Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
ثمَّ ولى بعده عَمه عِيسَى بن فليتة وَحج الْعرَاق مُتَّصِل وَتُوفِّي المستنجد الْخَلِيفَة العباسي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَبعث المتسضىء بن المستنجد بركب الْعرَاق طاشتكين التركي وَانْقَضَت دولة العبيديين ووليها صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَاسْتولى على مَكَّة واليمن وخطب لَهُ بالحرمين ثمَّ مَاتَ المستضيء العباسي سنة خمس وَسبعين وبويع ابْنه النَّاصِر العباسي وخطب لَهُ بالحرمين ودامت ولَايَة عِيسَى بن فليتة على مَكَّة نصف يَوْم لِأَنَّهُ دخل مَكَّة فِي يَوْم عَاشُورَاء سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَجرى بَينه وَبَين عَسْكَر أَخِيه عِيسَى فتْنَة إِلَى الزَّوَال ثمَّ خرج ثمَّ أصلحا بعد ذَلِك ثمَّ ولى بعده ابْنه دَاوُد بن عِيسَى وَاسْتمرّ إِلَى اللَّيْلَة النّصْف من رَجَب سنة إِحْدَى وَسبعين فعزل وَسبب عَزله أَن أم النَّاصِر الْخَلِيفَة العباسى حجت فِي زَمَنه ثمَّ أنهت إِلَى ابْنهَا النَّاصِر عَن دَاوُد مَا اطَّلَعت عَلَيْهِ من أَحْوَاله فَعَزله لذَلِك ثمَّ ولى أَخُوهُ مكثر بن عِيسَى وَاسْتمرّ إِلَى موسم هَذِه السّنة ثمَّ عزل وَجرى بَينه وَبَين أَمِير الركب الْعِرَاقِيّ طاشتكين حَرْب شَدِيد فِي ذَلِك الْمَوْسِم كَانَ الظفر فِيهِ لطاشتكين وَذَلِكَ أَنه وصل الْخَبَر إِلَى مكثر أَن صُحْبَة الْحَاج الْعِرَاقِيّ عسكراً كثيرا وسلاحاً وعدداً وَأَن مَعَهم الْأَمِير قَاسم بن مهنا فَجمع مكثر الشرفاء وَالْعرب وَلم يحجّ من أهل مَكَّة أَلا الْقَلِيل وَلم يوف أَكثر الْحَاج الْمَنَاسِك وَلم يبيتوا بِمُزْدَلِفَة وَلم ينزلُوا بمنى وَلم يرموا وَإِنَّمَا رمى بَعضهم وَهُوَ سَائِر وَنزل الْحَاج يَوْم النَّحْر الأبطح فَخرج إِلَيْهِم نَاس من أهل مَكَّة فحاربوهم فِي بَقِيَّة يَوْم النَّحْر وَالْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث فَاشْتَدَّ الْقِتَال على أهل مَكَّة وَقتل من الْفَرِيقَيْنِ جمَاعَة ثمَّ هاجموا مَكَّة على مكثر فَصَعدَ إِلَى الْحصن الَّذِي بناه بأبى قبيس فَصَعِدُوا وَرَاءه فَتَركه وَسَار عَن مَكَّة فَدَخَلُوهَا وَأمر أَمِير الْحَاج بهدم الْحصن وَنهب غَالب بيُوت مَكَّة وأحرق دوراً كَثِيرَة وَمن عَجِيب مَا جرى أَن إنْسَانا زراقاً ضرب دَارا بقارورة نفط فأحرقها وَكَانَت لأيتام فَاحْتَرَقَ مَا فِيهَا ثمَّ أَخذ قَارُورَة أُخْرَى ليضْرب بهَا مَكَانا اَخر فَأَتَاهُ حجر فَأصَاب القارورة فَكَسرهَا فَاحْتَرَقَ هُوَ بهَا وَبَقِي ثَلَاثَة أَيَّام يعذب بالحريق ثمَّ مَاتَ
стр. 1857
وَكَانَت هَذِه الْوَاقِعَة سنة إِحْدَى وَسبعين وَخَمْسمِائة الْمَذْكُورَة وتسلمت مَكَّة إِلَى الْأَمِير قَاسم بن مهنا الْحُسَيْنِي أَمِير الْمَدِينَة وَكَانَ وصل صُحْبَة الْحَاج الْعِرَاقِيّ كَمَا سبق خَبره إِلَى مكثر لِأَنَّهُ سَافر إِلَى الْعرَاق فوليها الْأَمِير قَاسم بن مهنا الْمَذْكُور بعد انهزام مكثر فَأَقَامَ مُتَوَلِّيًا ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ رأى من نَفسه الْعَجز عَن الْقيام بإمرة مَكَّة فاستعفى فَأَعَادَ الْأَمِير طاشتكين أَمِير الْحَاج الْمَذْكُور دَاوُد بن عِيسَى إِلَى إِمَارَة مَكَّة وَشرط عَلَيْهِ شُرُوطًا فِي ترك المكوس وَالْعدْل بَين الرعايا وَلم تعلم ولَايَة دَاوُد هَذِه إِلَى مَتى استمرت غير أَنه يتداول هُوَ وَأَخُوهُ مكثر إمرة مَكَّة ثمَّ انْفَرد بهَا مكثر عشر سنوات مُتَوَالِيَات آخرهَا سنة ٥٩٧ سبع بِتَقْدِيم السِّين وَتِسْعين بِتَقْدِيم التَّاء وَخَمْسمِائة غير أَن فِي ولَايَته أَو فِي ولَايَة أَخِيه دَاوُد على الشَّك كَانَ مِمَّن ولي مَكَّة سيف الْإِسْلَام طغتكين بن أَيُّوب أَخُو السُّلْطَان صَلَاح الدّين بن يُوسُف بن أَيُّوب وَذَلِكَ سنة ٥٨١ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة لِأَنَّهُ قدم مَكَّة فِي هَذِه السّنة وَمنع الْأَذَان بحي على خير الْعَمَل وَقتل جمَاعَة من العبيديين المفسدين وَضرب السِّكَّة الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير باسم أَخِيه السُّلْطَان صَلَاح الدّين بن يُوسُف بن أَيُّوب وفر مِنْهُ أَمِير مَكَّة مكثر أَو أَخُوهُ دَاوُد على الشَّك قلت ذكر الْعَلامَة ابْن جُبَير فِي رحلته أَنه رأى سيف الْإِسْلَام طغتكين الْمَذْكُور دَاخِلا إِلَى الْحرم الشريف قَالَ وشاهدته وَعَن يَمِينه مكثر وَعَن يسَاره قَاضِي الشَّرْع الشريف وَرَأَيْت مكثراً لابساً ثوبا أَبيض وعمامة من صوف أَبيض فَطَافَ بِالْبَيْتِ والريس يَدْعُو لَهُ إِذا أقبل من الرُّكْن الْيَمَانِيّ حَتَّى يُجَاوز مصلى جِبْرِيل موليا ثمَّ يسكت ثمَّ يَدْعُو إِذا أقبل من الرُّكْن الْيَمَانِيّ وَهَكَذَا فِي كل شوط فَلَمَّا فرغ من صلَاته فرش لَهُ خلف مقَام الْخَلِيل شقة من كتَّان فصلى عَلَيْهَا سنة الطّواف فاتضح بِمَا ذكره ابْن جُبَير أَن الفار هُوَ دَاوُد لَا مكثر فَانْتفى الشَّك الَّذِي ذكره ابْن جَار فِي تَارِيخه وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَخَمْسمِائة أسقط السُّلْطَان صَلَاح الدّين المكس عَن الْحجَّاج إِلَى مَكَّة فِي الْبَحْر على طَرِيق عيذاب لِأَنَّهُ كَانَ الرَّسْم بِمَكَّة أَن يُؤْخَذ من حجاج الْمغرب على عدد الرُّءُوس مَا ينْسب إِلَى الضرائب والمكوس وَمن دخل مِنْهُم وَلم يفعل بِهِ ذَلِك حبس حَتَّى يفوتهُ الْوُقُوف بِعَرَفَة وَلَو كَانَ فَقِيرا لَا يملك
стр. 1858
شَيْئا فَرَأى السُّلْطَان صَلَاح الدّين إِسْقَاط ذَلِك وَأَن يعرض عَنهُ أَمِير مَكَّة فقرر مَعَه أَنه يحمل إِلَيْهِ كل عَام ألفي دِينَار وَثَمَانِية آلَاف أردب قَمح إِلَى سَاحل جدة ووقف على ذَلِك أوقافاً وخلدها فانبسطت لذَلِك النُّفُوس وَزَاد السرُور وَزَالَ الْبُؤْس وَصَارَ يُرْسل الإنعام للمجاورين بالحرمين من الْعلمَاء والفقراء ومدحه الْعَلامَة ابْن جُبَير بقصيدة أَولهَا // (من المتقارب) //
(رَفَعْتَ مَغَارِمَ مَكْسِ الحِجَازِ ... بإنْعَامِكَ الشَّامِلِ الكَافِلِ)
ثمَّ ذكر ابْن جُبَير شَيْئا من أَخْبَار هَذَا المكس فَقَالَ إِنَّه كَانَ يُؤْخَذ من كل إِنْسَان سَبْعَة دَنَانِير مصرية وَنصف فَإِن عجز عَن ذَلِك عُوقِبَ بأنواع الْعَذَاب الْأَلِيم من تَعْلِيقه بالخصيتين وَغير ذَلِك وَكَانَت هَذِه البلية فِي مُدَّة دولة العبيديين المتخلفين بِمصْر جعلوها مَعْلُوما لأمير مَكَّة فأزالها الله تَعَالَى بعد أَن أزالهم على يَد السُّلْطَان صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَعوض أَمِير مَكَّة مَا تقدم ذكره وَضعف أَمر الهواشم وَكَانَ مكثر هُوَ آخِرهم وَكَانَ أَبُو عَزِيز قَتَادَة يناسبهم من جِهَة النِّسَاء فورث أَمرهم وَملك مَكَّة من أَيْديهم وطردهم عَنْهَا بِالسَّيْفِ وَأما مَا يسمع على الأفواه من أَن الشريف قَتَادَة إِنَّمَا دخل مَكَّة سَابِع عشر رَجَب فِي عمْرَة ابْن الزبير الَّتِي يخرج فِيهَا كل أهل مَكَّة رفيع ووضيع فَلم أطلع على أصل فِي ذَلِك وانقرضت دولتهم والبقاء لله وَحده لَا شريك لَهُ فِي ملكه
(ذكر بني قَتَادَة أُمَرَاء مَكَّة بعد الهواشم إِلَى وقتنا هَذَا)
كَانَ من ولد مُوسَى الجون الَّذين مر ذكرهم فِي بني حسن عبد الله أَبُو الْكَرم وَكَانَ لَهُ على مَا نقل نسابتهم ثَلَاثَة من الْوَلَد سُلَيْمَان وَزيد وَأحمد وَمِنْه تشعب وَلَده فَأَما زيد فولده الْيَوْم بالصفراء بنهر الحسنية وَأما أَحْمد فولده بالدهناء وَأما سُلَيْمَان فَكَانَ وَلَده مطاعن بن عبد الْكَرِيم بن مُوسَى بن عِيسَى بن سُلَيْمَان بن عبد الله أبي الْكَرم وَكَانَ لمطاعن إِدْرِيس وثعلب فالثعلبية شعب بالحجار وَكَانَ لإدريس ابْنَانِ قَتَادَة النَّابِغَة وصرخة
стр. 1859
فَأَما صرخة فولده بينبع يعْرفُونَ بالشكرة وَأما قَتَادَة النَّابِغَة فَكَانَ يكنى أَبَا عَزِيز وَكَانَ من وَلَده عَليّ الْأَكْبَر وشقيقه حسن فَمن ولد حسن إِدْرِيس وَأحمد وَمُحَمّد وجماز وإمارة يَنْبع فِي أَعْقَابهم حَتَّى الْآن فيرجعون إِلَى إِدْرِيس بن حسن بن إِدْرِيس وَأما أَبُو عَزِيز قَتَادَة فَمن وَلَده بَنو أبي نمي أُمَرَاء مَكَّة لهَذَا الْعَهْد وَكَانَ بَنو الْحسن بن الْحسن كلهم متوطنين بنهر العلقمية من وَادي يَنْبع لعهد إِمَارَة الهواشم وَكَانُوا ظواعن بادية وَلما نَشأ فيهم قَتَادَة هَذَا جمع قومه ذَوي مطاعن وأركبهم الْخُيُول واستبد بإمارتهم وَكَانَ بوادي يَنْبع بَنو حراب من ولد عبد الله بن الْحسن بن الْحسن وَكَانَ بهَا بَنو عِيسَى بن سُلَيْمَان بن مُوسَى الجون فحاربهم بَنو مطاعن هَؤُلَاءِ وأميرهم أَبُو عَزِيز قَتَادَة فَأخْرجهُمْ وَملك يَنْبع والصفراء واستكثر من الْجند والمماليك ثمَّ استألف بني مُحَمَّد وَبني إِبْرَاهِيم وَسَار إِلَى مَكَّة فانتزعها من أيدى الهواشم وخطب للناصر العباسي كَذَا فِي تَارِيخ الْعَلامَة ابْن خلدون فوليها الشريف قَتَادَة وَهُوَ أول من وَليهَا من هَذَا الْفَخْذ الشريف قَالَ فِي الْوَسِيلَة وَسبب طمعه فِي ملك مَكَّة مَا بلغه من انهماك ولاتها الهواشم على اللَّهْو وتبسطهم فِي الظُّلم وإعراضهم عَن صونها مِمَّن يريدها بِسوء اغْتِرَارًا مِنْهُم بِمَا هم فِيهِ من الْعِزّ وَالسيف لمن عارضهم فِي مُرَادهم وَإِن كَانَ ظلما فتوحش عَلَيْهِم بذلك خواطر جمَاعَة من قوادهم وَلما عرف قَتَادَة ذَلِك مِنْهُم استمالهم إِلَيْهِ وسألهم المساعدة على مَا يرومه عَن الِاسْتِيلَاء على مَكَّة وَبَعثه على الْمسير إِلَيْهَا أَن بعض النَّاس فزع إِلَيْهِ مستغيثاً بِهِ فِي ظلامة ظلمها فوعده بالنصر وَتوجه إِلَى مَكَّة فِي جمَاعَة من قومه فَمَا شعر أهل مَكَّة أَلا وَهُوَ مَعَهم بهَا وولاتهم على مَا هم فِيهِ من اللَّهْو والانهماك فَلم تكن لَهُم بمقاومته طَاقَة فملكها
стр. 1860
وَقيل إِنَّه لم يَأْتِ إِلَيْهَا بِنَفسِهِ فِي ابْتِدَاء ملكه وَإِنَّمَا أرسل إِلَيْهَا ابْنه حَنْظَلَة فملكها لَهُ وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بِتَقْدِيم التَّاء فِي اللفظتين وَخرج مِنْهَا مكثر بن عِيسَى إِلَى وَادي نَخْلَة وَفِي سنة سِتّمائَة مَاتَ مكثر بنخلة وَجَاء ولد مُحَمَّد بن مكثر وَقَاتل حَنْظَلَة بن قَتَادَة عِنْد المتكا وَلم يحصل لمُحَمد ظفر وتمت الْبِلَاد لِقَتَادَة ذكر ذَلِك ابْن مَحْفُوظ وَابْن فَهد فِي إتحاف الورى بأخبار أم الْقرى قَالَ صَاحب عُمْدَة الطَّالِب فِي مَنَاقِب آل أبي طَالب وَهُوَ الْعَلامَة السَّيِّد النسيب والشريف الحسيب أَبُو جَعْفَر شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ بن مهنا الدَّاودِيّ الموسوي كَانَ قَتَادَة جباراً فتاكاً فِيهِ قسوة وتشدد وحزم وَكَانَ الْخَلِيفَة فِي زَمَانه النَّاصِر العباسي فاستدعى النَّاصِر الشريف قَتَادَة إِلَى بَغْدَاد ووعده ومناه فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَسَار إِلَى أَن وصل إِلَى الْعرَاق ثمَّ إِلَى المشهد الغروي فَخرج أهل بَغْدَاد لتلقيه وَكَانَ مِمَّن خرج فِي غمار النَّاس رجل درويش مَعَه أَسد مسلسل فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ الشريف قَتَادَة تطير وَقَالَ مالى ولبلد تذل فِيهَا الْأسود فَرجع من فوره إِلَى الْحجاز وَكتب إِلَى الْخَلِيفَة العباسي بقوله // (من الطَّوِيل) //
(بِلَادِى وَلَوْ جَارَتْ عليَّ مُرِيفَةٌ ... وَلَوْ أَنَّنِى أَعْرَى بِهَا وأَجُوعُ)
(وَلِى كَفُّ ضِرْغَام إِذَا مَا بَسَطْتُهَا ... بِهَا أَشْتَرِى يَوْمَ الوَغَى وأَبِيعُ)
(مُعَوّدَة لَثْمَ المُلُوكِ لِطُهْرِهَا ... وَفِى بَطْنِها للمُجْدِبِينَ رَبِيعُ)
(أَأَتْرُكُهَا تَحْتَ الرِّهَانِ وأَبْتَغِي ... بِهَا بَدَلاً إِنِّى إِذَنْ لَرَقِيعُ)
(ومَا أَنَا إِلَاّ المِسكُ فِي غَيْرِ أَرْضِكُمْ ... أَضُوعُ وَأَمَّا عِنْدَكُمْ فَأَضِيعُ)
فَلَمَّا وقف النَّاصِر العباسي على هَذِه الأبيات استشاط غَضبا وامتلأ حنقاً وحرباً وَكتب إِلَى الشريف قَتَادَة كتابا يَقُول فِيهِ أما بعد فَإِذا نزع الشتَاء جلبابه وَلبس الرّبيع أثوابه قاتلناكم بِجُنُود لَا قبل لكم بهَا ولنخرجنكم مِنْهَا أَذِلَّة وَأَنْتُم صاغرون فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب الشريف قَتَادَة ارتاع لذَلِك أَشد ارتياع وَأرْسل إِلَى بني عَمه بني الْحُسَيْن بِالْمَدِينَةِ يستنجدهم ويسألهم المعونة وَصدر الْكتاب بقوله // (من الطَّوِيل) //
(بَنِى عَمِّنَا مِنْ آلِ موسَى وَجَعْفَرٍ ... وآلِ حُسَيْنٍ كَيْفَ صَبْرُكُمُ عَنَّا)
стр. 1861
(بَنِى عَمِّنَا إِنَّا كَأَفْنَاِن دوْحَةٍ ... فَلَا تَتْركُونَا يَتَّخِذْنَا الفَنَا فَنَّا)
(إِذَا مَا أَخٌ خَلَّى أَخَاهُ لآكِلٍ ... بَدَا بِأَخِيهِ الأَكْل ثُمَّ بِذَا ثَنَّى)
فَأَتَتْهُ مِنْهُم رجال النجدة ذَوُو الْعدَد وَالْعدة فَلَمَّا أَقبلت تِلْكَ الكتيبة الناصرية كسرهَا وبدد شملها وقهرها فَلَمَّا بلغ ذَلِك النَّاصِر العباسي والى عَلَيْهِ الإنعامات الْكَامِلَة وأقطعه الإقطاعات الهائلة وَذكر ابْن الْأَثِير فِي سنة إِحْدَى وسِتمِائَة كَانَ الْحَرْب بَين قَتَادَة الشريف أَمِير مَكَّة وَبَين الْأَمِير سَالم بن قَاسم الْحُسَيْنِي أَمِير الْمَدِينَة وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا جمع كثير وَفِي ذَلِك يَقُول الشريف قَتَادَة // (من الطَّوِيل) //
(مَصَارِعَ آلِ الُمصْطفَى عُدْتِ مثلَ مَا ... بَدَأْتِ وَلَكِنْ صِرْتِ بَيْنَ الأَقَاِربِ)
فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا وَكَانَ الْحَرْب بِذِي الحليفة وَقد كَانَ قَتَادَة قصد الْمَدِينَة ليحصرها ويأخذها فحصرها مُدَّة مَعْلُومَة فَلَقِيَهُ سَالم بعد أَن قصد الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَصلى عِنْدهَا ودعا وَسَار إِلَى قتال قَتَادَة فَانْهَزَمَ قَتَادَة وَتَبعهُ سَالم إِلَى مَكَّة وحصرها وَأرْسل إِلَى قَتَادَة يَقُول بعد أَن حصرها الْمدَّة الْمَعْلُومَة حصر بحصر يَا ابْن عَم فَأرْسل قَتَادَة إِلَى من مَعَ سَالم فأفسدهم عَلَيْهِ فمالوا مَعَه فَلَمَّا علم بذلك سَالم رَحل عَنهُ عَائِدًا إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ إِن قَتَادَة خرج لِحَرْب ثَقِيف فَتَحَصَّنُوا فَلم يقدر عَلَيْهِم فآمنهم وَحلف فَحَضَرُوا عِنْده فَقتل مِنْهُم طَائِفَة من أكابرهم واستخلف على بِلَادهمْ نواباً من عِنْده وعضدهم بعبيد لَهُ فَلم يبْق لأهل الطَّائِف مَعَهم كلمة وَلَا حُرْمَة فَعِنْدَ ذَلِك اجْتمع أهل الطَّائِف ودفنوا سيوفهم فِي الرمل وَذَلِكَ فِي الْمجَالِس الَّتِي جرت عَادَتهم بِالْجُلُوسِ فِيهَا مَعَ أَصْحَاب قَتَادَة واستدعوا أَصْحَاب قَتَادَة وأوهموهم أَن ذَلِك بِسَبَب كتاب ورد عَلَيْهِم فَلَمَّا اجْتَمعُوا أخرجُوا سيوفهم وَقتلُوا أَصْحَاب قَتَادَة عَن آخِرهم وَلم يسلم مِنْهُم أَلا وَاحِد وصل إِلَى قَتَادَة وَهُوَ واله الْعقل لما شَاهد من الهول وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة وَذكر الميورقي أَن فِي هَذِه الْوَاقِعَة فقد كتاب رَسُول الله
لأهل الطَّائِف لما
стр. 1862
نهب جَيش قَتَادَة الْبِلَاد وَذكر أَبُو شامة فِي أَخْبَار سنة تسع وسِتمِائَة قَالَ فِيهَا قتل قَتَادَة صَاحب مَكَّة إِمَام الْحَنَفِيَّة وَإِمَام الشَّافِعِيَّة وَنهب اليمنيين وَذكر أَيْضا فِي سنة ثَمَان وسِتمِائَة نهبه الْحَاج الْعِرَاقِيّ وَكَانَ أَمِير الركب عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن ياقوت نِيَابَة عَن أَبِيه وَمَعَهُ ابْن أبي فراس يدبره وَحج من الشَّام الصمصام إِسْمَاعِيل وَكَانَت ربيعَة خاتون أُخْت الْعَادِل بن أَيُّوب فِي الْحَج فَلَمَّا كَانَ يَوْم النَّحْر بعد رمي الْجَمْرَة وثب بعض الإسماعيلية على رجل شرِيف من بني عَم قَتَادَة أشبه النَّاس بِهِ وظنه إِيَّاه فَقتله عِنْد الْجَمْرَة وَيُقَال إِن الَّذِي قَتله كَانَ مَعَ أم جلال الدّين فثار عبيد مَكَّة عِنْد ذَلِك والأشراف وصعدوا على الجبلين بمنى وهللوا وَكَبرُوا وضربوا النَّاس بِالْحِجَارَةِ والمقاليع والنشاب ونهبوا النَّاس يَوْم الْعِيد وَاللَّيْلَة وَالْيَوْم الثَّانِي وَقتل من الْفَرِيقَيْنِ جمَاعَة فَقَالَ ابْن أبي فراس لمُحَمد بن ياقوت ارحل بِنَا إِلَى الزَّاهِر إِلَى منزلَة الشاميين فَلَمَّا حصلت الأثقال على الْجمال حمل قَتَادَة وَالْعَبِيد فَأخذُوا الْجَمِيع أَلا الْقَاتِل وَقَالَ قَتَادَة مَا كَانَ الْمَقْصُود أَلا أَنا وَالله لَا أبقيت من حَاج الْعرَاق أحدا وَكَانَت ربيعَة خاتون بالزاهر وَمَعَهَا ابْن السلاخور سياروج وحاج الشَّام فجَاء مُحَمَّد بن ياقوت أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ فَدخل خيمة ربيعَة خاتون مستجيراً بهَا وَمَعَهُ أم جلال الدّين فَبعث قَتَادَة يَطْلُبهُ فَبعثت خاتون مَعَ ابْن السلاخور إِلَى قَتَادَة تَقول لَهُ مَا ذَنْب الْمُسلمين قد قتلت الْقَاتِل وَجعلت ذَلِك وَسِيلَة إِلَى نهب الْمُسلمين واستحللت الدِّمَاء فِي الشَّهْر الْحَرَام فِي الْحرم وَقد عرفت من أَنا وَالله لَئِن لم تَنْتَهِ لَأَفْعَلَنَّ وأفعلن فجَاء ابْن السلاخور إِلَى قَتَادَة فَأخْبرهُ وخوفه عَاقِبَة مَا يروم وَقَالَ إِن فعلت غير مَا فعلت قصدك الْخَلِيفَة من بَغْدَاد وَنحن من الشَّام فَكف عَنْهُم وَطلب مائَة ألف دِينَار فَجمعُوا لَهُ ثَلَاثِينَ ألفا من أَمِير الركب الْعِرَاقِيّ وَمن خاتون أم جلال الدّين وَأقَام النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام حول خيمة ربيعَة خاتون بَين جريح وقتيل ومسلوب وجائع وعريان وَيُقَال إِن قَتَادَة أَخذ من الْمَتَاع مَا قِيمَته ألف ألف دِينَار وَأذن للنَّاس فِي الدُّخُول إِلَى مَكَّة فَدخل الأصحاء الأقوياء وطافوا ومعظم النَّاس مَا دخل مَكَّة ورحلوا إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ إِنَّهُم دخلُوا إِلَى بَغْدَاد على غَايَة الْفقر والذل والهوان
стр. 1863
وَفِي سنة تسع وسِتمِائَة وصل من قبل الْخَلِيفَة النَّاصِر العباسي إِلَى قَتَادَة مَعَ الركب الْعِرَاقِيّ مَالٌ وخلعة وَكِسْوَة وَلم يظْهر لَهُ الْخَلِيفَة إنكاراً على مَا تقدم من نهب الْحَاج وَجعل أَمِير الْحَاج يتدرجه ويخدعه بِأَنَّهُ لم يَصح عِنْد الدِّيوَان الْعَزِيز أَلا أَن الشرفاء وأتباعهم نهبوا أَطْرَاف الْحَاج وَلَوْلَا تلافيك لهلكوا وَقَالَ لَهُ يَقُول لَك مَوْلَانَا الْوَزير وَلَيْسَ كَمَال الْخدمَة الإمامية أَلا بتقبيل العتبة وَلَا عز الدُّنْيَا وَالْآخِرَة أَلا بنيل هَذِه الرُّتْبَة فَقَالَ الشريف قَتَادَة سَأَنْظُرُ فِي ذَلِك ثمَّ تسمع الْجَواب وَاجْتمعَ ببني عَمه الْأَشْرَاف وعرفهم أَن ذَلِك اسْتِدْرَاج لَهُم وَله حَتَّى يتَمَكَّن من الْجَمِيع ثمَّ قَالَ لَهُم يَا بني الزهراء عزكم إِلَى آخر الدَّهْر مجاورة هَذِه البنية والاجتماع فِي بطائحها فَلَا يرغبونكم بالأموال وَالْعدة وَالْعدَد وَقد عصمكم الله وعصم أَرْضكُم بانقطاعها وَإِنَّهَا لَا تبلغ أَلا بشق الْأَنْفس ثمَّ عَاد أَبُو عَزِيز قَتَادَة إِلَى أَمِير الركب الْعِرَاقِيّ وَقَالَ لَهُ اسْمَع الْجَواب ثمَّ أنْشدهُ الأبيات الْمُتَقَدّمَة فَقَالَ لَهُ أَمِير الركب الشريف يَا شرِيف حاشا الله أَن أحمل مثل هَذِه الأبيات مِنْك وَأَنت ابْن بنت رَسُول الله
والخليفة ابْن عمك وَأَنا مَمْلُوك تركي لَا أعلم من الْأُمُور الَّتِي فِي الْكتب مَا علمتَ وَلَكِنِّي قد رَأَيْت أَن هَذَا من سرف الْعَرَب الَّذين يسكنون الْبَوَادِي وترغاب قطاع الطَّرِيق وَالله لَا حملت هَذِه الأبيات عَنْك فَأَكُون قد جنيت على بَيت الله وَبني بنت نبيه وَوَاللَّه لَو وصل إِلَيْهِ مَا ذكرت لجعل سَائِر الْوُجُوه إِلَيْك وَلَكِن لي رَأْي أعرضه عَلَيْك فأصغي إِلَيْهِ أَبُو عَزِيز وَعلم أَنه رجل عَاقل قَالَ الرَّأْي أَن ترسل أحد أولادك من لَا تهتم لَهُ إِن جرى عَلَيْهِ مَا تتوقعه ومعاذ الله أَن يجْرِي عَلَيْهِ أَلا مَا تحبه وَترسل مَعَه جمَاعَة من ذَوي الْأَسْنَان والهيئات فيدخلوا مَدِينَة السَّلَام وَفِي أَيْديهم أكفانهم منشورة وَسُيُوفهمْ مسلولة ويقبلون العتبة ويتوسلون بالنبى
وبصفح أَمِير الْمُؤمنِينَ وسترى مَا يكون من الْخَيْر لَك وَلِلنَّاسِ قَالَ فشكره قَتَادَة وَوجه صحبته وَلَده رَاجع بن قَتَادَة وأشياخ الشرفاء ودخلوا بَغْدَاد على تِلْكَ الْهَيْئَة الَّتِي ذكرهَا وهم يضجون ويتضرعون ويبكون وَالنَّاس يَبْكُونَ لبكائهم فَاجْتمع الْخلق كَأَنَّهُ الْمَحْشَر ومالوا إِلَى بَاب النّوبَة من أَبْوَاب مَدِينَة الْخَلِيفَة فقبلوا هُنَالك العتبة وَبلغ الْخَيْر النَّاصِر العباسي فَعَفَا عَنْهُم وَعَن مرسلهم وأنزلوهم فِي الديار
стр. 1864
الواسعة وأكرموا الْكَرَامَة الَّتِي ظَهرت واشتهرت وعادوا إِلَى أبي عَزِيز بِمَا أحب فَكَانَ بعد ذَلِك يَقُول لعن الله أول رأى عِنْد الْغَضَب وَلَا عدمنا عَاقِلا ناصحاً يثبتنا عِنْده قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي التكملة كَانَ قَتَادَة الْمَذْكُور مهيباً وقوراً قوي النَّفس شجاعاً مقداماً فَاضلا لَهُ شعر تولى إمرة مَكَّة رَأَيْته بهَا يطوف بِالْبَيْتِ وَيَدْعُو بتضرع وخشوع والريس على زَمْزَم يَدْعُو لَهُ وَهُوَ كالأسد شجاعة والقطب خشوعاً وتضرعاً والبدر كمالاً وبهاء وَكَانَ مولده بوادي يَنْبع وَبِه نَشأ وَكَانَت مَمْلَكَته قد اتسعت من حُدُود الْيمن إِلَى خلف مَدِينَة النبى
وَكثر عسكره واستكثر من المماليك وخافته الْعَرَب فِي تِلْكَ الْبِلَاد خوفًا عَظِيما وَسَار فِي مَكَّة سيرة حَسَنَة وأزال عَنْهَا العبيد المفسدين وَحمى الْبِلَاد وَأحسن إِلَى الْحجَّاج وَأكْرمهمْ وَبَقِي كَذَلِك مُدَّة ثمَّ أَسَاءَ السِّيرَة وجدد المكوس وَفعل أفعالاً شنيعة وَنهب الْحجَّاج وَكَانَ يخْطب للناصر أَحْمد العباسي ابْن المستضيء ثمَّ يخْطب لنَفسِهِ بالأمير الْمَنْصُور ودام ملكه نَحْو سبع وَعشْرين سنة وَكَانَ وراثته الْملك عَن مكثر بن عِيسَى الَّذِي وَرثهُ من آبَائِهِ الهواشم وَلم يكن أَبُو عَزِيز من الهواشم أَلا من جِهَة النِّسَاء ثمَّ زَاد ظلم قَتَادَة فِي النَّاس وأذاه للحجاج من الْعِرَاقِيّين وَغَيرهم وَأظْهر التَّعَدِّي حَتَّى ضج النَّاس وفسدت نِيَّته على الْخَلِيفَة النَّاصِر العباسي فارتفعت الْأَيْدِي بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ فَقتله الله على يَد ابْنه حسن بن قَتَادَة وَكَانَ قَتله فِي جُمَادَى الأولى هَكَذَا ذكره أَبُو شامة فِي سنة ٦١٧ سبع عشرَة وسِتمِائَة وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ بل فِي جُمَادَى الْأُخْرَى من سنة ٦١٨ ثمَّ اسْتَقر بعده فِي ملك مَكَّة ابْنه حسن بن قَتَادَة قيل قَتله خنقاً وَسبب قَتله أَن قَتَادَة جمع جموعاً وَسَار من مَكَّة يُرِيد الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فَنزل
стр. 1865
بوادي الْفَرْع وَهُوَ مَرِيض وَبعث أَخَاهُ على الْجَيْش وَمَعَهُ ابْنه حسن هَذَا فَلَمَّا بعد وأبلغ حسن أَن عَمه قَالَ لبَعض الْجند إِن أخي قَتَادَة مَرِيض وَهُوَ ميت لَا محَالة وَطلب مِنْهُم أَن يحلفوا لَهُ ليَكُون هُوَ الْأَمِير بعده فَلَمَّا بلغ الْحسن ذَلِك أرسل إِلَى عَمه من خنقه وَخرج للنَّاس فِي الْحرم وَطلب الْأَشْرَاف ووجوه النَّاس وَقَالَ لَهُم إِن أبي اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَض وَأَنا أحب أَن تُبَايِعُونِي فَبَايعُوهُ وحلفوا لَهُ فأحضر تابوتاً مغطى وَقَالَ هَذَا أبي مَاتَ وَكَانَ قد دَفنه لَيْلًا فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ الْإِمَارَة لحسن وَثبتت قدمه أرسل إِلَى أَخِيه وَكَانَ بينبع وَطَلَبه وَلم يُخبرهُ بِحَال أَبِيه فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ قَتله وَكَانَ لَهُ أَخ اسْمه رَاجِح كَانَت بَينهمَا مباينة أَقَامَ فِي الْأَعْرَاب هَارِبا بِظَاهِر مَكَّة حَتَّى كَانَ من أمره مَعَ آق باش أَمِير الركب الْعِرَاقِيّ مَا كَانَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا وَلما بلغ قَتَادَة قتل حسن لِعَمِّهِ قَامَت قِيَامَته وَحلف ليقْتلن حسنا فَبلغ ذَلِك حسنا فَدخل على أَبِيه بعد عوده من الْمَدِينَة فَبَالغ قَتَادَة فِي ذمه وتهديده فَوَثَبَ إِلَيْهِ حسن واستعان بِغُلَام وَجَارِيَة كَانَا يخدمان أَبَاهُ فأمسكا يَدَيْهِ فَقتله خنقاً ثمَّ قَتلهمَا ليخفي سَبَب قَتله وَقيل بل قَتله سما فَهَذَا سَبَب قتل حسن أَبَاهُ قَتَادَة وَكَانَت وَفَاته كَمَا تقدم فِي جُمَادَى الْآخِرَة عَام ٦١٧ سبع عشرَة وسِتمِائَة أَو ثَمَان عشرَة وَالْأول هُوَ الَّذِي رَأَيْته أَكثر وَكَانَ قَتَادَة يَقُول أَنا أَحَق من النَّاصِر العباسي بالخلافة وَكَانَ فِي زَمَنه فِي الْمَسْجِد يُؤذن بحي على خير الْعَمَل وَمُدَّة عمره نَحْو سبعين سنة وَمُدَّة ولَايَته من سنة ٥٩٩ تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة إِلَى سنة ٦١٧ سبع عشرَة وسِتمِائَة وَلما وصل الْملك الْمَنْصُور صَاحب الْيمن أَمر بنبش قبر قَتَادَة وإحراقه لما فعل من نهب اليمنيين فوجدوا فِي الْقَبْر تابوتاً لَيْسَ فِيهِ شَيْء فَعرف النَّاس بذلك أَن حسن قتل أَبَاهُ وَدفن التابوت فِي قبر آخر ليخفي قَبره على النَّاس وَكَانَ لِقَتَادَة من الْوَلَد رَاجِح وَهُوَ الْأَكْبَر الَّذِي فر إِلَى الْأَعْرَاب بِظَاهِر مَكَّة كَمَا تقدم وَحسن وعَلى الْأَكْبَر جد الْأَشْرَاف المعروفين بذوي عَليّ وعَلى الْأَصْغَر جد
стр. 1866
أبي نمي جد الْأَشْرَاف الَّذين كَانُوا وُلَاة خليص وهم الْآن ولاه مَكَّة أَلا ترى أَن عجلَان بن رميثة بن أبي نمي مُحَمَّد بن أبي سعد الْحسن بن عَليّ هَذَا الْأَصْغَر بن قَتَادَة وَلكُل من هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّة وأعقاب وَمِمَّا صنع الشريف قَتَادَة أَن أدَار على مَكَّة سوراً من أَعْلَاهَا ليحفظها عَمَّن يريدها بِسوء ثمَّ وَليهَا الشريف حسن بن قَتَادَة عَام سبع عشرَة وسِتمِائَة وَوَقع فِيهَا قتال بَينه وَبَين آق باش أَمِير الركب الْعِرَاقِيّ وَهُوَ مَمْلُوك تركي للناصر العباسي عقد لَهُ الْولَايَة على مَكَّة وعَلى كل بلد يدخلهَا وَمعنى آق باش أَبيض الرَّأْس وَسبب الْقِتَال أَنه لما ورد آق باش الْمَذْكُور أَمِيرا تعرض رَاجِح لقطع الطَّرِيق بَين مَكَّة وعرفة فأمسكه الْأَمِير الْمَذْكُور فَأرْسل أَخُوهُ حسن إِلَى الْأَمِير موعداً لَهُ بِمَال جزيل أَن يسلم إِلَيْهِ أَخَاهُ راجحاً فَبلغ ذَلِك راجحاً فَقَالَ للأمير أَنا أُعْطِيك أَضْعَاف مَا وَعدك فأعني على ولَايَة مَكَّة فوعده بذلك فأرادا جَمِيعًا دُخُول مَكَّة فمنعهما حسن وَوَقع الْحَرْب فَصَعدَ آق باش على جبل عَرَفَة بِمَا عِنْده من المنعة فأحدقت بِهِ أَعْرَاب الشريف حسن فَقتل وعلق رَأسه فِي ميزاب الْكَعْبَة وَقيل رفع على رَأس رمح بالمسعى وَأرْسل يعْتَذر إِلَى دَار الْخلَافَة كَذَا فِي عُمْدَة الطَّالِب وَفِي موسم تِسْعَة عشرَة وسِتمِائَة وَليهَا الْملك المسعود يُوسُف من بني أَيُّوب وصل إِلَيْهَا وَكَانَ قد تفرق عَن حسن والأشراف لشحه وَلم يبْق عِنْده أَلا جمَاعَة من عشيرته وَجَاء مَعَ صَاحب الْيمن الْمَذْكُور أَخُو الشريف حسن الشريف رَاجِح بن قَتَادَة فتقاتلا بالمسعى فانكسر حسن وَفَارق مَكَّة فنهبها الْملك المسعود وراجح حَتَّى سلبوا النَّاس أَشْيَاء من على أَجْسَادهم وَولى الْملك المسعود رَاجِح بن قَتَادَة حليا وَنصف المخلاف وَأمر المسعود بنبش قبر قَتَادَة فَلم يَجدوا أَلا التابوت كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وَعمل المسعود فِي مَكَّة من الْمُنْكَرَات مَا لم يُرَ مِنْهَا أَنه يطلع على قبَّة زَمْزَم وَيَرْمِي الْحمام بالبندق وَيجْلس عبيده بالمسعى فيضربون أرجل النَّاس بِالسُّيُوفِ يَقُولُونَ إِن السُّلْطَان سَكرَان نَائِم امشوا قَلِيلا قَلِيلا لِئَلَّا توقظوه كَانَت دَاره على الْمَسْعَى تسمى دَار السلطنة وَكَانَت تسمى دَار الْقَوَارِير
стр. 1867
قلت عثرت فِي بعض التواريخ أَن محلهَا كَانَ مَحل الْمدرسَة القايتبائية الْآن انْتهى ثمَّ خرج من مَكَّة واستناب عَلَيْهَا نور الدّين عَليّ بن رَسُول الغساني الملقب بِالْملكِ المظفر ورتب مَعَه ثَلَاثمِائَة فَارس وَولى راجحاً حليا وأعمالها ثمَّ وصل حسن بِجَيْش عَظِيم من الينبع إِلَى مَكَّة سنة عشْرين وسِتمِائَة فَخرج إِلَيْهِ أميرها عَليّ بن رَسُول الْمَذْكُور فَكَسرهُ عَليّ بن رَسُول فَتوجه إِلَى الشَّام فَلم ير بهَا وَجها وَلم يفلح بعد قتل وَالِده وَعَمه وَقد دَعَا عَلَيْهِ أَبوهُ قَتَادَة فِي قصَّة اتّفقت لَهُ نقلهَا الزنجاني وَزِير أَبِيه الشريف قَتَادَة هِيَ أَنه كَانَ الشريف قَتَادَة بِالْحرم الشريف مَعَ الْأَشْرَاف فهجم عَلَيْهِ ولد لوَلَده حسن وترامى فِي حجره مستجيراً وَإِذا بوالده حسن يشْتَد فِي إِثره حَتَّى ألْقى يَده فِي شعره وجذب الصَّبِي من حجر جده فاغتاظ الشريف قَتَادَة وَقَالَ الْحسن هَكَذَا ربيتك وَلِهَذَا ادخرتك فَقَالَ حسن ذَاك الْإِخْلَال أوجب هَذَا الإدلال فَقَالَ الشريف قَتَادَة لَيْسَ هَذَا بإدلال وَلكنه إذلال وَانْصَرف حسن بولده فَفعل فِيهِ مَا اقْتَضَاهُ عقله فَالْتَفت الشريف قَتَادَة إِلَى الْأَشْرَاف وَقَالَ لَهُم وَالله لَا أَفْلح هَذَا فَلم يمر بِهِ أَلا زمن يسير حَتَّى قتل أَبَاهُ وذاق عُقُوبَة العقوق والقطيعة ثمَّ توجه إِلَى الْعرَاق فَلم ير بهَا وَجها بل أَرَادوا قَتله بِسَبَب قَتله آق باش الناصري مَمْلُوك الْخَلِيفَة النَّاصِر العباسي فِي الْوَاقِعَة الَّتِي جرت فِي أَيَّامه بِمَكَّة زمن الْحَج فَخرج مِنْهَا خَائفًا وَلم يزل طريداً شَرِيدًا خَائفًا إِلَى أَن وصل بَغْدَاد فأدركه أَجله فِي الْجَانِب الغربي على دكة فَلَمَّا علم بِهِ غُسل وصُلي عَلَيْهِ وَحمل فَدفن فِي مشْهد مُوسَى الكاظم سامحه الله تَعَالَى هَذَا حَاصِل مَا ذكره المؤرخون فِي مصنفاتهم مفرقاً غير مُجْتَمع فِي كتاب وَلَا مُسْتَوْفِي جمعت مَا ذَكرُوهُ وسقته مجتمعاً كل حَدِيث فِي مَحَله وكل فرع إِلَى أَصله وكل نوع إِلَى جنسه وشكله وَهَذَا شاني فِي تَرْجَمَة كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ السَّادة الْأَعْلَام أذكرها كافلة للمرام بعون الْملك العلام على إِنِّي لَا أَخْلو من قَول جَاهِل خامد أَو فَاضل حَاسِد أَو مبغض جَاحد هَل زَاد على الْجمع وَمَا درى أَنه تفطير للفؤاد تقطير للدمع إِذْ تتبع ذَلِك من مظانه المتفرقات وَضم شَمل الْقِصَّة وسبكها فِي ألطف قالب من الْعبارَات يعرف قدره
стр. 1868
من أشرق فِي أفق الْفضل وَمَا غاض بدر تمه وَلَا يجْحَد حَقه أَلا كل عاض بظر أمه على أَن لي فِيهِ فلتوتات كَأَنَّهَا ياقوتات ينظرها بِنور الْعدْل والإنصاف زاكي السريرة ذاتاً وسمى ويتخونها من عَم بَصَره وبصيرته عَمه وعمى لَكِن الْأَعْمَال بمقاصدها وَالله عَالم بِصَحِيح النِّيَّة من فاسدها وَلم تزل مَكَّة فِي ولَايَة الْملك المسعود يُوسُف بن الْملك الْكَامِل مُحَمَّد ابْن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب ونائبه عَلَيْهَا نور الدّين عَليّ بن رَسُول إِلَى سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة فَتوفي الْملك المسعود بعد أَن فلج ويبست يَدَاهُ وَرجلَاهُ وَرَأى فِي نَفسه العبر نَعُوذ بِاللَّه من سوء قَضَاهُ وفيهَا وصل إِلَى مَكَّة جَيش من صَاحب مصر وعَلى الْجَيْش طغتكين وَمَعَهُ مِائَتَا فَارس ففر مِنْهَا نائبها نور الدّين عَليّ بن رَسُول نَائِب الْملك المسعود وَأنْفق طغتكين على أهل مَكَّة نَفَقَة جَيِّدَة وحلفهم وتوثق مِنْهُم فَلَمَّا كَانَ سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة وصل إِلَى مَكَّة جَيش صَاحب الْيمن عَليّ بن رَسُول الغسانى وصحبته السَّيِّد راحج بن قَتَادَة فنزلوا بِالْأَبْطح وحصروا مَكَّة وَأرْسل الشريف رَاجِح إِلَى أهل مَكَّة يذكرهم إِحْسَان السُّلْطَان نور الدّين أَيَّام نيابته بِمَكَّة عَن الْملك المسعود فَمَال رُؤَسَاء مَكَّة إِلَيْهِ فَلَمَّا أحس بذلك الْأَمِير طغتكين خَافَ على نَفسه فَخرج خَائفًا وَقصد وَادي نَخْلَة فَدخل رَاجِح وَمن مَعَه فوليها الشريف رَاجِح بن قَتَادَة وَكَانَ أَمِير الْجَيْش يُسمى ابْن عَبْدَانِ فَدخل إِلَى مَكَّة وَاسْتولى عَلَيْهَا وخطب للْملك الْمَنْصُور ابْن الْملك المسعود وَتوجه طغتكين إِلَى يَنْبع وَكَانَ بهَا رُتْبَة للكامل صَاحب مصر الأيوبي فَأَقَامَ هُنَاكَ وَعرف الْكَامِل بالْخبر فَجهز جَيْشًا كَبِيرا من مصر وَأمر صَاحب الينبع وَصَاحب الْمَدِينَة أَن يخرجَا مَعَ ذَلِك الْجَيْش إِذا وصل إِلَيْهِمَا ففعلا ووصلوا إِلَى مَكَّة جَمِيعًا فِي رَمَضَان وحاصروا راجحاً وَابْن عَبْدَانِ وقاتلوهما فانكسروا وَاسْتولى على مَكَّة أميرها الأول طغتكين فَقتل من اْهل مَكَّة خلقا كثيرا وأنهبت ثَلَاثَة أَيَّام وَأظْهر حقده عَلَيْهِم وأخافهم خوفًا شَدِيدا وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة جمع الشريف رَاجِح جموعا عَظِيمَة وأمده الْملك الْمَنْصُور صَاحب الْيمن بعساكر فَقدم مَكَّة وطرد طغتكين وعسكر الْملك الْكَامِل
стр. 1869
صَاحب مصر فَلَمَّا علم بذلك الْكَامِل جهز عسكراً فِي شَوَّال سَبْعمِائة فَارس فَلَمَّا أَن وصل الْحَاج واتضح أَمر الْعَسْكَر خرج الشريف رَاجِح من مَكَّة فَدَخلَهَا الْعَسْكَر الْمصْرِيّ من غير محاربة وطيبوا قُلُوب أَهلهَا وَعدلُوا فيهم وأحسنوا وَحج بِالنَّاسِ أَمِير يُسمى الزَّاهِد وَترك فِي مَكَّة أَمِيرا يُقَال لَهُ ابْن مجلي فِي خمسين فَارِسًا أَقَامَ بِمَكَّة فَعدل وَأحسن السِّيرَة وَفِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ جهز الْملك الْمَنْصُور صَاحب الْيمن إِلَى السَّيِّد رَاجِح عسكراً جراراً وخزانة عَظِيمَة فَنَهَضَ رَاجِح وَمن مَعَه من الْعَسْكَر ودخلوا مَكَّة وأخرجوا ابْن مجلي وَمن مَعَه فَلَمَّا أَن وصل الْحَاج سمع الشريف راحج أَن الْملك الْكَامِل حَاج على النجب لوعد بَينه وَبَين الْخَلِيفَة العباسي فَخرج رَاجِح من مَكَّة فَتغير عَلَيْهِ خاطر الْملك الْمَنْصُور فَلَمَّا رَجَعَ الْملك الْكَامِل عَاد رَاجِح إِلَى مَكَّة وَكَانَ بهَا غلاء عَظِيم سموهُ غلاء ابْن مجلي وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وصل من صَاحب مصر عَسْكَر ألف فَارس فَخرج الشريف رَاجِح إِلَى الْيمن فجهزه الْملك الْمَنْصُور بخزانة وعسكر أَيْضا وَأرْسل قناديل ذهب وَفِضة لتَعلق فِي جَوف الْكَعْبَة فَلم يقدر رَاجِح وَمن مَعَه لمقاومة الْعَسْكَر الْمصْرِيّ فَلم يدْخل فَلَمَّا سمع بهم الْعَسْكَر الْمصْرِيّ خَرجُوا إِلَيْهِم من مَكَّة فَالْتَقوا بِمحل يُقَال لَهُ الْخلف والخليف فانهزمت الْأَعْرَاب أَصْحَاب رَاجِح وَأسر أَمِير عسكره ابْن عَبْدَانِ فقيد وَأرْسل بِهِ إِلَى مصر وَفِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة خرج السُّلْطَان نور الدّين عَليّ بن رَسُول من الْيمن قَاصِدا مَكَّة فِي ألف فَارس وَأرْسل للجند الَّذين بِمَكَّة أَن كل من جَاءَ إِلَيْهِ يُعْطِيهِ ألف دِينَار وحصاناً وَكِسْوَة فَمَال إِلَيْهِ كثير من الْجند وآثروه على مَوْلَاهُم ووفي لَهُم بِمَا وعدهم وَأرْسل إِلَى الشريف رَاجِح فَتَلقاهُ من أثْنَاء الطَّرِيق فقدمه صُحْبَة ثَلَاثمِائَة فَارس من أهل النجدة من عسكره وَأَعْطَاهُ النقارات والكئوسات وَتقدم إِلَى مَكَّة فَلَمَّا تحققت عَسَاكِر مصر وُصُول السُّلْطَان أحرقوا مَا كَانَ عِنْدهم من الأثقال والأقوات وَخَرجُوا من مَكَّة فَأرْسل الشريف رَاجِح يبشر السُّلْطَان نور الدّين بِمَا وَقع فَأحْرم بِعُمْرَة وَدخل مَكَّة فِي رَجَب وَتصدق على أهل مَكَّة بأموال جزيلة
стр. 1870
وَفِي ذَلِك الْعَام مَاتَ الْكَامِل صَاحب مصر فخطبوا للْملك الْمَنْصُور ابْن الْملك المسعود صَاحب الْيمن وَفِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة أرسل صَاحب مصر الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب ابْن الْملك الْكَامِل إِلَى مَكَّة ألف فَارس عَلَيْهِم الشريف شيحة بن قَاسم الْحُسَيْنِي أَمِير الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فَلَمَّا سمع بهم رَاجِح وَمن مَعَه من عَسَاكِر الْملك الْمَنْصُور فروا إِلَى الْيمن وأخلوا مَكَّة فَدَخلَهَا شيحة وملكها ونهبها فَلَمَّا بلغ ذَلِك الْمَنْصُور صَاحب الْيمن جهز السَّيِّد راجحاً بعسكر مَعَه إِلَى مَكَّة فَلَمَّا أحس بهم الْحُسَيْنِي فر هَارِبا من مَكَّة وأخلاها وَفِي موسم سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة دخل من صَاحب مصر عَسْكَر إِلَى مَكَّة فَلَمَّا بلغ صَاحب الْيمن تجهز وَخرج إِلَى مَكَّة بِجَيْش كثيف فهرب المصريون وأحرقوا دَار السلطنة بِمَكَّة فَدخل السُّلْطَان نور الدّين عَليّ بن رَسُول الغساني وَصَامَ رَمَضَان وَأقَام بهَا وأبطل المكوس والجبايات والمظالم وَكتب ذَلِك فِي رخامة مربعة جعلت قبالة الْحجر الْأسود فِي حَائِط زَمْزَم وَأرْسل يطْلب أَبَا سعيد الْحسن بن عَليّ بن قَتَادَة من يَنْبع فَلَمَّا أَتَاهُ أكْرمه وأنعم عَلَيْهِ فاستخدمه على مَكَّة وَاشْترى مِنْهُ قلعة الينبع وَأمر بخرابها لأجل أهل مصر وَأبقى عِنْده مَمْلُوكه ابْن فَيْرُوز والأمير فَخر الدّين بن السِّلَاح فَأَقَامَ ابْن السِّلَاح أَمِيرا سبع سِنِين فولى بعده الْأَمِير ابْن الْمسيب سنة خمس وَأَرْبَعين وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ولي مَكَّة الشريف أَبُو سعد الْحسن بن عَليّ بن قَتَادَة وَذَلِكَ أَن الْملك الْمَنْصُور قبل ذَلِك لما دخل مَكَّة أَقَامَ أَبَا سعد هَذَا بوادي مر ليساعد عسكره الَّذين أَقَامُوا بِمَكَّة فَحسن مَشَايِخ الْعَرَب من زبيد وَغَيرهم لأبي سعد الْحسن بن عَليّ بن قتاده أَخذ مَكَّة والاستيلاء عَلَيْهَا والفتك بِمن فِيهَا من الْعَسْكَر اليمني وهونوا عَلَيْهِ أَمرهم وَكَانُوا فرْقَتَيْن فرقة تخرج إِلَى أَعلَى المعلاة والفرقة الْأُخْرَى تخرج إِلَى أَسْفَلهَا هَكَذَا كل يَوْم فَحمل أَبُو سعد على إِحْدَى الْفرْقَتَيْنِ فَكَسرهَا فضعفت الْأُخْرَى فَقبض على ابْن الْمسيب وَأخذ خيله وعدده ومماليكه وَاسْتولى على مَكَّة وأحضر الْأَعْيَان من أَهلهَا وَقَالَ مَا لَزِمته أَلا لتحققي خِلَافه وَنِيَّته الْخُرُوج على الْملك الْمَنْصُور صَاحب الْيمن والذهاب بِهَذَا المَال إِلَى
стр. 1871
الْعرَاق وَالْمَال عِنْدِي مَحْفُوظ إِلَى أَن يصل مرسوم السُّلْطَان فأسلمه إِلَيْهِ فوردت الْأَخْبَار بعد أَيَّام يسيرَة بِمَوْت الْملك الْمَنْصُور عَليّ بن رَسُول فقوي أَمر أبي سعد الْحسن بن عَليّ بن قَتَادَة الْمَذْكُور فَخرج الشريف رَاجِح من مَكَّة لما رأى أَن ابْن أَخِيه أَبَا سعد الْحسن الْمَذْكُور استولى عَلَيْهَا وَسكن الْمحل الْمَعْرُوف بالواديين وَكَانَ الشريف الْحسن هَذَا شجاعاً جلدا كريم الْأَخْلَاق شَدِيد الْحيَاء جمع الشجَاعَة وَالْكَرم وَالْعلم وَالْعَمَل وَكَانَت أمه حبشية وَوَقع لَهُ مَعهَا أَنه حَارب بعض الْعَرَب فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ جَاءَتْهُ فِي هودجها فَقَالَت لَهُ اعْلَم أَنَّك وقفت فِي موقف إِن ظَفرت أَو قتلت قَالَت النَّاس ظفر ابْن رَسُول الله أَو قتل ابْن رَسُول الله وَإِن هربت قَالُوا هرب ابْن السَّوْدَاء فَانْظُر أى الْأَمريْنِ تحب أَن يُقَال فَقَالَ لَهَا جَزَاك الله خيرا لقد نصحت فأبلغت وَرجع فقاتل حَتَّى ظفر فَقَالَ النَّاس كَمَا قَالَت ودامت ولَايَته على الْحجاز نَحْو أَربع سِنِين وَأشهر إِلَى أَن قَتله ابْن عَمه جماز ابْن حسن بن قَتَادَة لثلاث خلون من شعْبَان سنة إِحْدَى وَخمسين وسِتمِائَة وَقيل فِي شهر رَمَضَان وَقيل فِي شَوَّال وَأَبُو سعد هَذَا هُوَ وَالِد عبد الْكَرِيم جد الْأَشْرَاف ذَوي عبد الْكَرِيم ووالد أبي نمي صَاحب مَكَّة الْآتِي ذكره كَانَ الشريف أَبُو سعد هَذَا فَاضل الْأَخْلَاق طيب الأعراق شَدِيد الْحيَاء جمع الشجَاعَة وَالْكَرم وَالْعلم وَالْعَمَل لَهُ الشّعْر الرَّائِق والنثر الْفَائِق فَمن شعره القصيدة الْمَشْهُورَة // (من المتقارب) //
(خُذُوا قَوَدِى مِنْ أسيرِ الكللْ ... )
نَسَبهَا الْعَلامَة الفاسي إِلَيْهِ وَالْمَشْهُور أَنَّهَا لِابْنِ مطروح والشهرة تساعده قَالَ أَلا أَن فِي القصيدة أبياتاً ترجح أَنَّهَا لأبى سعد لِأَن إنشاءها إِنَّمَا يَلِيق بالملوك مِنْهَا قَوْله فِيهَا // (من المتقارب) //
(وإنْ قِيلَ إِنِّى غَدّا مَيِّتٌ ... بِأَيْدِى الصَّبَابَةِ ظُلْماً فَهَلْ)
(تموتُ نفوسٌ بآجَالِها ... وَنْفِسى تَمُوتُ بِغَيْرِ الأجَلْ)
(فَلَيْتَ إِذَا مَا أَتَانِى الحِمَامُ ... يُؤَخِّرُ عَنِّى الألهُ الأجَلْ)
стр. 1872
(لأنِّى غيُوثٌ إِذَا الغَيْتُ مَلّ ... وَيوْمَ الِكفَاحِ أُرَوِّى الأَسَلْ)
فَيحْتَمل وَيحْتَمل وَالله أعلم قلت الِاسْتِدْلَال على أَنَّهَا لأبي سعد بِأَن فِيهَا أبياتاً لَا يَلِيق إنشاؤها أَلا بالملوك اسْتِدْلَال لَا ينْهض إِذْ كل كريم شُجَاع يسوغ لَهُ أَن يتمدح وَيَقُول عَن نَفسه ذَلِك بل صناعَة الشّعْر ومبالغاته تسوغ للشاعر القَوْل وَإِن لم يَتَّصِف بإنالة نائل وَلَا طول طائل ثمَّ وَليهَا جماز بن حسن بن قَتَادَة فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَذَلِكَ أَنه لما كَانَت سنة إِحْدَى وَخمسين وسِتمِائَة قدم الشريف جماز هَذَا بعسكر من عِنْد النَّاصِر بن الْعَزِيز بن الظَّاهِر بيبرس ووعده أَن يخْطب لَهُ بِمَكَّة فأمده بعسكر صُحْبَة الركب الشَّامي فَتقدم أَمَام الركب وَدخل مَكَّة فِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَاسْتولى على مَكَّة وَقتل ابْن عَمه أَبَا سعد الْحسن بن عَليّ بن قَتَادَة وَحج بِالنَّاسِ ثمَّ نقض عهد النَّاصِر وَلم يخْطب لَهُ وخطب للْملك المظفر بن الْمَنْصُور بن المسعود صَاحب الْيمن فَلَمَّا كَانَ آخر يَوْم من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة قدم عَمه رَاجِح بن قَتَادَة ففر مِنْهُ جماز بِلَا قتال إِلَى يَنْبع ثمَّ وَليهَا رَاجِح بن قَتَادَة وَكَانَ بِمَكَّة غلاء عَظِيم وعطش بِيعَتْ شربة المَاء بدرهم وَالشَّاة بِأَرْبَعِينَ درهما وَاسْتمرّ إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة فَلَمَّا كَانَ شهر ربيع الأول مِنْهَا هجم عَلَيْهِ ابْنه غَانِم بن رَاجِح وَأخرجه من مَكَّة بِلَا قتال فوليها غَانِم بن رَاجِح فِي شهر ربيع الأول وَاسْتمرّ إِلَى شهر شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ وَليهَا أَبُو نمي بن أبي سعد بن قَتَادَة وَعَمه إِدْرِيس بن حسن بن قَتَادَة وَأخرج غَانِم بن رَاجِح مِنْهَا وَأَبُو نمي هَذَا هُوَ وَالِد أبي سعد الْحسن الْمَذْكُور وَذَلِكَ أَنه فِي شَوَّال آخر السّنة الْمَذْكُورَة أغْنى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة قبل وُصُول الْحَج إِلَى مَكَّة قدم الشريف أَبُو نمي وَعَمه إِدْرِيس وأخذا مَكَّة من غَانِم بن رَاجِح بن قتال شَدِيد قتل فِيهِ من الْأَشْرَاف ثَلَاثَة فَلَمَّا كَانَ أول الْحجَّة وصل من جَانب الْملك المظفر صَاحب الْيمن عَسْكَر عَلَيْهِ
стр. 1873
أَمِير ابْن برطاش فبرز لَهُ الْأَشْرَاف أَبُو نمي وَإِدْرِيس وَمن مَعَهُمَا إِلَى خَارج مَكَّة وتقاتلوا بالسرحة من قوز المكاسة وَكَانَ مَعَهم الشريف جماز بن شيحة فَقتل بَين الصفين خلق كثير وَانْهَزَمَ الْأَشْرَاف وَدخل مَكَّة عَسْكَر الْملك المظفر وَفِي عَام ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة جمع الشريف أَبُو نمي مُحَمَّد بن أبي سعد الْحسن بن عَليّ بن قَتَادَة وَعَمه الشريف حسن بن قَتَادَة جمعا عَظِيما وقصدوا مَكَّة فَدَخَلُوهَا من رُءُوس الْجبَال وتقاتلوا وسط مَكَّة هم وعسكر الْملك المظفر صَاحب الْيمن فَقتلُوا غَالب الْعَسْكَر وأسروا الْأَمِير ابْن برطاش وسفكت الدِّمَاء بِالْحرم الشريف وامتلأت الْبَلَد مِنْهُم رعْبًا بِحَيْثُ لم يصل فِي الْحرم أحد وَوَقع بَينهم فِي أَيَّام الْحَج وَبَين أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ فتْنَة درأها الله تَعَالَى بِالصُّلْحِ فَسلم الْمُسلمُونَ وفدى نَفسه ابْن برطاش الْأَمِير وَرجع من حَيْثُ جَاءَ وَفِي سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة استظهر إِدْرِيس على أبي نمي بإمرة مَكَّة ثمَّ اشْتَركَا وَفِي موسم خمس وَخمسين وسِتمِائَة لم يحجّ أحد من أهل الْحجاز وَلم ترفع راية من رايات الْمُلُوك لأحد بِمَكَّة وَفِي سنة سِتّ وَخمسين وسِتمِائَة خرج أَبُو نمي إِلَى ثَقِيف وبقى إِدْرِيس بِالْبَلَدِ فهجم عَلَيْهِ أَوْلَاد حسن بن قَتَادَة إخوتة بعد أَن لزموه فوليها أَوْلَاد حسن بن قَتَادَة فِي غيبَة أبي نمي فَلَمَّا جَاءَ أخرجهم مِنْهَا فِي السّنة الْمَذْكُورَة بِغَيْر قتال وَكَانَت مدتهم سِتَّة أَيَّام وَفِي سنة تسع وَخمسين وسِتمِائَة حج الْملك المظفر يُوسُف بن الْملك الْمَنْصُور صَاحب الْيمن مَعَه المراكب تسايره فِي الْبَحْر مشحونة بالعلوفات والأطعمة وَأكْثر فِي طَرِيقه من الصَّدقَات وَفعل الْخيرَات والمبرات والشريف أَبُو نمي وَعَمه إِدْرِيس متوليين إمرة مَكَّة فَلَمَّا سمعا بِهِ خرجا خوفًا مِنْهُ فَدَخلَهَا المظفر فِي عَسَاكِر كَثِيرَة محرما خَاشِعًا حاسر الرَّأْس حَتَّى دخل المطاف ثمَّ نزل عسكره بالحجون وَلم يزل بِمَكَّة إِلَى أَن قضى مَا عَلَيْهِ من الْوُقُوف بِعَرَفَة وَبَقِيَّة الْمَنَاسِك وَلم يزل مُدَّة إِقَامَته بِمَكَّة يُصَلِّي الْمغرب على قبَّة زَمْزَم وخدم الْبَيْت وغسله مَعَ الخدام وصب عَلَيْهِ وكنس وكسا الْبَيْت الشريف من دَاخله وَلم يكسه ملك قبله بعد الْخُلَفَاء العباسية وَقَامَ بمصالح الْحرم وَأَهله ثمَّ أَقَامَ بِمَكَّة عشرَة أَيَّام يفرق الصَّدقَات حَتَّى
стр. 1874
وصلت صدقاته إِلَى كل منزل بِمَكَّة ونثر على الْكَعْبَة الذَّهَب وَالْفِضَّة وَعمل للكعبة بَابا وقفلاً وودع الْبَيْت باكياً وَعَاد إِلَى بِلَاده وَفِي غَالب سلطنته كَانَ يخْطب لَهُ بِمَكَّة وَاسْتمرّ أَبُو نمي وَعَمه إِدْرِيس متوليين إمرة مَكَّة إِلَى سنة سبع وَسِتِّينَ ثمَّ انْفَرد بهَا أَبُو نمي وَأخرج عَمه إِدْرِيس مِنْهَا وخطب لصَاحب مصر الْملك الظَّاهِر بيبرس البندقداري وَاشْترط عَلَيْهِ السُّلْطَان أَن لَا يمْنَع زَائِرًا لَا لَيْلًا وَلَا نَهَارا وَلَا يعْتَرض تَاجِرًا بظُلْم وَأَن تكون الْخطْبَة وَالدُّعَاء لَهُ وَلأبي نمي وَجعل لَهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم فِي كل سنة فَأجَاب الشريف أَبُو نمي بِقبُول هَذِه الاشتراطات فَلَمَّا ورد إِلَى السُّلْطَان من أبي نمي الْإِجَابَة بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَقبُول مَا اشْتَرَطَهُ كتب السُّلْطَان إِلَيْهِ مرسوماً بإمرة مَكَّة مُنْفَردا فَفِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ حج السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بيبرس على تجريدة خيل وركاب وَكَانَ قدم لَهُ مَعَ الْحَج خيلاً وحملاً ومتاعاً فِي الْمنَازل كلما أصبح فِي منزل ترك الْخَيل الأولى وَأخذ المهيئات لَهُ فارتحل إِلَى أَن وصل مَكَّة ثامن ذِي الْحجَّة آخر النَّهَار وَقد طلع النَّاس عَرَفَة وَلم يبْق فِي مَكَّة غير الشريف أبي نمي وَعَسْكَره فاستنكروا ذَلِك وَقَالُوا مَا يصل فِي هَذَا الْوَقْت أَلا من قصد إِدْرَاك الْحَج قبل فَوَاته أَو غَرِيب مَا قدم قبل ذَلِك لَا يعرف الْعَادة ورأوهم جَمِيعهم على الْخَيل البلق فَقَالُوا لَهُم من أَيْن أَنْتُم من الْعرَاق أَو من الْكُوفَة أَو من الْعَجم أَو من التّرْك فَقَالَ السُّلْطَان قُولُوا لَهُ أَلَيْسَ قد قلت لَا يجيئني أَلا على خيل بلق فقد جئْنَاك على البلق وَنحن محرمون وَهَذَا صَاحب مصر مَعَه أُمَرَاء مصر وَالشَّام وعرفوه كل أَمِير باسمه فَإِن تقتل الْجَمِيع فاقتلهم وَكَانَ الشريف أَبُو نمي قد قَالَ مثل هَذَا القَوْل فِي الْعَام الْمَاضِي فَاسْتَغْفر وَتقدم إِلَى السُّلْطَان وَقَالَ الْعَفو يَا مَوْلَانَا السُّلْطَان ثمَّ ركب وسعى مَعَ السُّلْطَان وَأشْهد على نَفسه أَن لَا يمكس أحدا من الْحجَّاج القادمين برا وبحراً وَيبْطل الجباية والمظالم إِلَى أَن تقوم السَّاعَة وَكتب عَلَيْهِ الْإِشْهَاد بذلك فَبَطل ذَلِك وَكَانَ فِي صَحَائِف الْملك الظَّاهِر بيبرس وَتصدق السُّلْطَان بِالْحرم وَفرق كساوي على أَهله وعلق كسْوَة الْكَعْبَة بِيَدِهِ وزار من بِمَكَّة من الصَّالِحين وَأحسن إحساناً كثيرا إِلَى الشريف أبي نمي وَكَذَلِكَ لأمير الْمَدِينَة وَكتب لأبي نمي وَإِدْرِيس
стр. 1875
أَن يكون حَالهمَا وَاحِدًا فِي إمرة مَكَّة فعادا شَرِيكَيْنِ ثمَّ انْفَرد إِدْرِيس بهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ قتل أَبُو نمي عَمه إِدْرِيس فِي حَرْب كَانَت بَينهمَا بخليص وَانْفَرَدَ بهَا وَذَلِكَ أَنه لما استظهر عَمه إِدْرِيس عَلَيْهِ وَأخرجه من مَكَّة وَانْفَرَدَ بالإمرة خرج أَبُو نمي هَارِبا من عَمه إِدْرِيس من مَكَّة وَوصل إِلَى يَنْبع واستنجد بصاحبها وحشد وَجمع وَقصد مَكَّة بالجيش فَالتقى هُوَ وَعَمه إِدْرِيس بخليص وتحاربا فطعن أَبُو نمي عَمه فَأَلْقَاهُ من ظهر الْفرس وَنزل واحتز رَأسه واستقل بِالْولَايَةِ مُنْفَردا وَذَلِكَ فِي سنة ٦٦٩ تسع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَله وقائع مَشْهُورَة مَعَ مُلُوك مصر وَغَيرهم مِنْهَا فِي سنة ٦٨٣ ثَلَاث وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَكَانَت فتْنَة بَينه وَبَين وَاحِد من أَبنَاء أَخِيه لأجل مَا يُؤْخَذ من الْحَاج قيل كَانُوا يَأْخُذُونَ من حج اليمإني فِي كل جمل ثَلَاثِينَ درهما وَمن حَاج مصر على كل جمل خمسين درهما وَمَعَ هَذَا لَا يسلمُونَ من النهب والعسف فَلَمَّا حج الظَّاهِر بيبرس أزاله ثمَّ أعادوه فَأرْسل الْملك المظفر عسكراً ملكوا مَكَّة فَجمع أَبُو نمي عسكراً وَدخل إِلَى مَكَّة وَأخرج عَسْكَر الْيمن وَزَاد على الْحجَّاج فِي الجباية وَوَصله جَيش من مصر فَلَمَّا وصلوا إِلَى قرب مَكَّة قفل أَبُو نمي أَبْوَاب سور مَكَّة ومنعهم من الدُّخُول فَاجْتمع الْحجَّاج فهدموه وأحرقوا بَاب المعلاة ودخلوا مَكَّة هجماً بعد فرار أبي نمي من مَكَّة زمن الْحَج فخشي الْملك من عوده فَترك بهَا ثَلَاثَة آلَاف مَعَ نَائِب من قبله فأقاموا بهَا فاتفق أَن ألفا مِنْهُم خَرجُوا لناحية منى للتنزه فكمن لَهُم الشريف أَبُو نمي فِي خيل وَرجل بِمَسْجِد الْخيف فَلَمَّا عَادوا قَاصِدين إِلَى مَكَّة هجم عَلَيْهِم فقصد أَمِيرهمْ فَقتله ثمَّ قَالَ كل من قتل فَارِسًا فَلهُ فرسه فَعَاد أَكثر رجله خيالة ثمَّ صدقُوا الْمُحَاربَة والمجالدة مَعَه فكسروا الْألف عَن آخِرهم وانتصروا وغنموا خيولهم وسلاحهم وتفكك مِنْهُم أَفْرَاد فَلَحقُوا بالباقين بِمَكَّة وعرفوهم الْحَال وَأَن لَا طَاقَة لكم بِهِ فَهزمَ الْجَمِيع إِلَى مصر فَلَمَّا بلغ ذَلِك ملك مصر جهز جَيْشًا كثيفاً لقِتَال أبي نمي الْمَذْكُور ثمَّ عزم على الْوُصُول إِلَى مَكَّة بِنَفسِهِ فَأَتَاهُ أحد الْعلمَاء الصَّالِحين وَسَأَلَهُ عَن توجهه فَقَالَ إِنَّه لقتل الشريف أبي نمي وَأَهله فَقَالَ لَهُ ذَلِك الْعَالم إِنَّك حسنت الْعبارَة وَلَكِن النَّاس يَقُولُونَ إِنَّك ذَاهِب إِلَى حرم الله تَعَالَى وَقتل أَوْلَاد حَبِيبه رَسُول الله
فَوَقع ذَلِك من الْملك
стр. 1876
موقعاً وَرجع عَن عزمه ثمَّ راسل الشريف أَبَا نمي بالمراسيل والهدايا وَالْكَلَام اللين حَتَّى زَالَت الوحشة بَينهمَا وَأقرهُ على إمرة مَكَّة وَفِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَقع بَين الشريف أبي نمي وَبَين الْحَاج فتْنَة عِنْد الثَّنية أَعنِي الشبيكة وانْتهى الْأَمر إِلَى أَن دخلُوا الْحرم ورؤي فِي الْحرم الشريف أَكثر من عشرَة آلَاف سيف وَقتل بَين الْفَرِيقَيْنِ فَوق أَرْبَعِينَ نفسا وَقتل ولد السَّيِّد أَحْمد بن عَليّ بن قَتَادَة وَأُصِيب بِسَهْم وَأما الْجَرْحى فكثيرون ونهبت أَمْوَال النَّاس وَفِي موسم إِحْدَى وَتِسْعين وسِتمِائَة وَقعت بِعَرَفَة جفلة عَظِيمَة وَلزِمَ رَاجِح بن إِدْرِيس أَمِير الينبع ثمَّ عزموا بِهِ إِلَى مصر وَسلم الله الْمُسلمين وَكَانَت الوقفة بالثلاثاء وتعبت النَّاس من قلَّة المَاء فبيعت الراوية بأَرْبعَة دَنَانِير ورحل الْحَاج قبل وقته الْمُعْتَاد وَاسْتمرّ إِلَى أَن أخرجه جماز مِنْهَا ثمَّ وَليهَا جماز بن شيحة أَمِير الْمَدِينَة وغانم بن إِدْرِيس بن حسن بن قَتَادَة أَمِير الينبع الْمُبَارك وَأَخْرَجَا أَبَا نمي الْمَذْكُور مِنْهَا فِي صفر من سنة ٦٩٠ تسعين وسِتمِائَة ثمَّ عَاد أَبُو نمي بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا وأخرجهما مِنْهَا ثمَّ وَليهَا جماز بن شيحة بمفرده عَام سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة بمعاونة أَمِير يُقَال لَهُ الحكاحكي كَانَ بِمَكَّة من قبل الْملك الْمَنْصُور قلاوون صَاحب مصر وَالشَّام وخطب لجماز بِمَكَّة المشرفة وَضربت السكه باسمه فِيهَا وَبَطل ذَلِك بعد مُدَّة يسيرَة من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ عَاد أَبُو نمي وَتفرد بهَا ودامت ولَايَته عَلَيْهَا إِلَى أَن مَاتَ عَام إِحْدَى وَسَبْعمائة فَقبل مَوته بيومين ولى ولديه حميضة ورميثة أَمر مَكَّة كَمَا سَيَأْتِي ولنذكر طرفا من محامده فَنَقُول ولى أَبُو نمي مُحَمَّد هَذَا مَكَّة نَحْو خمسين سنة مشاركاً لِأَبِيهِ وَعَمه ومنفرداً أما مشاركته لِأَبِيهِ فَكَانَت أَيَّام صباه وسنه سبع عشرَة سنة وَكَانَ يكنى أَبَا مهْدي ويلقب بِنَجْم الدّين وَسبب مشاركته لِأَبِيهِ أَبى سعد الْحسن ابْن عَليّ بن قَتَادَة أَن راجحاً بن قَتَادَة عَم وَالِده أبي سعد استنجد أَخْوَاله بني حُسَيْن بِالْمَدِينَةِ وَطلب مِنْهُم الْإِعَانَة على إِخْرَاج ابْن أَخِيه أبي سعد الْحسن بن عَليّ الْمَذْكُور وَالِد أبي نمي الْمَذْكُور من مَكَّة وَأَخذهَا مِنْهُ فَسَار مَعَه من الْمَدِينَة سَبْعمِائة فَارس من
стр. 1877
بني حُسَيْن وجماعتهم وَعَلَيْهِم الْأَمِير عِيسَى الملقب بالحرون فَارس بني حُسَيْن فِي زَمَانه وَكَانَ أَبُو نمي فِي الينبع فَلَمَّا بلغه خبر رَاجِح وَخُرُوجه ببني حُسَيْن مَعَه من الْمَدِينَة إِلَى قتال أَبِيه وإخراجه من مَكَّة قصد مَكَّة لنصرة أَبِيه فِي أَرْبَعِينَ فَارِسًا فصادف راجحاً وَعِيسَى وجماعتهم سائرين إِلَى مَكَّة لَيْسَ لَهُم خبر فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ حمل أَبُو نمي عَلَيْهِم فَمَا حملوه لَحْظَة حَتَّى ولوا هاربين إِلَى الْمَدِينَة وانتشرت عِمَامَة عِيسَى الحرون وَذهب يجرها خَلفه فَقَالَ السَّيِّد جَعْفَر الحسينى النسابة وَهُوَ لِسَان بني حسن بالعراق قصيدة يذكر فِيهَا الْوَاقِعَة ويمدح أَبَا نمي مُحَمَّد بن أبي سعد الْمَذْكُور مِنْهَا // (من الوافر) //
(أَلَمْ يَبْلُغْكَ شَأْنُ بَنِى حُسَيْنٍ ... وَفَرّهمُ وَمَا فَعَلَ الحَرُونُ)
(فَيَا لله فِعْلُ أبي نُمَيِّ ... وبعضُ البَأْسِ يُشْبِهُهُ الجُنُونُ)
(يَصُولُ بِأرْبَعِينَ عَلَى مِئَاتٍ ... وَكَمْ مِنْ كَثْرَةٍ ظَلَّتْ تَهُونُ)
وَكَانَ إِذْ ذَاك عمره سبع عشرَة سنة ثمَّ دخل مَكَّة مَسْرُورا منصورَاً فقابله أَبوهُ بالإعزاز وَالْإِكْرَام وأشركه مَعَه فِي الْملك من حِينَئِذٍ ثمَّ شَاركهُ عَمه إِدْرِيس إِلَى آخر مَا تقدم وَكَانَت لَهُ شجاعة مَشْهُورَة وخصال حميدة مَذْكُورَة قَالَ وَلَده حميضة كَانَت لأبي خمس خِصَال الْعِزّ وَالْكَرم والحلم والشجاعة وَالشعر من شعره مدحاً فِي الْمَنْصُور لاجين ملك مصر لما تسلطن بعد كتبغا سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة وَأرْسل بهَا إِلَيْهِ وَهِي // (من الطَّوِيل) //
(أَمَا وتعادى المُقْرَبَاتِ الشَّوَازِبِ ... بفُرْسَانها فِي ضِيقِ ضَنْكِ المَقَانِبِ)
(وبِالجَحُفَلِ الجَرَّارِ أَفْرَطَ جَمْعُهُ ... كَأَسْرَابِ كُدْرِى أَو سَوَارِ قَوَارِبِ)
(وبِالزَّرَدِ الموضونِ ضمَّتْ غُضُونُهُ ... عَلَى كلِّ مَاضِى العَزْمِ حَتْف المحَارِبِ)
(وبالبَيْض والبِيضِ الرِّقَاقِ أَليَّة ... لِنَثْر عِدَاتِى حَلْفَة غَيْر كاذبِ)
(لقد نُصِرَ الإسلامُ بالمَلِكِ الذِي ... رقَى فِي سَمَاءِ الْمجد أَعْلَى المراتبِ)
(حُسَامُ الهدَى والدينِ مَنْصُورٌ الذِي ... تَرَعْرَعَ مِنْ شُمِّ المُلُوكِ أيّ الشنَاخِبِ)
(مُلُوك جِهَاتِ الأَرضِ تَعنُو لِقَهرِه ... فَمَرهُوبُهاً مِنْ سَيفِهِ أَي رَاهِبِ)
(تَفَرَّدَ بالمْلكِ العَظِيمِ فَلَمْ يَزَلْ ... لَهُ خَاضِعاً صِيدُ الملوكِ الأغالِبِ)
(مضَى كتبُغا خَوْفَ الحِمَام وَقد أتَتْ ... إِلَيْهِ أُسُودُ الخَيْلِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ)
стр. 1878
(وأَحْيَيْتَهُ بالعَفْوِ مِنكَ وزِدْتَهُ ... لِبَاسَ أَمَانٍ مِنْ عِقَابِ العَوَاقِبِ)
(وأَحَرزْتَ مُلْكَ الأرضِ بالسَّيْفِ عَنْوَةً ... وَعبدتَّ مَنْ فِي شَرْقِها والمغَاربِ)
(تَوَلَّيْتَ هَذَا الأَمْرَ فِي خَيْرِ طَالِعٍ ... لأَسْعَدِ نَجْمٍ للسَّعَادةِ ثَاقِبِ)
قلت وَالله إِنَّهَا لقصيدة فصيحة فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى صَحِيحَة وَمَا أحسن بَيتهَا الثَّانِي وتشبيهه البديع الْمعَانِي وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة المشرفة رَابِع شهر صفر سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة بِتَقْدِيم السِّين وَقد أناف على السّبْعين وَوَقعت لَهُ كَرَامَة بعد مَوته ذكرهَا الْعَلامَة تَقِيّ الدّين الفاسي قَالَ لما مَاتَ أَبُو نمي مُحَمَّد بن أبي الْحسن بن عَليّ بن قَتَادَة امْتنع الشَّيْخ عفيف الدّين الدلاصي من الصَّلَاة عَلَيْهِ فَرَأى فِي مَنَامه تِلْكَ اللَّيْلَة السيدة فَاطِمَة ابْنة رَسُول الله
وعَلى أَبِيهَا وَعَلَيْهَا وذويها بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَالنَّاس يسلمُونَ عَلَيْهَا فجَاء الشَّيْخ ليسلم عَلَيْهَا فَأَعْرَضت عَنهُ ثَلَاث مَرَّات ثمَّ إِنَّه تحامل وسألها عَن سَبَب إعراضها عَنهُ فَقَالَت يَمُوت وَلَدي وَلم تصَل عَلَيْهِ فَاعْتَذر مِنْهَا وَتَابَ عَن مثل ذَلِك واعترف بالْخَطَأ وَله من الْوَلَد ثَلَاثُونَ ذكرا واثنتا عشرَة أُنْثَى مِنْهُم زيد الْأَكْبَر وَزيد الْأَصْغَر وَأَبُو الْغَيْث وشميلة وعطيفة ورميثة وَسيف وَأسد ومقبل وحميضة وَعبد الله ثمَّ وَليهَا بعد أبي نمي ولداه حميضة يلقب معز الدّين ورميثة يلقب أَسد الدّين فِي حَيَاته ودعي لَهما على زَمْزَم قبل وَفَاته بيومين فِي السّنة الْمَذْكُورَة سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة وَاسْتمرّ شَرِيكَيْنِ فِي الإمرة فَلَمَّا وصل الْحَاج وصل صحبته ثَلَاثُونَ أَمِيرا فجَاء إِلَيْهِم أَبُو الْغَيْث وعطيفة وَشَكوا إِلَيْهِم من حميضة ورميثة أَنَّهُمَا أسراهما وربطاهما واستبد بالإمرة دونهمَا وأنهما أَحَق مِنْهُمَا فَمَال الْأُمَرَاء إِلَيْهِمَا فَلَمَّا انْقَضى الْمَوْسِم أمسك الْأُمَرَاء رميثة وحميضة وأوثقوهما فِي الْحَدِيد وَذهب بهم إِلَى مصر وولوا أَبَا الْغَيْث وأخاه عطيفة فأقاما إِلَى عَام ثَلَاث وَسَبْعمائة ثمَّ عَاد كل من حميضة ورميثة إِلَى إمرة مَكَّة المشرفة عَام أَربع وَسَبْعمائة وأظهرا عدلا وأسقطا بعض المكوس ثمَّ ساءت سيرتهما فَبعث الْملك النَّاصِر مُحَمَّد ابْن الْملك الْمَنْصُور قلاوون من يقبض عَلَيْهِمَا فانهزما
стр. 1879
ثمَّ فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة حج النَّاصِر ففرا مِنْهُ ثمَّ فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة وصل عَسْكَر من صَاحب مصر الْمَذْكُور نَحْو ثَلَاثمِائَة فَارس وأمدهم صَاحب الْمَدِينَة بِخَمْسِمِائَة فَارس وَوصل مَعَهم أَبُو الْغَيْث فَلَمَّا سمع بهم رميثة وحميضة خرجا إِلَى حلى بن يَعْقُوب ثمَّ وَليهَا أَبُو الْغَيْث بمفرده فعزلهما بأخيهما أبي الْغَيْث مُنْفَردا وجهز مَعَه عسكراً قَوِيا فاستولى على مَكَّة أَيَّام الْمَوْسِم من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ أَقَامَ الْعَسْكَر عِنْد أبي الْغَيْث شَهْرَيْن وَكَانَت مَكَّة مقحطة جدا فتعب الْجند من الغلاء وضجر أَبُو الْغَيْث من النَّفَقَة عَلَيْهِم فَكتب لَهُم خطة بالاستغناء عَنْهُم ففارقوه فَلم يلبث بعدهمْ سوى جُمُعَة حَتَّى قَصده أَخُوهُ حميضة فقاتله فَانْهَزَمَ أَبُو الْغَيْث وَقتل من أَصْحَابه جمَاعَة وفر هُوَ إِلَى أَخْوَاله هُذَيْل بوادي نَخْلَة وَأرْسل حميضة إِلَى الْملك النَّاصِر يستعطفه فَلم يرض عَنهُ وَأرْسل أَبُو الْغَيْث يستنصره فوعده بالنصر ثمَّ التقى الأخوان فِي رَابِع ذِي الْحجَّة عَام أَربع عشرَة وَسَبْعمائة فغلب حميضة أَخَاهُ أَبَا الْغَيْث فَأسرهُ ثمَّ أَمر بعد ذَلِك بعض عبيده بقتْله فَقتله بخيف بني شَدِيد ذبحا بِحَضْرَة النَّاس فهالهم ذَلِك قَالَ فِي عُمْدَة الطَّالِب إِن حميضة قتل أَخَاهُ أَبَا الْغَيْث على فرَاشه وَحمله إِلَى دَاره ثمَّ استدعى إخواته للضيافة فَاجْتمعُوا فَمَا راعهم أَلا أَبُو الْغَيْث مقتولاً فِي جَفْنَة مسلوقاً كَمَا هُوَ وَقد وضع بَين أَيْديهم وعَلى رَأس كل وَاحِد مِنْهُم غلامان أسودان من غلْمَان حميضة مَعَهم السِّلَاح فأذعنوا لَهُ بِالْملكِ قهرا ودامت لَهُ الْولَايَة على مَكَّة حَتَّى فَارقهَا فِي رَمَضَان سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة لما سمع بوصول أَخِيه رميثة ثمَّ وَليهَا رميثة مُنْفَردا مُتَوَلِّيًا إمرة مَكَّة المشرفة فِي عَسْكَر مَعَه من مصر وَذَلِكَ فِي سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة فَلَمَّا سمع حميضة فزع لذَلِك وَقبل وصولهم إِلَى مَكَّة بِسِتَّة أَيَّام أَخذ المَال من النَّقْد والبز وَهُوَ مائَة حمل وأحرق الْبَاقِي فِي الْحصن الَّذِي فِي الجديدة من وَادي مر وَقطع ألفي نَخْلَة وَكَانَ وُصُول الْعَسْكَر صُحْبَة الشريف رميثة إِلَى مَكَّة يَوْم السبت منتصف رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فأقاموا بهَا ثَلَاثَة عشر يَوْمًا ثمَّ توجهوا جَمِيعًا إِلَى الحليف وَهُوَ حصن بَينه وَبَين مَكَّة سِتَّة أَيَّام كَانَ حميضة بعد فعل مَا فعله التجأ إِلَى صَاحبه
стр. 1880
وصاهره لَعَلَّه يحتمى بِهِ فواقع الْعَسْكَر حميضة وَصَاحب الْحصن وَأخذُوا جَمِيع أَمْوَال حميضة وخزانته وَنهب الْحصن وأحرق وَأسر ولد حميضة ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَسلم إِلَى عَمه رميثة ثمَّ رَجَعَ الْجَيْش إِلَى مَكَّة فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة واستمروا إِلَى أَن حضر الْموقف وَرَجَعُوا وَاسْتمرّ رميثة بِمَكَّة وَنَجَا حميضة بِنَفسِهِ فقصده أَخُوهُ الشريف رميثة والعسكر فحاربوه فهرب حميضة ثمَّ احتال عَلَيْهِ النَّاصِر ملك مصر واعتقله ثمَّ احتال فِي الْهَرَب وَذَلِكَ أَنه أَمر بعض غلمانه الْخَاصَّة أَن يهيىء لَهُ فرسا سَابِقًا ليهرب عَلَيْهِ فَلَمَّا تمم لَهُ ذَلِك حضر الْغُلَام إِلَى بَاب السجْن وَالْفرس مَعَه فأوقفه نَاحيَة ثمَّ دخل إِلَى سَيّده ثمَّ لبس السَّيِّد لِبَاس الْغُلَام والغلام لِبَاس السَّيِّد فَلَمَّا خرج على الموكلين لم يشكوا أَنه الْغُلَام فهرب على فرسه وَقصد الْعرَاق واستنصر بِملكه خدابنده بن أرغون بن ابغا بن هولاكو ملك التتار وَطلب مِنْهُ جَيْشًا يَغْزُو بِهِ مَكَّة فَجهز مَعَه جَيْشًا عدتهمْ عشرَة آلَاف فَارس وَأمر عَلَيْهِم السَّيِّد أَبَا طَالب الدلقندي وَأمرهمْ بِطَاعَة حميضة فَسَارُوا إِلَى الْبَصْرَة وَمِنْهَا إِلَى القطيف طَالِبين أَطْرَاف الشَّام وَأرْسل حميضة إِلَى أُمَرَاء الْعَرَب من كل نَاحيَة فَأَجَابُوهُ والتجئوا إِلَى أُمَرَاء طيىء بالبادية فَقدر الله موت السُّلْطَان خدابنده وَكتب الْوَزير رشيد الدّين الطَّبِيب إِلَى عَسْكَر المغول بالْخبر فَلم يدبروا واشتهر الْخَبَر فطمع الْعَرَب فِي عَسْكَر المغول وَنَكَثُوا الْعَهْد وثاروا وأوقدوا نَار الْحَرْب فحارب حميضة بِنَفسِهِ ودافع عَن عَسْكَر المغول دفاعاً شَدِيدا بِحَيْثُ إِن أَبَا طَالب قَالَ مَا زلت أسمع بحملات عَليّ بن أبي طَالب حَتَّى رَأَيْتهَا عيَانًا فِي حميضة بن أبي نمي وتسحب حميضة وَمَعَهُ أَبُو طَالب وَملك شاه وَمَعَهُمْ ثَلَاث وَعِشْرُونَ رَاحِلَة إِلَى أَن قرب إِلَى مَكَّة وَكتب إِلَى أَخِيه رميثة يَسْتَأْذِنهُ فِي دُخُول مَكَّة فَمَنعه أَلا بِإِذن سُلْطَان مصر وَأرْسل إِلَى مصر يسْتَأْذن لَهُ وَإِن حميضة لم يكن مَعَه أَلا فرس وَاحِد فَكتب السُّلْطَان جَوَابا لرميثة إِن حضر حميضة إِلَى الديار المصرية على عزم الْإِقَامَة بهَا قابله السُّلْطَان بالأمان وسامحه من ذنُوبه السالفة وَأما الْحجاز فَلَا يُقيم بِهِ وَكتب إِلَى أبي طَالب الدلقندي وَملك شاه بالأمان وَأرْسل عدَّة أُمَرَاء إِلَى مَكَّة لإحضار حميضة وَلَو حضر من التتار فوصلوا إِلَى مَكَّة وَأَرْسلُوا إِلَى حميضة فِي معاودة الطَّاعَة وَأَن يتَوَجَّه مَعَهم إِلَى الْأَبْوَاب فَاعْتَذر بِالْعدمِ وَطلب مَا يَسْتَعِين بِهِ
стр. 1881
فَأَعْطوهُ فَلَمَّا قبض المَال تغيب فعادوا إِلَى الْقَاهِرَة فِي سادس عشر جُمَادَى الْآخِرَة من سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة فَلَمَّا كَانَ سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة أَو فِي أَوَاخِر السّنة الَّتِي قبلهَا وثب على أَخِيه رميثة وَاسْتولى على مَكَّة فَخرج مِنْهَا أَخُوهُ رميثة إِلَى نَخْلَة فَقطع حميضة الْخطْبَة عَن النَّاصِر وخطب لأبي سعيد بن خدابنده ملك التتار فانزعج النَّاصِر لذَلِك وَأرْسل عسكراً لإحضار حميضة بِسَبَب مَا فعل فى مَكَّة من خطبَته لصَاحب الْعرَاق خدابنده وَأَخذه أَمْوَال التُّجَّار ومحاربته أَخَاهُ رميثة وإخراجه إِيَّاه من مَكَّة وَقد كَانَ فعل ذَلِك كُله فَلَمَّا بلغه فر من مَكَّة فَلَمَّا دَخلهَا عَسْكَر النَّاصِر وَمنعُوا العبيد من حمل السِّلَاح وَنَادَوْا بالأمان وأظهروا الْعدْل فأرسلوا فِي طلب حميضة فَإِن السُّلْطَان ألزمهم بتحصيله وَحمله إِلَى مصر وَألا يعودوا إِلَى الديار المصرية أَلا بحميضة وَأَرْسلُوا إِلَى الْعَسْكَر أَمِيرا يُقَال لَهُ بهادر الإبراهيمي كَانَ من أهل يَنْبع فَلَمَّا وصلوا توجه الإبراهيمي لمحاربة حميضة وتقاربا فَلم يقدم الإبراهيمي على مواجهته وفر حميضة فَاقْتضى رَأْي الْعَسْكَر أَن يلزموا رميثة والإبراهيمي باتهامهما أَنَّهُمَا بَاطِنا على حميضة حَتَّى فر وَكَانَ الْقَبْض عَلَيْهِمَا رَابِع عشر ذِي الْحجَّة الْحَرَام بعد انْقِضَاء أَيَّام التَّشْرِيق وَأَرْسلُوا بهما تَحت الاحتفاظ إِلَى مصر فَلَمَّا وصلا مصر رسم على الشريف رميثة ثمَّ شفع فِيهِ فَأكْرمه السُّلْطَان ورتب لَهُ كل يَوْم شريحتين ذَهَبا وَكَانَ يطلع إِلَى الدِّيوَان إِلَى يَوْم من الْأَيَّام خرج إِلَى أَطْرَاف مصر وَكَانَ قد هيئت لَهُ النجب فَركب وفر فَلَمَّا علم السُّلْطَان بِهِ أرسل فِي إثره وألزم بعض مَشَايِخ الْعَرَب وَكتب إِلَى شيخ آل حَرْب يَقُول لَهُ هَذَا هرب إِلَى بلادك مُعْتَمدًا عَلَيْك وَلَا أعرفهُ أَلا مِنْك وَإِن لم تأتني بِهِ فَأَنت خصمي فَأَنت الَّذِي أعنته على الْخُرُوج فَركب شيخ آل حَرْب بالهجن السَّبق وَسَار مجداً حَتَّى أدْرك الشريف رميثة تَحت الْعقبَة وَقد اطْمَأَن فَنَامَ فَجَلَسَ عِنْد رَأسه وَقَالَ لَهُ قُم يَا أسود الْوَجْه فَقَالَ لَهُ الشريف رميثة صدقت لَو لم أكن أسود الْوَجْه مانمت حَتَّى أدركتني فَلَزِمَهُ وَدخل بِهِ إِلَى مصر فَوضع فِي السجْن الْكَبِير واحتفظ عَلَيْهِ وَكَانَ الْقَبْض عَلَيْهِ فِي شهر جُمَادَى الأولى سنة تسع عشرَة وَسَبْعمائة وَتوجه إِلَى مَكَّة وَكَانَ أمرهَا لِأَخِيهِ عطيفة الْآتِي ذكره على الْفَوْر وولوا على مَكَّة الشريف عطيفة
стр. 1882
ثمَّ وَليهَا الشريف عطيفة بن أبي نمي من الْملك النَّاصِر وأنفذ مَعَه عسكراً فبلغوها سنة تسع عشرَة وَسَبْعمائة وَعَلَيْهِم أميران وَأَقَامُوا عِنْده ثمَّ توجه الأميران اللَّذَان كَانَا بِمَكَّة الْعَام الماضى وَكتب الشريف عطيفة أَن القواد أَطَاعَته وَأَن الشريف حميضة عزم الْيمن وتفرق عَنهُ العربان وَبَنُو شُعَيْب الَّذين كَانُوا مَعَه جنده ورخصت الْبِلَاد وَأمنت النَّاس على أَمْوَالهم وَدِمَائِهِمْ فَلَمَّا بلغ الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون صَاحب مصر ذَلِك خرج إِلَى الْحَج تَاسِع ذِي الْقعدَة بعد الْحَاج وَوصل إِلَى مَكَّة بتواضع وانكسار وذل بِحَيْثُ إِن بعض النَّاس حسن لَهُ الطّواف رَاكِبًا كَمَا فعله
فَقَالَ وَمن أَنا حَتَّى أتشبه بالنبى
وَالله مَا أَطُوف أَلا مَعَ الْحجَّاج فَكَانُوا يدْفَعُونَ عَنهُ النَّاس وَهُوَ يَنْضَم إِلَيْهِم يَقُول لعَلي أقبل برحمة وَاحِد مِنْهُم وَأبْدى من الْمَعْرُوف وَالْإِحْسَان وَالْخَيْر فِي الْحَرَمَيْنِ مَا لَا يُوصف وَسَأَلَهُ التُّجَّار وَأهل مَكَّة أَن يبْقى عِنْدهم عسكراً لِئَلَّا يرجع إِلَيْهِم حميضة فَفعل وَاتفقَ ذَلِك الْعَام أَن شخصا من أكَابِر خدام الدولة طلع إِلَى الْبَيْت ليباشر فِي الْكسْوَة وَجلسَ على طُنفِ الْبَيْت الشريف فَأنْكر النَّاس جُلُوسه وَعدم أدبه فَأَخذه النعاس فَسقط من أَعلَى الْبَيْت إِلَى المطاف فَكَانَ أعظم عِبْرَة لمن اعْتبر وعزم السُّلْطَان إِلَى مصر فَقدم حميضة من الْيمن بِجَيْش سنة عشْرين وَسَبْعمائة فَأَرَادَ دُخُول مَكَّة فَلم يظفر وانتصر عَلَيْهِ عطيفة وَمن مَعَه من الْعَسْكَر المقيمين بِمَكَّة الَّذين أبقاهم النَّاصِر فَلَمَّا ولى هَارِبا خرج مَعَه ثَلَاثَة من المماليك وَأَقَامُوا عِنْده وَكَانَ بِمَكَّة أَمِير الْعَسْكَر يُسمى بيبرس الْحَاجِب أرسل إِلَى الشريف حميضة يرغبه فى مَكَّة وَالصُّلْح وَالْحلف وَكَانَ الشريف حميضة بِقرب نَخْلَة فَقَالَ لَهُ الشريف حميضة أرسل إِلَى أحد أولادك يكون عِنْدِي رهينة فَأرْسل إِلَيْهِ الْأَمِير بهدية صُحْبَة وَلَده وَجَمَاعَة فَفِي حَال خُرُوجهمْ إِلَيْهِ جَاءَ الْخَبَر بِمَوْت الشريف حميضة وَأَنه وثب عَلَيْهِ بعض مماليكه وَهُوَ نَائِم فَقتله جَاءَ بِهَذَا الْخَبَر رجل من الْأَعْرَاب فَأنْكر الْأَمِير وُقُوع ذَلِك وَظن أَن ذَلِك مكيدة فتوقف عَن إرْسَال وَلَده والهدية فَلَمَّا كَانَ الْمسَاء طرق بَاب المعلاة بِمَكَّة فَفتح فَإِذا مَمْلُوك اسْمه استدمر وَهُوَ على حجرَة حميضة وصل إِلَى مَكَّة فَأرْسل الْأَمِير ولديه نَاصِر الدّين مُحَمَّد وشهاب الدّين أَحْمد إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة بِهَذَا الْخَبَر وجهز من توجه لإحضار سلب حميضة
стр. 1883
والمملوكين الباقيين فأحضر السَّلب وَأحد المملوكين وَقيل إِن الثَّالِث مَاتَ فألزم صَاحب نَخْلَة بإحضاره وتوعده إِن تَأَخّر فَأحْضرهُ وَاسْتمرّ الْأَمِير بيبرس إِلَى أَن عَاد الْجَواب بِطَلَبِهِ فَتوجه فِي شعْبَان وَوصل إِلَى مصر أَوَائِل رَمَضَان فشمله الإنعام السلطاني وَكَانَ مَعَ الشريف حميضة هَذِه المهرة عزيزة اسْمهَا جُمُعَة طلبَهَا مِنْهُ السُّلْطَان فِي السَّابِق فَلم يسمح لَهُ بهَا وَلما وصل الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان أَمر بقتل الْمَمْلُوك الْقَاتِل وَهُوَ أحد مماليك ثَلَاثَة للسُّلْطَان هربوا لما كَانَ بِمَكَّة لِلْحَجِّ ووصلوا إِلَى حميضة اسْمه استدمر أخبر أَنه قتل حميضة اغتاله وَهُوَ نَائِم وفر على حجرَة حميضهْ الْمُسَمَّاة جُمُعَة الْمَشْهُورَة ثمَّ جرد سَيْفه وَإِذا بِهِ أثر الدَّم وَكَانَ ذَلِك فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة عشْرين وَسَبْعمائة وَذكر اليافعي أَن حميضة كَانَ يَقُول لأبي خمس فَضَائِل الشجَاعَة وَالْكَرم والحلم وَالشعر والسعادة فالشجاعة لعطيفة وَالْكَرم لأبي الْغَيْث والحلم لرميثة والسعادة لي حَتَّى لَو قصدت جبلا لدهكته وَمِمَّا قيل فِي حميضة قَول موفق الدّين الحديدى قصيدة هِيَ // (من الْخَفِيف) //
(قَدَحَ الوَجْدُ فِي فُؤَادِى زِنَادا ... مَنَعَ الجَفْنَ أنْ يَذُوقَ الرُّقَادَا)
(وفُؤَادُ الشَّجِيِّ يَوْمِ الْآل ... سَاقهُ سَائِقُ الظُّعُونِ وَقَادَا)
(بَدِّلينى بِالوَصْلِ هَجْراً وبالزوْرَة ... ِ صَدًّا وبالتَّدَانِى بِعَادَا)
(يَا مُعِيدَ الحَديثِ عُدْنِيهِ عَنْهُمْ ... مَا أَلَذَّ الَحدِيثَ عَنْهُم مُعَادا)
(هاتِ بِاللَّه يَا مُحَدِّثُ حَدِّثْ ... بِجِيَادٍ جَاد الغَمَامُ جِيَادا)
(بَلَدًا بِالشَّرِيفِ شَرَّفَهُ الله ... بِقَاعًا شيحَانُهُ وَوِهَادا)
(مَلِكٌ مِنْ قَتَاَدة مَلأَ الأَرْضَ ... نِصَالاً مَحْشُودَةً وصِعَادا)
(إِن أكُنْ فِي حميضَةٍ زِدتُّ فى الْمَدْحِ ... فَقَدْ زَادَ فِى نَوَالِى وَزَادَا)
(رَجُلٌ سَالَمَ المسالِمَ فِي الله ... ِ وفِى اللهِ للمُعَادِينَ عَادَى)
(عَادَ أبْدَى أوْلَى فَوَالَى تَعَالَى ... عَزَّ أَعْطَى سَطَا أَفَادَ أَبَادَا)
(جَادَ أغْنَى عَلَا سَمَا جَلَّ جَلَّى ... ظُلَمَ الظُّلْمِ عَدْلُهُ سَارَ سَادَا)
(حَسَنُ السَّمْتِ لَيْسَ يَحْسُنُ أَنْ تَسْمَعَ ... إِلَاّ فِي مِثْلِهِ الإنْشَادَا)
(إِبْنِ بِنْتِ النَّبيِّ لَمَ يَجْعَلِ اللهُ ... سِوَاكُمْ لأرْضِهِ أَوْتَادَا)
стр. 1884
(يَا رِكَابَ الآمَالِ ويحَكِ بالنُّجْحِ ... بحصنِ الجَدِيدِ أُمِّى نِجَادا)
(يَا جَوَادَ الزَّمَانِ مَا زُرْتَ مَعْنَاهُ ... ابْتُ مِنْ عَنْدِهِ أَقُودُ جَوادَا)
(كُلُّ شِعْرٍ أَتَاكُمُ غَيْرُ شِعْرِي ... يَا أَبا زيد لَيْسَ يَسْوَى المِدَادَا)
وَقَالَ فِي الْعُمْدَة إِن السُّلْطَان النَّاصِر هُوَ الَّذِي دس عَلَيْهِ من قَتله غيلَة وَالله أعلم بالحقائق ثمَّ إِن السُّلْطَان أطلق الشريف رميثة حِينَئِذٍ من السجْن وَأحسن إِلَيْهِ وأشركه فِي إمرة مَكَّة مَعَ أَخِيه عطيفة وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة وَكَانَت سنة قحط لعدم الأمطار وَعدم الْوَاصِل من الْبَحْر فَتوجه الشريف عطيفة إِلَى مصر وشكا ذَلِك فرسم السُّلْطَان بِحمْل الْحبّ إِلَيْهَا ورتب لصَاحب مَكَّة كل عَام شَيْئا يحمل إِلَيْهِ من بلدين بالصعيد وألزمه أَن يسْقط المكوس الَّتِي تُؤْخَذ من مَكَّة على المأكولات الَّتِي تجلب إِلَيْهَا فَفعل ذَلِك وَفِي موسم سنة ٧٣٠ ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة اتّفق أَن أهل الْعرَاق جَاءُوا بفيل عَظِيم جعلُوا محملهم عَلَيْهِ فتطير الْعَالم مِنْهُ وَقَالُوا هَذَا عَام الْفِيل ثمَّ دخلُوا بِهِ مَكَّة ووقفوا بِهِ بِعَرَفَة ثمَّ توجهوا بِهِ إِلَى الْمَدِينَة المشرفة فَلَمَّا وصلوا الفريش وَقدمُوا على الْبَيْدَاء أوقفهُ الله فَلم يسْتَطع الْمَشْي فضربوه ضربا مبرحاً فَلم يبرح فَلم يزَالُوا يضربونه حَتَّى مَاتَ هُنَالك وَقدر الله بعد إتْمَام الْحَج بِمَكَّة أَن سَافر أَمِير أول وَتَأَخر أَمِير الْمحمل الْمصْرِيّ الْمُسَمّى أزدمر الخازندار تَأَخّر لصَلَاة الْجُمُعَة فَلَمَّا صعد الْخَطِيب الْمِنْبَر عَبث بعض العبيد بخطف شَيْء من أَمْتعَة الْحجَّاج بِبَاب إِبْرَاهِيم فصرخت النَّاس فارتج الْمَسْجِد فَفَزعَ السَّيِّد مبارك بن عطيفة وفواده بِآلَة الْحَرْب وركبوا الْخَيل وتبعهم الشريف عطيفة فبادر ولد أَمِير الْحَاج لتخميد الْفِتْنَة فأصابته حَرْبَة فَفَزعَ وَالِده أَمِير الْحَاج أزدمر وهم بقتل الضَّارِب فأصابته حَرْبَة أُخْرَى فماتا جَمِيعًا فَاشْتَدَّ الْأَمر وَعظم وهجم بِالْخَيْلِ إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام ونهبت الْأَسْوَاق وتعب الشريف عطيفة وتحير فِي أمره وَلم يسْتَطع ردهم وَلَا قهرهم وَكَانَ حَتَّى الْحَاج نَفسه ينهب بعضه بَعْضًا فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك أَمر بقتل الْأَشْرَاف وَقطع الْأَشْجَار من وادى نَخْلَة والأودية وَأجلى نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ وجهز عسكراً وَأمرهمْ أَن يقيموا بِمَكَّة وَلَا يرتحلوا حَتَّى يقضوا حَاجته فِي الْمَأْمُور فيهم بذلك وَكَانَ شخص من أهل الْعلم
стр. 1885
يُسمى قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين الْقزْوِينِي واعظاً فَقَامَ وَوعظ السُّلْطَان وَنَهَاهُ أَن يحدث فِي حرم الله أَو أَبنَاء رَسُول الله
وَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا الرَّأْي أَن ترضيهم وتأخذهم بالطيب فَأرْسل إِلَيْهِم بعض الْأُمَرَاء بِدُونِ مَا كَانَ جهزه ونواه وعزل الشريف عطيفة لأَنهم اتَّهَمُوهُ بقتل الْأَمِير أزدمر الخازندار الْمَذْكُور بعد أَن دَامَ سُلْطَانه عَلَيْهَا إِلَى سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَرَضي عَن الشريف رميثة وَأَعَادَهُ لولاية مَكَّة فوليها رميثة بمفرده وولاه إمرتها مُفردا مُسْتقِلّا إِلَى عَام أَربع وَثَلَاثِينَ وَمضى عطيفة إِلَى مصر بعد عَزله وَوصل مُتَوَلِّيًا لإمرة مَكَّة شَرِيكا لرميثة ثمَّ أخرجه رميثة لَيْلَة رحيل الْحَاج من مَكَّة من هَذِه السّنة ثمَّ اشْتَركَا فِي ذِي الْحجَّة من سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة ثمَّ فِي رَمَضَان من سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ هجم رميثة مَكَّة وَخرج مِنْهَا بعد قتل وزيره الرباع وَبَعض أَصْحَابه وَعَاد إِلَى الجديدة ثمَّ اصطلحا واشتركا فِي الإمرة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وتوجها إِلَى مصر للْملك النَّاصِر مطلوبين فعوق عطيفة فِيهَا وَلزِمَ حَتَّى مَاتَ بهَا فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين بالقبيبات ظَاهر الْقَاهِرَة وَدفن هُنَاكَ وَكَانَ مَوْصُوفا بشجاعة مفرطة رَحمَه الله تَعَالَى وَمِمَّا قيل فِيهِ قَول الْعَلامَة شرف الدّين يحيى الْمَعْرُوف بالقشر المكى قصيدة مِنْهَا // (من الْكَامِل) //
(تَجرِى مَقَادِيرُ الْإِلَه بمَا تَشَا ... والدَّهْرُ قَدْ ألْقى إليكَ زِمَامُهُ)
(أللهُ أَعْطاكَ الذِى أَمَّلْتَهُ ... فَدَعِ الحَسُودَ تُمِيتُه أَوْهَامُهُ)
(مَا للسُّكُوتِ إفَادةٌ عَنْ كلِّ مَنْ ... أَمدَتْ بِه بَيْنَ الوَرَى أَجْرَامُهُ)
(هَا قَدْ قَدَرْتَ فَلَا تَكُنْ مُتَوَانيًا ... فَالأُفْعُوَانُ قَوِيَّةٌ أَسْمَامُهُ)
(لَا تَحْلمَنَّ عَنِ العَدُوِّ تَكَرُّمًا ... كَمْ سَيِّدٍ ضَرَّتْ بِهِ أَحْلَامُهُ)
(لَا تَحْقرنَّ أَخَا العَدَاوة إِنَّهُ ... كَالجَمْرِ يُوشِكُ أَنْ يَضُرَّ ضِرامُهُ)
(أَنْتَ المليكُ ابنُ المليكِ أصَاَلةً ... فَالجُودُ مِنْكُمْ وُفِّرَتْ أَقْسَامُهُ)
(أَوَ مَا عَلِمْتَ بأنَّ فِيك فَصاحةٌ ... مَا حَازها قُسٌّ ولَا أَقْوَامُهُ)
(ليثٌ تَخَافُ الأُسْدُ مِنْ سَطَوَاتِهِ ... غيثٌ يَجُودُ عَلَى الأَنَامِ غَمَامُهُ)
(مَنْ لَيْسَ مَشْغُولَ البَنَانِ عَن النَّدى ... يَوْماً إِذا شَغَلَ اليَمِينَ حُسَامُهُ)
وَعَاد رميثة مُتَوَلِّيًا مُنْفَردا فوصل فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَلم يزل مُنْفَردا بهَا
стр. 1886
مُسْتقِلّا إِلَى سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة كَمَا سَيَأْتِي وَوَقع فِي ولَايَة الشريف رميثة بن أبي نمي وَاقعَة وَهِي أَنه لثلاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَقعت فتْنَة بِعَرَفَة بَين الْحجَّاج المصريين وَبَين أهل مَكَّة من أهل مَكَّة من قبل الظّهْر إِلَى غرُوب الشَّمْس قتل فِيهَا جمَاعَة وَمن التّرْك سِتَّة عشر نَفرا وَمن أَتبَاع الْأَشْرَاف نَاس قَلِيل وَنَفر النَّاس من عَرَفَة قبل الْغُرُوب وسلكوا طَرِيق الْمظْلمَة وَلم يقعوا بِمُزْدَلِفَة ورحل الْحجَّاج جَمِيعهم يَوْم النَّفر ونزلوا الزَّاهِر وَلم يطوفوا خوفًا على أنفسهم وتعرف هَذِه السّنة عِنْد أهل مَكَّة بِسنة الظلمَة وَأُصِيب فى السّنة السَّيِّد مُحَمَّد بن عقبَة بن إِدْرِيس بن قَتَادَة بن إِدْرِيس بن مطاعن يَوْم الثُّلَاثَاء حادي عشر ذِي الْحجَّة الْحَرَام ثمَّ فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وَقع بَين أهل مَكَّة كَذَلِك وأمير الْحَاج حَرْب وَقتل جمَاعَة وَسلم الله الْأَشْرَاف وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَسلم الله الْحَج من النهب ببركة الشريف رميثة غير أَنه كَانَ غلاء عَظِيم بِيعَتْ الويبة الشّعير بدينارين والرطل البقسماط بِثَلَاثَة دَرَاهِم والويبة الدَّقِيق بِخَمْسِينَ درهما والإردب الْقَمْح بِمِائَتي دِرْهَم وَكَانَ الْحَاج الْمصْرِيّ والشامي كَبِيرا جدا وفيهَا أَعنِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة اشْترى الشريف عجلَان بن رميثة وَأَخُوهُ الشريف ثقبة بن رميثة اشتريا مَكَّة من أَبِيهِمَا رميثة بستين ألف دِرْهَم لِأَنَّهُ كبر سنا وَصَارَ أَوْلَاده كل مِنْهُم يحكم فِي الْبِلَاد بِمَا شَاءَ وَاخْتَارَ فَمَا رَضِي بذلك ملك مصر لما بلغه وَأرْسل إِلَى الشريف ثقبة وخدعه وَطَلَبه إِلَيْهِ فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ بِمصْر حَبسه فَعِنْدَ مَا بلغ الشريف عجلَان حبس أَخِيه ثقبة أَخذ جلاب الْيمن جَمِيعًا فَكَانَ ذَلِك بعض أَسبَاب الغلاء وَأعَاد رميثة إِلَى إمرة مَكَّة فَعَاد وَاسْتمرّ إِلَى سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة فعزل عَنْهَا بِابْنِهِ عجلَان وَكَانَ الْملك الْكَامِل ولاه ذَلِك فِي مصر فوصل مَكَّة مُتَوَلِّيًا ودخلها فِي حَيَاة أَبِيه وَتُوفِّي وَالِده رميثة فِي النّصْف من شهر ذِي الْقعدَة الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَ الشريف رميثة سيداً جَلِيلًا فَاضلا نبيلاً شَاعِرًا كَرِيمًا حازماً حَلِيمًا وَلما تغلب ابْنه أَحْمد على الْحلَّة وأعمالها من الْعرَاق كتب إِلَيْهِ أَبوهُ رميثة قصيدة يذكر فِيهَا شرف مَكَّة وفضائلها ويذم الْعرَاق وَأَهله فَلَمَّا قتل أَحْمد وصل الْخَبَر إِلَى
стр. 1887
أَبِيه فَقَالَ قد علمت مُنْذُ تعرض لبلاد المغول أَنه مقتول وَانْقطع الْحَاج عَن مَكَّة خوفًا من أَبِيه رميثة وَكَانَت وَفَاة رميثة يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن من ذِي الْقعدَة الْحَرَام سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة كَمَا تقدم وطيف بِهِ أسبوعاً كَمَا هِيَ عَادَة أسلافه وَذَلِكَ وَقت صَلَاة الْجُمُعَة والخطيب على الْمِنْبَر فَكف حَتَّى فرغوا من الطّواف بِهِ وَكَانَ ابْنه عجلَان يطوف مَعَ الجنارة ثمَّ جعله فِي مقَام الْخَلِيل على نَبينَا وَعَلِيهِ أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم وَدفن بالمعلاة عِنْد قبر أم الْمُؤمنِينَ السيدة خَدِيجَة بنت خويلد زوج النبى
كَانَت ولَايَته على مَكَّة سبع مَرَّات ومجموعها ثَلَاثُونَ سنة أَو أَكثر مُسْتقِلّا أَربع عشرَة سنة وَنصف سنة أَو أَزِيد وشريكاً لِأَخِيهِ حميضة فِي مرَّتَيْنِ مجموعهما نَحْو عشر سِنِين وشريكاً لِأَخِيهِ عطيفة سِتّ سِنِين أَو أَزِيد وَكَانَ يكنى أَسد الدّين ويلقب أَبَا عَرَادَة وَكَانَ لَهُ من الْأَوْلَاد أَحْمد وَسَنَد وثقبة وعجلان ومغامس رَحمَه الله تَعَالَى وَمِمَّا قيل فِيهِ قَول موفق الدّين الحديدي من الْكَامِل
(باللهِ هاتِ عَنِ اللَّوَى وطُلُولِهِ ... وعَنِ الغَضَا وجَلالِهِ وحُلُولِهِ)
(أَطِلِ الحَديثَ فَإِنَّ تَقْصِيرَ الذِي ... يَلْقَى مِنَ التَّبْريحِ فى تَطْويلِهِ)
(عَلِّلْ بِذكْرِ العَامِرِيَّةِ قَلْبَهُ ... فَشِفَاءُ عِلَّةِ ذَاكَ فِي تَعْلِيلِهِ)
(وإذَا عَليِلُ الرِّيحِ أَهْدَى نَحْوَهُ ... نَشْرًا فَنَشْرُ عَلِيله بِعَليلِهِ)
(رَشَأٌ رَنَا فَرَمَى فُؤَادَ مُحبِّهِ ... عَنْ قَوْسِ حَاجِبِه بِسَهْمِ كَحِيلِهِ)
(وحَوى القُلُوبَ بِأَسْرِهَا فِى أَسْرِهِ ... وسَبَى البَهَا بِرَسيلِهِ وأسِيلِهِ)
(وَبَيَاضِهِ وسَوَادهِ وقَويهِ ... وَضَعِيفِهِ وخَفِيفهِ وثَقِيلِهِ)
(وتَفَيَّأَ الظِّلَّ الذِى ضَمِنَتْ لَهُ اْلأيَّامُ ... بَيْنَ مَبِيتِهِ ومَقِيلِهِ)
(حَطَّ الرِّحَالَ بِمَكَّةٍ وأَقَامَ فِي ... حَرَمِ الخِلَافةِ يَعْدَ طُولِ رَحِيلِهِ)
(جَلَبَ المديحَ لمنجبِ بنِ مُحَمِّدِ إبْنِ ... نَبِيِّهِ ابْنِ وَصيِّه ابنِ بَتُولِهِ)
وَمِنْهَا
(واقرأ تحيَّتهُ البطين ومجد إِبْراهيمِهِ ... فِي صلْب إسماعيلِهِ)
стр. 1888
(مَا بَيْنَ شبره وبَينَ شبيرِهِ ... شرفٌ يَطُولُ لِهَاشِمٍ وعَقِيلِهِ)
(نَسَبٌ كَمُشْقِّ الشُّمُوسِ ومَفْخَر ... باعُ الكَوَاكِبَ قَاصِرٌ عَنْ طُولِهِ)
(أَمَّا الفُرُوعُ فَلَيْس مِثْلَ فُرُوعِهِ ... وكَذَا الأُصُولُ فَلَيْسَ مِثْلَ أُصُولِهِ)
(يَابْنَ المُظَلَّلِ بَالغَمَامَةِ والذِي ... قَدْ أُنْزِلَ القُرآنُ فِى تَفْضِيلِهِ)
(مَاذا عَسَى مَدْحِى وَقَدْ نَزَلَ الثَّنَا ... فِيكُمْ مِنَ الرَّحْمنِ فِي تَنْزِيلِهِ)
(فِى هَلْ أَتَاكَ وَهَلْ أَتَى وَحَدِيدِه ... حَقَّا وغَافِرِهِ وفِى تَنْزِيله)
(قَالوا مَدَحْتَ رُمَيْثَةً فَأَجَبتُهُمْ ... لَيْسَ المَديحُ يَنَالُ غَيْرَ مُنِيلِهِ)
... ولكَيْفَ لَا أُثْنِى عَلَى مَنْ عَمَّنِي ... دونَ الوَرَى مِنْ خَيْرِهِ بِجَزِيلِهِ)
(بِنُضَارِهِ وِلُجَيْنِهِ وثَوَابِهِ ... وثيابِهِ ورِكَابه وخُيُولِهِ)
هَذَا مَا وجدت وَلَا أعلم هَذَا آخرهَا أم لَهَا آخر وَهِي عَظِيمَة الشَّأْن من الْحسن فِي المبنى وَالْمعْنَى بمَكَان وللأديب أبي عَامر مَنْصُور بن عِيسَى بن سحبان الزيدي فِيهِ قصيدة أَولهَا // (من الْكَامِل) //
(مَا أَومَضَتْ سَحَرًا بُرُوقُ الأَبرقِ ... إِلَاّ شَرقْتُ بدَمْعِيَ المُتَرقْرقِ)
(صنَمٌ شُعِفْتُ بِهِ وغصْنُ شبابه ... غضٌّ وَبَرْدُ شبيبتي لم يخلَقِ)
(شقَّتْ عرى كَبِدِى شقائقُ خدِّهِ ... وبكأسِ فِتْنَتِهِ سُقِيتُ وَمَا سُقِي)
(مَا فاتَ من عُمْرٍ فِللْغِيدِ الدُّمى ... لَا أَرْشَ فِيهِ وللصَّبَابَةِ مَا بَقِى)
وَمن مديحها قَوْله // (من الْكَامِل) //
(رَجُلٌ إِذا اشْتَبَهَ الرجالُ عرفْتهُ ... بجلالِ صُورتِهِ وحسنِ المنطقِ)
(ومظفَّرُ الحملاتِ يرقصُ مِنْهُ قلبُ ... المغربِ الأَقْصَى وقلبُ المشرقِ)
(عَلَمٌ يدلُّ على كَمَالِ صفاتِهِ ... كَرَمُ الفُرُوعِ لَهُ وطيبُ المَعرقِ)
(يلقَى بوجهِ البِشْرِ طارقَ بابِهِ ... لَيْلاً ويرزقُ مِنْهُ من لم يرزقِ)
(عَزَّتْ بَنو حَسَنٍ بدَوْلته الَّتِي ... عزُّالذليلِ بهَا وأَمْنُ المفرقِ)
(هُوَ صُبْح لَيْلَتهَا وبدْرُ ظَلَامِهَا ... ولسانُ حِكْمَتِها وصدْرُ الفيلقِ)
(لَا يتَّقَى مِنْ كُلِّ حَادِثَة بهَا ... وَبِه بِمَكْرُوهِ الحوادثِ نتَّقِي)
وَله فِي أَيْضا // (من الْخَفِيف) //
стр. 1889
(حَفِظَ العَهْدَ بَعدنَا أَمْ أضاعا ... وعَصَى لائتمامه أمْ أطاعا)
(ورعَى حرمةَ الجوارِ وراعَى ... أم وهَى بالفراق قلْبى وَرَاعَا)
(مَنْ يكُنْ يحمدُ الوَدَاعَ فإِنِّي ... بعد يومِ النَّوَى أذمُّ الوداعا)
(جيرتي مَا لنا حَفِظْنَا هواكُمْ ... وَغدا حبُّنا لديْكُمْ مُضَاعا)
(إنَّ مَنْ قَدَّر الفراقَ علينا ... قادرٌ أَن يقدِّرَ الإجتماعا)
(قلْ لذاتِ القناعِ هَل جئْتُ ذَنبا ... فيكِ حَتَّى أسبلْتِ دوني القناعا)
(إنَّ مَنْ أشبَعَ السوارَيْنِ يَدَّيْكِ ... لَمَجْرى الوشاح مِنْكِ أجاعا)
وَمِنْهَا // (من الْخَفِيف) //
(قل لأَهْلِ الزَّمَانِ إنى وإنْ رِيعَ ... سوَاىَ بكَيْدكُمْ مُرْتاعا)
(نحنُ فِي دولةٍ إِذا مّدَّتِ الناسُ ... إلَيْنَا شبْرًا مدَدْنا ذِرَاعا)
(طلبتْ بِي أَبَا عَرَادَة عيسٌ ... لَا تملُّ الإرقالَ والإيضاعا)
(عرستْ من رميثة بعراصٍ ... لم يزلْ نبْتُ روضها ممْرَاعا)
(نزلَتْ سوحَهُ عطاشاً جياعاً ... فَأَقَامَتْ بِهِ رواءً شِباعا)
(رَجُلٌ لَا ترَاهُ بالمالِ مفراحًا ... وَلَا مِنْ مُلمَّة مِجْزَاعا)
(وَعَلِيهِ بِكْرُ الخلافةِ ألقَتْ ... إِذْ رَأَتْهُ رداءها والقِنَاعا)
(لَيْسَ بالنَّازلِ الوِهَاد مِنَ الأرضِ ... ولكنَّهُ يحلُّ اليفاعا)
(موقداً ناره على نَشَزِ الأرضِ ... إِذا النَّاسُ لبسوها القفاعا)
(نَمْ هَنِيئًا يَا جَاره مِلْءَ عينْيكَ ... وَلَا تخشَ نَائِبا أَن تراعا)
ثمَّ وَليهَا بعده ابْنة عجلَان بن رميثة بن أبي نمي بن مُحَمَّد بن أبي سعد الْحسن بن عَليّ بن أبي عَزِيز قَتَادَة يلقب عز الدّين ولي مَكَّة غير مرّة نَحْو ثَلَاثِينَ سنة مُنْفَردا إِلَى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين ثمَّ شَرِيكا لِأَخِيهِ ثقبة إِلَى سنة خمسين وَسَبْعمائة ولولده أَحْمد بن عجلَان وَوَقعت بَينه وَبَين أَبِيه وَإِخْوَته وَولده أَحْمد منازعات اقْتَضَت عزمه إِلَى مصر مرَارًا أَولهَا سنة موت وَالِده رميثة سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة فَوَافَقَ وُصُوله إِلَيها موت ملكهَا الْملك الصَّالح وتولية ابْنه الْكَامِل فولى الْكَامِل الشريف عجلَان مَكَّة مُنْفَردا فوصل إِلَيْهَا وقرىء مرسومه بالتولية ودعى لَهُ بعد الْمغرب بِأَعْلَى زَمْزَم على الْعَادة وَقطع
стр. 1890
الدُّعَاء عَن وَالِده رميثة وَذهب أَخُوهُ ثقبة إِلَى وَادي نَخْلَة وَأعْطى عجلَان أَخَاهُ مغامس أَو مُبَارَكًا الْمَكَان الَّذِي عرف بالواديين وَأظْهر الشريف عجلَان الْعدْل فِي مَكَّة وأبطل المكوس والنهب وَالْقَتْل وَخرج ربع الجبايات فَفِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة وصل ثقبة من مصر وَبِيَدِهِ مرسوم بِنصْف الْبِلَاد وَأَن الشريف عجلَان يكون لَهُ النّصْف الآخر وَفِي سنة تسع بِتَقْدِيم التَّاء وَأَرْبَعين وصل إِلَى مَكَّة إِلَيْهِ مبارك بن عطيفة من الْيمن وهم أَن يدْخل مَكَّة فَألْقى الله فِي قلبه الرعب فَرجع وَوصل إِلَى سواكن وَمَات بهَا ثمَّ وَقع بَين الشريف عجلَان وأخيه الشريف ثقبة سنة خمسين وَسَبْعمائة فتْنَة وَكَانَ ثقبة بالجديد وعجلان بِمَكَّة فَخرج إِلَيْهِ الشريف عجلَان فَلَمَّا هم بِالْقِتَالِ مَنعه الْأَشْرَاف والقواد وَأَصْلحُوا بَينهمَا وعزم الشريف عجلَان إِلَى خيف بني شَدِيد وَدخل ثقبة مَكَّة ثمَّ عزم عجلَان إِلَى مصر وَهَذِه هِيَ السفرة الثَّانِيَة فَقطع الشريف ثقبة الدُّعَاء لِأَخِيهِ عجلَان فَلَمَّا وصل الشريف عجلَان إِلَى مصر كتب لَهُ مرسوم بإمرة مَكَّة وَأرْسل مَعَه أَمِير وَاشْترى المماليك لنَفسِهِ واستخدم حَملَة عَسْكَر وتجهز وَصَحب مَعَه حمل نشاب وقسى وَوصل إِلَى مَكَّة بِهَذَا الْجمع فعزم الشريف ثقبة وأخواه سَنَد ومغامس إِلَى الْيمن وتلقوا الْجلاب ونجلوها بحلى وَاسْتمرّ الشريف عجلَان فِي ولَايَة مَكَّة فَلَمَّا كَانَ موسم إِحْدَى وَخمسين وَسَبْعمائة وَقع بمنى قتل وَنهب من أول النَّهَار إِلَى غرُوب الشَّمْس وَذَلِكَ أَن السُّلْطَان الْملك الْمُجَاهِد صَاحب الْيمن حج فِي عَسْكَر كَبِير ووصلوا مَعَ الْأَشْرَاف السَّيِّد ثقبة وأخويه سَنَد ومغامس فَأوحى الشريف عجلَان إِلَى أُمَرَاء الْحَاج الْمصْرِيّ والشامي أَن الْملك الْمُجَاهِد نِيَّته أَن يُولى ثقبة إِذا عزمتم ويخلع كسوتكم ويكسو الْبَيْت بالكسوة الَّتِي صحبها مَعَه فأرسلوا إِلَيْهِ وعرفوه بِمَا ذكر فَأنْكر ذَلِك فَقَالُوا أعطنا ثقبة يكون رهنا عندنَا حَتَّى نَدعك تدخل فَأرْسل إِلَيْهِم بالشريف ثقبة فأجلوه وعظموه فَلَمَّا وصل وَحج هجموا عَلَيْهِ بمنى وَهُوَ نَائِم وَقد تفرق عَنهُ جماعته فنهبوا محطته وَبَعض الْحَرِيم فنجا بِنَفسِهِ إِلَى أَعلَى الْجَبَل فَلَمَّا رأى
стр. 1891
مَا وَقع صَاح عَلَيْهِم الْأمان إِن كَانَ لكم غَرَض بى أَنا آتيكم وَمَا فعل هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاء فسكن الْحَرْب وَنزل إِلَيْهِم فترجلوا لَهُ عَن الْخَيل وأركبوه بغلاً وذهبوا بِهِ فَمَا صفت الْمَسْأَلَة حَتَّى قتل خلق ونهبت النَّاس وألزم الْأُمَرَاء الشريف عجلَان بِحِفْظ الْحَاج غير أَن الْعَرَب وَبَعض العبيد نهبوا النَّاس مَا بَين منى وَمَكَّة وَلما وصل الْحَاج والأمراء وَادي مر فِي موسم أَربع وَخمسين وَسَبْعمائة واجههم الشريف عجلَان وشكا عَلَيْهِم مَا فعله أَخُوهُ الشريف ثقبة فِي السّنة الَّتِي قبل هَذِه سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَنه أَخذ أَمْوَاله وخيله وعبيده وَقَيده فخلصه الله تَعَالَى فوعدوه بِالْولَايَةِ وطمنوا خاطره فَلَمَّا وصلوا الزَّاهِر خرج إِلَيْهِم الشريف ثقبة على الْمُعْتَاد فتكلموا مَعَه فِي الصُّلْح مَعَ أَخِيه الشريف عجلَان فَامْتنعَ فَلم يزَالُوا يلاطفونه حَتَّى دخل إِلَيْهِم فَقَالَ لَهُم الشريف ثقبة إِن كَانَ هَذَا بِأَمْر السُّلْطَان فَنعم وَإِلَّا لَا أفعل فَقبض بعض الأتراك على سيف ثقبة وَالْبَاقُونَ احتاطوا بِمن مَعَه فأنزلوهم عَن خيولهم وكبلوهم فِي الْحَدِيد هُوَ وأخويه سَنَد ومغامس وَابْن عَمه مُحَمَّد بن عطيفة وفر القواد وَالْعَبِيد ثمَّ أحضروا عجلَان وألبسوه الخلعة ودخلوا بِهِ مَكَّة وَلم يخْتَلف عَلَيْهِ اثْنَان فَلَمَّا أَتموا الْحَج ذَهَبُوا بالأشراف إِلَى مصر ووضعوهم فِي الْحَبْس ودام عجلَان على ولَايَة مَكَّة مُنْفَردا مُسْتقِلّا إِلَى أَن فك ثقبة والأشراف الَّذين مَعَه وشاركه فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَسَبْعمائة وَاسْتمرّ حَتَّى عزلا بأخيهما سَنَد بن رميثة وَابْن عَمهمَا مُحَمَّد بن عطيفة ثمَّ وَليهَا سَنَد وَمُحَمّد بن عطيفة فِي سنة سِتِّينَ وَسَبْعمائة شَرِيكَيْنِ وَاسْتمرّ إِلَى أَوَائِل سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فَفِيهَا قدم الشريف عجلَان من مصر مُتَوَلِّيًا وأشرك أَخَاهُ ثقبة فَمَاتَ ثقبة واستقل عجلَان كَمَا سَيَأْتِي ذكر ذَلِك آخر السوادة وَأخذ الشريف عجلَان وَولده أَحْمد وَذهب بهما إِلَى مصر فحبسا وجهز الْملك النَّاصِر حسن بن قلاوون عسكراً لتأييد سَنَد وَمُحَمّد بن عطيفة مقدمهم الْأَمِير بكتم المارديني وانصلح لذَلِك حَال مَكَّة حَتَّى انْقَضى الْحَج من سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ثمَّ قَامَت فتْنَة بَين بني حسن والعسكر الَّذِي وصل من مصر وَالشَّام للإقامة بهَا
стр. 1892
٠ - عوض بكتم الْأَمِير وَمن مَعَه كَانَ الظفر فِيهَا للأشراف وَسبب ذَلِك أَنه أشيع بِمَكَّة أَن من نِيَّة الْعَسْكَر المقيمين بِمَكَّة الْقَبْض على شريفها الشريف سَنَد ففرت الْأَشْرَاف لما قاسوه من هَذَا الْأَمر فَإِن الشريف عجلَان وَولده أَحْمد إِلَى الْآن محبوسان بِمصْر فأشيع ذَلِك قبل قدومهم فَلَمَّا وصل الْعَسْكَر إِلَى مَكَّة أَرَادوا أَن ينزلُوا بَيْتا بالصفا للأشراف فطالبهم الشريف صاجب الْبَيْت بِالْأُجْرَةِ فضرت التركى الشريف فَقتله الرِّيف فتراكم الأتراك على الشريف فصاح لرباعته فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ جمَاعَة وَاشْتَدَّ الْأَمر فقصدت الْأَشْرَاف أجياداً فوجدوا خيلاً للترك على بَاب الصَّفَا كَانَ الْأُمَرَاء اعتمروا فهم فِي الطّواف فركبت الْأَشْرَاف تِلْكَ الْخَيل فَبلغ الْأُمَرَاء ذَلِك وهم يطوفون فَقطعُوا الطّواف وقصدوا الْمدرسَة ليحفظوها وقفلوا أَبْوَاب الْمَسْجِد الْحَرَام وتحصنوا بِهِ وَأمرُوا بهدم الظلة الَّتِي على رَأس زقاق أجياد الصَّغِير ليروا من يقدم عَلَيْهِم مِنْهُ وَكَانَ غالبهم بسطح الْمَسْجِد يَرْمِي بالنشاب وسدوا الطَّرِيق بالأخشاب لِئَلَّا يخرج عَلَيْهِم أَحْمد من أجياد الْكَبِير هَذَا خبر التّرْك وَأما بَنو حسن فَإِنَّهُم استدلوا أَيْضا على إصطبل لبَعض الْأُمَرَاء وقصدوا الْأَمِير قندس وَكَانَ نازلاً بأجياد بالزباهية فقاتلوه من خَارج ودخلوا عَلَيْهِ الدَّار فَقتلُوا جماعته وأسروه ونهبوا مَا كَانَ عِنْده جَمِيعه واستجار نساؤه بِبَيْت السَّيِّد مبارك بن رميثة وَجَاء السَّيِّد مغامس من أجياد لِيُقَاتل التّرْك الَّذين فِي الْمَسْجِد فجفلت بِهِ فرسه فَسقط فَقَتَلُوهُ وَبَقِي فِي مصرعه إِلَى الْمغرب وَأَرَادَ مُحَمَّد بن عطيفة أَن يتعصب للترك فتهدده بَنو حسن بِالْقَتْلِ وَكَانَ مُحَمَّد بن عطيفة تَأَخّر عَن نصْرَة الْعَسْكَر فَخرج خَائفًا يترقب فَدخل الشريف ثقبة مَكَّة سادس عشر ذِي الْحجَّة وشارك أَخَاهُ سنداً عوض مُحَمَّد بن عطيفة وَانْقطع عَن مُحَمَّد هَذَا فَأَرَادَ الِاجْتِمَاع بِالتّرْكِ فَلم يمكنوه لما حل بهم من خوف الْأَشْرَاف وَمَا فَعَلُوهُ بهم بِحَيْثُ إِنَّهُم باعوا بَعضهم فِي الحراج يُنَادي عَلَيْهِ الدلالون فِي الْأَسْوَاق ثمَّ ذَهَبُوا فَلم يبْق مِنْهُم أَلا أَمِير وَاحِد وَأَوْلَاده فاقترض مَا تزَود بِهِ وترحل عَن مَكَّة وفر غَالب أهل مَكَّة أَرْبَاب الْأَمْوَال خوفًا من الْأَشْرَاف أَلا أَن الله سلمهم من النهب اكتفوا بِمَا أَخَذُوهُ من أَمْوَال الأتراك
стр. 1893
وَتوجه مُحَمَّد بن عطيفة إِلَى مصر فَلم ير بهَا وَجها وَاسْتمرّ بهَا إِلَى أَن مَاتَ سنة أَربع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَمِمَّا قيل فِيهِ من الْمَدْح قَول الشَّاعِر الْمَعْرُوف بالنشو قصيدة هِيَ // (من الطَّوِيل) //
(أترضَى بإِتلاْفِ المحبِّ ظلامةً ... فتأخذه بالعُنْفِ والرفقُ أليقُ)
(أعندكَ علْمٌ أَنَّهُ بكَ هائمٌ ... وأَكْبَادُهُ مِنْ لوعةِ الهجرِ تحرقُ)
(فأَحْوَالُه تُنْبِى بِمَا فِي ضميرِهِ ... إِذا لم يكُنْ للقَوْلِ مِنْهُ مصدِّقُ)
(بلَوْتُ بني الدُّنيا جَمِيعًا بأسرِهِمْ ... وَجَرَّبتُهُمْ إِن التجاربَ تصدقُ)
(فَلم أَرَ فِي ذَا العَصْرِ مثلَ محمدٍ ... إِمَامًا بِهِ الدُّنْيَا تضىء وتشرقُ)
(جواداً إِذا جَار الزَّمانُ على الورى ... يجودُ بِمَا تَحْوِى يداهُ وينفقُ)
(لقد جَلَّ عَن قدر الْمُلُوك الأُلى مَضَوا ... إِلَى الغَايِةِ القصوَى مِنَ الفضلِ يسبقُ)
(يجودُ على العَافِى ويبدِى اعتذارَه ... فَأوْرَاقُهُ بالجودِ والبذلِ تورقُ)
(لقد عَجَزَ المداحُ فِي بعضِ وصفِهِ ... عَلَيْهِم بأنواعِ المكارمِ يغدقُ)
(على أَنه واللهِ واحدُ عصرِهِ ... وَهل مثله من بعدِ ذَا العصرِ يخلقُ)
(وَمن لامني فِي مدحه فَهُوَ جاهلٌ ... فَجِيدِىَ بالإحسانِ مِنْهُ مطوَّقُ)
(وَإِن كَانَ مدحُ الغَيْرِ عندىَ سُنَّةً ... فمدحي لَهُ فرضٌ عليَّ مُحَقَّقُ)
فَلَمَّا بلغ صَاحب مصر فعل الْأَشْرَاف بِالتّرْكِ أرسل بالشريف عجلَان وَولده أَحْمد من سجن الْقَاهِرَة إِلَى سجن الْإسْكَنْدَريَّة بالبرج قلت ذُرِّيَّة بَعْضهَا من بعض سُبْحَانَ الله هَكَذَا وَقع فِي سنة ثَمَان وَسبعين بعد الْألف لما أوقع مَوْلَانَا السَّيِّد حمود بن عبد الله بن حسن بِالتّرْكِ قَرِيبا من يَنْبع فكسرهم وبدد شملهم وقهرهم وَكَانَ قد أرسل وَلَده المرحوم السَّيِّد أَبَا الْقَاسِم بن حمود وَالسَّيِّد مُحَمَّد ابْن المرحوم السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَارِث بن حسن إِلَى باشا مصر بهدية وقواد من الْخَيل فاحتفظ بهم أَولا فِي الْمحل الْمَعْرُوف بالسلطان قايتباي ثمَّ فِي بَيت أغاة الأنكشارية فَلَمَّا جَاءَهُم خبر جَمَاعَتهمْ وَما جَرَى عَلَيهِم من أبويهما تحركت حمية الْغَضَب على هذَيْن الشريفين فنقلا إِلَى السجْن الْكَبِير الْمُسَمّى عرق خانة سجن الدَّم فَقدر الله إطلاقهما بعد ذَلِك وَللَّه الْحَمد فَذكرت بِتِلْكَ الْوَاقِعَة هَذِه الْوَاقِعَة أَلا أَن الشريف عجلَان وَولده فكا وأعطيا إمرة مَكَّة وَهَذَانِ
стр. 1894
لم يعطياها وَتلك قسْمَة إلهية انْتهى وَأمر السُّلْطَان بإرسال عَسْكَر إِلَى الْحجاز يتتبعون الْأَشْرَاف وجندهم وعزلهم عَن إمرة مَكَّة وَقَالَ لَا حَاجَة لنا بهم فَلم يسْتَمر بعد هَذِه النِّيَّة أَلا أَيَّامًا حَتَّى ركب عَلَيْهِ عَسْكَر مصر عزلوه وولوا الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد ابْن الْملك المظفر فَأطلق الشريف عجلَان وولاه مَكَّة وأشرك مَعَه أَخَاهُ ثقبة بن رميثة بسؤاله لذَلِك فَلَمَّا أقبل الشريف عجلَان وَوصل إِلَى وَادي مر اجْتمع فِيهِ بثقبة عليلاً مدنفَاً فَمَاتَ ثقبة بقر ذَلِك فِي شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بالجديد وَحمل إِلَى مَكَّة فَدفن بالمعلاة وَكَانَ مَوْصُوفا بِالْكَرمِ والشجاعة وَمِمَّا قيل فِيهِ قَول ابْن غَنَائِم من قصيدة // (من المنسرح) //
(مَا خفقَتْ فَوْقَ منكِبٍ عذَبهْ ... على فَتى كَابْن مُنْجِدٍ ثقبَهُ)
(وَلَا اعتزَى بالفَخَارِ منتسبٌ ... إِلَّا وفَاقَتْ علاهُ منتسبَهْ)
(منتخبٌ من سليلِ منتخبٍ ... مُنْتَخَبٌ من سَلِيلِ منتخبَهْ)
(كم جَبَرتْ راحتاه منكسراً ... وفَكَّ مِنْ أسْرِ عُسْرَةٍ رَقَبَهْ)
فولى الشريف عجلَان وَلَده أَحْمد عوض ثقبة وَجعل لَهُ ربع الْحَاصِل ثمَّ جعل لَهُ ربعا آخر ثمَّ فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ورد الْأَمر من صَاحب مصر على يَد الْأَمِير بهادر والأمير سُفْيَان الطولوني إِلَى شرِيف مَكَّة بِإِسْقَاط المكوس والضرائب وَعوض أَمِير مَكَّة عَن ذَلِك فِي كل سنة مائَة وَسِتِّينَ ألف دِرْهَم وَألف إِرْدَب قمحاً ونقر ذَلِك فِي دعائم بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام جِهَة بَاب الزِّيَادَة وَبَاب العجلة الْمُسَمّى بَاب الباسطية أَو بَاب الصَّفَا وَهِي مَوْجُودَة إِلَى الْآن مؤرخة بِالسنةِ الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَلما عزل سَنَد وَمُحَمّد وَولي عجلَان من مصر فوصل إِلَى مَكَّة وأشرك أَخَاهُ ثقبة ثمَّ مَاتَ ثقبة فَأمر وَلَده أَحْمد بالاجتماع بالقواد ليسألهم أَن يسْأَلُوا لَهُ وَالِده أَن يشركهُ مَعَه فِي إمرة مَكَّة وَكَانُوا يخدمون سنداً فَاجْتمع بهم أَحْمد فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَعرف ذَلِك سَنَد فخاف على نَفسه فهرب إِلَى نَخْلَة وَقيل بل أَقَامَ بوادي مر بالجديد واستجار
стр. 1895
بِابْن أَخِيه مُحَمَّد بن عجلَان ثمَّ وَقع بَين بعض غلْمَان سَنَد وَبَين بعض غلْمَان أَحْمد شَيْء أوجب تغير خاطر أَحْمد عَلَيْهِ فَأمره بالانتقال من الْجَدِيد فانتقل إِلَى وَادي نَخْلَة ثمَّ إِلَى الطَّائِف ثمَّ إِلَى الشرق ثمَّ إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ إِلَى يَنْبع فوصله وَهُوَ بهَا أوراق بني حسن يأمرونه بالقدوم إِلَيْهِم ليساعدوه على ولايتها فوصل وَقصد محاربته فَلم يتم لَهُ ذَلِك فَعرض لَهُ مرض مَاتَ بِهِ سنة ٧٦٣ ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة بالجديد وَاسْتولى ابْن أَخِيه عنان بن مغامس بن رميثة على خيله وسلاحه وَذهب بِهِ إِلَى الْيمن وَمِمَّا قيل فِي الشريف سَنَد بن رميثة قَول حَمْزَة بن أَبى بكر الشَّاعِر الْمَشْهُور قصيدة هِيَ // (من الطَّوِيل) //
(خَلِيليَّ إِمَّا جئتما رَبْعَ ثهمدِ ... فَلَا تَسْأَلَاهُ غَيْرَ عَنْ أم معبدِ)
(وَإِن أَنْتُمَا أبصرتما بانة الحِمَى ... ورَسْمَا لذاتِ المبسمِ المتبددِ)
(فَأَوَّلُ مَا تستنشدا عَن حلولِهِ ... وتستفهما أَخْبَارَ رَسْمٍ ومعهدِ)
(عسَى تخبر الأطلالُ عَمَّن سأَلْتُما ... بِمَا شِئْتُمَا للمستهامِ المسهَّدِ)
وَمِنْهَا // (من الطَّوِيل) //
(وَفِي سَنَدٍ أسندتُّ مدحاً منضداً ... غَرِيبَ القوافِى كالجمانِ المنضَّدِ)
(هُوَ القَيْلُ وَابْن القَيْلِ سُلْطَان مكةٍ ... وَحامِى حماها بالحسامِ المهنَّدِ)
(وصفوة آل الْمُصْطفَى طود فَخْرهم ... وبَانِى علاهُمْ فوقَ نَسْرٍ وسرددِ)
(بَنَى مَا بنَى قِدمًا أَبوهُ رميثة ... وشاد الَّذِي قَدْ شَادَ من كلِّ سؤددِ)
(وشنَّ عتاقَ الْخَيل شُعْثًا ضوامراً ... وأفنَى عَلَيْهَا كلَّ طاغٍ ومعتدِى)
(فروَّى صفاحَ البِيضِ من مُهَجِ العدَى ... وسُمْرَ القنا مهما اعتلَى ظهْرَ أجردِ)
(وأبيضَ طلق الوَجْهِ يهتزُّ للندَى ... ويُجْدِى إِذا شَحَّ الحيا كل مجتدِى)
(كريمٌ حَلِيمٌ ماجدٌ وابنُ ماجدٍ ... ظَرِيفٌ شريفٌ سيدٌ وابنُ سيدِ)
(إمامُ الهدَى بَحْرُ الندا مهلكُ العدَى ... وَبَدْرٌ بدا من آلِ بيتِ محمدِ)
(أشمُّ طويلُ الباعِ ندبٌ مُهَذَّبٌ ... أغرُّ رحيبُ الصَّدْرِ ضخْمُ المقلَّدِ)
(فدوحتُهُ بَين الوَرَى خير دوحةٍ ... ومحتده بَين الوَرَى خيرُ مَحْتِدِ)
(إليكَ جَلَبتُ المَدحَ إِذْ أنتَ كفؤُهُ ... وَإِن أَنا أجْلبْهُ لغيرِكَ يكسدِ)
следующие страницы →