← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 8167–8206 · переход к 8172.

стр. 8167

أَحْصَاهَا﴾ (١)، قال الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك على [حالة] الاستهزاء، وهذا تصريح بأن ذلك من الكبائر. وقال الغزالي (٢) في قول ابن عباس إشارة إلى أن الضحك على الناس من الجرائم والذنوب، واعلم أن معنى السخرية [للاستخفاف] والاستهانة والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يُضحَك منه وقد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول وقد يكون بالإشارة والإيماء وقد يكون بالضحك كأن يضحك على كلامه إذا تخبط فيه أو غلط أو على صنعته أو قبح في صورته ونحو ذلك. وقال بعض أئمة التفسير في قوله [تعالى]: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ﴾ (٣)، الآية. من لقّب أخاه وسخِر به فهو فاسق، حكاه القرطبي (٤). ٤٤٩١ - وعن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد، وإنما أنتم ولد آدم طف الصاع لم تملؤوه ليس لأحد فضل على أحد إلا بالدين، أو عمل صالح" رواه أحمد (٥) والبيهقي (٦) كلاهما من رواية ابن لهيعة، ولفظ البيهقي قال: "ليس لأحد على أحد فضل إلا بالدين، أو عمل صالح. حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيا بخيلا".

стр. 8168

٤٤٩٢ - وفي رواية له (١): "ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين أو تقوى، وكفى بالرجل أن يكون بذيا فاحشا بخيلا". قوله [طف الصاع] بالإضافة: أي قريب بعضكم من بعض. قوله وعن عقبة بن عامر تقدم. قوله ﷺ إن أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد وإنما أنتم ولد آدم طف الصاع لم تملؤوه الحديث. طفّ الصاع بالإضافة أي قريب بعضكم من بعض، اهـ. قاله الحافظ يقال هذا طف المكيال [و] طفافه أي ما قرب من ملئه، وقيل هو ما علا فوق رأسه ويقال له أيضا [طفاف] بالضم والمعنى كلكم في الانتساب إلى [رجل] واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر على غاية التمام وشبههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ أن يملأ المكيال ثم أعلمهم ﷺ أن التفاضل ليس بالنسب ولكن بالتقوى. اهـ. لعله مذكور في النهاية (٢). قوله ﷺ في رواية البيهقي حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيئا بخيلا. البذيء بفتح الباء وكسر الذال المعجمة والمد، هو المتكلم بالفحش ورديء الكلام. ٤٤٩٣ - وعن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال له: "انظر فإنك لست بخير من أحمر، ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى" رواه أحمد (٣)، ورواته ثقات

стр. 8169

مشهورون إلا أن بكر بن عبد الله المزني لم يسمع من أبي ذر. قوله وعن أبي ذر واسمه جندب الغفاري وهو أول من حيّا رسول الله ﷺ بتحيّة الإسلام وهو خامس خمسة في الإسلام وكان يعبد الله تعالى قبل البعثة واسم أخيه أنيس مصغرا أسلم مع أبي ذر وأسلمت أمهما وكان شاعرا. قاله الكرماني (١). قوله ﷺ لأبي ذر انظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى الحديث سيأتي الكلام على الأحمر والأسود في الحديث بعده. ٤٤٩٤ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "خطبنا رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد. ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٢). ألا هل بلغت؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليبلغ الشاهد الغائب" ثم ذكر الحديث في تحريم الدماء والأموال والأعراض. رواه البيهقي (٣)، وقال في إسناده بعض من يجهل.

стр. 8170

قوله وعن جابر بن عبد الله تقدم الكلام عليه. قوله خطبنا رسول الله ﷺ في أوسط أيام التشريق، الحديث. أيام التشريق ثلاثة أيام بعد عيد الأضحى وسميت أيام التشريق لتشريق اللحم فيها، وقيل فيه غير ذلك والله أعلم. قوله ﷺ ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى الحديث. قال الواحدي قال أهل العلم هذا في الازدراء بالناس والتحقير لهم والاستطالة بالنسب على من يكون خامل النسب، اهـ. قاله في الديباجة، وجاء في الحديث بُعثت إلى الأحمر والأسود، أي العجم والعرب، لأن الغالب على ألوان العجم الحمرة والبياض وعلى ألوان العرب الأدمة والسمرة. وقيل أراد الجن والإنس، وقيل أراد بالأحمر والأبيض مطلقا فإن العرب تقول امرأة حمراء أي بيضاء وسئل ثعلب لم خص الأحمر دون الأبيض فقال لأن العرب لا تقول رجل أبيض من بياض اللون إنما الأبيض عندهم الطاهر النفس من العيوب فإذا أرادوا الأبيض من اللون قالوا الأحمر، وفي هذا القول نظر فإنهم قد استعملوا الأبيض في ألوان الناس وغيرهم. [لعل ذلك نادر والغالب سواه وبه يجاب عن ثعلب] (١). ومنه الحديث (٢) أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض هي [يعني] (٣) ما أفاء الله على أمته من كنوز الملوك فالأحمر الذهب والأبيض الفضة والذهب

стр. 8171

كنوز الروم لأنه الغالب على نقودهم [والفضة كنوز الأكاسرة لأنها الغالبة على نقودهم،] وقيل أراد العرب والعجم جمعهم الله على دينه وملته. وفي حديث عليّ قيل له غلبتنا عليك هذه الحمراء يعنون العجم والروم والعرب تسمى الموالي الحمراء وفي الحديث خذوا شطر دينكم كم الحُميراء يعني عائشة كان يقول لها أحيانا يا حميراء تصغير حمراء يريد البيضاء، وفي معنى ذلك أحاديث كثيرة مذكورة في النهاية (١).

стр. 8172

قوله ﷺ ألا هل بلغت كذا وكذا. قوله فليبلغ الشاهد الغائب، الشاهد الحاضر. ٤٤٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم القيامة أمر الله مناديا ينادي: ألا إني جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أكرمكم أتقاكم، فأبيتم إلا أن تقولوا: فلان ابن فلان خير من فلان ابن فلان، فاليوم أرفع نسبي، وأضع نسبكم. أين المتقون؟ " رواه الطبراني في الأوسط (١) والصغير (٢) والبيهقي (٣) مرفوعا وموقوفا، وقال: المحفوظ الموقوف، وتقدم في أول كتاب العلم حديث أبي هريرة الصحيح فيه: "من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه". قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله فاليوم أرفع نسبي وأضع نسبكم أين المتقون؟

стр. 8173

المتقون جمع المتقي وهم الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به. قوله من بطأ به عمله لم يسرع نسبه معناه من كان عمله ناقصا لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال فينبغى أن لا يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل. ٤٤٩٦ - وعن أبي هريرة ﵁ النبي ﷺ قال: "إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم، وآدم من تراب: مؤمن تقي، وفاجر شقي لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها" رواه أبو داود (١) والترمذي (٢) وحسنه، وتقدم لفظه، والبيهقي (٣) بإسناد حسن أيضا، واللفظ له، وتقدم معنى غريبه في الكبر. قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ إن الله أذهب عنكم عبيّة الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم وآدم من تراب، الحديث. تقدم الكلام على الحديث مبسوطا في باب الكبر والتواضع قريبا.

стр. 8174

الترغيب في إماطة الأذى عن الطريق وغير ذلك مما يذكر ٤٤٩٧ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الإيمان بضع وستون أو سبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قول: لا إله إلا الله" رواه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦). [أماط] الشيء عن الطريق: نحاه وأزاله، والمراد بالأذى كل ما يؤذي المار كالحجر والشوكة والعظم والنجاسة ونحو ذلك. قوله عن أبي هريرة تقدم الكلام عليه. قوله ﷺ الإيمان بضع وستون أو وسبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق وأرفعها قول لا إله إلا الله. وفي حديث آخر والحياء شعبة من الإيمان. قوله الإيمان بضع، البضع والبضعة بكسر الباء فيهما وفتحها هذا في العدد وأما بضعة اللحم فبالفتح لا غير، والبضع في العدد ما بين الثلاث والعشرة والشعبة القطعة من الشيء ومنه التشعب وهو التفرق. قوله إماطة

стр. 8175

الأذى، أماط الشيء أزاله ونحَّاه، والمراد بالأذى كل ما يؤذي المار كالحجر والشوك والعظم والنجاسة ونحو ذلك، اهـ. قاله المنذري .. ٤٤٩٨ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوي أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن" رواه [مسلم] (١) وابن ماجه (٢). قوله وعن أبي ذر تقدم. قوله ﷺ عرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يُماط عن الطريق الحديث، المراد بإماطة الأذى عن الطريق إزالة ما يؤذي المار من حجر أو شوك وكذا قطع الأحجار من الأماكن الوعرة كما يفعل في طريق الحاج وكذا كنس الطريق عن التراب الذي يتأذى به المار وردم ما فيه [من حفرة أو رهدة وقطع شجرة تكون في الطريق، وفي معناه توسيع الطريق التي تضيق على المارة وإقامة من يبيع أو يشتري في وسط الطرق العامة كمحل السعي بين الصفا والمروة ونحو ذلك، فكله من باب إماطة الأذى عن الطريق، ومن ذلك ما يرتفع إلى درجة الوجوب كالبئر التي في وسط الطريق التي يخشى أن يسقط فيها الأعمى والصغير والدابة فإنه يجب طمسها والتحويط عليها إن لم تضر المارة، انتهى، قاله في حدائق الأولياء.

стр. 8176

قوله ﷺ : ( ... ) وفي بعض النسخ: النخاعة، وتقدم الكلام على ذلك بابه. قوله: ﷺ : ... ] من الإيمان بالله، [و] الإيمان بالله الاعتراف بوجوده والإيمان له القيام بالطاعة له وكذا الإيمان بالنبي ﷺ والإيمان له. فالأول هو التصديق بوجوده و [بكونه] نبيا والثاني قبول شرائعه والإيمان بالكتاب إيمان بما دل على أنه من عند الله، وقد يقال آمنت للكتاب بمعنى الانقياد لأوامره ونواهيه والثقة بوعده ووعيده. قوله بضع وستون أو وسبعون، كذا وقع في راية سهيل عند مسلم على الشك أيضا، ورواه البخاري بضع وستون ورواه الترمذي وأبو داود من روايته أيضا بضع وسبعون بلا شك، ورواه الترمذي من طريق آخر أربعة وستون بابا، واختلف العلماء في الراجح من الروايتين فصوّب القاضي عياض رواية بضع سبعين وقال ابن الصلاح (١). هذا الشك الواقع في رواية سهيل هو من سهيل، كذا قاله الحافظ أبو بكر البيهقي (٢)، وقد روى عن سهيل بضع وسبعون من غير شك وروي بضع وستون والراجح رواية الأقل، ورجّح أبو عبد الله الحليمي رواية الأكثر فإن الحكم لمن حفظ الزيادة جازما بها والكلام في هذه الشعب يطول وقد صنف في ذلك مصنفات من أغزرها فوائد كتاب المنهاج لأبي عبد الله الحليمي إمام الشافعيين ببخارى وكان من [رفعاء] أئمة المسلمين وحذى حذوه الفقيه أبو بكر البيهقي في كتابه الجليل الحفيل كتاب شعب الإيمان.

стр. 8177

وفي رواية الترمذي وغيره تسمية الشعبة بابا والمراد بالباب الموصل إلى الإيمان فكل هذه الشعب أبواب لذلك [فمعنى] وله بضع وسبعون شعبة بضع وسبعون خصلة الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع تصديق القلب واللسان وظواهر السنة مطلقة على الأعمال كما وقع ها هنا أرفعها، وفي رواية أفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، ونبه ﷺ على أن أفضلها التوحيد المتعين على كل أحد والذي [لا] (١) يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن الطريق وبقي بين هذين الطرفين أعداد لو تكلف تحصيلها بغلبة الظن وشدة التتبع [لأمكنه]، وقد فعل ذلك بعض من تقدم. قال الإمام الحافظ أبو حاتم بن حبان (٢) تتبعت معنى الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئا كثيرا فرجعت إلى السنن فإذا هي تنقص [عن] البعض والسبعين فرجعت إلى كتاب الله فقرأته بالتدبر وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنة وأسقطت المعاد فإذا هي سبع وسبعون شعبة لا تزيد عليها ولا تنقص فعلمت أن مراد النبي ﷺ [أنّ هذا العدد] في الكتاب والسنة. وذكر أبو حاتم جميع ذلك في كتاب وصف الإيمان وشعبه. قوله الحياء. والحياء ممدود من الاستحياء.

стр. 8178

قال القاضي (١) [وغيره] إنما جعل الحياء من الإيمان [و] إن كان غريزة لأنه قد يكون [تخلقا] واكتسابا كسائر أعمال البر وحقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق الصريح. قال البغوي في شرح السنة (٢). معنى قوله ﷺ والحياء شعبة من الإيمان أنه كما يترك الإنسان المعاصي للإيمان يتركها للحياء، ومنه الحديث إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، يريد من لم يصحبه الحياء صنع ما يشاء من ارتكاب الفواحش [ويقارف] القبائح فكلما كان الحياء سببا [لمنعه] عن المعاصي كالإيمان عد الحياء من شعب الإيمان وإن لم يكن أمرا مكتسبا [قاله في الديباجة]. ٤٤٩٨ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوي أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن" رواه [مسلم] (٣) وابن ماجه (٤). [قوله وعن أبي ذر تقدم. قوله ﷺ عُرِض عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، الحديث. المراد بإماطة الأذى عن الطريق إزالة ما يؤذي المار من حجر أو شوك وكذا قطع الأحجار من

стр. 8179

الأماكن الوعرة كما يفعل في طريق الحاج وكذا كنس الطريق عن التراب الذي يتأذى به المار وردم ما فيه من حفرة أو وهدة وقطع شجرة تكون في الطريق، وفي معناه توسيط الطرق التي تضيق على المارة أو إقامة من يبيع أو يشتري في وسط الطرق العامة كمحل السعي بين الصفا والمروة ونحو ذلك وكله من باب إماطة الأذى عن الطريق. ومن ذلك ما يرتفع إلى درجة الوجوب كالبئر التي في وسط الطريق التي يخشى أن يسقط فيها الأعمى والصغير، الدابة فإنه يجب طمسها أو التحويط عليها إن لم يضر المارة، اهـ قاله في حدائق الأولياء. قوله ﷺ ووجدت في مساوئ أعماله النخامة تكون في المسجد لا تدفن وفي بعض النسخ النخاعة، وتقدم الكلام على ذلك في بابه] (١). ٤٤٩٩ - وعن أبي برزة ﵁ قال: "قلت يا نبي الله: إني لا أدري نفسي تمضي أو أبقى بعدك فزودني شيئا ينفعني الله به، فقال رسول الله ﷺ : افعل كذا، افعل كذا، وأمر الأذى عن الطريق". ٤٥٠٠ - وفي رواية قال أبو برزة: "قلت يا نبي الله: علمني شيئا أنتفع به، قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين" رواه مسلم (٢) وابن ماجه (٣). قوله عن أبي برزة، أبو برزة اسمه نضلة بن عبيد هذا هو الصحيح المشهور في اسمه. قوله ﷺ [ ... وفي رواية قال: اعزل] الأذى عن طريق المسلمين، تقدم تفسيره في الحديث قبله.

стр. 8180

٤٥٠١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته، فيحمله عليها أم يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة" رواه البخاري (١) ومسلم (٢). قوله وعن أبي هريرة تقدم. قوله ﷺ كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس الحديث. السلامى بضم السين وتخفيف اللام وفتح الميم عظام الأصابع جمع سلامية وهي الأنملة من أنامل الأصابع وقيل واحده وجمعه سواء، ويجمع على [سلاميات] بفتح الميم والياء هي التي بين كل مفصلين من أصابع الإنسان وقيل السلامى كل عظم مجوف من صغار العظام ومعنى قوله كل سلامى عليه صدقة أي على كل عضو ومفصل صدقة وفي المراد به احتمالان أحدهما أن الصدقة كما قيل تدفع البلاء فإذا تصدق [عن] (٣) أعضائه بما ذكرنا كان [جديرا] أن يدفع عنها البلاء. والثاني [أن] لله على الإنسان في كل عضو ومفصل نعمة والنعمة تستدعي الشكر [ثمّ] كأن الله وهب ذلك الشكر لعباده صدقة عليهم كأنه قال اجعل شكر نعمتي في أعضائك أن تعين بها عبادي وتتصدق عليهم بإعانتهم. قوله كل يوم منصوب على الظرف لأن دوام نعمة الأعضاء نعمة أخرى ولما كان الله قادرا

стр. 8181

على سلب نعمة الأعضاء عن عبده كل يوم وهو في ذلك عادل في حكمه كان [عفوه] (١) عن ذلك [وإدامة] العافية عليه صدقة فوجب الشكر والرعاية ثم النعمة عائمة فالشكر يجب أن يكون دائما. قوله تطلع فيه الشمس يحتمل أنه تأكيد نحو ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ (٢)، ويحتمل أن اليوم لما كان يطلق تارة ويراد به ما بين طلوع الشمس وغروبها وتارة يراد به المدة الطويلة نحو يوم القيامة ومقدراه خمسون ألف سنة وتارة يراد به ألف سنة ويتجوز به في العرف عن أقل من ذلك وأكثر أراد النبي ﷺ أن ينص على أن اليوم الذي تجب فيه الصدقة على ابن آدم و [يتكرر] بتكرره هو محل طلوع الشمس لا غيره. واعلم أن الصدقة على ضربين صدقة الأموال كالزكاة وصدقة التطوع وصدقة الأفعال كالذي ذكرنا في هذا الحديث ويجمعها عبادة الله تعالى كالمشي إلى الصلاة ونفع الناس فمنه العدل بين اثنين يتحاكمان أو يتخاصمان سواء كان حاكما أو مصلحا إذا نوى دفع المنافرة بينهما امتثالا لقول الله ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣) الآية ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (٤)، ونحوه من الأمر بذلك. [ومنه إعانة الرجل بحمله أو حمل متاعه على الدابة لأنه نفع له] (٥) ومنه الكلمة الطيبة نحو سلام عليك وحياك الله وإنك لمحسن وأنت إن شاء الله رجل

стр. 8182

صالح ولقد أحسنت جوارنا أو [ضيافتنا] ونحو ذلك لأنه مما يسر السامع ويجمع القلوب ويؤلفها. واعلم أنه ليس مراد الحديث حصر أفعال الصدقة فيما ذكر فيه إنما هي مثال لذلك ويجمعها ما قلنا من أفعال العبادة أو نفع خلق الله حتى أن رجلا رآى فرخا قد وقع من عشه فرده إليه فغفر له وآخر رآى كلبا يأكل الثرى من العطش فسقاه فغفر له وكذلك امرأة بغي رأت كلبا عطشا فنزعت له بخفها ماء فسقته فغفر لها، وعكس ذلك أن امرأة دخلت النار في هرة ربطتها فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض. وقد ورد في كل كبد حرّا أجر، وقد ورد الخلق عيال الله فأحبّ الناس إلى الله تعالى أشفقهم على عياله. وإذا تصدق كل واحد من الناس عن أعضائه بنفع خلق الله تعالى حصل من ذلك مقصود قوله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من جمع القلوب وائتلافها وإقامة كلمة حق بواسطة ذلك فإذن يكون نفع ذلك خاصا بالمسلم المتصدق وعاما للإسلام والمسلمين وهذا مقصود الشرع وهذا الحديث يرجع إلى قوله ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (١)، ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢)، وإلى قوله ﵇ المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا، المؤمن [كثير] (٣) بأخيه المؤمن، انصر أخاك ظالما أو مظلوما يعني إعانة المظلوم بنصرته وإعانة الظالم بكفه عن ظلمه، مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد الحديث ونحوه والله أعلم بالصواب. قاله الطوفي

стр. 8183

[في] شرح الأربعين النووية (١). ٤٥٠٢ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم، فقال رجل من القوم: هذا من أشد ما أنبأتنا به. قال: أمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر صلاة، وحملك على الضعيف صلاة، وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة" رواه ابن خزيمة في صحيحه (٢). قوله وعن ابن عباس ﵁[تقدم الكلام عليه رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وعلى مناقبه مبسوطا. ( ... ) تتعلق بذكره رضي الله تعالى عنه:] روى ابن عساكر في تاريخه (٣) بسنده إلى حماد بن محمد أنه قال كتب رجل إلى ابن عباس يسأله عن شيء ليس له لحم ولا دم تكلم، وعن شيء ليس له لحم ولا دم تنفس وعن اثنين ليس لهما لحم ولا دم خوطبا وأجابا وعن رسول بعثه الله ليس من الجن ولا من الإنس ولا من الملائكة وعن نفس ماتت ثم عاشت بنفس غيرها وعن موسى كم أرضعته أمه قبل أن تلقيه في اليم وفي أي بحر وفي أي يوم ألقته وكم

стр. 8184

كان طول آدم وكم عاش ومن كان وصيّه وعن طير لا يبيض ويحيض، فقال [رضي الله تعالى عنه]: الأول النار قالت: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (١)، والثاني عصا موسى ﵊، والثالث الصبح، والرابع السماء والأرض ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٢)، والخامس الغراب الذي بعثه الله تعالى إلى ابن آدم، والسادس نملة سليمان والسابع البقرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن، وأرضعت موسى أمه قبل أن تلقيه في اليم ثلاثة أشهر، وألقته في بحر القلزم، وكان ذلك يوم الجمعة، وكان طول آدم ﵇ ستين ذراعًا، وعاش ألف سنة إلا ستين [عاما]، وكان وصيه شيث. والطير الوطواط الذي نفخ فيه عيسى، فكان طائرًا بإذن الله . نقل من حياة الحيوان (٣). قوله ﷺ : كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم الحديث. هكذا جاء في رواية فإن كان محفوظا فالمراد به أن على كل عضو موسوم بصنعة الله صدقة هكذا فسر ومنه الحديث وفي يده الميسم [هي] (٤) الحديدة التي يكوى بها وأصله مِوْسم فقلبت الواو ياء لكسرة الميم [ومنه] المَوْسم وهو الوقت الذي يجتمع فيه الحاج كل سنة كأنه وسم بذلك الوسم وهو مفعل منه اسم [الزمان] لأنه معلم لهم يقال وسمته يسمه وسما وسمة إذا أثر فيه بكيّ ومنه الحديث أنه كان يسم إبل الصدقة أي يعلِّم عليها بالكي. والأصل [من]

стр. 8185

المنسم وهو خف البعير يستبان به على الأرض أثره إذا ضل، وقد يطلق على مفاصل الإنسان اتساعا، ومنه الحديث على كل منسم من الإنسان صدقة أي على كل مفصل اهـ، قاله في النهاية (١). قوله ﷺ وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صلاة، الخطوة بفتح الخاء المعجمة المرة الواحدة وبالضم ما بين القدمين. ٤٥٠٣ - وعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس، قيل: يا رسول الله من أين لنا صدقة نتصدق بها؟ فقال: إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم، وتهدي الأعمى، وتدل المستدل على حاجته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك" رواه ابن حبان في صحيحه (٢)، والبيهقي (٣) مختصرًا، وزاد في رواية: "وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن طريق الناس صدقة، وهديك الرجل في أرض الضالة لك صدقة".

стр. 8186

قوله وعن أبي ذر تقدم. قوله ﷺ ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس، الحديث. تقدم. قوله وتسمع الأصم، الأصم هو الثقيل السمع الذي به صمم. قوله وتهدي الأعمى، وهدايته إرشاده إلى الطريق. قوله وتدل المستدل على حاجته التي يريدها. قوله وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث. السعي هو الإسراع في العدو، واللهفان هو [المكروب]، يقال لهف يلهف فهو لهفان ولهف فهو ملهوف، ومنه الحديث يُعين ذا الحاجة الملهوف والحديث الآخر كان يحب إغاثة اللهفان، والله تعالى أعلم، قاله في النهاية (١). وفي الرواية الأخرى وإماطتك الحجر والشوك والعظم عن طريق الناس صدقة، وفيه فضيلة إماطة الأذى عن الطريق وهو كل مؤذ، وهذه الإماطة أدنى شعب الإيمان. فائدة: إماطة الأذى عن الطريق توجد على نوعين: أحدهما وهو الأظهر أن ينحي عن طريق المسلمين ما يتأذون به من شوك أو حجر إيمانا واحتسابا، وثانيهما أن لا يتعرض لهم في طرقهم بما يؤذيهم مثل التخلي في قارعة الطريق وإلقاء النتن والجيف وإحداث ما يعسر المرور عليه فإنه إذا ترك ذلك إيمانا واحتسابا كان كمن عزل الأذى عن الطريق، كذا في الميسر، قاله في شرح مشارق الأنوار. تنبيه: فإن قيل كيف تكون الإماطة صدقة؟ قلنا:

стр. 8187

معنى الصدقة أيضا النفع، والإماطة سبب إلى سلامة أخيه المسلم من ذلك الأذى فكأنه تصدق عليه بالسلامة منه، اهـ، قاله الكرماني (١). ٤٥٠٤ - وعن بريدة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة، قالوا: فمن يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: النخامة في المسجد تدفنها، والشيء تنحيه عن الطريق، فإن لم تقدر، فركعتا الضحى تجزي عنك" رواه أحمد (٢)، واللفظ له، وأبو داود (٣) وابن خزيمة (٤) وابن حبان (٥) في صحيحهما. قوله وعن بريدة ﵁، هو بريدة بن الحصيب، بضم الحاء المهملة، ابن عبد الله بن الحرب بن الأعرج بن سعد بن رزاح الأسلمى. قوله ﷺ في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق على كل مفصل إلى هنا انتهى اللوح الثاني والثلاثون بعد المائة. منها صدقة الحديث المفصل بفتح الميم وسكون الفاء وكسر الصاد يريد مفصل الأصابع وهو ما بين كل أنملتين والمعنى على كل عظم من عظام ابن آدم صدقة على طريق الاستحباب لا على طريق الوجوب وقد مرّ الكلام على ذلك

стр. 8188

مبسوطا في أوائل هذا التعليق. قوله ﷺ فإن لم تقدر فركعتي الضحى تجزئ عنك، بفتح التاء وسكون الجيم وكسر الزاي وسكون الياء أي يكفي عنك. فائدة تتعلق بالإنسان، فالإنسان نوع العالم وإنما سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي، والأناس لغة في [الناس] وهو الأصل فخفف والناس جمع إنسان قال الجوهري (١) والناس قد [تكون] من الإنس والجن اهـ. قال الله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ (٢)، أي أحسن خلق وهو اعتداله وتسوية أعضائه لأنه خلق كل شيء منكبا على وجهه وخلقه سويا وله لسان ذلق وأصابق يقبض بها مزيّنا بالعقل مؤدبا بالأمر مهذبا بالتمييز يتناوله مأكوله ومشروبه بيده. قال ابن عطية من الدليل على أن القرآن غير مخلوق أن الله تعالى ذكر القرآن في كتابه في أربعة وخمسين موضعا ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق ولا أشار إليه، وذكر الإنسان على الثلث من ذلك في ثمانية عشر موضعا كلها نصت على خلقه، [وقد اقترن ذكرهما على هذا النحو في قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ (٣)] (٤). وقال القاضي أبو بكر بن العربي (٥) ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان فإن الله تعالى خلقه حيا عالما [قادرا] (٦) مريدا متكلما، سميعا بصيرا، مدبرا حكيما.

стр. 8189

حكيما. وهذه صفات الرب ، وعنها وقع البيان بقوله ﷺ : إن الله خلق آدم على صورته، يعني على صفاته التي تقدم ذكرها. فائدة أخرى: ثم روى بإسناده ابن عطية أو القاضي أبو بكر بن العربي أن موسى بن عيسى الهاشمي كان يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر، فاحتجبت عنه وقالت طلقت وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح أتى المنصور فاستحضر الفقهاء وسألهم فأجاب كلهم بالطلاق إلا واحدا فقال لا تطلق لقوله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ (١)، فقال المنصور الأمر كما قال، ثم أرسل إلى زوجته بذلك. [و] هذا الجواب نقل عن الشافعي. قلت وقد أذكرتني هذه الحكاية ما ذكره الزمخشري عند قوله تعالى ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ (٢) أن عمر بن حطان الخارجي كان شديد السواد وكانت امرأته من أجمل النساء فأطالت نظرها في وجهه يوما وقالت الحمد لله، فقال ما لك؟ فقالت حمدت الله تعالى على أني وإياك في الجنة. قال كيف؟ قالت لأنك رُزقت مثلي فشكرت ورزقت مثلك فصبرت وقد وعد الله عباده الصابرين والشاكرين الجنة، وما أحسن قول سحيم عبد بني الحسحاس، بيت: إن كنتُ عبدًا فنفسي حرة كرما ... أو أسود اللون فإني أبيض الخلق ذكرت الفائدتان في حياة الحيوان (٣)، والله أعلم.

стр. 8190

٤٥٠٥ - وعن المستنير بن أخضر بن معاوية عن أبيه قال: "كنت مع معقل بن يسار ﵁ في بعض الطرقات، فمررنا بأذى فأماطه، أو نحاه عن الطريق، فرأيت مثله، فأخذته فنحيته، فأخذ بيدي وقال: يا ابن أخي ما حملك على ما صنعت؟ قلت: يا عم رأيتك صنعت شيئا، فصنعت مثله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أماط أذى من طريق المسلمين كتبت له حسنة، ومن تقبلت منه حسنة دخل الجنة" رواه الطبراني في الكبير (١) هكذا، ورواه البخاري في كتاب الأدب المفرد (٢)، فقال: عن المستنير ابن أخضر بن معاوية بن قرة عن جده. [قال الحافظ]: وهو الصواب. قوله وعن المستنير بن أخضر ابن معاوية هم أبيه كذا. قوله: (كنت مع معقل بن يسار)، هو معقل بن يسار بن كذا. قوله: (من أماط أذى من طريق المسلمين كتبت له حسنة ومن تقبلت منه حسنة دخل الجنة)، تقدم الكلام على الإماطة في الأحاديث قبله. ٤٥٠٦ - وعن أنس ﵁ قال: "حدث نبي الله ﷺ بحديث فما فرحنا بشيء منذ عرفنا الإسلام أشد من فرحنا به. قال: إن المؤمن ليؤجر في إماطة

стр. 8191

الأذى عن الطريق، وفي هداية السبيل، وفي تعبيره عن الأرتم، وفي منحة اللبن حتى إنه ليؤجر في السلعة تكون مصرورة فيلمسها فتخطؤها يده" رواه أبو يعلى (١) والبزار (٢)، وزاد: "إنه ليؤجر في إتيانه أهله حتى إنه ليؤجر في السلعة تكون في طرف ثوبه، فيلمسها، فيفقد مكانها، أو كلمة نحوها: فيخفق بذلك فؤاده، فيردها الله عليه، ويكتب له أجرها" وفي إسناده المنهال بن خليفة، وقد وثقه غير واحد، وتقدم ما يشهد لهذا الحديث. قوله: (وعن أنس)، تقدم. قوله ﷺ : (إن المؤمن ليؤجر في إماطة الأذى عن الطريق)، تقدم معناه. قوله: (وفي هداية السبيل) أي الطريق، تقدم أيضا. قوله: (وفي تعبيره عن الأرتم)، الحديث. الأرتم هو الذي لا يصحح كلامه ويبينه يعني الذي لا يطيق الكلام إما لآفة في لسانه أو أسنانه أو لعجمة في لغته فتبينُ عنه ما يحتاج إلى بيانه ويكون معناه معنى الأرت. قاله في النهاية (٣). قوله: (وفي منحة اللبن)، ومنحة اللبن أن تعطيه ناقة أو شاة ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانا ثم يردها، ومنه الحديث: المنحة مردودة، ومنه

стр. 8192

الحديث الآخر: هل من أحد يمنح من إبله ناقة أهل بيت لا [دَرّ] لهم. قاله في النهاية (١). قوله: (فيخفق بذلك فؤاده)، خفق الفؤاد هو اضطرابه. ٤٥٠٧ - وعن أبي شيبة الهروي قال: "كان معاذ يمشي، ورجل معه فرفع حجرا من الطريق فقال: ما هذا؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رفع حجرا من الطريق كتبت له حسنة، ومن كانت له حسنة دخل الجنة" رواه الطبراني في الكبير (٢)، ورواته ثقات، ورواه في الأوسط (٣) من حديث أبي الدرداء إلا أنه قال: "من أخرج من طريق المسلمين شيئا يؤذيهم كتب الله له به حسنة، ومن كتب له عنده حسنة أدخله بها الجنة". قوله: (وعن أبي شيبة الهروي)، أبو شيبة اسمه كذا. قوله: (من رفع حجرا من الطريق كتبت له حسنة)، تقدم معناه.

стр. 8193

٤٥٠٨ - وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرا عن طريق المسلمين، أو شوكة، أو عظما عن طريق المسلمين، وأمر بمعروف، أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة، فإنه يمسي يومئذ، وقد زحزح نفسه عن النار. قال أبو توبة: وربما قال: يمشي، يعني بالمعجمة" رواه مسلم (١) والنسائي (٢). قوله: (وعن عائشة)، تقدم الكلام عليها، وهي أم المؤمنين إحدى زوجات رسول الله ﷺ . وقد اختلف العلماء فيمن لم يدخل بها ﵇ وفارقها هل يحل نكاحها أم لا والصحيح الحل لإعراضه عنها بالفراق، وقيل: لا، ورجحه النووي لصدق اسم الزوجة عليها وهي محرمة بالنص، اهـ. قوله ﷺ : (خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل)، تقدم الكلام على هذا الحديث في كتاب الذكر. ٤٥٠٩ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره، فشكر الله له، فغفر الله له" رواه البخاري (٣) ومسلم (٤).

стр. 8194

٤٥١٠ - وفي رواية لمسلم (١) قال: "لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين". ٤٥١١ - وفي أخرى له (٢): "مر رجل بغصن شجرة على ظهر الطريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة". ورواه أبو داود (٣)، ولفظه قال رسول الله ﷺ : "نزع رجل لم يعمل خيرا قط غصن شوك عن الطريق: إما قال: كان في شجرة فقطعه، وإما كان موضوعا، فأماطه عن الطريق، فشكر الله ذلك له، فأدخله الجنة". قوله: (وعن أبي هريرة) تقدم. قوله: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره فشكر الله له)، قوله: (فغفر الله له)، وأصل الغفر الستر والتغطية ومنه يقال لجُنَّة الرأس المغفر، اهـ. فالغفران هو ستر ذنوب العبد عن الناس. قوله: (فشكر الله له) أي أظهر لملائكته أو لمن يشاء أو لمن يشاء من خلقه الثناء عليه بما فعل من الإحسان بعبده أو يكون جازاه جزاء الشاكر فسمى الجزاء شكرا، وكل ذلك [إنما] حصل لهذا الرجل [بحسن] نيته في تنحية الأذى، ألا ترى قوله: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، [وشكرته وشكرت له بمعنى واحد] (٤). قوله: (وفي رواية مسلم: لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها) الحديث، يتقلب في الجنة أي ينتعم في

стр. 8195

الجنة بملاذها بسبب قطعه الشجرة التي كانت تؤذي الناس، ففي هذه الأحاديث التنبيه على فضيلة كل ما نفع [للمسلمين] وأزال عنهم ضررا وهذه الإماطة أدنى شعب الإيمان، كما في الحديث. ٤٥١٢ - وعن أنس بن مالك ﵁ قال: "كانت شجرة تؤذي الناس، فأتاها رجل فعزلها عن طريق الناس قال: قال نبي الله ﷺ ، فلقد رأيته يتقلب في ظلها في الجنة" رواه أحمد (١) وأبو يعلى (٢)، ولا بأس بإسناده في المتابعات. قوله: (وعن أنس بن مالك) تقدم. قوله ﷺ : كانت شجرة توفي الناس فأتاها رجل فعزلها عن طريق الناس الحديث تقدم الكلام على معناه. فائدة يختم بها الباب في الحديث من قطع سدرة [صوّب الله رأسه في النار. سئل أبو داود السجستاني عن هذا الحديث، فقال هو حديث مختصر، ومعناه: من قطع سدرة] في فلاة يستظل بها ابن السبيل عبثا وظلما بغير حق يكون له فيها صوّب الله رأسه في النار أي نكَّسه، قاله في النهاية (٣) [والله تعالى وتقدس أعلم بالصواب]. * * *

стр. 8196

الترغيب في قتل الوزَغ وما جاء في قتل الحيات وغيرها مما يذكر ٤٥١٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من قتل وزغة في أول ضربة، فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الحسنة الأولى، ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة لدون الثانية" رواه مسلم (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤). ٤٥١٤ - وفي رواية لمسلم (٥): "من قتل وزغا في أول ضربة كتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك". وفي أخرى لمسلم (٦) وأبي داود (٧) أنه قال: "في أول ضربة سبعين حسنة". [قال الحافظ]: وإسناد هذه الرواية الأخيرة منقطع لأن سهيلا قال: حدثتني أختي عن أبي هريرة، وفي بعض نسخ مسلم أخي، وعند أبي داود أخي أو أختي على الشك، وفي بعض نسخ أخي وأختي بواو العطف، وعلى كل

стр. 8197

تقدير، فأولاد أبي صالح، وهم سهيل وصالح وعبادة وسودة ليس منهم من سمع من أبي هريرة، وقد وجد في بعض نسخ مسلم في هذه الرواية قال سهيل: حدثني أبي كما في الروايتين الأوليين، وهو غلط، والله أعلم. [الوزغ]: هو الكبار من سام أبرص. قوله: "عن أبي هريرة" تقدم. قوله ﷺ : "من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى ومن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة دون الأولى". قوله: "في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة أدنى من الأولى"، كذا رأيته، لفظة كذا وكذا ليست من كلام النبي ﷺ إنما هي من كلام الراوي كنّى بها عن العدد الذي قاله النبي ﷺ ، فإن كذا يكنى بها عن الشيء، تقول فعلت كذا وكذا، ويكون كناية عن العدد. وفي رواية مسلم: من قتل وزغا في أول ضربة كتبت له مائة حسنة، دون الأولى رواية لمسلم وأبي داود أنه قال في أول ضربة سبعين حسنة. [قوله كأن الإشارة الإشارة بهذا إلى توفير ثواب الإقدام والشجاعة على الضعف والجبن والله أعلم] (١). قال الحافظ: الوزغ هو الكبار من سام أبرص اهـ. وسام أبرص بتشديد الميم، وقيل سمي سامّ أبرص وزغا لخفته وسرعة

стр. 8198

حركته، والوزغة بتحريك الزاي دويبة معروفة، قال أهل اللغة: الوزغ وسام أبرص، جنس فسام أبرص، هو كباره، وجمع الوزغة وزغ وأوزاغ ووزوغات [على البدل] وأزغان على البدل، حكاه ابن سيدة (١) وهو معرفة إلا أنه تعريف جنس وهما اسمان جعلا اسما واحدا. ويجوز فيه وجهان أحدهما: أن [تبنيهما] على الفتح كخمسة عشر، الثاني: أن تعرب الأول وتضيفه إلى الثاني ويكون الثاني مفتوحا لكونه لا ينصرف، وتقول في التثنية هذان ساما أبرص وفي الجمع هؤلاء سوام أبرص وإن شئت هؤلاء السَّوامُّ ولا تذكر أبرص، وإن شئت قلت هؤلاء البرصة والأبارص ولا [تذكر] سامّ. قال الشاعر: والله لو كنت لهذا خالصًا ... [ما كنتُ] عبدًا آكِلَ [للأبارصا] اهـ واتفقوا أن الوزغ من الحشرات المؤذيات، وذكر أصحاب الآثار أن الوزغ أصم. قال: والسبب في صممه أنه كان ينفخ النار على إبراهيم ﵊ كما سيأتي ذكر ذلك في الأحاديث بعده، فصُمَّ بذلك وبرص، ومن طبعه أنه لا يدخل بيتا فيه رائحة زعفران وتألفه الحيات كما تألف العقارب الخنافس، وهو يلفح بفيه، ويبيض كما تبيض الحيات، ويقيم في جحره زمن الشتاء أربعة أشهر لا يطعم شيئا ومن شأنه إذا تمكن من الملح تمرغ فيه فيصير مادة لتولد البرص، اهـ. [قوله ﷺ : "من قتل وزغا في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة"، وفي رواية: "مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة

стр. 8199

دون ذلك"، وفي رواية: "في أول ضربة سبعون حسنة"، والوزغة دويبة مستخبثة، وتجمع على وزغ وأوزغ ووزغان وسامّ أبرص وهو كباره. والحكمة من قتلها ما يحصل منها من الضرر والأذى الذي عليه من الاستقذار والنفرة اللازمة للطباع، ولما يتقى، ولأنّ فيها سما أو شيئا يضر متناوله، ولما صحّ أنها أعانت على وقود نار إبراهيم ﵊ بالنفخ فيها لتشتعل، وهذا من نوع ما روي في الحية أنها أدخلت إبليس الجنة بين فكيها فعوقبت بأن أهبطت مع من هبط وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم. وإنما سميت فويسقة لخروجها عن جنس الحيوانات بالضرر المذكور. وقيل لأنها خرجت عن حكم الحيوان المحترم شرعا، والفسق في اللغة الخروج مطلقا، وأنه اسم مذموم شرعا، قاله في المفهم (١). فائدة: اعلم أن القاعدة أنه كلما كثر العمل كثر الأجر، ولهما بالعكس كلما قلّ الضرب كثر الأجر، فقيل لشئمها وقيل الحضّ على المبادرة لقتلها وترك التواني لئلا تفوت. قال في المفهم (٢): ويظهر لي أن قتلها وإن كان مأمورا به لكن لا يعذب بكثرة الضرب بل يبتغي أن يجهز عليها في أول ضربة، ويشهد لذلك النهي عن تعذيب الحيوان، والأمر بإحسان القتلة. قال النووي (٣): وأما تقييد

стр. 8200

الحسنات في الأول بمائة وفي الثانية بسبعين فجوابه من أوجه: سبق مثله في صلاة الجماعة. أحدها: أنه مفهوم عدد ولا يعمل به عند الجمهور، فذكر السبعين لا يبلغ المائة ولا معارضة بينهما] (١). [وأمر النبي ﷺ بقتله وحث عليه ورغب فيه لكونه من المؤذيات. وأما سبب تكثير الثواب في قتله بأول ضربة ثم ما يليها فالمقصود منه الحق على المبادرة بقتله والاعتناء به وتحريض قاتله على أن يقتله بأول ضربة فإنه إذا أراد أن يضربه ضربات ربما انفلت وفات قتله، اهـ. وقال بعض العلماء أيضا: وسبب كثرة الحسنات [في] (٢) المبادرة أن تكرر الضربات في القتل يدل على عدم الاهتمام بأمر صاحب الشرع إذ لو قوى عزمه واشتدت حميته لقتلها في المرة الأولى لأنه حيوان لطيف لا يحتاج إلى كثرة مؤنة في الضرب فحيث لم يقتلها في المرة الأولى دلّ ذلك على ضعف عزمه فلذلك نقص أجره عن المائة إلى السبعين. وعلل ابن عبد السلام كثرة الحسنات في الأول بأنه إحسان في القتل، فدخل في قوله ﷺ : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"، [أو أنه] مبادرة إلى الخير فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٣)، قال: وعلى كلا المعنيين فالحية والعقرب أولى بذلك لعظم مفسدتها. اهـ. وقال بعض العلماء: وأما تقييد الحسنات في الضربة الأولى بمائة وفي

стр. 8201

الثانية بسبعين فجوابه من أوجه سبقت في فضل صلاة الجماعة وأنها تزيد على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، وفي رواية بسبع وعشرين: أحدها أن هذا مفهوم العدد ولا يعمل به عن جماهير الأصوليين وغيرهم وسبق مثله في صلاة الجماعة في قوله ﷺ : صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين وخمس وعشرين، فذكر السبعين لا يمنع المائة، فلا تعارض بينهما. [والثاني: لعله أخبر بالسبعين ثم تصدق الله تعالى بالزيادة فأعلم بها النبي ﷺ حين أوحي إليه بعد ذلك. والثالث: أنه يختلف باختلاف قاتلي الوزغ بحسب نياتهم وإخلاصهم وكمال أحوالهم ونقصها فتكون المائة للكامل منهم والسبعون لغيره] (١). قال يحيى بن يعمر (٢): لأن أقتل مائة وزغة أحبّ إليّ من أن أعتق مائة رقبة، وإنما قال ذلك لأنها دابة سوء زعموا أنها تسقي الحياة وتمج في الإناء فينال الإنسان المكروه العظيم بذلك. ٤٥١٥ - وعن سائبة مولاة الفاكة بن المغيرة: "أنها دخلت على عائشة ﵂ فرأت في بيتها رمحا موضوعا، فقالت يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا؟ قالت:

стр. 8202

أقتل به الأوزاغ، فإن رسول الله ﷺ أخبرنا أن إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار لم تكن دابة في الأرض إلا أطفأت النار عنه غير الوزغ، فإنه كان ينفخ عليه، فأمر رسول الله ﷺ بقتله" رواه ابن حبان في صحيحه (١) والنسائي (٢) بزيادة. قوله: "وعن سائبة مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي"، الحديث، سائبة على [وزن]، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ (٣)، روت عن عائشة هذا الحديث الواحد وهو في مسند أبي يعلى الموصلي (٤). قوله: "فإن رسول الله ﷺ أخبرنا أن إبراهيم ﵊ لما ألقي في النار لم تكن دابة في الأرض إلا أطفأت النار عنه غير الوزغ فإنه كان ينفخ عليه، فأمر رسول الله ﷺ بقتله" الحديث. والقصة في تحريق إبراهيم ﷺ ، ذكره الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (٥)، والذي أشار

стр. 8203

بإحراقه نمرود وقيل رجل من الأكراد من أعراب فارس أي من باديتها، فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها ليوم القيامة. رُوي أنه لما أجمع رأيهم على تحريقه حبسه نمرود وأمر ببناء شبه الحظيرة له كوى وجمعوا شهرا أصناف الحطب الصلب حتى [كانت] المرأة لتغزل فتشتري [بمغزلها] حطبا وإن الرجل [ليمرض] فيقول إن عُوفيت لأجمعنّ حطبا لإبراهيم فاجتمع مما تبرع به الناس ومما [أجلب] للملك من الجبال والقرى حتى بلغوا من ذلك ما أرادوا فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم ﷺ لم يدروا كيف يلقونه فجاءهم إبليس فدلهم على المنجنيق وهي أول منجنيق صنعت، فأخرجوه ﷺ وشدّوه رباطا ووضع في كفه المنجنيق ورمي به فوقع في النار. قال الواحدي: فبلغنا أن السماوات والأرض والجبال والملائكة قالوا: ربنا عبدك إبراهيم يحرق فيك. فقيل لهم: إن استغاث بكم فأغيثوه، فقال إبراهيم: حسبنا الله ونعم الوكيل. فنادى جبريل النار: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ فلم تحرق منه سوى [وثاقه]. [وقال] (١) له جبريل حين رمي به هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. قال: فسل ربك. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وروي أن جبريل ﵇ ضرب النار وقال: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ (٢) فلم تبق يومئذ نار إلا طفئت ظنت أنها عنيت، والمعنى كوني ذات برد وسلامة، قاله في الديباجة. وذكر ابن

стр. 8204

الفرات [الحنفي] في تاريخه أن إبراهيم ﵊ لما ألقي في النار كان ابن ست عشرة سنة، وبعث الله ملك الظل في صورة إبراهيم ﵊ فقعد في النار [في] جنب إبراهيم ﵇ يُؤنسه، وأتاه جبريل ﵇ بقميص من حرير الجنة. وقال يا إبراهيم إن ربك يقول لك أما علمت أن النار لا تحرق قميص أحبابي؟ وألبسه القميص. هذا ما اتفق من إبراهيم ﵇، اهـ. قال ابن عطية ويروى أن الغراب كان ينقل الحطب إلى نار إبراهيم وأن الوزغة كانت تنفخ عليه لتضرم وكذا البغل، [ويروى] أن الخطافة والضفدع والعضرفوط كانوا ينقلون الماء لتطفئ النار فأبقى الله على هذه وقاية وسلط على تلك النوائب والأيدي، اهـ. ورُوي (١).

стр. 8205

أنه ﷺ قال: لا تسبوا الضفدع فإن صوته الذي تسمعون التقديس والتسبيح، إن البهائم استأذنت ربها في أن تطفئ النار عن إبراهيم ﵇ فأذن للضفدع فتراكبت عليه فأبدلها الله تعالى بحر النار الماء، رواه صاحب الفردوس ولم يخرجه ولده في مسنده. قال بعضهم إظهار المحبة يوجب النعمة كما أن إظهار العداوة يوجب النقمة ألا ترى أن الوزغ حين نفخ النار على إبراهيم ﷺ وكان نفخه لا يصل إلى النار ولا إلى قريب منها استوجب النقمة لإظهار العداوة والبغضة وقد أمر النبي ﷺ بقتله وقال إنه كان ينفخ النار على إبراهيم كما رواه البخاري (١) وغيره. ٤٥١٦ - وعن أم شريك ﵂ أن رسول الله ﷺ : "أمر بقتل الأوزاغ، وقال كان ينفخ على إبراهيم" رواه البخاري (٢)، واللفظ له ومسلم (٣) والنسائي (٤) باختصار ذكر النفخ. قوله: "وعن أم شريك"، اسمها غزية بفتح المعجمة وكسر الزاي وشدّة التحتانية العامرية، ويقال الغفارية، ويقال الدوسية، ويقال الأنصارية، لها في الكتب الستة أربعة أحاديث هذا أحدها، واختلفوا في اسمها، فقيل غزيلة بنت [ذودان] بن عمرو ابن عامر بن [رواحة] بن منقذ بن عمرو، [وقيل

стр. 8206

غزية بنت ذودان بن عوف،] وقيل غزية بنت جابر بن حكيم، ويقال هي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ وطلقها قبل أن يدخل بها. روى لها الجماعة سوى أبي داود. [قال السهيلي: هي أم شريك الدوسية، وقد روي أنها عطشت في سفر فلم تجد ماء إلا عند يهودي فأبى أن يسقيها إلا أن تدين بدينه فأبت إلا أن تموت عطشا، فدليت لها دلو من السماء فشربت منها ثم رفعت الدلو وهي تنظر إليه؛ انتهى. وأم شريك الدوسية ذكرها ابن منده وأبو نعيم ولم يذكرها أبو عُمر، وحديثها عن أبي هريرة قال: كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك أسلمت في رمضان، فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله ﷺ ، فلقيت رجلا من اليهود فقال: ما لك يا أم شريك؟ قالت: أطلب من يصحبني إلى رسول الله ﷺ ، فقال: أنا أصحبك، وذكر الحديث بطوله، وقال: كانت أم شريك وقع في قلبها الإسلام وهي بمكة وهي إحدى نساء قريش، وكانت تحت أبي العكبر الدوسي فأسلمت ثم جعلت تدخل على نساء قريش تدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها بمكة فأخذوها وسيروها إلى قومها، وذكر الحديث بطوله. وقال أبو الفرج: أم شريك بنت جابر بن حكيم الدوسية وهي التي وهبت نفسها النبي ﷺ فلم يقبلها فلم تتزوج حتى ماتت. وقال ابن عباس: وقع في نفس أم شريك الإسلام فأسلمت وهي بمكة ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرا فتدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة
следующие страницы →