعن الحسن هو أبو سعيد بن أبي الحسن الأنصاري مولاهم البصري التابعي الكبير، قيل أنه أفضل التابعين، وأمه اسمها خيرة بالخاء المعجمة والمثناة التحتانية مولاة [أم] سلمة زوج النبي ﷺ . ولد الحسن أواخر خلافة عمر في المدينة وقيل أن أمه ربما كانت تغيب فيبكي الحسن فتعطيه أم سلمة أم المؤمنين ثديها [فتعلله] إلى أن تجيء أمه فيدرّ ثديها فيشربه فيرون تلك الفصاحة والحكمة من بركتها، ونشأ الحسن بوادي القرى. قال الحسن وغزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من أصحاب رسول الله ﷺ وعن محمد بن سعد قال كان الحسن عالما فقيها ثقة عابدا كثير العلم فصيحا أجمل أهل البصرة حتى سقط عن دابته فحدث بأنفه ما حدث. [قدم] مكة فأجلسوه على سرير واجتمع الناس إليه فحدثهم، فقالوا لم يُر مثله قط. أجمع الأمة على جلالته عظم قدره علما وزهدا وفصاحة ودينا ودعاء إلى

стр. 8166

الخير وغير ذلك. توفي ﵁ سنة عشر ومائة، والله أعلم. قاله الكرماني (١). قوله ﷺ إن المستهزئين بالناء يفتح لأحدهم في الآخرة باب من الجنة فيقال لهم هلم هلم الحديث. هلّم يقال للواحد والاثنين والجماعة، بذلك جاء القرآن. ومن العرب من يثني ويجمع ويؤنث، فيقول للذكر: هلم، وللمرأة: هلمي، وللإثنين: هلما، وللجماعة: هلموا، وللنسوة: هلممن. وقال الخليل: أصلها لم وزيدت الهاء في أولها. وقال الفراء: بل أصلها: هل، ضمت إليها أم، والرفعة التي في اللام من همزة أم لما تركت انتقلت إلى ما قبلها. وقال أبو بكر بن الأنباري: معنى هلم: أقبل، وأصله أم يا رجل: أي اقصد، فضموا هل إلى أم وجعلوها حرفا واحدا، وأزالوا أم عن التصرف، وحولوا ضمة همزة أم إلى اللام، وأسقطوا الهمزة فاتصلت الميم باللام. وإذا قال الرجل للرجل: هلم، فأراد أن يقول لا أفعل، قال: لا أهلم. قوله رواه البيهقي مرسلا تقدم الكلام على الحديث المرسل، ومن الكبائر [السخرية] والاستهزاء بالمسلم. قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ (٢) الآية، وقد أجمعت الأمة على تحريم ذلك وفي كونه كبيرة مجال [النظر] مع أنه قد روي عن ابن عباس (٣). في قوله تعالى ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا

стр. 8167

أَحْصَاهَا﴾ (١)، قال الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك على [حالة] الاستهزاء، وهذا تصريح بأن ذلك من الكبائر. وقال الغزالي (٢) في قول ابن عباس إشارة إلى أن الضحك على الناس من الجرائم والذنوب، واعلم أن معنى السخرية [للاستخفاف] والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يُضحَك منه وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وقد يكون بالإشارة والإيماء وقد يكون بالضحك كأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه أو غلط أو على صنعته أو قبح في صورته ونحو ذلك. وقال بعض أئمة التفسير في قوله [تعالى]: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾ (٣)، الآية. من لقّب أخاه وسخِر به فهو فاسق، حكاه القرطبي (٤). ٤٤٩١ - وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد، وإنما أنتم ولد آدم طف الصاع لم تملؤوه ليس لأحد فضل على أحد إلا بالدين، أو عمل صالح" رواه أحمد (٥) والبيهقي (٦) كلاهما من رواية ابن لهيعة، ولفظ البيهقي قال: "ليس لأحد على أحد فضل إلا بالدين، أو عمل صالح. حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيا بخيلا".

стр. 8168

٤٤٩٢ - وفي رواية له (١): "ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو تقوى، وكفى بالرجل أن يكون بذيا فاحشا بخيلا". قوله [طف الصاع] بالإضافة: أي قريب بعضكم من بعض. قوله وعن عقبة بن عامر تقدم. قوله ﷺ إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد وإنما أنتم ولد آدم طف الصاع لم تملؤوه الحديث. طفّ الصاع بالإضافة أي قريب بعضكم من بعض، اهـ. قاله الحافظ يقال هذا طف المكيال [و] طفافه أي ما قرب من ملئه، وقيل هو ما علا فوق رأسه ويقال له أيضا [طفاف] بالضم والمعنى كلكم في الانتساب إلى [رجل] واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر على غاية التمام وشبههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال ثم أعلمهم ﷺ أن التفاضل ليس بالنسب ولكن بالتقوى. اهـ. لعله مذكور في النهاية (٢). قوله ﷺ في رواية البيهقي حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيئا بخيلا. البذيء بفتح الباء وكسر الذال المعجمة والمد، هو المتكلم بالفحش ورديء الكلام. ٤٤٩٣ - وعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "انظر فإنك لست بخير من أحمر، ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى" رواه أحمد (٣)، ورواته ثقات

стр. 8169

مشهورون إلا أن بكر بن عبد الله المزني لم يسمع من أبي ذر. قوله وعن أبي ذر واسمه جندب الغفاري وهو أول من حيّا رسول الله ﷺ بتحيّة الإسلام وهو خامس خمسة في الإسلام وكان يعبد الله تعالى قبل البعثة واسم أخيه أنيس مصغرا أسلم مع أبي ذر وأسلمت أمهما وكان شاعرا. قاله الكرماني (١). قوله ﷺ لأبي ذر انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الحديث سيأتي الكلام على الأحمر والأسود في الحديث بعده. ٤٤٩٤ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "خطبنا رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد. ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢). ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليبلغ الشاهد الغائب" ثم ذكر الحديث في تحريم الدماء والأموال والأعراض. رواه البيهقي (٣)، وقال في إسناده بعض من يجهل.

стр. 8170

قوله وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام عليه. قوله خطبنا رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق، الحديث. أيام التشريق ثلاثة أيام بعد عيد الأضحى وسميت أيام التشريق لتشريق اللحم فيها، وقيل فيه غير ذلك والله أعلم. قوله ﷺ ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى الحديث. قال الواحدي قال أهل العلم هذا في الازدراء بالناس والتحقير لهم والاستطالة بالنسب على من يكون خامل النسب، اهـ. قاله في الديباجة، وجاء في الحديث بُعثت إلى الأحمر والأسود، أي العجم والعرب، لأن الغالب على ألوان العجم الحمرة والبياض وعلى ألوان العرب الأدمة والسمرة. وقيل أراد الجن والإنس، وقيل أراد بالأحمر والأبيض مطلقا فإن العرب تقول امرأة حمراء أي بيضاء وسئل ثعلب لم خص الأحمر دون الأبيض فقال لأن العرب لا تقول رجل أبيض من بياض اللون إنما الأبيض عندهم الطاهر النفس من العيوب فإذا أرادوا الأبيض من اللون قالوا الأحمر، وفي هذا القول نظر فإنهم قد استعملوا الأبيض في ألوان الناس وغيرهم. [لعل ذلك نادر والغالب سواه وبه يجاب عن ثعلب] (١). ومنه الحديث (٢) أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض هي [يعني] (٣) ما أفاء الله على أمته من كنوز الملوك فالأحمر الذهب والأبيض الفضة والذهب

стр. 8171

كنوز الروم لأنه الغالب على نقودهم [والفضة كنوز الأكاسرة لأنها الغالبة على نقودهم،] وقيل أراد العرب والعجم جمعهم الله على دينه وملته. وفي حديث عليّ قيل له غلبتنا عليك هذه الحمراء يعنون العجم والروم والعرب تسمى الموالي الحمراء وفي الحديث خذوا شطر دينكم كم الحُميراء يعني عائشة كان يقول لها أحيانا يا حميراء تصغير حمراء يريد البيضاء، وفي معنى ذلك أحاديث كثيرة مذكورة في النهاية (١).
следующие страницы →