Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
مَكَّة ليحج بِالنَّاسِ وَقد جَاءَ لذَلِك أَبُو إِسْحَاق فِي جمَاعَة من القواد فيهم حَمْدَوَيْه بن عَليّ بن عِيسَى بن ماهان والياً على الْيمن من قبل الْحسن بن سهل فَحُمَّ الْعقيلِيّ عَن لقائهم وَاعْترض قافلة الْكسْوَة وَالطّيب فَأَخذهَا وَنهب أَمْوَال التُّجَّار وَدخل الحُجاج إِلَى مَكَّة عُرَاة فَبعث الجلودي من القواد فصبحهم وَهَزَمَهُمْ وَأسر مِنْهُم وتنقذ كسْوَة الْكَعْبَة وطيبها وأموال التُّجَّار وَضرب الأسرى كل وَاحِد عشرَة أسواط وأطلقهم وَحج بِالنَّاسِ تِلْكَ السّنة المعتصم العباسي قبل خِلَافَته وَفِي سنة مِائَتَيْنِ وَجه الْمَأْمُون رَجَاء بن أبي الضَّحَّاك ليشخص إِلَيْهِ عَليّ الرِّضَا بن مُوسَى الكاظم فوصل إِلَيْهِ عَليّ الرِّضَا فولاه الْعَهْد من بعده ولقبه الرِّضَا وَضرب الدَّرَاهِم باسمه وَكتب لَهُ بالبيعة إِلَى الْآفَاق وزوجه بابنته أم الْفضل وَصُورَة كتاب الْعَهْد قد ذَكرنَاهَا فِيمَا تقدم عِنْد ذكر خلَافَة الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ ثمَّ قَامَ من بعده مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن جَعْفَر الصَّادِق وَكَانَ دَاعِيَة لمُحَمد ابْن مُحَمَّد الْمَذْكُور قبله فاستحكم أمره بِالْيمن وَكَانَ لَهُ بهَا وقائع ثمَّ انْتقل إِلَى خُرَاسَان فَقتل بهَا بجرجان بالسم ثمَّ قَامَ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد بن الْحسن الْمثنى فخذلته أنصاره فتوارى بِالْمَدِينَةِ إِلَى أَن مَاتَ بهَا ثمَّ قَامَ إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد الله بن الْحسن الْمثنى فِي بِلَاد الْمغرب بعد أَبِيه واستفحل أمره ثمَّ بَقِي أَوْلَاده إِلَى الْآن أَمرهم قَائِم بالمغرب ثمَّ قَامَ الْقَاسِم الرسي بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط أَيَّام الْمَأْمُون أَيْضا وَكَانَ الْقَاسِم بِمصْر وَبث دعاته فِي الأقطار وحثوه على إِظْهَار دَعوته وَكَانَ مستتراً بِمصْر عشر سِنِين فَاشْتَدَّ طلب عبيد الله بن طَاهِر عَامل الْمَأْمُون على مصر لَهُ فانتقل إِلَى الْحجاز وَلم يزل مختفياً إِلَى أَن مَاتَ الْمَأْمُون وَولى أَخُوهُ المعتصم فَكثر طلب المعتصم لَهُ فَلم يتم أمره فاستأوى جبلا بالحجاز وَهُوَ الْمُسَمّى بالرس وتحصن بِهِ هُوَ وَأَوْلَاده وَسكن بِهِ إِلَى أَن مَاتَ فنسب إِلَيْهِ وَكَانَ يُقَال لَهُ نجم آل الرَّسُول وَكَانَ قِيَامه سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فِي أَيَّام المتَوَكل بن المعتصم العباسي
стр. 1822
ثمَّ قَامَ صَاحب الطالقان مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن عَليّ بن عمر الْأَشْرَف بن عَليّ زين العابدين بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَت الْعَامَّة تسميه الصُّوفِي لاختياره لبس الصُّوف الْأَبْيَض وَكَانَ لَهُ وقعات من آل طَاهِر بن الْحُسَيْن أَيَّام المعتصم وَعظم أمره وَدخل بعْدهَا إِلَى نسأ وَبَقِي فِيهَا مستتراً ثمَّ أَخذ من نسأ فحبس ثمَّ هرب من الْحَبْس فَاخْتَلَفُوا فِي أمره فَقيل رَجَعَ إِلَى الطالقان وَقيل إِلَى وَاسِط فَدس المعتصم لَهُ سما فَمَاتَ بِهِ ثمَّ قَامَ مُحَمَّد بن جَعْفَر بن يحيى بن عبد الله بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط قِيَامه أَيَّام الواثق بن المعتصم غلب على هراة السُّفْلى وملكها وَأَوْلَاده بعده إِلَى سنة تسعين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ قَامَ بعده مُحَمَّد بن صَالح بن عبد الله بن مُوسَى بن عبد الله بن الْحسن الْمثنى ابْن الْحسن السبط ظهر بسويقة قَرْيَة مَعْرُوفَة بِقرب الْمَدِينَة المنورة وَكَانَ أَبُو الساج المتولى للموسم من قبل الْخَلِيفَة المتَوَكل العباسي فِي جند كثيف فخودع مُحَمَّد بن صَالح حَتَّى لزمَه أَبُو الساج فحبس ب سر من رَأى إِلَى أَن مَاتَ فِي السجْن وَفِي زَمَانه انضوى أَكثر الْأَشْرَاف واستتروا وتوقفوا عَن إِظْهَار الدعْوَة ثمَّ قَامَ الْحسن بن زيد بن مُحَمَّد إِسْمَاعِيل بن الْحسن بن زيد بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب غلب على طبرستان ونواحي الديلم وملكها أَرْبَعِينَ سنة وَتُوفِّي سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ قَامَ مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الْحسن بن عمر بن عَليّ زين العابدين ابْن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي أبي طَالب كَانَ قِيَامه بِبِلَاد الْعَجم فِي زمَان المتَوَكل فَأسرهُ المتَوَكل أَيْضا وَقيل إِن من الطالبيين من قَامَ غير هَؤُلَاءِ فِي زمن المتَوَكل وَظهر من ظهر واستتر من استتر وَحبس من حبس وَقتل من قتل فَللَّه الْأَمر سُبْحَانَهُ ثمَّ قَامَ يحيى بن عمر بن يحيى بن الْحُسَيْن بن عَليّ زين العابدين ظهر بِالْكُوفَةِ وأحبه النَّاس حبا شَدِيدا كَانَ قِيَامه فِي خلَافَة المستعين ثمَّ قَامَ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن عَليّ زين العابدين
стр. 1823
فَأسرهُ المستعين وحبسه وَمَات فِي الْحَبْس ثمَّ قَامَ مُحَمَّد بن جَعْفَر بن الْحسن بن جَعْفَر بن الْحسن بن الْحسن قِيَامه فِي أَيَّام المستعين بأرمينية وَقيل بِالْكُوفَةِ فخودع وَأسر فحبس وَمَات فِي الْحَبْس سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ قَامَ الكوكبي أَحْمد بن عِيسَى بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ زين العابدين قِيَامه بِالْكُوفَةِ فِي خلَافَة الْمهْدي سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ قَامَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط قِيَامه فِي خلَافَة الْمُعْتَمد وَكَانَت لَهُ حروب مَعَ ابْن طولون ثمَّ قتل على بَاب أسوان وَحمل رَأسه إِلَى الْمُعْتَمد ثمَّ قَامَ الدَّاعِي مُحَمَّد بن زيد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن الْحسن بن زيد بن الْحسن ابْن عَليّ بن أبي طَالب سنة سبع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فِي خلَافَة المعتضد وَله وقائع قتل فِي إِحْدَاهَا فِي بِلَاد جرجان ثمَّ قَامَ النَّاصِر الأطروش الْحسن بن عَليّ بن الْحسن بن عَليّ بن عمر الْأَشْرَف بن عَليّ زين العابدين قِيَامه فِي الجيل والديلم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ واستفحل أمره إِلَى أَن مَاتَ فِي خلَافَة المقتدر سنة أَربع وثلاثمائة ثمَّ قَامَ الدَّاعِي الْحسن بن الْقَاسِم بن الْحسن بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم ابْن الْحسن بن زيد بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب كَانَ قِيَامه بعد النَّاصِر قبله فِي خلَافَة الراضي بِاللَّه العباسي وَكَانَ أَوْلَاد النَّاصِر قد تملكوا بعد النَّاصِر وقاتلوا الدَّاعِي الْمَذْكُور فاستفحل أَمر الدَّاعِي وَملك طبرستان ونيسابور والري ثمَّ توفوا فصفا لَهُ الْأَمر اثْنَتَيْ عشرَة سنة ثمَّ قَامَ وَلَده الْمهْدي مُحَمَّد بن الْحسن بن الْقَاسِم بن الْحسن وَكَانَ قِيَامه أَيَّام الْمُطِيع العباسي سنة ثَلَاث وَخمسين وثلاثمائة فَملك الجيل والديلم ثمَّ توفّي سنة سِتِّينَ وثلاثمائة ثمَّ قَامَ الثائر فِي الله جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحسن بن عَليّ بن
стр. 1824
عمر الْأَشْرَف بن عَليّ زين العابدين واستفحل أمره إِلَى أَن مَاتَ سنة سبع وَسِتِّينَ وثلاثمائة ثمَّ قَامَ وَلَده أَبُو الْحُسَيْن الْمهْدي بن جَعْفَر الثائر بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن فِي خلَافَة الْقَادِر بِاللَّه العباسي وَلم تطل أَيَّامه وَمَات بالجدري ثمَّ قَامَ من بعده أَخُوهُ الْحُسَيْن بن جَعْفَر الثائر فِي أَيَّام الْقَادِر بِاللَّه أَيْضا واستقام أمره إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ قَامَ أَحْمد بن الْحُسَيْن بن هَارُون بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن هَارُون بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن الْحسن بن زيد بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب قِيَامه فِي خلَافَة الْقَادِر أَيْضا سنة ثَمَانِينَ وثلاثمائة وَكَانَت لَهُ وقائع وَلم يزل على حَالَته فِي الحروب إِلَى أَن ملك طبرستان ثمَّ مَاتَ سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وعمره تسع وَسَبْعُونَ سنة ثمَّ قَامَ من بعده أَخُوهُ النَّاطِق بِالْحَقِّ أَبُو طَالب يحيى بن الْحُسَيْن بن هَارُون بن الْحُسَيْن قِيَامه فِي زمَان الْقَائِم بِأَمْر الله العباسي واستقام لَهُ الْأَمر إِلَى أَن توفّي سنة أَربع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وعمره نَيف وَثَمَانُونَ سنة ثمَّ قَامَ من بعده العقيقي عَليّ بن جَعْفَر بن الْحسن بن عبد الله بن عَليّ بن أَحْمد بن على بن الْحُسَيْن بن عَليّ زين العابدين قِيَامه فِي خلَافَة الْقَائِم أَيْضا سنة أَربع وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ قَامَ مانلديم سنديم أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد ابْن أَحْمد الْأَعرَابِي بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ بن عمر الْأَشْرَف بن عَليّ زين العابدين وَكَانَ على منهاج سلفه كَانَ قِيَامه بأنجاشية سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة ووفاته فِي نَيف وَعشْرين وأريعمائة ثمَّ قَامَ النَّاصِر الْحُسَيْن بن جَعْفَر بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عَليّ بن النَّاصِر الأطروش سبق ذكره فِي جِهَات الديلم ثمَّ قَامَ الْمُوفق بِاللَّه الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل بن زيد بن جَعْفَر بن الْحسن بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عبد الرَّحْمَن ابْن الْقَاسِم بن الْحسن بن زيد بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب
стр. 1825
ثمَّ قَامَ وَلَده المرشد بِاللَّه يحيى بن الْحُسَيْن بن إِسْمَاعِيل على منهاج سلفه ثمَّ قَامَ أَبُو طَالب يحيى بن أَحْمد بن الْآمِر أبي الْقَاسِم الْحُسَيْن بن الْمُؤَيد بِاللَّه أَحْمد بن الْحُسَيْن بن هَارُون الْمُتَقَدّم ذكره قِيَامه سنة نَيف وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة فِي خلَافَة المستظهر العباسي بِالْجَبَلِ والديلم وَكَانَ حربه مَعَ الباطنية وَكَانَ بَنو الْعَبَّاس يظهرون الْمحبَّة إِلَيْهِ وَكَانَت وَفَاته سنة عشْرين وَخَمْسمِائة وَالَّذِي لم يعرف تاريخهم وزمان قيامهم الإِمَام مُحَمَّد بن أبي الْأَعرَابِي بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ بن عمر الْأَشْرَف بن عَليّ زين العابدين وَالْإِمَام على الْعِرَاقِيّ بن الْحُسَيْن بن عِيسَى بن زيد بن زين العابدين وَالْإِمَام أَحْمد بن عِيسَى بن زيد بن زين العابدين وَالْإِمَام الْهَادِي بن الْمهْدي بن الْحسن بن عبد الله بن عَليّ بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وَالْإِمَام الراضي بِاللَّه نَاصِر بن الْحُسَيْن بن زيد بن صَالح بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن الْحسن بن زيد بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وَالْإِمَام زيد بن صَالح بن الْحسن بن زيد بن صَالح بن الْحسن بن زيد بن صَالح ابْن عمر النَّاصِر الْمَذْكُور وَالْإِمَام عَليّ بن محسن بن أَحْمد بن عبيد الله بن الْحسن السلق بن عَليّ بن مُحَمَّد ابْن الْحسن بن جَعْفَر بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وَالْإِمَام الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن جَعْفَر بن عبيد الله بن السلق الْمَذْكُور وَأَخُوهُ الإِمَام الْحسن بن مُحَمَّد بن عَليّ الْمَذْكُور وَالَّذين لم تعرف كَيْفيَّة اتِّصَال أنسابهم الإِمَام أشرف بن زيد من ذُرِّيَّة زيد بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب مَاتَ سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَالْإِمَام السَّيِّد الْأَزْرَقِيّ وَالْإِمَام أَبُو الرها الكيتمي وَهَؤُلَاء جَمِيعًا فِي جِهَات قزوين وطبرستان والجبل والديلم وجرجان والحجاز وَالْعراق وبالمغرب
стр. 1826
أما الَّذين ظَهَرُوا بِالْيمن خَاصَّة فأولهم الإِمَام الْهَادِي إِلَى الْحق يحيى بن الْحُسَيْن ابْن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْغمر بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب مولده ب الرس سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ قِيَامه فِي صعدة من بِلَاد الْيمن سنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقَالَ فِي تَارِيخ الخزرجي قَامَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَدخل صنعاء فِي الْمحرم سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ فِي خلَافَة المعتضد العباسي فاجتمعت هَمدَان وَغَيرهَا من قبائل الْعَرَب فأخرجوه من صنعاء ثمَّ رَجَعَ إِلَى صعدة وَأَخذهَا وَكَانَ فِي زَمَنه قد تغلب عَليّ بن الْفضل القرمطي الْحِمْيَرِي يَنْتَهِي نسبه إِلَى سبأ الْأَصْغَر على الْيمن فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ فَسَار على الْمَذْكُور بسيرة شنيعة وأعلن بالْكفْر والفجور وقهر الْعَالم وَأمرهمْ بارتكاب كل محرم ومحذور وَكَانَ عنوان كتبه إِذا أرسل إِلَى أحد من الْمُلُوك من باسط الأَرْض وداحيها ومزلزل الْجبَال ومرسيها عَليّ بن الْفضل إِلَى عَبده فلَان وَكَانَ مؤذنه يُؤذن فِي حَضرته وَأشْهد أَن على بن الْفضل رَسُول الله وَمن شعره مَا أنْشد الْخَبيث على مِنْبَر جَامع صنعاء قَوْله // (من المتقارب) //
(خُذي الدُّفَّ يَا هَذِهِ واضْرِبِي ... وغَنِّى هَزَاريكِ ثُمَّ اطْربِي)
(تَولَّى نَبِيُّ بَنِي هَاشِمٍ ... وَهَذَا نبيُّ بَنِي يَعْرُبِ)
(لِكُلِّ نَبِيِّ مَضَى شِرْعَةٌ ... وهَاتَان شرْعَةُ هَذَا النَّبِي)
(فَقَدْ حَطَّ عَنَّا فُروضَ الصَّلاةِ ... وَفَرْضَ الصِّيامِ وَلَمْ يُعْقِبِ)
(إذَا النَّاسُ صَلَّوْا فَلَا تَنْهَضِي ... وإِن صَوَّمُوا فَكُلِي واشْرَبِي)
(وَلَا تَطْلُبِي السَّعْىَ عِندَ الصَّفَا ... وَلَا زَوْرَةَ القَبْرِ فِي يَثْرِبِ)
وَهَذَا كَاف فِي بَيَان مزِيد كفره فحاربه الإِمَام الْهَادِي الْمَذْكُور إِلَى أَن مَاتَ ب صعدة مسموماً سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ فِي خلَافَة المقتدر بِاللَّه العباسي ثمَّ قَامَ وَلَده المرتضى مُحَمَّد بن الْهَادِي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فِي بِلَاد صعدة فِي مَكَان أَبِيه زمن المقتدر العباسي أَيْضا فَأَقَامَ سنة وَاحِدَة ثمَّ تنحى عَن
стр. 1827
الْإِمَامَة فَطلب الْفُقَهَاء الزيدية أَخَاهُ أَحْمد بن الْهَادِي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم طلبوه من الرس ثمَّ توفّي مُحَمَّد سنة عشر وثلاثمائة وعمره اثْنَان وَثَلَاثُونَ سنة ثمَّ قَامَ أَخُوهُ النَّاصِر لدين الله أَحْمد بن الْهَادِي يحيى بعد أَن دَعَاهُ فُقَهَاء الزيدية من الرس كَمَا ذكر وَكَانَ قِيَامه فِي خلَافَة المقتدر أَيْضا سنة إِحْدَى وثلاثمائة ووفاته فِيهَا ب صعدة سنة خمس عشرَة وثلاثمائة ثمَّ قَامَ وَلَده الْمَنْصُور يحيى بن أَحْمد النَّاصِر بن الْهَادِي يحيى بن الْحسن بن الْقَاسِم وَكَانَ مقره صعدة إِلَى أَن توفّي سنة سِتّ وَسبعين وثلاثمائة ثمَّ قَامَ أَخُوهُ الْمُخْتَار الْقَاسِم بن أَحْمد النَّاصِر بن الْهَادِي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم كَانَ قِيَامه فِي صعدة وَقَتله فِي زبيد ثمَّ قَامَ وَلَده الْمُنْتَصر مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن أَحْمد النَّاصِر وَأكْثر وقائعه مَعَ هَمدَان وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة بِالْيمن ثمَّ قَامَ الدَّاعِي يُوسُف بن الْمَنْصُور يحيى بن أَحْمد النَّاصِر بن الْهَادِي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم فعانده فُقَهَاء مذْهبه وَأَرْسلُوا الإِمَام الْقَاسِم العياني وتعارضا كَانَ قِيَامه سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلاثمائة فِي خلَافَة الطائع لله العباسي مدَّته خمس وَثَلَاثُونَ سنة ثمَّ قَامَ الْمَنْصُور العياني بن عَليّ بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا وَلما كَانَ فِي بيشة من بِلَاد رفيدة فراسله فُقَهَاء الزيدية فطلع إِلَى صعدة ثمَّ تقدم إِلَى صنعاء فضبطها وتعاقد الإِمَام يُوسُف الدَّاعِي فِي مُدَّة العياني وَكَانَ قيام العياني سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة ووفاته سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة وقبره فِي بَلْدَة يُقَال لَهَا العيَّان فِي طَرِيق صعدة من صنعاء ثمَّ قَامَ وَلَده الْحُسَيْن بن الْقَاسِم العياني وَكَانَ لَهُ وقائع مَعَ هَمدَان وَكَانَ قِيَامه سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة
стр. 1828
وَقتل فِي ريدة من البون سنة أَربع وَأَرْبَعمِائَة وَخلف الْحُسَيْن الْمَذْكُور ابْن أَخِيه وَيُسمى الْفَاضِل وَهُوَ الْقَاسِم بن جَعْفَر بن الْقَاسِم بن عَليّ العياني وَكَانَ بَينه وَبَين الصليحي وقعات وَلم يكن إِمَامًا ثمَّ قَامَ الإِمَام أَبُو هَاشم الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن عبد الله بن الْحُسَيْن ابْن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا وَكَانَ قِيَامه فِي قَرْيَة الناعط فَوق البون وَدخل صنعاء قِيَامه سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَمَات بقرية الناعط ثمَّ قَامَ النَّاصِر الديلمي وَهُوَ أَبُو الْفَتْح النَّاصِر بن الْحسن بن مُحَمَّد بن عِيسَى ابْن مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد بن عبد الله بن عَليّ بن الْحسن بن زيد بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب دَعَا فِي الديلم ثمَّ خرج إِلَى أَرض الْيمن فاستولى على كثير من الْبِلَاد مذْحج وهمدان وخولان وَكَانَ وُصُوله من الديلم فِي سني الثَّلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَت الْحَرْب تَدور بَينه وَبَين الصليحي فَقتله الصليحي بِنَجْد الْحَاج وقبره ب ردمان من بِلَاد عنس قبل سنة أَربع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ قَامَ عَليّ بن زيد بن إِبْرَاهِيم الْمليح بن الْمُنْتَصر بن مُحَمَّد الْمُخْتَار قَاسم بن النَّاصِر بن الْهَادِي يحيى وَتقدم إِلَى شظب لِحَرْب بني الصليحي فَقتل فِي شظب سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ قَامَ أَحْمد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن المطهر بن عَليّ بن النَّاصِر بن الْهَادِي يحيى وَولى صعدة ونجران والجوف وَصَنْعَاء وَقصد زبيد فَرجع بِغَيْر حُصُول مرامه فِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَخَمْسمِائة مَاتَ بحيدان من مغارب صعدة وعمره سِتّ وَسِتُّونَ سنة ثمَّ قَامَ الْمَنْصُور بِاللَّه عبد الله بن حَمْزَة بن سُلَيْمَان بن حَمْزَة بن عَليّ بن حَمْزَة بن أبي هَاشم الْحسن بن عبد الرَّحْمَن بن يحيى بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا فَملك صعدة وَتقدم إِلَى صنعاء وَكَانَ يقف فِي كوكبان بعد مَا أَخْرجُوهُ من صنعاء ثمَّ خلطوا عَلَيْهِ فَمَاتَ فِيهَا قِيَامه سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة ووفاته سنة أَربع عشرَة وسِتمِائَة
стр. 1829
ثمَّ قَامَ الدَّاعِي يحيى بن المحسن بن مَحْفُوظ بن مُحَمَّد بن يحيى بن يحيى بن النَّاصِر بن الْحسن بن عبد الله بن الْمُنْتَصر مُحَمَّد بن الْمُخْتَار قَاسم بن النَّاصِر أَحْمد ابْن الْهَادِي قَامَ فِي بِلَاد خولان وصعدة وَفِي مَدِينَة صعدة ولد الْمَنْصُور مُحَمَّد بن الْمَنْصُور فحارب الدَّاعِي مَاتَ سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ثمَّ قَامَ الْمهْدي أَحْمد بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن عبد الله بن الْقَاسِم بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا قَامَ فِي حصن ثلا فحاربه وَلَده الْمَنْصُور ثمَّ اتفقَا ثمَّ تعاديا فتحاربا فَقتل الإِمَام وَكَانَ قِيَامه فِي صفر سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة وَكَانَت هَذِه السّنة هِيَ انْتِهَاء دولة بني الْعَبَّاس بالعراق لِأَنَّهَا هِيَ السّنة الَّتِي قتل التتار فِيهَا الْخَلِيفَة المستعصم العباسي كَمَا قدمت ذَلِك مُسْتَوْفِي فِي بابهم ثمَّ قَامَ الْمَنْصُور بدر الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى السَّابِق ذكره فَقَامَ من هِجْرَة قطابر وَملك مغارب صعدة وَكَانَ بَينه وَبَين أَوْلَاد الْمَنْصُور محاربات فَقتل سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة ثمَّ قَامَ الْمهْدي بن إِبْرَاهِيم بن تَاج الدّين أَحْمد بن بدر الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن يحيى قِيَامه سنة سبعين وسِتمِائَة أسره فحبسه الْملك المظفر الغساني فِي سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة وَمَات فِي الْحَبْس سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة ثمَّ قَامَ المتَوَكل المطهر بن يحيى بن المرتضى بن الْقَاسِم بن المطهر بن مُحَمَّد بن المطهر بن عَليّ بن أَحْمد بن الْهَادِي قِيَامه سنة سِتّ وَسبعين وَمَات سنة سبع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة ثمَّ قَامَ وَلَده الْمهْدي بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن المطهر بن يحيى بن المرتضى بن الْقَاسِم قِيَامه سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة مَاتَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة ثمَّ قَامَ السراجي يحيى بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبيد الله بن سراج الدّين الْحسن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن سراج الدّين الْحسن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن على
стр. 1830
ابْن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن الْحسن بن زيد بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ثمَّ قَامَ الْمُؤَيد يحيى بن حَمْزَة بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم ابْن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِدْرِيس بن جَعْفَر بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى الكاظم بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ زين العابدين بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب قِيَامه سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة مَاتَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة عمره ثَمَانُون سنة ثمَّ قَامَ بعده عَليّ بن صَلَاح بن إِبْرَاهِيم بن تَاج الدّين أَحْمد بن بدر الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيى بن يحيى ثمَّ قَامَ بعده الواثق المطهر بن مُحَمَّد بن المطهر بن يحيى ابْن المرتضى بن الْقَاسِم بن المطهر بن مُحَمَّد بن المطهر من أَوْلَاده سَابق الذّكر ثمَّ قَامَ أَحْمد بن عَليّ بن مدافع بن مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الديلمي سبق ذكر نسبه ثمَّ قَامَ الْمهْدي عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن يحيى بن مَنْصُور بن مفضل بن الْحجَّاج ابْن عبد الله بن عَليّ بن يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم طَبَاطَبَا بن إِسْمَاعِيل ابْن إِبْرَاهِيم الْغمر بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب قِيَامه سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة وَفَاته سنة أَربع وَسبعين وَسَبْعمائة عمره تسع وَسِتُّونَ سنة ثمَّ قَامَ من بعده وَلَده النَّاصِر صَلَاح الدّين بن الْمهْدي بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ قِيَامه سنة أَربع وَسبعين وَسَبْعمائة وَفَاته سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة ثمَّ قَامَ من بعده الْمهْدي أَحْمد بن يحيى بن المرتضى بن أَحْمد بن المرتضى بن مفضل بن الْحجَّاج قِيَامه سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَفَاته سنة أَرْبَعِينَ وَثَمَانمِائَة ثمَّ قَامَ من بعده الْهَادِي عَليّ بن الْمُؤَيد بن جِبْرِيل بن الْمُؤَيد بن أَحْمد بن يحيى بن أَحْمد بن يحيى بن يحيى سنة سِتّ وَتِسْعين وَسَبْعمائة وَفَاته سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ثمَّ قَامَ من بعده المطهر بن مُحَمَّد بن حَمْزَة بن أبي هَاشم الْحسن بن عبد الرَّحْمَن
стр. 1831
ابْن يحيى بن عبد الله بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل ثمَّ قَامَ من بعده صَلَاح بن عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْحسن بن جَعْفَر بن الْحُسَيْن بن أَحْمد بن يحيى بن عبد الله بن يحيى بن الْمَنْصُور بن أَحْمد بن النَّاصِر بن الْهَادِي ثمَّ قَامَ النَّاصِر بن مُحَمَّد بن النَّاصِر بن أَحْمد بن المطهر بن يحيى بن المرتضى بن المطهر بن الْقَاسِم بن المطهر بن مُحَمَّد بن المطهر بن عَليّ بن أَحْمد بن الْهَادِي ثمَّ قَامَ الْهَادِي عز الدّين بن الْحسن بن عَليّ بن الْمُؤَيد بن جِبْرِيل بن الْمُؤَيد بن أَحْمد بن يحيى بن أَحْمد بن يحيى بن يحيى بن النَّاصِر بن الْحسن بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن النَّاصِر بن أَحْمد بن الْهَادِي يحيى قِيَامه سنة ثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وَفَاته سنة تسع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة عمره سبع وَسِتُّونَ سنة ثمَّ قَامَ وَلَده مجد الدّين بن الْحسن بن الْحسن بن عز الدّين بن الْحسن بن عَليّ بن الْمُؤَيد قِيَامه سنة تسع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَفَاته سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة ثمَّ قَامَ الوشلي مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن يحيى بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن سراج الدّين الْحسن بن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن الْحسن بن زيد ابْن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ثمَّ كَانَت دَعْوَة الإِمَام شرف الدّين يحيى بن شمس الدّين ابْن الإِمَام الْمهْدي أَحْمد ابْن يحيى بن المرتضى بن أَحْمد بن المرتضى بن الْمفضل بن الْحجَّاج بن عَليّ بن يحيى بن الْقَاسِم بن يُوسُف الدَّاعِي بن يحيى بن أَحْمد بن الْهَادِي يحيى بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم حادي عشر جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَتِسْعمِائَة وَكَانَ أول ظُهُوره بجهات الْمغرب من جِهَات صنعاء وَمَا ساعدته الْقَبَائِل لقُوَّة سُلْطَان الْيمن إِذْ ذَاك عَامر بن عبد الْوَهَّاب فَلَمَّا انْقَضتْ دولته باستيلاء الشراكسة وتملكهم أَرض الْيمن كَانَت بِصَنْعَاء طَائِفَة من الشراكسة فكاتب أهل صنعاء الإِمَام شرف الدّين الْمَذْكُور وتكلفوا لَهُ بِإِدْرَاك
стр. 1832
ذَلِك سنة أَربع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وَفِي شَوَّال قصد صنعاء فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا مَال إِلَيْهِ أَهلهَا وَأخرج من كَانَ فِيهَا من الْجند الْمصْرِيّ بالأمان وَدخل صنعاء ودانت لَهُ الْبِلَاد إِلَى أَن كَانَت وَفَاته سنة خمس وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة فِي دولة السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان بن سليم خَان ثمَّ قَامَ الْهَادِي أَحْمد بن عز الدّين بن الْحسن بن عز الدّين بن الْحسن بن عَليّ بن الْمُؤَيد قِيَامه سنة ثَمَان وَخمسين وَتِسْعمِائَة ووفاته سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ قَامَ النَّاصِر الْحسن بن عَليّ بن دَاوُد بن الْحسن بن عَليّ بن الْمُؤَيد قِيَامه سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة ثمَّ قبض عَلَيْهِ الْوَزير حسن باشا سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وأرسله إِلَى الْأَبْوَاب الْعَالِيَة سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة ثمَّ قَامَ المتَوَكل عبد الله بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عز الدّين بن الْحسن بن عَليّ بن الْمُؤَيد قِيَامه سنة أَربع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَفَاته سنة سبع عشرَة وَألف ثمَّ قَامَ الْمَنْصُور بِاللَّه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن الرشيد بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن يحيى بن مُحَمَّد بن يُوسُف الأشل بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْأَكْبَر بن الْمَنْصُور بن يحيى بن النَّاصِر بن أَحْمد بن الْهَادِي إِلَى الْحق يحيى ابْن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب نَشأ منشأ ابائه الْأَئِمَّة حَتَّى بذ بِعِلْمِهِ وبهر بجودة فهمه وَصَارَ فِي أَيَّام طلبه يشار إِلَيْهِ مَقْصُورَة خلال الْخلَافَة عَلَيْهِ كَانَت دَعوته فِي صفر الْخَيْر سنة سِتّ وَألف وَله وقائع فِي أَيَّامه مَشْهُورَة ومواطن مَعْرُوفَة مأثورة كَانَ آيَة فِي الْعُلُوم ومعجزة فِي المنظوق وَالْمَفْهُوم لَهُ التصانيف الْمَشْهُورَة وَالنّظم والنثر وَكَانَ محط رحال الأفاضل ومقصد الأكابر من كل قنة وساحل وَلم يزل قَائِما بأعياء الْخلَافَة حَتَّى توفاه الله تَعَالَى فِي شهر ربيع الأول عَام تسع وَعشْرين وَألف ثمَّ قَامَ من بعده وَلَده الإِمَام الْعَظِيم الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَنْصُور
стр. 1833
بِاللَّه الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَظَهَرت فضائله فِي الْبِلَاد وأذعن لفضله الْحَاضِر والباد وأوتي من الْإِحَاطَة بالعلوم وَصدق الفراسة وتنوير الْقلب وصفاء الخاطر مَا لم يُؤْت غَيره وَأَقْبَلت عَلَيْهِ الفتوحات من كل وجهة وَقَامَ بنصرته أَخَوَاهُ السيدان الإمامان الْحسن وَالْحُسَيْن وأخوهما شمس الْإِسْلَام أَبُو طَالب ابْن الإِمَام الْمَنْصُور وَفِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف استولى الإِمَام الْمُؤَيد الْمَذْكُور على جَمِيع إقليم الْيمن مَا عدا زبيد والمخا وَذَلِكَ أَن الباشا قانصوه لما توجه إِلَى الْيمن عَام تسع وَثَلَاثِينَ بعد أَن قتل الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب وَولي مَسْعُود بن إِدْرِيس صَار كلما دخل قَرْيَة ظلم أَهلهَا ونهبهم أرسل إِلَى عابدين باشا وخنقه وَاسْتولى على خزائنه وعساكره وَنهب الْبَلَد وَنهب من يرد إِلَيْهِ من البنادر وَأرْسل أغربة فِي الْبَحْر يَأْخُذُونَ من ظفروا بِهِ واغتصب أَمَاكِن مأثورة وعمرها بزخارف فِي الصُّورَة فآلت أَمْوَاله إِلَى يَد العدى ﴿وَلَا يظلم رَبُّكَ أحدا﴾ الْكَهْف ٤٩ والتقى عسكره مَعَ عَسْكَر الإِمَام الْمُؤَيد مُحَمَّد بن الْقَاسِم صَاحب التَّرْجَمَة وَعَلَيْهِم أَخُوهُ الإِمَام الْحُسَيْن بن الْقَاسِم وكمنوا لَهُ ثمَّ هجموا عَلَيْهِم وهم غَارونَ فَقتلُوا من عَسْكَر قانصوه أَكْثَرهم وَلم ينج مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل وتحصن هُوَ وَمن بَقِي بزبيد فتنزل عَلَيْهِ أَخُوهُ الآخر الإِمَام الْحسن بعساكره كَثِيرَة وحاصروا زبيد وَأنْفق قانصوه مَا حازه من الْأَمْوَال على عسكره ثمَّ صَارُوا يهددونه ويعزرونه لضيق أَرْزَاقهم فتعب لذَلِك وَكَاتب الإِمَام الْحسن على أَن يصل إِلَيْهِ آمنا فَأرْسل الْحسن لَهُ بالأمان فَركب هُوَ وخواصه وَأظْهر أَنه يُرِيد زِيَارَة بعض الْأَوْلِيَاء وهرب إِلَى محطة الإِمَام الْحسن فَأكْرمه وجهزه إِلَى مَكَّة فَرجع رَاضِيا من الْغَنِيمَة بالإياب لَا يملك إِلَّا مَا عَلَيْهِ من الثِّيَاب فوصل إِلَيْهَا فِي دولة مَوْلَانَا المرحوم الشريف زيد بن محسن وَمَعَهُ من أَتْبَاعه دون الْعشْرين وَنزل بحوش السُّلْطَان فِي الكوشك المطل على الْبركَة الْمَعْرُوفَة ببركة الشَّامي فَحصل من أَتْبَاعه نوع تَعدٍ إِلَى بعض الرعايا فألزمه مَوْلَانَا الشريف زيد بالرحيل من يَوْمه وأحضر لَهُ الرحلة فَلم تغرب عَلَيْهِ شمس ذَلِك الْيَوْم فِي مَكَّة وَلما تحقق عسكره فراره عَنْهُم بِتِلْكَ الْحِيلَة أَقَامُوا عَلَيْهِم أَمِيرا مِنْهُم يُقَال لَهُ مصطفى فضبط زبيد وَاسْتمرّ محاصراً فَوق سنتَيْن منتظراً المدد يَأْتِيهِ من مصر فَلم يصل إِلَيْهِ شَيْء وَلما سئم طلب الْأمان فَأعْطَاهُ الإِمَام الْأمان وجهزه بِعشْرين ألف قِرْش
стр. 1834
فَخرج إِلَى مَكَّة سنة تسع وَأَرْبَعين وَألف وَمَعَهُ الْمحمل الْيَمَانِيّ السلطاني وَوضع بالقبة المبنية فِي مَحل سِقَايَة الْعَبَّاس بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام قلت قد رَأَيْته كثيرا ملقى فِي الْقبَّة الْمَذْكُورَة عَام سبع وَسِتِّينَ وَألف وَهُوَ أكبر من الْمحمل الْمصْرِيّ شكلاً وَمن عامئذ استبدت الْأَئِمَّة الزيدية بالممالك اليمنية وقضت مَا فِي نَفسهَا من الأمنية فهم حَتَّى الْيَوْم ولاتها حزنا وسهلا ورؤساؤها فَتى وكهلا وأخرجوا جَمِيع الأورام مِنْهَا وَكفوا أكف المتغلبين عَنْهَا بعد أَن قتلوهم الْقَتْل الذريع وتركوهم بَين سليب وصريع وَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين كَانَت وَفَاة أَخِيه السَّيِّد الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم وَهُوَ وَالِد أَحْمد بن الْحسن وَكَانَ أَخُوهُ الإِمَام مُحَمَّد الْمُؤَيد صَاحب التَّرْجَمَة يقدمهُ على العساكر فِي الحروب كلهَا ﵀ وَاسْتمرّ الإِمَام مُحَمَّد الْمُؤَيد إِلَى أَن حانت وَفَاته وَانْقَضَت أوقاته فِي سَابِع عشري رَجَب الْفَرد سنة أَربع وَخمسين وَألف ثمَّ قَامَ من بعده أَخُوهُ الإِمَام الشهير المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل ابْن الإِمَام الْمَنْصُور بِاللَّه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن الرشيد بن أَحْمد وَقد تقدم بَقِيَّة نسبه إِلَى عَليّ بن أبي طَالب فِي تَرْجَمَة وَالِده الْمَنْصُور بِاللَّه الْقَاسِم كَانَت لَهُ الكرامات الظَّاهِرَة والمفاخر السائرة مَعَ الْإِحَاطَة بِجَمِيعِ الْعُلُوم وَأَقْبَلت الفتوحات إِلَيْهِ من كل أَوب وَجَاءَت إِلَيْهِ الْوُفُود من كل أَرض وَصوب أرخ ابْتِدَاء دَعوته السَّيِّد نَاصِر بن عبد الحفيظ بن عبد الله المهلا فَقَالَ // (من الْخَفِيف) //
(وتَوَكَّلْ عَلَى العَزِيزِ الرَّحِيمِ ... عَزَّ تاريخُ دَعْوَةٍ مِنْ كَريمِ)
(آيةٌ يُعْرَفُ التَّوَكُّلُ مِنْهَا ... مَعَهُ العِزُّ للإمامِ الكريمِ)
وأرخه أَيْضا نثراً فجَاء التَّارِيخ توكلت على الله وَحده أبدا وَفِي سنة سِتّ وَخمسين جهز ابْن أَخِيه أَحْمد بن الْحسن إِلَى حَضرمَوْت فوصل إِلَى الْجوف وَاسْتولى عَلَيْهِ الْخَوْف فَرجع مكسوراً وَفِي سنة ثَمَان وَخمسين استولى بدر بن عبد الله الكثيري على حَضرمَوْت وَقبض على عَمه السُّلْطَان بدر بن عَليّ وَسَببه أَنه ظلم وتعدى الْحُدُود فَأَشَارَ بعض السَّادة على بدر ابْن عبد الله بِالْقَبْضِ على عَمه فهجم عَلَيْهِ لَيْلًا وحبسه هُوَ وَأَوْلَاده
стр. 1835
وَفِي سنة خمس وَسِتِّينَ جهز الإِمَام إِسْمَاعِيل ابْن أَخِيه الإِمَام أَحْمد بن الْحسن على حَضرمَوْت ونواحيها لكَوْنهم لم يخطبوا لَهُ فَالتقى هُوَ والأمير حُسَيْن الرصاص لكَون بَلَده أقرب الْبلدَانِ إِلَى دولة الإِمَام إِسْمَاعِيل وَحصل مِنْهُم قتال فَلَمَّا عجز الإِمَام أَحْمد بن الْحسن أرسل إِلَى قَبيلَة يافع وهم قبائل كَثِيرُونَ بالأموال خُفْيَة وَطلب مِنْهُم أَن يَكُونُوا مَعَه على الرصاص وَوَعدهمْ بأَشْيَاء كَثِيرَة فاغتروا بِكَلَامِهِ وتجهزوا على الرصاص وأتوه على غرَّة وَبَقِي الرصاص بَين الإِمَام أَحْمد وَبَين قبائل يافع فأبلى بلَاء شَدِيدا حَتَّى قتل شَهِيدا وَتَوَلَّى أَخُوهُ وَأرْسل أَحْمد بن الْحسن يرهبه ويرغبه وَالْتزم لَهُ بِجَمِيعِ مَا يَطْلُبهُ فَطلب أَشْيَاء كَثِيرَة فوفي لَهُ الإِمَام أَحْمد بهَا وَملك الْبِلَاد وقبيلة الرصاص مَشْهُورَة بالشجاعة وَالْكَرم والصدق وَلذَلِك كَانُوا مجللين محترمين وَاسْتولى الزيدية على غَالب حَضرمَوْت ثمَّ فِي سنة سبعين استولى على حَضرمَوْت كلهَا وَأمرهمْ أَن يزِيدُوا فِي الْأَذَان حَيّ على خير الْعَمَل وَترك الترضي عَن الشَّيْخَيْنِ وَمنع الدفوف واليراع فِي راتب السقاف وانتهت دولة آل كثير من تِلْكَ الديار وَقد انْتهى صعُود شرف آل كثير بالسلطان عبد الله بن عمر وَفِي الْمثل إِذْ تمّ شَيْء بَدَأَ نَقصه فَإِنَّهُ لما خلع نَفسه لعبادة ربه عَن الْملك الفاني وَصَارَ إِبْرَاهِيم بن أدهم ثَانِي وَتَوَلَّى أَخُوهُ بدر الدّين بن عمر وَفِي آخر دولته ظلم وطغى فهجم عَلَيْهِ ابْن أَخِيه بدر الدّين بن عبد الله وحبسه فدانت لَهُ الْعباد وعمرت بِهِ الْبِلَاد إِلَى أَن ظلم بالعدوان وصادر السَّادة والأعيان ففوقوا إِلَيْهِ سِهَام الدُّعَاء فَقدر الله أَن كتب عَمه الْمَحْبُوس بدر بن عمر وَهُوَ بِالْحَبْسِ إِلَى الإِمَام إِسْمَاعِيل وهون لَهُ أَمر حَضرمَوْت فَكتب الإِمَام إِسْمَاعِيل إِلَى السُّلْطَان بدر بن عبد الله بِإِخْرَاج عَمه بدر بن عمر من الْحَبْس فَأخْرجهُ ثمَّ اتَّصل بِالْإِمَامِ وَطلب مِنْهُ التَّجْهِيز على حَضرمَوْت وتكفل لَهُ بأَشْيَاء وساعده على ذَلِك الشَّيْخ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن العمودي شيخ العموديين وَكَانَ وَالِده على أَكثر وَادي دوعن فكاتبوا مَشَايِخ الْعَرَب وَأَرْسلُوا لَهُم بالأموال وَصَارَ إِلَيْهِ أَحْمد بن الْحسن فَلَمَّا التقى الجيشان انْكَسَرَ جَيش السُّلْطَان بدر وَلم يُقَاتل مَعَه إِلَّا خواصه ثمَّ انهزم منكسراً وَولى مُدبرا إِلَى جبل أَخْوَاله فَطلب الْأمان لنَفسِهِ فَأعْطِيه وَلما لم يطب لِأَحْمَد بن الْحسن الْمقَام بحضرموت أَقَامَ
стр. 1836
بهَا بدر بن عمر الكثيري وَرجع إِلَى عَمه الإِمَام إِسْمَاعِيل صَاحب التَّرْجَمَة ثمَّ لم يزل الإِمَام إِسْمَاعِيل قَائِما بأعباء الْإِمَامَة الْكُبْرَى إِلَى أَن توفاه الله تَعَالَى إِلَى رَحمته سنة ٨٧ سبع وَثَمَانِينَ ثمَّ قَامَ بعده ابْن أَخِيه الإِمَام الشهير أَحْمد بن الْحسن ابْن الإِمَام الْقَاسِم ولقب الْمهْدي لدين الله فَقَامَ بِأَمْر الْخلَافَة أحسن قيام وانتظم بِهِ الْأَمر أتم نظام وَكَانَت حَضرته محط رحال الْعلمَاء الْأَعْلَام وَفِي أثْنَاء دَعوته دَعَا ابْن عَمه مَوْلَانَا علم الْإِسْلَام وَإِمَام عُلَمَاء الْآل الْكِرَام الْقَاسِم ابْن الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه وخطب لَهُ على سابر الشرفين والأهنوم وشهارة وظليمة ولحج وَأكْثر التهائم وَبعد أُمُور كثير يطول شرحها حصل الِاتِّفَاق على إِمَامَة الْمهْدي لدين الله هَذَا وَهُوَ أيده الله من أَعْيَان العترة كرماً وشجاعة وتفقداً للْمَسَاكِين وتعظيماً للْعُلَمَاء ومستقره شهارة المحروسة وَاسْتمرّ إِلَى أَن كَانَت وَفَاته فِي شهر جُمَادَى الْأُخْرَى سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف ثمَّ قَامَ من بعده الإِمَام الْعَظِيم الْمُؤَيد بِاللَّه رب الْعَالمين مُحَمَّد الملقب بالغزى ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل على الله إِسْمَاعِيل بن الْمَنْصُور بِاللَّه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عَليّ ابْن مُحَمَّد بن الرشيد اتّفق على خِلَافَته رأى عُلَمَاء الْعَصْر وفضلاء الدَّهْر وغمر النَّاس برد ظلّ عدله وَسَار سيرة الْأَئِمَّة الهادين وَأمر بإحياء الْعُلُوم والمدارس مقرباً للْعُلَمَاء متعهداً لأحوال الْفُضَلَاء مُؤديا لحقوق الضُّعَفَاء مُتبعا فِي أمره وَنَهْيه لكتاب الله سُبْحَانَهُ وَسنة رَسُول
وَقَامَ من إخْوَته وَبني عَمه بنصرته عُظَمَاء كَالْإِمَامِ الْقَاسِم ابْن الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه وكأخويه الْحسن ابْن الإِمَام المتَوَكل وعَلى ابْن الإِمَام المتَوَكل وَمن بني عَمه السيدان العظيمان جمال الْإِسْلَام مُحَمَّد ابْن الإِمَام أَحْمد الْمهْدي وَشرف الْإِسْلَام الْحُسَيْن ابْن الإِمَام الْمهْدي أيدهما الله تَعَالَى وَاسْتمرّ على سَرِير الْخلَافَة وَمَا اسْتَطَاعَ أحد خِلَافه إِلَى أَن ورد إِلَيْنَا خبر وَفَاته أواسط سنة ١٠٩٧ سبع وَتِسْعين وَألف ثمَّ كثر الشجار فِي كل نَاحيَة وطلبها عدَّة أشخاص فِي أَمَاكِن متناحية وَوَقعت حروب وأهوال وفنيت أَمْوَال وأبطال حَتَّى اسْتَقر عَمُود رحاها وأٍ سفر بدر ديجور رجاها عَن جمال وجودهَا الأمجد أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر لدين الله مُحَمَّد بن أَحْمد
стр. 1837
فَهُوَ الْآن الْخَلِيفَة بِهَذَا الزَّمن فِي هَذَا الْقطر الشريف أَعنِي قطر الْيمن ﴿إنَّ اَلأَرضَ لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده والعقبة لِلمُتقِين﴾ الْأَعْرَاف ١٢٨ // (من مجزوء الرجز) //
(سِلْسلَةٌ مِنْ ذَهَبِ ... مَنُوطَةٌ بِالشُّهُبِ)
(أكْرِمْ بِهَا سِلْسِلَةً ... بَيْنَ وَصِيِّ ونَبِي)
(قَدْ صَانَهَا رَبُّ السَّمَا ... مِنْ شَائِبَاتِ النَّسَبِ)
وَصلى الله على من لَا نَبِي بعده خَاتم النَّبِيين وَآله الطيبين الطاهرين وَصَحبه الهداة المهتدين
стр. 1838
(الْبَاب الثَّالِث)
(من خَاتِمَة الْخَيْر)
(فِي ذكر من ولي مَكَّة المشرفة من آل أبي طَالب إِلَى يَوْم تَارِيخه)
(ولمع من أخبارهم ونوادر حوادث أيامهم)
مَكَّة زَادهَا الله شرفاً أشهر من أَن تعرَف أَو أَن يصفها واصف أَلا أَنَّهَا انقرض سكانها من قُرَيْش بعد الْمِائَة الثَّانِيَة بالفتن الْوَاقِعَة بالحجاز من العلوية مرّة بعد أُخْرَى فأقفرت من قُرَيْش وَلم يبْق بهَا أَلا أَتبَاع بني حسن أخلاط من النَّاس ومعظمهم موَالِي سود من الْحَبَشَة والزيلع وَكَانَ أول من وَليهَا بعد الْفَتْح المحمدي عتاب بن أسيد باستخلاف مُحَمَّد
بعد الْفَتْح حِين عزمه إِلَى غَزْوَة حنين عَام ثَمَان من الْهِجْرَة وَالْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ثمَّ خلفاء بني أُميَّة وعمالهم ثمَّ خلفاء بني الْعَبَّاس وتعداد عمالهم فَردا فَردا مَبْسُوط فِي التورايخ لَا حَاجَة بِنَا إِلَيْهِ وَكَانَ فِي خلال ذَلِك يتغلب بعض الطالبيين والعلويين عَلَيْهَا فَأول من وَليهَا مِنْهُم بالتغلب مُحَمَّد بن الْحسن بن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر بن أبي طَالب عَاملا عَلَيْهَا ومؤمرّاً من جِهَة مُحَمَّد الْمهْدي الملقب بِالنَّفسِ الزكية ابْن عبد الله الْمَحْض بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن عَليّ بن أبي طَالب فَإِنَّهُ لما تغلب على الْمَدِينَة على الْمَدِينَة الشَّرِيفَة سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة فِي دولة الْمَنْصُور العباسي أَمر
стр. 1839
على مَكَّة مُحَمَّد بن الْحسن هَذَا وسيره إِلَيْهَا فَخرج إِلَيْهِ السّري بن عبد الله بن الْحَارِث بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَمِير مَكَّة من جِهَة الْمَنْصُور فتحاربا بأذاخر فَهزمَ السّري وَدخل مُحَمَّد مَكَّة فَأَقَامَ بهَا يَسِيرا فَأَتَاهُ كتاب مُحَمَّد النَّفس الزكية يُخبرهُ بمسير عِيسَى بن مُوسَى لمحاربته ويأمره بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَسَار مُحَمَّد بن الْحسن إِلَيْهِ من مَكَّة هُوَ وَالقَاسِم بن إِسْحَاق فَبَلغهُ وَهُوَ سَائِر بنواحي قديد قتل النَّفس الزكية فهرب هُوَ وَأَصْحَابه وَتَفَرَّقُوا فلحق مُحَمَّد بن الْحسن بإبراهيم بن عبد الله الْمَحْض حَتَّى قتل إِبْرَاهِيم ذكر هَذَا ابْن الْأَثِير وَرجع السّري إِلَى ولَايَة مَكَّة ثمَّ وَليهَا كَذَلِك بالتغلب سنة ١٦٩ تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة فِي دولة الْهَادِي بن الرشيد الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحسن المثلث بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط وَقد تقدم خَبره فِي الْبَاب قبل هَذَا عِنْد ذكر الدعاة ثمَّ وَليهَا كَذَلِك بالتغلب الْحُسَيْن بن الْحسن الْأَفْطَس بن عَليّ الْأَصْغَر بن عَليّ زين العابدين بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب وَهُوَ الْمَعْرُوف بالأفطس وَذَلِكَ فِي خلَافَة الْمَأْمُون سنة ١٩٩ تسع وَتِسْعين وَمِائَة وَسَببه أَن أَبَا السَّرَايَا السّري بن مَنْصُور الشَّيْبَانِيّ دَاعِيَة ابْن طَبَاطَبَا لما تغلب على الْعرَاق ولي مَكَّة الْحُسَيْن بن الْحسن الْأَفْطَس هَذَا فَسَار إِلَى أَن وصل وَادي سرف الْمَعْرُوف فِي وقتنا الْيَوْم بالنوارية على نصف مرحلة من مَكَّة فتوقف عَن الدُّخُول إِلَى مَكَّة خشيَة من أميرها من جِهَة الْمَأْمُون وَهُوَ دَاوُد بن عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس فَلَمَّا بلغ دَاوُد تَوْجِيه أبي السَّرَايَا للحسين الْأَفْطَس فَارق مَكَّة هُوَ وَمن بهَا من شيعَة بني الْعَبَّاس فَلَمَّا بلغ الْحُسَيْن خُرُوج دَاوُد دَخلهَا لَيْلَة عَرَفَة فَطَافَ وسعى ثمَّ مَشى إِلَى عَرَفَة فَوقف لَيْلًا ثمَّ دفع إِلَى الْمزْدَلِفَة فصلى بِالنَّاسِ الصُّبْح ثمَّ دفع إِلَى منى فَلَمَّا انْقَضى الْحَج عَاد إِلَى مَكَّة فَلَمَّا كَانَ مستهل محرم الْحَرَام افْتِتَاح سنة ٢٠٠ مِائَتَيْنِ نزع الْحُسَيْن الْمَذْكُور كسْوَة
стр. 1840
الْكَعْبَة الَّتِي كَانَت عَلَيْهَا من قبل الْمَأْمُون ثمَّ كساها كسوتين أنفذهما مَعَه أَبُو السَّرَايَا من قَز إِحْدَاهمَا صفراء وَالْأُخْرَى بَيْضَاء ثمَّ عمد الْأَفْطَس إِلَى خزانَة الْكَعْبَة فَأخذ جَمِيع مَا فِيهَا من الْأَمْوَال فَقَسمهَا مَعَ كسْوَة الْكَعْبَة على أَصْحَابه وهرب النَّاس من مَكَّة لِأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذ أَمْوَالهم يزْعم أَنَّهَا ودائع لبني الْعَبَّاس عِنْدهم وَلما هرب النَّاس هدم دُورهمْ فكرهه النَّاس لظلمه وطغى أَصْحَابه وبغوا وقلعوا شبابيك الْبيُوت الْحَدِيد الَّتِي على الْمَسْجِد وباعوها حَتَّى قلعوا شبابيك زَمْزَم وَلم يزل كَذَلِك على ظلمه إِلَى أَن بلغه قتل مرسله أبي السَّرَايَا سنة مِائَتَيْنِ فَلَمَّا علم بذلك وَرَأى النَّاس قد تغيرُوا عَلَيْهِ لما فعله مَعَهم من الْقَبِيح واستباحة الْأَمْوَال جَاءَ هُوَ وَأَصْحَابه إِلَى مُحَمَّد بن جَعْفَر الصَّادِق الملقب بالديباجة لجمال وَجهه وسألوه الْمُبَايعَة لَهُ بالخلافة فكره ذَلِك فاستعان الْأَفْطَس عَلَيْهِ بولده عَليّ بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الصَّادِق وَلم يزَالُوا بِهِ حَتَّى بَايعُوهُ بالخلافة وَذَلِكَ فِي ربيع الأول سنة مِائَتَيْنِ وجمعوا النَّاس على بيعَة مُحَمَّد طَوْعًا وَكرها وَبَقِي أشهر وَلَيْسَ لَهُ من من الْأَمر شَيْء وَإِنَّمَا ذَلِك للأفطس ولابنه عَليّ بن مُحَمَّد وهما على أقبح سيرة مَعَ النَّاس ووثب الْأَفْطَس على امْرَأَة جميلَة فانتزعها قهرا من زَوجهَا وَعلي بن مُحَمَّد أَخذ ابْن قَاضِي مَكَّة وحجزه عِنْده فَلَمَّا رأى النَّاس ذَلِك اجْتَمعُوا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَقَالُوا لمُحَمد بن جَعْفَر إِن لم تحضر الْمَرْأَة وَالصَّبِيّ خلعناك فأغلق بَابه خوفًا من الْعَامَّة وكلمهم من الشباك ثمَّ طلب الْأمان ليخرج يخلصهما فَأعْطى فَخرج وخلص الصَّبِي من ابْنه عَليّ وَالْمَرْأَة من الْأَفْطَس كَذَا ذكره الْأَزْرَقِيّ قلت عِنْدِي فِي صِحَة هذَيْن الأخذين نظر خُصُوصا أَخذ ابْن الديباجة ابْن قَاضِي مَكَّة فَالنَّفْس أبته كل الإباء وَالله أعلم فَلم تكن إِلَّا مُدَّة يسرة حَتَّى قدم إِسْحَاق بن مُوسَى العباسي من الْيمن فَارًّا من إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الكاظم بن جَعْفَر الصَّادِق فَنزل بالمشاش وَاجْتمعَ إِلَيْهِ جمَاعَة من أهل مَكَّة هربوا من العلويين وَاجْتمعَ الطالبيون إِلَى مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمَذْكُور وَجمع النَّاس من الْأَعْرَاب وَغَيرهم وحفروا خَنْدَقًا وقابلهم إِسْحَاق ثمَّ كره الْقِتَال فَسَار إِلَى نَحْو الْعرَاق فَلَقِيَهُ جند أنفذهم هرثمة بن أعين قَائِد الْمَأْمُون وَكَانَ فيهم
стр. 1841
الجلودي وورقاء بن جميل فَقَالَا لإسحاق ارْجع مَعنا وَنحن نكفيك الْقِتَال فَرجع مَعَهُمَا ولقيهم مُحَمَّد بن جَعْفَر والطالبيون ببئر مَيْمُونَة وَقد انْضَمَّ إِلَى مُحَمَّد غوغاء مَكَّة وَسَوَاد الْبَادِيَة فَلَمَّا التقى الْفَرِيقَانِ قتل جمَاعَة ثمَّ تحاجزوا ثمَّ الْتَقَوْا من الْغَد فَانْهَزَمَ مُحَمَّد والطالبيون وَمن مَعَهم ثمَّ طلب مُحَمَّد الْأمان من الجلودي وَألا أجلة ثَلَاثَة أَيَّام فآمنه وأجله ثمَّ خرج من مَكَّة وَدخل الجلودي مَكَّة بالجيش فِي جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة ٢٠٠ مِائَتَيْنِ وَتوجه الديباجة إِلَى بِلَاد جُهَيْنَة فَجمع مِنْهَا جَيْشًا وَسَار إِلَى الْمَدِينَة وَقَاتل واليها من جِهَة الْمَأْمُون وَهُوَ هَارُون بن الْمسيب فَانْهَزَمَ الديباجة أَيْضا وفقئت عينه بنشابة وَقتل من عسكره خلق كثير ثمَّ عَاد إِلَى مَكَّة وَطلب الْأمان من الجلودي فآمنه فَدخل مَكَّة فِي أَوَاخِر ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة فأصعده الجلودي الْمِنْبَر والجلودي فَوْقه بمرقاتين عَلَيْهِ قبَاء أسود فَاعْتَذر مُحَمَّد بِأَنَّهُ إِنَّمَا وَافق على الْمُبَايعَة لِأَنَّهُ بلغه موت الْمَأْمُون ثمَّ قدم على الْمَأْمُون ب مرو وَاعْتذر واستعفى فَقبل عذره وَعَفا عَنهُ وأكرمه فَلم يلبث قَلِيلا حَتَّى مَاتَ فَجْأَة بجرجان فصلى عَلَيْهِ الْمَأْمُون وَنزل فِي لحده وَقَالَ هَذِه رحم قطعت مذ سِنِين وَكَانَ مَوته فِي شعْبَان سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ وَسبب مَوته على مَا قيل أَنه جَامع وافتصد وَدخل الْحمام فِي يَوْم وَاحِد وَفِي موسم سنة ٢٠٢ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ وَليهَا كَذَلِك بالتغلب إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الكاظم ابْن جَعْفَر جَاءَ إِلَيْهَا من الْيمن وَعَلَيْهَا إِسْحَاق بن مُوسَى بن عِيسَى العباسي فَلَمَّا سمع بوصوله خَنْدَق عَلَيْهَا وَبنى سوراً على الْجبَال دائراً بالبنيان وَكَانَ فِي السّنة الَّتِي قبلهَا سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ وصل إِلَى مَكَّة صنم من ذهب على صُورَة إِنْسَان لملك من مُلُوك الْهِنْد أرسل بِهِ إِلَى الْكَعْبَة وعَلى رَأس الصَّنَم تَاج مكلل بالجوهر والياقوت والزبرجد والصنم جَالس على سَرِير من فضَّة وعَلى السرير أَنْوَاع الْفرش من الْحَرِير والديباج فَوضع السرير عَلَيْهِ الصَّنَم فِي وسط الْمَسْعَى ثَلَاثَة أَيَّام وَمَعَهُ معرِّف لمن كَانَ لَهُ هَذَا الصَّنَم وَأَنه أسلم وَأرْسل بِهِ هَدِيَّة للكعبة فاحمدوا الله تَعَالَى أَن هداه لِلْإِسْلَامِ ثمَّ أخد أَمِير مَكَّة العباسي الْمَذْكُور ذَلِك الصَّنَم من الحجبة قهرا وضربه دَنَانِير وأنفقها على الْعَسْكَر وَحَارب إِبْرَاهِيم بن
стр. 1842
مُوسَى فَكسر الْأَمِير وهرب وَدخل إِبْرَاهِيم بن مُوسَى مَكَّة ثمَّ وَليهَا فِي سنة خمسين وَمِائَتَيْنِ فِي خلَافَة المستعين بالتغلب أَيْضا إِسْمَاعِيل بن يُوسُف الأخيصر بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الجون بن عبد الله الْمَحْض بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب فهرب مِنْهَا عَامل المستعين وَهُوَ جَعْفَر بن الْفضل ابْن عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بشاشات قتل إِسْمَاعِيل الْجند الَّذين بِمَكَّة وَجَمَاعَة من أَهلهَا وَنهب منزل جَعْفَر شاشات وَغَيره وَأخذ من النَّاس نَحْو مِائَتي ألف دِينَار وَعمد إِلَى الْكَعْبَة الشَّرِيفَة فَأخذ كسوتها وَمَا جدد فِي خزانتها من الْأَمْوَال وَمَا كَانَ أعد من المَال لإِصْلَاح الْعين وَنهب مَكَّة وأحرق بَعْضهَا ثمَّ خرج مِنْهَا بعد مقَامه بهَا خمسين يَوْمًا فِي شهر ربيع الأول وَقصد الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فتوارى عَنهُ عاملها فظلم أَهلهَا وأخرب دُورهمْ وعطلت الْجَمَاعَة من مَسْجده ﵊ أَكثر من نصف شهر ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة فحصر أَهلهَا حَتَّى مَاتُوا جوعا وعطشاً وَبلغ الْخبز ثَلَاث أَوَاقٍ بدرهم وَاللَّحم رَطْل بدرهم والشربة المَاء بِثَلَاثَة دَرَاهِم ولقى أهل مَكَّة مِنْهُ بلَاء شَدِيدا ثمَّ سَار إِلَى جدة فحبس عَن النَّاس الطَّعَام وَأخذ أَمْوَال التُّجَّار وَأَصْحَاب المراكب ووافى الْموقف وَالنَّاس بِعَرَفَات فَقتل من الْحجَّاج نَحوا من ألف وَمِائَة نفس فهرب الْحجَّاج وَلم يقف بِعَرَفَة أحد لَيْلًا وَلَا نَهَارا سوى إِسْمَاعِيل وَعَسْكَره ثمَّ بعد انْفِصَاله من عَرَفَة رَجَعَ إِلَى جدة ثَانِيًا وأفنى أموالها وَفعل أموراً قبيحة لَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكرهَا كَذَا ذكره الْعَلامَة ابْن جَار الله وَقَبله التقى الفاسي فِي تَارِيخه شِفَاء الغرام انْتهى قلت لَا يظنّ ظان أم صُدُور هَذَا الْفِعْل وَشبهه من مثل هَؤُلَاءِ السَّادة لنَقص فِي دينهم واختلال فِي يقينهم حاشا وكلا وَإِنَّمَا ذَاك وَالله أعلم مِمَّا جرَت إِلَيْهِ الحمية والأنفة والشهامة الَّتِي تناسب أقداسهم من اسْتِيلَاء وُلَاة الْجور على مَا هم الأحقون بِهِ فيقصدون بذلك ثلم وجموعهم وتفريق جموعهم مَا أمكن لتعديهم بِأَصْل الدُّخُول فِي الْخلَافَة وَلم ينْعَقد إِذْ ذَاك إِجْمَاع على حُرْمَة الْخُرُوج على أَئِمَّة الْجور فقد
стр. 1843
أفتى الإِمَام أَبُو حنيفَة بِجَوَاز الْخُرُوج على أبي جَعْفَر الْمَنْصُور مِنْهُم وَكَذَلِكَ الإِمَام مَالك رحمهمَا الله تَعَالَى وَإِنَّمَا انْعَقَد الْإِجْمَاع على ذَلِك بعد زمنهم بِكَثِير هَذَا مَا ظهر لجامعه الْفَقِير على إِنِّي أعلم أَن هَذَا الْجَواب ينْسب إِلَى الْإِقْنَاع فَلَا يكن مِنْك أَيهَا النَّاقِد لرأس الِاعْتِرَاض إقناع وَلم يزل الْعمَّال عَلَيْهَا من بني الْعَبَّاس وشيعتهم وَالْخطْبَة بهَا لَهُم إِلَى أَن اشتغلوا بالفتن أَيَّام المستعين والمعتز وَمَا بعدهمَا فَحدثت الرِّئَاسَة فِيهَا لبني سُلَيْمَان بن دَاوُد ابْن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط
(ذكر دولة السليمانيين)
(وَمِنْهُم آل أبي الطّيب)
قَالَ ابْن خلدون وَكَانَ كَبِيرهمْ آخر الْمِائَة الثَّانِيَة مُحَمَّد بن سُلَيْمَان وَلَيْسَ هُوَ سُلَيْمَان بن دَاوُد بن الْحسن الْمثنى لِأَن ذَاك ذكر ابْن حزم أَنه قَامَ بِالْمَدِينَةِ أَيَّام الْمَأْمُون وَبَين العصرين نَحْو مائَة سنة فيبعد أَن يكون مُحَمَّد بن سُلَيْمَان هَذَا هُوَ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد الْقَائِم بِالْمَدِينَةِ أَلا أَنه من وَلَده كَانَ أول من خطب لنَفسِهِ مِنْهُم بِالْإِمَامَةِ مُحَمَّد بن سُلَيْمَان سنة ٣٠١ إِحْدَى وثلاثمائة أَيَّام المقتدر العباسي وخلع طَاعَة العباسية وخطب فِي الْمَوْسِم فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أعَاد الْحق إِلَى نظامه وأبرز زهر الْإِيمَان من أكمامه وكمل دَعْوَة خير الرُّسُل بأسباطه لَا ببني أَعْمَامه صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله الطاهرين وكف عَنْهُم ببركته إساءة الْمُعْتَدِينَ وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عقبه إِلَى يَوْم الدّين ثمَّ انشد // (من المجتث) //
(لأَطْلُبَنَّ بِسَيْفِي ... مَا كَاَن لِلحَقِّ دَيْنَا)
(وأَسْطُوَنَّ بِقَوْمٍ ... بَغَوا وجَارُوا عَليْنَا)
(يُهْدُونَ كُلَّ بَلَاءٍ ... مِنَ العِرَاقِ إِليْنَا)
وَكَانَ يلقب بالزيدى نِسْبَة إِلَى نحلته من مَذْهَب الإمامية وبقى ركب الْعرَاق يتَعَاهَد مَكَّة إِلَى أَن اعْتَرَضَهُ أَبُو طَاهِر القرمطي سنة ثنتى عشرَة وَأسر أَبَا الهيجاء حمدَان وَالِد سيف الدولة وَجَمَاعَة مَعَه وَقتل الْحجَّاج وَترك النِّسَاء والأطفال
стр. 1844
بالقفر فهلكوا وَانْقطع الْحَاج من الْعرَاق بِسَبَب القرامطة ثمَّ أنفذ المقتدر سنة سبع عشرَة وثلاثمائة منصوراً الديلمي من موَالِيه فوافاه بِمَكَّة يَوْم التَّرويَة أَبُو طَاهِر القرمطي فنهب الْحَاج وقتلهم حَتَّى فِي الْكَعْبَة وَالْحرَام وطم بِئْر زَمْزَم بالقتلى وَالْحجاج يصيحون كَيفَ تقتل جيران الله ووفاده فَيَقُول لَيْسَ بجار من خَالف أوَامِر الله ونواهيه وَيَتْلُو ﴿إِنَّمَا جزوا اَلذِّينَ يُحَارِبُونَ الله﴾ الْمَائِدَة ٣٣ الْآيَة وَصعد على عتبَة الْكَعْبَة يَقُول // (من الرمل) //
(أَنَا باللهِ وباللهِ أَنَا ... يَخْلُقُ الخلقَ وَأُفْنِيهِمْ أَنَا)
وَكَانَ يخْطب لِعبيد الله الْمهْدي جد الْخُلَفَاء العبيديين نِسْبَة إِلَى عبيد الله الْمَذْكُور صَاحب إفريقية ثمَّ قلع الْحجر الْأسود وَحمله إِلَى الأحساء وَهِي مُسْتَقر ملكه والأحساء هَذِه بناها أَبُو طَاهِر بعد أَن خرب جده مَدِينَة الْبَحْرين ولنذكرهما وَإِن كَانَ ذكرهمَا اعتراضاً فِي الْبَين أما الْبَحْرين فإقليم وَاسع مَسَافَة شهر على بَحر فَارس بَين الْبَصْرَة وعُمان شرقيها بَحر فَارس وغربيها مُتَّصِل بِالْيَمَامَةِ وشماليها بِالْبَصْرَةِ وجنوبيها عمان كَثِيرَة الْمِيَاه ينبطونها على الْقَامَة والقامتين كَثِيرَة البقل والفواكه مفرطة الْحر منهالة الكثبان يغلب الرمل عَلَيْهِم فِي مساكنهم وَكَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة لعبد الْقَيْس وَبكر بن وَائِل من ربيعَة وملكها الْفرس ثمَّ صَارَت فِي صدر الْإِسْلَام لنى الْجَارُود ثمَّ ملكهَا أَبُو سعيد القرمطي بعد حِصَار ثَلَاث سِنِين واستباحها قتلا وإحراقاً وتخريباً ثمَّ بنى أَبُو طَاهِر القرمطي مَدِينَة الأحساء وتوالت دولة القرامطة فِيهَا وهم أخلاط من الْفرس وَبنى تغلب وَبنى عقيل وَبنى سليم وَكَانَ بناؤها فِي الْمِائَة الثَّالِثَة وَسميت بِهَذَا الِاسْم يعْنى الأحساء لِكَثْرَة أحساء الْمِيَاه فِي الرمال بهَا ومراعى الْإِبِل وَكَانَت للقرامطة بهَا دولة وجالوا فِي الأقطار وَالشَّام وَالْعراق ومصر والحجاز وملكوا الشَّام وعمان ثمَّ انْقَضتْ دولة القرامطة وغلبت على الْبَحْرين وَمَا والاها بَنو عَامر بن عقيل قَالَ ابْن خلدون قَالَ ابْن سعيد وَالْملك الْآن مِنْهُم فِي بنى عُصْفُور ثمَّ رَجَعَ وَقلع بَاب الْبَيْت وَحمله وأطلع رجلا لقلع الْمِيزَاب فَسقط وَمَات
стр. 1845
فَقَالَ اتركوه فَإِنَّهُ محروس حَتَّى يأتى صَاحبه يَعْنِي الْمهْدي المنتظر فَلَمَّا بلغ عبيد الله الْمهْدي مَا فعله كتب إِلَيْهِ مَا نَصه وَالْعجب من كتبك إِلَيْنَا ممتناً علينا بِمَا ارتكبته واجترمته باسمنا من حرم الله وجبرانه بالأماكن الَّتِي لم تزل الْجَاهِلِيَّة تحرم إِرَاقَة الدِّمَاء فِيمَا وإهانة أَهلهَا ثمَّ تعديت ذَلِك فَقلعت الْحجر الَّذِي هُوَ يَمِين الله فِي أرضه يُصَافح بهَا عباده وَحَمَلته إِلَى أَرْضك ورجوت أَن نشكرك فلعنك الله ثمَّ لعنك ثمَّ لعنك السَّلَام على من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده وَفعل فِي يَوْمه مَا عمل فِيهِ حِسَاب غده فانحرفت القرامطة عَن طَاعَة العبيبديين لذَلِك ثمَّ قتل المقتدر على يَد مؤنس سنة عشْرين وثلاثمائة وَولي أَخُوهُ القاهر وَانْقطع الْحَاج من الْعرَاق بعد هَذِه السّنة إِلَى أَن كَاتب أَبُو عَليّ عمر بن يحيى الفاطمى سنة ٢٧ سبع وَعشْرين من الْعرَاق أَبَا طَاهِر القرمطي فَأطلق السبل للْحَاج على مكس أَخذه مِنْهُم وَكَانَ أَبُو طَاهِر يعظمه لدينِهِ ويؤمله فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَأخذ المكس من الْحَاج وَلم يعْهَد مثله فِي الْإِسْلَام وخطب فِي هَذِه السّنة بِمَكَّة للراضي بن المقتدر وَفِي سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة لِأَخِيهِ المتقي من بعده وَلم يصل ركب الْعرَاق فِي هَذِه السّنة من القرامطة ثمَّ ولي المستكفي سنة ٣٣٣ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة على يَد توزون أَمِير الْأُمَرَاء بِبَغْدَاد فَخرج الْحَاج فِي هَذِه السّنة بمهادنة القرامطة بِعَهْد أبي طَاهِر ثمَّ خطب للمطيع ابْن المقتدر بِمَكَّة بمعز الدولة بن بويه سنة ٣٣٤ أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة عِنْد مَا استولى معز الدولة على بَغْدَاد وعزل المستكفي واعتقل ثمَّ تعطل الْحَج بِسَبَب القرامطة وردوا الْحجر الْأسود سنة تسع وَثَلَاثِينَ بِأَمْر الْمَنْصُور العبيدي صَاحب إفريقية وخطابه فِي ذَلِك لأميرهم أَحْمد بن أبي سعيد ثمَّ جَاءَ الْحَاج إِلَى مَكَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلاثمائة مَعَ أَمِير الْعرَاق وأمير من مصر فَوَقَعت الْحَرْب بَينهمَا على الْخطْبَة لِابْنِ بويه ملك الْعرَاق وَابْن الإخشيد ملك مصر فَانْهَزَمَ المصريون وخطب لِابْنِ بويه واتصل وُفُود الْحَاج من يَوْمئِذٍ
стр. 1846
فَلَمَّا كَانَت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمائة جَاءَ الْحَاج من بَغْدَاد وَمن مصر كَانَ أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ مُحَمَّد بن عبيد الله الْعلوِي فمكر بأمير مصر وَقَالَ نتفق على إِفْرَاد الْخَلِيفَة ونترك صَاحِبي وَصَاحِبك فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك ثمَّ جَاءَ الْمِنْبَر مستعداً وَأمر بِالْخطْبَةِ لمعز الدولة بن بويه فَوَجَمَ الآخر وتمت عَلَيْهِ الْحِيلَة وعاقبه أميره كافور وَيُقَال قَتله وَوَقع معز الدولة بن بويه بعد موت أَبِيه والخليفة يَوْمئِذٍ الْمُطِيع وَسَببه أَن سَابُور بن أبي طَاهِر قتل عَمه أَحْمد بن سعيد الْأَمِير القرمطي وَكَانَ مجمعا على اعْتِرَاض ركب الْعرَاق وَقطع الْخطْبَة على ابْن بويه بِمَكَّة فَلَمَّا قتل أَحْمد وَقعت الْفِتْنَة بَين أَوْلَاد أبي طَاهِر وَأَوْلَاد أَحْمد بن أبي سعيد فَأصْلح الْمُطِيع بَينهم وَقدم عَلَيْهِ الْحسن بن أَحْمد وخطب فِي الْمَوْسِم للمطيع وللحسن بعده بالإمارة وَفِي سنة ٣٦٠ سِتِّينَ وثلاثمائة خلع الْحسن بن أَحْمد القرمطي طَاعَة العبيديين وخطب للمطيع وَبعث الْمُطِيع إِلَيْهِ بالرايات السود ونهض إِلَى دمشق فَقتل عاملها من جِهَة العبيديين جَعْفَر بن فلاح وخطب للمطيع ثمَّ وَقعت الْفِتْنَة بَين بني الْحسن أهل مَكَّة وَبني الْحُسَيْن أهل الْمَدِينَة وزحف أهل الْمَدِينَة مَعَ أَمِير الْمعز لدين الله العبيدي صَاحب مصر ليقيموا لَهُ الْخطْبَة بِمَكَّة فَجَاءَت القرامطة مدَدا لبني حسن بِمَكَّة فَانْهَزَمَ أهل الْمَدِينَة ثمَّ وَقعت الْفِتْنَة بَين بني الْحسن وَبني جَعْفَر وحصلت بَينهم دِمَاء وَبعث الْمعز العبيدي من أصلح بَينهم وَتحمل ديات الْقَتْلَى الفاضلة من مَال الْمعز فمذ ملك مصر بَادر جَعْفَر بن الْحسن بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ فَملك مَكَّة ودعا للمعز العبيدي فَكتب لَهُ الْمعز بِالْولَايَةِ ثمَّ مَاتَ جَعْفَر بن الْحسن بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد فوليها بعده ابْنه عِيسَى ابْن جَعْفَر بن الْحسن بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد بن الْحسن الْمثنى بن الْحسن السبط بن على بن أَبى طَالب ودامت ولَايَته إِلَى أَن مَاتَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة ثمَّ ولي بعد عِيسَى أَخُوهُ أَبُو الْفتُوح الْحسن بن جَعْفَر بن الْحسن بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن دَاوُد وَكَانَت ولَايَته سنة أَربع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة ثمَّ جَاءَت عَسَاكِر عضد الدولة الديلمي ففر الْحسن بن جَعْفَر
стр. 1847
وَلما مَاتَ الْمعز العبيدي وَولى ابْنه الْعَزِيز بعث إِلَى مَكَّة أَمِيرا علوياً فَخَطب لَهُ بالحرمين وَفِي سنة سبع وَسِتِّينَ بعث الْعَزِيز العبيدي باديس بن زيري الصنهاجي أَمِيرا على الْحَاج وَاسْتولى لَهُ على الْحَرَمَيْنِ وَأقَام لَهُ الْخطْبَة وشغل عضد الدولة فِي الْعرَاق بِقِتَال ابْن عَمه بختيار فَبَطل ركب الْعرَاق ثمَّ عَاد فِي السّنة الَّتِي بعْدهَا وخطب لعضد الدولة أَحْمد الموسوي وانقطعت بعْدهَا خطْبَة العباسيين من مَكَّة وعادت إِلَى خلفاء مصر إِلَى حِين من الدَّهْر وَعظم شَأْن أبي الْفتُوح واتصلت إمارته فِي مَكَّة وَكتب إِلَيْهِ الْقَادِر سنة سِتّ وَثَمَانِينَ ورغبه فِي الطَّاعَة ووعده باتصال الْإِمَارَة فِي بنيه فأنفذ أَبُو الْفتُوح الْكتب إِلَى الْعَزِيز العبيدي صَاحب مصر فَأرْسل إِلَيْهِ الْعَزِيز بالأموال وَالْخلْع فَقَسمهَا فِي قومه وكسا الْكَعْبَة بالبياض ثمَّ خاطبه الْقَادِر سنة تسعين وثلاثمائة فِي الْإِذْن لحاج الْعرَاق فَأَجَابَهُ على أَن الْخطْبَة للْحَاكِم صَاحب مصر العبيدي وَبعث الْحَاكِم إِلَى ابْن الْجراح أَمِير طي باعتراضهم وَكَانَ على الْحَاج الشريف الرضي أَمِيرا وَأَخُوهُ المرتضى فلاطفا ابْن الْجراح حَتَّى خلي سَبِيل الْحَاج على أَن لَا يعود قَالَ ابْن خلدون وفيهَا ولي الْمَدِينَة المشرفة وأزال عَنْهَا إمرة بني المهنا الْحُسَيْنِي ثمَّ اعْترض حَاج الْعرَاق سنة أَربع وَتِسْعين وثلاثمائة الْأَصْفَر التغلبي عِنْد ملكه الجزيرة فوعظه قارئان كَانَا فِي الركب ثمَّ اعْتَرَضَهُمْ فِي السّنة الَّتِي بعْدهَا أَعْرَاب خفاجة ونهبوهم ثمَّ كتب الْحَاكِم سنة ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة إِلَى عماله بِالْبَرَاءَةِ من أبي بكر وَعمر فنكر ذَلِك أَبُو الْفتُوح وامتعض لَهُ وَخرج عَن طَاعَته بِسَبَب ذَلِك كَذَا فِي تَارِيخ الْعَلامَة ابْن خلدون وَرَأَيْت فِي شِفَاء الغرام للعلامة التقي الفاسي مَا نَصه كَانَ سَبَب عصيان أبي الْفتُوح عَن طَاعَة الْحَاكِم العبيدي أَن الْوَزير أَبَا الْقَاسِم ابْن المغربي لما قتل الْحَاكِم أَبَاهُ وأعمامه هرب من الْحَاكِم واستجار بكبير آل الْجراح أَمِير طي فَعِنْدَ ذَلِك حسن لَهُم الْوَزير مبايعة أبي الْفتُوح بالخلافة فمالوا إِلَى ذَلِك فقصد الْوَزير أَبُو الْقَاسِم أَبَا الْفتُوح وَحسن لَهُ طلب الْخلَافَة فَاعْتَذر أَبُو الْفتُوح بقلة ذَات يَده فَحسن لَهُ الْوَزير أَخذ مَا فِي الْكَعْبَة من المَال فَأَخذه مَعَ مَال عَظِيم لبَعض التُّجَّار
стр. 1848
بجدة وخطب لنَفسِهِ وتلقب بالراشد بِاللَّه وَبَايَعَهُ بالخلافة شُيُوخ الحسينيين وَغَيرهم بالحرمين وَخرج من مَكَّة إِلَى الرملة قَاصِدا آل الْجراح فِي جمَاعَة من بني عَمه وَألف عبد أسود وَمَعَهُ سيف زعم أَنه ذُو الفقار وقضيب زعم أَنه قضيب رَسُول الله
فَلَمَّا قرب الرملة تَلَقَّتْهُ الْعَرَب وقبلوا الأَرْض بَين يَدَيْهِ وسلموا عَلَيْهِ بالخلافة وَنزل الرملة ونادى بِالْعَدْلِ وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر فانزعج الْحَاكِم العبيدي وَقطع الْميرَة عَن الْحَرَمَيْنِ وَمَا وَسعه أَلا الخضوع لآل الْجراح لقُوَّة شوكتهم فاستمال حسان بن مفرج مِنْهُم وبذل لَهُ ولإخوته أمولا جزيلة فَتَخَلَّفُوا عَن أبي الْفتُوح فَعرف أَبُو الْفتُوح ذَلِك فَاسْتَجَارَ بمفرج من الْحَاكِم العبيدي فَكتب مفرج إِلَى الْحَاكِم مستشفعاً لأبي الْفتُوح فشفعه فِيهِ ورده إِلَى مَكَانَهُ من إمرة مَكَّة وراجع طَاعَة الْحَاكِم العبيدي وَقد كَانَ الْحَاكِم ولي على إمرة مَكَّة عِنْد عصيان أبي الْفتُوح أَبَا الطّيب فِي الْمدَّة الَّتِي خرج فِيهَا عَن طَاعَته وَأَبُو الطّيب هَذَا هُوَ أَبُو الطّيب بن عبد الرَّحْمَن بن قَاسم بن أبي الفاتك بن دَاوُد بن سُلَيْمَان بن عبد الله بن مُوسَى بن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن على ابْن أبي طَالب وَمن أحفاد أحفاده الْأَمِير يحيى ابْن الْأَمِير الْمُؤَيد ابْن الْأَمِير قَاسم بن غَانِم بن حَمْزَة بن وَقاص بن أبي الطّيب بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور وَذكر ابْن حزم أَبَا للطيب هَذَا وسَاق نسبه كَمَا ذكرنَا ثمَّ قَالَ كَانَ لعبد الرَّحْمَن وَالِد أبي الطّيب اثْنَان وَعِشْرُونَ ذكرا فَذكرهمْ وَذكر أَبَا الطّيب مِنْهُم ثمَّ قَالَ سكنوا كلهم أذَنة حاشا نعْمَة وَعبد الْحَكِيم وَعبد الرحميد فَإِنَّهُم سكنوا أمج بِقرب مَكَّة وَلَعَلَّ سكناهم أذَنة للخوف من أبي الْفتُوح بِسَبَب تآمر أبي الطّيب بعده بِمَكَّة حَال خُرُوج أبي الْفتُوح إِلَى آل الْجراح وَلم يحجّ من الْعرَاق فِي هَذِه السّنة أحد قَالَ ابْن السُّبْكِيّ وَلما كَانَ موسم ثَلَاث عشرَة وَأَرْبَعمِائَة جرت فِيهِ كائنة غربية هِيَ أَن رجلا من المصريين من أَصْحَاب الْحَاكِم العبيدى اتّفق مَعَ جمَاعَة من الْحجَّاج المصريين على أَمر سوء فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ يَوْم النَّفر الأول طَاف هَذَا الرجل بِالْبَيْتِ فَلَمَّا انْتهى إِلَى الْحجر الْأسود جَاءَ كَأَنَّهُ يُرِيد تقبيله فَضَربهُ بدبوس كَانَ مَعَه ثَلَاث ضربات مُتَوَالِيَات وَقَالَ إِلَى مَتى يعبد هَذَا الْحجر إِلَى مَتى
стр. 1849
يقبل وَلَا مُحَمَّد وَلَا عَليّ فيمنعني من ذَلِك فَإِنِّي أهدم الْيَوْم هَذَا الْبَيْت وَجعل يرتعد فاتقاه أَكثر الْحَاضِرين وتأخروا عَنهُ وَذَلِكَ أَنه كَانَ رجلا طَويلا جسيماً أَحْمَر اللَّوْن أشقر الشّعْر وعَلى بَاب الْمَسْجِد جمَاعَة من الفرسان وقُوف ليمنعوه مِمَّن أَرَادَهُ بِسوء فَتقدم إِلَيْهِ رجل من أهل الْيمن مَعَه خنجر فوجأه بِهِ وتكاثر عَلَيْهِ النَّاس فَقَتَلُوهُ وقطعوه قطعا وحرقوه وتتبعوا أَصْحَابه فَقتل مِنْهُم جمَاعَة وَنهب أهل مَكَّة ركب المصريين وتعدى النهب إِلَى غَيرهم ثمَّ إِنَّه سكن الْحَال غير أَنه سقط من الْحجر ثَلَاث فلق مثل الْأَظْفَار وبدا مَا تحتهَا أسمر يضْرب إِلَى صفرَة محبباً مثل الخشخاش فَأخذ بَنو شيبَة تِلْكَ الفلق فعجنوها بالمسك واللاذن واللَّك وحشوا بهَا تِلْكَ الشقوق الَّتِي بَدَت فَاسْتَمْسك على مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآن وَهُوَ ظَاهر لمن تَأمله وَلما بُويِعَ الْقَائِم العباسي سنة ثِنْتَيْنِ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة أَمر أَن يُجهز الْحَاج فَلم يقدر لاستيلاء الْعَرَب وانحلال إمرة بني بويه ثمَّ خطب بِمَكَّة سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة للمستنصر بن الظَّاهِر العبيدي وَلما كَانَ سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة تولى أَبُو الْفتُوح الْحسن بن جَعْفَر بن الْحسن بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان رَئِيس مَكَّة وَبني سُلَيْمَان وَكَانَت مُدَّة إمارته ثَلَاثًا وَأَرْبَعين سنة تمّ ولى بعده ابْنه شكر بن أبي الْفتُوح وَجَرت لَهُ مَعَ أهل الْمَدِينَة خطوب ملك فى أَثْنَائِهَا الْمَدِينَة وَجمع بَين الْحَرَمَيْنِ وَاسْتمرّ إِلَى أَن مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فَكَانَت مدَّته ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَلم يعقب وَلَا ولد لَهُ قطّ وَقيل خلف بِنْتا هِيَ الَّتِي تزَوجهَا مُحَمَّد بن جَعْفَر أول أُمَرَاء الهواشم الْآتِي ذكرهم الْآن وَذكر ابْن حزم أَن عقب جَعْفَر بن الْحسن بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان انقرض وَأَن مَكَّة وَليهَا بعد شكر عبد كَانَ لَهُ لِأَنَّهُ قَالَ وَقد انقرض عقب جَعْفَر الْمَذْكُور لِأَن ابْنه أَبَا الْفتُوح لم يكن لَهُ ولد أَلا شكر وَلم يُولد لَهُ وَصَارَ أَمر مَكَّة إِلَى عبد لَهُ انْتهى كَلَام ابْن حزم قَالَ الْعَلامَة مُحَمَّد بن جَار الله فِي تَارِيخه الْجَامِع اللَّطِيف ثمَّ ولي بعد شكر بَنو أبي الطّيب الحسنيون وهم من جمَاعَة شكر الَّذين يُقَال لَهُم السليمانيون وَلم يذكر الْعَلامَة الفاسي عدتهمْ وَأما الْعَلامَة ابْن خلدون فَلم يذكر بني أبي الطّيب
стр. 1850
أصلا بل ذكر بعد موت شكر اسْتِيلَاء أول أُمَرَاء الهواشم أبي هَاشم مُحَمَّد بن جَعْفَر ابْن مُحَمَّد أبي هَاشم بن الْحسن بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عبد الله أبي الْكَرم بن مُوسَى ابْن عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب وعَلى موت شكر انقرضت دولة بني سُلَيْمَان بِمَكَّة وَجَاءَت دولة الهواشم
(ذكر دولة الهواشم)
هَؤُلَاءِ الهواشم من ولد أبي هَاشم مُحَمَّد بن الْحسن بن الْحسن بن مُحَمَّد بن مُوسَى بن عبد الله أبي الْكَرم بن مُوسَى الجون بن عبد الله الْمَحْض بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب كَانَت بَين هَؤُلَاءِ الهواشم وَبني السليمانيين فتن مُتَّصِلَة وَلما مَاتَ شكر ذهبت الرِّئَاسَة من بني سُلَيْمَان لِأَن شكرا آخِرهم وَلم يعقب وَتقدم فيهم طراد بن أَحْمد لم يكن من بَيت الْإِمَارَة وَإِنَّمَا كَانُوا يؤملونه لإقدامه ورأيه وشجاعته وَكَانَ رَئِيس الهواشم يَوْمئِذٍ أَبُو هَاشم مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي هَاشم مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد الْمَذْكُور وَكَانَ قد سَاد فِي الهواشم وَعظم ذكره فَاقْتَتلُوا سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة بعد موت شكر فَهزمَ الهواشم بني سُلَيْمَان وطردهم عَن الْحجاز فَسَارُوا إِلَى الْيمن وَكَانَ لَهُم بِهِ ملك فاستقل بإمارة مَكَّة الْأَمِير أَبُو هَاشم مُحَمَّد بن جَعْفَر بن أبي هَاشم مُحَمَّد بن الْحسن الْمَذْكُور وخطب للمستنصر العبيدي ثمَّ ابْتَدَأَ الْحَاج من الْعرَاق سنة سِتّ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة بِنَظَر السُّلْطَان ألب أرسلان بن دَاوُد ملك السلجوقية حِين استولى على بَغْدَاد والخلافة طلب مِنْهُ الْقَائِم العباسي ذَلِك فبذل المَال وَأخذ رهائن من الْعَرَب وَحج بِالنَّاسِ أَبُو الْغَنَائِم نور الْهدى الزيني نقيب الطالبيين ثمَّ جاور فِي السّنة الَّتِي بعْدهَا واستمال الْأَمِير أَبَا هَاشم مُحَمَّد بن جَعْفَر الْمَذْكُور عَن طَاعَة العبيديين فَخَطب لبني الْعَبَّاس سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وانقطعت ميرة مصر عَن مَكَّة فعذله أَهله عَمَّا فعل فَرد الْخطْبَة للعبيديين ثمَّ خاطبه الْقَائِم العباسي وعاتبه وبذل لَهُ الْأَمْوَال فَخَطب لَهُ سنة ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة بِالْمَوْسِمِ فَقَط وَكتب إِلَى الْمُسْتَنْصر العبيدي معتذرا
стр. 1851
ثمَّ بعث الْقَائِم العباسي أَبَا الْغَنَائِم الزيني نقيب الْمَذْكُورين سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة أَمِيرا على الركب الْعِرَاقِيّ وَمَعَهُ عَسْكَر ضخم لأمير مَكَّة من عِنْد ألب أرسلان وَثَلَاثُونَ ألف دِينَار وتوقيع بِعشْرَة آلَاف دِينَار واجتمعوا بِالْمَوْسِمِ وخطب الْأَمِير أَبُو هَاشم مُحَمَّد بن جَعْفَر للقائم العباسي فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي هدَانَا أهل بَيته إِلَى الرَّأْي الْمُصِيب وَعوض بنيه لبسة الشَّبَاب بعد لبسة المشيب وأمال قُلُوبنَا إِلَى الطَّاعَة ومتابعة إِمَام الْجَمَاعَة فانحرف الْمُسْتَنْصر بن الظَّاهِر بن الْحَاكِم العبيدي صَاحب مصر الْمَذْكُور عَن الهواشم وَمَال إِلَى السليمانيين وَكتب إِلَى عَليّ بن مُحَمَّد الصليحي صَاحب دعوتهم بِالْيمن أَن يعينهم على استرجاع ملكهم وينهض مَعَهم إِلَى مَكَّة فَنَهَضَ وانْتهى إِلَى المهجم وَكَانَ سعيد بن نجاح الْأَحول موتور بني الصليحي قد جَاءَ من الْهِنْد وَدخل صنعاء فثار بهَا وَاتبع الصليحي وَهُوَ فِي سبعين رجلا والصليحى فِي خَمْسَة آلَاف قبيته بالمهجم وَقَتله كَذَا فِي تَارِيخ الْعَلامَة ابْن خلدون وَرَأَيْت فِي تَارِيخ الْعَلامَة مُحَمَّد بن جَار الله بعد أَن قَالَ ثمَّ ولي بعد شكر بَنو أبي الطّيب وهم الَّذين يُقَال لَهُم السليمانيون من جمَاعَة شكر وَلم يذكر الفاسي عدتهمْ قَالَ ثمَّ ولي عَليّ بن مُحَمَّد الصليحي صَاحب الْيمن وَذَلِكَ سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فِي شهر الْحجَّة وَأظْهر الْعدْل بهَا وَاسْتعْمل الْجَمِيل مَعَ أَهلهَا وَكثر الْأَمْن وَطَابَتْ قُلُوب النَّاس ورخصت الأسعار فِي أَيَّامه وَكَثُرت لَهُ الْأَدْعِيَة وكسا الْبَيْت ثوبا أَبيض ورد للبيت الْحلِيّ الَّذِي أَخذه بَنو أبي الطّيب لما ملكوا بعد شكر وَأقَام بِمَكَّة إِلَى ربيع الأول سنة سِتّ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ ولى عَنهُ نَائِبا أَبَا هَاشم مُحَمَّد بن جَعْفَر هَذَا وَسبب ذَلِك أَن الصليحي لما دخل مَكَّة كَانَ الْأَشْرَاف بَنو أبي الطّيب قد أبعدوا عَن مَكَّة وجمعوا عَلَيْهِ ثمَّ راسلوه بِأَن يخرج من مَكَّة وَيُؤمر بهَا من يخْتَار مِنْهُم وَكَانَ قد وَقع فِي عسكره الوباء فَمَاتَ مِنْهُم سَبْعمِائة رجل وَلم يبْق أَلا نفر يسير فَاخْتَارَ أَبَا هَاشم مُحَمَّد بن جفعر هَذَا وَهُوَ أول الهواشم وأقامه نَائِبا عَنهُ وَأمره على مَكَّة واستخدم لَهُ عسكراً وَأَعْطَاهُ
стр. 1852
مَالا وسلاحاً وَخمسين فرسا ثمَّ عَاد إِلَى الْيمن فجَاء الْأَشْرَاف بَنو سُلَيْمَان وَمَعَهُمْ حَمْزَة بن أبي وهاص وحاربوا مُحَمَّد بن جَعْفَر فحاربهم وَلم يكن لَهُ بهم طَاقَة فَخرج هَارِبا من مَكَّة فتبعوه فكر رَاجعا وَضرب وَاحِدًا مِنْهُم ضَرْبَة قطع بهَا درعه وَجَسَده وفرسه وَوصل إِلَى الأَرْض فَرَجَعُوا عَنهُ وَكَانَ تَحْتَهُ فرس يُقَال لَهَا دَنَانِير لَا تكل وَلَا تمل وَقيل إِنَّه كَانَ صهر شكر على ابْنَته ثمَّ عَاد مُحَمَّد بن جَعْفَر إِلَى مَكَّة بعد خُرُوجه مِنْهَا فَهَذَا الَّذِي ذكره ابْن جَار الله مُخَالف لما ذكره الْعَلامَة ابْن خلدون مُخَالفَة ظَاهِرَة أما أَولا فَفِي تَارِيخه فَإِنَّهُ أَي ابْن جَار الله ذكر أَن إتْيَان الصليحي إِلَى مَكَّة وإقامته أَبَا هَاشم مُحَمَّد بن جَعْفَر نَائِبا عَنهُ كَانَ فِي سنة سِتّ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَأَنه دَخلهَا وَأقَام أَبَا هَاشم مُحَمَّد بن جَعْفَر أول أُمَرَاء الهواشم وَالَّذِي ذكره ابْن خلدون إِن الصليحي أمره الْمُسْتَنْصر العبيدي لما مَال عَن الهواشم إِلَى السيلمانيين بِسَبَب عدولهم بِالْخطْبَةِ عَنهُ إِلَى العباسيين أَن ينْهض مَعَ السليمانيين ويعينهم على استرجاع ملكهم وأرخ ذَلِك الْأَمر لَهُ بِسنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فَهَذَا تخَالف فِي التَّارِيخ وَأما ثَانِيًا فمخالفته من جِهَة الْمَعْنى إِذْ كَيفَ يُؤمر بِإِعَادَة السليمانيين إِلَى ملكهم وَإِزَالَة الهواشم عَن مَكَّة فيفر السليمانيون عَن مَكَّة ويرسلون لَة أقِم من تختاره منا فيقيم عَلَيْهِم أَبَا هَاشم وَهُوَ من الهواشم المغضوب عَلَيْهِم من جِهَة مرسله الْمُسْتَنْصر العبيدي وَكَيف يفر السليمانيون عَنهُ وَهُوَ آتٍ لنصرتهم وإرجاع دولتهم إِلَيْهِم من يَد الهواشم فَمَا علمت وَجه التَّوْفِيق بَينهمَا فِي ذَلِك وَالله أعلم وَأَيْضًا لم يذكر ابْن خلدون أَن الصليحي دخل مَكَّة بل إِنَّه لما انْتهى إِلَى المهجم اسْم محمل هجم عَلَيْهِ سعيد بن نجاح الْأَحول فَقتله وَإِذ قد انجر الْكَلَام إِلَى ذكر الصليحي فلنذكر طرفا من خَبره ومبدأ مُنْتَهى أمره قَالَ الْعَلامَة ابْن السُّبْكِيّ الصليحي هُوَ عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ الصليحي كَانَ أَبوهُ مُحَمَّد قَاضِيا بِالْيمن وَنَشَأ لَهُ هَذَا الْوَلَد فتوسم فِيهِ بعض من عِنْده علم من الْمَلَاحِم وَقَالَ لَهُ أَنْت تلِي ملك الْيمن فاشتغل على هَذَا وحوى علوماً كَثِيرَة
стр. 1853
وَحج بِالنَّاسِ دَلِيلا سِنِين مُتعَدِّدَة ثمَّ توَافق مَعَ جمَاعَة من أَوْلَاد رُؤَسَاء الْيمن نَحْو السِّتين وَخَرجُوا إِلَى رَأس جبل منيع بِالْيمن فَحَاصَرَهُمْ الْجند فِي عشْرين ألف مقَاتل فَلم يقدروا عَلَيْهِم ثمَّ استفحل أمره وَبنى بِرَأْس ذَلِك الْجَبَل حصناً منيعاً ثمَّ تدلى فَأخذ الْبِلَاد بَلَدا بَلَدا حَتَّى استحوذ على الْيمن كلهَا وخطب بِنَفسِهِ ودعا للخليفة الْمُسْتَنْصر العبيدي وَاسْتمرّ كَذَلِك نَحوا من ثَلَاثِينَ سنة فَلَمَّا كَانَت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة كَذَا قَالَه ابْن السُّبْكِيّ وَقَالَ ابْن خلدون سنة اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة خرج فِي طَائِفَة من الْجَيْش يُرِيد الْحَج فَلَمَّا كَانَ بالمهجم اعْتَرَضَهُ سعيد بن نجاح الْأَحْوَال صَاحب التهائم وَكَانَ الصليحي قد وتره فِي أول دولته فاعترضه سعيد هَذَا وَأَخُوهُ حناش فِي سبعين رجلا مَعَ كل رجل مِنْهُم جَرِيدَة فِي رَأسهَا مِسْمَار فَنَذر بهم الصليحي فَأرْسل سَرِيَّة فِي ألفي مقَاتل ليردوهم فَاخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيق فخلص إِلَيْهِ سعيد وَأَخُوهُ فِي أصحابهما وَهُوَ على غرَّة فوصلوا إِلَيْهِ وقتلوه بِسَيْفِهِ وَقتلُوا جَمِيع أَقَاربه وَكَانُوا نَحْو مائَة وَسِتِّينَ ومالوا على بَقِيَّة الْعَسْكَر فَقتلُوا وأسروا وَرَجَعُوا إِلَى الْيمن فملكوه مَعَ بِلَاد تهَامَة وَهَذَا أَمر لم يتَّفق مثله أَلا نَادرا وَكَانَ مَقْتَله عِنْد قَرْيَة يُقَال لَهَا الرهيم وبئر أم معبد وَلَيْسَت بِأم معبد السعدية قلت وَمن شعر الصليحي بيتان فِي حفظي هما // (من الْكَامِل) //
(أَنْكَحْتُ بِيضَ الِهْندِ سُمْر رِقَابِهمْ ... فَرُءُسُهُمْ دُونَ النِّثَارِ نِثَارُ)
(وكَذَا العُلَا لَا يُسْتَبَاح نِكَاحُهَا ... إِلَاّ بِحَيْثُ تُطَلَّقُ الأَعْمَارُ)
وَلما رَجَعَ سعيد بن نجاح بِرَأْس الصليحي مَنْصُوبًا فَوق المظلة الَّتِي كَانَت يظلل بهَا فَوْقه إِذا ركب فِي جنده قَالَ فِي ذَلِك أَبُو بكر العثماني // (من الْكَامِل) //
(بَكَرَتْ مِظَلَّتُهُ عَلَيْهِ فَلَمْ تَرُحْ ... إلَاّ عَلَى الملكِ الأَجَلِّ سَعِيدِهَا)
(مَا كَانَ أَقْبَحَ وَجْهَهُ فِي ظِلِّها ... مَا كَانَ أحسَنَ رأْسَهُ فِي عُودِهَا)
رَجَعَ وَلما عَاد مُحَمَّد بن جَعْفَر إِلَى مَكَّة بعد خُرُوجه مِنْهَا جمع أنجاداً من الأتراك فزحف بهم إِلَى الْمَدِينَة فَأخْرج مِنْهَا بني الْحُسَيْن وَجمع بَين الْحَرَمَيْنِ ثمَّ مَاتَ الْقَائِم العباسي وَانْقطع مَا كَانَ يصل إِلَيْهِ مِنْهُ فَقطع مُحَمَّد بن جَعْفَر الْخطْبَة للعباسيين ثمَّ جَاءَ الزَّيْنَبِي من قَابل بالأموال فَأَعَادَهَا
стр. 1854
ثمَّ بعث الْمُقْتَدِي سنة سبعين وَأَرْبَعمِائَة منبراً إِلَى مَكَّة استجيد خشبه وَنقش عَلَيْهِ بِالذَّهَب اسْمه وَبعث على الْحَاج ختلغ التركي وَهُوَ أول تركي تَأمر على الْحَج وَكَانَ والياً على الْكُوفَة وقهر الْعَرَب من بني خفاجة فَبَعثه المقتدى أَمِيرا على الْحَاج فَوَقَعت الْفِتْنَة بَين الْعَسْكَر الْعِرَاقِيّ والمصري فَكسر الْمِنْبَر وأحرق ثمَّ عاود الْفِتْنَة سنة ثَلَاث وَسبعين وَقطعت الْخطْبَة عَن الْمُسْتَنْصر العبيدي وأعيدت للمقتدي العباسي واتصلت إِمَارَة ختلغ على الْحَاج وَبعده خمارتكين إِلَى أَن مَاتَ السُّلْطَان ملك شاه ووزيره نظام الْملك فَانْقَطَعت الْخطْبَة للعباسيين وَبَطل الْحَاج من الْعرَاق لاخْتِلَاف مُلُوك السلجوقية وتغلب الْعَرَب وَمَات الْمُقْتَدِي العباسي خَليفَة بَغْدَاد وبويع ابْنه المستظهر وَمَات الْمُسْتَنْصر العبيدي خَليفَة مصر وبويع ابْنه المستعلي وخطب لَهُ بِمَكَّة وَاسْتمرّ هَذَا مُحَمَّد بن جَعْفَر مُتَوَلِّيًا على مَكَّة إِلَى أَن مَاتَ سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ أول من أعَاد الْخطْبَة العباسية بِمَكَّة بعد أَن قطعت نَحْو مائتى سنة بِسَبَب اسْتِيلَاء العبيديين على مصر والحرمين وَذكر ابْن خلدون أَن مُدَّة إمارته على مَكَّة ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة أَلا أَنه خرج مِنْهَا هَارِبا من التركمان الَّذين استولوا عَلَيْهَا سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة قَالَ ابْن الْأَثِير قَالَ الْعَلامَة الفاسي وَهُوَ أول من أعَاد الْخطْبَة العباسية ونال بِسَبَب ذَلِك مَالا عَظِيما من السُّلْطَان ألب أرسلان السلجوقي فَإِنَّهُ خطب لَهُ بعد الْقَائِم العباسي ثمَّ كَانَ يخْطب لِابْنِ ابْنه عبد الله الملقب الْمُقْتَدِي العباسي حينا وحيناً للمستنصر العبيدي صَاحب مصر يقدم فِي ذَلِك من تكون صلته أعظم وَلَعَلَّ ذَلِك بِسَبَب إرْسَال التركمان إِلَيْهِ ثمَّ ولى بعده ابْنه الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن أبي هَاشم فَكثر اضطرابه ومهد بَنو زيد أَصْحَاب الْحلَّة طَرِيق الْحَاج من الْعرَاق فاتصل حجهم وَحج سنة ثِنْتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة نظر الْخَادِم من قبل المسترشد العباسي بركب الْعرَاق وأوصل الْخلْع وَالْأَمْوَال إِلَى مَكَّة وَأمن الِاضْطِرَاب الَّذِي وَقع فِي ولَايَته اسْتِيلَاء أصبهبذ بن سارتكين على مَكَّة فِي أَوَاخِر سنة سبع وَثَمَانِينَ فهرب مِنْهَا قَاسم بن مُحَمَّد الْمَذْكُور وَأقَام أصبهبذ بهَا إِلَى شَوَّال فَجمع قَاسم عسكراً وكبسوا
стр. 1855
أصبهبذ فَانْهَزَمَ إِلَى الشَّام وَدخل قَاسم مَكَّة ودامت ولَايَته عَلَيْهَا إِلَى أَن مَاتَ سنة ثَمَان عشرَة وَخَمْسمِائة وَمن شعر قَاسم يصف قومه قَوْله // (من الْكَامِل) //
(قَوْمِى إِذَا خَاضُوا العَجَاجَ حَسِبْتَهمْ ... لَيْلاً وخِلْتَ وُجُوهَهُمْ أَقْمَارَا)
(لَا يَبْخَلُونَ بِزَادِهم عَنْ جَارِهِمْ ... عَدَلَ الزَّمَانُ عَلَيْهِمُ أَوْ جَارَا)
(وإِذَا الصَّرِيخُ دَعَاهُمُ لِمُلِمَّةٍ ... بَذَلُوا النُّفُوسَ وفَارقُوا الأَعْمَارَا)
(وإِذَا زِنَادُ الَحْربِ أَذْكَتْ نَارَهَا ... قَدَحُوا بِأَطْرَافِ الأَسِنَّةِ نَارَا)
وَكَانَت مدَّته ثَلَاثِينَ سنة قَالَ ابْن خلدون ثمَّ ولى بعده ابْنه فليتة وَقيل أَبُو فليتة فَافْتتحَ بِالْخطْبَةِ العباسية وَحسن الثَّنَاء عَلَيْهِ بِالْعَدْلِ وَوصل نظر الْخَادِم أَمِيرا إِلَى مَكَّة على الْحَاج وَمَعَهُ الْأَمْوَال وَالْخلْع ثمَّ اسْتمرّ فليتة إِلَى أَن مَاتَ سنة سبع وَعشْرين وَخَمْسمِائة وَكَانَت مدَّته عشر سِنِين ثمَّ ولى بعده ابْنه هَاشم بن فليتة وَاسْتمرّ مُتَوَلِّيًا إِلَى أَن مَاتَ سنة تسع وَأَرْبَعين وَقيل إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ اثْنَان مُدَّة ولَايَته ثمَّ تولى بعده ابْنه قَاسم بن هَاشم بن فليتة وَالْخطْبَة للعباسيين وإمارة حَاج الْعرَاق لنظر الْخَادِم ثمَّ كَانَت فتْنَة المسترشد العباسي مَعَ السُّلْطَان مَسْعُود السلجوقي ومقتل المسترشد وتعطل ركب الْعرَاق ثمَّ حج نظر فِي السّنة بعْدهَا ثمَّ انْقَطع الركب الْعِرَاقِيّ للفتن والغلاء ثمَّ حج سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة نظر الْخَادِم وَمَات فِي طَرِيقه فولى مَكَانَهُ قيماز وَاعْتَرضهُ رعب من الْأَعْرَاب فنهب الركب واتصل حج قيماز ثمَّ صنع المقتفي الْخَلِيفَة العباسي بَابا للبيت مصفحاً أوصله نظر الْخَادِم إِلَى مَكَّة سنة ثِنْتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة وبويع المستنجد الْخَلِيفَة العباسي فَخَطب لَهُ قَاسم بن هَاشم الْأَمِير الْمَذْكُور كَمَا كَانَ يخْطب لِأَبِيهِ المقتفي ثمَّ قتل قَاسم سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة وبويع المستنجد قتلته الحشيشية يُقَال كَانَ ذَلِك بِإِشَارَة صَاحب مصر هُوَ يَوْمئِذٍ العاضد العبيدي والمتغلب عَلَيْهِ
стр. 1856
ثمَّ ولى بعده عَمه عِيسَى بن فليتة وَحج الْعرَاق مُتَّصِل وَتُوفِّي المستنجد الْخَلِيفَة العباسي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَبعث المتسضىء بن المستنجد بركب الْعرَاق طاشتكين التركي وَانْقَضَت دولة العبيديين ووليها صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَاسْتولى على مَكَّة واليمن وخطب لَهُ بالحرمين ثمَّ مَاتَ المستضيء العباسي سنة خمس وَسبعين وبويع ابْنه النَّاصِر العباسي وخطب لَهُ بالحرمين ودامت ولَايَة عِيسَى بن فليتة على مَكَّة نصف يَوْم لِأَنَّهُ دخل مَكَّة فِي يَوْم عَاشُورَاء سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَجرى بَينه وَبَين عَسْكَر أَخِيه عِيسَى فتْنَة إِلَى الزَّوَال ثمَّ خرج ثمَّ أصلحا بعد ذَلِك ثمَّ ولى بعده ابْنه دَاوُد بن عِيسَى وَاسْتمرّ إِلَى اللَّيْلَة النّصْف من رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين فعزل وَسبب عَزله أَن أم النَّاصِر الْخَلِيفَة العباسى حجت فِي زَمَنه ثمَّ أنهت إِلَى ابْنهَا النَّاصِر عَن دَاوُد مَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من أَحْوَاله فَعَزله لذَلِك ثمَّ ولى أَخُوهُ مكثر بن عِيسَى وَاسْتمرّ إِلَى موسم هَذِه السّنة ثمَّ عزل وَجرى بَينه وَبَين أَمِير الركب الْعِرَاقِيّ طاشتكين حَرْب شَدِيد فِي ذَلِك الْمَوْسِم كَانَ الظفر فِيهِ لطاشتكين وَذَلِكَ أَنه وصل الْخَبَر إِلَى مكثر أَن صُحْبَة الْحَاج الْعِرَاقِيّ عسكراً كثيرا وسلاحاً وعدداً وَأَن مَعَهم الْأَمِير قَاسم بن مهنا فَجمع مكثر الشرفاء وَالْعرب وَلم يحجّ من أهل مَكَّة أَلا الْقَلِيل وَلم يوف أَكثر الْحَاج الْمَنَاسِك وَلم يبيتوا بِمُزْدَلِفَة وَلم ينزلُوا بمنى وَلم يرموا وَإِنَّمَا رمى بَعضهم وَهُوَ سَائِر وَنزل الْحَاج يَوْم النَّحْر الأبطح فَخرج إِلَيْهِم نَاس من أهل مَكَّة فحاربوهم فِي بَقِيَّة يَوْم النَّحْر وَالْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث فَاشْتَدَّ الْقِتَال على أهل مَكَّة وَقتل من الْفَرِيقَيْنِ جمَاعَة ثمَّ هاجموا مَكَّة على مكثر فَصَعدَ إِلَى الْحصن الَّذِي بناه بأبى قبيس فَصَعِدُوا وَرَاءه فَتَركه وَسَار عَن مَكَّة فَدَخَلُوهَا وَأمر أَمِير الْحَاج بهدم الْحصن وَنهب غَالب بيُوت مَكَّة وأحرق دوراً كَثِيرَة وَمن عَجِيب مَا جرى أَن إنْسَانا زراقاً ضرب دَارا بقارورة نفط فأحرقها وَكَانَت لأيتام فَاحْتَرَقَ مَا فِيهَا ثمَّ أَخذ قَارُورَة أُخْرَى ليضْرب بهَا مَكَانا اَخر فَأَتَاهُ حجر فَأصَاب القارورة فَكَسرهَا فَاحْتَرَقَ هُوَ بهَا وَبَقِي ثَلَاثَة أَيَّام يعذب بالحريق ثمَّ مَاتَ
стр. 1857
وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة سنة إِحْدَى وَسبعين وَخَمْسمِائة الْمَذْكُورَة وتسلمت مَكَّة إِلَى الْأَمِير قَاسم بن مهنا الْحُسَيْنِي أَمِير الْمَدِينَة وَكَانَ وصل صُحْبَة الْحَاج الْعِرَاقِيّ كَمَا سبق خَبره إِلَى مكثر لِأَنَّهُ سَافر إِلَى الْعرَاق فوليها الْأَمِير قَاسم بن مهنا الْمَذْكُور بعد انهزام مكثر فَأَقَامَ مُتَوَلِّيًا ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ رأى من نَفسه الْعَجز عَن الْقيام بإمرة مَكَّة فاستعفى فَأَعَادَ الْأَمِير طاشتكين أَمِير الْحَاج الْمَذْكُور دَاوُد بن عِيسَى إِلَى إِمَارَة مَكَّة وَشرط عَلَيْهِ شُرُوطًا فِي ترك المكوس وَالْعدْل بَين الرعايا وَلم تعلم ولَايَة دَاوُد هَذِه إِلَى مَتى استمرت غير أَنه يتداول هُوَ وَأَخُوهُ مكثر إمرة مَكَّة ثمَّ انْفَرد بهَا مكثر عشر سنوات مُتَوَالِيَات آخرهَا سنة ٥٩٧ سبع بِتَقْدِيم السِّين وَتِسْعين بِتَقْدِيم التَّاء وَخَمْسمِائة غير أَن فِي ولَايَته أَو فِي ولَايَة أَخِيه دَاوُد على الشَّك كَانَ مِمَّن ولي مَكَّة سيف الْإِسْلَام طغتكين بن أَيُّوب أَخُو السُّلْطَان صَلَاح الدّين بن يُوسُف بن أَيُّوب وَذَلِكَ سنة ٥٨١ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة لِأَنَّهُ قدم مَكَّة فِي هَذِه السّنة وَمنع الْأَذَان بحي على خير الْعَمَل وَقتل جمَاعَة من العبيديين المفسدين وَضرب السِّكَّة الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير باسم أَخِيه السُّلْطَان صَلَاح الدّين بن يُوسُف بن أَيُّوب وفر مِنْهُ أَمِير مَكَّة مكثر أَو أَخُوهُ دَاوُد على الشَّك قلت ذكر الْعَلامَة ابْن جُبَير فِي رحلته أَنه رأى سيف الْإِسْلَام طغتكين الْمَذْكُور دَاخِلا إِلَى الْحرم الشريف قَالَ وشاهدته وَعَن يَمِينه مكثر وَعَن يسَاره قَاضِي الشَّرْع الشريف وَرَأَيْت مكثراً لابساً ثوبا أَبيض وعمامة من صوف أَبيض فَطَافَ بِالْبَيْتِ والريس يَدْعُو لَهُ إِذا أقبل من الرُّكْن الْيَمَانِيّ حَتَّى يُجَاوز مصلى جِبْرِيل موليا ثمَّ يسكت ثمَّ يَدْعُو إِذا أقبل من الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَهَكَذَا فِي كل شوط فَلَمَّا فرغ من صلَاته فرش لَهُ خلف مقَام الْخَلِيل شقة من كتَّان فصلى عَلَيْهَا سنة الطّواف فاتضح بِمَا ذكره ابْن جُبَير أَن الفار هُوَ دَاوُد لَا مكثر فَانْتفى الشَّك الَّذِي ذكره ابْن جَار فِي تَارِيخه وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخَمْسمِائة أسقط السُّلْطَان صَلَاح الدّين المكس عَن الْحجَّاج إِلَى مَكَّة فِي الْبَحْر على طَرِيق عيذاب لِأَنَّهُ كَانَ الرَّسْم بِمَكَّة أَن يُؤْخَذ من حجاج الْمغرب على عدد الرُّءُوس مَا ينْسب إِلَى الضرائب والمكوس وَمن دخل مِنْهُم وَلم يفعل بِهِ ذَلِك حبس حَتَّى يفوتهُ الْوُقُوف بِعَرَفَة وَلَو كَانَ فَقِيرا لَا يملك
стр. 1858
شَيْئا فَرَأى السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِسْقَاط ذَلِك وَأَن يعرض عَنهُ أَمِير مَكَّة فقرر مَعَه أَنه يحمل إِلَيْهِ كل عَام ألفي دِينَار وَثَمَانِية آلَاف أردب قَمح إِلَى سَاحل جدة ووقف على ذَلِك أوقافاً وخلدها فانبسطت لذَلِك النُّفُوس وَزَاد السرُور وَزَالَ الْبُؤْس وَصَارَ يُرْسل الإنعام للمجاورين بالحرمين من الْعلمَاء والفقراء ومدحه الْعَلامَة ابْن جُبَير بقصيدة أَولهَا // (من المتقارب) //
(رَفَعْتَ مَغَارِمَ مَكْسِ الحِجَازِ ... بإنْعَامِكَ الشَّامِلِ الكَافِلِ)
ثمَّ ذكر ابْن جُبَير شَيْئا من أَخْبَار هَذَا المكس فَقَالَ إِنَّه كَانَ يُؤْخَذ من كل إِنْسَان سَبْعَة دَنَانِير مصرية وَنصف فَإِن عجز عَن ذَلِك عُوقِبَ بأنواع الْعَذَاب الْأَلِيم من تَعْلِيقه بالخصيتين وَغير ذَلِك وَكَانَت هَذِه البلية فِي مُدَّة دولة العبيديين المتخلفين بِمصْر جعلوها مَعْلُوما لأمير مَكَّة فأزالها الله تَعَالَى بعد أَن أزالهم على يَد السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَعوض أَمِير مَكَّة مَا تقدم ذكره وَضعف أَمر الهواشم وَكَانَ مكثر هُوَ آخِرهم وَكَانَ أَبُو عَزِيز قَتَادَة يناسبهم من جِهَة النِّسَاء فورث أَمرهم وَملك مَكَّة من أَيْديهم وطردهم عَنْهَا بِالسَّيْفِ وَأما مَا يسمع على الأفواه من أَن الشريف قَتَادَة إِنَّمَا دخل مَكَّة سَابِع عشر رَجَب فِي عمْرَة ابْن الزبير الَّتِي يخرج فِيهَا كل أهل مَكَّة رفيع ووضيع فَلم أطلع على أصل فِي ذَلِك وانقرضت دولتهم والبقاء لله وَحده لَا شريك لَهُ فِي ملكه
(ذكر بني قَتَادَة أُمَرَاء مَكَّة بعد الهواشم إِلَى وقتنا هَذَا)
كَانَ من ولد مُوسَى الجون الَّذين مر ذكرهم فِي بني حسن عبد الله أَبُو الْكَرم وَكَانَ لَهُ على مَا نقل نسابتهم ثَلَاثَة من الْوَلَد سُلَيْمَان وَزيد وَأحمد وَمِنْه تشعب وَلَده فَأَما زيد فولده الْيَوْم بالصفراء بنهر الحسنية وَأما أَحْمد فولده بالدهناء وَأما سُلَيْمَان فَكَانَ وَلَده مطاعن بن عبد الْكَرِيم بن مُوسَى بن عِيسَى بن سُلَيْمَان بن عبد الله أبي الْكَرم وَكَانَ لمطاعن إِدْرِيس وثعلب فالثعلبية شعب بالحجار وَكَانَ لإدريس ابْنَانِ قَتَادَة النَّابِغَة وصرخة
стр. 1859
فَأَما صرخة فولده بينبع يعْرفُونَ بالشكرة وَأما قَتَادَة النَّابِغَة فَكَانَ يكنى أَبَا عَزِيز وَكَانَ من وَلَده عَليّ الْأَكْبَر وشقيقه حسن فَمن ولد حسن إِدْرِيس وَأحمد وَمُحَمّد وجماز وإمارة يَنْبع فِي أَعْقَابهم حَتَّى الْآن فيرجعون إِلَى إِدْرِيس بن حسن بن إِدْرِيس وَأما أَبُو عَزِيز قَتَادَة فَمن وَلَده بَنو أبي نمي أُمَرَاء مَكَّة لهَذَا الْعَهْد وَكَانَ بَنو الْحسن بن الْحسن كلهم متوطنين بنهر العلقمية من وَادي يَنْبع لعهد إِمَارَة الهواشم وَكَانُوا ظواعن بادية وَلما نَشأ فيهم قَتَادَة هَذَا جمع قومه ذَوي مطاعن وأركبهم الْخُيُول واستبد بإمارتهم وَكَانَ بوادي يَنْبع بَنو حراب من ولد عبد الله بن الْحسن بن الْحسن وَكَانَ بهَا بَنو عِيسَى بن سُلَيْمَان بن مُوسَى الجون فحاربهم بَنو مطاعن هَؤُلَاءِ وأميرهم أَبُو عَزِيز قَتَادَة فَأخْرجهُمْ وَملك يَنْبع والصفراء واستكثر من الْجند والمماليك ثمَّ استألف بني مُحَمَّد وَبني إِبْرَاهِيم وَسَار إِلَى مَكَّة فانتزعها من أيدى الهواشم وخطب للناصر العباسي كَذَا فِي تَارِيخ الْعَلامَة ابْن خلدون فوليها الشريف قَتَادَة وَهُوَ أول من وَليهَا من هَذَا الْفَخْذ الشريف قَالَ فِي الْوَسِيلَة وَسبب طمعه فِي ملك مَكَّة مَا بلغه من انهماك ولاتها الهواشم على اللَّهْو وتبسطهم فِي الظُّلم وإعراضهم عَن صونها مِمَّن يريدها بِسوء اغْتِرَارًا مِنْهُم بِمَا هم فِيهِ من الْعِزّ وَالسيف لمن عارضهم فِي مُرَادهم وَإِن كَانَ ظلما فتوحش عَلَيْهِم بذلك خواطر جمَاعَة من قوادهم وَلما عرف قَتَادَة ذَلِك مِنْهُم استمالهم إِلَيْهِ وسألهم المساعدة على مَا يرومه عَن الِاسْتِيلَاء على مَكَّة وَبَعثه على الْمسير إِلَيْهَا أَن بعض النَّاس فزع إِلَيْهِ مستغيثاً بِهِ فِي ظلامة ظلمها فوعده بالنصر وَتوجه إِلَى مَكَّة فِي جمَاعَة من قومه فَمَا شعر أهل مَكَّة أَلا وَهُوَ مَعَهم بهَا وولاتهم على مَا هم فِيهِ من اللَّهْو والانهماك فَلم تكن لَهُم بمقاومته طَاقَة فملكها
стр. 1860
وَقيل إِنَّه لم يَأْتِ إِلَيْهَا بِنَفسِهِ فِي ابْتِدَاء ملكه وَإِنَّمَا أرسل إِلَيْهَا ابْنه حَنْظَلَة فملكها لَهُ وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بِتَقْدِيم التَّاء فِي اللفظتين وَخرج مِنْهَا مكثر بن عِيسَى إِلَى وَادي نَخْلَة وَفِي سنة سِتّمائَة مَاتَ مكثر بنخلة وَجَاء ولد مُحَمَّد بن مكثر وَقَاتل حَنْظَلَة بن قَتَادَة عِنْد المتكا وَلم يحصل لمُحَمد ظفر وتمت الْبِلَاد لِقَتَادَة ذكر ذَلِك ابْن مَحْفُوظ وَابْن فَهد فِي إتحاف الورى بأخبار أم الْقرى قَالَ صَاحب عُمْدَة الطَّالِب فِي مَنَاقِب آل أبي طَالب وَهُوَ الْعَلامَة السَّيِّد النسيب والشريف الحسيب أَبُو جَعْفَر شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ بن مهنا الدَّاودِيّ الموسوي كَانَ قَتَادَة جباراً فتاكاً فِيهِ قسوة وتشدد وحزم وَكَانَ الْخَلِيفَة فِي زَمَانه النَّاصِر العباسي فاستدعى النَّاصِر الشريف قَتَادَة إِلَى بَغْدَاد ووعده ومناه فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَسَار إِلَى أَن وصل إِلَى الْعرَاق ثمَّ إِلَى المشهد الغروي فَخرج أهل بَغْدَاد لتلقيه وَكَانَ مِمَّن خرج فِي غمار النَّاس رجل درويش مَعَه أَسد مسلسل فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ الشريف قَتَادَة تطير وَقَالَ مالى ولبلد تذل فِيهَا الْأسود فَرجع من فوره إِلَى الْحجاز وَكتب إِلَى الْخَلِيفَة العباسي بقوله // (من الطَّوِيل) //
(بِلَادِى وَلَوْ جَارَتْ عليَّ مُرِيفَةٌ ... وَلَوْ أَنَّنِى أَعْرَى بِهَا وأَجُوعُ)
(وَلِى كَفُّ ضِرْغَام إِذَا مَا بَسَطْتُهَا ... بِهَا أَشْتَرِى يَوْمَ الوَغَى وأَبِيعُ)
(مُعَوّدَة لَثْمَ المُلُوكِ لِطُهْرِهَا ... وَفِى بَطْنِها للمُجْدِبِينَ رَبِيعُ)
(أَأَتْرُكُهَا تَحْتَ الرِّهَانِ وأَبْتَغِي ... بِهَا بَدَلاً إِنِّى إِذَنْ لَرَقِيعُ)
(ومَا أَنَا إِلَاّ المِسكُ فِي غَيْرِ أَرْضِكُمْ ... أَضُوعُ وَأَمَّا عِنْدَكُمْ فَأَضِيعُ)
فَلَمَّا وقف النَّاصِر العباسي على هَذِه الأبيات استشاط غَضبا وامتلأ حنقاً وحرباً وَكتب إِلَى الشريف قَتَادَة كتابا يَقُول فِيهِ أما بعد فَإِذا نزع الشتَاء جلبابه وَلبس الرّبيع أثوابه قاتلناكم بِجُنُود لَا قبل لكم بهَا ولنخرجنكم مِنْهَا أَذِلَّة وَأَنْتُم صاغرون فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب الشريف قَتَادَة ارتاع لذَلِك أَشد ارتياع وَأرْسل إِلَى بني عَمه بني الْحُسَيْن بِالْمَدِينَةِ يستنجدهم ويسألهم المعونة وَصدر الْكتاب بقوله // (من الطَّوِيل) //
(بَنِى عَمِّنَا مِنْ آلِ موسَى وَجَعْفَرٍ ... وآلِ حُسَيْنٍ كَيْفَ صَبْرُكُمُ عَنَّا)
следующие страницы →