Полный текст (237 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
كتاب تَكْمِلَة الطَّبَرِيّ =
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اما بعد الْحَمد الله الَّذِي وفقنا لهدايته ووهب لنا التَّمَسُّك بِشَرِيعَتِهِ وَالصَّلَاة على نبيه مُحَمَّد الَّذِي اخْتَارَهُ لرسالته وفضله بنبوءته ﷺ وَالدُّعَاء لمن الدُّنْيَا مهناة بمصادفة سُلْطَانه والفضائل مستفيدة من تيامن احسانه والدهر مفتخر بِحُصُول عنانه فِي يَدَيْهِ ومثوله فِي جملَة العبيد لَدَيْهِ سيدنَا ومولانا الامام المستظهر بِاللَّه امير الْمُؤمنِينَ لَا زَالَ سُلْطَانه باذخ الْمَكَان راسخ الاركان وايامه رفيعة الْعِمَاد منيعة الْبِلَاد ليؤرخ من مناقبها مَالا تتَعَلَّق النُّجُوم باذياله وتقصر عين الزَّمَان عَن شِمَاله
فان علم التَّارِيخ رغب فِي الِاطِّلَاع عَلَيْهِ سادة الامم والقبائل واهل المحامد والفضائل الائمة من ولد الْعَبَّاس رضوَان الله عَلَيْهِم وهى الاسرة الطاهرة والدوحة الزاهرة هداة الاعلام وشموس الاسلام وَكَانُوا اكثر الْخلق رِوَايَة لمن تقدمهم واثار من كَانَ قبلهم فَمَا كَانَ فِي ذَلِك من استقامة فى الاحوال كَانَ بِالنعَم مذكرا وَمَا شاهدوا فِيهِ من الاختلال كَانَ منبها ومنذرا
وَقد روى ان رجلا سَالَ سعيد بن الْمسيب رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَقَالَ رايت رَسُول الله ﷺ فِي مَنَامِي (٣ / ٤) فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا ان الله بعث نبيه ﷺ بشيرا وَنَذِيرا فَمن كَانَ على خير بشره وامره بِالزِّيَادَةِ وَمن كَانَ شَرّ حذره وامره بِالتَّوْبَةِ
والاطلاع فِي اخبار النَّاس مرْآة النَّاظر تصدق عَن المحاسن والمقابح ويهذب ذَوي البصائر والقرائح وَبهَا يذكر الله تَعَالَى من عباده مَا يرَاهُ اهلا لذكره ومستوجبا لكريم ثَوَابه واجره
هُنَا الْمَنْصُور رضى الله عَنهُ وَهُوَ باذل الائمة وكافل الامة قَالَ لاصحابه الْمُلُوك اربعة مُعَاوِيَة وَكَفاهُ زياده (١) وعبد الملك وَكَفاهُ حجاجا وَهِشَام وَكَفاهُ موَالِيه وانا وَلَا كَافِي لي واجماله لذَلِك استنهاض مِنْهُ لَهُم على معرفَة اخبارهم
وَهَذَا الْمهْدي ﵀ عَلَيْهِ لما حج فِي سنة سِتِّينَ وَمِائَة جعل ينظر الى بِنَاء
стр. 3
الوليدبن عبد الملك وَاخْبَرْ اصحابه بسيرته فِي بنائِهِ وان النَّاس لهجوا فِي ايامه بِالْبِنَاءِ وَشرح لَهُم امور بني امية حَتَّى اخبرهم باحتجاج الْوَلِيد بن يزِيد على هِشَام حِين انكر عَلَيْهِ الاسراف فِي ثمن عمَامَته فَقَالَ لَهُ انت ابتعت جَارِيَة باضعاف ذَلِك لاخس اطرافك فَمَا تنكر من ابتياعي هَذِه لاكرم اطرافي
وَاخْبَرْ عَن عمر بن عبد العزيز ﵀ قَالَ لَو كنت فِي قتلة الْحُسَيْن بن عَليّ ﵉ ثمَّ امرت بِدُخُول الْجنَّة لم افْعَل حَيَاء ان تقع عَيْني فِي عين مُحَمَّد ﷺ
وَهَذَا الْهَادِي (١) رضوَان الله عَلَيْهِ اخبر عَن السندي بن شاهك قَالَ كنت مَعَه بجرجان فَسمع بَين بساتينها صَوت رجل يتَغَنَّى فامر باحضاره فَقلت لَهُ مَا اشبه قصَّة هَذَا الجائي بِقصَّة صَاحب سُلَيْمَان بن عبد الملك فَقَالَ وَمَا ذَاك فَقلت خرج سُلَيْمَان فِي منزه لَهُ مَعَ حرمه فَسمع صَوت رجل يتَغَنَّى فَدَعَا صَاحب شرطته وَقَالَ عَليّ بِصَاحِب الصَّوْت فاتى بِهِ فَقَالَ لَهُ مَا حملك على الْغناء وانت على الْقرب منى وبجانب حرمي اما علمت ان الْفرس يصهل فتستفاي (٢) لَهُ الرماك (٣) وان الْحمار ليعشر فتودق لَهُ الاتن وان اليبس (٤) ليهب فتزعج لَهُ الْغنم وان الرجل يُغني فتغتلم (٥) الْمَرْأَة يَا غُلَام جبه فجبه
فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل رَجَعَ سُلَيْمَان الى ذَلِك الْمنزل فَذكر الرجل وَمَا صنع بِهِ فَقَالَ لصَاحب شرطته عَليّ بِالرجلِ الَّذِي جببته ان كَانَ حَيا فاتاه بِهِ فَقَالَ لَهُ اما بِعْت فوفيناك واما وهبت فكافيناك فَمَا دَعَاهُ الرجل الا باسمه وَقَالَ يَا سُلَيْمَان قطعت نسلي وَذَهَبت بِمَاء وَجْهي وحرمتني لذتي ثمَّ تَقول اما بِعْت واما وهبت لَا وَالله حَتَّى اقف بَين يَدي الله (٦) فَقَالَ الْهَادِي لصَاحب الشرطة لَا تعرض للرجل
وَكَانَ الرشيد رضوَان الله عَلَيْهِ فِي بعض اسفاره وَقد نزل الثَّلج فاذاه فَقَالَ لَهُ بعض اصحابه الى مَتى سهرك يَا امير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ اسْكُتْ للرعية الْمَنَام وعلينا الْقيام وَلَا بُد لِلرَّاعِي من حراسة الاغنام
وَقد روى قطن بن وهب عَن ابيه ان عمر بن الْخطاب امير الْمُؤمنِينَ رضى الله عَنهُ انه (٧) اجتاز فِي بعض اسفاره على صَاحب غنم فَقَالَ يَا ذَا الرجل ان كل
стр. 4
رَاع مسؤول عَن رَعيته واني رايت فِي الْمَكَان الْفُلَانِيّ عشبا امثل من موضعك ثمَّ اثنى عل عمر رضى الله عَنهُ وَذكر سيرته يَقُول الشَّاعِر فِيهِ ... غضِبت لغضبتك القواطع والقنا ... لما نهضت لنصرة الاسلام
نَامُوا فِي كنف لعدلك وَاسع ... وسهرت تحرس غَفلَة النّوم ...
وَلَو تتبعت امثال هَذَا لاطلت وَلم ار اجْمَعْ لهَذَا الْعلم من كتاب مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ فرايت ان اضيف إِلَيْهِ مجموعا عولت فِيهِ على مَا نقلته من تصانيف المؤرخين وتاليف الْمُحَقِّقين كالصولي والتنوخي والخطيب ابي بكر احْمَد بن ثَابت الْمُحدث وابي اسحاق الصابي واولاده وَابْن سِنَان وَغير هؤلاؤ واضفت الى ذَلِك مَا حفظته من شعر الشُّعَرَاء وحكايات الْعلمَاء وَتشهد بِالْحَال واختصرته بجهدي ولخصته بِحَسب طاقتي واقتصرت فِيهِ على الامور الْمَشْهُورَة والاحوال السائرة الماثورة وختمته ببيعة سيدنَا ومولانا الامام المستظهر بِاللَّه امير الْمُؤمنِينَ الَّذِي قضى حق الله فِي بريته وارتسم امْرَهْ فِي رَعيته فَمن نظر فِي فضائله داوى فكره العليل وشحذ طبعه الكليل وَمَا من اُحْدُ اوتي ذخيرة تَحْصِيل وبصيرة راي اصيل يبدع فِي تدوين مناقبه وَلَا يغرب فِي اثبات فضائله وَمن قصر فِي جمعهَا فَلهُ فِي انعام المتامل لذَلِك مجَال يَحْرُسهُ عَن الم التقريع وثقته بفصح النَّاظر تغني عَن التبذل والمعاذير
فالرغبة الى الله تَعَالَى فِي ان يمد ظلال ايامه الَّتِى بهَا اعتدل المائل وارتدع الْجَاهِل وامن السابل وَقصر المتطاول وان يَجْعَل لَهُ من سيدنَا ومولانا عُمْدَة الدّين عضدا ينوء بقوتها ويدا يَسْطُوا ببسطتها وان يبلغهُ مِنْهُ قاصية الايثار وبنيله مِنْهُ غَايَة الِاخْتِيَار وتبديد اعدائه تَحت الذلة وَالصغَار والخيبة والخسار لَا يعتصمون بعصمة الا اباح الله حوزتها وَلَا يعتضدون بفرقة الا شتت الله كلمتها
وَمن نظر فِي عَزمَات سيدنَا ومولانا الامام المستظهر بِاللَّه امير الْمُؤمنِينَ رضوَان الله عَلَيْهِ وعَلى ابائه الطاهرين وابنائه الاكرمين علم انها تاتي بِمَا لم يقرع الاسماع من قبلهَا وَلَا عثر فِي السّير بِمِثْلِهَا وَتحقّق انها ابعد مجدا وان كَانَت اقْربْ عهدا وارفع عمادا وان كَانَت احدث ميلادا فحفظ الله على الدُّنْيَا سياسته على اهلها حسن رافته حَتَّى تضع لَهُ الدُّنْيَا خدودها ضارعة وتستجب لامره سامعة طَائِعَة انه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ بمنه ولطفه
وَلما ختم ابْن جرير تَارِيخه (١) سنة اثْنَيْنِ وثلاثمائة وَهِي السّنة السَّابِعَة من خلَافَة المقتدر بِاللَّه رضى الله عَنهُ واشار الى الامور اشارة خُفْيَة رايت ان ابتدي بخلافته وَوقت بيعَته وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
стр. 5
خلَافَة المقتدر بِاللَّه (١)
مُدَّة خلَافَة المقتدر بِاللَّه ابي الْفضل جَعْفَر بن المعتضد بِاللَّه اربعة وَعِشْرُونَ سنة وَعشرَة ايام ومولده لثمان بَقينَ من شهر رَمَضَان سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ٨٩٥ وَلم يل الْخلَافَة اصغر سنة مِنْهُ (٢)
وَليهَا وَسنة ثَلَاث عشرَة سنة وشهرا وَاحِدًا وَعِشْرُونَ يَوْمًا بُويِعَ (٣) لَهُ لما مَاتَ المكتفي (٤) بِاللَّه ابو احْمَد الْعَبَّاس بن الْحسن وَكَانَ قد مَال الى تَقْرِير الامر لعبد الله بن المعتز بمشورة ابي عبد الله مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح فَثنى رايه عَن ذَلِك ابْن الْفُرَات وَقَالَ ان ابْن المعتز يخبر نعم اصحاب السُّلْطَان وَيعرف اسرارهم وذخائرهم وَقد خالط النَّاس وَفهم امورهم فعينه ممتدة الى مَا فِي ايديهم وان كَانَ جَعْفَر بن المعتضد بِاللَّه صغبرا فانت تديره فقرر ذَلِك فِي نَفسه
وَلما مَاتَ المكتفي بِاللَّه (٥) انفذ الْوَزير الْعَبَّاس بن الْحسن بصافي الحرمي الى دَار ابْن طَاهِر والمقتدر بِاللَّه فاحدره الى دَار الْخلَافَة واجتازت الحراقة (٦) على دَار الْوَزير فامر الْوَزير غلمانه فَنَادوا الملاحين بِالدُّخُولِ ليغير زيه فَظن صافي ان ذَلِك لتغير راي فِيهِ فَجرد سَيْفه على الملاح وامره ان لَا يعرج على مَكَان غير دَار الْخلَافَة (٧)
وبويع حِينَئِذٍ على صَلَاة الاستخارة واطال الدُّعَاء وَكَانَ الْعَبَّاس بن الْحسن قد عول على ان ينصب فِي الْخلَافَة ابا عبد الله بن الْمُعْتَمد على الله أَو ابا الْخَيْر بن المتَوَكل على الله فماتا مختلسين
стр. 6
سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
قد ذكرت ميل ابي عبد الله مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح صَاحب الدِّيوَان الى ابْن المعتز فَلَمَّا لم يجد عِنْد الْوَزير مَا يُريدهُ عدل الى الْحسن بن حمدَان فاشار عَلَيْهِ بالمعاضدة على فسخ (١) امْر المقتدر بِاللَّه وتمهيد حَال ابْن المعتز وبادر الْحُسَيْن (٢) بن حمدَان الى الْوَزير الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَقد ركب من دَاره بدرب عمار عِنْد الثريا الى بستانه الْمَعْرُوف ببستان الْورْد عِنْد مقسم المَاء فاعترضه بِالسَّيْفِ فَقتله وَقتل مَعَه فاتكا المعتضدي وَكَانَ المقتدر بِاللَّه قد ركب لمشاهدة اجراء الْخَيل فَسمع الضجة فبادر الى الدَّار وَكَانَ الْحُسَيْن قد قصد للفتك بِهِ واغلقت الابواب دونه فَانْصَرف الى المخرم وَجلسَ فِي دَار سُلَيْمَان بن وهب وَعبر اليه ابْن المعتز وَكَانَ نزل بداره على الصراة وَحضر ارباب الدولة من الْكتاب والقواد ولاقضاة فَبَايعُوهُ ولقبوه المرتضى بِاللَّه
واستخفى ابْن الْفُرَات واستوزر ابْن المعتز ابْن الْجراح وَمضى ابْن حمدَان الى دَار الْخلَافَة فقابله (٣) الخدم والغلمان على سورها ودفعوه
وَكَانَ مَعَ المقتدر بِاللَّه غَرِيب الْحَال (٤) ومونس الْخَادِم الَّذِي لقبه بالمظفر ومونس الخازن
وَلما جن اللَّيْل مضى ابْن حمدَان باهله وَمَاله واصعد الى الْموصل واصعد غَرِيب الْخَال ومونس المظفر فِي الزبازب الى المخرم فهرب النَّاس من عِنْد ابْن المعتز وَخرج وَحده واستجار بِابْن الْجَصَّاص
واستتر عَليّ بن عِيسَى وَابْن الْجراح عِنْد بقلى فاخرجهما الْعَامَّة وسبوهما وسلموهما إِلَى خَادِم اجتاز بهم فحملهما على بغل
وَقتل مونس المظفر جَمِيع من بَايع ابْن المعتز غير عَليّ بن عِيسَى وَابْن عبدون والقاضى مُحَمَّد بن خلف بن وَكِيع
وانفذ المقتدر بِاللَّه مونسا الخازن لطلب ابْن الْفُرَات وَكَانَ قد استتر عِنْد جِيرَانه فَكَتَمُوهُ امْرَهْ فَحلف لَهُم ان السُّلْطَان يُرِيد ان يستوزره فاظهروه وَحمله الى الْخَلِيفَة فولاه وزارته
стр. 7
ونم خَادِم (١) لِابْنِ الْجَصَّاص بِخَبَر ابْن المعتز الى صافي الحرمي فكبس عَلَيْهِ واخذه واخذ ابْن الْجَصَّاص مَعَه فصودر على اموال جمة وسال ابْن الْفُرَات فِيهِ
واستنقذ ابْن الْفُرَات عَليّ بن عِيسَى وَمُحَمّد بن وَكِيع القاضى وَابْن عبدون وَنفى ابْن عبدون الى الاهواز وَنفى عليا بن عِيسَى الى وَاسِط فَلَمَّا حصلا بالموضوعين قرر سوسن مَعَ المقتدر بِاللَّه احضار ابْن عبدون وتوليته الوزارة
فَلَمَّا حصل بواسط بلغ ذَلِك ابْن الْفُرَات فاغرى المقتدر سوسن حَتَّى قَتله وانفد الى عبدون من صادره واعتقله وَكتب عَليّ بن عِيسَى الى ابْن الْفُرَات يساله (٢) ابعاده الى مَكَّة ليزول (٣) عَنهُ التهم فَفعل وَسَار اليها على طَرِيق الْبَصْرَة
وَظهر موت ابْن المعتز (٤) فَسلم الى اهله مَيتا (٥)
وَكَانَ ابْن الْجراح مستترا وعزم ابْن الْفُرَات على التَّوَصُّل الى الصفح عَنهُ واتاه رجل برقعته فامره بالاستتار حَتَّى يدبر طَرِيق الْعَفو عَن جرمه الْعَظِيم واعلمه ان صافي الحرمي يعاديه فَلم يصبر ابْن الْجراح فتتبعت امْرَأَة نَصْرَانِيَّة كَانَت تحمل رقاعة فاخذ وَحمل الى مونس فَقتله
واتى ابْن الْفُرَات رجل فاخبره انه يعرف مَكَانَهُ فَقَالَ ان كَانَ هَذَا صَحِيحا فلك الف دِينَار والا عوقبت لكذبك الف سَوط فرضى وامر ابْن الْفُرَات حاجبا لَهُ بمراسلته ليبعد عَن الْمَكَان الَّذِي هُوَ فِيهِ مستتر
فَلَمَّا علم انه قد تَركه وَمضى الى غَيره انفذ بالساعي بِهِ مَعَ صَاحب الشرطة فَلم يجدوه فامر ابْن الْفُرَات بِضَرْب السَّاعِي مِائَتي سَوط واشهاره والنداء على نَفسه وَهَذَا جَزَاء من يسْعَى بِالْبَاطِلِ ثمَّ امْر لَهُ بِمِائَتي دِينَار ونفاه الى الْبَصْرَة سرا وَقَالَ لَو لم افْعَل هَذَا بِهِ سعى لي الى الْخَلِيفَة بانني توانيت فِي امْرَهْ
واما ابو عمر القاضى فَسَأَلَ فِيهِ ابوه يُوسُف بن يَعْقُوب القاضى فاحترم لكبر سنه وادى عَنهُ مائَة الف دِينَار على ان يلازم منزله
وانفذ الْخَلِيفَة بالقسم بن سيماء وابي الهيجاء (٦) بن حمدَان لمحاربة اخيه الْحُسَيْن
стр. 8
ابْن حمدَان فهزمهما ودبر ابْن الْفُرَات حَتَّى كتب لَهُ امانا وولاه قُم
وَفِي هَذِه السّنة قلد يُوسُف ابْن ابي الساج اعمال اذربيجان وارمينية على ان يحمل بعد اعطاء الْجند والنفقات مائَة وَعشْرين الف دِينَار فِي السّنة
وَقدم بارس غُلَام اسماعيل بن احْمَد صَاحب خُرَاسَان فِي اربعة الاف تركيا مفارقا لصَاحبه فقلد ديار (١) ربيعَة
وَكَانَ للوزير الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن ابْن كنيته ابو جَعْفَر واسْمه مُحَمَّد فَمضى بعد قتل ابيه الى بخارا واقام عِنْد الْمُلُوك السامانية وَمن شعره ... لَئِن اصبحت مَنْبُوذًا ... باطراف خُرَاسَان
ومجفوا نبت عَن ... لَذَّة التغميض اجفاني (٢)
... ومحمولا على الصعبة ... من اعراض سُلْطَان
ومخصوصا بحرمان ... من الاعيان اعياني
ومكلوما باظفار ... ومكدوما باسنان
وملقى بَين اخفاف ... واظلاف توطاني
وَمَا دنى الى حق (٣)
هُوَ عني عطفه ثَانِي
سوى اني ارى فِي الْفضل ... فَردا لَيْسَ لي ثَانِي
كَانَ الْمجد اذ اكشفه ... عني كَانَ غطاني
ساسترفد صبري ... انه من خير اعواني
واستنجد عزمي ... انه والحزم سيان
وانضو الْهم من قلبِي ... وان أنضيت حثماني
وانجو انتجاي ان ... قَضَاء الله نجاني
الى ارضى الَّتِي ارضى ... وترضينى وترضاني
فان سلمنى الله ... وبالصنع تولاني
واوطاني اوطاني ... واعطاني اعطاني
واخلى ذرعي الدَّهْر ... وخلاني وخلاني
فَانِي لَا اجد الْعود ... مَا عَاد الجديدان ...
стр. 9
.. الى الغربة حَتَّى ... تغرب الشَّمْس مَعَ (١) بشرفان
فان غَدَتْ لَهَا يَوْمًا ... فسجاني فسجاني
وللموت الْوَحْي الاحمر ... القاني القاني ...
وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَقد سَاءَ خلقه بعلو سنه ... يَا ابا احْمَد لَا تحسن ... بايامك ظنا
فاحذر الدَّهْر فكم ... اهلك املاكا فافنى (٢)
... كم راينا من وَزِير ... صَار فِي الاجداث رهنا
ايْنَ من كنت تراهم ... درجوا قرنا فقرنا
فتجنب مركب الْكبر ... وَقل للنَّاس حسنا
رُبمَا امسى بعزل ... من باصباح يهنى
وقبيح بمطاع الامر ... الا يتاني
ارتك النَّاس وايامك ... فيهم تتمنى ...
قَالَ جحظة اضقت مرّة اضاقة شَدِيدَة فَجَلَست مَعَ الملاح ومعى طنبوري وانحدرت حَتَّى دَار الوزارة بالمخرم والوزير اذ ذَاك الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَالسَّمَاء متغيمة والستائر مَنْصُوبَة وَالْمَاء زَائِد على نَيف وَعشْرين ذِرَاعا فامرت الملاح فَشد السميرية (٣) فِي الروشن وغنيته ... عللاني بجامة وبطاس ... قهوة من ذخاير الشماس
سقياني فقد صرفت صروف ... الدَّهْر عني بدولة الْعَبَّاس
ملك ينثر الثمين من الدّرّ ... بالفاظه على القرطاس ...
فامر بِي فاصعدت وامر لي بالفي دِينَار
سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا انفذ طريف (٤) السبكري مقلد فَارس مَعَ كَاتبه الْفضل عبد الرحمن ابْن جَعْفَر الشرازي طَاهِرا وَيَعْقُوب بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن اللَّيْث الصفار وَكَانَ قد امرهما ثمَّ عزم طريف السبكري على الْخلاف فانفذ اليه ابْن الْفُرَات مونسا مصالحة على عشرَة الاف الف دِرْهَم فَلم يرض بذلك ابْن الْفُرَات وانفذ اليه جَيْشًا وَمَعَهُ مُحَمَّد بن جَعْفَر
стр. 10
العبرتاني فواقعوا طريف السبكري على بَاب شيراز فهزموه الى سجستان فَأسرهُ احْمَد بن اسماعيل واسر مَعَه بعض بنى عَمْرو بن اللَّيْث وانفذهما الى بَغْدَاد
وَتُوفِّي العبرتاني (١) (بِفَارِس فقلد مَكَانَهُ عبد الله بن ابراهيم المسمعي
وفيهَا غرقت فَاطِمَة القهرمانة فِي طيارها تَحت الجسر فِي يَوْم ريح عاصف فَحَضَرَ صهرها بنى (٢) بن النفيس جنازتها وَجعلت السيدة مَكَانهَا ام مُوسَى
سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا اعتل صافي الحرمي (٣) ووهب دَاره بقصر عِيسَى لغلامه قَاسم وابراه من كل امْر وَمَات فَحمل الى ابْن الْفُرَات من مَاله مائَة وَعِشْرُونَ الف دِينَار وَسَبْعمائة منْطقَة ذَهَبا وَفِضة فحملها ابْن الْفُرَات الى المقتدر بِاللَّه فاقره مرتبَة استاذه
وَولى غَرِيب الْخَال مَا كَانَ يتقلده صافي من الثغور الشامية
وَفِي هَذِه السّنة مَاتَ المظفر بن حَامِد امير الْيمن وَحمل الى مَكَّة فَدفن بهَا وَكَانَ ملاحظ قد انفذه الْخَلِيفَة مدَدا فَتَوَلّى مَكَانَهُ
وَفِي هَذِه السّنة توفّي احْمَد بن ابي عَوْف وشارعه فِي الْجَانِب الغربي مَعْرُوف وَكَانَ اُحْدُ الْعُدُول وَتُوفِّي وسنه نَيف وَثَمَانُونَ سنة
وَقَالَ اصابني هم لم اعرف سَببه فِي بعض الايام فَخرجت الى بُسْتَان لي على نهر عِيسَى فاجتاز بِي ركابي ثمَّ وقف فِي ظلّ شَجَرَة فتقدمت لَهُ بِمَا ياكله لانني رايته والجوع غَالب عَلَيْهِ فاكل ثمَّ نَام فاخذت الْكيس الَّذِي فِيهِ كتبه فاذا فِيهِ كتاب التُّجَّار من الرقة الى اصدقائهم بِبَغْدَاد ومعارفهم يامرونهم بشرَاء كل زَيْت بِبَغْدَاد ويخبرونهم انه مَعْدُوم عِنْدهم فبادرت وامرت وكلائي بابتياع مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ من الزَّيْت فابتيع الى اخر النَّهَار بِعشْرَة الاف دِينَار وَكنت قد وعدت الركابي بدينارين ان اقام ليلته عِنْدِي وَلم اعرفه السَّبَب وَلم يبت بِبَغْدَاد زَيْت لغيري فَلَمَّا اصبحت سرحت الركابي وانتشر الَّذين وصلت الْكتب اليهم فِي طلب الزين فَلم يجدوه فاربحوني فِي كل دِرْهَم درهما فَعلمت انه انما كَانَ خروجي الى الْبُسْتَان لاحوز عشرَة الاف دِينَار من غير مشقة
стр. 11
وَفِي هَذِه السّنة توفّي مُحَمَّد بن دَاوُد الاصبهاني الْفَقِيه (١) صَاحب الْكتاب الْمَعْرُوف بالزهرة (٢)
حكى الشَّيْخ ابو اسحاق الشِّيرَازِيّ فِي كتاب الْفُقَهَاء عَن القاضى ابي الطّيب الطَّبَرِيّ عَن ابي الْعَبَّاس الخضري قَالَ كنت جَالِسا عِنْد ابْن دَاوُد فَاتَتْهُ امْرَأَة فَقَالَت مَا تَقول فِي رجل لَهُ زَوْجَة لَا هُوَ ممسكها وَلَا هُوَ مُطلقهَا فَقَالَ ابو بكر قد اخْتلف اهل الْعلم فِي ذَلِك فَقَالَ قَائِلُونَ يُؤمر بِالصبرِ والاحتساب وَيبْعَث على الطّلب والاكتساب وقائلون يُؤمر بالانفاق وَلَا يحمل على الطَّلَاق فَلم تفهم الْمَرْأَة فاعادت مسئلتها فَقَالَ يَا هَذِه قد اجبتك الى مسئلتك وارشدتك الى طلبتك وَلست بسُلْطَان فامضى وَلَا زوج فارضى وَلَا قَاض فاقضى فَذَهَبت الْمَرْأَة وَلم تعرف مَا قَوْله
وَلما مَاتَ ابوه قَالَ الشَّيْخ ابو اسحاق فِي كتاب الْفُقَهَاء كَانَ يحضر مجْلِس دَاوُد اربعمائة صَاحب طيلسان احْتضرَ فَجَلَسَ مُحَمَّد مَكَانَهُ فاستصغره النَّاس فسالوه عَن حد السكر فَقَالَ مبادر حد السكر ان تعزب عَنهُ الهموم وان يبوح من سره المكتوم فَعَلمُوا نجابته حِينَئِذٍ (٣)
وَكَانَ يهوى مُحَمَّد بن جَامع ولاجله صنف كتاب الزهرة وَكَانَ مُحَمَّد بن جَامع من احسن النَّاس واكثرهم مَالا وَلَا يعرف معشوق كَانَ ينْفق الاموال على عاشق الا ابْن جَامع مَعَ ابْن دَاوُد
قَالَ الْخَطِيب فِي تَارِيخه (٤) وَخرج ابْن جَامع من الْحمام فاخذ الْمرْآة فَنظر الى وَجهه فغطاه وَركب الى ابْن دَاوُد فَلَمَّا رَآهُ مغطى الْوَجْه قَالَ لَهُ مَا الْخَبَر وَخَافَ ان يكون قد لحقته آفَة فَقَالَ رايت وجهى فِي الْمرْآة فغطيته واحببت ان لَا يرَاهُ اُحْدُ قبلك فغشى على مُحَمَّد بن دَاوُد
وَحضر ابْن دَاوُد وَابْن سُرَيج مجْلِس ابي عمر القاضى فتكلما فِي مسئلة الْعود فَقَالَ ابْن سُرَيج عَلَيْك بِكِتَاب الزهرة فَقَالَ ابو (٥) دَاوُد أبكتاب الزهرة تعيرني وانا اقول فِيهِ
стр. 12
.. اكرر فِي روض المحاسن وَجهه (١)
وامنع نَفسِي ان تنَال المحرما (٢)
... وينطق سري عَن مترجم خاطري ... فلولا اختلاسي رده لتكلما
رايت الْهوى دَعْوَى من النَّاس كلهم ... فَمَا ان ارى حبا صَحِيحا مُسلما ... فَقَالَ ابْن سُرَيج اَوْ عَليّ مفخر بِهَذَا القَوْل وانا الَّذِي اقول ... ومساهر بالغنج من لحظاته ... قد بت امنعه لذيذ سباته
ضنا (٣) لحسن حَدِيثه وعتابه ... واكرر اللحظات فِي وجناته
حَتَّى اذا مَا الصُّبْح لَاحَ عموده ... ولى بِخَاتم ربه وبراته ...
فَقَالَ ابْن دَاوُد لابي عمر ايد الله القاضى قد اقر بِالْبَيْتِ وَادّعى الْبَرَاءَة فَمَا توجبه قَالَ ابْن سُرَيج من مذهبي ان الْمقر اذا اقر اقرارا وناطه بِصفة كَانَ اقراره موكلا الى الصّفة فَقَالَ ابْن دَاوُد للشَّافِعِيّ فِي هَذِه المسئلة قَولَانِ فَقَالَ ابْن سُرَيج فَهَذَا القَوْل الَّذِي قلته اخْتِيَاري السَّاعَة
سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا قبض ابْن الْفُرَات (٤) وهتكت حرمه ونهبت دوره (٥) ودور اسبابه فَكَانَ صَاحب الشرطة مونس الخازن الْمَعْرُوف بالفحل تَحت يَده تِسْعَة الاف فَارس وراجل واذا كثر النهب وَعظم الْخطب يركب فيسكن المنتهبون عِنْد ركُوبه ويعودون الى النهب عِنْد نُزُوله ودام ذَلِك ثَلَاثَة ايام بلياليها
وتقلد بعده ابو عَليّ مُحَمَّد بن عبيد بن يحيى بن خاقَان الوزارة وَكَانَ ابو عَليّ (٦) يتقلد ديوَان الضّيَاع بعد وَفَاة ابيه فِي وزارة الْحسن بن مخلد
وَكَانَت ام مُوسَى القهرمانية تعنى بِابْني ابي الْبَغْل فولى ابا الْحسن مِنْهُمَا اصبهان وَولى الآخر الصُّلْح وَالْمبَارك
وَكَانَ ابْن الْفُرَات قد نفى ابا الْهَيْثَم الْعَبَّاس بن ثوابة الى الْموصل لِقَرَابَتِهِ من ابْن عبدون فاستدعاه ابْن الخاقاني وقلده مصادره بني الْفُرَات فاسرف فِي الْمَكْرُوه بهم وَغلب على الاحوال
стр. 13
وَكَانَ فِي احوال الخاقاني تنَاقض وَكَانَ يتَقرَّب الى الْعَامَّة فانحدر يَوْمًا فِي زبزبه الى دَار السُّلْطَان فراى جمَاعَة من الملاحين يصلونَ على دجلة فَصَعدَ وَصلى مَعَهم
وَولى ابْنه عرض الْكتب على الْخَلِيفَة (١) وَكَانَ مدمنا للشُّرْب ففسدت الامور بذلك وَكَانَ اولاده وَكتابه مرتفقون من الْعمَّال بِمَا يولونهم بِهِ الولايات ثمَّ يعزلونهم اذا راوا مطمعا فَاجْتمع بحلوان فِي خَان بهَا سَبْعَة عُمَّال ولاهم فِي عشْرين يَوْمًا مَاء الْكُوفَة وَكَانَ اذا ساله انسان حَاجَة قَالَ نعم وكرامة ودق صَدره وَكتب الى بعض الْعمَّال الزم وفقك الله الْمِنْهَاج وَاحْذَرْ عواقب الاعوجاج واحمل مَا امكن من الدَّجَاج فَحمل الْعَامِل دجاجا كثيرا وَقَالَ هَذَا دَجَاج وفره بركَة السجع
سنة ثَلَاثمِائَة
طَالب القواد الخاقاني باستحقاقهم فقصر وَاعْتذر فعزم المقتدر بِاللَّه على رد ابْن الْفُرَات فاشار مونس ان يولي عَليّ بن عِيسَى وَذكر ديانته وثقته وَقَالَ يقبح ان يعلم النَّاس ان الضَّرُورَة قادت الى ابْن الْفُرَات للطمع فِي مَاله فامر المقتدر الخاقاني ان يُكَاتب عَليّ بن عِيسَى بالحضور واظهر لَهُ الايثار لاستنابته لَهُ فَكَانَ الخاقاني يَقُول قد استدعيت على بن عِيسَى لينوب عَن عبد الله ابنى فِي الدَّوَاوِين ثمَّ ركب الى دَار السُّلْطَان فَقبض عَلَيْهِ وعَلى اسبابه
سنة احدى وثلاثمائة
قدم فِيهَا عَليّ بن عِيسَى من مَكَّة فقلده المقتدر وزارته وخلع عَلَيْهِ وَسلم الخاقاني اليه فصادره واسبابه مصادرة قريبَة وصان حرم الخاقاني
وَاعْتمد على عَليّ بن عِيسَى مَا اشْتهر عَنهُ من افاضة الْمَعْرُوف وَعمارَة الثغور والجوامع والمارستانات فِي سَائِر الاوقات ورد الْمَظَالِم بهَا وَكتب فِي ذَلِك كتابا اوله بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم (٢) سَبِيل مَا يرفعهُ اليك كل وَاحِد من المتظلمين قبل النوروز من مظلمته ويدعى انه تلف بالافة من غَلَّته ان تعتمد فِي كشف حَاله على اوثق ثقاتك واصدق كفاتك حَتَّى يَصح لَك امْرَهْ فتزيل الظُّلم عَنهُ وترفعه وتضع الانصاف مَوْضِعه وَتحْتَسب من الْمَظَالِم بِمَا يُوجب الْوُقُوف عَلَيْهِ حَسبه وتستوفى الْخراج بعده من غير مُحَابَاة للاقوياء وَلَا حيف على الضُّعَفَاء واعمل بِمَا رسم لَك مَا يظْهر ويذيع ويشتهر ويشيع وَيكون الْعدْل بِهِ على الرّعية كَامِلا وللانصاف لجميعهم شَامِلًا ان شَاءَ الله
стр. 14
وساس عَليّ بن عِيسَى الدُّنْيَا السياسة الْمَشْهُورَة الَّتِى عمرت الْبِلَاد حَتَّى قَالَ لَهُ ابْن الْفُرَات لما ناظره قد اسقطت من مَال امير الْمُؤمنِينَ خَمْسمِائَة الف دِينَار فِي السّنة فَقَالَ لم استكثر هَذَا الْمِقْدَار فِي جنب مَا حططته عَن امير الْمُؤمنِينَ من الاوزار لانني حططت المكس بِمَكَّة والتكلمة (١) بِفَارِس وجباية الْخُمُور بديار ربيعَة وَلَكِن انْظُر الى نفقاتي ونفقاتك وضياعي وضياعك فاسكته
وزادت فِي ايامه الْعِمَارَة وتضاعفت الزِّرَاعَة حِين كتب اليه عَامله ان قوما (٢) ببادوريا لَا يودون الْخراج فان امرت عاقبناهم فَكتب اليه ان الْخراج دين وَلَا يجب فِيمَن امْتنع من اداء (٣) الدّين غير الْمُلَازمَة فَلَا يَتَعَدَّ (٤) ذَاك الى غَيره وَالسَّلَام
وَمِمَّا اسْتحْسنَ من افعال الخاقاني بعد عَزله ان قوما زوروا عَلَيْهِ باطلاقات ومساحات فانفذ بهَا عَليّ بن عِيسَى يساله عَنْهَا ليمضى مِنْهَا مَا اعْترف بِهِ فصادفه الرَّسُول يُصَلِّي فَلَمَّا راى ابْنه يتامل التوقيعات قطع صلَاته وَقَالَ هَذِه توقيعاتي صَحِيحَة والوزير يرى رايه فيمضى مَا آثر مِنْهَا ويعرض عَليّ مَا مَا احب مِنْهَا والتفت الى ابْنه حِين خرج الرَّسُول فَقَالَ اردت أَن تتبغض الى النَّاس فنكون السَّبَب فِي رد مَا تضمنته ويتنزه عَليّ بن عِيسَى من ذَلِك فَلم لَا نتحبب بالاعتراف بهَا فان امضاها حمدنا وان ردهَا عذرنا (٥)
وَقصد القواد عَليّ بن عِيسَى باسقاطه الزِّيَادَات الَّتِى زَادهَا ابْن الْفُرَات ووقعوا فِيهِ وثلبوه
وَفِي هَذِه السّنة خلع على الامير ابي الْعَبَّاس بن المقتدر وَهُوَ الَّذِي ولي الْخلَافَة ولقب بالراضي واستخلف لَهُ مونس
وفيهَا انفذ عَليّ بن احْمَد الرَّاسِبِي (٦) الْحُسَيْن بن مَنْصُور الحلاج وَقد قبض عَلَيْهِ بالسوس فشهر على جمل بِبَغْدَاد وصلب وَهُوَ حَيّ وَظهر عَنهُ بانه ادّعى انه الله
وَمَات الرَّاسِبِي بعد قَلِيل فاخذ السُّلْطَان من مَاله الف الف دِينَار (٧)
стр. 15
وفيهَا ورد الْخَبَر بَان اسماعيل بن احْمَد صَاحب خُرَاسَان قَتله غلمانه على شاطىء نهر بَلخ وَقَامَ ابْنه ابو الْحسن نصر (١) مقَامه وانفذ اليه الْخَلِيفَة عَهده
وفيهَا ورد الْخَبَر با خَادِمًا صقلابيا لابي سعيد الجنانبي (٢) قَتله وَخرج فَلم يزل يَسْتَدْعِي قائدا قائدا ويقتله حَتَّى قتل جمَاعَة (٣) فَفطن بِهِ النِّسَاء فصحن بالامر فَقَامَ ابو طَاهِر سُلَيْمَان بن الْحسن مقَام ابيه
واتى القرامطه فِي هَذِه السّنة الْبَصْرَة (٤) فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا وَالنَّاس فِي صَلَاة الْجُمُعَة فَقتلُوا الموكلين بِالْبَابِ وَمن خرج اليهم من المطوعة وَبلغ الْخَبَر امير الْبَصْرَة مُحَمَّد بن اسحاق بن ينداحيق (٥) فغلق الابواب (٦)
سنة اثْنَيْنِ وثلاثمائة
ورد فِيهَا كتاب ابي الْحسن نصر بن احْمَد صَاحب خُرَاسَان بانه وَاقع عَمه اسحاق واسره
وَفِي هَذِه السّنة خرج مونس الى مصر وَضم اليه عَليّ بن عِيسَى اخاه عبد الرحمن وقلده كِتَابَته وَذَلِكَ عِنْد سماعهم قرب الْخَارِج بالقيروان وواقعه مونس فَانْهَزَمَ من بَين يَدَيْهِ
وَهَذَا الْخَارِج ذكر الصولي عَن اصحاب النّسَب انه عبيد الله بن عبد الله بن سَالم من اهل عَسْكَر مكرم وجده سَالم قَتله الْمهْدي رضوَان الله عَلَيْهِ على الزندقة
وانفذ ابا عبد الله الصُّوفِي الى الْمغرب فارى النَّاس زهدا وَعبادَة وطرد زِيَادَة الله ابْن عبد الله ابْن الاغلب واتاه عبيد الله فَقَالَ الى هَذَا ادعوكم
فَلَمَّا ظهر عبيد الله شرب الْخمر تبرا الصُّوفِي مِنْهُ فَدس عَلَيْهِ عبيد الله من قَتله وَملك بِلَاد الْمغرب فَهَزَمَهُ مونس وَتصدق المقتدر بِاللَّه عِنْد هزيمته باموال كَثِيرَة
стр. 16
وَفِي هَذِه السّنة صودر ابْن الْجَصَّاص قَالَ الصولي وجد لَهُ بداره بسوق يحيى خَمْسمِائَة سفط من مَتَاع مصر وَوجد فِيهَا جرار خضر وقماقم مدفونة فِيهَا دَنَانِير واخذ مِنْهُ الف الف دِينَار (١) قَالَ الصولي وَحَضَرت مَجْلِسا جرى فِيهِ بَين ابْن الْجَصَّاص وابراهيم بن احْمَد المادراني (٢) حلف فَقَالَ ابراهيم مائَة الف دِينَار من مَالِي صَدَقَة لقد ابطلت فِي الَّذِي حكيته عني فَقَالَ ابْن الْجَصَّاص قفيز دَنَانِير من مَالِي صَدَقَة انني صَادِق وانك مُبْطل فَقَالَ ابْن المادراني من جهلك انك لَا تعلم ان مائَة الف اكثر من قفيز فَانْصَرَفت الى ابي بكر بن ابي حَامِد فاخبرته فَقَالَ نعتبر هَذَا فَاحْضُرْ كجلة (٣) فملاها دَنَانِير ثمَّ وَزنهَا فَكَانَت اربعة الاف فَنَظَرْنَا فاذا القفيز سته وَتسْعُونَ الف دِينَار كَمَا قَالَ المادراني وَكَانَ ابْن الْجَصَّاص قد انفذ لَهُ من مصر مائَة عدل خيشا وَفِي كل عدل الف دِينَار فاخذت ايام نكبته وَتركت بِحَالِهَا وَلما اطلق سَالَ فِيهَا فَردَّتْ عَلَيْهِ فاخذ المَال مِنْهَا وَكَانَ اذا ضَاقَ صَدره اخْرُج جواهرايساوي خمسين الف دِينَار وَتَركه فِي صينية ذهب ويلعب بِهِ فَلَمَّا قبض عَلَيْهِ وكبست دَاره كَانَ الْجَوْهَر فِي حجرَة فَرمى بِهِ الى الْبُسْتَان فَوَقع بَين شَجَرَة فَلَمَّا اطلق فتش عَلَيْهِ فِي الْبُسْتَان وَقد جف نبته وشجره وَهُوَ بِحَالهِ
وَفِي هَذِه السّنة ختن اولاد الْخَلِيفَة (٣) ونثر عَلَيْهِم خَمْسَة الاف دِينَار وَمِائَة الف دِرْهَم وَبَلغت نَفَقَة الطُّهْر سِتّمائَة الف دِينَار وادخلوا الى الْمكتب وَكَانَ مؤدبهم ابو اسحاق ابراهيم بن السّري الزّجاج (٥)
وَفِي هَذِه السّنة غزا أفسن الافشيني فاسر مائَة وَخمسين بطريقا والفي فَارس
وَفِي ذِي الْقعدَة خلع عَليّ ابي الهيجاء بن حمدَان وقلد الْموصل واعمالها
وفيهَا مَاتَت بِدعَة جَارِيَة عريب (٦) وَكَانَ اسحاق بن ايوب قد ضمن لابي الْحسن
стр. 17
عَليّ بن يحيى المنجم عشْرين الف دِينَار ان باعتها عريب مِنْهُ بِمِائَة الف دِينَار فجَاء وخاطبها فاستدعت بِدعَة وخيرتها بَين الْمقَام وَالْبيع فَاخْتَارَتْ الْمقَام فاعتقتها وَلم يملكهَا قطّ رجل (١)
وَفِي هَذِه السّنة توفّي ابو بكر جَعْفَر بن مُحَمَّد الغرياني وَهُوَ مِمَّن طوف شرقا وغربا لسَمَاع الحَدِيث واستقبل لما قدم بَغْدَاد بالطيارات والزبازب واملى بشارع الْمنَار بِبَاب الْكُوفَة فحزر فِي مَجْلِسه ثَلَاثُونَ الْفَا يكْتب مِنْهُم عشرَة الاف وَكَانَ فِي مَجْلِسه ثَلَاثمِائَة وَسِتَّة عشر يستلمون ومولده سنة سبع ومايتين وَدفن بالشونيزي
وَفِي هَذِه السّنة توفّي احْمَد بن عبد العزيز بن طوما الْهَاشِمِي نقيب العباسيين وَولى مَكَانَهُ ابْنه مُحَمَّد وَتُوفِّي هُوَ ابْن اثْنَيْنِ وَتِسْعين سنة وَسمعت ان لَهُ عقبا بالحاذانية ذبابه (٢) البطيحه
سنة ثَلَاث وثلاثمائة
فِيهَا اطلق طريف السبكري من الْحَبْس وخلع عَلَيْهِ خلع الرِّضَا
وَوَقع طَرِيق فِي سوق النجارين بِبَاب الشَّام وَاحْتَرَقَ وطار الشرار فاحرق ستارة جَامع الْمَدِينَة
وَعصى الْحُسَيْن بن حمدَان وَاجْتمعَ مَعَه ثَلَاثُونَ الف رجل من الْعَرَب وَهزمَ رائقا الْكَبِير واقام بازاء جَزِيرَة ابْن عمر
وَورد مونس من مصر وَقد استدعاه عَليّ بن عِيسَى لحرمه فَانْهَزَمَ اصحاب الْحُسَيْن واسره مونس وادخله الى بَغْدَاد وَمَعَهُ ابْنه عبد الوهاب فصلبه حَيا على نقنق (٣) على ظهر فيل وَنَقله ابْنه على جمل والامير ابو الْعَبَّاس والوزير عَليّ بن عِيسَى ومونس وابو الهيجاء بن حمدَان وابراهيم بن حمدَان يَسِيرُونَ بَين يَدَيْهِ وَحبس عِنْد زَيْدَانَ (٤) القهرمانة
وَقبض بعد ذَلِك على ابي الهيجاء واخوته
وَطلب الْجند الزِّيَادَة فزيد الْفَارِس ثَلَاثَة دَنَانِير والراجل خَمْسَة عشر قيراطا (٥)
стр. 18
وَفِي هَذِه السّنة توفّي ابو عَليّ الجبائي (١) ومولده سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ ابو عَليّ شيخ الْمُعْتَزلَة (٢) فِي زَمَانه وَمَات بعسكر مكرم وَحمل الى منزله بجبا وَلما احْتضرَ قَالَ اصحابه من يلقنه التَّوْبَة فَلم يتجاسر اُحْدُ على ذَلِك اعظاما لَهُ فَقَالَ اصغرهم سنا انا القنه وَتقدم وَقَرَأَ ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ ٣ فَفتح ابو عَليّ عَيْنَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اني تائب اليك من كل قَول نصرته كَانَ الصَّوَاب عنْدك غَيره واشتبه عَليّ امْرَهْ فَقَالَ من حَضَره لَو كَانَ (٤) عَليّ ذَنْب غير هَذَا لذكره
وَكَانَ يذهب الى ان حكم النُّجُوم صَحِيح على وَجه وَهُوَ انه يجوز ان يكون الله تَعَالَى اجرى الْعَادة اذا صَار الْكَوْكَب الْفُلَانِيّ الَّذِي جعله الله تَعَالَى وخلقه سَعْدا الى الْموضع الْفُلَانِيّ وَكَانَ كَذَا
وَكَانَ يُنكر على المنجمين ان الْكَوَاكِب تفعل بأنفسها ذَلِك فاجتاز بعسكر مكرم على دَار سمع فِيهَا صَيْحَة لاجل امْرَأَة تَلد فَقَالَ ان صَحَّ مَا تَقوله المنجمون فَهَذَا الْمَوْلُود ذُو عاهة فَخرجت امْرَأَة فسالت ابا عَليّ الدُّخُول وان يحنك الْمَوْلُود وَيُؤذن فِي اذنه فَفعل فاذا بِهِ احنف (٥)
سنة ارْبَعْ وثلاثمائة
فِي فصل الصَّيف فزع النَّاس من شىء من الْحَيَوَان يُسمى الزبزب (٦) ذكرُوا انهم كَانُوا يرونه على السطوح لَيْلًا وَرُبمَا قطع يَد النَّائِم وثدي النائمة فَكَانُوا يضْربُونَ بالهواوين ليفزعوه وارتجت بَغْدَاد فِي الْجَانِبَيْنِ لذَلِك وَعمل النَّاس لاولادهم مكابا (٧) من سعف يكبونها عَلَيْهِم (٨)
وَفِي هَذِه السّنة قبض على عَليّ بن عِيسَى وعَلى اهله وصودر اخوه عبيد الله بن عَليّ على سِتِّينَ الف دِينَار وصودر اخوه ابراهيم بن عِيسَى على خمسين الف دِينَار وَسَأَلَ ان يُؤذن لَهُ فِي الْمقَام بدير العاقول (٩) فاجيب الى ذَلِك
стр. 19
والزم ابو بكر مُحَمَّد بن عبد الله الشَّافِعِي اربعة الاف دِينَار وشفع القَاضِي ابو عَمْرو مِنْهُ فاطلق بعد ادائها
وَتمّ ذَلِك عَلَيْهِم فِي وزارة ابي الْحُسَيْن بن الْفُرَات الثَّانِيَة
وَظهر ابو عَليّ بن مقلة من استتاره وَكَانَ استتاره فِي ايام الخاقاني وَعلي بن عِيسَى واختص بِابْن الْفُرَات وَتَوَلَّى كِتَابَة السيدة والامراء اولاد المقتدر بِاللَّه
وَكَانَ يُوسُف بن ابي الساج قد قَاطع على اعمال ابهرا وزنجان والري وقزوين واستبد بِالْمَالِ واظهر ان عَليّ بن عِيسَى كَاتبه بذلك وانفذ اليه لوائين وخلعا فانكر عَليّ بن عِيسَى وَقد عنفه ابْن الْفُرَات على ذَلِك وَقَالَ اللِّوَاء وَالْخلْع وَالْكتاب (١) على حامله وكاتبه وَلَا من كتم ذَلِك
فانفذ المقتدر خاقَان المفلحي لمحاربته فَهَزَمَهُ يُوسُف وَشهر اصحابه بِالريِّ
وَقدم مونس من الثغر فانفذه المقتدر بِاللَّه لحربه فواصل ابْن ابي الساج الْمُكَاتبَة بِالرِّضَا والسوال فِي المقاطعة عَمَّا بِيَدِهِ من الاعمال وان يُؤَدِّي فِي كل سنة سَبْعمِائة الف دِينَار فَلم تقع اجابة
فَسَار من الرّيّ الى اذربيجان وَركب الاشد وَحَارب مونسا فَهَزَمَهُ وَمضى مونس الى زنجان وَقتل من اصحابه وقواده عدَّة
وانفذ ابْن ابي الساج يطْلب الصُّلْح ومونس لَا يجِيبه وَلَو اراد يُوسُف اسره لتم وَلكنه ابقى عَلَيْهِ
فَلَمَّا كَانَ فِي الْمحرم سنة سبع وثلاثمائة فِي ايام حَامِد بن الْعَبَّاس واقعه مونس باردبيل (٢) واستؤسر يُوسُف مجروحا وَحمل الى بَغْدَاد فِي شهر ربيع الاخر وَشهر على الفالج (٣) وَهُوَ جمل لَهُ سنامان يشهر عَلَيْهِ الْخَوَارِج على السُّلْطَان وَترك على راسه برنس والقراء يقراون بَين يَدَيْهِ والجيش وَرَاءه
وَحبس عِنْد زَيْدَانَ القهرمانة (٤) وخلع على مونس وطوق وسور وَزيد فِي ارزاق اصحابه
وَلما انكفأ مونس الى بَغْدَاد استولى سبك غُلَام يُوسُف على الاعمال فانفذ اليه
стр. 20
مونس قائدا الفارقي (١) لحربه فَهَزَمَهُ (٢) وسال سبك ان يقاطع على الاعمال فاجيب
واتصلت الْعَدَاوَة بَين ابْن الْفُرَات وَبَين الْحَاجِب نصر القشوري وشفيع المقتدري (٣) وَكَانَ ابْن الْفُرَات قد قلد ابْن مقلة كِتَابَة نصر فاستوحش ابْن مقلة من ابْن الْفُرَات فاطعمه صَاحبه وَابْن الْحوَاري فِي تقلد الوزارة وَكَانَ يهدي اليهما اخبار ابْن الْفُرَات
سنة خمس وثلاثمائة
فِيهَا مَاتَ طريف السبكري بعد اطلاقه من الْحَبْس
وفيهَا اطلق ابو الهيجاء (٤) واخوته وخلع عَلَيْهِم
وفيهَا مَاتَ غَرِيب الْخَال خَال (٥) المقتدر بِاللَّه وَعقد لِابْنِهِ مَكَانَهُ وَحضر ابْن الْفُرَات جنَازَته بداره بالنجمي
وفيهَا قلد ابو عَمْرو قَضَاء الْحَرَمَيْنِ
سنة سِتّ وثلاثمائة
فِي هَذِه السّنة تاخرت ارزاق الْجند وَاحْتج ابْن الْفُرَات بَان المَال صرف فِي نَفَقَة الْجَيْش الَّذِي جهزه لمحاربة ابْن ابي الساج فَقبض عَلَيْهِ (٦) فَكَانَت وزارته هَذِه (٧) سنة وَخَمْسَة اشهر وَتِسْعَة عشر يَوْمًا
وَدخل على جحظاة بعض اصدقائه فَقَالَ لَهُ مَا تتمنى فَقَالَ لم يبْق لي مني غير نكبات الوزراء فَقَالَ لَهُ قد نكب ابْن الْفُرَات فَقَالَ جحظة ... احسن من قهوة مُعتقة ... تخانها فِي انائها ذَهَبا
من كف مقدودة منعمة ... تقسم فِينَا الحاظها الوصبا
ومسمع نَهَضَ السرُور اذا ... رَجَعَ فِيمَا تَقول اَوْ ضربا
ونعمة قوم ازالها قدر ... لم يحظ حر فِيهَا بِمَا طلبا ...
وزارة حَامِد بن الْعَبَّاس
كَانَ حَامِد يَسْتَدْعِي قسيم الْجَوْهَرِي خَادِم السيدة اذا خرج الى وَاسِط لمشارفة
стр. 21
اعمالهابها ويلاطفه فَعَاد من عِنْده وَقد نكب ابْن الْفُرَات فاشار بِهِ فَوَافَقَ ذَلِك مشورة ابْن الْحوَاري (١) ايضا فوصل وَقد كُوتِبَ الى بَغْدَاد فِي الْيَوْم الرَّابِع من الْقَبْض على ابْن الْفُرَات وَكَانَ (٢) لَهُ اربعمائة غُلَام يحملون السِّلَاح وعدة حجاب تجرى مجْرى القواد
واشا رابن الْحوَاري عَلَيْهِ بِطَلَب عَليّ بن عِيسَى ومساءلة المقتدر بِاللَّه فِيهِ ليخلفه على الدَّوَاوِين فَفعل فَقَالَ المقتدر بِاللَّه مَا احسب عَليّ بن عِيسَى يرضى ان يكون تَابعا بعد ان كَانَ متبوعا فَقَالَ حَامِد (٣) انا اعامل الوزراء مُنْذُ ايام النَّاصِر لدين الله فَمَا رايت اعْفُ من عَليّ بن عِيسَى وَلَا اكبر نفسا مِنْهُ وَلم لَا يستجيب لخلافة الوزارة وانما الْكَاتِب كالخياط يخيط يَوْمًا ثوبا قِيمَته الف دِينَار ويخيط يَوْمًا ثوبا قِيمَته عشرَة دَرَاهِم فَضَحِك مِنْهُ من سمع قَوْله وعيب بِهَذَا
وازدري عَلَيْهِ ان ام مُوسَى القهرمانة خرجت اليه برقعة من الْخَلِيفَة فقراها ووضعها بَين يَدَيْهِ واخذ يتحدث حَدِيث شقّ الفرن المنبجر ايام النَّاصِر لدين الله بواسط وام مُوسَى مستعجلة بِالْجَوَابِ وَلم يجب الى ان استوفى حَدِيث الشق وحكايته مَعهَا فِي قَوْله لَهَا التقطي واحذري ان تغلطي مَشْهُورَة (٤)
وَكتب ابو الْحسن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن ثوابة عَن المقتدر بِاللَّه كتابا الى اصحاب الاطراف يذكر فِيهِ وزارة حَامِد اوله اما بعد فان احْمَد الامور مَا عَم صَلَاحه ومنفعته وَخير التَّدْبِير مَا رُجي سداده واصابته وازكى الاعمال مَا وصل الى الكافة بمنه وبركته وافضل الاكوان مَا كَانَ اتِّبَاع الْحق سَبيله عَادَته
وخلع المقتدر بِاللَّه على عَليّ بن عِيسَى وانفذ بِهِ مَعَ صَاحب نصر الْحَاجِب وشفيع المقتدري الى دَار حَامِد على اعمال المملكة
وَكتب اليه عَليّ بن عِيسَى فِي بعض الايام رقْعَة خاطبه فِيهَا بِعَبْدِهِ فانكر ذَلِك حَامِد وَقَالَ لست اقْرَأ لَهُ رقْعَة اذا خاطبني بِهَذَا بل يخاطبني بِمثل مَا اخاطبه بِهِ
وَكَانَ يكْتب كل وَاحِد مِنْهُمَا الى صَاحبه اسْمه وَاسم ابيه وشكر لَهُ عَليّ بن عِيسَى هَذَا الْفِعْل وَسَقَطت منزلَة حَامِد وَتفرد عَليّ بالامور وَقيل فيهمَا قَالَ ابْن بسام ... يَا ابْن الْفُرَات تعزى ... قد صَار امرك آيَة ... لما عزلت حصلنا ... على وَزِير بدايه ...
стр. 22
وَضمن عَليّ ابْن عِيسَى الْحُسَيْن بن احْمَد المادراني اعمال مصر وَالشَّام بِثَلَاثَة الاف الف دِينَار فاوصله الى المقتدر بِاللَّه فَخلع عَلَيْهِ وشخص الى عمله
وَقدم عَليّ بن احْمَد بن بسطَام (١) من مصر فولاه اعمال فَارس
قَالَ ابو الْفضل الْعَبَّاس بن الْحُسَيْن وَزِير معز الدولة رايت ابا الْقسم بن سَام (٢) وَقد دخل الينا فَارس عَاملا وَمَعَهُ اثقال لم ير مثلهَا ورايت فِي جملَة اثقاله اربعين نجيبا موقرة اسرة مشبكة ذكرُوا انه يستعملها فِي الطرقات للمجلس وَالْتمس يَوْمًا سجادة للصَّلَاة بِعَينهَا وَكَانَ يالفها ففتشت رزم الْفرش فَكَانَ فِيهَا نَحْو اربعمائة سجادة
وَلما تبين ابْن حَامِد ان مَنْزِلَته قد وهبت اسْتَأْذن فِي الانحدار الى وَاسِط فاذن الْخَلِيفَة لَهُ وَلَيْسَ لَهُ من الوزارة غير الِاسْم (٣)
واقطع المقتدر بِاللَّه ابْنه ابا الْعَبَّاس دَار حَامِد بالمخرم فانتقل حَامِد الى دَاره فِي بَاب الْبَصْرَة
وَلما انحدر حَامِد اسْتخْلف مَكَانَهُ صهره ابا الْحُسَيْن مُحَمَّد بن بسطَام وابا الْقسم الكلوذاني فظهرت كِفَايَة الكلوذاني
وتقلد ابو الهيجاء بن حمدَان طَرِيق خُرَاسَان
سنة سبع وثلاثمائة
ضجت الْعَامَّة من الغلاء وكسروا المنابر وَقَطعُوا الصَّلَاة واحرقوا الجسور (٤) وقصدوا دَار الرّوم ونهبوها فانفذ المقتدر بِمن قبض عَليّ عدَّة مِنْهُم واستدعى حامدا لبيع الغلات الَّتِي لَهُ بِبَغْدَاد فاصعد وبعاعها وَنقص فِي كل كرّ خَمْسَة دَنَانِير
وَركب هَارُون بن غَرِيب وابراهيم بن بطحا الْمُحْتَسب الى قطيعه ام جَعْفَر فسعروا الْكر الدَّقِيق بِخَمْسِينَ دِينَارا فرضى النَّاس وَسَكنُوا وانحل السّعر
سنة ثَمَان وثلاثمائة
ورد الْخَبَر بحركة الْخَارِج بالقيروان الى مصر فَاخْرُج مونس الى هُنَاكَ
وَدخل صَاحب السَّنَد بَغْدَاد فَاسْلَمْ على يَدي المقتدر بِاللَّه
стр. 23
وَفِي هَذِه السّنة خلع على ابي الهيجاء (١) وقلد الدينور
وتحركت الاسعار فِيهَا فَافْتتنَ بَغْدَاد لذَلِك
وَبرد الْهَوَاء فِي تموز فَنزل النَّاس من السطوح وتدثروا بالاكيسة واللحف
سنة تسع وثلاثمائة
قُرِئت الْكتب على المنابر بهزيمة المغربي (٢) واستباحة عسكره
ولقب مونس المظفر
وخلع على مُحَمَّد بن نصر الْحَاجِب وقلد اعمال المعاون بالموصل وَعقد لَهُ لِوَاء وَخرج الى هُنَاكَ
وهدمت دَار عَليّ بن الجهشيار بِبَغْدَاد فِي عَرصَة (٣) بَاب الطاق وَكَانَ هَذَا الْبَاب علما بِبَغْدَاد فِي الْحسن والعلو وَبني مَوْضِعه مستغل (٤)
وَعقد لمونس المظفر على مصر وَالشَّام
وخلع على ابو الهيجاء بن حمدَان وقلدا اعمال المعاون بِالْكُوفَةِ وَطَرِيق مَكَّة
وكبس سَبْعَة من اللُّصُوص دَار ابْن ابي عِيسَى الصَّيْرَفِي واخذوا مِنْهُ ثَلَاثِينَ الف دِينَار ثمَّ عرفُوا بعد ايام فَقتلُوا واسترد مِنْهُم نيفا وَعشْرين الْفَا
وَفِي شَوَّال دخل مونس المظفر بَغْدَاد قادما من مصر فَتَلقاهُ الامير ابو الْعَبَّاس ابْن المقتدر وخلع عَلَيْهِ وطوق وسور على مائَة واثني عشر قائدا من قواده
وانفذ ابْن ملاحظ عقد على الْيمن وخلع
ودعا المقتدر فِي يَوْم اللاثنين لثمان بَقينَ من ذى الْقعدَة لمونس المظفر وَنصر الْحَاجِب وخلع على مونس خلع منادمة وَسَأَلَ فِي امْر اللَّيْث بن عَليّ وطاهر بن مُحَمَّد بن عَمْرو ابْن اللَّيْث ويوسف بن ابي الساج فوهبوا لَهُ
وَفِي هَذِه السّنة اهدى الْوَزير حَامِد بن الْعَبَّاس الى المقتدر الْبُسْتَان الْمَعْرُوف بالناعورة اتّفق على بنائِهِ مائَة الف دِينَار وفرشه باللبود الخراسانية (٥)
وَبَلغت زِيَادَة دجلة فِي بِلِسَان ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا
стр. 24
وانْتهى الى حَامِد ابْن الْعَبَّاس امْر الْحُسَيْن بن مَنْصُور الحلاج (١) وانه قد موه على جمَاعَة من الخدم والحشم والحجاب وعَلى خدم نصر وانهم يذكرُونَ عَنهُ انه يحيى الْمَوْتَى وان الْجِنّ يَخْدمه
واحضر السمري (٢) الْكَاتِب وَرجل هاشمي مَعَ جمَاعَة من اصحاب الحلاج واعترفوا بَان الحلاج يَدعِي النبوءة وانهم صدقوه وكذبهم الحلاج وَقَالَ انما انا رجل اكثر الصَّلَاة وَالصَّوْم وَفعل الْخَيْر
(٣) استحضر حَامِد بن الْعَبَّاس القاضى ابا عمر (٤) وابا جَعْفَر بن البهلول فاستفتاهما فِي امْرَهْ فذكرا انهما لَا يفتيان فِي امْرَهْ بشىء وَلَا يجوز ان يقبل قَول من واجهه بِمَا واجهه الا بِبَيِّنَة اَوْ باقرار مِنْهُ وتقرب الى الله تَعَالَى بكشف امْرَهْ رجل يعرف بدباس (٥) تبع الحلاج ثمَّ فَارقه والحلاج مُقيم عِنْد نصر القشوري مكرم هُنَاكَ ودافع عَنهُ نصر اشد مدافعه وَكَانَ يعْتَقد فِيهِ أجمل اعْتِقَاد
فَتكلم عَليّ بن عِيسَى فَقَالَ لَهُ الحلاج فِيمَا بَينه وَبَينه قف حَيْثُ انْتَهَيْت وَإِلَّا قلبت الأَرْض عَلَيْك فعزم حِينَئِذٍ عَليّ بن عِيسَى على مناظرته (٦)
وَحَضَرت بنت السمري فَذكرت ان اباها اهداها الى سُلَيْمَان بن الحلاج وَهُوَ بنيسابور وَكَانَت امراة حَسَنَة الْوَجْه عذبة الْكَلَام جَيِّدَة الالفاظ وَقَالَ لَهَا الحلاج (٧) مَتى انكرت من ابنى شَيْئا فصومي يَوْمًا واقعدي الى اخره على سطحك وافطري على ملح ورماد واستقبلي (٨) واذكري مَا كرهت مِنْهُ فَانِي اسْمَع وارى وحكت ان ابْنة الحلاج امرتها بِالسُّجُود لَهُ وَقَالَت هَذَا اله (٩) الارض واكثرت فِي الاخبار عَنهُ بِمَا شاكل ذَلِك
стр. 25
وَحكى حَامِد انه قبض على الحلاج بدور الرَّاسِبِي (١) فَادّعى تَارَة الصّلاح وَادّعى اخرى انه الْمهْدي ثمَّ قَالَ لَهُ كَيفَ صرت اله بعد هَذَا
وَكَانَ السمري فِي جملَة من قبض عَلَيْهِ من اصحابه فَقَالَ لَهُ حَامِد مَا الَّذِي حداك على تَصْدِيقه قَالَ خرجت مَعَه الى الصطخر فِي الشتَاء فعرفته محبتي للخيار فَضرب بِيَدِهِ الى سفح جبل فَاخْرُج من الثَّلج خيارة خضراء فَدَفعهَا الي فَقَالَ حَامِد أفأكلتها قَالَ نعم قَالَ كذبت با ابْن الف زَانِيَة فِي مائَة الف زَانِيَة اوجعوا فكه فَضَربهُ الغلمان وَهُوَ يَصِيح من هَذَا خفنا
وَحدث حَامِد انه شَاهد مِمَّن يَدعِي النيرنجيات (٢) انه كَانَ يخرج الْفَاكِهَة واذا حصلت فِي يَد الانسان صَارَت بعرا
وَمن جملَة من قبض عَلَيْهِ انسان هاشمي كَانَ يكنى بَابي بكر فكناه الحلاج بَابي مغيث حَيْثُ كَانَ يمرض اصحابه ويراعيهم
وَقبض على مُحَمَّد بن عَليّ بن القنائي (٣) واخذ من دَاره سفط مختوم فِيهِ قَوَارِير فِيهَا بَوْل الحلاج ورجيعه اخذه ليستشفي بِهِ
وَكَانَ الحلاج اذا حضر لَا يزِيد على قَوْله لَا اله الا انت عملت سوءا اَوْ ظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي فانه لَا يغْفر الذُّنُوب الا انت
وظفر من كتب الحلاج بِكِتَاب فِيهِ اذا اراد الانسان الْحَج فليفرد بَيْتا فِي دَاره طَاهِرا وَيَطوف بِهِ سبعا وَيجمع ثَلَاثِينَ يَتِيما وَيعْمل لَهُم مَا يُمكنهُ من الطَّعَام ويخدمهم بِنَفسِهِ ويكسوهم وَيدْفَع الى كل وَاحِد سَبْعَة دَرَاهِم فان ذَلِك يقوم مقَام الْحَج
فَالْتَفت القَاضِي ابو عمر الى الحلاج وَقَالَ من ايْنَ لَك هَذَا قَالَ من كتاب الاخلاص لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ فَقَالَ ابو عمر (٤) كذبت يَا حَلَال الدَّم قد جَمعنَا (٥) بِكِتَاب الاخلاص بِمَكَّة (٦) مَا فِيهِ مَا ذكرت فَقَالَ حَامِد لابي عمر (٧) اكْتُبْ هَذَا فتشاغل عَنهُ بِكَلَام الحلاج وَاقْبَلْ حَامِد يُطَالب ابا عمر بِالْكتاب وَهُوَ متشاغل
стр. 26
بِالْخِطَابِ حَتَّى قدم حَامِد الدواءة من بَين يَدَيْهِ الى ابي عمر والح عَلَيْهِ الحاحا لم يُمكنهُ الدّفع فَكتب باحلال دَمه
وَكتب من حضر الْمجْلس وَلما تبين الحلاج الصُّورَة قَالَ طهري (١) حمى وَدمِي حرَام وَمَا يحل لكم ان تهنكوا منى مَا لم يبحه الاسلام وكتبي مَوْجُودَة فِي الوراقين على مَذْهَب اهل السّنة (٢)
وانفذ حَامِد بالفتيا والمحضر الى المقتدر فَلم يخرج جوابهما (٣) فَلم يجد بدا من نصْرَة نَفسه فَكتب الى المقتدر اذا اهمل امْر الحلاج بعد افتاء الْفُقَهَاء باباحة دَمه افْتتن النَّاس بِهِ فَوَقع المقتدر اذا افتى الْفُقَهَاء بقتْله فادفعه الى مُحَمَّد بن عبد الصمد صَاحب الشرطة ومره ان يضْربهُ الف سَوط فان تلف والا ضرب عُنُقه
والحلاج يستطلع الى الاخبار فَلَمَّا اخبر ان ابْن عبد الصمد عِنْد الْوَزير فَقَالَ هلكنا وَالله
واخرج يَوْم الثُّلَاثَاء لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة الى رحبة الجسر (٤) وَقد اجْتمع من الْعَامَّة امم كَثِيرَة فَضرب ألف سَوط فَمَا تاوه وَلَا استعفى وَقطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وحز راسه واحرقت جثته وَنصب راسه يَوْمَيْنِ على الجسر وَحمل الى خُرَاسَان فطيف بِهِ
وزادت دجلة زِيَادَة عَظِيمَة فَادّعى اصحابه ان ذَلِك لأجل مَا لَقِي فِيهَا من رماد جثته
وَادّعى قوم من اصحابه انهم راوه رَاكِبًا حمارا فِي طَرِيق النهروان (٥) وَقَالَ لَهُم انما حولت دَابَّة فِي صُورَتي وَلست الْمَقْتُول كَمَا ظن هَؤُلَاءِ الْبَقر (٦)
وَكَانَ نصر الْحَاجِب يَقُول انما قتل ظلما
стр. 27
وَمن شعر الحلاج ... وَمَا وجدت لقلبي رَاحَة ابدا ... وَكَيف ذَاك وَقد هييت للكدري
... لقد ركبت على التَّغْرِير وَاعجَبا ... مِمَّن يُرِيد النجا فِي المسلك الْخطر
كانني بَين امواج تقلبني ... مُقَلِّب بَين اصعاد ومنحدر
الْحزن فِي مهجتي وَالنَّار فِي كَبِدِي ... والدمع يشْهد لي فاستشهدوا بصرى ...
وَمن شعره ... الكاس سهل لي الشكوى فبحت بكم (٢)
وَمَا على الكاس من شرابها دَرك
هبني ادعيت باني مدنف سقم ... فَمَا لمضجع جَنْبي كُله حسك
هجر يسوء وَوصل لَا اسر بِهِ ... مَالِي يَدُور بِمَا لَا اشتهي الْفلك
فَكلما زَاد دمعي زادني قلقا ... كانني شمعة تبْكي فتنسبك (٣)
وَمن شعره ... النَّفس بالشىء الممنع مولعه ... الحادثات اصولها متفرعه
وَالنَّفس للشىء البعيدمريدة (٤)
والنف للشىء الْقَرِيب مضيعة
كل يحاول حِيلَة يَرْجُو بهَا ... دفع الْمضرَّة واجتلاب الْمَنْفَعَة (٥)
وَله ... كل بلَاء عَليّ مني ... فليتني قد اخذت عني
(٦)
اردت مني اختبار سري ... وَقد علمت المُرَاد مني
وَلَيْسَ لي فِي سواك حَظّ ... فَكيف مَا شِئْت فاختبرني ...
وَفِي الصُّوفِيَّة من يدعى ان الحلاج كوشف حَتَّى عرف السِّرّ وَعرف سر السِّرّ وَقد ادّعى ذَلِك لنَفسِهِ فِي قَوْله ... مواجيد اهل الْحق تصدق عَن وجدي ... واسرار اهل السِّرّ مكشوفة عِنْدِي
(٧)
стр. 28
وَله ... الله يعلم مَا فِي النَّفس جارحة ... الا وذكرك فِيهَا نيل مَا فِيهَا (١)
وَلَا تنفست الا كنت فِي نَفسِي ... تجْرِي بك الرّوح منى فِي مجاريها
ان كنت للعين مذ فارقتها نظرت ... الى سواك فخانتها مآقيها
وان كَانَت النَّفس بعد الْبعد آلفة ... خلقا عداك فَلَا نَالَتْ امانيها ...
وَحكى (٢) انه قَالَ الهي انك تتودد الى من يُؤْذِيك فَكيف لَا تتودد الى من يُؤْذى فِيك وانشد ... نَظَرِي بدؤ علتي ... وَيْح قلبِي وَمَا جنى
يَا معِين الضنى عَليّ ... اعني على الضنى ...
وَكَانَ ابْن نصر القشوري قد مرض فوصف لَهُ طَبِيب تفاحة فَلم تُوجد فاومأ الحلاج بِيَدِهِ الى الْهَوَاء (٤) واعطاهم تفاحة فعجبوا من ذَلِك وَقَالُوا من ايْنَ لَك هَذِه قَالَ من الْجنَّة فَقَالَ لَهُ بعض من حضر ان فَاكِهَة الْجنَّة غير متغيرة وَهَذِه فِيهَا دودة قَالَ لانها خرجت من دَار الْبَقَاء الى دَار الفناء فَحل بهَا جُزْء من الْبلَاء فاستحسنوا جَوَابه اكثر من فعله
ويحكون ان الشبلي دخل الى السجْن فَوَجَدَهُ جَالِسا يخط فِي التُّرَاب فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ حَتَّى ضجر فَرفع طرفه الى السَّمَاء وَقَالَ الاهي لكل حق حَقِيقَة وَلكُل خلق طَريقَة وَلكُل عهد وَثِيقَة ثمَّ قَالَ يَا شبلي من اخذه مَوْلَاهُ عَن نَفسه ثمَّ اوصله الى بِسَاط انسه كَيفَ ترَاهُ فَقَالَ الشبلي وَكَيف ذَاك قَالَ ياخذه عَن نَفسه ثمَّ يردهُ على قلبه فَهُوَ عَن نَفسه مَأْخُوذ وَعَن قلبه مَرْدُود فَأَخذه عَن نَفسه تَعْذِيب ورده إِلَى قلبه تقريب وطوبى (٥) لنَفس كَانَت لَهُ طَائِعَة وشموس الْحَقِيقَة فِي قلوبها طالعة ثمَّ انشد ... طلعت شمس من احبك لَيْلًا ... فاستضاءت فَمَا لَهَا من غرُوب
ان شمس النَّهَار تطلع بِاللَّيْلِ ... وشمس الْقُلُوب لَيْسَ تغيب
(٦)
ويذكرون انه سمى الحلاج لانه اطلع على سر الْقُلُوب وَكَانَ يخرج لب الْكَلَام كَمَا يخرج الحلاج لب الْقطن بالحلج
стр. 29
وَقيل كَانَ يفعل بواسط بدكان حلاج فَمضى الحلاج فِي حَاجَة وَرجع فَوجدَ الْقطن محلوجا من كنرته فَسَماهُ الحلاج
وَفِي الصُّوفِيَّة من يقبله وَيَقُول انه كَانَ يعرف اسْم الله الاعظم وَمِنْهُم من يردهُ وَيَقُول كَانَ مموها
ويذكرون ان الشبلي انفذ اليه بفاطمة النيسابورية وَقد قطعت يَده فَقَالَ لَهَا قولي لَهُ ان الله ائتمنك على سر من اسراره فاذاعته فاذاقك حر (١) الْحَدِيد فان اجابك فاحفظي جَوَابه ثمَّ سليه عَن التصوف مَا هُوَ فَلَمَّا جَاءَت انشأ يَقُول ... تجاسرت فكاشفتك (٢) لما غلب الصَّبْر
وَمَا احسن فِي مثلك ... ان ينتهك السّتْر
وان عنفني النَّاس ... فَفِي وَجهك لي عذر
كَانَ الْبَدْر مُحْتَاج ... الى وَجهك يَا بدر ...
(٣)
وَهَذَا الشّعْر للحسين بن الضَّحَّاك الخليع الْبَاهِلِيّ
ثمَّ قَالَ لَهَا امضى الى ابي بكر وَقَوْلِي لَهُ يَا شبلي وَالله مَا اذعت لَهُ سرا فَقَالَت لَهُ مَا التصوف فَقَالَ مَا انا فِيهِ وَالله مَا فرقت بَين نعْمَة وبلواه (٤) سَاعَة قطّ
فَجَاءَت الى الشبلي واعادت اليه فَقَالَ يَا معشر النَّاس الْجَواب الاول لكم وَالثَّانِي لي
وَذكروا انه لما قطعت يَده وَرجله صَاح وَقَالَ ... وَحُرْمَة الود الَّذِي لم يكن ... يطْمع فِي افساده الدَّهْر
مَا نالني عِنْد هجوم البلا ... باس وَله مسنى الضّر
مَا قد لي عُضْو وَلَا مفصل ... الا فِيهِ لكم ذكر ...
(٥)
وَكتب بعض الصُّوفِيَّة على جذع الحلاج ... ليكن صدرك للاسرار ... م حصنا لَا يرام ... انما ينْطق بالسر ... ة ويفشيه الئآم ...
(٦)
стр. 30
سنة عشر وثلاثمائة
فِي الْمحرم اطلق يُوسُف بن ابي الساج وَحمل اليه مَال (١) وخلع وَحكي انه انْزِلْ فِي دَار دِينَار وانه انفذ الى مونس المظفر يَسْتَدْعِي مِنْهُ انفاذ ابي بكر بن الادمي (٢) الْقَارِي فتمنع ابو بكر وَقَالَ انني قرات بَين يَدَيْهِ يَوْم شهر وَكَذَلِكَ اخذ رَبك اذا اخذ الْقرى وَهِي ظالمة ورايته يبكي فاظنه حقد عَليّ ذَلِك فَقَالَ لَهُ مونس لَا تخف فانني شريكك فِي جائزته فَمضى اليه وجلا فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَقد افيضت عَلَيْهِ الْخلْع وَالنَّاس بِحَضْرَتِهِ والغلمان وقُوف على راسه قَالَ لَهُم هاتوا كرسيا لابي بكر فاتوه بِهِ وَقَالَ اقرا فَاسْتَفْتَحَ وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالَ الْملك ائْتُونِي بِهِ أستخلصه لنَفْسي﴾ فَقَالَ لَا اريد هَذَا بل اريد ان تقرا بَين يَدي مَا كنت تقراه يَوْم شهرت فَامْتنعَ ثمَّ قرا حِين الزمه ﴿وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذا أَخذ الْقرى وَهِي ظالمة﴾ فَبكى ثمَّ قَالَ هَذِه الاية كَانَت سَببا لتوبتي من كل مَحْظُور وَلَو امكنني ترك خدمَة السُّلْطَان لتركتها وامر لَهُ بِمَال جزيل وَطيب كثير
وَحضر يُوسُف دَار الْخَلِيفَة بسواد وَوصل اليه فَقبل الْبسَاط وخلع عَلَيْهِ وَحمل على فرس بمركب ذهب وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس ثامن الْمحرم وَجلسَ المقتدر يَوْم السبت وَعقد لَهُ على اعمال الصَّلَاة والمعاون وَالْخَرَاج بِالريِّ (٥) وَالْجِبَال واذربيجان وزينت لَهُ دَار السُّلْطَان يَوْمئِذٍ فَركب مَعَه مونس ومفلح وَنصر والقواد واستكتب ابا عبد الله مُحَمَّد بن خلف النيرماني (٦) وَقرر ان يحمل الى السُّلْطَان فِي كل سنة خَمْسمِائَة الف دِينَار
وخلع (٧) على طَاهِر وَيَعْقُوب بن مُحَمَّد بن عمر بن اللَّيْث الصفار وعَلى اللَّيْث ابْن عَليّ وَابْنه خلع الرضى
وَقدم أَخ لنصر الحاجبمن بلد الرّوم وَأسلم فَخلع عَلَيْهِ وتوالت الْفتُوح على الْمُسلمين برا وبحرا فقرئت الْكتب على المنابر لذَلِك
وَفِي جُمَادَى الاولى تقلد نازوك الشرطة بِبَغْدَاد وعزل ابْن عبد الصَّمد (٨)
стр. 31
واملك ابو عمر القَاضِي مسرور المحفلي ببنت المظفر بن نصر الدَّاعِي وَمُحَمّد بن ياقوت بابنة رائق الْكَبِير بِحَضْرَة المقتدر
وَحكى انه خطب خطْبَة طَوِيلَة تعجب النَّاس من حسنها وَلما فرغ مِنْهَا وَقد حمي الْحر وَتَعَالَى النَّهَار قيل لَهُ (١) ضجر الْخَلِيفَة بِالْجُلُوسِ فَخَطب خطْبَة اوجزها بكلمتين وَعقد النِّكَاح فَنَهَضَ المقتدر مبادرا لشدَّة الْحر وَوَقع فعل ابي عمر عِنْده الطف موقع والتفت الى صَاحب الدِّيوَان فَقَالَ يَنْبَغِي ان يُزَاد ابو عمر فر رزقه واتى (٢) عَلَيْهِ
فَعَاد صَاحب الدِّيوَان الى دَاره فَقَالَ لمن حَضَره من خاصته قد جرى لابي عمر كل جميل من الْخَلِيفَة وَقد تقدم بِالزِّيَادَةِ فِي رزقه
قَالَ صَاحب الْحِكَايَة وَكَانَ ابو عمر زجل (٣) صديقي فدعتني نَفسِي الى التَّقَرُّب بذلك اليه فَجِئْته فانكر مجيئي فِي وَقت خلوته فَحَدَّثته بِالْحَدِيثِ على شَرحه فَدَعَا للخليفة وَقَالَ لَا عدمتك فاستقللت شكره وانصرفت
فولد لي فكرا معمى بِأَن فِي وَجهه من التَّعَجُّب مني وندمت ندما شَدِيدا وَقلت سر السُّلْطَان افشاه لي من هُوَ احظى عِنْدِي من وزيره ذكره الرجل لانسه بِي بادرت باخراجه ان رَاح ابو عمر وشكره
فَعلم انه من فعلي مَا صُورَتي فَرَجَعت وَدخلت بِغَيْر اذن فَلَمَّا وَقع ناظره عَليّ قَالَ يَا فلَان وَلَا حرف فَكَانهُ (٤) فشكرته وانصرفت
وَفِي جُمَادَى الاخيرة خلع على ابي الهيجاء بن حمدَان وطوق وسور
وانفذ (٥) الْحُسَيْن بن احْمَد المادراني (٦) من مصر هَدِيَّة وفيهَا بغلة مَعهَا فَلَو وَغُلَام طَوِيل اللِّسَان يلْحق طرف انفه
وَدخل مُحَمَّد بن نصر الْحَاجِب قادما من قاليقلا فِي شهر رَمَضَان وَقد فتح عَلَيْهِ
стр. 32
وَفِيه قبض على ام مُوسَى القهرمانة واختها (١) ام مُحَمَّد واخيها ابي بكر احْمَد بن الْعَبَّاس لانها زوجت بنت اخيها (٢) ابي بكر (٣) من (٤) ابي الْعَبَّاس بن مُحَمَّد ابْن اسحاق بن المتَوَكل (٥) على الله وَكَانَت لَهُ نعم عَظِيمَة وَكَانَ لعَلي بن عِيسَى صديقا واسرفت فِي الاموال الَّتِى نثرتها والدعوات الَّتِي عملتها حَتَّى دعت اهل المملكة ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا وَقَالَت لَهَا السيدة انك قد دبرت ان يصير صهرك خَليفَة وسلمتها الى ثمل القهرمانة وَهِي مَوْصُوفَة بِالشَّرِّ وَكَانَت قهرمانة احْمَد بن عبد العزيز بن ابي دلف فاستخرجت مِنْهَا الف الف دِينَار (٦)
وَبَلغت زِيَادَة دجلة ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَنصف
وَورد الْخَبَر انه انبثق بواسط سَبْعَة عشر بثقا (٧) اكثرها الف ذِرَاع واصغرها مِائَتَا ذِرَاع وغرق من امهات الْقرى الفان (٨) وثلاثمائة قَرْيَة
وَحج نصر الْحَاجِب فقلد ابْن ملاحظ الْحَرَمَيْنِ وَصرف عَنْهُمَا نزار بن مُحَمَّد
سنة احدى عشرَة وثلاثمائة
فِي صفر مَاتَ ابو النَّجْم بدر الحمامي بشيرازوكان يتَوَلَّى اعمال الْحَرْب والمعاون لفارس وكرمان وَدفن بشيزار ثمَّ نبش وَحمل الى بَغْدَاد واضطرب الْجند لمَوْته بِفَارِس فَكتب عَليّ بن عِيسَى الى ابي عبد الله بن جَعْفَر بن الْقسم الْكَرْخِي بضبط تِلْكَ الْبلدَانِ فضبطها واستمال الْجند
وخلع على مونس المظفر وَعقد لَهُ على غزَاة الصائفة وَكَانَ ابو الهيجاء بن حمدَان قد خلع عَلَيْهِ لولاية فَارس وكرمان ثمَّ عدل عَنهُ الى ابراهيم بن عبد الله المسمعي فقلد ذَاك
وعقدت الْكُوفَة وَطَرِيق مَكَّة على وَرْقَاء بن مُحَمَّد
وَفِي شهر ربيع الآخر صرف حَامِد بن الْعَبَّاس عَن الوزارة وَعلي بن عِيسَى عَن الدَّوَاوِين وَكَانَت وزارة حَامِد ارْبَعْ سِنِين وَعشرَة اشهر واربعة وَعشْرين يَوْمًا
стр. 33
وَكَثُرت عَدَاوَة النَّاس لحامد لاسقاطه لارزاقهم ونقصا لَهُ (١) فَكَانَ ذَلِك سَبَب عَزله
وَكَانَ عَليّ بن عِيسَى يكْتب ليطالب جهبذ الْوَزير اسعده بِكَذَا فَسقط بذلك
وَجرى بَين مُفْلِح وَبَين حَامِد مناكرة فَقَالَ حَامِد قد صَحَّ عزمي على ابتياع مائَة اسود اقودهم واسمي كل وَاحِد مِنْهُم مفلحا
وَكَانَ المقتدر يَسْتَدْعِي ابْن الْفُرَات ويشاوره وَهُوَ مَحْبُوس
وَاتفقَ انه أنفذ الى المقتدر وَسَأَلَهُ ان يقْرضهُ الف دِينَار اثْنَا عشر الف دِينَار فاجابه الى ذَلِك حَيَاء من رده مَعَ مَا اخذ من امواله فَلَمَّا اخذ ابْن الْفُرَات المَال جَاءَ بِهِ الى المقتدر فافرغه بَين يَدَيْهِ وَقَالَ يَا امير الْمُؤمنِينَ مَا تَقول فِي رجل يسترزق فِي كل شهر هَذَا فاستعظم المقتدر ذَلِك وَقَالَ وَمن الرجل فَقَالَ ابْن الْحوَاري هَذَا سوى مَا يصله من الْمَنَافِع ويناله من الْفَوَائِد
ورد ابْن الْفُرَات الدَّنَانِير وسعى مُفْلِح لتقليد ابْن الْفُرَات الوزارة واعتقل عَليّ بن عِيسَى وَسلم الى زَيْدَانَ القهرمانة
وخلع على ابْن الْفُرَات تَقْلِيد الوزارة الثَّالِثَة وعَلى ابْنه واخيه وجلسوا فِي دُورهمْ بسوق الْعَطش التهنئة وَسَأَلَ ان يُعَاد الى دَاره بالمخرم (٢) وَكَانَت قد اقطعت للامير ابي الْعَبَّاس فاذن لَهُ المقتدر فِي ذَلِك
وَقبض ابْن الْفُرَات على جمَاعَة من اسباب عَليّ بن عِيسَى فيهم ابْن مقلة
واشير على ابْن الْحوَاري بالاستتار وَقيل لَهُ ان المقتدر لم يطو عَنْك وزارة ابْن الْفُرَات الا لتغير راي فِيك فَقَالَ لَا انكب نَفسِي وَستر حرمه
ثمَّ قبض ابْن الْفُرَات على ابْن الْحوَاري وَقبض على صهره مُحَمَّد بن خلف النيرماني (٣) وتوسط ابْن قرَابَة حَاله فصادره على سَبْعمِائة الف دِينَار وصادر ابا الْحُسَيْن بن بسطَام صهر حَامِد على مِائَتي الف دِينَار
وَشرط المقتدر على ابْن الْفُرَات ان لَا ينكب حامدا وان يناظره على مَا عَلَيْهِ فناظره بِمحضر الْكتاب والقضاة وَقَالَ المقتدر انه خدمني وَلم يَأْخُذ رزقا وَشرط عَليّ ان لَا اسلمه لمكروه فاضطره ابْن الْفُرَات الى قَرَار حَامِد على وَاسِط وَكَانَ يتَأَوَّل عَلَيْهِ تَأْوِيلا ديوانيا
وَكَانَ حَامِد يُطَالب بِمَا حَسبه من الْفِقْه (٤) على البثوق فِي ايام الخاقاني وَهِي مِائَتَان
стр. 34
وَخَمْسُونَ الف دِينَار فَكَانَت تتاخر الْمُطَالبَة جَدِيدَة الضَّمَان ولانه شَرط انه يحْسب ذَلِك من مَاله لَا من مَال السُّلْطَان
فقلد ابْن الْفُرَات اعمال الصُّلْح ابا الْعلَا مُحَمَّد بن عَليّ البزوفري
وقلد ابا سهل اسماعيل بن عَليّ النوبختي اعمال الْمُبَارك وَجعل الى كل وَاحِد مُطَالبَة حَامِد
فَأَما ابو سهل فَكَانَ يخلط الْمُطَالبَة بِرِفْق وَكَانَ البزوفري يسْتَعْمل ضد ذَلِك فَكَانَ حَامِد يَقْصِدهُ الى دَاره فر رِدَاء ونعل حَذْو مَعَ هَيْبَة حَامِد الْعَظِيمَة ومنزلته الجسيمة مُنْذُ سِتِّينَ سنة
فَلم ينفع ذَلِك فِي البزوفري بل زَاد عَلَيْهِ انه ابْتَاعَ ضياعات سلطانية بنواحي الجامدة فِي ايام الخاقاني بِخَمْسِمِائَة الف دِينَار وَابْن الْفُرَات يحمل البزوفري على مَا يعتمده وَكَاتب ابْن الْفُرَات ان حامدا مُمْتَنع من اداء مَا عَلَيْهِ مَعَ ميل اهل الْبَلَد اليه واحتواء يَده على اربعمائة غُلَام لكل وَاحِد مِنْهُم غلْمَان وَسَبْعمائة راجل فاجابه ابْن الْفُرَات ان المقتدر قد تقدم الى مُفْلِح بالانحدار فِي جَيش للقبض على حَامِد فاظهر البزوفري الْكتاب قبل وُصُول الْقَوْم
فَحِينَئِذٍ اصْعَدْ حَامِد فِي سَائِر جَيْشه وَكتابه وغلمانه وَضربت البوقات يَوْم خُرُوجه وَخرج اصحابه بَعضهم فِي المَاء وَبَعْضهمْ على الطَّرِيق وَلم يقدر البزوفري على مَنعه فكاتب على اجنحة الطُّيُور بِالْحَال فانفذ المقتدر نازوك الى الْمَدَائِن للقبض عَلَيْهِ فاخذ ناوزك مَا وجده لَهُ فاستتر حَامِد
وَجَاء اُحْدُ الجهابذة فتقرب الى المقتدر بِمِائَة الف دِينَار لحامد عِنْده
وارجف النَّاس بِبَغْدَاد ان المقتدر امْر حامدا بالاستتار ليقْبض على ابْن الْفُرَات ويعيده الى مرتبته
فاستتر آل ابْن الْفُرَات واسبابه غير الْوَزير
وَكَانَت سَعَادَة حَامِد قد تناهت فَصَارَ الى دَار المقتدر وَعَلِيهِ ثِيَاب الرهبان وَمَعَهُ مونس خادمه فَصَعدَ الى دَار الحجبة فَقَالَ لَهُ نصر لم جِئْت الى هَا هُنَا وَلم يقم لَهُ وَاعْتذر بانه تَحت سخط الْخَلِيفَة
وَقَالَ المفلح الاسود وَهُوَ الَّذِي يتَوَلَّى الاسْتِئْذَان على الْخَلِيفَة انه تَحت رَحْمَة (١) وَمثلك من أَزَال متعانية وَقَالَ حَامِد لمفلح تَقول لمولانا امير الْمُؤمنِينَ عَنى ايثاري
стр. 35
الاعتقال فِي الدَّار كَمَا اعتقل عَليّ بن عِيسَى واناظر بِحَضْرَة الْفُقَهَاء والقضاة والقواد وامكن من اسْتِيفَاء حججي وَمَا يجب عَليّ من مَال (١)
فَقَالَت السيدة لَا يضر ان يعتقل فِي الدَّار ويحفظ نَفسه فَقَالَ مُفْلِح ان فعل هَذَا لم يتم لِابْنِ الْفُرَات عمل وَبَطلَت الاعمال فَقَالَ المقتدر صدقت وامره بانفاذ حَامِد الى ابْن الْفُرَات فَبعد جهد مكنه مُفْلِح من تغير زيه وَقَالَ لَا احمله الا فِي زِيّ الرهبان وَهَذَا الصُّوف الَّذِي عَلَيْهِ حَتَّى تشفع فِيهِ نصر وانفذه مَعَ الرنداق (٢) الْحَاجِب
فَلَمَّا دخل عَليّ بن الْفُرَات اسْمَع حامدا الْمَكْرُوه وَقَالَ لَهُ جِئْت بهَا طائية وَكَانَ الطَّائِي قد ضمن اسماعيل بن بلبل من النَّاصِر لدين الله واتاه فِي زِيّ الرهبان فسلمه الى اسماعيل بن بلبل فعامله باصناف المكاره واخذ مِنْهُ مَالا عَظِيما
وامر ابْن الْفُرَات قهرمان دَاره (٣) بَان يفرد لَهُ دَار اخيه يفرشها فرشا لَيْلًا وان يحضر بَين يَدَيْهِ مَا يختاره من الطَّعَام وَيقطع لَهُ مَا يُؤثر من الْكسْوَة واستخدم لَهُ خادمين اعجميين وَدخل اليه كل من عَامله بالمكاره فوبخوه فَقَالَ قد اكثرتم وانا اجمل الْجَواب ان كَانَ مَا استعملته من الاحوال الَّتِى وصفتموها جميلَة الْعَاقِبَة قد امرت لي خيرا فاستعملوا مثله وزيدوا عَلَيْهِ وان كَانَ قبيحا وَهُوَ الَّذِي بلغ هَذِه الْغَايَة فتجنبوه فان السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ
فَقَالَ ابْن الْفُرَات لما بلغه ذَلِك مَا ادْفَعْ شهامته وَلكنه وَلكنه رجل من اهل النَّار يقدم على الدِّمَاء ومكاره النَّاس وَمثل هَذِه الْحِكَايَة حِكَايَة زَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس قَالَت كنت عِنْد الخيزران فَدخلت جَارِيَة وَقَالَت بِالْبَابِ امْرَأَة لَهَا جمال وخلقه حَسَنَة وَلَيْسَ وَرَاء مَا هِيَ عَلَيْهِ من سوء الْحَال غَايَة تستأذن عَلَيْك وَقد سالتها عَن اسْمهَا فامتنعت ان تُخبرنِي فَقَالَت الخيزران مَا تُرِيدُ فَقلت اذني لَهَا فَلَنْ تعدمي ثَوابًا
فَدخلت امْرَأَة من اجمل النِّسَاء واكملهن لَا تتوارى بشىء وَقَالَت انا مزنة امْرَأَة مَرْوَان بن مُحَمَّد الاموي فَقلت لَهَا لَا حَيا الله وَلَا قرب الْحَمد الله الَّذِي ازال نِعْمَتك وهتك سترك تذكرين يَا عدَّة الله حِين اتاك عَجَائِز اهلي يسالنك ان تكملي صَاحبك فِي الاذن فِي دفن ابراهيم الامام فَوَثَبت عَلَيْهِنَّ فاسمعتهن وامرت باخراجهن على الْجِهَة الَّتِى أخرجن عَلَيْهَا
стр. 36
قَالَت فَضَحكت فَمَا الدَّار احسن من ثغرها وَعلا صَوتهَا بالقهقهة ثمَّ قَالَت اي بنت عمي اي شىء اعجبك من حسن صنع الله بِي على العقوق حَتَّى اردت ان تتاسي مِنْهُ اني فعلت مَا فعلت بَاهل بَيْتك واسلمني الله اليك ذليلة فقيرة فَكَانَ هَذَا مِقْدَار شكرك الله على مَا اولاك فِي ثمَّ قَالَت السَّلَام عَلَيْكُم وَوَلَّتْ
فصاحت بهَا الخيزران انك عَليّ اسْتَأْذَنت وَالِي قصدت فَمَا ذَنبي
فَرَجَعت وَقَالَت لعمري لقد صدقت يَا اخيه وان مِمَّا ردني اليك مَا انا عَلَيْهِ من الضّر والجهد فَقَامَتْ الخيزران تعانقها وامرت بهَا الى الْحمام وخلعت عَلَيْهَا وَجَاء الْمهْدي فاخبر بِالْحَال فسر بذلك وَكَثُرت انعامه عَلَيْهَا وافرد لَهَا مَقْصُورَة من مقاصير حرمه
واقر حَامِد بِمِائَتي الف دِينَار وَلم يقر بغَيْرهَا وسلمت مِنْهُ
وَضرب المحسن مونس خَادِم حَامِد فاقر باربعين الف دِينَار دَفنهَا فِي دَاره بِالْمَدِينَةِ فَحملت
وصودر مونس الْفَحْل حَاجِب حَامِد على عشْرين ألف دِينَار وصودر مُحَمَّد بن عبد الله النضراني (١) صَاحبه وَالْحسن بن عَليّ الخصيب كَاتبه على ثَمَانِينَ الف دِينَار
وَاسْتعْمل الخصيب مَعَ حَامِد من المكاشفة مالم يَسْتَعْمِلهُ كَاتب مَعَ صَاحب فَرد ابْن الْفُرَات عَلَيْهِ مَا صادره بِهِ لذَلِك
واشخص ابْن الْفُرَات الْفُقَهَاء والقضاة وَالْكتاب فيهم النُّعْمَان بن عبد الله وَكَانَ قد تَابَ من عمل السُّلْطَان فَحَضَرَ بطيلسان وناظره ابْن الْفُرَات مناظرة طَالَتْ كَانَ عمد (٢) ابْن الْفُرَات ان قَالَ لَهُ الضَّمَان الَّذِي ضمنته من الخاقاني سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ لَا يمضيه الْفُقَهَاء وَالْكتاب لانه ضَمَان مَجْهُول وضمنت اثمان غلات لم تزرع فَقَالَ لَهُ حَامِد فقد علمت بِي كَذَلِك حِين ضمنتني اعمال بالصدقات والضياع بِالْبَصْرَةِ وكور دجلة فَقَالَ ابْن الْفُرَات الْغلَّة بِالْبَصْرَةِ يسيرَة وانما ضمنت الثَّمَرَة فَقَالَ حَامِد فَمن احل بيع الثَّمَرَة قبل ادراكها وحضره فِي الزَّرْع فَقَالَ المحسن لحامد هَذَا الكلوذاني كاتبك وَكتابه يشْهدُونَ عَلَيْك بِمَا اقتطعته فَقَالَ هَؤُلَاءِ كتاب الْوَزير الْآن (٣) هَوَاهُ
ولزمت الْفُرَات حججه حَتَّى قَالَ لَهُ حَامِد لم امضيت ضماني فِي وزارتك
стр. 37
الثَّانِيَة فَقَالَ ابْن الْفُرَات لهَذَا نقلني امير الْمُؤمنِينَ الى حَبسه
وَذكر حَامِد حجَجًا كَانَت فِي يَده فَقَالَ ابْن الْفُرَات انا فتشت صناديقك فَلم اجد فِيهَا مَا ذكرت وانا الْمُقدم باحضارها وتفتيشها فَقَالَ حَامِد افتسشتها بعد ان فتشها الْوَزير وَقَبضهَا نازوك وَفتح اقفالها فَخَجِلَ ابْن الْفُرَات وتعجب النَّاس من اسْتِيفَاء حَامِد الْحجَّة
فَاخْرُج ابْن الْفُرَات عملا وجده فِي صناديق غَرِيب غُلَام حَامِد وَهَذَا الْغُلَام كَانَ يتَوَلَّى بيع غلات حَامِد وَحمل ذَلِك سَهوا لَان حامدا كَانَ يجمع حسباناته ويغرقها فِي دجلة فَرَأى انه قد بيع غلات تِلْكَ السّنة سوى القضيم بِخَمْسِمِائَة الف دِينَار ونيف واربعين الف دِينَار فَبَان الْفضل وَظهر التضاعف مَعَ كَون الاسعار رخيضة فِي تِلْكَ السّنة وعالية فِيمَا بعْدهَا
وَقَالَ حَامِد لِابْنِ الْفُرَات انني اكرم الْوَزير عَن إسماع ابْنه جَوَاب مَا يَشْتمنِي فَحلف ابْن الْفُرَات براس الْخَلِيفَة ان لم يمسك ابْنه استعفى الْخَلِيفَة (١) فِي هَذِه الْقِصَّة
فامسك المحسن حِينَئِذٍ واعيد حَامِد الى محبسه وطولب بِالْمَالِ فاقام على انه لَا مَال عِنْده وانه قد بَاعَ ضيَاعه وَبَاعَ دَاره من نازوك بِمَدِينَة السّلم بِاثْنَيْ عشر الف دِينَار وَبَاعَ خدمه وَبَاعَ اخصهم بِهِ من نازوك بِثَلَاثِينَ الف دِينَار
فَالْتَفت الْخَادِم الى نازوك وَقَالَ لَهُ لَا تستضع بِي فَلَا تبتاعني فَلم يقبل مِنْهُ فابتاعه فَلَمَّا كَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة شرب الْخَادِم زرنيخا فَمَاتَ من ليلته
وخلا ابْن الْفُرَات بحامد وَقَالَ ان اخبرت باموالك صنتك عَن مكاره ابْني ووليتك فَارِسًا وَحلف لَهُ على ذَلِك فاقر بدفائنه فِي بلاليع بواسط وقدرها خَمْسمِائَة الف دِينَار وثلاثمائة الف عِنْد قوم من الْعُدُول واقر بقماش لَهُ عِنْد ابْن شابدة وَابْن المنتاب واسحاق بن ايوب وَعلي بن فرج بثلاثمائة الف دِينَار
فَعرف المقتدر ذَلِك وَقَالَ لَهُ ابْن الْفُرَات قد اقر بذلك عفوا من غير مَكْرُوه
وَمَا زَالَ ابْن الْفُرَات مكرما لحامد يلْبسهُ لين الثِّيَاب ويطعمه هني الطَّعَام الى ان توصل المحسن على يَدي مُفْلِح الى المقتدر ان يتَقَدَّم الى ابيه باستخلافه فاستخلفه على كره من الاب لذَلِك وخلع المقتدر عَلَيْهِ وَصَارَ الى دَاره فَمضى اليه الْكتاب والعمال للتهنئة فسقطوا من دَرَجه سَاج صعدوا عَلَيْهَا من زبازبهم فلحقتهم الْعِلَل لذَلِك
وَضمن حَامِد الْخَمْسمِائَةِ الف دِينَار واحضره فطالبه فَقَالَ لم يبْق غير ضياعي
стр. 38
وانا اوكل فِي بيعهَا فامر بصفعه فصفع خمسين صفعة واحدره الى وَاسِط مَعَ خَادِم وَعشرَة فرسَان وَذَلِكَ فِي عَاشر شهر رَمَضَان سنة احدى عشرَة وثلاثمائة
وشاع بِبَغْدَاد ان حامدا اشْتهى بيضًا فَطرح لَهُ الْخَادِم فِيهِ سما فاكله فَلحقه ذرب وَدخل واسطا وَهُوَ مثخن فَقَامَ اكثر من مائَة مجْلِس
فاراد البزوفري (١) الِاسْتِظْهَار لنَفسِهِ فَاحْضُرْ القَاضِي وشهوده وَكتب ان حامدا وصل الى وَاسِط فتسلمه البزوفري وَهُوَ عليل من ذرب وان تلف من ذَلِك فانما مَاتَ حتف انفه
فَلَمَّا دخل الشُّهُود وَقد قرر مَعَ حَامِد الاشهاد على نَفسه قَالَ لَهُم ان ابْن الْفُرَات الْكَافِر الْفَاجِر المجاهر بالرفض وبغض بنى الْعَبَّاس رَحْمَة الله عَلَيْهِم عاهدني وَحلف بِالطَّلَاق وايمان الْبيعَة على ان اقررت باموالي لم يسلمني ابْنه (٢) وصانني على الْمَكْرُوه وولاني فَلَمَّا اقررت سلمني الى ابْنه فعذبني ودفعني الى خادمه فسقاني بيضًا مسموما وَلَا صنع للبزوفري فِي دمي الى وقتنا هَذَا وَلكنه لعنة الله كفر احساني وَنسي اصطناعي فاغرى ابْن الْفُرَات بِي وسعى على دمي ثمَّ اخذ قِطْعَة من اموالي وَجعل يحشوها فِي الْمسَاوِر البرنون (٣) ويبتاع الْوَاحِدَة مِنْهَا بِخَمْسَة دَرَاهِم وفيهَا امتعة تَسَاوِي ثَلَاثَة الاف دِينَار فَاشْهَدُوا على مَا شرحته
وَتبين البزوفري انه قد اخطأ
وَكتب ابْن بطحا صَاحب الْخَبَر بواسط الى ابْن الْفُرَات بِالْحَال فشق عَلَيْهِ
وَتُوفِّي حَامِد (٤) فِي دَار البزوفري لَيْلَة الْخَمِيس لثلاث عشرَة خلت من شهر رَمَضَان سنة احدى عشرَة وثلاثمائة وَغسل وكفن وَصلى عَلَيْهِ القاضى وَالشُّهُود بواسط
واخذ مِنْهُ ابْن الْفُرَات الف الف وثلاثمائة الف دِينَار
وَقبض المحسن عَليّ ابي احْمَد مُحَمَّد بن منتاب الوَاسِطِيّ صَاحب حَامِد فصادره على مائَة الف دِينَار
وَحكى التنوخي عَن بعض الْكتاب قَالَ حضرت مائدة حَامِد بن الْعَبَّاس وَعَلَيْهَا عشرُون نفسا وَكنت اسْمَع انه ينْفق على مائدته مِائَتي دِينَار فاستقللت مَا رايت ثمَّ خرجت فرايت فِي الدَّار نيفا وَثَلَاثِينَ مائدة مَنْصُوبَة على كل وَاحِدَة ثَلَاثُونَ نفسا وكل
стр. 39
مائدة مثل الْمَائِدَة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا حَتَّى البوارد والحلوى وَكَانَ لَا يَسْتَدْعِي أحدا إِلَى طَعَامه بل يقدم إِلَى كل قوم فِي أماكنهم وَكَانَت الموائد فِي الدهاليز وَكَانَ يقدم لكل من يحضر جديا فَيكون الجداء بِعَدَد النَّاس وَيرْفَع مَا بَقِي فتقسمه الغلمان
وَقَالَ حَامِد إِنَّمَا فعلت هَذَا لأنني حضرت قبل علو أَمْرِي عَليّ مائدة بعض أصدقائي وَقدم عَلَيْهَا جدي فعولت على أكل كليته فَسَبَقَنِي رجل فَأكلهَا فاعتقدت فِي الْحَال أَن وسع الله عَليّ أَن أجعَل جداء بِعَدَد الْحَاضِرين
وَركب حَامِد وَهُوَ عَامل وَاسِط إِلَى بُسْتَان لَهُ فَرَأى فِي طَرِيقه دَارا محترقة وشيخا يبكي وَحَوله نسَاء وصبيان على مثل حَاله فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل هَذَا رجل تَاجر احترقت دَاره فافتقر وأفلت بِنَفسِهِ وَعِيَاله على هَذِه الصُّورَة فَوَجَمَ سَاعَة ثمَّ قَالَ فلَان الْوَكِيل فجَاء فَقَالَ اريد ان اندبك لأمر ان عملته كَمَا اريد فعلت بك وصنعت وَذكر جميلا وَإِن تجاوزت فِيهِ رسمي فعلت بك وصعنت وَذكر قبيحا فَقَالَ مر بامرك فَقَالَ ترى هَذَا الشَّيْخ قد الْمَنِيّ قلبِي لَهُ وَقد تنغصت عَليّ نزهتي بِسَبَبِهِ وَمَا تسمح نَفسِي بالتوجه إِ ١ لى بستاني إِلَّا بعد ان تضمن لي اني إِذا عدت العشية من النزهة وجدت الشَّيْخ فِي دَاره وَهِي كَمَا كَانَت مَبْنِيَّة مجصصة نظيفة وفيهَا الْفرس والصفر وَالْمَتَاع من صنوفه وصنوف الْآلَات مثل مَا كَانَ فِيهَا وعَلى جَمِيع عِيَاله من كسْوَة الشتَاء والصيف مثل مَا كَانَ لَهُم
قَالَ الشَّيْخ فَتقدم إِلَى الْخَادِم ان يُطلق مَا اريده وَإِلَى صَاحب المعونه ان يقف معي ويحضر كل مَا اريده من الصناع فَتقدم حَامِد بذلك وَكَانَ الزَّمَان صيفا فَاحْضُرْ اصناف الروزجاية والبنائين فَكَانُوا ينقضون بَيْتا ويطرحون فِيهِ من يبنه وَقيل لصَاحب الدَّار اكْتُبْ جَمِيع مَا ذهب مِنْك فَكتب حَتَّى المكنسة والمقدحة واحضر جَمِيع ذَلِك وَصليت الْعَصْر وَقد سقفت الدَّار كلهَا وجصصت وغلقت الابواب وَلم يبْق إِلَّا الْبيَاض والطوانيق فانفذ إِلَى خامد وَسَأَلَهُ التوفق فِي الْبُسْتَان وان لَا يركب مِنْهُ إِلَى ان يُصَلِّي العشا الاخيرة وَقد بيضت الدارت وكنست وفشت وَلبس الشَّيْخ وَعِيَاله الثِّيَاب وَدفعت اليهم الصناديق والخزانة مَمْلُوءَة بالامتعة.
واجتاز حَامِد وَالنَّاس مجتمعون لَهُ كانه نَهَار فِي يَوْم عيد فضجوا بِالدُّعَاءِ لَهُ فَتقدم الى الجهبد بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم يَدْفَعهَا إِلَيْهِ يزيدها فِي بضاعته وَسَار حَامِد إِلَى
стр. 40
وَفِي السّنة توفّي ابو إِسْحَاق ابرهم ابْن السّري الزّجاج صَاحب الْمعَانِي وَكَانَ يخرط الزّجاج فاتى الْمبرد وَكَانَ يعلم لَك وَاحِد باجرة على قدر معيشته وَقَالَ لَهُ اني اكسب فِي كل يَوْم درهما ودانقين واني اعطيك درهما ان تعلمت اَوْ لم اتعلم حَتَّى يفرق الْمَوْت بَيْننَا وآخذ مِنْك قَالَ قد رضيت قَالَ وانفذ اليه بَنو مارمة من الصراة يطْلبُونَ مؤدبا لاولادهم فانفذني اليهم وَكنت اوجه اليه فِي كل شهر ثَلَاثِينَ درهما
وَطلب عبيد الله بن سُلَيْمَان مِنْهُ مؤدبا لِابْنِهِ الْقسم فَقَالَ اعرف مؤدب بَين مارمة فَكتب غليه عبيد الله فاستنزلهم عني وادبت الْقسم فَكنت اقول لَهُ ان ابلغك الله مبلغ ابيك تُعْطِينِي عشْرين ألف دِينَار فَيَقُول لي نعم
فَمَا مَضَت الا سنُون حَتَّى ولي الوزارة وانا على ملازمته فَقَالَ لي بِالْيَوْمِ الثَّالِث مَا اراك ذَكرتني بِالنذرِ فَقلت لَا احْتَاجَ مَعَ رِعَايَة الْوَزير الي اذكار خَادِم وَاجِب الْحق فَقَالَ انه المعتضد وَلَوْلَا مَا تعاظمني ان ادْفَعْ ذَلِك فِي مَكَان وَاحِد وَلَكِنِّي اخاف ان يصير لي حَدِيثا فَخذه مفترقا فَقلت افْعَل فَقَالَ اجْلِسْ وَخذ رقاع اصحاب الْحَوَائِج الْكِبَار وَلَا تمْتَنع من مساءلتي فِي شَيْء فَكنت اقول ضمن لي فِي هَذِه الْقِصَّة كَذَا فَكَانَ يَقُول غبنت فاستزد الْقَوْم فَحصل عِنْدِي عشرُون الف دِينَار فَقَالَ حصل عنْدك مَال النّذر قلت لَا فَلَمَّا حصل عِنْدِي عشرُون الف دِينَار فَقَالَ حصل عنْدك مَال النّذر قلت لَا فَلَمَّا حصل ضعفة اخبرته فَوَقع لى خازنة بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار فأخذتها وامتنعت ان اعْرِض عَلَيْهِ شَيْء
فَلَمَّا كَانَ من غَد جِئْته فَأَوْمأ الي هَات مَا مَعَك فَقلت مَا اخذت رقْعَة لن النّذر قد وَقع الْوَفَاء بِهِ وَلم ادر كَيفَ اقع من الْوَزير فَقَالَ سُبْحَانَ الله اتراني كنت اقْطَعْ عَنْك شَيْئا قد صَار لَك بِهِ عَادَة وَصَارَ لَك بِهِ عِنْد النَّاس منزلَة وغدو وراواح إِلَى بَابي فتظن النَّاس ان انْقِطَاعه لتغير رتبتك اعْرِض عَليّ رسمك وَخذ بِلَا حِسَاب فَكنت اعْرِض عَلَيْهِ إِلَى ان مَاتَ
следующие страницы →