← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

(ثمَّ تولى السُّلْطَان بايزيد ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد) (وَجلسَ فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وافتتح الفتوحات) وَفِي أَيَّامه فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ أَو خمس وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة ظهر من بِلَاد الْعَجم شاه إِسْمَاعِيل ابْن حيدر الصفوي وَكَانَ لَهُ ظُهُور عَجِيب وفتك فِي الْبِلَاد وَسَفك دِمَاء الْعباد فأظهر مَذْهَب الرَّفْض والإلحاد وَغير اعْتِقَاد أهل الْعَجم إِلَى الانحلال وَالْفساد بعد الصّلاح والسداد وأخرب ممالك الْعَجم وأزال من أَهلهَا حسن الِاعْتِقَاد وَالله تَعَالَى يفعل فِي ملكه مَا أَرَادَ وَتلك الْفِتْنَة بَاقِيَة إِلَى الْآن فِي جَمِيع الْبِلَاد وَظهر من أَتبَاع شاه إِسْمَاعِيل الْمَذْكُور بِبِلَاد الرّوم شخص ملحد زنديق يُقَال لَهُ سُلْطَان قولي أهلك الْحَرْث والنسل وَعم بِالْفَسَادِ وَالْقَتْل فَأرْسل السُّلْطَان وزيره الْأَعْظَم على باشا بعسكر كثير إِلَى قتال هَذَا الطاغي وأمده بِجَيْش عَظِيم لقطع جاذرة هَذَا الْبَاغِي فاستشهد عَليّ باشا فِي ذَلِك الْقِتَال ووفد بأكفان شَهَادَته على الْكَبِير المتعال وانكسر الشَّيْطَان فولى الْمُفْسد التعيس وَعَسْكَره جنود إِبْلِيس وأسكن الله تِلْكَ الْفِتْنَة بعد مَا أطلقت وَكفى الله شَرّ أُولَئِكَ الأشرار بعد أَن عظمت محنتهم وعمت وَفِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة قَاتله أَخُوهُ السُّلْطَان جم شيد فبرز السُّلْطَان بايزيد لقتاله فَهَزَمَهُ ففر إِلَى مصر ونجح زمن السُّلْطَان قايتباي وَعَاد فَأكْرمه السُّلْطَان قايتباي إِكْرَاما عَظِيما فَذهب إِلَى دوسق وَجمع طَائِفَة من الْغُزَاة وَنَازع أَخَاهُ على الْملك ثانيَاً فقاتله السُّلْطَان بايزيد فانكسر السُّلْطَان جم ثانيَاً وفر إِلَى بِلَاد النَّصَارَى فِي سنة ٨٨٨ ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة فَأرْسل إِلَيْهِ السُّلْطَان بايزيد أحد عبيده فِي صُورَة حلاق فاستخدمه وَأمره أَن يحلق رَأسه فحلق رَأسه بمُوسَى مَسْمُوم وهرب فِي الْحَال وَأثر السم فِي رَأسه وسرى إِلَى بدنه فَمَاتَ سنة خمس عشرَة وَتِسْعمِائَة وَكَانَ السُّلْطَان بايزيد ملكا جَلِيلًا عَالما عَاملا ترقى فِي مَرَاتِب الْكَمَال الجليلة وتسنم ذرى المفاخر الأثيلة جمع الله لَهُ بَين السلطنة الْعُظْمَى الظَّاهِرِيَّة والإمامة

стр. 1717

الْكُبْرَى الْبَاطِنَة حَتَّى نقل عَنهُ أَنه كَانَ يرى الْقبْلَة المعظمة فِي افْتِتَاح كل صَلَاة وَكَانَت أَيَّامه كَثِيرَة الْخيرَات والفتوحات وَكَانَ يُجهز إِلَى أهل الْحَرَمَيْنِ الشريفين فِي كل عَام أَرْبَعَة عشر ألف دِينَار ذَهَبا يصرف نصفهَا على فُقَهَاء مَكَّة والَاخر للمدينة وَمِمَّنْ ورد عَلَيْهِ فِي شبابه خطيب مَكَّة الشَّيْخ محيى الدّين عبد الْقَادِر بن عبد الرَّحْمَن الْعِرَاقِيّ وَالشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن العُليف شَاعِر الْبَطْحَاء وفاضلها قتالا مِنْهُ خيرا كثيرا وصنف لَهُ العليف تَارِيخا سَمَّاهُ الدّرّ المنظوم فِي مَنَاقِب السُّلْطَان بايزيد ملك الرّوم وامتدحه بقصيدة رائية طنانة أَولهَا من الطَّوِيل (خُذُوا من ثنائِى موجبَ الحمدِ والشكرِ ... ومِنْ در لفظِى طيب النظمِ والنثْرِ) (فيا رَاكِبًا يسري على ظَهْر ضامر ... إِلَى الرّوم يهدي نَحْوهَا طيبَ النشْرِ) (لَك الْخَيْر إِن وافيت بروص عُجْ بهَا ... رويداً لإسطنبولَ سامية الذكْرِ) (لدي ملك لَا يبلغُ الوضْفُ كنهَهُ ... شرِيف المساعي نَافِذ النهْيِ والأمرِ) (إِلَى بايزيد الخَيْر وَالْملك الَّذِي ... حمى بَيْضَة الإسلامِ بالبيضِ والسمرِ) (وجرد للدّين الحنيفيِّ صَارِمًا ... أباد بِهِ جمع الطَواغيتِ والكُفْرِ) (وجاهدهم فِي الله حقَّ جهادِهِ ... رَجَاء لما يبقَى من الفوزِ والأجرِ) (لَهُ همة تملا الصُّدُور وصولة ... مقسَّمة بَين المخافةِ والذكْرِ) (أطاعَ لَهُ مَا بَيْن رومٍ وفارسٍ ... ودان لَهُ مَا بَين بُصْرى إِلَى مصرِ) (هُوَ البحرُ إِلَّا أَنه دائمُ العطا ... وذلكَ لَا يَخْلُو من المدِّ والجزرِ) (هُوَ البدرُ إِلَّا أَنه كَامِل الضيَا ... وَذَاكَ حليفُ النقْصِ فِي معظمِ الشهرِ) (هُوَ الغيثُ إِلَّا أَن للغيثِ مسكةً ... وَذَا لَا يزالُ الدَّهْر ينهل بالقطرِ) (هُوَ السيفُ إِلَّا أَن للسيفِ نبوة ... وفلَاّ وَذَا ماضي العزيمةِ فِي الأمْرِ) (سليلُ بني عُثْمَان والقادةِ الألَى ... علا مجدهُمْ فوقَ السماكَيْنِ والنسرِ) (ملوكٌ كرامُ الأصلِ طابَتْ فروعُهمْ ... وَهل ينسبُ الدِّينَار إِلَّا إِلَى التبرِ) (محا أثر الكفارِ بالسيفِ فاغتدَتْ ... بِهِ حوزة الإسْلامِ ساميةَ القَدْرِ) (فيا ملكا فاق الْمُلُوك مكارماً ... فكلٌّ إِلَى أدنى مكارمه يجرِي) (لَئِن فقتهُمْ فِي رُتْبَة الملكِ والعلا ... فإنَّ اللَّيَالِي بَعْضهَا ليلةُ القدرِ)

стр. 1718

(فدتك ملوكُ الأرضِ طراَّ لِأَنَّهَا ... سراجٌ وأنتَ البدرُ فِي غرَّة الشهرِ) (تَعاليْتَ عَنْهُم رفْعَة ومطانهً ... وذاتاً وأوصافاً تجلُّ عَن الحصرِ) (لَك العزةُ القعساءُ والرتبةُ الَّتِي ... قواعدهَا تسمو على أبرجِ النسرِ) (سموتَ علوَّا إِذْ دنوتَ تواضعاً ... وقمتَ بِحَق الله فِي السِّرّ والجهرِ) (غَدَتْ بك أرضُ الرومِ تزهو ملاحةً ... وترفل فِي ثوبِ الجلالةِ والفجرِ) (إِلَيْك ابْن عُثْمَان الَّذِي سَارَ ذكْرُهُ ... مسير ضِيَاء الشمَسِ فِي البَرَّ والبَحْرِ) (يمينكَ تروى عَن يسارٍ ونائلٍ ... ووجهُكَ يرْوى فِي البشاشة عَن بشرِ) (وَإِنِّي لصوَّانٌ لدرِّ قلائدي ... عَن المدحِ إِلَّا فِيك يَا مَالك العصرِ) (فقابل رعاكَ الله شكري بمثلِهِ ... فَإنَّك للمعروف من أعظمِ الذخر) (فَلَا زلتَ محروسَ الجنابِ مؤيداً ... من الله بالتوفيقِ والعزِّ والنصرِ) فَأمر للعليف بعد وصولها إِلَيْهِ وفرحه بهَا بِأَلف دِينَار ذَهَبا جَائِزَة ورتب لَهُ فِي دفتر الصر لكل عَام مائَة دِينَار ذَهَبا فَصَارَت بعده لأولاده رَحِمهم الله تَعَالَى وَكَانَ للسُّلْطَان بايزيد أَوْلَاد وَلم يخلع بِالْملكِ إِلَّا لوَلَده سليم خَان ودام سُلْطَانه اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ عَاما إِلَى أَن مَاتَ سنة ٩١٨ تِسْعمائَة وَثَمَانِية عشر (ثمَّ تولى السُّلْطَان سليم ابْن السُّلْطَان با يزِيد) (كاسر الْعَجم وفاتح بِلَاد الْعَرَب) وَجلسَ فِي سنة ثَمَان عشرَة وَتِسْعمِائَة وَفِي سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة ركب على إِسْمَاعِيل شاه الْعَجم ابْن الشَّيْخ حيدر ابْن الشَّيْخ جُنَيْد ابْن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم ابْن سُلْطَان خوجه شيخ عَليّ ابْن الشَّيْخ صدر الدّين مُوسَى ابْن الشَّيْخ صفي الدّين إِسْحَاق الأردبيلي وَإِلَيْهِ ينْسب أَوْلَاده فَيُقَال لَهُم الصفويون وَكَانَ الشَّيْخ صفي الدّين صَاحب زَاوِيَة فِي أردبيل وَله سلسلة فِي الْمَشَايِخ أَخذ عَن الشَّيْخ زاهد الكيلاني وتنتهي بوسائط إِلَى الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أَحْمد الْغَزالِيّ فَرجع بالظفر الْمُبين ثمَّ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة ركب على السُّلْطَان الغوري وكسره فِي مرج دابق قرب حلب وأباد ملكه وَقد مرت قصَّته

стр. 1719

وَمن وزرائه الأجلة بير باشا وَابْن هرسك أَحْمد وَسنَان باشا وزنبيلي وَغَيرهم مولده فِي أماسية سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَكَانَ عمره جَمِيعه أَرْبعا وَخمسين سنة وَلم تطل سلطنته لِأَنَّهُ كَانَ سفاكاً وَهَذِه عَادَة الله تَعَالَى فِي السلاطين والأمراء إِذا أَكْثرُوا من الْقَتْل وَكَانَ سُلْطَانا قهاراً ملكا جباراً يُغير زيه فِي لِبَاسه ويتجسس فِي اللَّيْل وَالنَّهَار ويطلع على الْأَخْبَار وَله عدَّة مصاحبين يدورون تَحت القلعة وَفِي الْأَسْوَاق والمحافل والجمعيات وَمهما سَمِعُوهُ ذَكرُوهُ لَهُ فَيعْمل بِمُقْتَضى مَا يسمعهُ وَله معرفَة باللسانين الرُّومِي والفارسي وَشعر رائق ونظم فائق وَرَأَيْت لَهُ بَيْتَيْنِ فِي الكوشك الَّذِي بني لَهُ لما فتح مصر وهما بالعربي بِخَطِّهِ قَوْله من الْبَسِيط (ألمُلْكُ لِلَّهِ مَنْ يَظْفَرْ بِنَيْلِ مُنّى ... يَتْرُكْهُ قَسْرًا ويَضْمَنْ بَعْدَهُ الدَّرَكَا) (لَوْ كَانَ لِي أَوْ لِغَيْري قَدْر أُنْمُلَةٍ ... فَوْقَ التُّرَابِ لَكَانَ الأَمْرُ مُشْتَرَكَا) وتحتها مَا صورته كتبه سليم بذلك الْحَظ والقلم كَذَا ذكره الْعَلامَة قطب الدّين النَّهر والى عَن نَفسه فَهُوَ فَاعل رَأَيْت وسليم هَذَا هُوَ أول من ملك مصر من آل عُثْمَان سلاطين الزَّمَان أدام الله تَعَالَى دولتهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمد على ملكهم فسطاط الإجلال والكرامة فَإِنَّهُم ظلّ الله تَعَالَى الْمَمْدُود على الأَرْض والقائمون بشعائر الْإِسْلَام من السّنة وَالْفَرْض كَانَ عَظِيم الهيبة سعيد الْحَرَكَة كثير المبرات دَائِم الْأَسْفَار مستيقظاً للأمور الجليلة نظره إِلَى معالي الْأُمُور لَو انتظم فِي سلكه كل لَحْظَة أعظم الْأَمْصَار هُوَ عِنْده فِي غَايَة الاحتقار والاستصغار ويكفيه فتح مصر أم الدُّنْيَا طَابَ ثراه فِي الْجنان الْعليا ولد السُّلْطَان سليم سنة خمس وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَتَوَلَّى السلطنة بعد أَبِيه فِي حَيَاته بنزوله لَهُ عَن الْملك لأمر اقْتَضَاهُ الْحَال وَأما سَبَب ركُوبه ومقاتلته لإسماعيل شاه فَإِن إِسْمَاعِيل هَذَا طَغى وبغى وَصَارَ يقتل من ظفر بِهِ قتلا ذريعاً وَلَا يمسك شَيْئا من الخزائن بل يفرقها فِي الْحَال على عساكره إِلَى أَن ملك تبريز وأذربيجان وبغداد وعراق الْعَجم وخراسان وَكَانَ يَدعِي الربوبية وَكَانَ عسكره يَسْجُدُونَ لَهُ وَقتل خلقا لَا يُحصونَ ينيفون

стр. 1720

على ألف ألف أَو يزِيدُونَ بِحَيْثُ لَا يعْهَد فِي الْإِسْلَام وَلَا فِي الْجَاهِلِيَّة مِقْدَار مَا قَتله شاه إِسْمَاعِيل هَذَا وَهُوَ من مُلُوك الْعَجم الموسومين بقزل باش وَكَانَ ركُوبه عَلَيْهِ سنة عشْرين وَتِسْعمِائَة فحاربهم الْحَرْب الشَّديد وانتصر عَلَيْهِم وَملك غَالب بِلَادهمْ مَعَ مزِيد قوتهم وعزتهم وَكَانَ قبل الْحَرْب كتب إِلَيْهِم كتابا فَلم يعبئوا بِهِ ثمَّ كتب إِلَيْهِم كتابا آخر أغْلظ عَلَيْهِم فِيهِ ووسمهم بالخوف والجبن عَن اللِّقَاء فاستهضهم بِهِ ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا وَصُورَة الْكتاب الأول ليعلم إِسْمَاعِيل بهادر أصلح الله أحوالة أَن جَمِيع أهل الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام وعلماء الدّين وَالْإِسْلَام المحبين لشريعة سيد الْأَنَام قد أفتوا بكفرك وفسادك وضلالك وعنادك لارتكابك العقائد الْفَاسِدَة والضلالات الكاسدة وَالْأَحْوَال الفظيعة والأقوال القبيحة الشنيعة وَمن اسْتحلَّ مَا حرم الله فَلَا شكّ فِي كفره فَلذَلِك نشرت الْأَعْلَام الإسلامية والرايات الدِّينِيَّة وسرتُ إِلَى بلادك لإمحاء رسمك ووجودك واضمحلال اسْمك وجنودك لَكِن لما كَانَ من سنة الدّين وَطَرِيق الْحق الْمُبين الْإِخْبَار والإعلام بالدعوة إِلَى اتِّبَاع شَرِيعَة الْإِسْلَام قبل الإلجاء بِالسَّيْفِ حِين لَا يُفِيد أَيْن وَلَا كَيفَ أرْسلت إِلَيْك مخبرا بأنك إِن أخلصت التَّوْبَة وصدقت فِي الأوبة وَرجعت عَن تِلْكَ العقائد القبيحة الفظيعة فقد فزت بالمقصد الْأَسْنَى وَلَك الْأمان مَعَ الزِّيَادَة فِي الْحسنى وَإِن لم ترجع فلتعلم أَنِّي قد سرت إِلَيْك بآيَات النَّصْر والتمكين ورايات الظفر الْمُبين عملا بقوله تَعَالَى ﴿قتلوا الَذِين يُلونَكُم من الكفارِ﴾ التَّوْبَة ١٢٣ لترمى بِالْعَذَابِ مجاهرة والنكال مباهرة وَالسَّلَام على من اتبع الْهدى فَلم يرتدع لذَلِك فَأرْسل إِلَيْهِ بِكِتَاب ثانٍ بديع اللَّفْظ والمعاني فَلم يرتدع لفرط العتو والطغيان فَسَار إِلَيْهِ السُّلْطَان سليم فتلاقيا فِي شالدران بِقرب تبريز وَأَرَادَ أَن يُقيم بتبريز لأخذ إقليم الْعَجم جَمِيعه فَمَا أمكنه ذَلِك لِكَثْرَة الغلاء والقحط وَسبب ذَلِك أَن القوافل الَّتِي كَانَ أعدهَا السُّلْطَان سليم لِأَن تتبعه بالميرة والعليق تخلفت عَنهُ فِي مَحل الِاحْتِيَاج إِلَيْهَا وَمَا وُجد فِي تبريز شَيْء من المأكولات والحبوب لِأَن إِسْمَاعِيل شاه حرقها عِنْد انكساره فَاشْتَدَّ الغلاء بِحَيْثُ بِيعَتْ العليقة بِنَحْوِ مِائَتي دِرْهَم والرغيف الْخبز بِمِائَة دِرْهَم فاضطر السُّلْطَان سليم إِلَى الْعود

стр. 1721

عَن تبريز إِلَى بِلَاد الرّوم وَتركهَا خاوية على عروشها ثمَّ تفحص عَن سَبَب انْقِطَاع القوافل وتأخرها عَنهُ وَقت الْحَاجة فَأخْبر أَن سَبَب ذَلِك أَن سطان مصر الغوري قانصوه كَانَ بَينه وَبَين إِسْمَاعِيل شاه محبَّة ومودة ومراسلات بِحَيْثُ كَانَ السُّلْطَان الغوري يتهم بالرفض وعقيدته سَبَب ذَلِك فَلَمَّا ظهر للسطان سليم أَن الغوري هُوَ الَّذِي أَمر بِقطع القوافل عَنْهُم صمم على قتال الغوري أَولا وَبعد استيلائه عَلَيْهِ وعَلى بِلَاده يتَوَجَّه على شاه إِسْمَاعِيل ثَانِيًا فَلَمَّا اسْتَقر ركابه فِي تخت ملكه تهَيَّأ لأخذ مصر وَإِزَالَة دولة الشراكسة عَنْهَا وَتوجه إِلَى ناحيته من جِهَة حلب فَالْتَقَيَا ب مرج دابق كَمَا تقدم ذكر ذَلِك مفصلا كَانَت مدَّته ثَمَان سِنِين وأياماً وَتُوفِّي سنة سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة ﵀ برحمته وَأَسْكَنَهُ بحابيح جنته (ثمَّ تولى السُّلْطَان سُلَيْمَان بن سليم خَان) (سنة سِتّ وَعشْرين وَتِسْعمِائَة) ولد سنة تِسْعمائَة تَقْرِيبًا فَتكون سنُّه حِين التَّوْلِيَة سِتا وَعشْرين سنة سلك طَرِيق المعدلة وجادة الْإِنْصَاف وتفقد أَحْوَال الرعايا والعساكر وَرفع الظُّلم والاعتساف وَأعْرض عَن المنهيات وَله خيرات لَا تحصى مَعْرُوفَة فِي الْآفَاق وفتوحات وغزوات رفعت أهل الْإِيمَان وخفضت أَرْبَاب الشقاق والنفاق مِنْهَا انكروس ورودس وبُدِن وبلغراديج وغزوة الْعَجم وألمان وأولونية وبغداد واسطنبول والستوراغون وسكتوار آخر غَزَوَاته وَتُوفِّي فِيهَا سنة ٩٧٤ أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَمن مشاهير الْعلمَاء فِي أَيَّام دولته الْمُفْتِي على شلبي وَكَمَال باشا زَاده وسعدي شلبي وجوي زَاده ومفتي خواجه شلبي وَأَبُو السُّعُود أَفَنْدِي صَاحب التَّفْسِير وَغَيرهم ووزراؤه بيري باشا وَإِبْرَاهِيم باشا وَإيَاس باشا ولطفي باشا وَسليمَان باشا ورستم باشا وَعلي باشا وَمُحَمّد باشا كلهم كَانُوا أَرْبَاب خيرات ومبرات افْتتح الْبلدَانِ الواسعة بالقهر وَالْحَرب وَأخذ الْكفَّار والملاحدة بالطعن

стр. 1722

وَالضَّرْب وأيد الدّين الحنيفي بمجده وسيفه الباتر وَأقَام الْملَّة الحنيفية وَأَحْيَا مَا لَهَا من مآثر وَنصر مَذْهَب السّنة السّنيَّة وَأظْهر شَعَائِر الْإِسْلَام البهية وردع أهل الْإِلْحَاد فَمَا لَهُم من قُوَّة وَلَا نَاصِر وَكَانَ مُجَدد دين هَذِه الْأمة المحمدية فِي هَذَا الْقرن الْعَاشِر كَمَا ورد لِكُل قَرنٍ مُجَددٌ ظَاهر وَبنى الْمدَارِس الْمَعْرُوفَة بالسليمانية للأربعة الْأَئِمَّة الْمَالِكِي ثمَّ الْحَنَفِيّ ثمَّ الشَّافِعِي ثمَّ الْحَنْبَلِيّ وَقد جعلت مدرسة دَار حَدِيث لعدم متأهل من الْحَنَابِلَة وَبسط بِسَاط الْعدْل فِي سَائِر الممالك وَفتح القلاع والحصون ومهد المسالك وَكَانَت أَيَّام سلطنته باسمة الثغور ودولته الشَّرِيفَة عرة فِي جباه الدهور وَله فتوحات عديدة مِنْهَا وَهُوَ أَولهَا رودس وَغَيرهَا مِمَّا تقدم ذكره وَمِنْهَا الأقطار اليمنية وثغورها الإسلامية وَكَانَت فِي الْقَدِيم لعدة سلاطين وملوك وَهَهُنَا أَحْبَبْت ذكر رسَالَته إِلَى الإِمَام المطهر بن شرف الدّين الحسني الدَّاعِي بقطر الْيمن لحسن تنميقها وَكَثْرَة تحقيقها ومتانة ألفاظها وإيراقها ورصانة إرعادها وإبراقها وَهِي بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مثالنا الشريف السلطاني وخطابنا المنيف العالي الخاقاني لَا زَالَ نَافِذا مُطَاعًا بالعون الرباني واليمن الصمداني أرسلناه إِلَى الأميري الكبيري العوني النصيري الهمامي المطهري الشريفي الحسيبي النسيبي فرع الشَّجَرَة الزكية طراز الْعِصَابَة النَّبَوِيَّة العلوية ونسل السلالة الهاشمية السّنيَّة المطهر بن شرف الدّين نخصه بِسَلام أتم وثناء أَعم ونبدي لعلمه الْكَرِيم أَنه لَا يزَال يتَّصل بمسامعنا الشَّرِيفَة إخلاصه لدينا وقيامه بِقَلْبِه وقالبه بمرضاة سلطاننا وانقياده إِلَى جانبنا وبمقتضى ذَلِك حصل شكرنا التَّام وَالثنَاء الْعَام على مناصحته ومكاتبته وَلما برز أمراؤنا الشَّرِيفَة مسابقين مُتَتَابعين مَعَ وزيرنا الْمُعظم سُلَيْمَان باشا إِلَى الْبِلَاد الْهِنْدِيَّة لفتح تِلْكَ الْجِهَات السّنيَّة إحْيَاء لسنة الْجِهَاد وَقطع دابر الْفساد وَأهل

стр. 1723

العناد فَاسْتَبْشَرَ بذلك كل مُسلم وَصَارَ فَرحا مَسْرُورا فَوَقع قدر الله وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا فَرجع وزيرنا الْمشَار إِلَيْهِ فَوجدَ طَائِفَة من اللوند قد تملكوا زبيد من المملكة اليمنية وَحصل مِنْهُم غَايَة المشاق بأذى الرّعية وَزَاد ظلمهم على الْعباد والبلاد وَعم ضررهم كل حَاضر وباد فتتبع آثَارهم وَقطع دابرهم واستنقذ الرعايا من أَيْديهم وَصَارَت مملكة زبيد من ممالكنا الشَّرِيفَة وَعَاد إِلَى أعتابنا المنيفة وأبرز من يَدَيْهِ مكتوبكم ومكتوب والدكم يتَضَمَّن الْإِخْلَاص لطاعة سلطاننا وأنهما صَارا من أتباعنا اللائذين بأعتابنا وبموجب ذَلِك حصل عندنَا لكم زِيَادَة الْمحبَّة الصادقة وَحسن الْمَوَدَّة وتحققنا مَا كَانَ يبلغنَا عَنهُ على أَلْسِنَة النَّاس السفار المتمرددين على أعتابنا الشَّرِيفَة من تِلْكَ الديار وبلغنا الْآن عَنْهُمَا خلاف ذَلِك وَتغَير مَا كاتبنا بِهِ فِي السَّابِق مثل غير مُطَابق وَأَنه وَقع بَينهمَا وَبَين أمرائنا وعساكر دولتنا بِتِلْكَ الْبِلَاد خُلف كَبِير ووقائع عَم ضررها الْمَأْمُور والأمير وَهَذَا عين الْخَطَأ الْمَحْض الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ ذهَاب الرّوح لمن عقل وَفهم ﴿إِن الله لَا يُغَيّرُ مَا بِقَومٍ حَتَى يُغَيِروا مَا بِأَنفُسِهِم﴾ الرَّعْد ١١ فَالْآن ملكنا الشريف السَّامِي قد ملك بعون الله تَعَالَى بِسَاط الأَرْض شرقاً وغرباً وَصَارَت سلطنتنا الْقَاهِرَة كالإبريز الْمُصَفّى بعون النَّبِي الْمُصْطَفى ورقم سجل سعادتنا بآيَات النَّصْر على أهل الْعَصْر وعَلى سَائِر الْمُلُوك بإحياء سنة الْجِهَاد إِلَى يَوْم الْعرض ﴿ذَلِكَ فَضلُ اَللهِ يُؤتيهِ مَن يَشَاء﴾ الْجُمُعَة ٤ ﴿وَأَماً مَا ينفع النَّاس فيمكث فى الأَرْض﴾ الرَّعْد ١٧ وعساكرنا المنصورة أَيْنَمَا انخرطت خرطت وأينما سَقَطت التقطت وحيثما سلكت ملكت وَأَيْنَ حلت فتكت لَا يعجزهم صَغِير وَلَا كَبِير وَلَا جليل وَلَا حقير وَلَو شِئْنَا لعينا من عساكرنا المنصورة شرذمة قَلِيلُونَ نَحْو مائَة ألف أَو يزِيدُونَ مشَاة وركباناً من الْبر وَالْبَحْر لأمرائنا ولأمرنا ممتثلون ونقوي عَددهمْ بالاستعداد ونشدهم بِالْقُوَّةِ والآلة والزاد وَنَتبع الْعَسْكَر بالعسكر ونملأ الْبر وَالْبَحْر ونلحق الْجَيْش بالجيش من كل أسود وأحمر حَتَّى يتَّصل أول عساكرنا بآخرهم وواردهم بصادرهم وَيكون أَوَّلهمْ فِي الْبِلَاد اليمانية وَآخرهمْ فِي بِلَادنَا المحمية وَلَا نحتاج نعرفكم بقدرة سلطاننا وتشييد أَرْكَان دولتنا وَتَشْديد عزمتنا فَإِن

стр. 1724

الْمُلُوك ذَوي التيجان وَأَصْحَاب الْقُوَّة والإمكان لَا يزالون خاضعين لهيبتنا الشَّرِيفَة قهرا عَلَيْهِم مطأطئين رُءُوسهم خشيَة مِمَّا يلْحق بهم عِنْد الْمُخَالفَة وَيصير إِلَيْهِم وَذَلِكَ مَشْهُور وَمَعْلُوم وَظَاهر لَيْسَ بمكتوم لَكِن غلب حلمنا عَلَيْهِ من تَعْجِيل النكاية إِلَيْهِ كَونه من سلالة سيد الْمُرْسلين وَمن أهل بَيت النُّبُوَّة الطاهرين ولازم على ناموس سلطنتنا الشَّرِيفَة أَن ننبه قبل اتساع الْخرق عيه ونعرفه بِمَا يحل بِهِ وَيصير إِلَيْهِ وَكَونه آوى إِلَى الْجبَال يتحصن بهَا عَن الزَّوَال وَيَزْعُم أَن ذَلِك بنجيه فَهَذَا عين الْمحَال وتدبيره تدميره على كل حَال جهل ذَلِك أم علم ﴿لَا عَاصمَ اليوَمَ مِن أَمرِ اَللهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾ هود ٤٣ ﴿أَين اَلمفرُ كلا لَا وَزَرَ﴾ الْقِيَامَة ١٠ ١١ وَلَا لهارب من سلطنتنا مفر وَقد اقْتَضَت أوامرنا الشَّرِيفَة تعْيين افتخار الْأُمَرَاء الْكِرَام صَاحب الْعِزّ والاحتشام الْمُخْتَص بعناية الْملك والعلام مصطفى باشا دَامَت معدلته ونفذت كَلمته باشا على العساكر المنصورة وصحبته ثَلَاثَة آلَاف من الْجند المؤيدة بِاللَّه مشَاة ورماة حماة إِعَانَة لأمير الْأُمَرَاء الْكِرَام ذَوي الْقدر والاحترام الْمَخْصُوص بمزيد عناية الْملك العلام ازدمر باشا دَامَت معدلته وحرست نعْمَته وعينا من الْبر ألفي فَارس وهيأنا مثلهَا بعددها وعليقتها من الْبَحْر فَعرض على مسامعنا الشريف مصطفى باشا أَن أَن يُؤَخر تجهيز الْجَيْش الْمَذْكُور من الْبَحْر إِلَى حِين يتَوَجَّه إِلَى تِلْكَ الْجِهَات وَينظر فِي الْأَحْوَال وَمَا عَلَيْهِ أهل تِلْكَ الأقطار من الْحَال وَإِذا وَقع من أحد خلاف وَاحْتَاجَ إِلَى الْخُيُول الْمَذْكُورَة فيجهز إِلَيْنَا لطلبهم فتصل إِلَيْهِ على مَا يحب فأخرنا ذَلِك إِلَى حِين يعود الْجَواب بتحقيق الْأَخْبَار عَن الإِمَام وَولده فحال وُصُول مصطفى باشا الْمشَار إِلَيْهِ إِلَى تِلْكَ الديار واستقراره بِتِلْكَ الأقطار وَلَا بُد أَن تحضر إِلَى خدمته ممتثلاً لكلمته وتقابله بقلب منشرح وَصدر منفسح وتمشي تَحت صناجقنا الشَّرِيفَة وَتدْخل تَحت طاعتنا المنيفة وَتَكون مَعَ عساكرنا مُنْضَمًّا لأوامرنا على قلب رجل وَاحِد غير متقاعس وَلَا متقاعد فَإِن مصطفى باشا الْمشَار إِلَيْهِ باشا عساكرنا وَخَلِيفَة أمرنَا وَكَلَامه من كلامنا وَأمره من أمرنَا وَنَهْيه من نهينَا وَمن أطاعه فقد أطاعنا وَمن خَالفه فقد خَالَفنَا ونعوذ بِاللَّه من الْمُخَالفَة وَعدم الانقياد والمؤالفة فليتفكر المطهر فِي

стр. 1725

نَفسه قبل حُلُول رمسه وليتنبه من رقدته ويصحو من غفلته ويفيق من سكرته فَإِن فعل ذَلِك وانضم إِلَى سلطنتنا الشَّرِيفَة فقد رحم نَفسه وصان مهجته وَيرى من دولتنا العادلة غَايَة الرِّعَايَة وبلوغ الأمنية مَعَ الزِّيَادَة إِلَى حد النِّهَايَة وَأَنه إِذا دخل تَحت طاعتنا وَمَشى على الاسْتقَامَة لدينا وانضم إِلَى عساكرنا فننغم عَلَيْهِ بأمرنا الشريف بِمَا يسْتَحق بِهِ فِي مَمْلَكَته مُسْتقِلّا بِهِ من غير معَارض لَهُ فِي ذَلِك وَلَا مُنَازع لَهُ فِيمَا هُنَالك فَحَيْثُ فعلت فَأَنت من الفائزين لَا تخف وَلَا تحزن إِنَّك الْيَوْم لدينا مكين أَمِين وَإِن حصل وَالْعِيَاذ بِاللَّه مُخَالفَة وَاسْتمرّ على العناد والمجانفة وانهمك فِي الضلال والمكابرة والخيال فَيُصْبِح ذَنبه فِي رقبته وَيهْلك نَفسه بِيَدِهِ ﴿وَمَا ظلمنهم وَلَكن كاَنوُا أَنفُسَهُم يَظْلِمُونَ﴾ النَّحْل ١١٨ وَيدخل فِي قَول أصدق الْقَائِلين ﴿يُخرِبوُنَ بيوُتَهُم بِأَيدِيهِم وَأَيدي اَلمُؤمنينَ﴾ الْحَشْر ٢ وَيصير بعد الْوُجُود إِلَى الْعَدَم ويندم حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ النَّدَم وَقد حذرنا رأفة بِهِ وتحننا عَلَيْهِ بإصدار هَذَا الْكتاب إِلَيْهِ فَإِن خَالف أتيناه بِجُنُود لَا قبل لَهُ بهَا وأخرجناه مِنْهَا ذليلاً حَقِيرًا لَا ملْجأ لَهُ من سلطنتنا إِلَّا إِلَيْهَا الَّتِي هِيَ لِمن سَالَمَهَا ظلاً ظليلاً وعَلى من خالفها عذَابا وبيلاً وَمثله لَا يدل على الصَّوَاب فليعتمد على ذَلِك وعلامتنا الشَّرِيفَة حجَّة عَلَيْهِ وَالسَّلَام عَلَيْهِ فَكتب إِلَيْهِ الإِمَام المطهر الْجَواب وَهُوَ نور الله شمس الْإِسْلَام وأطلعها وفجر عُيُون الشَّرِيعَة وأنبعها ولألأ كواكب الدّين الحنيفي وأسطعها وَأَعْلَى منار الْملَّة الْبَيْضَاء ورفعها وزلزل جموع الظُّلم والعداوة وزعزعها وأرعد قُلُوب الْجَبَابِرَة المردة وأرعيها وَألف بَين قُلُوب الْمُسلمين وَجَمعهَا بدوام دولة مَوْلَانَا السُّلْطَان الْمُعظم الْعَظِيم ذِي الْملك الباهر القاهر الْعَقِيم الْقَاطِع بسيوف عزمه عنق كل جَبَّار أثيم الَّذِي أُوتِيَ الْحِكْمَة والتحية وَالله يُؤْتِي من يَشَاء فَضله العميم شمس الْخلَافَة المضيئة فِي اللَّيْل البهيم ظلّ الله فِي أرضه الْقَائِم بسنته وفرضه القويم حجَّة الله الْوَاضِحَة للحق على التَّعْمِيم أَمِينه على خلقه وخليفته الْقَائِم بِحقِّهِ بِتَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم المتسم بحماية آل الرَّسُول وَأَبْنَاء فَاطِمَة البتول سلالة النَّبِي الْكَرِيم الباسط عَلَيْهِم ظلّ عدله فَلَا ينالهم حَر الْجَحِيم فهم راتعون فِي رياض إحسانه وَلها نبت وسيم وكارعون من حِيَاض امتنانه الَّتِي لَا يشوب صفوها الدَّهْر المليم سامي

стр. 1726

الفخار زكي الأَصْل والنجار الفائز بحوز قصبات السَّبق فِي الْحسب الصميم الْكَاف لأكُف من تعاشى عَن الْهِدَايَة وسلك مسالك الغواية وَكَانَ لَهُ فِي العجرفة تصميم الَّذِي لَا تحصى صِفَاته بتعداد وَلَو أَن الشّجر أَقْلَام وَالْبَحْر مداد واسأل بذلك كل خَبِير عليم الخنكار الْكَبِير والخاقان الشهير سُلَيْمَان بن سليم أهدي إِلَى مقَامه نَجَائِب التَّحِيَّة وَالتَّسْلِيم وَرَحمته الطّيبَة وَبَرَكَاته الصيَّبة الموصولة بنعيم دَار النَّعيم وحرس جنابه العالي وَحرمه الْمُحْتَرَم من صروف اللَّيَالِي بِمَا حفظ بِهِ الْآيَات وَالذكر الْحَكِيم فَإِنَّهُ ورد من تلقائه أَطَالَ الله للْمُسلمين فِي بَقَائِهِ مرسوم سطعت أنواره وطلعت بالمسرة شموسه وأقماره وتضاحكت فِي عرصات الْمجد كمائمه وأزهاره وَجَرت فِي جداول الْحَمد أنهاره وتحاسد على مشرفه ليل الزَّمَان ونهاره مرسوم تقر بِهِ الْعُيُون وَتصْلح بِهِ الْأَحْوَال والشئون أنشئ لله نجاره فوجدناه أشفى من الترياق وأبهى من الإثمد فِي دعجٌ الأحداق يتبلج تبلج الْبَرْق ويحلب الْخيرَات تحلب الودق يفوق اللُّؤْلُؤ الثمين منشوراً ويفضح شقائق النُّعْمَان زهوراً وَيجْعَل مَمْدُود الثَّنَاء عَلَيْهِ مَقْصُورا فتعطرت الأندية بنشره وأعلنت الألسن بِحَمْدِهِ وشكره وهب فِي الْبَوَادِي والأمصار نسيم ذكره وَدخلت النَّاس أَفْوَاجًا تَحت نَهْيه وَأمره // (من الْخَفِيف) // (حَبَّذا مُدْرَجًا كَرِيمًا جَليْلاً ... زَانَهُ مُنْشِىءٌ كَرِيمٌ جَلِيلُ) (لَفْظهُ الدُّرُّ فِي السُّمُوطِ وفَخْرًا ... وبِمَعْنَاهُ سَلْسَلٌ سَلْسَبِيلُ) (وإِذَا المُدْرَجَاتُ كَانَتْ مُلُوكًا ... فَهْوَ فِيهَا وبَيْنَها إِكْلِيلُ) (مُدْرَجٌ فِيهِ للبَهاءِ غُدو ... ومَرَاحٌ ومَسْرحٌ ومَقِيلُ) فَللَّه در أنامل صاغته بالبلاغة وضمنته مَا يعجز عَنهُ قدامَة وَابْن المراغة فَلَو رَآهُ الْملك الضليل لطأطأ رَأسه خاضعاً أَو لبيد خر سَاجِدا وراكعاً وعرفنا مَا ذكره سُلْطَان الْأُمَم وَملك رِقَاب الْعَرَب والعجم المتسم بحماية الْحرم من الْإِحَاطَة بطاعتنا ودخولنا تَحت لوائه وأقواله وأفعاله وَالْحَمْد لله الَّذِي وفقنا لطاعته وردنا عَن السلوك فِي مُخَالفَته فَإِن لنا بكم الْحَظ الأوفر مَعَ زِيَادَة الْحسنى والنصيب الأفخر الأهنى

стр. 1727

وَنَرْجُو نيل الشّرف الْكَامِل الْأَكْمَل ونجح المُنَى والمطالب وبلوغ نِهَايَة الْأَمَانِي والمآرب فَمن اسستمسك بعروتكم الوثقى فَازَ بمطالبه ونال الْغَايَة القصوى من مآربه وَرفع لَهُ الدَّرَجَات السامية الْعلية وَتمّ لَهُ بذلك كل سُؤال وأمنية ويحظى بعيشة هنيَّة راضية مرضية وَهَذِه طَريقَة مَعْرُوفَة وَسنة قديمَة مألوفة لَا تميل عَن الوفا وَلَا تكدر من ذَلِك المشرب مَا صفا كَيفَ وطاعتكم من طَاعَة الْملك الْخَالِق ومعصيتكم تظلم مِنْهَا المغارب والمشارق وَنحن من مودتكم على يَقِين وَنَرْجُو أَن لَا تصفوا أذنا الْكَلَام الْفَاسِقين وَلَا تهملوا رِعَايَة الصَّالِحين الْمُتَّقِينَ وَلَا تقطعوا حق ذُرِّيَّة النَّبِي الْأمين وَأَبْنَاء عَليّ الأنزع البطين كرم الله وَجهه فِي عليين ﴿قل لَا أسئلكم عليهِ أجرا إِلا المَوَدةَ فِي القُربى﴾ الشورى ٢٣ وَذَلِكَ نَص الْكتاب الْمُبين فَأنْتم أولى برعاية من أَمر الله أَن يرْعَى وَمن تقر بِهِ من عِترَةِ النَّبِي أذنا وسمعاً فكم لكم من محامد مشكورة ومفاخر مَشْهُورَة ومعاني جميلَة منثورة نؤمل أَن تشقوا بحسامها نوافج الوشاة وتردوا كيد كل كَذَّاب لَا يراقب الله وَلَا يخشاه وَالَّذِي يَنْقُلهُ إِلَيْكُم أَرْبَاب الزُّور والإفك والفجور من تَحَوَّلْنَا عَن طَاعَة السُّلْطَان الْأَعْظَم ومخالفتنا لما سبق من مودتنا وَتقدم كذب يُعلمهُ الداني والقاصي وَمن التمويه الَّذِي لناقله أَشد الاقتصاص حاشا وكلا أَن نرضى مُخَالفَة أَو نَمِيل عَن الْأَحْوَال السالفة أَو ننكر تِلْكَ المعارف العارفة نَعُوذ بِاللَّه من الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ أَو نَكُون مِمَّن تعدى الْحَد بعد الطّور وتقاعد عَن طاعتكم وَهِي مَحل السَّعْي إِلَيْهَا على الْفَوْر فنكون كمن اشْترى الضَّلَالَة بِالْهدى وتحول عَن السَّلامَة إِلَى مخاوف الردى وَآل الرَّسُول ﵊ أعرف النَّاس بِالصَّوَابِ وأعلمهم بمعاني السّنة وَالْكتاب أطِيعُوا الحَدِيث وَمن نسب إِلَيْهِم خلاف ذَلِك فَهُوَ خَبِيث نبيث فثقوا منا بالمحبة الراسخة أطنابها والمودة الشامخة قبابها وَالرِّعَايَة المفتحة أَبْوَابهَا وَالَّذِي أشرتم إِلَيْهِ فِي سامي الْخطاب وبطاقة الْكتاب من بُلُوغ مخالفتنا لعساكركم المنصورة وكتائبكم الواسعة الموفورة لَيْسَ لَهُ صِحَة وَلَا ثبات وَلَا كَانَ لنا إِلَى حربهم تعد وَلَا الْتِفَات بل قصدونا إِلَى تِلْكَ الْجِهَات وجلبوا علينا

стр. 1728

أتراكاً وأرواماً وهتكوا أستاراً كَانَت بَيْننَا وَبينهمْ وذماماً وَلَا راعوا لأوامركم الشَّرِيفَة فِينَا أحكاماً وضيقوا علينا مسالك الْمَعيشَة خلفا وأماماً ورمونا بمدافع لَا يرْمى بهَا إِلَّا الَّذين يعْبدُونَ أوثاناً وأصناماً وَنحن من الَّذين أوجب الله لَهُم احتراماً نُقِيم الشَّرَائِع ونميت الْبَدَائِع وَلم نلق أثاماً وَمن الَّذين يبيتُونَ لرَبهم سجدا وقياماً فدافعنا عَن أَنْفُسنَا وَأَوْلَادنَا بِمَا أمكن من الدفاع وَترك الزِّيَادَة عَنْهَا لَا يُسْتَطَاع وَنحن فِي مهَاجر يسير وَمَكَان يأوي إِلَيْهِ البائس الْفَقِير لَا ينافس من اعْتصمَ بِهِ وَاقْتصر على طَاعَة ربه وَلَو أَن عساكركم المنصورة الألوية الْمسلمَة من صروف الْأَقْضِيَة وجهوا هممهم الْعلية وعزائمهم الصلبة القوية إِلَى الْجِهَات العصية الكفرية إِذا لنالوا من الْخيرَات نيلاً عَظِيما ولسلكوا سَبِيل السَّعَادَة صراطاً مُسْتَقِيمًا وأدركوا من فضل الله خيرا ونعيماً بيد أَن تشاغلوا بحربنا عَن جَمِيع الحروب وفوتوا بذلك كل غَرَض لَهُم ومطلوب وأهملوا جِهَات الْكفَّار حَتَّى سقط الْجنُوب وهبت فِي دَار الْإِسْلَام للشرك جنوب وَحين وصل المرسوم المشرف والمثال الْكَرِيم الْمُعَرّف طبنا بِهِ نفوساً وسلكنا بِهِ محلا من الْأَمْن مأنوساً ودفعنا بِهِ عَن وُجُوه الْحق ظلاماً وعبوساً وضلالاً وبوساً وخمدت نيران الْحَرْب وغلت أَيدي الطعْن وَالضَّرْب فقررنا بِمَا قررتموه كل قلب فَإِن امتثل من حوالينا من الاْمراء الأكابر لما صدر عَنْكُم من الْمَوَارِد والمصادر فَتلك الْمنية الْمَقْصُودَة والضالة المفقودة والدرة الثمينة المنقودة وَالْغنيمَة الْعَظِيمَة الشاملة الممدودة وَإِن خالفوا أوامركم المطاعة وَقَابَلُوا نواهيكم بالإضاعة فحسبهم عذابكم الوبيل وَمَا تعدونه لمن خالفكم من التنكيل وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَكُنَّا نود أَن نرسل إِلَى الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة مَا تكن الْقُلُوب والصدور إِلَّا أَن هَؤُلَاءِ الَّذين يلوننا قطعُوا وسدوا من التواصل أوصالاً وقعدوا لرسلنا بكرا وآصالاً وصدوهم عَن الْوُصُول إِلَى أبوابكم الْعَالِيَة عَن جَمِيع الْأَبْوَاب ومنعوهم عَن مناهج الذّهاب والإياب

стр. 1729

فولا مَا كَانَ مِنْهُم من الْمَنْع لما نُرِيد لَكَانَ يصدر إِلَى أبوابكم الْعَالِيَة فِي كل شهر بريد وَحين وصل وكيلكم الْمُعظم الباشا مصطفى إِلَى الْجِهَات اليمنية والديار الَّتِي هِيَ بِسيف قهركم محمية بسط عدله فِي أهل الْيمن وأخمد نيران الْفِتَن والمحن وَأصْلح من الْأُمُور مَا ظهر وَمَا بطن واطلع على الْحَقَائِق فِي الْمَاضِي واللاحق وَمَا نَحن عَلَيْهِ بِحَمْد الله من حسن المساعي والطرائق وكرم الْأُصُول الشَّرِيفَة والمعارق وَقد أرسل إِلَيْنَا قصاد أمجاد محبون أوداد عرفُوا جَمِيع الْأُمُور وَأَحَاطُوا بِالظَّاهِرِ مِنْهَا والمستور وَلَعَلَّ الله يُهَيِّئ قدومه إِلَى صنعا وَيحيى بِهِ اللإله دينا وَشرعا وَيقطع بِهِ دابر من خَالف أَمركُم قطعا ولعمري إِنَّه رجل عَظِيم وَذُو خطب جسيم بأرباب الدّين رءوف رَحِيم قد طابت شمائله وراقت أَوْصَافه ومخايله فَهُوَ بِكُل خير يجود وَيحمل من طاعتكم مَا يشق على غَيره ويئود فَالله يَجْعَل سَعْيه مشكوراً ويشرح بِأَعْمَالِهِ من الاسْتقَامَة قلوباً وصدورا وَيدْفَع بِعَين عنايته عَن الْأَنَام وَالْإِسْلَام شروراً ويملأ الْأَنْفس والأفئدة حبوراً إِن شَاءَ الله وسرورا وَبعد السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَمِنْهَا بَغْدَاد وأعمالها والمشاهد الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة العلوية الحسنية والموسوية الكاظمية والعلوية الرضوية وَمِنْهَا بِلَاد الْمغرب وَمَا فِيهِ من الجزائر وَكَانَت فِي الْقَدِيم جَامِعَة لعدة سلاطين بل كَانَت دَار الْخلَافَة الأموية ثمَّ العباسية ثمَّ العمرية الحفصية ثمَّ الشريفية الحسنية ثمَّ للخلافة العبيدية وَمِنْهَا الممالك الْمَعْرُوفَة بروملي وَمَا اتَّصل بهَا من بِلَاد الْكفَّار على اخْتِلَاف أنواعهم وأجناسهم مِمَّا لَا يُحْصى كَثْرَة وَمِنْهَا مَا فتح من الممالك الإسلامية بِنَاحِيَة الْعَجم لما خرج لمقابلة قزل باش طهماسب وَمِنْهَا السّفر الْأَخير وَهِي الْغُزَاة الْعُظْمَى الَّتِي شرفه الله تَعَالَى فِيهَا بِالشَّهَادَةِ فَهُوَ

стр. 1730

الْملك الَّذِي عَاشَ سعيداً وَمَات شَهِيدا وَهَذِه الفتوحات بعض مَا اشْتهر وَأما مَا هُوَ حقير من جِهَة أَهله أَو من قلَّة محصوله أَو مِمَّا يكون تَابعا لغيره فَذَلِك لَا يُحْصى وَلَا يحصر وَأما الْخيرَات الَّتِي فعلهَا فِي الْحَرَمَيْنِ الشريفين والقدس وَغَيرهَا من الْبِلَاد فَلَا يُمكن حصرها يذكر شئ مِنْهَا على سَبِيل الِاخْتِصَار نتشرف بِذكرِهِ مِنْهَا الصرة الْعَظِيمَة الرومية الْوَاصِلَة كل عَام وقدرها أحد وَثَلَاثُونَ ألفا من الدَّنَانِير الذَّهَب فِي كل عَام على الدَّوَام وَمِنْهَا عمَارَة سور الْمَدِينَة المنورة وَقدر مساحته أَرْبَعَة آلَاف ذِرَاع وَعرض جِدَاره ثَلَاثَة أَذْرع وارتفاعه سَبْعَة عشر ذِرَاعا وجميعه بِالْحجرِ والنورة وأبوابه سِتَّة مصفحة جَمِيعهَا بالحديد قلت الْمَعْرُوف أَن أَبْوَاب سور الْمَدِينَة الشَّرِيفَة أَرْبَعَة بَاب غربي وَبَاب قبلي وَبَاب شَامي وَبَاب شَرْقي يُسمى الأول فِي عرف النَّاس بَاب الْمصْرِيّ وَالثَّانِي الْبَاب الصَّغِير وَالثَّالِث بَاب الشَّامي لنزوله عِنْده ذَهَابًا وإياباً وَالرَّابِع بَاب الْجُمُعَة فَلَعَلَّ المؤرخ عد بَاب القلعة وباباً صَغِيرا فِي أَسْفَل أكبر البروج وأعلاها يُسمى عِنْد أهل الْمَدِينَة بَاب السِّرّ فهما الْخَامِس وَالسَّادِس فَيصح الْعدَد حِينَئِذٍ وَقدر النَّفَقَة عَلَيْهِ من الذَّهَب الْجَدِيد سَبْعُونَ ألف وَمن الْحُبُوب أَرْبَعَة عشر ألف إِرْدَب حِنْطَة وفولاً وَغير ذَلِك وَذَلِكَ غير الْوَاصِل من مصر المحروسة من الْحَدِيد والخشب والرصاص والنحاس وَالْجمال وَالْحمير وَمِنْهَا محراب السَّادة الْحَنَفِيَّة بِقرب الرَّوْضَة النَّبَوِيَّة قلت وَيعرف الْيَوْم بالمحراب السُّلَيْمَانِي منقوش بالرخام الملون وَمِنْهَا تَجْدِيد عدَّة من الْمَسَاجِد النَّبَوِيَّة وَأَنْشَأَ عدَّة من القباب على من عف قَبره من أَعْيَان السلالة المحمدية وَمِنْهَا ترصيص الْقبَّة الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة وهلال الْقبَّة الْمَذْكُورَة أَعْلَاهُ ذهب خَالص صرف وَبَاقِيه مموه وأهلة المنابر ومنبر الْحرم النَّبَوِيّ وَمِنْهَا إنْشَاء الْجِدَار الغربي بِالْحرم النَّبَوِيّ وإنشاء مَنَارَة عَظِيمَة بِهِ

стр. 1731

وَمِنْهَا عدَّة شماعدين من النّحاس المطلي بِالذَّهَب بالحجرة المطهرة وإنشاء عدَّة من الرَّبْط وترميم بَعْضهَا مِمَّا يقرب عددا إِلَى الْعشْرين وَمِنْهَا شِرَاؤُهُ ديار الْعشْرَة لاتصالها بقبلي الْمَسْجِد النَّبَوِيّ وَالْغَرَض الْأَعْظَم من ذَلِك هدمها ليذْهب عين مَا فِيهَا من المراحيض والبلاليع وَمَا فِيهِ رَائِحَة كريهة فهدمت جَمِيعهَا وَبقيت بعد هدمها وتعميرهما نافعة لكل خير تجدّد بهَا قَابِلَة للإلحاق بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيّ وَمِنْهَا عمَارَة تكية باسم وَالِدَة السلاطين الْعِظَام يعْمل فِيهَا فِي كل يَوْم للْفُقَرَاء خبز وَطَعَام وَمِنْهَا أَنه لما بلغه احْتِيَاج المطاف الشريف إِلَى أساطين وعرضوا لَهُ أَن أساطين الْمَسْجِد الْحَرَام جَمِيعهَا بالرخام وعرضوا بتعظيم ذَلِك وَكَونهَا من حجر وَاحِد أَمر أَن تجْعَل أعمدة من النّحاس فَجعلت وَقيمتهَا تعدل وَزنهَا فضَّة فِي الْقيَاس وَمِنْهَا مِنْبَر عَظِيم للبيت الْعَتِيق الْكَرِيم كَانَت النَّفَقَة عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ ألف من الدَّنَانِير الذَّهَب الْجَدِيد خَارِجا عَمَّا حمل مَعَه من آلَات الْحَدِيد والفولاذ والرصاص والمؤن العديدة وَوصل إِلَى مَكَّة عَام سِتّ وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فَقَالَ بعض عُلَمَاء مَكَّة فِيهِ تَارِيخا أبياتاً آخرهَا بَيت التَّارِيخ هُوَ // (من مجزوء الْخَفِيف) // (لسُلَيْمَانَ مِنْبَرٌ ... شَاهِدٌ بالدُّعَا لَهُ) وَمِنْهَا تعمير الْمدَارِس الَّتِي هى من الْعَجَائِب برسم المدرسين من الْأَرْبَعَة الْمذَاهب كَمَا تقدم ذكره ومنارة عَظِيمَة من جنسهن جنب أولَاهُنَّ وَمِنْهَا عمَارَة مهبط الْوَحْي والأماكن الشَّرِيفَة وَمِنْهَا إِجْرَاء المَاء من الْفُرَات إِلَى مشْهد الإِمَام الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄ وَمِنْهَا بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى خيرات لَا تحصى وَمِنْهَا عمَارَة قبَّة عَظِيمَة على الصَّخْرَة الرفيعة الدَّرَجَات وَجعل عوض التجصيص أَلْوَاح من فخار إزنيق بأنواع النقوش وَأجل الكتابات وَمِنْهَا للمساجد الثَّلَاثَة المشرفة الْمَذْكُورَة قدر الْكِفَايَة من الْحُبُوب والمرتبات وَالْخبْز وَالطَّعَام والصلة المبرورة وَمِنْهَا بدار الْخلَافَة الْعُظْمَى قسطنطينية الْكُبْرَى إِجْرَاء عين من مسيرَة سِتَّة أَيَّام أنْفق على ذَلِك من الْأَمْوَال مَا لَا يحصره كتب وَلَا ثرثرة أَقْلَام

стр. 1732

وَمِنْهَا عمَارَة عَظِيمَة سلطانية جَامِعَة لِلْخَيْرَاتِ الدِّينِيَّة والدنيوية بِالشَّام بِالْمحل الْمَعْرُوف بالصالحية وَمَا ذكر هُوَ من بعض خيراته السّنيَّة وَمِنْهَا وَهُوَ أعظمها إِجْرَاء عين عَرَفَات إِلَى مَكَّة وَسبب ذَلِك أَن الْعين الَّتِي كَانَت بِمَكَّة هِيَ عين حنين الَّتِي أجرتهَا زبيدة بنت جَعْفَر بن الْمَنْصُور زَوْجَة الرشيد وَاسْمهَا أمة الْعَزِيز لِأَن جدها الْمَنْصُور كَانَ يرقصها وَهِي طفلة وَيَقُول أَنْت زبيدة فغلب على اسْمهَا وَكَانَت من أهل الْخيرَات فصرفت عَلَيْهَا خَزَائِن أَمْوَال إِلَى أَن جرت وَهِي فِي وَاد قَلِيل الأمطار بَين جبال شَوَاهِق عاليات خاليات من الْمِيَاه والنبات وَشقت لَهُ الْقَنَاة فِي الْجبَال إِلَى أَن سلك المَاء من أَرض الْحل إِلَى الْحرم وَجعلت لَهَا شحاحيذ من كل جبل يكون ذيله مَظَنَّة للْمَاء وَجعلت مِنْهُ قناة مُتَّصِلَة ومنبع هَذِه الْعين جبل شامخ من تِلْكَ الْجبَال يُقَال لَهُ طاد بِالطَّاءِ الْمُهْملَة وَالْألف بعْدهَا دَال مُهْملَة من جبال الثَّنية من طَرِيق الطَّائِف وَكَانَ المَاء يجْرِي إِلَى أَرض حنين تسقى بِهِ مزارع ونخل مَمْلُوكَة للنَّاس فاشترت زبيدة ذَلِك الْمحل وأبطلت تِلْكَ الْمزَارِع وَالنَّخْل فَصَارَت تِلْكَ الشحاحيذ يحصل مِنْهَا المدد لهَذِهِ الْعين وَصَارَ كل شحاذ عينا يساعد عين حنين مِنْهَا عين مشاش وَعين مَيْمُون وَعين الزَّعْفَرَان وَعين البارود وَعين الطان وَعين ثقبة كلهَا تنصب فِي ذيل عين وَيزِيد بَعْضهَا وَينْقص بِحَسب الأمطار إِلَى أَن وصلت عين حنين إِلَى مَكَّة المشرفة ثمَّ إِنَّهَا أمرت بإجراء عين وَادي نعْمَان إِلَى عَرَفَة وَهِي عين منبعها ذيل جيل كرا وَهُوَ جبل مَعْرُوف فَيصب المَاء من ذيله فِي قناة إِلَى مَوضِع يُقَال لَهُ الأوجر من وَادي نعْمَان وَمِنْه إِلَى مَوضِع بَين جبلين شاهقين علو عَرَفَات ثمَّ مِنْهُ يجْرِي فِي الْقَنَاة إِلَى أَرض عَرَفَات ثمَّ أدارت الْقَنَاة إِلَى جبل الرَّحْمَة مَحل الْموقف الشريف وَجعلت المَاء ينصب إِلَى البرك الَّتِي فِي أَرض عَرَفَات فتملأ مَاء يشرب مِنْهُ الْحَاج يَوْم عَرَفَة ثمَّ استمرت فِي عمل الْقَنَاة إِلَى أَن خرجت من عَرَفَات إِلَى مُزْدَلِفَة ثمَّ إِلَى جبل خلف منى فِي قبلتها ثمَّ ينصب المَاء إِلَى بِئْر عَظِيمَة مطوية بالأحجار كَبِيرَة جدا تسمى بِئْر زبيدة إِلَيْهَا انْتهى عمل زبيدة فَوقف وَهِي من الْأَبْنِيَة المهولة رُبمَا يُوهم بناؤها أَنه من عمل الْجِنّ ثمَّ صَارَت عين حنين تَنْقَطِع عَن الْوُصُول إِلَى مَكَّة

стр. 1733

وَكَذَلِكَ عين عَرَفَات تَنْقَطِع عَن وصولها إِلَى مُنْتَهَاهَا لتهدم قنواتهما وتخريبهما بالسيول وَكَانَت الْخُلَفَاء والسلاطين إِذا بَلغهُمْ ذَلِك أرْسلُوا وعمروها عِنْد انتظام سلطنتهم وَقُوَّة تمكنهم فتجري تَارَة وتنقطع أُخْرَى فعمرها مظفر الدّين صَاحب إربل سنة خمس وسِتمِائَة ثمَّ الْمُسْتَنْصر العباسي سنة سِتّمائَة وتسع وَعشْرين ثمَّ فِي سِتّمائَة وَثَلَاث وَثَلَاثِينَ ثمَّ فِي سنة سِتّمائَة وَأَرْبع وَثَلَاثِينَ وجد ذَلِك مَكْتُوبًا فِي حجر مَبْنِيّ فِي قرب الْموقف الشريف ثمَّ عمر عين حنين الْأَمِير جوبان نَائِب السلطنة بالعراقين سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة فأجراها إِلَى مَكَّة وَتمّ نَفعهَا فَإِنَّهُم كَانُوا فِي جهد عَظِيم لقلَّة المَاء ثمَّ عمرها شرِيف مَكَّة الشريف حسن بن عجلَان جد سَادَاتنَا الْأَشْرَاف أَشْرَاف مَكَّة وملوكها الْآن أدام الله سعادتهم مدى الزَّمَان فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانمِائَة فجرت وانفجرت وَكثر الدُّعَاء لَهُ من أهل الْبِلَاد وَالْحجاج والعباد ثمَّ انْقَطَعت وَلَقي النَّاس لذَلِك شدَّة عَظِيمَة إِلَى أَن عمرها الْملك الْمُؤَيد أَبُو النَّصْر شيخ المحمودي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَثَمَانمِائَة ثمَّ عمرها وَعمر عين عَرَفَات السُّلْطَان قايتباي أجْرى الأولى إِلَى أَن دخلت مَكَّة وأجرى الثَّانِيَة إِلَى أَن وصلت إِلَى أَرض عَرَفَات وَذَلِكَ بمناشرة الْأَمِير يُوسُف الجمالي وأخيه سنقر الجمالي فِي سنة ثَمَانمِائَة وَسبعين ثمَّ عمر عين حنين آخر مُلُوك الشراكسة قانصوه الغوري إِلَى أَن جرت وملأت برك الْحجَّاج بالمعلاة ثمَّ جرت إِلَى بازان ثمَّ إِلَى بركَة الماجن بِأَسْفَل مَكَّة ثمَّ انْقَطَعت فِي أَوَائِل الدولة العثمانية وَصَارَ أهل مَكَّة يستقون من آبار حول مَكَّة يُقَال لَهَا العسيلات علو مَكَّة وَمن آبار بأسفلها بمَكَان يُقَال لَهُ الزَّاهِر وسُمي الْآن بالجوخي فِي طَرِيق التَّنْعِيم وَكَذَلِكَ انْقَطَعت عين عَرَفَات وتهدمت قنواتها وَكَانَ الْحجَّاج يحملون المَاء إِلَى عَرَفَات من الْأَمَاكِن الْبَعِيدَة وَصَارَ الْفُقَرَاء من الْحجَّاج وَغَيرهم فِي يَوْم عَرَفَة لَا يطْلبُونَ إِلَّا المَاء لغلو المَاء وعزته جدا قَالَ الْعَلامَة القطب وَإِنِّي أذكر سنة تِسْعمائَة وَثَلَاثِينَ وَأَنا يَوْمئِذٍ مراهق فِي خدمَة وَالِدي أَنِّي اشْتريت قربَة صَغِيرَة جدا يحملهَا الْإِنْسَان بإصبعيه بِدِينَار ذهب والفقراء يصيحون من الْعَطش يطْلبُونَ مَا يبل حُلُوقهمْ فِي ذَلِك الْيَوْم الشَّديد فَلَمَّا كَانَ وَقت الْوُقُوف وَالنَّاس عطاش يلهثون أمْطرت السَّمَاء وسالت السُّيُول من فضل

стр. 1734

الله وَالنَّاس واقفون فصاروا يشربون من السَّيْل من تَحت أَرجُلهم ويسقون دوابهم وَذَلِكَ من رَحْمَة الله ولطفه بعباده فبرزت الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة السليمانية بإصلاحهما وعُين لذَلِك نَاظر اسْمه مصلح الدّين مصطفى من المجاورين بِمَكَّة فبذل جهده فِي عمارتهما فجرت عين حنين إِلَى مَكَّة وَعين نعْمَان إِلَى عَرَفَات وَذَلِكَ سنة ٩٣١ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ اشْترى النَّاظر الْمَذْكُور عبيدا سُودًا من مَال السلطنة وزوجهم بمثلهم وَجعل لَهُم جرايات وعلوفات برسم خدمَة الْعين وَإِصْلَاح قنواتها فَهِيَ خدمتهم دَائِما وهم باقون إِلَى الْآن طبقَة بعد طبقَة ثمَّ توجه النَّاظر إِلَى الْأَبْوَاب لعرض أُمُور فِي شَأْن الْعين فَأُجِيب إِلَى مَا أَرَادَ وَعَاد إِلَى مصر ثمَّ ركب من بندر السويس قَاصِدا مَكَّة فغرق فِي بَحر القلزم شَهِيدا وَمَا غرق إِلَّا فِي بَحر رَحْمَة الله تَعَالَى سنة ٩٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ انْقَطَعت سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فعرضت أَحْوَال الْعُيُون لي الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة السليمانية فَالْتَفت الخاطر السلطاني وَتوجه الْعَطف العثماني إِلَى تدارك ذَلِك بِأَيّ وَجه يكون وَأمر بالفحص عَن أَحْوَال الْعُيُون فَاجْتمع قَاضِي مَكَّة يَوْمئِذٍ عبد الْبَاقِي بن عَليّ الْغَزِّي والأمير خير الدّين سنجق جدة يَوْمئِذٍ وَغَيرهمَا من الْأَعْيَان وتفحصوا وداروا وكشفوا فأجمع رَأْيهمْ أَن أقوى الْعُيُون عين عَرَفَات وطريقها ظَاهر ودبولها مَبْنِيَّة إِلَى بِئْر زبيدة وَأَن الَّذِي يغلب على الظَّن أَن دبولها من الْبِئْر إِلَى مَكَّة مَبْنِيَّة أَيْضا وَأَنَّهَا مخفية تَحت الأَرْض وَأَنَّهَا تحْتَاج إِلَى الْكَشْف عَنْهَا والحفر فَإِذا وجدوا من الدبل متهدماً بنوه وَإِذا وجدوا مختلاً أصلحوه فخمنوا أَنهم يَحْتَاجُونَ فِي ذَلِك إِلَى ثَلَاثِينَ ألف دِينَار ذَهَبا وذرعوه وقاسوه فَكَانَ من الأوجر إِلَى بطن مَكَّة خَمْسَة وَأَرْبَعين ألف ذِرَاع بِذِرَاع الْعَمَل وَهُوَ أَزِيد من الذِّرَاع الشَّرْعِيّ بِنَحْوِ الرّبع وَهَذَا الَّذِي طنوه من وجود دبل تَحت الأَرْض من بِئْر زبيدة إِلَى مَكَّة لم يُوجد فِي كتب التَّارِيخ وَلم يذكرهُ أحد وَإِنَّمَا أداهم إِلَى ذَلِك مُجَرّد الظَّن بِحَسب القرا ئن وعرضوا على المسامع الشَّرِيفَة السُّلْطَانِيَّة فِي أَوَائِل سنة ٩٦٠ سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فَلَمَّا وصل علم ذَلِك التمست جانم سُلْطَان كَرِيمَة السُّلْطَان سُلَيْمَان أَن يَأْذَن لَهَا فِي عمل هَذَا الْخَيْر حَيْثُ كَانَت صَاحِبَة الْخَيْر أَولا أم جَعْفَر زبيدة العباسية فَنَاسَبَ أَن تكون

стр. 1735

هِيَ صَاحِبَة هَذَا الْخَيْر أخيراً فَاخْتَارَتْ بعد ان استطارت لهَذِهِ الْخدمَة إِبْرَاهِيم بن تعزي بردي الدفتردار وأعطته خمسين ألف دِينَار ذَهَبا زِيَادَة على مَا خمنوه فَسَار بحراً فوصل إِلَى جدة يَوْم الْجُمُعَة لثمان بَقينَ من ذِي الْقعدَة من سنة تسع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَنزل بوطاقه خَارج جدة من الْجِهَة الشامية وَركب من جدة إِلَى سيدنَا ومولانا الشريف مُحَمَّد أبي نمي وَكَانَ نازلاً بوادي مر فقابله بالإجلال والتعظيم وَمد لَهُ سماطاً عَظِيما ولاطفه وواكله وباسطه وجابره فَعرض على حَضرته الشَّرِيفَة الْخط السلطاني وبذل الهمة وَالِاجْتِهَاد فِي إتْمَام هَذَا الْأَمر فَأجَاب الشريف أَبُو نمي بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة ثمَّ ركب إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور من عِنْده مُتَوَجها إِلَى مَكَّة فلاقاه عِنْد دُخُوله مَوْلَانَا الشريف حسن بن أبي نمي وقابله بالترحيب وَالْإِكْرَام وَغَايَة الإجلال والاحترام وَاسْتمرّ مَعَه إِلَى أَن فَارقه من بَاب السَّلَام فَدخل فَطَافَ طواف الْقدوم وَكَانَ محرما بِالْحَجِّ وسعى وَعَاد إِلَى مجمع السُّلْطَان قايتباي وَهُوَ الْمحل الَّذِي عين لنزوله وَمد لَهُ من قبل الشريف حسن سماط عَظِيم ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ مَوْلَانَا القَاضِي الْحُسَيْن الْمَالِكِي ثمَّ كَانَ أول مَا بَدَأَ بِهِ تنظيف الْآبَار الَّتِي يَسْتَسْقِي النَّاس مِنْهَا وَإِخْرَاج ترابها وَزِيَادَة حفرهَا ليكْثر مَاؤُهَا وَحصل للنَّاس بذلك رفق عَظِيم ثمَّ توجه للكشف إِلَى أَعلَى عَرَفَات وَكثر تردده إِلَيْهَا ثمَّ أسْرع فِي الْكَشْف عَن دبول عين عَرَفَة وَضرب أوطاقه فِي الأوجر من وَادي نعْمَان علو عَرَفَات وَشرع فِي حفر فقرها وتنظيف دبولها بهمة عالية جدا وَكَانَت مماليكه القائمون فِي خدمته نَحْو أَرْبَعمِائَة مَمْلُوك فِي غَايَة الْجمال والرشاقة والحذاقة واللباقة وَكتب نَحْو ألف نفس من الْعمَّال والمهندسين والحفارين وجلب من مصر وبلاد الصَّعِيد وَالشَّام وحلب واسطنبول طوائف بعد طوائف من خدام الْعُيُون والآبار والحدادين والحجارين والبنائين وأتى بآلات الْعِمَارَة من مكاتل ومساحي ومجاريف وحديد وبولاد ورصاص ونحاس وَعين لكل طَائِفَة قِطْعَة من الأَرْض تحفرها وتنظف مَا فِيهَا وَاسْتمرّ إِلَى أَن وصل عمله إِلَى بثر زبيدة الَّتِي انْتهى عَملهَا إِلَيْهَا وَلم يجد بعْدهَا دبلاً وَلَا أثر عمل وَلَا بقايا قناة فَضَاقَ ذرعه لذَلِك وَعلم أَن الْخطب كَبِير وَالْعَمَل كثير وَتحقّق أَن الْقدر

стр. 1736

الْبَاقِي من هَذَا الْعَمَل إِنَّمَا تركته زبيدة اضطراراً لَا اختبارا وَعدلت إِلَى عمل حنين وَتركت الْعَمَل من بعد الْبِئْر لصلابة الْحجر وصعوبة إِمْكَان قطعه وَطول مَسَافَة مَا يجب قطعه وَأَنه يحْتَاج من بِئْر زبيدة إِلَى دبل منقور تَحت الأَرْض فِي الْحجر الصوان طوله ألفا ذِرَاع بِذِرَاع البنائين حَتَّى يتَّصل بدبل عين حنين وَينصب فِيهِ فيصِلَا إِلَى مَكَّة وَلَا يُمكن نقر ذَلِك الْحجر تَحت الأَرْض فَإِنَّهُ يحْتَاج فِي النُّزُول إِلَى خمسين ذِرَاع فِي العمق وَصَارَ لَا يُمكن ترك ذَلِك بعد الشُّرُوع فِيهِ حفظا لناموس السلطنة فأوجد الْأَمِير إِبْرَاهِيم حِيلَة هِيَ أَن يحْفر وَجه الأَرْض إِلَى أَن يصل إِلَى الْحجر الصوان ثمَّ يُوقد عَلَيْهِ بالنَّار مِقْدَار مائَة حِمل من الْحَطب الجزل لَيْلَة كَامِلَة فِي مِقْدَار سَبْعَة أَذْرع فِي عرض خَمْسَة أَذْرع من وَجه الأَرْض وَالنَّار لَا تعْمل إِلَّا فِي الْعُلُوّ وَأما السّفل فعملها فِيهِ مِقْدَار قيراطين من أَرْبَعَة وَعشْرين قيراطاً من ذِرَاع فيكسر بالحديد إِلَى أَن يصل الْحجر الشَّديد فيوقد عَلَيْهِ الْحَطب الجزل لَيْلَة أُخْرَى إِلَى أَن ينزل فِي ذَلِك الْحجر مِقْدَار خمسين ذِرَاعا فِي العمق فِي عرض خَمْسَة أَذْرع إِلَى أَن يَسْتَوْفِي ألفي ذِرَاع تقطع على هَذَا الحكم وَذَلِكَ يحْتَاج إِلَى عمر نوح وَمَال قَارون وصبر أَيُّوب وَمَا رأى عَن ذَلِك محيصاً فأقدم عَلَيْهِ إِلَى أَن فرغ الْحَطب من جَمِيع جبال مَكَّة وَصَارَ يجلب من الْمسَافَة الْبَعِيدَة وغلا سعره وضاق النَّاس لذَلِك وتعب الْأَمِير وَذَهَبت أَمْوَاله وخدامه ومماليكه وَهُوَ يتجلد إِلَى أَن قطع من الْمسَافَة ألف ذِرَاع وَخَمْسمِائة ذِرَاع وَصَارَ كلما فرغ المصروف أرسل وَطلب فَجَاءَهُ ثمَّ مَاتَ لَهُ ولد طِفْل كَانَ خلَّفه بِمصْر احْتَرَقَ عَلَيْهِ كثيرا ثمَّ مَاتَ لَهُ ولدان مراهقان ثمَّ مَاتَ أَكثر مماليكه ثمَّ مَاتَ هُوَ غَرِيبا شَهِيدا لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ ثَانِي رَجَب سنة ٩٧٤ أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَت جنَازَته حافلة وأسف النَّاس على فَقده لِكَثْرَة إحسانه وَدفن فِيهَا ولديه قبله ثمَّ أقيم فِي هَذِه الْخدمَة سنجق جدة الْأَمِير قَاسم بك أَقَامَهُ سيدنَا شيخ الْإِسْلَام القَاضِي الْحُسَيْن إِلَى أَن يصل مَن تعينه السلطنة الْعلية وَفِي هَذَا الْعَام الْمَذْكُور انْتَقَلت السلطنة من السُّلْطَان سُلَيْمَان صَاحب التَّرْجَمَة إِلَى وَلَده الْآتِي بعده مَوْلَانَا السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان فعين لهَذِهِ الْخدمَة دفتردار مصر يَوْمئِذٍ مُحَمَّد بك يكمكجي زَاده وَكَانَ من أعبد السناجق فوصل إِلَى هَذِه الْخدمَة

стр. 1737

وبذل فِيهَا نَفسه وَمَاله وَقطع مَسَافَة وَمَا بلغ التَّمام بل وافاه الحِمام لَيْلَة الثُّلَاثَاء لأَرْبَع لَيَال بَقينَ من جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَدفن بالمعلاة قبالة تربة الْأَمِير إِبْرَاهِيم الدفتردار على يسَار الذَّاهِب إِلَى الأبطح ثمَّ رَجَعَ فِي خدمَة الْعين الْأَمِير قَاسم سنجق جدة الْمَذْكُور آنِفا أرجعه فِيهَا القَاضِي الْحُسَيْن وَعرض ذَلِك إِلَى الْأَبْوَاب فأنهى الْأَمر باستقرار قَاسم بك فِي الْخدمَة أَمينا على مصارفها وَأَن يكون مَوْلَانَا القَاضِي الْحُسَيْن نَاظرا على مَا بَقِي من عمل هَذِه الْعين إِلَى أَن يصل إِلَى عَرَفَات فاستمر قَاسم بك مباشراً لهَذِهِ الْخدمَة إِلَى أَن طرقه الْحِين فَصَارَ ثَالِثا للأميرين السَّابِقين وَصَارَ من شُهَدَاء الْعين وَذَلِكَ لليلة خلت من رَجَب الْحَرَام سنة ٩٧٩ تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَدفن بالمعلاة إِلَى جَانب الْأَمِير مُحَمَّد بك اليكمكجي المتوفي بِمَكَّة ثمَّ توجه مَوْلَانَا القَاضِي الْحُسَيْن توجهاً تَاما إِلَى تَكْمِيل عمل مَا بَقِي من الْعين بِاعْتِبَار مَا بِيَدِهِ من النّظر وَعرض للسلطنة الشَّرِيفَة بوفاة قَاسم بك فبرزت الْأَوَامِر إِلَى حَضرته الشَّرِيفَة فأقدم بهمته الْعَالِيَة أتم إقدام فساعدته السَّعَادَة والإقبال على الْإِتْمَام فكمل عَملهَا فِيهَا دون خَمْسَة أشهر بعد أَن عجزوا عَنهُ فِي قريب من عشرَة أَعْوَام فجرت عين عَرَفَات وَوصل المَاء وَهُوَ يجْرِي فِي تِلْكَ الدبول والقنوات إِلَى أَن دخل مَكَّة لعشر بَقينَ من ذِي الْقعدَة الْحَرَام سنة ٩٧٩ تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْم عيد أكبر عِنْد النَّاس وَعمل فِي ذَلِك الْيَوْم أسمطة بِالْأَبْطح ببستانه الْوَاسِع الأفيح جمع الأكابر والأعيان وَنصب لَهُم السرادقات والصوان وَذبح أَكثر من مائَة من الْغنم وَقدم للنَّاس على قدر طبقاتهم أَنْوَاع الموائد وَالنعَم وخلع على أَكثر من عشرَة أنفس من المعلمين والمهندسين خلعاً فاخرة وَأحسن إِلَى باقيهم بِالْحَسَنَاتِ الوافرة وَمِمَّا رَأَيْته بِخَط جدي الْعَلامَة جمال الدّين بن إِسْمَاعِيل العصامي مَا نصُّه لما أكمل مَوْلَانَا وعزيزنا شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين نَاظر النظار بِبَلَد الله الْأمين مَوْلَانَا السَّيِّد الشريف القَاضِي الْحُسَيْن بن أَحْمد الْمَالِكِي عمَارَة عين عَرَفَات كتبت إِلَيْهِ قولى // (من مخلع الْبَسِيط) // (أَقضَى القُضَاةِ الحسينُ أَعْنَى ... مكانَ أُمِّ القُرَي بِعَيْنه)

стр. 1738

(وجاءَ بالعَيْنِ بَعْدَ يَأْسٍ ... فَشكْرُهُ وَاجِبٌ لِعَيْنِهُ) فَفتح لقبولهما كل بَاب وأعجب بِهِ غَايَة الْإِعْجَاب قلت يُمكن أَن يقْصد فِيهِ التورية فيراد بقوله لعَينه الذَّهَب ويرشحه قَوْله أغْنى إِلَى آخِره وَأَن يُرَاد بهَا المَاء الْجَارِي ويرشحه جَاءَ بِالْعينِ بعد يأس وَعِنْدِي سلبهما من لِبَاس التورية أستر وأذكى لشذى الْمَدْح وأعطر بِأَن يكون المُرَاد بِالْعينِ ذَاته وشخصه ليَكُون وجوب الشُّكْر لذاته فِي كَمَاله لَا لعَارض يَزُول بزواله ثمَّ جهز أَخْبَار هَذِه البشائر إِلَى السُّلْطَان سليم ابْن السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان وَإِلَى سرادقات الْحجاب الرفيع مليكَة الملكات بلقيس الزَّمَان جانم السُّلْطَان أُخْت مَوْلَانَا السُّلْطَان سُلَيْمَان فأنعمت بالإنعامات الجزيلة والترقيات الْكَثِيرَة الجميلة على سَائِر العمالين والمباشرين والمتعاطين لهَذِهِ الْخدمَة ورقت مدرسة مَوْلَانَا القَاضِي حُسَيْن وَهِي الأولى مِمَّا يَلِي بَاب الزبادة فَصَارَت بِمِائَة عثماني واستمرت هَذِه الْعين من جملَة الْآثَار الْبَاقِيَة على صفحات اللَّيَالِي وَالْأَيَّام والأعمال الصَّالِحَات الْبَاقِيَات على تكْرَار السنين والأعوام وَمَا عِنْده سُبْحَانَهُ من تَضْعِيف الْأجر وَالثَّوَاب خير وَأبقى عِنْد أولي الْأَلْبَاب وَكَانَ جملَة النَّفَقَة خَمْسَة لكوك وَسَبْعَة آلَاف دِينَار ذَهَبا أَحْمَر جَدِيدا وَذَلِكَ غير مَا صرف على إِحْضَار أَرْبَاب الصناعات من الحدادين والحجارين والقطاعين والنجارين وَأهل الصناعات الدقيقة من الْبِلَاد الْبَعِيدَة وَغير مَا صرف على خدامها وخدامهم وَقد كَانَت عمارتها فِي آخر الدولة السُّلْطَانِيَّة السليمانية وَفِي أول الدول السُّلْطَانِيَّة السليمية وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد مصطفى وَهُوَ أكبرهم توهم مِنْهُ وَالِده أمرا فَأمر بخنقه طَائِفَة من البكمان أَوَاخِر شَوَّال سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة قَالَ فِي بغية الخاطر للعلامة الكاتي وَفِي سنة سِتِّينَ وَتِسْعمِائَة أَمر السُّلْطَان سليم بقتل وَلَده مصطفى وَكَانَ ذَلِك من مكر رستم باشا الْوَزير فجَاء تَارِيخ وَفَاته مكر رستم وَقَالَ وَآخر باللغة الفارسية ظلم بِي حد در آخر شَوَّال ذكره الكاتي فِي تَارِيخه

стр. 1739

قلت يُرِيد أَن لفظ لَا حد لَهُ أَي لَا نِهَايَة أَي لَا مِيم فَيبقى حرفان الظَّاء وَاللَّام وهما بتسعمائة وَثَلَاثِينَ وَآخر شَوَّال اللَّام وَهِي بِثَلَاثِينَ فَيتم الْعدَد تِسْعمائَة وَسِتِّينَ وَهِي سنة وَفَاته وَهُوَ آخر شَوَّال وَهَذَا اتِّفَاق عَجِيب يروق كل أديب وطفل اسْمه مُرَاد كَذَلِك خنقه فألحقه بولده مصطفى وَولده الثَّانِي مُحَمَّد بن سُلَيْمَان مَاتَ على فرَاشه مولدَه سنة ثَمَان وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَولده الآخر با يزِيد بن سُلَيْمَان فَوَقَعت بَينه وَبَين أَخِيه السُّلْطَان سليم محاربات قتل فِيهَا نَحْو خمسين ألفا ثمَّ لما عجز عَن محاربة أَخِيه السُّلْطَان سليم هرب هُوَ وَأَوْلَاده الْأَرْبَعَة وهم أورخان ومحمود خَان وَعبد الله خَان وَعُثْمَان فظفر بهم السُّلْطَان سليم وَأخذ أنفاسهم بالأوتار وَمَا لَهُم من آثَار وَكَانَ لَهُ ان خَامِس طِفْل فِي بروسا فَأمر بخنقه أَيْضا فتبع وَالِده وَإِخْوَته وَمن أَوْلَاد سُلَيْمَان السُّلْطَان جهان كير كَانَ أحدب ظريفاً لطيف الرّوح خَفِيفا كَانَ يُحِبهُ وَالِده وَلم يُفَارِقهُ توفّي بأجله بِمَرَض الخناق سنة ٩٦٥ خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وَمِنْهُم السُّلْطَان شاه زَاده بن سُلَيْمَان توفّي بأجله سنة ٩٦٧ سبع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة وعدة غَزَوَاته الْكِبَار الْمَشْهُورَة ثَلَاث عشرَة غَزْوَة السَّادِسَة مِنْهَا غَزْوَة الْعرَاق كَانَت أَوَاخِر ذِي الْقعدَة سنة ٩٤١ إِحْدَى وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَأَنْشَأَ القَاضِي عبد اللَّطِيف بن عبد الله باكثير عِنْد وُرُود خير النُّصْرَة فِي تِلْكَ الْغَزْوَة تَارِيخا وضمه بَيْتَيْنِ هما من المتقارب (ولَمَّا أَحَلَّتْ ظِبَانا لَنَا ... دمَ الشَّاهِ واسْتَحْكَمَتْ سَلْخَهُ) (فَتَحْنَا العِرَاقَ وذَا الَّفْظُ مِنْ ... لَطَافَتِهِ جَاءَ تَاريْخَهُ) وَكَانَ عبد اللَّطِيف الْمَذْكُور سَافر إِلَى الديار الرومية وَاجْتمعَ فِيهَا بالسلطان سُلَيْمَان خَان بِوَاسِطَة قَاضِي الْعَسْكَر قادري أَفَنْدِي فصادف قدومه إِلَى الرّوم توجه مَوْلَانَا السُّلْطَان إِلَى حَرْب الْعَجم ثمَّ ورد خبر النُّصْرَة كَمَا تقدم فَعمل ذَيْنك الْبَيْتَيْنِ وقدمهما إِلَى صَاحبه قَاضِي الْعَسْكَر قادري أَفَنْدِي فَبعد وُرُود السُّلْطَان من

стр. 1740

السّفر أشرفه على التَّارِيخ وَجمعه بقائله عبد اللَّطِيف الْمَذْكُور فنال مِنْهُ مزِيد الْإِكْرَام وأنعم عَلَيْهِ بِقَضَاء مَكَّة المشرفة وَكَانَت سلاطين مصر وَغَيرهم يعقدون وُلَاة منفردين على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَكَانَ غَالِبا لَا يُقيم النواب إِلَّا قَاضِي الْقُضَاة الشَّافِعِي وَالْبَاقُونَ يتعاطون الْأَحْكَام وَلَا يُقِيمُونَ نواباً وَاسْتمرّ القَاضِي عبد اللَّطِيف مُتَوَلِّيًا إِلَى أَن عزل بِأول قُضَاة الأورام من الْحَنَفِيَّة وَهُوَ القَاضِي صدر الدّين فورد إِلَى مَكَّة عَام ثَلَاث وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَمن حِينَئِذٍ صَار الأفندي الْأَعْظَم يرد من الْجِهَات الرومية ويعقد لَهُ الْولَايَة من هُنَاكَ إِلَّا أَن الْقُضَاة كَانُوا يُقِيمُونَ القَاضِي الشَّافِعِي والمالكي والحنفي والحنبلي بطرِيق النِّيَابَة فَفِي زمن الأفندي ميرزا مخدوم أَقَامَ عَم جدي القَاضِي الْعَلامَة نور الدّين على زَاده ابْن مَوْلَانَا المرحوم إِسْمَاعِيل العصامي قَاضِيا شافعياً وَأقَام القَاضِي نجم الدّين الْمَالِكِي نَائِبا مالكياً وَأَرَادَ إِقَامَة حنبلي فَلم يَتَيَسَّر ذَلِك لعدم وجود حنبلي يقوم بِهَذَا الشَّأْن وَآخر من أَقَامَ ذَلِك بِمَكَّة الأفندي عبد الرَّحِيم الشعراوي عَام تَوليته لَهَا عَام خمس وَثَلَاثِينَ وَألف وَلما كَانَ الْيَوْم الثَّانِي من استقراره فِي الْملك جعل ديواناً وأنعم على الوزراء وَأمرهمْ بترك شعار الْحزن ورقى الْعَسْكَر فِي الجوامك على حسب مَرَاتِبهمْ وانتظم الْحَال وَكَانَ ملكا صَالحا يترجم بِالْولَايَةِ كثير الْخَيْر وَالْإِحْسَان للْقَاضِي والدان وَكَانَت مُدَّة سلطنته ثماناً وَأَرْبَعين سنة وَهِي عديمة النظير فِيمَن مضى من هَذَا الْبَيْت الْمُنِير وَاسْتقر بهَا إِلَى أَن توفّي سنة أَربع وَسبعين فِي سَابِع عشر صفر وَهُوَ فِي محاصرة الْعَدو فأخفى الْوَزير مَوته وأركان الدولة وَأَرْسلُوا أوراقاً إِلَى كوتاهية لمولانا السُّلْطَان سليم وَبَين المحلين نَحْو ثَلَاثَة أشهر بسير الأثقال فَركب مَوْلَانَا السُّلْطَان سليم وجد فِي السّير إِلَى بِلَاد اسطنبول ودخلها فِي ثامن ربيع الأول سنة ٩٧٤ أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَحمل السُّلْطَان سُلَيْمَان إِلَى دَار الْخلَافَة وَدفن فِي الْمحل الَّذِي عمره فِي عِمَارَته

стр. 1741

الْمَذْكُور طَابَ ثراه ورثاه عَالم زَمَانه أَبُو المسعود أَفَنْدِي الْمُفْتِي بقصيدة بليغة وَهِي هَذِه // (من الْبَسِيط) // (أَصَوْتُ صَاعِقَةٍ أَمْ نَفْخَةُ الصُّورِ ... فالأَرضُ قَدْ قُلِبَتْ مِنْ نَقْرِ نَاقُورِ) (أَصَابَ مِنْهَا الوَرَى دَهْيَاءُ دَاهِيَةٌ ... وذَاقَ مِنْهَا البَرَايَا صَعْقَةَ الصُّورِ) (فَهُدِّمتْ بَيْعَةُ الدُّنيا لوَقْعَتِهَا ... وانْهَدَّ مَا كَانَ مِنْ دَورٍ ومِنْ سُورِ) (أَمْسِتْ مَعَالمُهَا بَهْمَاءَ مُقْفِرَةً ... مَا فِي المَنَازِلِ مِنْ دَوَّار دَيُّورِ) (تَهَدَّمَتْ قُلَلُ الأَطْوَادِ وارْتَعَدَتْ ... كَأَنَّهَا قَلْبُ مَرْعُوبٍ ومَذْعُورِ) (واغْبَرَّ نَاصِيَةُ الخَضْرَاءِ وانْكَدَرَتْ ... وَكَادَ تَمْتَلِئُ الغَبْراءُ بِالمُورِ) (فَمِنْ كَئِيبٍ ومَلْهُوفٍ ومِنْ دَنِفٍ ... عَانٍ بِسِلْسِلَةِ الأَحْزَانِ مَأْسُورِ) (فَيَا لَهُ مِنْ حَدِيثٍ مُوْحِشٍ نكرٍ ... يَعَافُهُ السَّمْعُ مَكرُوهٍ ومَنْفُورِ) (تَاهَتْ عُقُولُ الورَى مِنْ هَوْلِ وَحْشَتِهِ ... فَأَصْبَحُوا مِثْلَ مَخْمُورٍ ومَسْحُورِ) (تَقَطَّعَتْ قِطَعًا مِنْه القُلُوبُ فَلَا ... يَكَادُ يُوجَدُ قَلْبٌ غَيْرُ مَكسُورِ) (أَجْفَانهُمْ سُفُنٌ مَشْحُونَةٌ بِدَمٍ ... تَجْرِىِ بِبَحْرٍ مِنَ العَبراتِ مَسْجَورِ) (أَتَى بِوَجْهِ نَهَارٍ لَا ضِيَاءَ لَهُ ... كَأَنَّها غُرةٌ شيِبَتْ بدَيْجُورِ) (أَمْ ذَاكَ نَعْىُ سُلَيْمَانَ الزَّمانِ ومَنْ ... مَضَتْ أَوَامِرُهُ فِي كُلٌ مَأْمُورِ) (حَقَّا وَمَنْ مَلأَ الدُنْيَا مَهَابَتُهُ ... وسَخَّرَتْ كُلَّ جبارٍ وقيهورِ) (مَدَارِ سَلْطَنَةِ الدُّنْياَ ومَرْكَزِهَا ... خَلِيفَةِ اللهِ فِي الآفاقِ مَذْكورِ) (مُعْلِي مَعَالِم دِيِنِ اللهِ مُظْهِرهَا ... فِي العَالَمِينَ بِسَعْي مِنْه مَشْكورِ) (وحُسْنِ رَأْىٍ إِلَى الخَيْرَاتِ مُنْصَرِفٍ ... وصِدْقِ عَزْمٍ عَلَى الأَلْطَافِ مَقْصُورِ) (لآيَةِ العَدْلِ والإِحْسَانِ مُمْتَثِلٌ ... بِغَايَةِ القِسْطِ والإلطَافِ مَوْقُورِ) (مُجَاهِدٍ فِي سَبيلِ اللهِ مُجْتَهدٍ ... مُؤَيَّدٍ مِنْ جَنَابِ القُدْسِ مَنْصُورِ) (بلهْذَمِيِّ إِلَى الأعْدَاءِ مُنْعَطِفٍ ... ومشْرَفيِّ عَلَى الكُفَّارِ مَشْهُورِ) (وَرايَةٍ رُفِعَتْ للمَجْدِ خَافِقَةٍ ... تَلْوِي عَلَى عَلَم بالنَّصْرِ مَنشُورِ) (وعَسْكَرٍ مَلأَ الآفَاقَ مُحْتَشِدٍ ... مِنْ كُلِّ قُطْرٍ مِنَ الأَقْطَارِ مَحْشُورِ) (لَهُ وَقَائعُ فِي الأَكْنَافِ شَائِعَةٌ ... أَخْبَارُهَا زُبِرَتْ فِي كُلِّ طَامُورِ)

стр. 1742

(يَا نَفْسُ مَا لَك فِي الدُّنْيَا مُخَلَّفَةً ... مِنْ بَعْدِ رِحْلَتِهِ مِنْ هَذِهِ الدُّورِ) (حقٌّ على كل نفسٍ أَن تموتَ أسى ... لَكِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ غَيْرٌ مَقْدُورِ) (فَلِلْمَنَايَا مَقَادِيرٌ مُعَدَّدَهٌ ... تَأْتِي عَلى قَدَرٍ فِي اللَّوحِ مَسْطورِ) (وَلَيْسَ فِي شَأْنِهَا للنَّاسِ مِنْ أَثَرٍ ... ومَدْخَلٍ مَا بِتَقْدِيمٍ وتَأْخِيرِ) (يَا نَفَسُ فاتَّئِدي لَا تَهْلِكِي أَسفًا ... فَأَنْتِ مَنْظُومَةٌ فِى سِلَّكِ مَقْدورِ) (إذْ لَسْتِ مَأْمُورةً بالمُسْتَحِيلِ وَلَا ... بِمَا سِوَى بَذْلِ مَجْهُودٍ ومَيْسُورٍ) (ولَا تَظُنِّيَهُ قَدْ مَاتَ بَلْ هُوَ ذَا ... حَيٌّ بِنَصِّ مِنَ القُرْآنِ مَزْبُورِ) (لَهُ نَعِيمٌ وَأَرْزَاقٌ مُقَدِّرَةٌ ... تَجْرِي عَلَيْه بِوَجْهٍ غَيْرِ مَشْعُورِ) (إنَّ المَنَايَا وإنْ عَمَّت مُحَرَّمَةٌ ... عَلَى شَهِيدٍ جَمِيلِ الحَالِ مَبْرُورِ) (مُرَابطٍ فِي سَبِيلِ اللهِ مُقْتَحِمٍ ... مَعَارِكَ الحَتْفِ بِالرِّضْوَانِ مَأْجُورِ) (مَا مَاتَ بَلْ نَالَ عَيْشًا بَاقِيًا أبدا ... عَنْ عَيْشِ فَانٍ بِكُلِّ الشَّرِّ مَعْمُورِ) (إبْتَاعَ سَلْطَنَةَ العُقْبَى بِسَلْطَنَةِ الدْ ... دُنْيَا فَأَعْظِمْ بِرِبْحٍ غَيْرِ مَحْصُورِ) (بَلْ حَازَ كِلتَيْهِمَا إذْ حَلَّ مَنْزِلةً ... مَنْ لَمْ يُغَايرْهُ فِي أَمْرٍِ ومَأْمُور) (أَمَا تَرَى مُلْكَهُ المَحْمِيَّ آلَ إِلَى ... سِرٍّ سَرِىٍّ لَهُ فِي الدَّهْرِ مَشْهُورِ) (وَلِيِّ سَلْطَنَةِ الآفَاقِ مَالِكِهَا ... بَرًّا وبَحْرًا بعَيْنِ اللُّطْفِ مَنْظُورِ) (ظِلِّ الإِلَهِ مَلَاذِ الخَلْقِ قَاطِبَةً ... ومُلْتَجَا كُلِّ مَشْهُورٍ ومَذْكٌ ورِ) (فَإِنَّهُ عَيْنُهُ فِي كُلِّ مَأْثَرَةٍ ... وَكُلِّ أَمْرٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ مَأْثُورِ) (وَلَا امْتِيَازَ وَلَا فُرْقَانَ بَيْنَهُمَا ... وَهَلْ يُمَيَّزُ بَيْن الشَّمْسِ والنُّورِ) (سَمَيْدَع مَاجِد زَادَتْ مَهَابَتُهُ ... تَخْتَ الخلافةِ فِي عزِّ وتَيْقُورِ) (جَدَّ الجَدِيدانِ فِي أَيَّامِ دَوْلَتِهِ ... صَارَا كَأَنَّهُمَا مِسْكٌ بِكَافُورِ) (أَضْحَتْ بِقَبْضَتِهِ الدُّنْيَا برُمَّتِهَا ... مَا كَانَ مِنْ مجهلٍ مِنْهَا ومَعْمُورِ) (بَدَا بِطَلْعَتِهِ والنَّاسُ فِي كَربٍ ... وسُوءِ حَالٍ مَنَ الأحْوالِ مَنْكُورِ) (فأَصْبَحَتْ صَفَحَاتُ الأَرْضِ مُشْرِفَةً ... وعَادَ أَكْنَافُهَا نُورًا عَلَى نُورِ) (سُبْحَانَ مَنْ مَلِكٍ حلَّتْ مَفَاخِرُهُ ... بَحْرَ البَيَانِ بِمنْظُومٍ ومَنْثُورِ) (كأَنَّهَا ويَرَاعَ الوَاصِفِينَ لَهَا ... بَحْرٌ خَمِيسٌ إِلَى مِنْقَارِ عُصْفُورِ) (لَا زَالَ أَحْكَامُهُ بالعَدْلِ جَارِيةٌ ... بَيْنَ البَرِيَّةِ حَتَّى نَفْخَةِ الصورِ)

стр. 1743

(ثمَّ تولى السُّلْطَان سليم الثَّانِي ابْن سُلَيْمَان خَان) (وَجلسَ على سَرِير السلطنة فِي سنة أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة) بُويِعَ بعد موت وَالِده فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور فَلَمَّا جلس على سَرِير السلطنة سَار على نمط وَالِده فِي الْعدْل والإنصاف ثمَّ بَادر فِي قيام شرائع الدّين فَبنى جَامعا عَظِيما بِأَرْبَع منائر كَامِلَة الإرتفاع ب أدرنة ومدرسة عَظِيمَة للْعلم بِعُمُومِهِ ومدرسة مفخمة برسم الْقرَاءَات وَهُوَ أول من عمر ذَلِك الْمحل الْمَذْكُور وَعمر عمَارَة برسم الطَّعَام للخاص وَالْعَام بِمَدِينَة قونية وَعمر خانات للمسافرين فِيهَا كِفَايَة النازلين بهَا مَعَ دوابهم من الطَّعَام وَالشرَاب وَأَنْشَأَ بَلْدَة كَامِلَة تعرف بقره نكار وَكَانَت خربة جَمِيعهَا فَحصل بهَا غابة النَّفْع للْمُسلمين سِيمَا الْمُسَافِرين لِأَنَّهَا كَانَت معقلاً لقطاع الطَّرِيق الكسجية وَله فتوحات عَظِيمَة من أعظمها الأقطار اليمنية لِأَنَّهَا فِي آخر الدولة السليمانية اخْتَلَّ أمرهَا وهجم أَهلهَا الطاغون على أعظم مدنها وملوكه بل سمعنَا أَنه لم يبْق فِي الحماية العثمانية إِلَّا مَدِينَة زبيد فَقَط فَلَمَّا جلس مَوْلَانَا صَاحب التَّرْجَمَة على سَرِير السلطنة أَمر بالتجهيز إِلَيْهَا فعين لذَلِك وزيره الْأَكْبَر سِنَان باشا فبرز من الديار المصرية أَوَاخِر عشر السّبْعين وَتِسْعمِائَة فِي جَيش كثيف بِالْخَيْلِ المسومة والعساكر الشجعان المعظمة وَطَوَائِف من السناجق السُّلْطَانِيَّة وعدة من المدافع فَوق الْمِائَة فَلَمَّا وصلوا إِلَى مَكَّة البهية عرضوا لَهَا عرضة عَظِيمَة وَأظْهر أبهة الْملك وَالسُّلْطَان قَالَ السَّيِّد مُحَمَّد الْحُسَيْنِي فِي تَارِيخه الْمُسَمّى الرَّوْضَة الأنيقة فِي سُلْطَان الْحجاز على الْحَقِيقَة أَخْبرنِي الثِّقَة أَنه سمع كَاتب العساكر أَنهم يعلقون كل لَيْلَة أَرْبَعَة وَعشْرين ألف عليقة وَله فتوحات عَظِيمَة مِنْهَا فتح جزائر ساقس وكل جَزِيرَة فِيهَا مدن عَظِيمَة وكنائس وقلاع حَصِينَة وَعَاد على الْمُسلمين من هَذِه الفتوحات غَنَائِم وَأسرى لَا تعد وَلَا تحصى وانتفع بهَا بَيت المَال وَجَمِيع أَرْكَان الدولة وَسَائِر الرعايا انتفاعاً ظَاهرا غزير الْمَحْصُول كثير الْمَنَافِع وَأمن بذلك الصادرون والواردون بحراً وَبرا

стр. 1744

وَله خيرات كَثِيرَة بالحرمين الشريفين من الْأَجْزَاء القرآنية والنقود والحبوب الْمرتبَة كل عَام أُسْوَة أسلافه الْكِرَام طَابَ ثراهم بدار السَّلَام وَكَانَ مَوْلَانَا صَاحب التَّرْجَمَة من طَاعَة وَالِده المرحوم المبرور السُّلْطَان سُلَيْمَان بِمحل لَا يُمكن عَنهُ التَّعْبِير بِحَيْثُ يُرَاجِعهُ فِي الْجَلِيل والحقير ويصبر فِي رِضَاهُ على مضض الدَّهْر وضيق الْعَيْش والضنك والقهر وكل مَا يبلغهُ من حَاسِد ونمام عَن وَالِده بالانتقاص والإعراض عَنهُ وَالْإِشَارَة بالسلطنة إِلَى غَيره من إخْوَته بالإعطاء وتمهيد أَحْوَال السلطنة لغيره لَا يمنعهُ ذَلِك من أَنْوَاع الْبر لوالده بالْقَوْل وَالْفِعْل وَلَا يحملهُ على العقوق خُصُوصا عَن والدته فَإِنَّهَا كَانَت تصرح بِعَدَمِ صَلَاحه للْملك وقابلية غَيره للدولة وَهُوَ على غَايَة من الصَّبْر وَتحمل الْجفَاء وَالتَّصْرِيح بالتفويض إِلَى رب السَّمَاء فَكَانَت طَاعَته لوَالِديهِ مُوجبَة لإنعام الله بِالْملكِ عَلَيْهِ فانقرضت إخْوَته وَأَعْقَابهمْ ووالدته فِي حَيَاة وَالِده طَابَ ثراه فَلَمَّا مَاتَ وَالِده كَمَا ذكرنَا شرفه الله بِالْملكِ على حَالَة هينة لم تقع لأحد من أهل هَذَا الْبَيْت أبدا ودام سُلْطَانه إِلَى أَن مَاتَ على سَرِير ملكه وعزه فِي ثامن شهر رَمَضَان الْمُعظم قدره فِي عَام اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة فدرج عَتيق رَمَضَان تغمده الله بِالرَّحْمَةِ والرضوان وَمن أعظم حَسَنَاته عمَارَة الْعين فقد تقدم أَن ابْتِدَاء الْعِمَارَة فِي أَوَاخِر دولة وَالِده السُّلْطَان سُلَيْمَان وتمامها فِي أول دولته وَقد قدمنَا ذكرهمَا ومعاناتهما وَمَا صرف على ذَلِك وَمن خيراته ابْتِدَاء عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة قبل وَفَاته بِسنتَيْنِ وَإِن كَانَ تَمامهَا إِنَّمَا كَانَ فِي دولة وَلَده الْآتِي بعده مَوْلَانَا السُّلْطَان مُرَاد بن سليم كَمَا سَيَأْتِي ذكر ذَلِك وَله غزوات شهيرة بِالْإِرْسَال وَهُوَ جَالس مَكَانَهُ فتح فِي أَيَّامه السعيدة جَزِيرَة قبرس بِالسِّين الْمُهْملَة لَا بالصَّاد كَمَا تَقوله الْعَامَّة ومدينة تونس الخضراء وممالك الْيمن بأسرها وَتُوفِّي إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَمُدَّة سلطنته ثَمَان سِنِين وعمره الشريف ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة وَكَانَ شجاعاً كَرِيمًا مهاباً كثير الْإِحْسَان من قبل أَن يجلس على سَرِير الْملك وَبعده

стр. 1745

وَمن غَزَوَاته فتح تونس الغرب وحلتي الْوَادي وَفتح ممالك الْيمن واسترجاعها من أَيدي العصاة الْبُغَاة أهل الْإِلْحَاد وَمِنْهَا فتح جَزِيرَة قبرس بِسيف الْجِهَاد وَهِي جَزِيرَة على الْبَحْر الشَّامي كَثِيرَة الْقطر ومقدارها مسيرَة عشْرين يَوْمًا وَبهَا قرى ومزارع وأشجار ومعادن الزاج القبرسي وَهِي على مر الْأَيَّام رخاؤها شَامِل وَخَيرهَا كَامِل وَبهَا معادن الصفر واللادن الَّذِي يغلب الْعود فِي طيبه وَكَانَ مُعَاوِيَة ﵁ غَزَاهَا وَصَالح أَهلهَا على سَبْعَة آلَاف دِينَار فنقضوا عَلَيْهِ فغزاهم ثَانِيَة فَقتل وسبى شَيْئا كثيرا وَبَين جَزِيرَة قبرس وساحل مصر خَمْسَة أَيَّام وَبَينهَا وَبَين جَزِيرَة رودس يَوْم وَاحِد وَإِنَّمَا سميت جَزِيرَة قبرس بوثن كَانَ هُنَاكَ يُسمى قابرس وَكَانَت أم حرَام بنت ملْحَان الصحابية شهِدت غَزْوَة قبرس فَتُوُفِّيَتْ بهَا وَأهل قبرس يتبركون بقبرها وَيَقُولُونَ هَذَا قبر الْمَرْأَة الصَّالِحَة وَكَانَت سَأَلت رَسُول الله أَن يَدْعُو لَهَا أَن يجلعها الله من الَّذين يركبون ثبج الْبَحْر مجاهدين فِي سَبِيل الله فَفعل وَهُوَ حَدِيث مَعْرُوف وَكَانَ الْأَوْزَاعِيّ يَقُول إِنَّا نرى هَؤُلَاءِ يَعْنِي أهل قبرس أهل عهد وَإِن عَهدهم وَقع على شَرط وَأَنه لَا يسع الْمُسلمين نقضه إِلَّا بِأَمْر يعرف بِهِ غدرهم وَرَأى عبد الْملك بن صَالح فِي حدث أحدثوه أَن ذَلِك نقض لعهدهم فَكتب إِلَى عدَّة من الْفُقَهَاء يشاورهم فِي أَمرهم مِنْهُم اللَّيْث بن سعد وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ وَمُحَمّد بن الْحسن فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ وَأجَاب كل وَاحِد بِمَا ظهر لَهُ وَقد فتحت أَيْضا فِي دولة الشراكسة فِي دولة الْملك الْأَشْرَف برسباي وَأسر ملكهَا وَذَلِكَ سنة سبع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة ثمَّ فتحت على يَد السُّلْطَان سليم خَان هَذَا الْمَذْكُور وَكَانَت مُدَّة سلطنته ثَمَان سِنِين كَمَا تقدم ذكر ذَلِك

стр. 1746

(ثمَّ تولى السُّلْطَان مُرَاد الثَّالِث ابْن السُّلْطَان سليم) (ابْن السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان) وَجلسَ بعد وَفَاة وَالِده سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة كَانَ مولده الشريف سنة إِحْدَى وَخمسين وَتِسْعمِائَة وَبِذَلِك انتظم فِي سلك كَرِيمَة قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كَتَبنا فِي اَلزبور مِن بَعدِ اَلذِكِر أَن الأَرْض يَرِثهَا عبادى الصلحون﴾ الْأَنْبِيَاء ١٠٥ بِحِسَاب الْجمل لِأَن لفظ الذّكر تِسْعمائَة وَأحد وَخَمْسُونَ وَالْقَاعِدَة فِي ذَلِك مقررة فِي محلهَا ثمَّ ظهر من خَالق السَّمَوَات عنايات لَهُ وخصوصيات مِنْهَا أَنه نَشأ فِي ظلّ وَالِده وجده الْمَذْكُورين على مهاد الْعِزّ وَالسُّلْطَان فِي حِجْر الْخلَافَة راضعاً ثدي الْعلم والعرفان لم تعلم لَهُ صبوة مَعَ توفر دواعيها وَلم يتَنَاوَل شَيْئا من الْمُحرمَات بل وَلَا من المكروهات لما فِيهَا حَتَّى قَالَ أعاظم عرفاء الْعَصْر مَوْلَانَا الْمشَار إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي هَذَا الدَّهْر وَمِنْهَا أَنه مُنْذُ ترعرع فِي شبابه صانه الله عَن الْمُحَاربَة والمخاصمة الناشئة عَن حظوظ النَّفس وَحب الرِّئَاسَة وَاسْتعْمل نَفسه فِي الْعلم وَالْعَمَل ثمَّ فِي الاستعداد للخلافة الإسلامية مَعَ كَمَال النزاهة والعفة والنفاسة وَمِنْهَا أَن طَرِيقَته فِي الملبس والمأكل وَالْمشْرَب والمركب طَريقَة الصَّالِحين والزهاد مَا عدا مَا فِيهِ خلل لنظام الْملك أَو ضَرَر للعباد وَكَانَ جُلُوسه على تخت الْخلَافَة الإسلامية فِي ثامن شهر رَمَضَان فِي الْيَوْم الَّذِي توفّي أَبوهُ فِيهِ من عَام اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة فَجَلَسَ جُلُوسًا جَامعا لفضل الزَّمَان وَالْمَكَان والافتنان فِي فعل الْخيرَات والمرتبات فِي مباديه مِمَّا فعله أسلافه فِي غاياتهم مِمَّا لَا شكّ فِيهِ ومنحه الله تَعَالَى من كَثْرَة الْخراج والخزائن والعساكر مَا لم يجمعه أحد من أسلافه الأكابر فَإِذا عزم على فتح أعظم الممالك جهز شرذمة من عساكره المنصورة فَفتح كل صَعب المسالك وَمن النِّعْمَة الْعُظْمَى إتْمَام عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام وَكَانَ ترميمه فِي زمَان جده مَوْلَانَا السُّلْطَان سُلَيْمَان ثمَّ كَانَ ابْتِدَاء هَدمه وتعميره فِي زمَان وَالِده السُّلْطَان سليم

стр. 1747

سنة تِسْعمائَة وَثَمَانِينَ وَتَمام التَّعْمِير فِي زَمَانه فأرخ ذَلِك جدي الْعَلامَة جمال الدّين العصامي بِشَطْر بَيت هُوَ قَوْله // (من الرجز) // (تاريخُ هَدْمِ المَسْجِدِ ... فِى رَابِعِ العشْرِ بُدِي) وَهُوَ تَارِيخ عَجِيب إِذا مَعْنَاهُ الحسابي يُؤَدِّي إِلَى تعْيين السّنة وَمَعْنَاهُ اللَّفْظِيّ يُؤَدِّي إِلَى تعْيين يَوْم البدأة وَسبب أمره الشريف بتعمير الْمَسْجِد أَن الرواق الشَّرْقِي مِنْهُ مَال إِلَى نَحْو الْكَعْبَة الشَّرِيفَة بِحَيْثُ برزت رُءُوس خشب سقفه الثَّانِي لِأَنَّهُ كَانَ مسقفاً سقفين بَينهمَا قدر ذراعين بِذِرَاع الْعَمَل عَن مَحل تركيبهما من جدر الْمَسْجِد وَذَلِكَ الْجدر هُوَ جدر مدرسة ألسلطان قايتباي وجدر مدرسة الْأَفْضَل الَّتِي هِيَ الْآن وقف عباد الله وَقدر مُفَارقَة الْخشب عَن مَوضِع تركيبه أَكثر من ذِرَاع وَمَال وَجه الرواق الشَّرْقِي إِلَى صحن الْمَسْجِد ميلًا ظَاهرا فبادر نظار الْحرم يصلحون ذَلِك الْمحل الَّذِي فَارق بتعديل خشب السّقف بأطول مِنْهُ وأعمدوا الرواق المائل إِلَى صحن الْمَسْجِد بأخشاب كبار حفر لَهَا فِي الْمَسْجِد تمسكه عَن السُّقُوط وَذَلِكَ كُله فِي دولة السُّلْطَان سُلَيْمَان وَاسْتمرّ متماسكاً على هَذَا الأسلوب من أَوَاخِر دولته إِلَى صدر دولة ابْنه مَوْلَانَا السُّلْطَان سليم ففحش ميل ذَلِك الرواق وَعرض على الْأَبْوَاب فبرزت الْأَوَامِر من السُّلْطَان سليم بالمبادرة إِلَى بِنَاء الْمَسْجِد جَمِيعه على وَجه الإتقان والإحكام وَأَن يَجْعَل عرض السّقف قبباً دَائِرَة بأروقة الْمَسْجِد ليؤمن تآكل الْخشب فعين لذَلِك بكلربكي مصر سَابِقًا فَخر الْأُمَرَاء الْعِظَام أَحْمد بك وأضيف إِلَيْهِ فِي هَذِه الْخدمَة سنجق جدة فوصل الْأَمِير أَحْمد بك فِي آخر ذِي الْحجَّة الْحَرَام سنة ٩٧٩ تسع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَكَانَت الْأَوَامِر الشَّرِيفَة وَردت أَن يكون النَّاظر على هَذِه الْعِمَارَة والمتكلم عَلَيْهَا عَن جَانب السلطنة سيدنَا ومولانا القَاضِي الْحُسَيْن الْمَالِكِي ففرح بِهَذِهِ الْخدمَة الْفَرح التَّام وَشد نطاق حزمه على نَاطِق عزمه وَقَامَ وَحصل بَين مَوْلَانَا القَاضِي وَبَين أَحْمد بك الملاءمة والاتفاق وَبِذَلِك يحصل تَمام النجح والارتفاق فاتفق رَأْي النَّاظر والأمين والمعمار على الشُّرُوع فِي الْهدم فشرع فِيهِ رَابِع عشر ربيع الأول من سنة ثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة كَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ بتاريخ الْجد جمال الدّين العصامي وَكَانَ ابْتِدَاء الْهدم مَكَانا من بَاب السَّلَام من

стр. 1748

تَحت منارته إِلَى بَاب عَليّ وَمِنْه أَيْضا إِلَى بَاب بني سهم الْمَعْرُوف بِبَاب الْعمرَة وَأخذت المعاول تعْمل فِي شرفات الْمَسْجِد وطبطاب سقفه ثمَّ كشفوا عَن أساسه فوجدوه مختلاً وَكَانَ جداراً عَظِيما نازلاً فِي الأَرْض على هَيْئَة بيُوت رقْعَة الشطرنج وَكَانَ على مَوضِع التقاطع على وَجه الأَرْض قَاعِدَة تركب الأسطوانة عَلَيْهَا فشرع فِي وضع الأساس على وَجه الإتقان والإحكام بالنورة المخمرة إِلَى أَن طلع الأساس على وَجه الأَرْض وَكَانَت الأسطوانات المبنية سَابِقًا على نسق وَاحِد فِي جَمِيع الأروقة من الرخام جَمِيعهَا إِلَى أَن وَقع الْحَرِيق فِي الْجَانِب الغربي بالنَّار الناشئة من رِبَاط رَشَّتْ سنة أَربع وَثَمَانمِائَة فِي دولة الْملك النَّاصِر فرج بن برقوق من الشراكسة فَاحْتَرَقَ مِنْهُ أساطين الرخام وذابت فَأرْسل من أمرائه الْأَمِير بيسق إِلَى مَكَّة فعمر الْجَانِب الَّذِي احْتَرَقَ وأبدل من الأعمدة الرخام الْمُحْتَرِقَة أعمدة من الْحجر الصوان المنحوت وَصَارَت الجوانب الثَّلَاثَة بالأعمدة الرخام مَا عدا هَذَا الْجَانِب الغربي فَهُوَ من الْحجر الصوان المنحوت فَلَمَّا وَقع هَذَا التَّعْمِير أدخلت فِي هَذِه الْعِمَارَة العثمانية دعائم من الْحجر الشميسي الْأَصْفَر غِلَاظ بعد كل ثَلَاث دعائم من الرخام دعامة مِنْهَا لتقوى على تركيب القبب فَوْقهَا وبإدخال الدعائم الشميسي الْأَصْفَر صَارَت الأساطين كلهَا على نِسْبَة وَاحِدَة وَهِي أَن كل ثَلَاث من الرخام رابعتها وَاحِدَة من الشميسي وَذَلِكَ فِي غَالب الأروقة من الجوانب الْأَرْبَع من الْمَسْجِد الشريف كَأَنَّهَا قَائِمَة بغاية الْأَدَب حول بَيت الله المنيف وَهِي أَعلَى من ارْتِفَاع سقفها السَّابِق كَأَنَّهَا تنشد بِلِسَان حَالهَا مفتخرة على أَمْثَالهَا // (من الْكَامِل) // (إنَّ الَّذِي سمَكَ السَّماءَ بنَى لَهَا ... بَيْتا دَعَائِمُهُ أعزُّ وأَطْوَلُ) وَاسْتمرّ الْحَال فِي هَذِه الْعِمَارَة على هَذَا المنوال إِلَى أَن تمّ مِنْهُ الْجَانِب الشَّرْقِي والجانب الشمالي إِلَى بَاب الْعمرَة فَمَا عمر مَوْلَانَا السُّلْطَان سليم أسْكنهُ الله جنَّات النَّعيم إِلَى أَن تتمّ الْعِمَارَة وَسلم ملكة الشريف السعيد إِلَى نجله السعيد صَاحب التَّرْجَمَة مَوْلَانَا السُّلْطَان مُرَاد ابْن السُّلْطَان سليم خَان فبرز أمره الشريف لأمير الْعِمَارَة الشَّرِيفَة الْمشَار إِلَيْهِ أَحْمد بك الْمَذْكُور وَأَن يبْذل جهده وجده فِي الْإِتْمَام لعمارة الْمَسْجِد الْحَرَام فأعانه الله تَعَالَى على إِتْمَامهَا وأمد كَذَلِك سَائِر خدامها إِلَى أَن تمت عمَارَة الْجَانِبَيْنِ الغربي والجنوبي من الْمَسْجِد الْحَرَام بِجَمِيعِ أبوابه وأعتابه

стр. 1749

ودرجاته من دَاخله وخارجه وَكَانَ ذَلِك فِي أَوَاخِر سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَصَارَ الْمَسْجِد الْحَرَام نزهة المناظر وبغية للخاطر وجلاء للنواظر والخواطر بِحَيْثُ صَار مَا عمره الْخُلَفَاء العباسيون قبل ذَلِك لَا يحسن عِنْده أَن يذكر ويوصف لِأَن هَذَا الْبناء أمكن وأزين وَأَعْلَى وأشرف وَكَانَ جملَة مَا أنْفق على عِمَارَته مائَة ألف وَعشرَة آلَاف دِينَار ذَهَبا غير الْآلَات والرصاص والنحاس والخشب وأهلَّة القبب المعمولة بِمصْر المطلية بِالذَّهَب وجدد خيرات تفرد بهَا مِنْهَا مدرسة وتكية بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة ومدرسة بِمَكَّة وسبيل عَظِيم فِي بنائِهِ وفرشه وعذوبة مَائه وجدد بالروضة جملَة من الدُّرُوس العلمية بِمَعْلُوم قدره كل عَام مائَة وَخَمْسُونَ دِينَارا ذَهَبا جَدِيدا للمدرس وَمِائَة دِينَار جَدِيد للطلبة لكل وَاحِد عشرَة على الدَّوَام وحدد فِي كل عَام ألف دِينَار ذَهَبا لمِائَة نفر من الْحجَّاج يدعونَ لَهُ بِخَير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة عِنْد الْبَيْت الْعَتِيق وَفِي عَام سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة شرع فِي فتح الممالك العجمية الطهماسبية وعساكره المنصورة يتبع بَعْضهَا بَعْضًا من غير انْقِطَاع فملكه الله تَعَالَى أعظم تِلْكَ الْبِقَاع وَأحْصن تِلْكَ القلاع وَفِي سنة ٩٨٨ ثَمَان وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة أَمر بكتب أَسمَاء الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة بعد الله وَرَسُوله بِخَط كَبِير عَظِيم نقراً فِي جدر الْمَسْجِد الشَّرْقِي مموهاً بِالذَّهَب الصّرْف على أحسن قَاعِدَة خطّ بديع رائق قل أَن تحاكيه المهرة فِي بطُون المهارق بَين الْبَاب الْمَنْسُوب إِلَى سيدنَا عَليّ كرم الله وَجهه وَالْبَاب الْمَنْسُوب إِلَى عَمه الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَلم أظفر على حَقِيقَة السَّبَب لذَلِك إِلَّا مَا يسمع من أَفْوَاه الروَاة وَلم تروه أَخْبَار الثِّقَات وَجُمْلَة عدد الأسطوانات الرخام ثَلَاثمِائَة وَأحد عشر والأسطوانات الشميسي مِائَتَان وَأَرْبع وَأَرْبَعُونَ وَعدد القبب مائَة وَاثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ فِيهِ شرقية أَربع وَعِشْرُونَ وَمثلهَا غربية وشامية سِتّ وَثَلَاثُونَ وَمثلهَا جنوبية وَوَاحِدَة فِي رُكْنه من جِهَة مَنَارَة حزورة والطواجن مِائَتَان وَاثْنَانِ وَثَمَانُونَ طاجناً وَعدد شرفاته ألف وثلاثمائة وَثَمَانُونَ شرفة

стр. 1750

وَجُمْلَة أبوابه تِسْعَة عشر بَابا تفتح على تِسْعَة وَثَلَاثِينَ طاقاً كل ذَلِك مُسَمّى مَعْلُوم مشَاهد وَجعلت فِي عمَارَة الْمَسْجِد الشريف تواريخ عديدة قَالَ القطب النهروالى رَأَيْت لبَعض الْفُضَلَاء تَارِيخا لتَمام عِمَارَته وَذَلِكَ فِي سنة ٩٨٤ أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة فِي بَيت مُفْرد فَأَعْجَبَنِي نظمه لحسن سبكه وَاسْتِيفَاء الْمَعْنى فِيهِ فَذكر بِهِ وَهُوَ هَذَا الْبَيْت // (من الْخَفِيف) // (جَدَّدَ المَسْجِدَ الحَرَامَ مُرَادٌ ... دَامَ سُلْطَانُهُ وطَالَ أَوَانُهْ) قلت هَذَا الْبَيْت هُوَ لجدي الْعَلامَة جمال الدّين العصامي كَمَا رَأَيْته بِخَطِّهِ فِي تَذكرته عزاهُ إِلَى نَفسه ولمولانا القَاضِي الْحُسَيْن تَارِيخ منثور هُوَ قَوْله أَطَالَ الله لمن أتمه عمرا وَورد تَارِيخ من الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة مَعَه حكم شرِيف برسمه على طراز بَاب سيدنَا الْعَبَّاس فِي ظَاهر الرواق فرسم هُنَالك وَهُوَ لقَاضِي الْعَسْكَر نثراً قَوْله الْحَمد لله الَّذِي أسس بُنيان الدّين المتين بِنَبِي الرَّحْمَة والرشاد وَخَصه بمزيد الْفضل والكرامة والإسعاد وَهُوَ فِيهِ بعض تَطْوِيل وَفِي آخِره نظم ثَلَاثَة أَبْيَات تَتَضَمَّن التَّارِيخ وَهِي هَذِه // (من الرمل) // (جَدَّدَ السلطانُ مرادُ بنُ سَلِيمِ ... مَسْجِدَ البيتِ العَتِيْقِ المُحْتَرَمْ) (سُرَّ مِنْهُ المُسْلِمُونَ كلُّهُمْ ... دَامَ منصورَ اللواءِ والعَلَمْ) (قَالَ رُوحُ القدسِ فِي تاريخِهِ ... عَمَّرَ سُلْطَانُ مُرَادُ الحَرَمْ) وَفِي سنة الْألف عزل مَوْلَانَا السُّلْطَان مُرَاد آغاة الينيشرية وَكَانَ ظَالِما فأرخ عَزله شَاعِر نظماً باللغة التركية مَعْنَاهُ لَو قطع السُّلْطَان رَأس الأغا وَرجله لَكَانَ لَهُ تَارِيخا عجيباً رَأس الأغا الْهمزَة من لَفظه وَرجله الْألف الْأَخِيرَة فَيبقى الْغَيْن بِأَلف هِيَ سنة عَزله وَكَانَت وَفَاة مَوْلَانَا السُّلْطَان مُرَاد سنة ١٠٠٣ ثَلَاث بعد الْألف وسنه الشريف يَوْم ولي ثَلَاثُونَ سنة وَمُدَّة سلطنته عشرُون سنة وَتِسْعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام

стр. 1751

(ثمَّ تولى السُّلْطَان مُحَمَّد ابْن السُّلْطَان مُرَاد) (ابْن السُّلْطَان سُلَيْمَان ابْن السُّلْطَان خَان) وَجلسَ سنة ثَلَاث وَألف وغزا بعسكره إِلَى غَزْوَة مجر وَحصل هُنَاكَ قتال ومَنَّ الله عَلَيْهِ بالنصر فَعَاد مؤيداً منصوراً ولي الْملك بعد وَفَاة أَبِيه وَبَدَأَ بترخيم المطاف الشريف والتجهز بِنَفسِهِ إِلَى جِهَاد الفرنج أَعدَاء الدّين وأيده الله بالنصر وَالظفر الْمُبين وَأبْدى فِي مُبَاشَرَته الْحَرْب بِنَفسِهِ مَا أبهر وأنبأ بعلو همته وَقُوَّة سجبته فَإِن ذَلِك لم يتَّفق إِلَّا نَادرا ثمَّ عَاد بالنصر التَّام إِلَى تخت مَمْلَكَته وَفِي تَارِيخ ترخيم المطاف أَبْيَات للْإِمَام عبد الْقَادِر مطْلعهَا // (من الْكَامِل) // (يَا مَنْ يَلُوذُ بكَعْبةِ وحَطِيمِ ... وبِهَا يَطُوفُ بِخَالِصِ التَّعْظِيمِ) وَهِي نَحْو أَرْبَعَة وَعشْرين آخرهَا بَيت التَّارِيخ وَهُوَ (قد دبَّرَ السُّلْطَانُ أيد مُلْكَهُ ... بَدْءَ المَطَافِ جَرَى بِكُلِّ نعْيمِ) توفّي إِلَى رَحْمَة ربه سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَكَانَت مُدَّة سلطنته تسع سِنِين وَنصف شهر تغشاه الله بِالرَّحْمَةِ والرضوان (ثمَّ تولى السُّلْطَان أَحْمد ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد ابْن السُّلْطَان مُرَاد) (ابْن سليم بن سُلَيْمَان بن سليم خَان) وَجلسَ على سَرِير الْملك سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَبنى جَامعه الْمَعْرُوف المزخرف بأنواع الزِّينَة وَقتل من كَانَ فِي أَيَّامه من الْبُغَاة والجلالية وَله خيرات عديدة وَكَانَ كثير الْخَيْر وَالْمَعْرُوف بِحَيْثُ إِنَّه جعل لأهل الْحَرَمَيْنِ وَقفا بِمصْر يجمع مغله فِي كل عَام وَيُرْسل إِلَى مَكَّة صُحْبَة الركب الْمصْرِيّ عوضا عَن مَال بندر جدة المعمورة لانقطاعه بِمُوجب عدم وُصُول المراكب الْهِنْدِيَّة فَهُوَ الْمَعْرُوف بالأحمدية وَفِي سنة سِتّ وَعشْرين بعد الْألف أرسل إِلَى أَعْيَان مَكَّة المشرفة من شريفها وقضاتها وأئمتها وخطبائها كسْوَة عَظِيمَة فَلبس كل من الْمَذْكُورين مَا أرسل بِهِ إِلَيْهِ

стр. 1752

وَكَانَ ذَلِك أول النَّهَار تجاه الْبَيْت الشريف وَأرْسل فِي عَام عشْرين الباشا حسن المعمار لعمارة عين مَكَّة المشرفة فوصل فِي أَوَائِل ذِي الْحجَّة من الْعَام الْمَذْكُور وَعمر الْعين وَأصْلح بعض إصلاحات كَانَت بِالْكَعْبَةِ الشَّرِيفَة جزاه الله خيرا وَمُوجب الْإِصْلَاح حُصُول تشعُب قَلِيل فِي الْجَانِب الشمالي فأصلحه بجزام حَدِيد تَحت الطّراز كالطراز مصفح بِالْفِضَّةِ مَطْلِي بِالذَّهَب وَوصل مَعَه من الديار الرومية بميزاب الْكَعْبَة الشَّرِيفَة ثمَّ رَكبه بمحله بعد أَن قلع الْمِيزَاب الأول وأرسله إِلَى الحضرة الشَّرِيفَة السُّلْطَانِيَّة وَاسْتمرّ بهَا إِلَى أَن وَقع سُقُوط الجدران فِي دولة السُّلْطَان مُرَاد بن أَحْمد سنة تسع وَثَلَاثِينَ فَرفع ذَلِك الْإِزَار الْحَدِيد وسبك فضته متعاطو الْعِمَارَة وَلم يجْعَلُوا عوضه عَلَيْهَا لعدم الِاحْتِيَاج إِلَيْهَا بعد عمارتها قلت وَكَانَ تَمام ذَلِك الْإِصْلَاح عَام أحد وَعشْرين بعد الْألف وَفِي مصلى الْجُمُعَة لوح رُخَام مُثبت فِي شاذروان الْبَيْت الشريف منقور فِيهِ ذكر ذَلِك وَفِيه وَقد جَاءَ تَارِيخه من الْقُرْآن الْعَظِيم أسس بُنْيَانه على تقوى من الله وَهُوَ حِسَاب إِحْدَى وَعشْرين وَألف وَهُوَ من عَجِيب الِاتِّفَاق وأيمنه وَكَانَت مُدَّة سلطنته أَربع عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر (ثمَّ تولى السُّلْطَان مصطفى بن مُحَمَّد أَخُوهُ) وَجلسَ على تخت الْملك سنة سبع وَعشْرين وَألف كَانَ السُّلْطَان أَحْمد بن مُحَمَّد عِنْد مَوته عهد بالسلطنة لَهُ وَذَلِكَ لصِغَر سنّ السُّلْطَان عُثْمَان ابْنه فاستقر فِيهَا بعد موت أَخِيه السُّلْطَان أَحْمد بن مُحَمَّد ثَلَاثَة أشهر ثمَّ دبر كزلار أغاسي الطواشي فِي خلع السُّلْطَان مصطفى وتولية السُّلْطَان عُثْمَان بن أَحْمد فَخلع مصطفى وَبَقِي فِي السَّرَايَا مخلوعاً إِلَى أَن تولى التَّوْلِيَة الثَّانِيَة كَمَا سَيَأْتِي وَكَانَ خلعه لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَالِث ربيع أول من سنة ١٠٢٨ ثَمَان وَعشْرين وَألف فَكَانَت مدَّته هَذِه ثَلَاثَة أشهر وَعشرَة أَيَّام

стр. 1753

(ثمَّ تولى السُّلْطَان عُثْمَان بن أَحْمد خَان بن مُحَمَّد خَان) فَهُوَ ابْن أخي السُّلْطَان مصطفى بن مُحَمَّد وَجلسَ على تخت الْملك ثَالِث ربيع الأول سنة ١٠٢٨ ثَمَان وَعشْرين وَألف تولى بعد الْقَبْض على عَمه مصطفى فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وَكَانَ عَالما فَاضلا شجاعاً مُطَاعًا شريفاً يَدُور بِالسَّيْفِ والسنان ويحمي بطوقه وطوعه بَيْضَة الْإِسْلَام وَالْإِيمَان ثمَّ شغب الْجند على قزلار أغاسي فنفوه إِلَى مصر بعد أَن أَرَادوا قَتله وَكَانَ مقرب الحضرة السُّلْطَانِيَّة ومدبر الدولة العثمانية ثمَّ قبضوا على السُّلْطَان عُثْمَان وأحضروا عَمه مصطفى وأجلسوه على تخت السلطنة ثَانِيًا وَقتلُوا عُثْمَان وَكَانَت سنه حِين التَّوْلِيَة نَحْو عشر سِنِين وسنه عِنْد الْقَتْل نَحْو تسع عشرَة سنة وَسبب قَتله أَنه عزم على الْحَج سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وصمم على ذَلِك وَأمر بالخيام وَالْمُضَارب والوطاق أَن يضْرب ظَاهر الْقُسْطَنْطِينِيَّة فأجمع رأى أَرْبَاب دولته وأركان سلطنته على خلعه إِن لم يرجع فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وأشاروا عَلَيْهِ بِالتّرْكِ وَقَالُوا إِنَّك غزوت الفرنج وقتلتهم وسبيتهم وَفِي قُلُوبهم مِنْك أَمر عَظِيم فنخاف بعد عزمك وانفصالك عَن التخت إِلَى الْحجاز مَعَ بعد الْمسَافَة أَن تثب الفرنج على المملكة ويصعب خُرُوجهمْ مِنْهَا مَعَ أَن هَذَا لَيْسَ قانون آبَائِك وأجدادك وخوفوه بذلك فَلم يمْتَنع وصمم على الْعَزْم إِلَى الْحَج وَخرج لذَلِك وسلك أول طرق هَذِه المسالك فَكتب لَهُ الثَّوَاب وَحصل لَهُ أجر الْقَصْد فِي الْحَال والمآب قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَن يخرُج مِن بيتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللهِ ورَسُوله﴾ النِّسَاء ١٠٠ الْآيَة فَلَمَّا عرفُوا مِنْهُ التصميم قَتَلُوهُ وأعادوا عَمه السُّلْطَان مصطفى كَمَا ذكرنَا كَذَا فِي منهل الظمان لأخبار دولة آل عُثْمَان للشَّيْخ الْعَلامَة مُحَمَّد عَليّ بن عَلان وَكَانَ قَتله يَوْم الْخَمِيس سَابِع رَجَب الأصب من سنة ١٠٣١ وَفِيه يَقُول بعض أدباء الشَّام مؤرخاً // (من الوافر) // (قضَى عُثْمَانُ سُلْطَانُ البَرَايَا ... بأَسْيَافِ العَساكِرِ والجُنُودِ) (وَوَافَتْهُ المَنِيَّةُ فِي السَّرَايا ... مؤرَّخةً كَعُثْمَانَ الِشَّهِيْدِ)

стр. 1754

وَقَالَ آخر مؤرخاً أَيْضا // (من مجزوء الرمل) // (قَدْ قَضَى عُثْمَانُ ظُلْمًا ... حِينَ خَانَتْهُ الجنُودُ) (واللَّيَالِي أَرَّخَتْهُ ... إنَّ عثمانَ شَهِيدُ) سنة ١٠٣١ وَمُدَّة تصرفه ثَلَاث سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام (ثمَّ تولى السُّلْطَان مصطفى بن مُحَمَّد خَان) (وَهَذِه هِيَ التَوْليَةُ الثَّانِيَة) وَذَلِكَ أَنه لما كَانَ يَوْم خَامِس رَمَضَان سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ ورد الْخَبَر بوفاة السُّلْطَان عُثْمَان وتولية السُّلْطَان مصطفى عَمه وَكَانَ ذَلِك فِي سَابِع رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة فزينت مَكَّة سَبْعَة أَيَّام ودعي لَهُ على الْمِنْبَر الشريف الْمَكِّيّ يَوْم الْجُمُعَة عَاشر ذِي الْقعدَة الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة وَصلي على السُّلْطَان عُثْمَان صَلَاة الْغَائِب وقرئت لَهُ ربعَة حضرها الْأَعْيَان وَذَلِكَ بِأَمْر مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس وَاسْتمرّ إِلَى أَن خلع فِي منتصف ذِي الْقعدَة الْحَرَام من السّنة الثَّانِيَة وَالثَّلَاثِينَ بعد الْألف فَكَانَت مُدَّة تصرفه فِي التَّوْلِيَة الثَّانِيَة سنة وَثَلَاثَة أشهر وَنصفا (ثمَّ تولى السُّلْطَان مُرَاد الْغَازِي ابْن أَحْمد) (ابْن مُحَمَّد بن مُرَاد بن سليم بن سُلَيْمَان بن سليم خَان) جلس على سَرِير الْملك منصف ذِي الْقعدَة الْحَرَام عَام اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف جُلُوسًا عَاما وَأخذ السَّيْف فِي يَده وَأخذ ثَأْره من الْأَعْدَاء وهم قتلة أَخِيه عُثْمَان ابْن أَحْمد وَفتح قلعة وان ثمَّ بعد سِنِين توجه بعسكر عَظِيم وَفتح بَغْدَاد وَذَلِكَ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَجعل جَمِيع من كَانَ فِيهَا من الروافض طعمة سَيْفه وَهُوَ السُّلْطَان الْقَائِم بشعائر الْإِسْلَام المتأيد بعناية الْملك العلام فَارس ميدان المنازلة إِذا حمي الْوَطِيس وَقيل هَل من مبارز ومسقي رُءُوس الأسل من صُدُور يوكد الشَّرّ فِيهَا الضَّمِير البارز ذُو الهمة الَّتِي لَو تعلّقت بالجو لاستنزلت مِنْهُ مَا تعلق بِالثُّرَيَّا والفواضل الَّتِي لَو كفت سحائب المزن لكفت الْقُلُوب ربه والشيم الَّتِي لَا

стр. 1755

يدانيه فِيهَا أحد والمزايا الَّتِي لَا تحصرها الْعبارَة وَلَا يستقصيها الْعد ولي بعد عَمه السُّلْطَان مصطفى فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم ذكره وَورد الْخَبَر أَوَائِل ذِي الْحجَّة مِنْهَا إِلَى مصر فَخَطب لَهُ بهَا وزينت مَكَّة سَبْعَة أَيَّام وَقَامَ بِالْملكِ على وَجه السداد وَأَعْلَى ذكره على السَّبع الشداد وَكَانَت سنه حِين ولي أَربع عشرَة سنة وَفِي ذَلِك يَقُول فَخر الأدباء بكري الصراف من // (الْكَامِل) // (لمَّا أَرَادَ اللهُ نَفْعَ عِبَادِهِ ... ولَّى مُرَادًا مُلْكَ خيرِ بِلادِهِ) (وأَمَدَّهُِ مِنْ فَضْلِهِ بِعِنَايِةٍ ... جَعَلَتْ عِدَاهُ تَحْتَ نَعْلِ جَوَادِهِ) (وَشَدَا لِسَانُ الحَالِ فِي تَارِيخِهِ ... بُشْرَى لَهُ قَدْ نَالَ كُلَّ مُرادِهِ) سنة ١٠٣٢ وَلم يزل قَائِما بشعار الْملك مُقيما لشعائر الْإِسْلَام مجهزاً عساكره المنصورة إِلَى افْتِتَاح الْبلدَانِ وَتوجه بِنَفسِهِ الشَّرِيفَة فِي عَام خمس وَأَرْبَعين إِلَى غَزْو الْعَجم فَافْتتحَ كثيرا من بلدانهم وافتتح بَغْدَاد عَام ثَمَان وَأَرْبَعين بعد الْألف ثمَّ رَجَعَ إِلَى تخت مَمْلَكَته اسطنبول وَأبقى على عسكره الْمَنْصُور سرداراً معينا ويحكى أَنه أرسل إِلَى مصر المحروسة درقة نَحْو إِحْدَى عشرَة طبقَة ضربهَا بِعُود فَثَبت فِيهَا وبرز أمره الشريف إِلَى العساكر المصرية بِإِخْرَاج الْعود مِنْهَا وَأَن من أخرجه يُزَاد فِي جامكيته كَذَا وَكَذَا فحاولوا إِخْرَاجه فعجزوا عَن ذَلِك ثمَّ أرسل قوساً وَمَعَهَا همايون شرِيف يُخَاطب بِهِ وَزِير مصر مضمونه أَمر العساكر والأجناد بجر هَذَا الْقوس وَزِيَادَة علوفة من يفعل ذَلِك فحاول الْعَسْكَر جَرّه فَلم يقدروا ثمَّ علقت الدرقة بالديوان الشريف العالي بِمصْر المحروسة وعلق الْقوس بِبَاب زويلة وَقد جعل بعض الأورام تَارِيخا بالتركى لسنة مجيْ الْقوس وَهِي سنة ١٠٣٣ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَترْجم بِالْعَرَبِيَّةِ بِمَا نَصه يَا سُلْطَان الْوُجُود لساعدك الْقُوَّة وَمِمَّا يدل على سعادته الْعُظْمَى توجه خاطره الشريف إِلَى أهالي الْحَرَمَيْنِ وَأمره الْمُتَوَلِي الْجِهَات خُصُوصا مصر بإجراء حبوبهم وإرسال مغلات أوقافهم فَمَا من همايون يرد مِنْهُ إِلَّا وَفِيه الْحَث على ذَلِك وَمِمَّا يدل على عناية الله بِهِ أَن كَانَت عمَارَة بَيت الله الشريف فِي زَمَنه ابْتِدَاؤُهَا
следующие страницы →