← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 660

فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب

حسن بن علي الفيومي

Полный текст (10 535 стр.). Показаны 9042–9081 · переход к 9047.

стр. 9042

أوبقني البرد فأخذت ثوبا من صوف كان عندنا، ثم أدخلته في عنقي، وحزمته على صدري أستدفئ به، والله ما في بيتي شيء آكل منه، ولو كان في بيت النبي ﷺ شيء لبلغني، فخرجت في بعض نواحي المدينة، فانطلقت إلى يهودي في حائط فاطلعت عليه من ثغرة في جداره، فقال: مالك يا أعرابي هل لك في دلو بتمرة. قلت: نعم، افتح لي الحائط، ففتح فدخلت فجعلت أنزع الدلو ويعطيني تمرة حتى ملأت كفي، قلت: حسبي منك الآن، فأكلتهن، ثم جرعت من الماء، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ ، فجلست إليه في المسجد، وهو مع عصابة من أصحابه، فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرفوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة، وأرهفه عيشا، فلما رآه النبي ﷺ ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها، فذرفت عيناه فبكى، ثم قال رسول الله ﷺ : أنتم اليوم خير أم إذا غدي على أحدكم بجفنة من خبز ولحم، وريح عليه بأخرى، وغدا في حلة، وراح في أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ قلنا: بل نحن يومئذ خير نتفرغ للعبادة. قال: بل أنتم اليوم خير. قوله: "وعن محمد بن كعب القرظي" منسوب إلى بني قريظة، وفي الحديث أنه قال يخرج من الكاهنين رجل يقرأ القرآن لا يقرأ أحد قراءته. قيل: أنه محمد بن كعب القرظي، وكان [يقال] (١) لقريظة والنظير الكاهنان، وهما قبيلا اليهود بالمدينة، وهم أهل كتاب وفهم وعلم، وكان محمد بن كعب من أولادهم والعرب تسمي كل من يتعاطى علما دقيقا كاهنا. ومنهم

стр. 9043

من يسمى المنجم والطبيب كاهنا، قاله الكرماني (١). قوله: "حدثني من سمع علي بن أبي طالب يقول: إن الجلوس مع رسول الله ﷺ في المسجد إذ طلع علينا مصعب بن عمير ما عليه إلا بردة مرقوعة بفروة" الحديث، البردة شملة مخططة من صوف تلبسها الأعراب، وتقدم الكلام على علي بن أبي طالب مرارا رضي الله تعالى عنه، وأما مصعب بن عمير مصغر عمر القرشي العبدري، يكنى بأبي عبد الله، كان من جلة الصحابة، بعثه رسول الله ﷺ إلى المدينة يقرئهم القرآن ويفقهم في الدين في أول الهجرة، وكان يأتي الأنصار ويدعوهم إلى الإسلام فيسلم الرجل والرجلان حتى فشا الإسلام فيهم فكتب إلى النبي ﷺ يستأذنه أن يجمع بهم فأذن له، هو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة. قال الحافظ أبو نعيم (٢) عن ابن شهاب قال: بايع أهل العقبة رسول الله ﷺ فرجعوا إلى قومهم فدعوهم سِرًّا وأخبروهم برسول الله ﷺ والذي بعثه الله وتلوا عليهم القرآن وبعثوا إلى رسول الله ﷺ : أن ابعث إلينا رجلًا من قبلك فليدع الناس بكتاب الله ، فبعث إليهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير فلم يزل عندهم يدعو ويهدي على يده حتى قلّ دار من دور الأنصار إلا وقد أسلم أشرفهم وأسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم وكان المسلمون أعزّ أهل المدينة ورجع مصعب بن عمير إلى المدينة، وكان يُدعى المقرئ. دخل على رسول الله ﷺ في دار الأرقم فأسلم وكتم إسلامه

стр. 9044

وكان يختلف إلى رسول الله ﷺ ، فلما علموا [بإسلامه] حبسوه فلم يزل محبوسا حتى هاجر إلى أرض الحبشة. وكان في الجاهلية من أنعم الناس عيشا وألينهم لباسا وأحسنهم جمالا، فلما أسلم زهد في الدنيا وتقشف [فتخشف جلده تخشف الجبة]، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (١)، وكان حامل لواء رسول الله ﷺ ، فقطع المشركون [إحدى] يديه فأمسكه بالأخرى، قتل يوم أحد شهيدا، وكانت أمّه شديدة الكلف به وكان يبيت وقعب الحيس عند رأسه، يستيقظ فيأكل. فلما أسلم أصابه من الشدة ما غيّر لونه وأذهب لحمه [ونهكت] جسمه حتى كان رسول الله ﷺ ينظر إليه وعليه فروة وقد رقعها فيبكي لما كان يعرف من نعمته. قالت له أمه: والله لا ألبس خمارا ولا أستظل أبدًا ولا آكل ولا أشرب حتى تدع ما أنت عليه، وكانت امرأة مليئة، أي ذات مال، فكانت تقف للشمس حتى تستيقظ مغشيا عليها، وكان رسول الله ﷺ يذكره فيقول: ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلية ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير. [قوله: "وسترتم بيوتكم. قالوا: بل نحن يومئذ خير نتفرغ للعبادة ونكفى المئونة" أي [يدفع] منا تحصيل القوت، أي ليس الأمر كما تظنون، بل أنتم اليوم خير لأن الفقير الذي له كفاف خير من الغني، لأن الغني يشتغل بدنياه ولم يكن له فراغ للعبادة مع مرارة اشتغاله] (٢).

стр. 9045

قوله في حديث علي: "خرجت في غداة باردة وقد أوبقني البرد" أي أهلكني البرد. قوله: "في حائط" الحائط البستان إذا كان عليه سياج دائر وتقدم تكراره مرارا. [قوله: " ... " نزع الدلو هو رفعه. قوله: "قلت حسبي منك .. " أي يكفيني]. قوله: "وهو مع عصابة من أصحاب الحديث"، العصابة [من الجماعة] من العشرة إلى الأربعين. قوله: "فطلع علينا مصعب بن عمير"، تقدم الكلام عليه. ٤٩٩٧ - وعن فاطمة ﵂ أن رسول الله ﷺ أتاها يوما فقال: أين ابناي؟ يعني حسنا وحسينا، قالت: أصبحنا، وليس في بيتنا شيء يذوقه ذائق، فقال: علي: أذهب بهما، فإني أتخوف أن يبكيا عليك، وليس عندك شيء، فذهب إلى فلان اليهودي، فتوجه إليه النبي ﷺ ، فوجدهما يلعبان في شربة بين أيديهما فضل من تمر، فقال: يا علي ألا تقلب ابني قبل أن يشتد الحر؟ قال: أصبحنا وليس في بيتنا شيء فلو جلست يا رسول الله حتى أجمع لفاطمة فضل تمرات، فجلس رسول الله ﷺ حتى اجتمع لفاطمة فضل من تمر، فجعله في خرقة، ثم أقبل، فحمل النبي ﷺ أحدهما، وعلي الآخر حتى أقلبهما. رواه الطبراني (١) بإسناد حسن.

стр. 9046

قوله: "وعن فاطمة"، فاطمة هي بنت رسول الله ﷺ ، تقدم الكلام عليها، وكم روت من الأحاديث، في كتاب اللباس. قوله: "فقال أين أبنائي" يعني حسنا وحسينا. قوله: "فوجدهما يلعبان في شربة" الحديث، الشربة هي كذا فقال: "يا علي ألا تقلب ابنيّ قبل أن يشتد الحرّ"، يعني: ألا ترجع بهما، والانقلاب الرجوع. ٤٩٩٨ - وروي عن جابر ﵁ قال: حضرنا عرس علي وفاطمة، فما رأينا عرسا كان أحسن منه، حشونا الفراش، يعني من الليف، وأوتينا بتمر وزيت فأكلنا، وكان فراشها ليلة عرسها إهاب كبش. رواه البزار (١). قوله: "وعن جابر" تقدم. قوله: "حضرنا عرس علي وفاطمة" الحديث. وتقدم الكلام عليه مبسوطا. قوله: "وكان فراشها إهاب كبش"، الإهاب الجلد، والجمع أُهُب بضم الهمزة والهاء وفتحهما، وإنما سمي بها لأنه أهبة

стр. 9047

الحي [وتقدم الكلام عليه مبسوطا]. ٤٩٩٩ - وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: لما جهز رسول الله ﷺ فاطمة إلى علي بعث معها بخميل قال عطاء: ما الخميل؟ قال: قطيفة ووسادة من أدم حشوها ليف، وإذخر وقربة كانا يفترشان الخميل ويلتحفان بنصفه. رواه الطبراني (١) من رواية عطاء بن السائب، ورواه ابن حبان في صحيحه (٢) عن عطاء بن السائب أيضا عن أبيه عن علي ﵁ قال: جهز رسول الله ﷺ فاطمة في خميلة ووسادة أدم حشوها ليف. قوله: "وعن عبد الله بن عمرو" تقدم. قوله: "لما جهز رسول الله ﷺ فاطمة إلى علي بعث معهما بخميلة" الحديث، تقدم الكلام على غريب هذا الحديث في الأذكار خلف الصلوات مبسوطا. قوله: "وعن سعيد بن أبي راشد أن يعلى بن مرة حدثهم أنهم خرجوا مع النبي ﷺ إلى طعام دعوا له فإذا حسين يلعب في السكة. قال: فتقدم النبي ﷺ أمام القوم وبسط يديه فجعل الغلام يفر ها هنا وها هنا ويضاحكه النبي صلى

стр. 9048

الله عليه وسلم حتى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والأخرى في فاس رأسه فقبله. وقال: حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط" رواه الترمذي (١) وقال [حسين] ويعلى بن مرة هو الثقفي ويقال العامري. كنيته أبو المرازم، وهو يعيى بن سيابة وهي أمّه في قول يحيى بن مَعين، وزعم أبو حاتم أنهما اثنان. وقوله: "سبط من الأسباط" أي أمة من الأمم في الخير، والأسباط أولاد إسحاق بن إبراهيم الخليل بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل. وقوله في حديث آخر: الحسن والحسين سبط رسول الله ﷺ . أي طائفتان وقطعتان منه. وقيل: الأسباط أولاد الأولاد خاصة، وقيل أولاد البنات. ٥٠٠٠ - وعن سهل بن سعد ﵁ قال: كانت منا امرأة تجعل في مزرعة لها سلقا، فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق فتجعله في قدر، ثم تجعل قبضة من شعير تطحنه، فتكون أصول السلق عرقه، قال سهل: كنا ننصرف إليها من صلاة الجمعة فنسلم عليها فتقرب ذلك الطعام إلينا، فكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك. وفي رواية: ليس فيها شحم ولا ودك، وكنا نفرح بيوم الجمعة. رواه البخاري (٢). قوله: "وعن سهل بن سعد الساعدي" هو أبو العباس، وقيل: أبو يحيى

стр. 9049

سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصارى الساعدى المدني، كان اسمه حزنا، فسماه النبي ﷺ سهلا. شهد سهل قضاء رسول الله ﷺ في المتلاعنين. قال الزهري: سمع من النبي ﷺ ، وكان له يوم وفاة النبي ﷺ خمس عشرة سنة. وتوفى بالمدينة سنة ثمان وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين. قال ابن سعد: هو آخر من مات من أصحاب النبي ﷺ بالمدينة ليس فيه خلاف. وقال غيره: بل فيه خلاف. روى له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا، اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر. روى عنه الزهري، وأبو حاتم، وغيرهما (١). قوله: "كانت امرأة منا تجعل في مزرعة سلقا فإذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السِّلق فتجعله في قدر ثم تجعل عليه قبضة من شعير تطحنه فتكون أصول السلق عرقة" الحديث، السلق نبات معروف له ساق، والعرقة العرق المرق. قال الجوهري (٢) والعُرقة بالضم مثل الشربة من اللبن وغيره والجمع عرق، وفي رواية أخرى: فصارت غرقة، وقد رواه بعضهم: غرفة، بالفاء، أي مما يغرف. قاله في النهاية (٣). قوله: ليس فيها شحم ولا ودك، الودك هو دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه.

стр. 9050

٥٠٠١ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: والذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر بي أبو بكر فسألته عن آية في كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فمر فلم يفعل ثم مر عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني، ثم مر أبوا القاسم ﷺ فتبسم حين رآني، وعرف ما في وجهي، وما في نفسي، ثم قال: يا أبا هريرة قلت: لبيك يا رسول الله قال: ألحق ومضى فأتبعته، فاستأذن فأذن له فدخل، فوجد لبنا في قدح فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة قال: يا أبا هر قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ألحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاؤوا أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله، وطاعة رسول الله ﷺ بد فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا واستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت قال: يا أبا هر قلت: لبيك يا رسول الله. قال: خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروي، ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي ﷺ وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فتبسم فقال يا أبا هريرة! فقلت: لبيك يا رسول الله

стр. 9051

قال: بقيت أنا وأنت؟ قلت: صدقت يا رسول الله. قال: اقعد فاشرب فشربت، فقال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق لا أجد مسلكا قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله تعالى وسمى وشرب الفضلة. رواه البخاري (١) وغيره، والحاكم (٢) وقال: صحيح على شرطهما. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام عليه. قوله: "ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعني فمر فلم يفعل" أي ليقول لي اتبعني إلى منزله ليطعمني، كذا للكافة، وهو المعروف، ولابن السكن والنسفي والحموي والبلخي ليشبعني، والأول أشبه بمساق الكلام. قاله عياض (٣). قوله ﷺ لأبي هريرة: "الحق بأهل الصفة فادعهم لي" الحديث. تقدم الكلام على الصفة وأهلها في الجهاد وغيره. قوله إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، الحديث. الفرق بين الصدقة والهدية أن الصدقة إعطاء لثواب الآخرة وهي حرام على رسول الله ﷺ [لأنها] أوساخ الناس، والنبي ﷺ منزه عن ذلك. والهدية إعطاء لإكرام المنقول إليه فلهذا كان يأكل منها

стр. 9052

ويعطي أهل الصفة. قوله في آخر الحديث: "قال اقعد فاشرب، فشربت" فذكره إلى أن قال: "قلت والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا" الحديث، وفي الحديث عن أبي قتادة (١) قال: قال رسول الله ﷺ : ساقي القوم آخرهم شربا. قال النووي (٢): هذا أدب من آداب ساقي الماء واللبن ونحوهما. وفي معناه ما يُفرّق على الجماعة من المأكول كلحم وفاكهة مشموم وغير ذلك فيكون المفرق آخرهم تناولا منه لنفسه. وفي الصحيح (٣) حديث أبي هريرة هذا، لما قال له النبي ﷺ : ادع إليّ أهل الصفة لما حضروا وشربوا ثم بعد شربهم شرب أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، اهـ. [و] في هذا الحديث بيان ما يؤدي إليه بعض ذلك من الشدة والألم والذلة والتعوق عن الخير وأنواع من الهلع. والهلع هو أشد الجزع. وقيل هو الضجر [والمنافسة ونحو ذلك] (٤)، فأي شدّة كموجب وضع الكبد على الأرض والاعتماد بها عليها، وأيّ ألم كموجب شدّ الحجر على البطن، وأي ذلة وتشاغل كالقعود على طريق المارة للاستطعام، وأي [هلع] كقوله فساءني ذلك، وأي منافسة كقوله: كنت أحق أن أصيب منه شربة أتقوى بها، فلله در همة بصائر مثل هذا من أهل صحبة نبي الله واقتباس دين الله والحرص على مراضي الله، ولقد

стр. 9053

شكر العظيم له ذلك فجبر كسره ورفع قدره وأعلى ذكره ورزقه [الإمرة] مع أنه ﵁ كان قادرا على التكسب بالزرع والصفق في الأسواق كغيره [أراد بذلك صفق الأكف عند البيع، كانوا إذا تصافقوا بالأكف كان ذلك أمارة الملك وانبرام البيع]، لكنه آثر الصحبة لو جرى ما جرى. قاله [في] حدائق الأولياء (١). ٥٠٠٢ - وعن أبي هريرة أيضا ﵁ قال: إن الناس كانوا يقولون: أكثر أبو هريرة، وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ لشبع بطني حين لا آكل الخمير، ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي لكي ينقلب بي فيطعمني، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها. رواه البخاري (٢) والترمذي (٣)، ولفظه: قال: إن كنت لأسأل الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ عن الآيات من القرآن، أنا أعلم بها منه، ما أسأله إلا ليطعمني شيئا، وكنت إذا سألت جعفر ابن أبي طالب لم يجبني حتى يذهب بي إلى منزله، فيقول لامرأته: يا أسماء أطعمينا، فإذا أطعمتنا أجابني، وكان جعفر يحب المساكين. ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه وكان

стр. 9054

رسول الله ﷺ يكنيه بأبي المساكين. قوله: "إن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة الحديث"، أي من رواية الحديث وهو من باب حكاية كلام الناس. وفي حديث آخر [مرّ] في الصلاة والوضوء (١): ولولا آيتان من كتاب الله [فقال:] ما حدثت. والمراد بالآيتين ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) الآية، ومعناه لولا أن الله تعالى ذم الكاتمين للعلم لما حدثتكم أصلا، لكن لما كان الكتمان حراما وجب الإظهار والتبليغ فلهذا حصل مني الإكثار لكثرة ما عندي منه. قوله: "وإني كنت لألزم رسول الله ﷺ لشبع بطني حين لا آكل الخمير ولا ألبس الحرير ولا يخدمني فلان وفلان" الحديث، أي كان يلازم النبي ﷺ قانعا بالقوت لا مشتغلا بالتجارة ولا بالزراعة، يحضر ما يحضرون من أحوال رسول الله ﷺ ويحفظ ما لا يحفظون من أقواله، وهذا إشارة إلى المسموعات، وذلك إلى المشاهدات. فائدة: وفي حديث آخر (٣): أن الناس كان يشغلهم [الصفق] بالأسواق، السفق يروى بالسّين والصاد، يريد صفق الأكف عن البيع والشراء، يضع يده في يد الآخر كما يفعل المتبايعان، وهي المرة من التصفيق باليدين، والسين والصاد في الصفق يتعاقبان مع القاف والفاء إلا أن بعض الكلمات تكثر في

стр. 9055

الصاد وبعضها يكثر في السين وهكذا [يروي]. قاله ابن الأثير (١) والله أعلم. قوله ﵁: "وكنت ألصق بطني بالحصا من الجوع" الحديث. وفائدة إلصاق البطن بالحصا انكسار حرارة شدة الجوع ببرودة الحجر. قوله: "وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب"، وفي رواية الترمذي: كان جعفر بن أبي طالب يحب المساكين ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان رسول الله ﷺ يكنيه بأبي المساكين. قال في المرصع (٢): أبو المساكين جعفر بن أبي طالب أخو علي بن أبي طالب كناه بذلك رسول الله ﷺ لأنه كان حفيا بالمساكين محسنا إليهم وأم المساكين زينب بنت خزيمة زوجة رسول الله ﷺ كناها بذلك لحبها المساكين ورحمتها لهم. وفي البخاري عن الشعبي أن ابن عمر كان إذا سلم على جعفر قال السلام عليك يا ابن ذي الجناحين وهو ذو الجناحين وذو الهجرتين الجواد أبو الجواد، هاجر إلى الحبشة وكان هو [وأصحابه] سبب إسلام النجاشي وارتفق المسلمون بجعفر هناك وكان جعفر أميرهم في الهجرة، وهاجرت معه أسماء بنت عميس فولدت له هناك عبد الله بن جعفر وهو أول مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة، وقضية جعفر [مع] النجاشي في أول اجتماعه به وقراءته عليه سورة مريم مشهورة معروفة. ثم قدم من الحبشة هو ومن صحبه من المهاجرين ومن دخل في الإسلام هناك، وجاءوا

стр. 9056

في سفينتين في البحر فقدموا على رسول الله ﷺ في خيبر فأسهم لهم [منها] ولم يسهم لمن لم [يحضرها] غير أهل السفينة، وحديث قصتهم في الصحيح مشهورة ثم سكن المدينة ثم أمره النبي ﷺ على جيش غزوة مؤتة بعد زيد بن حارثة فاستشهد هو وزيد فيها في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة فأخبر بوفاته رسول الله ﷺ على المنبر في المدينة حال وفاته، واستغفر له وأمر المسلمين بالاستغفار له، ووجدوا به يومئذ أربعا وخمسين ضربة بالسيف في مقدمه، وقبره وقبر صاحبيه مشهورات بأرض مؤتة على نحو مرحلتين من بيت المقدس، والله أعلم. [وكان] عبد الله ولده [فهو] (١) الصحابي ابن [الصحابية]، قيل لم يكن في الإسلام أسخى منه، مات سنة ثمانين على الأصح. قال ابن بطال (٢) شارح البخاري في هذا الحديث: حفظ العلم والمواظبة على طلبه وفيه فضيلة أبي هريرة وفضل التقلل من الدنيا وإيثار طلب العلم على طلب المال، وفيه جواز الإخبار عن نفسه بفضيلته إذا اضطر إلى ذلك. وأقول: وجواز إكثار الأحاديث وجواز التجارة والعمل وجواز الاقتصار على الشبع، وقد تكون مندوبات وقد تكون واجبات بحسب الأشخاص والأوقات، ا هـ.

стр. 9057

٥٠٠٣ - وعن محمد بن سيرين قال: كنا عند أبي هريرة ﵁، وعليه ثوبان ممشقان من كتان، فمخط في أحدهما، ثم قال: بخ بخ يمتخط أبو هريرة في الكتان لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله ﷺ وحجرة عائشة من الجوع مغشيا علي، فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي يرى أن بي الجنون، وما هو إلا الجوع. رواه البخاري (١) والترمذي (٢) وصححه. [المشق] بكسر الميم: المغرة، وثوب ممشق: مصبوغ بها. قوله: "وعن محمد بن سيرين" تقدم الكلام عليه. قوله: "كنت عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان" الحديث، أي مصبوغان بالمغرة، قاله الحافظ. قوله: "بخ بخ" تقدم معناه مرارا. قوله ﵁: "لقد رأيتني وإني لأخرّ فيما بين منبر رسول الله ﷺ وحجرة عائشة من الجوع مغشيا عليّ" الحديث، وفيه بيان ما هو أشد من ذلك من زوال العقل وسقوط القوى رأسا. ٥٠٠٤ - وعن فضالة بن عبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى بالناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة، وهم أصحاب الصفة، حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين أو مجانون، فإذا صلى رسول الله ﷺ انصرف إليهم، فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة. رواه الترمذي (٣)، وقال: حديث صحيح، وابن حبان في صحيحه (٤).

стр. 9058

[الخصاصة] بفتح الخاء المعجمة وصادين مهملتين: هي الفاقة والجوع. قوله: "وعن فضالة عن عبيد" كذا. قوله: "إن رسول الله ﷺ كان إذا صلى الناس يخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة، وهم أهل الصفة" الحديث، الخصاصة بفتح الخاء المعجمة وصادين مهملتين، هي الفاقة والجوع، اهـ. قاله الحافظ. ومعنى الحديث: يخر رجال أي من الجوع والضعف، وأهل الخصاصة [الفقر] والحاجة إلى الشيء، قاله في النهاية (١). قوله: "حتى تقول الأعراب هؤلاء مجانين أو مجانون" الحديث، المجانين جمع تكسير لمجنون وأما مجانون فشاذ كما شذ شياطون في شياطين، وقد قرئ "واتبعوا ما تتلوا الشياطون". في شعر الفرزدق يمدح علي بن الحسين زين العابدين في: كفه جنهى ريحه عبق ... من كف أورع في في عرنينه شمم الجنهى الخيزران، ويروى في كفه خيزارن، قاله في النهاية (٢)، وفيه بيان مرتبة الخصاصة المتحملة من أجل الله ومن عظيم شأنها وجب إبهامها فلم

стр. 9059

يعبر عنها إلا [بقوله]: لو تعلمون ما لكم عند الله تعالى لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة والله أعلم. ٥٠٠٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتت علي ثلاثة أيام لم أطعم، فجئت أريد الصفة فجعلت أسقط، فجعل الصبيان يقولون: جن أبو هريرة، قال: فجعلت أناديهم وأقول: بل أنتم المجانين حتى انتهينا إلى الصفة، فوافقت رسول الله ﷺ أتي بقصعتين من ثريد، فدعا عليها أهل الصفة، وهم يأكلون منها، فجعلت أتطاول كي يدعوني حتى قام القوم، وليس في القصعة إلا شيء في نواحي القصعة، فجمعه رسول الله ﷺ فصارت لقمة فوضعه على أصابعه فقال لي: كل باسم الله، فوالذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت رواه ابن حبان في صحيحه (١). قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على ترجمته، قوله ﵁: "أتت عليّ ثلاثة أيام لم أطعم، جئت أريد الصفة" الحديث، لم أطعم أي لم آكل، والصفة موضع معروف بمسجد رسول الله ﷺ تقدم الكلام عليه في الجهاد وغيره. ٥٠٠٦ - وعن عبد الله بن شقيق قال: أقمت مع أبي هريرة ﵁ بالمدينة سنة فقال لي ذات يوم ونحن عند حجرة عائشة: لقد رأيتنا وما لنا ثياب إلا الأبراد الخشنة وإنه ليأتي على أحدنا الأيام ما يجد طعاما يقيم به صلبه حتى

стр. 9060

إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشد به على أخمص بطنه ثم يشده بثوبه ليقيم صلبه. رواه أحمد (١) وراوته رواة الصحيح. قوله: "وعن عبد الله بن شقيق" هو أبو عبد الرحمن، عبد الله بن شقيق العقيلي البصري، من بني عقيل بن كعب. وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم. سمع عليا، وعثمان، وعائشة، ومن بعدهم. قوله: "وما لنا ثياب إلا البراد المفتقة" البراد جمع بردة. قوله: "حتى إن كان أحدنا ليأخذ الحجر فيشدّ به على أخمص بطنه". الحديث. أخمص البطن هو الموضع الذي كذا. ٥٠٠٧ - وَعَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ نظر رَسُول الله ﷺ إِلَى الْجُوع فِي وُجُوه أَصْحَابه فَقَالَ أَبْشِرُوا فَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُم زمَان يغدى على أحدكُم بالقصعة من الثَّرِيد وَيرَاح عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا قَالُوا يَا رَسُول الله نَحن يَوْمئِذٍ خير قَالَ بل أَنْتُم الْيَوْم خير مِنْكُم يَوْمئِذٍ رَوَاهُ الْبَزَّار بِإِسْنَاد جيد (٢). ٥٠٠٨ - وعن أبي برزة ﵁ قال: كنا في غزاة لنا فلقينا أناسا من المشركين، فأجهضناهم عن ملة لهم، فوقعنا فيها فجعلنا نأكل منها، وكنا

стр. 9061

نسمع في الجاهلية أنه من أكل الخبز سمن، فلما أكلنا ذلك الخبز جعل أحدنا ينظر في عطفيه هل سمن؟ رواه الطبراني (١) رواته رواة الصحيح. قوله: "وعن أبي برزة" أبو برزة اسمه نضلة، بنون ثم ضاد معجمة، ابن عبيد، هذا هو الصحيح المشهور في اسمه. قوله: "كنا في غزاة فلقينا أناسا من المشركين فأجهضناهم عن ملة لهم" الحديث، أجهضناهم أي أزلناهم عنها وأعجلناهم، قاله الحافظ المنذري. قوله: "جعل أحدنا ينظر في عطفيه هل سمن" عطفا الإنسان جانباه. ٥٠٠٩ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ ، وأمر علينا أبا عبيدة ﵁ نلتقي عير قريش وزودنا جرابا من تمر لم نجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، فقيل: كيف كنتم تصنعون بها؟ قالوا: نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله فنأكله، فذكر الحديث. رواه مسلم (٢).

стр. 9062

قوله: "وعن جابر بن عبد الله" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "وأمّر علينا أبا عبيدة" يعني ابن الجراح واسمه عامر أحد العشرة المبشرين بالجنة. [قاله] النووي (١) في هذا الحديث: إن الجيوش لا بد لها من أمير يضبطها وينقادون لأمره ونهيه وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم أو من أفضلهم، قالوا: ويستحب للرفقة من الناس وإن قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم، وينقادوا له. وسرية أبي عبيدة هذه يقال له سرية الخبط وكانت في شهر رجب سنة ثمان من الهجرة وفيها كان عمر بن الخطاب وقيس بن [سعد] مع أبي عبيدة، وحديثها رُوِي في الغيلانيات (٢) أن النبي ﷺ بعث أبا عبيدة في سرية فيها المهاجرون والأنصار ثلاثمائة رجل وفيها وجد الحوت العظيم الذي يقال له العنبر بعد المجاعة التي حصلت لهم فأوجبت أكل الخبط. [قوله: "نلتقي عير قريش" والعير هي الإبل التي تحمل الطعام. وفي هذا الحديث جواز [رصد] أهل الحرب واغتيالهم والخروج لأخذ ما لهم واغتنامه. قوله: "وزودنا جرابا من تمر" الجراب بالكسر والفتح لغتان والكسر أفصح وأشهر. قال الجوهري (٣): والعامة تفتحه وهو وعاء من جلد، وفي رواية من هذا الحديث: ونحن أزوادنا على رقابنا، وفي هذا بيان ما كان

стр. 9063

الصحابة رضي الله تعالى عنهم عليه من الزهد في الدنيا والتقلل منها والصبر على الجوع وخشونة العيش وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال. قوله: "فكان أبو عبيدة يعطينها تمرة تمرة" الحديث. أما إعطاء أبي عبيدة إياهم تمرة تمرة فإنما كان في [الحال] الثاني بعد أن فني زاهدهم وطال لبثهم كما هو مفسر في بعض الروايات، فالرواية [لا عن] أوله والظاهر عن آخر الأمر والظاهر أن قوله [رضي الله تعالي]: تمرة تمرة، إنما كان بعد أن قسم عليهم قبضة قبضة، فلما قلّ تمرهم قسمه تمرة تمرة، [ثم فرغ وفقدوا التمرة] (١)، ووجدوا ألما لفقدها، وأكلوا الخبط إلى أن فتح الله عليهم بالعنبر وهو حوت أكلوا منه نصف شهر، والله أعلم. قاله النووي في شرح مسلم (٢)] (٣). [وفيه: "فانطلقنا] على ساحل البحر [فرفع لنا على ساحل البحر] كهئية الكثيب فأتينا فإذا هي دابة [وهي] العنبر" وفي رواية: فألقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله، يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، وأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه فمر الراكب تحته، رواه البخاري (٤). فقال أبو عبيدة ميتة ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله وقد اضطررتم فكلوا، فأقمنا

стр. 9064

عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنّا، وفي آخر الحديث (١): فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ وذكرنا ذلك له فقال: هو زرق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا، قال: فأرسلنا إلى النبي ﷺ فأكله. تنبيه: قال في المفهم (٢) في الدابة التي تسمى العنبر، [و] لعلها سميت بذلك لأنها الدابة التي تلقي العنبر، وكثيرا ما يوجد العنبر على سواحل البحر، وقد وُجِد عندنا منه على ساحل البحر بقادس من الأندلس قطعة كبيرة كالكويم حصل لواجديه فيه أموال عظيمة، اهـ. قوله: "فقال أبو عبيدة ميتة، ثم قال لا" الحديث، كذا قاله أولا باجتهاده أنها ميتة والميتة حرام ثم تغير اجتهاده وقال: بل هي حلال لكم وإن كانت ميتة لأنكم في سبيل الله وقد اضطررتم، وقد أباح الله الميتة، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ (٣). قوله [رضي الله تعالى عنه] في الحديث: كهيئة الكثيب، بالثاء المثلثة، الرمل المستطيل المحدود ب. تنبيه: السمك الطافي هو الذي يموت في البحر بلا سبب، مذهب الشافعي إباحته وهو قول الجمهور من علماء الصحابة فمن بعدهم منهم أبو بكر الصديق وأبو أيوب وعطاء ومكحول والنخعي ومالك وأحمد وأبو ثور وداود وغيرهم. وقال جابر بن عبد الله وجابر بن زيد وطاوس وأبو حنيفة لا

стр. 9065

يحل. دليلنا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ (١)، قال ابن عباس والجمهور: صيده ما صدتموه، وطعامه ما قذفه، ويدل لذلك أيضا قوله ﷺ (٢): هو الطهور ماؤه الحل ميتته، وهو حديث صحيح. وحديث أبي عبيدة هذا وهو حديث العنبر رواه البخاري (٣) ومسلم (٤)

стр. 9066

وأبو داود (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣) ففيه إباحة ميتات البحر كلها سواء في ذلك ما مات بنفسه أو باصطياد، وقد أجمع المسلمون على إباحة السمك. قال أصحابنا: ويحرم [الضفدع للحديث (٤)] في النهي عن قتلها. قالوا: وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه أصحها يحل جميعه لهذا الحديث، والثاني لا يحل، والثالث يحل ما له نظير مأكول في البرذون ما لا يؤكل نظيره فعلى هذا يؤكل خيل البحر وغنمه وظباؤه دون كلبه وخنزيره و [حماره]. قال أصحابنا: والحمار وإن كان في البر منه مأكول وغيره لكن المغلب غير المأكول، هذا تفصيل مذهبنا، وممن قال بإباحة جميع حيوان البحر إلا الضفدع أبو بكر

стр. 9067

الصديق وعمر وعثمان وابن عباس [رضي الله تعالى عنهم] وأباح مالك الضفدع [والجميع] وقال أبو حنيفة لا يحل غير السمك، فإن قيل: لا حجة [في حديث] العنبر لأنهم كانوا مضطرين قلت: الاحتجاج بأكل النبي ﷺ منه في المدينة من غير [ضرورة] اهـ. قوله: "قيل كيف تصنعون بها؟ قالوا: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء" الحديث، نمصها هو بفتح الميم على اللغة المشهورة وهو أفصح وحكي ضمها. قوله: "وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله فنأكله" الحديث، الخبط هو بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة اسم لما يخبط فيتساقط من ورق الشجر، وبسكون الباء المصدر ولا يختص ذلك بوق السنط كما هو مشهور في بلادنا بل هو أعم من ذلك. فإن قلت: كيف يتأتى أكل الخبط وكيف ينساغ في الحلق وإنما هو من مأكول البهائم؟ قلت: كانوا [يبلونه] بالماء كما هو مذكور في الحديث، "ثم نبلّه فنأكله" وإذا بُلّ لان للمضغ، وذلك حين فقدوا التمرة [التمرة] (١) الموزعة عليهم، وفيه بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الجهد والاجتهاد والصبر على الشدائد العظام والمشقات الفادحة لإظهار الدين وإطفاء كلمة المشركين. قاله في شرح الأحكام (٢)، وفيه معنى قوله تعالى ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ

стр. 9068

مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١) الآية، فأبو عبيدة لما قدر عليه رزقه صرف تمرة تمرة فمصت فلما وسع عليهم بالعنبر أكلوا منه حتى سمنوا وتزودوا، فالتقلل مراتب ولكل مرتبة أحوال تناسبها. ٥٠١٠ - وعن أبي هريرة ﵁: أنه أصابهم جوع وهم سبعة، قال: فأعطاني النبي ﷺ سبع تمرات لكل إنسان تمرة. رواه ابن ماجه (٢) بإسناد صحيح. قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام عليه، وتقدم معنى الحديث. ٥٠١١ - وعن محمد بن سيرين ﵁ قال: إن كان الرجل من أصحاب النبي ﷺ يأتي عليه ثلاثة أيام لا يجد شيئا يأكله، فيأخذ الجلدة فيشويها فيأكلها، فإذا لم يجد شيئا أخذ حجرا فشد صلبه. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع (٣) بإسناد جيد. قوله: "وعن محمد بن سيرين" [وسيرين] يكني بأبي عمرة وقيل أنه

стр. 9069

معرب شيرين بالشين المعجمة أي الحلو وكان عبدا لأنس بن مالك وكاتبه على عشرين ألفا فأدى نجوم الكتابة وأم محمد اسمها صفية مولاة الصديق ﵁، وأدرك محمد بن سيرين ثلاثين من الصحابة، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان وهو ممن لا يجوِّز نقل الحديث بالمعني، وكان يحدث بالحديث على حروفه وهو ثقة رفيع المرتبة إمام في العلوم، ورع في فقهه، فقيه في ورعه، مشهور بعلم العبارة وكان بزّازّا وحبس بدين كان عليه، قيل سبب حبسه أنه اشترى زيتا بأربعين ألف درهم فوجد في زق منه فأرة فقيل الفأرة كانت في المعصرة، فصب الزيت كله، فانكسر عليه ثمنه، وكان به صمم وهو أخو معبد وأنس ويحيى بني سيرين وإذا أطلق ابن سيرين فالمراد به محمد هذا. وروى محمد عن يحيى عن أنس وهو من [المستظرف] لكونه ثلاثة إخوة [يروي] بعضهم عن بعض، مات بالبصرة سنة عشرة ومائة بعد الحسن بمائة يوم والله أعلم. قاله الكرماني (١) تقدم معنى الحديث. ٥٠١٢ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزوا مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الحبلة، وهذا السمر حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط. رواه البخاري (٢) ومسلم (٣).

стр. 9070

[الحبل] بضم الحاء المهملة وإسكان الباء الموحدة. [والسمر] بفتح السين المهملة وضم الميم: كلاهما من شجر البادية. قوله: "وعن سعد بن أبي وقاص" هو أبو إسحاق سعد بن مالك ابن وهب، ويقال: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى القريشى الزهري المكى المدنى. أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وتوفى وهو عنهم راض، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، أمر الخلافة إليهم. قوله: "إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله" الحديث. فيه منقبة عظيمة ظاهرة له وجواز مدح الإنسان نفسه عند الحاجة. قوله: "ولقد كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر"، ورق الحُبلة بضم المهملة وإسكان الموحدة، والسمر بفتح السين وضم الميم كذا هو عند التميمي والطبري [وهذا السمر و] عند البخاري ورق السمر. قال [ابن] الأعرابي: الحبلة [ثمر] السمر يشبه اللوبيا. وقيل ثمر العضاه والأول هو المعروف. وفي مسلم ما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهو السمر، [و] كذا عند عامة الرواة، والحبلة والسمر كلاهما من شجر البادية، قاله الحافظ المنذري، وكذا قال أبو عبيد وآخرون. وقيل الحبلة ثمر العضاة، وبهذا يظهر من رواية البخاري: إلا الحبلة، وورق العضاة. وقال ابن الأثير في النهاية (١)، الحبلة وورق السمر، الحبلة ثمر السمر يشبه اللوبيا وقيل هو ثمر العضاه

стр. 9071

وقال أيضا السمر هو ضرب من شجر الطلع، الواحدة سمرة ومنه الحديث: يا أصحاب السمرة، هي الشجرة التي كانت عندها بيعة الرضوان عام الحديبية، اهـ. والسمر هو شجر أم غيلان، والبرم ثمر السمر. قوله: "حتى إن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط" الحديث، أي لا يخالط شيء من ثُفل الطعام غيره أي لا يختلط نجوهم بعضهم ببعض لجفافه ويبسه فإنهم كانوا يأكلون خبز الشعير وورق الشجر لفقرهم وحاجتهم يعني كان يخرج بعرا ليُبسه من أكلهم ورق السمر وعدم الغذاء المألوف، اهـ، قاله في النهاية (١)، فيه بيان لما كانوا عليه من الزهد في الدنيا والتقلل منها والصبر في طاعة الله تعالى على المشاق الشديدة؛ وفيه أن اعتياد الخشونة تسهل الغربة في طلب محاب الله ومراضيه، وأما الترفه فاعتياده مضيع لكثرة الخيرات ومتى تصل الفاقة إلى تقوت ورق الحبلة والسمر ثم متى [يقصد] مثله، والله أعلم، قاله في الحدائق. ٥٠١٣ - وعن خالد بن عمير العدوي قال: خطبنا عتبة بن غزوان ﵁ وكان أميرا بالبصرة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم، فيهوي فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعرا، والله لتملأن، أفعجبتم؟ ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع

стр. 9072

الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليه يوم، وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الله صغيرا. رواه مسلم (١) وغيره. [آذنت] بمد الألف: أي أعلمت. [بصرم] هو بضم الصاد وإسكان الراء: بانقطاع وفناء. [حذاء] هو بحاء مهملة مفتوحة ثم ذال معجمة مشددة ممدودا، يعني سريعة. [والصبابة] بضم الصاد: هي البقية اليسيرة من الشيء. [يتصابها] بتشديد الموحدة قبل الهاء: أي يجمعها. [والكظيظ] بفتح الكاف وظاءين معجمتين: هو الكثير الممتلئ. قوله: "وعن خالد بن عمير العدوي" من المخضرمين. أدرك الجاهلية. وسمع عتبة بن غزوان، حديثه في البصريين، روى عنه حميد بن هلال. قوله: "خطبنا عتبة بن عزوان وكان أميرا بالبصرة فحمد الله أثنى عليه" الحديث. عتبة بن غزوان كنيته أبو عبد الله وقيل أبو غزوان عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نُسيب بضم النون بن زيد بن مالك بن الحارث بن عوف

стр. 9073

ابن مازن بن منصور بن عكرمة بن خفصة بن قيس بن عيلان بالعين المهملة ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان المازني حليف بني عبد شمس، أسلم قديما هاجر إلى الحبشة وهو ابن أربعين سنة ثم عاد إلى رسول الله ﷺ وهو بمكة فأقام معه حتى هاجر إلى المدينة مع المقداد وكانا من السابقين إلى الإسلام وشهد بدرا وبيعة الرضوان وما بعدها، رُويَ له عن رسول الله ﷺ أربع أحاديث، روى مسلم أحدها، قال محمد بن سعد: كان رجلا طُوالا [جميلا]، هو قديم الإسلام، أسلم بعد ستة رجال [و] هو سابعهم، وكان أول من نزل البصرة وهو أول من اختطّها، وكان من الرماة المذكورين، توفي بطريق البصرة وقيل [في الربذة] سنة سبع عشرة من الهجرة وقيل سنة خمس عشرة وقيل أربع عشرة وهو ابن سبع وخمسين سنة والله أعلم. قوله: "وكان أميرا بالبصرة" و [البصرة] بكسر الباء وفتحها وضمها ثلاث لغات والمشهور الفتح ويقال لها قبة الإسلام [و] خزانة العرب بناها عتبة بن غزوان في خلافة عمر بن الخطاب سنة سبع عشرة من الهجرة وسكنها الناس سنة [ثمان] عشرة ولم يُعبد صنم قط على أرضها وهي داخلة في أرض سواد العراق. قوله: "إن الدنيا قد آذنت بصرم" الحديث، آذنت بمد الألف أي أعلمت، قاله الحافظ، بصرم أي بانقطاع وفناء. قاله الحافظ أيضا. قوله: "وولت حذاء" أي سريعة، قاله الحافظ أيضا، وقال في النهاية (١) أي: خفيفة سريعة. قوله: "ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء" والصبابة هي

стр. 9074

البقية اليسيرة من الشيء، قاله المنذري. قوله: "يتصابها صاحبها" أي يجمعها. قوله: "شفير جهنم" تقدم الكلام على شفير جهنم في كتاب القضاء. قوله: "إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة" الحديث، المصراعان [جانبا] الباب. قوله: "وليأتينّ عليه يوم وهو كظيظ من الزحام" الكظيظ وهو الكبير الممتلئ. قاله المنذري. قوله: "حتى قرحت أشداقنا" أي صار فيها قروح وجراح من خشونة الورق الذي نأكله وحرارته. تنبيه: وفيه فائدة رابعة: وهو ما يشعر به الجوع من معنى [تعالى:] ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ (١) فلو لم تقرح أشداقهم ما صاروا أمراء الأمصار، فمصير أهل الفاقة [يُملَّكون] مفاتيح الخير، والصبر مفتاح الفرج، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) الآية، قاله في الحدائق. تنبيه أيضا: خطب النبي ﷺ يوما أصحابه والشمس على رءوس الجبال فقال (٣): إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما

стр. 9075

مضى منه، والله أعلم. قوله: "فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك" البردة الشملة، والعرب تسمي الكساء الذي يلتحف به بردة. قوله: "فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار" المصر البلد الكبير كالبصرة والكوفة ونحوهما، ويكون فيه نائب السلطان، اهـ. ٥٠١٤ - وعن أبي موسى ﵁ قال: لو رأيتنا ونحن مع نبينا ﷺ لحسبت أنما ريحنا الضأن، إنما لباسنا الصوف، وطعامنا الأسودان: التمر والماء. رواه الطبراني في الأوسط (١)، ورواته رواة الصحيح، وهو في الترمذي (٢) وغيره دون قوله: إنما لباسنا إلى آخره، وتقدم في اللباس. قوله: "وعن أبي موسى" اسمه عبد الله بن قيس الأشعري، تقدم، قوله: "لو رأيتنا ونحن مع نبينا ﷺ إنما ريحنا ريح الصنان" بضم الصاد المشددة

стр. 9076

[والنون] المفتوحة، كذا رأيته مضبوطا، وتقدم في كتاب اللباس. قوله: "وطعامنا الأسودان التمر والماء" [الأسودان هما التمر والماء]، أما التمر فأسود وهو الغالب على تمر المدينة فأضيف الماء إليه ونُعت بنعته اتباعا والعرب تفعل ذلك في الشيئين [يصطحبان معا فيسميان] باسم الأشهر منهما كالقمرين والعمرين. ٥٠١٥ - وعن خباب بن الأرت ﵁ قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم نجد ما نكفنه به إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها. رواه البخاري (١) ومسلم (٢) والترمذي (٣) وأبو داود (٤) باختصار. [البردة]: كساء مخطط من صوف، وهي النمرة. [أينعت] بياء مثناة تحت بعد الهمزة: أي أدركت ونضجت. [يهدبها] بضم الدال المهملة وكسرها بعدها باء موحدة: أي يقطعها ويجنيها.

стр. 9077

قوله: "وعن خباب بن الأرتّ" وهو بفتح الخاء المعجمة وبعدها باء موحدة مفتوحة مشددة وبعد الألف باء موحدة، والأرث بفتح الهمزة وبعدها راء مفتوحة مهملة وتاء ثالث الحروف، كنيته أبو عبد الله ويقال أبو محمد ويقال أبو يحيى واختلف في نسبه فقيل خزاعي مولاهم وقيل تميمي، [هذا] النسب حليف لبني زهرة والصحيح أنه تميمي النسب لحقه [سبيا] في الجاهلية فأسرته امرأة من خزاعة فأعتقته وكانت من حلفاء بني زهرة فهو تميمي النسب خزاعي الولاء زهري الحلف، كان سادس ستة في الإسلام، كان يعذب في الله ، قال: أُوقِدت النار ثم وُضعتُ عليها فما أطفاها إلا ودَك ظهري، اكتوى سبعا في بطنه لوجع كان فيه. فإن قلت: قد نهي عن الكي؟ قلت: ذلك لمن [يعتقد] أنّ الشفاء من الكي أو ذلك للقادر على مداواة أخرى. توفي ﵁ بالكوفة سنة سبع وثلاثين وله [ثلاث وسبعون] سنة. قوله: "هاجرنا مع رسول الله ﷺ نلتمس وجه الله"، [المراد بوجه الله تعالى أي ذات الله] أي جهة الله لا جهة الدنيا، الله أعلم. قوله: "فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا" معناه لم توسع عليه الدنيا أي منا من مات على الحال التي هاجر عليها من الفقر ومجانبة زهرة الدنيا وطيباتها فذاك الذي سلم له أجر عمله كله ومعناه لم يعجل له شيء من جزاء عمله فرآى أن نيل طيبات الدنيا نقص من ثواب الأعمال الصالحة فيها. وقد قال البخاري في هذا الحديث: لقد خشيت أن [يكون] عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا.

стр. 9078

وقال الكرماني (١) معنى قوله: لم يأكل من أجره شيئا يعني لم يكسب من الدنيا ولا اقتناه وقصر نفسه عن سؤالها لينالها موفرة في الآخرة، ومنا من كسب المال ونال من عرض الدنيا. اهـ. قوله: "منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد" تقدم الكلام على مصعب بن عمير في أماكن من هذا التعليق مبسوطا. قوله: "فلم نجد ما نكفنه به إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه إذا غطينا بها رجليه خرج رأسه" الحديث، البردة كساء مخطّط من صوف وهي النمرة تلبسها الأعراب، وتقدم تفسيرها مرارا في الأحاديث المتقدمة، [و] تكفينه في البردة دليل على أن الاقتصار على ثوب واحد يجوز في حالة الضرورة وهذا كفن الضرورة، وقد يستدل بهذا الحديث على أن الكفن من رأس المال وأنه مقدم على الديون لأنه ﷺ أمر بتكفينه في نمرته ولم يسأل هل عليه دين مستغرق أم لا ولا يبعد من حال من لا يكون له إلا نمرة أن يكون عليه دين. [و] استثنى أصحابنا من الديون الدين المتعلق بعين المال [فيُقدَّم] على الكفن وكذا العبد الجاني والمرهون والمال الذي تعلقت به زكاة أو حق [بائعه] بالرجوع بالإفلاس ونحو ذلك. قوله: "فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر" الحديث، الإذخر هو بكسر الهمزة والخاء وهو حشيش معروف عريض الورق طيب الرائحة، وفي [هذا] الحديث دليل [على أن ستر جميع بدن الميت واجب، وفي الحديث دليل] على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر

стр. 9079

جميع البدن فلم يوجد غيره جعله مما يلي الرأس وجعل النقص مما يلي الرجلين، وستر الرأس إكراما للوجه وسترا لما يظهر عليه من تغير محاسنه فإن ضاق عن ذلك [سترت]، العورة فإن ضاق عن العورة سترت السوأتان لأنهما أهم وهما الأصل في العورة، وقد يستدل بهذا الحديث على أن الواجب في الكفن ستر العورة ولا يجب استيعاب البدن عند التمكن ولو كان ستر جميع البدن واجبا لوجب على المسلمين الحاضرين تتميمه إن لم يكن له قريب تلزمه نفقته فإن كان وجب عليه، فإن قيل كانوا عاجزين عن ذلك لأن القصة كانت يوم أحد وقد كثرت القتلى من المسلمين واشتغلوا [بهم] وبالخوف من العدو عن ذلك؛ فجوابه أنه يبعد من حال الحاضرين المتولين دفنه أن لا يكون مع واحد منهم قطعة من ثوب ونحوها، والله أعلم. وفي هذا الحديث وجوب تكفين الميت وهو واجب بإجماع المسلمين ويجب في ماله فإن لم يكن له مال فعلى من عليه نفقته فإن لم يكن ففي بيت المال فإن لم يكن وجب على المسلمين يوزعه الإمام على أهل اليسار. والله أعلم. فائدة: قال العلماء في كتب الفقه ويستحب أن يكفن الرجل في ثلاثة أثواب أي فقط إزار وهو يؤتز به العورة ولفافتين أي تلف كل واحدة منهما على جميع البدن لأن الخبر دل على ثلاثة أثواب. وقيل الثلاث أثواب كلها تكون [سوابغ] لجميع البدن وهذا هو الأصح، ولو كفن في خمسة قال الشافعي جاز ولم يكره لأن ابن عمر كان يفعله ويكون الرابع والخامس قميصا

стр. 9080

وعمامة كما أشار إليه الشافعي في الأم (١)، والزيادة على الخمس تكره لأنه سرف والواجب من ذلك في حق الرجل والمرأة ثوب واحد أي ساتر للعورة لأن مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يوجد له إلا نمرة فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه الحديث، فلم [يأمر صلى الله تعالى عليه وسلم] بأن يكفن في غيرها مع أنها لم تستر جميع بدنه ولأنه يجب من ستره ما كان يجب ستره في حياته والله أعلم. قوله: "ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها" أي أدركت ونضجت وطابت والينع إدراك الثمار ونضجها، يقال: ينعت وأينعت والينع جمع يانع فهو المدرك البالغ، اهـ. ويهدبها أي يقطعها ويجنيها، اهـ. قاله المنذي، أي يخترف منها يقال أينع الثمر وينع يونع وينيع فهو مونع ويانع إذا أدرك ونضج وأينع أكثر استعمالا ومنه خطبة الحجاج إني أرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها، شبّه رءوسهم لاستحقاقهم القتل بثمار قد أدركت وحان أن تقطف وهذا استعارة [إشارة] إلى ما فتح الله عليهم من الدنيا بعد وفاة رسول الله ﷺ وتمكنوا فيها، وفيه بيان ما كان عليه صدر هذه الأمة، وفيه أن الصبر على مكابدة الفقر وصعوبته من منازل الأبرار، فإن قلت إذا كانت الهجرة لوجه الله فأجره هو ثواب الآخرة فكيف جعل الدنيا أجره؟ قلت: الأجر شامل لخبر الدارين وحسنة المنزلتين، والمراد من الأجر ثمرته، قاله الكرماني (٢).

стр. 9081

٥٠١٦ - وعن إبراهيم، يعني ابن الأشتر أن أبا ذر حضره الموت، وهو بالربذة فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: أبكي فإنه لا يد لي بنفسك، وليس عندي ثوب يسع لك كفنا، قال: لا تبكي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض يشهده عصابة من المؤمنين، قال: فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، فلم يبق منهم غيري، وقد أصبحت بالفلاة أموت، فراقبي الطريق، فإنك سوف ترين ما أقول، فإني والله ما كذبت ولا كذبت. قالت: وأنى ذلك، وقد انقطع الحاج؟ قال: راقبي الطريق. قال: فبينا هي كذلك إذا هي بالقوم تخب بهم رواحلهم كأنهم الرخم، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها فقالوا: مالك؟ فقالت: امرؤ من المسلمين تكفنوه وتؤجروا فيه؟ قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر، ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه، فقال: أبشروا، فإنكم النفر الذين قال رسول الله ﷺ فيكم ما قال، ثم أصبحت اليوم حيث ترون، ولو أن لي ثوبا من ثيابي يسع كفني لم أكفن إلا فيه، فأنشدكم بالله لا يكفنني رجل منكم كان عريفا أو أميرا أو بريدا فكل القوم قد نال من ذلك شيئا إلا فتى من الأنصار، وكان مع القوم قال: أنا صاحبك، ثوبان في عيبتي من غزل أمي وأحد ثوبي هذين اللذين علي. قال: أنت صاحبي. رواه أحمد (١)، واللفظ له،
следующие страницы →