Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وَمِمَّنْ قتل حُكيم بن جبلة العبدى كَانَ متدينا عابدا وشريفا مُطَاعًا بطلاً وَهُوَ أحد من سَار إِلَى الْفِتْنَة وألب على عُثْمَان وَهُوَ من جمَاعَة عَليّ وَلم يزل يُقَاتل حَتَّى قطعت رجله فَأَخذهَا وَضرب بهَا الَّذِي قطعهَا فَقتله ثمَّ أَخذ يُقَاتل وَهُوَ يَقُول // (من منهوك الرجز) //
(يَا سَاقُ لَنْ تُرَاعِي ... إِنَّ مَعَي ذِرَاعِي)
(أَحْمِي بِهِ كُرَاعِي ... )
حَتَّى نزفه الدَّم فاتكأ على الْمَقْتُول الَّذِي قطع رجله فَمر بِهِ رجل فَقَالَ من قطع رجلك فَقَالَ وِسَادَتِي هَذِه ثمَّ أَتَاهُ سحيم الْحدانِي فَقتله وَذكر الْمَدَائِنِي أَنه رأى رجلا مصلم الْأُذُنَيْنِ فَسَأَلَهُ عَن قصَّته فَذكر أَنه خرج يَوْم الْجمل ينظر الْقَتْلَى فَنظر إِلَى رجل مِنْهُم يخْفق رَأسه وَهُوَ يَقُول // (من الطَّوِيل) //
(لَقَدْ أَوْرَدتْنَا أُمُّنَا حَوْمةَ الرَّدَى ... فَلَمْ نَنْصَرِفْ إِلَاّ وَنَحْنُ رِوَاءُ)
(أَطَعْنَا بَنِي تَيْمٍ لِشِقْوَةِ جَدِّنَا ... وَمَا تَيْمُ إِلَاّ أَعْبُدٌ وَإِمَاءُ)
فَقلت سُبْحَانَ الله تَقول هَذَا عِنْد الْمَوْت قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ يَا بن اللخناء أتأمرني بالجزع عِنْد الْمَوْت فوليت عَنهُ مُتَعَجِّبا فَقَالَ ادن مني لقني الشَّهَادَة فصرتُ إِلَيْهِ فَلَمَّا قربت مِنْهُ استدناني ثمَّ الْتَقم أُذُنِي فَذهب بهَا فَجعلت ألعنه وأدعو عَلَيْهِ فَقَالَ إِذا صرت إِلَى أمك فَقَالَت لَك من فعل هَذَا بك فَقل عُمَيْر بن الأهلب الضَّبِّيّ مخدوع الْمَرْأَة الَّتِي أَرَادَت أَن تكون أَمِير الْمُؤمنِينَ ثمَّ كَانَت فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وقْعَة صفّين اسْم مَكَان كَانَت بِهِ الْوَقْعَة وَذَلِكَ أَن سيدنَا عليا كرم الله وَجهه ورضى الله عَنهُ وَجَه جرير بن عبد الله
وَهُوَ الْمَقُول فِيهِ // (من الرجز) //
(لَوْلَا جَرِيرٌ هَلَكَتْ بَجِيلَهْ ... نِعْمَ الفَتَى وَبِئْسَتِ الْقَبِيلَهْ)
إِلَى مُعَاوِيَة وَقد كَانَ الأشتر النَّخعِيّ حذر عليا من إرْسَاله جَرِيرًا وخوفه من
стр. 1052
ذَلِك فَقَالَ جرير ابعثني فَإِنَّهُ لم يزل بِي مستنصحاً وداداً فآتيه فأسأله أَن يسلم إِلَيْك هَذَا الْأَمر وأدعو الشَّام إِلَى طَاعَتك فَقَالَ الأشتر لسيدنا عَليّ لَا تبعثه فوَاللَّه لأَظُن هَوَاهُ هواهم وَنِيَّته نيتهم فَقَالَ عَليّ دَعه حَتَّى نَنْظُر مَا يَأْتِي إِلَيْنَا بِهِ فَبعث بِهِ وَكتب إِلَى مُعَاوِيَة يُعلمهُ بمبايعة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار واجتماعهم عَلَيْهِ ونكث الزبير وَطَلْحَة وَمَا أوقع الله بهما وَأمره بِالدُّخُولِ فِي طَاعَته وأعلمه أَنه من الطُّلَقَاء الَّذين لَا تحل لَهُم الْخلَافَة فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ جرير دافعه وَسَأَلَهُ الْإِقَامَة أَيَّامًا وَقد كَانَ كتب مُعَاوِيَة إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ فَقدم إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مصر طعمة فَأَشَارَ عَمْرو بِالْبَعْثِ إِلَى وُجُوه الشَّام وَأَن يلْزم عليا دم عُثْمَان ومقاتلته فَقدم جرير على عَليّ فَأخْبرهُ خبرهم واجتماع أهل الشَّام مَعَ مُعَاوِيَة على قِتَاله وَأَنَّهُمْ يَبْكُونَ على عُثْمَان وَيَقُولُونَ إِن عليا قَتله وَإِنَّهُم لَا بُد لَهُم من قِتَاله حَتَّى ينفوه وَمن مَعَه أَو يعينهم فَقَالَ الأشتر لعَلي قد كنت أَخْبَرتك بعداوته وغشه يعْنى جَرِيرًا وَلَو أرسلتني لَكُنْت خيرا من هَذَا الَّذِي أرْخى جنَاحه وَأقَام حَتَّى لم يدع بَابا يَرْجُو مُعَاوِيَة فَتحه إِلَّا فَتحه وَلَا بَابا يخلفه إِلَّا غلقه فَقَالَ لَهُ جرير لَو كنت ثمَّ لقتلوك لقد ذكرُوا أَنَّك من قتلة عُثْمَان فَقَالَ لَو رَأَيْتهمْ وَالله يَا جرير لم يعيني جوابهم وَلَا ثقل عَليّ خطابهم ولحملت مُعَاوِيَة على خطة أعجلته فِيهَا من الْفِكر وَلَو أَطَاعَنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ فحَبَسك وأشباهك فِي مجْلِس فَلَا تخرجُونَ مِنْهُ حَتَّى تستقيم هَذِه الْأُمُور فَخرج جرير إِلَى الرحبة من شاطىء الْفُرَات وَكتب إِلَى مُعَاوِيَة يُعلمهُ بِمَا نزل بِهِ وَأَنه أحب مجاورته فَكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة يَأْمُرهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ وَبعث مُعَاوِيَة إِلَى الْمُغيرَة ابْن شُعْبَة يَقُول لَهُ قد ظهر من رَأْي ابْن أبي طَالب وَمَا كَانَ تقدم من توعده لَك فِي طَلْحَة وَالزُّبَيْر فَمَا الَّذِي بَقِي من رَأْيه فِينَا
وَذكر يحيى بن عبيد قَالَ قَالَ أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ وَجَمَاعَة لمعاوية أَأَنْت تنَازع عليا أم أَنْت مثله فَقَالَ لَا وَالله إِنِّي لأعْلم أَن عليا أفضل مني وأحق بِالْأَمر وَلَكِن ألستم تعلمُونَ أَن عُثْمَان قتل مَظْلُوما وَأَنا ابْن عَمه وَإِنَّمَا أطالب بدمه فَأتوا عليا فَقولُوا لَهُ فليدفع إِلَيّ قتلة عُثْمَان وَأسلم لَهُ فَأتوا عليا فكلموه بذلك فَلم يدفعهم إِلَيْهِ
стр. 1053
وَحدث يحيى الْجعْفِيّ أَن مُعَاوِيَة قَالَ لجرير بن عبد الله البَجلِيّ الْمَذْكُور اكْتُبْ إِلَى عَليّ أَن يَجْعَل لي الشَّام وَأَنا أُبَايِعهُ وَقَالَ وَبعث الْوَلِيد بن عقبَة إِلَى مُعَاوِيَة يَقُول // (من الطَّوِيل) //
(مُعَاوِيَ إنَّ الشَّامَ شَامُكَ فَاعْتَصِمْ ... بِشَامِكَ لَا تُدْخِلْ عَلَيْنَا الأَفَاعِيَا)
(وَحَامِ عَلَيْهَا بِالْقَنَابِلِ وَالْقَنَا ... وَلَا تَكُ مَحْبُوسَ الذِّرَاعَيْنِ دَانِيَا)
(فَإِنَّ عَلِيًّا نَاظرٌ مَا لِجَيْشِهِ ... فَأَهْدِ لَهُ حَرْبًا تُشِيبُ النَّوَاصِيَا)
وَعَن جَابر الْجعْفِيّ عَن الشّعبِيّ قَالَ لما ظهر أَمر مُعَاوِيَة دَعَا عَليّ ﵁ رجلا وَأمره أَن يسير إِلَى دمشق فيعقل رَاحِلَته على بَاب الْمَسْجِد وَيدخل بنية السّفر فَفعل الرجل فَسَأَلُوهُ من أَيْن جِئْت قَالَ من الْعرَاق قَالُوا مَا وَرَاءَك قَالَ تركت عليا قد حشد إِلَيْكُم ونهد فِي أهل الْعرَاق فَلَمَّا بلغ الْخَبَر مُعَاوِيَة نُودي الصَّلَاة جَامِعَة وامتلأ الْمَسْجِد فَصَعدَ مُعَاوِيَة الْمِنْبَر فَتشهد ثمَّ قَالَ إِن عليا قد نهد إِلَيْكُم فِي أهل الْعرَاق فَمَا الرأى فَضرب النَّاس بأذقانهم إِلَى صُدُورهمْ وَلم يرفع أحد طرفه إِلَيْهِ فَقَامَ ذُو الكلاع الْحِمْيَرِي فَقَالَ عَلَيْك امْرأي يَعْنِي الرَّأْي وعلينا امفِعالُ يَعْنِي الفعال فَنزل مُعَاوِيَة وَنُودِيَ فِي النَّاس اخْرُجُوا إِلَى عسكركم وَمن تخلف بعد ثَلَاث أخل بِنَفسِهِ فَخرج رَسُول عَليّ حَتَّى وافاه فَأخْبرهُ بذلك فَأمر عَليّ فَنَادَى الصَّلَاة جَامِعَة فَاجْتمع النَّاس فَصَعدَ الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ إِن رَسُولي الَّذِي أَرْسلتهُ إِلَى الشَّام قد قدم عَليّ وَأَخْبرنِي أَن مُعَاوِيَة قد نهد إِلَيْكُم فِي أهل الشَّام فَمَا الرَّأْي فَقَالَ أهل الْمَسْجِد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الرَّأْي كَذَا الرَّأْي كَذَا فَلم يفهم عَليّ كَلَامهم من كَثْرَة من تكلم وَكَثْرَة اللَّغط فَنزل وَهُوَ يَقُول إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون ذهب بهَا ابْن أكالة الأكباد يَعْنِي مُعَاوِيَة فَسَار عَليّ وَكَانَ مسيره من الْكُوفَة إِلَى صفّين لخمس خلون من شَوَّال سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ واستخلف على الْكُوفَة أَبَا مَسْعُود عقبَة بن عمر الْأنْصَارِيّ واجتاز عَليّ الْمَدَائِن ثمَّ الأنبار ثمَّ سَار حَتَّى نزل الرقة وَسَار مُعَاوِيَة من الشَّام فَسبق عليا إِلَى صفّين فَالْتَقوا بصفين فَكَانَت وقْعَة صفّين لسبع بَقينَ
стр. 1054
من الْمحرم من سنة سبع وَثَلَاثِينَ وشبت الْحَرْب بَينهم أول صفر من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ على ميمنة عَليّ الْأَشْعَث بن قيس الْكِنْدِيّ وعَلى الميسرة عبيد الله بن الْعَبَّاس وعَلى الرجالة عبد الله بن بديل بن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ فَقتل يَوْمئِذٍ وَمن أُمَرَاء عَليّ الْأَحْنَف بن قيس التَّمِيمِي وعمار بن يَاسر وعدي بن حَاتِم الطَّائِي وَالْأَشْتَر مَالك بن الْحَارِث النَّخعِيّ وَعَمْرو بن الْحمق الْخُزَاعِيّ وشبث ابْن ربعي الريَاحي وَسَعِيد بن قيس الْهَمدَانِي فَكَانَ رَئِيس هَمدَان وَالْمُهَاجِر بن خَالِد بن الْوَلِيد المَخْزُومِي وَغَيرهم فَكَانَ عَليّ فِي خمسين ألفا وَقيل تسعين ألفا وَقيل مائَة ألف وَكَانَ على ميمنة مُعَاوِيَة عَمْرو بن الْعَاصِ وعَلى ميسرته حبيب بن مسلمة الفِهري وعَلى الْخَيل عبيد الله بن عمر بن الْخطاب وَكَانَ لِوَاؤُهُ مَعَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد المَخْزُومِي وَمن أمرائه أَبُو الْأَعْوَر السّلمِيّ وَزفر بن الْحَارِث وَذُو الكلاع الْحِمْيَرِي ومسلمة بن مخلد وَبسر بن أَرْطَاة العامري وحابس بن سد الطَّائِي وَيزِيد بن أبي هُبَيْرَة السكونِي وَغَيرهم وَكَانَ مُعَاوِيَة فِي سبعين ألفا وَقيل فِي مائَة ألف وَعشْرين ألفا فَاقْتَتلُوا أَيَّامًا وَوَقع الْقِتَال وَعلي على بغلة رَسُول الله
وَهُوَ يَقُول ﵁ // (من الرجز) //
(مِنْ أَيِّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرّ ... أَيومَ لَمْ يُقَدَّرَ امْ يَوْمَ قُدِرْ)
وَحمل وحملوا مَعَه فَلم يبْق لأهل الشَّام صف إِلَّا انْتقض وعَلى لَا يمر بِفَارِس إِلَّا قده وَهُوَ يَقُول // (من الرجز) //
(أَضْرِبُهُمْ وَلَا أَرَى مُعَاوِيَهْ ... )
(الأَمْرَهَ الْعَيْنِ الْعَظِيمَ الْحَاوِيَهْ ... )
(تَهْوِي بِهِ فِي النَّارِ أُمٌّ هَاوِيَهْ ... )
وَقيل إِن الشّعْر لبديل بن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ قَالَ الزُّهْرِيّ اقْتَتَلُوا أَيَّامًا حَتَّى قتل خلق كثير قتل من أهل الشَّام خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ألفا وَمن أهل الْعرَاق خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا واقتتلوا قتالاً لم تقتَتِل هَذِه الْأمة مثله
стр. 1055
قطّ وَغلب أهل الْعرَاق على قَتْلَى حِمص وَغلب أهل الشَّام على قَتْلَى أهل الْعَالِيَة وَفِي كتاب المحاسن والمساوىء كتب أَمِير الْمُؤمنِينَ يَوْم صفّين إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان مَا لَك تقتل النَّاس بَيْننَا ابرز إِلَيّ فَإِن قتلتني استرحت مني وَإِن قتلتك استرحت مِنْك فَقَالَ لَهُ عَمْرو أنصفك الرجل فابرز إِلَيْهِ قَالَ كلا يَا عَمْرو أردْت أَن أبرز إِلَيْهِ فَيَقْتُلنِي وتثب على الْخلَافَة بعدِي قد علمت قُرَيْش أَن ابْن أبي طَالب أَشدّهَا وأسدها ثمَّ أنشأ يَقُول // (من الْكَامِل) //
(يَا عَمْرُو قَدْ أَسْرَرْتَ تُهْمَةَ غَادِرٍ ... بِرِضَاكَ لِي تَحْتَ العَجَاجِ بِرَازِي)
(مَا لِلْمُلُوكِ وَلِلْبِرازِ وَإِنّمَا ... حَتْفُ المُبَارِزِ خَطْفَةٌ مِنْ بَازِي)
(إِنَّ الَّذِي سَوَّلْتَ نَفْسَكَ طَالِبًا ... قَتْلِي جَزَاكَ بِمَا نَوَيْتَ الْجَازِي)
(فَلَقَدْ كَشَفْتَ قِنَاعَهَا مَذْمُومةً ... وَلَقَدْ لَبِسْتَ لَهَا ثِيَابَ الحَازي)
فَأَجَابَهُ عَمْرو بقوله // (من الوافر) //
(مُعاوِيَ إِنَّنِي لَمْ أَجْنِ ذَنْبًا ... وَمَا أَنَا بِالَّذِي يُدْعَى بِحَازِي)
(فَمَا ذَنْبِي بِأَنْ نَادَى عَلِيٌّ ... وَكَبْشُ الْقَوْمِ يُدْعَى لِلْبِرَازِ)
(فَلَوْ بَارَزْتَهُ لَلَقِيتَ قِرْنًا ... حَدِيدَ النَّابِ سَهْمًا ذَا اعْتِزَازِ)
(أَجَبْنَا فِي العَشِيرَةِ يَا بن هِنْدٍ ... وَعِنْدَ البَاهِ كَالتَّيْسِ الحِجَازِي)
ثمَّ إِن مُعَاوِيَة أقسم على عَمْرو بمبارزة عَليّ فبرز فَلَمَّا التقيا سل عَليّ سَيْفه فكشف عَمْرو ثَوْبه عَن عَوْرَته وَقَالَ مكره أَخَاك لَا بَطل فحول عَليّ ﵁ وَجهه عَنهُ وَقَالَ قبحت قَالَ السُّهيْلي جَاءَ عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ إِن عمار بن يَاسر قد قتل قَالَ مُعَاوِيَة فَمَاذَا قَالَ عَمْرو سَمِعت رَسُول الله
يَقُول لعمَّار تقتلك الفئة الباغية فَقَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو رخصت فِي بولك أَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ إِنَّمَا قَتله الَّذِي أخرجه فَبلغ قَوْله عليا فَقَالَ إِذا مَا قتل حَمْزَة إِلَّا النَّبِي
لِأَنَّهُ الَّذِي أخرجه
стр. 1056
وَاخْتَلَطَ النَّاس بِالنَّاسِ وَبَطل النبل وقصفت الرماح وأجنهم اللَّيْل وتنادوا بالشعار وتكادم الْقَوْم فَكَانَ يعتنق الفارسان فيقعان فِي الأَرْض جَمِيعًا عَن فرسيهما قلت التكادم التعاضض من الكدم وَهُوَ العض وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة وَهِي لَيْلَة الهرير كَانَ جملَة من قَتله عَليّ فِي يَوْمهَا وليلتها خَمْسمِائَة وَثَلَاثَة وَعشْرين رجلا أَكْثَرهم فِي الْيَوْم وَكَانَ إِذا قَاتل رجلا لم يكن يضْرب إِلَّا قتل وانكشفت الشَّمْس وتقطعت الألوية والرايات وَلم يعرفوا مَوَاقِيت الصَّلَاة فَقَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو هَات مخبآتك وأدركنا مِمَّا نَحن فِيهِ وَلَك مصر طعمة فَقَالَ نَاد فِي الْعَسْكَر بِرَفْع الْمَصَاحِف فَنُوديَ فَوجدَ فِي الْعَسْكَر أَكثر من خَمْسمِائَة مصحف فَأمر برفعها على الرماح وَأَن ينادوا بَيْننَا وَبَيْنكُم كتاب الله وَفِي ذَلِك يَقُول النَّجَاشِيّ بن الْحَارِث // (من الطَّوِيل) //
(فَأَصْبَحَ أَهْلُ الشَّامِ قَدْ رَفَعُوا القَنَا ... عَلَيْهَا كِتَابُ اللهِ خَيْرُ قرَانِ)
(وَنَادَوْا عَلِيًّا يَابن عَمِّ مُحُمَّدٍ ... أَمَا تَتَّقِي أَنْ يَهْلِكَ الثُّقَلَانِ)
فَلَمَّا رأى أهل الْعرَاق ذَلِك قَالُوا نجيب إِلَى كتاب الله وَأحب الْقَوْم الْمُوَادَعَة وَقَالَ لعَلي كثير من أَصْحَابه قد أَعْطَاك مُعَاوِيَة الْحق دعَاك إِلَى كتاب الله فاقبل مِنْهُ وَكَانَ أَشد الْقَوْم فِي ذَلِك الْأَشْعَث بن قيس الْكِنْدِيّ فَقَالَ عَليّ يَا أَيهَا النَّاس إِنَّه لم ينزل بِي من أَمركُم مَا أحب حِين قدحتكم الْحَرْب وَقد وَالله أخذت مِنْكُم وَتركت وَإِنِّي كنت بالْأَمْس الْأَمِير فَأَصْبَحت الْيَوْم مَأْمُورا وَقد أَحْبَبْتُم الْبَقَاء قَالَ الْأَعْمَش حَدثنِي من رأى عليا يَوْم صفّين يصفق بيدَيْهِ ويعض على إبهامه وَيَقُول يَا عجبا أعصى ويطاع مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ الأشتر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن مُعَاوِيَة لَا خلف لَهُ من رِجَاله وَلَك بِحَمْد الله الْخلف وَلَو كَانَ لَهُ مثل رجالك لما كَانَ لَهُ مثل صبرك وَلَا نصرك فاقرع الْحَدِيد بالحديد واستعن بِاللَّه فَقَالَ الْأَشْعَث يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّا لَك الْيَوْم على مَا كُنَّا بالْأَمْس وَلَيْسَ نَدْرِي كَيفَ
стр. 1057
يكون غَدا وَقد وَالله فل الْحَدِيد وكلت البصائر وَتكلم بِكَلَام كثير وَلَكِن إِن شِئْت أتيتُ مُعَاوِيَة فَسَأَلته مَا يُرِيد قَالَ عَليّ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة نرْجِع نَحن وَأَنْتُم إِلَى مَا أَمر الله فِي كِتَابه تبعثون رجلا مِنْكُم ترْضونَ بِهِ وتختارونه ونبعث رجلا منا ونأخذ عَلَيْهِمَا الْعَهْد والميثاق أَن يعملا بِكِتَاب الله فصوب الْأَشْعَث قَوْله وَذهب إِلَى عَليّ فَقَالَ أَكثر الْقَوْم رَضِينَا وَسَمعنَا وأطعنا فَاخْتَارَ أهل الشَّام عَمْرو بن الْعَاصِ وَقَالَ الْأَشْعَث وَمن ارْتَدَّ بعد ذَلِك إِلَى رأى الْخَوَارِج رَضِينَا نَحن بِأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فَقَالَ عَليّ عصيتموني أَولا فَلَا تعصوني الْآن إِنِّي لَا أرتاح إِلَى أبي مُوسَى فَقَالَ الْأَشْعَث لَا نرضى إِلَّا أَبَا مُوسَى قَالَ عَليّ وَيحكم وَلَيْسَ هُوَ بِثِقَة فعل كَذَا وَكَذَا وَقد فارقني وخذل النَّاس عني ثمَّ هرب شهرا حَتَّى أمنته وَلَكِن هَذَا عبد الله بن عَبَّاس فَقَالَ الْأَشْعَث وَأَصْحَابه وَالله لَا يحكم فِينَا مضريان قَالَ عَليّ فالأشتر فَقَالُوا وَهل أشعل مَا نَحن فِيهِ إِلَّا الأشتر فَقَالَ عَليّ فَاصْنَعُوا مَا أردتم وافعلوا مَا بدا لكم فبعثوا إِلَى أبي مُوسَى وأفهموه بالقضية وَقيل لأبي مُوسَى قد اصْطلحَ النَّاس فَقَالَ الْحَمد لله قيل وَقد جعلوك حكما فَقَالَ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فافترقوا بعد أَن صيروا الْأَجَل إِلَى شهر رَمَضَان من الْعَام الْقَابِل على اجْتِمَاع الْحكمَيْنِ فِي مَوضِع عدل بَين الْكُوفَة وَالشَّام يُسمى دومة الجندل وَكَانَ الْوَقْت الَّذِي كتبت فِيهِ الصَّحِيفَة بِالرِّضَا بالحكمين لأيام بَقينَ من صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَقَرَأَ الْأَشْعَث الصَّحِيفَة على النَّاس ماراً بهَا فَرحا وسروراً فَقَالَ عُرْوَة بن أدية أتحكمون يَا أشعب فِي دين الله وَأمره وَنَهْيه الرِّجَال لَا حكم إِلَّا لله وَهُوَ أول من قَالَهَا ونبذ سَيْفه على الْأَشْعَث فهمز فرسه عَن الضَّرْبَة فأصابت عجز الْفرس وَنَجَا الْأَشْعَث وَفِي فعل عُرْوَة بالأشعث يَقُول رجل من تَمِيم // (من الْخَفِيف) //
(عْروُ يَا عروَ كُل فِتْنَة قَوْمٍ ... سَلَفَتْ إِنَّمَا تَكُونُ فُتَيْنَه)
(ثَمَّ تَنْمُو وَيَعْظُمُ الَخطْبُ فِيهَا ... فَاحْذَرَنْ غِبَّ مَا صَنَعْتَ عريَّهْ)
(أَعَلَى الأَشْعَثِ المعصبِ بِالتّاجِ ... حَمَلْتَ السِّلَاح يَابْنَ أديَّهْ)
стр. 1058
(فانْظُرِ اليَوْمَ مَا يَقُولُ عليٌّ ... واتَّبِعْهُ فَذَاكَ خَيْرُ البَرِيهْ)
عَن صعصعة بن صوحان قَالَ خرج يَوْم صفّين رجل من أَصْحَاب مُعَاوِيَة يُقَال لَهُ كريز بن الصَّباح الْحِمْيَرِي فَوقف بَين الصفين وَقَالَ من يبارز فَخرج إِلَيْهِ رجل من أَصْحَاب عَليّ فَقتله فَوقف عَلَيْهِ فَقَالَ من يبارز فَخرج إِلَيْهِ آخر من أَصْحَاب عَليّ فَقتله وألقاه على الأول فَقَالَ من يبارز فَخرج إِلَيْهِ الثَّالِث فَقتله وألقاه على الْأَوَّلين وَقَالَ من يبارز فأحجم النَّاس عَنهُ وَأحب من كَانَ فِي الصَّفّ الأول أَن يكون فِي الآخر فَخرج إِلَيْهِ عَليّ على بغلة رَسُول الله
الْبَيْضَاء فشق الصُّفُوف فَلَمَّا انْفَصل مِنْهَا نزل عَنِ البغلة وسعى إِلَيْهِ فَقتله وَقَالَ من يبارز فَخرج إِلَيْهِ رجل آخر فَقتله وألقاه على الأول ثمَّ قَالَ من يبارز فَخرج إِلَيْهِ رجل فَقتله وألقاه على الْأَوَّلين ثمَّ قَالَ من يبارز فَخرج إِلَيْهِ آخر فَقتله وألقاه على الثَّلَاثَة ثمَّ قَالَ يَا أَيهَا النَّاس إِن الله يَقُول ﴿الشهرُ الحرامُ بِالشهرِ الْحَرَام والحُرماتُ قِصاص﴾ الْبَقَرَة ١٩٤ وَلَو لم تبتدئوا هَذَا مَا ابتدأناه ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَانَهُ عَن ابْن عَبَّاس وَقد سَأَلَهُ رجل أَكَانَ عَليّ يُبَاشر الْقِتَال يَوْم صفّين فَقَالَ ابْن عَبَّاس وَالله مَا رَأَيْت رجلا أطرح لنَفسِهِ فِي متْلف من عَليّ وَلَقَد كنت أرَاهُ يخرج حاسر الرَّأْس بِيَدِهِ السَّيْف إِلَى الرجل الدارع فيقتله أخرجهَا الواحدي ذكر أَبُو مخنف لوط بن يحيي عَن ابْن الْأَغَر التَّمِيمِي قَالَ بَينا أَنا وَاقِف بصفين إِذْ مر الْعَبَّاس بن ربيعَة بن الْحَارِث بن الْمطلب مكمل فِي سلاحه وَعَيناهُ تبرقان من تَحت المغفر كَأَنَّهُمَا شعلتا نَار أَو عينا أَرقم وَبِيَدِهِ صفيحة يَمَانِية يقلبها والمنايا تلوح فِي شفرتيها وَهُوَ على فرس صَعب فَبَيْنَمَا هُوَ يَبْعَثهُ ويلين من عريكته إِذْ هتف بِهِ هَاتِف من صف مُعَاوِيَة يُقَال لَهُ عزاز بن أَرقم لزهل الشَّامي يَا عَبَّاس هَلُمَّ إِلَى النُّزُول قَالَ فَنزل الْعَبَّاس إِلَى الشَّامي وَهُوَ يَقُول // (من الْبَسِيط) //
(الله يَعْلَمُ أنَّا لَا نُحِبُّكُمُ ... وَلا نَلُومُكُم إِذْ لَمْ تُحِبُّونَا)
ثمَّ زحف كل مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه وكف الْفَرِيقَانِ عَنْهُمَا ينظرُونَ مَا يكون من الرجلَيْن فتكافحا بسيفهما نهارهما لَا يصل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى صَاحبه لكَمَال لأمته
стр. 1059
إِلَى أَن لحظ الْعَبَّاس فتقاً فِي درع الشَّامي فَأَهوى إِلَيْهِ بِيَدِهِ وهتكه إِلَى ثندوته ثمَّ عَاد لمجاولته وَقد انفرج لَهُ بعض الدرْع فَضَربهُ الْعَبَّاس ضَرْبَة انتظم بهَا جوائح صَدره فحول وَجهه وَكبر النَّاس تَكْبِيرَة ارتجت الأَرْض من تَحْتهم بهَا فَإِذا قَائِل يَقُول ﴿قاتِلُوهُم يعُذِبهُمُ الله بأيدِيكم﴾ التَّوْبَة ١٤ الْآيَة قَالَ ابْن الْأَغَر فَالْتَفت فَإِذا عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ لي يَا بن الْأَغَر من المبارز لعدونا قلت ابْن أخيكم هَذَا الْعَبَّاس بن ربيعَة فَقَالَ عَليّ للْعَبَّاس ألم أَنْهَك وَعبد الله بن عَبَّاس أَن تحلا بمركز كَمَا لَو تناشر آخِرنَا قَالَ الْعَبَّاس إِن ذَلِك كَمَا قلت قَالَ عَليّ فَمَا عدا مِمَّا بدا قَالَ الْعَبَّاس أفأدعى إِلَى البرَاز باسمي فَلَا أُجِيب فَقَالَ عَليّ طَاعَتك إمامك أولى من إِجَابَة عَدوك وتغيظ واستطار ثمَّ تطامن وَسكت وَرفع يَدَيْهِ مبتهلاً وَقَالَ اللَّهُمَّ اشكر للْعَبَّاس واغفر ذَنبه وتأسف مُعَاوِيَة على عزاز بن أَرقم ثمَّ قَالَ أَلا رجل شري نَفسه يطْلب بِدَم عزاز فَانْتدبَ لَهُ رجلَانِ من لخم من أهل الْبَأْس من صَنَادِيدهمْ قَالَ فاذهبا فأيكما قتل الْعَبَّاس فَلهُ مائَة أُوقِيَّة من التبر وَمثلهَا من اللجين وبعددها من برود الْيمن فَأتيَاهُ فدعواه للبراز وصاحا بَين الصفين يَا عَبَّاس اخْرُج إِلَى الدَّاعِي فَقَالَ الْعَبَّاس إِن لي سيداً أُرِيد أوامره فَأتى عليا وَهُوَ فِي جنَاح الميمنة يَخُوض النَّاس فَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ عَليّ وَالله لود مُعَاوِيَة أَنه مَا بَقِي من بني هَاشم نافخ ضرمة إِلَّا طعن فِي بَطْنه إطفاءً لنُور الله ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ ثمَّ قَالَ يَا عَبَّاس ناقلني سِلَاحك بسلاحي فناقله عَليّ ووثب على فرس الْعَبَّاس وَقصد اللخميين فَلم يشكا أَنه الْعَبَّاس فَقَالَا لَهُ أذن لَك صَاحبك فحرج أَن يَقُول نعم فَقَالَ ﴿أُذِنَ لِلَذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنهُم ظُلِمُوا﴾ الْحَج ٣٩ الْآيَة وَكَانَ الْعَبَّاس أشبه النَّاس فِي جِسْمه وركوبه بعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فبرز لَهُ أَحدهمَا فكأنهما أَخطَأ رَأسه ثمَّ برز الآخر فألحقه بِالْأولِ ثمَّ أقبل يَقُول ﴿الشهرُ الحرامُ بِالشهرِ الْحَرَام﴾ الْبَقَرَة ١٩٤ الْآيَة ثمَّ قَالَ يَا عَبَّاس خُذ سِلَاحك وهات سلاحي فَإِن عَاد لَك أحد فعد لي ونمى الْخَبَر إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ قبح الله اللجاج وَمَا ركبته قطّ إِلَّا خذلت فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ المخذول وَالله اللخميان فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة اسْكُتْ أَيهَا الرجل فَلَيْسَ هَذَا من شَأْنك قَالَ عَمْرو فَإِن لم يكن الله رحم اللخميين وَلَا أرَاهُ يفعل قَالَ مُعَاوِيَة ذَاك
стр. 1060
وَالله أضيق لحجتك وأخسر لصفقتك قَالَ عَمْرو قد علمت ذَلِك وَلَوْلَا مصر وولايتها لركبت المسحاة عَنْهَا فَإِنِّي أعلن أَن ابْن أبي طَالب على الْحق وَأَنا على هَذِه فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة مصر وَالله أعمتك وَلَوْلَا مصر لألفيت بَصيرًا وَكَانَ مَعَ عَليّ من الصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم أَلفَانِ وَثَمَانمِائَة قتل مِنْهُم خَمْسَة وَعِشْرُونَ صحابياً وَلما تفَرقُوا عَليّ إِلَى الْكُوفَة وَمُعَاوِيَة إِلَى الشَّام كثر اخْتِلَاف الْكَلِمَة بَين أَصْحَاب عَليّ وتفاوت الرَّأْي وَعدم انتظام الْأُمُور وتبرأ الْأَخ من أَخِيه وتضارب الْقَوْم بنعال السيوف وَقيل بالنعال وتسابوا وَلَام كل الآخرَ وَلما وصل عَليّ الْكُوفَة انحاز عَنهُ سِتَّة آلَاف وَقيل اثْنَا عشر ألفا من الْقَوْم وَغَيرهم فنزلوا حَرَوراء قَرْيَة من قرى الْكُوفَة وَجعلُوا شبيب بن ربعي التَّمِيمِي عَلَيْهِم فَخرج إِلَيْهِم عَليّ وأدخلهم جَمِيعًا الْكُوفَة فَجعلُوا ينادون عليا وَهُوَ على الْمِنْبَر جزعت من البلية ورضيت بالقضية وَقبلت الدنية لَا حكم إِلَّا لله فَقَالَ عَليّ حكم الله انتظم فِيكُم فَيَقُولُونَ ﴿وَلَقَد أُوحِيَ إِلَيْك وَإِلَى الذَينَ مِن قَبلِكَ لئين أشركَت ليحبطن عمُلُكَ﴾ الزمر ٦٥ الْآيَة فَيَقُول عَليّ ﵁ ﴿إنَ وَعدَ الله حق وَلَا يستخفنك الَّذين لَا يُؤمنُونَ﴾ الرّوم ٦٠ انْتهى بِحَمْد الله
стр. 1061
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
(مناظرة ابْن عَبَّاس للخوارج)
قَالَ الذَّهَبِيّ قَالَ عِكْرِمَة بن عمار حَدثنِي أَبُو زميل قَالَ حَدثنِي ابْن عَبَّاس قَالَ لما اجْتمعت الْخَوَارِج قلت لعَلي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أبرد بِالصَّلَاةِ لعَلي آتى الْقَوْم قَالَ فَإِنِّي أَخَافهُم عَلَيْك قلت كلا فَقَالَ أَنْت وَذَاكَ فَلبس حلتين من أحسن الْحلَل وَكَانَ جهيراً جميلا قَالَ فَأتيت الْقَوْم فَلَمَّا رأواني قَالُوا مرْحَبًا بِابْن عَبَّاس فَمَا هَذِه الْحلَّة قلت وَمَا تنكرون من ذَلِك لقد رَأَيْت على رَسُول الله
حلَّة من أحسن الْحلَل قَالَ ثمَّ تَلَوت عَلَيْهِم ﴿قل مَن حرم يؤمنونَ اللهِ الَّتِي أخرج لِعبَاده﴾ الْأَعْرَاف ٣٢ الْآيَة قَالُوا فَمَا جَاءَ بك قلت جِئتُكُمْ من عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن عِنْد أَصْحَاب رَسُول الله
وصهره فَأقبل بَعضهم على بعض وَقَالُوا لَا تُكَلِّمُوهُ فَإِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿بَل هُم قَوم خَصِمونَ﴾ الزخرف ٥٨ وَقَالَ بَعضهم وَمَا يمنعنا من كَلَام ابْن عَم رَسُول الله
يَدْعُونَا إِلَى كتاب الله فَقَالُوا ننقم عَلَيْهِ خلالا ثَلَاثًا أَحدهَا أَنه حكم الرِّجَال فِي دين الله وَمَا للرِّجَال وَحكم الله الثَّانِيَة أَنه قَاتل وَلم يسب وَلم يغنم فَإِن كَانَ قد حل قِتَالهمْ فقد حل سَبْيهمْ وَإِلَّا فَلَا الثَّالِثَة أَنه محا نَفسه من إمرة الْمُؤمنِينَ فَإِن لم يكن أَمِير الْمُؤمنِينَ فَهُوَ أَمِير الْمُشْركين قَالَ ابْن عَبَّاس هَل غير هَذَا فَقَالُوا حَسبنَا هَذَا فَقَالَ لَهُم أَرَأَيْتُم إِن خرجت لكم من كتاب الله وَسنة رَسُوله
أراجعون أَنْتُم قَالُوا وَمَا يمنعنا قَالَ أما قَوْلكُم إِنَّه حكم الرِّجَال فِي أَمر الله تَعَالَى فَإِنِّي سَمِعت الله تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه ﴿يحكُمُ بِهِ ذوَا عَدل مِنكُم﴾ الْمَائِدَة ٩٥ وَذَلِكَ فِي ثمن صيد أرنب وَنَحْوه قِيمَته ربع دِرْهَم فوض الله تَعَالَى فِي الحكم إِلَى الرِّجَال وَلَو شَاءَ أَن يحكم لحكم وَقَالَ ﴿وَإِن خِفتم شِقَاقَ بَينِهِمَا فَاَبعَثُوا حَكَمَاً مِن أهلِه وَحَكَمَاً مِّن أهلِهَا﴾ الْآيَة النِّسَاء ٣٥ أخرجت من هَذِه قَالُوا نعم قلت وَأما قَوْلكُم قَاتل وَلم يسب فَإِنَّهُ قَاتل أمكُم لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وأزواجه أمَهاتهم﴾ الْأَحْزَاب ٦ فَإِن زعمتم أَنَّهَا لَيست بأمكم فقد كَفرْتُمْ وَإِن زعمتم أَنَّهَا أمكُم فَمَا حل سباؤها فَأنْتم بَين ضلالتين أخرجت من هَذِه قَالُوا نعم قلت وَأما
стр. 1062
قَوْلكُم إِنَّه محا سمه من إمرة الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي أنبئكم عَن ذَلِك أما تعلمُونَ أَن رَسُول الله
يَوْم الْحُدَيْبِيَة جرى الْكتاب بَينه وَبَين سُهَيْل بن عَمْرو كتاب الصُّلْح والهدنة فَقَالَ يَا عَليّ اكْتُبْ هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله فَقَالَ سُهَيْل لَو نعلم أَنَّك رَسُول الله مَا منعناك الدُّخُول وَلَا قَاتَلْنَاك وَلَكِن اكْتُبْ اسْمك وَاسم أَبِيك فَقَالَ
اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي رَسُولك ثمَّ أَخذ الصَّحِيفَة فمحاها بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ يَا عَليّ اكْتُبْ هَذَا مَا قاضى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله إِلَخ فوَاللَّه مَا أخرجه ذَلِك عَن النُّبُوَّة أخرجت من هَذِه قَالُوا نعم قَالَ فَرجع ثلثهم وَانْصَرف ثلثاهم وَقتل سَائِرهمْ على الضَّلَالَة يَوْم النهروان كَمَا يَأْتِي قَرِيبا ذكره قَالَ عَوْف حَدثنَا أَبُو نَضرة عَن أبي سعيد تفترق أمتِي فرْقَتَيْن تمرق بَينهمَا مارقة تقتلهم أولى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ وَهَكَذَا رَوَاهُ قَتَادَة وَسليمَان التَّيْمِيّ عَن أبي نَضرة قاْل المَسْعُودِيّ فَاجْتمع الثُّلُث الْبَاقِي من الْخَوَارِج فِي أَرْبَعَة آلَاف قلت ظهر أَن المَسْعُودِيّ رجح رِوَايَة أَنهم كَانُوا اثْنَي عشر ألفا فَكَانَ الثُّلُث أَرْبَعَة آلَاف وَبَايَعُوا عبد الله بن وهب الرَّاسِبِي وَلَحِقُوا بِالْمَدَائِنِ وَقتلُوا عَامل عَليّ عَلَيْهَا عبد الله بن خباب ذبحوه ذبحا وبقروا بَطْنه وبطن امْرَأَته وَكَانَت حَامِلا وَقتلُوا غَيرهَا من النِّسَاء وَكَانَ عَليّ قد انْفَصل عَن الْكُوفَة فِي خَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألفا ثمَّ سَارُوا إِلَى النهروان وأتى إِلَى عَليّ من قبل عَامله على الْبَصْرَة ابْن عَبَّاس ثَلَاثَة آلَاف فيهم الْأَحْنَف بن قيس وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ فَنزل عَليّ ﵁ إِلَى الأنبار والتأمت عَلَيْهِ العساكر فَسَار حَتَّى أَتَى إِلَى النهروان فَبعث إِلَيْهِم عَليّ بِالْحَارِثِ بن مرّة الْعَبْدي رَسُولا يَدعُوهُم إِلَى الرُّجُوع فَقَتَلُوهُ وبعثوا إِلَى عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِن تبتَ من حكومتك وَشهِدت على نَفسك بالْكفْر بايعناك
стр. 1063
وَإِن أَبيت فاعتزلنا حَتَّى نَخْتَار لأنفسنا إِمَامًا فَإنَّا مِنْك بُرَآء فَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه سِيرُوا إِلَى الْقَوْم فَإِنَّكُم تجدونهم قد عسكروا بالرملة فوَاللَّه لَا يفلت مِنْهُم عشرَة وَلَا يقتل مِنْكُم عشرَة فَأَشْرَف عَلَيْهِم وَقد عسكروا بالرملة على حسب مَا قَالَه لأَصْحَابه رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ثمَّ أَتَى عَلَيْهِم فَلم يفلت مِنْهُم إِلَّا سَبْعَة وَلم يقتل من أَصْحَاب على إِلَّا تِسْعَة فَقَالَ الله أكبر لقد صدق رَسُول الله
فقد أَخْبرنِي بذلك ثمَّ أَمر ينظر المخدج من بَين الْقَتْلَى وَهُوَ ذُو الثدية لحم مُجْتَمع على مَنْكِبه كثدي الْمَرْأَة عَلَيْهِ شَعرَات سود إِذا مدت اللحمة امتدت حَتَّى تحاذي بطن يَده ثمَّ تتْرك فتعود إِلَى مَنْكِبه فَلَمَّا وجدوه بَين الْقَتْلَى ثني عَليّ ﵁ رجله وَنزل فَخر سَاجِدا وَمر بهم وهم صرعى فَقَالَ لقد صرعكم من غركم قَالُوا وَمن غرهم قَالَ الشَّيْطَان
(التقاء الْحكمَيْنِ بدومة الجندل)
لما كَانَ رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وصل من قبل عَليّ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي أَرْبَعمِائَة أَمِيرهمْ شُرَيْح بن هَانِئ وَوصل من قبل مُعَاوِيَة عَمْرو بن الْعَاصِ فِي أَرْبَعمِائَة كَذَلِك أَمِيرهمْ شُرَحْبِيل بن السمط فَلَمَّا تدانى الْقَوْم من الْموضع الَّذِي كَانَ الِاجْتِمَاع فِيهِ قَالَ ابْن عَبَّاس لأبي مُوسَى إِن عليا لم يرض بك حكما لفضل عنْدك والمقدمون عَلَيْك كَثِيرُونَ وَإِنَّمَا النَّاس أَبَوا غَيْرك وَإِنِّي أَظن لشر يُرَاد بهم وَقد ضم داهية الْعَرَب مَعَك فمهما نسيت فَلَا تنس أَن عليا بَايعه الَّذين بَايعُوا أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان وَلَيْسَت فِيهِ خصْلَة تباعده عَن الْخلَافَة وَلَيْسَ فِي مُعَاوِيَة خصْلَة تقربه من الْخلَافَة وَكَانَ مُعَاوِيَة قد وصّى عمرا فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله إِن أهل الْعرَاق قد أكْرهُوا عليا على أبي مُوسَى وَإِن أهل الشَّام راضون بك وَقد ضم إِلَيْك رجل طَوِيل اللِّسَان قصير الرَّأْي فأجد الحز وطبق الْمفصل وَلَا تلقه بِرَأْيِك كُله فَلَمَّا اجْتمعَا قَالَ عَمْرو لأبي مُوسَى تكلم وَلَا تقل إِلَّا خيرا فَقَالَ أَبُو مُوسَى بل تكلم أَنْت فَقَالَ عَمْرو مَا كنت لأَفْعَل وَلَا أقدم نَفسِي عَلَيْك وَلَك حُقُوق
стр. 1064
كلهَا وَاجِبَة السنك وصحبتك رَسُول الله
وَأَنت حقيق فَتكلم أَبُو مُوسَى فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَذكر الْحَدث الَّذِي حل بِالْإِسْلَامِ ثمَّ قَالَ يَا عَمْرو هَلُمَّ إِلَى أَمر يجمع الله بِهِ الألفة ويلم الشعث وَذَات الْبَين فجزاه عَمْرو خيرا ثمَّ قَالَ عَمْرو إِن للْكَلَام أولاًَ وآخراً وَمَتى تنازعنا الْكَلَام خطباً لم يبلغ آخِره حَتَّى ينسى أَوله فَاجْعَلْ مَا كَانَ من كَلَام يتصادق عَلَيْهِ فِي كتاب يصير إِلَيْهِ أمرنَا قَالَ أَبُو مُوسَى فَاكْتُبْ فَدَعَا عَمْرو بِصَحِيفَة وَغُلَام لَهُ كَاتب فَتقدم إِلَيْهِ أَن يبْدَأ بِهِ أَولا دون أبي مُوسَى لما أَرَادَ من الْمَكْر ثمَّ قَالَ لَهُ بِحَضْرَة الْجَمَاعَة اكْتُبْ فَإنَّك شَاهد علينا وَلَا تكْتب شَيْئا يَأْمُرك بِهِ أَحَدنَا حَتَّى تستأمر فِيهِ الآخر فَإِذا أَمرك فَاكْتُبْ وَإِذا نهاك عَنهُ فانته حَتَّى يجْتَمع رَأينَا اكْتُبْ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا تقاضى عَلَيْهِ فلَان وَفُلَان فَكتب وَبَدَأَ بِعَمْرو فَقَالَ لَهُ عَمْرو لَا أم لَك تقدمني قبله كَأَنَّك جَاهِل حَقه فَبَدَأَ باسم أبي مُوسَى عبد الله بن قيس وَكتب تقاضيَا على أَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْهدى الْآيَة ثمَّ قَالَ عَمْرو نشْهد أَن أَبَا بكر خَليفَة رَسُول الله عمل بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله حَتَّى قَبضه الله إِلَيْهِ وَقد أدّى الْحق الَّذِي عَلَيْهِ قَالَ أَبُو مُوسَى اكْتُبْ ثمَّ ذكر فِي عمر مَا ذكر فِي أبي بكر ثمَّ قَالَ اكْتُبْ وَإِن عُثْمَان ولي هَذَا الْأَمر باجتماع الْمُسلمين وشورى من أَصْحَاب رَسُول الله
وَرَضي عَنْهُم وَإنَّهُ كَانَ مُؤمنا فَقَالَ أَبُو مُوسَى لَيْسَ هَذَا مِمَّا قعدنا لَهُ فَقَالَ عَمْرو وَالله لَا بُد أَن يكون مُؤمنا أَو كَافِرًا فَقَالَ أَبُو مُوسَى مُؤمنا فَقَالَ عَمْرو فمره يكْتب فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِلْكَاتِبِ اكْتُبْ فَكتب فَقَالَ عَمْرو ظَالِما قتل أَو مَظْلُوما فَقَالَ أَبُو مُوسَى بل قتل مَظْلُوما قَالَ عَمْرو أَو لَيْسَ قد جعل الله لوَلِيّ الْمَظْلُوم سُلْطَانا يطْلب بدمه قَالَ أَبُو مُوسَى بلَى قَالَ عَمْرو فعلى ذَلِك قَاتله يقتل أَيْنَمَا وجد قَالَ أَبُو مُوسَى نعم قَالَ عَمْرو فَهَل تعلم لعُثْمَان وليا أقرب من مُعَاوِيَة قَالَ لَا قَالَ عَمْرو أفليس لمعاوية أَن يطْلب قَاتله حَيْثُ وجد حَتَّى يقْتله أَو يعجزه قَالَ أَبُو مُوسَى بلَى قَالَ عَمْرو قل لِلْكَاتِبِ اكْتُبْ فَأمره أَبُو مُوسَى فَكتب فَقَالَ عَمْرو فَإنَّا نُقِيم الْحجَّة الْبَيِّنَة أَن عليا
стр. 1065
قتل عُثْمَان قَالَ أَبُو مُوسَى هَذَا أَمر قد حدث فِي الْإِسْلَام وَإِنَّمَا اجْتَمَعنَا لغيره فَهَلُمَّ إِلَى أَمر يصلح الله بِهِ أَمر أمة مُحَمَّد
فَقَالَ عَمْرو وَمَا هُوَ قَالَ أَبُو مُوسَى قد علمت أَن أهل الْعرَاق لَا يحبونَ مُعَاوِيَة وَأهل الشَّام لَا يحبونَ عليا فَهَلُمَّ نخلَعهما ويستخلف عبد الله ابْن عمر وَكَانَ زوج بنته فَقَالَ عَمْرو وَيفْعل ذَلِك عبد الله قَالَ أَبُو مُوسَى نعم إِذا حمله النَّاس عَلَيْهِ فعزم عَمْرو إِلَى كل مَا مَال إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى فصوبه فَقَالَ عَمْرو هَل لَك فِي سعد وَعدد جمَاعَة فَأبى أَبُو مُوسَى إِلَّا عبد الله بن عمر فَجعل عَمْرو الصَّحِيفَة بعد أَن ختماها تَحت قدمه وَقَالَ أَرَأَيْت إِن رَضِي أهل الْعرَاق بِعَبْد الله بن عمر وأباه أهل الشَّام أنقاتلهم قَالَ لَا فَإِن رَضِي أهل الشَّام بِهِ وأباه أهل الْعرَاق أنقاتل أهل الْعرَاق قَالَ لَا قَالَ عَمْرو وَأما إِذا رَأَيْت الصّلاح فِي هَذَا الْأَمر وَالْخَيْر للْمُسلمين فَقُمْ واخطب النَّاس واخلع صاحبينا جَمِيعًا وَتكلم باسم هَذَا الرجل الَّذِي يسْتَخْلف فَقَالَ أَبُو مُوسَى بل أَنْت قُم فاخطب فَأَنت أَحَق بذلك فَقَالَ عَمْرو مَا أحب أَن أتقدمك وَمَا قولي وقولك للنَّاس إِلَّا قَول وَاحِد فَقُمْ راشداً فَقَامَ أَبُو مُوسَى فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على نبيه
ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِنَّا نَظرنَا فِي أمرنَا فَرَأَيْنَا أقرب مَا يحضرنا فِي الْأَمْن وَالصَّلَاح وَلم الشعث وحقن الدِّمَاء وَجمع الألفة خلعنا عليا وَمُعَاوِيَة وَقد خلعت عليا كَمَا خلعت عمامتي هَذِه ثمَّ أَهْوى إِلَى عمَامَته فحولها عَن رَأسه واستخلفنا رجلَا صحب رَسُول الله
بِنَفسِهِ وَصَحب أَبوهُ النَّبِي فبرز فِي سابقته وَهُوَ عبد الله بن عمر فأطراه فَرغب النَّاس فِيهِ ثمَّ نزل فَقَامَ عَمْرو فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ وَصلى على نبيه
ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس إِن أَبَا مُوسَى قد خلع عليا وَأخرجه من الْأَمر الَّذِي يطْلب وَهُوَ أعلم بِهِ أَلا وَإِنِّي قد خلعت عليا مَعَه وَأثبت مُعَاوِيَة عَليّ وَعَلَيْكُم وَإِن أَبَا مُوسَى قد كتب فِي الصَّحِيفَة أَن عُثْمَان قتل مَظْلُوما شَهِيدا وَأَن لوَلِيِّه سُلْطَانا يطْلب بدمه وَله طاعتنا وبيعتنا
стр. 1066
على الطّلب بِدَم عُثْمَان فَقَالَ أَبُو مُوسَى كذب عَمْرو لم اسْتخْلف مُعَاوِيَة وَلَكنَّا خلعناه وعلياً فَقَالَ عَمْرو بل كذب أَبُو مُوسَى قد خلع عليا وَلم يخلع مُعَاوِيَة قلت وَرَأَيْت وَجها آخر فِي كَيْفيَّة ذَلِك ذكره المطرزي شَارِح المقامات فِي شرحها فَقَالَ إِن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ لأبي مُوسَى بعد أَن أظهر لَهُ عَمْرو الْمُوَافقَة على تَوْلِيَة عبد الله بن عمر وَصوب رَأْيه فِي ذَلِك قُم فاخلع عليا ثمَّ انْزِلْ فَإِذا نزلت قُمْت أَنا فخلعت صَاحِبي مُعَاوِيَة وأقمت عبد الله بن عمر كَمَا أَشرت فَإِن تَكُ وثبة من الشِّيعَة قوبلت بهَا دُونك فَلَمَّا قَامَ عَمْرو بعد أبي مُوسَى فعل مَا فعل ثمَّ نزل قَائِلا إِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمَن قُتِلَ مَظلُومُاً فَقد جَعلنا لِوليهِ سُلطانَاً فَلا يسرِف فِي القَتل إنهُ كاَنَ مَنصُوراً﴾ الْإِسْرَاء ٣٣ وَوجدت فِي مروج الذَّهَب وَجها آَخر فِي ذَلِك هُوَ أَنَّهُمَا لما اتفقَا على خلع عَليّ ومعاويةّ اتفقَا على أَن يجعلا الْأَمر شُورَى بعد ذَلِك يخْتَار النَّاس لَهُم رجلا صَالحا يصلح فَفعل عَمْرو مَا فعل وَفِي رِوَايَة أَن أَبَا مُوسَى قَالَ لَهُ حِينَئِذٍ لعنك الله غدرت وفجرت إِنَّمَا مثلك كَمثل الْكَلْب ثمَّ ركله فَأَلْقَاهُ لجنبه على الأَرْض وارتحل أَبُو مُوسَى وَلحق بِمَكَّة حَيَاء وَلم يعد إِلَى الْكُوفَة وَقد كَانَ بهَا أَهله وَولده وآلى أَلا ينظر إِلَى وَجه عَليّ أبدا مَا بَقِي وَمضى عَمْرو وَسعد بن أبي وَقاص إِلَى بَيت الْمُقَدّس قَالَ المَسْعُودِيّ قَالَ ابْن عَبَّاس يُخَاطب أَبَا مُوسَى من // (الوافر) //)
(أَبَا موسَى بُليتَ وكُنْت شَيخا ... قريبَ الْعَفو مخزونَ اللسانِ)
(وَمَا عَمْرو صفاتكَ يَا بْنَ قيسٍ ... فيا للِه مِنْ شيخٍ يماني)
)
فأمسيت العشيةَ ذَا اعتذارٍ ... ضعيفَ الرأْيِ منكوب الْجنان)
(فغضَّ الكفَّ من ندمٍ وماذا ... يَرُدُّ عليكَ عضُّكَ للبنانِ)
وَفِي مثل هَذَا الْمَعْنى يَقُول خُزَيْمَة بن مَالك الْأَسدي من // (الْبَسِيط) //
(لَو كَانَ للقومِ رأيٌ يُعْصَمُونَ بِهِ ... عِنْدَ الخطوبِ رمُوْكُمْ بِابْن عباسِ)
стр. 1067
(لكنْ رموكمْ بِوغَدٍ مِنْ ذَوي يمَنِ ... لم يدر مَا ضرْبُ أخْمَاسٍ بأَسْداسِ)
وَلما انْصَرف الْفَرِيقَانِ من حَيْثُ كَانَا إِلَى حَيْثُ جَاءَ دخل عَمْرو بن الْعَاصِ سترا لَهُ وَلم يَأْتِ مُعَاوِيَة فَأرْسل مُعَاوِيَة يَدعُوهُ فَقَالَ عَمْرو إِنَّمَا كنت آتِيك إِذْ كَانَت لي إِلَيْك حَاجَة فَأَما إِذا كَانَت الْحَاجة إِلَيْنَا فَأَنت أَحَق أَن تَأْتِينَا فَعلم مُعَاوِيَة مَا قد دفع إِلَيْهِ فخمر الرَّأْي وأعمل الْحِيلَة فَأمر بِطَعَام كثير يصنع ثمَّ دَعَا الْخَاصَّة ومواليه فَقَالَ لَهُم إِنِّي سأغدوا إِلَى هَذَا فَإِذا دَعَوْت بِالطَّعَامِ قدمُوا موَالِيه وَأَهله فليجلسوا قبلكُمْ فَإِذا شبع الرجل مِنْهُم فَقَامَ فليجلس رجل مِنْكُم مَكَانَهُ فَإِذا خَرجُوا وَلم يبْق فِي الْبَيْت غَيْركُمْ فأغلقوا الْبَاب واحذروا أَن يدْخل مِنْهُم أحد إِلَّا أَن آمركُم وغدَا عَلَيْهِ مُعَاوِيَة وَعَمْرو جَالس على فرشه فَلم يقم لَهُ عَنهُ وَلَا دَعَاهُ إِلَيْهِ فجَاء مُعَاوِيَة فَجَلَسَ على الأَرْض واتكأ على نَاحيَة الْفراش وَذَلِكَ أَن عمرا كَانَ عِنْد نَفسه أَنه ملك الْأَمر وَإِلَيْهِ التصريف حَيْثُ يَشَاء بندب الْخلَافَة من يرى فَخرج بَينهمَا كَلَام كثير فَكَانَ فِيمَا قَالَه عَمْرو لمعاوية هَذَا لكتاب وَأَشَارَ إِلَى صَحِيفَته التحاكم بَينه وَبَين أبي مُوسَى السَّابِق ذكرهَا عَلَيْهِ خَاتمِي وخاتمه قد أقرّ بِأَن عُثْمَان قتل مَظْلُوما وَأخرج عليا من هَذَا الْأَمر وَعرض عَليّ رجَالًا هم لهَذَا الْأَمر أهل وَبِهَذَا الْأَمر إِلَيّ اسْتخْلف عَلَيْهِ من شِئْت فقد أَعْطَانِي أهل الشَّام عَهدهم ومواثيقهم على الرِّضَا بِمن أختاره فجَاء مُعَاوِيَة وضاحكه وداعبه يحوله عَمَّا كَانَ فِيهِ ثمَّ قَالَ يَا أَبَا عبد الله هَل من غداء فَقَالَ عَمْرو أما شَيْء يسع مَا ترى فَلَا وَالله فَقَالَ مُعَاوِيَة هَلُمَّ غدائي فجيء بِالطَّعَامِ الْمعد فَوضع فَقَالَ مُعَاوِيَة يَا أَبَا عبد الله ادْع مواليك وَأهْلك فَدَعَاهُمْ فَقَالَ عَمْرو فَادع أَصْحَابك ومواليك قَالَ نعم يَأْكُل أَصْحَابك أَولا ثمَّ يجلس هَؤُلَاءِ بعد فَجعلُوا كلما قَامَ رجل من أَصْحَاب عَمْرو جلس مَوْضِعه رجل من أَصْحَاب مُعَاوِيَة حَتَّى لم يبْق من أَصْحَاب عَمْرو وَاحِد فَقَامَ الَّذِي وَكله بِالْبَابِ فأغلقه فَقَالَ لَهُ عَمْرو فعلتها فَقَالَ نعم وَالله بيني وَبَيْنك أَمْرَانِ أَيهمَا شِئْت فعلت قَالَ مَا هما قَالَ الْبيعَة أَو قَتلك لَيْسَ وَالله غَيرهمَا قَالَ عَمْرو فَأذن لغلامي وردان أَسْتَشِيرهُ وَأنْظر رَأْيه قَالَ مُعَاوِيَة
стр. 1068
لَا ترَاهُ وَالله وَلَا يراك إِلَّا قَتِيلا أَو على مَا قلت لَك قَالَ عَمْرو فأوف إِذن بطعمة مصر قَالَ هِيَ لَك مَا عِشْت فاستوثق كل مِنْهُمَا من صَاحبه وأحضر مُعَاوِيَة الْخَواص من أهل الشَّام وَمنع أَن يدْخل مَعَهم من حَاشِيَة عَمْرو أحد قَالَ لَهُم عَمْرو قد رَأَيْت أَن أبايع مُعَاوِيَة فَلم لم أر أحدا أقوى على هَذَا الْأَمر مِنْهُ فَبَايعهُ أهل الشَّام وَانْصَرف مُعَاوِيَة إِلَى منزله خَليفَة قَالَ الْعَلامَة الْبَيْهَقِيّ من كتاب المحاسن عَن عَمْرو بن الْأَصَم قَالَ حَدثنَا رجل من بني هَاشم فَقَالَ أصلح الله الْأَمِير أَلا أحَدثك بفضائل أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب قَالَ نعم قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حضرت مجْلِس مُحَمَّد ابْن عَائِشَة بِالْبَصْرَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رجل من وسط الْحلقَة فَقَالَ يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن من أفضل أَصْحَاب رَسُول الله
فَقَالَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وعد الْعشْرَة مَا عدا عليا فَقلت فَأَيْنَ عَليّ فَقَالَ مَا هَذَا تَسْأَلنِي عَن أَصْحَاب رَسُول الله
أَو عَن نَفسه قَالَ بل عَن أَصْحَابه فَقَالَ إِن الله تَعَالَى يَقُول ﴿فَقُل تعَالَوا نَدع أَبْنَائِنَا وأبنائكم وَنِسَاءَنَا ونساءكم وأنفسنا وَأَنْفُسكُمْ﴾ آل عمرَان ٦١ فَكيف يكون أَصْحَابه مثل نَفسه وَعَن عَطاء كَانَ لعَلي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ موقف من رَسُول الله
يَوْم الْجُمُعَة إِذا خرج أَخذ بِيَدِهِ فَلَا يخطو خطْوَة إِلَّا قَالَ اللَّهُمَّ هَذَا عَليّ ابْتغى مرضاتك فارض عَنهُ حَتَّى يصعد الْمِنْبَر وروى أَبُو عُثْمَان قَاضِي الرّيّ عَن الْأَعْمَش عَن سعيد بن جُبَير قَالَ كَانَ عبد الله بن عَبَّاس يحدث على شَفير زَمْزَم وَنحن عِنْده فَلَمَّا قضى حَدِيثه قَامَ إِلَيْهِ رجل فَقَالَ يَا بن عَبَّاس إِنِّي رجل من أهل الشَّام رَأَيْتهمْ يتبرءون من عَليّ ويلعنونه فَقَالَ ابْن عَبَّاس لعنهم الله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأعد لَهُم عذَابا مهيناً ألبعد قرَابَته من رَسُول الله
أَو أَنه لم يكن أول ذكران الْعَالمين إِيمَانًا بِاللَّه وَرَسُوله وَأول من صلى وَركع وَعمل بأعمال الْبر قَالَ الشَّامي إِنَّهُم وَالله مَا يُنكرُونَ من قرَابَته وسابقته غير أَنهم يَزْعمُونَ أَنه قتل
стр. 1069
النَّاس فَقَالَ ابْن عَبَّاس ثكلتهم أمهاتهم إِن عليا أعرف بِاللَّه وَرَسُوله وبحكمهما مِنْهُم فَلم يقتل إِلَّا من اسْتحق الْقَتْل فَقَالَ يَا بن عَبَّاس إِن قومِي جمعُوا لي نَفَقَة وَأَنا رسولهم إِلَيْك وأمينهم لَا يسعك أَن تردني بِغَيْر حَاجَتي فَإِن الْقَوْم هالكون فِي حَقه فَفرج عونهم فرج الله عَنْك فَقَالَ ابْن عَبَّاس يَا أَخا الشَّام إِن مثل عَليّ بن أبي طَالب فِي هَذِه الْأمة فِي عمله وفضله كَمثل العَبْد الصَّالح الَّذِي لقِيه مُوسَى ﵇ حِين انْتهى إِلَى سَاحل الْبَحْر فَقَالَ ﴿هَل أَتبعك على أَن تُعلِمَنِ مِمَا علمتَ رُشداً﴾ الْكَهْف ٦٦ قَالَ الْعَالم ﴿إنَك لَن تستَطِيعَ معي صبرا وَكَيف تصبِر﴾ الْكَهْف ٦٧ ٦٨ الْآيَة فَلَمَّا خرق السَّفِينَة لم يصبر مُوسَى وَترك مَا ضمن لَهُ من ترك السُّؤَال فِي خرق السَّفِينَة وَقتل الْغُلَام وَإِقَامَة الْجِدَار وَكَانَ الْعَالم أعلم بِمَا يَأْتِي من مُوسَى وَكبر على مُوسَى الْحق واعظم إِذْ لم يكن يعرفهُ وَهُوَ نَبِي مُرْسل فَكيف أَنْت يَا أَخا أهل الشَّام وَأَصْحَابك إِن عليا لم يقتل إِلَّا من كَانَ يسْتَحق الْقَتْل وَإِنِّي أخْبرك أَن رَسُول الله
كَانَ عِنْد أم سَلمَة زَوجته إِذْ أقبل عَليّ يُرِيد الدُّخُول فَنقرَ نقراً خَفِيفا فَعرف النَّبِي
نقره فَقَالَ يَا أم سَلمَة قومِي فافتحي الْبَاب فَقَالَت يَا رَسُول الله من ذَا الَّذِي يبلغ خطره أَن أستقبله بمحاسني فَقَالَ يَا أم سَلمَة إِن طَاعَتي طَاعَة الله قومِي فافتحي فَإِن بِالْبَابِ رجلا لَيْسَ بالخرق وَلَا بالنزق وَلَا بالعجل فِي أمره يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله يَا أم سَلمَة إِن تفتحي الْبَاب لَهُ فَلَنْ يدْخل حَتَّى يخفي عَلَيْهِ الْوَطْء فَلم يدْخل حَتَّى غَابَتْ عَنهُ وخفي عَلَيْهِ الْوَطْء فَلَمَّا لم يحس لَهَا حَرَكَة دفع الْبَاب وَدخل فَسلم على النَّبِي
فَرد ﵇ وَقَالَ يَا أم سَلمَة هَل تعرفين هَذَا قَالَت نعم هَذَا عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ رَسُول الله
نعم هَذَا عَليّ سيط لَحْمه بلحمي وَدَمه بدمي وَهُوَ مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي يَا أم سَلمَة هَذَا عَليّ سيد الْمُؤمنِينَ وأمير الْمُسلمين وَمَوْضِع سري وَعلمِي وبابي الَّذِي الرَّأْي إِلَيْهِ وَهُوَ الْوَصِيّ على أهل بَيْتِي والأخيار من
стр. 1070
أمتِي وَهُوَ أخي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ معي فِي السناء الْأَعْلَى اشهدي يَا أم سَلمَة أَن عليا يُقَاتل النَّاكِثِينَ والقاسطين والمارقين قَالَ ابْن عَبَّاس وقتلهم لله رضَا وللأمة صَلَاح وَلأَهل الضَّلَالَة سخط فَقَالَ الشَّامي يَا بن عَبَّاس من الناكثون قَالَ الَّذين بَايعُوا عليا بِالْمَدِينَةِ ثمَّ نكثوا فَقَاتلهُمْ بِالْبَصْرَةِ وَهُوَ أَصْحَاب الْجمل وَأما القاسطون مُعَاوِيَة وَأَصْحَابه والمارقون أهل النهران وَمن مَعَهم فَقَالَ الشَّامي يَا بن عَبَّاس مَلَأت صَدْرِي نورا وَحِكْمَة وفرجت عني فرج الله تَعَالَى عَنْك أشهد أَن عليا مولَايَ وَمولى كل مُؤمن ومؤمنة وَكتب مُعَاوِيَة إِلَى عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه أما بعد فَلَو علمنَا أَن الْحَرْب تبلغ منا ومنك مَا بلغت لم نحثها بَعْضًا على بعض وَإِنَّا وَإِن كُنَّا قد غلبنا على عقولنا بَقِي لنا مِنْهَا مَا نروم بِهِ مَا مضى ونصلح مَا بَقِي وَقد كنت سَأَلتك الشَّام على أَنه لَا يلْزَمنِي لَك طَاعَة وَأَنا أَدْعُوك الْيَوْم إِلَى مَا دعوتك إِلَيْهِ أمس فَإنَّك لَا ترجو من الْبَقَاء إِلَّا مَا أَرْجُو وَلَا تخَاف من الْقَتْل إِلَّا مَا أَخَاف وَقد وَالله بردت الأحقاد وَذَهَبت الأدغال وَنحن بَنو عبد منَاف وَلَيْسَ لبعضها على بعض فضل يستذل بِهِ العَبْد ويسترق بِهِ حر وَالسَّلَام فَكتب إِلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب من عَليّ بن أبي طَالب إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أما بعد فقد جَاءَنِي كتابك تذكر فِيهِ أَنَّك لَو علمت أَن الْحَرْب تبلغ منا ومنك مَا بلغت لم نحثها بَعْضًا على بعض فَإنَّا وَإِيَّاك نلتمس مِنْهَا غَايَة لم ندركها بعد وَأما طَلَبك مني الشَّام فَلم أكن لأعطيك الْيَوْم مَا منعتك أمس وَأما استواؤنا فِي الْخَوْف والرجاء فلست أمضي على الشَّك مني على الْيَقِين وَلَيْسَ أهل الشَّام على الدُّنْيَا بأحرص من أهل الْعرَاق على الْآخِرَة وَأما قَوْلك إِنَّا بَنو عبد منَاف فَلَيْسَ أُميَّة كهاشم وَلَا حَرْب كَعبد الْمطلب وَلَا أَبُو سُفْيَان كَأبي طَالب وَلَا الطليق كالمهاجر وَلَا الْمُبْطل كالمحق وَفِي أَبينَا فضل النُّبُوَّة الَّتِي قتلنَا بهَا الْعَزِيز وبعنا بهَا الْحر وَالسَّلَام ثمَّ كتب مُعَاوِيَة إِلَى قيس بن سعد بن عبَادَة عَامل عَليّ على مصر وَأما بعد فَإنَّك يَهُودِيّ ابْن يَهُودِيّ وَإِن ظفر أحب الْفَرِيقَيْنِ إِلَيْك عزلك واستبدل بك وَإِن ظفر أبغضهما إِلَيْك نكل بك وقتلك وَكَانَ أَبوك أوتر قوسه وَرمى غَرَضه فَأكْثر الحز وَأَخْطَأ الْمفصل قلت هَذَا من مُعَاوِيَة يُشِير بِهِ إِلَى منع أَبِيه سعد بن عبَادَة عَن بيعَة أبي بكر ثمَّ عَن بيعَة عمر وطمعه أَن يكون هُوَ الْخَلِيفَة وَجمع قومه الْخَزْرَج فِي ذَلِك حَتَّى اجْتَمعُوا إِلَى سَقِيفَة بني سَاعِدَة كَمَا تقدم ذكر ذَلِك عِنْد ذكر خلَافَة أبي بكر الصّديق فخذله قومه وأدركه يَوْمه فَمَاتَ فِي حوران ضريراً فَكتب إِلَيْهِ قيس أما أَنْت فوثني ابْن وَثني دخلت فِي الْإِسْلَام كرها وَخرجت مِنْهُ طَوْعًا لم يتَقَدَّم إيمانك وَلم يحدث نفاقك وَكَانَ أبي أوتر قوسه وَرمى غَرَضه فشعب بِهِ من لم يبلغ عقبه وَلَا تَنْشَق غباره وَنحن أنصار الدّين الَّذِي مِنْهُ خرجت وأعداء الدّين الَّذِي فِيهِ دخلت وَلما صرف عَليّ ﵁ قيس بن سعد عَن مصر وَولي مَكَانَهُ مُحَمَّد بن أبي بكر كتب مُحَمَّد إِلَى مُعَاوِيَة من مُحَمَّد بن أبي بكر إِلَى الغاوي مُعَاوِيَة بن صَخْر أما بعد فَإِن الله بعظمته وسلطانه خلق خلقه بِلَا عَبث مِنْهُ وَلَا ضعف فِي قُوَّة وَلَا حَاجَة بِهِ إِلَى خلقهمْ وَلكنه خلقهمْ عبيدا وَجعل مِنْهُم غوياً ورشيداً وشقياً وسعيداً اخْتَار على علم وَاصْطفى وانتخب مِنْهُم مُحَمَّد
فانتخبه بِعِلْمِهِ واصطفاه لرسالته وائتمنه على وحيه وَبَعثه رسولَا ودليلا فَكَانَ أول من أجَاب وأناب وأذعن وَصدق وَأسلم وَأَخُوهُ وَابْن عَمه عَليّ بن أبي طَالب صدقه بِالْغَيْبِ المكتوم وآثره على كل حميم ووقاه بِنَفسِهِ كل هول وَحَارب حربه وَسَالم سلمه فَلم يبرح مبتذلَا لنَفسِهِ سَاعَات اللَّيْل بالخوف والخشوع والخضوع حَتَّى برز شارقاً لَا نَظِير لَهُ مِمَّن اتبعهُ وَلَا مقارب لَهُ فِي فعله وَقد رَأَيْتُك تنَال مِنْهُ وَأَنت أَنْت وَهُوَ هُوَ أصدق النَّاس نِيَّة وأفضلهم
стр. 1071
ذُرِّيَّة وَخير النَّاس زَوْجَة وَأفضل النَّاس ابْن عَم أَخُوهُ الساري بِنَفسِهِ يَوْم مُؤْتَة قلت يُرِيد بِهِ جَعْفَر الطيار ﵄ وَعَمه سيد الشُّهَدَاء يَوْم أحد وَأَبوهُ الذاب عَن رَسُول الله
وَعَن حوزته وَأَنت اللعين ابْن اللعين لم تزل أَنْت وَأَبُوك تبغيان لرَسُول الله
الغوائل وتجتهدان فِي إطفاء نور الله وتجمعان على ذَلِك الجموع وتبذلان فِيهِ الْأَمْوَال وتؤلبان عَلَيْهِ الْقَبَائِل على ذَلِك مَاتَ أَبوك وَعَلِيهِ خَليفَة والشهيد عَلَيْك من تدني ولجأ إِلَيْك من بَقِيَّة الْأَحْزَاب ورؤساء النِّفَاق وَالشَّاهِد لعَلي أنصاره الَّذين ذكرهم بفضله وَأثْنى عَلَيْهِم من الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فهم مَعَه كتائب وعصائب يرَوْنَ الْحق فِي أَتْبَاعه والشقاء فِي الْخلَافَة فَكيف بك لَك الويل تعدل نَفسك بعلي وَهُوَ وَارِث رَسُول الله
ووليه وَأَبُو وَلَده وَأولى النَّاس بِهِ اتبَاعا وأقربهم بِهِ عهدَاً يُخبرهُ بسره ويطلعه على أمره وَأَنت عدوه فتمتع فِي دُنياك مَا اسْتَطَعْت بباطنك وليمددك ابْن العَاصِي فِي غوايتك فَإِن أَجلك قد انْقَضى وكبرك قد دهى ثمَّ تبين لَك لمن تكون الْعَافِيَة الْعليا وَاعْلَم أَنَّك إِنَّمَا تكايد رَبك الَّذِي أمنت كَيده ويئست من روحه فَهُوَ لَك بالمرصاد وَأَنت مِنْهُ فِي غرَّة وَالسلام على من اتبع الْهدى فَكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة من مُعَاوِيَة بن أبي صَخْر إِلَى الزاري على أَبِيه مُحَمَّد بن أبي بكر أما بعد فقد أَتَانِي كتابك تذكر فِيهِ مَا الله أَهله فِي عَظمته وقدرة سُلْطَانه وَمَا اصْطفى بِهِ رَسُول الله
مَعَ كَلَام كثير فِيهِ لَك تَضْعِيف ولأبيك فِيهِ تعسيف وَذكرت فضل عَليّ بن أبي طَالب وَقدم سوابقه وقرابته من رَسُول الله
ومواساته إِيَّاه فِي كل هول وَخَوف فَكَانَ احتجاجك عَليّ وعيبك لي فضل غَيْرك لَا بِفَضْلِك فَأَحْمَد رَبًّا صرف هَذَا الْفضل عَنْك وَجعله فِي غَيْرك فقد كُنَّا وَأَبُوك مَعًا نَعْرِف فضل عَليّ وَحقه لَازم لنا مبرز علينا فَلَمَّا اخْتَار الله لنَبيه مَا عِنْده وَأتم لَهُ مَا وعده وَأظْهر دَعوته وأفلج حجَّته وَقَبضه إِلَيْهِ كَانَ أَبوك وفاروقه أول من
стр. 1072
انتزع حَقه وَخَالفهُ عَن أمره على ذَلِك اتفقَا واتسقا ثمَّ إنَّهُمَا دَعْوَاهُ إِلَى بيعتهما فَأَبْطَأَ عَنْهُمَا وتلكأ عَلَيْهِمَا فهما بِهِ الهموم وأرادا بِهِ الْعَظِيم ثمَّ إِنَّه بَايع لَهما وَسلم إِلَيْهِمَا فأقاما لَا يشركانه فِي أَمرهمَا وَلَا يطلعانه على سرهما حَتَّى قبضهما الله تَعَالَى ثمَّ قَامَ ثالثهما عُثْمَان فهدى هديهما وَسَار سيرتهما فعبته أَنْت وَصَاحِبك حَتَّى طمع فِيهِ الأقاصي من أهل الْمعاصِي فطلبتما لَهُ الغوائل وأظهرتما عداوتكما حَتَّى بلغتما فِيهِ مناكما فَخذ حذرك يَا بن أبي بكر وَقس شبرك بفترك فَإنَّك تقصر أَن توازي أَو تَسَاوِي من يزن حلمه الْجبَال وَلَا تلين على قسر قناته وَلَوْلَا فعل أَبِيك من قبل مَا خَالَفنَا ابْن أبي طَالب ولسلمنا إِلَيْهِ وَلَكنَّا رَأينَا أَبَاك فعل بِهِ ذَلِك من قبلنَا فأخذنا بِمثلِهِ فعب أَبَاك بِمَا بدا لَك أَو دع وَالسَّلَام على من أناب كَذَا ذكره المَسْعُودِيّ وَهُوَ من كبار الْجَمَاعَة كَذَا أورد هَذِه الْمُكَاتبَة وَمد بهَا بَاعه فقبح الله من كَانَ اختراعه ثمَّ وَجه مُعَاوِيَة عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى مصر فِي أَرْبَعَة آلَاف مَعَه مُعَاوِيَة بن خديج وَأَبُو الْأَعْوَر السّلمِيّ وَفَاء لعَمْرو بِمَا وعده وَكَانَ عَلَيْهَا مُحَمَّد بن أبي بكر والياً من جِهَة عَليّ فاقتتلا فظفر عَمْرو بِمُحَمد وَوضع فِي جيفة حمَار وأحرق فِيهَا قيل وضع حَيا وَقيل بعد قَتله فَبلغ ذَلِك مُعَاوِيَة فسر وَبلغ عليا فَحزن أَشد حزن على مُحَمَّد رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ ولى على الأشتر مَالك بن الْحَارِث النَّخعِيّ وَبَعثه إِلَيْهَا فِي جَيش مَكَان مُحَمَّد بن أبي بكر فَمَاتَ بِالطَّرِيقِ وَيُقَال إِن مُعَاوِيَة دس إِلَى دهقان أَن يسمه فسمه فِي شربة عسل فَمَا اسْتَقر فِي جَوْفه حَتَّى هلك فَأتى من كَانَ مَعَه على الدهْقَان وَمن كَانَ مَعَه وَإنَّهُ لما بلغ مُعَاوِيَة الْخَبَر قَالَ لله جنود مِنْهَا الْعَسَل ذكر وَفَاته قَالَ ابْن خلكان سَببهَا أَنه اجْتمع من بَقِي من الْخَوَارِج فتذكروا أَصْحَاب النهروان وترحموا عَلَيْهِم وَقَالُوا مَا نصْنَع بِالْبَقَاءِ بعدهمْ وَقَالَ غَيره سَببهَا أَنه لما طَال النزاع بَين عَليّ وَمُعَاوِيَة تعاقدوا على قتل عَليّ وَمُعَاوِيَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ فَانْتدبَ لذَلِك ثَلَاثَة نفر عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي والبرك بن عبد الله التَّمِيمِي وَعَمْرو بن بكر التَّمِيمِي أَيْضا فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن ملجم أَنا لكم
стр. 1073
بعلي وَقَالَ البرك أَنا لكم بِمُعَاوِيَة وَقَالَ عَمْرو أَنا لكم بِعَمْرو بن الْعَاصِ واتعدوا أَن يكون الْقَتْل لَيْلَة السَّابِع عشر من رَمَضَان وَكَانَ اجْتِمَاعهم لهَذَا التعاقد بِمَكَّة فَسَار عبد الرَّحْمَن إِلَى عَليّ بِالْكُوفَةِ وَسَار البرك بن عبد الله إِلَى مُعَاوِيَة بِالشَّام وَسَار عَمْرو بن بكر إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ بِمصْر فَلَمَّا دخل ابْن ملجم الْكُوفَة عَازِمًا على ذَلِك وَكَانَ قد اشْترى سَيْفا بِأَلف دِينَار وسقاه السم حَتَّى نفضه وَكَانَ فِي خلال ذَلِك يَأْتِي عليا فيستحمله فيحمله وينشد عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِذا رَآهُ من // (الوافر) //
(أُريدُ حَيَاتهُ ويُريدُ قَتْلِي ... عذَيري من خَلِيلي من مُرادِ)
ثمَّ يَقُول هَذَا وَالله قاتلي قيل فَمَا يمنعك مِنْهُ قَالَ إِنَّه لم يقتلني بعد وَقيل لَهُ إِن ابْن ملجم يسم سَيْفه وَقَالَ إِنَّه سيقتلك قتلة تَتَحَدَّث بهَا الْعَرَب فَبعث إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ تسم سَيْفك قَالَ لعدوي وعدوك فخلي عَنهُ وَقَالَ مَا قتلني بعد وَعَن عبد الله بن مُطِيع قَالَ خَطَبنَا عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة لتخضبن هَذِه من هَذِه فَقَالَ النَّاس أعلمناه لَنَتِرَنهُ ولَنَترن عشيرته قَالَ أنْشدكُمْ بِاللَّه أَن يقتل بِي غير قاتلي وَقعت عين ابْن ملجم على قطام امْرَأَة رائعة جميلَة كَانَت ترى رَأْي الْخَوَارِج كَانَ على قتل أَبَاهَا وأخاها بالنهروان فَخَطَبَهَا ابْن ملجم فَقَالَت لَهُ آلَيْت أَلا أَتزوّج إِلَّا على مهر لَا أُرِيد سواهُ ثَلَاثَة آلَاف وَعبد وقينة وَقتل عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ ابْن ملجم وَالله لقد قصدت قتل عَليّ بن أبي طَالب وَمَا أقدمني هَذَا الْمصير غَيره وَلَكِن لما رَأَيْتُك آثرت تزويجك قَالَت لَيْسَ إِلَّا بِالَّذِي قلت لَك قَالَ لَهَا يغنيني أَو يُغْنِيك قتل عَليّ وَأَنا أعلم أَنِّي إِذا قتلته لم أفلت قَالَت إِن قتلته ونجوت فَهُوَ الَّذِي أردْت ويهنيك الْعَيْش مني وَإِن قتلت فَمَا عِنْد الله خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فَقَالَ لَهَا لَك مَا اشْترطت فَقَالَت سألتمس من يشد ظهرك فَبعثت إِلَيْهِ بِابْن عَم لَهَا يدعى وردان بن مخالد فأجابها وَلَقي ابْن ملجم شبيب بن بَحر الْأَشْجَعِيّ فَقَالَ يَا شبيب هَل لَك فِي شرف الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ تساعدني على
стр. 1074
قتل عَليّ بن أبي طَالب قَالَ ثكلتك أمك لقد جِئْت شَيْئا إمراً كَيفَ تقدمُ على ذَلِك قَالَ إِنَّه رجل لَا حرس لَهُ وَيخرج إِلَى الْمَسْجِد منفردَاً دون من يَحْرُسهُ ننتظره حِين يخرج إِلَى الْمَسْجِد فنكمن لَهُ فِي الْمَسْجِد فَإِذا خرج إِلَى الصَّلَاة قَتَلْنَاهُ فَإِن نجونا نجونا وَإِن قتلنَا سعدنا بِالذكر فِي الدُّنْيَا وَالْجنَّة فِي الآخرةَ فَقَالَ لَهُ وَيلك إِن عليا ذُو سَابِقَة فِي الْإِسْلَام مَعَ النَّبِي
وَالله مَا ينشرح قلبِي لقَتله قَالَ وَيلك إِنَّه حكم الرِّجَال فِي دين الله وَقتل إِخْوَاننَا الصَّالِحين فنقتله بِبَعْض من قتل فَلَا تَشكن فِي دينك فَأَجَابَهُ وأْقبلا حَتَّى دخلا على قطام وَهِي معتكفة فِي الْمَسْجِد الْأَعْظَم فِي قبَّة ضربتها لنَفسهَا فدعَتْ لَهُم وَأخذُوا أسيافهم وجلسوا أَمَام السدة الَّتِي يخرج مِنْهَا عَليّ وَكَانَ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي شهر رَمَضَان الَّذِي قتل فِيهِ يفْطر لَيْلَة عِنْد الْحسن وَلَيْلَة عِنْد الْحُسَيْن وَلَيْلَة عِنْد عبد الله بن جَعْفَر وَلَا يزِيد على ثَلَاث لقم وَيَقُول أحب أَن ألْقى الله وَأَنا خميص وَلما كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِي صبيحتها أَكثر الْخُرُوج وَالنَّظَر إِلَى السَّمَاء وَجعل يَقُول وَالله مَا كذبت وَلَا كذبت وَإِنَّهَا اللَّيْلَة الَّتِي وعدت فَلَمَّا خرج إِلَى صحن الدَّار قَاصِدا الْخُرُوج إِلَى الْمَسْجِد إِذا أوز يَصِحن فِي وَجهه فطردوهن فَقَالَ دعوهن فَإِنَّهُنَّ نوائح فَخرج إِلَى الصَّلَاة من بَاب السدة فبدره شبيب فَضَربهُ فأخطأه وضربه ابْن ملجم على مَوضِع الصلع من رَأسه وَقَالَ الحكم لله يَا عَليّ لَا لَك وَلَا لأصحابك فَقَالَ عَليّ فزت وَرب الْكَعْبَة لَا يفوتكم الْكَلْب فَشد النَّاس عَلَيْهِ من كل جَانب فَحمل ابْن ملجم عَلَيْهِم بِسَيْفِهِ فاخرجوا لَهُ وتلقاه الْمُغيرَة بن نَوْفَل بقطيفة فَرمى بِهِ عَلَيْهِ ثمَّ احتمله فَرمى بِهِ الأَرْض وَجلسَ على صَدره ثمَّ أوثقوه وَأما شبيب فهرب خَارِجا من بَاب كِنْدَة وَلما أَخذ عبد الرَّحْمَن قَالَ عَليّ احْبِسُوهُ فَإِن مت فَاقْتُلُوهُ وَلَا تمثلوا بِهِ وَإِن لم أمت فَالْأَمْر إِلَيّ فِي الْعَفو وَالْقصاص أخرجه أَبُو عمر وَكَذَا فِي الرياض قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ بَقِي عَليّ يَوْم الْجُمُعَة وَيَوْم السبت وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَحَد وَقيل
стр. 1075
توفّي من يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ الفتك بِهِ لَيْلَة سبع عشرَة فِي رَمَضَان كوقعة بدر وَقيل صبيح لَيْلَة ثَالِث عشرَة وَقيل لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت وَقيل بقيت وَقيل لثمان عشرَة لَيْلَة خلت مِنْهُ ذكر هَذَا كُله ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب وَفِي ذَلِك يَقُول الفرزدق من // (الطَّوِيل) //
(فَلم أر مهْرًا سَاقه ذُو سماحةٍ ... كمهْرِ قطام بَين عربٍ وأَعْجُمِ)
(ثلاثةُ آلافٍ وعَبْدٌ وقنينةٌ ... وضرْبُ عليِّ بالحسامِ المصمم)
(فَلَا مهْرٌ اغْلى مِنْ عليِّ وَإِن علا ... وَلَا فَتْكٌ الأَّ دونَ فتكِ ابنِ ملجمِ)
وغسله الْحسن وَالْحُسَيْن وَعبد الله بن حعفر وَمُحَمّد ابْن الْحَنَفِيَّة يصب المَاء وروى هَارُون بن سعد أَنه كَانَ عِنْد عَليّ مسك أوصى أَن يحنط بِهِ وَقَالَ إِنَّه من حنوط رَسُول الله
أخرجه الْبَغَوِيّ وَصلى عَلَيْهِ الْحسن وَكبر عَلَيْهِ أَرْبعا وَقيل سبعا وَقيل تسعا وَقيل إِن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أوصى أَن يخفى قَبره لعلمه أَن الْأَمر يصير إِلَى بني أُميَّة فَلم يَأْمَن أَن يمثلوا بقبره وَقد اخْتلف فِي قَبره فَقيل فِي زَاوِيَة الْجَامِع بِالْكُوفَةِ وَقيل بالرحبة من الْكُوفَة وَقيل بقصر الْإِمَارَة مِنْهَا وَقيل بنجف الْحيرَة فِي المشهد الَّذِي يزار بِهِ الْيَوْم وَأَصَح مَا قيل إِنَّه مدفون بقصر الْإِمَارَة بِالْكُوفَةِ قَالَ الْعَلامَة السُّيُوطِيّ فِي تَارِيخه قَالَ شريك نَقله ابنُهُ الْحسن يُرِيد بِهِ الْمَدِينَة فَكَانَ فِي مَسِيرهمْ مَا أخرج ابْن عَسَاكِر عَن ابْن عبد الْعَزِيز قَالَ لما قتل عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه حملوه ليدفنوه عِنْد رَسُول الله
فَبَيْنَمَا هم فِي مَسِيرهمْ لَيْلًا إِذْ ند الْجمل الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فَلم يدروا أَيْن ذهب وَلم يقدروا عَلَيْهِ فَلذَلِك يَقُول أهل الْعرَاق هُوَ فِي السَّحَاب وَقيل إِن الْبَعِير الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَقع فِي بِلَاد طَيئ فَأَخَذُوهُ ودفنوه انْتهى مَا قَالَه السُّيُوطِيّ
стр. 1076
وَقَالَ الْعَلامَة الدَّمِيرِيّ فِي حَيَاة الْحَيَوَان الْكُبْرَى التَّحْقِيق أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ لَا يعرف قَبره على الْحَقِيقَة قلت ذكر ابْن خالكان أَن الرشيد خرج يَوْمًا إِلَى الصَّيْد فَانْتهى بِهِ إِلَى مَوضِع قبر على الْمَشْهُور الْآن بالمشهد فَأرْسل فهودا على الصَّيْد فتبعت الصَّيْد إِلَى مَكَان الْقَبْر ووقفت الفهود عِنْده وَلم تتقدم إِلَى الصَّيْد فَعجب هَارُون الرشيد من ذَلِك فجَاء رجل من أهل الْحيرَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرَأَيْت إِن دللتك على قبر ابْن عمك عَليّ بن أبي طَالب أَلِي عنْدك ملزمة قَالَ نعم قَالَ هَذَا قَبره فَقَالَ لَهُ الرشيد من أَيْن عَلمته قَالَ كنت أجيء مَعَ أبي فيزوره وَأَخْبرنِي أبي أَنه كَانَ يَجِيء مَعَ جَعْفَر الصَّادِق ﵁ فيزوره وَأَن جعفرا كَانَ يَجِيء مَعَ أَبِيه مُحَمَّد الباقر فيزورهُ وَكَانَ الباقر يَجِيء مَعَ أَبِيه زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن فيزوره وَكَانَ الْحُسَيْن أعلمهم بمَكَان الْقَبْر فَأمر الرشيد بِأَن يحْجر على الْموضع وَكَانَ أول النَّاس وضع فِيهِ ثمَّ تزايدت الْأَبْنِيَة فِيهِ فِي أَيَّام مُلُوك السامانِية وَأَيَّام بني حمدَان وتفاقمت بِزِيَادَة فِي أَيَّام مُلُوك الديلم بني بويه قَالَ وعضد الدولة مِنْهُم هُوَ الَّذِي أظهره ظهوراً عَظِيما وَعمر المشهد عمَارَة حَسَنَة وَأوصى أَن يُدفن هُنَاكَ فَدفن قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ سُئِلَ عَليّ وَهُوَ على مِنْبَر الْكُوفَة عَن قَوْله تَعَالَى ﴿رِجال صدقُوا أُولَئكَ مَا عَاهَدُوا لله عَلَيْهِ فَمِنهُم مَن قضى نَحبَهُ ومِنهُم مَن ينْتَظر﴾ الْأَحْزَاب ٢٣ فَقَالَ للهم اغْفِر هَذِه الْآيَة نزلت فِي وَفِي عمي حَمْزَة وَفِي ابْن عمي عُبَيْدَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب فَأَما عُبَيْدَة فَقضى نحبه شَهِيدا يَوْم بدر وَأما حَمْزَة فَقضى نحبه شَهِيدا يَوْم أحد وَأما أَنا فأنتظر أشقاها يخضب هَذِه من هَذَا وَأَشَارَ إِلَى لحيته وَرَأسه عهد عَهده إِلَيّ حَبِيبِي أَبُو الْقَاسِم
وَلما أُصِيب دَعَا الْحسن وَالْحُسَيْن فَقَالَ لَهما أوصيكم بتقوى الله وَلَا تبغيا الدُّنْيَا وَإِن بغتكما وَلَا تبكيا على شَيْء زوى مِنْهَا عنكما وقولا الْحق وارحما الْيَتِيم وَأَعْيُنًا الضَّعِيف واصنعا للآخرة وكونا للظالمين خصمَاً وللمظلوم أنصاراً وأعطوا لله وَلَا تأخذكم فِي الله لومة لائم ثمَّ نظر إِلَى وَلَده مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة فَقَالَ لَهُ هَل حفظت مَا أوصيت بِهِ أخويك قَالَ نعم فَقَالَ لَهُ أوصيك بِمثلِهِ ثمَّ قَالَ أوصيك بتوقير أخويك لعظم حَقّهمَا عَلَيْك وَلَا تُؤثر أمرا دونهمَا ثمَّ قَالَ
стр. 1077
لَهما سيفكما وَابْن أبيكما أوصيكما بِهِ فَإِنَّهُ أخوكما وَقد علمتما أَن أَبَاكُمَا يُحِبهُ ثمَّ لم ينْطق إِلَّا بِلَا إِلَه إِلَّا الله إِلَى أَن قبض كرم الله وَجهه وَعَن هشيم مولى الْفضل لما مَاتَ عَليّ قَامَ الْحُسَيْن وَمُحَمّد ابْن الحنيقة إِلَى ابْن ملجم فقطعاه عضوا عضوَاً وسملا عَيْنَيْهِ بمسمار حَدِيد حمى وَلم يتأوه فَلَمَّا جودل قطع لِسَانه فصاح فَقيل لَهُ فَقَالَ وَالله مَا صياحي جزع من الْمَوْت لَكِن خشيت أَن تمر بِي سَاعَة من الدُّنْيَا لَا أذكر الله فِيهَا وَلما أَرَادوا فعل ذَلِك نهاهما الْحسن عملا بِوَصِيَّة وَالِده فَلم يمتثلا لشدَّة حزنهما ثمَّ جعل فِي قوصرة وأوقد النَّار وأحرقت جيفته أم الْهَيْثَم بنت الْأسود النخعية وَقيل بل أَمر الْحسن بِضَرْب عُنُقه فَضربت وَمن أغرب مَا سمعته قَول عمرَان بن حطَّان بن ظبْيَان السدُوسِي الْبَصْرِيّ أحد رُءُوس الْخَوَارِج يمدح ابْن ملجم قَاتل الإِمَام عَليّ كرم الله واجهه وسود وجهيهما // (من الْبَسِيط) //
(يَا ضرْبَةً مِنْ تقىٍّ مَا أرادَ بهَا ... إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي العرشِ رِْضوَانَا)
(إنِّي لأَذْكُوُهُ يَوْمًا فأحسبُهُ ... أوفى البريةِ عِنْد الله ميزانَا)
(أكْرم بقومٍ بطونُ الطيرِ قبرهُمُ ... لم يخلطُوا دينَهُمْ بغياً وعدوانَا)
قَالَ الذَّهَبِيّ لما بلغ شعره هَذَا عبد الْملك بن مَرْوَان أَدْرَكته الحمية فَنَذر دَمه فَوضع عَلَيْهِ الْعُيُون فَلم تحمله أَرض وَكَانَ سنّ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ خمسَاً وَسِتِّينَ سنة ذكر ذَلِك أَبُو بكر أَحْمد بن الدارع فِي كتاب مواليد أهل الْبَيْت وَلم يذكرهُ غَيره وَقيل سبع وَخَمْسُونَ وقيِل ثَمَان وَخَمْسُونَ وَقيل ثَلَاث وَسِتُّونَ وَعَلِيهِ الْأَكْثَرُونَ صحب النَّبِي
بِمَكَّة ثَلَاث عشر سنة وَعمر إِذْ ذَاك اثْنَتَا عشر سنة ثمَّ هَاجر فَكَانَ مَعَه بِالْمَدِينَةِ عشر سِنِين ثمَّ عَاشَ من بعده ثَلَاثِينَ سنة وَمِمَّا رثي بِهِ عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَول أَبُو الْأسود الدؤَلِي // (من الوافر) //
(أَلا يَا عيْنُ ويحكِ أَسْعدينَا ... أَلا تَبْكِين امِيرَ المؤمنينا)
стр. 1078
(تبْكي أم كُلْثُوم عليهِ ... بعبرتها وقدْ رأَتَ اليَقينَا)
(أَلا قُلْ للخوارِجِ حيثُ كَانُوا ... فَلَا قَرَّتْ عيونُ الحاسدينا)
(أَفِي شَهْرِ الصيامِ فَجَعْتُمُونا ... بخيرِ الناسِ طُرًّا أجمعينَا)
(قتلُمْ خَيْر منْ ركبَ المطايا ... وذَلَّلها ومنْ ركِبَ السفينَا)
(ومنْ لبِسَ النعالَ ومنْ حذاها ... ومَنْ قَرَأَ المثانِي والمبينَا)
(وكُلّ مناقبِ الخيراتِ ... وَحب رسولِ ربِّ العالمينا)
(لقد علمتْ قريشٌ حيْثُ كانَتْ ... بأنَّكَ خيرهُهُمْ حسباً ودِينا)
(إِذا استقبلْتَ وجَهَ أبي حُسَيْنٍ ... رَأَيْت البدْرَ فوقَ الناظِرِينا)
(وكنَّا قبل مقلتِهِ بخيْرٍ ... نرى مَوْلَى رسولِ الله فِينَا)
(يُقيم الحقَّ لَا يرتابُ فِيهِ ... ويعدلُ فِي العدا والأقربينا)
(وَلَيْسَ بكاتِم علمَاً لديْهِ ... وَلم يخلقْ من المتسخِّرِينا)
(كأنَّ الناسَ إِذْ فقدوا عليا ... نعامٌ حارَ فِي بَلَدٍ سبينَا)
(فَلَا تشمتْ مُعَاوِيَة بْنَ حربٍ ... فَإِن بقيةَ الخلفاءِ فِينَا)
وَقَالَ أَبُو بكر بن حَمَّاد يرثي عليا كرم الله وَجهه وَيرد على عَدو الله عمرَان بن حطَّان قَوْله فِي عدوا الله ابْن مُلجم // (من الْبَسِيط) //
(قلْ لابنِ ملجمَ والأقدارُ غالبةُ ... هدمْتَ ويْلكَ للإسلامِ أركانا)
(قتلتَ أفضَلَ مَنْ يمشي على قَدمٍ ... وأولَ الناسِ إسلاماً وإيمانا)
(وأعلَمَ الناسِ بالإسْلامِ ثُمَّ بِمَا ... سَنَّ الرسولُ لنا شرعا وتبيَانَا)
(صِهْرَ النبيِّ ومولاه وناصِرَهُ ... أضحَتْ مناقبه نورا وبرهانا)
(وَكَانَ مِنْهُ عَلَى رغْمِ الحسودِ لَهُ ... مكانَ هارونَ من مُوسى بن عِمْرَانا)
(وكَانَ فِي الحربِ سَيْفا مَاضِيا ذَكَرًا ... ليثاً إِذَا لقِيَ الأقرانُ أقرانا)
(ذكَرْتُ قاتلَهُ والدمْعُ منحدرٌ ... فقلْتُ سبحانَ ربِّ الناسِ سبحانَا)
(إنَّي لأحسبُهُ مَا كانَ من بَشَرٍ ... يخْشَى المعادَ ولكنْ كَانَ شيْطانا)
стр. 1079
(أشقَى مُرَاد إِذا عدَّت قبائلها ... وأخْسَر الناسِ عِنْد الله ميزنا)
(كعاقِرِ الناقةِ الأُولي التِي جلَبَت ... على ثمودٍ بأرضِ الحجرِ خُسْرَانا)
(قد كانَ يخبرُهُمْ أنْ سوفَ يخضبها ... قبْلَ المنيةِ أزمانَا فأزمانا)
(فَلَا عَفا اللُه عَنهُ مَا تحملَهُ ... وَلَا سَقَى قَبْرَ عمرانَ بْنِ حِطَّانا)
(لقولهِ فِي شقي ظلّ مجتَرماً ... وَقَالَ مَا قَالَه ظلْمًا وعُدْوانا)
(يَا ضربَة مِن تقِيِّ مَا أرادَ بهَا ... إِلَّا ليبلُغَ مِنْ ذِي العرشِ رِضْوانا)
(بل ضربةٌ مِنْ غويِّ أورثتْهُ لظى ... فسوْف يلقى بِها الرحمنَ غضْبَانا)
(كَأَنَّهُ لم يردْ قصدا بضربتِهِ ... إِلَّا لِيَصْلَى عذَاب الخُلْدِ نيرانا)
وَقَالَ الصفي الْحلِيّ يمدح عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وكرم وَجهه // (من الْخَفِيف) //
(جُمِعَتْ فِي صفائِكَ الأضدادُ ... فَلهَذَا عَرَّتْ لَك الأندادُ)
(زاهِدٌ حاكمٌ علمٌ شجاعٌ ... ناسكٌ فاتكٌ فقيرٌ جوادُ)
(هِمَمٌ مَا جُمِعْن فِي بشَرٍ قطْطُ ... وَلَا حازَ مثلَهُنَّ العبادُ)
(خلقٌ يخجل النسيمَ مِن اللطْفِ ... وبأسٌ يذوبُ مِنْهُ الجمادُ)
(فلِهذا تعمّّقَتْ فيكَ أقوامٌ ... بأقوالِهِمْ فزانُوا وزادُوا)
(وغلتْ فِي صفاتِ فضلِك يَاسِينٌ ... وحماميمٌ هَل أَتَى ثمَّ صادُ)
(ظهرتْ مِنْك للورَى مكرماتُ ... فأقرَّتْ بفضلِكَ الحسادُ)
(إِن يكذب بهَا عداكَ فقَدْ كَذْذبَ ... مِنْ قبلُ قوْمُ لوطٍ وعادُ)
(أنتَ سرُّ النبيِّ والصنو وَابْن الْعمِّ ... والطهْرُ والأخُ المستجادُ)
(لَو رأَى مثلَكَ النبيُّ لآخاهُ ... وإلَاّ لأخطأَ الإنتقادُ)
(وبكُمْ بَاهل النبيَّ وَلم يُلْف ... لكُمْ خامسٌ سواهُ يُرَادُ)
(كنتَ نفسَاً لَهُ وعِرْسُكَ وابناكَ ... لديْهِ النساءُ والأولادُ)
(جلَّ معناك أَن يحيطَ بِهِ الشِّعْرُ ... ويحْصِي صفاتِك التَّعْدادُ)
(إِنَّمَا اللُه عنكُمُ أذهبَ الرجْسَ ... فردََّتْ بغيظها الحسادُ)
стр. 1080
(ذاكَ مَدْحُ الإلهِ فيكُمْ فإِنْ فُهْتُ ... بَمْدحٍ فذاكَ قولٌ معادُ)
وَقَالَ خُزَيْمَة بن ثَابت ذُو الشَّهَادَتَيْنِ من قصيدة فِيهِ من // (الطَّوِيل) //
(رأَوْا نعْمَة لِله ليسَتْ عليهمُ ... عليكَ وفضلا بارعاً لَا تنازعُهْ)
(فعَضُّوا من الغيظِ الطويلِ أكفَّهُمْ ... عليكَ ومَنْ لم يرْضَ فَالله خادعُهْ)
(مِن الدينِ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا لَكَ المنَى ... وفَوْقَ المنَى أخلاقُهُ وطبائعُهْ)
(الْآيَات فِي شَأْن عَليّ كرم الله وَجهه)
مِنْهَا عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اَلذينَ يُنفِقون أموالَهُم بِاَلليلِ وَالنهارِ سرا وَعَلانية﴾ الْبَقَرَة ٢٧٤ قَالَ نزلت فِي عَليّ بن أبي طَالب كَانَت مَعَه أَرْبَعَة دَرَاهِم فأنفق بِاللَّيْلِ درهما وَفِي النَّهَار درهمَاً ودرهماً فِي السِّرّ ودرهما فِي الْعَلَانِيَة فَقَالَ لَهُ
مَا حملك على هَذَا قَالَ أستوجب على الله مَا وَعَدَني فَقَالَ
إِن لَك ذَلِك وتابع ابْن عَبَّاس مُجَاهِد وبن الْمسيب وَمُقَاتِل وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَن كاَنَ مُؤمناً كمن كاَن فَاسِقَاً لَا يستَون﴾ السَّجْدَة ١٨ نزلت فِي عَليّ بن أبي طَالب والوليد بن عتبَة أخرجه الْحَافِظ السلَفِي وَعَن ابْن عَبَّاس أَن الْوَلِيد بن عتبَة قَالَ لعَلي أَنا أحد مِنْك سِنَانًا وأبسط مِنْك لِسَانا وَأَمْلَأُ كَتِيبَة فَقَالَ لَهُ عَليّ اسْكُتْ إِنَّمَا أَنْت فَاسق تَقول الْكَذِب فَأنْزل الله الْآيَة تَصْدِيقًا لعَلي قَالَ قَتَادَة لَا وَالله مَا اسْتَويَا عِنْد الله لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة ثمَّ أخبر عَن الْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ ﴿أَمَا اَلذِينَ آمنَوُا﴾ السَّجْدَة ١٩ أخرجه الْوَاقِدِيّ
стр. 1081
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أفمنَ وَعدناه وَعداً حسنُاً فهَوَ لاقيهِ﴾ الْقَصَص ٦١ الْآيَة قَالَ مُجَاهِد نزلت فِي عَليّ وَحَمْزَة وَأبي جهل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿إنَ اَلذَينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا اَلصالِحاتِ سيَجعَلُ لهمُ الرَّحْمَن وُداً﴾ مَرْيَم ٩٦ قَالَ ابْن الحنيفة لَا يبْقى مُؤمن إِلَّا وَفِي قلبه ود لعَلي وَأهل بَيته أخرجه الْحَافِظ السلَفِي وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿هذانِ خصمَانِ اختَصَمُوا فِي رَبّهِم﴾ الْحَج ١٩ إِلَى قَوْله ﴿وهدوا إِلَى صِرَاط الحميد﴾ الْحَج ٢٤ وَعَن أبي ذَر كَانَ يقسم لنزلت هَذِه الْآيَة فِي عَليّ وَحَمْزَة وَعبيدَة بن الْحَارِث بن الْمطلب حِين بارزوا عتبَة بن ربيعَة وأخاه شيبَة بن ربيعَة والوليد بن عتبَة يَوْم بدر أخرجه مُسلم وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمنَ شرح اللَهُ صَدرَه لِلإسلام﴾ الزمر ٢٢ الْآيَة نزلت فِي عَليّ وَحَمْزَة وَأبي لَهب وَأَوْلَاده فعلي وَحَمْزَة شرح الله صدرهما لِلْإِسْلَامِ وَأَبُو لَهب وَأَوْلَاده قست قُلُوبهم ذكره أَبُو الْفرج وَعَن عَليّ ﵁ قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة ﴿يَا أَيهَا الَذِينَ آمنَوُا إِذا نَاجَيْتُم اَلرَسُولَ فَقَدِّمُوا بَين يَدي نَجوَاكُمْ صَدَقَة﴾ المجادلة ١٢ قَالَ لي رَسُول الله
مَا ترى أدينار قلت لَا يطيقُونَهُ قَالَ فكم قلت شعيرَة قَالَ إِنَّك لَزَهِيد فَنزلت ﴿ءأشفقتم أَن تقدمُوا﴾ المجادلة ١٣ فَبِي خفف الله عَن هَذِه الْأمة أخرجه أَبُو حَاتِم وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿ويطعِمُونَ اَلطعَامَ عَلىَ حبه مِسْكينا ويتيماً وأسيرا﴾ الْإِنْسَان ٨
стр. 1082
قَالَ ابْن عَبَّاس آجر على نَفسه فسقى نجيلاً بِشَيْء من شعير لَيْلَة حَتَّى أصبح فَلَمَّا أصبح قبض الشّعير فطحن مِنْهُ فَجعل مِنْهُ شَيْئا ليأكلوه يُقَال لَهُ الحريرة دَقِيق بلادهن فَلَمَّا تمّ نضاجه أَتَى مِسْكين يسْأَل فَقَالَ أطعموه إِيَّاه ثمَّ صَنَعُوا الثُّلُث الثَّانِي فَلَمَّا تمّ نضاجه أَتَى يَتِيم فَسَأَلَ فَقَالَ أطعموه إِيَّاه ثمَّ صَنَعُوا الثُّلُث الْبَاقِي فَلَمَّا تمّ نضاجه أَتَى أَسِير من الْمُشْركين فَسَأَلَ فَقَالَ أطعموه إِيَّاه فأطعموه إِيَّاه وطووا يومهم فَنزلت وَهَذَا قَول الْحسن وَقَتَادَة أَن الْأَسير كَانَ من الْمُشْركين قَالَ أهل الْعلم وَهَذَا يدل على أَن الثَّوَاب مرجو فيهم وَإِن كَانُوا من غير أهل الْملَّة وَهَذَا إِذا كَانَ مَا أَعْطوهُ من غير الزَّكَاة وَالْكَفَّارَة كَمَا هُنَا قلت يحْتَمل أَن يكون الْجَار وَالْمَجْرُور مُطلقًا بِالْفِعْلِ على فعل مضف ليَكُون الْمَعْنى أَتَى من ديار الْمُشْركين أَسِير الصَّادِق بِكَوْنِهِ مُؤمنا بل هَذَا الِاحْتِمَال أولى من اعْتِبَاره صفة للأسير الْمُؤَدِّي إِلَى تعْيين كَونه من الْمُشْركين المحوج إِلَى التَّوْجِيه بقوله قَالَ أهل الْعلم وَهَذَا يدل ... إِلَى آخِره وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لَيْسَ فِي كتاب الله ﴿يَا أَيُهَا اَلذَين آمَنُوا﴾ الْبَقَرَة ١٠٤ إِلَّا وعَلى أَولهَا وَآخِرهَا وَلَقَد عَاتب الله أَصْحَاب مُحَمَّد
فِي الْقُرْآن وَمَا ذكر عليا إِلَّا بِخَير أخرجه أَحْمد فِي المناقب
(الْأَحَادِيث فِي شَأْن أبي الحسنين كرم الله تَعَالَى وَجهه)
الحَدِيث الأول
عَن أبي ليلى عَن النَّبِي
أَنه قَالَ الصديقون ثَلَاث حبيب النجار مُؤمن آل يس الَّذِي قَالَ ﴿يَا قوم اَتبِعُون أَهدكُم سَبِيلَ اَلرشَادِ﴾ غَافِر ٣٨ وحرمل مُؤمن آل فِرْعَوْن الَّذِي قَالَ ﴿أَتَقتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبيِّ اللهُ﴾ غَافِر ٢٨ وَعلي بن أبي طَالب وَهُوَ أفضلهم أخرجه أَحْمد فِي
стр. 1083
المناقب الحَدِيث الثَّانِي
عَن جَابر بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله
لعَلي بن أبي طَالب سَلام عَلَيْك أَبَا الريحانتين فَعَن قَلِيل يذهب ركناك وَالله خليفتي عَلَيْك فَلَمَّا قبض
قَالَ هَذَا حد الرُّكْنَيْنِ الَّذِي قَالَ
فَلَمَّا مَاتَت فَاطِمَة قَالَ هَذَا الرُّكْن الآخر أخرجه أَحْمد فِي المناقب أَيْضا الحَدِيث الثَّالِث
عَن سهل بن سعد أَن رجلا جَاءَهُ فَقَالَ هَذَا فلَان لأمير من أُمَرَاء الْمَدِينَة يَدْعُوك تسُب عليا على الْمِنْبَر قَالَ أَقُول مَاذَا قَالَ تَقول لَهُ أَبَا تُرَاب قَالَ فَضَحِك سهل وَقَالَ وَالله مَا سَمَّاهُ أَبَا تُرَاب إِلَّا رَسُول الله
مَا كَانَ اسْم أحب إِلَيْهِ مِنْهُ دخل عَليّ على فَاطِمَة ثمَّ خرج فجَاء
فَقَالَ أَيْن ابْن عمك فَقَالَت كَانَ بيني وَبَينه شَيْء فغاضبني وَخرج وَلم يَقِل عِنْدِي وَهَا هُوَ مُضْطَجع فِي الْمَسْجِد فَخرج
فَوجدَ رِدَاءَهُ قد سقط عَن ظَهره فَجعل رَسُول الله
يمسح التُّرَاب عَن ظَهره وَيَقُول اجْلِسْ أَبَا تُرَاب أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو حَاتِم الحَدِيث الرَّابِع
عَن معَاذَة العدوية سَمِعت عليا على مِنْبَر الْبَصْرَة يَقُول أَنا عبد الله وأخو رَسُوله وَأَنا الصّديق الْأَكْبَر الحَدِيث الْخَامِس
عَن أبي ذَر قَالَ سَمِعت رَسُول الله
يَقُول لعَلي أَنْت الصّديق الْأَكْبَر وَأَنت الْفَارُوق الَّذِي يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل يعسوب الْمُؤمنِينَ وَفِي رِوَايَة الدّين خرجهما الحاكمي
стр. 1084
الحَدِيث السَّادِس
عَن عمر بن الْخطاب قَالَ كنت أَنا وَأَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو بكر وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة إِذْ ضرب رَسُول الله
منْكب عَليّ فَقَالَ عَليّ أَنْت أول الْمُؤمنِينَ إِيمَانًا وَأول الْمُسلمين إسلاماً وَأَنت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى خرجه ابْن السمان الحَدِيث السَّابِع
عَن زيد بن أَرقم قَالَ كَانَ أول من أسلم عَليّ بن أبي طَالب خرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَفِي رِوَايَة بعث رَسُول الله
يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَصلى مَعَه عَليّ يَوْم الثُّلَاثَاء وَفِي رِوَايَة عَن ابْن عَبَّاس عَليّ أول من أسلم بعد خَدِيجَة قَالَ أَبُو عمرَو وَهَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلَا مطْعن لأحد فِي رُوَاته قلت هُوَ يُعَارض مَا تقدم عَن ابْن عَبَّاس فِي أبي بكر وَالصَّحِيح أَنا أَبَا بكر أول من أظهر إِسْلَامه فَلَا تعَارض الحَدِيث الثَّامِن
عَن معَاذَة العدوية قَالَت سَمِعت عليا على مِنْبَر الْبَصْرَة يَقُول أَنا الصّديق الْأَكْبَر آمَنت قبل أَن يُؤمن أَبُو بكر وَأسْلمت قبل أَن يسلم أَبُو بكر أخرجه ابْن قُتَيْبَة فِي المعارف الحَدِيث التَّاسِع
عَن سلمَان أَنه قَالَ أول هَذِه الْأمة وروداً عَليّ نبيها أَولهَا إسلاماً عَليّ بن أبي طَالب وَقد روى مرفوعَاً إِلَى النَّبِي
وَلَفظه أول هَذِه الْأمة وروداً على الْحَوْض الحَدِيث وَفِي رِوَايَة أولكم ورودَاً على
стр. 1085
الْحَوْض أولكم إسلاماً عَليّ بن أبي طَالب خرجه ابْن القلعي وَعَن عفيف ابْن الْأَشْعَث عَن قيس الْكِنْدِيّ قَالَ كنت امْرَءًا تاجرَاً قدمت لِلْحَجِّ فَأتيت الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أبتاع مِنْهُ بعض تجارتي قَالَ فوَاللَّه إِنِّي عِنْده بمنى إِذْ خرج علينا رجل من خباء قريب مِنْهُ فَنظر إِلَى السَّمَاء فَلَمَّا رَآهَا قَامَ يُصَلِّي ثمَّ خرجت امْرَأَة من ذَلِك الخباء فَقَامَتْ خَلفه ثمَّ خرج غُلَام حِين راهق الْحلم فَقَامَ مَعَه يُصَلِّي قَالَ عفيف فَقلت للْعَبَّاس من هَذَا قَالَ هَذَا مُحَمَّد ابْن أخي فَقلت من هَذِه الْمَرْأَة قَالَ هَذِه امْرَأَته خَدِيجَة بنت خويلد قلت فَمن هَذَا الْغُلَام قَالَ هَذَا ابْن عَمه عَليّ بن أبي طَالب قلت فَمَا الَّذِي يصنع قَالَ يُصَلِّي وَهُوَ يزْعم أَنه نَبِي وَلم يتبعهُ أحد على أمره إِلَّا امْرَأَته وَابْن عَمه هَذَا الْفَتى وَهُوَ يزْعم نه سيفتح كنوز كسْرَى وَقَيْصَر قَالَ فَكَانَ عفيف يَقُول لَو كَانَ الله رَزَقَنِي الْإِسْلَام يَوْمئِذٍ فَأَكُون ثَانِيًا مَعَ عَليّ بن أبي طَالب وَقد أسلم فِيمَا بعد وَحسن إِسْلَامه وَعَن عَليّ نَفسه قَالَ صليت قبل أَن يُصَلِّي النَّاس بِسبع سِنِين وَفِي رِوَايَة عَنهُ أيضَاً عبدت الله قبل أَن يعبده أحد من هَذِه الْأمة خمس سِنِين خرجه أَبُو عمر وَقَالَ عَليّ ﵁ أَنا أول من يجثو للخصومة بَين يَدي الرَّحْمَن يَوْم الْقِيَامَة وَفينَا نزلت ﴿هذانِ خَصْمَانِ اَختَصَمُوا فِي رَبّهِم﴾ الْحَج ١٩ فِي مبارزتنا يَوْم بدر أَنا وَحَمْزَة وَعبيدَة مَعَ شيبَة بن ربيعَة وَعتبَة بن ربيعَة والوليد بن عتبَة خرجه البُخَارِيّ عَنهُ الحَدِيث الْعَاشِر
عَن عَليّ قَالَ قَالَ رَسُول الله
يَا عَليّ إِنَّك أول من يقرع بَاب الْجنَّة فيدخلها بِغَيْر حِسَاب بعدِي خرجه الإِمَام عَليّ بن مُوسَى
стр. 1086
الرضي فِي مُسْنده الحَدِيث الْحَادِي عشر
عَن أنس ﵁ قَالَ كَانَ عِنْده
طير أهْدى إِلَيْهِ وَكَانَ مِمَّا يُعجبهُ أكله فَقَالَ اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأحب خلقك إِلَيْك يَأْكُل معي هَذَا الطير فجَاء عَليّ فَأكل مَعَه خرجه التِّرْمِذِيّ وَالْبَغوِيّ فِي المصابيح وخرجه الْجَزرِي وَزَاد بعد قَوْله فجَاء عَليّ فَقَالَ اسْتَأْذن على رَسُول الله
فَقلت مَا عَلَيْهِ إِذن ثمَّ جَاءَ فرددته ثمَّ دخل الثَّالِثَة أَو الرَّابِعَة فَقَالَ
لعَلي مَا حَبسك عني أَو مَا أبطأك عني يَا عَليّ قَالَ جِئْت فردني أنس وَكَانَ أنس خَادِم رَسُول الله
فَقَالَ رَسُول الله
يَا أنس مَا حملك على مَا صنعت قلت رَجَوْت أَن يكون رجلا من الْأَنْصَار فَقَالَ
يَا أنس أَو فِي الْأَنْصَار خير من عَليّ أَو فضل من عَليّ خرجه البُخَارِيّ الحَدِيث الثَّانِي عشر
عَن معَاذَة الغفارية قَالَت كَانَ لي أنس بِالنَّبِيِّ
أخرجُ مَعَه فِي الْأَسْفَار وأقوم على المرضى وأداوي الْجَرْحى فَدخلت على رَسُول الله
فِي بَيت عَائِشَة وَعلي خَارج من عِنْده فَسَمعته يَقُول يَا عَائِشَة إِن هَذَا أحب الرِّجَال إِلَيّ وَأكْرمهمْ عَليّ فاعرفي لَهُ حَقه وأكرمي مثواه خرجه الخجندي الحَدِيث الثَّالِث عشر
عَن الْبَراء قَالَ قَالَ رَسُول الله
عَليّ مني بِمَنْزِلَة رَأْسِي من جَسَدِي خرجه الملا الحَدِيث الرَّابِع عشر
عَن سعد بن أبي وَقاص أَن النَّبِي
قَالَ لعَلي أَنْت مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم
стр. 1087
وَفِي رِوَايَة عَنهُ قَالَ لما نزل رَسُول الله
بالجرف طعن نَاس من الْمُنَافِقين فِي أَمر عَليّ وَقَالُوا إِنَّمَا اسْتَخْلَفَهُ استثقالَا فَخرج عَليّ فَحمل سلاحه حَتَّى أَتَى النَّبِي
بالجرف فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا تخلفت عَنْك فِي غزَاة قطّ قبل هَذِه وَقد زعم المُنَافِقُونَ أَنَّك خلفتني استثقالا فَقَالَ كذبُوا وَلَكِن خلفتك لما ورائي فَارْجِع فَاخْلُفْنِي فِي أَهلِي أَفلا ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى إِلَّا أَنه لَا نَبِي بعدِي الحَدِيث الْخَامِس عشر
عَن أَسمَاء بنت عُمَيْس قَالَت سَمِعت رَسُول الله
يَقُول للهم إِنِّي أَقُول كَمَا قَالَ أخي مُوسَى اجْعَل لي وزيراً من أَهلِي أخي عليا ﴿أشدد بِهِ أزري وأشركه فِي أَمْرِي﴾ إِلَى ﴿بَصيرًا﴾ أخرجه الإِمَام أَحْمد الحَدِيث السَّادِس عشر
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله
لعَلي يَوْم غَزْوَة تَبُوك أما ترْضى أَن يكون لَك من الْأجر مثل مَا لي وَلَك من الْمغنم مثل مَا لي أخرجه الخلعي الحَدِيث السَّابِع عشر
عَن الْمطلب بن عبد الله بن حنْطَب قَالَ قَالَ رَسُول الله
لوفد ثَقِيف حِين جَاءُوهُ لتسلمن أَو لَأَبْعَثَن عَلَيْكُم رجلا مني أَو قَالَ مثل نَفسِي فليضربن أَعْنَاقكُم وليسبين ذَرَارِيكُمْ وليأخذن أَمْوَالكُم قَالَ عمر فوَاللَّه مَا تمنيت الْإِمَارَة إِلَّا يَوْمئِذٍ فَجعلت أنصب صَدْرِي رَجَاء أَن يَقُول هُوَ هَذَا قَالَ فَالْتَفت إِلَى عَليّ وَأخذ بِيَدِهِ وَقَالَ هُوَ هَذَا هُوَ هَذَا أخرجه عب الرَّزَّاق فِي جَامعه وَأَبُو عمر الحَدِيث الثَّامِن عشر
عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله
مَا من نَبِي إِلَّا وَله نَظِير من أمته وَعلي نظيري أخرجه الخلعي الحَدِيث التَّاسِع عشر
أخرج ابْن السمان فِي الْمُوَافقَة قَالَ جَاءَ أَبُو بكر وَعلي يزوران قبر النَّبِي
بعد وَفَاته بسبعة أَيَّام فَقَالَ عَليّ تقدم يَا خَليفَة رَسُول الله
فَقَالَ أَبُو بكر مَا كنت لأتقدم رجلا سَمِعت رَسُول الله
يَقُول فِيهِ عَليّ
стр. 1088
مني بمنزلتي من رَبِّي الحَدِيث الْعشْرُونَ
عَن سلمَان قَالَ سَمِعت رَسُول الله
يَقُول كنت أَنا وَعلي نورا بَين يَدي لله تَعَالَى قبل أَن يخلق آدم بأَرْبعَة عشر ألف عَام فَلَمَّا خلق الله آدم قسم ذَلِك النُّور جزءين فجزء أَنا وجزء عَليّ أخرجه أَحْمد فِي المناقب الحَدِيث الْحَادِي وَالْعشْرُونَ
عَن حبشِي بن جُنَادَة قَالَ كنت جَالِسا عِنْد أبي بكر فَقَالَ من كَانَت لَهُ عدَّة عِنْد رَسُول الله
فَقَامَ رجل فَقَالَ يَا خَليفَة رَسُول الله وَعَدَني بِثَلَاث حثيات من تمر ثمَّ قَامَ قَالَ أرْسلُوا إِلَى عَليّ فَأتى فَقَالَ يَا أَبَا الْحسن إِن هَذَا يزْعم أَن رَسُول الله
وعده بِثَلَاث حثيات من تمر فاحثها لَهُ قَالَ فحثاها بِمرَّة لَا تزيد وَاحِدَة على الْأُخْرَى فَقَالَ أَبُو يكر صدق رَسُول الله
قَالَ لي لَيْلَة الْهِجْرَة وَنحن خارجون من لغَار نُرِيد الْمَدِينَة يَا أَبَا بكر كفي وكف عَليّ فِي الْعدَد سَوَاء أخرجه ابْن السمان فِي الْمُوَافقَة الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ
عَن أبي أَيُّوب قَالَ قَالَ رَسُول الله
لقد صلت الْمَلَائِكَة عليَ وعَلى عَليّ لأَنا كُنَّا نصلي لَيْسَ مَعنا مصل غَيرنَا خرجه أَبُو الْحسن الخلعي الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ
عَن أبي ذَر قَالَ قَالَ رَسُول الله
لما أسرِي بِي مَرَرْت على ملك جَالس على سَرِير من نور وَإِحْدَى رجلَيْهِ فِي الْمشرق وَالْأُخْرَى فِي الْمغرب وَبَين يَدَيْهِ لوح ينظر فِيهِ وَالدُّنْيَا كلهَا بَين عَيْنَيْهِ والخلق بَين يَدَيْهِ وركبتيه وَيَده تبلغ الْمشرق وَالْمغْرب فَقلت يَا جِبْرِيل من هَذَا قَالَ هَذَا عزرائيل تقدم فَسلم عَلَيْهِ فتقدمت فَسلمت عَلَيْهِ فَقَالَ وَعَلَيْك السَّلَام يَا أَحْمد مَا فعل ابْن عمك عَليّ فَقلت وَهل تعرف ابْن عمي عليا فَقَالَ وَكَيف لَا أعرفهُ وَقد وكلني الله بِقَبض أَرْوَاح الْخَلَائق مَا خلا روحك وروح ابْن عمك عَليّ بن أبي
стр. 1089
طَالب فَإِن الله يتوفاه كَمَا شئته خرجه الملا فِي سيرته الحَدِيث الرَّابِع وَالْعشْرُونَ
عَن عَمْرو بن شَاس لأسلمي وَكَانَ من أهل بيعَة الرضْوَان قَالَ خرجت مَعَ عَليّ إِلَى الْيمن فجفاني فِي سَفَرِي حَتَّى وجدت فِي نَفسِي عَلَيْهِ فَلَمَّا قدمت الْمَدِينَة أظهرت شكايته فِي الْمَسْجِد حَتَّى بلغ ذَلِك النَّبِي
فِي نَاس من أَصْحَابه فَلَمَّا رَآنِي حدد النّظر إِلَيّ حَتَّى إِذا جَلَست قَالَ وَالله يَا عَمْرو وَالله لقد آذيتني قلت أعوذ بِاللَّه أَن أؤذيك يَا رَسُول الله فَقَالَ بلَى من آذَى عليا فقد آذَانِي خرجه أَحْمد وَفِي رِوَايَة أَي عَمْرو من أحب عليا فقد أَحبَّنِي وَمن أبْغض عليا فقد أبغضني وَمن آذَى عليا فقد آذَانِي وَمن آذَانِي فقد آذَى الله الحَدِيث الْخَامِس وَالْعشْرُونَ
عَن أم سَلمَة قَالَت أشهد أَنِّي سَمِعت رَسُول الله
يَقُول من أحب عليا فقد أَحبَّنِي وَمن أَحبَّنِي فقد أحب الله وَمن أبْغض عليا فقد أبغضني وَمن أبغضني فقد أبْغض الله خرجه المخلص والحاكمي الحَدِيث السَّادِس وَالْعشْرُونَ
عَن ابْن عَبَّاس قَالَ بَعَثَنِي رَسُول الله
إِلَى عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ لَهُ أَنْت سيد فِي الدُّنْيَا سيد فِي الْآخِرَة من أحبك فقد أَحبَّنِي وحبيبك حَبِيبِي وحبيبي حَبِيبك وعدوك عدوي وعدوي عَدوك وَالْوَيْل لمن أبغضك أخرجه أَحْمد فِي المناقب الحَدِيث السَّابِع وَالْعشْرُونَ
عَن ابْن عَبَّاس أَنه مر بعد مَا كف بَصَره بِمَجْلِس من مجَالِس قُرَيْش وهم يسبون عليا فَقَالَ لقائده مَا سَمِعت من هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ قَالَ يسبون عليا فَقَالَ لقائده ردني إِلَيْهِم فَرده فَقَالَ أَيّكُم الساب الله قَالُوا
стр. 1090
سُبْحَانَ الله من يسب الله فقد أشرك فَقَالَ أَيّكُم الساب لرَسُول الله
قَالُوا سُبْحَانَ الله من يسب رَسُول الله فقد كفر فَقَالَ أَيّكُم السابُّ لعَلي قَالُوا أما هَذَا فقد كَانَ قَالَ فَأَنا أشهد بِاللَّه لقد سَمِعت رَسُول الله
يَقُول من سبّ عليا فقد سبني وَمن سبني فقد سبّ الله وَمن سبّ الله أكبه فِي النَّار على منخره ثمَّ ولَى عَنْهُم فَقَالَ لقائده مَا سمعتهم يَقُولُونَ قَالَ مَا قَالُوا شَيْئا قَالَ فَكيف رَأَيْت وُجُوههم حِين قلت مَا قلت فَقَالَ من // (الْكَامِل) //
(نظرُوا إليكَ بأعْينِ محمرَةٍ ... نَظَرَ التيوسِ إِلَى شفارِ الجازرِ)
قَالَ ابْن عَبَّاس زِدْنِي فدَاك أبي فَقَالَ
(خزرُ الحواجِبِ ناكسُو أذقانِهِمْ ... نَظرَ الذليلِ إِلَى العزيزِ القَاهرِ)
قَالَ ابْن عَبَّاس زِدْنِي فدَاك أبي قَالَ مَا عِنْدِي غَيرهمَا قَالَ ابْن عَبَّاس لَكِن عِنْدِي فَقَالَ
(أحياؤُهُمْ خزيٌ على أمواتِهِمْ ... والميتُونَ مسبَّةٌ للغابِرِ)
الحَدِيث الثَّامِن وَالْعشْرُونَ
عَن أبي ذَر الْغِفَارِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله
لعَلي من أطاعك فقد أطَاع الله من عصاك فقد عَصَانِي أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي مُعْجَمه وَفِي رِوَايَة من أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله وَمن أطاعك فقد أَطَاعَنِي وَمن عَصَانِي فقد عصى الله وَمن عصاك فقد عَصَانِي خرجه الخجندي الحَدِيث التَّاسِع وَالْعشْرُونَ
أخرج أَحْمد فِي المناقب عَن أبي ذَر أيضَاً قَالَ سَمِعت رَسُول الله
يَقُول يَا عَليّ من فارقني فقد فَارق الله وَمن فارقك فقد فارقني الحَدِيث الثَّلَاثُونَ
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ آخى النَّبِي
بَين أَصْحَابه فجَاء عَليّ تَدْمَع عَيناهُ قَالَ يَا رَسُول الله آخيت بَين أَصْحَابك وَلم تؤاخ بيني وَبَين أحد فَقَالَ لَهُ رَسُول الله
أَنْت أخي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَفِي رِوَايَة أَلا ترْضى أَن أكون أَخَاك قَالَ بلَى يَا رَسُول الله رضيت قَالَ فَأَنت
следующие страницы →