← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وصلوا إِلَيْهَا بعد خراب الْبَصْرَة فولى عَلَيْهَا الشريف حسن بن عجلَان غير الْحُسَيْنِي الْمَذْكُور وكل ذَلِك سنة إِحْدَى عشرَة وَثَمَانمِائَة وَلما قتل النَّاصِر فرج مَا أقدم أحد من الشراكسة على التَّلَبُّس بالسلطنة خوفًا من مخاصمة الْعَسْكَر (ثمَّ ولي الْخَلِيفَة العباسي) ولَّوْه بالجبر وَهُوَ المستعين بِاللَّه أَبُو الْفضل العباسي الْمصْرِيّ بعد تمنع شَدِيد وَكَانَ الْقَائِم بتدبير المملكة الْأَمِير شيخ المحمودي فاستمر المستعين بِاللَّه سِتَّة أشهر وأياماً وخلع وَكَانَ استناب الْمُؤَيد شيخ وشاركه فِي الْخطْبَة وَالْأَمر للمؤيد (ثمَّ تولى الْأَمِير شيخ المحمودي) وتلقب بِالْملكِ الْمُؤَيد فِي مستهل شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة سنة خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة وَكَانَ أَصله من مماليك الظَّاهِر برقوق اشْتَرَاهُ من تَاجر يُسمى مَحْمُود اليزدي فَأعْتقهُ فَلذَلِك يُقَال لَهُ المحمودي ثمَّ جعله أَمِير عشرَة ثمَّ صَاحب طبلخانة ثمَّ مقدم ألف ثمَّ ولي نِيَابَة طرابلس فَأسرهُ تيمور لما أسر نواب الْبِلَاد الشامية ثمَّ هرب مِنْهُ إِلَى أَن آل أمره أَن صَار سُلْطَانا فخدم المستعين وَعصى عَلَيْهِ

стр. 1682

نواب الْبِلَاد الشامية فَتوجه لقتالهم مرَارًا كَثِيرَة وافتتح الشَّام وَغَيرهَا ثمَّ عَاد إِلَى مصر وَكَانَ يَعْتَرِيه ألم المفاصل فَصَارَ يُحمل على الأكتاف ويركب المحفة وَكَانَ شجاعاً مقداماً مهيباً وَكَانَت أسواق ذَوي الْأَدَب نافقة عِنْده لجودة فهمه وذوقه وَكَانَ يحب الْعلمَاء والفضلاء ويجل قدرهم وَبنى مدرسته الْمَوْجُودَة الْآن فَبَدَأَ فِي عمارتها سنة سبع عشرَة وَثَمَانمِائَة وَكَانَ سنه عشْرين سنة قلت وَهُوَ الْبَانِي للجامع الْمَشْهُور بِجَامِع المؤيدية وَبِه المنارة الَّتِي توارد عَلَيْهَا شَيخا الْإِسْلَام الْحَافِظ شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ بن حجر الْعَسْقَلَانِي الشَّافِعِي والعلامة الإِمَام الْهمام مَحْمُود الْعَيْنِيّ الْحَنَفِيّ وَذَلِكَ لما أَن ظهر فِي المنارة اختلال بعد بنائها فَقَالَ الْحَافِظ الْمَذْكُور هذَيْن الْبَيْتَيْنِ يعرض فيهمَا بِهِ فِي ستر التورية من الطَّوِيل (لِجَامِعِ مَوْلَانَا المُؤَيّدِ بَهْجَةٌ ... مَنَارَتُهُ بالحُسْنِ تَزْهُو وبالزَّيْنِ) (تَقُولُ وَقَدْ مَالَتْ عَنِ القَصْدِ أَمْهِلُوا ... فَلَيْسَ عَلَى جِسْمِي أَضَرُّ مِنَ العَيْنِ) فوصل خبر الْبَيْتَيْنِ إِلَى الإِمَام الْعَلامَة مَحْمُود الْعَيْنِيّ فَقَالَ فِي جوابهما معرضًا ستر التورية كَذَلِك من الْبَسِيط (مَنَارةٌ كَعَرُوسِ الحُسْنِ إِذْ جُلِيَتُ ... وَهَدْمُهَا بِقَضَاءِ اللِّهِ والقَدَرِ) (قَالُوا أُصِيبَتْ بِعَيْنِ قُلْتُ ذَا غَلَطٌ ... مَا أَوْجَبَ الهَدْمَ إلَاّ خِسَّةُ الحَجَرِ) قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر والبيتان قد عملهما لَهُ النواجي لَا سامحه الله سامح الله الْجَمِيع وَمن أعجب مَا وَقع لَهُ فِي أَيَّامه أَن جملا لجمال يُقَال لَهُ الفاروني يحمِّله فَوق طاقته فهرب أثْنَاء جُمَادَى الْآخِرَة من تِلْكَ السّنة وَدخل الْمَسْجِد الْحَرَام وَلم يزل يطوف بِالْبَيْتِ وَالنَّاس حوله يُرِيدُونَ إِمْسَاكه فيعضهم وَلَا يُمكن من نَفسه فَتَرَكُوهُ حَتَّى أتم ثَلَاثَة أسابيع ثمَّ جَاءَ إِلَى الْحجر الْأسود فَقبله ثمَّ توجه إِلَى جِهَة مقَام الْحَنَفِيّ ووقف هُنَاكَ تجاه الْمِيزَاب الشريف فبرك عِنْده وَبكى وَألقى نَفسه على الأَرْض وَمَات فَحَمله النَّاس إِلَى بَين الصَّفَا والمروة ودفنوه هُنَاكَ

стр. 1683

وَفِي آخر سنة ثَمَان عشرَة وَثَمَانمِائَة أرسل الْمُؤَيد منبراً حسنا إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام ودرجة الْكَعْبَة وَوصل ذَلِك فِي موسم السّنة الْمَذْكُورَة وخطب الْخَطِيب على الْمِنْبَر الْجَدِيد خطْبَة التَّرويَة يَوْم سَابِع ذِي الْحجَّة الْحَرَام وَكَانَت وَفَاة الْمُؤَيد شيخ المحمودي يَوْم الْإِثْنَيْنِ لتسْع خلون من الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَكَانَت مُدَّة سلطنته ثَمَان سِنِين وَخَمْسَة أشهر (ثمَّ تولى بعده وَلَده الْملك المظفر) أَبُو السعادات أَحْمد بن الْمُؤَيد بِعَهْد مِنْهُ وعمره إِذْ ذَاك سنة وَثَمَانِية أشهر وَسَبْعَة أَيَّام وَصَارَ مُدبر مَمْلَكَته الْأَمِير ططر أَمِير مجْلِس أتابك العساكر وَخَالف عَلَيْهِ أَمِير الشَّام وَمن مَعَه فتجهز ططر عَلَيْهِم وَمَعَهُ الْملك المظفر أَحْمد طفْلا وَقَاتلهمْ وَقتل كثيرا مِنْهُم إِلَى أَن صفا لَهُ الْوَقْت فَخلع الْملك المظفر أَحْمد (ثمَّ تولى ططر) وتسلطن عوضه يَوْم الْجُمُعَة لليلة بقيت من شعْبَان سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَرجع بالمظفر إِلَى مصر وَاسْتمرّ بالقلعة إِلَى أَن نقل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فَتوفي بهَا مطعوناً فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَت مُدَّة سلطنته سَبْعَة أشهر وَعشْرين يَوْمًا وَنقل إِلَى الْجَامِع المؤيدي دَاخل بَاب زويله رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ ططر من مماليك الظَّاهِر برقوق أعْتقهُ وَقدمه وَلَا زَالَ يترقى إِلَى أَن صَار عِنْد الْمُؤَيد رَأس نوبَة ثمَّ أَمِير مجْلِس ثمَّ تسلطن وتلقب بِالْملكِ الظَّاهِر لقب

стр. 1684

أستاذه ومهد الممالك وَقبض على الْمُخَالفين عَلَيْهِ وَقرب المحالفين لَهُ وَله آثَار جميلَة ومقاصد حَسَنَة جليلة من أعظمها أَنه قرر لصَاحب مَكَّة الشريف حسن بن عجلَان عشْرين ألف دِينَار تحمل إِلَيْهِ من خزينة مصر كل عَام وَجعل ذَلِك فِي مُقَابلَة ترك المكس على الخضرة والفواكه والحبوب وَغَيرهَا بِمَكَّة وَأمر أَن يكْتب عَهده واعترافه بذلك على سواري الْمَسْجِد من نَاحيَة بَاب السَّلَام وَمن نَاحيَة بَاب الصَّفَا والسواري الْمَكْتُوبَة بِهَذَا الْعَهْد مَوْجُودَة إِلَى الْآن فِي الْمَسْجِد الْحَرَام ثمَّ توفّي يَوْم الْأَحَد لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة فَكَانَت مُدَّة ملكه أَرْبَعَة وَتِسْعين يَوْمًا (ثمَّ تولى بعده ابْنه الْملك مُحَمَّد بن الظَّاهِر ططر) وعمره نَحْو الْعشْر سنوات وأتابكه ومدبر مَمْلَكَته الأتابك جَان بيك الصُّوفِي إِلَى أَن تغلب على الأتابك برسباي الدقماقي فَقبض عَلَيْهِ وأرسله إِلَى السجْن الْإسْكَنْدَريَّة فَصَارَ أتابكاً مَكَانَهُ واستبد بِأُمُور الْملك من غير مشارك فَخلع الْملك الصَّالح يَوْم الْأَرْبَعَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من ربيع الآخر سنة خمس وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَمُدَّة ملكه ثَلَاثَة أشهر وَأَرْبَعَة عشر يَوْمًا وعمره عشرُون سنة وَاسْتمرّ بعد الْخلْع عِنْد والدته بالقلعة إِلَى أَن توفّي بالطاعون (ثمَّ تولى الْملك الْأَشْرَف برسباي الدقماقي) اشْتَرَاهُ الْأَمِير دقماق الظَّاهِرِيّ نَائِب ملطية وَقدمه إِلَى الظَّاهِر برقوق هَدِيَّة فَأعْتقهُ وقربه ورقاه إِلَى أَن ولاه الْملك الْمُؤَيد مقدم ألف وَاسْتمرّ إِلَى أَن تسلطن بعد قَبضه على مُحَمَّد بن ططر وَمن جملَة مناقبه أَنه أَخذ بِلَاد قبرس وَأسر ملكهَا فِي سنة تسع وَعشْرين

стр. 1685

وَثَمَانمِائَة وَهُوَ فِي تخت مَمْلَكَته لم يَتَحَرَّك وَكَانَ عَاقِلا مُدبرا سيوساً محباً لجمع المَال اشْترى من مَاله ثَلَاثَة آلَاف مَمْلُوك شركسي وَفتح آمد سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة وَبنى مدرسته الأشرفية الَّتِي أَنْشَأَهَا بِمصْر على رَأس الوراقين وعلق خوذة ملك آمد الَّتِي أَخذهَا بعد قَتله علقها بدهليز مدرسته بَين الْبَابَيْنِ بسلسلة وَله خبرات كَثِيرَة توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَمُدَّة ولَايَته سِتَّة عشر سنة وَثَمَانِية أشهر وَأَيَّام (ثمَّ تولى بعده وَلَده يَوْم مَوته) (الْملك الْعَزِيز يُوسُف بن برسباي وعمره أَرْبَعَة عشر عَاما) وَصَارَ مُدبر مَمْلَكَته الأتابك جقمق العلائي وَلَا زَالَ يقوى أمره والأقدار تساعد إِلَى أَن خلع الْعَزِيز بعد أَن تسلطن نَحوا من ثَلَاثَة أشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام لم يكن لَهُ فِيهَا سوى الِاسْم ثمَّ ولي مَكَانَهُ يَوْم الْأَرْبَعَاء لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة ولقب بِالْملكِ الظَّاهِر سيف الدّين وكني بِأبي سعيد جقمق العلائي وَجلسَ على سَرِير المملكة والعلائي نِسْبَة إِلَى مُشْتَرِيه عَلَاء الدّين فنسب إِلَيْهِ فَقيل العلائي ثمَّ انْتقل إِلَى الظَّاهِر برقوق فَقيل الظَّاهِرِيّ وَكَانَ عِنْد الظَّاهِر

стр. 1686

برقوق خاصكياً ثمَّ صَار فِي دولة النَّاصِر فرج بن برقوف ساقياً ثمَّ أَمِير عشرَة مقدم مائَة ثمَّ فِي دولة الْمُؤَيد خازنداراً ثمَّ من مقدمي الألوف ثمَّ فِي الدولة الأشرفية حَاجِب الْحجاب ثمَّ أَمِير آخور كَبِير ثمَّ أَمِير سلَاح ثمَّ صَار أتابكاً إِلَى أَن تسلطن فَخرج عَن طَاعَته الْأَمِير قرقماس فقاتله وظفر بِهِ وسجنه فِي الْإسْكَنْدَريَّة ثمَّ قَتله ثمَّ خرج عَن طَاعَته نَائِب حلب تغري برمش ثمَّ أينال الْحكمِي نَائِب الشَّام فَجهز عَلَيْهِمَا العساكر فَقَتَلَهُمَا وَاحِدًا بعد وَاحِد وَبعد قتل هَؤُلَاءِ صفا لَهُ الْوَقْت فَأخذ وَأعْطى وأقدم وسطا وَكَانَ متواضعاً محباً للْفُقَرَاء وَالْعُلَمَاء وَالصَّالِحِينَ يمِيل إِلَى تربية الْأَيْتَام وَيحسن إِلَيْهِم عفيفاً عَن الْمُنْكَرَات طَاهِر الْفَم والذيل لَا يعلم من مُلُوك الشراكسة قبله وَلَا بعده أعف مِنْهُ وَكَانَ على قَاعِدَة الأتراك الدَّعْوَى عِنْده لمن يسْبق يذاكر بمسائل فقهية ويتعصب لمَذْهَب الْحَنَفِيَّة وَملك مصر نَحْو خمس عشرَة سنة وَمن أول مَا عمل فِي ولَايَته أَن أرسل إِلَى شرِيف مَكَّة الشريف بَرَكَات بن حسن ابْن عجلَان بخلَع ومراسيم وَأرْسل إِلَيْهِ سودون المحمدي ليَكُون أَمِيرا على خمسين فَارِسًا من التّرْك مقيمين بِمَكَّة وَفِي سنة سبع وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَردت القصاد من مصر تخبر أَن الْملك الظَّاهِر جقمق زَاد بِهِ الْمَرَض فَخلع نَفسه من السلطنة يَوْم الْخَمِيس لسبع بَقينَ من محرم السّنة الْمَذْكُورَة

стр. 1687

(ثمَّ تولى بعده أَبُو السعادات فَخر الدّين عُثْمَان بن حقمق) ولقب بِالْملكِ الْمَنْصُور وَرَضي النَّاس بِهِ واطمأنوا وسنه إِذْ ذَاك دون الْعشْرين وَركب فِي شعار السلطنة وَحمل الأتابك أينال العلاتي أَمِير كَبِير الْقبَّة وَالطير على رَأسه وَقد تقدم أَن من قواعدهم أَن لَا يحملهَا إِلَّا من يَلِي السلطنة بعد الْمُتَوَلِي المحمولة لَهُ وَجلسَ على تخت السلطنة فِي قلعة الْجَبَل وباشر الْأُمُور إِلَى أَن توفّي وَالِده بعد ولَايَته بِاثْنَيْ عشر يَوْمًا فَوَقَعت فتْنَة بَين الْأُمَرَاء فَخلع عُثْمَان بن جقمق فقاتل بعد الْخلْع قتالاً شَدِيدا ثمَّ حبس فتسحب من الْحَبْس فظفر بِهِ وَقبض عَلَيْهِ وَأرْسل إِلَى سجن الْإسْكَنْدَريَّة فسجن إِلَى سنة أَربع وَسِتِّينَ فَأَطْلقهُ السُّلْطَان خشقدم وَأمر بإكرامه وَهُوَ بالإسكندرية وَكَانَت مدَّته نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا (ثمَّ تولى الْملك الْأَشْرَف سيف الدّين أَبُو النَّصْر أينال العلائي) يَوْم خلع عُثْمَان صَبِيحَة يَوْم الْإِثْنَيْنِ لثمان مضين من ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وأينال مَمْلُوك لبرقوق اشْتَرَاهُ ثمَّ أعْتقهُ ابْنه فرج ثمَّ رقاه جقمق إِلَى أَن جعله أتابكاً وَاسْتمرّ إِلَى أَن تسلطن وطالت أَيَّامه نَحْو ثَمَان سِنِين وشهرين وَكَانَ طَويلا خَفِيف اللِّحْيَة بِحَيْثُ اشْتهر بأينال الأجرود وَكَانَ قَلِيل الظُّلم قَلِيل سفك الدِّمَاء متجاوزاً عَن التَّقْصِير وَفِي أَيَّامه ولى الْأَمِير جَان بك مشدا على جدة وَهُوَ الَّذِي التمس مِنْهُ الشريف بَرَكَات أَن يلْتَمس من السُّلْطَان إِقَامَة وَلَده مُحَمَّد بن بَرَكَات مقَامه فِي شرافة مَكَّة كَمَا سَيَأْتِي فِي ذكر بَرَكَات بن حسن بن عجلَان فِي الخاتمة إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهُوَ الْبَانِي للبستان أَعنِي جَان بك الَّذِي على يسَار الذَّاهِب إِلَى منى الْمَعْرُوف ببستان جَان بك وحفر فِيهِ عدَّة آبار وغرس مَا قدر عَلَيْهِ من الْأَشْجَار

стр. 1688

حَتَّى شجر التَّمْر هندي قلت وَهُوَ الْآن مَوْجُود وَفِيه المربعة الَّتِي تحتهَا السَّبِيل الْمُعَطل وَفِي الْبُسْتَان شَيْء من الْأَشْجَار وَقَلِيل من الْخضر وَاسْتمرّ أينال سُلْطَانا إِلَى أَن خلع نَفسه من السلطنة لوَلَده الْملك الْمُؤَيد شهَاب الدّين أبي الْفَتْح أَحْمد بن أينال العلائي (ثمَّ تولى ابْنه أَحْمد الْمَذْكُور ابْن أينال ولقب بِالْملكِ الْمُؤَيد) كَمَا مر آنِفا يَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة خلت من جُمَادَى الأولى سنة خمس وَسِتِّينَ وَثَمَانمِائَة وَتُوفِّي وَالِده أينال بعد ولَايَته بِيَوْم وَاحِد فاستمر خَمْسَة أشهر وَخَمْسَة أَيَّام ثمَّ خلع فَإِن الطوائف اتَّفقُوا على خلعه من غير مُوجب بالأتابك خشقدم فخلعوه ثمَّ حبسوه بالإسكندرية إِلَى أَن أطلقته تمربغا فِي أَيَّام سلطنته يَوْم الْأَحَد لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة (ثمَّ تولى أتابكه الْملك الْعَادِل سيف الدّين خشقدم الناصري) وَهُوَ رومي اشْتَرَاهُ الْملك الْمُؤَيد وَأعْتقهُ وَصَارَ خاصكياً عِنْده ثمَّ تنقلت بِهِ الدولة إِلَى أَن جعله أينال أتابكاً لوَلَده فخلعه بعد خَمْسَة أشهر وتسلطن مَكَانَهُ وَكَانَ خشقدم محباً للخير وكسا الْكَعْبَة فِي أول ولَايَته على الْعَادة وَكَانَ حسن السِّيرَة إِلَّا أَنه كَانَ فِيهِ شح وطمع ويرضى بإفساد مماليكه فِي أُمُور الْمُسلمين فَلذَلِك تمنى النَّاس زَوَاله حَتَّى الْيَهُود وَالنَّصَارَى ثمَّ مرض وَطَالَ مَرضه وَتُوفِّي يَوْم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَمُدَّة ملكه سِتّ سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَأَيَّام

стр. 1689

(ثمَّ تولى بعده فِي ذَلِك الْيَوْم أتابكه بلباي الْمُؤَيد) تلقب بِالْملكِ الظَّاهِر أبي النَّصْر وخلع على الْأَمِير تمريغا الظَّاهِرِيّ الأتابكية عوضا عَن نَفسه وَكَانَ بلباي ضَعِيفا عَن تَدْبِير الْملك وتنفيذ الْأُمُور فخلعه الْأُمَرَاء من السلطنة يَوْم السبت لسبع مضين من جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَكَانَت مُدَّة سلطنته شَهْرَيْن إِلَّا أَرْبَعَة أَيَّام (ثمَّ تولى مَكَانَهُ الْملك الظَّاهِر أَبُو سعيد تمريغا الظَّاهِرِيّ) وَيُقَال إِنَّه رومي الأَصْل من مماليك الظَّاهِر جقمق أعْتقهُ ورباه صَغِيرا ورقاه إِلَى أَن جعله خاصكياً ثمَّ سلحداراً ثمَّ خازنداراً ثمَّ إِلَى أَن صَار أتابكاً للعساكر ثمَّ تسلطن وَكَانَ لَهُ فضل وتودد إِلَى النَّاس وحذق بِبَعْض الصَّنَائِع بِحَيْثُ كَانَ يعْمل القبي الفائقة بِيَدِهِ وَيعْمل السِّهَام عملا فائقاً وَيَرْمِي بهَا أحسن رمي مَعَ الفروسية التَّامَّة وَمَا زَالَ بِهِ الْأَمر حَتَّى خلعوه ونفوه إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَكَانَت مُدَّة ولَايَته ثَمَانِيَة وَخمسين يَوْمًا ثمَّ إِن السُّلْطَان قايتباي اعتذر إِلَيْهِ من وثوبه عَلَيْهِ وأكرمه وَأحسن مثواه وأرسله إِلَى دمياط على أحسن حَال فَقبل عذره وَلم يَقع لملك من الْإِكْرَام بعد الْخلْع مَا وَقع لَهُ لكَونه جَدِيرًا بذلك (ثمَّ تولى السلطنة أتابك العساكر يَوْمئِذٍ السُّلْطَان الْأَشْرَف قايبتاي) (المحمودي الظَّاهِرِيّ الشركسي) ظهر يَوْم الْإِثْنَيْنِ لست مضين من شهر رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة يَوْم خلع تمربغا وَقيل لَهُ المحمودي لِأَنَّهُ جلبه الخوجا مَحْمُود إِلَى مصر فنسب

стр. 1690

إِلَيْهِ فَاشْتَرَاهُ الْأَشْرَف برسباي وَأعْتقهُ الظَّاهِر جقمق وَإِلَيْهِ انتسب بالظاهري وَكَانَ محباً للخير مُعْتَقدًا فِي الصَّالِحين حكى عَن نَفسه أَنه لما جلبه سَيّده إِلَى مصر للْبيع وَهُوَ إِمَّا مراهق أَو بَالغ كَانَ مَعَه رَفِيقه أحد المماليك والجلب فتحادثا مَعَ الْجمال لَيْلَة من اللَّيَالِي فِي شهر رَمَضَان فَقَالُوا لَعَلَّ هَذِه اللَّيْلَة لَيْلَة الْقدر وَالدُّعَاء فِيهَا مستجاب فَليدع كل وَاحِد منا بِدُعَاء يُحِبهُ قَالَ قايتباي فَقلت أما أَنا فأطلب سلطنة مصر من الله تَعَالَى فَقَالَ رفيقي وَأَنا أطلب أَن أكون أَمِيرا كَبِيرا والتفتنا إِلَى الْجمال فَقُلْنَا لَهُ أَي شَيْء تطلب أَنْت فَقَالَ أَنا أطلب من الله خَاتِمَة الْخَيْر فَصَارَ قايتباي سُلْطَانا وَصَارَ صَاحبه أَمِيرا كَبِيرا فَكُنَّا إِذا اجْتَمَعنَا نقُول فَازَ الْجمال من بَيْننَا وَكَانَ ﵀ ملكا جَلِيلًا وسلطاناً نبيلاً لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْخيرَات والطول الطائل فِي إسداء المبرات بنى فِي الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة عدَّة رُبط ومدارس وجوامع عَظِيمَة الْآثَار باهرة الْأَنْوَار وَله بِمصْر وَالشَّام وغزة وَغير ذَلِك آثَار جميلَة وخيرات جزيلة أَكْثَرهَا بَاقٍ إِلَى الْآن وَجَمِيع عمائره يلوح عَلَيْهَا لوائح النورانية والأنس وَفِي أول ولَايَته أرسل إِلَى شرِيف مَكَّة بالمراسيم وَالْخلْع وَهُوَ الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان وَإِلَى قَاضِي القضاه إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن ظهيرة تقليداً لقَضَاء مَكَّة ومراسيم تَتَضَمَّن الْأَمر بِإِبْطَال جَمِيع المكوسات والمظالم وَأَن ينقر ذَلِك على أسطوانة من أساطين الْحرم الشريف فِي بَاب السَّلَام وَفِي أَوَاخِر سنة أَربع وَسبعين وَثَمَانمِائَة أَو الَّتِي قبلهَا بنى مَسْجِد الْخيف بِنَاء عَظِيما محكماً وَجعل فِي وسط الْمَسْجِد قبَّة عَظِيمَة هِيَ حد مَسْجِد رَسُول الله وبنيت جدرانه المحيطة بِهِ وَبنى أَربع بوائك من جِهَة الْقبْلَة فَصَارَت قبَّة عالية فِيهَا محراب النَّبِي وبلصق الْقبَّة مئذنة غير المئذنة الَّتِي على بَاب الْمَسْجِد وَبنى دَارا بلصق بَاب الْمَسْجِد كَانَت مسكن أَمِير الْحَاج وعَلى بَاب الدَّار سَبِيل على صهريج كَبِير جعل فِي صحن الْمَسْجِد يمتلئ من الْمَطَر وجدد العلمين الموضوعين لحد عَرَفَة والعلمين الموضوعين لحد الْحرم وجدد عين عَرَفَات وابتدأ الْعَمَل فِيهَا من سفح جيل الرَّحْمَة إِلَى وَادي نعْمَان فَوجدَ المَاء بِكَثْرَة فاقتصر على ذَلِك وَلم يصل إِلَى أم الْعين وَكَانَت قد انْقَطَعت مُنْذُ مائَة وَخمسين عَاما فَكَانَ الْحجَّاج

стр. 1691

يقاسون فِي يَوْم عَرَفَة من قلَّة المَاء مَا لَا صَبر عَلَيْهِ ثمَّ أصلح البرك وملأها بِالْمَاءِ ثمَّ أصلح عين خليص وأجراها وَأصْلح بركتها وَبنى قبتها وَكَانَ ذَلِك سنة تسع وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَفِي سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة أَمر السُّلْطَان وَكيله وتاجره الخوجا شمس الدّين مُحَمَّد بن عمر الشهير بِابْن الزَّمن وشاد عمائره الْأَمِير سنقر الجمالي أَن يحصلا لَهُ موضعا مشرفاً على الْحرم الشريف ليبني فِيهِ مدرسة ليدرس فِيهَا على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة ورباطاً يسكنهُ الْفُقَرَاء وَيعْمل لَهُ ربوعاً ومسقفات يحصُل مِنْهَا ريع كَبِير يصرف مِنْهُ على المدرسين وعَلى الْقُرَّاء وَأَن تقْرَأ لَهُ ربعَة فِي كل يَوْم يحضرها الْقُضَاة الْأَرْبَعَة والمتصرفون ويقرر لَهُم وظائف وَيعْمل مكتِّباً للأيتام وَغير ذَلِك من جِهَات الْخَيْر فاستبدل لَهُ رِبَاط السِّدْرَة ورباط المراغي وَكَانَا متصلين وَكَانَ إِلَى جَانب رِبَاط المراغي دَار الشَّرِيفَة شمسية من شرائف بني حسن اشْتَرَاهَا وَهدم ذَلِك جَمِيعه وَجعل فِيهِ اثْنَتَيْنِ وَسبعين خلْوَة ومجمعاً كَبِيرا مشرفاً على الْمَسْجِد الْحَرَام وعَلى الْمَسْعَى وصير الْمجمع الْمَذْكُور مدرسة بناها بالرخام الملون والسقف الْمَذْهَب وَقرر فِيهَا أَرْبَعَة مدرسين على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَأَرْبَعين طَالبا وَأرْسل خزانَة كتب وَقفهَا على طلبة الْعلم وَجعل مقرها الْمدرسَة الْمَذْكُورَة وَجعل الْوَاقِف فِي ذَلِك الْمجمع للقضاة الْأَرْبَعَة حضوراً بعد الْعَصْر مَعَ جمَاعَة من الْفُقَهَاء يقرءُون ثَلَاثِينَ جُزْءا من الْقُرْآن وَجعل لَهَا معلم أَرْبَعِينَ صَبيا من الْأَيْتَام ورتب لكل وَاحِد من الْأَيْتَام وَأهل الخلاوي مَا يكفيهم من الْقَمْح كل سنة وللمدرسين وقراء الربعة وَأهل الخدم مبالغ من الذَّهَب تصرف لَهُم كل سنة وَبنى عدَّة ربوع ودور تغل فِي كل عَام نَحوا من ألفي دِينَار ووقف عَلَيْهِم بِمصْر قرى وضياعاً كَثِيرَة تغل حبوباً كَثِيرَة تحمل كل عَام إِلَى أهالي مَكَّة وَعمل من الْخيرَات الْعَظِيمَة مَا لم يعمله سُلْطَان قبله وَذَلِكَ باقٍ إِلَى الْآن إِلَّا أَن الْأكلَة استولت على تِلْكَ الْأَوْقَاف فضعفت جدا قلت هَذَا فِي زمَان قطب الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَأما الْآن فقد تضاعفت لَا ضعفت إِلَّا أَنَّهَا كَمَا قَالَ ﵀ قد استولت عَلَيْهَا أَكلَة النظار وَقد صَارَت الْمدرسَة سكناً لأمراء الْحَج إِذا وصلوا مَكَّة أَيَّام الْمَوْسِم وَكَانَ الْفَرَاغ من

стр. 1692

بِنَاء هَذِه الْمدرسَة والرباط والبيتين أَحدهمَا من نَاحيَة بَاب السَّلَام وَالثَّانِي من نَاحيَة بَاب الحريريين فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة على يَد مُشَيدِ عمائره الْأَمِير سنقر الجمالي وَفِي هَذِه السّنة وَردت أَحْكَام سلطانية من السُّلْطَان قايتباي إِلَى صَاحب مَكَّة الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان ﵀ تَتَضَمَّن أَنه رأى مناماً وَأَن بعض المعبرين عبر لَهُ ذَلِك الْمَنَام بِغسْل الْبَيْت الشريف من دَاخله وخارجه وَغسل المطاف وَأَنه أمره أَن يفعل ذَلِك فَحَضَرَ مَوْلَانَا الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات ﵀ بِنَفسِهِ وقاضي الْقُضَاة إِبْرَاهِيم ابْن ظهيرة وناس من التّرْك المقيمين بِمَكَّة الْأَمِير قاتي باي اليوسفي والأمير سنقر الجمالي والدوادار الْكَبِير جَان بك نَائِب جدة المعمورة وَبَقِيَّة الْقُضَاة والأعيان وفاتح الْكَعْبَة عمر بن أبي رَاجِح الشيبي والشيبيون والخدام وغسلوا الْكَعْبَة الشَّرِيفَة من ظَاهرهَا وباطنها قدر قامة وغسلوا أَرض الْكَعْبَة وَأَرْض المطاف الشريف وطيبوها بالطيب وَالْعود وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس لثمان بَقينَ من ذِي الْحجَّة الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة وَمن أعظم مَا وَقع فِي أَيَّام السُّلْطَان قايتباي من الْأُمُور المهولة حريق الْمَسْجِد النَّبَوِيّ فِي ثلث اللَّيْل الْأَخير من لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ ثَالِث عشر رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة فعمره ﵀ أحسن عمَارَة وَبنى الْمَقْصُورَة وأدار عَلَيْهَا الشبك الْحَدِيد جَمِيعهَا وَكَانَ تَمام ذَلِك فِي عَام ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة كَمَا رَأَيْته مرسوماً بالقلم الْحَدِيد فِي جِهَة الْبَاب من الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَقد ذكر السَّيِّد السمهودي ذَلِك مفصلا وَغَيره وَعمر السُّلْطَان الْمَذْكُور بِالْمَدِينَةِ مثل مَا عمر بِمَكَّة من الْمدرسَة والرباط وأوقف كتبا على طلبة الْعلم الشريف فَأرْسل مصاحف كَثِيرَة وكتباً لخزانة الْمَسْجِد الشريف عوضا عَمَّا احْتَرَقَ وَلم يحجّ من مُلُوك الشراكسة غير السُّلْطَان قايتباي الْمَذْكُور وَذَلِكَ لتمكنه فِي

стр. 1693

الْملك وَحسن تَدْبيره وَضَبطه للممالك فحج سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة فَأَقَامَ الْأَمِير يشبك الدوادار الْكَبِير نَائِبا عَنهُ بِمصْر وَخرج بعد الْحَاج بِثَلَاثَة أَيَّام وَكَانَ أَمِير الْحَاج الْخَارِج بالمحمل الشريف خشقدم فَخرج السُّلْطَان قَاصِدا لِلْحَجِّ والزيارة ووصلت القصاد إِلَى شرِيف مَكَّة يَوْمئِذٍ جمال الدّين الشريف مُحَمَّد ابْن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان سقى الله رمسه صوب الرَّحْمَة والرضوان فتهيأ هُوَ وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم بن ظهيرة القَاضِي الشَّافِعِي لملاقاة السُّلْطَان فَإِن القصاد أخبروهما أَنهم فارقوه من عقبَة أَيْلَة فَأرْسل الشريف أحد قواده يسْبقهُ إِلَى ملاقاة السُّلْطَان بسماط حلوى فوصل إِلَى الْحَوْرَاء ولاقى السُّلْطَان وَمد لَهُ سماط الْحَلْوَى هُنَالك فوصل عَلَيْهِ وَأظْهر غَايَة اللطف والمجابرة وَأكل وَقسم على أمرائه وَعَسْكَره وَكَانَ سماطاً كَبِيرا جميلاً ويحكى من لطافة السُّلْطَان أَنه تنَاول شَيْئا من الْحَلْوَى وَسَأَلَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مَا اسْم هَذَا عنْدكُمْ فَقَالَ لَهُ الْقَائِد اسْمه كل واشكر فَقَالَ لَهُ سلم على سيدك وَقل لَهُ أكلنَا وشكرنا ثمَّ لما وصل إِلَى يَنْبع عدل إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فَأَقَامَ الشريف مُحَمَّد وَمن مَعَه من الْقُضَاة والأعيان ببدر منتظرين قدوم السُّلْطَان فَلَمَّا وصل الْخَبَر بِعُود السُّلْطَان من الْمَدِينَة ركب الشريف مُحَمَّد وَمن مَعَه لملاقاته فَاجْتمعُوا بِهِ فِي مَسْجِد الصَّفْرَاء وتلاقيا على ظُهُور الْخَيل وتصافحا وَمَشى الشريف عَن يَمِينه وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم عَن يسَاره وَبَاقِي من مَعَهُمَا سلمُوا على السُّلْطَان من بُعْد وَمَشوا أَمَامه وَصَارَ السُّلْطَان يلاطفهما ويسألهما عَن أحوالهما ويشكر مساعيهما ويطمن خواطرهما وينصت لَهما إِذا تكلما وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى أَن وصل السُّلْطَان إِلَى وطاقه فَرَجَعَا عَنهُ إِلَى مخيمهما وصاروا يسايرونه فِي الطَّرِيق ويبدي لَهُم وافر الأنبساط وَكَمَال النشاط وألبسهم خلعاً فاخرة مرَارًا عديدة وتقدموا إِلَى وَادي مر ورتبوا لَهُ سماطاً حافلاً وَلما كَانَ صبح يَوْم الْأَحَد مستهل ذِي الْحجَّة وصل السُّلْطَان إِلَى مخيمه بوادي مر وَوجد السماط ممدوداً فَجَلَسَ هُوَ وَمن مَعَه عَلَيْهِ وَأكل وَأطْعم وخلع على الخدام خلعاً مُتعَدِّدَة جميلَة وَوصل بَقِيَّة الْقُضَاة والخطباء والأعيان فَسَلمُوا على السُّلْطَان فانصرفوا أَمَامه وَركب السُّلْطَان هُوَ وَشَيخ الْإِسْلَام إِبْرَاهِيم بن

стр. 1694

ظهيرة وَولده أَبُو السُّعُود وَأَخُوهُ أَبُو البركات وأمام السُّلْطَان إِبْرَاهِيم بن الكركي الْحَنَفِيّ ودخلوا مَكَّة عصراً من أَعْلَاهَا وَشَيخ الْإِسْلَام هُوَ الَّذِي تقدم لتطويف السُّلْطَان وَصَارَ يلقنه الْأَدْعِيَة إِلَى أَن دخل من بَاب السَّلَام الْأَقْصَى وطلع بفرسه مِنْهُ فجفل بِهِ الْفرس فَسَقَطت عمَامَته وَاسْتمرّ مَكْشُوف الرَّأْس إِلَى أَن تقدم المهتار فشالها من الأَرْض ومسحها فناولها السلطانَ فلبسها وَكَانَ ذَلِك تأديباً لَهُ من الله تَعَالَى حَيْثُ كَانَ يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَن يَنْزِعهَا وَيدخل مَكْشُوف الرَّأْس متواضعاً وَلما وصل إِلَى العتبة الداخلية من بَاب السَّلَام الْأَدْنَى ترجل وَقَرَأَ الريس بَين يَدَيْهِ بِصَوْت جَهورِي ﴿لقد صدق الله رَسُوله الرءيا بِاَلحَق﴾ الْفَتْح ٢٧ الْآيَة ثمَّ رفع يَدَيْهِ يَدْعُو للسُّلْطَان وَأمن من حوله من أهل الْأَصْوَات فَقبل الْحجر وَطَاف والريس يَدْعُو لَهُ من أَعلَى قبَّة زَمْزَم وَالنَّاس محيطون بِالطّوافِ يشاهدونه وَيدعونَ لَهُ إِلَى أَن تمّ طَوَافه وَصلى خلف الْمقَام ثمَّ خرج إِلَى الصَّفَا فَلَمَّا فرغ من سَعْيه عَاد إِلَى الزَّاهِر فَبَاتَ بِهِ فِي مخيمه وَركب فِي الصُّبْح فِي موكبه ولاقاه الشريف وَأَوْلَاده وَالْقَاضِي فَخلع السُّلْطَان على الشريف وَالْقَاضِي وَغَيرهمَا وَمَشوا أَمَامه فِي الموكب الْعَظِيم والأبهة الجليلة وَلم يتَخَلَّف أحد بِمَكَّة حَتَّى النِّسَاء المخدرات وَدخل مَكَّة بِهَذِهِ الصّفة إِلَى أَن وصل مدرسته فترجل لَهُ النَّاس وَسلم عَلَيْهِم وَدخل الْمدرسَة وَمد لَهُ الشريف سماطاً وَاسْتمرّ على ذَلِك تمد لَهُ صبحاً وليلاً الأسمطة الجليلة الجميلة وَمد لَهُ ثَانِي يَوْم القَاضِي إِبْرَاهِيم بن ظهيرة سماطاً بِالْمَدْرَسَةِ وَاسْتمرّ بِالْمَدْرَسَةِ مَا ظهر لأحد إِلَى أَن طلع عَرَفَة وَكَانَت الوقفة بالإثنين فَأَفَاضَ مَعَ النَّاس وَأتم حجه وَقرب أغناماً كَثِيرَة وَكَانَ يُنَاسب أَن ينْحَر شَيْئا من الْإِبِل فَمَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ أحد وَركب مرّة إِلَى درب الْيمن يُشَاهد مَا قدمه لَهُ الشريف مُحَمَّد من الْإِبِل وَالْخَيْل وتشكر من فضل الشريف ثمَّ سَافر ظهر يَوْم السبت لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة بعد أَن طَاف للوداع والريس يَدْعُو لَهُ على قبَّة زَمْزَم وَمَشى الْقَهْقَرِي إِلَى أَن خرج من بَاب الْحَزْوَرَة وَركب مَعَه الشريف وَأَوْلَاده وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم إِلَى الزَّاهِر ثمَّ ودعهم ووادعهم وسافر إِلَى مصر وَعَاد إِلَى مَمْلَكَته وَلم يخْتل شَيْء من ملكه مَعَ

стр. 1695

غيبته عَن تخت مصر نَحْو ثَلَاثَة أشهر وَذَلِكَ لإتقانه أَمر الْملك وتدبيره وَضَبطه وَلَقَد كَانَ وَاسِطَة عقد الشراكسة وأقربهم إِلَى قُلُوب الرّعية وأجملهم حَالا وَأَحْسَنهمْ إحسانا وأفضلهم عقل وأكملهم نبْلًا وَأَكْثَرهم فِي جِهَات الْخَيْر إيثاراً وآثاراً وأكبرهم عمائر وأوقافاً وأدواراً وأطولهم طولا وزماناً وأمكنهم ملكا وَقُوَّة وإمكاناً وَكَانَت أَيَّامه كالطراز الْمَذْهَب ودولته تنجلي كالعروس فِي حلل الْجَوْهَر وَالذَّهَب حَتَّى قدم عَلَيْهِ بريد الْأَجَل وَمَا أغْنى مَا جمعه من الْخَيل والخول وَكَانَت انْتِقَاله إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى يَوْم الْأَحَد لثلاث بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة ٩٠١ إِحْدَى وَتِسْعمِائَة وَكَانَت مُدَّة تصرفه ثَلَاثِينَ سنة إِلَّا ثَلَاثَة أشهر (ثمَّ تولى الْملك النَّاصِر أَبُو السعادات مُحَمَّد بن السُّلْطَان قايتباي) وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الْجُنُون والسفه وَمَا كَانَ لَهُ الْتِفَات إِلَى الْملك وَلَا تَدْبِير السلطنة بل غلب عَلَيْهِ اللَّهْو واللعب والحركات المستبشعة يحْكى عَنهُ أُمُور قبيحة مِنْهَا أَنه كَانَ إِذا سمع بِامْرَأَة حسناء هجم عَلَيْهَا وَقطع دائر فرجهَا ونظمه فِي خيط أعده لنظم فروج النِّسَاء وَمِنْهَا أَن والدته كَانَت من عقلاء النِّسَاء وأجملهن هيأت لَهُ جَارِيَة جميلَة وجمعتها بِهِ فِي بَيت مزين أعدته لَهما فَدخل بهَا وقفل الْبَاب على نَفسه وَعَلَيْهَا وربطها وَشرع يسلخ جلدهَا عَنْهَا كالجلاد وَهِي بِالْحَيَاةِ وَهِي تصرخ فَلَمَّا سمعُوا صراخها أَرَادوا الهجوم عَلَيْهِ فَمَا أمكنهم لِأَنَّهُ قفل الْبَاب من دَاخل وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى أَن سلخها وحشا جلدهَا بالأثواب السندسية وَخرج يظْهر للنَّاس أستاذيته فِي السلخ وَأَن الجلادين يعجزون عَن كَمَاله فِي صَنعته قُبحَ هُوَ وَضعته وَمِنْهَا أَنه مر فِي موكبه بدكان حلواني وَدَار حوله أمراؤه فأقامه من دكانه وَجلسَ كَأَنَّهُ بِبيع الْحَلَاوَة وَأخذ بِيَدِهِ الْمِيزَان فَصَارَ يزن لَهُم حَتَّى جبرت الْحَلَاوَة وَكَانَ يقلي الْجُبْن المقلي بِنَفسِهِ يَبِيعهُ للجند وَيَأْمُرهُمْ بِشِرَائِهِ مِنْهُ وَيَأْخُذ أكياس الذَّهَب إِلَى طرف النّيل فَيَرْمِي دِينَارا فَيَقُول هَذَا قَالَ بق وَيَرْمِي الآخر فَيَقُول

стр. 1696

هَذَا مَا قَالَ بق ثمَّ يحضر الْأُمَرَاء الْكِبَار وَيَأْمُر بذبحهم فِي الدِّيوَان فَصَارَ الشَّخْص مِنْهُم إِذا أضجع للذبح صَوت صَوت الْغنم فيضحك ويطلقه وَكَانَت لَهُ حركات من هَذِه الخرافات مِنْهَا مَا يضْحك وَمِنْهَا مَا يبكي إِلَى أَن سقط من أعين النَّاس والعسكر وسطوا عَلَيْهِ كَمَا سَطَا بالحسام الأبتر وسلخوه من الْملك كَمَا سلخ الضعيفة بالخنجر ومزقوه كل ممزق ولعذاب الْآخِرَة أكبر وسبت قَتله أَنه من غروره خرج متخفيا مُنْفَردا من خدمه وعبيده متباعداً عَن خوله وحشمه فَتوجه يمشي وَحده إِلَى بر الجزيرة فكمن لَهُ عشرَة أنفس من مماليك أَبِيه فِي خيمة على مَمَره فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم خَرجُوا لَهُ من الْخَيْمَة فأمسكوا بلجام فرسه وضربوه بِالسُّيُوفِ إِلَى أَن قطعوه وَجَاءُوا بِهِ مقتولاً إِلَى الْقَاهِرَة ودفنوه فِي تربة أَبِيه سنة ٩٠٤ أَربع وَتِسْعمِائَة وَكَانَت مُدَّة سلطنته ثَلَاث سِنِين (ثمَّ تولى بعده خَاله الْملك الظَّاهِر قانصوه) وَهُوَ خَال هَذَا الْمَقْتُول وَكَانَ أُمِّيا لَا يعرف إِلَّا بِلِسَان الشركس قريب الْعَهْد بِبَلَدِهِ لانه جلب للسطان قايتباي من بِلَاده وَهُوَ كَبِير قد وحظه الشيب وَصَارَ يرقبه بِوَاسِطَة أُخْته زَوْجَة قايتباي خوندام النَّاصِر وَلَده وَهِي الَّتِي أقامته مقَام وَلَدهَا النَّاصِر وبذلت لَهُ الْأَمْوَال والخزائن وأرادت إِقَامَته وإصلاحه وَلنْ يُصلِحَ العطارُ مَا أفسَد الدهرُ فَمَا استكملته الإيالة وَمَا أهلوه للسلطنة وَالْولَايَة فخلعوه من الْملك أَوَاخِر سنهَ ٩٠٥ خمس وَتِسْعمِائَة وَكَانَت مدَّته سنة وَسَبْعَة أشهر (ثمَّ تولى بعده السلطنة أَمِير كَبِير جانبُلاط) وتلقب بِالْملكِ الْأَشْرَف فِي أَوَائِل سنة خمس وَتِسْعمِائَة وَلم يتهن بالسلطنة وَلَا وَافقه أحد عَلَيْهَا وخلع بعد سِتَّة أشهر

стр. 1697

(ثمَّ تولى مَكَانَهُ الْملك الْعَادِل طومان باي) وَمَا اسْتكْمل يَوْمًا وَاحِدًا بل هجم عَلَيْهِ الْعَسْكَر وقتلوه فَمَا أقدم أحد على السلطنة وَكَانَت الْأُمَرَاء متوفرة وَبَعْضهمْ يُشِير إِلَى بعض فِي الْجُلُوس على تخت الْملك فاتفقوا على تَوْلِيَة قانصوه الغوري لأَنهم رَأَوْهُ سهل الْإِزَالَة أَي وَقت أَرَادوا إِزَالَته أزالوه لِأَنَّهُ كَانَ أقلهم مَالا وأضعفهم حَالا وأوهنهم قُوَّة وأشاروا أَن يتَقَدَّم فَأبى فألزموه بذلك فَقَالَ أقبل ذَلِك بِشَرْط أَن لَا تقتلوني فَإِذا أردتم خلعي من السلطنة فَأَخْبرُونِي بِمَا تُرِيدُونَ وَأَنا أوافقكم على ذَلِك وأترك لكم الْملك وأمضي حَيْثُ أُرِيد فعاهدوه على ذَلِك فَقبل (ثمَّ تولى قانصوه الغوري السلطنة) ولقبوه الْملك الْأَشْرَف أَبَا النَّصْر قانصوه الغوري وَذَلِكَ فِي سنة ٩٠٦ سِتّ وَتِسْعمِائَة وَفَرح الْعَسْكَر بولايته لأَنهم سئموا تعدد السلاطين وَسُرْعَة تقضِّي ملكهم بل فَرح الْعَامَّة وأمنوا على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ فِي الْجُمْلَة وَكَانَ قانصوه الغوري كثير الدهاء ذَا رَأْي وفطنة وتيقظ إِلَّا أَنه كَانَ شَدِيد الطمع كثير الظُّلم وَالْفِسْق بَخِيلًا محباً للعمارة فَمن جملَة عِمَارَته الْجَامِع والتربة وَكَانَ فِي نِيَّته أَن يدْفن بهَا ووقف عَلَيْهَا أوقافاً كَثِيرَة وَمَا قدر لَهُ دَفنه بهَا بل ذهب تَحت سنابك الْخَيل وَمَا عرف شخصه ﴿وَماً تدرِي نفس مَاذاً تَكسِبُ غَدا وَماً تدرِي نَفس بأَيِِّ أَرض تَموُت﴾ لُقْمَان ٣٤ وَله آثَار جميلَة فِي طَرِيق الْحَاج فِي عقبَة أَيْلَة ومآثر بِمَكَّة المشرفة وَغَيرهَا وَكَانَ يتنزل مَعَ الْأُمَرَاء من غير تَشْدِيد عَلَيْهِم وَلَا إِظْهَار عَظمَة وَأمر وَنهى وَذَلِكَ فِي ابْتِدَاء أمره إِلَى أَن تمكن من قوته وبأسه حكى الْعَلامَة قطب الدّين عَن شَيْخه أَحْمد بن عبد الْغفار عَن وَالِده وَكَانَ من

стр. 1698

أَرْبَاب الأقلام فِي ديوَان قانصوه قَالَ استشم الغوري مبادئ فتْنَة أَرَادَ الْأُمَرَاء إحداثها وَأَرَادُوا أَن يجعلوها مُقَدّمَة لخلعة من السلطنة فَلَمَّا استشعر ذَلِك مِنْهُم عمل ديواناً وَجمع فِيهِ الْأُمَرَاء والمقدمين وَأمرهمْ بِالْجُلُوسِ وَجلسَ بَينهم كأحدهم وَكَانَت عَادَة الْأُمَرَاء الْوُقُوف بَين يَدي السُّلْطَان وَلَا يَجْلِسُونَ مَعَه إِلَّا فِي السماط فَقَط فَلَمَّا جَلَسُوا وَجلسَ أَنْكَرُوا ذَلِك وَكَانُوا يتعجبون من ذَلِك وكلُّ مصغ إِلَى مَا يَقُول السُّلْطَان فَقَالَ مَا جمعتكم يَا أغوات إِلَّا لأسألكم سؤالا خطر لي وأطلب مِنْكُم جَوَابه على الْوَجْه الَّذِي تَرَوْنَهُ صَوَابا فَقَالُوا نعم فَقَالَ أَسأَلكُم عَن جمَاعَة جَاءُوا إِلَى رجل وأودعوه صرة من الدَّرَاهِم مربوطة مختومة فَقَالَ أَنا أستودع مِنْكُم هَذِه الْوَدِيعَة بِشَرْط أَن تَأْتُونِي وتطلبوا وديعتكم بِلَا نزاع معي وَلَا خُصُومَة فَأَرَادَ وديعتكم إِلَيْكُم فَقَالُوا نعم قبلنَا مِنْكُم هَذَا الشَّرْط وأودعوه ومضوا ثمَّ عَادوا إِلَيْهِ بعد مُدَّة وَقَالُوا نُرِيد الْوَدِيعَة بنزاع شَدِيد ومخاصمة ومضاربة قَوِيَّة فَقَالَ لَهُم هَذِه وديعتكم حَاضِرَة خذوها بِلَا نزاع وَلَا ضراب معي كَمَا شرطت عَلَيْكُم فَقَالُوا لَا بُد من الْمُخَاصمَة والنزاع مَعَك فَأَيهمْ على الْبَاطِل وأيهم على الْحق ففهموا مُرَاده واستعفوا مِنْهُ فَقَالَ لَهُم أَنا مَا جَلَست مَعكُمْ إِلَّا لِتَعْلَمُوا أَنِّي كأحدهم لَا أمتاز عَلَيْكُم بِشَيْء وَهَذِه السلطنة أسلمها لأيكم أرادها وَلَا أنازع عَلَيْهَا فَإِنَّمَا أَنا رجل من الْجند فَقبل كل مِنْهُم يَده وأذعنوا لَهُ بالسلطنة وسألوه استمراره فِيهَا وسكنت الْفِتْنَة بِهَذَا التَّدْبِير وغفلوا عَنهُ مُدَّة وَاشْتَغلُوا عَنهُ بضروريات وطالت مَعَه الْحِيَل إِلَى أَن صَار يَأْخُذ مِنْهُم وَاحِدًا بعد وَاحِد ويتغافل عَنْهُم ثمَّ يحصل حِيلَة أُخْرَى وَعلة أُخْرَى لأَحَدهم فَيَأْخذهُ بهَا ويوقع بَين الِاثْنَيْنِ وَيَأْخُذ هَذَا بِذَاكَ وَذَاكَ بذا ويدس لَهُم الدسائس من الطَّعَام والسم وَنَحْوه حَتَّى أفنى قرانصتهم ودهاتهم إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم وَاتخذ مماليك جدداً واستجلب جلباً وَأعد عددا وصاروا يظْلمُونَ النَّاس ويعاملون الْخلق عسفاً وغشماً وَهُوَ يغضي عَنْهُم ويتغافل فأظهروا الْفساد وأهلكوا الْعباد وَأَكْثرُوا العناد وطغوا فِي الْبِلَاد وَصَارَ يصادر النَّاس وَيَأْخُذ أَمْوَالهم بالقهر والبأس وَكَثُرت العوانية فِي أَيَّامه لِكَثْرَة مَا يصغي إِلَيْهِم وصاروا إِذا شاهدوا أحدا توسع

стр. 1699

فِي دُنْيَاهُ وَأظْهر التجمل فِي ملبسه ومثواه وشوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان فَيُرْسل إِلَيْهِ يطْلب الْقَرْض ويصفي أَمْوَاله ويسلمه إِلَى الصوباشي ليَأْخُذ مَاله وَيهْلك أهلة وَعِيَاله وَجمع هَذَا الْبَاب أَمْوَالًا عَظِيمَة وخزائن وَاسِعَة ذهب فِي آخر الْأَمر سدى وَتَفَرَّقَتْ بيد العدى وتمزقت بدداً وَأما الْمِيرَاث فَبَطل فِي أَيَّامه وَصَارَ إِذا مَاتَ أحد يَأْخُذ مَاله جَمِيعه للسلطنة وَيتْرك أَوْلَاده فُقَرَاء إِلَّا إِن اعتني بِهِ اعتناء كَبِيرا جعل لَهُ نزراً يَسِيرا من مَاله أَبِيه وَأخذ لنَفسِهِ بَاقِيه وَكثر ظلمه فِي آخر أَيَّامه فَاسْتَجَاب الله فِيهِ دُعَاء المظلومين وقُطع دابر الْقَوْم الَّذين ظلمُوا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَحكي عَن شخص من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى مجاب الدعْوَة أَنه رأى بِمصْر فِي أَيَّام الغوري جندياً من الشراكسة أَخذ مَتَاعا من دلال وَلم يُرضِه فِي قِيمَته فَتَبِعَهُ الدَّلال يطْلب مِنْهُ حَقه وَهُوَ مُمْتَنع فَقَالَ لَهُ الدَّلال بيني وَبَيْنك شرع الله فَضَربهُ الجندي بالدبوس فشج رَأسه وَقَالَ هَذَا شرع الله فَسقط الدَّلال مغشيّاً عَلَيْهِ وَمضى الجندي بالمتاع وَمَا قدر أحد من الْمُسلمين على مَنعه من فعله قَالَ الشَّخْص فصعب عَليّ هَذَا الْحَال فَرفعت يَدي إِلَى الله تَعَالَى ودعوت الله على الجندي الْمَزْبُور وسلطانه وَحزبه وإخوانه وعَلى الظلمَة من أعوانه فصادف سَاعَة إِجَابَة وَقبُول واقترن السُّؤَال بِحُصُول الْمَسْئُول فَبت تِلْكَ اللَّيْلَة على طَهَارَة وَأَنا أفكر فِي أَمرهم وأحدث نَفسِي كَيفَ يَزُول ملك هَذَا السُّلْطَان الجائر وَقد مَلَأت جُنُوده الأَرْض وأنى للْمُسلمين بسُلْطَان رءوف رَحِيم عَادل كريم فَنمت فَرَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم مَلَائِكَة من السَّمَاء بِأَيْدِيهِم مكانس يكنسون الشراكسة من أَرض مصر ويلقونهم فِي بَحر النّيل فَلم يكن إِلَّا كلمح الْبَصَر أَو هُوَ أقرب حَتَّى وَقع ذَلِك ثمَّ إِنِّي استيقظت من نومي وَسمعت قَارِئًا يقْرَأ قَوْله تَعَالَى ﴿فانتقمنا مِنْهُم فأغرقنهم فِي أَلِيم بِأَنَّهُم كذبُوا بئايتنا وَكَانُوا عَنْهَا غفلين﴾ الْأَعْرَاف ١٣٦ فَعلمت أَن الله سَوف يَأْخُذهُمْ أخذا وبيلا فَمَا مضى على هَذِه الْوَقْعَة قَلِيل من الزَّمَان إِلَّا وبرز الغوري بجُنُوده وأمواله وبنوده وأثقاله وخزائنه وأنصاره وأعوانه من مصر لقِتَال السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان إِلَى حلب فجَاء الْخَبَر بعد قَلِيل بِأَنَّهُ كسر وَقتل أَكثر جُنُوده وفقد هُوَ تخت سنابك الْخَيل

стр. 1700

فِي مرج دابق وَكَانَ قَتله بَين الظّهْر وَالْعصر يَوْم الْأَحَد خَامِس عشر رَجَب سنة ٩٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَقيل إِنَّه فقد من الْحَرْب وَأَنه عَاشَ مُدَّة بِبِلَاد الْمغرب وَقيل بل عَاشَ بِمصْر مُدَّة طَوِيلَة قَالَ شَيخنَا وَعلم بِمَا قَدمته من أَن شخصا مَاتَ بِالْقربِ من زمن الْوَقْعَة بِبَعْض مدارس مصر فَوجدَ فِي عُنُقه كيس فِيهِ ختم باسم الغوري فَقيل إِنَّه هُوَ وَكَانَت مُدَّة الغوري خمس عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر وَخَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا وللأشرف قانصوه الغوري مآثر جميلَة وعمائر حَسَنَة جليلة فمما عمره بِمَكَّة المشرفة بَاب إِبْرَاهِيم بِعقد كَبِير جعل علوه قصراً وَجعل فِي جَانِبه مسكنين لطيفين وبيوتاً ممتدة حول بَاب إِبْرَاهِيم ووفق الْجَمِيع على جِهَات خير وَلَا يَصح وقف ذَلِك لِأَنَّهُ فِي الْمَسْجِد وَكَذَلِكَ السكنان لِأَن اكثرهما فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَا أمكن الْعلمَاء أَن ينكروا عَلَيْهِ ذَلِك فِي أَيَّام سلطنته لعدم إصغائه إِلَى كَلَام أهل الشَّرْع وَبنى أَيْضا ميضأة خَارج بَاب إِبْرَاهِيم على يَمِين الْخَارِج وَقد أبطلت لِأَن روائحها تصل إِلَى الْمَسْجِد فَيَتَأَذَّى المصلون فأبطلت وأغلق بَابهَا قَرِيبا فِي سنة ٩٨٠ تِسْعمائَة وَثَمَانِينَ بِأَمْر شرِيف سلطاني قلت هِيَ الْآن مَفْتُوحَة ينْتَفع بهَا الْمُسلمُونَ عامرة وَمن أَثَره التَّرْخِيم الْوَاقِع فِي الْحجر الشريف عمل بأَمْره فِي أَيَّامه واسْمه مَكْتُوب فِيهِ وَفرغ من عِمَارَته سنة ٩١٧ سبع عشرَة وَتِسْعمِائَة وَبنى بركَة بدر وعدة خانات وآبار فِي طَرِيق الْحَاج الْمصْرِيّ وَبنى خَانا فِي عقبَة أَيْلَة والأزلم ومدرسة أَنْشَأَهَا علو سقف الجملون بِالْقَاهِرَةِ وَأَنْشَأَ مجْرى المَاء من مصر العتيقة إِلَى قلعة الْجَبَل وَمن آثاره بِنَاء سور جدة وَكَانَت العربان تهجم فِي أَيَّام الْفِتَن وتنهبها ونهبت مرَارًا أَيَّام الوقائع بَين الشريف بَرَكَات وأخيه هزاع وَبعد هزاع جازان فَأرْسل الغوري أحد أمرائه المقدمين وَهُوَ الْأَمِير حُسَيْن الْكرْدِي وجهز مَعَه عسكراً من التّرْك والمغاربة واللوند فِي خمسين غراباً لدفع ضَرَر الفرنج فِي بَحر الْهِنْد فَلَمَّا وصل إِلَى جدة بنى سورها وَهدم كثيرا من بيوتها وَأخذ حجارتها وَبنى بهَا السُّور فِي شدَّة وبأس واستخدم عَامَّة النَّاس فِي حمل الْحجر واللبِن حَتَّى التُّجَّار المعتبرين

стр. 1701

وَسَائِر المنتسبين وضيق على النَّاس بِحَيْثُ يحْكى أَن أحدهم تَأَخّر قَلِيلا عَن الْمَجِيء فَلَمَّا جَاءَ أَمر أَن يبْنى عَلَيْهِ فَبنِي وَاسْتمرّ قَبره جَوف الْبناء إِلَى يَوْم الْجَزَاء إِلَى غير ذَلِك من الظُّلم الشَّديد والجور العتيد وَبنى السُّور جَمِيعه فِي أقل من سنة وَكَانَ ظلوماً غشوماً أكولاً يَسْتَوْفِي الخروف مَعَ عدَّة أرغفة ونفائس لَهُ معدة وَاسْتمرّ حَاكما ب جدة إِلَى أَن تقوى بِالْمَالِ وتأثل وَجمع جُنُودا من كل صنف ثمَّ توجه إِلَى الْهِنْد سنة إِحْدَى وَعشْرين وَتِسْعمِائَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة وَقد انْقَضتْ دولة الشراكسة بِمصْر وملكها السُّلْطَان سليم خَان فورد حكم سلطاني إِلَى شرِيف مَكَّة بَرَكَات بن مُحَمَّد بن حسن بن عجلَان بقتل الْأَمِير حُسَيْن الْكرْدِي الْمَذْكُور وَكَانَ الشريف بَرَكَات هُوَ الْمُسْتَخْرج لذَلِك الحكم لعداوة سَابِقَة بَينه وَبَين حُسَيْن الْمَذْكُور فَأخذ مُقَيّدا إِلَى جدة وربط فِي رجله حجر كَبِير وغرق فِي بَحر جدة فِي مَوضِع يُقَال لَهُ أم السّمك فأكلته الأسماك بعد أَن كَانَ يعد من الْأَمْلَاك وَلما قتل الغوري وانكسرت عساكره هرب بَقِيَّة الشراكسة من السيوف إِلَى مصر وصيروا الدوادار الْكَبِير طومان باي سُلْطَانا فَتَوَلّى وَالسُّلْطَان سليم فِي إثرهم هم فِي الْهَرَب وَهُوَ من ورائهم للطلب فَأرْسل إِلَيْهِ السُّلْطَان سليم بعد أَن ملك حلب وَالشَّام وَمَا بَينهمَا من الْبِلَاد بقاصد وَكتب مَعَه كتبا يستميل بهَا خاطره ويستجلب بهَا قلبه ويعده بِكُل جميل إِن دخل فِي الطَّاعَة وكف الْقِتَال بَين الْمُسلمين فَلم يلْتَفت لشَيْء من ذَلِك بل قتل القاصد وَعين مَن يهجم فِي الْعَسْكَر والأمراء وسير من المماليك الْخَاصَّة أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة وَجمع من مَشَايِخ العربان مَا كمل بِهِ سَبْعَة آلَاف خيال وَسَارُوا جَمِيعًا إِلَى الْعَريش ثمَّ إِن السُّلْطَان سليم خَان أرسل إِلَى الْوَزير الْأَعْظَم سِنَان باشا بأَرْبعَة آلَاف خيال ليلحق من قدَّمه من الْعَسْكَر وهم أَلفَانِ عَلَيْهِم الْأَمِير مُحَمَّد بير بن عِيسَى وَقصد بتقدمتهم تمهيد الطَّرِيق فَلَمَّا خشِي عَلَيْهِم أتبعهم بالوزير الْمَذْكُور فأدركهم ب غَزَّة فَلَمَّا بلغ الشراكسة ذَلِك توقفوا عَن الْحَرْب لكِنهمْ سعوا فِي جمع النَّاس من الْقرى والنواحي فأقاموا فِي الْعَريش ثَلَاثَة أَيَّام فَجمع سِنَان باشا من مَعَه من الْأُمَرَاء والأعيان واستشارهم فِي الْمُقَاتلَة أَو الِانْتِظَار حَتَّى يرد السُّلْطَان فَأَجْمعُوا

стр. 1702

على الْمُقَاتلَة خشيَة من الهجوم فَفِي لَيْلَة السبت سَابِع عشري ذِي الْقعدَة الْحَرَام ركب سِنَان وَخرج من غَزَّة وَأظْهر أَنه رَاجع لجِهَة الرملة فَسَار طول ليلته وَأصْبح بِالْقربِ من خَان يُوسُف وَكَانَ بِالْقربِ مِنْهُ عَسْكَر الشراكسة فَلَمَّا رأى جانبرد الْغَزالِيّ وَكَانَ رَئِيس من تقدم من الشراكسة الْعَسْكَر العثماني هيأ عسكره وَعين الميمنة والميسرة وَكَذَلِكَ سِنَان باشا جعل على ميمنته فرهاد بِمن مَعَه وعَلى ميسرته مُحَمَّد بن عِيسَى فَلَمَّا رأى الْغَزالِيّ ذَلِك عين بعض جمَاعَة من عسكره مَعَ المشاة وَأمرهمْ أَن يقرُّوا على ساقة الْعَسْكَر أَولا فَلَمَّا رأى سِنَان باشا ذَلِك أخرج من عسكره مِقْدَار ألف خيال وماش ترمي البندق وَأمرهمْ أَن يَكُونُوا خلف الْعَسْكَر وَحَوله فَلَمَّا رأى الشراكسة ذَلِك تَرَبَّصُوا وسايروا الْعَسْكَر قَلِيلا قَلِيلا ينتهزون الفرصة فَلَمَّا نزل سِنَان بِمحل الْمنزل هجم الْغَزالِيّ وَكَانَ سِنَان أَمر الينيشرية وغالب الْعَسْكَر أَن لَا يخرجُوا سِلَاحهمْ وَأَن يَكُونُوا حول ثقلهم فَلَمَّا هجم الْغَزالِيّ قابله طَائِفَة الينيشرية برمي البندق ثمَّ ركب سِنَان وتلاحق الْعَسْكَر والتحم الْقِتَال إِلَى وَقت الْغُرُوب فَانْهَزَمَ الْغَزالِيّ وَقتل غَالب الْأُمَرَاء الَّذين مَعَه وَأرْسلت رُءُوسهم مَعَ من قبض عَلَيْهِ أَيْضا إِلَى السُّلْطَان سليم فسر بذلك وَذهب الْغَزالِيّ إِلَى مصر وَسَار السُّلْطَان سليم حَتَّى نزل ببركة الْحَج وتهيأ مِنْهَا لفتح قلعة مصر وَأخذ الْبِلَاد فاتفقت الشراكسة المقيمون بهَا وَغَيرهم من الْعَرَب على إِعَانَة طومان باي فبلغت عدتهمْ عشْرين ألفا فَجمع طومان باي المدافع الْكَثِيرَة وأخرجها للريدانية وقررها فِي الأَرْض وَأرْسل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَطلب من يضْرب بالمدافع فَاجْتمع عِنْده خلق كثير فَنزل بمخيمه فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك وَكَانَ قد صف عسكره ميمنة وميسرة ترك اسْتِقْبَال طومان باي وسلك طَرِيقا أُخْرَى من خلف جبل المقطم من وَرَاء عَسْكَر الشراكسة واستمرت مدافع الشراكسة مركوزة لمن يَأْتِي من أَمَام الريدانية بِلَا نفع وَلَا دفع وبادرهم برمي المدافع والبنادق واستقبلته خُيُول الْجند وفرسانها والتحم الْحَرْب وحمي الْوَطِيس حَتَّى أظلمت الدُّنْيَا وَلم تزل الشراكسة تهجم مَعَ تِلْكَ الظُّلُمَات على العساكر العثمانية الْمرة بعد الْمرة وتكر وتفر وَالْقَتْل فيهم وهم لَا يصدهم شَيْء حَتَّى قتل مِنْهُم جَانب عَظِيم من أعيانهم وَقتل من العساكر العثمانية أقل من ذَلِك

стр. 1703

فَانْكَسَرت الشراكسة وَلم يزل عَسْكَر السُّلْطَان خَلفهم إِلَى أَن أدخلوهم بُيُوتهم فنهبت بُيُوتهم وَأَمْوَالهمْ وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشر ذِي الْحجَّة الْحَرَام سلخ سنة ٩٢٢ اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَفِي صبح يَوْم الْجُمُعَة غرَّة محرم الْحَرَام افْتِتَاح سنة ٩٢٣ ثَلَاث وَعشْرين وَتِسْعمِائَة أَمر السُّلْطَان فِي الْمَسْجِد والجوامع بِالْخطْبَةِ باسمه الشريف وَضرب السِّكَّة كَذَلِك باسمه وَأقَام بالعادلية ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ ارتحل وَدخل الْبِلَاد وتعدى إِلَى الجيزة وَنزل بعسكره فِيهَا فَجمع طومان باي من بَقِي من الشراكسة نَحْو سَبْعَة آلَاف وهجم على الْبِلَاد لَيْلًا وَاتفقَ مَعَه بعض الْعَرَب وَتَبعهُ خلق من أهل مصر وَقتلُوا جَمِيع من وجد فِي الْبَلَد من الْعَسْكَر العثماني وَقصد الهجوم لَيْلًا على السُّلْطَان فِي الجيزة وهيأ مراكب الْبَحْر للذهاب فَلَمَّا بلغ ذَلِك السُّلْطَان سليم خَان عين جمَاعَة على المعابر وَأمر العساكر بالتقيد وَعدم الْغَفْلَة فَلم يقدر طومان باي على الهجوم لَيْلًا وَبعث جمَاعَة وَأمرهمْ بالهجوم على مصر وكل من وجدوه من آدَمِيّ أَو بَهِيمَة قَتَلُوهُ أَو مَحل قَابل للحرق أحرقوه وأغاروا على النَّاس والمصريون يقاتلونهم من الْأَمَاكِن الحصينة بِالسِّهَامِ وَالْحِجَارَة وَاسْتمرّ الْحَرْب على هَذَا الأسلواب ثَلَاثَة أَيَّام فوصل السُّلْطَان بِنَفسِهِ وَسَار على الْبِلَاد وَرمى المدافع على جَمِيع من لاقاه وَاشْتَدَّ الْحَرْب فِي الرميلة وَهلك خلق كثير من الْجِهَتَيْنِ ثمَّ هرب طومان باي إِلَى جَامع الشيخونية وَحَارب هُنَاكَ ضجت الرعايا بِطَلَب الْأمان وَكثر الصياح مِنْهُم فَأَمنَهُمْ السُّلْطَان وَأمر بتتبع الشراكسة خَاصَّة فَلم يجد طومان باي بدّاً من الهروب فَخرج فِي نَحْو عشرَة أنفس هَارِبا لجِهَة الصَّعِيد وَقتل ذَلِك الْيَوْم مَا ينيف على أَرْبَعَة آلَاف نفس حَتَّى سَالَتْ الدِّمَاء وتكدر بَحر النّيل وتعفن الْهَوَاء لذَلِك فرميت أجسامهم فِي الْبَحْر وجمعت رُءُوسهم أكواماً بعد أكوام فَعَاد السُّلْطَان لمخيمه بالجيزة وَبنى لَهُ كوشكاً عَالِيا يسكنهُ مُدَّة مقَامه بِمصْر هرباً من العفونة وَنقل إِلَيْهِ من قبض عَلَيْهِ من أَعْيَان أُمَرَاء الشراكسة فَأمر بِضَرْب أَعْنَاقهم على ضوء المشاعل وَقتل سِنَان باشا ذَلِك الْيَوْم فأسف عَلَيْهِ السُّلْطَان سليم وَقَالَ أَي فَائِدَة فِي مصر بِلَا يُوسُف لِأَن سِنَان لقبه يُوسُف وَفِي صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم دون ديواناً رتب فِيهِ للعساكر العطايا وَعين أَرْبَاب

стр. 1704

المناصب فَأرْسل إِلَيْهِ الْغَزالِيّ وَكَانَ قد هرب فِي الْوَقْعَة الأولى من الريدانية إِلَى جِهَة الصالحية فَطلب الْأمان فَلَمَّا علم السُّلْطَان أَنه لم يحضر الْوَقْعَة الَّتِي دَاخل الْبَلَد عَفا عَنهُ وَطَلَبه فجَاء نَائِبا مُسْتَغْفِرًا فأنعم عَلَيْهِ ببلدة سجاع ثمَّ أَقَامَ السُّلْطَان فِي مَحَله إِلَى ثَالِث عشري محرم وارتحل وَصعد إِلَى القلعة ثمَّ إِن طومان باي أرسل بِطَلَب الْأمان وَالْعَفو عَمَّا مضى فَقبل السُّلْطَان مِنْهُ ذَلِك واستمال خاطره وَأرْسل بجوابه وإجابته كيخية عَسْكَر أنادول مصطفى شلبي والقضاة الْأَرْبَعَة قُضَاة مصر وَكتب إِلَيْهِ بالعهد والأمان مَعَهم فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ مَنعه بعض المفسدين من الشراكسة وحرضوه على الْعِصْيَان فَقتل مصطفى شلبي الْمَذْكُور والقضاة الْأَرْبَعَة وَأظْهر عدم الانقياد وَاجْتمعَ عِنْده بَقِيَّة الشراكسة وَطَائِفَة من العربان وَقصد الْعود إِلَى مصر وتعدى على المراكب وَوصل قريب مصر حَتَّى نزل ببركة الْحَبَش فعين السُّلْطَان بعض الْأُمَرَاء والعساكر لحربه فتوجهوا لقتاله وَخرج السُّلْطَان أَيْضا بِنَفسِهِ فَنزل بِالْقربِ من النّيل فارتحل طومان باي من مَحَله وهرب فَتَبِعَهُ الْعَسْكَر منَازِل فَعلم الْأُمَرَاء أَنه لَا رَاحَة لَهُم مَا دَامَ مَوْجُودا فتركوا أثقالهم وَسعوا فِي طلبه فادركوه بَين الْإسْكَنْدَريَّة ورشيد فَحصل حَرْب عَظِيم وَقبض على جمَاعَة مِمَّن مَعَه وهرب هُوَ وَتوجه فِي طلبه بعض الْأُمَرَاء فأدركه فِي بحيرة وأحاط بِهِ وَقتل جَمِيع من مَعَه فَألْقى طومان باي نَفسه فِي الْبَحْر فَلَمَّا أشرف على الْغَرق طلب الْأمان فرموا لَهُ جبلا وَتمسك بِهِ فجروه إِلَى الْبر ومسكوه وقيدوه وَجَاءُوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان وَيُقَال إِنَّه هرب واستجار بشيخ عرب بني جذام عبد الدَّائِم ابْن مقرّ وَأَنه هرب إِلَى خياط السُّلْطَان سليم وَسلم إِلَيْهِ السُّلْطَان طوما باي ذكر هَذَا الْعَلامَة قطب الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فقصد السُّلْطَان الْعَفو عَنهُ لما رَآهُ ثمَّ تذكر جرائمه وَنقض الْعَهْد وَقتل الْقُضَاة الْأَرْبَعَة والكيخية وَعلم أَن الْفِتْنَة لَا تنام مَا دَامَ مَوْجُودا فَأمر بشنقه فشنق على بَاب زويلة فتم أَمر السُّلْطَان سليم خَان على مصر وَقد مهد القوانين وَالْقَوَاعِد وَنصب الْقُضَاة الْأَرْبَعَة على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَولى ملك الْأُمَرَاء الْأَمِير خير بك على مصر المحروسة وَولى جَان بردي الْغَزالِيّ على الشَّام وَكَانَ وعدهما بذلك وهما من خَواص أُمَرَاء الغوري وَكَانَا يكرهانه فِي الْبَاطِن ويكرههما كَذَلِك فَأرْسل لَهما السُّلْطَان الْأمان وعهد لَهما أَن يوليهما مصر

стр. 1705

وَالشَّام فوافقاه على ذَلِك فَلَمَّا تلاقى العسكران فرا بالميمنة والميسرة فَبَقيَ الغوري وخواص من مَعَه فِي الْقلب فغار الغوري تَحت سنابك الْخَيل ومحي كَمَا يمحى النَّهَار بِاللَّيْلِ كَمَا تقدم ذكر ذَلِك عِنْد ذكر حَرْب الغوري ومهد السُّلْطَان سليم الْأُمُور على مَا يَنْبَغِي وَسَار إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَعَاد إِلَى مصر ثمَّ توجه من مصر إِلَى تخت الْملك الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَقد تمهدت لَهُ الْبِلَاد وَعم حكمه الْعباد وَدخل أَمر الْحَرَمَيْنِ الشريفين تَحت حكمه وخطب لَهُ فيهمَا بأَمْره ورسمه وَفِي سَائِر هَذِه الأقطار واسْمه وَانْقَضَت دولة الشراكسة عَن آخرهَا وَللَّه الْبَقَاء سُبْحَانَهُ

стр. 1706

(الْبَاب السَّابِع) (فِي ذكر مُلُوك آل عُثْمَان) خلد الله سلطنتهم الْقَائِمَة إِلَى آخر الزَّمَان أصلحُ الدول بعد الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ دولتُهم وَذَلِكَ لانقيادهم للشَّرْع وتمكنهم من رُتْبَة الْعِبَادَة كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم وَالْحج وَالْجهَاد وملازمة الْجَمَاعَة وَاتِّبَاع السّنة وَحسن العقيدة والشفقة على الْأمة وكشف كل كربَة وغمة وَقل أَن يُوجد جَمِيع ذَلِك فِي دولة من الدول السَّابِقَة فأصلهم ومبدأ ظُهُورهمْ وَسبب ملكهم أَن آل سلجوق لما تركُوا وطنهم من فتْنَة جنكز خَان ملك التتار وعزموا إِلَى جَانب بِلَاد الرّوم جَاءَ مَعَهم من طَائِفَة أغوز رجل اسْمَع أرطعزل يتَّصل نسبه بياقث بن نوح ﵊ وَكَانَ بِصُحْبَتِهِ نَحْو ثَلَاثمِائَة وَأَرْبَعين رجلا وَكَانَ شجاعاً ثمَّ تشمر فِي خدمَة السُّلْطَان عَلَاء الدّين كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن طغرل السلجوقي وَكَانَ يُحِبهُ السُّلْطَان عَلَاء الدّين لكَونه شجاعاً وَفتحت على يَدَيْهِ بِلَاد كَثِيرَة من بِلَاد الْكفَّار

стр. 1707

وَلما كَانَت سنة ٦٩٧ سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة توفّي الْغَازِي أرطغرل فَكتب السُّلْطَان عَلَاء الدّين لعُثْمَان بن أرطغرل بموافقة السلطنة وَأرْسل إِلَيْهِ خلعة وسيفاً ونقارة وَخَصه بالغزو على الْكفَّار فَسَار عُثْمَان بن أرطغرل فَفتح اينه كولي ويني شهر وكوبري حِصَار وبلجك وَغير ذَلِك ثمَّ لما توفّي السُّلْطَان عَلَاء الدّين سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة اجْتمع أَكثر الْغُزَاة عِنْد عُثْمَان بن أرطغرل فتسلطن عُثْمَان الْغَازِي وَجلسَ على تخت السلطنة فِي السّنة الْمَذْكُورَة واشتغل بِالْجِهَادِ وافتتاح الْبِلَاد وَكَانَ مولده سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة دأب فِي خدمَة وَالِده فِي الْجِهَاد وتمرس بالغزو فِي سَبِيل الله وَاسْتمرّ بعد وَالِده مَعَ الْكفَّار فِي الجلاد فَرَأى السُّلْطَان عَلَاء الدّين السلجوقي جده وجهده فِي الْجِهَاد وَعلم قابليته ونجابته فِي فتح أَطْرَاف الْبِلَاد فَأكْرمه وَأمره وأمده بأنواع الْإِعَانَة والإمداد وَأرْسل الرَّايَة السُّلْطَانِيَّة والطبل وَالزمر إِلَيْهِ وَعمِلُوا نوبَة بَين يَدَيْهِ فَعِنْدَ أول سَمَاعه صَوت الطبل وَالزمر قَامَ على قَدَمَيْهِ تَعْظِيمًا لذَلِك فَصَارَ ذَلِك قانوناً لآل عُثْمَان بَاقِيا مستمراً إِلَى الْآن فَإِنَّهُم يقومُونَ على أَقْدَامهم عِنْد ضرب النّوبَة على أَبْوَابهم وَكَانَ جُلُوس السُّلْطَان عُثْمَان على تخت السلطنة عَام تسع وَتِسْعين بِتَقْدِيم التَّاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ وسِتمِائَة وافتتح فِيهَا كوبري حِصَار من الْكفَّار وَأمر بِصَلَاة الْجُمُعَة وخطب باسمه فَقِيه حوله من أهل الْعلم اسْمه طورسن ثمَّ افْتتح قلعة قره حِصَار ثمَّ قلعة اينه كولي ثمَّ قلعة يني شهر وافتتح قلعة يار حِصَار وَصَارَت من جملَة مَمْلَكَته فزوج وَلَده أورخان على نيلوفر خَان ابْنه صَاحب يارحصار وَاسْتمرّ فِي الْغُزَاة وَالْجهَاد وَفتح الْبِلَاد وَقتل الْكفَّار أهل العناد إِلَى أَن دَعَاهُ الله إِلَى جنته وأبدله سلطنة خيرا من سلطنته فَأجَاب دَاعِي الْحق لما دَعَاهُ وبادر إِلَى إجَابَته ولبى نداه فَعَاشَ سعيداً وَمَات حميدا إِلَى رَحْمَة الله عَن سِتّ وَسِتِّينَ سنة وَكَانَ للسيف والضيف كثير الْإِطْعَام فاتك الحسام كثير الْبَذْل وَاسع الْعَطاء شجاعاً مقداماً على الْأَعْدَاء مَا خلف نَقْدا وَلَا مَتَاعا إِلَّا درعاً وسيفاً يُقَاتل بهما الْأَعْدَاء الْكفَّار وَبَعض خيل وقطيعاً من الْغنم اتخذها للضيفان وأنسالها بَاقِيَة إِلَى

стр. 1708

الْآن ترعى حول بِلَاد بروسا أبقوها تيمناً وتبركاً وَهُوَ أول من أظهر عَظمَة هَذَا الْملك وسلك سَبِيل الْعدْل فِيهِ حَتَّى قيل فِيهِ ثَالِث العمرين وَكَانَ جميل الصُّورَة حَتَّى قيل ثَالِث القمرين وَكَانَ يحب الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَأَبْنَاء السَّبِيل والأيتام فَيجمع أَنْوَاع الطَّعَام وأصناف الْحَلْوَى فيطبخ لَهُم بعد كل ثَلَاثَة أَيَّام سماطاً عَظِيما يَأْكُل مِنْهُ الْخَاص وَالْعَام مِمَّن ذكر وَغَيرهم وَكَانَ الْمَوْجُود لَهُ عِنْد مَوته فرس وَسيف وَدرع وَنَحْو ذَلِك من اللبَاس والفراش كَذَا قَالَه الْعَلامَة مُحَمَّد شلبي وَالِد أَحْمد شلبي النشانجي قَاضِي محكمَة مَكَّة الشَّرِيفَة سَابِقًا وَهُوَ ابْن أرطغرل بن سُلَيْمَان شاه وَكَانَ لجده سُلَيْمَان أَرْبَعَة أَوْلَاد مِنْهُم اثْنَان توجها إِلَى بِلَاد الْعَجم وهما سنقر ودندار وَتوجه إِلَى بِلَاد الرّوم اثْنَان أرطغرل وَكَون وقدما على السُّلْطَان عَلَاء الدّين السلجوقي وَكَانَ سُلْطَان بِلَاد قرمان فأكرمهما وَأذن لَهما فِي الْإِقَامَة وَصَارَ دأبهم الْجِهَاد فِي سَبِيل الله إِلَى أَن صَار أَمر أرطغرل إِلَى مَا صَار كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وَخلف أرطغرل أَوْلَادًا نجباء أقواهم جأشاً السُّلْطَان عُثْمَان فاستمر إِلَى أَن توفّي سنة خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة وَكَانَت مدَّته سِتا وَعشْرين سنة (ثمَّ تولى السُّلْطَان أورخان الْغَازِي ابْن السُّلْطَان عُثْمَان خَان) مولده سنة سبع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَجلسَ على تخت السلطنة سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَفتح إزنيق وبروسا وَغَيرهمَا وَأرْسل ابْنه سُلَيْمَان باشا إِلَى روم إيلي مَعَ أَرْبَعِينَ نَفرا ففتحوا قلعة ملقرة وأبسالة وبولاير ووزه وَكَانَ السُّلْطَان أورخان فاق وَالِده فِي الْجِهَاد وَفتح الْبِلَاد وبذل الِاجْتِهَاد وَهُوَ الَّذِي افْتتح بروسا فِي حَيَاة وَالِده ثمَّ جعلهَا مقرّ سلطنته واتسعت مَمْلَكَته ونفذت كَلمته وَاجْتمعت مُلُوك النَّصَارَى وَجَمِيع الْكَفَرَة على قتال العساكر السُّلْطَانِيَّة الإسلامية واجتمعوا على أَن يتعدوا من بِلَاد روميلي إِلَى جِهَة أنادول ويقاتلوا السُّلْطَان أورخان وَكَانَ لَهُ ولد نجيب اسْمه سُلَيْمَان بك فَاسْتَأْذن وَالِده فِي قِتَالهمْ فَوَقع حَرْب شَدِيد كَانَ الظفر فِيهِ لِسُلَيْمَان بك وَهُوَ أول من كتب على السِّكَّة من آل

стр. 1709

عُثْمَان فَكتب فِي وجهِ مُحَمَّد رَسُول الله وَفِي الْوَجْه الآخر اسْمه الشريف وَهُوَ أول من رتب طَبَقَات العساكر وسمى الطَّبَقَات الْمَذْكُورَة بأسمائها الْمَشْهُورَة وَكَانَ أول سلطنته ب بروسا وأعمالها ثمَّ ملك عدَّة من الْبِلَاد الإسلامية وغزا الْكفَّار وَفتح ممالك مُتعَدِّدَة وغنم بلاداً وأموالاً وَبنى الْجَوَامِع ومساجد ومدارس ومطبخاً للمسافرين وللمقيمين فِي غَالب الممالك الَّتِي تَحت سُلْطَانه وَعمر فِي الطرقات والمفاوز ومحال الْخَوْف والمقطعة سبلاً وخانات وقصوراً وجسوراً وأمثال ذَلِك من الْخيرَات العميمة وسلك سَبِيل الْعدْل والجود وَالْفضل وَالْإِحْسَان على نمط وَالِده المرحوم السَّاكِن بأعالي الْجنان وَتُوفِّي السُّلْطَان أورخان حميدا سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة عَن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة (ثمَّ تولى السُّلْطَان مُرَاد خَان الْغَازِي خدا وندكار) (ابْن السُّلْطَان أورخان) وَجلسَ على سَرِير الْملك والسلطنة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فِي بروسا ولي السلطنة وعمره أَربع وَثَلَاثُونَ سنة وافتتح كثيرا من الْبِلَاد مِنْهَا أدرنة سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَهُوَ أول من اتخذ المماليك وَسَمَّاهُمْ ينيشري يَعْنِي الْعَسْكَر الْجَدِيد وألبسهم اللباد الْأَبْيَض المثني إِلَى خلف وسماهُ بُرْكلة بِالضَّمِّ للموحدة وَسُكُون الرَّاء ثمَّ توجه إِلَى فتح قوصوة فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا التقى الْجَمْعَانِ وانهزمت الْكفَّار ثمَّ اجْتمعت النَّصَارَى على سلطانهم أسبوت فَقَاتلهُمْ السُّلْطَان مُرَاد قتالاً عَظِيما فَقتل سلطانهم فأظهر وَاحِد من مُلُوكهمْ الطَّاعَة وَتقدم ليقبل يَد السُّلْطَان فَلَمَّا قرب أخرج خنجراً فَضرب بِهِ السُّلْطَان مرَادا فاستشهد فَصَارَ من يَوْمئِذٍ لَا يدْخل على السُّلْطَان أحد بسلاح بل يدْخل بَين رجلَيْنِ يكتنفانه وَكَانَت مُدَّة سلطنته إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة وَفِي مورد اللطافة فِيمَن ولي السلطنة والخلافة عَن السُّلْطَان مُرَاد مَا نَصه كَانَ ملكا جَلِيلًا ذَا هَيْبَة وعظمة وَشدَّة بَطش فتح الممالك الْعَظِيمَة كقلعة نكبولي وَنَحْوهَا وحاصر الفرنج برا وبحراً وضيق عَلَيْهِم المسالك فَانْتدبَ لحربه بعض مُلُوكهمْ فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ وتصاف العسكران تحاربا وتعاركا وتضاربا

стр. 1710

فقصد السُّلْطَان ملك الفرنج وَحمل عَلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى فتقاربا وتعاركا وتضاربا وهما على ظُهُور الْخَيل فسقطا مَعًا على الأَرْض فَانْقَلَبَ عَدو الله على السُّلْطَان وضربه بالخنجر صَادف مَقْتَله فأدركه عسكره وَاحْتَمَلُوهُ إِلَى خيمته وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فعهد بِالْملكِ إِلَى ابْنه يلدرم بايزيد فِي التَّارِيخ الْآتِي ذكره وَمَات بعد ذَلِك سنة سِتّ وَتِسْعين وَسَبْعمائة رَحمَه الله تَعَالَى (ثمَّ تولى السُّلْطَان يلدرم با يزِيد ابْن السُّلْطَان مُرَاد الْغَازِي) وَلما سمع بوفاة أَبِيه خنق أَخَاهُ يَعْقُوب شلبي واشتغل بالفتوحات فَفتح الأفلاق وقونية وآق سراي ونيكده وقيصرية وسلانيك وَغَيرهَا من الْبِلَاد ثمَّ هرب بعض الْأُمَرَاء من خدمَة السُّلْطَان يلدرم ودخلوا عِنْد تيمورلنك فحركوه وَجَاءُوا بِهِ إِلَى بِلَاد الرّوم فَالتقى العسكران فِي مَوضِع يُقَال جبوق أواسي فانكسر السُّلْطَان يلدرم لِكَثْرَة من مَعَ تيمور من الْعَسْكَر كالجراد الْمُنْتَشِر فَأخذ السُّلْطَان يلدرم وَحبس ثمَّ توفّي بالحمى المحرقة سنة سبع وَثَمَانمِائَة وَكَانَ ابْنه الْأَمِير مُحَمَّد أَمِير أماسية فَلَمَّا سمع بِذكر ذَلِك خرج بعسكر أماسية خلف تيمور فَأخذ جثة وَالِده بعد حَرْب شَدِيدَة وَكَانَت مُدَّة سلطنته سِتّ عشرَة سنة وتيمور وَيُقَال تيمورلنك واللنك فِي اللُّغَة الفارسية الْأَعْرَج لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ عرج كَانَ ظُهُوره فِي عَام سَبْعمِائة وَثَلَاث وَسبعين وَكَانَ تَارِيخ ذَلِك لفظ عَذَاب قَالَه الْعَلامَة السُّيُوطِيّ فِي تَارِيخه وَكَانَ أول أمره رَاعيا للغنم ثمَّ صَار أَمِير آخور لبَعض سلاطين الْعَجم فِي سَمَرْقَنْد وبخارى فتغلب على مخدومه وَلم يزل حَتَّى تفرد بالسلطان وَملك الْبِلَاد طرفا بعد طرف فِي أسْرع زمن على أعجب أسلوب وَذَلِكَ أَنه إِذا قصد محلا ورَّى بِغَيْرِهِ فيهجم على ذَلِك الْمحل وَأَهله غافلون ثمَّ يبْدَأ بقتل جَمِيع من فِيهِ من كل ذِي روح ثمَّ يتَمَلَّك الْبِلَاد وَيَأْخُذ جَمِيع مَا فِيهَا من الْأَمْوَال وَالسِّلَاح وَالطَّعَام

стр. 1711

بِحَيْثُ خربَتْ جَمِيع الممالك الَّتِي دَخلهَا مِمَّا وَرَاء النَّهر فَلَمَّا خرج إِلَى الْبِلَاد الإسلامية كبغداد وَالروم وَالشَّام وحلب كَانَ عَادَته يقتل أَعْيَان الْبِلَاد وأركان دولتها ثمَّ ينصب فِيهَا من يقوم بأمرها من جماعته فهابته أَكثر سلاطين الْإِسْلَام وملوكه وقصدوه بالهدايا والتحف اتقاء شَره ومولانا السُّلْطَان يلدرم صَاحب التَّرْجَمَة لم يلْتَفت إِلَيْهِ وَلم يكترث بِشَأْنِهِ لاشتغاله بالغزوات وَمَا فِيهِ سَعَادَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فهجم على بِلَاد الرّوم على غرَّة وأسرع فِي السّير إِلَى الْمحل الَّذِي فِيهِ السُّلْطَان الْمشَار إِلَيْهِ قبل أَن يعلم أحد بوصوله فَمَا وسع السُّلْطَان إِلَّا مُقَابلَته لِأَن شهامته أَبَت أَن يعرض عَنهُ وَيتْرك قِتَاله فاتفق بِمُرَاد الله أَن كسر عَسْكَر السُّلْطَان الْمَذْكُور وحبسه إِلَى أَن كَانَت وَفَاته بالحمى كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وَفِي عجائب الْمَقْدُور فِي أَخْبَار تيمور للْإِمَام الْعَلامَة أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَنَفِيّ الدِّمَشْقِي عرف بِابْن عرب شاه رَحمَه الله تَعَالَى وَمعنى يلدرم الْبَرْق فَوجه الْأَخْذ الْمَذْكُور من هَذَا اللقب سرعَة الْحَرَكَة وَقُوَّة الظُّهُور مَعَ النُّور واللمعان رَحمَه الله تَعَالَى قلت أَخْبرنِي بعض فضلاء أهل الْهِنْد أَن ملكهم الْآن وَهُوَ الْمُسَمّى أورنك زيب ابْن شاه جهان يتَّصل نسبه بتيمور هَذَا وَمِنْه إِلَى جنكزخان طاغية التتار وَيُنْكِرُونَ كَونه رَاعيا أَو خَادِمًا لبَعض مُلُوك الْعَجم فتغلب على مخدومه فِي السلطنة وَيدعونَ عراقته فِيهَا وَالله أعلم بالحقائق قلت وَذكر الإِمَام الْمَذْكُور فِي كِتَابه الْمَذْكُور وَاقعَة لتيمور مَعَ الْعَلامَة القَاضِي محب الدّين أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود الْحلَبِي قاضيها الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الشّحْنَة أَحْبَبْت ذكر نَصهَا لما كَانَ يَوْم الْخَمِيس تَاسِع ربيع الأول من عَام ثَمَان وَثَمَانمِائَة أَخذ يَعْنِي تيمور قلعه حلب بالأمان والأيمان الَّتِي لَيْسَ مَعهَا ايمان فَاسْتَحْضر علماءها وقضاتها فَحَضَرُوا إِلَيْهِ وَطلب من مَعَه من أهل الْعلم فَقَالَ لكبيرهم عِنْده وَهُوَ الْمولى عبد الْجَبَّار ابْن الْعَلامَة نعْمَان الدّين الْحَنَفِيّ قل لَهُم إِنِّي سائلهم عَن مسَائِل سَأَلت

стр. 1712

عَنْهَا عُلَمَاء سَمَرْقَنْد وبخارى وهراة وخراسان وَسَائِر الْبِلَاد الَّتِي افتتحتها فَلم يفصحوا الْجَواب فَلَا تَكُونُوا مثلهم وَلَا يجاوبني إِلَّا أعلمكُم وأفضلكم وليعرف مَا يتَكَلَّم بِهِ فَإِنِّي خالطت الْعلمَاء ولي بهم اخْتِصَاص وألفة ولي فِي الْعلم طلب قديم قَالَ صَاحب الْكتاب وَكَانَ يبلغنَا عَنهُ أَنه بتعنت الْعلمَاء فِي الأسئلة وَيجْعَل ذَلِك سَببا إِلَى قَتلهمْ أَو تعذيبهم قَالَ القَاضِي ابْن الشّحْنَة فَقَالَ القَاضِي شرف الدّين مُوسَى الْأنْصَارِيّ الشَّافِعِي هَذَا شَيخنَا ومدرس هَذِه الْبِلَاد ومفتيها مُشِيرا إِلَى سلوه وَالله الْمُسْتَعَان قَالَ فَقَالَ لي قاضيه عبد الْجَبَّار سلطاننا يَقُول إِنَّه بالْأَمْس قتل منا ومنكم فَمن الشَّهِيد قتيلنا أم قتيلكم فَوَجَمَ الْجَمِيع وَقُلْنَا فِي أَنْفُسنَا هَذَا الَّذِي كَانَ يبلغنَا عَنهُ من التعنت وَسكت الْقَوْم فَفتح الله عَليّ بِجَوَاب سريع بديع فَقلت هَذَا سُؤال سُئِلَ عَنهُ سيدنَا رَسُول الله قَالَ لي صَاحِبي شرف الدّين الْمَذْكُور بعد أَن انْقَضتْ الْحَادِثَة وَالله الْعَظِيم لما قلت هَذَا السُّؤَال سُئِلَ عَنهُ رَسُول الله وَأَنا مُحدث زماني قلت عالمنا قد اخْتَلَّ عقله فَإِن هَذَا سُؤال لَا يُمكن الْجَواب عَنهُ فِي هَذَا الْمقَام وَوَقع فِي نفس عبد الْجَبَّار قاضيه مثل ذَلِك وَألقى إليّ تيمور سَمعه وبصره وَقَالَ لعبد الْجَبَّار يسخر من كَلَامي كَيفَ سُئِلَ رَسُول الله عَن هَذَا وَكَيف أجَاب فَقلت جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن الرجل يُقَاتل حمية وَيُقَاتل ليُري مَكَانَهُ من الشجَاعَة فأينا الشَّهِيد فِي سَبِيل الله فَقَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمةُ اللهِ هِيَ العُلْياً فَهُوَ الشَهِيدُ فَقَالَ تيمور لنك خوب خوب فانفتح بَاب المؤانسة فَكثر مِنْهُ السُّؤَال وَكثر مني الْجَواب وَكَانَ آخر مَا سَأَلَ أَن قَالَ مَا تَقولُونَ فِي عَليّ وَمُعَاوِيَة وَيزِيد فَأسر إِلَى القَاضِي شرف الدّين أَن اعرف كَيفَ تجاوبه فَإِنَّهُ شيعي فَلم أفرغ من مساع كَلَامه إِلَّا وَقد قَالَ القَاضِي علم الدّين القفصي الْمَالِكِي كلَاما مَعْنَاهُ إِن الْكل مجتهدون فَغَضب لذَلِك غَضبا شَدِيدا وَقَالَ عَلِي عَلَى الْحق وَمُعَاوِيَة ظَالِم وَيزِيد فَاسق وَأَنْتُم حلبيون تبع لأهل دمشق وهم يزِيدُونَ قتلوا الْحُسَيْن قَالَ فَأخذت فِي ملاطفته والاعتذار عَن الْمَالِكِي بِأَنَّهُ أجَاب بِشَيْء وجده فِي

стр. 1713

كتاب لَا يعرف مَعْنَاهُ فَعَاد إِلَى دون مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْبسط قَالَ وَلما كَانَ آخر شهر ربيع الْمَذْكُور طلبني ورفيقي القَاضِي شرف الدّين وَأعَاد السُّؤَال عَن عَليّ وَمُعَاوِيَة فَقلت لَا شكّ أَن الْحق كَانَ مَعَ عَليّ فِي نوبَته وَلَيْسَ مُعَاوِيَة من الْخُلَفَاء فَإِنَّهُ صَحَّ عَن رَسُول الله أَنه قَالَ الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة وَقد تمت بعلي وَابْنه الْحسن فَقَالَ تيمور لنك قُل عَلِي عَلَى الْحق وَمُعَاوِيَة ظَالِم فَقلت قَالَ صَاحب الْهِدَايَة يجوز تقلد الْقَضَاء من وُلَاة الْجور فَإِن كثيرا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ تقلدوا الْقَضَاء من مُعَاوِيَة وَكَانَ الْحق مَعَ عَليّ فِي نوبَته فأنس لذَلِك انْتهى من الْكتاب الْمَذْكُور مُلَخصا قلت فِي قَوْله فِي نوبَته احْتِرَاز لطيف عَن نِسْبَة التَّعَدِّي إِلَى الصّديق وتالييه كَمَا هُوَ مَذْهَبنَا معشر أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَمَرَّتْ على تيمور وَلم يفْطن لذَلِك وَفِي رِوَايَة لما استولى على كثير من قلاع النَّصَارَى هرب بعض وزرائه وَحلق لحيته وحواجبه وَصَارَ فِي صُورَة قلندري وَوصل مَعَه جمَاعَة إِلَى تيمور وَشَكوا من السُّلْطَان يلدرم وحسنوا لَهُ الْوُصُول إِلَى بِلَاد الرّوم فوصل إِلَى الْبِلَاد الشامية والحلبية وَقتل من بهَا وَأسر وَنهب وَاسْتمرّ إِلَى أَن وصل أذربيجان وَخرج إِلَيْهِ السُّلْطَان فغدر بِهِ العساكر وذهبوا إِلَى تيمور ووثب هُوَ ومَن بَقِي مَعَه وَقتل وَلَده السُّلْطَان مصطفى وَاسْتمرّ يُقَاتل إِلَى أَن وصل بِسَيْفِهِ إِلَى تيمور فَألْقى عَلَيْهِ بِسَاط فَأمْسك وَتُوفِّي كَمَا تقدم ذكر ذَلِك (ثمَّ تولى السُّلْطَان مُحَمَّد ابْن السُّلْطَان يلدرم) وَاسْتقر فِي السلطنة سنة سِتّ عشرَة وَثَمَانمِائَة وَكَانَت مدَّته تسع سِنِين وافتتح عدَّة من الْحُصُون مِنْهَا بَلْدَة اسكب وآق شهر وَغَيرهمَا وَكَانَ شجاعاً مقداماً مُجَاهدًا فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَله خيرات مُتعَدِّدَة مِنْهَا ب برسا جَامع عَظِيم ومدرسة علمية وتربة سلطانية وَمِنْهَا بِولَايَة مرزفون جدد وَأَنْشَأَ جامعين وحمامين وأوقافاً عديدة كَثِيرَة الْغلَّة وَقفهَا وَشرط أَن تحمل غَلَّتهَا إِلَى الْحَرَمَيْنِ الشريفين

стр. 1714

فَهُوَ أول من عمل الصر لأهل الْحَرَمَيْنِ الشريفين من آل عُثْمَان أدام الله دولتهم وصولتهم وَلما تمّ أَجله الْمُسَمّى فِي أم الْكتاب دَعَاهُ ملَك الفناء إِلَى دَار الْبَقَاء المستطاب فَعَاشَ سعيداً وَمضى حميدا وتحول من دَار البلى إِلَى دَار البقا ﴿إِن إلىَ رَبك اَلرُجعى﴾ العلق ٨ وَكَانَت وَفَاته بِمَرَض الإسهال فَتكون لَهُ مرتبَة الشَّهَادَة وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَعشْرين وَثَمَانمِائَة (ثمَّ تولى السُّلْطَان مُرَاد الثَّانِي ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد بن يلدرم) وَجلسَ على تخت السلطنة سنة خمس وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَظهر فِي أَيَّامه رجل وَادّعى أَنه ابْن السُّلْطَان يلدرم واسْمه مصطفى الَّذِي فقد فِي فتْنَة تيمور فَظهر تزويره فصلبوه فِي برج قلعة أدرنة وَفتح فِي زَمَنه سمندرة ومورة ثمَّ إِنَّه بِحسن اخْتِيَاره أقعد وَلَده مُحَمَّدًا الْآتِي بعده وَاخْتَارَ التقاعد ببلدة مغنيسا مُدَّة ثمَّ قَامَت عَلَيْهِ طَائِفَة الينيشرية فأرسلوا إِلَى مغيسا وَأتوا بوالده مِنْهَا وأجلسوه ثَانِيًا على سَرِير السلطنة فَلَمَّا توفّي أَجْلِس ابْنه السُّلْطَان مُحَمَّد على تخت السلطنة وعمره ثَمَانِيَة عشر عَاما وعاش تسعا وَخمسين سنة وَكَانَ ملكا عَظِيما مُطَاعًا عين للحرمين الشريفين من خَاصَّة صدقاته ثَلَاثَة آلَاف وَخَمْسمِائة ذَهَبا وللشرفاء مثلهَا فِي كل عَام وَكَانَت مُدَّة سلطنته إِحْدَى وَثَلَاثِينَ عَاما قَالَ ابْن تغري بردي فِي تَارِيخه لم يكن فِي زَمَانه شرقاً وَلَا غرباً مثله فِي غَزْو الْكفَّار أهلك الله على يَده الْملك قزال عَظِيم مُلُوك الفرنج فِي عَام ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَكَانَت وقْعَة عَظِيمَة مَشْهُورَة هلك فِيهَا من الْفَرِيقَيْنِ مَا يزِيد على عشْرين ألفا كَانَت طوائف الْكفَّار اجْتَمعُوا من كل نَاحيَة فِي هَذِه الْوَقْعَة وعزموا على استئصال ثغور الْإِسْلَام خُصُوصا بَيت الْمُقَدّس فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ ظهر أَن طَائِفَة الْكفَّار فَوق عدد الْمُسلمين بأضعاف مضاعفة فَلَمَّا وَقع الْحَرْب ظَهرت الْغَلَبَة على الْمُسلمين

стр. 1715

فَأرْسل الله تَعَالَى ريحًا عاصفاً بِتُرَاب عَظِيم على جَانب الْكفَّار فأدبروا وَركب الْمُسلمُونَ أكتافهم قتلا وأسراً وغنموا غَنَائِم جزيلة لَا حد لَهَا وَلَا عد من النُّقُود والخيول وَالسِّلَاح وَغير ذَلِك ومحاسنه كَثِيرَة ومآثره شهيرة (ثمَّ تولى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فاتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة ابْن مُرَاد) مولده عَام خمسن وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة جُلُوسه أَولا بفراغ من وَالِده لَهُ فِي عَام سبع وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وتقاعد وَالِده بِولَايَة مغنيسا إِلَى نَيف وَخمسين فَقَامَتْ طَائِفَة الينيشرية وَاجْتمعت على عود السُّلْطَان مُرَاد خَان لصِغَر وَلَده مُحَمَّد الْمَذْكُور فَعَاد السُّلْطَان مُرَاد مُدَّة يسيرَة ثمَّ أَدْرَكته الْوَفَاة وَاسْتقر السُّلْطَان مُحَمَّد الْمَذْكُور فِي الْملك عَام وَفَاة وَالِده الْمُوَافق لسنة سِتّ وَخمسين وَثَمَانمِائَة ثمَّ إِن السُّلْطَان مُحَمَّد سلك طَرِيق الْعدْل وَأقَام نظام الْملك وَأظْهر أبهة السلطنة وَذَلِكَ جَمِيعه ببركة وَالِده ونفع مَا جمعه لَهُ من المَال وَالرِّجَال والمدن الواسعة والأمصار النافعة وهابته الْمُلُوك وَدخلت فِي طَاعَته أكَابِر الممالك وأعيانها فَملك تِسْعَة سلاطين أَرْبَعَة من الْمُسلمين وَخَمْسَة من النَّصَارَى أما الْمُسلمُونَ فسلطان ولَايَة قرمن وسلطان كرميا وسلطان النكا وسلطان اسفنديار وفتوحاته مَشْهُورَة وَكَانَ من أعظم سلاطين آل عُثْمَان وَأَقْوَاهُمْ اجْتِهَادًا لَهُ غزوات كَثِيرَة لَا تحصى من أعظمها فتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي الْيَوْم الْحَادِي وَالْخمسين من حصارها وَهُوَ الرَّابِع وَالْعشْرُونَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وَخمسين وَثَمَانمِائَة وَله كرامات عَجِيبَة واَثار بديعة وَكَانَت مُدَّة سلطنته إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة وَلما افْتتح الْقُسْطَنْطِينِيَّة صلى فِي أكبر كنائسها وَهِي أيا صوفية صَلَاة الْجُمُعَة وَهِي بَاقِيَة تسامي قباب السَّمَاء وتحاكي فِي الاستحكام متين الأهرام فَمَا وهت وَلَا وهنت كبرا وَلَا هرماً دَامَ سُلْطَانه إِلَى أَن مَاتَ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة

стр. 1716

(ثمَّ تولى السُّلْطَان بايزيد ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد) (وَجلسَ فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وافتتح الفتوحات) وَفِي أَيَّامه فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ أَو خمس وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة ظهر من بِلَاد الْعَجم شاه إِسْمَاعِيل ابْن حيدر الصفوي وَكَانَ لَهُ ظُهُور عَجِيب وفتك فِي الْبِلَاد وَسَفك دِمَاء الْعباد فأظهر مَذْهَب الرَّفْض والإلحاد وَغير اعْتِقَاد أهل الْعَجم إِلَى الانحلال وَالْفساد بعد الصّلاح والسداد وأخرب ممالك الْعَجم وأزال من أَهلهَا حسن الِاعْتِقَاد وَالله تَعَالَى يفعل فِي ملكه مَا أَرَادَ وَتلك الْفِتْنَة بَاقِيَة إِلَى الْآن فِي جَمِيع الْبِلَاد وَظهر من أَتبَاع شاه إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور بِبِلَاد الرّوم شخص ملحد زنديق يُقَال لَهُ سُلْطَان قولي أهلك الْحَرْث والنسل وَعم بِالْفَسَادِ وَالْقَتْل فَأرْسل السُّلْطَان وزيره الْأَعْظَم على باشا بعسكر كثير إِلَى قتال هَذَا الطاغي وأمده بِجَيْش عَظِيم لقطع جاذرة هَذَا الْبَاغِي فاستشهد عَليّ باشا فِي ذَلِك الْقِتَال ووفد بأكفان شَهَادَته على الْكَبِير المتعال وانكسر الشَّيْطَان فولى الْمُفْسد التعيس وَعَسْكَره جنود إِبْلِيس وأسكن الله تِلْكَ الْفِتْنَة بعد مَا أطلقت وَكفى الله شَرّ أُولَئِكَ الأشرار بعد أَن عظمت محنتهم وعمت وَفِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة قَاتله أَخُوهُ السُّلْطَان جم شيد فبرز السُّلْطَان بايزيد لقتاله فَهَزَمَهُ ففر إِلَى مصر ونجح زمن السُّلْطَان قايتباي وَعَاد فَأكْرمه السُّلْطَان قايتباي إِكْرَاما عَظِيما فَذهب إِلَى دوسق وَجمع طَائِفَة من الْغُزَاة وَنَازع أَخَاهُ على الْملك ثانيَاً فقاتله السُّلْطَان بايزيد فانكسر السُّلْطَان جم ثانيَاً وفر إِلَى بِلَاد النَّصَارَى فِي سنة ٨٨٨ ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة فَأرْسل إِلَيْهِ السُّلْطَان بايزيد أحد عبيده فِي صُورَة حلاق فاستخدمه وَأمره أَن يحلق رَأسه فحلق رَأسه بمُوسَى مَسْمُوم وهرب فِي الْحَال وَأثر السم فِي رَأسه وسرى إِلَى بدنه فَمَاتَ سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة وَكَانَ السُّلْطَان بايزيد ملكا جَلِيلًا عَالما عَاملا ترقى فِي مَرَاتِب الْكَمَال الجليلة وتسنم ذرى المفاخر الأثيلة جمع الله لَهُ بَين السلطنة الْعُظْمَى الظَّاهِرِيَّة والإمامة

стр. 1717

الْكُبْرَى الْبَاطِنَة حَتَّى نقل عَنهُ أَنه كَانَ يرى الْقبْلَة المعظمة فِي افْتِتَاح كل صَلَاة وَكَانَت أَيَّامه كَثِيرَة الْخيرَات والفتوحات وَكَانَ يُجهز إِلَى أهل الْحَرَمَيْنِ الشريفين فِي كل عَام أَرْبَعَة عشر ألف دِينَار ذَهَبا يصرف نصفهَا على فُقَهَاء مَكَّة والَاخر للمدينة وَمِمَّنْ ورد عَلَيْهِ فِي شبابه خطيب مَكَّة الشَّيْخ محيى الدّين عبد الْقَادِر بن عبد الرَّحْمَن الْعِرَاقِيّ وَالشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن العُليف شَاعِر الْبَطْحَاء وفاضلها قتالا مِنْهُ خيرا كثيرا وصنف لَهُ العليف تَارِيخا سَمَّاهُ الدّرّ المنظوم فِي مَنَاقِب السُّلْطَان بايزيد ملك الرّوم وامتدحه بقصيدة رائية طنانة أَولهَا من الطَّوِيل (خُذُوا من ثنائِى موجبَ الحمدِ والشكرِ ... ومِنْ در لفظِى طيب النظمِ والنثْرِ) (فيا رَاكِبًا يسري على ظَهْر ضامر ... إِلَى الرّوم يهدي نَحْوهَا طيبَ النشْرِ) (لَك الْخَيْر إِن وافيت بروص عُجْ بهَا ... رويداً لإسطنبولَ سامية الذكْرِ) (لدي ملك لَا يبلغُ الوضْفُ كنهَهُ ... شرِيف المساعي نَافِذ النهْيِ والأمرِ) (إِلَى بايزيد الخَيْر وَالْملك الَّذِي ... حمى بَيْضَة الإسلامِ بالبيضِ والسمرِ) (وجرد للدّين الحنيفيِّ صَارِمًا ... أباد بِهِ جمع الطَواغيتِ والكُفْرِ) (وجاهدهم فِي الله حقَّ جهادِهِ ... رَجَاء لما يبقَى من الفوزِ والأجرِ) (لَهُ همة تملا الصُّدُور وصولة ... مقسَّمة بَين المخافةِ والذكْرِ) (أطاعَ لَهُ مَا بَيْن رومٍ وفارسٍ ... ودان لَهُ مَا بَين بُصْرى إِلَى مصرِ) (هُوَ البحرُ إِلَّا أَنه دائمُ العطا ... وذلكَ لَا يَخْلُو من المدِّ والجزرِ) (هُوَ البدرُ إِلَّا أَنه كَامِل الضيَا ... وَذَاكَ حليفُ النقْصِ فِي معظمِ الشهرِ) (هُوَ الغيثُ إِلَّا أَن للغيثِ مسكةً ... وَذَا لَا يزالُ الدَّهْر ينهل بالقطرِ) (هُوَ السيفُ إِلَّا أَن للسيفِ نبوة ... وفلَاّ وَذَا ماضي العزيمةِ فِي الأمْرِ) (سليلُ بني عُثْمَان والقادةِ الألَى ... علا مجدهُمْ فوقَ السماكَيْنِ والنسرِ) (ملوكٌ كرامُ الأصلِ طابَتْ فروعُهمْ ... وَهل ينسبُ الدِّينَار إِلَّا إِلَى التبرِ) (محا أثر الكفارِ بالسيفِ فاغتدَتْ ... بِهِ حوزة الإسْلامِ ساميةَ القَدْرِ) (فيا ملكا فاق الْمُلُوك مكارماً ... فكلٌّ إِلَى أدنى مكارمه يجرِي) (لَئِن فقتهُمْ فِي رُتْبَة الملكِ والعلا ... فإنَّ اللَّيَالِي بَعْضهَا ليلةُ القدرِ)

стр. 1718

(فدتك ملوكُ الأرضِ طراَّ لِأَنَّهَا ... سراجٌ وأنتَ البدرُ فِي غرَّة الشهرِ) (تَعاليْتَ عَنْهُم رفْعَة ومطانهً ... وذاتاً وأوصافاً تجلُّ عَن الحصرِ) (لَك العزةُ القعساءُ والرتبةُ الَّتِي ... قواعدهَا تسمو على أبرجِ النسرِ) (سموتَ علوَّا إِذْ دنوتَ تواضعاً ... وقمتَ بِحَق الله فِي السِّرّ والجهرِ) (غَدَتْ بك أرضُ الرومِ تزهو ملاحةً ... وترفل فِي ثوبِ الجلالةِ والفجرِ) (إِلَيْك ابْن عُثْمَان الَّذِي سَارَ ذكْرُهُ ... مسير ضِيَاء الشمَسِ فِي البَرَّ والبَحْرِ) (يمينكَ تروى عَن يسارٍ ونائلٍ ... ووجهُكَ يرْوى فِي البشاشة عَن بشرِ) (وَإِنِّي لصوَّانٌ لدرِّ قلائدي ... عَن المدحِ إِلَّا فِيك يَا مَالك العصرِ) (فقابل رعاكَ الله شكري بمثلِهِ ... فَإنَّك للمعروف من أعظمِ الذخر) (فَلَا زلتَ محروسَ الجنابِ مؤيداً ... من الله بالتوفيقِ والعزِّ والنصرِ) فَأمر للعليف بعد وصولها إِلَيْهِ وفرحه بهَا بِأَلف دِينَار ذَهَبا جَائِزَة ورتب لَهُ فِي دفتر الصر لكل عَام مائَة دِينَار ذَهَبا فَصَارَت بعده لأولاده رَحِمهم الله تَعَالَى وَكَانَ للسُّلْطَان بايزيد أَوْلَاد وَلم يخلع بِالْملكِ إِلَّا لوَلَده سليم خَان ودام سُلْطَانه اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ عَاما إِلَى أَن مَاتَ سنة ٩١٨ تِسْعمائَة وَثَمَانِية عشر (ثمَّ تولى السُّلْطَان سليم ابْن السُّلْطَان با يزِيد) (كاسر الْعَجم وفاتح بِلَاد الْعَرَب) وَجلسَ فِي سنة ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة وَفِي سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة ركب على إِسْمَاعِيل شاه الْعَجم ابْن الشَّيْخ حيدر ابْن الشَّيْخ جُنَيْد ابْن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم ابْن سُلْطَان خوجه شيخ عَليّ ابْن الشَّيْخ صدر الدّين مُوسَى ابْن الشَّيْخ صفي الدّين إِسْحَاق الأردبيلي وَإِلَيْهِ ينْسب أَوْلَاده فَيُقَال لَهُم الصفويون وَكَانَ الشَّيْخ صفي الدّين صَاحب زَاوِيَة فِي أردبيل وَله سلسلة فِي الْمَشَايِخ أَخذ عَن الشَّيْخ زاهد الكيلاني وتنتهي بوسائط إِلَى الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أَحْمد الْغَزالِيّ فَرجع بالظفر الْمُبين ثمَّ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة ركب على السُّلْطَان الغوري وكسره فِي مرج دابق قرب حلب وأباد ملكه وَقد مرت قصَّته

стр. 1719

وَمن وزرائه الأجلة بير باشا وَابْن هرسك أَحْمد وَسنَان باشا وزنبيلي وَغَيرهم مولده فِي أماسية سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ عمره جَمِيعه أَرْبعا وَخمسين سنة وَلم تطل سلطنته لِأَنَّهُ كَانَ سفاكاً وَهَذِه عَادَة الله تَعَالَى فِي السلاطين والأمراء إِذا أَكْثرُوا من الْقَتْل وَكَانَ سُلْطَانا قهاراً ملكا جباراً يُغير زيه فِي لِبَاسه ويتجسس فِي اللَّيْل وَالنَّهَار ويطلع على الْأَخْبَار وَله عدَّة مصاحبين يدورون تَحت القلعة وَفِي الْأَسْوَاق والمحافل والجمعيات وَمهما سَمِعُوهُ ذَكرُوهُ لَهُ فَيعْمل بِمُقْتَضى مَا يسمعهُ وَله معرفَة باللسانين الرُّومِي والفارسي وَشعر رائق ونظم فائق وَرَأَيْت لَهُ بَيْتَيْنِ فِي الكوشك الَّذِي بني لَهُ لما فتح مصر وهما بالعربي بِخَطِّهِ قَوْله من الْبَسِيط (ألمُلْكُ لِلَّهِ مَنْ يَظْفَرْ بِنَيْلِ مُنّى ... يَتْرُكْهُ قَسْرًا ويَضْمَنْ بَعْدَهُ الدَّرَكَا) (لَوْ كَانَ لِي أَوْ لِغَيْري قَدْر أُنْمُلَةٍ ... فَوْقَ التُّرَابِ لَكَانَ الأَمْرُ مُشْتَرَكَا) وتحتها مَا صورته كتبه سليم بذلك الْحَظ والقلم كَذَا ذكره الْعَلامَة قطب الدّين النَّهر والى عَن نَفسه فَهُوَ فَاعل رَأَيْت وسليم هَذَا هُوَ أول من ملك مصر من آل عُثْمَان سلاطين الزَّمَان أدام الله تَعَالَى دولتهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمد على ملكهم فسطاط الإجلال والكرامة فَإِنَّهُم ظلّ الله تَعَالَى الْمَمْدُود على الأَرْض والقائمون بشعائر الْإِسْلَام من السّنة وَالْفَرْض كَانَ عَظِيم الهيبة سعيد الْحَرَكَة كثير المبرات دَائِم الْأَسْفَار مستيقظاً للأمور الجليلة نظره إِلَى معالي الْأُمُور لَو انتظم فِي سلكه كل لَحْظَة أعظم الْأَمْصَار هُوَ عِنْده فِي غَايَة الاحتقار والاستصغار ويكفيه فتح مصر أم الدُّنْيَا طَابَ ثراه فِي الْجنان الْعليا ولد السُّلْطَان سليم سنة خمس وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَتَوَلَّى السلطنة بعد أَبِيه فِي حَيَاته بنزوله لَهُ عَن الْملك لأمر اقْتَضَاهُ الْحَال وَأما سَبَب ركُوبه ومقاتلته لإسماعيل شاه فَإِن إِسْمَاعِيل هَذَا طَغى وبغى وَصَارَ يقتل من ظفر بِهِ قتلا ذريعاً وَلَا يمسك شَيْئا من الخزائن بل يفرقها فِي الْحَال على عساكره إِلَى أَن ملك تبريز وأذربيجان وبغداد وعراق الْعَجم وخراسان وَكَانَ يَدعِي الربوبية وَكَانَ عسكره يَسْجُدُونَ لَهُ وَقتل خلقا لَا يُحصونَ ينيفون

стр. 1720

على ألف ألف أَو يزِيدُونَ بِحَيْثُ لَا يعْهَد فِي الْإِسْلَام وَلَا فِي الْجَاهِلِيَّة مِقْدَار مَا قَتله شاه إِسْمَاعِيل هَذَا وَهُوَ من مُلُوك الْعَجم الموسومين بقزل باش وَكَانَ ركُوبه عَلَيْهِ سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة فحاربهم الْحَرْب الشَّديد وانتصر عَلَيْهِم وَملك غَالب بِلَادهمْ مَعَ مزِيد قوتهم وعزتهم وَكَانَ قبل الْحَرْب كتب إِلَيْهِم كتابا فَلم يعبئوا بِهِ ثمَّ كتب إِلَيْهِم كتابا آخر أغْلظ عَلَيْهِم فِيهِ ووسمهم بالخوف والجبن عَن اللِّقَاء فاستهضهم بِهِ ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا وَصُورَة الْكتاب الأول ليعلم إِسْمَاعِيل بهادر أصلح الله أحوالة أَن جَمِيع أهل الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام وعلماء الدّين وَالْإِسْلَام المحبين لشريعة سيد الْأَنَام قد أفتوا بكفرك وفسادك وضلالك وعنادك لارتكابك العقائد الْفَاسِدَة والضلالات الكاسدة وَالْأَحْوَال الفظيعة والأقوال القبيحة الشنيعة وَمن اسْتحلَّ مَا حرم الله فَلَا شكّ فِي كفره فَلذَلِك نشرت الْأَعْلَام الإسلامية والرايات الدِّينِيَّة وسرتُ إِلَى بلادك لإمحاء رسمك ووجودك واضمحلال اسْمك وجنودك لَكِن لما كَانَ من سنة الدّين وَطَرِيق الْحق الْمُبين الْإِخْبَار والإعلام بالدعوة إِلَى اتِّبَاع شَرِيعَة الْإِسْلَام قبل الإلجاء بِالسَّيْفِ حِين لَا يُفِيد أَيْن وَلَا كَيفَ أرْسلت إِلَيْك مخبرا بأنك إِن أخلصت التَّوْبَة وصدقت فِي الأوبة وَرجعت عَن تِلْكَ العقائد القبيحة الفظيعة فقد فزت بالمقصد الْأَسْنَى وَلَك الْأمان مَعَ الزِّيَادَة فِي الْحسنى وَإِن لم ترجع فلتعلم أَنِّي قد سرت إِلَيْك بآيَات النَّصْر والتمكين ورايات الظفر الْمُبين عملا بقوله تَعَالَى ﴿قتلوا الَذِين يُلونَكُم من الكفارِ﴾ التَّوْبَة ١٢٣ لترمى بِالْعَذَابِ مجاهرة والنكال مباهرة وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى فَلم يرتدع لذَلِك فَأرْسل إِلَيْهِ بِكِتَاب ثانٍ بديع اللَّفْظ والمعاني فَلم يرتدع لفرط العتو والطغيان فَسَار إِلَيْهِ السُّلْطَان سليم فتلاقيا فِي شالدران بِقرب تبريز وَأَرَادَ أَن يُقيم بتبريز لأخذ إقليم الْعَجم جَمِيعه فَمَا أمكنه ذَلِك لِكَثْرَة الغلاء والقحط وَسبب ذَلِك أَن القوافل الَّتِي كَانَ أعدهَا السُّلْطَان سليم لِأَن تتبعه بالميرة والعليق تخلفت عَنهُ فِي مَحل الِاحْتِيَاج إِلَيْهَا وَمَا وُجد فِي تبريز شَيْء من المأكولات والحبوب لِأَن إِسْمَاعِيل شاه حرقها عِنْد انكساره فَاشْتَدَّ الغلاء بِحَيْثُ بِيعَتْ العليقة بِنَحْوِ مِائَتي دِرْهَم والرغيف الْخبز بِمِائَة دِرْهَم فاضطر السُّلْطَان سليم إِلَى الْعود
следующие страницы →