← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

على حر السيوف صَبَرُوا مضطرين على طعم الحتوف وأعطوا الدَّار حَقّهَا واستقبلوا غمام السِّهَام وبلها وودقها واستمروا كَذَلِك من إقبال الْفجْر إِلَى إدبار النَّهَار فعجزوا عَن الاصطبار وانكسروا أَشد انكسار وولوا الأدبار وغرق كثير مِنْهُم فِي دجلة وَقتل أَكْثَرهم شَرّ قتلة وَوضعت التتار فيهم السَّيْف وَالنَّار فَقتلُوا فِي ثَلَاثَة أَيَّام مَا ينوف على ثَلَاثمِائَة ألف وَسبعين ألفا وَسبوا النِّسَاء والأطفال ونهبوا الخزائن وَالْأَمْوَال وَأخذ هولاكو جَمِيع النُّقُود وَأمر بحرق الْبَاقِي وَرمى كتب مدارس بَغْدَاد فِي دجلة وَكَانَت لكثرتها جِسْرًا يَمرونَ عَلَيْهَا ركبانَاً وَمُشَاة وَتغَير لون المَاء بحبرها إِلَى السوَاد فَأَشَارَ الْوَزير على الْخَلِيفَة بمصانعتهم وَقَالَ أَنا فِي تَقْرِير الصُّلْح فَخرج ووثق لنَفسِهِ بَينهم وَرجع إِلَى الْخَلِيفَة وَقَالَ إِن الْملك هولاكو قد رغب فِي أَن يُزَوّج ابْنَته بابنك الْأَمِير أبي بكر ويبقيك فِي منصب الْخلَافَة كَمَا أبقى صَاحب الرّوم فِي سلطنته وَلَا يُؤثر أَن تكون الطَّاعَة لَهُ كَمَا كَانَ أجدادك مَعَ سلاطين الديلم والسلجوقية وينصرف عَنْك بجُنُوده فيجيب مَوْلَانَا إِلَى هَذَا فَإِن فِيهِ حَقنا لدماء من بَقِي من الْمُسلمين وَيُمكن بعد ذَلِك أَن تفعل مَا تُرِيدُ فَالرَّأْي أَن تخرج إِلَيْهِم فَخرج الْخَلِيفَة فِي أَعْيَان دولته فَأنْزل فِي خيمة ثمَّ دخل الْوَزير فاستدعى الْفُقَهَاء والأماثل ليحضروا العقد فَخَروا من بَغْدَاد فَضربت أَعْنَاقهم وَكَذَلِكَ تخرج طَائِفَة بعد طَائِفَة فَتضْرب أَعْنَاقهم حَتَّى قتل جَمِيع من فِيهَا من الْعلمَاء والأمراء والحجاب وَالْكتاب واستبقى هولاكو المستعصم أَيَّامًا إِلَى أَن استصفي أَمْوَاله وخزائنه وذخائره ثمَّ رمى رِقَاب أَوْلَاده وَذَوِيهِ وَأَتْبَاعه وَأمر أَن يوضع الْخَلِيفَة فِي غرارة ويرفس بالأرجل حَتَّى يَمُوت فَفعل بِهِ ذَلِك وَفِي رِوَايَة أَن خُرُوج الْخَلِيفَة المستعصم إِلَيْهِ كَانَ قبل وُقُوع شَيْء من الْقِتَال ثمَّ لما خرج وَفعل بِهِ وَمن مَعَه مَا فعل بذل السَّيْف فِي بَغْدَاد وَاسْتمرّ السَّيْف نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا فبلغت الْقَتْلَى أَكثر من ألف ألف نسمَة وَلم يسلم إِلَّا من اختفى فِي بِئْر أَو قناة وَاسْتشْهدَ الْخَلِيفَة ﵀ يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر صفر من سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وانقطعت بِمَوْتِهِ خلَافَة بني الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب من الْعرَاق

стр. 1577

وعدتهم سَبْعَة وَثَلَاثُونَ خَليفَة أَوَّلهمْ عبد الله السفاح ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله ابْن الْعَبَّاس وَآخرهمْ هَذَا المستعصم بِاللَّه عبد الله بن الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أبي جَعْفَر مَنْصُور بن الظَّاهِر بِأَمْر الله مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله أَحْمد بن المستضيء بِنور الله حسن بن المستنجد بِاللَّه يُوسُف بن المقتفي لأمر الله مُحَمَّد بن المستظهر بِاللَّه أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله عبد الله ابْن الْأَمِير مُحَمَّد الذَّخِيرَة بن الْقَائِم بِأَمْر الله عبد الله بن الْقَادِر بِاللَّه أَحْمد ابْن الْأَمِير إِسْحَاق بن المقتدر بن جَعْفَر بن المعتضد بن أَحْمد ابْن الْأَمِير طَلْحَة الْمُوفق بن المتَوَكل على الله جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد هَارُون ابْن الْمهْدي مُحَمَّد بن الْمَنْصُور أبي جَعْفَر عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته سِتّ عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام وعمره خمس وَأَرْبَعُونَ سنة وَقيل سِتّ وَأَرْبَعُونَ وشهران وَهَذِه السّنة الَّتِي قتل فِيهَا المستعصم تسمى سنة المصائب وَبقيت الدُّنْيَا بِلَا خَليفَة ثَلَاث سِنِين وَنصفا ستٍ وَخمسين وستمائْة وَسبع وَخمسين وثمانٍ وَخمسين وتسعِ وَخمسين إِلَى رَجَب مِنْهَا فأقيمت بِمصْر الْخلَافَة وبويع الْمُسْتَنْصر كَمَا سَنذكرُهُ قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ عِنْد ذكر قتل الْخَلِيفَة وَمَا أَظُنهُ دفن وَقتل مَعَه جمَاعَة من أَوْلَاده وأعمامه وَبني عَمه وَكَانَت بلية لم يصب الْإِسْلَام بِمِثْلِهَا وعملت الشُّعَرَاء قصائد فِي مراثي بَغْدَاد وَأَهْلهَا وتمثل بقول سبط بن التعاويذي من // (الْكَامِل) // (بَادَتْ وأهلُوهَا مَعًا فبيوتُهُمْ ... ببقاءِ مَوْلَانَا الوزيرِ خرابُ) وَقَالَ بَعضهم من // (الْكَامِل) // (يَا عصبَةَ الْإِسْلَام نوحِي واندُي ... حزنا علَى مَا تَمَّ للمستعصِمِ) (دَسْتُ الوزارةِ كَانَ قَبْلَ زمانِهِ ... لابْنِ الفراتِ فَصَارَ لابنِ العلقمِي)

стр. 1578

قلت يُشِير إِلَى ابْن الْفُرَات وَكَانَ وزيراً فِي خلَافَة المقتدر وَكَانَ آخر خطْبَة خطبت بِبَغْدَاد قَالَ الْخَطِيب فِي أَولهَا الْحَمد لله الَّذِي هدم بِالْمَوْتِ مشيد الْأَعْمَار وَحكم بالفناء على أهل هَذِه الدَّار وَالسيف قَائِم بهَا وَمِمَّا قَالَه تَقِيّ الدّين ابْن أبي الْيُسْر فِي بَغْدَاد من // (الْبَسِيط) // (لسائلِ الدمعِ عنْ بغدَادَ إخبارُ ... فَمَا وقوفُكَ والأحبابُ قد سَارُوا) (يَا زائرينَ إِلى الزوراءِ لَا تَفِدُوا ... فَمَا بِذَاكَ الحِمى والدارِ ديَّارُ) (تاجُ الخلافةِ والرَّبْعُ الَّذِي شَرُفَتْ ... بِهِ المَعَالِمُ قد عفَّاهُ إقفارُ) (أضحَى لِعَصْفِ البلا فِي رَبْعِهِ أثرٌ ... وللدموعِ على الآثارِ آثارُ) (يَا نارَ قَلْبيَ من نارٍ لحَرِّ وغًي ... شبَّتْ علهخ ووافي الرَّبْعَ إعصارُ) (علا الصليبُ على أعلَى منابِرِهَا ... وقامَ بالأمْرِ مَنْ يحويه زُنَّارُ) (وَكم حريمٍ سَبَتْهُ التُّركُ غَاصِبةً ... وَكَانَ مِنْ~ دونِ ذَاك السِّتْر أَسْتَارُ) (وَكم بُدُورٍ على البَدْرِيةِ انخسفتْ ... وَلم يعدْ لِبُدُورٍ مِنُهُ إبدارُ) (وَكم ذخائرَ أضحَتْ وَهِي شائعةٌ ... من النِّهابِ وَقد حازَتْهُ كفارُ) (وَكم حدودٍ أقيمَتْ من سيوفهِمُ ... على الرِّقابِ وخطَّت فِيهِ أوزَارُ) (نادَيْتُ والسَّبْيُ مَهْتُولٌ يَجُرُّهُمُ ... إِلَى السِّفاحِ من الأعداءِ دعَّارُ) (إليكَ يَا ربَّنا الشكوَى فأنْتَ ترَى ... مَا حلَّ بالدِّينِ والباغونَ فُجَّارُ) وَمن غَرِيب الِاتِّفَاق مَا رَوَاهُ بَعضهم قَالَ لما استولت التتار على بَغْدَاد وَقتلُوا الْخَلِيفَة المستعصم كَانَ بِبَغْدَاد رجل من ذَوي الْيَسَار مَعْرُوف فَلَمَّا سمع بِقرب التتار من بَغْدَاد جعل فِي قاع دَاره مخبأ تَحت الأَرْض وَوضع فِيهِ صناديقه وأمتعته وَسَائِر مَا يعز عَلَيْهِ من أَمْوَال وَغَيرهَا ثمَّ جعل على فَم ذَلِك الْموضع هَيْئَة فَم الخرابة وَجعل تسرب مَائِهَا إِلَى مَوضِع آخر ليخفي أَمر ذَلِك الْموضع عَن الناظرين وَقَالَ فِي نَفسه إِذا دخلت التتار بَغْدَاد خرجت إِلَى الصَّحرَاء فَإِذا خَرجُوا عدت إِلَى دَاري وَمَالِي فَلَمَّا فرغ من إحكام ذَلِك وجد فِي ذخائره سِتا من اللآليء الْكِبَار النفيسة كبارَاً جدا فَقَالَ فِي باله فتح هَذِه المطمورة أَمر عَظِيم وفكر فِي

стр. 1579

حفظ تِلْكَ اللؤلؤات فَلم يجد لَهَا موضعا أحسن من عش عصافير كَانَ بسقف تِلْكَ الدَّار قَرِيبا من المخبأ الْمَذْكُور فاستدعى بسلم فوضعها فِي ذَلِك العش وَجلسَ فِي دهليز تِلْكَ الدَّار وَعَلِيهِ زِيّ الْفُقَرَاء فَلَمَّا دخلت التتار بَغْدَاد خرج إِلَى مَوضِع استتر فِيهِ فَأمْسك بعض عَسَاكِر التتار رجلا من أهل بَغْدَاد وألزموه أَن يُرِيهم دور أهل الْيَسَار من أهل بَغْدَاد ليجد فِيهَا مَا يَأْخُذهُ فَأتى ذَلِك الرجل بذلك الْبَعْض إِلَى هَذِه الدَّار الْمَذْكُورَة فَطَافَا فِيهَا فَلم يجدا شَيْئا فَغَضب التترى فربطه وَقَالَ أتهزأ بِي وَجعل يضْربهُ ويعذبه وَالرجل يحلف لَهُ أَن صَاحب هَذِه الدَّار من مياسير أهل بَغْدَاد وَمَا هزأت بك فَبَيْنَمَا هُوَ يضْربهُ إِذْ زرق عَلَيْهِ عُصْفُور من ذَلِك العش الَّذِي فِيهِ اللؤلؤات فَأصَاب الزرق وَجهه فازداد غيظه فَضرب ذَلِك العش فَوَقع العش وَسَقَطت تِلْكَ اللؤلؤات مِنْهُ فتدحرجت مِنْهُ ثَلَاث فوقعن فِي ثقب تِلْكَ الخربة فَأخذ التتري تِلْكَ الثَّلَاث لؤلؤات وألزم الرجل بخراب تِلْكَ الخرابة لإِخْرَاج اللؤلؤات الْأُخْرَى فَلَمَّا شرع فِي تخريبها وأزال وَجههَا وجد سلالم تَنْتَهِي إِلَى الْموضع الَّذِي فِيهِ الْأَمْوَال والذخائر والصناديق فَأخذ التتري جَمِيع مَا هُنَاكَ وَأطلق الرجل وَأَعْطَاهُ مَا تيَسّر فاعتبروا يَا أولي الْأَلْبَاب (شرح حَال التتار) قَالَ الْمُوفق عبد اللَّطِيف الخجندي فِي خبر التتار هُوَ حَدِيث يَأْكُل الْأَحَادِيث وَخبر يطوي الْأَخْبَار وتاريخ ينسي التواريخ ونازلة تصغر كل نازلة وفادحة تطبق الأَرْض وتملؤها مَا بَين الطول وَالْعرض هَذِه الْأمة لغتهم مشوبة بلغَة الْهِنْد لأَنهم فِي جوارهم وَبينهمْ وَبَين بنكث أَرْبَعَة أشهر وَهِي فِي النِّسْبَة إِلَى التّرْك عراض الْوُجُوه واسعو الصُّدُور خفاف الأعجاز صغَار الْأَطْرَاف سمر اللَّوْن سريعو الْحَرَكَة فِي الْجِسْم والرأي تصل إِلَيْهِم أَخْبَار الْأُمَم وَلَا تصل أخبارهم إِلَى الْأُمَم قَلما يقدر جاسوس أَن يتَمَكَّن مِنْهُم لِأَن الْغَرِيب لَا يشْتَبه بهم وَإِذا أَرَادوا جِهَة كتموا أَمرهم ونهضوا دفْعَة وَاحِدَة فَلَا يعلم بهم أهل بلد حَتَّى يدخلوه وَلَا عَسْكَر حَتَّى يخالطوه فَلهَذَا تفْسد

стр. 1580

على النَّاس وُجُوه الْحِيَل فيهم وتضيق طرق الْحَرْب عَلَيْهِم وَنِسَاؤُهُمْ يقاتلن كرجالهم وَالْغَالِب على سِلَاحهمْ النشاب وأكلهم أَي لحم وجدوه وَلَيْسَ فِي قَتلهمْ اسْتثِْنَاء وَلَا إبْقَاء يقتلُون الرِّجَال وَالنِّسَاء والأطفال وَكَانَ مقصودهم إفناء النَّوْع الإنساني وإبادة العلام لَا قصد الْملك وَالْمَال وَقَالَ سبط ابْن الْجَوْزِيّ فِي مرْآة الزَّمَان أَرض التتار بأطراف بِلَاد الصين وهم سكان بوادي مَشْهُورُونَ بِالشَّرِّ والغدر وَسبب ظُهُورهمْ أَن إقليم الصين متسع دوره سِتَّة أشهر وهم سِتّ ممالك وَلَهُم ملك حَاكم على السِّت وَهُوَ القان الْأَكْبَر الْمُقِيم بطغماج وَهُوَ كالخليفة على الْمُسلمين وَكَانَ سُلْطَان أحد الممالك السِّت واسْمه دوس خَان قد تزوج بعمة جنكيز خن ملك التتار فَحَضَرَ زَائِرًا لِعَمَّتِهِ وَقد مَاتَ زَوجهَا وَكَانَ قد حضر مَعَ خنكيز خَان كشلوخان فأعلمتهما أَن الْملك الَّذِي هُوَ دوس خَان لم يخلف ولدَاً وأشارت على ابْن أَخِيهَا أَن يقوم مقَامه فَقَامَ مقَامه وانضم إِلَيْهِ خلق من الْمغل ثمَّ سير التقاديم والهدايا إِلَى القان الْأَكْبَر فأستشاط غَضبا وَأمر بِقطع أَذْنَاب الْخَيل الَّتِي أهديت إِلَيْهِ وطردها وَقتل الرُّسُل لكَون التتار لم يتَقَدَّم لَهُم سَابِقَة سلطنة إِنَّمَا هم بادية الصين فَلَمَّا سمع جنكيزخان وَصَاحبه كشلوخان تحَالفا على التعاضد وأظهرا الْخلاف للقان وَهُوَ الْحَاكِم على السِّت المدن الْمَذْكُورَة وأتتهما أُمَم كَثِيرَة من التتار وَعلم القان قوتهم وشرهم فَأرْسل يؤانسهم ثمَّ أرسل بعد ذَلِك ينذرهم ويتهددهم فَلم يغن ذَلِك فيهم شَيْئا ثمَّ عزم على قصدهم فقصدهم وَوَقع بَينهم ملحمة عَظِيمَة فكسروا القان وملكوا بِلَاده واستفحل شرهم وَاسْتمرّ الْملك بَين جنكيزخان وكشلوخان على الْمُشَاركَة ثمَّ سارا إِلَى بِلَاد قاسون من نواحي الصين فملكاها فَمَاتَ كشلوخان فَقَامَ مقَامه وَلَده فاستصغره جنكيزخان فَوَثَبَ عَلَيْهِ فَقتله واستقل جنكيزخان ودانت لَهُ التتار وانقادت واعتقدوا فِيهِ الأولوهية وبالغوا فِي طاعتهم ثمَّ كَانَ أول خُرُوجهمْ من بِلَادهمْ سنة سِتّ وسِتمِائَة إِلَى نواحي التّرْك وفرغانة فَأرْسل خوارزم شاه مُحَمَّد بن تكش صَاحب خُرَاسَان الَّذِي أباد

стр. 1581

الْمُلُوك وَأخذ الممالك وعزم على قصد الْخَلِيفَة فَلم يتهيأ لَهُ إِلَى أهل فرغانة والشاش وكاشان وَتلك الْبِلَاد النزهة العامرة بالجلاء والإجفال عَنْهَا إِلَى سَمَرْقَنْد وَغَيرهَا ثمَّ خربها جَمِيعًا خوفًا من التتار أَن يملكوها لعلمه أَنه لَا طَاقَة لَهُ بهم ثمَّ سَارَتْ التتار يتحفظون ويتنقلون إِلَى سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة فَأرْسل فِيهَا جنكيزخان إِلَى السُّلْطَان خوارزم رسلًا وهدايا وَقَالَ الرُّسُل لخوارزم شاه إِن القان الْأَعْظَم جنكيزخان يسلم عَلَيْك وَيَقُول لَك لَيْسَ يخف عَليّ عظم شَأْنك وَمَا بلغت من سلطانك ونفوذ حكمك على الأقاليم وَأَنا أرى مسالمتك من جملَة الْوَاجِبَات وَأَنت عِنْدِي مثل أعز أَوْلَادِي وَغير خَافَ عَلَيْك أَنِّي ملك الصين وَأَنت أخبر النَّاس ببلادي وَأَنَّهَا مغارات العساكر والخيول ومعادن الذَّهَب وَالْفِضَّة وفيهَا كِفَايَة عَن غَيرهَا فَإِن رَأَيْت أَن تعقد بَيْننَا الْمَوَدَّة فَأمر التُّجَّار بِالسَّفرِ لتعم المصلحتان فَأَجَابَهُ خوارزم شاه إِلَى ملتمسه وسر جنكيزخان بذلك وَاسْتمرّ الْحَال على المهادنة إِلَى أَن وصل من بِلَاده تجار وَكَانَ خَال خوارزم شاه نَائِبا عَنهُ على بِلَاد مَا وَرَاء النَّهر وَمَعَهُ عشرُون ألف فَارس فشرهت نَفسه إِلَى أَمْوَال التُّجَّار فَكتب إِلَى جنكيزخان يَقُول إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم قد جَاءُوا بزِي التُّجَّار وَمَا قصدهم إِلَّا التَّجَسُّس وَإِن أَذِنت لي فيهم فَأذن لَهُ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَيْهِم فَقبض عَلَيْهِم وَأخذ أَمْوَالهم فوردت رسل جنكيزخان إِلَى خوارزم شاه يَقُول إِنَّك أَعْطَيْت أمانك للتجار فغدرت والغدر قَبِيح وَهُوَ من السُّلْطَان أقبح فَإِن زعمت أَن الَّذِي فعله خَالك بِغَيْر أَمرك فسلمه إِلَيْنَا وَإِلَّا سَوف تشاهد مني مَا تعرفنِي بِهِ فَدخل خوارزم شاه من الرعب لكنه تجلد وَأمر بقتل الرُّسُل فَقتلُوا فيالها من قتلة كم هدرت من دِمَاء لِلْإِسْلَامِ أجرت بِكُل قطر سيلا من الدَّم ثمَّ سَار جنكيزخان إِلَيْهِ فانجفل خوارزم شاه عَن جيحان إِلَى نيسابور إِلَى مرج هَمدَان رعْبًا من التتار فأحدق بِهِ التتار وَقتلُوا كل من مَعَه وَنَجَا هُوَ بِنَفسِهِ فَخَاضَ المَاء إِلَى جَزِيرَة وَلَحِقتهُ عِلّة ذَات الْجنب فَمَاتَ بهَا وحيداً طريدَاً

стр. 1582

وَذَلِكَ سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة فملكوا جَمِيع مملكة خوارزم شاه ثمَّ بعد ذَلِك عبروا النَّهر بعد أَن أخذُوا بُخَارى وسمرقند وَكَانَ خوارزم شاه قد أباد الْمُلُوك من مدن خُرَاسَان فَلم يجد التتار أحدا فِي وُجُوههم فطوفوا الْبِلَاد قتلا وسبياً وَسَاقُوا إِلَى أَن وصلوا هَمدَان وقزوين قَالَ ابْن الْأَثِير فِي كَامِله حَادِثَة التتار من الْحَوَادِث الْعُظْمَى والمصائب الْكُبْرَى الَّتِي عقمت الدهور عَن مثلهَا عَمت الْخَلَائق وخصت الْمُسلمين فَلَو قَالَ قَائِل إِن الْعَالم مُنْذُ خلقه الله لم يبل بِمِثْلِهَا لَكَانَ صَادِقا فَإِن التواريخ لم تَتَضَمَّن مَا يقاربها وَمن أعظم مَا يذكرُونَ فعل بُختنَصر ببني إِسْرَائِيل بِبَيْت الْمُقَدّس فَمَا بَيت الْمُقَدّس بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا خرب هَؤُلَاءِ الملاعين من مدن الْإِسْلَام وَمَا بَنو إِسْرَائِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قتلوا من الْأَنَام فَهَذِهِ الْحَادِثَة الَّتِي استطار شررها وَعم ضررها وسارت فِي الدُّنْيَا سير السَّحَاب استدبرته الرّيح فَإِن قوما خَرجُوا من أَطْرَاف الصين فقصدوا كبار المدن والقرى مثل تركستان وكاشغر وبلاساغون ثمَّ مِنْهَا إِلَى بُخَارى وسمرقند فتملكوا ملكهَا وأبادوا أَهلهَا ثمَّ تعبر طَائِفَة إِلَى خُرَاسَان فتفرع مِنْهَا ملكا وتخريبَاً وقتلا وإبادة ثمَّ إِلَى الرّيّ وهمذان إِلَى حد الْعرَاق ثمَّ يقصدون أذربيجان ونواحيها ويخربونها ويفتحونها كل ذَلِك فِي أقل من سنة أَمر لم يسمع بِمثلِهِ ثمَّ من أذربيجان إِلَى دَرْبند شرْوَان ثمَّ إِلَى بِلَاد اللان فَقتلُوا وأسروا ثمَّ بِلَاد القفجاق وهم من أَكثر التّرْك عددا فَقتلُوا من وقف وهرب الْبَاقُونَ وَاسْتولى التتار عَلَيْهَا وَمَضَت طَائِفَة مِنْهُم إِلَى غزنة وأعمالها وسجستان وكرمان فَفَعَلُوا مثل هَذَا هَذَا مَا لم يطْرق الأسماع مثله فَإِن الْإسْكَنْدَريَّة الَّذِي ملك الدُّنْيَا لم يملكهَا فِي هَذِه السرعة وَإِنَّمَا ملكهَا فِي نَحْو عشْرين سنة وَلم يقتل أحدا وَإِنَّمَا رَضِي بِالطَّاعَةِ وَهَؤُلَاء قد ملكوا أَكثر الْمَعْمُور من الأَرْض وَأحسنه وأعمره وَلم يبْق أحد فِي الْبِلَاد الَّتِي لم يطرقوها إِلَّا وَهُوَ خَائِف يترقب وصولهم إِلَيْهِ ثمَّ إِنَّهُم كَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى الْميرَة ومددهم يَأْتِيهم فَإِن مَعَهم الأغنام وَالْبَقر وَالْخَيْل يَأْكُلُون

стр. 1583

لحومها لَا غير وَأما خيل ركوبهم فَإِنَّهَا تحفر الأَرْض بحوافرها وتأكل عروق الشّجر لَا تعرف الشّعير وديانتهم سجودهم للشمس وَالْعِيَاذ بِاللَّه حَال طُلُوعهَا وَلَا يحرمُونَ شَيْئا ويأكلون جَمِيع الدَّوَابّ وَبني آدم وَلَا يعْرفُونَ نكاحَاً بل الْمَرْأَة الْوَاحِدَة يَأْتِيهَا الْجَمَاعَات ويثبون وثوب القردة يقطعون المسافات الطَّوِيلَة فِي أَيَّام قَليلَة ويخوضون الأوحال ويتعلقون بالجبال ويصبرون على الْعَطش والجوع ويهجرون الغمض والهجوع وَلَا يبالون بِالْحرِّ وَالْبرد والسهل والوعر طعامهم كف شعير وشربهم من طرف الْبِئْر يكَاد أحدهم يتقوت بِطرف أذن فرسه يقطعهَا ويأكلها نيئة ويصبر على ذَلِك أَيَّامًا عديدة بل يَكْتَفِي هُوَ وفرسه بحشيش الأَرْض مُدَّة مديدة ثمَّ سَارُوا إِلَى بَغْدَاد وهم ينوفون على مِائَتي ألف فَارس وراجل سالب باسل فَكَانَ مَا كَانَ مِنْهُم على الْخَلِيفَة المستعصم وبغداد وَأَهْلهَا وملكهم هولاكو بعد أَن مَاتَ جنكيزخان ثمَّ وصلوا إِلَى حلب وبذلوا فِيهَا السَّيْف بعد أَن ملكوا مَا بَينهَا وَبَين بَغْدَاد من المدن والقرى ثمَّ أرسل هولاكو إِلَى الْملك النَّاصِر صَاحب دمشق كتابا صورته يعلم سُلْطَان نَاصِر طَال بَقَاؤُهُ أَنا لما توجهنا إِلَى الْعرَاق وَخرج إِلَيْنَا جنودهم قتلناهم بِسيف الله ثمَّ خرج إِلَيْنَا رُؤَسَاء الْبَلَد ومقدموها فَكَانَت قصارى كل مِنْهُم سَببا لهلاك نفوس تسْتَحقّ الإذلال وَأما صَاحب الْبَلَد الْخَلِيفَة فَإِنَّهُ خرج إِلَى خدمتنا وَدخل تَحت عبوديتنا فَسَأَلْنَاهُ عَن أَشْيَاء كذبنَا فِيهَا فَاسْتحقَّ الإعدام وَكَانَ كذبه ظَاهرا ﴿ووجدوا مَا عمِلُوا حَاضرا﴾ الْكَهْف ٤٩ وَأَنت فأجب ملك البسيطة وَلَا تقولن قلاعي المانعات ورجالي المقاتلات وَقد بلغنَا أَن شذرة من عَسَاكِر الْعرَاق التجأت إِلَيْك هاربة وَإِلَى خبائك لائذة من // (الْكَامِل) // (أينَ المفَرُّ وَلَا مفَرَّ لهاربٍ ... وَلنَا البسيطانِ الثرَى والمَاءُ) فبساعة وقوفك على كتَابنَا تجْعَل قلاع الشَّام سماءها أرضَاً وطولها عرضا ثمَّ أرسل كتابا ثانيَاً يَقُول فِيهِ حَضْرَة ملك نَاصِر طَال عمره أما بعد فَإنَّا فتحنا

стр. 1584

بَغْدَاد واستأصلنا مُلكها ومَلكها وَقد كَانَ ضن بالأموال وَلم ينافس فِي الرِّجَال فَظن أَن ملكه يبْقى على ذَلِك الْحَال وَقد علا ذكره ونما قدره فَخسفَ فِي الْكَمَال بدره من // (المتقارب) // (إِذا تَمَّ شيءٌ بدا نقصُهُ ... ترقَّبْ زوالَا إِذا قِيلَ تَمّ) وَنحن فِي طلب الازدياد على ممر الآباد فَلَا تكن كَالَّذِين نسوا الله وأبدِ مَا فِي نَفسك إِمَّا إمْسَاك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان أجب دَعْوَة البسيطة تأمن من شَره وتنل من بره واسعَ إِلَيْهِ برجالك وأمرائك وَلَا تعُق رَسُولنَا وَالسَّلَام ثمَّ أرسل إِلَيْهِ كتابا ثَالِثا قَول فِيهِ أما بعد فَنحْن جنود الله بِنَا ينْتَقم مِمَّن عتا وتجبر وطغى وتكبر وبأمر الله مَا ائتمر إِن عوتب تنمر وَإِن رُوجِعَ اسْتمرّ وَنحن قد أهلكنا الْبِلَاد وأبدنا الْعباد وقتلنا النِّسَاء وَالْأَوْلَاد فيا أَيهَا الْبَاقُونَ أَنْتُم بِمن مضى لاحقون وَيَا أَيهَا الغافلون أَنْتُم إِلَيْهِم تساقون وَنحن جيوش الهلكة لَا جيوش المملكة مقصودنا الانتقام وملكنا لَا يرام ونزيلنا لَا يضام وعدلنا فِي ملكنا قد اشْتهر وَمن سُيُوفنَا أَيْن المفر وَلَا مفر ذلت لهيبتنا الْأسود وأصبحت فِي قبضتنا الْأُمَرَاء وَالْخُلَفَاء وَنحن إِلَيْكُم صائرون وَلكم الْهَرَب وعلينا الطّلب من // (الطَّوِيل) // (ستعلَمُ ليلَى أيَّ دينٍ تداينَتْ ... وَأي غريمٍ للتقاضيِ غَريمُهَا) دمرنا الْبِلَاد وأيتمنا الْأَوْلَاد وأهلكنا الْعباد وَجَعَلنَا عظيمهم صَغيراً وأميرهم أسرا تحسبون أَنكُمْ ناجون أَو متخلصون وَعَن قَلِيل سَوف تعلمُونَ على مَا تقدمون وَقد أعذر من أنذر فَلَمَّا وصلوا إِلَى دمشق خرج إِلَيْهِم الْملك المظفر الْمُسَمّى قطز من مُلُوك الأتراك من مصر ومقدم عسكره الظَّاهِر بيبرس البندقداري فَالتقى مَعَهم عِنْد عين جالوت وَوَقع المصاف يَوْم الْجُمُعَة خَامِس عشر رَمَضَان سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة فَهزمَ التتار شَرّ هزيمَة وانتصر الْمُسلمُونَ وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَقتل من التتار مقتلة عَظِيمَة وولوا الأدبار وطمع النَّاس فيهم تخطفونهم وينتهبونهم وَجَاء كتاب الْملك المظفر إِلَى دمشق بِخَبَر النَّصْر فطار الْمُسلمُونَ

стр. 1585

فَرحا وَسَيَأْتِي ذكر الْملك المظفر قطز فِي الْبَاب الْخَامِس الْمَعْقُود للدولة التركية إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ السخاوي ثمَّ لم يزل بقاياهم يخرجُون إِلَى أَن كَانَ اَخرهم تيمور لنك الْأَعْرَج فطرق الديار الشامية وعاث فِيهَا وَحرق دمشق حَتَّى جعلهَا خاوية على عروشها وَدخل الرّوم والهند وَمَا بَين ذَلِك وطالت مدَّته إِلَى أَن مَاتَ وتفرق بنوه فِي الْبِلَاد قلت وَفِي الشَّائِع أَن مُلُوك الْهِنْد فِي زَمَاننَا يرجع نسبهم إِلَى تيمور لنك هَذَا وَالله أعلم بِصِحَّة هَذَا فَإِنِّي لم أره مَنْقُولًا وَاعْلَم أَن السّنة النَّبَوِيَّة قد أشارت إِلَى قتال التّرْك وفتنتهم فقد روى السِّتَّة إِلَّا النَّسَائِيّ حَدِيث لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تقاتلوا قوما نعَالهمْ الشّعْر وَحَتَّى تقاتلوا التّرْك صغَار الْأَعْين حمر الْوُجُوه ذلف الْأَعْين كَأَن وُجُوههم المجان المطرقة وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى تقاتلوا خوزاً وكرمان من الْأَعَاجِم حمر الْوُجُوه فطس الأنوف صغَار الْأَعْين كَأَن وُجُوههم المجان المطرقة نعَالهمْ الشّعْر وَفِي لفظ لَهُ عراض الْوُجُوه فَقَوله نعَالهمْ الشّعْر يحْتَمل أَنه على ظَاهره وَيحْتَمل أَن تكون من جُلُود مشعرة قَالَ الْمَنَاوِيّ فِي تَخْرِيج المصابيح وحمر الْوُجُوه بِي مشربَة بحمرة وذلف بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة فِي رِوَايَة الْجُمْهُور قَالَ صَاحب الْمَشَارِق وَهِي الصَّوَاب ويروى بإهمال الدَّال وَهُوَ جمع أدلف كأحمر وحمر مَعْنَاهُ فطس الأنوف كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى أَي قصارها مَعَ انبطاح وَقَالَ النَّوَوِيّ الذلف غلظ أرنبة الْأنف والمجان جمع مجن بِكَسْر الْمِيم الترس والمطرقة بِضَم الْمِيم وَإِسْكَان الطَّاء وَحكى فتحهَا مَعَ تَشْدِيد الرَّاء وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور فِي الرِّوَايَة وَمَعْنَاهُ أَن وُجُوههم عريضة ووجناتهم ناتئة

стр. 1586

وَقَوله حَتَّى تقاتلوا خوزا وكرمان بطه ابْن الْأَثِير فِي نهايته فَقَالَ بِالْخَاءِ وَالزَّاي المعجمتين جيل مَعْرُوف وهم من بِلَاد الأهواز وكرمان صقع مَعْرُوف قَالَ السَّمْعَانِيّ بَلْدَة مَعْرُوفَة فِي بِلَاد الْعَجم بَين خُرَاسَان وبحر الْهِنْد وَورد اتْرُكُوا التّرْك مَا تركوكم فَإِن أول من يسلب أمتِي ملكهَا بَنو قنطوراء الحَدِيث زَاد فِي رِوَايَة فَإِنَّهُم أَصْحَاب بَأْس شَدِيد وَغَنَائِم قَليلَة قلت بَنو قنطوراء بِالْمدِّ وَالْقصر قيل كَانَت جَارِيَة لسيدنا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل فَولدت لَهُ أَوْلَادًا فانتشر مِنْهُم التّرْك حَكَاهُ مُحَمَّد بن الْأَثِير واستبعده لَكِن مَا استبعده جزم بِهِ الْمجد الفيروزأبادي فِي قاموسه وروى الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ تكون مَدِينَة بَين الْفُرَات ودجلة يكون فِيهَا ملك بني الْعَبَّاس وَهِي الزَّوْرَاء تكون فِيهَا حَرْب مفظعة يسبى فِيهَا النِّسَاء وتذبح فِيهَا الرِّجَال كَمَا تذبح الْغنم ثمَّ قَالَ وَإِسْنَاده شَدِيد الضعْف قَالَ الْحَافِظ السُّيُوطِيّ وَقد وَقعت هَذِه الْحَرْب بعد موت الْخَطِيب بِأَكْثَرَ من مِائَتي سنة وَذَلِكَ يُقَوي الحَدِيث ويصححه قَالَ السخاوي وَمن المرات الَّتِي قَاتل فِيهَا الْمُسلمُونَ التّرْك دولة بني أُميَّة حَتَّى أغزى مُعَاوِيَة الْجَيْش إِلَى الرّوم وأردفهم بِابْنِهِ يزِيد بن مُعَاوِيَة وَمَعَهُ عبد الله بن عمر وَعبد الله بن عَبَّاس وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ثمَّ كَانَ بَينهم وَبَين الْمُسلمين مسدوداً بالهدنة الَّتِي عقدهَا يزِيد بَينه وَبينهمْ إِلَى أَن فتح ذَلِك شَيْئا فَشَيْئًا وَكثر السَّبي فيهم حَتَّى كَانَ أَكثر عَسْكَر المعتصم بن الرشيد مِنْهُم ثمَّ غلبت الأتراك على الْملك فَقتلُوا ابْنه المتَوَكل بن المعتصم ثمَّ أَوْلَاده الْخُلَفَاء وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى أَن خالط المملكة الديلم ثمَّ كَانَت الْمُلُوك السامانية من التّرْك أَيْضا فملكوا بِلَاد الْعَجم ثمَّ غلب على تِلْكَ الممالك آل سبكتكن غُلَام معز الدولة بن بويه ثمَّ آل سلجوق وامتدت مملكتهم إِلَى الْعرَاق وَالشَّام وَالروم وَكَانَت بقايا أتباعهم بِالشَّام وهم آّل زنكي وَالِد مَحْمُود بن زنكي الملقب نور الدّين الشَّهِيد وَأَتْبَاع آل زنكي هم بَنو أَيُّوب الأكراد فاستكثرت بَنو أَيُّوب الأتراك من المماليك أَيْضا

стр. 1587

فغلبوهم بالديار المصرية والشامية والحجازية وَخرج على آل محرق فِي الْمِائَة الْخَامِسَة الغز فخربوا الْبِلَاد وَقتلُوا فِي الْعباد ثمَّ جَاءَت الطامة الْكُبْرَى بعد الستمائة فَكَانَ خُرُوج جنكيزخان وَخَلفه بعده هولاكو واستعرت الدُّنْيَا بهم نارَاً لَا سِيمَا الشرق بأسره حَتَّى لم يبْق بلد مِنْهُ إِلَّا دَخلهَا شرهم ثمَّ كَانَ خراب بَغْدَاد وَقتل الْخَلِيفَة وسلب ملكه ودمار عماره وَظهر بِهِ بل بِجَمِيعِ ذَلِك مصداق قَوْله أَن أول من يسلب أمتِي ملكهَا بَنو قنطوراء وَقد تقدم ذكر الحَدِيث وَالله سُبْحَانَهُ أعلم وَكَانَ مِمَّن نجا من سيوف التتار من بني الْعَبَّاس أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الظَّاهِر عَم المستعصم الْمَقْتُول قيل كَانَ محبوسَاً بِبَغْدَاد فَلَمَّا أخذت التتار بَغْدَاد أطلق فهرب وَصَارَ إِلَى عرب الْعرَاق فَلَمَّا تسلطن الْملك الظَّاهِر بيبرس بعد الْملك المظفر قطز وَفد عَلَيْهِ إِلَى مصر فِي رَجَب سنة تسع وَخمسين وسِتمِائَة وَمَعَهُ عشرَة من بني مهارش عرب الْحلَّة الْبَلدة الْمَعْرُوفَة فَركب السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بيبرس للقائه ثمَّ أثبت نسبه على يَد قَاضِي الْقُضَاة تَاج الدّين ابْن بنت الْأَعَز الشَّافِعِي ثمَّ بَايعه بالخلافة السُّلْطَان ثمَّ قَاضِي الْقُضَاة الْمَذْكُور ثمَّ الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام ثمَّ الْكِبَار على مَرَاتِبهمْ وَذَلِكَ فِي ثَالِث عشر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة وَضربت السِّكَّة باسمه وخطب لَهُ ولقب بلقب أَخِيه الْمُسْتَنْصر وَفَرح النَّاس وَركب يَوْم الْجُمُعَة وَعلي السوَاد إِلَى جَامع القلعة فَصَعدَ الْمِنْبَر وخطب خطْبَة ذكر فِيهَا شرف بني الْعَبَّاس ودعا للسُّلْطَان وَالْمُسْلِمين ثمَّ صلى بِالنَّاسِ ثمَّ رسم بِعَمَل خلعة للسُّلْطَان وبكتابة تَقْلِيد لَهُ ثمَّ نصبت خيمة بِظَاهِر الْقَاهِرَة وَركب الخلفة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الْمَذْكُور وَالسُّلْطَان الظَّاهِر الْمَذْكُور مَعَه يَوْم الِاثْنَيْنِ رَابِع شهر شعْبَان إِلَى الْخَيْمَة وَحضر الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء والأمراء والوزراء فألبس الْخَلِيفَة السُّلْطَان الخلعة بِيَدِهِ وطوقه ونُصِبَ مِنْبَر فَصَعدَ عَلَيْهِ فَخر الدّين بن لُقْمَان فَقَرَأَ التقلد ثمَّ

стр. 1588

ركب السُّلْطَان بالخلعة وَدخل من بَاب النَّصْر وزينت الْقَاهِرَة وَحمل الْوَزير التَّقْلِيد على رَأسه رَاكِبًا والأمراء مشَاة ورتب السُّلْطَان للخليفة جَيْشًا وأتابكاً واستدارا وشرابياً وخازنداراً وحاجباً وكاتباً وَعين لَهُ خزانَة وَجُمْلَة مماليك وَمِائَة فرس وَثَلَاثِينَ بغلا وَعشر قطارات جمال إِلَى أَمْثَال ذَلِك قَالَ الذَّهَبِيّ وَلم يل الْخلَافَة أحد بعد ابْن أَخِيه إِلَّا هَذَا الْمُسْتَنْصر فَإِنَّهُ وَليهَا بعد ابْن أَخِيه وَهُوَ المستعصم الْمَقْتُول وَإِلَّا المقتفي بن المستظهر فَإِنَّهُ وَليهَا بعد الراشد ابْن أَخِيه المسترشد بن المستظهر ثمَّ عزم الْمُسْتَنْصر إِلَى الْعرَاق يُرِيد تخت بَغْدَاد فَخرج مَعَه السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بيبرس يشيعه إِلَى أَن دخلُوا دمشق ثمَّ سَار الْخَلِيفَة بِمن مَعَه مُتَوَجها إِلَى بَغْدَاد فَلَمَّا وصل إِلَى السراة ثَالِث محرم سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة قَاتله هُنَاكَ قره بغا نَائِب هولاكو على بَغْدَاد فَقتل الْمُسْتَنْصر وَمن مَعَه وَلم ينج مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل وَلم يقم لَهُ أَمر فَكَانَت ولَايَته سِتَّة أشهر وَالْحَاصِل أَن خلفاء بني الْعَبَّاس البغداديين سَبْعَة وَثَلَاثُونَ خَليفَة أَوَّلهمْ السفاح وَآخرهمْ المستعصم وَمُدَّة ملكهم فِيهَا خَمْسمِائَة وَأَرْبع وَعِشْرُونَ سنة وَيَوْم وَاحِد وَقد ذكرهم الإِمَام مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن يحيى بن عَليّ بن تَمام السُّبْكِيّ نظماً مبتدئاً بِأبي بكر الصّديق فَقَالَ من // (الطَّوِيل) // (إِذا رمتَ أعداد الخلائفِ عُدَّهُمْ ... كَمَا قُلْته تدعى اللبيبَ المحصِّلَا) (عتيقٌ وفاروقٌ وعثمانُ بعدَهُ ... عليُّ الرِّضَا مِنْ بَعْدِهِ حَسنٌ تَلا) (معاويةٌ ثمَّ ابنُهُ وحفيدُهُ ... مُعاويَة وابنُ الزُّبيْرِ أَخُو العُلَا) (ومروانُ يتلوه ابنُهُ ووليدُهُ ... سليمانُ وافَى بَعْدَهُ عُمَرٌ وَلَا) (يزيدُ هشامٌ والوليدُ يزيدُهُمْ ... سناهُمْ بإبراهيمَ مروانُ قَدْ علا) (وسفَّاحٌ المنصورُ مهديُّ ابنُهُ ... وهادِي رشيدٌ للأمينِ تَكَفَّلا) (وأعقب بالمأمونِ مُعْتَصِم غَدا ... بَوَائقه يسْتتْبع المُتَوَكِّلَا) (ومنتصرٌ والمستعِينُ وبعدَهُ ... لمعتزِّ المَتْلُوِّ بالمهدي اقْبلَا)

стр. 1589

(ومعتمدٌ يَقْفُوه معتضِدٌ وعَنْ ... سنا المكتفي يتلوه مقتدرٌ سلا) (وبالقاهِرِ الراضِي يُفوِّضُ متقٍ ... وثَانِيهِ مُسْتَكْفٍ مُطِيع تفضَّلا) (وطائعُهُمْ للَّهِ باللَّهِ قادرٌ ... وقائمُهُمْ بالمقتدي استَظْهر الْعلَا) (ومسترشدٌ والراشدُ المكتفي بِهِ ... ومستنجدٌ والمستضِي نَاصِرٌ جلا) (فظاهِرُهُمْ مستنصرٌ قد تكمَّلوا ... فَإِن آتٍ تقصيراً فكُنْ متطوِّلا) قلت وَلم يذكر عبد الله بن المعتز فيهم وَقد ذكره بعض المؤرخين وَبَعْضهمْ لم يذكرهُ لكَونه ولي نصف يَوْم أَو نَحوه فَلذَلِك تَركه النَّاظِم ثمَّ صَار الْملك فِي مصر والحل وَالْعقد إِلَى مُلُوك الأتراك ثمَّ الجراكسة ثمَّ العثامنة وَقد كَانُوا يعينون وَاحِدًا من أَوْلَاد الْعَبَّاس للخلافة وَيكون كواحد من الْعَامَّة لَا حل لَهُ وَلَا عقد يُجَاب وَلَا يسمع وَلَا يفكر فِي رَأْي لَهُ فَيتبع فَأول من ورد إِلَيْهِم مصر الْمُسْتَنْصر الَّذِي تقدم ذكر قدومه إِلَيْهَا على الْملك الظَّاهِر بيبرس فجهزه وسيره إِلَى بَغْدَاد فتم عَلَيْهِ مَا تمّ ثمَّ وصل بعده إِلَى مصر من بني الْعَبَّاس أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الراشد بن المسترشد ولقب بالحاكم بِأَمْر الله فَأكْرمه الظَّاهِر بيبرس أَيْضا وَأثبت نسبه بِحَضْرَة قُضَاة الشَّرْع وَبَايَعَهُ بالخلافة فَأجرى عَلَيْهِ النَّفَقَة وَسكن بِمصْر وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء وَإِنَّمَا اسْمه الْخَلِيفَة واستخلف أَوْلَاده من بعده على هَذَا النسق لَيْسَ لَهُم إِلَّا اسْم الْخلَافَة يأْتونَ بِهِ إِلَى السُّلْطَان الَّذِي يُرِيد تَوليته فَيَقُول لَهُ وليتك السلطنة هَكَذَا كَانُوا بألقاب الْخُلَفَاء وَاحِدًا بعد وَاحِد وَكَانَت سلاطين الأقاليم يتبركون بهم ويرسلون إِلَيْهِم أَحْيَانًا يطْلبُونَ تَقْلِيد السلطنة فيكتبون إِلَيْهِم تقليدَاً ويعهدون إِلَيْهِم بالسلطنة عهدا وَلَا يخفى أَن هَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُم من الْخلَافَة إِلَّا الصُّورَة كَمَا كَانَت الْخُلَفَاء البغداديون الْمَحْجُور عَلَيْهِم من جَانب أمرائهم وَإِنَّمَا لَهُم الِاسْم الْمُجَرّد عَن الْمَعْنى من كل وَجه وعدتهم ثَمَانِيَة عشر خَليفَة أَوَّلهمْ الْمُسْتَنْصر الَّذِي جهزه الْملك الظَّاهِر بيبرس إِلَى بَغْدَاد فَوَقع لَهُ فِي الطَّرِيق مَا وَقع وَإِنَّمَا عدناه مِنْهُم لِأَن ولَايَته بِمصْر وَآخرهمْ مُحَمَّد المتَوَكل على الله ابْن المستمسك بِاللَّه يَعْقُوب وَهَذَا

стр. 1590

المستمسك هُوَ آخر من ذكره الْعَلامَة السُّيُوطِيّ فِي منظومته فِي الْخُلَفَاء وَاسْتمرّ المستمسك بِاللَّه خَليفَة إِلَى أَن كَبرت سنه وكف نظره وَدخلت أَيَّام الدولة العثمانية وافتتحت الديار المصرية فَأَخذه السُّلْطَان سليم مَعَه إِلَى أسطنبول وَاسْتمرّ بهَا إِلَى أَن مَاتَ السُّلْطَان سليم ثمَّ عَاد إِلَى مصر فَخلع وَولى وَلَده المتَوَكل عَليّ بن المستمسك فِي شعْبَان سنة أَربع عشرَة وَتِسْعمِائَة وَاسْتمرّ خَليفَة إِلَى أَن توفّي ثَانِي عشر شعْبَان سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فِي أَيَّام المرحوم دَاوُد باشا صَاحب مصر وباني رِبَاط الداودية ومدرستها الْمَعْرُوفَة بِهِ وبموته انْقَطَعت الْخلَافَة الصورية أَيْضا بِمصْر وَكَانَ المتَوَكل فاضلَا أديباً لَهُ شعر حسن مِنْهُ قَوْله من // (الْبَسِيط) // (لم بقَ محتسبٌ يُرجَى وَلَا حسنٌ ... وَلَا كريمٌ إِلَيْهِ مُشْتَكَى حَزَنيِ) (وَإِنَّمَا سَادَ قومٌ ذِي غيرُ حَسَبٍ ... مَا كنْتُ أوثرُ أنْ يمتدَّ بِي زَمَنِي) قَالَ الْعَلامَة قطب الدّين اجْتمعت بِهِ رحلتي إِلَى مصر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَأخذت عَنهُ وَهَذِه قصيدة الْعَلامَة السُّيُوطِيّ المتضمنة لذكر الْخُلَفَاء الرَّاشِدين والأمويين والعباسيين والبغداديين والمصريين وَمُدَّة وفياتهم وَهِي غَايَة فِي ضبط أُولَئِكَ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى من // (الْبَسِيط) // (ألحمدُ للَّهِِ حمداً لَا نَفَادَ لَهُ ... وَإِنَّمَا الحمدُ حَقًا رأسُ مَنْ شكَرَا) (ثمَّ الصلاةُ على الهاديِ النبيِّ ومَنْ ... سادَتْ بنسبته الأشرافُ والأُمَرَا) (إنَّ الأمينَ رسُولَ اللَّهِ مبعثُهُ ... لأَربعينَ مضَتْ فِيمَا رَوَوْا عُمُرَا) (وكانَ هجرتُهُ مِنْهَا لطَيْبَةَ مِنْ ... بعد الثلاثةِ أعواماً تلِي عَشَرَا) (وماتَ فِي عامِ إِحْدَى بَعْدَ عشْرتها ... فيا مصيبةَ أَهْلِ الأرضِ حينَ سَرَى) (وقامَ مِنْ بعده الصِّديقُ مُجْتَهدا ... وف ثَلَاثَة عشر بَعْدَهُ قُبِرا) (وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ القرآنَ فِي صحفٍ ... وأولُ النَاسِ سَمَّى المُصْحَفَ الزُّبُرَا) (وقامَ من بعدِهِ الفاروقُ ثُمَّتَ فِي ... عشرينَ بعْدَ ثلاثٍ غَيَّبوا عُمَرا)

стр. 1591

(وَهْوَ الَّذِي اتخَذَ الديوانَ وافترَضَ ... الْعَطاءَ قَبلُ وبيتَ المالِ والدُّرَرَا) (وَهْوَ المسمَّى أميرَ المؤمنينَ وَلم ... يُدْعَي بِهِ قَبْلَهُ شخصٌ مِنَ الأُمَرَا) (وَقَامَ عثمانُ حتَّى جاءَ مَقْتَلُهُ ... بعد الثلاثينَ فِي خَمسٍ وَقد حُصِرا) (وبعدُ قامَ عليُّ ثمَّ مقتَلُهُ ... لأربعينَ فمَنْ أوداه قد خَسِرَا) (ثمَّ ابنُهُ السِّبْطُ نصفَ العامِ ثُمَّ أتَى ... بَنو أيَّةَ يَبْغونَ الوغَى زُمَرَا) (فسلَّم الأمرَ فِي أُخْرَى لِرَغْبَتِهِ ... عَن دارِ دُنْيَا بِلَا ضَيْرٍ وَلَا ضَرَرَا) الْخُلَفَاء الأمويون (وَكَانَ أولَ ذِي مُلكٍ معاويةٌ ... فِي النِّصْفِ من عامِ ستنَ الحِمَامُ عَرا) (ثمَّ اليزيدُ ابنُهُ أَخْبِثْ بِهِ ولدا ... فِي أربعٍ بعْدهَا ستُّونَ قد قُبِرَا) (وابنُ الزبيْرِ وَفِي سبعينََ مَقٍ تًلُهُ ... بعد الثلاثِ وكَمْ بالبيتِ قد حُصِرا) (وَفِي ثمانينَ مَعْ ستِّ عَلَيْهِ قضى ... عبدُ المليكِ بِهِ الأمَر الَّذِي استُهرا) (ثمَّ الوليدُ ابنُهُ فِي قَبْلِ مَا رَجَبٍ ... فِي الستِّ من بعدِ تسْعِينَ انقضَى عُمُرا) (وَهْوَ الَّذِي مَنَعَ الناسَ النداءَ لَهُ ... باسْم وكانتْ تُنَادَى باسمِها الأُمَرَا) ) وقامَ بَعْدُ سليمانُ الخِيَارُ وفِي ... تسعٍ وتسعينَ جَاءَ الموتُ فِي صَفَرَا) (وبعدَه عُمَرٌ ذَاك النجيبُ وفِي ... إِحْدَى تلِي مائَة قد أَلْحَدُوا عُمَرَا) (وَهْوَ الَّذِي أَمر الزهْرِيَّ خَوْفَ ذَهَابِ ... الْعلم أنْ يجمَعَ الأَخبارَ والأَثَرا) (ثمَّ اليَزِيدُ فَفِي خَمْسٍ قَضَى وتَلَا ... هِشَامُ فِي الخَمْسِ والعِشْرينَ قَدْ سطرا) (ثمَّ الوليدُ وَبعد الْعَام مَقْتَله ... من بعد مَا جَاءَ بِالْفِسْقِ الَّذِي شهرا) ) ثمَّ اليزيد وَفِي ذَا الْعَام مَاتَ وَقد ... أَقَامَ سِتّ شهور مثل مَا أثرا) (وبعدَهُ قامَ إبراهيمَ ثمَّ مضَى ... بالخلعِ سبعينَ يَوْمًا مذ أقامَ ثرا) (وَبعده قامَ مروانُ الحمارُ وَفِي ... ثنتينِ بعد ثلاثينَ الدماءُ جَرَى) الْخُلَفَاء العباسيون (وَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ السَّفَّاح ثمَّ قَضَى ... بعدَ الثلاثينَ فِي ستِّ وَقد جُدِرَا) (وقامَ مِنْ بعدِهِ المنصورُ ثمَّت فِي ... خمسينَ بعد ثمانٍ مُحْرِمًا قُبِرا)

стр. 1592

(ثمَّ ابنُهُ وَهْوَ المهديُّ ماتَ لدَى ... تسعٍ وستينَ مَسْمُومًا كَمَا ذُكِرَا) (ثمَّ ابنُهُ وَهْوَ الهادِي وموتَتُهُ ... فِي عامِ سبعينَ لمَّا هَمَّ أَنْ غَدَرَا) (ثمَّ الرشيدُ وفِي تسعين تاليةٍ ... ثلاثةَ ماتَ فِي الغزوِ الرَّفِيع ذُرَا) (ثمَّ الأمينُ وَفِي تسعينَ تاليةٍ ... ثمانياً جَاءَهُ قتلٌ كَمَا ذُكِرَا) (وقامَ مِنْ بعده المأمونُ ثمَّتَ فِي ... ثمانِ عشرةَ كَانَ الموتُ فاعْتَبِرا) (وقامَ معتصمٌ مِنْ بعدِهِ وقضَى ... فِي عامِ سبعٍ وعشرينَ الَّذِي أُثِرَا) (وَهْوَ الَّذِي أدخَلَ الأَتراكَ مُنْفَردا ... ديوانَهُ واقتناهُمْ جالباً وشرا) (ثمَّ ابنُهُ الواثِقُ المالي الورَى رُعُبًا ... وَفِي ثلاثينَ مَعْ ثِنْتَيْنِ قد غَبَرَا) (وَذُو التوكُّلِ مَا أزكَاهُ من خُلُقٍ ... ومظهرُ السُّنَّةِ الغَرَّاءِ إِذْ نَصَرَا) (فِي عامِ سبعٍ تليهَا أربَعُونَ قَضى ... قتلا حَبَاه ابنُه المدعوُّ منتَصِرَا) (فَلم يَقُمْ بعدَهُ إلَاّ اليسيرَ كَمَا ... قد سَنَّهُ الله فيمَنْ بعضَه غَدَرَا) (والمستعينُ وَفِي عامِ اثنتينِ تَلَا ... خمسينَ خَلْعٌ وقتلٌ جَاءَهُ زُمَرَا) (وَهْوَ الَّذِي أحدثَ الأكمامَ وَاسِعَة ... وَفِي القلانِسِ عَن طُولٍ أَتَى قِصَرَا) (وقامَ مِنْ بَعْدِه المعتزُّ ثُمَّتَ فِي ... خمسٍ وخمسينَ حَقا قتلُهُ أثرَا) (والمهتدِي الصّالِحُ الميمونُ مَقْتَلُهُ ... مِنْ بعدِ عَامٍ وقفي قبله عمرا) (أقامَ مِنْ بَعْدِهِ بالأَمْرِ مُعْتَمِدٌ ... فِي عامِ تسعٍ وَسبعين الحِمَامُ عَرَا) (وذاكَ أولُ ذِي أمرٍ لَهُ حَجَرُوا ... وأولُ الناسِ موكولا بِهِ قُهِرَا) (وَقَامَ مِنْ بعده بالأمرِ معتضدٌ ... وَفِي ثمانينَ مَعْ تسَع مضتْ قُبَرَا) (ثمَّ ابنُهُ المكتفي بِاللَّه أحمدٌ فِي ... خمسٍ وتسعينَ وافاه الَّذِي قدرَا) (فِي عامِ عشرينَ فِي شوالَ بَعْدَ مُضِي ... ثلاثةٍ قُتِلَ المدعوُّ مُقْتَدِرَا (وبعدَهْ القاهِرُ الجَبَّارُ مخلَعُه ... فِي اثنينِ مِنْ بعد عشْرين وَقد سُمِرَا) (وَقَامَ من بعدهِ الراضي وَمَاتَ لَدَى ... تسعٍ وعشرينَ وانسُبْ عِنْدَهُ أخَرَا) (والمقتَّقي وَمَضَى بالخَلْعِ مُشْتَمِلاً ... من بعد أربعةِ الأعوامِ فِي صَفَرا) (وَقَامَ بالأمرِ مستكفيهِمُ وَقَفَا ... من بعدِ عامٍ لأمر المتقي أَثَرَا)

стр. 1593

(ثمَّ المطيعُ وفى ستينَ يتبعُهَا ... ثلاثةٌ فى أخيرِ العامِ قد غَبَرَا) (ثمَّ ابنُه الطائعُ المقهورُ مخلَعُهُ ... عامَ الثمانينَ مَعْ إحْدَى كَمَا أُثِرَا) (ثمَّ الإِمَام أَبُو العباسِ قادرُهم ... فِي اثنينِ مِنْ بعد عشرينَ مَضَتْ قُبِرَا) (ثمَّ ابْنُهُ قائِمٌ لله ماتَ لَدَى ... سبعٍ وستينَ مِنْ شعبانَ قدْ سُطِرَا) (والمقتدِي ماتَ فى تسعٍ بأوَّلِهَا ... بَعْدَ الثمانينَ جدَّ الْملك واقتدَرَا) (وَقَامَ مِنْ بَعدِه مستظهرٌ وقَضَى ... فى خامسِ القرنِ فى اثنينِ تلِى عَشرَا) (وَقَامَ مِنْ بعدهِ مسترشدٌ ولَدَى ... تسعٍ وَعشْرين فِيهِ القَتْلُ حَلَّ عُرَا) (ثمَّ ابنُهُ الراشدُ المقهورُ مخْلَعُهُ ... مِنْ بعد عامٍ فَلَا عينٌ وَلَا أَثَرَا) (والمقتفي ماتَ مِنْ بَعْدِ التَمَكُّنِ فِي ... خمسٍ وخمسينَ وانقادَتْ لَهُ النُّصَرا) (وقَامَ مِنْ بعدهِ مستنجدٌ وقَضَى ... من بعدِ ستينَ مَعْ سِتِّ وَقد شعرًا) (والمستظئُ بِأَمْر الله ماتَ لَدَى ... خمسٍ وَسبعين بِالْإِحْسَانِ قد بَهَرا) (وقامن مِنْ بعدهِ بالأمرِ ظاهِرُهُم ... تسعا شهورًا فأقلل مدةَ قِصَرَا) (وَقَامَ مِنْ بعدهِ مستنصرٌ وقَضَى ... لأربعينَ وكَمْ تَرْثِيهِ مِنْ شُعَرَا) (وَقَامَ مِنْ بعدهِ مستعصمٌ ولَدَى ... ستِّ وخمسينَ كَانَ الفتنةُ الكبرَى) (جَاءَ التتارُ فَأَرْدَوْهُ وبلدتَهُ ... فيلعنُ اللَّهُ والمخلوقةُ والتَّتَرَا) (مرتْ ثلاثُ سنتن بعدَهُ وَيلى ... نصفٌ ودَهْرُ الرَّدَى عَنْ قائمٍ شغرَا) الْخُلَفَاء العباسيون المصريون (وقامَ مِن بعد ذَا مستنصرٌ وثَوَى ... فى آخِرِ الْعَام قَتْلاً مِنْهُمُ وسرى) (أَقَامَ ستَّ شهورٍ ثمَّ رَاحَ لَدَى ... مُهَلِّ ستينَ لَم يَبْلُغْ بهَا وَطَرَا) (وَقَامَ مِنْ بعده فِي مصرَ حاكِمُهُمْ ... على وَهًى لَا كَمَنْ مِن قَبْلُ قد غَبَرا) (وَمَات فِي عَام إِحْدَى بَعْد سبعِ مِئِى ... وَقَامَ من بعدُ مستكفيهمُ وجَرَى) (فِي أربعينَ قضى إِذا قَامَ واثِقُهُمْ ... فَفِي اثنينِ قضى خلعا مِنْ الأَمَرَا)

стр. 1594

(وَقَامَ حاكمُهُمْ مِنْ بعدِه وَقضى ... عَامَ الثلاثِ مَعَ الخَمْسِينَ معتبرَا) (فَقَامَ مِنْ بعدِه بالأمرِ معتضدٌ ... وفى الثلاثةِ والستينَ قَدْ غَبَرَا) (وَذُو التوكُّلِ يتلوهُ أَقَامَ إِلَى ... بعدَ الثمانينَ فى خمسٍ وَقد حُصِرَا) (وبايَعُوا واثقا بِاللَّه ثُمَّتَ فى ... عامِ الثمانِ قَضَى وسَمَّه عُمَرا) (وبايَعُوا بعدَهُ بِاللَّه معتصمًا ... فى عامِ إِحْدَى وتسعينَ أُزِيل وَرَا) (وَذُو التوكُّل رَدُّوهُ أقامَ إِلَى ... ذَا القرنِ عامَ ثمانٍ مِنْهُ قَد قُبِرَا) (أولادُه منهمُ خمسٌ مبجلةٌ ... حازوا الخلافةَ إِذْ كانَتْ لَهُمْ قَدَرَا) (والمستعينُ وآلَ الأمرُ أَن خلعوا ... فِي شهرِ شعْبَان فِي خمسٍ تَلي عَشَرَا) (وَقَامَ مِنْ بعدِه بِالْأَمر معتضدٌ ئ ... لأربعينَ تَلِيهَا الخمسةُ احتُضِرَا) (وَقَامَ بِالْأَمر مستكفيهمُ وقَضَى ... فى عامِ الأَرْبع والخمسينَ مُصْطَبِرَا) (وَقَامَ قائِِمهُمْ من بعدُ ثُمَّتَ فِي ... سبعٍ وخمسينَ بعد الْخلْع قد حُصِرَا) (وَقَامَ مِنْ بعدِه مستنجدٌ دَهرًا ... خَليفَة العَصْرِ رقَّاهُ الْإِلَه ذُرَا) (وبعدَ نظمىَ هَذَا النظمَ فى مُدَدٍ ... قَضَى خليفتُنا المذكورُ مصطَبرا) (فى عَام الأَرْبَعِ من شهرِ المحرَّم مِنْ ... بعدِ الثمانينَ يومَ السبت قَدْ قُبِرا) (وبويع ابنُ أَخِيه بَعْدَهُ ودُعِى ... بِذِي التوكُّلِ كالَجِّد الذى شُهِرَا) (وماتَ عامَ ثلاثٍ بعد تِسْعِمِئى ... سلخ المحرَّم عَنْ عهدٍ لَهُ سطرَا) (لنجله البرِّ يعقوبَ الشريفِ وَقَدْ ... لُقِّبَ مستمسكًا بِاللَّه فِي صَفَرَا) وَهَذَا آخر مَا نظمه الْعَلامَة السيوطى وَقَالَ بَعضهم فَذكر خلع المستمسك هَذَا بعد طول عمره وَكبر سنه وانكفاف نظره وَولَايَة ابْنه مُحَمَّد المتَوَكل على الله بن المستمسك بِاللَّه فَقَالَ (وَكَانَ خلعٌ لَهُ فى عَام أربعةٍ ... من بعد عَشْرَةَ فى شعبانَ قد شُهِرَا) (وَلم يكنْ خَلْعُهُ من أجلِ مَنْقَصَةٍ ... فى دينِه ثمَّ دنياهُ وليسَ جَرَى) (شبيهُ ذاكَ ولكنْ أمرُ خالِقنا ... مُذْ حلَّ فى عينه فأَذْهَبَ البَصَرَا) (وأهلُ حَلِّ وعَقْدِ بايَعُوا بِرِّضا ... لِنَجْلهِ ليْسَ فِيْهِمْ واحدٌ غَدارَ) (بذى التوكُّلِِ حَقًا لقبُوهُ وَقُلْ ... محمدٌ إِسمه لَا زَال مُنْتَصِرَا) (فِي ساعةِ الْخلْع والمخلوعُ والدُه ... كانْتَ بَنُو عَمِّهِ راضِينَ مَا ذكَرَا)

стр. 1595

(الْبَاب الثَّالِث) (فِي الدولة العبيدية المسمين بالفاطميين بالمغرب ثمَّ بِمصْر) اعْلَم أَن بني الْعَبَّاس حِين ولوا الْخلَافَة امتدت إيالتهم على جَمِيع ممالك الْإِسْلَام كَمَا كَانَ بَنو أُميَّة من قبلهم ثمَّ لحق بالأندلس من فل بني أُميَّة من ولد هِشَام بن عبد الْملك حفيده عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام وَنَجَا من تِلْكَ الهلكة فَأجَاز الْبَحْر وَدخل الأندلس فملكها من يَد عبد الرَّحْمَن بن يُوسُف الفِهري وخطب للسفاح فِيهَا حولا ثمَّ لحق بِهِ أهل بَيته من الْمشرق فعذلوه فِي ذَلِك فَقطع الدعْوَة عَن السفاح وَبقيت بِلَاد الأندلس مُنْقَطِعَة عَن الدولة الإسلامية من بني الْعَبَّاس ثمَّ كَانَت وقْعَة فخ أَيَّام الْهَادِي أخي الرشيد عَليّ بن الْحسن بن عَليّ سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَقتل داعيتهم يَوْمئِذٍ الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحسن المثلث بن بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط وَجَمَاعَة من أهل بَيته وَنَجَا آخَرُونَ وخلص مِنْهُم إِدْرِيس بن عبد الله الْمَحْض بن الْحسن الْمثنى إِلَى الْمغرب الْأَقْصَى وَقَامَ بدعوته البرابر هُنَالك فاقتطع الْمغرب عَن بني الْعَبَّاس واستحدثوا هُنَالك دولة لأَنْفُسِهِمْ

стр. 1596

ثمَّ ضعفت الدولة العباسية بعد الاستفحال وتغلب على الْخَلِيفَة بهَا الْأَوْلِيَاء والقرابة والمصطنعون وَصَارَ تَحت حجرهم من حِين قتل الْخَلِيفَة المتَوَكل العباسي وَحدثت الْفِتَن بِبَغْدَاد وَصَارَ العلوية إِلَى النواحي مظهرين لدعوتهم فَدَعَا أَبُو عبد الله الشيعي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ بإفريقية فِي كِتَابه لِعبيد الله الْمهْدي بن مُحَمَّد الحبيب بن جَعْفَر الْمُصدق بن مُحَمَّد المكتوم بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر الصَّادِق وَبَايع لَهُ وانتزع إفريقية من بني الْأَغْلَب وَاسْتولى عَلَيْهَا وعَلى الْمغرب الْأَقْصَى ومصر وَالشَّام واقتطعوا سَائِر هَذِه الْأَعْمَال عَن بني الْعَبَّاس واستحدثوا دولة أَقَامَت مِائَتَيْنِ وَسبعين سنة كَمَا يذكر الْآن فِي أخبارهم ثمَّ ظهر بطبرستان من العلوية الْحسن بن زيد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن الْحسن بن زيد بن الْحسن السبط وَيعرف بالداعي خرج سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ أَيَّام المستعين وَلحق بالديلم فأسلموا على يَدَيْهِ وَملك طبرستان ونواحيها وَصَارَ لَهُ هُنَاكَ دولة أَخذهَا من يَد أَخِيه سنة إِحْدَى وثلاثمائة الأطروش من بني الْحُسَيْن ثمَّ من بني عَليّ بن عمر دَاعِي الطالقان أَيَّام المعتصم وَسَيَأْتِي ذكر ذَلِك فِي الْبَاب الثَّانِي من الخاتمة عِنْد ذكر من دَعَا من أهل الْبَيْت وَاسم هَذَا الأطروش الْحسن بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن مُحَمَّد وَكَانَت لَهُم دولة وانقرضت أَيَّام الْخمسين والثلاثمائة وَاسْتولى عَلَيْهِم الديلم وَصَارَت لَهُم دولة أُخْرَى فَظهر بِالْيمن يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم الرسي وَهُوَ ابْن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا لقب بذلك للكنة كَانَت فِي لِسَانه يعدل عَن لفظ قبا قبا إِلَى طِبًّا طِبًّا ابْن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن الْمثنى وَأظْهر هُنَالك دَعْوَى الزيدية وَملك صعدة وصنعا وَكَانَت لَهُم هُنَالك دولة لم تزل حَتَّى الْآن وَأول من ظهر مِنْهُم يحيى ابْن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ وَسَيَأْتِي ذكرهم فِي الدعاة للمبايعة ثمَّ ظهر أَيَّام الْفِتْنَة من دعاة العلوية صَاحب الزنج ادَعى أَنه أَحْمد بن عِيسَى بن زيد الشَّهِيد وَذَلِكَ سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ أَيَّام الْمُهْتَدي وَطعن فِي نسبه فَادّعى ثَانِيًا أَنه من ولد يحيى بن زيد قَتِيل الجوزجان وَقيل إِنَّه انتسب إِلَى طَاهِر ابْن الْحُسَيْن بن عَليّ وَالَّذِي ثَبت عِنْد الْمُحَقِّقين أَنه عَليّ بن عبد الرَّحِيم بن عبد الْقَيْس فَكَانَت لَهُ ولبنيه دولة بنواحي الْبَصْرَة قَامَ بهَا الزنج إِلَى أَن انقرضت على يَد الْمُوفق طَلْحَة الْمُعْتَمد أَيَّام السّبْعين وَمِائَتَيْنِ

стр. 1597

ثمَّ ظهر القرمطي بنواحي الْبَحْرين وعمان سَار إِلَيْهَا من الْكُوفَة سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ أَيَّام المعتضد وانتسب إِلَى بني إِسْمَاعِيل ابْن الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق دَعْوَى كَاذِبَة وَكَانَ من أَصْحَابه الْحسن الجبائي وزكرويه القاشاني فقاما بالدعوة من بعده ودعوَا لِعبيد الله الْمهْدي وغلبوا على الْبَصْرَة والكوفة ثمَّ انْقَطَعُوا عَنْهَا إِلَى الْبَحْرين وعمان وَكَانَت هُنَالك دولة انقرضت آخر الْمِائَة الرَّابِعَة وتغلب عَلَيْهِم الْعَرَب من بني سليم وَبني عقيل وَفِي خلال ذَلِك استبد بَنو سامان بِمَا وَرَاء النَّهر آخر أَعْوَام السِّتين والمائتين وأقامت دولتهم إِلَى آخر الْمِائَة الرَّابِعَة ثمَّ اتَّصَلت دولة أُخْرَى فِي مواليهم بِغَزنَةَ إِلَى منتصف الْمِائَة السَّادِسَة وَكَانَت للأغالبة بالقيروان وإفريقية دولة أُخْرَى استبدوا بهَا على الْخُلَفَاء من لدن أَيَّام الرشيد والمأمون إِلَى أول الْمِائَة الثَّالِثَة ثمَّ أعقبتها دولة أُخْرَى لمواليهم بني طغج موَالِي كافور إِلَى السِّتين والثلاثمائة ثمَّ استولى الْمعز الفاطمي على مصر بعد موت كافور لما افتتحها لَهُ عَبده جَوْهَر الرُّومِي الصّقليّ واختط الْقَاهِرَة وَالْجَامِع الْأَزْهَر والقصرين واستمرت فِي يَد أَوْلَاده إِلَى سنة سبع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة حَتَّى كَانَ آخِرهم العاضد فاستولى عَلَيْهِ الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب الْكرْدِي وَقطع خطْبَة الفاطميين وَأعَاد الْخطْبَة بِمصْر لبني الْعَبَّاس للمستضيء بن المستنجد مِنْهُم بعد أَن قطعت عَنْهُم مِائَتَيْنِ ونيفاً وَثَمَانِينَ سنة مُدَّة اسْتِيلَاء الفاطميين عَلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي ذكر كل ذَلِك فِي الدولة الأيوبية ثمَّ عَقبهَا دولة أُخْرَى لمواليهم وَهِي الدولة التركمانية الَّذين أَوَّلهمْ الْمعز أيبك التركماني ثمَّ عقبتها دولة أُخْرَى لمواليهم وَهِي الدولة الشركسية ثمَّ عقبتها دولة أُخْرَى وَهِي العثمانية وَسَيَأْتِي ذكر كل دولة فِي بَاب على حِدة على تَرْتِيب مَا ذَكرْنَاهُ وَفِي خلال هَذَا كُله تضايق نطاق الدولة العباسية بِخُرُوج المستبدين بالنواحي عَلَيْهَا وَلم يَمْتَد نطاقها إِلَّا إِلَى نواحي السوَاد والجزيرة فَقَط إِلَّا أَنهم قائمون بِبَغْدَاد على أَمرهم

стр. 1598

ثمَّ كَانَت للديلم دولة أُخْرَى واستولوا فِيهَا على النواحي وملكوا الْأَعْمَال ثمَّ سَارُوا إِلَى بَغْدَاد وملكوها وصيروا الْخَلِيفَة فِي مملكتهم من لدن المستكفي أَعْوَام الثَّلَاثِينَ والثلاثمائة إِلَى الأربعمائة وَالْخمسين فَكَانَت مدتهم مائَة وَعشْرين سنة وَكَانَت من أعظم الدول ثمَّ أَخذهَا من أَيْديهم الْمُلُوك السلجوقية إِحْدَى شعوب التّرْك فَلم تزل دولتهم من لدن الْقَائِم بِأَمْر الله العباسي سنة الْأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة أَو الْخمسين إِلَى آخر الْمِائَة السَّادِسَة وَكَانَت دولتهم كَذَلِك من أعظم الدول فِي الْعَالم وتشعبت عَنْهَا دوَل لَهُم ولأشياعهم فِي النواحي وَهِي بَاقِيَة لهَذَا الْعَهْد آخذة فِي التلاشي كَمَا سنذكر كلا فِي مَحَله من بَابه الْمَعْقُود لَهُ (نسب العبيديين بإفريقية) قد اخْتلف النَّاس فِي صِحَة نسب هَؤُلَاءِ العبيديين القائمين بإفريقية ثمَّ بِمصْر فَأثْبت نسبهم وَصَححهُ جمَاعَة ونفاه جمَاعَة كَثِيرُونَ قَالَ الْعَلامَة ابْن خلكان وَالْجُمْهُور على عدم صِحَة نسبهم وَأَنَّهُمْ كذبة أدعياء لَا حَظّ لَهُم فِي النِّسْبَة المحمدية أصلا فَمِمَّنْ أثبت نسبهم الْعَلامَة ابْن خلدون فِي تَارِيخه فَقَالَ نِسْبَة هَؤُلَاءِ العبيديين إِلَى أول خلفائهم وَهُوَ عبيد الله الْمهْدي بن مُحَمَّد الحبيب ابْن جَعْفَر الْمُصدق بن مُحَمَّد المكتوم بن إِسْمَاعِيل الإِمَام بن جَعْفَر الصَّادِق وَلَا عِبْرَة بِمن أنكر هَذَا النّسَب من أهل القيروان وَغَيرهم وَلَا بالمحضر الَّذِي كتب بِبَغْدَاد أَمَام الْقَادِر بِاللَّه العباسي بالقدح فِي نسبهم وَأشْهد فِيهِ أَعْلَام الْأَئِمَّة مثل الْقَدُورِيّ والصيمري وَأبي الْعَبَّاس الأبيوردي وَأبي حَامِد الأسفراييني وَأبي الْفضل النسوي وَأبي جَعْفَر النَّسَفِيّ وَمن العلويين المرتضى وَابْن البلجاني وَابْن الْأَزْرَق وزعيم الشِّيعَة أبي عبد الله بن النُّعْمَان فَهِيَ شهاده على السماع وَكَانَ ذَلِك الْقدح مُتَّصِلا فِي دولة العباسيين مُنْذُ مِائَتَيْنِ من السنين فاشياً فِي أمصارهم وأعصارهم عِنْد أعدائهم شيعَة بني الْعَبَّاس فَتَلَوَّنَ النَّاس بِمذهب أهل

стр. 1599

الدولة فجازت شادتهم بذلك وَالشَّهَادَة على السماع فِي مثله جَائِزَة على أَنَّهَا شَهَادَة نفي فَلَا تعَارض شَهَادَة الْمُثبت مَعَ أَن طبيعة الْوُجُود فِي الانقياد إِلَيْهِم وَظُهُور كلمتهم حَتَّى فِي مَكَّة وَالْمَدينَة أدل شَيْء على صِحَة نسبهم وَأما من يَجْعَل نسبهم فِي الْيَهُود والنصرانية كميمون القداح فكفاه إثمَاً وسفسفة وَكَانَ شيعَة هَؤُلَاءِ العبيديين فِي الْمشرق واليمن وإفريقية وَكَانَ أصل ظُهُورهمْ بإفريقية دُخُول الْحلْوانِي وَأبي سُفْيَان من شيعتهم إِلَيْهَا أنفذهما جَعْفَر الصَّادِق وَقَالَ لَهما بالمغرب أَرض بور فاذهبا واحرثاها حَتَّى يَجِيء صَاحب الْبذر فَنزل أَحدهمَا بِبَلَد مرغة وَالْآخر بِبَلَد سَوف جمار وَكِلَاهُمَا من أَرض كتامة ففشت هَذِه الدعْوَة فِي تِلْكَ النواحي وَكَانَ مُحَمَّد الحبيب ينزل سليمَة من أَرض حمص وَكَانَ شيعتهم يتعاهدونه بالزيارة إِذا زاروا قبر الْحُسَيْن فجَاء مُحَمَّد بن الْفضل من عدن لاعة من الْيمن لزيارة مُحَمَّد الحبيب فَبعث مَعَه رستم بن الْحسن بن حَوْشَب من أَصْحَابه لإِقَامَة دَعوته بِالْيمن وَأَن الْمهْدي خَارج فِي هَذَا الْوَقْت فَسَار فأظهر الدعْوَة للمهدي من آل مُحَمَّد بنعوته الْمَعْرُوفَة عِنْدهم وَاسْتولى على أَكثر الْيمن وَسمي بالمنصور وابتنى حصناً بجبل لاعة وَفرق الدعاة فِي الْيمن واليمامة والبحرين والسند والهند ومصر وَالْمغْرب وَلما توفّي مُحَمَّد الحبيب عهد إِلَى ابْنه عبيد الله وَقَالَ لَهُ أَنْت الْمهْدي وتهاجر بعدِي هِجْرَة بعيدَة فَتلقى محنَاً شَدِيدَة واتصل خَبره بِسَائِر دعاته فِي إفريقية واليمن وَبعث إِلَيْهِ أَبُو عبد الله الشيعي رجالَا من كتامة يخبرونه بِمَا فتح الله عَلَيْهِم وَأَنَّهُمْ فِي انْتِظَاره وشاع خَبره واتصل بالخليفة العباسي على المكتفي فَطَلَبه ففر من أَرض الشَّام إِلَى الْعرَاق ثمَّ لحق بِمصْر وَمَعَهُ ابْنه الآخر أَبُو الْقَاسِم غُلَاما حدثَاً وخاصته ومواليهم بعد أَن كَانَ أَرَادَ قصد الْيمن فَبَلغهُ مَا أحدث بهَا عَليّ بن الْفضل وَأَنه أَسَاءَ السِّيرَة فانثنى عَن ذَلِك واعتزم على اللحاق بِأبي عبد الله الشيعي داعيتهم بالمغرب فارتحل هُوَ وَمن مَعَه من مصر إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة ثمَّ خَرجُوا من الْإسْكَنْدَريَّة فِي زِيّ التُّجَّار وَجَاء كتاب المكتفي إِلَى عَامل مصر وَهُوَ يَوْمئِذٍ عِيسَى النوشري بخبرهم وَالْقعُود لَهُم بالمرصاد وَكتب إِلَيْهِ بنعته وحليته فسرح

стр. 1600

فِي طَلَبهمْ ثمَّ وقف عَلَيْهِم وامتحن أَحْوَالهم فَلم يقف على الْيَقِين فِي شَيْء مِنْهَا فخلى سيلهم وجد الْمهْدي فِي السّير وَكَانَت لَهُ كتب فِي الْمَلَاحِم منقولة من آبَائِهِ سرقت من رَحْلِهِ فِي طَرِيقه فَيُقَال إِن ابْنه أَبَا الْقَاسِم استردها من برقة حِين زحف إِلَى مصر ثمَّ إِن الْمهْدي أغزى ابْنه أَبَا الْقَاسِم وجموع كتامة سنة إِحْدَى وثلاثمائة إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة ومصر وَبعث أسطوله فِي الْبَحْر فِي مِائَتي مركب وشحنها بالأمداد وَعقد عَلَيْهَا لحباسة بن يُوسُف فسارت العساكر فملكوا برقة والإسكندرية والفيوم فَبعث المقتدر عَسَاكِر من بَغْدَاد مَعَ سُبكتكين ومؤنس الْخَادِم فتواقعوا مَعَهم مرَارًا وأجلوهم عَن مصر فَرَجَعُوا إِلَى الْمغرب ثمَّ أعَاد الْمهْدي حباسة فِي المعسكر فِي الْبَحْر سنة اثْنَتَيْنِ وثلاثمائة إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فملكها وَسَار يُرِيد مصر فجَاء مؤنس الْخَادِم من بَغْدَاد لمحاربته فتواقعوا مَرَّات وَكَانَ الظُّهُور آخرا لمؤنس وَقتل من أَصْحَاب حباسة حوالي سَبْعَة آلَاف وَانْصَرف إِلَى الْمغرب فَقتله الْمهْدي فانتفض عَلَيْهِ لذَلِك أَخُو حباسة واسْمه عرُوبَة وَاجْتمعَ عَلَيْهِ من كتامة خلق كثير من كتامة والبربر فسرح إِلَيْهِ الْمهْدي مَوْلَاهُ غَالِبا فِي الجيوش فَهَزَمَهُمْ وَقتل عرُوبَة وَبني عَمه فِي أُمَم لَا تحصى ثمَّ اعتزم الْمهْدي على بِنَاء مَدِينَة على سَاحل الْبَحْر يتخذها معصماً لأهل بَيته لما كَانَ يتوقعه على الدولة من الْخَوَارِج ويحكى عَنهُ أَنه قَالَ بنيتها ليعتصم بهَا الفواطم سَاعَة من نَهَار وأراهم موقف صَاحب الْحمار بساحتها فَخرج بِنَفسِهِ يرتاد موضعا لبنائها وَمر بتونس وقرطاجنة حَتَّى وقف على مَكَانهَا جَزِيرَة مُتَّصِلَة بِالْبرِّ كصورة كف اتَّصَلت بزند فاختطها وَهِي المهدية وَجعلهَا وأدار ملكه وأدار عَلَيْهَا سوراً محكماً وَجعل لَهَا أبواباً من الْحَدِيد وزن كل مصراع مائَة قِنْطَار وابتدأ بنائها آخر سنة ثَلَاث وثلاثمائة وَلما ارْتَفع السُّور رمى من فَوْقه بِسَهْم إِلَى نَاحيَة الْمغرب وَنظر إِلَى منتهاه وَقَالَ إِلَى هَذَا الْموضع يصل صَاحب الْحمار يَعْنِي أَبَا يزِيد وَأَبُو يزِيد هَذَا خارجي خرج عَلَيْهِ نهب باجة وَغَيرهَا وأحرق وَقتل الْأَطْفَال وسبى النِّسَاء وَاجْتمعَ إِلَيْهِ قبائل البربر وَاتخذ الأخبية والبيوت وآلات

стр. 1601

الْحَرْب وَأهْدى إِلَيْهِ رجل حمارا أَشهب وَكَانَ يركبه وَبِه لقب وَكَانَ يلبس جُبَّة صوف قَصِيرَة ضيقَة الكمين وَهُوَ أَبُو يزِيد بن مخلد بن كيداد وَكَانَ جده كيداد من أهل قسطيلية من بلد توزر وَكَانَ يخْتَلف إِلَى بِلَاد السودَان بِالتِّجَارَة وَبهَا ولد وَلَده أَبُو يزِيد الْمَذْكُور ثمَّ أَمر أَن ينحت فِي الْجَبَل دَار لإنشاء السفن تسع مائَة سفين ويخبأ فِي أرْضهَا أهراء الطَّعَام ومصانع اللمياه وَبنى فِيهَا الْقُصُور والدور فكملت سنة سِتّ وثلاثمائة فَلَمَّا فرغ مِنْهَا قَالَ الْيَوْم أمنت على الفواطم ثمَّ جهز ابْنه أَبَا الْقَاسِم بالعساكر إِلَى مصر مرّة ثَانِيَة سنة سبع وثلاثمائة فَملك الْإسْكَنْدَريَّة ثمَّ سَار وَملك الجيزة والأشمونين وَكَثِيرًا من الصَّعِيد وَكتب إِلَى أهل مَكَّة بِطَلَب الطَّاعَة فَلم يُجِيبُوهُ إِلَيْهَا وَبعث المقتدر مؤنساً الْخَادِم فِي العساكر فَكَانَت بَينه وَبَين أبي الْقَاسِم عدَّة وقعات ظهر فِيهَا مؤنس وَأصَاب عَسْكَر أبي الْقَاسِم الْجهد من الغلاء والوباء فَرجع إِلَى إفريقية وَكَانَت مراكبهم قد وصلت من المهدية إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فِي ثَمَانِينَ أسطولَا مددَاً لأبي الْقَاسِم ثمَّ توفّي عبيد الله الْمهْدي فِي ربيع سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وَولي بعده ابْنه أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد وَيُقَال نزار ولقب الْقَائِم بِأَمْر الله فَعظم حزنه على أَبِيه حَتَّى يُقَال إِنَّه لم يركب سَائِر أَيَّامه إِلَّا مرَّتَيْنِ وَكثر الثوار عَلَيْهِ فِي النواحي فسير إِلَيْهِم وَأَخذهم واستباح أَمْوَالهم وديارهم وحاصر الأدارسة مُلُوك الرِّيف وَدخل الْمغرب وحاصر فاس واستنزل عاملها أَحْمد بن بكر ثمَّ بعث عسكراً إِلَى مصر مَعَ خادمه زيران فملكوا الْإسْكَنْدَريَّة فَجَاءَت عَسَاكِر الإخشيد من مصر فأزعجوهم عَنْهَا فَرَجَعُوا إِلَى الْمغرب ثمَّ توفّي الْقَائِم أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبيد الله الْمهْدي صَاحب إفريقية بعد أَن عهد إِلَى وَلَده إِسْمَاعِيل وَذَلِكَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَقَامَ بعده وَلَده إِسْمَاعِيل وَذَلِكَ سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة فَقَامَ بعده وَلَده إِسْمَاعِيل بعهده إِلَيْهِ وتلقب بالمنصور هَذَا مَا ذكره ابْن خلدون ثمَّ اسْتمرّ فِي ذكر تعدادهم وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى آخِرهم العاضد لدين الله وَأما غير مَا ذكره ابْن خلدون فِي شَأْنهمْ فَقَالَ بِهِ جماعات كَثِيرُونَ مِنْهُم الإِمَام الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخه دوَل الْإِسْلَام وَنَصه اعْلَم أَن مبدأ أَمرهم ومنشأ خبرهم أَن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله القداح لِأَنَّهُ كَانَ يعالج الْعُيُون

стр. 1602

بالقدح فتبصر ابْن مَيْمُون بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم قدم إِلَى سليمَة وَكَانَ لَهُ بهَا ودائع وأموال من ودائع جده عبد الله القداح فاتفق أَن جرى بِحَضْرَتِهِ ذكر النِّسَاء فوصفت لَهُ امْرَأَة يَهُودِيّ حداد مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا وَهِي فِي غَايَة الْحسن وَالْجمال وَله مِنْهَا ولد يماثلها فِي الْجمال فَتَزَوجهَا وأحبها وَحسن موضعهَا مِنْهُ وَأحب وَلَدهَا فَعلمه الْعلم وَصَارَت لَهُ نفس عَظِيمَة وهمة كَبِيرَة وَكَانَ الْحُسَيْن يدعيِ أَنه الوصِي وَصَاحب الْأَمر والدعاة بالمغرب واليمن يكاتبونه وَلم يكن لَهُ ولد فعهد إِلَى الْيَهُودِيّ ابْن الْحداد ربيبه وَأَعْطَاهُ الْأَمْوَال وَأمر أَصْحَابه بِطَاعَتِهِ وخدمته وَقَالَ إِنَّه الإِمَام الرضي وزوجه ابْنة عَمه وَهُوَ جدهم عبيد الله فتلقب بالمهدي وَوضع لنَفسِهِ نسبا هُوَ عبيد الله بن الْحسن بن عَلِي بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب فَلَمَّا توفّي الْحُسَيْن قَامَ بعده الْمهْدي هَذَا فَلَمَّا انتشرت دَعوته أرسل إِلَيْهِ داعيه بالمغرب بِمَا فتح الله عَلَيْهِ من الْبِلَاد وَأَنَّهُمْ ينتظرون قدومه إِلَيْهِم فشاع خَبره عِنْد النَّاس أَيَّام المكتفي العباسي عَليّ بن المعتضد فَطَلَبه فهرب هُوَ وَولده نزار الملقب بالقائم وَهُوَ يومئذٍ غُلَام ومعهما خاصتهما ومواليهما فَلَمَّا وصلا إِلَى إفريقية أحضر الْأَمْوَال مِنْهَا واستصحبها مَعَه فوصل إِلَى رقادة فِي الْعشْر الْأَخير من شهر ربيع الأول سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَنزل فِي قصر من قُصُورهَا وَأمر أَن يدعى لَهُ فِي الْخطْبَة فِي جَمِيع تِلْكَ الْبِلَاد وَجلسَ يَوْم الْجُمُعَة للمبايعة وأحضر النَّاس بالعنف ودعاهم لمذهبه فَمن أجَاب أحسن إِلَيْهِ وَمن أَبى حَبسه فاستمر على ذَلِك إِلَى أَن كَانَت وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه نزار وتلقب بالقائم بِأَمْر الله تَعَالَى وَاسْتمرّ إِلَى أَن مَاتَ سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه إِسْمَاعِيل وتلقب بالمنصور انْتهى مَا ذكره الْحَافِظ الذَّهَبِيّ قَالَ ابْن خلكان فِي تَرْجَمَة الْمَنْصُور هَذَا وَذكر أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَرْوذِيّ قَالَ خرجت مَعَ الْمَنْصُور بن الْقَائِم بن الْمهْدي العبيدي صَاحب

стр. 1603

إفريقية يَوْم هزم أَبَا يزِيد الْخَارِجِي فسايرته وَبِيَدِهِ رمحان فَسقط أَحدهمَا مرَارًا فمسحته وتفاءلت لَهُ فَأَنْشَدته من // (الطَّوِيل) // (فأَلقَتْ عَصَاها واسْتَقَرَّ بِهَا الَّنوى ... كَمَا قَرَّ عَيْنًا بالإيابِ المُسافِر) فَقَالَ هلا قلت مَا هُوَ خير من هَذَا وأصدق ﴿وَأَوحَينا إِلىَ مُوسَى أَن ألقِ عَصاك فَإِذا هيَ تَلقَفُ مَا يأفكوُنَ فَوَقَعَ الحقَّ وَبطلَ مَا كَانُوا يعَمَلُونَ فَغُلِبوُا هُنَالِكَ وَاَنقَلَبوُا صاغِريِن﴾ الْأَعْرَاف ١١٧ ١١٩ فَقلت يَا مَوْلَانَا أَنْت ابْن رَسُول الله قلت مَا عنْدك لما عنْدك من الْعلم وَكَانَ الْمَنْصُور شجاعاً رابط الجأش فصيحاً بليغَاً يرتجل الْخطب ارتجالا وَتُوفِّي بمدينته الَّتِي بناها وسماها المنصورية انْتهى مَا ذكره ابْن خلكان وإفريقية بِكَسْر الْهمزَة وَالْفَاء الساكنة وَالرَّاء الْمَكْسُورَة بعْدهَا مثناة تحتية فقاف مَكْسُورَة فمثناة تحتية مُشَدّدَة إقليم عَظِيم بِبِلَاد الْمغرب افْتتح فِي خلَافَة عُثْمَان بن عَفَّان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه معد الملقب بالمعز بن إِسْمَاعِيل الملقب بالمنصور بن نزار الملقب بالقائم بن عبيد الله الملقب بالمهدي هَذَا الْمعز أول من ملك مصر من العبيديين أرسل عَبده جوهراً الرُّومِي الصّقليّ أرْسلهُ من إفريقية بِلَاد الْمغرب لأخذ بِلَاد مصر عِنْد اضْطِرَاب جَيشِهَا بعد موت كافور الإخشيدي فَلم يجتمعوا عَلَيْهِ فَأرْسل بَعضهم إِلَى الْمعز يستنجد بِهِ فَأرْسل مَوْلَاهُ جوهراً هَذَا فِي ربيع الأول سنة ثَمَان وَخمسين وثلاثمائة فوصل إِلَى الْقَاهِرَة فِي شعْبَان فِي مائَة ألف مقَاتل وَمَعَهُ من الْأَمْوَال ألف وَمِائَتَا صندوق وَقيل خَمْسمِائَة صندوق فانزعج النَّاس وَأَرْسلُوا يطْلبُونَ إِلَيْهِ الْأمان فآمنهم فَلم يرض الْجَيْش بذلك وبرزوا لقتاله فكسرهم وجدد الْأمان لأَهْلهَا ودخلها يَوْم الثُّلَاثَاء لثمان عشرَة لَيْلَة خلت من شعْبَان فشق مصر وَنزل فِي مَكَان الْقَاهِرَة الْيَوْم وَأسسَ من ليلته القصرين وخطب يَوْم الْجُمُعَة

стр. 1604

الْآتِيَة وَقطع الدُّعَاء لبني الْعَبَّاس ودعا لمَوْلَاهُ الْمعز وَذكر الْأَئِمَّة الاثْنَي عشر وَأذن بحي على خير الْعَمَل وَكَانَ يظْهر الْإِحْسَان إِلَى النَّاس وَيجْلس كل يَوْم سبت مَعَ الْوَزير جَعْفَر بن الْفُرَات واجتهد فِي تَكْمِيل الْقَاهِرَة وَفرغ من جَامعهَا سَرِيعا وَهُوَ الْجَامِع الْأَزْهَر الْمَشْهُور وَأرْسل أميرَاً من أمرائه يُسمى جَعْفَر بن فلاح إِلَى الشَّام فَأَخذهَا لسَيِّده الْمعز ثمَّ قدم مَوْلَاهُ الْمعز فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلاثمائة وصحبته توابيت آبَائِهِ فَلَمَّا وصل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فِي شعْبَان مِنْهَا تَلقاهُ أَعْيَان مصر فَخَطب النَّاس هُنَاكَ خطْبَة بليغة ارتجالَا ذكر فِيهَا فَضلهمْ وشرفهم وَقد كذب وَقَالَ إِن الله تَعَالَى قد أغاث الرعايا بهم وبذويهم حكى ذَلِك قَاضِي بِلَاد مصر وَكَانَ جَالِسا إِلَى جَانِبه ثمَّ إِنَّه سَأَلَهُ هَل رَأَيْت خَليفَة أفضل مني فَقَالَ القَاضِي لم أر أحدا من الخلائف سوى أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ أحججت فَقَالَ نعم قَالَ وزرت قبر النَّبِي قَالَ نعم قَالَ وقبر أبي بكر وَعمر قَالَ فتحيرتُ مَاذَا أَقُول ثمَّ نظرت فَإِذا ابْنه قَائِم مَعَ كبار الْأُمَرَاء فَقلت شغلني رَسُول الله عَنْهُمَا كَمَا شغلني أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن السَّلَام على ولي الْعَهْد ونهضت إِلَيْهِمَا فَسلمت عَلَيْهِمَا وَرجعت فانفسح الْمجْلس إِلَى غير هَذَا المجال ثمَّ سَار من الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى مصر فَدَخلَهَا فِي الْيَوْم الْخَامِس من رَمَضَان من هَذِه السّنة فَنزل بالقصرين ثمَّ كَانَت أول حُكُومَة انْتَهَت إِلَيْهِ أَن امْرَأَة كافور الإخشيدي تقدّمت إِلَيْهِ فَذكرت لَهُ أَنَّهَا كَانَت أودعت رجلا من الْيَهُود الصواغ قبَاء من لُؤْلُؤ منسوج بِالذَّهَب وَأَنه جَحدهَا ذَلِك فَاسْتَحْضرهُ وَقَررهُ فَجحد الْيَهُودِيّ ذَلِك وَأنْكرهُ فَأمر عِنْد ذَلِك الْمعز أَن تحفر دَاره وَأَن يسْتَخْرج مَا فِيهَا فوجدوا القباء قد جعله فِي جرة وَدَفنه فسلمه الْمعز إِلَيْهَا فتقدمت إِلَيْهِ وعرضته عَلَيْهِ فَأبى أَن يقبله مِنْهَا ورده عَلَيْهَا فَاسْتحْسن ذَلِك مِنْهُ الْحَاضِرُونَ من مُؤمن وَكَافِر وَقد ثَبت فِي الحَدِيث أَن رَسُول الله قَالَ إِن الله ليؤيد هَذَا الدّين بِالرجلِ الْفَاجِر وَفِي بعض التواريخ أَنه سُئِلَ فِي ذَلِك الْمجْلس عَن نسبه فاستل سَيْفه إِلَى نصفه بيمناه وَقبض قَبْضَة من الذَّهَب بيسراه فَقَالَ هَذَا نسبي وَهَذَا حسبي وَالله أعلم بِصِحَّة ذَلِك

стр. 1605

وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة عملت الروافض الْبِدْعَة الشنعاء يَوْم عَاشُورَاء بِبَغْدَاد من تَعْلِيق المسوح ونثر النتن فِي الْأَسْوَاق وَخُرُوج النِّسَاء سافرات الْوُجُوه والنهود يَنحن على الْحُسَيْن رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَوَقعت فتْنَة عَظِيمَة بَين أهل السّنة وَالرَّوَافِض وكلا الْفَرِيقَيْنِ قَلِيل عقل بعيد من السداد وَذَلِكَ أَن جمَاعَة من أهل السّنة أركبوا امْرَأَة جملا وسموها عَائِشَة وَتسَمى بَعضهم بطلحة وَالزُّبَيْر وَقَاتل مقَاتل أَصْحَاب عَليّ بن أبي طَالب فَقتل من الْفَرِيقَيْنِ خلق كثير وعاثت العيارون فِي الْبَلَد بِالْفَسَادِ ونهبت الْأَمْوَال وَقتل الرِّجَال ثمَّ أَخذ جمَاعَة مِنْهُم فَقتلُوا وصلبوا فسكنت الْفِتْنَة قَالَ الْعَلامَة ابْن الْأَثِير فِي كَامِله لما اسْتَقر الْمعز الفاطمي فِي الديار المصرية وتأطد ملكه سَار إِلَيْهِ الْحُسَيْن بن أَحْمد القرمطي الأحسائي قَالَ ابْن عَسَاكِر وَبَقِيَّة نسبه ابْن أبي سعيد الْحسن بن بهْرَام وَيُقَال الْحسن بن أَحْمد بن الْحسن بن يُوسُف بن كودر كار يُقَال أصلهم من الْفرس قَالَ وَيعرف الْحُسَيْن هَذَا بالأعصم وَكَانَ قد تغلب على دمشق سنة سبع وَخمسين وثلاثمائة ثمَّ عَاد إِلَى بَلَده الأحساء بعد سنة ثمَّ عَاد إِلَى دمشق فِي سنة سِتِّينَ وَكسر جَيش جَعْفَر بن فلاح أول من نَاب بِالشَّام عَن الْمعز الفاطمي ذكر لَهُ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر أشعاراً حَسَنَة رائقة فائقة فَمن ذَلِك مَا كتبه إِلَى جَعْفَر بن فلاح قبل الْحَرْب بَينهمَا وَهُوَ هَذِه الأبيات من // (الْبَسِيط) // (أَلحَرْبُ ساكِنَةٌ والخيلُ صَافِنَهٌ ... والسِّلْمُ مبتَذَلٌ والظّلِ مَمْدُودُ) (فإنْ أنبتُمْ فَمقْبُولٌ إِنَابِتُكُمْ ... وَإِنْ أبيتُمْ فَهَذا الكُورُ مَشْدُودُ) (على ظهورِ المَطَايا أَو يَرِدْنَ بِها ... دِمَشْقَ وَالْبَابُ مَهْدُومٌ ومَرْدُودُ) (إِني امرُؤٌ لَيْسَ من شَأْنِي وَلَا أَرَبِي ... طَبْلٌ يَرِنُّ وَلَا نَايٌ وَلَا عُودُ) (ولَا اعْتِكَافٌ علَى خمرٍ ومجْمَرَةٍ ... وذاتِ دَل لهَا دَلٌّ وتفنيدُ) (وَلَا أَبيتُ بَطِينَ البَطْنِ من شِبَعِ ... وَلِي رفيقٌ خميصُ البَطْنِ مَهْجُودُ) (وَلَا تَسَامَتْ بِيَ الدُّنْيَا إِلَى طَمَعٍ ... يَوْمًا وَلَا غرَّنِي مِنْهَا المَوَاعيدُ)

стр. 1606

وَمن شعره أَيْضا قَوْله من // (الْكَامِل) // (يَا سَاكِنَ البَلَدِ المَنِيعِ تَعزُّزًا ... بِقِلَاعِهِ وَحُصُونِهِ وَكُهُوفِهِ) (لَا عِزَّ إِلاِّ لِلْعَزِيزِ بِنَفْسِهِ ... وَبِخَيْلِهِ وَبِرَجْلِهِ وَسُيُوفِهِ) ثمَّ فِي هَذَا الْعَام وَهُوَ عَام ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة سَار إِلَى مصر فِي جَيش كَبِير من أَصْحَابه والتقى مَعَه أَمِير الْعَرَب بِبِلَاد الشَّام وَهُوَ حسان بن الْجراح الطَّائِي فِي عرب الشَّام بكاملهم فَلَمَّا سمع بِهِ الْمعز الفاطمي سقط فِي يَده لكثرتهم فَكتب إِلَى القرمطي يستميله وَيَقُول لَهُ إِن دَعْوَة آبَائِك إِنَّمَا كَانَت لآبائي قَدِيما فدعوتنا وَاحِدَة وَيذكر فَضله وَفضل آبَائِهِ فَرد لَهُ الْجَواب قَوْله من // (الْكَامِل) // (زَعَمتْ رِجَالُ العُرْبِ أَنِّي هِبْتُهَا ... فَدَمِى إذَنْ مَا بَينْهَا مَطْلُولُ) (يَا مِصْرُ إنْ لَمْ أَسْقِ أَرْضَكِ مِنْ دَمٍ ... يَرْوِى ثَرَاكِ فَلَا سَقَانِي النِّيلُ) وصل كتابك الَّذِي كثر تَفْصِيله وَقل تَحْصِيله وَنحن سائرون على أَثَره وَالسَّلَام فَلَمَّا انْتَهوا إِلَى أَطْرَاف مصر عاثوا قتلا ونهباً وَفَسَادًا وحار الْمعز مَاذَا يفعل لِكَثْرَة من مَعَ القرمطي وَضعف جَيْشه عَن مقاومته فَعدل إِلَى المكيدة والخديعة فراسل حسان بن الْجراح أَمِير الْعَرَب ووعده بِمِائَة ألف دِينَار فَأرْسل إِلَيْهِ حسان أَن ابْعَثْ إِلَيّ بِمَا التزمت فِي أكياس وَأَقْبل بِمن مَعَك فَإِذا الْتَقَيْنَا انهزمتُ بِمن معي فَأرْسل إِلَيْهِ الْمعز بِمِائَة ألف فِي أكياس وَلكنهَا زغل أَكْثَرهَا ضرب النّحاس وَألبسهُ ذَهَبا وَجعله فِي أَسْفَل الأكياس وَوضع فِي رُءُوس الأكياس الدَّنَانِير الْخَالِصَة وَلما بعثها إِلَيْهِ ركب فِي أَثَرهَا بجيشه فَالتقى النَّاس فَلَمَّا تواجه الْفَرِيقَانِ ونشبت الْحَرْب بَينهمَا انهزم حسان بن الْجراح بالعرب فضعف جَانب القرمطي وَقَوي عَلَيْهِ الْمعز الفاطمي فَكَسرهُ وانهزمت القرامطة بَين يَدَيْهِ فَرَجَعُوا إِلَى أَذْرُعَات فِي أذلّ حَال وَبعث الْمعز فِي آثَارهم بعض الْأُمَرَاء فِي عشرَة آلَاف فَارس ليحسم مَادَّة القرامطة وَلما أرسل جَوْهَر الْقَائِد الرُّومِي الصّقليّ رَسُولا إِلَى سَيّده الْمعز الفاطمي بإفريقية يبشره بِفَتْح الديار المصرية وَإِقَامَة الدعْوَة وَالْخطْبَة لَهُ بهَا فَرح فرحَاً شَدِيدا وامتدحه الشُّعَرَاء فَكَانَ مِمَّن امتدحه شاعره مُحَمَّد بن هَانِئ الأندلسي بالقصيدة الْمَشْهُورَة وَهِي من // (الطَّوِيل) // (تَقُولُ بَنو العباسِ هَلْ فُتِحَتْ مِصْرُ ... فَقُلْ لبني العباسِ قَدْ قُضِي الأَمْرُ)

стр. 1607

(وَقد جَاوَز الإسكندريةَ جَوْهَرٌ ... تطالِعُهُ البُشْرى ويَقْدُمُهُ النَّصْرُ) (وَقد أَوْفدَتْ مِصْرٌ إليهِ وُفودَهَا ... وَزِيدَ على المعقودِ مِنْ جسرِهَا جِسْرُ) (فَمَا جَاء هَذَا اليومُ إلَاّ وَقَدْ غَدَتْ ... وأيْدِيكُمُ مِنْهَا ومِنْ غَيرِها صِفْرُ) (فَلَا تُكْثِرُوا ذمَّ الزمَانِ الَّذِي خلا ... فذلِك عصْرٌ قد تَقصَّى وّذَا عَصْرُ) (أَفِى الجيشِ كنتُمْ تمْتَرُونَ رُوَيْدكُم ... فَهَذَا القَنَا العرّاصُ والعسْكَرُ المجْرُ) (وَقد أَشْرفتْ خيلُ الإِلهِ طَوَالِعًا ... عَلَى الدِّينِ والدُّنيا كَمَا طَلَعَ الفجْرُ) (وَذَا ابْنُ رسولِ الله يطلُبُ وَتْرَهُ ... وكَانَ حَرٍ ألَاّ يَضِيعَ لَهُ وَتْرُ) (ذَرُوا الوِرْدَ فِي مَاءِ الفُرَاتِ لِخيلِهِ ... فَلَا الضَّحْلُ مِنْهُ تمنَعُونَ وَلَا الغَمْرُ) (أفِى الشمسِ سكٌّ أِنها الشمسُ بعْدَ مَا ... تَجلَّتْ عِيَانّا ليسَ مِنْ دونِها سِتْرُ) (وَما هِيَ إِلَّا آيةٌ بعدَ آيةٍ ... ونذرٌ لكم إِنْ كَانَ تُغِنيكُمُ النٌّ ذْرُ) (وكونُوا حَصِيدًا خامِدِينَ أوِ ارْعَوُوا ... إِلَى ملِكٍ فِي كَفِّه الموتُ والنَّشْرُ) (أَطِيعُوا إِمَامًا للأئمةِ فَاضِلاً ... كمَا كَانَتِ الأَعْمَالُ يَفْضُلُهَا البرُّ) (رِدُوا سَاقياً لَا تُنْزِفُونَ حِيَاضَهُ ... جموعاً كَمَا لَا تُنْزِفُ الأبْحُرَ الذَّرُّ) (فَإِن تَتْبَعُوهُ فَهْوَ مَوْلاكُمُ الَّذِي ... لهُ بِرَسُولِ الله دُونَكُمُ الفَخْرُ) (وإلَاّ فبُعْدًا للبَعِيدِ فَبَيْنَهُ ... وبينَكُمُ مَا لَا يُقرِّبهُ الدَّهْرُ) (أَفِى ابْنِ أَبى السِّبْطينِ أمْ فِي طليقِكُمْ ... تَنَزَّلتِ الآياتُ والسُّوَرُ الغُرُّ) (بَنِى نتلةٍ مَا أَوْرَثَ الله نتلة ... وَمَا ولدَتْ هَلْ يَسْتَوِي العَبْدُ والحُرُّ) (وَأَنَّى بِهذَا وَهْيَ أعْدَتْ بلُؤْمِها ... أَبَاكُمْ فإيَّاكُمْ ودَعْوى هِيَ الكُفْرُ) (ذَرُوا النَّاسَ رُدُّوهُمْ إِلَى مَنْ يَسُوسُهُمْ ... فمَا لكُمُ فِي الأَمْرِ عُرْفٌ وَلَا نُكْرُ) (أسرتُمْ قُرُومًا بالعراقِ أعِزةَّ ... فَقَدْ فُكَّ من أعناقِهِمْ ذلِك الأَسْرُ) (وَقد بَزَّكُمْ أيَّامَكُمْ عَصَبُ الهُدَى ... وَأَنْصَارُ دِينِ اللهِ والبيضُ والسُّمْرُ) (وَمُقْتَبِلٌ أَيَّامَهُ مُتَهلِّلٌ ... إِلَيْهِ الشَّبابُ الغَضُّ والزَّمَنُ النَّضْرُ) (أَدَارَ كَمَا شَاءَ الوَرَى وتَحَيَّزَتْ ... على السبعةِ الأَفْلَاكِ أُنْمُلُهُ العَشْرُ) (أَتَدْرُونَ مَنْ أزكى البريةِ مَنْصِباً ... وأفضلُهَا إِنْ عُدِّدَ البَدْوُ والحَضْرُ) (تعالَوْا إِلى حكامِ كُلِّ قبيلةٍ ... فَفِى الأَرْضِ أَقْيَالٌ وأندِيَةٌ زُهْرُ) (وَلَا تَعْدِلُوا بالصِّيدِ مِنْ آلِ هاشمٍ ... وَلَا تَتْرُكوا فِهْراً وَمَا جمعتْ فِهْرُ)

стр. 1608

(فجيئوا بمَنْ ضمَّتْ لُّؤىُّ بنُ غالبٍ ... وجِيئوا بِمن ضمَّتْ كنانَةُ والنّضْرُ) (وَلَا تَذرُوا عُلْيا مَعدِّ وعِزَّهَا ... ليُعْرفَ منكُمْ مَنْ لَهُ الحقُّ والأَمْرُ) (ومِنْ عَجَبِ أَن اللسانََ جَرَى لَهُمْ ... بذكرٍ عَلَى حينَ انْقَضَوْا وانْقَضَى الذِّكْرُ) (فَبَادُوا وعَفَّى الله آثارَ مُلْكِهِمْ ... فَلَا خَبَرٌ تلقَاهُ عنهُمْ وَلَا خُبْرُ) (أَلَا تلكمُ الأرْضُ الأَرِيضَةُ أَصْبحَتْ ... وَمَا لِبنِى العباسِ عرضهَا ختر) (فَقَدَ دَالَتِ الدُّنيَا لآلِ محمدٍ ... وقدْ جرَّرَتْ أذيالَهَا الدولةُ البِكْرُ) (وردَّ حقوقَ الطالبيِّينَ مَنْ زكَتْ ... صنائِعُهُ فِي آلِهِ وزَكَا الذُّخْرُ) (مُعِزُّ الهُدَى والدينِ والرَّحِمِ الَّتِي ... بِهِ اتَّصلَتْ أسبَابُهَا ولَهُ الشُّكْرُ) (مَنِ انَتاشَهُمْ فِي كلِّ شرقٍ ومغربٍ ... فبُدِّلَ أَمْناً ذَلِكَ الخَوْفُ والذُّعْرُ) (وكُلُّ إماميِّ يَجيءُ كَأَنَّمَا ... على يَدِهِ الشِّعْرَى وَفي وجْهِهِ البَدْرُ) (وَلما تولَّتْ دولةُ النَّصْبِ عَنْهُمُ ... تولى العَمَى والجَهْلُ واللُّؤمُ والغَدْرُ) (حقوقٌ أتَتْ من دونِهَا أَعصُرٌ خَلَتْ ... فَمَا رَدَّهَا دَهْرٌ عليهِمْ وَلَا عَصْرُ) (فجرَّدَ ذُو التَّاجِ المقاديرَ دونَهَا ... كَمَا جُرِّدَتْ بيضٌ مضارِبُها حُمْرُ) (وأنقذَها مِنْ بُرْثُنِ الدهرِ بعدَمَا ... تواكَلَها الفرْس الْمُنِيب والهَصْرُ) (وأجْرَى على مَا أنزل اللَّهُ قَسْمَهَا ... فَلمْ يَنْخَرِمْ فيهَا قليلٌ وَلَا كُثْرُ) (فدونَكُمُ يَا آلَ بَيْتِ محمَّدٍ ... صَفَتْ بمعزِّ الدِّينِ حَمْأَتُها الكُدْرُ) (فقدْ صارَتِ الدُّنْيَا إليكُمْ مَصِيرَهَا ... وَصَار لَهُ الحمْدُ المُضَاعَفُ والأَجْرُ) (أمامٌ رأيتُ الدينَ مُرْتَبِطًا بِهِ ... فَطَاعَتُه فَوْزٌ وعِصْيَانه خُسْرُ) (أرَى مَدْحَهُ كالمدحِ لله إِنَّه ... قُنُوتٌ وَتَسْبِيحٌ يُحَطُّ بِهِ الوِزْرُ) (هُوَ الوَارِثُ الدُّنْيَا ومَنْ خُلِقَتْ لَهُ ... مِنَ النَّاسِ حَتَّى يلتقي الْقطر والقطْرُ) (وَمَا جَهِلَ المنصورُ فِي المَهْدِ فَضْلَهُ ... وَقد لاحَتِ الأعْلَامُ والسِّمة البُهْرُ) (رَأَى أَنْ يُسَمَّى مالكَ الأرضِ كلِّها ... فلمَّا رَآهُ قَالَ ذَا الصَّمَدُ الوَتْرُ) (وَمَا ذَاكَ أخذٌ بالفَرَاسَةِ وَحْدَهَا ... وَلا أَنه فِيها إِلَى النُّطْقِ مُضْطَرُّ) (ولكنَّ مَرْجُوّاً مِنَ الأَثَرِ الَّذِي ... تَلَقّاهُ عَنْ حَبْرٍ ضَنِينٍ بِهِ حبْرُ) (وكنزاً مِنَ العِلْمِ الرُّبُوبِيِّ إِنه ... هوَ العِلْمُ حقَّا لَا العِيَافَةُ والزَّجْرُ) (فبشِّرْ بِهِ البيتَ المحرَّمَ عاجِلاً ... إذَا أَوْجَفَ التَّطْوَافُ بالناسِ والنَّفْرُ)

стр. 1609

(وَهَا فَكَأَنْ قَدْ زارَهُ وتجانفَ ... بِهِ عنْ قصورِ المُلْكِ طيبَة والسرُّ) (هلِ البيتُ بَيْتُ الله إلَاّ حَرِيمُه ... وهَلْ لِغريبِ الدارِ عَنْ دارِهِ صَبْرُ) (مَنَازِلُهُ الأُولَى اللَّواتِى يَشُقْنَهُ ... فليْسَ لَهُ عنهنَّ مَعْدًى وَلَا قصْرُ) (وحيثُ تلقَّى جَدُّه القدسَ وانتحتْ ... لَهُ كلماتُ اللَّهِ والسرُّ والجَهْرُ) (فَإِن يَتَمنَّ البيتُ تلكَ فَقَدْ دنَتْ ... مواكِبُها والعُسْرُ مِنْ بعدِه اليُسْرُ) (ألستَ ابنَ بانِيهِ فَلَو جِئْتهُ انجلتْ ... غواشِيهِ وابْيَضَّتْ مناسِكُه الغُبْرُ) (حبيبٌ إلَى بطحاءِ مَكَّة موسِمٌ ... تحيي مَعَدًّا فيهِ مَكَّةُ والحِجْرُ) (هناكَ تضئُ الأرضُ نورَاً وتلتقِى ... دُنُوًّا فَلَا يََسْتَبْعِد السَّفَرَ السَّفْرُ) (وتُدْرَى فروضٌ الحجِّ مِنْ نَاقِلَاتِهِ ... ويمْتَازٌ عِنْد الأمَّةِ الخَيْرُ والشَّرُّ) (وشهدتُّ لَقَدْ أعززْتَ ذَا الدّيِنَ عِزّةً ... خَشِيتُ لَهَا أَن يَسْتَبِدَّ بكَ الكِبْرُ) (وأميضتَ عزماً ليسَ يعْصيكَ بَعْدَهُ ... مِنَ الناسِ إِلَّا جاهِلٌ بك مُغْترُّ) (فَلم يَبْقَ إِلَّا البُرْدُ تترى وقَدْ نأََى ... عليكَ بِهِ أَقْصى مواعيدِه شهْرُ) (وَمَا ضَرَّ مِصرًا حينَ ألقتْ قِيَادَهَا ... إِليك أمُدَّ النيلُ أم غَالَهُ الجَزْرُ) (وَقد حُبِّرتْ فيهَا لَك الخُطَبُ الَّتِي ... بدَائِعُها نَظَمٌ وألفاظُها نثْرُ) (فَلم يُهْترَقْ فيهَا لِذِى ذِمَّةٍ دمٌ ... حَرامٌ وَلم يُحْملْ على مُسْلِم إِصْرُ) (غَدَا جَوْهَرٌ فيهَا غَمَامَةَ رَحْمَةٍ ... يَقِى جَانِبَيْها كُلّ حادثةٍ تعْرُو) (كأَنِّى بِهِ قَدْ سَارَ فِي القومِ سِيرَةً ... سَواء إِذَا مَا حلَّ فِي الأرضِ وَالْقَطْرُ) (وَمن أَيْن تَعْدُوهُ وسيلةُ مِثلِهَا ... وقَدْ قُلِّصتْ فِي الحربِ عَن ساقِه الأُزْرُ) (وثقَّف تثقيفَ الرُّديْنِيِّ قبْلهَا ... وَمَا الطَّرْفُ إِلَّا أَن يُهَذِّبهُ الضُّمْرُ) (وليسَ الَّذِي يَأْتِي بأوَّلِ مَا كفَى ... فشُدَّ بِهِ مُلْكٌ وسُدَّ بِه ثَغْرُ) (فَمَا بمداهُ دُونَ عِزِّ تخلُّفٌ ... وَمَا بِخُطَاه دونَ صَالِحةٍ بَهْرُ) (سننْت لهُمْ فِيهِ من العَدْلِ سُنّةً ... هىَ الآيةُ الْكُبْرَى وبُرْهانها السِّحْرُ) (على مَا خلا من سنةِ الوَحْيِ مَا خَلا ... فَأَذْيَالُهَا تَضْفُو عليهِمْ وتَنْجَرُّ) (وأوصيتَهُ فيهم بِرفْقِكَ مُرْدِفًا ... بجودِكَ معقوداً بِهِ عندَكَ البِرُّ) (وَصَاةً كَمَا أوصى بهِ اللَّه رُسْلَهُ ... ول يْسَ بأُذْنٍ أنتَ مُسْمِعُهَا وَقْرُ) (وثبَّتَّهَا بالكُتْبِ فِى كُلِّ مُدْرَجٍ ... كأَنَّ جميعَ الخيرِ فِي طَيِّه سَطْرُ)

стр. 1610

(يَقُولُ رجالٌ شاهَدُوا يومَ حُكْمِهِ ... بِذا تَعْمُرُ الدُّنْيَا وَلَوْ أنَّها قَفْزُ) (بذَا لَا ضِيَاعٌ حَلَّلُوا حرماتِهَا ... وَأَقْطَاعَها واسْتُصْفِىَ السَّهْلُ والوَعْرٌ) (فحسْبُكُمُ يَا أهلَ مِصْرٍ بعَدْلِهِ ... دَلِيلا على العَدْلِ الَّذِي عَنهُ يَفْتَرُّ) (فذاكَ بيَانٌ واضحٌ عَن خليفةٍ ... كثيرُ سِوَاهُ عِنْد مَعْرُوفه نَزْرُ) (رَضِينا لكُمْ يَا أهل مصرٍ بِدَوْلةٍ ... أطيلَ لَنَا فِي ظلِّها الأمْنُ والوَفْرُ) (لكُمْ أسْوَةٌ فِينَا قَدِيما فلَمْ يكُنْ ... بأحوالِنَا عنكُمْ غِطَاءٌ ولَا سِتْرُ) (وهَلْ نحنُ إلَاّ مَعْشَرٌ من عُفَاتِهِ ... لَنا الصافِناتُ الجُرْدُ والعَسْكرُ الدّثْرُ) (فكيفَ مَوَالِيهِ الذِينَ كأنَّهُمْ ... سَمَاءٌ على الغافِينَ أَمْطَارُها التِّبْرُ) (لَبِثْنَا بِهِ أيَّامَ دهرٍ كَأَنَّمَا ... بِهَا وَسَنٌ أَوْ مَالَ ميْلاً بهَا السُّكْرُ) (فيا مَلِكًا هَدْيُ المَلَائِكِ هَدْيُه ... ولكنَّ بحْرَ الأْنبياءِ لَهُ بَحْرُ) (وَيَا رَازِقًا من كفِّهِ نَشَأ الحيَا ... وإلَاّ فَمِن~ أسْرارِهِ يَنْبُعُ البَحْرُ) (أَلَا إِنَّمَا الأيَّامُ أيامُكَ الَّتِي ... لِىَ الشَّطْرُ من نَعْمَائِها وَلكَ الشَّطْرُ) (لَك الشَّطْرُ مِنْهَا مَالِكَ المجْدِ والعُلَا ... وَيبْقى لَنا مِنْها الحَلُوبةُ والدَّرُّ) (لقَدْ جدتِّ حَتَّى لَيْسَ لِلمَالِ طَالِبٌ ... وأَعطيْتَ حَتَّى مَا لمُنْفِسة قَدْرُ) (فلَيْسَ لِمَنْ لَا يرتقِى النجمَ هِمَّةٌ ... وليسَ لِمَنْ لَا يَسْتَفِيدُ الغِنَى عُذْرُ) (وَدِدتُّ لجيلٍ قد تقدَّم عصرهُمْ ... لوِ استأخَرُوا فِي حلْبَةِ العُمْرِ أَو كَرُّوا) (وَلوْ شهِدُوا الأيامَ والعَيْشُ بَعْدَهُمْ ... حَدَائِقُ والآمَالُ مُونِقةُ خُضْرُ) (فَلَوْ سَمِعَ التثويبَ مَنْ كانَ رِمَّةً ... رُفَاتًا وَلَبَّى الحىَّ مَنْ ضَمَّهُ أبقر) (لنادَيُت منْ قَدْ مَاتَ حَى بِدَوْلةٍ ... تُقَامُ بِهَا المَوْتَى وَيُرْتَجَعُ العُمْرُ) انْتَهَت قلت قَوْله بني نتلة يُشِير إِلَى بني الْعَبَّاس لِأَن نتلة أم الْعَبَّاس وَقد أفحش فَرمى بني الْعَبَّاس بالْكفْر وَالرّق والعبودية فَلَا قوةَ إِلَّا بِاللَّه وَكَانَ هَذَا مُحَمَّد بن هَانِئ شاعرَاً محبوباً مقرباً عِنْد الْمعز استصحبه مَعَه من بِلَاد القيروان وَتلك النواحي حِين توجه إِلَى الديار المصرية فَلَمَّا كَانَ بِبَعْض الطَّرِيق وُجد مُحَمَّد بن هَانِئ مقتولَا مجدلَا على حافة الْبَحْر وَذَلِكَ فِي رَجَب وَقد كَانَ شَاعِرًا مطبقاً قوي النّظم إِلَّا أَنه كفره غير وَاحِد من الْعلمَاء فِي مبالغاته فِي مدائحه

стр. 1611

للمعز خُصُوصا فَمن ذَلِك قَوْله فِيهِ قبحهما الله تَعَالَى من // (الْكَامِل) // (مَاشِئْت لَا مَا شاءتِ الأَقْدارُ ... فاحْكُمْ فأَنْتَ الوَاحِدُ القَهَّارُ) وَهَذَا خطأ كثير وَكفر كَبِير وَقَالَ أَيْضا قبحه الله وأخزاه وفض فَاه من // (مجزوء الْكَامِل) // (وَلَطَالَمَا زَاحَمْت تَحْتََ ... رِكَابِهِ جِبْرِيلَا) وَمن ذَلِك قَوْله قَالَ ابْن الْأَثِير وَلم أر ذَلِك فِي ديوانه من // (مخلع الْبَسِيط) // (حَلَّ بِرقَّادَةَ المَسِيحُ ... حلَِّبهَا لآدَمٌ ونُوحُ) (حلَّ بِها الله ذُو المَعَالِي ... فَكُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُ رِيحُ) قَالَ ابْن الْأَثِير وَقد شرع بعض المتعصبين لَهُ فِي الِاعْتِذَار عَنهُ قَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ فِي تَارِيخه وَهَذَا الْكَلَام إِن صَحَّ عَنهُ فَلَيْسَ عَنهُ اعتذار لَا فِي الدَّار الْآخِرَة وَلَا فِي هَذِه الدَّار قَالَ فِي الأرج المسكي فَصَارَت الْخطْبَة الإسلامية على قسمَيْنِ فَمن بَغْدَاد إِلَى حلب وَسَائِر ممالك الشرق إِلَى أَعمال الْفُرَات يُخطب فِيهَا للمطيع العباسي وَمن حلب إِلَى بِلَاد الْمغرب مَعَ الْحَرَمَيْنِ الشريفين يخْطب فِيهَا للمعز العُبَيدي هَذَا وَتُوفِّي الْمعز فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وثلاثمائة ثمَّ قَامَ من بعده ابْنه نزار الملقب بالعزيز ابْن الْمعز الفاطمي العبيدي بُويِعَ بعد موت أَبِيه الْمعز وَقَامَ بتدبيره الْقَائِد جَوْهَر غُلَام وَالِده وَكَانَ يَدعِي التنجيم فَكتب لَهُ من // (مخلع الْبَسِيط) // (بِالظُّلمِ والجَوْرِ قَدْ رَضِينَا ... وََلَيْسََ بالْكُفْرِ والحَمَاقَهْ) (إِنْ كُنْتَ أُعْطِيت عِلْمَ غيْبٍ ... بيِّنْ لَنَا كاتِب البِطاقَهْ) كَانَ الْعَزِيز هَذَا قد استزور رجَلين أَحدهمَا نَصْرَانِيّ اسْمه عِيسَى بن نسطورس وَالْآخر يَهُودِيّ اسْمه مِيشَا فعز بسببهما أهل تينك الملتين فِي ذَلِك

стр. 1612

الزَّمَان على الْمُسلمين حَتَّى كتبت إِلَيْهِ امْرَأَة قصَّة فِي حَاجَة فَقَالَت فِيهَا بِالَّذِي أعز النَّصَارَى بِعِيسَى بن نسطورس وَالْيَهُود بميشا وأذل الْمُسلمين بك إِلَّا مَا كشفت عَن ظلامتي فَعِنْدَ ذَلِك أَمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمَا وَأخذ من النَّصْرَانِي ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار كَذَا ذكره ابْن السُّبْكِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ ابْن خلكان أَكثر أهل الْعلم بِالنّسَبِ لَا يصححون نسب الْمهْدي عبيد الله جد خلفاء مصر حَتَّى إِن هَذَا الْعَزِيز فِي أول مَا تولى صعد الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة فَوجدَ هُنَالك ورقة مَكْتُوب فِيهَا هَذِه الأبيات من // (السَّرِيع) // (إِنَّا سمِعْنا نَسباً مُنْكرًا ... يُتْلى عَلَى المِنْبرِ فِي الْجامِع) (إِنْ كُنْتَ فِميمَا تدَّعِى صَادِقًا ... فاذْكُرْ أَباً بعْدَ الأبِ السَّابعِ) (وَإِنْ تُرِدْ تحْقِيقَ مَا قُلْتهُ ... فانْسُبْ لنَا نفْسك كالطَّائِعِ) (أَوْ لَا دعِ الْأنْسابَ مسْتُورةً ... وادْخُلْ بِنا فِى النَّسبِ الواسِعِ) (فَإنَّ أَنْسَابَ بنِى هاشِمٍ ... يقْصُرُ عنْها طَمَعُ الطَّامِعِ) وَتُوفِّي الْعَزِيز فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فَكَانَت مدَّته إِحْدَى وَعشْرين سنة ثمَّ قَامَ بعده ابْنه مَنْصُور الملقب بالحكم بِأَمْر الله بُويِعَ بعد موت أَبِيه وَهُوَ صَاحب الْجَامِع الَّذِي هُوَ دَاخل بَاب النَّصْر فِي الْقَاهِرَة وَكَانَ أول أمره خيرا وَلما كبر عبد الْكَوَاكِب وَفعل فِي حكوماته مَا يضْحك مِنْهُ الصّبيان من المهملات والقبائح وَاسْتمرّ إِلَى أَن عملت أُخْته على قَتله فَقتل قَالَ ابْن خلكان فِي تَارِيخه وفيات الْأَعْيَان فِي تَرْجَمَة الْحَاكِم بِأَمْر الله كَانَ

стр. 1613

لَهُ حمَار أَشهب يدعى بقمر يركبه وَكَانَ يحب الِانْفِرَاد وَالرُّكُوب وَحده فَخرج راكبَاً حِمَاره لَيْلَة الِاثْنَيْنِ رَابِع عشر شَوَّال سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة إِلَى ظَاهر مصر وَطَاف ليله كُله وَأصْبح مُتَوَجها إِلَى شَرق حلوان وَمَعَهُ ركابيان فَأَعَادَ أَحدهمَا ثمَّ أعَاد الآخر وَبَقِي النَّاس يخرجُون يَلْتَمِسُونَ رُجُوعه وَمَعَهُمْ دَوَاب الموكب إِلَى يَوْم الْأَحَد سلخ الشَّهْر الْمَذْكُور ثمَّ خرج ثَانِي الْقعدَة جمَاعَة من الموَالِي والأتراك فأمعنوا فِي طلبه وَفِي الدُّخُول فِي الْجَبَل فَرَأَوْا الْحمار الْأَشْهب الَّذِي كَانَ يركب عَلَيْهِ وَهُوَ على قرنة الْجَبَل وَقد ضربت يَدَاهُ بِسيف وَعَلِيهِ سَرْجه ولجامه فتبعوا الْأَثر إِلَى الْبركَة الَّتِي فِي شَرْقي حلوان فَنزل فِيهَا رجل فَوجدَ فِيهَا ثِيَابه وَهِي سبع جبات وَوجدت مزررة لم تحل أزرارها وفيهَا آثَار السكاكين فَحملت إِلَى الْقصر وَلم يشكوا فِي قَتله غير جمَاعَة من الغالين فِي حبهم لَهُ السخيفين عقولا يظنون حَيَاته وَأَنه سَيظْهر ويحلفون بغيبة الْحَاكِم وَكَانَ الْحَاكِم جواداً بِالْمَالِ سفاكاً للدماء وَكَانَت سيرته عجبا يخترع كل يَوْم حكما يحمل النَّاس عَلَيْهِ فَمن ذَلِك أَنه أَمر النَّاس فِي سنة خمس وَتِسْعين وثلاثمائة بكتب سبّ الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فِي حيطان الْمَسَاجِد والقناطر والشوارع وَكتب بِهِ إِلَى سَائِر الْبلدَانِ من الديار المصرية ثمَّ أَمر بِقطع ذَلِك سنة سبع وَتِسْعين وثلاثمائة وَأمر بِضَرْب من سبّ الصَّحَابَة وتأديبه وَأمر بقتل الْكلاب فَلم ير كلب فِي الْأَسْوَاق والأزقة إِلَّا قتل وَنهى عَن بيع الفقاع والملوخيا وَنهى عَن بيع الزَّبِيب قَليلَة وكثيرة وَجمع جملَة كَثِيرَة مِنْهُ فأنفق على إحراقها مَا يُسَاوِي خَمْسمِائَة دِينَار ثمَّ منع من بيع الْعِنَب أصلَا وألزم الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن يتميزوا فِي لباسهم عَن الْمُسلمين فِي الحمامات وخارجها ثمَّ أفرد حمامَاً للْيَهُود وحماماً لِلنَّصَارَى وألزمهم أَلا يركبُوا أَشْيَاء من المراكب المحلاة وَأَن تكون ركبهمْ الْخشب وَلَا يستخدموا أحدا من الْمُسلمين وَلَا يركبُوا حمارا لمكار مُسلم وَلَا سفينة نوتيها مُسلم وَفِي سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة منع النِّسَاء من الْخُرُوج من الْمنَازل أَو يطلعن من

стр. 1614

الأسطحة والطاقات وَمنع الخفافين من عمل الْخفاف لَهُنَّ وَمن الْخُرُوج إِلَى الحمامات وَقتل خلقا مِنْهُنَّ على مُخَالفَة ذَلِك وَهدم بعض الحمامات عَلَيْهِنَّ وجهز عَجَائِز يطفن فِي الْبيُوت يستعلمن أَحْوَال النِّسَاء من مِنْهُنَّ تعشق أَو تعشق بأسمائهن وَأَسْمَاء من يتَعَرَّض لَهُنَّ وَأكْثر من الدوران بِاللَّيْلِ وغرق من اطلع على فسقه من الرِّجَال وَالنِّسَاء فَضَاقَ النطاق عَلَيْهِنَّ وعَلى الْفُسَّاق وَلم يتَمَكَّن أحد مِنْهُم أَن يصل إِلَى أحد إِلَّا نَادرا حَتَّى إِن امْرَأَة نادت قَاضِي الْقُضَاة بالديار المصرية وَهُوَ مَالك بن سعد الفارقي وحلفته بِحَق الحاكمِ لما وقف لَهَا فاستمع كَلَامهَا فَوقف لَهَا فَبَكَتْ بكاء شَدِيدا وَقَالَت إِن لي أَخا لَيْسَ لي غَيره وَهُوَ فِي السِّيَاق وَأَنا أَسأَلك لما وصلتني إِلَى منزله لأنظر إِلَيْهِ قبل أَن يُفَارق الدُّنْيَا فرق لَهَا القَاضِي رقة شَدِيدَة وَأمر رجلَيْنِ مَعَه أَن يَكُونَا مَعهَا حَتَّى يبلغاها إِلَى الْمنزل الَّذِي تريده فأغلقت بَابهَا وأعطت الْمِفْتَاح جارتها وَذَهَبت حَتَّى وصلت مَعَ الرجلَيْن إِلَى منزل فطرقت الْبَاب وَدخلت وَقَالَت لَهما اذْهَبَا راشدين فَإِذا هُوَ منزل رجل تهواه ويهواها فَأَخْبَرته بِمَا احتالت بِهِ على القَاضِي فأعجبه ذَلِك وَجَاء زَوجهَا آخر النَّهَار فَوجدَ بَابه مغلقاً فَسَأَلَ عَن أمرهَا فَذكر لَهُ مَا صنعت فاستغاث على القَاضِي وَذهب إِلَيْهِ وَقَالَ مَا أُرِيد امْرَأَتي إِلَّا مِنْك فَإِنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَخ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنَّمَا ذهبت إِلَى عشيقها فخاف القَاضِي من معرة هَذَا الْأَمر فَركب إِلَى الْحَاكِم وبكي لَدَيْهِ فَسَأَلَهُ عَن شَأْنه فَأخْبرهُ بِمَا اتّفق من الْأَمر فَأرْسل الْحَاكِم مَعَ الرجلَيْن من يحضر الرجل وَالْمَرْأَة جَمِيعًا على أَي حَال كَانَا عَلَيْهِ فوجدوهما متعانقين سكرانين فَسَأَلَهُمَا القَاضِي عَن حَالهمَا فأخذا يعتذران بِمَا لَا يجدي فَأمر بتحريق الْمَرْأَة فِي بَارِية وَضرب الرجل بالسياط ضربَاً مبرحاً وازداد احْتِيَاط الْحَاكِم على النِّسَاء حَتَّى مَاتَ ذكر هَذَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي المنتظم وَأمر بهدم القمامة وَجَمِيع الْكَنَائِس بالديار المصرية ووهب جَمِيع مَا فِيهَا من الْآلَات وَجَمِيع مَا لَهَا من الأحباس لجَماعَة من الْمُسلمين وَأمر أَلا يتَكَلَّم أحد فِي صناعَة النُّجُوم وَأَن يَنْفِي المنجمون من الْبِلَاد وَكَذَلِكَ أَصْحَاب الْغناء ثمَّ أَمر بِبِنَاء مَا كَانَ هَدمه من الْكَنَائِس ورد مَا كَانَ أَخذه من أحباسها انْتهى

стр. 1615

حلوان مَدِينَة كَثِيرَة النزه فَوق مصر بِمِقْدَار خَمْسَة أَمْيَال كَانَت مسكن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان وَالِد عمر بن عبد الْعَزِيز وَبهَا ولد عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ الْعَلامَة السُّبْكِيّ فِي تَارِيخه عِنْد ذكر الْحَاكِم ولنذكر شَيْئا من صِفَاته القبيحة وَسيرَته الملعونة أَخْزَاهُ الله وَلَا وَقَاه شرا كَانَ قبحه الله كثير التلون فِي أَفعاله وأقواله جَائِزا فِي كَيْفيَّة بُلُوغ مَا يؤمله لِأَنَّهُ كَانَ يروم أَن يَدعِي الألوهية كَمَا ادَّعَاهَا قَارون فِي زمن مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام فَكَانَ قد أَمر الرّعية إِذا ذكره الْخَطِيب على الْمِنْبَر أَن تقوم النَّاس على أَقْدَامهم صُفُوفا إعظاماً لذكره واحترامَاً لاسمه فَكَانَ هَذَا يفعل فِي سَائِر ممالكه حَتَّى فِي الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَكَانَ أهل مصر على الْخُصُوص إِذا قَامُوا خروا سجدا حَتَّى إِنَّه يسْجد بسجودهم من فِي الْأَسْوَاق من الرعاع وَغَيرهم وابتنى الْمدَارِس وَجعل فِيهَا الْفُقَهَاء والمشايخ ثمَّ قَتلهمْ وخربها وألزم النَّاس بإغلاق الْأَسْوَاق والدكاكين نَهَارا وَفتحهَا ليلَا فامتثلوا ذَلِك دهرَاً طَويلا حَتَّى اجتاز مرّة بشيخ يعْمل النجارة فِي أثْنَاء النَّهَار فَوقف عَلَيْهِ وَقَالَ ألم أنهكم عَن هَذَا فَقَالَ يَا سَيِّدي أما كَانَ النَّاس يسهرون لما كَانُوا يتعيشون بِالنَّهَارِ فَهَذَا من جملَة السهر فَتَبَسَّمَ وَتَركه وَأعَاد النَّاس إِلَى أَمرهم الأول وكل هَذَا مِنْهُ تَغْيِير للرسوم واختبار لطاعة الْعَامَّة ليرقى إِلَى مَا هُوَ أهم من ذَلِك لَعنه الله وَقد كَانَ يعْمل الْحِسْبَة بِنَفسِهِ يَدُور فِي الْأَسْوَاق على حِمَاره فَمن وجده قد عثر فِي معيشته أَمر عبدَاً أسود مَعَه يُقَال لَهُ مَسْعُود أَن يفعل بِهِ الْفَاحِشَة العمطى وَهَذَا أَمر مُنكر مَلْعُون لم يسْبق إِلَيْهِ لَعنه الله وَكَانَت الْعَامَّة يبغضونه ويكتبون لَهُ الأوراق الَّتِي فِيهَا الشتيمة البليغة لَهُ ولأسلافه وحريمه فِي صُورَة قصَص فَإِذا قَرَأَهَا ازْدَادَ حنقَاً عَلَيْهِم حَتَّى إِن أهل مصر حملُوا صُورَة امْرَأَة من ورق بخفها وإزارها وَفِي يَدهَا قصَّة فِيهَا من الشتم والقبائح شَيْء كثير فَلَمَّا رَآهَا ظَنّهَا امْرَأَة فَذهب من ناحيتها وَأخذ الْقِصَّة من يَدهَا فقرأها فَرَأى مَا فِيهَا فأغضبه جدا وَأمر بقتل تِلْكَ الْمَرْأَة فَلَمَّا تحققها من ورق ازْدَادَ غيظاً على غيظه ثمَّ لما وصل إِلَى الْقَاهِرَة أَمر العبيد من السودَان أَن يذهبوا إِلَى مصر فيحرقوها وينهبوا مَا فِيهَا من الْأَمْوَال والحريم فَذهب العبيد فامتثلوا مَا أَمرهم بِهِ فَقَاتلهُمْ أهل مصر قتالَا عَظِيما ثَلَاثَة أَيَّام وَالنَّار تعْمل فِي
следующие страницы →