← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

للمعز خُصُوصا فَمن ذَلِك قَوْله فِيهِ قبحهما الله تَعَالَى من // (الْكَامِل) // (مَاشِئْت لَا مَا شاءتِ الأَقْدارُ ... فاحْكُمْ فأَنْتَ الوَاحِدُ القَهَّارُ) وَهَذَا خطأ كثير وَكفر كَبِير وَقَالَ أَيْضا قبحه الله وأخزاه وفض فَاه من // (مجزوء الْكَامِل) // (وَلَطَالَمَا زَاحَمْت تَحْتََ ... رِكَابِهِ جِبْرِيلَا) وَمن ذَلِك قَوْله قَالَ ابْن الْأَثِير وَلم أر ذَلِك فِي ديوانه من // (مخلع الْبَسِيط) // (حَلَّ بِرقَّادَةَ المَسِيحُ ... حلَِّبهَا لآدَمٌ ونُوحُ) (حلَّ بِها الله ذُو المَعَالِي ... فَكُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُ رِيحُ) قَالَ ابْن الْأَثِير وَقد شرع بعض المتعصبين لَهُ فِي الِاعْتِذَار عَنهُ قَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ فِي تَارِيخه وَهَذَا الْكَلَام إِن صَحَّ عَنهُ فَلَيْسَ عَنهُ اعتذار لَا فِي الدَّار الْآخِرَة وَلَا فِي هَذِه الدَّار قَالَ فِي الأرج المسكي فَصَارَت الْخطْبَة الإسلامية على قسمَيْنِ فَمن بَغْدَاد إِلَى حلب وَسَائِر ممالك الشرق إِلَى أَعمال الْفُرَات يُخطب فِيهَا للمطيع العباسي وَمن حلب إِلَى بِلَاد الْمغرب مَعَ الْحَرَمَيْنِ الشريفين يخْطب فِيهَا للمعز العُبَيدي هَذَا وَتُوفِّي الْمعز فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه نزار الملقب بالعزيز ابْن الْمعز الفاطمي العبيدي بُويِعَ بعد موت أَبِيه الْمعز وَقَامَ بتدبيره الْقَائِد جَوْهَر غُلَام وَالِده وَكَانَ يَدعِي التنجيم فَكتب لَهُ من // (مخلع الْبَسِيط) // (بِالظُّلمِ والجَوْرِ قَدْ رَضِينَا ... وََلَيْسََ بالْكُفْرِ والحَمَاقَهْ) (إِنْ كُنْتَ أُعْطِيت عِلْمَ غيْبٍ ... بيِّنْ لَنَا كاتِب البِطاقَهْ) كَانَ الْعَزِيز هَذَا قد استزور رجَلين أَحدهمَا نَصْرَانِيّ اسْمه عِيسَى بن نسطورس وَالْآخر يَهُودِيّ اسْمه مِيشَا فعز بسببهما أهل تينك الملتين فِي ذَلِك

стр. 1612

الزَّمَان على الْمُسلمين حَتَّى كتبت إِلَيْهِ امْرَأَة قصَّة فِي حَاجَة فَقَالَت فِيهَا بِالَّذِي أعز النَّصَارَى بِعِيسَى بن نسطورس وَالْيَهُود بميشا وأذل الْمُسلمين بك إِلَّا مَا كشفت عَن ظلامتي فَعِنْدَ ذَلِك أَمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمَا وَأخذ من النَّصْرَانِي ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار كَذَا ذكره ابْن السُّبْكِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ ابْن خلكان أَكثر أهل الْعلم بِالنّسَبِ لَا يصححون نسب الْمهْدي عبيد الله جد خلفاء مصر حَتَّى إِن هَذَا الْعَزِيز فِي أول مَا تولى صعد الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة فَوجدَ هُنَالك ورقة مَكْتُوب فِيهَا هَذِه الأبيات من // (السَّرِيع) // (إِنَّا سمِعْنا نَسباً مُنْكرًا ... يُتْلى عَلَى المِنْبرِ فِي الْجامِع) (إِنْ كُنْتَ فِميمَا تدَّعِى صَادِقًا ... فاذْكُرْ أَباً بعْدَ الأبِ السَّابعِ) (وَإِنْ تُرِدْ تحْقِيقَ مَا قُلْتهُ ... فانْسُبْ لنَا نفْسك كالطَّائِعِ) (أَوْ لَا دعِ الْأنْسابَ مسْتُورةً ... وادْخُلْ بِنا فِى النَّسبِ الواسِعِ) (فَإنَّ أَنْسَابَ بنِى هاشِمٍ ... يقْصُرُ عنْها طَمَعُ الطَّامِعِ) وَتُوفِّي الْعَزِيز فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فَكَانَت مدَّته إِحْدَى وَعشْرين سنة ثمَّ قَامَ بعده ابْنه مَنْصُور الملقب بالحكم بِأَمْر الله بُويِعَ بعد موت أَبِيه وَهُوَ صَاحب الْجَامِع الَّذِي هُوَ دَاخل بَاب النَّصْر فِي الْقَاهِرَة وَكَانَ أول أمره خيرا وَلما كبر عبد الْكَوَاكِب وَفعل فِي حكوماته مَا يضْحك مِنْهُ الصّبيان من المهملات والقبائح وَاسْتمرّ إِلَى أَن عملت أُخْته على قَتله فَقتل قَالَ ابْن خلكان فِي تَارِيخه وفيات الْأَعْيَان فِي تَرْجَمَة الْحَاكِم بِأَمْر الله كَانَ

стр. 1613

لَهُ حمَار أَشهب يدعى بقمر يركبه وَكَانَ يحب الِانْفِرَاد وَالرُّكُوب وَحده فَخرج راكبَاً حِمَاره لَيْلَة الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر شَوَّال سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة إِلَى ظَاهر مصر وَطَاف ليله كُله وَأصْبح مُتَوَجها إِلَى شَرق حلوان وَمَعَهُ ركابيان فَأَعَادَ أَحدهمَا ثمَّ أعَاد الآخر وَبَقِي النَّاس يخرجُون يَلْتَمِسُونَ رُجُوعه وَمَعَهُمْ دَوَاب الموكب إِلَى يَوْم الْأَحَد سلخ الشَّهْر الْمَذْكُور ثمَّ خرج ثَانِي الْقعدَة جمَاعَة من الموَالِي والأتراك فأمعنوا فِي طلبه وَفِي الدُّخُول فِي الْجَبَل فَرَأَوْا الْحمار الْأَشْهب الَّذِي كَانَ يركب عَلَيْهِ وَهُوَ على قرنة الْجَبَل وَقد ضربت يَدَاهُ بِسيف وَعَلِيهِ سَرْجه ولجامه فتبعوا الْأَثر إِلَى الْبركَة الَّتِي فِي شَرْقي حلوان فَنزل فِيهَا رجل فَوجدَ فِيهَا ثِيَابه وَهِي سبع جبات وَوجدت مزررة لم تحل أزرارها وفيهَا آثَار السكاكين فَحملت إِلَى الْقصر وَلم يشكوا فِي قَتله غير جمَاعَة من الغالين فِي حبهم لَهُ السخيفين عقولا يظنون حَيَاته وَأَنه سَيظْهر ويحلفون بغيبة الْحَاكِم وَكَانَ الْحَاكِم جواداً بِالْمَالِ سفاكاً للدماء وَكَانَت سيرته عجبا يخترع كل يَوْم حكما يحمل النَّاس عَلَيْهِ فَمن ذَلِك أَنه أَمر النَّاس فِي سنة خمس وَتِسْعين وثلاثمائة بكتب سبّ الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فِي حيطان الْمَسَاجِد والقناطر والشوارع وَكتب بِهِ إِلَى سَائِر الْبلدَانِ من الديار المصرية ثمَّ أَمر بِقطع ذَلِك سنة سبع وَتِسْعين وثلاثمائة وَأمر بِضَرْب من سبّ الصَّحَابَة وتأديبه وَأمر بقتل الْكلاب فَلم ير كلب فِي الْأَسْوَاق والأزقة إِلَّا قتل وَنهى عَن بيع الفقاع والملوخيا وَنهى عَن بيع الزَّبِيب قَليلَة وكثيرة وَجمع جملَة كَثِيرَة مِنْهُ فأنفق على إحراقها مَا يُسَاوِي خَمْسمِائَة دِينَار ثمَّ منع من بيع الْعِنَب أصلَا وألزم الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن يتميزوا فِي لباسهم عَن الْمُسلمين فِي الحمامات وخارجها ثمَّ أفرد حمامَاً للْيَهُود وحماماً لِلنَّصَارَى وألزمهم أَلا يركبُوا أَشْيَاء من المراكب المحلاة وَأَن تكون ركبهمْ الْخشب وَلَا يستخدموا أحدا من الْمُسلمين وَلَا يركبُوا حمارا لمكار مُسلم وَلَا سفينة نوتيها مُسلم وَفِي سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة منع النِّسَاء من الْخُرُوج من الْمنَازل أَو يطلعن من

стр. 1614

الأسطحة والطاقات وَمنع الخفافين من عمل الْخفاف لَهُنَّ وَمن الْخُرُوج إِلَى الحمامات وَقتل خلقا مِنْهُنَّ على مُخَالفَة ذَلِك وَهدم بعض الحمامات عَلَيْهِنَّ وجهز عَجَائِز يطفن فِي الْبيُوت يستعلمن أَحْوَال النِّسَاء من مِنْهُنَّ تعشق أَو تعشق بأسمائهن وَأَسْمَاء من يتَعَرَّض لَهُنَّ وَأكْثر من الدوران بِاللَّيْلِ وغرق من اطلع على فسقه من الرِّجَال وَالنِّسَاء فَضَاقَ النطاق عَلَيْهِنَّ وعَلى الْفُسَّاق وَلم يتَمَكَّن أحد مِنْهُم أَن يصل إِلَى أحد إِلَّا نَادرا حَتَّى إِن امْرَأَة نادت قَاضِي الْقُضَاة بالديار المصرية وَهُوَ مَالك بن سعد الفارقي وحلفته بِحَق الحاكمِ لما وقف لَهَا فاستمع كَلَامهَا فَوقف لَهَا فَبَكَتْ بكاء شَدِيدا وَقَالَت إِن لي أَخا لَيْسَ لي غَيره وَهُوَ فِي السِّيَاق وَأَنا أَسأَلك لما وصلتني إِلَى منزله لأنظر إِلَيْهِ قبل أَن يُفَارق الدُّنْيَا فرق لَهَا القَاضِي رقة شَدِيدَة وَأمر رجلَيْنِ مَعَه أَن يَكُونَا مَعهَا حَتَّى يبلغاها إِلَى الْمنزل الَّذِي تريده فأغلقت بَابهَا وأعطت الْمِفْتَاح جارتها وَذَهَبت حَتَّى وصلت مَعَ الرجلَيْن إِلَى منزل فطرقت الْبَاب وَدخلت وَقَالَت لَهما اذْهَبَا راشدين فَإِذا هُوَ منزل رجل تهواه ويهواها فَأَخْبَرته بِمَا احتالت بِهِ على القَاضِي فأعجبه ذَلِك وَجَاء زَوجهَا آخر النَّهَار فَوجدَ بَابه مغلقاً فَسَأَلَ عَن أمرهَا فَذكر لَهُ مَا صنعت فاستغاث على القَاضِي وَذهب إِلَيْهِ وَقَالَ مَا أُرِيد امْرَأَتي إِلَّا مِنْك فَإِنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَخ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا ذهبت إِلَى عشيقها فخاف القَاضِي من معرة هَذَا الْأَمر فَركب إِلَى الْحَاكِم وبكي لَدَيْهِ فَسَأَلَهُ عَن شَأْنه فَأخْبرهُ بِمَا اتّفق من الْأَمر فَأرْسل الْحَاكِم مَعَ الرجلَيْن من يحضر الرجل وَالْمَرْأَة جَمِيعًا على أَي حَال كَانَا عَلَيْهِ فوجدوهما متعانقين سكرانين فَسَأَلَهُمَا القَاضِي عَن حَالهمَا فأخذا يعتذران بِمَا لَا يجدي فَأمر بتحريق الْمَرْأَة فِي بَارِية وَضرب الرجل بالسياط ضربَاً مبرحاً وازداد احْتِيَاط الْحَاكِم على النِّسَاء حَتَّى مَاتَ ذكر هَذَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي المنتظم وَأمر بهدم القمامة وَجَمِيع الْكَنَائِس بالديار المصرية ووهب جَمِيع مَا فِيهَا من الْآلَات وَجَمِيع مَا لَهَا من الأحباس لجَماعَة من الْمُسلمين وَأمر أَلا يتَكَلَّم أحد فِي صناعَة النُّجُوم وَأَن يَنْفِي المنجمون من الْبِلَاد وَكَذَلِكَ أَصْحَاب الْغناء ثمَّ أَمر بِبِنَاء مَا كَانَ هَدمه من الْكَنَائِس ورد مَا كَانَ أَخذه من أحباسها انْتهى

стр. 1615

حلوان مَدِينَة كَثِيرَة النزه فَوق مصر بِمِقْدَار خَمْسَة أَمْيَال كَانَت مسكن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان وَالِد عمر بن عبد الْعَزِيز وَبهَا ولد عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ الْعَلامَة السُّبْكِيّ فِي تَارِيخه عِنْد ذكر الْحَاكِم ولنذكر شَيْئا من صِفَاته القبيحة وَسيرَته الملعونة أَخْزَاهُ الله وَلَا وَقَاه شرا كَانَ قبحه الله كثير التلون فِي أَفعاله وأقواله جَائِزا فِي كَيْفيَّة بُلُوغ مَا يؤمله لِأَنَّهُ كَانَ يروم أَن يَدعِي الألوهية كَمَا ادَّعَاهَا قَارون فِي زمن مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام فَكَانَ قد أَمر الرّعية إِذا ذكره الْخَطِيب على الْمِنْبَر أَن تقوم النَّاس على أَقْدَامهم صُفُوفا إعظاماً لذكره واحترامَاً لاسمه فَكَانَ هَذَا يفعل فِي سَائِر ممالكه حَتَّى فِي الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَكَانَ أهل مصر على الْخُصُوص إِذا قَامُوا خروا سجدا حَتَّى إِنَّه يسْجد بسجودهم من فِي الْأَسْوَاق من الرعاع وَغَيرهم وابتنى الْمدَارِس وَجعل فِيهَا الْفُقَهَاء والمشايخ ثمَّ قَتلهمْ وخربها وألزم النَّاس بإغلاق الْأَسْوَاق والدكاكين نَهَارا وَفتحهَا ليلَا فامتثلوا ذَلِك دهرَاً طَويلا حَتَّى اجتاز مرّة بشيخ يعْمل النجارة فِي أثْنَاء النَّهَار فَوقف عَلَيْهِ وَقَالَ ألم أنهكم عَن هَذَا فَقَالَ يَا سَيِّدي أما كَانَ النَّاس يسهرون لما كَانُوا يتعيشون بِالنَّهَارِ فَهَذَا من جملَة السهر فَتَبَسَّمَ وَتَركه وَأعَاد النَّاس إِلَى أَمرهم الأول وكل هَذَا مِنْهُ تَغْيِير للرسوم واختبار لطاعة الْعَامَّة ليرقى إِلَى مَا هُوَ أهم من ذَلِك لَعنه الله وَقد كَانَ يعْمل الْحِسْبَة بِنَفسِهِ يَدُور فِي الْأَسْوَاق على حِمَاره فَمن وجده قد عثر فِي معيشته أَمر عبدَاً أسود مَعَه يُقَال لَهُ مَسْعُود أَن يفعل بِهِ الْفَاحِشَة العمطى وَهَذَا أَمر مُنكر مَلْعُون لم يسْبق إِلَيْهِ لَعنه الله وَكَانَت الْعَامَّة يبغضونه ويكتبون لَهُ الأوراق الَّتِي فِيهَا الشتيمة البليغة لَهُ ولأسلافه وحريمه فِي صُورَة قصَص فَإِذا قَرَأَهَا ازْدَادَ حنقَاً عَلَيْهِم حَتَّى إِن أهل مصر حملُوا صُورَة امْرَأَة من ورق بخفها وإزارها وَفِي يَدهَا قصَّة فِيهَا من الشتم والقبائح شَيْء كثير فَلَمَّا رَآهَا ظَنّهَا امْرَأَة فَذهب من ناحيتها وَأخذ الْقِصَّة من يَدهَا فقرأها فَرَأى مَا فِيهَا فأغضبه جدا وَأمر بقتل تِلْكَ الْمَرْأَة فَلَمَّا تحققها من ورق ازْدَادَ غيظاً على غيظه ثمَّ لما وصل إِلَى الْقَاهِرَة أَمر العبيد من السودَان أَن يذهبوا إِلَى مصر فيحرقوها وينهبوا مَا فِيهَا من الْأَمْوَال والحريم فَذهب العبيد فامتثلوا مَا أَمرهم بِهِ فَقَاتلهُمْ أهل مصر قتالَا عَظِيما ثَلَاثَة أَيَّام وَالنَّار تعْمل فِي

стр. 1616

الدّور وَالْحرم وَفِي كل يَوْم يخرج بِنَفسِهِ لَعنه الله فيقف من بعيد ويبكي وَيَقُول من أَمر هَؤُلَاءِ العبيد بِهَذَا ثمَّ اجْتمع النَّاس فِي الْجَوَامِع فَرفعُوا الْمَصَاحِف وجأروا إِلَى الله تَعَالَى واستغاثوا بِهِ فرق لَهُم التّرْك والمشارقة وانحازوا إِلَيْهِم فَقَاتلُوا مَعَهم عَن حريمهم ودورهم السودَان وتفاقم الْحَال جدا ثمَّ ركب الْحَاكِم ففصل بَين الْفَرِيقَيْنِ وكف العبيد عَنْهُم وَكَانَ يظْهر التنصل من الْقَضِيَّة وَأَن العبيد ارتكبوا ذَلِك من غير علمه وَهُوَ ينفذ إِلَيْهِم السِّلَاح ويحثهم على ذَلِك فِي الْبَاطِن وَمَا انجلى الْحَال حَتَّى احْتَرَقَ من مصر نَحْو ثلثهَا وَنهب قريب من نصفهَا وَسبي حَرِيم خْلق كثير فعل بِهن الْفَوَاحِش والمنكرات حَتَّى إِن مِنْهُنَّ من قتلت نَفسهَا خوفًا من الْعَار والفضيحة وَاشْترى الرِّجَال من سبي لَهُم من النِّسَاء والحريم من أَيدي العبيد انْتهى مَا قَالَه ابْن السُّبْكِيّ وقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه المنتظم فِي ذكر الْأُمَم من الْعَرَب والعجم ثمَّ زَاد ظلم الْحَاكِم وَعَن لَهُ أَن يَدعِي الربوبية فَصَارَ قوم من الْجُهَّال إِذا رَأَوْهُ يَقُولُونَ يَا وَاحِد يَا أحد يَا محيي يَا مميت وَكَانَ قد تعدى شَره النَّاس حَتَّى إِلَى أُخْته يتهمها بالفاحشة ويسمعها أغْلظ الْكَلَام فتبرمت مِنْهُ وعملت على قَتله فراسلت فِيهِ أكبر الْأُمَرَاء وَكَانَ يُقَال لَهُ ابْن دواس فتوافقت هِيَ وَهُوَ على قَتله فواطأها على ذَلِك وجهز من عِنْده عَبْدَيْنِ أسودين فَقَالَ لَهما إِذا كَانَت اللَّيْلَة الْفُلَانِيَّة فكونا بجبل المقطم فَفِي تِلْكَ اللَّيْلَة يكون الْحَاكِم هُنَاكَ فِي اللَّيْل ينظر فِي النُّجُوم وَلَيْسَ مَعَه إِلَّا ركابي وَصبي فاقتلاه واقتلاهما مَعَه وَاتفقَ الْحَال على ذَلِك وتقرر فَلَمَّا كَانَت تِلْكَ اللَّيْلَة قَالَ الْحَاكِم لَا بُد أَن فِي هَذِه اللَّيْلَة عَليّ قطعا عظيمَاً فَإِن نجوت مِنْهُ عمرت نَحوا من ثَمَانِينَ سنة فَقَالَت لَهُ أمه يَا مولَايَ فَإِذا كَانَ الْأَمر كَمَا تَقول فارحمني وَلَا تتْرك ليلتك هَذِه إِلَى مَوضِع أصلا وَكَانَ من عَادَته أَن يَدُور حول الْقصر كل لَيْلَة فدار ثمَّ عَاد إِلَى الْقصر فَنَامَ إِلَى قريب ثلث اللَّيْل الْأَخير فَاسْتَيْقَظَ وَقَالَ إِن لم أركب اللَّيْلَة فاضت نَفسِي فثار وَركب فرسا وَتَبعهُ صبي وركابي حَتَّى صعد جبل المقطم فَاسْتَقْبلهُ ذَانك العبدان فأنزلاه عَن

стр. 1617

مركوبه وقطعاً يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وبقرا بَطْنه وَأَتيا بِهِ مولاهما فَحَمله إِلَى أُخْته فدفنته فِي مجْلِس دارها واستدعت الْأُمَرَاء والأكابر والوزير وَقد أطلعته على الْحِيلَة فَبَايَعته لولد الْحَاكِم أبي الْحسن عَليّ ولقب بِالظَّاهِرِ لإعزاز دين الله وَكَانَ بِدِمَشْق فاستدعته وَجعلت تَقول للنَّاس إِن الْحَاكِم قَالَ لي إِنَّه يغيب سَبْعَة أَيَّام ثمَّ يعود فاطمأن النَّاس بذلك وَجعلت ترسل ركابين ويصعدون الْجَبَل ويجيئون فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُ فِي الْموضع الْفُلَانِيّ وَيَقُول الَّذين من بعدهمْ تَرَكْنَاهُ فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا حَتَّى اطْمَأَن النَّاس وَقدم ابْنه فحين وصل ألبسته تَاج جد أَبِيه الْمعز وحلته حلية عَظِيمَة فأجلسته على السرير فَبَايعهُ الْأُمَرَاء والرؤساء وأطلقت لَهُم الْأَمْوَال الجزيلة وخلعت على ابْن دواس خلعة سنية هائلة وعملت عزاء أَخِيهَا ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ أرْسلت إِلَى ابْن دواس طَائِفَة من الْجند ليكونوا بَين يَدَيْهِ بسيوفهم وقوفاً فِي خدمته ثمَّ أَمرتهم فِي بعض الْأَيَّام أَن يَقُولُوا لَهُ أَنْت قَاتل مَوْلَانَا ثمَّ يهتبرونه بسيوفهم فَفَعَلُوا ذَلِك وَقتلت كل من اطلع على سرها فِي قتل أَخِيهَا فعظمت هيبتها وقويت حرمتهَا وَثبتت دولتها فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَت متولية الْأُمُور لدولة ابْن أَخِيهَا وَكَانَ عمر الْحَاكِم حِين قتل سبعَاً وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ قَتله سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَمُدَّة ملكه خمسَاً وَعشْرين سنة لَعنه الله وقبحه وَفِي ربيع الآخر من سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة فِي دولة الْحَاكِم الْمَذْكُور كتبت بِبَغْدَاد محَاضِر تَتَضَمَّن اللَّعْن والقدح فِي نسب الْخُلَفَاء المصريين الَّذين يَزْعمُونَ أَنهم فاطميون وَلَيْسوا كَذَلِك وَكتب فِي ذَلِك جمَاعَة من الْعلمَاء والقضاة وَالْفُقَهَاء والأشراف والأماثل والمعدلين وَالصَّالِحِينَ شهدُوا جَمِيعًا أَن الناجم وَهُوَ مَنْصُور ابْن نزار الملقب بالحاكم بِأَمْر الشَّيْطَان لَا بِأَمْر الله حكم الله عَلَيْهِ بالبوار والدمار والخزي والنكال والاستئصال ابْن معد بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد الْقَائِم ابْن سعيد لَا أسعد الله فَإِنَّهُ لما صَار إِلَى الْمغرب تسمى بعبيد الله وتلقب بالمهدي وَمن تقدم من سلفه من الأرجاس والأنجاس عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم لعنة الله ولعنة اللاعنين أدعياء خوارج لَا نسب لَهُم فِي ولد عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَلَا

стр. 1618

يتعلقون مِنْهُ بِسَبَب وَأَنه منزه عَن أباطيلهم وَأَن الَّذِي ادعوهُ بَاطِل وزور وَأَنَّهُمْ لَا يعلمُونَ أحدا من أهل بيوتات الطالبيين توقف فِي إِطْلَاق القَوْل فِي هَؤُلَاءِ وَأَنَّهُمْ الْخَوَارِج وَأَنَّهُمْ أدعياء وَقد كَانَ هَذَا الْإِنْكَار لباطلهم شَائِعا فِي الْحَرَمَيْنِ وَفِي أول أَمرهم بالمغرب منتشراً انتشاراً يمْنَع من أَن يُدَلس على أحد كذبهمْ أَو يذهب وَهم إِلَى تصديقهم وَإِن هَذَا الناجم بِمصْر هُوَ وسلفه كفار وفساق فجار ملحدون زنادقة معطلون وللإسلام جاحدون ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون قد عطلوا الْحُدُود وأباحوا الْفروج وَأَحلُّوا الْخُمُور وسفكوا الدِّمَاء وَسبوا الْأَنْبِيَاء ولعنوا السّلف وَادعوا الربوبية وَقد كتب خطه فِي الْمحْضر خلق كثير فَمن العلويين المرتضي والرضي وَابْن الْأَزْرَق الموسوي وَأَبُو طَاهِر بن أبي الطّيب وَمُحَمّد بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن أبي يعلى وَمن الْقُضَاة أَبُو مُحَمَّد القناتي وَأَبُو الْقَاسِم الحمزوي وَأَبُو الْعَبَّاس بن السوري وَمن الْفُقَهَاء الإِمَام أَبُو حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ وَأَبُو مُحَمَّد بن الكشفلي وَأَبُو الْحُسَيْن الْقَدُورِيّ وَأَبُو عبد الله الصَّيْمَرِيّ وَأَبُو عبد الله الْبَيْضَاوِيّ وَأَبُو عَليّ بن حكمان وَمن الشُّهُود أَبُو الْقَاسِم التنوخي فِي كثير وقُرئ بِالْبَصْرَةِ وَكتب فِيهِ خلق كثير هَذِه عبارَة الشَّيْخ أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ قَامَ من بعده وَلَده عَليّ الملقب بِالظَّاهِرِ لإعزاز دين الله وكني بِأبي هَاشم بُويِعَ بعد قتل أَبِيه وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة وَقَامَت عمته بتدبير ملكه أحسن قيام كَمَا تقدم ذكره إِلَى أَن مَاتَت فحذا حذوها وَحسنت أَيَّامه وَسيرَته إِلَى أَن طمع النَّاس فِيهِ لصِغَر سنه وتغلب صَاحب الرملة حسان بن مفرج البدري على أَكثر بِلَاد الشَّام وتضعضعت دولة الظَّاهِر إِلَى أَن توفّي يَوْم الْأَحَد منتصف شعْبَان سنة سبع

стр. 1619

وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَله من الْعُمر ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سِتَّة عشر عَاما وَتِسْعَة أشهر ثمَّ قَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه معد المُكَنى أَبَا تَمِيم الملقب بالمستنصر بسين الاستفعال ابْن الظَّاهِر وعمره سبع سِنِين وتكفل بأعباء المملكة بَين يَدَيْهِ الْأَفْضَل أَمِير الجيوش بدر بن عبد الله الجمالي بُويِعَ يَوْم موت أَبِيه وَهُوَ ابْن سبع سِنِين وَسَبْعَة وَعشْرين يَوْمًا وَبَقِي فِي الْخلَافَة سِتِّينَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَلَا يعلم فِي الْإِسْلَام خَليفَة وَلَا سُلْطَان أَقَامَ فِي الْملك هَذِه الْمدَّة والمستنصر هَذَا هُوَ الَّذِي خطب لَهُ البساسيري على مَنَابِر بَغْدَاد وَهَذَا شَيْء لم يَقع لأحد من آبَائِهِ وَفِي أَيَّامه وَقع الغلاء الْعَظِيم بِمصْر حَتَّى إِن الْكَلْب بيع بِخَمْسَة دَنَانِير ليؤكل والقط بِثَلَاثَة دَنَانِير وضعفت النَّاس من شدَّة الْجُوع حَتَّى إِن الْكَلْب يدْخل إِلَى بَيت الشَّخْص فيأكل وَلَده وَلَيْسَ لَهُ قدرَة على النهوض إِلَى دَفعه وَكَانَ بِمصْر حارة تعرف بحارة الطَّبَق وفيهَا عشرُون دَارا كل دَار تَسَاوِي أَكثر من ألف دِينَار فبيعت كلهَا بطبق خبز كل دَار مِنْهَا برغيف قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي المنتظم خرجت امْرَأَة وَمَعَهَا قدر ربع من جَوْهَر فَقَالَت من يَأْخُذ مني هَذَا الْجَوْهَر ويعطيني عوضا برا فَلم تجدْ مَنْ يَأْخُذهُ مِنْهَا بذلك فَقَالَتْ إِذَا لم يَنْفَعنِي وَقت الْحَاجة فَلَا حَاجَة لي بِهِ فألقته على الأَرْض وانصرفت فالعجب مَا كَانَ لَهُ من يلقطه وَأخرج الْمُسْتَنْصر جَمِيع الذَّخَائِر فَبَاعَهَا يُقَال إِنَّه بَاعَ فِي هَذَا الغلاء ثَمَانِينَ ألف قِطْعَة من أَنْوَاع الْجَوَاهِر المثمنة وَخَمْسَة وَسبعين ألف قِطْعَة من أَنْوَاع الديباج المنسوج بِالذَّهَب وَعشْرين ألف سيف محلى وَأحد عشر ألف دَار وافتقر الخلبفة حَتَّى لم يبْق لَهُ إِلَّا سجادة تَحْتَهُ وقبقاب فِي رجله

стр. 1620

فَصَارَ إِذا نزل للصَّلَاة يستعير بغلة الدِّيوَان حَتَّى يركبهَا وَمَات مُعظم النَّاس جوعا قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي المنتظم فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فِي ولَايَة الْمُسْتَنْصر كَانَ غلاء شَدِيد وقحط عَظِيم بديار مصر بِحَيْثُ إِنَّهُم أكلُوا الْجِيَف وَالْمَيتَات وَالْكلاب وأفنيت الدَّوَابّ فَلم يبْق لصَاحب مصر فرس بعد الْعدَد الْكثير وَنزل الْوَزير يَوْمًا عَن بغلته فَغَفَلَ عَنْهَا الْغُلَام لضَعْفه من الْجُوع فَأَخذهَا ثَلَاثَة نفر فذبحوها وأكلوها فَأخذُوا وصلبوا فَأَصْبحُوا وعظامهم بادية على مَا صلبوا عَلَيْهِ قد أكل النَّاس لحومهم وَظهر على رجل يقتل الصّبيان وَالنِّسَاء ويدفن رُءُوسهم وأطرافهم وَيبِيع لحومهم فَقتل وفيهَا ضَاقَتْ يَد شرِيف مَكَّة مُحَمَّد بن أبي هَاشم بن فليتة فَأخذ الذَّهَب من أَسْتَار الْكَعْبَة والميزاب وَالْبَاب فَضرب ذَلِك دَرَاهِم ودنانير وَكَذَلِكَ فعل صَاحب الْمَدِينَة بالقناديل الَّتِي فِي الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَقبلهَا فِي سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة كَانَت فتْنَة البساسيري وَهُوَ أرسلان التركي قبحه الله تَعَالَى وَذَلِكَ أَنه عزم على أَن يسير إِلَى بَغْدَاد ويأخذها من صَاحبهَا الْخَلِيفَة العباسي الْمُسَمّى بِالْقَاهِرَةِ بن الْقَادِر ويخطب فِيهَا للمستنصر الفاطمي فَركب البساسيري وَمَعَهُ قُرَيْش بن بدران أَمِير الْعَرَب إِلَى الْموصل فَأَخذهَا وأخرب قلعتها فانزعج النَّاس لذَلِك واضطربت بَغْدَاد وأرجف النَّاس بِأَن البساسيري عازم على قصد بَغْدَاد وَأَنه قرب من الأنبار وتفرق الْجَيْش من بَغْدَاد إِلَى نواحي همذان والأهواز وَبقيت بَغْدَاد وَلَيْسَ بهَا أحد من الْمُقَاتلَة فعزم الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله على الرحيل من بَغْدَاد إِلَى غَيرهَا وليته فعل ثمَّ أحب دَاره وَالْمقَام مَعَ أَهله فَلبث فِيهَا اغْتِرَارًا وَلما خلا الْبَلَد من الْمُقَاتلَة قيل للنَّاس من أَرَادَ الْخُرُوج فليذهب إِلَى حَيْثُ شَاءَ فانزعج النَّاس وَبكى الرِّجَال وَالنِّسَاء والأطفال وَعبر كثير من النَّاس إِلَى الْجَانِب الغربي وَبَلغت المعبرة دِينَارا أَو دينارين لعدم الجسر قَالَ وطار فِي تِلْكَ اللَّيْلَة على دَار الْخَلِيفَة نَحْو من عشر بومات مجتمعات

стр. 1621

يصحن صياحاً مزعجاً وَقيل للوزير أبي الْقَاسِم بن الْمسلمَة الملقب برئيس الرؤساء وَزِير الْقَائِم العباسي من الْمصلحَة أَن الْخَلِيفَة يرتحل من بَغْدَاد لعدم الْمُقَاتلَة بهَا فَلم يقبل وشرعوا فِي اسْتِخْدَام طَائِفَة الْعَوام ودُفِعَ إِلَيْهِم سلَاح من دَار المملكة فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحَد الثَّامِن من ذِي الْقعدَة من هَذِه السّنة دخل البساسيري بَغْدَاد وَنشر الرَّايَات الْبيض المصرية وعَلى رَأسه أَعْلَام مَكْتُوب عَلَيْهَا الإِمَام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَو تَمِيم معد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَتَلقاهُ أهل الكرخ وهم أهل الرَّفْض والإلحاد فتضرعوا إِلَيْهِ وسألوه أَن يجتاز عِنْدهم فَدخل الكرخ وَخرج إِلَى مشرعة الروايا فخيم بهَا وَالنَّاس إِذْ ذَاك فِي ضرّ ومجاعة شَدِيدَة وَنزل قُرَيْش بن بدران فِي نَحْو مِائَتي فَارس على مشرعة بَاب الْبَصْرَة وَكَانَ البساسيري قد جمع العيارين وأطمعهم فِي نهب دَار الْخلَافَة وَنهب أهل الكرخ دور أهل السّنة بِبَاب الْبَصْرَة ونهبت دَار قَاضِي الْقُضَاة الدَّامغَانِي وَهلك اكثر السجلات والكتب الْحكمِيَّة ونهبت دَار المتعلقين بِخِدْمَة الْخَلِيفَة وأعادت الروافض الْأَذَان بحي على خير الْعَمَل وَكَذَلِكَ أذن فِي سَائِر جَوَامِع بَغْدَاد وَضربت لَهُ السِّكَّة على الذَّهَب وَالْفِضَّة وحوصرت دَار الْخلَافَة فحاجز الْوَزير ابْن الْمسلمَة بِمن مَعَه من المستخدمين دونهَا فَلم يفد ذَلِك شَيْئا فَركب الْخَلِيفَة بِالسَّوَادِ والبردة على كَتفيهِ وعَلى رَأسه القواد وَبِيَدِهِ سيف صلت وَحَوله زمرة من الهاشميين والجواري حاسرات وجوههن ناشرات شعورهن مَعَهُنَّ الْمَصَاحِف على رُءُوس الرماح وَبَين يَدَيْهِ الخدم بِالسُّيُوفِ المسللة ثمَّ إِن الْخَلِيفَة أَخذ ذمامَاً من أَمِير الْعَرَب قُرَيْش بن بدران لنَفسِهِ وَأَهله ووزيره ابْن الْمسلمَة فآَمنه على ذَلِك وأنزله فِي خيمة فلامه البساسيري على ذَلِك وَقَالَ لَهُ لقد علمت مَا كَانَ وَقع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ بيني وَبَيْنك من أَنَّك لَا تستبد بِرَأْي دوني وَلَا أَنا دُونك وَمهما ملكنا فبيني وَبَيْنك واستحضر البساسيري ابْن الْمسلمَة ووبخه ولامه لوماً شَدِيدا ثمَّ ضربه ضربا مبرحَاً واعتقله مهاناً عِنْده ونهبت العيارون دَار الْخلَافَة فَلَا يُحْصى مَا أَخذ مِنْهَا من الْجَوَاهِر والنفائْس والديباج والأثاث وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يحد وَلَا يُوصف قلت مَا أَخذه البساسيري لأستاذه الْمُسْتَنْصر من دَار الْخَلِيفَة الْقَائِم العباسي

стр. 1622

أخرجه وَبَاعه بأبخس الْأَثْمَان وَهُوَ مُضْطَر جوعان وَلم يتمتع بِهِ فِي هَذِه الدَّار وَهُوَ محاسب عَلَيْهِ فِي دَار الْقَرار ثمَّ اتّفق رَأْي البساسيري وقريش بن بدران على تسيير الخلفة من بَغْدَاد وتسليمه إِلَى أَمِير حَدِيثَة عانة وَهُوَ مهارش بن مجلى البدري وَهُوَ من بني عَم قُرَيْش بن بدران وَكَانَ رجلا صَالحا قلت حَدِيثَة عانة بليدَة بَين حلب وبغداد مَشْهُورَة مَذْكُورَة إِلَى الآَن النِّسْبَة إِلَى جزئا الأول فَيُقَال فلَان الحديثي انْتهى فَلَمَّا بلغ الْخَلِيفَة ذَلِك دخل على قُرَيْش بن بدران أَلا يُخرجهُ من بَغْدَاد فَلم يفد ذَلِك شَيْئا وسيروه مَعَ أَصْحَابه إِلَى حَدِيثَة عانة فَكَانَ عِنْد مهارش أميرها حولا كَامِلا وَلَيْسَ مَعَه أْحد من أَهله فحكي عَن الْقَائِم أَنه قَالَ لما كنت بحديثة عانة قُمْت لَيْلَة إِلَى الصَّلَاة فَوجدت فِي قلبِي حلاوة الْمُنَاجَاة ثمَّ دَعَوْت الله تَعَالَى فَقلت اللَّهُمَّ أعدني إِلَى وطني واجمع بيني وَبَين أَهلِي وَوَلَدي وَيسر اجتماعنا وَأعد روض الْأنس زاهراً وَربع الْقرب عَامِرًا فقد قل العزاء وبرح الخفاء قَالَ فَسمِعت قَائِلا على شط الْفُرَات يَقُول نعم نعم فَقلت هَذَا رجل يُخَاطب آخر ثمَّ أخذت فِي السُّؤَال والابتهال فَسمِعت ذَلِك الصائح يَقُول إِلَى الْحول إِلَى الْحول فَعلمت أَنه هَاتِف أنطقه الله تَعَالَى بِمَا جرى الْأَمر عَلَيْهِ وَكَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ خرج من دَاره فِي ذِي الْقعدَة من هَذِه السّنة وَرجع إِلَيْهَا فِي ذِي الْقعدَة من السّنة الْمُقبلَة كَمَا سَنذكرُهُ الْآن وَلما كَانَ يَوْم عيد الْأَضْحَى ألبس البساسيري الخطباء والمؤذنين الْبيَاض وَعَلِيهِ هُوَ وَأَصْحَابه كَذَلِك وعَلى رَأسه الْأَوْلَوِيَّة المستنصرية والقطاريف المصرية وخطب للمستنصر الفاطمي صَاحب مصر وَالرَّوَافِض فِي غَايَة السرُور وانتقم من أَعْيَان أهل بَغْدَاد انتقاماً عَظِيما وغرق خلقا كثيرا وَقتل من الْعلمَاء جمعا وَلما كَانَت لَيْلَة الِاثْنَيْنِ لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْحجَّة أحضر بَين يَدَيْهِ الْوَزير ابْن الْمسلمَة وَعَلِيهِ جُبَّة صوف وطرطور من لبد أَحْمَر وَفِي رقبته مخنقة من جُلُود فأركب جملا وطيف بِهِ فِي الْبَلَد وَخَلفه من يصفعه بِقِطْعَة جلد وَحين أجَاز

стр. 1623

بالكرخ نثروا عَلَيْهِ خلقان المداسات وبصقوا فِي وَجهه ولعنوه وسبوه فَأوقف بازاء دَار الْخلَافَة وَهُوَ فِي ذَلِك كُله يَتْلُو قَوْله تَعَالَى ﴿قُلِ اَللَهُمَ ماَلِكَ اَلملك﴾ الْآيَة آل عمرَان ٢٦ ثمَّ لما فرغ من الطّواف بِهِ فِي الْبَلَد وأعيد إِلَى الْعَسْكَر ألبس جلد ثَوْر بقرنيه وعلق بكلاب فِي شدقيه وَرفع إِلَى الْخَشَبَة حَيا فَجعل يضطرب إِلَى آخر النَّهَار فَمَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ آخر كَلَامه أَن قَالَ الْحَمد لله الَّذِي أحياني سعيداً وأماتني شَهِيدا ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وبغداد فِي قَبْضَة البساسيري يخْطب فِيهَا للخليفة الْمُسْتَنْصر الفاطمي والقائم قَاعد ب حَدِيثَة عانة ثمَّ لما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي عشر صفر أحضر البساسيري قَاضِي الْقُضَاة أَبَا عبد الله الدَّامغَانِي وَجَمَاعَة من الْوُجُوه والأعيان من العلويين والعباسيين وَأخذ عَلَيْهِم الْبيعَة للمستنصر الفاطمي ثمَّ دخل دَار الْخلَافَة وَهَؤُلَاء المذكورون مَعَه وَأمر بِنَقْض تَاج دَار الْخلَافَة فنقضت بعض الشراريف ثمَّ قيل لَهُ إِن ترك الْفَتْح فِي هَذَا الْأَمر من الْمصلحَة فَتَركه ثمَّ ركب إِلَى زِيَارَة المشهد وَأمر بِأَن تنقل جثة ابْن الْمسلمَة إِلَى مَا يُقَارب الْحرم الظَّاهِرِيّ وَأَن ينصب على دجلة وكتبت أم الْخَلِيفَة وَكَانَت عجوزاً كَبِيرَة قد بلغت التسعين وَهِي مختفية فِي مَكَان إِلَى البساسيري تَشْكُو إِلَيْهِ الْفقر وَالْحَاجة وضيق الْحَال فَأرْسل إِلَيْهَا ونقلها إِلَى الْحَرِيم وأخدمها جاريتين ورتب لَهَا كل يَوْم اثْنَي عشر رطلا من خبز وَأَرْبَعَة أَرْطَال من لحم وَلَا يَفِي هَذَا بقيراط مِمَّا فعله بِوَلَدِهَا وبأهل السّنة وَكَانَ وُقُوع هَذَا الْوَاقِع وَالسُّلْطَان طغرلبك أَبُو طَالب مُحَمَّد بن مِيكَائِيل بن سلجوق غَائِب لقِتَال أَخِيه إِبْرَاهِيم بن مِيكَائِيل فَلَمَّا ظفر بِهِ وأسره وَقَتله وَتمكن فِي أمره وَطَابَتْ نَفسه وَاسْتقر حَاله وَلم يبْق لَهُ بِتِلْكَ الْبِلَاد مُنَازع سمع بِهَذَا الْوَاقِع فَكتب إِلَى قُرَيْش بن بدران أَمِير الْعَرَب يَأْمُرهُ بِأَن يُعَاد الْخَلِيفَة إِلَى دَاره على مَا كَانَ عَلَيْهِ وتوعده على ترك ذَلِك بَأْسا شَدِيدا فَكتب إِلَيْهِ قُرَيْش يتلطف بِهِ ويسأله وَيَقُول أَنا مَعَك على البساسيري بِكُل مَا أقدر عَلَيْهِ حَتَّى يُمكن الله مِنْهُ

стр. 1624

وَلَكِن أخْشَى أَن أشرع فِي أَمر يكون فِيهِ على الْخَلِيفَة مفْسدَة أَو يبدر إِلَيْهِ أحد بأذية وَلَكِن سأعمل فِي أمره بِكُل مَا يمكنني ثمَّ إِنَّه راسل البساسيري وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِعُود الْخَلِيفَة إِلَى دَاره وخوفه من جِهَة الْملك طغرلبك وَقَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ إِنَّك دَعوتنَا إِلَى طَاعَة الْمُسْتَنْصر صَاحب مصر وبيننا وَبَينه سِتّمائَة فَرسَخ وَلم يأتنا من جِهَة رَسُول وَلَا أحد وَلم يفكر فِي شَيْء مِمَّا أرسلنَا إِلَيْهِ وَهَذَا الْملك من وَرَائِنَا بالمرصاد وَجَاء كتاب من الْملك طغرلبك عنوانه إِلَى الْأَمِير الْأَجَل علم الدّين أبي الْمَعَالِي قُرَيْش ابْن بدران مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ من شاهنشاه ملك الْمشرق وَالْمغْرب طغرلبك أبي طَالب مُحَمَّد بن مِيكَائِيل بن سلجوق وعَلى رَأس الْكتاب الْعَلامَة السُّلْطَانِيَّة بِخَط السُّلْطَان حسبي الله وَكَانَ فِي الْكتاب مَا نَصه والآن فقد سَارَتْ بِنَا الْمَقَادِير إِلَى قتال كل عَدو للدّين وَالْملك وَلم يبْق لنا وعلينا من الْمُهِمَّات إِلَّا خدمَة سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ وإطلاع أبهة إِمَامَته على سَرِير عزه فَإِن الَّذِي يلْزمنَا ذَلِك وَلَا فسحة فِي التضجيع فِيهِ سَاعَة من الزَّمَان وَقد أَقبلنَا بجيوش الْمشرق إِلَى هَذَا المهم الْعَظِيم ونريد من الْأَمِير الْجَلِيل السَّعْي النجيح الَّذِي وفْق لَهُ وَتفرد بِهِ وَهُوَ أَن يتمم وفاءه من أَمَانَته وخدمته فِي بَاب سيدنَا ومولانا الإِمَام الْقَائِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَن يكون أحد الرجلَيْن إِمَّا أَن يقبل بِهِ إِلَى وكر عزه ويتولى إِقَامَته وموقف خِلَافَته من مَدِينَة السَّلَام وينتدب بَين يَدَيْهِ مُتَوَلِّيًا أمره منفذاً حكمه شاهراً سَيْفه وقلمه وَذَلِكَ المُرَاد وَهُوَ خليفتنا فِي تِلْكَ الْخدمَة الْمَفْرُوضَة ويوليه الْعرَاق بأسرها وتصفي لَهُ مشارع برهَا وبحرها لَا يطَأ حافر من خُيُول الْعَجم شبْرًا من أَرض تِلْكَ المملكة إِلَّا بالتماس لمعاونته ومظاهرته وَإِمَّا أَن يحافظ على شخصه العالي بتحويله من القلعة إِلَى حِين يجاء لخدمته فيتكفل بإعادته وَيكون الْأَمِير الْجَلِيل مُخَيّرا بَين أَن يلتقي بِنَا أَو يُقيم حَيْثُ شَاءَ بتولية الْعرَاق وسنخلفه فِي الْخدمَة وَهُوَ أدام الله تمكنه يتَيَقَّن من ذكرنَا وَيعلم أَن توجهنا إِثْر هَذَا الْكتاب بِهَذَا الْغَرَض الْمَعْلُوم وَلَا غَرَض سواهُ وَمن اتَّصل بِبَغْدَاد من سَائِر الْعَرَب والعجم والأكراد كلُّهم إِخْوَاننَا وَفِي ديننَا وعهدنا وعلينا لَهُم عهد الله وميثاقه مَا داموا موافقين للأمير وَلكُل مُحْتَرم

стр. 1625

عَفَوْنَا وأمننا لما بدر مِنْهُ إِلَّا البساسيري فَإِنَّهُ لَا عهد لَهُ وَلَا أَمَان وَهُوَ موكول إِلَى الشَّيْطَان وَقد ارْتكب فِي دين الله عَظِيما وَهُوَ إِن شَاءَ الله مَأْخُوذ حَيْثُ وجد ومعذب على مَا عمل وسعي فِي دِمَاء خلق كثير بِسوء دخيلته وإدارة أَفعاله على فَسَاد عقيدته وَكتب فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فَلَمَّا وصل الْكتاب إِلَى قُرَيْش بن بدران استعلم عَن أَخْبَار الْملك طغرلبك من الرُّسُل وَغَيرهم فَإِذا مَعَه جنود عَظِيمَة فخاف من ذَلِك خوفًا شَدِيدا وَبعث إِلَى الْبَريَّة وَأمر بِحَفر أَمَاكِن للْمَاء وتجهيز علوفات كَثِيرَة إِلَى هُنَالك وأنفذ الْكتاب إِلَى البساسيري فانزعج البساسيري لذَلِك وخارت قوته وَضعف أمره وَبعث إِلَى أَهله فنقلهم من بَغْدَاد وأرصد لَهُ إقامات عَظِيمَة بواسط وَجعلهَا دَار مقره وَوَافَقَ على عود الْخَلِيفَة إِلَى بَغْدَاد وَلَكِن اشْترط شُرُوطًا كَثِيرَة ليذْهب خجله وترحل قُرَيْش بن بدران إِلَى أَرض الْموصل وَبعث إِلَى حَدِيثَة عانة يَقُول لأميرها مهارش بن مجلي الَّذِي سلم إِلَيْهِ الْخَلِيفَة الْمصلحَة تَقْتَضِي أَن تحول الْخَلِيفَة إِلَيّ حَتَّى نستأمن لأنفسنا بِسَبَبِهِ فَلَا نسلمه حَتَّى نَأْخُذ لأنفسنا أَمَانًا وَيكون فِي يدك دون يَدي فَامْتنعَ عَلَيْهِ مهارش وَقَالَ قد غدر بِي البساسيري فِي أشياءَ وَعَدَني بهَا فَلم أرها وَلست بمرسله إِلَيْك أبدا وَله فِي عنقِي أَيْمَان كَثِيرَة لَا أغدر بهَا وَكَانَ مهارش رجلا صَالحا ثِقَة أَمينا فَقَالَ للخليفة من الْمصلحَة أَن نسير إِلَى بلد بدر بن مهلهل وَنَنْظُر مَا يكون من أَمر السُّلْطَان فَإِن ظهر دَخَلنَا بَغْدَاد وَإِن كَانَت الْأُخْرَى نَظرنَا لأنفسنا فَإنَّا نخشى من البساسيري أَن يعود فيحصرنا فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة افْعَل مَا فِيهِ الْمصلحَة فسارا فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة إِلَى أَن حصلا بقلعة عكبراء فَتَلَقَّتْهُ رسل الْملك طغرلبك بالهدايا الَّتِي كَانَ أنفذها إِلَيْهِ وَهُوَ متشوق إِلَيْهِ كثيرا وَجَاءَت الْأَخْبَار بِأَن السُّلْطَان طغرلبك دخل بَغْدَاد وَكَانَ يَوْمًا مشهودا غير أَن الْجَيْش نهبوا بَغْدَاد سوى دَار الْخَلِيفَة وصودر خلق كثير وشرعوا فِي عمَارَة دَار الْملك وَأرْسل السُّلْطَان إِلَى الْخَلِيفَة مراكب كَثِيرَة من أَنْوَاع الْخُيُول وَغَيرهَا

стр. 1626

وسرادق عَظِيمَة وملابس سنية أرسل ذَلِك مَعَ وزيره عبد الْملك الكندري وَلما انْتَهوا أرْسلُوا بِتِلْكَ الْآلَات قبل أَن يصلوا إِلَيْهِ وَقَالُوا لمن حوله اضربوا السرادق وليلبس الْخَلِيفَة مَا يَلِيق بِهِ ثمَّ نجيء نَحن فنستأذن عَلَيْهِ فَلَا يَأْذَن لنا إِلَّا بعد سَاعَة طَوِيلَة فَلَمَّا دخل الْوَزير عبد الْملك الكندري وَمن مَعَه قبلوا الأَرْض بعد أَن اسْتَأْذنُوا فَلم يُؤذن لَهُم إِلَّا كَمَا قَالُوا وَأخْبر الْخَلِيفَة بسرور السُّلْطَان بِمَا حصل من الْعود إِلَى بَغْدَاد واشتياقه إِلَيْهِ جدا وَكتب الْوَزير عبد الْملك إِلَى السُّلْطَان وَأخْبرهُ بِمَا جرى وَأحب أَن يَأْخُذ خطّ الْخَلِيفَة فِي أَعلَى الْكتاب فَيكون أقرّ لِعَين السُّلْطَان وَلم يكن عِنْد الْخَلِيفَة دَوَاة فأحضر الْوَزير دواته وَمَعَهَا سيف قَالَ هَذِه حُرْمَة السَّيْف والقلم فأعجب الْخَلِيفَة قَوْله وترحلوا من مَنَازِلهمْ تِلْكَ بعد يَوْمَيْنِ لما وصلوا إِلَى النهروان خرج السُّلْطَان طغرلبك من بَغْدَاد لتلقيه فَلَمَّا انْتهى إِلَى السرادق قبل الأَرْض بَين يَدي الْخَلِيفَة سبع مَرَّات فَأخذ الْخَلِيفَة مخدة فوضعها بَين يَدَيْهِ فَأَخذهَا السُّلْطَان فقبلها ثمَّ جلس عَلَيْهَا وَقدم للخليفة الْحَبل الْيَاقُوت الْأَحْمَر الَّذِي كَانَ لِابْنِ بويه فَوَضعه بَين يَدَيْهِ وَأخرج اثْنَتَيْ عشرَة حَبَّة لُؤْلُؤ كبار وَقَالَ هَذَا لرسلان خاتون وَهِي أُخْته زَوْجَة الْخَلِيفَة وَكَانَت قد خرجت فِي وقْعَة البساسيري وَلَحِقت بأخيها السُّلْطَان طغرلبك تخْدم وتسأل أَن يسبح الْخَلِيفَة بِهَذِهِ المسبحة وَجعل يتَعَذَّر عَن تَأَخره عَن الحضرة فَيَقُول سَببه عصيان أخي إِبْرَاهِيم عَلَي فحاربته وقتلته وَاتفقَ موت أخي الْأَكْبَر فاشتغلت فِي تَرْتِيب أَوْلَاده فِي هَذِه الممالك وَأَنا شَاكر لمهارش بِمَا كَانَ مِنْهُ من خدمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنا ن شَاءَ الله أمضي إِلَى هَذَا الْكَلْب البساسيري وأعود إِلَى الشَّام وأفعل بِصَاحِب مصر مَا يَنْبَغِي أَن يجازي بِهِ من سوء الْمُقَابلَة بِمَا كَانَ من فعله هَهُنَا فَدَعَا لَهُ الْخَلِيفَة وشكره على ذَلِك كل ذَلِك بتوجيه الْوَزير عبد الْملك الكندري بَين الْخَلِيفَة وَالسُّلْطَان وَأعْطى الْخَلِيفَة السُّلْطَان سَيْفا كَانَ لم يبْق مَعَه من أُمُور الْخلَافَة سواهُ ودخلَ الخليفةُ بَغْدَاد يومَ الخميسِ لخمسِ بَقينَ من ذِي القعدةِ وَكَانَ ذَلِك يومَاً مشهوداً الْجَيْش كُله مَعَهُ والقضاة والأعيان بَين يَديهِ وَالسلطان آخذ بلجام بغلته حَتَّى وصل إِلَى بَاب الْحُجْرَة وَلما وصل الْخَلِيفَة إِلَى دَار مَمْلَكَته ومقر خِلَافَته

стр. 1627

اسْتَأْذن السُّلْطَان طغرلبك فِي الْخُرُوج وَرَاء البساسيري فَأذن لَهُ وَكَانَ قد عزم على أَن يمْضِي مَعَه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا أكفيك وَأطلق لمهاوش عشرَة آلَاف دِينَار وَلم يرض وَشرع السُّلْطَان فِي تَرْتِيب الجيوش وَرَاء البساسيري فَأرْسل جَيْشًا من نَاحيَة الْكُوفَة ليمنعوه من الدُّخُول إِلَى الشَّام وَخرج هُوَ فِي التَّاسِع وَالْعِشْرين من شهر ذِي الْحجَّة فِي بَقِيَّة الْجَيْش وَأما البساسيري فَإِنَّهُ مُقيم بواسط فِي جمع غلات وتمور يتهيأ لقِتَال أهل بَغْدَاد وَمن فِيهَا وَعِنْده أَن السُّلْطَان طغرلبك وَمن مَعَه لَيْسُوا بِشَيْء يخَاف مِنْهُم وَذَلِكَ لما يُريدهُ الله من إهلاكه على يَد السُّلْطَان جزاه الله عَن الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين خيرا وَلما سَار السُّلْطَان وَقد وصلت إِلَيْهِ السّريَّة الأولى فَلَقوهُ بِأَرْض وَاسِط فَالْتَقوا هُنَاكَ فَانْهَزَمَ أَصْحَاب البساسيري وَنَجَا بِنَفسِهِ على فرسه فَتَبِعَهُ بعض الغلمان فَرمى فرسه بنشابة فألقته إِلَى الأَرْض وَجَاء وضربه على وَجهه وَلم يعرفهُ وَأَخذه وَاحِد من الْجَيْش يُقَال لَهُ كشتكين فحز رَأسه وَحمله إِلَى السُّلْطَان وَأخذت الأتراك من جَيش البساسيري من الْأَمْوَال والذخائر مَا عجزوا عَن حمله وَلما وصل الرَّأْس إِلَى السُّلْطَان أَمر أَن يذهب بِهِ إِلَى بَغْدَاد وَأَن يرفع على قناة وَأَن يُطَاف بِهِ والدباب والبوقات والنفاطون مَعَه فَفعل ذَلِك وَخرج النَّاس وَالنِّسَاء وَالصبيان للفرجة عَلَيْهِ ثمَّ نصب على الطيار تجاه دَار الْخلَافَة وَالله الْحَمد والْمنَّة وَكَانَ مَعَ البساسيري خلق من البغاددة خَرجُوا ظانين أَنه سيعود إِ ليها محبَّة فِيهِ فهلكوا ونهبت أَمْوَالهم كلهَا وَلم ينج من أَصْحَابه إِلَّا الْقَلِيل وَأما الْخَلِيفَة فَإِنَّهُ لما عَاد إِلَى دَار الْخلَافَة جعل لله عَلَيْهِ أَلا ينَام وطاء وَلَا يَأْتِيهِ أحد بطعامه إِذا كَانَ صَائِما وَلَا يَخْدمه فِي وضوئِهِ وغسله بل يتَوَلَّى ذَلِك كُله بِنَفسِهِ وَعَاهد الله أَلا يُؤْذِي أحدا مِمَّن آذاه وَأَن يصفح عَمَّن ظلمه وَكَانَ يَقُول مَا عَاقَبت من عصى الله فِيك بِأَكْثَرَ من أَن تطيع الله فِيهِ انْتَهَت وقْعَة اليساسيري بكمالها وأحببت إيرادها لِأَنَّهَا من أعظم الوقائع وَلم

стр. 1628

تخل من فَائِدَة وَيُقَال إِن الْمُسْتَنْصر هَذَا أحسن السِّيرَة وَالْعدْل لما احتفظ بتدبير المملكة وَذكروا أَنه كتب على رقْعَة من // (السَّرِيع // (أصْبحْتُ لَا أرْجُو وَلَا أتَّقِي ... إِلا إِلَهِى ولَهُ الْفَضْلُ) (جدِّى نبِيِّى وإِمامِى أبِي ... وقوْلِى التَّوْحِيدُ وَالْعدْل) المَال مَال الله وَالْعَبِيد عبيد الله وَالعطَاء خير من الْمَنْع ﴿وَسَيعلمُ اَلذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبِ يَنقَلِبوُن﴾ الشُّعَرَاء ٢٢٧ وَفِي أَيَّامه احْتَرَقَ دمشق سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة قلت البساسيري هَذَا اسْمه أرسلان ويلقب أَبَا الْحَارِث وَهُوَ من التّرْك وَكَانَ من مماليك بهاء الدولة ابْن عضد الدولة الديلمي وَكَانَ أَولا مَمْلُوكا لرجل من أهل مَدِينَة بسا بِالْبَاء العجمية بأصبهان فنسب إِلَى ذَلِك الرجل الْمَنْسُوب إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَة فَقيل لَهُ البساسيري ثمَّ كَانَ مقدما كَبِيرا عِنْد الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله لَا يقطع أمرا دونه وخطب لَهُ على مَنَابِر الْعرَاق كلهَا ثمَّ طَغى وبغى وتمرد وعتا وَخرج على الْخَلِيفَة بل وعَلى الْمُسلمين ودعا إِلَى خلَافَة الفاطميين ليتم لَهُ مَا رامه من الأمل الْفَاسِد وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَت وَفَاة الْمُسْتَنْصر يَوْم الْخَمِيس لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ قَامَ من بعده أَحْمد الملقب بالمستعلي المكنى بِأبي الْقَاسِم بُويِعَ بعد موت أَبِيه الْمُسْتَنْصر وسنه نَيف وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ الْقَائِم بتدبير ملكه أَمِير الجيوش الْأَفْضَل شاهنشاه ابْن أَمِير الجيوش بدر الجمالي وَقد كَانَ عهد أَبوهُ إِلَى وَلَده الآخر نزار فخلعه الْأَفْضَل فقاتله نزار فَهَزَمَهُ الْأَفْضَل وَأسر القَاضِي ونزار فَقتل القَاضِي وَحبس نزار حَتَّى مَاتَ وَاسْتقر المستعلي فِي الْخلَافَة وَكَانَ عمره

стр. 1629

إِحْدَى وَعشْرين سنةَ وَفِي أَيَّامه استولت الفرنج على سواحل أهل الشَّام وَبَيت الْمُقَدّس واضمحل أَمر الفاطميين وَلم يبْق لَهُم من الْخلَافَة إِلَّا الِاسْم وَاسْتمرّ إِلَى أَن مَاتَ يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث صفر سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ قَامَ بِالْأَمر بعده ابْنه مَنْصُور الملقب بالآمر بِأَحْكَام الله ابْن المستعلي ابْن الْمُسْتَنْصر الفاطمي العبيدي أَبُو عَليّ الاخبيث الرافضي بُويِعَ بعد موت أَبِيه وَتَوَلَّى تَدْبِير مَمْلَكَته شاهنشاه فَلَمَّا كبر جازاه بِالْقَتْلِ وَأقَام عوضه فِي الوزارة الْمَأْمُون البطائحي صَاحب جَامع الْأَقْمَر بِالْقَاهِرَةِ ثمَّ قبض عَلَيْهِ وَقَتله وصلبه أَيْضا وَاسْتمرّ الْآمِر إِلَى أَن مَاتَ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر ذِي الْقعدَة الْحَرَام سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَكَانَت مدَّته سبعا وَعشْرين سنة وَتِسْعَة أشهر وَلم يعقب وَسبب مَوته أَنه مر على الجسر من الرَّوْضَة عِنْد خُرُوجه إِلَى الجزيرة تجاه مصر فَوَثَبَ عَلَيْهِ تِسْعَة فضربوه بالسكاكين حَتَّى إِن أحدهم وثب وَركب خَلفه ثمَّ حمل جريحاً إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ قَامَ من بعده ابْن عَمه عبد الْمجِيد الملقب بِالْحَافِظِ لدين الله بن مُحَمَّد بن الْمُسْتَنْصر المكنى أَبَا الهول بُويِعَ بعد قتل الْآمِر ودام إِلَى أَن مَاتَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة واستوزر فِي أَيَّامه أَحْمد بن الْأَفْضَل شاهنشاه بن بدر الجمالي ولقب أَمِير الجيوش كأبيه وجده وَكَانَت الْأُمُور قبل ولَايَة الْحَافِظ اضْطَرَبَتْ لمَوْت الْآمِر عَن

стр. 1630

غير ولد وَكَانَ الْحَافِظ كثير الْمَرَض بِالرِّيحِ القولنج فَعمل لَهُ الْحَكِيم الْمُسَمّى سرماه طبلاً للقولنج الَّذِي وجد بعد فِي خَزَائِن الفاطميين لما ملك السُّلْطَان صَلَاح الدّين مصر وَكَانَ هَذَا الطبل مركبا من الْمَعَادِن السَّبْعَة فِي أَشْرَافهَا وَكَانَ من خاصية هَذَا الطبل إِذا ضرب بِهِ أحد خرج مِنْهُ تِلْكَ الرّيح الْمَذْكُورَة فَلَمَّا وجد فِي الخزائن ضرب بِهِ بعض الأجناد الأجلاف فَخرج مِنْهُم ريح فَغَضب وَضرب بِهِ الأَرْض فَكَسرهُ فبطلت تِلْكَ الخاصية فندم السُّلْطَان صَلَاح الدّين لذَلِك غَايَة النَّدَم وَفِي أَيَّام الْحَافِظ هَذَا ابتذلت الْخلَافَة حَتَّى لم يبْق لَهُ من الحكم لَا قَلِيل وَلَا كثير وَكَانَت مدَّته تسع عشرَة وَسَبْعَة أشهر ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه إِسْمَاعِيل الملقب بالظافر ابْن عبد الْمجِيد بن مُحَمَّد بن الْمُسْتَنْصر الفاطمي العُبيدي صَاحب الْجَامِع الظافري الْمَعْرُوف بِجَامِع الفاطميين دَاخل الْقَاهِرَة بُويِعَ بعد موت أَبِيه وَهُوَ ابْن سبع عشرَة سنة وَأشهر وَكَانَ يهودى نصرا ابْن وزيره الْعَبَّاس وينادمه فَينزل الظافر لَهُ خُفْيَة وينام عِنْده فَتكلم النَّاس فِي ذَلِك فَبلغ الْعَبَّاس ذَلِك فوبخ ابْنه بِمَا سمع من كَلَام النَّاس فَلَمَّا نزل إِلَيْهِ الْخَلِيفَة فِي بعض اللَّيَالِي على عَادَته وَمَعَهُ خَادِم وَاحِد ونام قَامَ نصر إِلَيْهِ فَقتله وَرمى بِهِ فِي بِئْر وَعرف أَبَاهُ الْوَزير بذلك فَلَمَّا أصبح الْوَزير توجه إِلَى بَاب الْقصر كَأَنَّهُ لم يعلم بِمَا وَقع فَطلب الْخَلِيفَة على الْعَادة فَقَالَ لَهُ خَادِم الْقصر ابْنك نصر يعرف أَيْن هُوَ فَقَالَ لَهُ الْوَزير مَا لِابْني علم ثمَّ أحضر الْعَبَّاس أَخَوَيْنِ للظافر وَابْن أَخِيه وقتلهم صبرا بَين يَدَيْهِ ثمَّ أحضر أَعْيَان الدولة وَقَالَ لَهُم إِن الظافر قد ركب البارحة فِي مركب فَانْقَلَبَ بِهِ وغرق وَقَامَ وَدخل إِلَى الْحَرِيم وَأخرج عِيسَى بن الظافر وَبَايَعَهُ ولقبه بالفائز وتفرق النَّاس عَن الْوَزير لما عرفُوا أَمر الظافر وطالبوه بِدَم الْخَلِيفَة

стр. 1631

وَكَانَت مُدَّة الظافر أَربع سِنِين وَسَبْعَة أشهر وَسَبْعَة أَيَّام وَأرْسل النِّسَاء يستغثن بطلائع بن رزيك وَكَانَ إِذْ ذَاك بِدِمَشْق مُتَوَلِّي منية ابْن الخصيب فَجمع طلائع عسكره وَقصد عباساً الْوَزير فَبَلغهُ فَجمع عَبَّاس مَا قدر على جمعه من الْجَوَاهِر وَالْأَمْوَال وَخرج نَحْو الشَّام فَخرج عَلَيْهِ الفرنج فِي الطَّرِيق فأسروه وَأخذُوا أَمْوَاله وَتَوَلَّى طلائع وزارة مصر وَأرْسل فبذل للفرنج مَالا عَظِيما وَأخذ عباساً مِنْهُم وَقَتله وصلبه على بَاب الْقصر وتلقب بِالْملكِ الصَّالح وَهُوَ صَاحب جَامع بَاب الزويلة وَكَانَ قتل الظافر سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه عِيسَى الملقب بالفائز بن الظافر بن الْحَافِظ بن مُحَمَّد بن الْمُسْتَنْصر بُويِعَ بعد قتل أَبِيه وَهُوَ صبي وَأُصِيب بالرجفة لما أخرجه الْوَزير عَبَّاس من الْحَرِيم على كتفه لِلْبيعَةِ وَهُوَ ابْن سنتَيْن أَو أَربع وَذَلِكَ أَنه لما رأى أَعْمَامه قَتْلَى فزع واضطرب ودام بِهِ ذَلِك إِلَى أَن مَاتَ يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر رَجَب سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة وَهُوَ ابْن عشر سِنِين تَقْرِيبًا قَالَ فِي الْبِدَايَة وفيهَا يَعْنِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة تولى الفائز بنصر الله أَبُو الْقَاسِم عِيسَى بن إِسْمَاعِيل الظافر ثمَّ كَانَت وَفَاته فِي صفر وعمره إِحْدَى عشرَة سنة وَمُدَّة ولَايَته من ذَلِك سِتّ سِنِين وشهران وَكَانَ مُدبر دولته أَبُو الغارات ثمَّ قَامَ من بعده عبد الله الملقب بالعاضد لدين الله بن يُوسُف بن الْحَافِظ وَلم يكن أَبوهُ خَليفَة وَكَانَ يَوْمئِذٍ قد ناهز الِاحْتِلَام فَقَامَ بتدبير مَمْلَكَته الْملك الصَّالح طلائع بن رزيك الْوَزير وَأخذ لَهُ الْبيعَة وزوجه بابنته وجهزها بِأَمْر عَظِيم وَقد عمرت بعد زَوجهَا العاضد وَرَأَتْ زَوَال دولة الفاطمين على يَد السُّلْطَان

стр. 1632

صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بن شاذي الْكرْدِي فَإِن العاضد هُوَ اَخرهم وَكَانَ انْتِقَال دولتهم فِي زَمَنه وَكَانَ لما بُويِعَ ابْن إِحْدَى عشرَة سنة قَالَ فِي الأرج المسكي وَكَانَ الْقَائِم بتدبير ملكه وزيره الْملك الصَّالح طلائع ابْن رزيك وزر لَهُ بعد وَالِده ولقب بالعادل فانتزعها مِنْهُ شاور وَهُوَ الَّذِي كَانَ سَببا لخراب الديار المصرية بمباطنته الفرنج لعنهم الله وَزَوَال دولة العبيديين مِنْهَا ثمَّ بعد قتل شاور وزر لَهُ أَسد الدّين شيركُوه بن شاذي الْكرْدِي وَهُوَ عَم السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب لِأَن أَيُّوب وشيركوه أَخَوان أَبوهُمَا شاذي وَأَيوب يلقب نجم الدّين وشيركوه يتلقب أَسد الدّين فَهُوَ عَم السُّلْطَان صَلَاح الدّين فلقب شيركوه بِالْملكِ الْمَنْصُور وَأقَام شَهْرَيْن وأياماً ثمَّ مَاتَ فاستوزر العاضد السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ولقبه بِالْملكِ النَّاصِر فَقطع الْملك النَّاصِر بعد سِنِين اسْم الْخَلِيفَة العاضد من الْخطْبَة بِمصْر وأعمالها بِأَمْر الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي بن آق سُنقر صَاحب الشَّام الْمَعْرُوف بِنور الدّين الشَّهِيد وَمَات العاضد بعد ذَلِك بأيام فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ يَوْم عَاشُورَاء سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَنَدم السُّلْطَان صَلَاح الدّين على قطعه الْخطْبَة فِي حَيَاته وَتمنى أَن كَانَ الْقطع بعد مَوته فاستولى السُّلْطَان صَلَاح الدّين بن أَيُّوب على مصر وذخائرها وَاخْتلف فِي سَبَب موت العاضد فَقيل إِنَّه تفكر فِي أُمُوره فرآها فِي إدبار فَأَصَابَهُ ذَرب عَظِيم فَمَاتَ مِنْهُ وَقيل إِنَّه لما خطب لبني الْعَبَّاس بِالْقَاهِرَةِ بلغه ذَلِك فَاغْتَمَّ فَمَاتَ وَقيل إِنَّه لما أَيقَن بِزَوَال ملكه كَانَ فِي يَده خَاتم فصه مَسْمُوم فمصه فَمَاتَ مِنْهُ قَالَ الذَّهَبِيّ وَكَانَ العاضد مَعَ وزرائه كالمحجور عَلَيْهِ لَا يتَصَرَّف فِي شَيْء مِمَّا يُرِيد وَهُوَ آخر مُلُوك مصر المسمين بالعبيديين الفاطميين وَكَانَت مُدَّة تملكهم مِائَتَيْنِ وثمان سِنِين فَكَانُوا لأربعة عشر مُتَخَلِّفًا لَا مستخلفاً وَقَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ فِي تَارِيخه الْمُسَمّى بالبداية كَانَ ابْتِدَاؤُهَا سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَكَانَ مزت العاضد فِي سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وأعيدت الْخطْبَة للمستضيء العباسي ابْن المستنجد وَفَرح الْمُسلمُونَ فَرحا شَدِيدا وَكَانَت

стр. 1633

الْخطْبَة قد قطعت عَن بني الْعَبَّاس من ديار مصر من سنة تسع وَخمسين وثلاثمائة فِي خلَافَة الْمُطِيع العباسي قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَقد ألفت فِي ذَلِك كتابا سميته النَّصْر على مصر قَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ وَاتفقَ أَنه لما دخل الْمعز الفاطمي مصر أرسل إِلَى الْجَامِع الْأَزْهَر يطْلب ألقاباً تكون عِنْده لمن يقوم بعده من أَوْلَاده وَأَوْلَاد أَوْلَاده فَكتبت لَهُ هَذِه الألقاب الْعَزِيز الْحَاكِم بِأَمْر الله إِلَى العاضد آخِرهم والعضد فِي اللُّغَة الْقطع فَكَانَ مَعَ إِرَادَته قَاطعا لخلافتهم وَبِه انْقِرَاض ملكهم قَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ وَاتفقَ أَنه لما اسْتَقر أَمر السُّلْطَان صَلَاح الدّين فِي مصر بِالْخطْبَةِ لبني الْعَبَّاس عَن مرسوم الْملك نور الدّين مَحْمُود بن زنكي لَهُ بذلك لمعاتبة الْخَلِيفَة المستنجد إِيَّاه قبل وَفَاته بذلك وَكَانَ إِذْ ذَاك العاضد مَرِيضا مدنفاً فَكَانَت وَفَاته يَوْم عَاشُورَاء فِي سنة سبع وَسِتِّينَ كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فَحَضَرَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين جنَازَته وَشهد عزاءه وَبكى عَلَيْهِ وتأسف وَظهر مِنْهُ حزن فقد كَانَ مُطيعًا لَهُ فِيمَا يَأْمُرهُ بِهِ وَلما مَاتَ استحوذ الْملك صَلَاح الدّين على الْقصر بِمَا فِيهِ وَأخرج أهل العاضد إِلَى دَار أفردها لَهُم وأجرى عَلَيْهِم النَّفَقَات والأرزاق الهنية والمعيشة المرضية وَكَانَ يتندم على إِقَامَته الْخطْبَة العباسية قبل وَفَاته وهلاً صَبر بهَا إِلَى مَا بعد مماته وَلَكِن كَانَ ذَلِك قدرا مَقْدُورًا وَفِي الْكتاب مسطوراً وَمِمَّا قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب فِي ذَلِك من // (المنسرح) // (تُوُفّيَ العَاضِدُ الدَّعِيُّ فَمَا ... يَفْتَحُ ذُو بِدْعَةٍ بِمِصْرَ فَمَا) (وَعَصْرُ فِرْعَوْنِهَا انْقَضَى وَغَدَا ... يُوسُفُهَا فِي الأُمُورِ مُحْتَكِمَا) (فَانْطَفَأَتْ جَمْرَةُ الفُؤَادِ وَقَدْ ... بَاخَ مِنَ الشَّرِّ كُلُّ مَا اضْطَرَمَا) (وَصَارَ شَمْلُ الصَّلَاحِ مُلْتَئِمًا ... بِهَا وَعَقفْدُ السّدَادِ مُنْتَظِمَا) (لمَّا غَدَا معلما شِعَارُ بَنِي العَبَّاسِ ... حَقَّا وَالبَاطِلُ اكْتًتِمَا) (وَبَاتَ دَاعِي التَّوْحِيدِ مُنْتَصِرًا ... وَمِنْ دُعَاةِ الْإِشْرَاكِ مُنْتَقِمَا) (فَظَلَّ أَهْلُ الضَّلَالِ فِي ظُلَلٍ ... دَاجِيَةٍ مِنْ عَماَيَةٍ وَعَمَى)

стр. 1634

(وَارْتَبَكَ الْجَاهِلُونَ فِي ظُلَم ... لمَّا أَضَاءَتْ مَنَابِرُ الْعُلَمَا) (وَعَادَ بِالْمُسْتَضِئِ مُمْتَهِدّاً ... بِنَاء حَقِّ قَدْ كَانَ مُنْهَدِما) (واعْتَلَتِ الدَّوْلَةُ الَّتِي اضْطُهِدَتْ ... وَانْتَصرَ الدِّينُ بَعْدَ مَا اهتُضِمَا) (وَاهْتَزَّ عِطْفُ الْإِسْلَامِ مِنْ جَذلٍ ... وَافْتَرَّ ثَغْرُ الْإِيمَانِ مُبْتَسِمَا) (وَاسْتَبْشَرَتْ أَوْجُهُ الْهُدَى فَرَحًا ... فَلْيَقْرَعِ الْكُفْرُ سِنَّهُ نَدَمَا) (عَادَ حَرِيمُ الْأَعْدَاءِ مُنْتَهكَ الْحِمى ... وَفيْءُ الطُّغَاةِ مُقْتسَمَا) (قُصُورُ أَهْلِ القُصُورِ أَخْرَبَهَا ... عامِرُ بَيْتٍ مِنَ الْكَمَالِ سَمَا) (أُزْعِجَ بعْد السُّكُونِ سَاكِنُهَا ... وَمَاتَ ذُلاًّ وَأَنْفُهُ رَغِمَا) قَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو شامة وَقد قَالَ حسان الشَّاعِر الْمَدْعُو عرقلة من // (الْخَفِيف) // (أَصْبَحَ المُلْكُ بَعْدَ آلِ عَلِيِّ ... مُشْرِقًا بِالمُلُوكِ مِنْ آلِ شَاذِي) (وَغَدَا الشَّرْقُ يحْسُدُ الغَرْبَ لِلْقَرْمِ ... وَمِصْرٌ تَزْهُو علَى بَغْدَاذِ) (مَا حَوَوْهَا إِلَاّ بِعَزْمٍ وحزْمٍ ... وَصَليِلِ الفُولَاذِ فِي الفُولاذِ) (لَا كَفِرْعَوْنَ وَالْعَزِيزِ وَمَنْ كَانَ ... بِها كَالْخَصِيبِ وَالْأُسْتَاذِ) وَقَوله آل عَلِي يَعْنِي الفاطميين وَلم يَكُونُوا فاطميين وَإِنَّمَا كَانُوا أدعياء ينتسبون إِلَى يهودى حداد بسليمة ثمَّ ذكر مَا ذَكرْنَاهُ من كَلَام الْأَئِمَّة فيهم وطعنهم فِي نسبهم قَالَ وَقد استقصيت الْكَلَام فِي ذَلِك فِي بعض الأحيان من الكفريات والمصائب العظميات وَقد صنف الْعلمَاء فِي الرَّد عَلَيْهِم كتبا كَثِيرَة من أجل مَا وضع فِيهِ كتاب القَاضِي الْعَلامَة إِمَام الْأَئِمَّة أبي بكر الباقلاني الَّذِي سَمَّاهُ كشف الْأَسْرَار وهتك الأستار وَمن أحسن مَا قَالَه بعض الشُّعَرَاء فِي بني أَيُّوب يمدحهم على مَا فَعَلُوهُ بِمصْر قَوْله من قصيدة من // (الطَّوِيل) // (أَلَسْتُمْ مُزِيلِي دَوْلَةِ الْكُفْرِ من بَني ... عُبَيْدٍ بِمِصْرٍ إِنَّ هَذَا هُوَ الفَضْلُ) (زَنَادِقَةٌ شِيعِيَّةٌ بَاطِنِيَّةٌ ... مَجُوسٌ وَمَا فِي الصَّالحِينَ لَهُمْ أَصْلُ)

стр. 1635

(يُسِرُّونَ كُفْرًا يُظْهِرونَ تَشَيُّعًا ... لِيَسْتتِرُوا شَيْئًا وَعَمَّهُمُ الْجَهْلُ) وَمِمَّا قيل من الشّعْر بِبَغْدَاد يبشر الْخَلِيفَة المستنجد بِاللَّه العباسي من // (الطَّوِيل) // (لِيَهْنِكَ يَا مَوْلَاَيَ فَتْحٌ تَتاَبَعَتْ ... إِلَيْكَ بِهِ خُوصُ الرَّكَائِبِ تُوجَفُ) (أَخَذْت بِهِ مِصْرًا وَقَدْ حَالَ دُونهَا ... مِنَ الشِّرْكِ ناسٌ فِي لَهَا الْحَقِّ تُقْذَفُ) (فَعَادَتْ بِحمْدِ اللهِ بِاسْمِ إِمامِنَا ... تَتِيهُ عَلَى كُل الْبلَادِ وَتَشْرُفُ) (فَلَا غَرْوَ إِنْ ذَلَّتْ لِيُوسُفَ مِصْرُهُ ... وكانتْ لَهُ عَلْيَاؤُهَا تَتشَوَّفُ) (تَمَلَّكَهَا فِي قَبْضَةِ الْكُفْرِ يُوسُفٌ ... وَخَلَّصَهَا مِنْ عُصْبةِ الفِسْقِ يُوسُفُ) (فَشَابَهَهُ خَلْقًا وخُلْقًا وَعِفَّةً ... وَكُلٌّ عَنِ الرَّحْمَنِ فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُ) (كَشَفْتَ بِها عَنْ آلِ هاشِم سُبَّةً ... وَعَارًا أََبَى إِلَاّ بِسيْفِكَ يُكْشفُ) ذكر الشَّيْخ شهَاب الدّين فِي الروضتين أَن أَبَا الْفَضَائِل الْحُسَيْن بن مُحَمَّد وَزِير ابْن هُبَيْرَة أنشدها للخليفة المستنجد وَالِد المستضيء قبل مَوته عِنْد تَأْوِيل مَنَام رَآهُ بعض النَّاس للخليفة فَأَرَادَ الشَّاعِر بِيُوسُف الثَّانِي الْخَلِيفَة المستنجد لِأَن اسْمه يُوسُف وَكَذَا ذكره ابْن الْجَوْزِيّ وَغَيره أَن هَذِه القصيدة أنشدت للمستنجد فِي حَيَاته وَلَكِن لم يُخطب بِمصْر إِلَّا لوَلَده المستضيء بن المستنجد فَجرى التَّأْوِيل باسم الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب ثمَّ إِن الْخَلِيفَة المستضيء أرسل إِلَى الْملك نور الدّين الشَّهِيد خلعة سنية وَكَذَلِكَ للْملك صَلَاح الدّين إِلَى الديار المصرية فَرفعت على أَعْلَام سود ولواء مَعْقُود ففرقت على الْجَوَامِع بِبِلَاد الشَّام وبلاد مصر فَللَّه الْحَمد على مَا صَحَّ من الْعِزّ والنصر وَكَانَ قد أجمع جمَاعَة من الدولة المصرية الفاطمية الَّذين كَانُوا حكاماً فاتفقوا فِيمَا بَينهم أَن يُعِيدُوا الدولة الفاطمية فَكَتَبُوا إِلَى الفرنج يستدعونهم إِلَيْهِم وعينوا خَليفَة من وَرَثَة الفاطميين ووزراء وأمراء وَذَلِكَ فِي غيبَة السُّلْطَان بِبِلَاد الكرك ثمَّ اتّفق مَجِيئه وَكَانَ من نِيَّة الْملك صَلَاح الدّين أَن يبْعَث أَخَاهُ تورانشَاه شمس الدّين إِلَى الْيمن فشرع عُمارةُ اليمني يذكر لَهُ الْيمن وَمَا فِيهَا من الْمصَالح والدور والمنتزهات والمغلات وَيحسن ل الْمصير إِلَيْهَا ليخف الْجَيْش بِمصْر ويضعف عَن مقاومة الفرنج إِذا قدمُوا لنصرة الفاطميين فَخرج تورنشاه وَلم يخرج مَعَه عمَارَة بل أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ يفِيض فِي هَذَا الحَدِيث وَيدخل الْمُتَكَلِّمين فِيهِ وَكَانَ من

стр. 1636

أكَابِر الدعاة إِلَيْهِ والمحرضين عَلَيْهِ هَذَا وَقد أدخلُوا مَعَهم فِي هَذَا الْأَمر بعض من ينتسب إِلَى الْملك النَّاصِر وَذَلِكَ من قلَّة عُقُولهمْ وَكَثْرَة جهلهم فخانهم أحْوج مَا كَانُوا إِلَيْهِ وَهُوَ الشَّيْخ زيد الدّين عَليّ بن نجا الْوَاعِظ فجَاء إِلَى السُّلْطَان وَأخْبرهُ بِمَا تمالأ عَلَيْهِ الْقَوْم وَمَا انْتهى أَمرهم إِلَيْهِ فَأطلق لَهُ السُّلْطَان أَمْوَالًا جزيلة وأفاض عَلَيْهِ خلعا جملَة ثمَّ استدعاهم السُّلْطَان وَاحِدًا وَاحِدًا فقررهم فأقروا لَهُ بذلك فاعتقلهم ثمَّ استفتى الْعلمَاء فِي أَمرهم فأفتوا بِقَتْلِهِم وتبديد شملهم فَعِنْدَ ذَلِك أَمر بهم فَصَلبَتْ رُءُوسهم وأعيانهم دون أتباعهم وغلمانهم وَأمر بِنَقْل من بَقِي من جَيش العنيديين إِلَى أقاصي الْبِلَاد وَقد كَانَ عمَارَة هَذَا معاديَاً للْقَاضِي الْفَاضِل فَلَمَّا حضر بَين يَدي السُّلْطَان قَامَ القَاضِي الْفَاضِل فَاجْتمع بالسلطان ليشفع فِيهِ فَتوهم عمَارَة أَنه تكلم فِيهِ فَقَالَ يَا مَوْلَانَا السُّلْطَان لَا تسمع مِنْهُ فَغَضب القَاضِي الْفَاضِل ونهض وَخرج من الْقصر فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان إِنَّه كَانَ قد شفع فِيك فندم عمَارَة ندماً عَظِيما وَلما ذهب بِهِ ليصلب اجتاز بدار القَاضِي الْفَاضِل فَطَلَبه فتغيب عَنهُ فَأَنْشد عِنْد ذَلِك قَائِلا من // (الرجز) // (إِنَّ الْخَلاصَ هُوَ الْعَجَبْ ... عَبْدُ الرَّحِيمِ قَدِ احْتَجَبْ) قَالَ ابْن أبي طي وَكَانَ الَّذين صلبوا الْفضل بن كَامِل القَاضِي وَهُوَ أَبُو الْقَاسِم هبة الله ابْن عبد الله بن كَامِل قَاضِي قُضَاة الديار المصرية زمن الفاطميين ويلقب بفخر الْأُمَنَاء وَهُوَ أول من صُلب وَقد كَانَ ينْسب إِلَى فَضِيلَة وأدب وَله شعر رائق مِنْهُ فِي غُلَام رفاء من // (مخلع الْبَسِيط) // (يَا رَافِيًا خَرْقَ كُلِّ ثَوْبٍ ... وَيَا رَشًا حُبُّهُ اعْتِقادِي) (عَسَى بِكَفِّ الوِصَالِ ترْفُو ... مَا مَزَّقَ الهَجْرُ مِنْ فُؤَادِي) وَابْن عبد الْقوي دَاعِي الدعاة وَكَانَ يعلم بدقائق الْقَصْد فَعُوقِبَ ليعلم بهَا فَامْتنعَ من ذَلِك فَمَاتَ واندرست وشريا كَاتب السِّرّ وَعبد الصَّمد أحد أُمَرَاء المصريين ونجاح الحمامي رجل منجم نَصْرَانِيّ كَانَ قد بشرهم بِأَن هَذَا الْأَمر يتم بِعلم النجوَم وَعمارَة اليمني هَذَا وَقد كَانَ شَاعِرًا مطبقاً بليغاً فصيحاً لَا يُلحق فِي هَذَا الشَّأْن وَله ديوَان مَشْهُور ذكره ابْن السُّبْكِيّ فِي طبقاته وَله فِي الفاطميين ووزرائهم وأمرائهم مدائح كَثِيرَة جدا وَأَقل مَا نسب إِلَى الرَّفْض وَقد اتهمَ بَاطِنه

стр. 1637

بالْكفْر الْمَحْض وَله مُصَنف فِي الْفَرَائِض وَكتاب الوزراء الفاطميين وَكتاب جمع فِيهِ سيرة نَفسه وَكَانَ أديباً فَاضلا فَقِيها فصيحاً وَذكر الْعِمَاد الْكَاتِب فِي الخريدة أَنه قَالَ فِي قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا من // (الْبَسِيط) // (أَلْعِلْمُ مُذْ كَانَ مُحْتَاجٌ إِلى الْعَلمِ ... وَشَفْرَةُ السَّيْفِ تَسْتغًنِي عَنِ الْقَلَمِ) وَهِي طَوِيلَة قَالَ فِيهَا أَيْضا (قَدْ كَانَ أَوَّلُ هَذَا الدِّينِ مِنْ رَجُلٍ ... سَعَى إِلَى أَنْ دَعَوْهُ سَيِّدَ الْأُمَمِ) قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب فَأفْتى عُلَمَاء مصر بِكُفْرِهِ وَقَتله وحرضوا السُّلْطَان على الْمثلَة بِمثلِهِ قَالَ وَيجوز أَن يكون الشّعْر مَعْمُولا عَلَيْهِ كَذَا قَالَه الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ أَقُول سُبْحَانَ الله كَيفَ هَذَا الْإِفْتَاء بالْكفْر وَالْحَال أَن هَذَا اللَّفْظ لَيْسَ ظاهرَاً فِيمَا يُوجب الْكفْر فضلا عَن أَن يكون نصا إِذْ قَوْله سعى يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ سَعْيه فِي إبلاغ دين الله وَعرضه نَفسه على الْقَبَائِل وَصَبره على مَا لاقاه من أَذَى قُرَيْش وَغَيرهم وجهاده فِي إعلاء كلمة الله وإعلانها وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر ظهوراً بَينا وَالْمَطْلُوب والمتعين الْحمل عَلَيْهِ إِذْ الْإِيمَان والعصمة ثابتان لَهُ قبل ذَلِك بِلَا شكّ فعندي فِي هَذَا التفكير تفكير انْتهى وَمِمَّا أورد لَهُ ابْن السَّاعِي قَوْله يمدح بعض الْمُلُوك من // (الْكَامِل) // (مَلِكٌ إِذَا قَابَلْتُ بِِشْرَ جَبِينِهِ ... فَارَقْتُهُ والبِشْرُ فَوْقَ جبِينَي) (وَإِذَا لَثَمْتُ يَمِينَهُ وخَرَجْتُ مِنْ ... أَبْوَابِهِ لَثَمَ المُلُوكُ يَمِينِي) وَمِمَّا وجد من شعر عمَارَة يرثي العاضد الفاطمي ودولته وأيامه // (من الْكَامِل) // (أَسَفِي عَلَى زَمَنِ الْإِمَامِ الْعَاضِدِ ... أَسَفَ العَقيِم علَى فِرَاقِ الوَاحِدِ) (جَالسْتُ مِنْ وُزَرَائِهِ وَصَحِبْتُ مِنْ ... أُمَرَائِهِ أَهْلَ الثَّنَاءِ الخَالِدِ) (لَهَفِى عَلَى حُجُرَاتِ قَصْرِكَ إِذْ خَلتْ ... يَا ابْنَ النَّبِيِّ مِنِ ازْدِحَامِ الوَافِدِ) (وَعَلى النَّوَازِلِ مِنْ عسَاكِرِكَ الَّتِي ... كَانَتْ كَأَمْوَاجِ الخَِمِّ الرَّاكِدِ) (قُلِّدتَّ مُؤْتَمَنَ الخِلَافةِ أَمْرَهُمْ ... فَكَبَا وَقَصَّرَ عَنْ صَلَاحِ الْفَاسِدِ) (فَعَسَى اللَّيَالِي أَنْ تَرُدَ عَلَيْكُمُ ... مَا عَوَّدَتْكُمُ مِنْ جَمِيلِ عَوَائِدِ) وِله من قصيدة فِيهِ من // (الْبَسِيط) // (يَا عَذِلِي فِي هَوىَ أَبْنَاءِ فَاطِمَةٍ ... لَكَ المَلَامَةُ إِنْ قَصَّرْتَ فِي عَذَلِي)

стр. 1638

(باللَّهِ زُرْ سَاحَةَ الْقَصْرَيْنِ وَابْكِ مَعِي ... علَيْهِمَا لَا عَلَى صِفِّينَ وَالْجَمَلِ) (وَقُلْ لِأَهْلِهِمَا وَاللَّهِ مَا الْتَحَمَتْ ... فِيكُمْ قُرُوحِي وَلَا جُرْحِي بِمُنْدَمِلِ) (مَاذَا تُرَى كَانَتِ الْإِفْرنْجُ فَاعِلةً ... فِي نَسْلِ آلِ أَمِيرِ المُؤْمِنينَ عَلي) وَقد أورد الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو شامة فِي الروضتين من أشعار عمَارَة هَذَا ومدائحه فِي الْخُلَفَاء الفاطميين وذويهم شَيْئا كثيرا فَمن ذَلِك قَوْله من // (الْبَسِيط) // (لِي فِي هَوَى الرَّشَإِ الْعُذْرِيِّ أَعْذَارُ ... لَمْ يَبْقَ لِي مُذْ أَقرَّ الدَّمْعُ إِنْكَارُ) (لِي فِي الْقُدُودِ وَفِي لَثْمِ الخُدُودِ وَفِي ... ضَمِّ النهوَدِ لُبَانَاتُ وَأَوْطَارُ) (هَذَا اخْتِيَارِي فَوَافِقْ إِنْ رَضِيتَ بِهِ ... أَوْ لَا فَدَعْنِي وَمَا أَهْوَى وَأَخْتَارُ) وَمِمَّا أنْشد الشَّيْخ تَاج الدّين الْكِنْدِيّ فِي عمَارَة حِين صلب قَوْله // (من الطَّوِيل) // (عمَارَةُ فِي الإِسْلَامِ أَبْدَى خِيَانَةً ... وَبَايَعَ فيهَا بَيْعَةً وَصَلِيبَا) (وَأَمْسَى شَريكَ الشِّرْكِ فِي بُغْضِ أَحْمَدٍ ... فَأَصْبَحَ فِي حُبِّ الصليِبِ صَلِيبَا) ) وَكَانَ خَبِيثَ الْمُلْتَقَى إِنْ عَجَمْتَهُ ... تَجِدْ مِنْهُ عُودًا فِي الثِّقَافِ صَلِيبَا) (سَيَلْقَى غَدًا مَا كَانَ يَسْعَى لأَجْلِهِ ... وَيُسْقَى صَدِيدًا فِي لَظًى وَصلِيبَا) قلت الأول صَلِيب النَّصَارَى وَالثَّانِي بِمَعْنى مصلوب وَالثَّالِث بِمَعْنى الْقوي وَالرَّابِع بِمَعْنى ودك الْعِظَام وَلما صلب الْملك النَّاصِر هَؤُلَاءِ بَين القصرين فِي الْقَاهِرَة وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم السبت الثَّامِن من شهر رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة كتب إِلَى الْملك نور الدّين الشَّهِيد مَحْمُود بن زنكي يُعلمهُ بذلك وَمَا وَقع بهم من الخزي والنكال فوصل الْكتاب بذلك الْأَمر يَوْم توفّي الْملك نور الدّين الْمَذْكُور رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 1639

(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) (الْبَاب الرَّابِع) (فِي الدولة الأيوبية السُّنِّيّةِ السَّنيّة) هم أَصْحَاب الفتوحات الجليلة الجلية الكاشفون عَن الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين كل كربَة وبلية قَالَ ابْن السُّبْكِيّ ﵀ كَانَ ابْتِدَاء دولتهم وملكهم سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَقَالَ السَّيِّد السَّمرقَنْدِي فِي تحفة الطَّالِب سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة (السَّبَب فِي توردهم الديار المصرية) قَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ وَغَيره لما كَانَت سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة قدم شاور بن مجبر أَبُو شُجَاع السَّعْدِيّ الملقب بأمير الجيوش وَهُوَ إِذْ ذَاك وَزِير الديار المصرية بعد آل رزيَّك لما قتل النَّاصِر رزيَّك بن صَالح بن رزيَّك وَقَامَ فِي الوزارة بعده يَعْنِي وزارة العاضد العبيدي واستفحل أمره فِيهَا فَسَار عَلَيْهِ أَمِير يُقَال لَهُ الضرغام بن سوار وَجمع لَهُ جموعاً كَثِيرَة وستظهر عَلَيْهِ وَقتل ولديه واستوزر العاضد بعده ضرغام بن سوار الْمَذْكُور ولقب بالمنصور فَخرج شاور من الديار المصرية هَارِبا من العاضد وضرغام ملتجئاً إِلَى نور الدّين مَحْمُود بن زنكي أَمِير الشَّام من جِهَة السلجوقي فِي الديار المصرية فَأرْسل مَعَه نور الدّين جَيْشًا عَلَيْهِم أَسد الدّين شيركوه بن شاذي عَم السُّلْطَان

стр. 1640

يُوسُف بن أَيُّوب بن شاذي فَلَمَّا دخلُوا مصر خرج إِلَيْهِم الْجَيْش الَّذِي بهَا فَاقْتَتلُوا أَشد الْقِتَال فَهَزَمَهُمْ أَسد الدّين وَقتل مِنْهُم خلقا وَقتل ضرغام بن سوار وطيف بِرَأْسِهِ فِي الْبِلَاد وَاسْتقر شاور فِي الوزارة ثمَّ اصْطلحَ العاضد هُوَ وشاور وَفِي هَذِه السّنة الْمَذْكُورَة كَانَت وَفَاة مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي مَنْصُور أبي جَعْفَر الْأَصْفَهَانِي الملقب بالجمال وَزِير صَاحب الْموصل قطب الدّين بن مودود بن زنكي وَهُوَ ابْن أخي مُحَمَّد بن زنكي بن آق سنقر السلجوقي الْمَذْكُور كَانَ هَذَا الْجمال الْأَصْفَهَانِي كثير الْمَعْرُوف وَالصَّدقَات وَله آثَار حَسَنَة ب مَكَّة وَالْمَدينَة من ذَلِك أَنه سَاق عينا إِلَى عَرَفَات وَعمل هُنَالك مصانع وَبنى مَسْجِد عَرَفَات ودرجه وَأحكم أَبْوَاب الْحرم وَبنى مَسْجِد الْخيف وَبنى الْحجر وزخرف الْكَعْبَة وأذهبها وعملها بالرخام وَبنى على الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة سوراً وَبنى جِسْرًا على دجلة عِنْد جَزِيرَة ابْن عمرَ بِالْحجرِ المنحوت وَالْحَدِيد والرصاص وَبنى ربطاً كَثِيرَة وَكَانَ يتَصَدَّق كل يَوْم على بَابه بِمِائَة دِينَار ويفتدي من الأساري كل سنة بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَلَا تزَال صدقاته وافدة إِلَى الْفُقَهَاء والفقراء حَيْثُ كَانُوا وَلما مَاتَ دفن فِي رِبَاط بناه لنَفسِهِ بالموصل وَقد كَانَ بَينه وَبَين أَسد الدّين شيركوه الْمَذْكُور مؤاخاة وعهد أَيهمَا مَاتَ قبل الآخر أَن يحملهُ إِلَى الْمَدِينَة فاستأجر لَهُ أَسد الدّين رجَالًا فنقلوه إِلَيْهَا فَمَا مروا بِهِ فِي بَلْدَة إِلَّا صلى عَلَيْهِ أَهلهَا وترحموا وأثنوا عَلَيْهِ خيرا فَصلي عَلَيْهِ ب الْموصل وتكريت وبغداد والحلة والكوفة وَمَكَّة وطيف بِهِ حول الْكَعْبَة ثمَّ نقل إِلَى الْمَدِينَة المشرفة فَدفن برباط بناه شَرْقي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَابْن السَّاعِي وَلَيْسَ بَينه وَبَين حرم رَسُول الله سوى مِقْدَار خَمْسَة عشر ذِرَاعا قَالَ ابْن السَّاعِي لما صليَ عَلَيْهِ بالحلة صَعِدَ شَاب على نشز فَأَنْشد من الطَّوِيل (سرَى نَعْشُهُ فَوْقَ الرِّقَابِ وطَالَما ... سَرَى جُودُهُ فَوْقَ الرِّكَابِ ونَائِلُهْ)

стр. 1641

(يَمُرُّ عَلَى الوَادِي فَتُثْنِي رِمَالُهُ ... علَيْهِ وبِالنِّادِي فَتُثْنِي أَرَامِلُهْ) رَجعْنَا إِلَى سيرة شاور والعاضد وَأسد الدّين لما اصْطلحَ شاور مَعَ العاضد استمرا على دَخَن فَلَمَّا كَانَت سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة طغت الفرنج بالديار المصرية وتحكموا فِي إيوانها وسكنها أَكثر شجعانهم وَلم يبْق شَيْء من أَن يستحوذوا عَلَيْهَا ويخرجوا مِنْهَا أَهلهَا الْمُسلمين وَذَلِكَ بِسَبَب مَا قَرَّرَهُ لَهُم شاور على مصر كل عَام بِأَلف ألف دِينَار وَأَن تكون لَهُم بهَا شحنة فَلَمَّا سمع الفرنج بذلك طمعوا فِي أَخذهَا بِالْأَصَالَةِ فركبت أمدادهم من كل نَاحيَة وَسَارُوا فَأول مَا أخذُوا مَدِينَة بلبيس فَقتلُوا خلقا وأسروا آخَرين فَأمر الْوَزير شاور بإحراق مصر وَأَن ينْتَقل النَّاس إِلَى الْقَاهِرَة فنهبت الْبَلَد وَبقيت النَّار تعْمل فِي مصر أَرْبَعَة وَخمسين يَوْمًا فَعِنْدَ ذَلِك أرسل الْخَلِيفَة العاضد لدين الله إِلَى الْملك نور الدّين الشَّهِيد مَحْمُود بن زنكي يستغيث بِهِ وَبعث إِلَيْهِ بشعور نِسَائِهِ يَقُول لَهُ أدركني واستنقذ نسَائِي من يَد الفرنج وَالْتزم لَهُ بِثلث خراج مصر على أَن يكون أَسد الدّين شيركوه مُقيما عِنْدهم بِمصْر وَلَهُم إقطاعات زَائِدَة على الثُّلُث فشرع نور الدّين فِي تجهيز الجيوش إِلَى الديار المصرية فَلَمَّا استشعر الْوَزير شاور بوصول الْمُسلمين أرسل إِلَى ملك الإفرنج يَقُول قد عرفت محبتي ومودتي ولكِن العاضد والمسلمون لَا يوافقوني على تَسْلِيم الْبَلَد واستدعي نور الدّين الشَّهِيد الْأَمِير أَسد الدّين شيركوه فقدمه على العساكر الَّتِي قد جهزها إِلَى الديار المصرية وأضاف إِلَيْهِ جملَة من الْأُمَرَاء والأعيان وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ ابْن أَخِيه صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بن شاذي وأضاف إِلَيْهِ سِتَّة آلَاف من التركمان فَلَمَّا وصلت الجيوش النورية إِلَى الديار المصرية وجدوا الفرنج قد انشمروا عَن الْقَاهِرَة بالصفقة الخاسرة فَدخل الْأَمِير أَسد الدّين على العاضد وخلع عَلَيْهِ خلعة سنية فلبسها وَعَاد إِلَى مخيمه بِظَاهِر الْقَاهِرَة وَخرجت وُجُوه النَّاس إِلَى مخيم أَسد الدّين خدمَة لَهُ وَكَانَ مِمَّن خرج إِلَه الْخَلِيفَة العاضد متنكراً فَأسر إِلَيْهِ أموراً مهمة مِنْهَا قتل الْوَزير شاور وَقرر مَعَه ذَلِك وَعظم أَمر الْأَمِير أَسد الدّين بِمصْر وَلم يقدر الْوَزير شاور على منع شَيْء من ذَلِك لِكَثْرَة من مَعَ أَسد الدّين من الْجَيْش وَلَكِن شرع يماطل فِيمَا كَانَ تقرر لَهُم

стр. 1642

وللملك نور الدّين مِمَّا كَانَ الْتَزمهُ لَهُم وَهُوَ مَعَ ذَلِك يتودد إِلَى الْأَمِير أَسد الدّين ويركب مَعَه وعزم على فعل ضِيَافَة لَهُ فَنهى أَسد الدّين وَأَصْحَابه عَن الْحُضُور عِنْده خوفًا عَلَيْهِ من غائلته وشاوروه فِي قتل شاور فَلم يُمكنهُم الْأَمِير أَسد الدّين من ذَلِك فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام جَاءَ شاور إِلَى منزل أَسد الدّين فَوَجَدَهُ قد ذهب إِلَى زِيَارَة قبر الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَإِذا ابْن أَخِيه الْملك صَلَاح الدّين يُوسُف هُنَالك فَأمر صَلَاح الدّين بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَلم يُمكنهُ قَتله إِلَّا بعد مُشَاورَة عَمه أَسد الدّين فَانْهَزَمَ أَصْحَاب شاور فأعلموا العاضد لَعَلَّه يبْعَث من ينقذه فَأرْسل العاضد إِلَى الْأَمِير أَسد الدّين يطْلب رَأس شاور فَقتله يُوسُف وَأرْسل بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ ففرح الْمُسلمُونَ بذلك وَأمر أَسد الدّين بِنَهْب دَار شاور فنهبت وَدخل على العاضد فاستوزره وخلع عَلَيْهِ خلعة عَظِيمَة ولقبه الْملك الْمَنْصُور فسكن دَار شاور وَعظم شَأْنه هُنَالك قلت وَهَذَا الْوَزير شاور هُوَ أول من استكتب القَاضِي الْفَاضِل استدعي بِهِ من الْإسْكَنْدَريَّة فحظي عِنْده وانحصرت فِيهِ الْكِتَابَة لما رَأَوْا فَضله وفضيلته وَمِمَّا قَالَه عمَارَة اليمني فِي شاور قَوْله من الْكَامِل (ضَجِرَ الحَدِيدُ مِنَ الحَدِيدِ وشَاورٌ ... فِي نَصْرِ آلِ مُحَمَّدٍ لَمْ يَضْجَرِ) (حَلَفَ الَّزمَانُ ليَأْتِيَنَّ بِمِثْله ... حَنِثَتْ يَمِينُكَ يَا زَمَانُ فَكَفِّرِ) وَلم يزل قَائِما فِي الوزارة إِلَى أَن ثار عَلَيْهِ ضرغام بن سوار كَمَا تقدم ذكره ثمَّ كَانَ قَتله على يَد النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف وَلما اسْتَقر أَسد الدّين بِمصْر كَمَا ذكرنَا أرسل إِلَى الْقصر يطْلب كَاتبا فأرسلوا إِلَيْهِ بِالْقَاضِي الْفَاضِل وَكَانُوا قد أبغضوه أَرْسلُوهُ إِلَيْهِ رَجَاء أَن يُقتل مَعَه إِذا قتل أَسد الدّين شاور فِيمَا كَانُوا يؤملون ثمَّ إِن أَسد الدّين بعث الْعمَّال وأقطع الإقطاعات وَولى للولايات وَفَرح بِنَفسِهِ أَيَّامًا معدودات فأدركه حِمَامُهُ يَوْم السبت ثَانِي عشر جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة فَكَانَت ولَايَته شَهْرَيْن وَخَمْسَة أَيَّام فَلَمَّا توفّي أَسد الدّين أَشَارَ الْأُمَرَاء الشاميون على العاضد بتولية صَلَاح الدّين

стр. 1643

يُوسُف بن أَيُّوب الوزارة بعد عَمه أَسد الدّين وخلع عَلَيْهِ خلعة سنية ولقبه الْملك النَّاصِر قَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين أَبُو شامة فِي كتاب الروضتين صفة الخلعة الَّتِي لبسهَا صَلَاح الدّين يَوْمئِذٍ هِيَ عِمَامَة بَيْضَاء بِطرف ذهب وثوب ديبقي بطراز الذَّهَب وجبة بطراز ذهب وطيلسان مطرز بِذَهَب وَعقد جَوْهَر بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَسيف محلى بِخَمْسَة آلَاف دِينَار وحجرة من الْخَيل بِثمَانِيَة آلَاف دِينَار وَعَلَيْهَا طوق ذهب وسرفسار ذهب بجوهر وَفِي رَأسهَا مِائَتَا حَبَّة جَوْهَر وَفِي قَوَائِمهَا أَرْبَعَة عُقُود جَوْهَر وَفِي رَأسهَا قضيب ذهب وَمَعَ الخلعة عدَّة بقج وخيل ومنشور الْولَايَة فِي ثوب أطلس أَبيض وَكَانَ ذَلِك يَوْم الِاثْنَيْنِ الْخَامِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَأقَام صَلَاح الدّين بالديار المصرية بِصفة نَائِب للْملك نور الدّين الشَّهِيد مَحْمُود ابْن زنكي يخْطب لَهُ على المنابر بالديار المصرية بعد الْخَلِيفَة وَقد قَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي قتل صَلَاح الدّين شاور من الطَّوِيل (هَنِيئًا لِمصْرِ حَوْزُ يوسُفَ مُلْكَهًا ... بأَمْرٍ مِنَ الرحْمَنِ قَدْ كَانَ مَوْقُوتاَ) (وَمَا كَانَ فِيها قَتْلُ يوسُفَ شاوراً ... يماثلُ إلَاّ قَتْلَ داوُدَ جَالُوتاَ) وارتفع قدر صَلَاح الدّين بَين الْعباد بِتِلْكَ الْبِلَاد واضطهد العاضد فِي أَيَّامه غَايَة الاضطهاد وَزَاد فِي إقطاعات الَّذين مَعَه فَأَحبُّوهُ وخدموه واحترموه فاستمر حَتَّى كَانَ أول جُمُعَة من سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَهِي السّنة الَّتِي توقي فِيهَا الْخَلِيفَة العاضد قبل وَفَاته أَمر بِإِقَامَة الخطية لبنى الْعَبَّاس ب مصر وَفِي الْجُمُعَة الثَّانِيَة ب الْقَاهِرَة وَكَانَ ذَلِك يَوْمًا مشهوداً وَلما انْتهى الْخَبَر بذلك إِلَى الْملك نور الدّين الشَّهِيد مَحْمُود بن زنكي ب الشَّام أرسل إِلَى الْخَلِيفَة يُعلمهُ بذلك مَعَ ابْن عصرون فزينت بَغْدَاد وغلقت الْأَسْوَاق وَفَرح الْمُسلمُونَ فَرحا شَدِيدا وَكَانَت الْخطْبَة عَن بني الْعَبَّاس قد قطعت من سنة تسع وَخمسين وثلاثمائة فِي خلَافَة الْمُطِيع العباسي حِين تغلب الفاطميون وَهن الْمُسلمُونَ بالعُبَيديين على مصر وملكها مِنْهُم الْمعز الفاطمي باني الْقَاهِرَة والقصرين

стр. 1644

إِلَى هَذَا الأوان وَهُوَ سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَذَلِكَ مِائَتَا سنة وثماني سِنِين كَمَا تقدم ذكر ذَلِك قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ وَقد ألفت فِي ذَلِك كتابا سميته النَّصْر على مصر فَهَذَا هُوَ سَبَب اسْتِيلَاء الدولة الأيوبية على مصر وَالشَّام وأعمالهما وَكَانَت وَفَاة نور الدّين الشَّهِيد فِي شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة فأولهم الْملك النَّاصِر (السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب) ابْن شاذي الْكرْدِي الروادي وهم خِيَار الأكراد الدويني وَمِنْهُم من يَقُول أَيُّوب بن شاذي بن مَرْوَان وَزَاد بَعضهم بعد مَرْوَان ابْن يَعْقُوب وَالَّذِي عَلَيْهِ جمهورهم أَنه لَا يعرف بعد شاذي أحد من نسبهم وَأغْرب بَعضهم فَزعم أَنهم من سلالة مَرْوَان بن مُحَمَّد الْجَعْدِي آخر خلفاء بني أُميَّة وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيح كَذَا قَالَه ابْن السُّبْكِيّ قلت وَالَّذِي انتسب هَذِه النِّسْبَة ادِّعَاء هُوَ الْملك أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن طغتكين ابْن أَيُّوب بن شاذي وَيعرف بِابْن سيف الْإِسْلَام لِأَن سيف الْإِسْلَام لقب

стр. 1645

ل طغتكين بن أَيُّوب أخي صَلَاح الدّين وَقد ملك إِسْمَاعِيل هَذَا بعد أَبِيه فتعاظم فِي نَفسه وادعي الْخلَافَة وتلقب بِالْإِمَامِ الْهَادِي بِنور الله الْمعز لدين الله أَمِير الْمُؤمنِينَ وَزعم أَنه أموي ومدحه الشُّعَرَاء وأطروه ولهجوا بذلك وَقَالَ هُوَ فِي نَفسه من الطَّوِيل (وَإنِّي أَنَا الهَادِي الْخَلِيفَةُ والذِي ... أَدُوسُ رِقَابَ الغلبِ بالضُّمَّرِ الجُرْدِ) (وَلَا بُدَّ مِنْ بَغْدَادَ أَطْوِي رُبُوعَهَا ... وأَنْشُرُهَا نَشر السِّمَاسِرِ للبردِ) (وأَنْصِبُ أَعْلَامِي عَلَى شُرُفَاتِهَا ... وأُحْيِي بِهَا مَا كَانَ أَسَّسَهُ جَدِّي) (ويخطبُ لي فِيهَا على كلِّ منبرٍ ... وأظِهْرُ دِينَ اللَّهِ فِي الغَورِ والنَّجْدِ) وَهَذَا الادعاء لَيْسَ بِصَحِيح وَلَا أصل لَهُ فيعتمد عَلَيْهِ وَلَا مُسْتَند يسْتَند إِلَيْهِ وَكَانَ السُّلْطَان صَلَاح الدّين ﵀ متقشفاً فِي ملبسه ومأكله وملبسه لَا يلبس إِلَّا الْكَتَّان والقطن وَالصُّوف وَلَا يعرف أَنه تخطى مَكْرُوها بعد أَن أنعم الله عَلَيْهِ بِالْملكِ بل كَانَ همه الْأَكْبَر ومقصوده الْأَعْظَم نصْرَة الْإِسْلَام وَكسر الْأَعْدَاء اللئام وَيعْمل فكره فِي ذَلِك ورأيه وَحده وَمَعَ من يَثِق بِرَأْيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا هَذَا مَعَ مَا لَدَيْهِ من الْفَضَائِل والفواضل والفوائد والفرائد فِي اللُّغَة وَالْأَدب وَأَيَّام النَّاس حَتَّى قيل إِنَّه كَانَ يحفظ الحماسة بِتَمَامِهَا وَكَانَ مواظباً على الصَّلَوَات فِي أَوْقَاتهَا فِي جمَاعَة يُقَال لم تفته الْجَمَاعَة فِي صَلَاة قبل مماته بدهر طَوِيل حَتَّى فِي مرض مَوته وَكَانَ يتجشم الْقيام مَعَ ضعفه وَكَانَ يفهم مَا يُقَال بَين يَدَيْهِ من الْبَحْث والمناظرة ويشارك فِي ذَلِك مُشَاركَة حَسَنَة وَإِن لم يكن بالعبارة المصطلح عَلَيْهَا وَكَانَ يحفظ ويحفظ أَوْلَاده عقيدة جمعهَا لَهُ القطب النَّيْسَابُورِي وَكَانَ يحب سَماع الْقُرْآن الْعَظِيم ويواظب على سَماع الحَدِيث حَتَّى إِنَّه سمع فِي بعض المصافات جُزءاً وَهُوَ بَين الصفين وتبجح بذلك وَقَالَ هَذَا موقف لم يسمع فِيهِ أحد حَدِيثا وَكَانَ رَقِيق الْقلب سريع الدمعة عِنْد سَماع الْقُرْآن والْحَدِيث كثير التَّعْظِيم لشعائر الدّين وَكَانَ من خِيَار الْمُلُوك وأشجعهم وَأكْرمهمْ وَأَحْسَنهمْ فتح الفتوحات الَّتِي لَا تحصى

стр. 1646

من ممالك الْكفْر وَدَمرَ دِيَارهمْ واستلب أعمارهم وسبى نِسَاءَهُمْ وصغارهم وَكَانَ شَيخا كَرِيمًا حَلِيمًا ضحوك الْوَجْه كثير البِشر أحسن الْمُلُوك سيرة وأطهرهم سريرة يشبه بِالْملكِ الْعَادِل نور الدّين الشَّهِيد وَلم يتْرك فِي خزائنه سوى سِتَّة وَثَلَاثِينَ درهما وَقَالَ غير ابْن السُّبْكِيّ سَبْعَة وَأَرْبَعين درهما وَلم يتْرك عقارا وَلَا مزرعة وَلَا شَيْئا من أَنْوَاع الْأَمْلَاك لِكَثْرَة عطاياه وهباته وصدقاته وخيراته إِلَى أمرائه وفقرائه حَتَّى إِلَى أعدائه وَخلف من الْأَوْلَاد سَبْعَة عشر ذكرا وَابْنَة وَاحِدَة أكبرهم الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ وَكَانَ قد قسم الْبِلَاد فِي حَيَاته بَين أَوْلَاده فالديار المصرية لوَلَده الْعَزِيز عُثْمَان وبلاد دمشق وَمَا حولهَا لوَلَده الْأَفْضَل الْمَذْكُور والديار الحلبية لوَلَده الظَّاهِر غَازِي والكرك والشوبك لِأَخِيهِ الْعَادِل أبي بكر ثمَّ شرعت الْأُمُور تضطرب وتختلف حَتَّى آل الْأَمر واستقرت الممالك وَاجْتمعت المحافل على أخي السُّلْطَان الْملك الْعَادِل وَصَارَت المملكة فِي أَوْلَاده الأماجد الأفاضل كَمَا ستراهم حِين تعدادهم وَاحِدًا بعد وَاحِد وَكَانَ سَبَب وَفَاته أَن اعترته حمى صفراوية لَيْلَة السبت سادس عشر صفر وتفاقم بِهِ الْحَال لَيْلَة الْأَرْبَعَاء السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فَدخل عَلَيْهِ القَاضِي الْفَاضِل فِي الصُّبْح وَهُوَ باَخر رَمق فَلَمَّا قَرَأَ الْقَارئ قَوْله تَعَالَى ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت﴾ التَّوْبَة: ١٢٩ تَبَسم وتهلل وَجهه وَسلمهَا إِلَى ربه وَله من الْعُمر سبع وَخَمْسُونَ سنة وَدفن بتربته عِنْد مدرسة أَنْشَأَهَا ب الْموصل وألحده وَلَده نور الدّين عَلِي الْأَفْضَل وَدفن مَعَه سَيْفه الَّذِي كَانَ يحضر بِهِ الْجِهَاد والجلاد وَذَلِكَ بِإِشَارَة القَاضِي الْفَاضِل وَقد عمل فِيهِ الشُّعَرَاء المراثي الْكَثِيرَة فَمن أحْسنهَا قصيدة الْعِمَاد الْكَاتِب وَهِي

стр. 1647

مِائَتَان وَاثْنَانِ وَثَلَاثُونَ بَيْتا فَمِنْهَا قَوْله فِي أَولهَا من الْكَامِل (شَمْلُ الهُدَى والمُلكِ وعَمَّ شَتَاتُهُ ... والدَّهْرُ سَاءَ وأَقْلَعَتْ حَسَنَاتُهُ) (أَيْنَ الَّذِي مُذْ لَمْ يَزَلْ مَخْشِيَّةً ... مَرْجُوَّةً ... هَبَّاتُهُ وهباتُهُ) (أَيْنَ الذِي طَاعَاتُنَا كانَتْ لَهُ ... مَبْذُولةً ولِرَبهِ طَاعَاتُهُ) (باللَّهُ أَيْنَ النَّاصِرُ المَلِكُ الذِي ... لِلَّهِ خَالِصَةٌ صَفَتْ نيَّاتُهُ) (أَيْنَ الَّذِي مَا زَالَ سُلْطَاناً لَنَا ... يُرجَى نَدَاهُ وتُتَّقَى سَطَوَاتُهُ) (أَيْنَ الذِي شَرُفَ الزَّمَانُ بفَضْلِهِ ... وسَمَتْ عَلَى الفُضَلَاءِ تَشْرِيفَاتُهُ) (أَيْنَ الذِي عَنَتِ الفِرِنجُ لِبَأْسِهِ ... ذلا ومِنْهَا أَدْرَكَتْ ثَارَاتُهُ) (أَغْلاقُ أَعْنَاقِ العِدَى أسْيَافُهُ ... أطْواقُ أجْيَادِ الوَرَى مِنًّاتُهُ) قلت إِن كَانَت القصيدة كلهَا على هَذِه الوتيرة فَمَا تصلح أَن تكون بعقر دَاره عقيرة ﵀ (ثمَّ تولى ابْنه الْملك الْعَزِيز عُثْمَان) أَبُو الْفَتْح ابْن السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب تسلطن بعد مَوته وَكَانَ نَائِبا عَن أَبِيه بِمصْر لما كَانَ أَبوهُ ب دمشق وَتمّ أمره وسنه نَيف وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ أَصْغَر إخْوَته وَكَانَ أكبرهم الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ وَكَانَت إِلَيْهِ ولَايَة الْعَهْد من أَبِيه صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَكَانَ ب دمشق وَأَخُوهُ عُثْمَان ب مصر وَعَمه الْملك الْعَادِل أَبُو بكر ب حلب وَكَانَ أكولاً يَأْكُل الخروف وَحده وَكَانَ فَاضلا متأدباً حَلِيمًا حسن السِّيرَة متديناً قل أَن يُعَاقب على ذَنْب وَمَعَ هَذَا مَا صفا لَهُ الدَّهْر وَلَا هنَّاه بِالْملكِ بعد أَبِيه لبث مُدَّة يسيرَة ثمَّ حصره عَمه الْملك الْعَادِل أَبُو بكر وَأَخُوهُ الْملك الْعَزِيز عُثْمَان صَاحب

стр. 1648

التَّرْجَمَة هَذِه وَأَخْرَجَاهُ من ملكه إِلَى صَرخَد ثمَّ جهزاه إِلَى سميساط وَفِي ذَلِك كتب إِلَى الْخَلِيفَة النَّاصِر العباسي ب بَغْدَاد قَوْله من الْبَسِيط (مَوْلَايَ إنَّ أبَا بَكرٍ وصَاحِبَهُ ... عُثمان قَدْ غَصَبَا بالسَّيْفِ حَقَّ عَلِي) (وهْوَ الذِي كَانَ قَدْ ولَاّهُ والِدُهُ ... عَلَيْهِمَا فاسْتَقَامَ الأمْرُ حِيَن وَلِي) (فَخَالَفَاهُ وحَلَاّ عقْدَ بَيْعتِهِ ... والأَمْرُ بَيْنَهُمَا والنِّصْفُ فِيهِ جَلِي) (فانظُرْ إِلَى حَظِّ هَذَا الاسْمِ كَيْفَ لَقِى ... مِنَ الأوَاخِرِ مَا لَاقَى مِنَ الأُوَلِ) فأَجابه النَّاصِر العباسي من الْكَامِل (وَافَى كِتَابُكَ يابْنَ يُوسُفَ مُعْلِنًا ... بالوردِ يُخْبِرُ أَنَّ أَصْلَكَ طَاهِرُ) (غَصَبُوا عَلِيًّا حَقَّهُ إذْ لَمْ يَكُنْ ... بَعْدَ النِّبِيِّ لَهُ بِيَثْرِبَ نَاصِرُ) (فاصْبِرْ فإنَّ غَدًا عَلَيْه حِسَابَهُمْ ... وَابْشِرْ فَنَاصِرُكَ الإمامُ النَّاصِرُ) وَكَانَ فيهمَا تشيع وَقَالَ الْعَلامَة الصَّفَدِي فِي تَارِيخه توفّي يَوْم الْجُمُعَة فَجْأَة بعد أَن صلى الْجُمُعَة خَامِس عشر صفر من سنة ٦٢٢ هـ وَحمل إِلَى حلب وذفن بهَا وَكَانَ صَحِيح العقيدة عِنْده علم وأدب يجب الْعلمَاء وَالْعلم وَله فِي الْجِهَاد مَعَ أَبِيه مشَاهد مَعْرُوفَة وآثار جميلَة ووقف أوقافاً جميلَة ولشعراء عصره فِيهِ أمداح طائلة وقصائد هائلة مثل ابْن الساعاتي وَابْن سناء الْملك وَغَيرهمَا فَمن قَول ابْن سناء الْملك فِيهِ من قصيدة من الْخَفِيف (مَلكٌ إسْمُهُ عَلِيِّ وَلَكِنْ ... كَبْدُهُ فِي حُرُوبه كَبْدُ عَمْرِو) (لَيْسَ يَنْفَكُّ بَيْنَ فَتْحٍ وفَتْكٍ ... حِين يختالُ بَين نصلٍ ونصرِ) (وَجْههُ البَدْرُ فِي الحُرُوبِ فَلَا تع ... جَبْ إِذا كَانَ يَوْمُهُ يَوْمَ بدرِ) وَله من أُخْرَى من الْبَسِيط (حَسْبِى علىٌّ نَدًى حَسْبِى عَلِىٌّ هُدًى ... حَسْبِى علىٌّ جدى حَسْبِى عَلِىٌّ عُلَا) (حَمَدتُّ آخرَ أَيَّامِى بِخِدْمَتِهِ ... ولَسْتُ أَحْمَدُ مِنْ أَيِامِىَ الْأَوْلَاد)

стр. 1649

(ذِكْرِي بِهِ سَارَ حَالِي عِنْدَهُ عَظُمَتْ ... قَدْرِي بِهِ جَلَّ مِقْدَادِي لَدَيْهِ عَلَا) ثمَّ قَالَ وَقَالَ كَمَال الدّين بن العديم لم يكن متشيعاً وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا الشّعْر مُوَافقَة للْحَال وتقرباً للْإِمَام النَّاصِر العباسي فَإِنَّهُ كَانَ مَنْسُوبا إِلَى التَّشَيُّع قَالَ الصَّفَدِي وَلما تعصب عَلَيْهِ أَخُوهُ الْعَزِيز عُثْمَان الْمَذْكُور وَعَمه الْعَادِل أَبُو بكر قَالَ من الْكَامِل (ذِي سُنَّةٌ بَيْنَ الأَنَامِ قَدِيمَةٌ ... أبدَا أَبُو بَكْرٍ يَجُوزُ عَلَى عَلىِ) وَكتب بِتِلْكَ الْأَرْبَعَة الأبيات إِلَى النَّاصِر العباسي قلت قد ذكرت الْأَرْبَعَة أَبْيَات وَفِي حفظي لَهُ بيتان يذم بهما حَظه وَهُوَ معنى لم أسمعهُ لغيره ووكر لم يأو إِلَيْهِ غير طيره هما من الْكَامِل (يَا مَنْ يُسَوِّدُ بالخضابِ شُعُورَهُ ... لعَسَاهُ مِنْ أَهْلِ الشَّبِيبَةِ يُجْعَلُ) (هَا فَاخْتَضِبْ بِسَوادِ حَظِّي مَرَّةَ ... ولَكَ الأمانُ بأنَّه لَا يُنْصَلُ) وَإِنَّمَا ذكرت تَرْجَمَة عَلِي الأَفضَلِ فِي تَرْجَمَة أَخِيه عُثْمَان صَاحب التَّرْجَمَة لجَرَيَان ذكره بأكبريته على إخْوَته بني يُوسُف بن أَيُّوب وَاسْتمرّ عُثْمَان فِي الْملك إِلَى أَن خرج إِلَى الفيوم يتصيد فلاح لَهُ ظَبْي فساق خَلفه فكبا بِهِ الْفرس فَوَقع فَدخل قربوس السرج فِي فُؤَاده فَحمل إِلَى الْقَاهِرَة وَتُوفِّي فِي عشر الْمحرم الْحَرَام سنة خمس أَو سِتّ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَمُدَّة ملكه خمس سِنِين وَعشرَة أَيَّام

стр. 1650

(ثمَّ تولى ابْنه الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد) ابْن عُثْمَان الْعَزِيز بن صَلَاح الدّين تسلطن بعد موت أَبِيه وعمره نَحْو الْعشْرين وَصَارَ مُدبر مَمْلَكَته الْأَمِير قراقوش وَوَقع لَهُ مَعَ عَمه الْملك الْأَفْضَل صَاحب الشَّام أُمُور عَجِيبَة وَكَذَلِكَ مَعَ عَم أَبِيه الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَلم تطل أَيَّامه لتغلب أَعْمَامه عَلَيْهِ إِلَى أَن خلعه عَم أَبِيه الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب (ثمَّ تولى الْملك الْعَادِل) عَم أَبِيه أَبُو بكر سيف الدّين بن أَيُّوب تسلطن بعد خلع ابْن ابْن أَخِيه فِي شَوَّال سنة سِتّ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَفِي أَيَّامه انْتَقَلت السلطنة من دَار الوزارة إِلَى قلعة الْجَبَل فِي سنة أَربع وسِتمِائَة وَكَانَ لَهُ سعد عَظِيم فَإِن غَالب مُلُوك بني أَيُّوب من نَسْله
следующие страницы →