Полный текст (2 217 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
(أودَتْهُمُ قتلا وأطبقَهُمْ إِلَى ... أَن حطَّمَ الخطىُّ ظهرَ المدبرِ)
(تركَتْ صحاريهم مَوَائِد ضمنَتْ ... أشلاء كُلّ مسود وغضنفرٍ)
(ودعَتْ ضيوف الوَحْش تقريها بِمَا ... أقرى المهنَّد والوشيج السمهرِى)
(فأجابَهُ مِنْ كُلِّ غيل زمرةٌ ... تحدو منارَ عملَّسٍ أَو قسورِ)
(وأظلها ظلل نشاط سحابه المركُوم ... أَجْنِحَة البزاةِ الأنسرِ)
(فبراثنُ الآسادِ تضبثُ فِي الكلا ... ومخالبُ العقبانِ تنشبُ فِي المَرِى)
(شكَرَتْ صنيعَ المشرفيةِ والقنا ... إذْ لم تضفها الهبرُ غير مهبّرِ)
(فغدَتْ قُبُورهم بطونَ الوحشِ مِنْهَا ... يبعثُونَ إِذا دعوا للمحشَرِ)
(وخلَتْ دِيَارهمْ وأقوَى ربعُهُمْ ... وسرى السرىُّ مشمرا عَن شمرِ)
(أنفَتْ من استقصاءِ قتلِ شريدِهِمُ ... كَيْمَا يخبر قَائِلا عَن مخبرِ)
(فثنَتْ أَعِنَّة خَيْلنَا أجيادنا ... عَنْ قتلِ كُلِّ مزند وحَزَوَّرِ)
(حَتَّى إِذا حَان القطافُ ليانعٍ ... من أرؤسٍ تركَتْ ولمَّا تؤترِ)
(عصفَتْ بهم ريحُ المنونِ فألقحَتْ ... وتحركَتْ بزعازعٍ من صرصرِ)
(فدعَتْ سراة كماتنا لقطافها ... بأناملِ القصْبِ الأصمِّ الأسمرِ)
(فتجهزَتْ لحصادها فِي فيلقٍ ... لَو يسبحُونَ بزاخرٍ لم يزخرِ)
(مَلأ تتوقُ إِلَى الكفاحِ نفوسُهُمْ ... توقانها للقا الرداحِ المعصرِ)
(يغشون أبطال الوطيسِ بواسماً ... كالليْثِ أنْ يلق الفريسة يكشرِ)
(وتخالهم فَوْقَ الجيادِ لوابساً ... سدا تموجُ بالحديدِ الأخضرِ)
(فَإِذا هُمُ ازدحموا بجزعٍ وانثنوا ... أورَى زنادُ دروعهم نَارا ترِى)
(جيشٌ طلائعه الأوابدُ إِن تصخْ ... لوجيبِهِ من قيدِ شهرِ تنفرِ)
(بقتادة الملكِ المشيحِ كَأَنَّهُ ... بينَ العوالِى ضيغَمٌ فِي مزأرِ)
(ملكٌ تدرَّعَ بالبسالةِ فاغتنَى ... يَوْم الوغَى عَنْ سابغٍ وَسَنوَّرِ)
(ملكٌ تتوَّجَ بالمهابةِ فاكتفي ... عِنْد الطعانِ لفرقه عَن مغفرِ)
(ملكٌ إِذا مَا جالَ يَوْمَ كريهةٍ ... لم تلق غَيْرَ مجدَّلٍ ومغفَّرِ)
(ملكٌ يجهّزُ من جحافلِ رأيِهِ ... قبل الوقيعةِ جحفلاً لم ينظرِ)
(ملكٌ تُسنم ذروةَ المجدِ الَّتِي ... مِنْ دونهَا المريخُ بل والمشترِى)
стр. 2032
(ملكٌ تذكرنا مواقعُ عضبِهِ ... فِي الهامِ وقعةَ جدِّهِ فِي خيبرِ)
(ملكٌ إِذا مَا جادَ حدث مُسْندًا ... عَن جودِهِ جودُ الغمامِ الممطرِ)
(ملكٌ سما عَن أَن أُصَرِّحَ باسمه ... لسموِّهِ عَن كُلِّ وصفٍ مشعرِ)
(ملكٌ قفا سنَنًا سنياً سنه ... للمجْدِ وَالِده الزكي العنصرِ)
(ألأَشرفُ الشهْمُ الَّذِي خضَعَتْ لَهُ ... شُمُّ الأنوفِ وكلُّ جحجاحٍ سَرِى)
(ألأَفضلُ السنَدُ الَّذِي بجنابه ... لاذَ الغطارفَة الألَى من حميرِ)
(ألأكملُ الندْبُ الَّذِي أوصافُهُ ... أنسَتْ سما الوضاحِ وابْن المنذرِ)
(ألأكرمُ المفضالُ مِنْ إحسانه ... أربَى على كسْرَى الملوكِ وقيصرِ)
(ذُو الهمَّةِ الْعليا الَّذِي قد نَالَ مَا ... عَنهُ تقصِّرُ همةُ الإسكندرِ)
(شرفاً تقاعَسَتِ الثوابتُ دونه ... لَو لم تُمدَّ بنوره لم تُزهرِ)
(هَبْهَا بمنطقةِ البروجِ مقرُّها ... أمناهِز هَذَا بُنُوَّةَ حيدرِ)
(كلا فكيْفَ بِمن حواها جَامعا ... نسبا سما بأبوَّةِ المدثرِ)
(أعظِمْ بهَا من نسبةٍ نبويةٍ ... علويَّةٍ تنمى لأصلٍ أطهرِ)
(قد شرفَتْ بدءاً بأشرفِ مرسلٍ ... وَنِهَايَة بالسيِّدِ الحسنِ السَّرِى)
(فَخر الخلائفِ دُرَّة التاجِ الَّذِي ... بسواه هَامُ ذَوِى العُلَا لم يفخرِ)
(بَشَرٌ ولكنْ فِي صفاتِ ملائكٍ ... جُليَتْ لنا أخلاقُهُ فاستَبْصِرِ)
(لم تلقه يومَىْ عطا ووغىً سَوى ... طَلْق المحيَّا فِي حلا المتبشرِ)
(يلقى العفاةَ وقَدْ تلألأ وجهُهُ ... بسنا السرورِ وذاكَ أنضَرُ منظرِ)
(يعفُو عَن الذنبِ العظيمٍ مجازياً ... جانيه بالحسنَى كأنْ لم يوزرِ)
(يَا سيِّدَ الساداتِ دونَكً مِدْحَةً ... نفحَتْ بعرفٍ مِنْ نداكَ معطَّرِ)
(قد فصِّلَتْ بلآلىء المدحِ الَّتِي ... وقَفَ ابنُ أوسٍ دونهَا والبحتُرِى)
(وَافَتْكَ ترفُلُ فِي برودِ بلاغةٍ ... وبراعةٍ لبرودِ صَنْعَا تزدرِي)
(صاغَتْ حلاها فكرةٌ قد زانها ... شَمَمُ الإباءِ من امتداحِ مقصِّرِ)
(مَا شانها نَطْمُ القريض تكسُّبًا ... لَوْلَا مقامُكَ ذُو الْعلَا لم تشعرِ)
(مَا شانها إِلَّا اكتسابُ فضائلٍ ... تغنيه عَن شَرَفِ العظامِ النُّخَّرِ)
(فوردتُ منهَلَها الروىَّ فَلم أجدْ ... أحدا فنلْتُ صفاه غَيْرَ مكدرِ)
стр. 2033
(فَنَهَلْتُ مِنْهُ وعلَّنى بنميرِهِ ... ولبثْتُ وارده ولمَّا أَصْدُرِ)
(وطَفِقْتُ فِيهِ غائصًا للآلىء ... فِي غَيْرِ نظمِ مديحِكُمْ لم تنثرِ)
(لَا تدعُنِى الْعليا رضيعَ لبانِهَا ... إِن كنْتُ فِي تِلْكَ المقالَةِ مفترِي)
(خُذْهَا عقيلَةَ كسْرِ خدرِ فصاحةٍ ... سفرتْ نقاباً عَن محيا مسفرِ)
(جمعت فصاحةَ منطقِ الاعرابِ مَعْ ... حْسْنِ البيانِ ورقَّة المستحضرِ)
(لَو شامَهَا قُسٌّ لما سُمِعَتْ لَهُ ... بعكاظَ يَوْمًا خطبةٌ فِي منبرِ)
(شرفَتْ على مَا عارضَتْهُ بمدْحِ مَنْ ... أضحى القريضُ بِهِ كعقْدٍ جوهرِى)
(فاستَجْلِهَا وافَتْ تهنِّى بِالَّذِي ... نفحَتْ بشائره بمسْكٍ أذفرِ)
(نصرٌ تهزُّ بنوده ريحَ الصِّبَا ... خفقَتْ على هامِ الأشمِّ الحزمري)
(هُوَ نجلُكَ المنصورُ دامَ مؤيداً ... بك أَيْنَمَا يَلْقَ العزيمةَ بظفرِ)
(لازلْتُما فى ظِلِّ مجدٍ باذجٍ ... وجنودِ مُلْكِكُمُ ملوكُ الأعصرِ)
(مستمسكينَ بِهَدْىِ جدِّكم الَّذِي ... بالرعْبِ ينصرُ مِنْ مَسَافَة أشهرِ)
(أهْدى الإلهُ صلاتَهُ وسلامَهُ ... لجنابِهِ فِي طَىِّ نشرِ العبهرِ)
(ولآلِهِ وصحابِهِ والتابعِينَ ... لَهُم بإحسانٍ ليومِ المحشرِ)
(مَا استنشَقَ الأبطالُ فِي يوْمِ الوغى ... نَقْعَ العجاجِ لَدَى هياجِ العِثْيَرِ)
وَقَالَ الإِمَام عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ مادحاً أَبَاهُ ومتخلصاً إِلَى مدحه // (من الْكَامِل) //
(قد أقبلتْ ريحُ الْقبُول بعثيرِ ... نفح الْقَبَائِل نفحة مِنْ عنبرِ)
(فتأرجَتْ أرجاءُ مكَّةَ إِذْ رُوِي ... خَبَر الوقائعِ فِي المجامع عَنْ بَرِي)
(إِذْ ضمخَتْ أَيدي الكماةِ بنَقْعِهِ ... وبمسها الْعود الرطيب السَّمْهرى)
(فتمايَلَتْ عذباتُهُمْ بِشمَالِهِ ... لَا بالشمولِ وَلَا العبيرِ الأذفرِ)
(هزَّتهم نَحْو الصِّبَا ريحُ الصّبَا ... والغَيْر هز بكلِّ نكبا صرصرِ)
(هم فتيةٌ لَا يطربُونَ حياتَهُمْ ... إِلَّا بحربٍ أَو برحبٍ مقفرِ)
(جوبُ المهامِهِ صَارَ منقبةً لَهُم ... أبدا وَهَذَا شانُ كلِّ غضنفرِ)
(مِنْ كُلِّ أصيدَ لَا يرى متلفتاً ... لثباته بَين العديدِ الاكثرِ)
(شهم عَلَنْدَى بالوشيجِ موشح ... لَا بالوثيجِ إِذا دعى فِي المحضرِ)
стр. 2034
(هُوَ فى المفرِّ كَمُشْمَخِرِّ راسخٍ ... ولدى المكرِّ ترَاهُ كالمُسْحَنْفِرِ)
(لله قومٌ مَا جَنَوْا برماحهم ... إِلَّا رُءُوسًا أينعَتْ من مثمرِ)
(كلا وَلَا نهلَتْ عطاشُ سيوفهم ... إِلَّا مِنَ العَلَقِ النجيع الأحمرِ)
(قومٌ سواهُم بالسريرِ مجرَّدٌ ... وهُمُ سراةٌ فَوق جردٍ ضُمَّرِ)
(ألفوا الدروعَ مدى الزمانِ غلائلاً ... أغنتْهُمُ عَن لبسِ كلِّ معصفرِ)
(لَا يهتدونَ بجحفَلٍ من قسطلٍ ... إِلَّا بقدْحِ جيادِهِمْ فِي المحجرِ)
(فهمُ كبَحْرٍ من حديدٍ مائرٍ ... عِنْد المسيرِ وتحتَهُمْ نارٌ ترِى)
(حتَّى إِذا دخلَ النزالُ وهاجتِ الأبطالُ ... فِي الهيجا هياجَ مزمجرِ)
(وبدَتْ زماخرُ كلِّ صنديدٍ إِذا ... مدَّ السواعد كَانَ قدماً زمخري)
(يَدْعُو النزالَ إِلَى نزالِ مسعرٍ ... لَهب الوغَى مِنْهُ بأعسَر مسعرِ)
(لاقاه غطريفٌ عَلَيْهِ سيطرٌ ... لَا يرتجي إِلَّا لقَاءَ عَشَنْزَرِى)
(يلقى الكريهةَ فاغراً مُتَبَسِّمًا ... يخطو بمشيَةِ أرعَنٍ متبخترِ)
(ويجرُّ عُجْبًا ذيلَ فاضتِهِ الَّتِي ... شملَتْهُ بَين مزرّدٍ ومزرّرِ)
(يلقى المنونَ لِقا المُنَى بمهنَّدٍ ... لَا ينتضي إِلَّا بكَفِّ مقذحرِ)
(دبَّتْ على متنيْهِ فِي حالِ المضا ... نملُ المنايا دبهَا فِي المحشرِ)
(عافَ الجفير فَلَا مقرَّ لَهُ سوَى ... هامِ الشجاعِ الْمُقدم المتهورِ)
(ظلم النفوسِ لظلمها ممزوجة ... بدَمِ النياطِ بغربِ ذَا الغضْبِ الفرِي)
(ففرندُهُ مَا زَالَ وهْوَ مدبجٌ ... من أبيضٍ فِي أسودٍ فِي أحمرِ)
(لصليلهِ فِي الهامِ فعلُ الصلِّ فى الملسوبِ ... مسلوب الفؤادِ المسهرِ)
(قسما بِهِ إِن السيوفَ حديدَةٌ ... لَوْلَا يدُ الحسنِ المليكِ القسورِي)
(ألسيدُ الجَحْجَاحُ أَفْضَلُ مَنْ بِهِ ... وبرأيه ظهَرَتْ نجابةُ حيْدَرِ)
(ألباسلُ الصنديدُ من فرجَتْ لَهُ ... فِي مأزقٍ خطيَّة لم تقصرِ)
(قد أنهلتهَا كفُّه نَحْر العِدَا ... فانْهَلَّ غَيث نجيعه المثْعَنْجِرِ)
(سُمْرٌ عَوَالٍ للرُّدَيْنِ نماؤها ... تروى بِهِ علل الورُود المصدرِ)
(قسما بهَا إِن العواليَ خوطَةٌ ... لَوْلَا يمينُ ابْن النبىِّ الأفخرِ)
(ألباسلُ الشهْمُ الأشمُّ المرتقِي ... مَا قصَّرَتْ عَنهُ عزائمُ قيصرِ)
стр. 2035
(وتكسَّرَتْ آراءُ كِسرَى دونه ... فِي وتْرِ سيفٍ إِذْ حماه بعسكَرِ)
(فَعُلَا ابْن طه ليْسَ يبرحُ وَاضحا ... وَبِه يُرَى الوضاح شِبْهَ مقصِّرِ)
(جَلَّ الأشمُّ ابنُ العرانينِ الألَى ... عَنْ أَن يقاسَ بِمثلِهِ ابنُ المنذرِ)
(ثَبْتٌ إِذا نُوَبُ الزَّمَان تقاذفَتْ ... لَا بالغبىِّ بهَا وَلَا المستَنْكرِ)
(مَا ظَنَّ أمرا سَابِقًا أَو لاحقاً ... إِلَّا رمَى عَن قوسِ غَيْبٍ موترِ)
(أَو لَو يعادى الصَّخْر لانفلق الصَّفَا ... خَوْفًا فمنْ ذَا بَعْدَ هَذَا يجتري)
(صُغرَى عزائمِهِ إِذا جابَ الفَلَا ... تنحطُّ عَنْهَا همةُ الإسكندرِ)
(لم يُلْفِ فِي حالَيْ رضاهُ وبطشِهِ ... أبدا سوَى متبسِّمٍ ومكشِّر)
(كملَتْ بسالتُهُ فأنجَبَ سيداً ... قرَّتْ بِهِ عينُ الشريفِ حَزَوَّرِ)
(ليثٌ مخالبُهُ الأسنةُ والظبا ... يغتالُ قلبَ الفارسِ المثعنجرِ)
(ليثٌ صهيلُ الخيلِ أشهَى عِنْده ... من صوتِ مزمارٍ ورنَّةِ مِزْهَرِ)
(ليثٌ يرى الصهواتِ أنعَمَ من علا ... ظَهْر الأريكةِ أَو تُسنم منبرِ)
(ليثٌ أَشَارَ عَلَيْهِ والدُهُ ضحى ... لغزاةِ قومٍ شَمَّروا من شمّرِ)
(فاقتادَ ظُهرًا جيشَهُ متوجِّهًا ... لَا بالونىِّ المبطىِء المستَخْبِرِ)
(وَأَبُو علىِّ بينهمم متأوداً ... عِنْد الكفاحِ تأوُّد المستبشرِ)
(أَلنصْرُ فِي أعلامِهِ والسعْدُ فِي ... إقدامِهِ والرعبُ مدَّة أشهرِ)
(وبوجهِهِ نورُ النبوةِ ساطعٌ ... يُغْنِيه عَن ظَهْرِ الطرازِ الأخضرِ)
(يلقى العدُوَّ مشهراً بعلامةٍ ... والغيرُ إنْ لاقَى فَغير مشهّرِ)
(يأيها المولَى الإمامُ المرتضَى ... أنتَ الخليفةُ وارثُ المدَّثِّرِ)
(قد قمتَ فِينَا منذرًا ولربِّكَ الأعْلَى ... نراكَ سموتَ كلَّ مكبرِ)
(وثيابٌ كَ الْحسنى غدوْتَ مطهراً ... وهجرْتَ رُجْزًا لَا أقولُ لَك اهْجُرِ)
(ومنحتَنَا منناً تطوِّقُ جيدنَا ... عقيانُهَا لَا منَّة المستكثرِ)
(يَا بن الخلائفِ من قريشٍ هَذِه ... عُرَرُ الخلائقِ من أبيكَ الأطهرِ)
(أوتيتَهَا قبذلْتَ واجبَ حقِّها ... وحميتَها من أصعَرٍ أَو أصغرِ)
(وَالله قد أعطَاكَ مَا لَمْ يعطِهِ ... مَنْ قد مضَى فاحمَدْ إلهَكَ واشكُرِ)
ثمَّ وَليهَا الشريف إِدْرِيس بن الْحسن وَذَلِكَ أَنه كَانَ الْمُعْتَاد فِي قَوَاعِد بني حسن
стр. 2036
أَن يكون من يتفقون عَلَيْهِ ويختارونه هُوَ صَاحب الْأَمر فَاجْتمع حِينَئِذٍ الْأَشْرَاف جَمِيعهم وأعملوا رَأْيهمْ السديد وَحمد غب ذَلِك صينعهم فَاخْتَارُوا مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس بن الْحسن فولوه وأكبروه ورتبوه فِي الْولَايَة وصدروه وأشركوا مَعَه فِي الدُّعَاء على المنابر ابْن أَخِيه مَوْلَانَا الشريف محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن وأشركوا مَعَه أَخَاهُ السَّيِّد فهيد بن الْحسن فِي ربع مَا يتَحَصَّل من الأقطار الحجازية وَكَتَبُوا بذلك محضراً إِلَى الرّوم ثمَّ وصل الْجَواب كَذَلِك فاستمروا فَلَمَّا كَانَ يَوْم سَابِع ذى الْحجَّة الْحَرَام من سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف كَانَت عرضة المصرى وأميره الْأَمِير حُسَيْن الشهير بدَلِي حُسَيْن وَوصل مَعَه بِثَلَاث خلع لبس مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس الخلعة الأولى الْكُبْرَى وَهِي بِفَرْوٍ سمور تحتهَا خلعة مُنْفَصِلَة كالبطانة وَهَاتَانِ الخلعتان عَن خلعة وَاحِدَة وَلبس الشريف محسن خلعة بِلَا فرو وَلبس السَّيِّد فهيد خلعة كَذَلِك بِغَيْر فرو ووقف الشريف إِدْرِيس فِي المختلع إِلَى أَن توجه الْأَمِير حُسَيْن ثمَّ جَاءَ أَمِير الشَّامي وَهُوَ الْأَمِير طهماس فَنزع الشريف إِدْرِيس خلعة الفرو وَلبس خلعة الشَّامي وَهِي بِفَرْوٍ أَيْضا وَلبس الشريف محسن وَلبس السَّيِّد فهيد خلعتيهما وَكِلَاهُمَا بِغَيْر فرو وَكَانَت عرضة رائقة لم يحصل فِيهَا مُخَالفَة وأخلف الله الظنون الْمُخَالفَة وَفِي سلخ جُمَادَى الأولى من سنة ثَلَاث عشرَة وَألف وصل من مصر هجان وَمُلَخَّص أوراقه أَن الشَّيْخ مُحَمَّد زين العابدين بن مُحَمَّد الْبكْرِيّ مَاتَ فَجْأَة فِي القلعة فِي مجْلِس صَاحب مصر الْوَزير إِبْرَاهِيم باشا وَذَلِكَ بعد أَن تعشى عِنْده وَدخل مَعَه إِلَى الْخلْوَة وَشرع فِي قِرَاءَة فَاتِحَة الْكتاب فَسقط على وَجهه فحركوه فوجدوه مَيتا رضى الله عَنهُ وَكَانَت وَفَاته فى ثامن عشر ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي آخر ربيع الثَّانِي مِنْهَا اجْتمعت عَسَاكِر مصر وَقتلت صَاحب مصر إِبْرَاهِيم باشا وَقتلت مَعَه مُحَمَّد بن خسرو وَلم تقتل سواهُمَا مَعَ أَنه كَانَ حَاضرا عِنْده جملَة من الْأُمَرَاء وقاضي مصر وَغَيره من الأكابر وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة أَيْضا دخل مصر باشا جَدِيد لَهَا اسْمه مُحَمَّد باشا وَهُوَ خَادِم قرجي الْجِنْس وَاسْتمرّ إِلَى ثَانِي ربيع الأول من سنة أَربع عشرَة بعد الْألف فعزل بالوزير حسن باشا الْوَاصِل من الْيمن
стр. 2037
وَفِي شهر الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة وَقعت فتْنَة بِمَكَّة بَين الأتراك النازلين بالمعلاة وَبَين عبيد الشريف فَركب حَاكم مَكَّة يَوْمئِذٍ الْقَائِد رَاشد بن فايز فَلَمَّا أَن كَانَ بِرَأْس الْمُدَّعِي أَصَابَهُ سهم لَا يعلم من أَيْن جَاءَ فَوَقع فِي نَحره فَكَانَ فِيهِ نَحره وَكَانَ من بعض الدّور النَّازِل بهَا بعض التّرْك فَحمل قَتِيلا وفيهَا توفّي الشَّيْخ الملا عَليّ الْقَارِي بن سُلْطَان بن مُحَمَّد الْهَرَوِيّ الْحَنَفِيّ الْجَامِع للعلوم الْعَقْلِيَّة والنقلية والمتضلع من السّنة النَّبَوِيَّة أحد جَمَاهِير الْأَعْلَام ومشاهير أولي الْحِفْظ والأفهام ولد بهراة ورحل إِلَى مَكَّة وتديرها أَخذ عَن خَاتِمَة الْمُحَقِّقين الْعَلامَة ابْن حجر الهيثمى وَشرح الْمشكاة والمشائل والوترية والجزرية وَله شرح على نخبة الْفِكر وَشرح على الشفا وَشرح على الشاطبية ولخص الْقَامُوس وَسَماهُ الناموس وَله الأثمار الجنية فِي أَسمَاء الْحَنَفِيَّة وَله غير ذَلِك لكنه امتحن بالاعتراض على الْأَئِمَّة لاسيما الشَّافِعِي وَأَصْحَابه وَاعْترض على الإِمَام مَالك فِي إرْسَال يَدَيْهِ وَلِهَذَا تَجِد مؤلفاته لَيْسَ عَلَيْهَا نور الْعلم وَمن ثمَّ نهى عَن مطالعتها كثير من الْعلمَاء والأولياء وَفِي سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف توفّي السَّيِّد صبغة الله بن روح الله الْحُسَيْنِي قطب مدَار الراسخين فِي الْعلم وَالْعَمَل الفحول وقلب أهل الإشارات والإلهام والوصول جبل عَرَفَات الْعرْفَان وحبل مستعصم رجال الْعَطف والحنان صَحبه الجم الْغَفِير وانتفع بِهِ الْجمع الْكثير أوفرهم حظاً مَوْلَانَا السَّيِّد مرزا كَمَا أَشَارَ هُوَ إِلَى ذَلِك فِي بعض مصنفاته بَيَانا ورمزاً وَكَذَلِكَ مَوْلَانَا السَّيِّد أسعد الْبَلْخِي وَالشَّيْخ أَحْمد الشناوي توفّي بِطيبَة المنورة وَدفن بِالبَقِيعِ وقبره ظَاهر يزار ﵀ رَحْمَة الْأَبْرَار وفيهَا ورد الْأَمر من مَوْلَانَا السُّلْطَان الْأَعْظَم أَحْمد خَان بترميم المقامات الْأَرْبَعَة بِالْحرم الشريف على يَد شيخ الْحرم حسن بن مُرَاد الرُّومِي فرممت على أحسن وَجه وأتقنه وَفِي سنة إِحْدَى وَعشْرين بعد الْألف توفّي السَّيِّد فهيد بن الْحسن بعد أَن شَارك أَخَاهُ الشريف إِدْرِيس وَابْن أَخِيه الشريف محسن بِالربعِ فِي جَمِيع الأقطار الحجازية الدَّاخِلَة تَحت حكم صَاحب مَكَّة المشرفة البهية فكثرت أَتْبَاعه من السَّادة الْأَشْرَاف
стр. 2038
والحسنان والعسكر بِحَيْثُ صَار موكبه يضاهي موكب الْملك وَإِذا جلس وقفت التّرْك يَمِينا وَشمَالًا وَاتخذ جبالية للبندق نَحْو مِائَتَيْنِ أَو أَكثر وَلم يحفظ أَتْبَاعه وعبيده عَن النهب وَالسَّرِقَة فَكثر ضررهم على النَّاس وَشد قوسه على مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس وإخائه واستل صارم الصرامة عَلَيْهِ فِي شدته ورخائه والشريف متورع عَن فتح بَاب المصارمة وصدع مَا لَا يلتئم بالجبر والملايمة فَلَمَّا زَاد كَمَا تَقوله الْعَامَّة المَاء على الدَّقِيق وَلَو حَظّ مَا حَقه التفخيم بالترقيق وَأخذ فهيد بِجَانِب أكمل الدّين القطبي وَأَرَادَ أَن يلْبسهُ قفطان لإفتاء قبل أَن يحرم ويلبي ووقف الشريف إِدْرِيس ذَلِك الْموقف واعتنق السمهري تعانقاً يثنى ولواء الْخَمِيس العرمرم يرعب ويرجف وَأقسم لَا يلبس القفطان إِلَّا وَقد ورد السنان نَحره فَقَالَ فهيد وَلَو خربَتْ الْبِلَاد فَقَالَ إِدْرِيس وَلَو خربَتْ قبل سجره فَعِنْدَ ذَلِك تراجعا إِلَى النَّهْي وفكرا فِي المبدا والمنتهى وعادا وَفِي قلب كل مِنْهُمَا وَقد وَأخذ مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس من ذَلِك فِي حل مَا مضى مَعَ فهيد من الْعَهْد خُصُوصا لما صمم القطبي وَرجع الْأَمِير وَلم يَجْعَل التفكر فِي عواقب الْأُمُور أصدق سمير وَدخل مَعَه إِلَى الْمدرسَة الْمَعْرُوفَة وَلبس الخلعة الموصوفة وتجاهه من جمَاعَة الْأَمِير اثْنَان من الأساكفة أَرْبَاب التشهير وشق الشَّارِع الْأَعْظَم حَتَّى انْتهى إِلَى سويقة وصهيل خيله يسمع من كل شباك وطويقة كل ذَلِك عناد لسَيِّده ومولاه وكفران لمن خوله هَذِه النِّعْمَة وَأَوْلَاده فأضمر حِينَئِذٍ الشريف إِدْرِيس الحقد على أكمل الدّين كَذَا فِي سلافة الْعَصْر والأرج المسكي وَلما أَرَادَ الله انْقِضَاء مُدَّة فهيد وفراغ دولته تغير عَلَيْهِ فِي الْبَاطِن أَخُوهُ الشريف إِدْرِيس وَأرْسل لِابْنِ أَخِيه الشريف محسن بن حُسَيْن وَكَانَ إِذْ ذَاك بِالْيمن بِأَن يَأْتِي بِجَمِيعِ من مَعَه من الْأَشْرَاف والقواد وَالْعرب فَحَضَرَ وَمَعَهُ أَمِير حلى مُحَمَّد بن بَرَكَات الحرامى ونودى بِمَكَّة بِأَن الْبِلَاد لله وللسطان وللشريف إِدْرِيس والشريف محسن وخلع السَّيِّد فهيد من الذّكر وَمنع من الرّبع وَجعل مَا كَانَ لفهيد من ربع
стр. 2039
مغل الأقطار الحجازية لِابْنِ أَخِيه الشريف محسن وَلم يخْطب للسَّيِّد فهيد وخطب لمولانا الشريف إِدْرِيس أَولا ولمولانا الشريف محسن بعده ثَانِيًا كل هَذَا وفهيد فِي مَكَّة فِي بَيته وجموعه وافرة وعدته وعدده المتكاثرة فاستعد أَصْحَابه لِلْقِتَالِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ أعيانهم بِالْحَرْبِ فَامْتنعَ من ذَلِك وَطلب من الشريف إِدْرِيس شهر زمَان ليتأهب لِلْخُرُوجِ من مَكَّة بعد أَن طلب أَن يُمكن من سُكْنى مَكَّة بِغَيْر ربع فَامْتنعَ الشريف إِدْرِيس إِلَّا أَن يتَوَجَّه إِلَى حَيْثُ أَرَادَ من الْأَمَاكِن والبلاد فَخرج من مَكَّة سنة تسع عشرَة وَألف فانضم إِلَى بعض أكَابِر الْحَاج الْمصْرِيّ وَسَار إِلَى مصر وتاريخ قدومه فِي شهر صفر قدومكم خير سنة عشْرين وَألف ثمَّ مِنْهَا إِلَى الديار الرومية وَاجْتمعَ بسُلْطَان الرّوم فَيُقَال إِنَّه أنعم عَلَيْهِ بإمرة مَكَّة فعاجلته الْمنية قبل الأمنية كَذَا فِي تَارِيخ ابْن جَار الله وأرخ وَفَاته الأديب إِبْرَاهِيم بن يُوسُف المهتار بِأَبْيَات فَقَالَ // (من الرمل) //
(مَا وُقُوفِي بطلولٍ ودِمَنْ ... غيَّرَتْ سُكَّانها أَيدي الزمَنْ)
(لىَ شُغْلٌ عَنْ بُكَائِي رسْمَهَا ... وسؤالي قَفْرَهَا بعد السكَنْ)
(بِالَّذِي أُسْمِعْتُهُ مِن خبرٍ ... حَرَمَ العينَ لَذَاذَاتِ الوَسَنْ)
(نَعْيَ ذِي المجدِ الكريمِ المرتجَى ... حاوي الْعليا فهيد ذُو المِنَنْ)
(فارج الكربِ وماضِى الغربِ فى الحَرْبِ ... غيثُ الجدبِ ذُو الفعلِ الحَسَنْ)
(مَنْ أبَتْ همتُه إِلَّا الْعلَا ... ومراقِى عزِّها خَيْر ظعنْ)
(وَاصل الرّوم فوافاه الردَى ... فِي بلادٍ باعدَتْ عَنهُ الوطَنْ)
(ليتَ شعْرى أيُّ أيدٍ غيبَتْ ... فِي الثرى شخصَكَ مِن بَعدِ الكفَنْ)
(هَل درَتْ مَا غَيَّبته من حِجًى ... ومعالٍ ونوالٍ فِي قَرَنْ)
(إِن تحجبْتَ بأطباقِ الثرَى ... فأياديكَ بشامٍ ويَمَنْ)
(لكَ ذكْرٌ بالثنا لَا ينقضِي ... صَار كالفَرْضِ على أهل السنَنْ)
(رَحِمَ الرحمنُ مثوَى جدثٍ ... هُوَ فِي كلِّ فؤادٍ كالشجَنْ)
(وَسَقَى الله تُرَابا ضمَّهُ ... صيِّبُ الرضوانِ مَا غيثٌ هَتَنْ)
(قيلَ لي هلْ قلْتَ تَارِيخا لَهُ ... بارعاً تُمليه أربابُ الفِطَنْ)
(قلتُ والخدُّ روٍ مِن أدمعِي ... والحشا بالكَرْبِ صَاد فِي حَزَنْ)
стр. 2040
(نصْف بيتٍ قد أَتَى تَارِيخه ... ماتَ بالروُّمِ فهيدُ بْنُ الحَسَنْ)
وَفِي هَذِه السّنة كَانَت وَفَاة أكمل الدّين القطبي شَهِيدا بالأعاضيد اسْم مَحل بِهِ نخل ومزارع بَين الطَّائِف والمبعوث والمبعوث إِلَيْهِ أقرب والشريف إِدْرِيس إِذا ذَاك بالمبعوث وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا وَقعت قتلة بَين الجبالية وَبَين الحسنان والقائد جَوْهَر قباني حَاكم مَكَّة تعصبت الحسنان والقواد للقائد جَوْهَر فتحاربوا أَجْمَعِينَ على أَقْدَامهم بِخَط القشاشيين إِلَى الصَّفَا وَكَانَ الظفر للحسنان والقواد وَقتل بعض الجبالية وَفِي أَوَائِل الْعشْرين من ذِي الْحجَّة الْحَرَام من سنة عشْرين بعد الْألف وصل من الديار الرومية الباشا حسن المعمار بميزاب الْكَعْبَة المشرفة أرسل بِهِ السُّلْطَان أَحْمد ابْن مُحَمَّد خَان وَأمره أَن يَجْعَل لَهَا إزاراً من حَدِيد فَوْقه مثله من الْفضة المطلية بِالذَّهَب فبرز أَمر صَاحب مَكَّة مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس بن الْحسن إِلَى أكَابِر مَكَّة وعلمائها بِأَن يلْقوا الباشا حسن من الْحجُون ويمشوا أَمَام الْمِيزَاب فامتثلوا الْأَمر وبرزوا وَكَانَ ذَلِك فِي آخر النَّهَار فَدخل الْمِيزَاب إِلَى مَكَّة من الْحجُون وأمامه بعض طوائف الْأَذْكَار وهم يذكرُونَ الله تَعَالَى فَبعد إتْمَام مَنَاسِك ذَلِك الْعَام وقفول الْحجَّاج إِلَى بِلَادهمْ توجه إِلَى عمَارَة الْعين وَكَانَ مَأْمُورا بذلك وصحبته أَمْوَال من جَانب السلطنة فاتفق عمل ذَلِك وأتمه ثمَّ إِنَّه ركب ميزاب الْكَعْبَة بعد قلع ميزابها وَأرْسل إِلَى الحضرة السُّلْطَانِيَّة وَجعل الْإِزَار الْمَأْمُور بِهِ على الْكَعْبَة وَاسْتمرّ الْإِزَار عَلَيْهَا إِلَى أَن اتّفق سُقُوط بعض الجدران فِي دولة الشريف مَسْعُود ابْن إِدْرِيس عَام تسع وَثَلَاثِينَ بعد الْألف كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيله وَقد تقدم ذكر بعض ذَلِك فِي تَرْجَمَة السُّلْطَان أَحْمد بن مُحَمَّد خَان فِي الْبَاب الْمَعْقُود لدولة العثامنة أدامهم الله وأدام بهم الدُّنْيَا آمِنَة وَفِي سنة إِحْدَى وَعشْرين بعد الْألف وصل الْوَزير حاجي مُحَمَّد باشا مُنْفَصِلا عَن وزارة الْيمن وَكَانَ دُخُوله إِلَى مَكَّة غرَّة شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَصَامَ رَمَضَان وَتصدق وَفعل أفعالاً عديدة من الْخيرَات وَكَانَ وصل مَعَه فِي مركبه الْوَاصِل بحراً فيل صَغِير أَرَادَ أَن يهديه إِلَى الحضرة السُّلْطَانِيَّة العثمانية ثمَّ إِن هَذَا
стр. 2041
الْفِيل اسْتمرّ بجدة أَياماً فجَاء الْخَبَر بِمَوْت السُّلْطَان عُثْمَان بن أَحْمد خَان ثمَّ انتقَل حاجي مُحَمَّد الْمَذْكُور لَيْلَة سَابِع عشري شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن ضحى صَبِيحَة تِلْكَ اللَّيْلَة بالمعلاة وبنيت عَلَيْهِ قبَّة عَظِيمَة بَاقِيَة إِلَى الْيَوْم وَوَقع سنة وُصُول الْفِيل غلاء شَدِيد بِمَكَّة قَالَ فِيهَا الْعَلامَة مَوْلَانَا عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ تَارِيخا وَهُوَ على غير الأبحر المتداولة وَنَصه
(حَرَّمَ الله حِلَّ ساحتِهِ ... قَدم الْفِيل ضَلَّ عَن رُشْدِهْ)
(كثر الهَمّ يَا فَتَى أَرِّخْ ... سَنَةُ الفيلِ همها يشدهْ)
وَفِي عَام ثَلَاث وَعشْرين بعد الْألف فِي شهر محرم الْحَرَام مِنْهَا وَقع مطر عَظِيم وَفِيه برد كبار كل بردة مِنْهُ قدر شربة المَاء بل أكبر وَفِي سنة أَربع وَعشْرين توفّي الأديب برهَان الدّين بن مُحَمَّد بن مشعل العبدلي السالمي الْمَكِّيّ كَانَ شَاعِرًا ماهراً لَهُ قصائد طَوِيلَة يمتدح بهَا الشريف الْحسن بن أبي نمي وَغَيره فَمن شعره فِي مليح يهواه وَهُوَ يهوى الراح قَوْله // (من مجزوء الْكَامِل) //
(شَمْس الطلا بَدْرِى غَدا ... لم يَصْحُ مِنْ تعليلها)
(فالراحُ قتلةُ قاتلىِ ... وَأَنا قتيلُ قِتيلِهَا)
توفّي بِالطَّائِف مجاوزاً السّبْعين وفيهَا توفّي الشَّيْخ نور الدّين الزيَادي شَافِعِيّ زَمَانه القطب الْعَارِف بِاللَّه فِي أَوَانه قَالَ فِي الريحانة حضرت دروسه زَمَانا طَويلا وَهُوَ كَمَا قلت فِيهِ // (من الوافر) //
(لنورِ الدّين فضْلٌ لَيْسَ يَخْفَى ... تضىءُ بِهِ الليالِى المدلهمَّهُ)
(يريدُ الحاسدونَ ليطفئُوهُ ... ويأبى الله إِلَّا أَن يُتِمَّهْ)
وَله حاشيه على شرح الْمنْهَج وَأخذ عَنهُ كَثِيرُونَ وَفِي سنة خمس وَعشْرين وَألف لليلتين بَقِيَتَا من شعْبَان مِنْهَا ورد الْأَمر السلطاني من حَضْرَة السُّلْطَان أَحْمد على يَد الباشا حسن أَفَنْدِي بِعَمَل شباك نُحَاس فِي بِئْر زَمْزَم ليمنع كل مَا يسْقط فِيهَا من آدَمِيّ وَغَيره فَجعل على قدر تدوير فَم الْبِئْر وَجعل لَهُ سِتّ سلاسل وربطتَ بالحديد الدائر على فمها وَصَارَ المَاء فَوق الشباك نَحْو ثُلثي قامة
стр. 2042
وفيهَا توفّي الشريف حَازِم بن رَاجِح بن أبي نمي الحسني كَانَ من أكَابِر السَّادة وأعيانهم يرجعُونَ فِي الْمُهِمَّات إِلَى رَأْيه السعيد وتدبيره الحميد بلغ من الحزم منتهاه وطابق اسْمه مُسَمَّاهُ وَقد كَانَ رَحل مَعَ وَالِده رَاجِح بن أبي نمي إِلَى مصر حِين عزم إِلَيْهَا منافراً لِأَخِيهِ الشريف ثمَّ بعد انْتِقَال وَالِده رَاجِح الْمَذْكُور بِمصْر رَجَعَ إِلَى مَكَّة فَأكْرمه عَمه الشريف حسن وَاعْتذر حَازِم عَن عزمه مَعَ وَالِده بِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ خلاف وَالِده فَقبل عَمه الشريف حسن عذره قَالَه فِي الْجَوَاهِر والدرر وفيهَا توفّي السَّيِّد سَالم بن مُحَمَّد السنهوري الْمَالِكِي الْمصْرِيّ أدْرك ناصراً اللَّقَّانِيّ وَأخذ الحَدِيث عَن النَّجْم الغيطي وَغَيره وتفنن فِي الْعُلُوم وَمهر فِي الْفِقْه حتىّ صَار مُعْتَمد الْمَالِكِيَّة فِي عصره لَهُ تَعْلِيق على مُخْتَصر خَلِيل وَقد كَانَ للشريف إِدْرِيس من العبيد المولدين وَمن الرَّقِيق الجلب مَا يزِيد على الأربعمائة وَمن المقاديم من الْعَرَب جمَاعَة وَكَانُوا فِي أَشَر وبَطَر وتِيهٍ وعَسَر وتجمل ظَاهر يتخيل الْوَاحِد مِنْهُم نَفسه الْملك القاهر وَكَانَ من خُدَّامه وَزِير مَكَّة الْقَائِد أَحْمد بن يُونُس وَإِن كَانَ وَلَاؤُه لِذَوي بَرَكَات فَلَمَّا كَانَ النّصْف الْأَخير من شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَعشْرين وَقعت فتْنَة سَببهَا أَن الْقَائِد أَحْمد بن يُونُس وَهُوَ الْوَزير على مَكَّة من قبل مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس وَكَانَ وَزِير مَوْلَانَا الشريف محسن الْقَائِد ياقوت بن سُلَيْمَان وَكَانَ مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الْمطلب نَائِبا فِي مَكَّة عَن عَمه الشريف إِدْرِيس لغيبته فى الشرق كَانَ قد استفحل أمره وَعظم حَتَّى صَارَت الْأُمُور كلهَا منوطة بِرَأْيهِ وتدبيره موكولة إِلَى تَقْدِيمه وتأخيره فتوافق مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس ومولانا الشريف محسن فَأرْسل مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس إِلَى السَّيِّد مُحَمَّد يَأْمُرهُ بِأخذ الْمهْر وَهُوَ مهر الْعرُوض من الْقَائِد أَحْمد وَكَذَلِكَ أرسل مَوْلَانَا الشريف محسن إِلَى الْقَائِد ياقوت بن سُلَيْمَان بِأخذ مهره مِنْهُ فَفعل كل مَا أَمر بِهِ وَكَانَ الْأَخْذ الْمَذْكُور فِي صَبِيحَة عَاشر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فَحِينَئِذٍ شاع فِي الْبَلَد عزل أَحْمد بن يُونُس وَأرْسل مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس إِلَى الْقَائِد ريحَان بن
стр. 2043
سَالم حَاكم مَكَّة يَأْمُرهُ بالوصول إِلَيْهِ إِلَى الشرق فَقدم إِلَيْهِ فقلده منصب الوزارة فوصل إِلَى مَكَّة فِي الشَّهْر الْمَذْكُور وَوصل الْخَبَر إِلَى السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الْمطلب بِأَن الْقَائِد أَحْمد بن يُونُس يُرِيد الرّكُوب عَلَيْك وَقد اجْتمع عِنْده الْعدَد وَالْعدَد وَوصل الْخَبَر إِلَى الْقَائِد أَحْمد بذلك أَيْضا فَركب كل مِنْهُمَا بعد أَن ألبس ووقف عِنْد بَاب دَاره ثمَّ انجلى الْأَمر وَظهر أَن مَا أخبر بِهِ كل مِنْهُمَا لَيْسَ لَهُ أصل فَأرْسل مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الْمطلب إِلَى مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس ومولانا الشريف محسن بذلك فَلَمَّا كَانَ الْعشْر الْأَخير عزم الْقَائِد أَحْمد إِلَى مَوْلَانَا الشريف بالمبعوث وَكَانَ قد وصل إِلَيْهِ الشريف من مَحَله الأول فَأَقَامَ الْقَائِد أَحْمد هُنَاكَ فجَاء الْأَمر إِلَى مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بِأخذ أَمْوَال الْقَائِد من دَاره وكل مَا حوله وَأَن يحفظ على ذَلِك فَلَمَّا أَن كَانَت لَيْلَة الْعِيد حصلت حَرَكَة من آخر اللَّيْل عِنْد بَيت السَّيِّد مُحَمَّد وتفريق سلَاح وأدراع فَنزل إِلَى الْمَسْجِد وَصلى صَلَاة الْعِيد فَقَط وبرز من الْمَسْجِد قبل الْخطْبَة وعزم بالجيش إِلَى الْبُسْتَان بُسْتَان ابْن يُونُس فختم على أَمْوَاله كلهَا وَأمر أَن ينزل الْبَعْض مِنْهَا إِلَى الْبَلَد وَاسْتمرّ هُوَ إِلَى بعد صَلَاة الظّهْر وَنزل والجيش مَعَه بعد أَن ختم على بَقِيَّة الْأَمْوَال وَقبض على جمَاعَة من المنسوبين إِلَى أَحْمد وحبسهم بعد أَن ختم على بُيُوتهم ثمَّ فكوا بعد وُصُول مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس إِلَّا إِبْرَاهِيم بن أَمِين كَاتب أَحْمد وَأعظم المقربين إِلَيْهِ فَإِنَّهُ لم يزل مسجوناً إِلَى أَن قضى الله عَلَيْهِ فِي السجْن وَأما أَحْمد فَإِنَّهُ اسْتمرّ بالمبعوث فثارت بِسَبَبِهِ فِي ثَانِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة بَين ذَوي حسن وَذَوي بَرَكَات فتْنَة أدَّت إِلَى الإدراع والإلباس ثمَّ رَحل إِلَى كلاخ فَأَقَامَ بهَا ثمَّ رَحل مِنْهَا إِلَى جِهَة الشَّام فَلَمَّا أَن كَانَ فِي أثْنَاء الطَّرِيق رَجَعَ فوصل إِلَى مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس وَهُوَ بالشرق فِي السّنة الْمَذْكُورَة فسجنه وكبله بالحديد ثمَّ قَتله فِي السّنة الْمَذْكُورَة أَيْضا فِي مَحل يُقَال لَهُ وَادي النَّار وَدفن هُنَاكَ فسبحان الفعال لما يَشَاء وَقد كَانَ هَذَا الْوَزير فِي قُوَّة من المَال وَالرِّجَال قد اشْتغل بِالْحَال وَلم يفكر فِي الْمَآل وَسَار صيته فِي الْآفَاق وَأكْثر الدخل وَأَقل الْإِنْفَاق وَكَانَ ذَا تَدْبِير لأحواله حَتَّى جَاوز الْحُدُود فَوَقع بِهِ مَا قَضَاهُ الْملك المعبود اللَّهُمَّ عَافِيَة غير عَافِيَة ورأفة مِنْك
стр. 2044
وافية كَافِيَة كَذَا فِي الأرج المسكي وَفِي سنة سبع وَعشْرين فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا قلع الشباك النّحاس الَّذِي عمل لبئر زَمْزَم الأفندي السَّيِّد مُحَمَّد بن مصطفى الفناري لما قيل لَهُ إِن مَاء زَمْزَم تغير طعمه بِسَبَب ذَلِك الشباك وَأَن الدَّلْو إِذا وَقع رُبمَا أمْسكهُ أَن يصعد وَفِي سنة تسع بِتَقْدِيم التَّاء وَعشْرين وَألف فِي سادس عشر جُمَادَى الأولى مِنْهَا توفّي السَّيِّد مَنْصُور بن أبي نمي بِمَكَّة وخطب لَهُ على زَمْزَم بعد مَوته وَهُوَ آخر أَوْلَاد الشريف أبي نمي موتا وسنه نَحْو سبعين سنة وَرَأى أَوْلَاد أَوْلَاد أَوْلَاد أَوْلَاد أبي نمي وَدفن بالمعلاة وَكَانَت جنَازَته حافلة وفيهَا غزا الشريف محسن بن الْحُسَيْن بجيلة ونواحيها وَفِي يَوْم الْأَحَد ثامن عشري الشَّهْر الْمَذْكُور من السّنة الْمَذْكُورَة وَقع فِي الْمَسْجِد الْحَرَام طراد عَجِيب بِسَبَب أَن جبلياً أَرَادَ الطّواف فأودع سَيْفه عِنْد رجل هندي فَمر بِهِ رجل تركي فابتدر الْهِنْدِيّ السَّيْف وَقتل التركي فثار النَّاس على الْهِنْدِيّ فطردهم إِلَى بَاب الصَّفَا فتكاثر النَّاس على الْهِنْدِيّ ورموه بِالْحِجَارَةِ فطردهم ثمَّ أحاطوا بِهِ وضربه رجل عِنْد زَمْزَم بإبريق فزلق بالبلاط وطاح فَضرب بجنبية وَمَات التركي والهندي وَفِي لَيْلَة الْأَحَد الرَّابِعَة وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا توفّي السَّيِّد منجد بن رَاجِح ابْن أبي نمي بالمبعوث وَحمل إِلَى مَكَّة وَدفن بالمعلاة وَكَانَ من أَعْيَان أَشْرَاف مَكَّة يُوصف بِالْكَرمِ وَفِي رَجَب مِنْهَا توفّي السَّيِّد قَتَادَة بن ثقبة بن أبي نمي وَدفن بالمعلاة وفيهَا أَو الَّتِي بعْدهَا توفّي الْعَلامَة عبد الرءوف الْمَنَاوِيّ شَارِح الْجَامِع الصَّغِير شرحين وَله تَرْتِيب الشهَاب وَشَرحه وَشرح أدب الْقَضَاء وطبقات الصُّوفِيَّة والأرغام وَغير ذَلِك رَحمَه الله تَعَالَى وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف توغل مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس وَابْن أَخِيه مَوْلَانَا الشريف محسن فِي الشرق ووصلا بالفريق إِلَى قرب الأحساء واجتمعا بذوي عبد الْمطلب وَكَانُوا فِي الْعَام الْمَاضِي نافروا عمهم الشريف إِدْرِيس فَقَامَ الشريف محسن فِي موافقتهم لعمهم فتم ذَلِك وَطَابَتْ نُفُوسهم وَوصل الشريفان بفريقهما
стр. 2045
إِلَى الأحساء وَضربت خيامهم قبالة الْبَاب القبلي من سور الأحساء وَأكْرمهمْ صَاحبهَا عَليّ باشا الْكَرَامَة التَّامَّة وَأَقَامُوا نَحْو ثَمَانِيَة أَيَّام وَلم يتَّفق لأحد من أَشْرَاف مَكَّة المتولين من القتاديين وُصُول الأحساء كَمَا اتّفق لهذين الشريفين وفيهَا فِي ثَالِث ربيع الثَّانِي دخل الشاه بَغْدَاد وَأَخذهَا من يَد المتغلب عَلَيْهَا من باشوات السلاطين بني عُثْمَان وَسبب ذَلِك أَن رجلا من عسكرها يُسمى بكر تغلب عَلَيْهَا وانبسطت يَده على مملكتها حَتَّى صَار إِذا جَاءَ الباشا السلطاني العثماني مُتَوَلِّيًا عَلَيْهَا لَا ينفذ من حكمه إِلَّا مَا نفذه بكر الْمَذْكُور وَغلب على بكر أَيْضا وَلَده مُحَمَّد وَلكُل فِرْعَوْن مُوسَى فوصل إِلَيْهَا وَزِير اسْمه أَحْمد حَافظ بِجَيْش كَبِير فَلَمَّا رأى بكر ذَلِك أغلق أَبْوَاب بَغْدَاد وَأرْسل إِلَى الشاه ليمكنه من الْبِلَاد وَتبقى لَهُ رقبته وَمَاله فَأتى الشاه بعسكره فَلَمَّا رأى أَحْمد حَافظ قُوَّة الشاه أرسل الخلعة والتأمين لبكر ثمَّ انْصَرف رَاجعا وَلم يزل الشاه فِي ذَلِك الْمَكَان وَأعْطى مُحَمَّد بن بكر العهود بِأَن يَجعله نَائِب الْبِلَاد ويؤمنه كَمَا طلب على رقبته وَمَاله فَفتح الْبَاب بَاب السِّرّ فَدخل عَسْكَر الشاه وأظهروا أَنْوَاع الطغيان وَقتلُوا بكرا وَجَمِيع أَهله شَرّ قتلة وَقتلُوا أهل السّنة جَمِيعهم ثمَّ خرج الشاه مِنْهَا وَأقَام فِيهَا خَانا من خاناته فَأرْسل سُلْطَان الرّوم العثماني وزراء مَعَهم الجيوش الجرارة لأخذها فَلم يحصل من أحد فتحُها حَتَّى قدر الله تَعَالَى فتحهَا على يَد السُّلْطَان مُرَاد بن أَحْمد خَان كَمَا سَيَأْتِي ذكره فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وفيهَا توفّي السَّيِّد دخيل الله بن ثقبة بن أبي نمي فِي بيشة وَدفن بهَا وَكَانَ من أجلاء الْأَشْرَاف ورءوسهم وَذَوي الرَّأْي مِنْهُم وفيهَا يَوْم الْإِثْنَيْنِ سَابِع رَمَضَان مِنْهَا مَاتَ السَّيِّد أَبُو نمي بن عبد الْكَرِيم بن حسن ابْن أبي نمي بالمبعوث وَحمل إِلَى مَكَّة وفيهَا لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثامن رَمَضَان الْمَذْكُور دخل حيدر باشا مُتَوَلِّيًا الْيمن فنصب دكة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فصلى عَلَيْهَا فَأنْكر عَلَيْهِ الملا مُحَمَّد مكي فروخ ورماه بِالْحِجَارَةِ فَتَبِعَهُ الْعَامَّة فَأمر بلزمه فَلَزِمَ وَقَالَ لَا بُد من ضربه خَمْسمِائَة ثمَّ طلبه وَلم يضْربهُ وَجمع فِيهَا الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة ونائب المحكمة وَأثبت أَنه مَا فعل ذَلِك إِلَّا لعذر وَكتب ذَلِك فِي السّجل
стр. 2046
وفيهَا يَوْم عيد الْفطر كَانَت وَفَاة الإِمَام عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ وَهُوَ الإِمَام الَّذِي تصدر فِي محراب الْعلم والإمامة وتسنم صهوة جموح الْفضل وَملك زمامه من رفع للعلوم أرفع رايه وَجمع بَين الرِّوَايَة والدراية فَأصْبح وَهُوَ كاسر الوساده بَين الْأَئِمَّة والساده يشنف المسامع بفرائد كَلَامه ويبهج النواظر بِمَا تدبجه أنامل أقلامه إِذا انفهقت بشقاشق قالِهِ لَهاتُهُ ثَبت حق إفصاح الْكَلَام وَبَطلَت ترهاته إِلَى نسب فِي صميم الشّرف عريق وَحسب غُصْن مجده بالمعالي وريق وَبَيت لم لَيْسَ فِيهِ إِلَّا إِمَام وخطيب وأديب فَنَنُ فضلِهِ فِي رياض الْأَدَب رطْب والطبريون سادة من غير الْفضل بريئون وَهَذَا الإِمَام وَاسِطَة عِقدهم ورابطة عقدهم ومحيي آثَارهم والآخذ من الدَّهْر بثأرهم صنَّف وَألف وَسبق وَمَا تخلف أما الْأَدَب فرَوضه الممطور وحَوضه الراوية مِنْهُ السطور كَانَت لَهُ عدَّة من المصنفات مِنْهَا شرح الدريدية الْمُسَمّى بِالْآيَاتِ الْمَقْصُورَة على الأبيات الْمَقْصُورَة وَحسن السريرة فِي حسن السِّيرَة وَشرح بديعيته الَّتِي على منوال بديعية ابْن حجَّة الْمُسَمّى على الْحجَّة بِتَأْخِير أبي بكر بن حجَّة ونشآت السلافة بمنشآت الْخلَافَة وَشرح قِطْعَة من ديوَان المتنبي سَمَّاهُ الْكَلم الطّيب على كَلَام أبي الطّيب وَله عدَّة رسائل وَغير ذَلِك من حواش وتعليقات وإنشاء ومكاتبات تهيج البلابل وَتحقّق لَوْلَا أَنَّهَا حَلَال سحر بابل أم بالمسليمن فِي الْمقَام بِبَلَد الله الْأمين واتصل بِقرب سُلْطَان مَكَّة ونواحيها وحامي جهاتها وضواحيها مَوْلَانَا الشريف حسن بن أبي نمي فحصلت لَهُ من جنابه الْعَظِيم مكانة أَي مكانة وزادت علوه رفْعَة وأعلت مَكَانَهُ بِحَيْثُ حَملته على تأليف غَالب مؤلفاته الْمَذْكُورَة برسمه وَجعلهَا خدمَة لخزانته المعمورة متوجة بلقبه واسْمه أثمرت عزا فِيهِ يتنافس الْمُتَنَافسُونَ وأينعت مجداً يُقَال فِيهِ لمثل هَذَا فليعمل الْعَامِلُونَ هطلت على غرائسها سحائب الإنعامات الحسنية ونشرت على
стр. 2047
دوحاتها خلع الإجلال السّنيَّة وَلما وصل إِلَيْهِ بشرح الدريدية وَقَرَأَ ديباجته لَدَى حَضرته الْعلية وَذكر لَهُ أَنه أنشأ بَيْتَيْنِ هما تَارِيخ تَمام تأليفه وجعلهما على لِسَان الْكتاب وَأرَاهُ إيَّاهُمَا تنَاول الشريف حسن الْكتاب بِيَدِهِ الشَّرِيفَة وَقَرَأَ الْبَيْتَيْنِ وهما // (من مجزوء) // الرجز
(أرَّخَنِى مؤلّفي ... ببيتِ شعْرٍ مَا ذهَبْ)
(أحمدُ جود مَاجِد ... أجازني أَلْف ذَهَبْ)
فَتَبَسَّمَ مَوْلَانَا الشريف وَوضع الْكتاب فِي حجره وَوضع يَده الشَّرِيفَة على رَأسه وَقَالَ على الرَّأْس وَالْعين وَالله إِن ذَلِك نزر يسير فِي مُقَابلَته وَإِنِّي أَحْمد الله تَعَالَى الَّذِي أوجد مثلك فِي زمني ثمَّ لما كَانَت أَيَّام وَفَاته ووصلت مطايا عمره إِلَى غَايَة مَحَله وميقاته وَذَلِكَ فِي زمن مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس بن حسن كَانَ سَببه الْمُقدر فِي كِتَابه المسطر أَنه انتابت خطْبَة الْعِيد أحد ولديه وَكَانَت أول خطْبَة حصلت لَدَيْهِ فتهيأ للْقِيَام بأدائها وأرهف عضب لِسَانه لإبدائها فَمَنعه بعض أُمَرَاء الأروام الواردين إِلَى مَكَّة تِلْكَ الأعوام يُسمى حيدر باشا وَرغب فِي أَن يكون حَنَفِيّ الْمَذْهَب وأخاف من تعرض لَهُ وَأمره وأرهب فَضَاقَ بِالْإِمَامِ نجده ووهده وَجهد فِي إِزَالَة الْمَانِع فَلم يجد جهده لِأَن مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس لم يكن فِي ذَلِك الْوَقْت بِالْبَلَدِ فَلَمَّا لم يحصل إِلَّا على الْيَأْس وَلم يلق لضنا دائه من آس صعد كرسيه وتنفس الصعدا فَفَاضَتْ نَفسه لوقته كمدا وَألقى على كرسيه جسداً وقدمت جنَازَته ذَلِك الْيَوْم للصَّلَاة عَلَيْهِ والخطيب على الْمِنْبَر نَاظر إِلَيْهِ وَقيل إِنَّه مَاتَ مسموماً وَكَانَت وِلَادَته سنة سِتّ وَسبعين وستعمائة وأرخت بِمَا نَصه أشرف المدرسين رَحمَه الله تَعَالَى وَلما بلغ الشريف إِدْرِيس وَفَاته بذلك تَعب تعباً شَدِيدا لما كَانَ للْإِمَام عبد الْقَادِر عِنْده من الْمحبَّة فَدخل مَكَّة رَابِع شَوَّال وَمَعَهُ الشريف محسن وَجمع الْأَشْرَاف والقواد فِي موكب عَظِيم وأكرمهما حيدر باشا غَايَة الْإِكْرَام قطلبا مِنْهُ التَّوَجُّه إِلَى الْيمن وأحضر لَهُ مَا يَحْتَاجهُ من إبل وَغَيرهَا
стр. 2048
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف قبيل الظّهْر من يَوْم الْأَحَد سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة وَقع مطر عَظِيم سَالَتْ مِنْهُ أَوديَة مَكَّة وامتلأ مِنْهُ الْمَسْجِد الْحَرَام وَعلا المَاء حَتَّى حَاذَى الْحجر الْأسود فَقَالَ الشَّيْخ مَحْمُود الحناوي تَارِيخا فِي ذَلِك وَهُوَ من الْحسن بمَكَان // (من السَّرِيع) //
(قد جَاءَنَا سَيْلٌ مِنَ الله فِي ... جُمَادىَ الآخر يَا ذَا النَّظَرْ)
(فى مسجدِ الله الحرامِ الَّذِي ... سعَتْ إِلَى علياًه كُلُّ البَشَرْ)
(سيلٌ عظيمٌ مَا رُئِى مثلُهُ ... تَارِيخه ألماءُ حَاذَى الحَجَرْ)
وفيهَا توفّي الشَّيْخ الأمجد شهَاب الدّين أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن عَلان فِي الْيَوْم السَّادِس عشر من شعْبَان مِنْهَا الصديقي الشَّافِعِي وَدفن بالمعلاة بِالْقربِ من قبر السيدة خَدِيجَة أم الْمُؤمنِينَ كَانَ إِمَام التصوف فِي زَمَانه وأوحد علومه وعرفانه وفيهَا فِي شعْبَان توفّي السَّيِّد الْجَلِيل الرئيس النَّبِيل أَبُو الْقَاسِم بن بشير بن أبي نمي فِي الشرق وَحمل إِلَى مَكَّة وخطب لَهُ على زَمْزَم كعادة أسلافه ثمَّ توفّي فِيهِ أَيْضا أَخُوهُ السَّيِّد بَرَكَات بن بشير بِمَكَّة فَجْأَة بعد موت أَبى الْقَاسِم بأَرْبعَة أَيَّام ثمَّ توفّي فِيهِ أَيْضا السَّيِّد عَليّ بن أبي طَالب بن حسن بِمَكَّة وخطب لَهُ على زَمْزَم وَاسْتمرّ الشريف شَرِيكا لِعَمِّهِ الشريف إِدْرِيس على صدق الْكَلِمَة والنصح فِي الألفة بِالْخدمَةِ والمساعدة فِي الْأَحْوَال والمعاضدة لَهُ فِي المؤيدات الثقال إِلَى أَن اجْتمع أهل الْحل وَالْعقد وَمن إِلَيْهِم الْمرجع من قبل وَمن بعد من بني عَمه السَّادة الْأَشْرَاف الذابين عَن حمى هَذِه الأكناف وَالْعُلَمَاء والصلحاء وأعيان سكان الْبَطْحَاء فَرفعُوا الشريف إِدْرِيس عَن ولَايَة الْحجاز ومنعوه من أَن تكون لَهُ علاقَة فِي ذَلِك الْمجَاز ووسدوا الْأَمر إِلَى السَّيِّد الشريف المحسن ووكلوا الْحَال إِلَيْهِ فِي حفظ هَذَا الموطن فأشيع فِي الْبَلَد يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث محرم الْحَرَام من سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف أَن السَّادة الْأَشْرَاف قد أَقَامُوا الشريف محسن مُسْتقِلّا بِالْأَمر فَحصل بَين الشريف إِدْرِيس وَبَينه بِسَبَب ذَلِك مَا يُوجب المنافرة وَحصل اضْطِرَاب عَظِيم فِي الْبَلَد وحركة كَبِيرَة وَقسمت آلَات الْحَرْب من الْجَانِبَيْنِ
стр. 2049
فَلَمَّا كَانَت صَبِيحَة يَوْم الْخَمِيس رَابِع محرم الْحَرَام من السّنة المذكورهَ ألبس كل من الشريفين بِمن مَعَهُمَا من العساكر والجنود ووقف على بَاب دَاره فبرز من جمَاعَة مَوْلَانَا الشريف محسن شرذمة من جَانب عقد مَوْلَانَا السَّيِّد بشير وبنية النداء بِالْبَلَدِ لمولانا الشريف محسن اسْتِقْلَالا بمفرده فَقبل وصولهم العقد رَمَتْهُمْ الجبالية المرصدون فِي مدرسة السَّيِّد العيدروس بالبندق وَقتل من الْجَمَاعَة الْمَذْكُورين بالبندق مَوْلَانَا السَّيِّد سُلَيْمَان بن عجلَان بن ثقبة والقائد مرجان بن زين العابدين وَزِير مَوْلَانَا الشريف محسن فَرجع الْبَاقُونَ وَفِي ضحى هَذَا الْيَوْم ركب مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد بن عبد الْمطلب وَمَعَهُ رَحل والمنادي بَين يَدَيْهِ يُنَادي بالبلاد للشريف محسن وَلم يزل هَذَا الِاضْطِرَاب بِالْبَلَدِ ذَلِك الْيَوْم جَمِيعه وَمن ألطاف الله تَعَالَى أَن الْجَمَاعَة بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام قَائِمَة ذَلِك الْيَوْم والأسواق مَوْجُودَة فِيهَا الأقوات لم يحصل تغير أصلا فِي ذَلِك الْيَوْم فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس محرم الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة وَقع الصُّلْح بَين الشريفين على أَن يسْتَقلّ مَوْلَانَا الشريف محسن بِالْبَلَدِ وَيكون الْكَفّ عَن الْمُحَاربَة سِتَّة أشهر مِنْهَا ثَلَاثَة يكون مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس فِيهَا بِالْبَلَدِ وَثَلَاثَة بِالْبرِّ فاتفق الْحَال على ذَلِك ودعا الْخَطِيب لمولانا الشريف محسن بمفرده يَوْم الْجُمُعَة كَذَا نَقله المرحوم الإِمَام على ابْن المرحوم الْعَلامَة الإِمَام عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ فِي تَارِيخه وَالَّذِي نَقله غَيره من الثِّقَات أَن مَوْلَانَا الشريف إِدْرِيس لما ضويق وأجلبت عَلَيْهِ السَّادة الْأَشْرَاف وَمن مَعَهم أرسل الشريف إِدْرِيس إِلَى الشريف محسن والسادة الَّذين مَعَه فَطلب مهلة شَهْرَيْن فِي الْبَلَد وَأَرْبَعَة أشهر خَارِجهَا ليتأهب للسَّفر إِلَى حَيْثُ شَاءَ فَأعْطَاهُ الشريف محسن ذَلِك وَشرط عَلَيْهِ أَن لَا يحدث شَيْئا من المخالفات فاستمر عَلَيْهِ شهر محرم وصفر فَمَرض فِيهِ حَتَّى خيف عَلَيْهِ وَفِي لَيْلَة المولد الشريف خرج من مَكَّة وَكَانَ قد أضعفه الْمَرَض فَمَا طَاف للوداع إِلَّا فِي محفة وَخرج من مَكَّة كَذَلِك كَذَا فِي كتاب عُقُود الْجَوَاهِر والدرر فِي أهل الْقرن الْحَادِي عشر للسَّيِّد مُحَمَّد الشلى وَلما خرج الشريف إِدْرِيس توجه إِلَى جِهَة الشرق
стр. 2050
وَلما كَانَ غرَّة رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة ورد خبر وَفَاة إِدْرِيس إِلَى مَكَّة فِي نواحى جبل شمر وَدفن بِمحل يُسمى ياطب مِنْهَا وَمن الِاتِّفَاق أَن حِسَاب ياطب بالجمل اثْنَان وَعِشْرُونَ سنة عدد مُدَّة ولَايَته مجبورة وَكَانَ يكنى أَبَا عون وَولد فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَأمه هيا بنت أَحْمد بن حميضة ابْن مُحَمَّد بن بَرَكَات وَكَانَت وَفَاته رَابِع عشري جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكَانَت مُدَّة ولَايَته إِحْدَى وَعشْرين سنة وَنصفا رَحمَه الله تَعَالَى رَحْمَة وَاسِعَة وَمِمَّا قيل فِيهِ قَول مَوْلَانَا القَاضِي تَاج الدّين الْمَالِكِي وَهُوَ // (من الطَّوِيل) //
(زها بكَ دستُ الملكِ والتاج والعقْدُ ... غداةَ إِلَيْك الحلُّ أصبَحَ والعَقْدُ)
(مُطاعًا بعطفِ الله بعد رسولِهِ ... أولى الأمرِ فالعاصِى لأمرِكَ مزتدُّ)
(أَبَا شرفٍ إِدْرِيس منتخبَ الْعلَا ... أَبى الشرَفُ الوضاحُ غيرَكَ والمجْدُ)
(لقد طلبَتْ شمْسُ الْخلَافَة بدرَهَا ... فقارَنها فِي الأوْجِ والطالعُ السعدُ)
(قنصْتَ العلَا بالزاعبيةِ والنهَى ... هما شركاها لَا الأمانِيُّ والوعْدُ)
(وقمتَ بعبءٍ آدَ غيرَكَ حملُهُ ... منال المهاري ليْسَ تُدْرِكهُ الربْدُ)
(وشرفْتَ دسْتَ الملكِ حِين حللته ... ومرقاتُكَ المرقالُ والفَرَسُ النهدُ)
(فكنْتَ بِهِ إدريسَ إدريسَ إِذْ رَقَى ... مَكَانا عليا خصّه الصمَدُ الفرْدُ)
(وكنْتَ وَلم تُفْتَنْ سليمانَ إِذْ دَعَا ... فأوتيتَ مَا لَا يَنْبَغِي لفتى بَعْدُ)
(وَمَا لم ينله غيرُ آبائكَ الأُلَى ... ربوعُ الندا شادُوا وزَنْدَ الْعلَا شَدُّوا)
(ملوكٌ هم الأنيابُ للملكِ والسِّوَى ... اذا نُسبوا كَانُوا الزوائدَ إِذْ عُدُّوا)
(تولَّوْا وأفضَى ملكهُمْ لمحجَّبٍ ... تصادم تِيجَان الْمُلُوك إِذا يَبْدُو)
(تأخَّر عصراً فاستزادَكَ فِي الْعلَا ... كَمَا ازدادَ بالتأخيرِ مَا ترقُمُ الهنْدُ)
(وأصَبَحَ عطلاً جِيدُ مَنْ رام عقدهَا ... سواهُ وأضحَى يستضىءُ بِهِ العقْدُ)
(تفردَ طود الْملك بالمجدِ جَامعا ... مزاياه فَهْوَ الجامعُ العلَمُ الفردُ)
(رأى إِن عدته خلَّة مِنْهُ خلَّة ... فصيره قصراً عَلَيْهِ فَلَا يَعْدُو)
(فيا ملكا بالفضْلِ أذعَنَ ضِدُّهُ ... وَمَا الفضْلُ إِلَّا مَا أقرَّ بِهِ الضِّدُّ)
(بكَ الدسْتُ يزهو يَوْم سِلْمِكَ والندَى ... يومَ الوغَى يزهو بك السرْجُ والسرْدُ)
стр. 2051
(وَمَا زلْتَ فِي حالَيْكَ سلْمٍ وضدِّهِ ... عليكَ رِوَاقُ المجدِ يرفعُ وَالبَنْدُ)
(فيشقى بكَ الجإني ويسعدُ مخفقٌ ... ويأمنُ مطرودٌ وترهبُكَ الأُسْدُ)
(إِذا بيَّتَ الأعداءُ أمرا تضاءلَتْ ... لَدَى خطبِهِ الآراءُ واسْتَتَرَ الرشْدُ)
(وترتَ قويمَ الفكْرِ قوساً لوترهم ... وأنفذْتَ سهْمَ الرأْى لَيْسَ لَهُ رَدُّ)
(وحكَّمْتَ فيهم قَاضِيا غيْرَ مغمدٍ ... هُوَ العزْمُ لم يكهم لَهُ أبدا حَدُّ)
(وقدتَّ من القودِ الجيادِ مقانبًا ... إِذْ طلبَتْ يدنو بتقريبها البُعْدُ)
(وغَلَّ إِلَى الأعناقِ أَيْدِىَ بطشهم ... مِن الرعْبِ جيشٌ لَيْسَ تكبو لَهُ جردُ)
(فأحياهُمُ فى الأرضِ موتَى كَأَنَّهَا ... عليهِمْ وَقد ضاقَتْ بِمَا رَحُبَتْ لَحْدُ)
(سجايا أبي لَا يجارُ طريدُهُ ... وَلَا رَاع يَوْمًا جَار غفوته طرْدُ)
(مليكٌ هُوَ الطودُ الأشَمُّ للائذٍ ... هُوَ البطَلُ المطعانُ والأسد الوردُ)
(جوادٌ لَهُ فِي المالِ صولةُ ثائرٍ ... تحكم فِي الْجَانِي وأحفَظَهُ الحقْدُ)
(طوَتْ نَحوه بالوفْدِ كل تنوفةٍ ... بخات بخد الأرْضِ من وخدها خَدُّ)
(وجاد فَلم يفقدْ مراماً بجودِهِ ... فقلْ عوضا عَن جاد قد فقد العقْدُ)
(هُوَ البحْرُ عذبٌ للموالي وللعدَى ... عذابٌ لَهُم مِنْ لجه الجزرُ والمَدُّ)
(هُوَ الغيثُ يهْمِى للْوَلِيّ وليه ... فينبتُ إِلَّا أنَّ منبته الحمْدُ)
(ويعدو العدَى وسمى هامى ربابه ... وتبلغهم مِنْهُ الصواعقُ والرعْدُ)
(أَخا الجودِ قد قلدتَّ جِيدى ودُونَ مَا ... تقلدتُّ أعناقُ المطامعِ تنقَدُّ)
(وأمطيتَنِى مِنْ كاهلِ العزِّ مركبا ... تريني ذكاً كالغورِ صهوتُهُ النجْدُ)
(فقمْتُ خَطِيبًا فِي المحافلِ بالثنا ... وبالشكْرِ أتلو ذَا وذاكَ بِهِ أشدُو)
(ينافسنِى قوْمٌ شأوْتُ وقَصَّروا ... وَمَا كضليع ضالع خَلفه يعْدُو)
(ويبخسُ مِنْهُم دُرَّ نظمِى زعانفٌ ... فواعجباً مِنْ أينَ للنقَدِ النَّقْدُ)
(سماءُ سِماتِ الفضلِ لَفْظِي نجمها ... وَلم يُخْفِهِ ألَاّ تَرَى ضوءَهُ الرُّمْدُ)
(وَإِنِّي لما خولْت أهلٌ وَلم أكُنْ ... كقولِ حسودٍ إِنَّمَا أسعَدَ الجدُّ)
(ولستُ مُدلاًّ حِين أسمو وإِن يكُنْ ... هُوَ الفخْرُ يَوْم الفخْرِ والشرف العِدُّ)
(وَلَكِن بنفسي والعبودية الَّتِي ... بهَا شَرَفُ الْآبَاء من قبلُ والجدُّ)
(وإنِّى لأرجُو منْكَ مَا نَالَ مَنْ مَضَى ... وَلَا عجَبٌ إنْ عَزَّ بالسيدِ العَبْدُ)
стр. 2052
(بقيتَ بقاءَ الدهْرِ فِينَا مؤملاً ... بك التاجُ يزهو والغلائلُ والبُرْدُ)
وَقَول الإِمَام عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى // (من الْكَامِل) //
(مالِى وللغيدِ الغوانِى النُّعَّسِ ... ولريمِ رامةَ والغزالِ الألعسِ)
(ولبانةِ الجرعاءِ فِي شَرْقي الغضا ... ولسَجْعِ ورقِ الأيْكِ عِنْد تأَنُّسِ)
(ولنظْم عقيانِ القريضِ ونثْرِهِ ... مِنْ كُلِّ أَنْفَسِ جَوْهَرٍ فِي أَنْفسِ)
(وأَنَا اَّلذِى قَذَفَ الزَّمَان بِجَاحِظٍ ... مِنْ عَيْنِهِ بِي مغضباً وَهْوَ المُسِي)
(ورمَى بأسهمه مقاتِليَ الَّتِي ... بَعُدَتْ عَلَيْهِ فحطَّ عالي مجلسِي)
(وَإِذا قنى مِنْ صَبْرِ مُرِّ قضائِهِ ... كأساً برغْمى أَن أكونَ المحتَسِي)
(هُوَ دُمَّلُ الليلِ الَّذِي لم يندملْ ... إِلَّا بصَبْرِ مؤمِّلٍ لم ييأَسِ)
(صابرتُهُ حَتَّى ظفرتُ بفجْرِهِ ... وحصلْتُ مِنْهُ على شفاءِ الأنفسِ)
(بضياءِ صبْحِ العدلِ من إدريسَ مَنْ ... أهْدى الضيا فمحا ظلامَ مغلِّسِ)
(ألسيد الحامي الذمارَ بهمةٍ ... تسمو على الفلكِ الأثيرِ الأطلسِ)
(أولى وأوَّل باسلٍ تَخِذَ العجاجَةَ ... درعهُ يَوْمَ الوغَى كالبرنسِ)
(لم يكترثْ بمهمةٍ وبكفِّه ... عِنْد اللقا صُمُّ الردَينى الأخرسِ)
(والنُّطْقُ مِنْهُ الطعنَةُ النْجلاءُ فِي النْجلاء ... من عينِ العَدُوِّ الأشوسِ)
(وَإِذا انتضى الهندىَّ خرَّتْ أرؤسٌ ... ودَّتْ بقطْعٍ أَنَّهَا لم ترؤسِ)
(دَلَّ المنيةَ حِين ضَلَّتْ سبلها ... فبه اهتدَتْ لفؤادِ كلِّ مترسِ)
(بِيَمِين أروَعَ يضربُ البطَلَ المُدَرْرَعَ ... نَافِذا مِنْهُ لقطْع العضرسِ)
(كالبَرْقِ فِي الظلماءِ من نقعِ الوغَى ... يروي سنا لكنْ بخَطْفِ الأرؤسِ)
(فرذاذُهُ العلَقُ النجيعُ وسَحُّهُ الززلق ... الفجيعُ من الطلا المتبجسِ)
(لله مَا أمضاهُ عنْدَ توحُّشٍ ... وأمضَّهُ فى الوهْمِ عندَ تأنُّسِ)
(والسيفُ بالكَفِّ الَّتِي كفَّتْ أَذَى ... لَا بالحديدِ وطبعه المتيبسِ)
(لَوْلَا يدا إدريسَ مَا خطَّتْ بهَا ... فِي الهامِ شَكْل مخمس ومسدّسِ)
(هَذَا المليكُ ابنُ المليكِ ابْنِ المليكِ ... ابْنِ المليكِ ابنِ المليكِ الأرأسِ)
(زاكي الأرومةِ مِنْ هيولي هاشمٍ ... عالي النجارِ من النبيِّ الأقدسِ)
(ذُو الهمة الْعليا الَّتِي مِنْ دونهَا ... زُحَلٌ فَمَا بَاقِي الجوارِى الكُنَّسِ)
стр. 2053
(هُوَ فى النُّهَى سَحْبَانُ وائلَ والذكاءِ ... إياسُ والجَدْوَى ابنُ مامَةَ واحْبِسِ)
(كملَتْ فضائله فَلَو مسَّ الورى ... أذيالُهُ لرأيْتَ كُلاًّ مكتسي)
(يأيها الملكُ الرفيعُ مقامُهُ ... فوقَ الثوابتِ فِي الرفيعِ الأقعسِ)
(لكَ عِلْمُ إدريسٍ ودينُ محمدٍ ... وَعلا سليمانٍ وحكمةُ هرمسِ)
(فافخَر على الأملاكِ مِنْ صنعا إِلَى ... صِينٍ ومِنْ شرقٍ لمغربِ تونسِ)
(بِالله أنْتَ فثقْ بِهِ لَا بالورَى ... مِنْ آدميِّ فِي الوجودِ وَلَو نسِى)
(وإليكَهَا عذراءَ فِكْرٍ عانس ... من بعدِ عهدكَ فهْىَ بكْرُ العُنَّسِ)
(عَرَبِيَّة غنيتْ بوصفِكَ واقتنَتْ ... حُرَّ البديعِ فَمَا أتَتْ بمجنّسِ)
(ذكرتْ عهوداً بالحمى فتلفعَتْ ... خجلاً ووافَتْ فِي رداءٍ سندسي)
(تختالُ فِيهِ إِلَى المليكِ وتنتضِي ... بيضَ المدائحِ من قرابِ الحندسِ)
(فاقبلْ وقابلها بطَلْقِ جبينك الْمأنوسِ ... لَا لاقاهُ قطْب تعبُّسِ)
(وانظرْ إِلَى حالِى فأنْتَ خبيرها ... قدماً وقدِّرْ بالوفاءِ وهندسِ)
(واسلم على طولِ الزمانِ ممتعاً ... بثناءِ كُلِّ مفوهٍ ومدرسِ)
ثمَّ وَليهَا مَوْلَانَا الشريف محسن فَقَامَ بِالْأَمر أحسن قيام وَضبط الْبِلَاد والعباد بالضبط التَّام وآمن السبل والطرق وانتظم فِي سلك طَاعَته سَائِر الْفرق العاصية فِي الْفرق ثمَّ إِنَّهُم فِي الْعشْر الأول من محرم الْحَرَام عرضوا إِلَى الْبَاب العالي وأنهوا إِلَى الجناب الغالي حَضْرَة مَوْلَانَا السُّلْطَان مُرَاد بن أَحْمد خَان تغمده الله بِالرَّحْمَةِ والرضوان طَالِبين إجابتهم إِلَى هَذَا المُرَاد وتقليد الْمشَار إِلَيْهِ إيالة هَذِه الْبِلَاد فَإِن بذلك تنتظم الْأُمُور وَيتم أَمر الْآمِر والمأمور وتنصلح الْأَحْوَال وتتضح طرق الْحق على أوضح منوال وَكَانَ الذَّاهِب بِالْعرضِ الأغا مُحَمَّد بن بهْرَام وطلع مَوْلَانَا الشريف إِلَى الْمَبْعُوث فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الرَّابِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وصل الأغا
стр. 2054
مُحَمَّد بن بهرامَ إِلَى بلد الله الْحَرَام فَتلقى مَا جَاءَ بِهِ الْأَعْيَان واستقبلوه إِلَى الزَّاهِر إجلالاً لما صَحبه من الْبَرَاءَة السُّلْطَانِيَّة ثمَّ دخل من ثنية كدا الْمَشْهُورَة بالحجون دُخُول أُمَرَاء الْحَاج عِنْد وصولهم إِذْ يحجون وَقد امْتَلَأت بالخلائق الشوارع وَصَارَ كل أحد إِلَى استقباله يُسَارع فَدخل والتشاريف مَحْمُولَة على أَيدي حامليها فوصل إِلَى دَار السَّعَادَة وَدخل فِيهَا فأفيضت عَلَيْهِ وعَلى الأغا مصطفى بن حيدر الترجمان مضلعتان تمييزاً لَهما على سَائِر من كَانَ مَعَهُمَا من جمَاعَة الترجمان ثمَّ عَاد إِلَى منزلهما مختلعين وَطَابَتْ مِنْهُمَا النَّفس وقرت بهما الْعين هَذَا ومولانا الشريف مُقيم بالمبعوث السعيد لِاسْتِيفَاء الصّيام بِهِ وَإِقَامَة شعار الْعِيد فَبعد أَن مَضَت أَيَّام الصّيام وطلع هِلَال الْعِيد من الْخيام تهَيَّأ مَوْلَانَا الشريف للوصول إِلَى الْبَلَد الْحَرَام لتلقى الْأَوَامِر السُّلْطَانِيَّة وَالْخلْع السّنيَّة بالإجلال والاحترام فوصل بِجَمِيعِ من مَعَه من السَّادة الْأَشْرَاف مَا عدا من خَلفهم مِنْهُم بالفريق لحفظ تِلْكَ الْأَطْرَاف فَدخل فِي موكب عَظِيم ومهيع كريم وَدخل من بَاب السَّلَام إِلَى الْبَيْت الْحَرَام فَقبل يَمِين الله فِي أرضه وَأدّى بذلك وَاجِب فَرْضه ثمَّ عَاد فَجَلَسَ فِي فنَاء جِدَار زَمْزَم مُقَابل الْبَيْت الشريف وأحدق بِهِ السَّادة الْأَشْرَاف والأعيان ثمَّ قدمت لَهُ الْبَرَاءَة والنامة الْعَظِيمَة الشَّأْن فَقَامَ على قَدَمَيْهِ إجلالاً ووضعها على رَأسه الشريف اعتناءً بشأنها واحتفالاً فقرئت فِي ذَلِك الْمحْضر وَالْجمع الْأَكْبَر وَكَانَ الْقَارئ لَهَا الْعَلامَة الْمُفْتِي عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى المرشدي وَبعد أَن تمت الْقِرَاءَة تقلد مَوْلَانَا الشريف بِالسَّيْفِ المجوهر وَلبس التشريف الْأَزْهَر وأفاض فِي ذَلِك الْمَكَان جملا من القفطان على كل من لَهُ علاقَة فِي هَذَا الشان
стр. 2055
ثمَّ دخل الْبَيْت الشريف بغالب من مَعَه من الْأَشْرَاف ثمَّ بعد بروزه اسْتَلم الْحجر وَطَاف والريس يَدْعُو لَهُ من أَعلَى قبَّة زَمْزَم كَمَا هُوَ عَادَة الأسلاف ثمَّ ذهب إِلَى منزله السعيد وَجَاء للتهنئة كل ذِي شَأْن مجيد ثمَّ أفيضت عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْمَكَان الخلعة الثَّانِيَة الْوَاصِلَة من وَزِير مصر ذِي الشان فَكَانَ ذَلِك الْيَوْم يَوْمًا مشهوداً وَمن أَيَّام الأعياد معدوداً وَفِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ فِي ثَانِي عشر جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا توفّي السَّيِّد إِبْرَاهِيم ابْن بَرَكَات ابْن أبي نمي كَانَ من أجلاء أَشْرَاف مَكَّة وَرُؤَسَائِهِمْ وأغنيائهم جمع من الضّيَاع وَالْعَقار وَالْإِبِل والخميل وَالنعَم شَيْئا كثيرا جدا تغمده الله برحمته آمين وَلما كَانَ آخر صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وصل إِلَى جدة الْوَزير أَحْمد باشا مُتَوَلِّيًا الْجِهَات اليمنية فَلَمَّا وصل إِلَى محاذاة جدة بِحَيْثُ يَرَاهَا انْكَسَرَ مركبه وغرقت جَمِيع أَمْوَاله فتعب لذَلِك وَنزل إِلَى جدة وَأرْسل إِلَى مَوْلَانَا الشريف محسن بهدية ثمَّ نزل إِلَيْهِ مَوْلَانَا الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى المرشدي الْمُفْتِي الْحَنَفِيّ بمكاتيب من مَوْلَانَا الشريف محسن فَأَقَامَ عِنْده أَيَّامًا ثمَّ إِن الباشا أَحْمد طلب من مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا الشريف محسن الْإِعَانَة فشرعوا فِي تَدْبِير مَا يرسلون بِهِ إِلَيْهِ وَطلب غواصين لإِخْرَاج مَاله وأثاثه فغاصوا وَلم يخرجُوا شَيْئا فتخيل الباشا أَنهم مأمورون بذلك ثمَّ تنكر وَتغَير وسجن الْقَائِد راجحا بن ملحم الدويدار حَاكم جدة والأغا مُحَمَّد ابْن بهْرَام الشريفي أحد خدام مَوْلَانَا الشريف وَكَانَ أرْسلهُ مَوْلَانَا الشريف إِلَى جدة بمكاتيب إِلَى الباشا فَأرْسل مَوْلَانَا الشريف الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن قره باش الْوَاعِظ الرُّومِي إِلَى جدة لينْظر فِي هَذَا الْأَمر فَلم ينْتج شَيْئا فَلَمَّا أَن كَانَت غرَّة شهر ربيع الأول من السنه الْمَذْكُورَة وصل الْخَبَر بِأَن الباشا صلب راجحاً الدويدار وَكَانَ السَّيِّد أَحْمد بن عبد الْمطلب نزل إِلَى جدة إِلَيْهِ لما سمع بِهِ فَنزل على حمَار فَقَالَت لَهُ الأقدار وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار وَكَانَ
стр. 2056
فِي هَذِه الْمدَّة يتَرَدَّد إِلَيْهِ فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَى مَكَّة بذلك حصل اضْطِرَاب وَقيل وَقَالَ فَبعد مُدَّة يسيرَة وصل خبر وَفَاة الباشا أَحْمد وَأَن السَّيِّد أَحْمد استمال عسكره وَاسْتولى على جدة وأموالها وَأَن جدة نُودي فِيهَا لمولانا الشريف محسن ففرح النَّاس بذلك كثيرا فَفِي ثَانِي يَوْم الْخَبَر ورد الْخَبَر بِأَن الْأَمر عَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَأَن السَّيِّد أَحْمد نُودي لَهُ فِي جدهَ وَمنع النَّاس من الدُّخُول وَالْخُرُوج فبرز مَوْلَانَا الشريف محسن بعساكره وَجُنُوده وَنزل ب ومخ اسْم مَاء أَو جبل بِقرب جدة من جِهَة الشَّام وَوَقعت هُنَاكَ فتْنَة أَن الأتراك خَرجُوا من جدة لأخذ إبل ترعى فِي تِلْكَ الْجِهَات فوصل الْخَبَر إِلَى مَوْلَانَا الشريف محسن فَركب وَركب مَعَه السَّادة الْأَشْرَاف والأجناد فَوَقَعت ملحمة عَظِيمَة قتل فِيهَا من الأتراك فَوق الْخمسين وَقتل فِيهَا من الْأَشْرَاف مَوْلَانَا السَّيِّد ظفر بن سرُور بن أبي نمي ومولانا السَّيِّد أَبُو الْقَاسِم بن جازان وَغَيرهمَا ثمَّ بعد مُدَّة وصل مَوْلَانَا الشريف محسن إِلَى الْبَلَد وَأقَام بهَا وَجعل هُنَاكَ رُتْبَة وَأقَام على الرُّتْبَة مَوْلَانَا السَّيِّد قايتباي بن سعيد بن بَرَكَات فَلَمَّا أَن كَانَ آخر شعْبَان وصل الْخَبَر بِأَن السَّيِّد أَحْمد بن عبد الْمطلب خرج هُوَ والعساكر مَعَه إِلَى جِهَة مَكَّة وَلم يزل يسير أَيَّامًا عديدة وَكَانَ وُصُوله على جِهَة وَادي مر فَلَمَّا كَانَ يَوْم سادس عشر رَمَضَان وصل الْخَبَر أَنهم قاربوا مَكَّة فبرز مَوْلَانَا الشريف محسن هُوَ والسادة الْأَشْرَاف والأجناد وَالْعَبِيد والصروخ فِي جمع لَا يُحْصِيه إِلَّا خالقه وَكَانَ خُرُوجه لذَلِك بعد صَلَاة عشَاء لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع عشر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة فَالْتَقوا بِالْقربِ من التَّنْعِيم فَوَقَعت معركة فتوحدت تِلْكَ الجموع وَلم يبْق لَهُم همة إقدام إِلَّا على الرُّجُوع فأطلقت المدافع وَضربت البنادق ووضح الناصح والمماذق فَتوجه مَوْلَانَا الشريف محسن وَمَعَهُ ابْنه الشريف زيد وَبَعض السَّادة الْأَشْرَاف إِلَى الحسينية ثمَّ إِلَى جِهَة الشرق نَحْو بيشة فَجمع جَيْشًا كَبِيرا من العربان وَقصد الإغارة على التّرْك المقيمين بِالطَّائِف فَلم يتَّفق لَهُ ذَلِك ثمَّ سَافر إِلَى مَدِينَة صنعاء الْيمن فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن توفّي عَام ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف سادس
стр. 2057
رَمَضَان بهَا بظاهرها وَحمل إِلَيْهَا وَدفن بهَا فِي قبَّة عالية عَلَيْهَا قوام وخدام بِمَعْلُوم يصل إِلَيْهِم من مَوْلَانَا المورحوم زيد ثمَّ من بعده من بنيه الْأَمْلَاك بدور الأفلاك كَانَت وِلَادَته فِي جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة بِمَكَّة المشرفة نَشأ فى كَفَالَة أَبِيه وجده وَكَانَ جده الشريف حسن يُنَوّه بِقَدرِهِ ويقدمه لنباهته ونجابته وَظُهُور آثَار الرِّئَاسَة عَلَيْهِ فِي صغره وَكَانَ يقدمهُ فِي الحروب فَيرجع مظفراً منصوراً وعدوه مخذولاً مقهوراً جبل على مَكَارِم الْأَخْلَاق وطار صيته فِي الْآفَاق وَلما تولى عَمه أَبُو طَالب إِمَارَة مَكَّة أحله مَحل وَلَده وَنزل منزلَة أفلاذ كبده إِلَى أَن مَاتَ أَبُو طَالب فشارك عَمه إِدْرِيس فِي إمرة مَكَّة وَلبس الخلعة الثَّانِيَة ودعى لَهُ فِي الْخطْبَة وَعقد لَهُ لِوَاء الْإِمَارَة وَضربت النّوبَة الرومية فِي بَيته لمشاركته فِي الإمرة ووردت التشاريف السُّلْطَانِيَّة برسمه وَأَتَتْ المراسيم الخاقانية إِلَيْهِ مَعَ عَمه وَاسْتمرّ شَرِيكا فِي الرّبع إِلَى أَن أذن لَهُ بالاستقلال بِولَايَة الْحجاز فَجرى بَينه وَبَين عَمه حَال أدّى إِلَى قِيَامه عَلَيْهِ وَتَابعه جَمِيع الْأَشْرَاف على ذَلِك فَخلع عَمه إِدْرِيس عَن ولايهّ مَكَّة وَاسْتقر فِي الْأَمر يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس من شهر الْمحرم الْحَرَام افْتِتَاح سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف كَمَا تقدم ذكر ذَلِك آنِفا وَكَانَ ﵀ من النباهة والسؤدد والرئاسة وَالْكَرم والبأس والسياسة بِالْمحل الأرفع إِلَّا أَن الله تَعَالَى إِذا أَرَادَ أمرا هيأ أَسبَابه فَمَا تَنْفَع ذوى الْعُقُول عُقُولهمْ وَلَيْسَ لَهَا مَعَ إِرَادَته سُبْحَانَهُ إِصَابَة وَكَانَت مُدَّة ولَايَته ثَلَاث سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَنصف رَحمَه الله تَعَالَى رَحْمَة وَاسِعَة وَغفر لَهُ ولأسلافه الأكرمين مغْفرَة جَامِعَة وَمِمَّا قيل فِيهِ قَول مَوْلَانَا القَاضِي تَاج الدّين بن أَحْمد الْمَالِكِي رَحمَه الله تَعَالَى // (من الْبَسِيط) //
(لقدْ جرى بالذِى تختارُهُ القدَرُ ... فمُرْ بَما شئْتَ إِن الدهْرَ مؤتمرُ)
(وضرَّ من شئتَ وانفَعْ من تشاءُ فَفِي ... أكفِّكَ الواكفاتِ النفْعُ والضرَرُ)
стр. 2058
(والدهْرُ مِنْ جيشكَ المنصورِ قائدُهُ ... ألْقى يَدَ السلْمِ خَوْفًا وَهُوَ يعتذرُ)
(فاغفِرْ جنيَّتَهُ العظمَى لتوبَتِهِ ... إنَّ العظيمَ عَظِيم الذنْبِ يغتفرُ)
(وَقد أتَى مقلعاً عَن جرمِهِ ملكا ... يَسْطُو انتقاماً ويعفُو وهوَ معتذرُ)
(ذَا هيبةٍ رابَ ريب الدَّهْر فانقلَبَتْ ... تغزو عداهُ صُرُوفُ الدهرِ والغِيَرُ)
(وسطوة تتركُ الآسادَ واجمةً ... لم ينجُ مِنْ رُعْبها نابٌ وَلَا ظُفُرُ)
(بِهِ تبلَّجَ صبْحُ الملكِ وابتسمَتْ ... ثغورُهُ ودياجي الخطْب تعتكِرُ)
(وأصبحَ الدسْتُ معموراً وكافلُهُ ... ملك بِهِ أضحَتِ الأملاكُ تفتخرُ)
(أخبارُهُ صغرتْ أخبارهم عظما ... كَمَا برؤيتِهِ يستصغرُ الخبرُ)
(ليثٌ إِذا خطَّ سطراً نصل قاضبه ... مالَتْ لتعجمه الخطِّيةُ السمُرُ)
(كَأَنَّهُ لاعبٌ يَرْمِي الرءوسَ بِهِ ... بالصولجانِ فتلْكَ الأرؤسُ الأكرُ)
(مَا كَرَّ بعد ورودِ الحربِ قطُّ وهَلْ ... يكرُّ من لَيْسَ عَن وِرْدٍ لَهُ صَدَرُ)
(وَلم يفرَّ وهَلْ يدنو الْفِرَار فَتى ... بالعزْمِ مُدَّرعٌ بالنصْرِ معتجرُ)
(فَتى لَهُ جيشُ عزمٍ قد أحاطَ مِنَ السْسِتِّ ... الجهاتِ بِهِ التأييدُ والظفَرُ)
(ينمى إِلَى دوحةٍ للملْكِ زاكيةٍ ... قد طابَ عُنْصُرُهَا والفرْعُ والثمرُ)
(أَغَرُّ ثَبْتُ الجنانِ الفارسُ البطلُ الليْثُ ... الهمامُ الشجَاعُ الصارمُ الذَّكَرُ)
(ألقائدُ الخيلَ إنْ رامَتْ مدى وضعتْ ... فِي خَطْوها يَدهَا حيْثُ انْتهى البَصَرُ)
(مِنْ كُلِّ أدهَمَ يكسى مِنْ دَمٍ حُلَلاً ... كَأَنَّهُ بلظَى الهيجَاءِ يستعرُ)
(وكل أشهَبَ محجولٍ قوائمُهُ ... أغر أَبْلجَ مَا فِي بَاعه قِصَرُ)
(وكل طرفٍ يدكُّ الصخْرَ حافرُهُ ... وطئا تطاير من صدماته الشرَرُ)
(كَأَنَّمَا تطلبُ الأقدامُ أيديها ... فَلَا تقرُّ وَلم يلحقْ لَهَا أَثَرُ)
(تخالُ تصهالَهَا رعدًا يزمجرُ فِي ... سحابِ نقعٍ مُثَار برقُهُ البترُ)
(مهذبات إِذا نَار الوغَى استعرَتْ ... لَا بالعنانِ وَلَا بالشكْلِ تنحجرُ)
(عليهمُ الأسْدُ فُرْسَانًا مصورةً ... تطيعُهُمْ كيفَ مَا شَاءُوا وتنزجرُ)
(وكل أصْيَدَ مرِّ الْحَد ذِي جَلَدٍ ... مَا مسَّهُ سأمٌ فِيهَا وَلَا ضَجَرُ)
(مِنْ كُلِّ شهمٍ شديدِ البطشِ منصلِتٍ ... كالسهْمِ إِذْ ثارَتِ الهيجاءُ يبتدرُ)
(وكُلِّ ذِي لمةٍ سوداءَ حالكةٍ ... كالليلِ فِي جنحِهِ قد أشرَقَ القمَرُ)
стр. 2059
(قوم إِذا الْتَأَمُوا كانُوا الأهلَّةَ والأقمار ... إِن سفروا والأسْدَ إِن زأروا)
(كَأَنَّهُمْ والصَّبَا تسرِى بنَشْرِهِمُ ... فِي محكَمِ الزردِ الأكمامُ والزهرُ)
(بهم حوى الفَخْرَ أبناءُ الرسولِ كَمَا ... بِهِ على العُرْبِ فخراً قد حوتْ مُضَرُ)
(يسوسُهُمُ صادقُ الآراءِ فطنتُهُ ... تقضي بِمَا هُوَ آتٍ قبلُ والْفِكَرُ)
(متوجٌ هُوَ فيهم مثلهم شرفاً ... فِي قومِهِمْ وهُمُ فِي قَومهمْ غُرَرُ)
(إِذا بدا بَينهم فِي موكبٍ تره ... كَأَنَّهُ البدْرُ دارَتْ حوله الزهرُ)
(لَو أَن مِنْ بعد طه مُرْسلا نزلَتْ ... عَلَيْهِ فِي وصفِهِ الآياتُ والسوَرُ)
(صِفَات أروَعَ لَا تحصَى محامدُهُ ... وَلَيْسَ يحصُرُهَا قولٌ فتنحصرُ)
(وَكَيف يحصرُ بالألفاظِ قولُ فتَىً ... مطولُ القولِ فِي مَعْنَاهُ مختصرُ)
(سمحُ الأكفِّ كريمٌ عَمَّ نائله ... معطي الجزيلِ ابْتِدَاء وَهُوَ يعتذرُ)
(كَأَنَّمَا كَفُّهُ تهمى بنائلِهِ ... غمائمٌ بولِي الجودِ تنهمرُ)
(أَو دوحة غَضَّة الأغصانِ دانية ... قطوفُهَا بنسيمِ العرفِ تنهصرُ)
(يَلْقَى النضارَ لَدَيْهِ المعتفون قِرًى ... كَأَنَّمَا لقِرَاهُمْ تنحرُ البدرُ)
(دَعَاهُ يَا محسناً لما تفرسَ مِنْ ... مرآهُ والدُهُ الْإِحْسَان ينتشرُ)
(فجَاء مصداقُ كُلِّ اسمٍ لصاحبِهِ ... مِنْهُ نصيبٌ بِمَا يَأْتِي وَمَا يَذَرُ)
(فيا أَبَا الجودِ يَا جَمَّ المواهبِ يَا ... أَخا الندَى مفخَرَ الأقوامِ إِن فَخَروا)
(يابَنْ الحسينِ لقد وافَتْكَ واصلةٌ ... عذراءُ قد فاتَ مِنْهَا غيرَكَ النَّظَرُ)
(لم ترضَ غَيْرك كفوا والصداقُ لَهَا ... صدقُ القبولِ فَمَا لي غيرَهُ وَطَرُ)
(فلستُ مِمَّن يقولُ الشعْرَ مبتغياً ... بِهِ افتخاراً وَمَا بالشعْرِ يفتخرُ)
(سَلْنِى وسَلْ عنىَ الأقوامَ مختبراً ... لَا يعرفُ المرءُ إِلَّا حِين يختبرُ)
(عمري ولولاكَ يَا حامي الذمارِ لما ... صُغْتُ المدائحَ أبديها وأبتكرُ)
(فسرِّحِ الطرفَ فِيهَا رَوْضَة أنفًا ... غَنَّاءَ يقصرُ يحْكى نظمها الدُّرَرُ)
وَمِمَّا قيل فِيهِ أَيْضا قَول الْعَلامَة الْقدْوَة الْمُفِيد الفهامة مَوْلَانَا الإِمَام عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ الْحُسَيْنِي رَحمَه الله تَعَالَى // (من الْكَامِل) //
(لَا والنواعمِ مِنْ جواري العينِ ... مَا احتجْتُ فِي حملِ الهوَى لمعينِ)
(وَبِمَا لَهُنَّ علىَّ مِنْ خّلْعِ العذارِ ... إِذا سفرْنَ بطرةٍ وجبينِ)
стр. 2060
(ولعبْنَ بالألباب عِنْد تمايسٍ ... بمعاطفٍ تزرى الغصُونَ بلينِ)
(أَنا ذَلِك الصبُّ الَّذِي قِدْمًا صبا ... بصبا الصِّبَا وَإِلَى الغرامِ حَنِينِى)
(غيثُ السحائبِ مدمعى وهَوَى لظَى ... نفسى ورعْدُ الصاعقاتِ أنيني)
(يبرينىَ النجديُّ من ألم النَّوَى ... ويذيلني بردا ظبا يبرينِ)
(ويعلُّنى الوجدان أعذَبَ موردٍ ... ويعلُّنى السلوانُ عَنهُ سلوني)
(لَا يعذلُ المشتاقَ إِلَّا مثلُهُ ... هيهاتَ ذَلِك فَهُوَ بئْس قرينِى)
(مَا مرَّ بِي فِي العشقِ إِلَّا مَا حلا ... لفؤادِ كلِّ مولَّه وحزينِ)
(شرْعُ الهوَى فرضِى وحُسْنُ تهتُّكى ... نَفْلِى ومدْحِى محسناً مِنْ ديني)
(إبنُ الحسينِ أَبُو الحُسَيْنِ أَخُو التقَى ... من لَيْسَ يرضى فِي الْعلَا بالدونِ)
(عالي الجنابِ إِذا انتحَى وَإِذا انتخَى ... سهْل الحجابِ بغاب لَيْث عرينِ)
(ذُو هيبةٍ حلَّتْ قلوبَ عداته ... لَو أَنهم حَلُّوا أقاصي الصينِ)
(من عزمِهِ ساحَ الحديدُ وسالَ إِذْ ... سلَّتْ فحاكى السيح من سيحونِ)
(يروي الأسنةَ والشوازبَ من دَمِ الأعداءِ ... لَا يَرْضَى لَهَا بمعينِ)
(وَيرى المُنَى نزعَ النُّفُوس بِمَا بهَا ... مِنْ كُلِّ غلِّ فِي الصدورِ كمينِ)
(ألله مَا أعلَى مرامي ظنِّهِ ... طبق القضا فِي شأنِ كل ظنينِ)
(وأحسَّهُ بالأمْرِ قبل وقوعِهِ ... وخطورِهِ فِي عَالم التكوينِ)
(يرضيكَ إنْ هزَّ القنا بِشمَالِهِ ... وَإِذا انتضَى سيف القنا بيمينِ)
(فيريكَ لمْعَ البرقِ فِي ظُلَمِ الحشا ... سيل العقيقِ ومدهق الزرجونِ)
(ثملَتْ بِهِ عللاً رءوسُ رماحِهِ ... فبدَتْ معربدةَ بقطْعِ وتينِ)
(وصحَتْ فأنهلَهَا الظهورَ فحطَّمَتْ ... أضلاعَ كلِّ مجدلٍ وطعينِ)
(وَبهَا حمى أُمَّ القرَى فدعِ الْقرى ... متسفلاً فِي الإرتقا بمئينِ)
(مَنْ ذَا يقاومه إِذا اشْتَدَّ الوغَى ... إِلَّا فتَىً يَرْجُو لقاءَ منونِ)
(هَذَا التقىُّ الطاهرُ الذيل الَّذِي ... يسمو بعرضٍ فِي الأنامِ مصونِ)
(مولى الجميلِ وباذلُ الفضلِ الجزيلِ ... وكاشفُ الخطبِ الجليلِ لحينِ)
(حكتِ السحائبُ كفَّهُ فبكَتْ على ... مَا فاتَهُ من سَحِّهِ بهتونِ)
(قسما بِهِ لم يحكِهِ فِي جودِهِ ... إِلَّا الذى أضمرْتُ طَىَّ يمينى)
стр. 2061
(فهُمُ هُمُ بيتُ النبوةِ والحجا ... وَالْبر أربابُ التقى والدينَ)
(إنْ تلقه لم تلْقَ إِلَّا محسناً ... من محسنٍ من محسنٍ بضمينِ)
(واعقدْ يَمِينك إِنَّه مِنْ عقدهم ... عين القلادةِ فصلَتْ بثمينِ)
(من رام عزَّا فلينخْ برحابه ... أملاً فيذهبَ عَنهُ ذُلُّ الهونِ)
(مَا سامَ مرعَى خصبِهِ متضائلٌ ... إِلَّا تبدَّلَ غثُّهُ بسمينِ)
(يابنَ النبىِّ إليكَهَا نونيةً ... بالكافِ قدَّرَهَا القضا والنونِ)
(وَافَتْكَ كالطاووس تزهو عزة ... مذْ ذُبِّجَتْ بغلائلِ التلوينِ)
(خُذ فألها الحسَنَ الجميلَ وقولَهَا ... كُنْ كيفَ شئْتَ بغايةِ التمكينِ)
(فالطرْسُ مِنْهَا أخضَرٌ والسطْرُ فِيهِ ... أسودٌ يستلُّ بيضَ جفونِى)
(أثنَتْ عَلَيْك ببعضِ حقكَ فاغتفرْ ... تَقْصِيرهَا فِي المدْحِ لَا التحسينِ)
(لَا زلْتَ فِي أوجِ السعادةِ راقياً ... بدوامِ عِزِّ فِي الفخارِ مكينِ)
وَدخل الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب مَكَّة ضحَى الْيَوْم السَّابِع عشر من رَمَضَان والمنادي بَين يَدَيْهِ وَكَانَ دُخُوله من الْحجُون فاضطربت الأفكار وتعبت النَّاس وَأول مَا بَدَأَ بِهِ دُخُول الْمَسْجِد من بَاب السَّلَام وَفتحت لَهُ الْكَعْبَة الشَّرِيفَة فَدَخلَهَا ثمَّ عزم إِلَى الْمحل الَّذِي أَرَادَ السُّكْنَى بِهِ فَنَقُول ثمَّ وَليهَا الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب بن حسن بن أبي نمي بتولية الْوَزير أَحْمد باشا إِيَّاه كَمَا تقدم ذكر ذَلِك فَوَقع من الْعَسْكَر الَّذين كَانُوا متوجهين مَعَ الباشا الْمَذْكُور إِلَى جِهَة الْيمن تسلط على بيُوت النَّاس لما فِي نُفُوسهم على أهل مَكَّة فَأدى ذَلِك إِلَى القيل والقال وَحصل لَهُم مِنْهُم الْخَوْف الْعَظِيم فَكَانَ ذَلِك لما أَرَادَ الله سَببا لمُخَالفَة الْقَبَائِل وتخطفهم فِي الطّرق لمن مر بهم من الْأَعْرَاب وَغَيرهم وَقبض على المرحوم مفتى الخنفية الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى المرشدي وحبسه مضيقاً عَلَيْهِ لأمر نقمه مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ موسم السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف قدم الْحَاج الْمصْرِيّ وأميره قانصوه باشا وَكَانَ بَين قانصوه هَذَا وَبَين الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن مَوَدَّة أكيدة ومكاتبات سَابِقَة
стр. 2062
فَلَمَّا صعد الحجيج عَرَفَة أَتَى حَرِيم الشَّيْخ إِلَى مخيم قانصوه متشفعات بِهِ إِلَى الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب فِي إِطْلَاق الشَّيْخ فرق لَهُنَّ رقة عَظِيمَة وَتوجه مُتَوَجها إِلَى الشريف أَحْمد يَوْم عَرَفَة فَلم يوجهه وَلم يؤيسه فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة النَّحْر توفّي الشَّيْخ ﵀ شَهِيدا فَكَانَ ذَلِك مَعَ قَضَاء الله تَعَالَى سَببا لوُقُوع مَا وَقع مِنْهُ فِي الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب وفيهَا ظهر يَوْم الْخَمِيس ثامن عشري ربيع الثَّانِي توفّي مَوْلَانَا السَّيِّد الْجَلِيل ذُو الْمجد الأثيل خَاتِمَة الْمُحَقِّقين شيخ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين شمس المعارف والعلوم ترجمان الْمَنْطُوق وَالْمَفْهُوم الْمُتَّفق على إِمَامَته وَالْمجْمَع على ورعه وجلالته إِنْسَان عين الْعلمَاء العاملين أستاذ الْأَئِمَّة المدققين صدر المدرسين الْعِظَام مفتي بلد الله الْحَرَام مَوْلَانَا الْوَلِيّ القطب الْعَارِف بربه الفائض عَلَيْهِ مدرار الْفَيْض الإلهي مَعَ كَسبه مَوْلَانَا السَّيِّد الشريف حاوى مرتبتى الْعلم وَالْعَمَل والبالغ فيهمَا أوج غَايَة الأمل الْجَامِع إِلَى شرف النّسَب الْعلي شرف الْعلم الْجَلِيّ مَوْلَانَا السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم الْبَصْرِيّ الْحُسَيْنِي الشَّافِعِي بِمَكَّة المشرفة أَخذ عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ والعلامة ابْن قَاسم والملا عبد الله السندي والملا عَليّ بن إِسْمَاعِيل العصامي وَالْقَاضِي عَليّ بن جَار الله وَالشَّيْخ عبد الرَّحِيم الأحسائي وَالسَّيِّد مير بادشاه والملا نصر الله وَغَيرهم وَأخذ عَنهُ شَيخنَا الشَّيْخ عَليّ بن أبي بكر بن الْجمال وَشَيخنَا الشَّيْخ عبد الله باقشير وَشَيخنَا الإِمَام زين العابدين بن عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد النعم الطَّائِفِي وَالسَّيِّد عبد الرَّحْمَن كريشة السقاف وَالسَّيِّد صَادِق باد شاه مفتي الْحَنَفِيَّة وَغَيرهم ﵀ وَأعَاد علينا وعَلى المسليمن من بركاته وَقد اخْتلفت الْأَقْوَال فِي سَبَب قَتله الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي فَقيل تَعْرِيض الشَّيْخ الْمَذْكُور بالشريف حِين خطْبَة عقده الَّتِي خطب بهَا فِي زواج سلطانة ابْنة عَليّ شهَاب وَكَانَ الشريف أَحْمد طلب التَّزَوُّج بهَا فَلم يُزَوجهُ فَعرض الشَّيْخ بذلك حَيْثُ قَالَ فِي مُبْتَدأ الْخطْبَة الْمَذْكُورَة الْحَمد لله الَّذِي أعز سُلْطَانه ودحض شَيْطَانه وَقيل إِنَّه جَاءَ إِلَى الشريف الْمَذْكُور عِنْد موت أَخِيه السَّيِّد مُحَمَّد بن عبد الْمطلب معزيا لابساً صُوفًا أَبيض
стр. 2063
وَقيل إِن الشريف أَحْمد حِين استولى على مَكَّة وطلع إِلَى دَار السَّعَادَة على فرش الشريف محسن وجد تَحت طرف الْمرتبَة فتياً من الشَّيْخ الْمَذْكُور بتسميتهم بغاة جائرين ظالمين وبوجوب قِتَالهمْ بِخَطِّهِ الْمَعْرُوف واسْمه الْمَوْصُوف وَالله تَعَالَى أعلم أياً كَانَ ذَلِك وَكَانَت وِلَادَته سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة وأرخت بِمَا نَصه شرف المدرسين وفيهَا أَيْضا كَانَت وَفَاة جدي الْعَلامَة الشَّيْخ عبد الْملك بن جمال الدّين بن إِسْمَاعِيل صدر الدّين ابْن الْعَلامَة الْمُحَقق إِبْرَاهِيم عِصَام الدّين الشَّافِعِي الْمَكِّيّ الشهير بالعصامي المقلب بخاتمة الْمُحَقِّقين وَإِمَام الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة والنقلية وخاتمة عُلَمَاء الْعُلُوم الأدبية وَعلم الْأَئِمَّة الْأَعْلَام بَحر الْعُلُوم المتلاطمة بِالْفَضْلِ أمواجه وطود المعارف الراسخ الناتجة لَدَيْهِ أَفْرَاده وأزواجه عَلامَة الْبشر فِي الْقرن الْحَادِي عشر والرحلة الَّتِي ضربت إِلَيْهِ أكباد الْإِبِل والقبلة الَّتِي فطر كل قلب على حبها وجُبل جمع فنون الْعلم فانعقد عَلَيْهِ الْإِجْمَاع وَتفرد بصنوف الْفضل فبهر النواظر والأسماع فَمَا من فن إِلَّا وَله فِيهِ الْقدح المعلّى والمورد العذب الْمحلى إِن قَالَ لم يدع مقَالا لقَائِل أَو طَال لم يَأْتِ غَيره بطائل مولده كَانَ بِمَكَّة سنة ثَمَان وَسبعين وَتِسْعمِائَة كَانَ تَارِيخه نعم الْمَوْلُود ذَا وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن وَالِده وَعَن الشَّيْخ الْعَلامَة عبد الرءوف الْمَكِّيّ وَعَن خَاتِمَة الْمُحَقِّقين الشهَاب أَحْمد بن قَاسم الْعَبَّادِيّ والعلامة أَحْمد بن عواد الْمصْرِيّ والخطيب عبد الرَّحْمَن ابْن الْخَطِيب الشربينى وَأَجَازَهُ بمروياته بِإِجَازَة بِخَطِّهِ سنة تسع بعد الْألف وَعَن غَيرهم وَعنهُ مَوْلَانَا الشَّيْخ مُحَمَّد عَليّ بن عَلان الصديقي وَالسَّيِّد صَادِق بادشاه ومولانا الشَّيْخ عبد الله باقشير الْحَضْرَمِيّ ومولانا الشَّيْخ عَليّ بن أبي بكر بن الْجمال الْأنْصَارِيّ ومولانا القَاضِي تَاج الدّين بن أَحْمد الْمَالِكِي ومولانا الْخَطِيب أَحْمد ابْن عبد الله الْبري الْمدنِي وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم الطَّائِفِي وَخلق ولازم الْأُمَرَاء والتدريس فِي كل علم نَفِيس وجدد مغنى الْعلم الدريس واشتغل
стр. 2064
بالتصنيف والتأليف وتخلى عَن كل أنيس وأليف حَتَّى بلغت مؤلفاته السِّتين بَين شرح مُفِيد وَمتْن متين مِنْهَا شرح الشذور سَمَّاهُ شِفَاء الصُّدُور وَشرح على الْقطر وَشرح على الشَّمَائِل وحاشية على شرح التَّحْرِير وَشرح على الألفية النحوية لم يتمه وَشرح على الزنجاني وحاشية على شرح لقطر لمصنفه وَشرح على إيساغوجي وَشرح الخزرجية وَشرح على استعارات السَّمرقَنْدِي وَغير ذَلِك من المصنفات الْمَشْهُورَة تبلغ الْعدة الْمَذْكُورَة إِلَى زهد وورع وَصَلَاح أشرق نورها فِي أسرة وَجهه ولاح وبيته وَبَين عُلَمَاء عصره مكاتبات كَثِيرَة وأسئلات سطر عَلَيْهَا أجوباته المنيرة وَكَانَت وَفَاته بِطيبَة وَدفن ببقيع الْغَرْقَد ﵀ وَأعَاد علينا من بركاته آمين وَفِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ فِي صفر مِنْهَا وَقع فِي أَعمال مصوع زَلْزَلَة شَدِيدَة ثمَّ تصاعدت إِلَى بر العبيد وَمَا زَالَت تعْمل إِلَى الأجمدة وفقدت بلد بِمن فِيهَا فَلَا يعلم أخسف بهَا أم رفعت إِلَى السَّمَاء وَلم تزل الزلازل تعْمل فيهم حَتَّى انسد بِالْحِجَارَةِ النَّازِلَة عَنْهَا مَا بَين جبلين ويرون لَهب النَّار وجرَى الدَّم على وَجه الأَرْض بعد نبعه مِنْهَا كجري المَاء وَاسْتمرّ بهم هَذَا الْأَمر إِلَى بعد ذِي الْحجَّة ثمَّ ارْتَفَعت عَنْهُم الزلزلة وَجرى الدَّم وَذهب أَثَره عَن الأَرْض غير أَنه بَقِي فِيهِ أثر النَّار نَهَارا ولهبها لَيْلًا فسبحان الفعال لما يُرِيد وفيهَا فِي رَمَضَان مِنْهَا كَانَت وَفَاة الشريف محسن بن حُسَيْن وَقد ذَكرنَاهَا مَعَ مَا يتبعهَا آنِفا ثمَّ اسْتمرّ الشريف أَحْمد فِي الْولَايَة إِلَى أَن حج بِالنَّاسِ حجَّة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف فجَاء للحجاج أَمِير مُنْفَرد وَجَاء قانصوه باشا مُتَوَجها لفتح الْيمن صحبته العساكر وعدتها ثَلَاثُونَ ألفا وَضرب وطاقه فِي أَسْفَل مَكَّة وَكَانَت بَين الشريف مَسْعُود ابْن الشريف إِدْرِيس وَبَين الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب ممالأة ومواطأة قبل نُزُوله إِلَى جدة مضمونها إِنِّي لَا أُرِيد الْملك لنَفْسي إِنَّمَا أريده لَك أَو هُوَ بَيْننَا فخذل عني مَا اسْتَطَعْت من آل أبي نمي وثبطهم وَحل عزائمهم ووعده بذلك فَفعل مَا فعل وَحصل بِهِ على الشريف محسن مَا حصل وَللَّه الْأَمر
стр. 2065
فَلَمَّا نزل إِلَى جدة تقمصها لنَفسِهِ وَلم يَفِ لمسعود بِبَعْض مَا بَينهمَا بل أَرَادَ قَتله ففر إِلَى قانصوه والتجأ وَصدر قانصوه على الشريف أَحْمد مَمْلُوء بالوجاء فَلَمَّا أقبل قانصوه قَاصِدا لليمن لاقاه الشريف مَسْعُود من يَنْبع أَو الخور وَجَاء مَعَه مختفياً وَلم يزل بِهِ مختفيا وواجه فِي الْمَجِيء الأول الشريف أَحْمد قانصوه ورد عَلَيْهِ تَحِيَّة الْقدوم ثمَّ عزم على محاربة قانصوه فازداد قانصوه عَلَيْهِ حنقاً على حنق وَشرع يستميل عَسْكَر الشريف أَحْمد فأطاعوه فَخَرجُوا من مَكَّة ثمَّ خيم قانصوه بالزاهر وَلما أَن قَضَت الْحجَّاج مناسكهم وذهبوا إِلَى أوطانهم تخلف قانصوه بوطاقه أَسْفَل مَكَّة فَلَمَّا تحرّك للسَّفر قدم ثقله وَلم يبْق إِلَّا وطاقه وخيام العساكر فَأَشَارَ قانصوه إِلَى شخص يتعاطى خدمته من أَبنَاء الطّواف يُسمى مُحَمَّد المياس أَن يحسن للشريف أَحْمد الْوُصُول إِلَى قانصوه للوداع فَفعل وَذهب إِلَى الشريف وَحسن لَهُ ذَلِك يَوْم السبت رَابِع شهر صفر فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْأَحَد خَامِس الشَّهْر الْمَذْكُور من سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف ركب الشريف أَحْمد إِلَيْهِ وصحبته من الْأَشْرَاف شبير بن بشير بن أبي نمي وَمُحَمّد بن حسن بن ضبعان وراجح بن أبي سعد وَمن أعوانه وزيره مقبل الهجالي وَأحمد البشوتي مُتَوَلِّي بَيت المَال وفليقل فَلم يزَالُوا يدْخلُونَ فِي الصيوان من بَاب إِلَى بَاب يمْنَع عِنْد كل بَاب طَائِفَة من أَتْبَاعه حَتَّى دخلُوا فتحادثا مَلِيًّا ثمَّ نصبا رقْعَة الشطرنج فَلَمَّا كَانَت السَّاعَة الْخَامِسَة من اللَّيْلَة الْمَذْكُورَة قبض على الْجَمِيع فَتوفي الشريف أَحْمد شَهِيدا إِلَى رَحْمَة مَوْلَاهُ وَقتل الهجالي وفليقل وصلب البشوتي وَأطلق الْأَشْرَاف فتحركت عساكره فأظهره لَهُم وَنشر البيرق ونودى الْمُطِيع للسطان يقف تَحِيَّة فوقفت العساكر تَحِيَّة وخلع على الشريف مَسْعُود بن إِدْرِيس فسبحان من لَا يَزُول ملكه وَلَا يتَغَيَّر سُبْحَانَهُ ثمَّ حمل الشريف أَحْمد وأتى بِهِ من طَرِيق الْحجُون فَدفن بالمعلاة ﵀ من شَهِيد كَذَا ذكره فِي الْجَوَاهِر والدرر فِي أهل الْقرن الْحَادِي عشر وَقد كَانَ الشريف أَحْمد لَيْث آل أبي نمي أديباً فَاضلا نبيها مهيباً // (من المنسرح) //
(تَعْرِفُ مِنْ عينه تجابَتَهُ ... كَأَنَّهُ بالذكَاءِ مكتَحِلُ)
стр. 2066
أَخذ الْعَهْد وَالطَّرِيق على عدَّة مَشَايِخ من أَجلهم الشَّيْخ أَحْمد الشناوي وَهُوَ الْمُبَاشر لَهُ بِولَايَة مَكَّة لكنه قَالَ على الشَّهَادَة يَا أَحْمد قَالَ على الشَّهَادَة فَكَانَ كثيرا مَا يكنى عَنْهَا بِطُلُوع الشَّمْس وعاقب بعد الْولَايَة كثيرا مِمَّن كَانَ قبلُ استبعدها عَنهُ وسخر مِنْهُ وَكَانَ لَهُ أخدان وجلساء قبل الْولَايَة وَبعدهَا فَحصل لَهُم الأذية بعد قَتله من قانصوه بوشاية هَذَا الشَّخْص الْمُسَمّى بالمياس مِنْهُم السَّيِّد الأكرم مَوْلَانَا السَّيِّد سَالم ابْن السَّيِّد أَحْمد شيحان ومولانا الشَّيْخ أَحْمد الفشاشى ومولانا الشَّيْخ مُحَمَّد الْقُدسِي خَليفَة سَيِّدي أَحْمد البدوي فحبس الْجَمِيع وَثقل عَلَيْهِم حَتَّى افْتَدَوْا أنفسهم بِمَال جزيل كَانَ ذَلِك بوشاية المياس أذاقه الله كل باس يَوْم يَقُول النَّاس وَكَانَ للشريف أَحْمد زوجان من القنا الطَّوِيل جدا بسنان مَذْهَب تَحْتَهُ أُكرة من الْفضة المطلية يحمل كل وَاحِد رجل يمشي على قَدَمَيْهِ إِذا سَار فِي موكبه يسيران أَمَامه قَرِيبا مِنْهُ يصوبانهما ويصعدانهما بحركة لَطِيفَة التصعيد والتصويب على سَوَاء وَرُبمَا كَانَ فيمها جلاجل وَهَذَا يفعل إِلَى الْآن أَمَام إِمَام الْيمن إِذا سَار فِي الموكب انْتهى قلت وَهَذَا كَانَ لَهُ وجود فِي زمَان الْخُلَفَاء العباسيين فَلَيْسَ أهل الْيمن أول مبتدعيه وَقد ذكره شعراء الدولة العباسية فِي قصائدهم فِي الْخُلَفَاء قَالَ القَاضِي نَاصح الدّين أَبُو بكر أَحْمد الأرجانى من قصيدة يمدح بهَا الْوَزير أنو شرْوَان وَزِير الْخَلِيفَة المسترشد بن المستظهر بِاللَّه العباسي قَوْله // (من الطَّوِيل) //
(وألوية منهنَّ صقران أوفيا ... عَلَى علمي رمحيْنِ فارتَبَآكا)
(ولَيْسَ سوى النسرين مِنْ أفقيهما ... لحبهما نَيْل الْعلَا تَبِعاكَا)
وَكَانَ إِذا سَار بِاللَّيْلِ لَا يُوقد بَين يَدَيْهِ إِلَّا الشمع الموكبي بَدَلا عَن المشاعل وَكَانَ دُخُوله مَكَّة متملكاً لَهَا وإجفال الشريف محسن صَاحب مَكَّة وَبنى عَمه عَنْهَا ضحى يَوْم الْأَحَد السَّابِع عشر من شهر رَمَضَان من سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف فَكَانَ ﵀ يتبجح وَيَقُول فتحت مَكَّة بِالسَّيْفِ كَمَا فتحهَا رَسُول الله
ودخلتها فِي مثل الْيَوْم الَّذِي دخل فِيهِ
قلت أما قَوْله فتحتها فَالْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهَا لم تفتح عَنوة وَإِنَّمَا
стр. 2067
فتحت صلحا وَمَا وَقع من خَالِد بن الْوَلِيد رضى الله عَنهُ فَإِنَّهُ نووش بعض قتال مَعَ الْأَحَابِيش وعبدان أهل مَكَّة فِي أَسْفَلهَا وَقد نَهَاهُ
عَن الْقِتَال وَلكنه لما قوتل قَاتل وَهَذِه هِيَ شُبْهَة الْقَائِل بِأَنَّهَا فتحت عنْوَة وَقد علمت بَيَانهَا وَكَذَلِكَ قَوْله ودخلتها إِلَخ فَإِنَّهُ لم يدخلهَا ﵊ فِي سَابِع عشر رَمَضَان وَإِنَّمَا دَخلهَا يَوْم ثامن عشرَة بِغَيْر خلاف تغمده الله برحمته آمين وَمِمَّا رَأَيْته لصَاحبه إِبْرَاهِيم بن يُوسُف الشهير بالمهتار قَوْله // (من الْخَفِيف) //
(سنة السبعِ والثلاثينَ بعد الألْفِ ... جاءَتْ بِمَا بِهِ ينفر الطَّبْعْ)
(دخَلَ السبْعُ مكةَ الله بالجنْدِ ... وَلَا شَكَّ أَنَّهَا سنة السَّبْعْ)
وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا وَمِمَّا قيل فِيهِ قَول الأديب الأريب إِبْرَاهِيم بن يُوسُف المهتار سامحه الله تَعَالَى // (من الرجز) //
(قَضَّى وَلم يقضِ الَّذِي مِنْهُ يجبْ ... صَبٌّ إِذا مَا يَدعه الشوقُ يُجبْ)
(أشجاه تغريدُ حماماتِ اللوَى ... وهْنًا على البانِ فغنَّى فطَرِبْ)
(ذكَّرتُهُ ليالياً مواضياً ... بالشِّعْبِ مِنْ قبلِ الخليطِ ينشعبْ)
(إذْ عامرٌ بساكنِيهِ عامرٌ ... ظباؤُهُ ترعَى بمرعاه الخَصِبْ)
(وَإِذ بِهِ الغيدُ بدَتْ سوانحاً ... تجرُّ من ذيل الصِّبَا بُردًا قشبْ)
(مِنْ كُلِّ هيفاءِ القوامِ اذا انشنَتْ ... تكادُ مِنْ لينٍ بِهِ أَن تنقضبْ)
(تبدو بوجْهٍ مسفرٍ من غيهبٍ ... مِنْ شعْرها إِلَى بنى بدَرْ انتسبْ)
(مَنْ الرعابيبِ اللواتى خَلَّفَتْ ... ربْعَ اصطبارِى مثل مغناه الخَرِبْ)
(فَمَا وُقُوفِي بالطلولِ بعدهمْ ... أبكى بهَا والحىُّ عَنْهَا مغتربْ)
(سقيا سقى الله الْعباد معهداً ... بعامر إنْ ضنَّ دمعي المنسكبْ)
(ذَاك الَّذِي بِهِ الظُّبَا تحمِى الظبا ... فكَمْ بِهِ مثلي أسيرٌ مكتئبْ)
(لله أيامٌ بِهِ تصرمَتْ ... وكأسُ صفوٍ فِي لياليها شُرِبْ)
(بفتية تراضعوا ثديًا من اْلآدابِ ... كُلٌّ للغرامِ منجذبْ)
(يوشون شعرًا كالرياضِ بَينهم ... طويلُهُ يمد لفظ المقتضبْ)
стр. 2068
(لم ينشدوا إِلَّا شجانِى لفظهُمْ ... مَا الشعْرُ إِلَّا مَا شجا قلْبَ الْمُحب)
(كلُّ أخي صبابةٍ وعارفٍ ... يوجدُ فَردا قبل ألَاّ يصطحبْ)
(بتْنَا بهَا كلٌّ شكا غرامَهُ ... من الَّذِي يهوَى بقلْبٍ ملتهبْ)
(والليلُ قد تستَّرَتْ نحومه ... بسحبها والبدْرُ فِيهَا محتجبْ)
(والمزنُ تبْكي لابتسامِ البرْقِ أَو ... من غضبٍ لأحمدَ بْنِ المطلبْ)
(ألأرْوَعُ الشَّهْمُ الكَرِيمُ الجدُّ رَبْ ... بُ الْجدِّ حاوي المَجْد عَنْ أهل اللعبْ)
(ألفارسُ الْخَيل إِذا الشرُّ بدا ... مَعْ عمرٍ والكرارِ أَو معدى كربْ)
(مملي العيونِ هَيْبَة إِذا مشَى ... مجلي القلوبِ رهبةً إِذا ركبْ)
(هُوَ الكريمُ ابنُ الكريمِ مَنْ لَهُ ... ذيلٌ على هامِ السماكِ منسحبْ)
(مِنْ معشرٍ هُمُ السراةُ فِي الورَى ... كُلٌّ إِلَى آلِ النبيِّ منتسبْ)
(مُرْوِى الظبا من الصّدَا إِذا سَطَا ... مُزْرِى الحيا يَوْم الندَى إِذا يهبْ)
وَلم يُوجد من هَذِه القصيدة إِلَّا مَا رَأَيْته ثمَّ إِنَّه مدحه أَيْضا وأشرك مَعَه أَخَاهُ مُحَمَّدًا بِإِشَارَة بعد وقْعَة الْبَقَرَة وَقد ظَهرت شجاعتهما فَقَالَ // (من الْكَامِل) //
(إِن كَانَ تسآلُ الديارِ كَمَا يجبْ ... يُجدِى فَلِمْ بسؤالها قلبِي يجبْ)
(مَا نافعي إنْ أشكُ بَثَّ صبابتي ... لرسومها والحيُّ مِنْهَا مغتربْ)
(يَا أَحْمَدٌ ومحمدٌ وثقَتْ يَدي ... نِعْمَ الرجا أبناءُ عبد المطلبْ)
(ألسابقين إِلَى الوغَى بعزائمٍ ... تذكى شواظاً كالصوارمِ ملتهبْ)
(سل عَنْهُمَا بيضَ الصفاحِ ولهذم السسُمْرِ ... الرماحِ وجحفَل الجيشِ اللجبْ)
(هلْ شاهدوا إِلَّا هما وهما هما ... دَعْ عنتَرَ الكرارَ أَو معدى كربْ)
(سدتمْ ملوكَ الخافقَيْنِ أما ترَى ... من كَانَ يَبْغِي شأوَ غايتِكُمْ غُلِبْ)
(إِن كَانَ من يَرْجُو الشفا بدمائِهِمْ ... فدماءُ أعبدكُمْ شفاءٌ للكَلِبْ)
ثمَّ وَليهَا الشريف مَسْعُود بن إِدْرِيس وَاسْتمرّ فِي ولايتها وَكَانَت مَكَّة فِي زَمَنه ربيعاً مريعاً سخاء ورخاء تهب بهَا ريَاح الْأَمْن وَالْعدْل صبا ورخاء لم يَقع فى الْوُجُود شئ فِي زَمَنه من الأكدار وَلَا يُؤثر من الْأَخْبَار إِلَّا كل خبر سَار مَا عدا مَا قدره الله تَعَالَى من سُقُوط الْبَيْت الشريف فى زَمَانه فجدده سُلْطَان الْعَالم الْقَائِم بِحِفْظ الدّين وتشييد أَرْكَانه
стр. 2069
وَسبب ذَلِك أَنه يَوْم كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر رَمَضَان من سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف نشأت على مَكَّة وأقطارها سَحَابَة غربية مدلهمة الإهاب حالكة الجلباب فَلم تزل تَجْتَمِع إِلَى وَقت الزَّوَال فأبرقت وأرعدت وأرخت عزاليها وأغدقت واستمرت تهطل ساعتين ودرجتين فَأقبل السَّيْل من سَائِر النواحي وثلم السد الَّذِي يَلِي جبل حراء الْمُسَمّى جبل النُّور ثلمة كَبِيرَة وَعلا عَلَيْهِ فَدخل الْمَسْجِد وسَاق مَا وجد على طَرِيقه من جمال وَرِجَال وَمَال وأحمال وَغير ذَلِك وأخرب الدّور واستخرج مَا فِيهَا من الأثاث وَغَيره وأهدم عَلَيْهَا فَامْتَلَأَ الْمَسْجِد الْحَرَام مَاء حَتَّى أَنه دخل المَاء إِلَيْهِ من جِهَة بَاب الزِّيَادَة وَزَاد حَتَّى اعتلى على بَاب الْكَعْبَة ذراعين عمل وَأهْلك الرِّجَال والأطفال وكل من وجد فِي الْمَسْجِد وَكَانَ أَكثر الهالكين الْأَطْفَال الَّذين يقرءُون الْقُرْآن مَعَ فقهائهم فَتعلق بَعضهم بالأماكن المرتفعة وارتفع على بعض السلَاسِل الحرمية فوصل المَاء إِلَيْهِم وَأهْلك الْجَمِيع وَكَانَ من هلك بِهِ من بني آدم خَمْسمِائَة وَمن الْحَيَوَان كثير فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَحمل جَمِيع مَا فِي الْمَسْجِد من خَزَائِن ومصاحف وقناديل وَبسط وَغير ذَلِك ثمَّ بَات الْمَطَر يهطل إِلَى نصف اللَّيْل فَلَمَّا كَانَ آخر سَاعَة قبيل الْغُرُوب من يَوْم الْخَمِيس الْعشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور سقط جَانب الْحجر بِكَسْر بِكَسْر الْحَاء من الْبَيْت الشريف فَسقط جَمِيع مَا يناه الْحجَّاج مِنْهَا فَكَانَ بَقَاء الْبَيْت نَحْو ألف سنة من الْآيَات الجلية فَإِن الْبناء المربع الَّذِي تمر بِهِ الرِّيَاح لَا يبْقى عَادَة نَحْو ثَمَانِينَ سنة وَمن الْجَانِب الشَّرْقِي إِلَى حد الْبَاب وَمن الْجِدَار الغربي نَحْو النّصْف أَيْضا وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد فَقَالَ فِي ذَلِك المهتار هَذِه القصيدة // (من الْبَسِيط) //
(ماجتْ قواعدُ بيتِ الله واضطربَتْ ... واهتزَّتِ الأرضُ من أقطارها وربتْ)
(وأمسَتِ الكعبةُ الغراءُ ساقطةَ ... فَمَا أشكُّ بأنَّ الساعةَ اقتربَتْ)
(فأىُّ خطْبٍ بِهِ أحشاؤنا انصدَعَتْ ... وأيُّ هولٍ بِهِ ألبابُنَا انسلَبَتْ)
وجميعها على هَذِه الركة تركتهَا اسْتِحْسَانًا وأنفت من ذكرهَا استهجاناً قَالَ المرحوم الْعَلامَة الإِمَام عَليّ بن عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ يعنيه وَقد نظم بعض المتطفلين على الْأَدَب قصَّة السَّيْل الْمَذْكُور مَعَ قصَّة مَا وَقع بعده فِي أَبْيَات تنفر عَنْهَا المسامع لركاكتها وقبحها واستهجان الطباع السليمة لَهَا يُشِير بذلك إِلَى هَذِه
стр. 2070
القصيدة الَّتِي مطْلعهَا ماجت وَلَقَد صدق فِيمَا قَالَ ﵀ نعم قَوْله فِي تَارِيخ هدم الْبَيْت بالسيل الْمَذْكُور // (من الْخَفِيف) //
(هدّمَ الْبَيْت أَمر رَبِّ تغشَّاهُ ... بسيلٍ لم يحوِ غرقاه ضبط)
(فِي نهارِ الخميسِ عشرينَ شعبانَ ... قبيلَ الغروبِ مِنْ عَام لغط)
لَا بَأْس بِهِ وَقَالَ الإِمَام فضل بن عبد الله الطَّبَرِيّ مؤرخاً لذَلِك // (من مجزوء الرجز) //
(سُئلْتُ عَنْ سيلٍ أتَى ... والبيتُ عَنهُ قد سقَطْ)
(متَى أَتَى قلتُ لهُمْ ... مَجِيئُهُ كَانَ غَلَطْ)
وَله تَارِيخ آخر من أَبْيَات رقي إِلَى قفل بيتَ الله وتتمة المصراع حِين هجم وَقَالَ القاضى الأحسائى من المجتث
(منْ بعْد إخراجِ ترك ... وقَتْلِ مَنْ ملّكَتْهُ)
(للبيت هدَّتْ سيولٌ ... تاريخُهَا دَخَلَتْهُ)
فَوَقع الضجيج الْعَام والانزعاج التَّام فِي قُلُوب الْأَنَام فبرز مَوْلَانَا الشريف مَسْعُود من دَاره إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام وَحضر مَعَه السَّادة الْأَشْرَاف وفاتح الْبَيْت الشريف وَهُوَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم الشيبي وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء والصلحاء وَكَانَ جلوسهم بمقام الْحَنَفِيّ وجلوس الشريف على نفس الْمِحْرَاب كَمَا أَخْبرنِي من رَآهُ كَذَلِك فبرز أَمر الشريف مَسْعُود بإيقاد الشموع الكائنة فِي حَاصِل الْمَسْجِد الْحَرَام فأوقدت وَأمر فاتح الْبَيْت أَن يدْخل الْكَعْبَة وَيخرج الْقَنَادِيل الَّتِي بهَا خشيَة عَلَيْهَا من الضّيَاع وَأَن يرفع الْمِيزَاب الشريف أَيْضا فعين الشَّيْخ شخصا من خدام الْكَعْبَة لذَلِك لكَونه فِي أثر مرض يمنعهُ من الْحَرَكَة التَّامَّة فَدخل ذَلِك الْخَادِم وَمَعَهُ جمَاعَة وأتى شيخ الوقادين بالمحط وأخرجوا الْقَنَادِيل ووضعوها فِي مخزن فاتح الْبَيْت وَختم على المخزن الْمَذْكُور مَوْلَانَا الشريف وقاضي الشَّرْع ونائب الْحرم الشريف ثمَّ انْصَرف النَّاس إِلَى دُورهمْ فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة حادى عشرى الْمَذْكُور وصل الشريف مَسْعُود وَمَعَهُ السَّادة والأعيان بعد النداء الْعَام بتعاطي هَذِه الْخدمَة وشرعوا فِي إِزَالَة الطين الْكَائِن بالمطاف فشمر الشريف مَسْعُود عَن أكمامه وَأخذ مكتلاً وَحمل فِيهِ من الطين
следующие страницы →