Полный текст (237 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قَالَت فَضَحكت فَمَا الدَّار احسن من ثغرها وَعلا صَوتهَا بالقهقهة ثمَّ قَالَت اي بنت عمي اي شىء اعجبك من حسن صنع الله بِي على العقوق حَتَّى اردت ان تتاسي مِنْهُ اني فعلت مَا فعلت بَاهل بَيْتك واسلمني الله اليك ذليلة فقيرة فَكَانَ هَذَا مِقْدَار شكرك الله على مَا اولاك فِي ثمَّ قَالَت السَّلَام عَلَيْكُم وَوَلَّتْ
فصاحت بهَا الخيزران انك عَليّ اسْتَأْذَنت وَالِي قصدت فَمَا ذَنبي
فَرَجَعت وَقَالَت لعمري لقد صدقت يَا اخيه وان مِمَّا ردني اليك مَا انا عَلَيْهِ من الضّر والجهد فَقَامَتْ الخيزران تعانقها وامرت بهَا الى الْحمام وخلعت عَلَيْهَا وَجَاء الْمهْدي فاخبر بِالْحَال فسر بذلك وَكَثُرت انعامه عَلَيْهَا وافرد لَهَا مَقْصُورَة من مقاصير حرمه
واقر حَامِد بِمِائَتي الف دِينَار وَلم يقر بغَيْرهَا وسلمت مِنْهُ
وَضرب المحسن مونس خَادِم حَامِد فاقر باربعين الف دِينَار دَفنهَا فِي دَاره بِالْمَدِينَةِ فَحملت
وصودر مونس الْفَحْل حَاجِب حَامِد على عشْرين ألف دِينَار وصودر مُحَمَّد بن عبد الله النضراني (١) صَاحبه وَالْحسن بن عَليّ الخصيب كَاتبه على ثَمَانِينَ الف دِينَار
وَاسْتعْمل الخصيب مَعَ حَامِد من المكاشفة مالم يَسْتَعْمِلهُ كَاتب مَعَ صَاحب فَرد ابْن الْفُرَات عَلَيْهِ مَا صادره بِهِ لذَلِك
واشخص ابْن الْفُرَات الْفُقَهَاء والقضاة وَالْكتاب فيهم النُّعْمَان بن عبد الله وَكَانَ قد تَابَ من عمل السُّلْطَان فَحَضَرَ بطيلسان وناظره ابْن الْفُرَات مناظرة طَالَتْ كَانَ عمد (٢) ابْن الْفُرَات ان قَالَ لَهُ الضَّمَان الَّذِي ضمنته من الخاقاني سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ لَا يمضيه الْفُقَهَاء وَالْكتاب لانه ضَمَان مَجْهُول وضمنت اثمان غلات لم تزرع فَقَالَ لَهُ حَامِد فقد علمت بِي كَذَلِك حِين ضمنتني اعمال بالصدقات والضياع بِالْبَصْرَةِ وكور دجلة فَقَالَ ابْن الْفُرَات الْغلَّة بِالْبَصْرَةِ يسيرَة وانما ضمنت الثَّمَرَة فَقَالَ حَامِد فَمن احل بيع الثَّمَرَة قبل ادراكها وحضره فِي الزَّرْع فَقَالَ المحسن لحامد هَذَا الكلوذاني كاتبك وَكتابه يشْهدُونَ عَلَيْك بِمَا اقتطعته فَقَالَ هَؤُلَاءِ كتاب الْوَزير الْآن (٣) هَوَاهُ
ولزمت الْفُرَات حججه حَتَّى قَالَ لَهُ حَامِد لم امضيت ضماني فِي وزارتك
стр. 37
الثَّانِيَة فَقَالَ ابْن الْفُرَات لهَذَا نقلني امير الْمُؤمنِينَ الى حَبسه
وَذكر حَامِد حجَجًا كَانَت فِي يَده فَقَالَ ابْن الْفُرَات انا فتشت صناديقك فَلم اجد فِيهَا مَا ذكرت وانا الْمُقدم باحضارها وتفتيشها فَقَالَ حَامِد افتسشتها بعد ان فتشها الْوَزير وَقَبضهَا نازوك وَفتح اقفالها فَخَجِلَ ابْن الْفُرَات وتعجب النَّاس من اسْتِيفَاء حَامِد الْحجَّة
فَاخْرُج ابْن الْفُرَات عملا وجده فِي صناديق غَرِيب غُلَام حَامِد وَهَذَا الْغُلَام كَانَ يتَوَلَّى بيع غلات حَامِد وَحمل ذَلِك سَهوا لَان حامدا كَانَ يجمع حسباناته ويغرقها فِي دجلة فَرَأى انه قد بيع غلات تِلْكَ السّنة سوى القضيم بِخَمْسِمِائَة الف دِينَار ونيف واربعين الف دِينَار فَبَان الْفضل وَظهر التضاعف مَعَ كَون الاسعار رخيضة فِي تِلْكَ السّنة وعالية فِيمَا بعْدهَا
وَقَالَ حَامِد لِابْنِ الْفُرَات انني اكرم الْوَزير عَن إسماع ابْنه جَوَاب مَا يَشْتمنِي فَحلف ابْن الْفُرَات براس الْخَلِيفَة ان لم يمسك ابْنه استعفى الْخَلِيفَة (١) فِي هَذِه الْقِصَّة
فامسك المحسن حِينَئِذٍ واعيد حَامِد الى محبسه وطولب بِالْمَالِ فاقام على انه لَا مَال عِنْده وانه قد بَاعَ ضيَاعه وَبَاعَ دَاره من نازوك بِمَدِينَة السّلم بِاثْنَيْ عشر الف دِينَار وَبَاعَ خدمه وَبَاعَ اخصهم بِهِ من نازوك بِثَلَاثِينَ الف دِينَار
فَالْتَفت الْخَادِم الى نازوك وَقَالَ لَهُ لَا تستضع بِي فَلَا تبتاعني فَلم يقبل مِنْهُ فابتاعه فَلَمَّا كَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة شرب الْخَادِم زرنيخا فَمَاتَ من ليلته
وخلا ابْن الْفُرَات بحامد وَقَالَ ان اخبرت باموالك صنتك عَن مكاره ابْني ووليتك فَارِسًا وَحلف لَهُ على ذَلِك فاقر بدفائنه فِي بلاليع بواسط وقدرها خَمْسمِائَة الف دِينَار وثلاثمائة الف عِنْد قوم من الْعُدُول واقر بقماش لَهُ عِنْد ابْن شابدة وَابْن المنتاب واسحاق بن ايوب وَعلي بن فرج بثلاثمائة الف دِينَار
فَعرف المقتدر ذَلِك وَقَالَ لَهُ ابْن الْفُرَات قد اقر بذلك عفوا من غير مَكْرُوه
وَمَا زَالَ ابْن الْفُرَات مكرما لحامد يلْبسهُ لين الثِّيَاب ويطعمه هني الطَّعَام الى ان توصل المحسن على يَدي مُفْلِح الى المقتدر ان يتَقَدَّم الى ابيه باستخلافه فاستخلفه على كره من الاب لذَلِك وخلع المقتدر عَلَيْهِ وَصَارَ الى دَاره فَمضى اليه الْكتاب والعمال للتهنئة فسقطوا من دَرَجه سَاج صعدوا عَلَيْهَا من زبازبهم فلحقتهم الْعِلَل لذَلِك
وَضمن حَامِد الْخَمْسمِائَةِ الف دِينَار واحضره فطالبه فَقَالَ لم يبْق غير ضياعي
стр. 38
وانا اوكل فِي بيعهَا فامر بصفعه فصفع خمسين صفعة واحدره الى وَاسِط مَعَ خَادِم وَعشرَة فرسَان وَذَلِكَ فِي عَاشر شهر رَمَضَان سنة احدى عشرَة وثلاثمائة
وشاع بِبَغْدَاد ان حامدا اشْتهى بيضًا فَطرح لَهُ الْخَادِم فِيهِ سما فاكله فَلحقه ذرب وَدخل واسطا وَهُوَ مثخن فَقَامَ اكثر من مائَة مجْلِس
فاراد البزوفري (١) الِاسْتِظْهَار لنَفسِهِ فَاحْضُرْ القَاضِي وشهوده وَكتب ان حامدا وصل الى وَاسِط فتسلمه البزوفري وَهُوَ عليل من ذرب وان تلف من ذَلِك فانما مَاتَ حتف انفه
فَلَمَّا دخل الشُّهُود وَقد قرر مَعَ حَامِد الاشهاد على نَفسه قَالَ لَهُم ان ابْن الْفُرَات الْكَافِر الْفَاجِر المجاهر بالرفض وبغض بنى الْعَبَّاس رَحْمَة الله عَلَيْهِم عاهدني وَحلف بِالطَّلَاق وايمان الْبيعَة على ان اقررت باموالي لم يسلمني ابْنه (٢) وصانني على الْمَكْرُوه وولاني فَلَمَّا اقررت سلمني الى ابْنه فعذبني ودفعني الى خادمه فسقاني بيضًا مسموما وَلَا صنع للبزوفري فِي دمي الى وقتنا هَذَا وَلكنه لعنة الله كفر احساني وَنسي اصطناعي فاغرى ابْن الْفُرَات بِي وسعى على دمي ثمَّ اخذ قِطْعَة من اموالي وَجعل يحشوها فِي الْمسَاوِر البرنون (٣) ويبتاع الْوَاحِدَة مِنْهَا بِخَمْسَة دَرَاهِم وفيهَا امتعة تَسَاوِي ثَلَاثَة الاف دِينَار فَاشْهَدُوا على مَا شرحته
وَتبين البزوفري انه قد اخطأ
وَكتب ابْن بطحا صَاحب الْخَبَر بواسط الى ابْن الْفُرَات بِالْحَال فشق عَلَيْهِ
وَتُوفِّي حَامِد (٤) فِي دَار البزوفري لَيْلَة الْخَمِيس لثلاث عشرَة خلت من شهر رَمَضَان سنة احدى عشرَة وثلاثمائة وَغسل وكفن وَصلى عَلَيْهِ القاضى وَالشُّهُود بواسط
واخذ مِنْهُ ابْن الْفُرَات الف الف وثلاثمائة الف دِينَار
وَقبض المحسن عَليّ ابي احْمَد مُحَمَّد بن منتاب الوَاسِطِيّ صَاحب حَامِد فصادره على مائَة الف دِينَار
وَحكى التنوخي عَن بعض الْكتاب قَالَ حضرت مائدة حَامِد بن الْعَبَّاس وَعَلَيْهَا عشرُون نفسا وَكنت اسْمَع انه ينْفق على مائدته مِائَتي دِينَار فاستقللت مَا رايت ثمَّ خرجت فرايت فِي الدَّار نيفا وَثَلَاثِينَ مائدة مَنْصُوبَة على كل وَاحِدَة ثَلَاثُونَ نفسا وكل
стр. 39
مائدة مثل الْمَائِدَة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا حَتَّى البوارد والحلوى وَكَانَ لَا يَسْتَدْعِي أحدا إِلَى طَعَامه بل يقدم إِلَى كل قوم فِي أماكنهم وَكَانَت الموائد فِي الدهاليز وَكَانَ يقدم لكل من يحضر جديا فَيكون الجداء بِعَدَد النَّاس وَيرْفَع مَا بَقِي فتقسمه الغلمان
وَقَالَ حَامِد إِنَّمَا فعلت هَذَا لأنني حضرت قبل علو أَمْرِي عَليّ مائدة بعض أصدقائي وَقدم عَلَيْهَا جدي فعولت على أكل كليته فَسَبَقَنِي رجل فَأكلهَا فاعتقدت فِي الْحَال أَن وسع الله عَليّ أَن أجعَل جداء بِعَدَد الْحَاضِرين
وَركب حَامِد وَهُوَ عَامل وَاسِط إِلَى بُسْتَان لَهُ فَرَأى فِي طَرِيقه دَارا محترقة وشيخا يبكي وَحَوله نسَاء وصبيان على مثل حَاله فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل هَذَا رجل تَاجر احترقت دَاره فافتقر وأفلت بِنَفسِهِ وَعِيَاله على هَذِه الصُّورَة فَوَجَمَ سَاعَة ثمَّ قَالَ فلَان الْوَكِيل فجَاء فَقَالَ اريد ان اندبك لأمر ان عملته كَمَا اريد فعلت بك وصنعت وَذكر جميلا وَإِن تجاوزت فِيهِ رسمي فعلت بك وصعنت وَذكر قبيحا فَقَالَ مر بامرك فَقَالَ ترى هَذَا الشَّيْخ قد الْمَنِيّ قلبِي لَهُ وَقد تنغصت عَليّ نزهتي بِسَبَبِهِ وَمَا تسمح نَفسِي بالتوجه إِ ١ لى بستاني إِلَّا بعد ان تضمن لي اني إِذا عدت العشية من النزهة وجدت الشَّيْخ فِي دَاره وَهِي كَمَا كَانَت مَبْنِيَّة مجصصة نظيفة وفيهَا الْفرس والصفر وَالْمَتَاع من صنوفه وصنوف الْآلَات مثل مَا كَانَ فِيهَا وعَلى جَمِيع عِيَاله من كسْوَة الشتَاء والصيف مثل مَا كَانَ لَهُم
قَالَ الشَّيْخ فَتقدم إِلَى الْخَادِم ان يُطلق مَا اريده وَإِلَى صَاحب المعونه ان يقف معي ويحضر كل مَا اريده من الصناع فَتقدم حَامِد بذلك وَكَانَ الزَّمَان صيفا فَاحْضُرْ اصناف الروزجاية والبنائين فَكَانُوا ينقضون بَيْتا ويطرحون فِيهِ من يبنه وَقيل لصَاحب الدَّار اكْتُبْ جَمِيع مَا ذهب مِنْك فَكتب حَتَّى المكنسة والمقدحة واحضر جَمِيع ذَلِك وَصليت الْعَصْر وَقد سقفت الدَّار كلهَا وجصصت وغلقت الابواب وَلم يبْق إِلَّا الْبيَاض والطوانيق فانفذ إِلَى خامد وَسَأَلَهُ التوفق فِي الْبُسْتَان وان لَا يركب مِنْهُ إِلَى ان يُصَلِّي العشا الاخيرة وَقد بيضت الدارت وكنست وفشت وَلبس الشَّيْخ وَعِيَاله الثِّيَاب وَدفعت اليهم الصناديق والخزانة مَمْلُوءَة بالامتعة.
واجتاز حَامِد وَالنَّاس مجتمعون لَهُ كانه نَهَار فِي يَوْم عيد فضجوا بِالدُّعَاءِ لَهُ فَتقدم الى الجهبد بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم يَدْفَعهَا إِلَيْهِ يزيدها فِي بضاعته وَسَار حَامِد إِلَى
стр. 40
وَفِي السّنة توفّي ابو إِسْحَاق ابرهم ابْن السّري الزّجاج صَاحب الْمعَانِي وَكَانَ يخرط الزّجاج فاتى الْمبرد وَكَانَ يعلم لَك وَاحِد باجرة على قدر معيشته وَقَالَ لَهُ اني اكسب فِي كل يَوْم درهما ودانقين واني اعطيك درهما ان تعلمت اَوْ لم اتعلم حَتَّى يفرق الْمَوْت بَيْننَا وآخذ مِنْك قَالَ قد رضيت قَالَ وانفذ اليه بَنو مارمة من الصراة يطْلبُونَ مؤدبا لاولادهم فانفذني اليهم وَكنت اوجه اليه فِي كل شهر ثَلَاثِينَ درهما
وَطلب عبيد الله بن سُلَيْمَان مِنْهُ مؤدبا لِابْنِهِ الْقسم فَقَالَ اعرف مؤدب بَين مارمة فَكتب غليه عبيد الله فاستنزلهم عني وادبت الْقسم فَكنت اقول لَهُ ان ابلغك الله مبلغ ابيك تُعْطِينِي عشْرين ألف دِينَار فَيَقُول لي نعم
فَمَا مَضَت الا سنُون حَتَّى ولي الوزارة وانا على ملازمته فَقَالَ لي بِالْيَوْمِ الثَّالِث مَا اراك ذَكرتني بِالنذرِ فَقلت لَا احْتَاجَ مَعَ رِعَايَة الْوَزير الي اذكار خَادِم وَاجِب الْحق فَقَالَ انه المعتضد وَلَوْلَا مَا تعاظمني ان ادْفَعْ ذَلِك فِي مَكَان وَاحِد وَلَكِنِّي اخاف ان يصير لي حَدِيثا فَخذه مفترقا فَقلت افْعَل فَقَالَ اجْلِسْ وَخذ رقاع اصحاب الْحَوَائِج الْكِبَار وَلَا تمْتَنع من مساءلتي فِي شَيْء فَكنت اقول ضمن لي فِي هَذِه الْقِصَّة كَذَا فَكَانَ يَقُول غبنت فاستزد الْقَوْم فَحصل عِنْدِي عشرُون الف دِينَار فَقَالَ حصل عنْدك مَال النّذر قلت لَا فَلَمَّا حصل عِنْدِي عشرُون الف دِينَار فَقَالَ حصل عنْدك مَال النّذر قلت لَا فَلَمَّا حصل ضعفة اخبرته فَوَقع لى خازنة بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار فأخذتها وامتنعت ان اعْرِض عَلَيْهِ شَيْء
فَلَمَّا كَانَ من غَد جِئْته فَأَوْمأ الي هَات مَا مَعَك فَقلت مَا اخذت رقْعَة لن النّذر قد وَقع الْوَفَاء بِهِ وَلم ادر كَيفَ اقع من الْوَزير فَقَالَ سُبْحَانَ الله اتراني كنت اقْطَعْ عَنْك شَيْئا قد صَار لَك بِهِ عَادَة وَصَارَ لَك بِهِ عِنْد النَّاس منزلَة وغدو وراواح إِلَى بَابي فتظن النَّاس ان انْقِطَاعه لتغير رتبتك اعْرِض عَليّ رسمك وَخذ بِلَا حِسَاب فَكنت اعْرِض عَلَيْهِ إِلَى ان مَاتَ
стр. 41
وَحدث وَالِدي (١) ﵀ قَالَ اُخْبُرْنَا القَاضِي ابو الطّيب قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن طَلْحَة الردادي (٢) قَالَ حَدثنِي القاضى مُحَمَّد بن احْمَد بن المخرم (٣) انه جرى بَين الزّجاج وَبَين الْمَعْرُوف بمسينة (٤) وَكَانَ من اهل الْعلم شَرّ فاتصل ونسجه ابليس واحكمه حَتَّى خرج ابراهيم الى حد السَّفه فَقَالَ مينه ... ابي الزّجاج الاشتم عرضى ... لينفعه فآثمه وضره
واقسم صَادِقا مَا كَانَ حر ... ليطلق لَفْظَة فِي شتم حره
وَلَو اني كررت لفر منى ... وَلَكِن للمنون عَلَيْهِ (٥) كره
فاصبح قد وَقَاه الله شري ... ليَوْم لَا وَقَاه الله شَره ...
فَلَمَّا اتَّصل هَذَا بالزجاج قَصده رَاجِلا حَتَّى اعتذر وساله الصفح
وَورد الْخَبَر بِدُخُول ابي طَاهِر سُلَيْمَان بن الْحسن الجنابي (٦) الْبَصْرَة سحر يَوْم الِاثْنَيْنِ لخمس بَقينَ من شهر ربيع الآخر سنة احدى عشرَة وَثَلَاث مائَة فِي الف وَسَبْعمائة رجل وانه وصل اليهم بسلاليم (٧) نصبها على سورها وَقتل الحراس وَطرح بَين كل مصراعين حمل رمل وحصى
وَقتل سبك المفلحي امير الْبَصْرَة واحرق المربد (٨) وَبَعض الْجَامِع وَمَسْجِد قبر طَلْحَة رضى الله عَنهُ وَلم يعرض للقرى وحاربه اهل الْبَصْرَة عشرَة ايام بالكلأ وهربوا مِنْهُ فَطرح فيهم السَّيْف وغرق مِنْهُم الْكثير واقام (٩) بهَا سَبْعَة عشر يَوْمًا يحمل على جماله اموالهم وَسَار الى بَلَده
وَادّعى ابْن الْفُرَات سَمِعت عَليّ بن عِيسَى يعنف ابا عبد الله حِين حَلَفت ان استغلال ضيعتك بواسط عشرَة الاف دِينَار وَقد وجد بهَا فِي حِسَاب الهماني انه يرْتَفع فِيهَا
стр. 42
ثَلَاثِينَ الْفَا دِينَار فَقَالَ البريدي تاسيت بسيدنا حِين خلف لِابْنِ الْفُرَات ان استغلال ضيعته الصافية عشرُون الف دِينَار واستغلالها خَمْسُونَ الْفَا
وَعلم انه مَعَ ديانته لَو لم يعلم ان الْبَقِيَّة مُبَاحَة عِنْد من يخافه لما حلف فَكَانهُ القم عليا حجرا
وَامْتنع المقتدر من تَسْلِيم عَليّ بن عِيسَى الى ابْن الْفُرَات واراد حفظ نَفسه فَادى ثمن دَار كَانَت لَهُ بالجانب الغربي فِي سويقة ابي الْوُرُود سَبْعَة الاف دِينَار وَقَالَ للمحسن مَا يمكنني اداء مصادرتي فِي اعتقالي فالبسه جُبَّة صوف وصفعه فَقَامَ عِنْد ذَلِك نازوك وَقَالَ لَا احضر كروه من قبلت يَده السنين الْكثير ة
فَلَمَّا علم ابْن الْفُرَات بِفعل ابْنه لم يشك ان الْخَلِيفَة يُنكر ذَلِك فبادر وَكتب الى الْخَلِيفَة فساله فِي عَليّ بن عِيسَى وَقَالَ هُوَ من مَشَايِخ الْكتاب وعرفه خدمته فَخرج خطّ المقتدر بَان الصَّوَاب مَا فعله المحسن وانه قد شفعه فِيهِ وَحل قيوده
واشار زَيْدَانَ القهرمانة على ابْن الْفُرَات بِتَسْلِيمِهِ الى شَفِيع والا تسلمه الْخَلِيفَة فاستدعى وَسلمهُ اليه
فَخرج وَقد اقيمت صَلَاة الْمغرب فَقدم عَليّ فصلى النَّاس فِي الْمَسْجِد الَّذِي على دجلة
وَمضى مَعَ شَفِيع فَجَلَسَ فِي صدر طياره (١) وَجلسَ شَفِيع بَين يَدَيْهِ واسعف ابْن الْفُرَات وَابْنه عليا فِي مصادرته وَحمل اليه ابو الهيجاء بن حمدَان عشرَة لاف دِينَار فَردهَا فَحلف ابو الهيجاء انها لَا رجعت الى ملكه ففرقت فِي الطالبين (٢) والفقراء وبذل لَهُ شَفِيع اموالا فابى من قبُولهَا وَقَالَ لَا اجْمَعْ عَلَيْكُم مؤنتي ومعونتي
وَلما صعد دَرَجَة شَفِيع مد شَفِيع يَده فاتكأ عَلَيْهَا وَلما قبض على ابْن الْفُرَات جعل يرجف فَقَالَ لَهُ لم لم تُعْطِينِي يدك كَمَا اعطيتها عليا فَقَالَ لَان عليا اتَّقى لله مِنْك
وَلما ادى عَليّ مصادرته اذن المقتدر لِابْنِ الْفُرَات فِي ابعاده الى مَكَّة فاستاجر لَهُ جمالا واعطاه نَفَقَة وانفذ مَعَه ابْن الكثواني صَاحبه فاراد قتل عَليّ فَبلغ ذَلِك اهل مَكَّة فَهموا بقتل ابْن الكوثاني فَمنع عَليّ مِنْهُ وَحفظه
وصادر ابْن الْفُرَات جَمِيع اسباب عَليّ مِنْهُم ابْن مقلة وَالشَّافِعِيّ وَلما لم يجد على
стр. 43
النُّعْمَان بن عبد الله الَّذِي تَابَ من التَّصَرُّف سَبِيلا فِي المصادرة وَامْتنع من الْولَايَة احدره الى وَاسِط وَقبض البزوفري عَلَيْهِ من جَامعهَا لما راى من اكرام اهل الْبَلَد لَهُ واخذ مِنْهُ سَبْعَة الاف دِينَار وَنفى ابْن الْحوَاري الى الابلة وخنق بالمنارة بعد ان عذب ثمَّ نبشه اهله وَحمل الى بَغْدَاد
وصادر المحسن ابا الْحسن عَليّ بن مَأْمُون الاسكافي على مائَة الف دِينَار (١)
وصادر المادرانيين حِين قدمُوا من مصر على الف وَسَبْعمائة دِينَار
وَنفى ابْن مقلة الى الْبَصْرَة
وَقدم مونس المظفر من الْغَزْو وَقد فتح عَلَيْهِ فاخبر ابْن الْفُرَات مَا تمّ على الْعمَّال مِنْهُم فسعى بِهِ الى المقتدر فَقَالَ لَهُ مَا شىء احب الي من مقامك بِبَغْدَاد لاني اجْمَعْ بَين الانس بقربك والتبرك برايك وَالصَّوَاب ان تقيم بالرقة فتتوسط الاعمال وتستحث على المَال
فَعلم مونس (٢) ان ذَلِك من عمل ابْن الْفُرَات فاجاب اليه وسال فِي المادارنيين فاطلقا وَنفذ فِي ذِي الْقعدَة
وَشرع ابْن الْفُرَات فِي السّعَايَة بنصر القشوري وشفيع المقتدري فالتجا نصر الى السيدة فَقَالَت للمقتدر ان ابْن الْفُرَات ابعد عَنْك مونسا وَهُوَ سَيْفك وَقد حل لَهُ ابعاد حاجبك (٣)
وَاتفقَ انه وجد على سطح دَار السِّرّ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء لخمس خلون من محرم سنة اثْنَتَيْ عشرَة وثلاثمائة رجلا اعجميا وَاقِفًا عَلَيْهِ ثِيَاب ديبقى وتحتها قَمِيص صوف وَمَعَهُ محبرة واقلام وورق وحبل قيل انه دخل مَعَ الصناع وبقى اياما وعطش فَخرج لطلب المَاء فظفر بِهِ وَسُئِلَ عَن حَاله فَقَالَ لَا اخاطب اُحْدُ غير صَاحب الدَّار فَقَالَ لَهُ ابْن الْفُرَات اخبرني عَن حالك فَقَالَ لَا اخاطب غير الْخَلِيفَة فَضرب وَهُوَ يَقُول ندانم (٤) حَتَّى قتل بالعقوبة (٥)
وخاطب ابْن الْفُرَات نصر الْحَاجِب (٦) بِحَضْرَة المقتدر وَقَالَ كَيفَ ترْضى بِهَذَا الامير الْمُؤمنِينَ وَمَا يجوز ان ترْضى بِهِ لنَفسك وَمَا سمعنَا ان هَذَا تمّ على خَليفَة
стр. 44
قطّ وَهَذَا الرجل صَاحب احْمَد بن صعلوك (١) الَّذِي قتل ابْن ابي الساج واما ان يكون قد دسسته ليفتك بامير الْمُؤمنِينَ لتخوفك على نَفسك مِنْهُ وعداوتك لِابْنِ ابي الساج وصداقتك لاحمد بن عَليّ فَقَالَ لَهُ نصر لَيْت شعري ادبر على امير الْمُؤمنِينَ لانه اخذ اموالي ونكبني وهتك حرمي وحبسني عشر سنسن
وَلم يزل امْر نصر يضعف والسيدة مدافعه عَنهُ
وَكَانَ يُوسُف بن ابي (٢) الساج حِين قلد اعمال الرّيّ قتل بهَا احْمَد بن عَليّ اخا الصعلوك وانفذ بِرَأْسِهِ الى مَدِينَة السّلم
ولليلتين خلتا من شعْبَان قُرِئت الْكتب على المنابر بِمَدِينَة السّلم بِفَتْح مونس المظفر فِي بلد الرّوم وامر فِيهِ المقتدر بِرَفْع الْمَوَارِيث الحشرية كَمَا فعل ذَلِك المعتضد بِاللَّه ﵀ (٣)
سنة اثْنَتَيْ عشرَة وثلاثمائة
ورد الْخَبَر بَان ابا طَاهِر بن ابي سعيد الجنابي (٤) ورد الهبير لتلقى حَاج سنة احدى عشرَة وثلاثمائة فِي رجوعهم فاوقع بقافلة بغدادية واقام بَقِيَّة القوافل بَعيدا فَلَمَّا فنيت ازوادهم (٥) ارتحلوا فاشار ابو الهيجاء بن حمدَان واليه طَرِيق (٦) الْكُوفَة وَطَرِيق مَكَّة ان يعدل بهم الى وَادي الْقرى فامتنعوا وَسَارُوا فَسَار مَعَهم مخاطرا حَتَّى بلغ الهبير فَلَقِيَهُمْ ابو طَاهِر فَقتل مِنْهُم خلقا واسر ابا الهيجاء وَاحْمَدْ بن بدر عَم السيدة ام المقتدر وَجَمَاعَة من خدم السُّلْطَان وَحرمه
وَسَار ابو طَاهِر الى هجر وسنه اذا ذاط سبع عشرَة سنة وَمَات من استاسره بالحفاء والعطش فنال اهل بَغْدَاد منالا عَظِيما وَخرج النِّسَاء منشرات الشُّعُور مسودات الْوُجُوه فِي الْجَانِبَيْنِ فانضاف اليهن من حرم الَّذين نكبهم ابْن الْفُرَات فانبسط لِسَان نصر عَلَيْهِ واشار على المقتدر بمكاتبة مونس
ورجمت الْعَامَّة طيار ابْن الْفُرَات وامتنعوا من الصَّلَوَات فِي الْجَمَاعَات
وانفذ المقتدر (٧) بياقوت وابنيه مُحَمَّد والمظفر الى الْكُوفَة وَرَجَعُوا حِين علمُوا انصراف القرمطي الى بَلَده
стр. 45
وَجمع المقتدر بِاللَّه ابْن الْفُرَات وَنصر وامرهما بالتظافر
وَقدم مونس الى بَغْدَاد فَركب اليه ابْن الْفُرَات وَلم تجر لَهُ عَادَة بذلك فَخرج مونس الى بَاب دَاره وساله ان ينْصَرف فَلم يفعل وَصعد اليه من طياره حَتَّى هنأه بمقدمه وَخرج مَعَه مونس حَتَّى نزل الطيار
وانفذ المقتدر بنازوك وبليق فهجما (١) على ابْن الْفُرَات وَهُوَ فِي دَار حرمه فاخرجاه حاسرا فاعطاه نازوك رِدَاء قصب (٢) فَقَالَ لَهُ مونس الْآن تخاطبني بالاستاذ وبالامس نفيتني الى الرقة والمطر يصب على راسي ثمَّ تذكر لامير الْمُؤمنِينَ سعيي فِي فَسَاد مَمْلَكَته
ورجمت الْعَامَّة طيار مونس لكَون ابْن الْفُرَات فِيهِ وَسلم الى نصر وَقبض على وَلَده واسبابه
فَكَانَت مُدَّة ابْن الْفُرَات فِي هَذِه الوزارة الثَّالِثَة عشرَة اشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا واجمع وُجُوه القواد فَقَالُوا ان حبس ابْن الْفُرَات فِي دَار الْخلَافَة خرجنَا باسرنا فَسلم الى شَفِيع واعتقل عِنْده
واشار مونس بتوليه ابي الْقسم عبد الله بن مُحَمَّد بن عبيد الله الخاقاني فانفذ ابْن الْفُرَات الى المقتدر بِمِائَة ونيف وَسِتِّينَ الف دِينَار وَقَالَ لشفيع فعلت ذَلِك حَتَّى لَا يُوهم الخاقاني للمقتدر انه استخرجها
قَالَ الْجمل (٣) كَاتب شَفِيع وَلم ار قلبا اقوى من قلب ابْن الْفُرَات سالني من قلد الْخَلِيفَة وزارته فَقلت الخاقاني فَقَالَ الْخَلِيفَة نكب وَلم انكب انا وسالني عَمَّن اسْتخْلف فِي الدَّوَاوِين فَقلت فِي ديوَان السوَاد ابْن حَفْص فَقَالَ الْقدر رمى بحجرة وَسميت لَهُ جمَاعَة فَقَالَ لقد ايد الله هَذَا الْوَزير بالكفاءة
واقر ابْن الْفُرَات بِمِائَة وَخمسين الف دِينَار اخرى وطولب بالمكاره فَلم يستجب بِمَال وَكَانَ لَا يستجيب بمكروه وانفذ الى الخاقاني ايها الْوَزير لست غرا جَاهِلا فتحتال عَليّ وانا قَادر على مَال اذا كتب الْخَلِيفَة الي امانا على نَفسِي لافديها بِالْمَالِ وَيشْهد عَلَيْهِ الْقُضَاة فِيهِ فَقَالَ الخاقاني لَو قدرت على ذَلِك فعلت وَلَكِن ان تَكَلَّمت عاداني خَواص الدولة
ورد الْخَلِيفَة امْرَهْ الى هَارُون بن غَرِيب فاخذ يداريه وَقَالَ لَهُ انت اعرف بالامور
стр. 46
وان الوزراء لَا يلاجون الْخُلَفَاء فَلم يزل بِهِ حَتَّى اخذ خطه بالفي الف دِينَار يعجل مِنْهَا الرّبع وان يُطلق لَهُ بيع ضيَاعه واذن لَهُ فِي احضار دواءة ليكتب الى من يرى اَوْ ان ينفذ الى دَار شَفِيع اللولوي وَيُطلق الكلوذاني ليتصرف فِي امواله
وَكَانَت حماة (١) المحسن لِخُرُوجِهِ فِي زِيّ النسا الى مَقَابِر قُرَيْش فامست لَيْلَة عَن الْمصير الى الكرخ فَصَارَت الى منزل امْرَأَة اخبرتها ان مَعهَا بِنْتا لم تتَزَوَّج وَسَأَلت ان تفرد لَهَا بَيْتا فَفعلت وخلع المحسن ثِيَابه فَجَاءَت جَارِيَة سَوْدَاء بسراج فَوَضَعته فِي الضفة فرات المحسن فاخبرت مولاتها فابصرت وَكَانَت مولاتها زَوْجَة مُحَمَّد بن نصر وَكيل عَليّ بن عِيسَى مَاتَ حِين طلبه المحسن من الْفَزع فمضت امْرَأَة الى دَار السُّلْطَان وشرحت الصُّورَة لنصر فاركب نازوك وَقبض عَلَيْهِ وَضربت الدبادب لاجل الظفر بِهِ عِنْد انتصاف اللَّيْل فَظن النَّاس ان القرمطي قد كسر (٢) بَغْدَاد
وَحمل الى دَار مستخرج يعرف بِابْن بعدسر فِي المخرم بدار الوزارة فاجرى عَلَيْهِ المكاره واخذ خطه بِثَلَاثَة الاف الف دِينَار ثمَّ ابتلع رقعته واقام على الِامْتِنَاع من كتب شىء فَضرب بالد بابيس على راسه وعذب
واحضر ابْن الْفُرَات مجْلِس الخاقاني فناظره اشد مناظرة فلج ابْن الْفُرَات فِيهَا فَقَالَ لَهُ الخاقاني انك استغللت ضياعك الَّتِى استغلها عَليّ بن عِيسَى ارْبَعْ مائَة الف دِينَار وَقَالَ كَانَ ذَلِك بعمارتي الْبِلَاد واعتمادي مَا جلب الرّيع ونوظر فِيمَن قَتله ابْنه وَقيل لَهُ انت قَتلتهمْ فَقَالَ هَذَا غير حكم الله قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ ٣ ﴿وَالنَّبِيّ ﷺ قَالَ لرجل مَعَه ابْنه لَا يجني عَلَيْك وَلَا تجنى عَلَيْهِ وَمَعَ هَذَا فان ابْني لم يُبَاشر قتلا وَلَا سفك دَمًا واجاب مونس حِين قَالَ اخرجتني من بَغْدَاد فَقَالَ انما اخرجك مَوْلَاك حِين كتب الي يشكو مَا يلاقيه من تبسط وفتحك الْبلدَانِ بالمؤن الغليظة واعلاقك اياها بِسوء التَّدْبِير وَسَأَلَ احضار سفط فِيهِ الْمُهِمَّات فَاحْضُرْ وَطلب الرقعة فَوجدت فاخذها مونس وَحملهَا الى المقتدر بِاللَّه واقراه الرقعة فَزَاد غيظه وامر بضربه فَضرب خمس دُرَر فَقَط وَسلم ابْنه الى نازوك فضربا حَتَّى تودت لحومهما
وَحمل الخاقاني القواد على خلع الطَّاعَة ان حملا الى دَار الْخَلِيفَة
وَلما توقف الخاقاني فِي قَتلهمَا وَقَالَ لست ادخل فِي سفك الدِّمَاء وَلَا اسهل على الْخُلَفَاء قتل خواصهم
وَحمل إِلَى ابْن الْفُرَات مَا بفطر عَلَيْهِ فَقَالَ رايت اخي ابا الْعَبَّاس فِي الْمَنَام يَقُول
стр. 47
افطارك عندنَا وَمَا اخبرني بِشَيْء الا وَصَحَّ وانا مقتول
فَاخْرُج القواد توقع المقتدر الى نازوك بِضَرْب اعناقهما فَقَالَ هَذَا امْر عَظِيم لَا اعْمَلْ فِيهِ بتوقع فشافهه المقتدر بذلك
وَجَاء نازوك فامر السودَان فَضربُوا عنق المحسن واتى براسه الى ابيه فجزع وَقَالَ يَا ابا مَنْصُور رَاجع امير الؤمنين فان عِنْدِي اموالا جمة فَقَالَ لَهُ جلّ الامر عَن هَذَا وامر بِهِ فَضرب عُنُقه وَحمل راسه وراس ابْنه الى المقتدر بِاللَّه فامر بتغريقهما
وَكَانَ سنّ الْحسن بن الْفُرَات يَوْم قتل احدى وَسبعين سنة وشهورا وَسن ابْنه ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة
وَقَول الشوحي (١) كَانَ من عَادَة ابْن الْفُرَات ان يَقُول لكل من يخاطبه بَارك الله فِيك وَلم يكن يُفَارق هَذِه اللَّفْظَة وَكَانَ عَليّ بن عِيسَى يَقُول فِي كَلَامه وَال والك فَكَانَ النَّاس يَقُولُونَ لَو لم يكن بَين الرجلَيْن الا مَا بَين الْكَلَامَيْنِ من الخشونة واللطف لَكَانَ من اعظم فرق
وَيُقَال ان عَليّ بن عِيسَى خَاطب الراضي يَوْمًا بوال
وَكَانَ ابْن الْفُرَات اذا ولي غلا معذاذ الشمع والكاغط (٢) لِكَثْرَة اسْتِعْمَاله لَهما فَيعرف النَّاس ولَايَته لغلائهما
قَالَ الصولي ابو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن الْحسن بن الْفُرَات من قَرْيَة يُقَال لَهَا بايك (٣) قريبَة من صريفين وَكَانَ ابوه مُحَمَّد بن مُوسَى (٤) تولى اعمالا جليلة واكبر اولاده ابو الْعَبَّاس احْمَد وابو عبد الله وابو عِيسَى من خِيَار الْمُسلمين والزهاد جاور بِمَكَّة وواصل بهَا الصَّوْم وَالصَّلَاة وَمَات فِي وزارة اخيه
وَقد ذكرنَا اسر القرمطي لالفي رجل وَمِائَتَيْنِ وَعشْرين وَخَمْسمِائة امْرَأَة فاطلق نهم ابا الهيجاء وَاحْمَدْ بن بدر عَم السيدة وانفذ رسلًا يسال ان بفرج لَهُ عَن الْبَصْرَة والاهواز فَلم تقع اجابة
وَكَانَ سُلَيْمَان بن الْحسن بن مخلد وابو عَليّ بن مقلة وابو الْحسن مُحَمَّد بن مُحَمَّد
стр. 48
ابْن ابي الْبَغْل معتقلين بشراز فاطلقهم ابو عبد الله الْكَرْخِي حِين وقف على مثل ابْن الْفُرَات فَكتب ابْن ابي الْبَغْل على جَانب تقويمه
وَفِي هَذَا الْيَوْم ولد احْمَد بن يحيى وَله احدى وَثَمَانُونَ سنة وَاتفقَ ان سُلَيْمَان هرب فِي زِيّ الفيوجي (١) فَاشْتَدَّ الامر على الخاقاني وارجف لَهُ بالوزارة وَدخل بَغْدَاد مستترا وَصَارَ ابْن مقلة الى الاهواز واجرى لَهُ فِي كل شهر مِائَتي دِينَار واذن لَهُ فِي الْمصير الى بَغْدَاد وَسَأَلَ مُوسَى فِي عَليّ بن عِيسَى فكوتب صَاحب الْيمن بانفاذه الى مَكَّة وَحمل اليه كسْوَة ومالا نَحْو خمسين الف دِينَار وَلما وَصلهَا قَلّدهُ الخاقاني الاشراف على الشَّام ومصر
وَتَوَلَّى ابو الْعَبَّاس بن الخصيبي اسْتِخْرَاج سَبْعمِائة الف دِينَار من زَوْجَة المحسن
وشغب الْجند على الخاقاني فَلم يكن عِنْده مَا يَدْفَعهُ اليهم وَبَقِي شهورا لَا يركب الى الموكب
وَكَانَ مونس بواسط واشار عِنْد قدومه بعلي بن عِيسَى واشارت السيدة وَالْخَالَة بَابي الْعَبَّاس بن الخصيبي وَهُوَ احْمَد بن عبد الله فولاه المقتدر وَقبض على الخاقاني وَكَانَت وزارته سنة وَسِتَّة اشهر
وزارة ابي الْعَبَّاس الخصيبي (٢)
استحضره المقتدر يَوْم الْخَمِيس لاحدى عشرَة لَيْلَة خلت من شهر رَمَضَان فقلده وخلع عَلَيْهِ وَكَانَ قبل كَاتب القهرمانة واستكتب مَكَانَهُ ابا يُوسُف عبد الرحمن بن مُحَمَّد وَكَانَ تَائِبًا من الْعَمَل فَسَماهُ النَّاس الْمُرْتَد
واستدرك اموالا كَانَ الخصيبي اضاعها فَتَنَكَّرت القهرمانة الخصيبي (٣) وضاعت الامور بوزارته حِين كَانَ موصلا للشُّرْب لَيْلًا وَنَهَارًا ويبيت مخمورا
فصادر الخاقاني على مِائَتي الف وَخمسين الف دِينَار
وصادر جَعْفَر بن الْقسم الْكَرْخِي على مائَة وَخمسين الف دِينَار
وَتوجه جَعْفَر بن وَرْقَاء الشَّيْبَانِيّ بالحاح فِي الف من بني عَمه وَكَانَ فِي القوافل الَّذين
стр. 49
يندرقون الْحَاج سِتَّة الاف رجل فَلَقِيَهُمْ الجنابي فَهَزَمَهُمْ بِالْعقبَةِ وولوا الى الْكُوفَة فَخرج قواد السُّلْطَان فَهَزَمَهُمْ واقام بِالْكُوفَةِ (١) سِتَّة ايام وَحمل مِنْهَا اربعة الاف ثوب وشى وثلاثمائة رِوَايَة زَيْت وَانْصَرف الى بَلَده
واضطرب النَّاس بِبَغْدَاد وَعبر اهل الغربي مِنْهَا الى الْجَانِب الشَّرْقِي
واتى مُوسَى الْكُوفَة فاستخلف عَلَيْهَا ياقوتا
وَسَار مونس الى وَاسِط
وقرئت الْكتب بِفَتْح ابْن ابي الساج طبرستان
ووردت خريطة الْمَوْسِم لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بَقِيَّة من ذِي الْحجَّة بَان النَّحْر كَانَ بِمَكَّة يَوْم الثُّلَاثَاء وَنحر النَّاس بِبَغْدَاد يومالااثنين وَحج عَليّ بن عِيسَى وَمَا ورد مَكَّة من مصر
سنة ثَلَاث عشرَة وثلاثمائة
فِيهَا فتح ابراهيم المسمعي نَاحيَة القفص (٣) واسر مِنْهُم خَمْسَة الاف رجل وَحَملهمْ الى فَارس
وَكَثُرت الارطاب بِبَغْدَاد حَتَّى عمِلُوا مِنْهَا التمور وجهزوا بذلك الى الْبَصْرَة فنسبوا الى الْبَغي
واتى القرمطي النجف فَخرج مونس اليه فَانْصَرف من بَين يَدَيْهِ
وفيهَا مَاتَ الخاقافي
وفيهَا دخل الرّوم ملطية
وَفِي هَذِه السّنة توفّي ابو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن بشار الزَّاهِد وقبره ظَاهر بِالْعقبَةِ عِنْد النجمي يتْرك بِهِ وَكَانَ الْقَادِر بِاللَّه رضى الله عَنهُ يزوره دَائِما وَقَالَ فِي بعض الايام انى لاعرف رجلا مَا تكلم مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة بِكَلِمَة يعْتَذر مِنْهَا فَعلم الْحَاضِرُونَ انه اراد نَفسه
وَجَاءَت امْرَأَة فَقَالَت ان ابْني قد غَابَ وَقد طَالَتْ غيبته فَقَالَ لَهَا عَلَيْك بِالصبرِ فظنت انه يامرها باكل الصَّبْر وَكَانَت عِنْدهَا برنية مملوة صبرا فمضت
стр. 50
واكلت نصفهَا فِي مُدَّة على مرَارَة من الْعَيْش وَشدَّة من الْحَال ثمَّ رجعت اليه فشكت اليه غيبته فَقَالَ لَهَا عَلَيْك بِالصبرِ فَقَالَت قد وفى من البرنية قَالَ لَهَا واكلتيه قَالَت نعم قَالَ اذهبي فابنك قد ورد فَرَجَعت الى منزلهَا فَوجدت ابْنهَا هُنَاكَ
وَسمع ابْن بشار من تَاج المقتدر بِاللَّه غناء فَلَمَّا اصبح قَالَ هَذَا الامام وَلَا يمكننا الانكار على الامام وَلَكِن ننتقل فَبلغ ذَلِك المقتدر بِاللَّه فانفذ اليه ايها الشَّيْخ لَا تنزعج فتزعجنا وَنحن اولى بالانتقال مِنْك فَكَانَ هَذَا من عمل خَادِم وَقد ادبناه وصرفناه عَن دَارنَا وَلنْ ترى بعْدهَا وَلَا تسمع مَا تَركه
سنة ارْبَعْ عشرَة وثلاثمائة
فِيهَا مَاتَ الخاقاني (١)
وَدخل الرّوم ملطية فاخربوا سورها واقاموا سِتَّة عشر يَوْمًا فَدخل اهلها مستغيثين
وَبلغ اهل مَكَّة مصير القرمطي نحوهم فنقلوا حرمهم واموالهم
واستدعي ابْن ابي الساج الى وَاسِط وقلد اعمال الْمشرق وكناه الْخَلِيفَة بَابي الْقسم يتكنى بذلك على جَمِيع القواد الا على الْوَزير ومونس المظفر وَحمل اليه المقتدر خلعا سلطانية وخيلا بمراكب ذهب وطيبا وسلاحا
ودعي الى الرّيّ وَاضْرِبْ امْر الخصيبي (٢) لاحدى عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْقعدَة
واشار مونس بعلي بن عِيسَى فاستدعى المقتدر ابا الْقسم عبد الله (٣) ابْن مُحَمَّد الكلواذي استخلفة لعَلي (٤) واستحضر سَلامَة الطولوني فَتقدم اليه بالنفوذ فِي الْبَريَّة الى دمشق ليحضر عليا وَظهر فِي ذَلِك الْيَوْم ابْن مقلة وَجَمَاعَة من الْكتاب وسلموا على الكلوذاني وتمكنت هَيْبَة عَليّ بن عِيسَى فِي الصُّدُور
ووصلت حمول من الْبلدَانِ مَشى بهَا الكلوذاني الامور
واطلقت فِي شهر رَمَضَان ام سوسى الهاشمية من حَبسهَا والزمت منزلهَا
وَلم يحجّ اُحْدُ من الْعرَاق
стр. 51
سنة خمس عشرَة وثلاثمائة
وزارة عَليّ بن عِيسَى الثَّانِيَة
فِي صفر وصل عَليّ بن عِيسَى الى بَغْدَاد وانفذ اليه المقتدر فِي ليلته فرشا وثيابا بِعشْرين (١) الف دِينَار وخلع عَلَيْهِ وَسَار من الْغَد بَين يَدَيْهِ كَافَّة القواد الى دَار (٢) بِبَاب الْبُسْتَان (٣) فَاعْتقد الْعَفو عَن من اساء اليه
واشتغل بِالْعَمَلِ لَيْلًا وَنَهَارًا فاستقامت الامور
وَكَانَ الى عبد الله البريدي الضّيَاع الْخَاصَّة ضمانا (٤)
واقطاع الوزارة (٥) الى ابي يُوسُف اخيه الْخراج برا هُرْمُز (٦)
واحضر عَليّ بن عِيسَى الخصيبي وناظره مناظرة جميلَة (٧) واخذ خطه باربعين الف دِينَار
وَمَات ابراهيم المسمعي بالنوبندجان (٨) فقلد عَليّ بن عِيسَى مَكَانَهُ ياقوتا وقلد ابا طَاهِر مُحَمَّد بن عبد الصمد كرمان
وقلد اعملا الاهواز ابا الْحسن احْمَد بن مُحَمَّد بن مانبداذ (٩) فَقَالَ ابو عبد الله البريدي تقلد هولاء هَذِه الاعمال وتقصر باخي ابي يُوسُف على بن مهرمز وَبِي على ضيَاع الوزراء وَكَانَ قد كتب لَهُ بذلك منشورا خُذ يَا بني هَذَا الْكتاب فَمثل عَلَيْهِ فِي الْكتاب فان لطلبي (١) صَوتا تسمعه بعد ايام
وانفذ ابو عبد الله البريدي اخاه ابا الْحُسَيْن الى الحضرة لما بلغه اضْطِرَاب امْر عَليّ بن عِيسَى وَقَالَ لَهُ اضمن اعمال الاهواز اذا ولي الوزارة من يترفق فان عليا عفيف
стр. 52
فَلَمَّا ولي ابْن مقلة الوزارة اعطاه عشْرين الف دِينَار حَتَّى ولاه الاهواز ثمَّ صرفه بَابي مُحَمَّد الْحُسَيْن بن احْمَد المادراني (١) فَبَان من تخلفه (٢) مَا صَار بِهِ حَدِيثا
واخذ عَلَيْهِ البريدي الطرقان فَكَانَ كل كتاب يَكْتُبهُ يُؤْخَذ فَمَا قري لَهُ كتاب مُنْذُ دخل الاهواز الى ان خرج عَنْهَا فَصَرفهُ ابو عَليّ بَابي عبد الله البريدي واعترف باحترازه بَطل (٣) المادراني
وَكَانَ اقطاع الوزراء مائَة وَسبعين الف دِينَار بعد نفقاتهم فَلم ياخذ ذَلِك عَليّ بن عِيسَى وَقَالَ ضيعتي تكفيني
وَدخل الرّوم شميشاط وَضرب ملكهم فِي الْجَامِع النواقيس
وَوَقعت وَحْشَة بَين المقتدر بِاللَّه ومونس سَببهَا انه حكى لَهُ ان المقتدر تقدم الى خَواص خدمه بِحَفر زبية تغطي بالقصب فاذا اجتازه مونس وَقع فِيهَا فَهَلَك فَامْتنعَ من المضى الى دَار السُّلْطَان وَركب اليه القواد فيهم عبد الله بن حمدَان وخواته وَقَالَ لَهُ عبد الله (٤) ابْن حمدَان نُقَاتِل بَين يَديك ايها الاستاذ حَتَّى تنْبت لحيتك فكاتبه المقتدر بِاللَّه على يَدي نسيم الشرابي على بطلَان ذَلِك فجَاء وَقبل الارض وَحلف لَهُ المقتدر على صفاء نِيَّته وامره بِالْخرُوجِ الى الرّوم فَخرج وشيعه الامير ابو الْعَبَّاس (٥) وَعلي بن عِيسَى وَنصر الْحَاجِب وَهَارُون بن غَرِيب
وَفِي هَذِه السّنة كَانَ ظُهُور الديلم لما خرج ابْن ابي الساج عَن الرّيّ غلب عَلَيْهَا ليلى بن النُّعْمَان ثمَّ مَا كَانَ بن كَاكِيّ وَدخل هَذَا الرجل (٦) فِي طَاعَة صَاحب خُرَاسَان
وَغلب بعده اسفار بن شيرويه وَكَانَ مزداويج (٧) اُحْدُ قواده فَلَمَّا ظلم اسفار اهل قزوين خرج رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ مستغيثين الى مصلى داعين الله عَلَيْهِ فَخرج عَلَيْهِ مزداويج فَهَزَمَهُ فالجأه مزداويج حِين راى اثار حوافر الْفرس فَدخل عَلَيْهِ فاحتز راسه وَعَاد الى قزوين وَوَعدهمْ الْجَمِيل واظهر الْخَوْف من دُعَائِهِمْ
ثمَّ ان مرداويج (٨) تغلب على الرّيّ واصبهان واساء السِّيرَة باصبهان
стр. 53
حَاجِبه وعظمت وهيبته وَجلسَ على سَرِير ذهب وَكَانَ ينقص (١) الاتراك وَكَانَ يَقُول (٢) انا سُلَيْمَان وَهَؤُلَاء الشَّيَاطِين وَكَانَ اذا سَار انْفَرد عَنهُ عسكره خوفًا مِنْهُ فاشتق (٣) الْعَسْكَر شيخ على دَابَّة وَقَالَ زَاد امْر هَذَا الْكَافِر وَالْيَوْم تكفونه (٤) وياخذه الله اليه قبل ان تصرم النَّهَار فدهشوا واتبعوه فَلم يجدوه
وَعَاد مزداويج الى دَاره فَنزع ثِيَابه وَدخل الْحمام واطال فهجم عَلَيْهِ الاتراك فَقَاتلهُمْ بكرنيب فضَّة فحزوا راسه بعد ان شَقوا بَطْنه وظنوا انهم قَتَلُوهُ فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ ثَانِيًا راوه قد رد حَشْو بَطْنه وامسكها بِيَدِهِ وَكسر جامه الْحمام وهم بِالْخرُوجِ
وَقبض ابْن ابي الساج على كَاتبه ابي عبد الله بن خلف البرقاني (٥) لما عرف سعايته بِهِ وَسلمهُ الى كَاتبه حسن بن هَارُون (٦) وَقَيده واخذ خطه بست مائَة الف دِينَار
وَكَاتب المقتدر ابْن ابي الساج لِحَرْب القرمطي لما عرف خُرُوجه من هجر لثلاث بَقينَ من شهر رَمَضَان واطلق لَهُ من بَيت مَال الْخَاصَّة فِيمَا ينْصَرف الى علوفه بَين وَاسِط والكوفة فَحمل ذَلِك اليه سَلامَة الطولوني وامر عَليّ بن عِيسَى عُمَّال الْكُوفَة باعداد الْميرَة لِابْنِ ابي الساج
وَسَار ابْن ابي الساج من وَاسِط طَالبا الْكُوفَة لليلة بقيت من شهر رَمَضَان
واطلق ابو طَاهِر القرمطي اسارى الْحَاج وَوصل الْكُوفَة فاخذ مَا اعد ليوسف وَهُوَ مائَة كرّ دَقِيقًا والف كرّ شَعِيرًا
ووافى يُوسُف الْكُوفَة بعد وُصُول ابي طَاهِر اليها بِيَوْم وَكَانَ قد (٧) تقَارب عَسْكَر ابْن ابي الساج وعسكر أبي طَاهِر فِي يَوْم ضباب واحس (٨) بِهِ ابو طَاهِر وكف عَنهُ فَالْتَقوا يَوْم السبت لتسْع خلون من شَوَّال على بَاب الْكُوفَة فاحتقر ابْن ابي الساج عَسْكَر ابي طَاهِر وازرى عَلَيْهِم وَتقدم يكْتب كتاب الْفَتْح قبل اللِّقَاء تهاونا بامره
والتفت ابو طَاهِر الى رَفِيق لَهُ وَقد سمع صَوت البوقات والدبادب وَكَانَت عَظِيمَة جدا فَقَالَ مَا هَذَا الزجل (٩) فَقَالَ لَهُ صاحيه فشل فَقَالَ اجل
стр. 54
وعبي ابْن ابي الساج رِجَاله وَكَانَ الْقِتَال من ضحى النَّهَار الى غرُوب الشَّمْس فَثَبت يُوسُف ثباتا حسنا وجرح من اصحاب ابي طَاهِر بالنشاب خلق وَكَانَ ابو طَاهِر فِي عمارية مَعَ مِائَتي فَارس من اصحابه فَنزل حِينَئِذٍ وَركب فَسَار وَحمل بِنَفسِهِ وَحمل بِنَفسِهِ وَحمل يُوسُف بِنَفسِهِ واشتبكت الْحَرْب فاسر يُوسُف بن ابي الساج بعد ان ضرب على جنبه ضَرْبَة وَقد اجْتهد بِهِ اصحابه فِي الِانْصِرَاف فابى وَقتل من اصحابه خلق وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ
وَحمل يُوسُف بن عَسْكَر ابي طَاهِر فَضرب لَهُ خيمة وفرشت ووكل بِهِ واستدعى بطبيب يعرف بِابْن السبعي (١) ليعالجه فَقَالَ قد جمد الدَّم على وَجهه واريد مَاء حارا قَالَ فَلم اجد عِنْدهم مَا اسخن فِيهِ المَاء فَغسله بِالْمَاءِ الْبَارِد وعالجه قَالَ الطَّبِيب وسألني يُوسُف عَن اسْمِي واهلي فاخبرته فَوَجَدته بهم عَارِفًا ايام تقلده الْكُوفَة فعجبت من فهمه وَقلة اكتراثه بِمَا هُوَ فِيهِ
وَلما وصل الْخَبَر بَغْدَاد دخل النَّاس كابة عَظِيمَة وعولوا على على الانحدار الى وَاسِط
ثمَّ ورد الْخَبَر بَان ابا طَاهِر رَحل يَوْم الثُّلَاثَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من شَوَّال قَاصِدا عين التَّمْر فاستأجر عَليّ بن عِيسَى خَمْسمِائَة سميرية وَجعل فِيهَا الف رجل وانفذ بالطيارات والشذات (٢) وحولها الى الْفُرَات واقعد فِيهَا الحجرية لمنع القرمطي من عبور الْفُرَات وَتقدم الى القواد بِالْمَسِيرِ الى الانبار لحفظها
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة راى اهل الانبار خيل ابي طَاهِر مقبلة فِي الْجَانِب الغربي فَقطعُوا الجسر وَعبر ابو طَاهِر فِي مائَة رجل ونشبت الْحَرْب بَينه وَبَين اصحاب السُّلْطَان وَعقد الجسر وحالف (٣) سَواد الَّذين فِي السفن الى الجسر فاحرقوه فبقى ابو طَاهِر فِي الْجَانِب الشَّرْقِي وَعَسْكَره وسواده فِي الغربي وحالت السفن بَينهمَا
وَورد الْخَبَر الى بَغْدَاد بقتل ابي طَاهِر القواد فَخرج نصر الْحَاجِب وَمَعَهُ الحجرية والرجالة من بَغْدَاد من القواد وَبَين يَدَيْهِ علم (٤) الْخلَافَة وَمَعَهُ ابو الهيجاء عبد الله (٥) بن حمدَان واخوته
فَاجْتمع مَعَ نصر مَا يزِيد على الاربعين الف رجل فَنزل على قنطرة النَّهر الْمَعْرُوف
стр. 55
بزبارا بِنَاحِيَة عقرقوف على فرسخين وَلحق بِهِ مُوسَى واشار ابو الهيجاء على نصر الْحَاجِب وعَلى مونس بِقطع نهر (١) زبارا والح عَلَيْهِ فِي ذَلِك فَلَمَّا رَاه متثاقلا عَن قبُول رايه قَالَ لَهُ ايها الاستاذ اقطعها واقطع لحيتي مَعهَا فقطعها حِينَئِذٍ
وَصَارَ ابو طَاهِر وَمن مَعَه من اصحابه فِي الْجَانِب الشرقى من الْفُرَات قَاصِدين نهر زبارا فَلَمَّا صَار على فَرسَخ وَاحِد من عَسْكَر السُّلْطَان اخر يَوْم الِاثْنَيْنِ لعشر خلون من ذِي الْقعدَة بَات مَوْضِعه
وباكر الْمسير الى القنطرة فَوَجَدَهَا مَقْطُوعَة وَتقدم اُحْدُ رِجَاله وَكَانَ (٢) اسود يُقَال لَهُ صبح فَمَا زَالَ النشاب ياخذه حَتَّى صَار كالقنفد وَهُوَ مقدم فراى القنظرة مَقْطُوعَة فَرجع
وَلما علم (٣) اصحاب ابي طَاهِر ان النَّهر لَا يحيض (٤) عَادوا الْقَهْقَرِي من غير ان يولوا ظهْرهمْ وعادوا الى الانبار وَلم يَجْسُر اُحْدُ على اتباعهم
وَكَانَ الراي فِيمَا اشار بِهِ ابو الهيجاء من قطع القنطرة ولولاها لعبر القرمطي غير مستهول لجمع اصحاب السُّلْطَان
وطمع مونس المظفر فِي سوَاده وتخليص ابْن ابي سَاج من اقياده فانفذ بليق (٥) حَاجِبه وَجَمَاعَة من القواد وَسِتَّة الاف من غلْمَان يُوسُف فَبلغ ذَلِك ابا طَاهِر فَانْفَرد من اصحابه مَاشِيا وَعبر فِي زورق صياد وَدفع اليه الف دِينَار فَاجْتمع مَعَ قومه فَلم يثبت لَهُ بليق وبصر ابو طَاهِر (٦) بِابْن ابي الساج وَقد خرج من الْخَيْمَة لما ناداه غلمانه فَقَالَ لَهُ القرمطي طعمت فِي تخليصهم لَك وامر بِهِ فَضربت عُنُقه واعناق من كَانَ مَعَه من الاسرى
واحتال ابو طَاهِر فِي عبور اصحابه من الْجَانِب الشَّرْقِي الى الْجَانِب الغربي وَكَانَ مَعَ ابي طَاهِر سَبْعمِائة فَارس وثمان مائَة راجل
وَتقدم عَليّ بن عِيسَى الى نازوك بالطوف بِبَغْدَاد لَيْلًا وَنَهَارًا لِكَثْرَة العيارين واباح دم من ظهر مِنْهُم وَنقل النَّاس امتعتهم الى مَنَازِلهمْ خوفًا مِنْهُم واكترى وُجُوه النَّاس السفن
стр. 56
وَقصد القرمطي هيتا وَبهَا هَارُون بن غَرِيب وَسَعِيد بن حمدَان فَقَاتلا من علا سورها بالمنجنيقات بعد ان قتلوا من اصحابه عدَّة فسكنت نفوس من بِبَغْدَاد
وَتصدق المقتدر (١) بِمِائَة الف دِرْهَم
وبادر عَليّ بن عِيسَى الى المقتدر بِاللَّه وَقَالَ لَهُ انما جمع الْخُلَفَاء الاموال ليقمعوا بهَا الاعداء وَلم تلْحق الْمُسلمين مضرَّة كهذه من هَذَا الْكَافِر الَّذِي اوقع بالحاج سنة اثْنَتَيْ وَعشرَة وثلاثمائة وَلم يبْق فِي بَيت مَال الْخَاصَّة شىء فَاتق الله يَا امير الْمُؤمنِينَ وخاطب السيدة حَتَّى تطلق مَا عِنْدهَا من مَال اذخرته (٢) لشديدة فَهَذِهِ امها (٣) وان لم يكن هُنَاكَ شىء فَالْحق خُرَاسَان
فَدخل الى السيدة فاعطته خمس مائَة الف دِينَار وَكَانَ فِي بَيت مَال الْخَاصَّة مثلهَا
وَاخْبَرْ عَليّ بن عِيسَى بِحَال رجل شيرازي يُكَاتب القرمطي واتباعه فاحضره فاقر انه من اصحابه لم يتبعهُ الا لحق رَآهُ مَعَه وَقَالَ لَهُ لسنا كالرافضة الحمقا الَّذين يدعونَ اماما منتظرا وامامنا فلَان بن فلَان بن اسماعيل بن جَعْفَر فامر بِهِ فحبس بعد الضَّرْب فَامْتنعَ فِي حَبسه من الطَّعَام وَالشرَاب فَمَاتَ بعد ثَلَاثَة ايام
وَكتب القرمطي الى مونس كتابا فِي اخره ... قُولُوا لمونسكم باراح كن انسا ... واستتبع الراح سرنايا (٤) ومزمارا
وَقد تثلت عَن شوق تقاذف بِي ... بَيْتا من الشّعْر للماضين قد سارا
نزوركم لَا نواخذكم بجفوتكم ... ان الْكَرِيم اذا لم يستزر زارا
وَلَا نَكُون كانتم فِي تخلفكم ... من عالج الشوق لم يستبعد الدَّار ...
وَله اشعار كَثِيرَة تركناها لشياعتها
سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة
دخل مونس المظفر بَغْدَاد وَبعده (٥) نصر
وَندب مونس لِلْخُرُوجِ الى الرقة لما وصل الْخَبَر باستيلاء القرمطي على الرحبة حَربًا وَقَتله اهلها
стр. 57
وهبت الاعراب ابا طَاهِر حَتَّى كَانُوا يتطايرون عِنْد سَماع ذكره وَجعل على كل بَيت (١) مِنْهُم دِينَارا (٢) بعد ان نهبهم
وعاود القرمطي هيتا فَلم يقدر عَلَيْهَا فاتى الْكُوفَة وَجَاء الى قصر ابْن هبرة (٣) فَاخْرُج اليه نصر فَحم نصر حمى شَدِيدَة حادة فَسَار مَعَ ذَلِك الى شورا (٤) وَبَينه وَبَين القرمطي نهرها
فاستخلف على الجيس احْمَد بن كيفلغ وانفذ مَعَه الْجَيْش وَانْصَرف القرمطي من غير لِقَاء
واشتدت عِلّة نصر ٠٥) وجف لِسَانه من شدَّة الْحمى فاعيد الى بَغْدَاد فَمَاتَ فِي الطَّرِيق فِي عمارية (٦) فانفذ المقتدر على الْجَيْش هَارُون بن غَرِيب فَدخل بهم بَغْدَاد
واقام عَليّ بن عِيسَى حِين راى تنكر الامور على الاستعفا من الوزارة والمقتدر يجبله ويستوقفه حَتَّى اعفاه (٧) واستوزر المقتدر ابا عَليّ بن مقلة ضَرُورَة وَذَلِكَ بمشورة نصر فَلَمَّا كَانَ فِي النّصْف من شهر ربيع الاول انفذ المقتدر هَارُون بن غَرِيب وَمَعَهُ ابو جغفر بن شيرزاد للقبض على عَليّ بن عِيسَى فاستحي هَارُون من لقاءئه بذلك فانفذ ابا جَعْفَر فَوَجَدَهُ مستعدا قد لبس خفا وعمامة وطيلسانا واستصحب مُصحفا ومقراضا وسال هَارُون صِيَانة حُرْمَة فَفعل وَحمله مَعَ اخيه ابي عَليّ (٨) الى دَار السُّلْطَان فاعتلقه فِي دَار زَيْدَانَ (٩) القهرمانة (١٠) وَكَانَت وزارته هَذِه سنة واربعة اشهر ويومين
وزارة ابي عَليّ بن مقلة وَقد كَانَ مُحَمَّد بن خلف النيرماني (١١) بذل فِي الوزارة ثَلَاثمِائَة الف دِينَار فَلم
стр. 58
تقبل مِنْهُ لما عرف مِنْهُ الْجَهْل بِالْكِتَابَةِ والتهور فِي الافعال
واحضر ابْن مقلة يَوْم الْخَمِيس سادس عشر ربيع الاول وقلد الوزارة وَوصل الى الْخَلِيفَة وخلع عَلَيْهِ وَحمل اليه طَعَاما على الْعَادة الَّتِى جرت للوزراء اذا خلع عَلَيْهِم
ودس نصر الْحَاجِب عَليّ بن عِيسَى من (١) ادّعى مُكَاتبَته القرمطي على يَده وَذَلِكَ لعداوة بَينه وَبَينه ولممايلة عَلَيْهِ لمونس
وعزم الْخَلِيفَة على ضرب عَليّ بن عِيسَى بالسياط على بَاب الْعَامَّة فوقفت السيدة على بطلَان الامر فازالت من نفس المقتدر تَصْدِيق ذَلِك وثنته عَن رايه فِي معاقبته
وَاتفقَ لِابْنِ مقلة مَا مَشى بِهِ الامور انفاذه البريدي لَهُ وَكَانَ بَينهمَا مَوَدَّة سفاتجا بثلاثمائة الف دِينَار وَغير ذَلِك من وُجُوه اخر
وتغاير سواس نازوك (٢) وسواس هَارُون بن غَرِيب (٣) على غُلَام امرد فَوَقع الْحَرْب بَينهم فاخذ نازوك وسواس هَارُون وحبسهم فَصَارَ اصحاب هَارُون الى مجْلِس الشرطة وضربوا خَليفَة (٤) نازوك واخذوا اصحابه فَلم يُنكر ذَلِك المقتدر فَجمع نازوك رِجَاله وزحف الى دَار هَارُون فَقتل من اصحابه قوما وَوَقعت الْحَرْب فجَاء ابْن مقلة ومفلح الاسود فاديا رِسَالَة اليهما عَن المقتدر حَتَّى كفا
واقام مونس فِي دَاره مستوحشا فاظهر ان ذَلِك لمَرض فِي سَاقه وَصَارَ اليه هَارُون لابسا دراعة فاصطلحا
واقام هَارُون ببستان النجمي قَاصِدا للبعد من الْفِتَن فَكتب اصحاب مونس اليه وَهُوَ بالرقة بَان الامر قد تمّ لهارون فِي امرة الامراء فاسرع الى بَغْدَاد وَلم ينحدر الى المقتدر
وَصعد (٥) اليه الامير ابو الْعَبَّاس (٦) والوزير ابو عَليّ (٧) فسلما عَلَيْهِ وَقدم عَلَيْهِ ابو الهيجاء من الْجَبَل وقلد احْمَد بن نصر الْجُبَّة واخذ مِنْهُ سِتِّينَ الف دِينَار وَذَلِكَ فِي شهر رَمَضَان وَصرف فِي ذِي الْحجَّة
وَقبض ابْن مقلة على ابي مُحَمَّد عبد الله كَاتب نصر والزمه خمسين الف دِينَار
стр. 59
سنة سبع عشرَة وثلاثمائة
فِي يَوْم السبت ثَالِث (١) الْمحرم خرج مونس الى بَاب الشماسية وَخرج الْجَيْش مَعَه وَعبر اليه نازوك فِي اصحابه وَخرج اليه ابو الهيجاء وَسَائِر القواد ثمَّ انتقلوا الى الْمصلى
وشحن المقتدر دَاره بهَارُون بن غَرِيب وَاحْمَدْ بن كيغلغ والحجرية والرجالة المصافية فَمَا كَانَ اخر النَّهَار حَتَّى مضوا الى مونس
وارسل مونس المقتدر بَان الْجَيْش عَاتب بِمَا يصير الى الخدم وَالْحرم ودخولهم فِي الرَّأْي وهم مطالبون باخراجهم عَن الدَّار فاجابه المقتدر برقعه طَوِيلَة فِيهَا امتعنى الله بك وَلَا اخلاني مِنْك وَلَا اراني سوءا فِيك تاملت الْحَال الَّتِى خرج اولياؤنا وصنائعنا وشيعتنا اليها وتمسكوا بهَا واقاموا عَلَيْهَا فوجدتهم لم يُرِيدُوا الا صِيَانة نَفسِي وَوَلَدي واعزاز امري وملكي بَارك الله عَلَيْهِم واحسن اليهم واعانني على صَالح مَا انويه لَهُم
واما انت يَا ابا الْحسن المظفر لَا خلونا مِنْك فشيخي وكبيري وَمن لَا ازول وَلَا احول عَن الْميل اليه والتوفر عَلَيْهِ والتحقق بِهِ اعْترض مَا بَيْننَا هَذَا الْحَادِث لَو لم يعْتَرض وانتقض هَذَا الامر الَّذِي لحقنا اَوْ لم ينْتَقض وارجو ان لَا تشك فِي ذَلِك ان صدفت نَفسك (٢) وحاسبتها وازلت الظنون السَّبَبِيَّة عَنْهَا ادام الله حراستها
وَمَا وَالَّذِي ذكره اصحابنا من امْر الْحرم والخدم قَول اذا تبينوه حق تبينه وتصفحوه حق تصفحه علمُوا انه قَول جَاف وَالْبَغي فِيهِ على غير مستتر وَلَا خَافَ ولأيثاري موافقتهم واتباعي مصلحتهم (٣) اجبتهم الى المتيسر (٤) فِي امْر هَذِه الطَّبَقَة واتقدم بِقَبض اقطاعاتهم وحظر (٥) تسويغاتهم واخرج من تجوز اخراجه من دَاري وَلَا اطلق اللباقين الدُّخُول فِي تدبيري ورايي واوعز بمكاتبة الْعمَّال فِي اسْتِيفَاء حق بَيت المَال من ضياعهم الصَّحِيحَة الْملك دون مَا يُقَال انه قد (٦) لابسه الريب وَالشَّكّ وَانْظُر لنَفْسي فِي امْر الْخَاصَّة والعامة وابلغ فِي انصافها والاحسان اليها الْغَايَة
واما انتم فمعظم نعمكم منى وَمَا كنت لاعود عَلَيْكُم فِي شىء سمحت بِهِ ورايته فِي وقته واراه الان زهيدا فِي جنب استحقاقكم وانا بتثميره اولى وبتوفيره احرى
стр. 60
ونازوك فلست ادري لاي شىء عتب وَلَا لاي حَال استوحش واضطرب فَمَا غيرت لَهُ حَاله وَلَا حزت لَهُ مَالا
وعبد الله بن حمدَان فَالَّذِي احفظه صرفه عَن الدينور وتهيى اعادته اليها ان كَانَ رَاغِبًا فِيهَا وَمَا عِنْدِي لَهُ ولنازوك والعصاة كلهَا الا التجاوز والاتقاء
وَبعد هَذَا وَقَبله فلي فِي اعناقكم بيعَة وَقد وكدتموها على انفسكم دفْعَة بعد اخرى وَمن بايعني فانما بَايع الله سُبْحَانَهُ وَمن نكث فانما نكث عهد الله ولي عنْدكُمْ ايضا نعم واياد وعندكم صنائع وعوارف امل ان تعترفوا بهَا وتلتزموها وتشكروها فان راجعتم الى مَنَازِلكُمْ واستوطنتموها وكنتم بِمَنْزِلَة من لم يبرح من مَوْضِعه وَلم يات بِمَا يعود بتشعث مَحَله وموقعه وان انتم الا مكاشفة وَمُخَالفَة فقد وليتكُمْ مَا توليتم واغمدت سَيفي عَنْكُم ولجات فِي نصرتي ومعونتي الى الله سُبْحَانَهُ وَلم اسْلَمْ الْحق الَّذِي جعله الله تَعَالَى لي واقتديت بعثمان بن عَفَّان رضى الله عَنهُ حِين لم يخرج من دَاره وَلم يسلم حَقه لما خذله عَامَّة ثقافته وانصاره وَالله تَعَالَى بَصِير بالعباد والظالمين بالمرصاد (١)
وَلما وقف مونس ونازوك وابو الهيجاء على الرقعة طالبوه باخراج هَارُون فاخرجه من يَوْمه الاى الثغور الاشامية والجزرية
وَعَاد مونس والجيش الى بَغْدَاد فِي يَوْم عَاشُورَاء وزحفوا الى دَار السُّلْطَان فهرب المظفر بن ياقوت والخدم والحجاب وَابْن مقلة
فَاخْرُج المقتدر والدته وخالته وَحرمه لَيْلًا الى دَار مونس فَدخل حِينَئِذٍ من قطربل الى بَغْدَاد مستترا
واصعد نازوك بغلامه مونس الى دَار ابْن طَاهِر فَفتح لَهُ كافور الْمُوكل بهَا وَسلم اليه مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه واحرق فِي طَرِيقه دَار هَارُون
وبويع مُحَمَّد بالخلافة بَايعه مونس والقواد ولقب القاهر بِاللَّه
وقلد ابا عَليّ بن مقلة وزارة القاهر واخرد مونس عَليّ بن عِيسَى بن عيس من دَار السُّلْطَان فاطلقه إِلَى منزلَة
وقلد نازوك الحجبة والشرطة
واضاف الى اعمال ابي الهيجاء اعمالا كَثِيرَة
وَمضى بني بن نَفِيس بعد ان وَقع النهب فِي دَار السُّلْطَان الى تربة السيدة بالرصافة فَوجدَ لَهَا هُنَاكَ سِتّمائَة الف دِينَار
стр. 61
واشهد المقتدر على نَفسه بِالْخلْعِ الْقُضَاة واخذ القَاضِي ابو عمر (١) الْكتاب فَلم يطلع عَلَيْهِ احدا فَكَانَ هَذَا من اقوى ذرائعه عِنْد المقتدر لما عَاد الى الْخلَافَة
وَسكن النهب عِنْد ولَايَة القاهر وَجلسَ ابْن مقلة بَين يَدَيْهِ وَكتب بخلافته الى الافاق
وَتقدم الى نازوك بقلع خيم الرجالة وَالْمَنْع للحجرية من دُخُول الدَّار فاضطربوا
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع عشر الْمحرم بكر النَّاس الى دَار الْخلَافَة لانه يَوْم الْمركب (٢) وَحضر الْخلق والعسكر باسره وطالبوا بالرزق والبيعة وَلم ينحدر مونس المظفر يَوْمئِذٍ
وهجمت الرحالة تُرِيدُ الصحن التسعيني وَكَانَ نازوك نهى اصحابه عَن معارضتهم اشفاقا من الْفِتْنَة فقاربوا القاهر بِالسِّلَاحِ وَكَانَ جَالِسا فِي الرواق بَين يَدَيْهِ ابْن مقلة ونازوك وابو الهيجاء فانفذ بنازوك ليردهم وَهُوَ مخمور قد شرب ليلته فقصدوه بِالسِّلَاحِ فهرب مِنْهُم فطمعوا فِيهِ وانْتهى بِهِ الْهَرَب الى بَاب كَانَ قد سَده خوفًا من الدُّخُول مِنْهُ فَكَانَ منيته عِنْده فَقَتَلُوهُ وصاحوا مقتدر يامنصور
فهرب كل من فِي الدَّار وصلبوا نازوك عجيبا الْخَادِم على خشب الستارة وبادر الخدم الى ابواب الدَّار فغلقوها لانهم خدم المقتدر وصنائعه
وبادر ابو الهيجاء الْخُرُوج فصاح القاهر بِهِ تسلمني يَا ابا الهيجاء فاخذته الحمية فَقَالَ لَا وَالله لَا اسلمك وَعَاد ابو الهيجاء وَيَده فِي القاهر الى دَار السَّلَام وَقصد الروشن فَوجدَ الرجالة منتظرين فَنزل ابو الهيجاء مَعَه وَقَالَ لَهُ وتربه حمدَان لَا فارقتك يَا مولَايَ اَوْ اقْتُل دُونك
وَمضى ابو اليهجاء الى الفردوس وَنزل سوَاده ومنطقته واعطى ذَلِك غُلَامه واخذ جُبَّة صوف مصرية عَلَيْهِ وَركب دَابَّة غُلَامه وَمضى الى بَاب النوبى فَوجدَ الْجَيْش وَرَاءه وَهُوَ مغلق فَعَاد الى الْقَاهِرَة وَقَالَ هَذَا امْر من السَّمَاء قد حمل راس نازوك الى هُنَاكَ
ودخلا من حَيْثُ خرجا واتيا دَار الأترجة وتاخر عَنْهُمَا فائق وَجه الْقَصعَة واشار على الخدم بقتل ابي الهيجاء وَذكرهمْ عداوته الى المقتدر فاتوه بقسي ودبابيس فَجرد سَيْفه وَنزع جبته وَحمل عَلَيْهِم فاجفلوا مِنْهُ ورموه ضَرُورَة ورماه اُحْدُ الحجرية بنشابة
стр. 62
وَهُوَ يُنَادي يال تغلب الْقَتْل (١) بَين الْحِيطَان ايْنَ الْكُمَيْت بن (٢) الدهما فَرَمَاهُ خمار جونة (٣) بسهمين احدهما نظم فَخذيهِ والاخر مَا بترقوته فَانْتزع السِّهَام وَمضى الى بَيت فَسقط فِيهِ قبل ان يصل اليه
فبادره اسود فَضرب يَده فقطعها واخذ سَيْفه وغشية (٨١٤٣) اسود اخر فحز راسه
وَامْتنع المقتدر وَهُوَ بدار ابْن طَاهِر من الْمُضِيّ الى دَار السُّلْطَان وَخَافَ ان تكون حِيلَة عَلَيْهِ فَحَمَلُوهُ على رقابهم الى الطيار
فَلَمَّا حصل فِي دَار الْخلَافَة (٤) سَالَ عَن ابي الهيجاء فَقيل لَهُ هُوَ فِي الاترجة فَكتب لَهُ امانا بِخَطِّهِ وَقَالَ لبَعض الخدم وَيلك بَادر بِهِ لانتم عَلَيْهِ امْرَهْ
فَلَمَّا حصل الْخَادِم فِي الطَّرِيق تَلقاهُ خَادِم اخر براسه فَعَاد الى المقتدر فَعَزاهُ عَنهُ فظهرت كابته وَقَالَ وَيلك من قَتله فغمزه مُفْلِح الاسود فَقَالَ لاادري فكرر انا الله وانا اليه رَاجِعُون وَظهر من حزنه عَلَيْهِ امْر عَظِيم
وَكَانَ ابو الهيجاء فِي الشجَاعَة بِمَنْزِلَة كَبِيرَة حكت عَنهُ احدا حظاياه انه كَانَ يواقعها فِي سفر فجَاء السَّبع الى بَاب مضربه فَجرد سَيْفه وَحمل عَلَيْهِ واتاها براسه وَعَاد الى الْحَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لم فقتر شَهْوَته وَلم تكل الته
واتى المقتدر بالقاهر واستدناه وَقبل جَبينه والقاهر يَقُول نَفسِي نَفسِي يَا امير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ لَا ذَنْب لَك لانك اكرهت ووحق رَسُول الله ﷺ لاجرى عَلَيْك سوء مني ابدا فاطمان
وَشهر بِبَغْدَاد راس نازوك وابي الهيجاء وَنُودِيَ عَلَيْهِمَا هَذَا جَزَاء من كفر نعْمَة مَوْلَاهُ وَعَاد ابم مقلة الى الوزارة وَكتب باعادة الْخلَافَة الى المقتدر
وَحكي ان بدر بن الهيم القَاضِي ركب لتهنئة رُجُوع الْخلَافَة الى المقتدر بِاللَّه وَقَالَ لِابْنِ مقلة بَين ركبتي هَذِه وركبة ركبتها مائَة سنة لانني ركبت للتعزية بوفاة المامون سنة سبع عشرَة (٨٢٤٤) وَمِائَتَيْنِ (٨٣٢) مَعَ ابي وَقد ركبت الْيَوْم للتهنئة بِعُود المقتدر سنة سبع عشرَة وثلاثمائة (٩٢٩) وَتُوفِّي بدر بعد ايام وَسنة مائَة واثنتا عشرَة سنة
стр. 63
وجددت الْبيعَة على النَّاس فاطلق للفرسان زِيَادَة ثَلَاثَة دَنَانِير فِي الشَّهْر وللرجال زِيَادَة دِينَار ونفذت الاموال فِي عطياتهم حَتَّى بِيعَتْ الالات وَالْكِسْوَة
واشهد المقتدر بِاللَّه على نَفسه بتوكيل عَليّ بن الْعَبَّاس النوبختي فِي بيع الضّيَاع وَحضر عَليّ بن عِيسَى فَقَامَ اليه ابْن مقلة وَشَاهد البيع فَانْتهى الى بيع ضيَاع جِبْرِيل وَالِد بختيشوع وَقد بِيعَتْ بِثمن نزر فَقَالَ لَا اله الا الله حَدثنِي شَيخنَا ابو الْقسم عِيسَى ابْن دَاوُد يَعْنِي اباه ان المتَوَكل ﵀ لما غضب على بختيشوع انفذ لاحصاء مَا فِي دَاره فَوجدَ فِي خزانَة كسوته وعقة فِيهَا ثمن ضيَاعه مبلغ ذَلِك بضعَة عشرَة الاف الف دِرْهَم
وخلع المقتدر على ابْن مقلة وكناه وقلد ابا عمر قَضَاء الْقُضَاة وَكتب عَهده
واوقع فِي هَذِه السّنة القرمطي الحجيج فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَقتل امير مَكَّة (٢) وَقلع الْحجر الاسود وسلبت الْبَيْت واصعد رجلا من اصحابه ليقلع الْمِيزَاب فتردى فَهَلَك وَطرح الْقَتْلَى بزمزم والقى من بَقِي فِي الْمَسْجِد واخذ الاموال وَحمل الْحجر الى بَلَده (٣)
قَالَ المقتدر قَالَ لي عقيل بن عِصَام الْعقيلِيّ بقرية الروذه من الدجيل حَدثنِي ابي انه راى ابا طَاهِر وَبَين يَدَيْهِ خَمْسُونَ يضْربُونَ الرّقاب فَقتل من الحجيج نَحْو عشرَة الاف (٨٣٤٤) وَهُوَ يَقُول ... لوكان هَذَا الْبَيْت بيتالربنا ... لصب علينا النَّار من فَوْقنَا صبا
وانا تركنَا بَين زَمْزَم والصفا ... جنائزلاتبغي سوى كسبها رَبًّا (٤)
لَعنه الله واتباعه لعنا وبيلا
واتى اهل مَكَّة على من عِنْدهم من الْحجَّاج فَقَتَلُوهُمْ وسلبوهم وقلد ابْنا وائق شرطة بَغْدَاد مَكَان نازوك
وَورد ياقوت من فَارس فَخلع المقتدر عَلَيْهِ وعَلى ابْنه المظفر وَولي مَكَانَهُ نجح الطولوني بقارس وكرمان
стр. 64
وعزل ياقوت وَجعل الاشراف بهَا لِابْنِ ابي مُسلم (١) وَانْحَدَرَ بعد ذَلِك مونس الى المقتدر فَخلع عَلَيْهِ ونادمه وساله فِي ام مُوسَى الهاشمية وَفِي ام دستنبوية فاجيب ووصلت سَبْعَة الاف دِينَار ورتب على بن عِيسَى فِي الْمَظَالِم وَجعلت الدَّوَاوِين اليه وفيهَا فتح هَارُون بن غَرِيب شهرزور وطالبهم بخراج عشْرين سنة عصوا فِيهَا وصالحوه على سَبْعَة وَثَلَاثِينَ الف دِينَار ومائتي الف دِرْهَم وفيهَا رتب الحجرية على ابْن مقلة وضربه بالدبابيس فافلت مِنْهُم وفيهَا ملك اصحاب مَا كَانَ الديلمي قاسان
سنة ثَمَانِي عشرَة وثلاثمائة (٢) زَاد امْر الرِّجَال (٣) وَكثر تسحبهم وادلالهم بانهم كانوالسبب فِي عود المقتدر الى دَاره وطالب الفرسان بِالْمَالِ فاحتج عَلَيْهِم السُّلْطَان بانه يصرف الى الرجل (٣) فِي كل شهر مائَة وَثَلَاثِينَ الف (٨٤٤٥) دِينَار
وَركبت الفرسان مَعَ مُحَمَّد بن ياقوت فطردوهم واوقع بالسودان بِبَاب عمار وَحرق دُورهمْ فهربت الرِّجَال الى وَاسِط وَرَئِيسهمْ نصر السَّاجِي فغلبوا عَلَيْهَا فانحدر مونس فاوقع بهم فَلم ترْتَفع لَهُم راية بعد ذَلِك
وَكَانَ بَين مُحَمَّد بن ياقوت ومونس تبَاعد فَلَمَّا يَله مونس ابْن مقلة عَادَاهُ بالانضمام اليه وَقبض على الْوَزير سُلَيْمَان بن الْحسن حِين عرفت اضافته وَكَثُرت المطالبات لَهُ فَكَانَت مُدَّة وزارته سنة وشهرين (٤)
وزارة ابي الْقسم عبد الله بن مُحَمَّد الكلوذاني (٥)
كَانَت فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع رَجَب واقرضه ابْن قرَابَة مِائَتي الف دِينَار بربج دِرْهَم فِي كل دِينَار
وَملك مزداويج (٦) الْجَبَل باسره الى حلوان وَانْهَزَمَ هَارُون بن غَرِيب الى دير العاقول
стр. 65
وَاسْتَأْمَنَ يشكرى الدليمي الى هَارُون وَهُوَ من اصحاب اسفار وَانْهَزَمَ بانزامه وصادر شكرا (١) اهل نهاوند فِي اسبوع على ثَلَاثَة آلَاف الف دِرْهَم وانبث (٢) الاخبار وصادر اهل الكرج وَملك اصبهان وَكَانَ بهَا احْمَد بن كيغلغ فَخرج هَارِبا فِي ثَلَاثِينَ نفسا
فَكَانَ لاحمد من الِاتِّفَاق العجيب ان لشكري تبعة الى قَرْيَة فعاون اهلها احْمَد وتقارب احْمَد ولشكري فَضَربهُ احْمَد ضربه قدمت مغفرتة وخوذته وَنزلت فِي راسه فَقتلته وَانْهَزَمَ اصحابه وَسن احْمَد يَوْمئِذٍ سَبْعُونَ (٨٥٤٥) سنة
وَركب الكلوذاني فِي طيارة فرجمه قوم من الْجند طلبُوا ارزاقهم فَجعل ذَلِك سَببا لاغلاق بَابه وَولي بعده الْحُسَيْن بن الْقسم الْكَرْخِي
وزارة الْكَرْخِي
كَانَ بِبَغْدَاد رجل يعرف بالدانيالي يظْهر كتبا عتقا وينسبها الى دانيال النَّبِي ﵇ ويودع تِلْكَ الْكتب اسماء قوم (٣) وحلاهم فَاسْتَوَى جاهه وَقَامَت سوقه بَين اهل الدولة وَعند القَاضِي ابي عمر وَابْنه (٤)
وَذكر المفلح (٥) الاسود انه من ولد جَعْفَر ابْن ابي طَالب فنفق بذلك عَلَيْهِ واخذ مِنْهُ مَالا كثيرا واشار عَلَيْهِ ابْن زنجا باثبات صفة الْحُسَيْن بن الْقسم وَذكر الجدري الَّذِي فِي وَجهه والعلامات (٦) الَّتِي فِي شفته الْعليا فَكتب ذَلِك وانه ان وزر للثامن (٧) عشر من ولد الْعَبَّاس واستقامت (٨) اموره فَعمل دفترا وَذكر ذَلِك فِي تضاعيفه وعتقته فِي التِّبْن وَجعله تَحت خفَّة ومشي عَلَيْهِ حَتَّى اصفر وَعتق
قَالَ ابْن زنجي فلولا معرفتي من عمله لَهُ لم اشك فِي انه قديم وَحمله الى مُفْلِح فعرضه على المقتدر فَقَالَ لَهُ اتعرف (٩) هَذِه الصّفة لمن قَالَ لَا اعرفها الا للحسين بن الْقسم قَالَ فاستدعه وشاوره
قَالَ ابْن زنجي ثمَّ ان الدانيالي طالبني بالمكافأة فَقلت حَتَّى يتم الامر
стр. 66
فَلَمَّا ولي الْحُسَيْن الوزارة ولاه الْحِسْبَة واجرى لَهُ مِائَتي دِينَار فِي الشَّهْر
وسعى لَهُ بليق (١) فِي الوزارة وتقلدها يَوْم الْجُمُعَة لليلتين بَقِيَتَا من شهر رَمَضَان فتشاغل (٨٦٤٦) عَن الْجُلُوس بالتهنئة لجمع الاموال الَّتِي يحْتَاج اليها فِي نَفَقَة الْعِيد وَصَارَ اليه عَليّ بن عِيسَى وهنأه
وَكَانَت دمنه تَعْنِي بامر الْحُسَيْن فَكَانَت توصل رقاعة وَكَانَت حظية عِنْد المقتدر فَكَانَ يخدمها ويخدم ابْنهَا الامير ابا احْمَد اسحاق فِي كل يؤم بِمِائَة دِينَار
واختص بِهِ بَنو البريدي وابو بكر بن قرَابَة واقرضه اموالا بِرِبْح دِرْهَم فِي الدِّينَار
واختص بِهِ جَعْفَر بن وَرْقَاء فقلد ابا عبد الله مُحَمَّد بن خلف النيرماني (٢) اعمال الْحَرْب وَالْخَرَاج والضياع يحلوان وَغَيرهَا من مَاء الْكُوفَة وَلبس القباء وَالسيف والمنطقة وَتسَمى بالامارة
وَسَأَلَ فِي اخراج عَليّ بن عِيسَى الى مصر فدافع عَنهُ مونس وَقَالَ انه شيخ نرْجِع (٣) الى رايه حَتَّى احدرة الى الصافية وبتدأ مونس فِي الإستحاش
وَبلغ الْحُسَيْن ان مونسا عَليّ كبسه لَيْلًا فَكَانَ ينْتَقل فِي كل لَيْلَة الى مَكَان خوفًا مِنْهُ وراسل مونس المقتدر فِي صرف الْحُسَيْن عَن الوزارة فاجابه
وسعلى الْحُسَيْن بمونس وَقَالَ المقتدر انه قد عزم على ان يخرج الامير ابا الْعَبَّاس الى الشَّام ويقرر لَهُ الْخلَافَة
وَكتب الْحُسَيْن الى هَارُون بن غَرِيب وَهُوَ بدير العاقول يَأْمُرهُ بالمبادرة (٤) فاستوحش مونس واظهر الْغَضَب وَسَار فِي اصحابه الى الْموصل
وَجَاء بشرى (٥) خَادِم شَفِيع برسالة الى المقتدر فشتمه الْحُسَيْن وَشتم صَاحبه وضربه بالمقارع واخذ خطة بثلاثمائة الف دِينَار
وَوَقع الْحُسَيْن بِقَبض املاك مونس وضياع اسبابه وافرد لَهُ ديوانا سَمَّاهُ ديوَان الْمُخَالفين (٨٧٤٦) وزاذ مَحل الْحُسَيْن من المقتدر فَكَانَ ينفذ لَهُ الطَّعَام من بَين يَدَيْهِ ولقبه عميد الدولة وامر بِذكر لقبه على الدَّنَانِير
стр. 67
وقلد ابا يُوسُف مُحَمَّد بن يَعْقُوب البريدي (١) الْبَصْرَة وَالْقِيَام بنفقتها فَتقدم الى الْكتاب باخراج خراج الْبَصْرَة فاخرجوه من صَلَاة الْفجْر الى عتمة يَوْمه فَاحْضُرْ البريدي وَوَافَقَهُ على ذَلِك واخذ خطة بِالْقيامِ بِمَال الاولياء بِالْبَصْرَةِ وان ترَتّب لحفظ السُّور زِيَادَة على من عَلَيْهِ الف رجل وان يحمل بعد النَّفَقَات سبعين الف دِينَار وَحمل الْخط الى الْوَزير متبجحا بِهِ فَلم يَقع من الْوَزير بموقع وَظن انه وبخه بذلك
وَعرف المقتدر فَوَقع موقعه عِنْده وَغلط على الْحُسَيْن فخافه الْفضل بن جَعْفَر فاستتر مِنْهُ عِنْد ابْن قرَابَة فقلد الْحُسَيْن الدِّيوَان ابا الْقَاسِم الكلوذاني
وجد ابو الْفَتْح فِي طلب الوزارة
وصودر ابْن مقلة عِنْد بعد مونس عَن مِائَتي الف دِينَار
واراد الْحُسَيْن مصادرة عَليّ بن عِيسَى وَهُوَ بالصافية مُقيم فَمنع مِنْهُ هَارُون بن غَرِيب وَكَانَ بدير العاقول
وَوصل هَارُون الى دَار السُّلْطَان فلقي المقتدر وَسَأَلَهُ فِي ابْن مقلة فحط عَنهُ خمسين الف دِينَار فَانْصَرف الى دَاره فقصده الْوَزير وابنا رايق وَمُحَمّد بن ياقوت ومفلح وشفيع ٢
واخذ ابْن مقلة فِي استماحه النَّاس ففضل لَهُ عَن الَّذِي صودر عَلَيْهِ عشرُون الف دِينَار فَابْتَاعَ بهَا ضيَاعًا وَقفهَا على الطالبين وَكَانَ ابتاعها باسم عبد الله بن عَليّ الْمقري (٢)
وَقبض المقتدر على ابي احْمَد بن المكتفي وَمُحَمّد بن المعتضد (٨٨٤٧) فاعتمد السيدة مُرَاعَاة مُحَمَّد وأهدت اليه الْجَوَارِي وراعته فِي نَفَقَته واعتقلا بدار السُّلْطَان
واشتدت الاضاقة بالحسين فَبَاعَ ضيَاعًا بخمسائة الف دِينَار واستسلف من مَال سنة عشْرين وثلاثمائة (٩٣٢) قبل افتتحاحها فاخبر هَارُون (٣) حَالَة المقتدر فَكتب للخصيبي امانا فَظهر فخوطب بالوزارة فَذكر ان الْحُسَيْن استسلف من مَال سنة عشْرين قِطْعَة (٤) وافرة وانه لايغر السُّلْطَان من نَفسه فولاه ديوَان الازمة واجرى لَهُ ولكتابه الف دِينَار وَسَبْعمائة دِينَار فِي كل شهر واقر الْحُسَيْن على الوزارة وخلع عَلَيْهِ ليزول الارجاف عَنهُ
وَاجْتمعَ الْحُسَيْن والخصيبي فاخذ الْحُسَيْن يعانزة (٥) والخصبي مُمْسك فَلَمَّا بلغ
стр. 68
ذَلِك المقتدر انحل امْر الْحُسَيْن عِنْده فَقبض عَلَيْهِ فَكَانَت وزارته سَبْعَة اشهر (١)
وزارة ابي الْفَتْح الْفضل بن جَعْفَر
خلع عَلَيْهِ لليلتين بَقِيَتَا من شهر ربيع الاخر
وصادر الْحُسَيْن فِي نوب اخذ مِنْهُ فِي احدها اربعين الف دِينَار ثمَّ ابعده الى الْبَصْرَة واقام لَهُ فِي كل شهر خَمْسَة آلَاف دِرْهَم
وانفذ مزداويج رَسُولا يسْأَل ان يقاطع عَن الاعمال فاجيب وتكفل هَارُون بن غَرِيب بامره وَكتب لَهُ الْعَهْد وانفذ اليه اللِّوَاء وَالْخلْع وَمَشى الْوَزير ابو الْفَتْح الامور بِمِائَة الف دِينَار الزمت للبريدي وَنفى ابْن مقلة الى شيراز
وَمَات ابو عمر القَاضِي فأغرى ابو بكر بن قرَابَة بورثته وَقَالَ للمقتدر هَا هُنَا من (٨٩٤٧) يُعْطي مائَة الف دِينَار لقَضَاء الْقُضَاة
فأنفذ المقتدر بكاتب الى ابي الْحُسَيْن مَعَه وعرفه الْحَال فَأتوهُ وَهُوَ فِي العزاء فأمسكوه فَقَالَ ابْن قرَابَة مَا لهَذَا حَضَرنَا قُم مَعنا حَتَّى نخلوا فَنَهَضَ وَاسْتوْفى عَلَيْهِ ابْن قرَابَة الْخطاب فَقَالَ ابْن (٢) الْحُسَيْن ان نعمنا من امير الْمُؤمنِينَ واسأله ان يمهلنا يَوْمه
فَلَمَّا كَانَ بالْعَشي وَكَانَ شهر رَمَضَان مضى الى دَار ابْن قرَابَة فَدخل والمائدة بَين يَدَيْهِ وَعِنْده البريديون فَأكل قَاصِدا لاستكفاء شَره وَقَالَ قد جئْتُك مستسلما اليك وتدبرني بِمَا ترى
وَقرب مِنْهُ البريديون وَقَالُوا متوجعين لَهُ عندنَا ثَلَاثَة الاف دِينَار نعينك بهَا واستصوبوا قَصده لِابْنِ قرَابَة فَقَالَ لَهُ ابْن قرَابَة امْضِ مصاحبا وَتعطف عَلَيْهِ المقتدر بِاللَّه وعاونه (٣) البريديون واخوانه فقلده قَضَاء الْقُضَاة
وَوصف المقتدر لِابْنِ قرَابَة ماهو فِيهِ من الاضاقة فَقَالَ لَهُ لم لَا يعاونك ابْن خَالك هَارُون بن غَرِيب وَعِنْده آزاج (٤) مَمْلُوءَة دَنَانِير فَقَالَ هَارُون لَو كنت املك شَيْئا لما بخلت بِهِ عَن امير الْمُؤمنِينَ لَان سلامتي معقودة بسلامته وَلَكِن مَعَ ابْن قرَابَة من المَال مالايحتاج اليه وانا استخرج لَك مِنْهُ خمس مائَة الف دِينَار فَقَالَ اذْهَبْ فتسلمه فَقبض عَلَيْهِ وَجرى عَلَيْهِ من الْمَكْرُوه مَا اشفى بِهِ عَن التّلف حَتَّى قتل المقتدر بِاللَّه فخلص
стр. 69
وَحكى ابْن سِنَان ان ابْن قرَابَة كَانَ صديقا لابيه فَدخل عَلَيْهِ بعد مَا صودر فَقَالَ لَهُ خلطت حَتَّى صودرت وَقد حصل لي الان مَا يرْتَفع مِنْهُ عشرُون الف دِينَار فِي السّنة خَالِصَة لي لي من الاملاك مَا لَيْسَ لأحد مثله وَمن الالات والفرش والمخروط والصيني والجوهر مَا لَيْسَ لَاحَدَّ وَكَذَلِكَ من الرَّقِيق والخدم والغلمان والكراع وَمَعِي ثَلَاثمِائَة الف دِينَار صَامت لَا احْتَاجَ اليها وبيني وَبَين ابْن مقلة مَوَدَّة وَهُوَ مقدم من فَارس وزيرا فَهَل ترى لي ترك التَّخْلِيط وَلُزُوم رب النِّعْمَة واصلاحها
فَقَالَ لَهُ ابْن (١) سِنَان (٢) مَا رَأَيْت أعجب من امرك انما يسْأَل عَن الامر الْخَفي واما عَن الْوَاضِح الْجَلِيّ فكلا وَبعد اعقبك فَائِدَة واثمرك صلاحا فلازمه والا فَكف عَنهُ وايضا فان الانسان يكد ليحصل لَهُ بعض مَا حصل لَك وَقد اتاك هَذَا وادعا فاشكر الله وتمتع بنعمتك الَّتِى انْعمْ الله سُبْحَانَهُ بهَا عَلَيْك فَقَالَ صدقت وَنَصَحْت وَلَكِن لي نفس مشومة لَا تصبر وسأعود مَا كنت فِيهِ
فَلَمَّا خرج ابْن سِنَان من عِنْده قَالَ لَا يَمُوت ابْن قرَابَة الا فَقِيرا اَوْ مقتولا
وَلما ورد مونس وَكَانَ هَارُون بن غَرِيب قد وكل بِهِ غلْمَان وَقَيده وامرهم باخراجه الى وَاسِط فَقتل المقتدر بِاللَّه ﵀ فِي ذَلِك الْيَوْم فهرب الموكلون بِهِ وَبَقِي مَعَه خادمان وَكَانَ ابْن قرَابَة اشتراهما لهارون فتعطفا عَلَيْهِ وصارا بِهِ الى الفرضة (٣) وادخلاه مَسْجِدا بهَا واحضرا حدادا فَكسر قيوده وَمَشى الى منزله بسويقة غَالب ووهبا لَهُ خَمْسمِائَة دِينَار
ثمَّ اداه التَّخْلِيط الى ان قبض عَلَيْهِ القاهر فازال نعْمَته وَقبض املاكه وهدمت دَاره واراد قَتله فَزَالَ امْر القاهر فَعَاد الى تخليطه وَمضى الى البريدي (٤) لما خالفوا السُّلْطَان
وَمضى الى معز الدولة من نهر ديالي وصودر حَتَّى لم يبْق لَهُ بَقِيَّة واضطر الى ان خدم نَاصِر الدولة فِي كل شهر بِمِائَة دِينَار وَكَانَ ينْفق امثالها وَمَات بالموصل
وَفِي ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة عقد المقتدر لابي الْعَلَاء سعيد بن حمدَان على الْموصل وديار ربيعَة
وَفِي هَذِه السّنة توفّي ابو الْقسم الْبَلْخِي الْمُتَكَلّم (٥) صَاحب المقالات وَالتَّفْسِير ببلخ
стр. 70
وفيسنة عشْرين وثلاثمائة كَاتب الْحُسَيْن بن الْقسم دَاوُد وَسَعِيد ابْني حمدَان وَالْحسن (١) بن عبد الله بن حمدَان بمحاربة مونس فَامْتنعَ دَاوُد من لِقَاء مونس لانه لم يزل محسنا اليه فَمَا زَالَ بِهِ اهله حَتَّى لقِيه وَقَالَ هَذِه تغسل مَا فعله الْحُسَيْن بن حمدَان وابو الهيجاء فَكَانَ يَقُول وَالله اني اخاف ان يجي سهم نجار فَيَقَع فِي حلقي فَيَقْتُلنِي فَكَانَ حَاله كَذَلِك قتل وَحده بِسَهْم
وَكَانَ بَنو حمدَان فِي ثَلَاثِينَ الْفَا ومونس فِي ثَمَانمِائَة رجل فَانْهَزَمُوا وتعجب مونس من محاربة دَاوُد لَهُ وَكَانَ يَقُول يَا قوم فِي حجري ختن ولي عَلَيْهِ من الْحُقُوق مَا لَيْسَ لابيه
وَملك مونس اموال بنى حمدَان وَاسْتولى على الْموصل وَكثر خُرُوج النَّاس اليه
وَلما اقام بهَا تِسْعَة اشهر حمله من خرج اليه على الانحدار الى الحضرة وَبلغ الْجند بهَا انحداره فشغبوا وطالبوا بارزاقهم فاطلق لَهُم المقتدر ذَلِك واخرج مضرب الدَّم الى بَاب الشماسية
وتراجعت طلائع المقتدر وَبهَا سعيد بن حمدَان وَمُحَمّد بن ياقوت ومونس الورقاني (٢)
واجتهد المقتدر بهَارُون ان يخرج للحرب
وَجَاء مُحَمَّد بن ياقوت والوزير الْفضل بن جَعْفَر الى المقتدر ومعهما ابْن رائق ومفلح وَقَالُوا ان الرِّجَال لَا تقَاتل الا بِالْمَالِ وسالوه فِي مِائَتي الف دِينَار من جِهَته وجهة والدته فَقَالَ لَيْسَ الى ذَلِك وَجه وَتقدم باصلاح الشذآت والطيارات لينحدر (٣) هُوَ وَحرمه الى وَاسِط فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن ياقوت اتَّقِ الله يَا امير الْمُؤمنِينَ وَلَا تسلم بَغْدَاد بِغَيْر حَرْب وان رجال مونس ان رأوك احجموا عَن الْقِتَال فَقَالَ لَهُ انت وَالله رَسُول ابليس
وَركب المقتدر وَمَعَهُ هَارُون بن غَرِيب وَمُحَمّد بن ياقوت وَسَائِر القواد وَعَلِيهِ الْبردَة وَبِيَدِهِ الْقَضِيب وَبَين يَدَيْهِ ابْنه الامير ابو عَليّ والانصار حافون بِهِ مَعَهم الْمَصَاحِف منشورة والقراء يقراون الْقُرْآن وَكثر الدُّعَاء لَهُ واصعد الى الشماسية ووقف على مَوضِع عَال
واشتبكت الْحَرْب ومونس بالراشدية لم يحضرها وَثَبت هَارُون وَمُحَمّد (٤) وَصَارَ
стр. 71
ابو الْعَلَاء سعيد بن حمدَان برسالتهما الى المقتدر يسألانه الْحُضُور ليشاهده اصحاب مونس فيستأمنون فَلم يجبهُ
وَتَتَابَعَتْ رسلهما حَتَّى كَانَ اخرهم مُحَمَّد بن احْمَد القراريطي كَاتب هَارُون وَهُوَ لَا يُجِيبهُمْ ووقف على ظهر دَابَّته ووراءه الْوَزير ابو الْفَتْح ومفلح وخواص غلمانه فَلَمَّا الحوا عَلَيْهِ وَقَالُوا ان الغلمان يؤثرون رُؤْيَة امير الْمُؤمنِينَ
فَمضى حِينَئِذٍ كَارِهًا الْمُضِيّ وَمَعَهُ مُفْلِح وتخلف عَنهُ الْوَزير فَلَمَّا قَارب دجلة انهزم اصحابه قبل وصولهم واستؤسر احْمَد بن كيغلغ وَجَمَاعَة القواد وَآخر من ثَبت مُحَمَّد بن ياقوت
وَلَقي المقتدر عَليّ بن بليق (٢) فترجل لَهُ وَقبل الارض بَين يَدَيْهِ ووافى البربر من اصحاب مونس فاحاطوا بالمقتدر وضربه رجل مِنْهُم ضَرْبَة فَسقط مِنْهَا وَقَالَ وَيحكم اني الْخَلِيفَة فَقَالُوا فلك نطلب واضجعوه وذبحه احدهم بِالسَّيْفِ وَطرح اُحْدُ اصحابه نَفسه عَلَيْهِ فذبح ايضا وَرفع (٣) راسه على خَشَبَة وسلب ثِيَابه حَتَّى مر بِهِ اكار فستره بحشيش وحفر لَهُ وَدَفنه وَعفى اثره (٤)
وَنزل عَليّ بن بليق (٣) وابوه فِي الْمضَارب وانفذ الى دَار السُّلْطَان من يحفظها
وَانْحَدَرَ مونس الى الشماسية فَبَاتَ بهَا
وَمضى عبد الواحد بن المقتدر ومفلح وَهَارُون وَمُحَمّد (٥) وابناء رائق على ظهر خيولهم الى الميدان
وَكَانَ مَا فعله مونس من ضرب وَجه المقتدر بِالسَّيْفِ سَببا لجرأة الاعداء على الْخُلَفَاء
وَكَانَت مُدَّة وزارة ابي الْفَتْح لأمير الْمُؤمنِينَ المقتدر بِاللَّه ﵀ خَمْسَة اشهر وَعشْرين يَوْمًا
وَلما حمل رَأس المقتدر الى مونس بَكَى وَقَالَ وَالله لَنَقْتُلَنَّ كلنا وَالصَّوَاب ان نرتب مَكَانَهُ ابْنه ابا الْعَبَّاس فتسخو نفس جدته السيدة باخراج المَال
فَثنى رَأْيهمْ ابو يَعْقُوب اسحاق بن يَعْقُوب (٦) النوبختي (٧) وَقَالَ الصَّوَاب ان توَلّوا القاهر مُحَمَّد بن المعتضد بِاللَّه مِقْدَارًا استقامة امْرَهْ مَعَه فَكَانَ الامر على خلاف مَا حسب
стр. 72
خلَافَة القاهر بِاللَّه ابو مَنْصُور بن المعتضد (١)
كَانَت سنة وَسِتَّة اشهر وَخَمْسَة ايام
امهِ تسمى قبُول
وَسبب خِلَافَته انه حمل الى مونس مُحَمَّد بن المكتفي بِاللَّه فخاطبه فِي تولي الْخلَافَة فَامْتنعَ وَقَالَ عمي احق بِالْأَمر فخاطب عَمه القاهر فَأجَاب وَحلف لمونس والقواد وَبَايَعُوهُ وَبَايَعَهُ الْقُضَاة وَذَلِكَ سحر يَوْم الْخَمِيس لليلتين بَقِيَتَا من شَوَّال
واشار مونس ان يستوزر لَهُ عَليّ بن عِيسَى فَقَالَ بليق (٢) وَابْنه على الْحَال الْحَاضِرَة لَا يَقْتَضِي ذَلِك لانها تحْتَاج الى سمح الْكَفّ وَاسع الاخلاق وَابْن مقلة (٣)
فَرضِي مونس بذلك واستخلفوا لَهُ الكلوذاني وَكَتَبُوا الى ياقوت بِحمْلِهِ عَاجلا
وَانْحَدَرَ القاهر الى دَار الْخلَافَة واستدعى مونس بعلي بن عِيسَى من الصافية فأوصله الى القاهر فخاطبه بِكُل جميل
وَكَانَت وَالِدَة المقتدر فِي عِلّة عَظِيمَة من فَسَاد مزاج واستسقاء وَلما وقفت على حَال ابْنهَا فامتنعت من الاكل حَتَّى كَادَت تتْلف فرفق بهَا حَتَّى اغتذت بِيَسِير من خبز وملح (٤) فاحضرها القاهر وقررها بِالْمَالِ باللين تراة وبالخشونة اخرى فَقَالَت لَو كَانَ عِنْدِي مَال مَا اسلمت وَلَدي للْقَتْل وتجرعت بِفِرَاقِهِ الثكل وَمَا لي غير صناديق فِيهَا صياغات وَثيَاب وَطيب (٥)
فعلقها فِي حَبل البرادة (٦) بفرد رجلهَا وتناولها بِالضَّرْبِ بِيَدِهِ فِي الْمَوَاضِع الغامضة
стр. 73
من بدنهَا وَلم يذكر احسانها اليه وَقت اعتقال المقتدر اياه وضربها اكثر من مائَة مقرعة
وَلما أوقع الْمَكْرُوه بهَا لم يجد زِيَادَة على مَا اعْترفت بِهِ طَوْعًا وأحذ مَا وجد لَهَا فاذا هِيَ صناديق فِيهَا مَا قِيمَته مائَة الف وَثَلَاثُونَ الف دِينَار وتماثيل كافور قيمتهَا ثَلَاثمِائَة الف دِرْهَم
فَرفع ذَلِك الى الكلوذاني وبليق وامرهما بِحمْلِهِ الى مونس ليصرف فِي مَال الْبيعَة
وصودر جَمِيع اسباب المقتدر
وصادر الْفضل بن جَعْفَر على عشْرين الف دِينَار فَقَالَ مونس انا اؤديها عَنهُ
وَحل القاهر مَا وقفته السيدة على الْحَرَمَيْنِ والثغور وَاشْترى ذَلِك اصحاب مونس بِخَمْسِمِائَة الف دِينَار
وزارة ابْن مقلة
وَقدم ابْن مقلة (١) من شيراز يَوْم النَّحْر وَاخْتَارَ لنَفسِهِ لِقَاء القاهر لَيْلًا بطالع الجدي وَقَالَ فِيهِ اُحْدُ السعدين وخلع عَلَيْهِ من الْغَد خلع الوزارة
وَصَارَ الى دَار مونس المظفر فَسلم عَلَيْهِ وَانْصَرف الى دَاره
وَحضر النَّاس للتهنئة وَأَتَاهُ عَليّ بن عِيسَى فَلم يقم لَهُ فاستقبح النَّاس فعله وَصَارَ اليه ابْن قرَابَة (٢) وعاود تخليطه
وَظَهَرت دمنة وَالِدَة الامير اسحاق بِأَمَان كتبه القاهر لَهَا وبذلت عَن وَلَدهَا عشْرين الف دِينَار وَوجد اولاد المقتدر فِي دَار عَليّ بن بليق (٣)
وَظهر شَفِيع المقتدري بِأَمَان وَقرر عَلَيْهِ خَمْسُونَ الف دِينَار وَكَانَ مَمْلُوكا لمونس فَحلف ان لَا بُد من بَيْعه فَنُوديَ عَلَيْهِ فَبلغ ثمنه سبعين دِينَارا فابتاعه الكلوذاني باسم القاهر وَشهد الشُّهُود فِي الْعَهْد
стр. 74
سنة احدى وَعشْرين وثلاثمائة (١)
قبض ابْن مقلة على جمَاعَة من الْعمَّال مِنْهُم النوبختي اسحاق بن اسماعيل وَعلي الكلوذاني وعتب عَلَيْهِ انه لم يراع اهله وَقت غيبته واخذ خطه بِمِائَتي الف دِينَار وَسلمهُ الى ابي بكر بن قرَابَة
وَقبض على بني البريدي وَضمن اعمالهم (٢) مُحَمَّد بن خلف النيرماني (٣) بِزِيَادَة ثَلَاثمِائَة الف دِينَار وَضمن لَهُ ابْن قرَابَة ان يصادرهم على سِتّمائَة الف دِينَار
وَلم يزل ابو عبد الله البريدي يُدَارِي مُحَمَّد بن خلف ويعرفه انه يعْمل بَين يَدَيْهِ فرفه من بَين اخوته (٤)
وتوصل ابو عبد الله حَتَّى ضمنه ابْن قرَابَة وَأطلق
وَمضى البريدي الى ابْن مقلة وَقَالَ عرفت من ابْن خلف انه يطْلب الوزارة فأنفذ خدمه وحجابه للقبض عَلَيْهِ فَهَزَمَهُمْ مُحَمَّد بن خلف وحصلهم فِي بَيت وأقفل عَلَيْهِم بَابه وتسور السطوح وهرب فَلم يظْهر الا بعد عزل ابْن مقلة
وَمضى البريدي الى الاهواز بتوسط ابْن قرَابَة حَاله
وَكَانَ ابْن مقلة يعادي ابا الْخطاب ابْن ابي الْعَبَّاس بن الْفُرَات فَلم يجد للقبض عَلَيْهِ طَرِيقا (٥) لانه ترك التَّصَرُّف مُنْذُ عشْرين سنة وَلزِمَ منزله وقنع بِدُخُول ضيعته
وَكَانَ ابْن مقلة استسعفه ايام نكبته فَاعْتَذر بالاضافة وَلم يستعفه فَظهر (٦) ابو الْخطاب اولاده ودعا اولاد ابْن مقلة فعادوا الى ابيهم واخبروه بزينته فَتَركه حَتَّى قَصده للسلام فَقبض عَلَيْهِ وطالبه بثلاثمائة الف دِينَار فَقَالَ بِمَ يحْتَج عَليّ الْوَزير وَقد تركت التَّصَرُّف من عشْرين سنة وَفِي حَال تصرفي كنت الزم الصِّحَّة ولي على الْوَزير حُقُوق مثله لَا ينساها وَلَوْلَا تحجينه لي لقد كنت اظهر خُطُوطًا لَهُ عِنْدِي قبل هَذِه الْحَال وَمَا اريد من رعايتها الا السَّلامَة وان كَانَ يعْتَقد انني ورثت من ابي مَالا فاننا كُنَّا جمَاعَة اولاد وَلَو كَانَ شىء لتقاسمناه
стр. 75
فَقَالَ ابْن مقلة للخصيبي عاقبه فَعُوقِبَ فَلم يذعن فَقَالَ اضربوا عُنُقه فَقَالَ للسياف وجهني الى الْقبْلَة وَأخذ يتَشَهَّد
فَقَالَ مونس وَقد بلغه الْخَبَر اي طَرِيق لَك على رجل لم يعْمل مُنْذُ سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وتوسط امْرَهْ على عشرَة الاف دِينَار وَصَرفه الى منزله
وتوسط ابْن شيرزاد حَال هَارُون بن غَرِيب على مصادرة بثلاثمائة الف دِينَار وعنى بِهِ مونس المظفر فَقبلت مصادرته وقلدا اعمال مَاء الْكُوفَة وماسبذان
وَكَانَ هَارُون بواسط ففارقه عبد الواحد ابْن المقتدر وَمُحَمّد بن ياقوت وابناء رايق وسرور ومفلح وقصدوا السوس واخربوا الْبِلَاد فِي طريقهم وَأَقَامُوا بسوق الاهواز فنفذ لحربهم بليق (١)
وَانْحَدَرَ بدر الخرشني فِي المَاء
وكوتب احْمَد بن نصر القشوري وَهُوَ يتقلد الْبَصْرَة للمسير مَعَه
فَلَمَّا تحصلت الجيوش بواسط تغير أَصْحَاب ابْن ياقوت (٢) عَلَيْهِ وَصَاحب البريدي بليق وَضمن تستر عسكره وَعمل بالاهواز كل عَظِيم من المصادرات واخذ الامتعة وأتى بعده البريدي فَعمل كعمله
وَقَالَ ابو عبد الله البريدي لما رَأَيْت انحلال امْر بليق (١) هَمَمْت بالتغلب وَصَارَ بَين مُحَمَّد بن ياقوت وبليق نهر فَحلف بليق لمُحَمد بَان لَا يَنَالهُ من جِهَته سوء اذا عبر اليه فَعبر اليه مُحَمَّد فِي غُلَام وَاحِد وَانْفَرَدَ وَحلف كل وَاحِد مِنْهُمَا لصَاحبه فاصطلحا على ان يَسِيرا الى الحضرة وَيكون بَينهمَا منزل
وَأَشَارَ البريدي عَليّ ابْن الطَّبَرِيّ كَاتب بليق (٣) بَان يُخَاطب استاذه فِي الْقَبْض على مُحَمَّد فَلَمَّا خاطبه قَالَ مَا كنت لاخفر (٤) امانتي
وَخلف بليق بتستر (٥) البريدي فَعمل بهَا كل قَبِيح
ورحل ابْن ياقوت وَتَبعهُ بليق الى مَدِينَة السّلم فَلَمَّا دخل بليق خلع القاهر عَلَيْهِ وطوفه وسوره واطلق املاك ابْن رائق وَمُحَمّد بن ياقوت ومفلح وسرور
следующие страницы →