Полный текст (2 217 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
أَخذ الْعَهْد وَالطَّرِيق على عدَّة مَشَايِخ من أَجلهم الشَّيْخ أَحْمد الشناوي وَهُوَ الْمُبَاشر لَهُ بِولَايَة مَكَّة لكنه قَالَ على الشَّهَادَة يَا أَحْمد قَالَ على الشَّهَادَة فَكَانَ كثيرا مَا يكنى عَنْهَا بِطُلُوع الشَّمْس وعاقب بعد الْولَايَة كثيرا مِمَّن كَانَ قبلُ استبعدها عَنهُ وسخر مِنْهُ وَكَانَ لَهُ أخدان وجلساء قبل الْولَايَة وَبعدهَا فَحصل لَهُم الأذية بعد قَتله من قانصوه بوشاية هَذَا الشَّخْص الْمُسَمّى بالمياس مِنْهُم السَّيِّد الأكرم مَوْلَانَا السَّيِّد سَالم ابْن السَّيِّد أَحْمد شيحان ومولانا الشَّيْخ أَحْمد الفشاشى ومولانا الشَّيْخ مُحَمَّد الْقُدسِي خَليفَة سَيِّدي أَحْمد البدوي فحبس الْجَمِيع وَثقل عَلَيْهِم حَتَّى افْتَدَوْا أنفسهم بِمَال جزيل كَانَ ذَلِك بوشاية المياس أذاقه الله كل باس يَوْم يَقُول النَّاس وَكَانَ للشريف أَحْمد زوجان من القنا الطَّوِيل جدا بسنان مَذْهَب تَحْتَهُ أُكرة من الْفضة المطلية يحمل كل وَاحِد رجل يمشي على قَدَمَيْهِ إِذا سَار فِي موكبه يسيران أَمَامه قَرِيبا مِنْهُ يصوبانهما ويصعدانهما بحركة لَطِيفَة التصعيد والتصويب على سَوَاء وَرُبمَا كَانَ فيمها جلاجل وَهَذَا يفعل إِلَى الْآن أَمَام إِمَام الْيمن إِذا سَار فِي الموكب انْتهى قلت وَهَذَا كَانَ لَهُ وجود فِي زمَان الْخُلَفَاء العباسيين فَلَيْسَ أهل الْيمن أول مبتدعيه وَقد ذكره شعراء الدولة العباسية فِي قصائدهم فِي الْخُلَفَاء قَالَ القَاضِي نَاصح الدّين أَبُو بكر أَحْمد الأرجانى من قصيدة يمدح بهَا الْوَزير أنو شرْوَان وَزِير الْخَلِيفَة المسترشد بن المستظهر بِاللَّه العباسي قَوْله // (من الطَّوِيل) //
(وألوية منهنَّ صقران أوفيا ... عَلَى علمي رمحيْنِ فارتَبَآكا)
(ولَيْسَ سوى النسرين مِنْ أفقيهما ... لحبهما نَيْل الْعلَا تَبِعاكَا)
وَكَانَ إِذا سَار بِاللَّيْلِ لَا يُوقد بَين يَدَيْهِ إِلَّا الشمع الموكبي بَدَلا عَن المشاعل وَكَانَ دُخُوله مَكَّة متملكاً لَهَا وإجفال الشريف محسن صَاحب مَكَّة وَبنى عَمه عَنْهَا ضحى يَوْم الْأَحَد السَّابِع عشر من شهر رَمَضَان من سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف فَكَانَ ﵀ يتبجح وَيَقُول فتحت مَكَّة بِالسَّيْفِ كَمَا فتحهَا رَسُول الله
ودخلتها فِي مثل الْيَوْم الَّذِي دخل فِيهِ
قلت أما قَوْله فتحتها فَالْمَشْهُور الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهَا لم تفتح عَنوة وَإِنَّمَا
стр. 2067
فتحت صلحا وَمَا وَقع من خَالِد بن الْوَلِيد رضى الله عَنهُ فَإِنَّهُ نووش بعض قتال مَعَ الْأَحَابِيش وعبدان أهل مَكَّة فِي أَسْفَلهَا وَقد نَهَاهُ
عَن الْقِتَال وَلكنه لما قوتل قَاتل وَهَذِه هِيَ شُبْهَة الْقَائِل بِأَنَّهَا فتحت عنْوَة وَقد علمت بَيَانهَا وَكَذَلِكَ قَوْله ودخلتها إِلَخ فَإِنَّهُ لم يدخلهَا ﵊ فِي سَابِع عشر رَمَضَان وَإِنَّمَا دَخلهَا يَوْم ثامن عشرَة بِغَيْر خلاف تغمده الله برحمته آمين وَمِمَّا رَأَيْته لصَاحبه إِبْرَاهِيم بن يُوسُف الشهير بالمهتار قَوْله // (من الْخَفِيف) //
(سنة السبعِ والثلاثينَ بعد الألْفِ ... جاءَتْ بِمَا بِهِ ينفر الطَّبْعْ)
(دخَلَ السبْعُ مكةَ الله بالجنْدِ ... وَلَا شَكَّ أَنَّهَا سنة السَّبْعْ)
وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا وَمِمَّا قيل فِيهِ قَول الأديب الأريب إِبْرَاهِيم بن يُوسُف المهتار سامحه الله تَعَالَى // (من الرجز) //
(قَضَّى وَلم يقضِ الَّذِي مِنْهُ يجبْ ... صَبٌّ إِذا مَا يَدعه الشوقُ يُجبْ)
(أشجاه تغريدُ حماماتِ اللوَى ... وهْنًا على البانِ فغنَّى فطَرِبْ)
(ذكَّرتُهُ ليالياً مواضياً ... بالشِّعْبِ مِنْ قبلِ الخليطِ ينشعبْ)
(إذْ عامرٌ بساكنِيهِ عامرٌ ... ظباؤُهُ ترعَى بمرعاه الخَصِبْ)
(وَإِذ بِهِ الغيدُ بدَتْ سوانحاً ... تجرُّ من ذيل الصِّبَا بُردًا قشبْ)
(مِنْ كُلِّ هيفاءِ القوامِ اذا انشنَتْ ... تكادُ مِنْ لينٍ بِهِ أَن تنقضبْ)
(تبدو بوجْهٍ مسفرٍ من غيهبٍ ... مِنْ شعْرها إِلَى بنى بدَرْ انتسبْ)
(مَنْ الرعابيبِ اللواتى خَلَّفَتْ ... ربْعَ اصطبارِى مثل مغناه الخَرِبْ)
(فَمَا وُقُوفِي بالطلولِ بعدهمْ ... أبكى بهَا والحىُّ عَنْهَا مغتربْ)
(سقيا سقى الله الْعباد معهداً ... بعامر إنْ ضنَّ دمعي المنسكبْ)
(ذَاك الَّذِي بِهِ الظُّبَا تحمِى الظبا ... فكَمْ بِهِ مثلي أسيرٌ مكتئبْ)
(لله أيامٌ بِهِ تصرمَتْ ... وكأسُ صفوٍ فِي لياليها شُرِبْ)
(بفتية تراضعوا ثديًا من اْلآدابِ ... كُلٌّ للغرامِ منجذبْ)
(يوشون شعرًا كالرياضِ بَينهم ... طويلُهُ يمد لفظ المقتضبْ)
стр. 2068
(لم ينشدوا إِلَّا شجانِى لفظهُمْ ... مَا الشعْرُ إِلَّا مَا شجا قلْبَ الْمُحب)
(كلُّ أخي صبابةٍ وعارفٍ ... يوجدُ فَردا قبل ألَاّ يصطحبْ)
(بتْنَا بهَا كلٌّ شكا غرامَهُ ... من الَّذِي يهوَى بقلْبٍ ملتهبْ)
(والليلُ قد تستَّرَتْ نحومه ... بسحبها والبدْرُ فِيهَا محتجبْ)
(والمزنُ تبْكي لابتسامِ البرْقِ أَو ... من غضبٍ لأحمدَ بْنِ المطلبْ)
(ألأرْوَعُ الشَّهْمُ الكَرِيمُ الجدُّ رَبْ ... بُ الْجدِّ حاوي المَجْد عَنْ أهل اللعبْ)
(ألفارسُ الْخَيل إِذا الشرُّ بدا ... مَعْ عمرٍ والكرارِ أَو معدى كربْ)
(مملي العيونِ هَيْبَة إِذا مشَى ... مجلي القلوبِ رهبةً إِذا ركبْ)
(هُوَ الكريمُ ابنُ الكريمِ مَنْ لَهُ ... ذيلٌ على هامِ السماكِ منسحبْ)
(مِنْ معشرٍ هُمُ السراةُ فِي الورَى ... كُلٌّ إِلَى آلِ النبيِّ منتسبْ)
(مُرْوِى الظبا من الصّدَا إِذا سَطَا ... مُزْرِى الحيا يَوْم الندَى إِذا يهبْ)
وَلم يُوجد من هَذِه القصيدة إِلَّا مَا رَأَيْته ثمَّ إِنَّه مدحه أَيْضا وأشرك مَعَه أَخَاهُ مُحَمَّدًا بِإِشَارَة بعد وقْعَة الْبَقَرَة وَقد ظَهرت شجاعتهما فَقَالَ // (من الْكَامِل) //
(إِن كَانَ تسآلُ الديارِ كَمَا يجبْ ... يُجدِى فَلِمْ بسؤالها قلبِي يجبْ)
(مَا نافعي إنْ أشكُ بَثَّ صبابتي ... لرسومها والحيُّ مِنْهَا مغتربْ)
(يَا أَحْمَدٌ ومحمدٌ وثقَتْ يَدي ... نِعْمَ الرجا أبناءُ عبد المطلبْ)
(ألسابقين إِلَى الوغَى بعزائمٍ ... تذكى شواظاً كالصوارمِ ملتهبْ)
(سل عَنْهُمَا بيضَ الصفاحِ ولهذم السسُمْرِ ... الرماحِ وجحفَل الجيشِ اللجبْ)
(هلْ شاهدوا إِلَّا هما وهما هما ... دَعْ عنتَرَ الكرارَ أَو معدى كربْ)
(سدتمْ ملوكَ الخافقَيْنِ أما ترَى ... من كَانَ يَبْغِي شأوَ غايتِكُمْ غُلِبْ)
(إِن كَانَ من يَرْجُو الشفا بدمائِهِمْ ... فدماءُ أعبدكُمْ شفاءٌ للكَلِبْ)
ثمَّ وَليهَا الشريف مَسْعُود بن إِدْرِيس وَاسْتمرّ فِي ولايتها وَكَانَت مَكَّة فِي زَمَنه ربيعاً مريعاً سخاء ورخاء تهب بهَا ريَاح الْأَمْن وَالْعدْل صبا ورخاء لم يَقع فى الْوُجُود شئ فِي زَمَنه من الأكدار وَلَا يُؤثر من الْأَخْبَار إِلَّا كل خبر سَار مَا عدا مَا قدره الله تَعَالَى من سُقُوط الْبَيْت الشريف فى زَمَانه فجدده سُلْطَان الْعَالم الْقَائِم بِحِفْظ الدّين وتشييد أَرْكَانه
стр. 2069
وَسبب ذَلِك أَنه يَوْم كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر رَمَضَان من سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف نشأت على مَكَّة وأقطارها سَحَابَة غربية مدلهمة الإهاب حالكة الجلباب فَلم تزل تَجْتَمِع إِلَى وَقت الزَّوَال فأبرقت وأرعدت وأرخت عزاليها وأغدقت واستمرت تهطل ساعتين ودرجتين فَأقبل السَّيْل من سَائِر النواحي وثلم السد الَّذِي يَلِي جبل حراء الْمُسَمّى جبل النُّور ثلمة كَبِيرَة وَعلا عَلَيْهِ فَدخل الْمَسْجِد وسَاق مَا وجد على طَرِيقه من جمال وَرِجَال وَمَال وأحمال وَغير ذَلِك وأخرب الدّور واستخرج مَا فِيهَا من الأثاث وَغَيره وأهدم عَلَيْهَا فَامْتَلَأَ الْمَسْجِد الْحَرَام مَاء حَتَّى أَنه دخل المَاء إِلَيْهِ من جِهَة بَاب الزِّيَادَة وَزَاد حَتَّى اعتلى على بَاب الْكَعْبَة ذراعين عمل وَأهْلك الرِّجَال والأطفال وكل من وجد فِي الْمَسْجِد وَكَانَ أَكثر الهالكين الْأَطْفَال الَّذين يقرءُون الْقُرْآن مَعَ فقهائهم فَتعلق بَعضهم بالأماكن المرتفعة وارتفع على بعض السلَاسِل الحرمية فوصل المَاء إِلَيْهِم وَأهْلك الْجَمِيع وَكَانَ من هلك بِهِ من بني آدم خَمْسمِائَة وَمن الْحَيَوَان كثير فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَحمل جَمِيع مَا فِي الْمَسْجِد من خَزَائِن ومصاحف وقناديل وَبسط وَغير ذَلِك ثمَّ بَات الْمَطَر يهطل إِلَى نصف اللَّيْل فَلَمَّا كَانَ آخر سَاعَة قبيل الْغُرُوب من يَوْم الْخَمِيس الْعشْرين من الشَّهْر الْمَذْكُور سقط جَانب الْحجر بِكَسْر بِكَسْر الْحَاء من الْبَيْت الشريف فَسقط جَمِيع مَا يناه الْحجَّاج مِنْهَا فَكَانَ بَقَاء الْبَيْت نَحْو ألف سنة من الْآيَات الجلية فَإِن الْبناء المربع الَّذِي تمر بِهِ الرِّيَاح لَا يبْقى عَادَة نَحْو ثَمَانِينَ سنة وَمن الْجَانِب الشَّرْقِي إِلَى حد الْبَاب وَمن الْجِدَار الغربي نَحْو النّصْف أَيْضا وَللَّه الْأَمر من قبل وَمن بعد فَقَالَ فِي ذَلِك المهتار هَذِه القصيدة // (من الْبَسِيط) //
(ماجتْ قواعدُ بيتِ الله واضطربَتْ ... واهتزَّتِ الأرضُ من أقطارها وربتْ)
(وأمسَتِ الكعبةُ الغراءُ ساقطةَ ... فَمَا أشكُّ بأنَّ الساعةَ اقتربَتْ)
(فأىُّ خطْبٍ بِهِ أحشاؤنا انصدَعَتْ ... وأيُّ هولٍ بِهِ ألبابُنَا انسلَبَتْ)
وجميعها على هَذِه الركة تركتهَا اسْتِحْسَانًا وأنفت من ذكرهَا استهجاناً قَالَ المرحوم الْعَلامَة الإِمَام عَليّ بن عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ يعنيه وَقد نظم بعض المتطفلين على الْأَدَب قصَّة السَّيْل الْمَذْكُور مَعَ قصَّة مَا وَقع بعده فِي أَبْيَات تنفر عَنْهَا المسامع لركاكتها وقبحها واستهجان الطباع السليمة لَهَا يُشِير بذلك إِلَى هَذِه
стр. 2070
القصيدة الَّتِي مطْلعهَا ماجت وَلَقَد صدق فِيمَا قَالَ ﵀ نعم قَوْله فِي تَارِيخ هدم الْبَيْت بالسيل الْمَذْكُور // (من الْخَفِيف) //
(هدّمَ الْبَيْت أَمر رَبِّ تغشَّاهُ ... بسيلٍ لم يحوِ غرقاه ضبط)
(فِي نهارِ الخميسِ عشرينَ شعبانَ ... قبيلَ الغروبِ مِنْ عَام لغط)
لَا بَأْس بِهِ وَقَالَ الإِمَام فضل بن عبد الله الطَّبَرِيّ مؤرخاً لذَلِك // (من مجزوء الرجز) //
(سُئلْتُ عَنْ سيلٍ أتَى ... والبيتُ عَنهُ قد سقَطْ)
(متَى أَتَى قلتُ لهُمْ ... مَجِيئُهُ كَانَ غَلَطْ)
وَله تَارِيخ آخر من أَبْيَات رقي إِلَى قفل بيتَ الله وتتمة المصراع حِين هجم وَقَالَ القاضى الأحسائى من المجتث
(منْ بعْد إخراجِ ترك ... وقَتْلِ مَنْ ملّكَتْهُ)
(للبيت هدَّتْ سيولٌ ... تاريخُهَا دَخَلَتْهُ)
فَوَقع الضجيج الْعَام والانزعاج التَّام فِي قُلُوب الْأَنَام فبرز مَوْلَانَا الشريف مَسْعُود من دَاره إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام وَحضر مَعَه السَّادة الْأَشْرَاف وفاتح الْبَيْت الشريف وَهُوَ الشَّيْخ مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم الشيبي وَالْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء والصلحاء وَكَانَ جلوسهم بمقام الْحَنَفِيّ وجلوس الشريف على نفس الْمِحْرَاب كَمَا أَخْبرنِي من رَآهُ كَذَلِك فبرز أَمر الشريف مَسْعُود بإيقاد الشموع الكائنة فِي حَاصِل الْمَسْجِد الْحَرَام فأوقدت وَأمر فاتح الْبَيْت أَن يدْخل الْكَعْبَة وَيخرج الْقَنَادِيل الَّتِي بهَا خشيَة عَلَيْهَا من الضّيَاع وَأَن يرفع الْمِيزَاب الشريف أَيْضا فعين الشَّيْخ شخصا من خدام الْكَعْبَة لذَلِك لكَونه فِي أثر مرض يمنعهُ من الْحَرَكَة التَّامَّة فَدخل ذَلِك الْخَادِم وَمَعَهُ جمَاعَة وأتى شيخ الوقادين بالمحط وأخرجوا الْقَنَادِيل ووضعوها فِي مخزن فاتح الْبَيْت وَختم على المخزن الْمَذْكُور مَوْلَانَا الشريف وقاضي الشَّرْع ونائب الْحرم الشريف ثمَّ انْصَرف النَّاس إِلَى دُورهمْ فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة حادى عشرى الْمَذْكُور وصل الشريف مَسْعُود وَمَعَهُ السَّادة والأعيان بعد النداء الْعَام بتعاطي هَذِه الْخدمَة وشرعوا فِي إِزَالَة الطين الْكَائِن بالمطاف فشمر الشريف مَسْعُود عَن أكمامه وَأخذ مكتلاً وَحمل فِيهِ من الطين
стр. 2071
وَفعل النَّاس كَذَلِك فجزى الله الْجَمِيع خيرا وأثابهم على فعلهم فَمَا كَانَ بأسرع من تنظيف المطاف وَمَا حوله فباشر الخطيِب الْجُمُعَة وَأقَام شعارها ثمَّ شرعوا فِي رفع الْأَحْجَار فَمِنْهَا مَا جَعَلُوهُ خلف مقَام الْحَنَفِيّ وَمِنْهَا عِنْد ممشى بَاب السَّلَام بِالْقربِ من الْمِنْبَر ثمَّ إِن الشريف جهز قَاصِدا من مَكَّة وَمَعَهُ السَّيِّد عَليّ بن هيزع لتعريف باشا مصر المحروسة ووزير جهاتها المأنوسة بِهَذَا الْخَبَر ليعرضه على الحضرة الخنكارية وصحبتهم مكاتيب مَوْلَانَا الشريف مَسْعُود ومحاضر من الْأَعْيَان وفتاوي الْعلمَاء فعزم القاصد الْمَذْكُور من مَكَّة أَوَاخِر شعْبَان ثمَّ إِن الشريف برز أمره العالي إِلَى المهندسين والفعلة بتنظيف بَاطِن الْكَعْبَة مِمَّا وَقع فِيهَا من الْأَحْجَار وَالتُّرَاب فنظفت ثمَّ إِن الشريف أرسل إِلَى جدة لتَحْصِيل خشب يَجْعَل على الْكَعْبَة لسترها إِلَى أَن يشرعوا فِي الْعِمَارَة فوصل الْخشب آخر رَمَضَان فستروا جَمِيع مَا سقط مِنْهَا وَجعلُوا بَابا لطيفاً من خشب فِي الْجِهَة الشرقية فَلَمَّا كَانَ شهر شَوَّال جعل الشريف ثوبا أَخْضَر وَألبسهُ الْكَعْبَة الشَّرِيفَة بعد أَن حضر بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام ثمَّ بعد إلباسه دخل الْكَعْبَة وَصلى بهَا ثمَّ برز فَطَافَ والريس يَدْعُو لَهُ على قبَّة زَمْزَم كعادة أسلافه وَكَانَ الإلباس الْمَذْكُور سَابِع شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَلما أَن كَانَ خَامِس عشر شَوَّال وصل القاصد من مصر المحروسة وَأخْبر بوصول الأغا رضوَان المعمار معينا للعمارة وَكَانَ وُصُوله مَعَه إِلَّا أَنه تَأَخّر عَن ذَلِك الْيَوْم فَدخل فِي الْيَوْم الثَّانِي يَوْم سادس عشر شَوَّال وَنزل بالجوخي ثمَّ دخل مَكَّة يَوْم سَابِع عشر الشَّهْر الْمَذْكُور وصحبته نامة سلطانية وخلعة للشريف مَسْعُود فألبسه إِيَّاهَا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام يَوْم السبت سَابِع عشر شَوَّال بعد اجْتِمَاع السَّادة وَالْفُقَهَاء والأعيان وقرئت النامة وَالْأَحْكَام الباشوية ثمَّ شرع الْأَمِير رضوَان فِي تنظيف الْمَسْجِد الْحَرَام فأكمل ذَلِك وفرشه بالحصى وَلم يرد الْحجَّاج إِلَّا وَقد تمّ جَمِيع ذَلِك ثمَّ لما كَانَ يَوْم الْأَحَد سادس عشري شهر ربيع الثَّانِي من عَام أَرْبَعِينَ وَألف وصل إِلَى مَكَّة السَّيِّد مُحَمَّد أَفَنْدِي مُتَوَلِّيًا قَضَاء الْمَدِينَة الشَّرِيفَة ومعيناً لعمارة الْكَعْبَة
стр. 2072
المشرفة وَكَانَ وُصُوله إِلَى بندر جدة بحراً وصحبته نامة سلطانية وخلعة عثمانية من الحضرة الشَّرِيفَة المرادية باسم مَوْلَانَا الشريف مَسْعُود فقرئت النامة بِالْحَطِيمِ بعد حُضُور قَاضِي مَكَّة وَشَيخ حرمهَا ومولانا السَّيِّد عبد الْكَرِيم ابْن السَّيِّد الشريف إِدْرِيس نِيَابَة عَن أَخِيه مَوْلَانَا الشريف مَسْعُود وحملت الخلعة صُحْبَة السَّيِّد عبد الْكَرِيم وَالسَّيِّد مُحَمَّد أَفَنْدِي والأمير رضوَان والأجناد إِلَى مَوْلَانَا الشريف مَسْعُود فلبسها ببستانه بالمعابدة لكَونه مُقيما فِيهِ لتوعك مزاجه الْكَرِيم فاستمر مَرِيضا بِمَرَض الدق إِلَى أَن انْتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء عشري ربيع الثَّانِي سنة أَرْبَعِينَ وَكَانَت مُدَّة ولَايَته سنة وَثَلَاثَة أشهر إِلَّا أَرْبَعَة أَيَّام ﵀ رَحْمَة وَاسِعَة وَضبط الْأَمِير رضوَان الْبَلَد ضبطاً حسنا وَأمر الْمُنَادِي بالنداء أَن الْبَلَد بلد السُّلْطَان وَمَا زَاد على ذَلِك دفعا للفتنة فَجَاءَت الْأَشْرَاف وسألوه عَن المعيَّن لِلْأَمْرِ فَأبى أَن يُعينهُ وَأمرهمْ بتجهيز الشريف مَسْعُود فَنزل بِهِ الْأَشْرَاف وَقت الضحوة إِلَى مَكَّة على محفة البغال وَغسل وَصلى عَلَيْهِ عِنْد الْكَعْبَة قَاضِي الشَّرْع مَوْلَانَا الْعَلامَة حُسَيْن أَفَنْدِي وخطب عَلَيْهِ خطْبَة أبكت الْعُيُون وأنكت الْقُلُوب وَدفن عِنْد أم الْمُؤمنِينَ السيدة خَدِيجَة بَيت خويلد وَمِمَّا قيل فِيهِ من الشّعْر قَول العلامهَ القَاضِي أَحْمد بن عِيسَى المرشدي // (من الْبَسِيط) //
(عوجا قَلِيلا كَذَا عَن أيمنِ الواديِ ... واستوقفا العيسَ لَا يحدُو بهَا الحادِى)
(وعرِّجَا بى علَى ربعٍ صحبْتُ بِهِ ... شرخَ الشبيبةِ فِي أكنافِ أجيادِ)
(واستعطفا جيرةً بالشعْبِ قد نزلُوا ... أَعلَى الكثيبِ فَهُمْ غيي وإرشادِى)
(وسائلاً عَنْ فؤادِى تبلُغَا أملي ... إِنَّ التعلل يشفي غُلَّةَ الصادي)
(واستشفعا تشفَعَا نسألْكُمُ فعسَى ... يقدِّرِ الله إسعافي وإسْعَادى)
(وأجملا بى وحُطَّا عَنْ قلوصكما ... فِي سوحِ مُرْدِى الأعادي الضيغمِ العادِى)
(مسعودُ عَيْن الْعلَا المسعودُ طالعُهُ ... قَلْبُ الكتيبةِ صَدْرُ الحَفْل والنادي)
(رأسُ الملوكِ وعينُ الملكِ ساعده ... زَنْدُ الْمَعَالِي جَبِينُ الجَحْفَلِ البَادى)
(شهمُ السراةِ الألى سارَتْ عوارفُهُمْ ... شرفًا وغرباً بأغوارٍ وأنجادِ)
(نرد غمار العُلَا فِي سوحِهِ ونرحْ ... أَيدي الركائبِ من وخدٍ وإسآدِ)
стр. 2073
(فَلَا مناخ لنا فِي غير ساحتِهِ ... وَجُود كفيه فِيهَا رائحٌ غادي)
(يعشوشبُ العشْبُ فِي أكناف عقوتِهِ ... يَا حبذا العشْبُ فِي الدُّنْيَا لمرتادِ)
(ونجتني ثمرَ الآمالِ يانعةً ... من روضِ معروفِهِ من قبلِ ميعادِ)
(فأىُّ سوحٍ يرجَّى بعد ساحته ... وأىُّ قصْدٍ لمقصودٍ وقصادِ)
(ليهنِ ذَا الْملك أَن ألبسْت حلته ... تُحْيى مآثرَ آباءٍ وأجدادِ)
(لبستها فكسَوْتَ الفخرَ ملبسها ... مشَهَّرا يبهرُ المصبوغَ بالجادِ)
(علوتَ بَيْتا ففاخرْتَ النجومَ عُلاً ... والشهبَ فخراً بأسبابٍ وأوتادِ)
(ولحت بَدْرًا بأفقِ الملكِ تحسدُهُ ... شمسُ النهارِ وَهَذَا حَرُّها بَادِي)
(وصنْتَ مكةَ إِذْ طهَّرْتَ حوزتها ... مِنْ ثلةٍ أهلِ تثليث وإلحادِ)
(قد غرَّ بَعْضهُمُ الإمهالُ يحسبه ... عفوا فعادوا لإتلافٍ وإفسادِ)
(فذدتهُمْ عَن حمى البيتِ الحرامِ وهُمْ ... من السلاسلِ فِي أطواقِ أجياد)
(كأنهمْ عِنْد رفعِ الزندِ أيديهمْ ... يدعونَ حُبًّا لمولانا بإمدادِ)
(وَمَا ارعوَوْا فشهرْتَ السَّيف محتسباً ... يَا بردَ حَرِّهم فِي حَرِّ أكبادِ)
(غادرتهُمْ جزراً من كلِّ منجدلٍ ... كأنَّ أثوابه مُجَّتْ بفرصادِ)
(وأثمَرَ السدْرُ من أَجْسَادهم ثمراً ... حلواً بأفواهِ أجداثٍ وأنجادِ)
(سعيْتَ سعياً جنياً مِنْ خمائله ... نورُ الأمانِ لأرواحٍ بأجسادِ)
(فكَمْ بمكَّةَ من داعٍ ومبتهلٍ ... وَمن محبِّ وَمن مثنٍ ومِنْ فادي)
(وعادَ كل قصيِّ مصلحاً وغدَتْ ... أيامُنَا بالهنا أيامَ أعيادِ)
(نَفى لذيذَ الكرَى عَنْهُم تذكُّرُهُمْ ... وَكَانَ مِنْ قبل صعبًا غير منقادِ)
(من كل أبيضَ قد صَلَّتْ مضاربه ... لما ترقَّى خَطِيبًا منبرَ الهادِى)
(وقادَ كلَّ قصىِّ ذله مهلا ... مهملاً كل معوج ومنآدِ)
(وكل أسمر نظام الكُلَى وَله ... إِلَى العدَى طفرة النَّظَّام ميادِ)
(وصانَ وسمك فِي جأشٍ يخالطُهُ ... عنْ رَبِّ عزِّ تنضَّاهُ بأَحشادِ)
(أسكنْتَ قلبهمُ رعْبًا تذكُّرُهُ ... ينسى الشفوق الموَالِي ذِكْر أولادِ)
(أقبلتهم كُلّ مرقالٍ وسابحةٍ ... يسرعْنَ عدوا إِلَى الأعدا بأطوادِ)
стр. 2074
(مِنْ كُلِّ شهمٍ إِلَى العلياءِ منتسبٍ ... بسادةٍ قادةٍ للخيلِ أجوادِ)
(فهاكَ يابْنَ رسولِ الله مِدْحَةَ مَنْ ... أورَتْ قريحته من بعدِ إخمادِ)
(فأحكَمَتْ فيكَ نظماً كُله غُرَرٌ ... مَا أحرزَتْ مثله أقيالُ بغدادِ)
(أضحَتْ قوافيه والإحسانُ يشرَحُهَا ... روضَ بديعٍ لإرصادٍ بمرصادِ)
(ترويه عنِّى الثريا وَهْىَ هازئةٌ ... بالأصمعىِّ وَمَا يروي وحمادِ)
(وتستحثُّ مطايا الزُّهْر إِن ركدَتْ ... كَأَنَّهَا إبلٌ يَحْدُو بهَا الحادِى)
(وتوقظ الركبَ ميلًا من خمارِ كرىً ... وَاللَّيْل مِنْ طولِ تدآبِ السرَى هادِى)
(أتتْكَ تشفَعُ إذلالاً لمنشئِهَا ... فاقبَلْ تذللَهَا يَا نَسْلَ أمجادِ)
(وأسْبِل الصفْحَ سترا إِن بدا خَللٌ ... تهتك بِهِ سِتْرَ أعدائي وحُسَّادى)
(وقلْ تقرَّبْ إِلَيْنَا تستعزَّ بِنَا ... مَا حقُّ مثلكَ أَن يقصى بإبعادِ)
(لازلْتَ يَا عزَّ أهلِ البيتِ فِي دَعَةٍ ... تحفُّ مِنْهُم بأنصارٍ وأنجادِ)
(مسعودُ جَدُّ سعيد الفأل طالعه ... سعدُ السعودِ وملقى كلِّ إسعادِ)
(بحقِّ طه وسبطَيهِ وأُمِّهما ... والمرتضَى والمثنَّى الطهْر والهادِى)
(صلَّى عَلَيْهِم إلهُ العرْشِ مَا سجَعَتْ ... قمْريةٌ أَو شدا فِي مكَّةٍ شادي)
وَقَالَ مَوْلَانَا القَاضِي تَاج الدّين الْمَالِكِي فِيهِ أَيْضا وقدمت هِيَ والتى قبلهَا فِي يَوْم وَاحِد يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف // (من الْبَسِيط) //
(غُذِيتُ دَرَّ التصابِى قبلَ ميلادي ... فَلَا تَرُمْ يَا عذولي فِيهِ إرشادِى)
(غَىُّ التصابي رشادي والعذابُ بِهِ ... عَذْبٌ لدىَّ كبردِ الماءِ للصادِى)
(وعاذلُ الصبِّ فِي شرعِ الهوَى حرجٌ ... يرومُ تبديلَ إصلاحٍ بإفسادِ)
(ليتَ العذولَ حوَى قلبِي فيعذرَنِى ... أولَيْتَ قلْبَ عذولي بَين أكبادِى)
(لَو شامَ بَرْقَ الثنايا والتَّثَنِّى من ... تلْكَ القدودِ انثنَى عطفٌ الإسعادِ)
(وَلَو رأَى هادياً للجيدِ كَانَ درَى ... أَن اشتقاقَ الهدَى من ذَلِك الْهَادِي)
(كم باتَ عقدا عَلَيْهِ ساعدي ويَدِي ... نطاق مجتمعي المخفي والبادي)
(إِذْ أعيُنُ العِينِ لَا تنفكُّ ظامئةً ... لِوِرْدِ ماءِ شَبَابِي دُونَ أندادي)
(فيا زمَانَ الصِّبَا حُيِّيتَ من زمنٍ ... أوقاتُهُ لم نُرع فِيهَا بأنكادِ)
(وَيَا أحبتَنَا روَّى معاهِدَكُمْ ... من العهادِ هتونٌ رائحٌ غادِى)
стр. 2075
(معاهداً كُنَّ مصطافى ومرتَبَعِى ... فكَمْ بهَا طَال بل كَمْ طابَ تردادي)
(يَا رائحينَ وقلْبى إِثْر ظعنِهِمُ ... ونازحينَ وهُمْ ذكرِى وأورادِى)
(إِن تَطْلُبُوا شرْحَ مَا أَيدي النَّوَى صَنَعَتْ ... بمغرمٍ حِلْفِ إيحاشٍ وإيحادِ)
(فقابلوا الريحَ إِذْ هبَّتْ شآميةً ... تروي حَدِيثي لكُمْ موصولَ إسنادِ)
(وَالَهْفَ نَفسِي على مغنًى بِهِ سلفَتْ ... ساعاتُ أنسٍ لنا كانتْ كأعيادِ)
(كَأَنَّهَا وأدامَ الله مشبِهَهَا ... أيامُ دولةِ صدْرِ الدستِ والنادِى)
(ذُو الجودِ مسعودٌ المسعودُ طالعُهُ ... لَا زالَ فِي برْجِ إقبالٍ وإسعادِ)
(عادَتْ بدولتِهِ الأيامُ مشرقةً ... تهزُّ مختالةَ أعطافَ مَيَّادِ)
(وقلدَ الملكَ لما أَن تقلده ... فخراً على مَرِّ أزمانٍ وآبادِ)
(وقامَ بِاللَّه فِي تدبيرِهِ فغدا ... موفقاً حالَ إصدارٍ وإيرادِ)
(حق لَك الحمدُ بعد الله مفترضٌ ... فِي كُلِّ آونةٍ من كلِّ حَمَّادِ)
(أنقذتهم مِنْ يدِ الأعداءِ متخذاً ... عِنْد الإلهِ يدا فيهمْ بأنجادِ)
(داركْتهُمْ سُهَّدًا رمقي فعادَ لَهُمْ ... غمضٌ لجفنٍ وأرواحٌ لأجسادِ)
(بُشْرَاكَ يَا دهْرُ حَاز الملكَ كافلُهُ ... بشراكَ يَا دهْرُ أُخْرَى بِشْرُهَا بادِى)
(عادَتْ نجومُ بني الزهراءِ لَا أفلَتْ ... بعودةِ الدولةِ الزهْرَا لمعتادِ)
(واخضَلَّ روضُ الأمانِى حينَ أصبحَتِ الأجوادُ ... عقدا على جَيَّاد جَيَّادِ)
(وأصبَحَ الدينُ وَالدُّنْيَا وأهلُهُمَا ... فِي حفْظِ ملكٍ لظلِّ العدلِ مدادِ)
(يبيحُ هامَ الأعادي مِنْ صوارمه ... مَا استحصدَتْ بالتقاضي كل حَصَّادِ)
(شَهْمٌ أيادي أياديه ونائله ... على الورَى أصبحَتْ أطواقَ أجيادِ)
(يَمْضِى مؤمِّلُ جدوى راحَتيهِ إِلَى ... طَلْقِ الْمحيا كريمِ الكَفِّ جوادِ)
(بذل الرغائب لَا يعتدُّهُ كرماً ... مَا لم يكُنْ غير مسبوقٍ بميعادِ)
(والعَفْوُ عَن قدرةٍ أشهَى لمهجتِهِ ... صينَتْ وأشفى من استيفاءِ إيعادِ)
(مآثِرٌ كالدرارِى رفْعَة وسنىً ... وَكَثْرَة فهْىَ لَا تحصَى بتعدادِ)
(تسمو مناقبَ مَنْ كُلَّ الكمالِ حوَى ... وأنْتَ ذَلِك عَن حَصْرٍ بأعدادِ)
(فأنْتَ من معشرٍ إِن غارةٌ عرضَتْ ... خفوا إِلَيْهَا وَفِي النادِى كأطوادِ)
(كم هجمةٍ لكَ والأبطالُ محجمةٌ ... ووقفةٍ أوقفَتْ ليثَ الشرَى العادِى)
стр. 2076
(بكلِّ أبيضَ مقصودٍ لمضطهدٍ ... وللمرائرِ والمرانِ قصَّادِ)
(فَخْرَ الملوكِ الألى فَخْرُ الزَّمَان بهمْ ... دُمْ حائزًا مُلْكَ آباءٍ وأجدادِ)
(وليهنِ خلته أَن رحْتَ لَابسهَا ... إذْ أصبَحَتْ خير أثوابٍ وأبرادِ)
(واسْتَجل أبكارَ أفكارٍ مخدرة ... قد طالَ تَعْنِيسها من فَقْدِ أندادِ)
(كَمْ رُدَّ خُطَّابها حَتَّى رأتْكَ وقَدْ ... أمَّتْكَ خاطبةٌ يَا نسْلَ أمجادِ)
(أفرغت فِي قالبِ الألفاظِ جوهَرَهَا ... سبكاً بذهْنِ وَرِيِّ الزندِ وقادِ)
(وصاغَهَا فِي معاليكُمْ وأخلَصَهَا ... وُدّ ضميرىَ فِيهِ عَدْلُ إشهادِ)
(يَحْدُو بهَا العِيسَ حاديها إِذا زَحَرَتْ ... من طولِ وخْدٍ وإرقالٍ وإِرشادِ)
(كَأَنَّمَا الراحُ بالألبابِ لاعبةٌ ... إِذا شدا بَيْنَ سُمَّارٍ بهَا شادِي)
(بفضلها فضلاءُ العصْرِ شاهدة ... والفضْلُ مَا كَانَ عَن تسليمِ أضدادِ)
(فَلَو غَدَتْ من حبيبٍ فِي مسامعِهِ ... أَو الصفى استحالا بَعْضَ حسادي)
(واستنزلا عَن مطايا القَوْلِ رحْلهُمَا ... واستوقَفَا العيسَ لَا يحدُو بهَا الحادِى)
(وحَسْبُهَا فِي التسامِى والتقدُّمِ فِي ... عَدِّ المفاخرِ إِذْ تَغْدُو لتعدادِ)
(تقريظُهَا عِنْد مَا جاءَتْ معاَرضةً ... عُوجَا قَلِيلا كَذَا عَن أَيْمَنِ الْوَادي)
نَشأ الشريف مَسْعُود فِي كَفَالَة وَالِده الشريف إِدْرِيس صَاحب مَكَّة وَوَقعت لَهُ حروب مَعَ ابْن عَمه الشريف محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن كَانَ الظفر فِيهَا لمحسن أَولهَا سنة سبع وَثَلَاثِينَ فِي ربيع الأول مِنْهَا وَفِي بَعْضهَا أرسل الشريف محسن وَلَده مُحَمَّد فظفر وَاسْتولى على مَسْعُود وَأَخذه أخذا شَدِيدا وَقتل فِي المعركة السَّيِّد حميضة بن عبد الْكَرِيم بن حسن وهَاشِم بن شنبر بن حسن ثمَّ دخل الشريف مَسْعُود مَكَّة بِرِضا من الشريف محسن بكفالة الْأَشْرَاف أَنه لَا يسْعَى فِي خلاف لَا بقول وَلَا بِفعل رحم الله الْجَمِيع رَحْمَة وَاسِعَة ثمَّ وَليهَا الشريف عبد الله بن حسن أكبر آل أبي نمي إِذْ ذَاك مُلُوك الْبَلَد الْحَرَام ومدينة جدهم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام دَعَاهُ رضوَان وَالسَّيِّد مُحَمَّد الْمعِين للعمارة وقاضي مَكَّة وَشَيخ حرمهَا فَحَضَرَ وَمَعَهُ من أَوْلَاده السَّيِّد مُحَمَّد وَالسَّيِّد حُسَيْن وَكَانَ قد تخلف عَن الْجِنَازَة لذَلِك فَلَمَّا حضر مَوْلَانَا الشريف عبد الله سَأَلَ
стр. 2077
مِنْهُ الْأَمِير رضوَان لبس خلعة شرافة الْبَلَد الْحَرَام فَامْتنعَ من قبُول ذَلِك فألزموه بذلك حَقنا لدماء الْعَالم وَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى رَضِي فألبسه الْأَمِير القفطان وَحصل بولايته الْأَمْن والأمان وَكَانَ الِاجْتِمَاع لذَلِك فى السَّبِيل المسنوب لمُحَمد بن مزهر كَاتب السِّرّ الْكَائِن فِي جِهَة الصَّفَا الْمَعْرُوف علوه فِي زَمَاننَا بسكن الشَّيْخ عَليّ الأيوبي رَحمَه الله تَعَالَى ثمَّ لما كَانَ يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الأولى من السّنة الْمَذْكُورَة حضر بِالْحَطِيمِ مَوْلَانَا الشريف عبد الله بن حسن والساده الْأَشْرَاف وَالْعُلَمَاء فدار بَينهم الْكَلَام فِي بَقِيَّة الجدران والجدار الْيَمَانِيّ فاتفقوا على الإشراف عَلَيْهِ أَولا فَدخل الشريف عبد الله وَالْجَمَاعَة إِلَى الْكَعْبَة وأشرفوا على بَقِيَّة الجدران وَنصب المهندسون الْمِيزَان فِي الْجِدَار الْيَمَانِيّ فوجدوه خَارِجا عَن الْمِيزَان نَحوا من ربع ذِرَاع ثمَّ برزوا من الْكَعْبَة وجلسوا فِي الْحطيم فَاقْتضى رَأْيهمْ أَن يهدم بَقِيَّة الجدارين الشَّرْقِي والغربي ثمَّ ينظر فِي الْجِدَار الْيَمَانِيّ فَإِن زَاد فِي الْميل هدم وَإِلَّا فَلَا وانفض الْجَمِيع على ذَلِك ثمَّ بعد يَوْمَيْنِ رفع سُؤال إِلَى عُلَمَاء مَكَّة هَل بجوز هدم الْجِدَار الْيَمَانِيّ إِذا شهد المهندسون بوهنه وسقوطه إِن لم يهدم فَأَجَابُوا بِالْجَوَازِ فاعتمد الْوُلَاة على ذَلِك فتعاطوا الْعِمَارَة وَشرع المهندسون فِي هدم بَقِيَّة الجدران وَكَانَ ابْتِدَاء الْهدم فِي يَوْم الْعشْرين من جُمَادَى الأولى سنة أَرْبَعِينَ وَألف ثمَّ لم يزَالُوا كَذَلِك إِلَى أَن أَتموا الْهدم وشرعوا فِي الْبناء وَحضر فِي أثْنَاء الْعِمَارَة مَوْلَانَا الشريف عبد الله وَحمل مكتلاً فِيهِ نورة وَفعل فعله جمَاعَة من الْحَاضِرين فَلَمَّا أَن كَانَ غرَّة شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة سنة أَرْبَعِينَ وَألف رفعت الأستار الَّتِي حول الْبَيْت الشريف وتكامل بِنَاء الجدران كلهَا وَفِي ثَالِث شعْبَان يَوْم الْخَمِيس ركب الْمِيزَاب وَبعد النّصْف من شعْبَان شرعوا فِي تنظيف الْكَعْبَة المشرفة وَفِي يَوْم الْجُمُعَة غرَّة شهر رَمَضَان ألبست الْكَعْبَة الشَّرِيفَة ثوبها وَللَّه الْحَمد وَالشُّكْر وَفِي ذَلِك يَقُول القَاضِي تَاج الدّين الْمَالِكِي مؤرخاً لعمارتها وممتدحاً لمعمرها مَوْلَانَا السُّلْطَان مُرَاد خَان بن أَحْمد خَان // (من الطَّوِيل) //
стр. 2078
(هَنِيئًا لملكٍ خصَّهُ الله واجتَبَى ... وصدَّاهُ للبيتِ العتيقِ بجدِّهِ)
(بَنَى البيتَ بعد ابنِ الزبيرِ وَلم يَفُرْ ... سواهُ بِهَذَا الفَخْرِ لَا زالَ سعدُهُ)
(مليكٌ أقامَ الله أيامَ ملكِهِ ... وَلَا زالَ خفاقاً مدى الدهْرِ يندُهُ)
(مليكٌ ملوكُ الأرضِ طرَّا عبيدُهُ ... تدينُ لَهُ شرقاً وغرباً وجندُهُ)
(مليكٌ حباه الله فخراً وسؤدداً ... وصيتاً مداه لَا ينالُ وحدُّهُ)
(بتعميرِهِ بيتَ الْإِلَه على يَدَي ... مَنِ اختارَهُ ربُّ الورى دَامَ رشدُهُ)
(قَدُونَكَ تَارِيِخًا لِعَامِ بِنَائِهِ ... وَفيًّا بِضَبْطِ الْعَامِ حِينَ تَعُدُّهُ)
(مرادٌ بني بيتَ الإلهِ وزادَهُ ... سناءً بهَا يَزْهَى بِهِ زِيد مجْدُهُ)
وَله تَارِيخ نثر هُوَ قَوْله أسس بُنْيَانه على تقوى من الله وَهدى ولإبراهيم المهتار قَوْله // (من المتدارك) //
(قَدْ قيلَ تُرَى مَن يعمرُ بيتَ ... الله ومَنْ يَهْدى لِرَشادْ)
(فأجبتُ بتاريخٍ نَظْمًا ... هَا أَعْمَرَ بيتَ اللهِ مُرَادْ)
قلت يحسن أَن يُقَابل هَذَا الشّعْر بقول الْقَائِل // (من المتدارك) //
(شعر عظم ماثل لكم ... حجر ضخم ترب ورمادْ)
وَاسْتمرّ مَوْلَانَا الشريف عبد الله بن حسن مُتَوَلِّيًا إِلَى أَن حج بِالنَّاسِ موسم سنة أَرْبَعِينَ بعد الْألف ثمَّ اسْتهلّ هِلَال محرم افْتِتَاح سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف فَأخذ مِنْهَا شهر محرم ثمَّ بدا لَهُ خلع نَفسه من ولَايَة مَكَّة فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة غرَّة صفر من السّنة الْمَذْكُورَة قلد إمرة مَكَّة لوَلَده الشريف مُحَمَّد بن عبد الله بن حسن ولمولانا الشريف زيد بن محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن وَكَانَ قد استدعاه قبل ذَلِك من نواحي الْيمن لأنهُ فر إِلَى تِلْكَ الْجِهَة زمن ولَايَة مَسْعُود مَكَّة لما كَانَ من مَوْلَانَا الشريف محسن إِلَى أَبِيه إِدْرِيس أَولا ثمَّ إِلَيْهِ نَفسه مِنْهُ ثَانِيًا فَنُوديَ بالبلاد لَهما وتخلى الشريف عبد الله بن حسن للتوجه إِلَى عبَادَة ربه إِلَى أَن أَتَاهُ الْأَمر المحتوم بِأَمْر الْحَيّ القيوم لَيْلَة الْجُمُعَة عَاشر جُمَادَى الْأُخْرَى من النسة الْمَذْكُورَة فَكَانَت مُدَّة ولَايَته تِسْعَة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام فاستمر الشريفان مُحَمَّد بن عبد الله وَزيد بن محسن يدعى لَهما على المنابر والبلاد بهما قارَّة وَالْأَحْوَال طيبَة سارة إِلَى أَن كَانَ الْعشْر الأول من شعْبَان الْمُعظم
стр. 2079
من السّنة الْمَذْكُورَة وصلت أَخْبَار من جِهَة الْيمن بِأَن عسكراً خَرجُوا على الْوَزير قانصوه وَأَن نيتهم الْوُصُول إِلَى مَكَّة المشرفة وَكَانَ ذَلِك شَائِعا على الْأَلْسِنَة ثمَّ ورد مُورق من القنفدة بِخَبَر وصولهم إِلَيْهَا وَمَعَهُ مكاتيب إِلَى مَوْلَانَا الشريف مُحَمَّد ومولانا الشريف زيد ومصطفى بك الصنجق الْمُقِيم بِمَكَّة أَو طراقاً من أغاني الْعَسْكَر الْمَذْكُور مَحْمُود وَعلي بك ومضمون مكاتيبهم أننا نُرِيد مصر ونريد الْإِقَامَة بِمَكَّة أَيَّامًا لنتهيأ للسَّفر فَأبى عَلَيْهِم صَاحب مَكَّة خوفًا من الْفِتْنَة وَالْفساد وَدفن بعض آبار كَانَت فِي طريقهم فَلَمَّا وصل الْخَبَر إِلَيْهِم أجمع رآيهم على دُخُول مَكَّة قهرا واستعدوا لذَلِك بعد أَن كتبت الْأَجْوِبَة بِالْمَنْعِ فَحصل فِي الْبَلَد قيل وَقَالَ واضطراب شَدِيد فَلَمَّا أَن كَانَ يَوْم الْجُمُعَة عشري شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة بعد الْعَصْر وَهِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف توجه مَوْلَانَا الشريف مُحَمَّد والشريف زيد والسادة الْأَشْرَاف والأعراب إِلَى جِهَة بركَة الماجن وقوز المكاسة لِأَنَّهُ بَلغهُمْ أَن الأتراك قاربوا السعدية وبرز مَعَهم الصنجق مصطفى بك بعد أَن طلب من الشريف مُحَمَّد خيلاً لمن مَعَه فَتوهم من ذَلِك وَمنعه من الْخَيل فبرز مَعَه بعسكره وَجُنُوده فَلَمَّا أَن كَانَ ضحى يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس عشري شعْبَان الْمَذْكُور وَقع اللِّقَاء بِالْقربِ من وَادي البيار بَين السَّادة الْأَشْرَاف وَبَين الأتراك فحصلت ملحمة عَظِيمَة وقتال شَدِيد وَقتل مَوْلَانَا الشريف مُحَمَّد بن عبد الله بن حسن صَاحب مَكَّة وَقتل مَعَه من السَّادة الْأَشْرَاف جمَاعَة مِنْهُم مَوْلَانَا السَّيِّد الْجَلِيل أَحْمد بن حراز ومولانا السَّيِّد حُسَيْن ابْن مغامس ومولانا السَّيِّد سعيد بن رَاشد وَخلق آخَرُونَ وَأُصِيبَتْ يَد مَوْلَانَا السَّيِّد هزاع بن مُحَمَّد الْحَارِث فَقطعت وَلم تنفصل فَدخل بهَا كَذَلِك إِلَى مَكَّة وَمر على جِهَة سوق اللَّيْل قَائِلا عُذْري إِلَيْكُم يَا أهل مَكَّة مَا تَرَوْنَهُ وَتوجه بَقِيَّة الْأَشْرَاف إِلَى وَادي مر فَبعد تَمام الْوَقْعَة دخل الأتراك وَنُودِيَ بِالْبَلَدِ للشريف نامي بن عبد الْمطلب بن حسن وَكَانَ دُخُولهمْ من جِهَة بركَة الماجن فتعب النَّاس أَشد التَّعَب وَحصل الْخَوْف الشَّديد وتسلطت هَذِه العساكر على النَّاس وأتعبوهم وأهلكوهم فسقاً ونهباً وظلماً وشرباً وتقطعت الطّرق وعصت الْأَعْرَاب وَحمل الشريف مُحَمَّد بن
стр. 2080
عبد الله فِي عصر ذَلِك الْيَوْم وَدفن بالمعلاة فِي مَقَابِر آبَائِهِ وأجداده بعد أَن قَاتل قتال من لَا يخَاف الْمَوْت وَكَانَت مُدَّة ولايتهما سَبْعَة أشهر إِلَّا سِتَّة أَيَّام وَكَانَ خُرُوج الشريف مُحَمَّد بن عبد الله رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى لِقَاء هَؤُلَاءِ الأتراك فِي مثل سُقُوط الْبَيْت الشريف فِي الْيَوْم والساعة فَإِنَّهُ كَانَ يَوْم عشْرين من شعْبَان بعد الْعَصْر من سنة تسع وَثَلَاثِينَ بعد الْألف وَخُرُوج الشريف الْمَذْكُور لذَلِك فِي يَوْم عشْرين من شعْبَان بعد الْعَصْر سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف فَبين سُقُوط الْبَيْت الشريف وَخُرُوج السَّيِّد الشريف سنتَانِ بِغَيْر زِيَادَة فَللَّه هَذَا الِاتِّفَاق ثمَّ وَليهَا الشريف نامي بن عبد الْمطلب وَتوجه مَوْلَانَا الشريف زيد إِلَى وَادي مر بعد أَن دخل مَكَّة وَمَعَهُ السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَارِث وَمَرا على بَيت الشريف نامي بن عبد الْمطلب فَدَعَاهُ مَوْلَانَا الشريف زيد فَخرج إِلَيْهِ فناوشه بعض كَلَام فَقَالَ السَّيِّد أَحْمد لَيْسَ الْوَقْت وَقت كَلَام وَكَانَ من جملَة مَا قَالَه لَهُ مَوْلَانَا الشريف زيد // (من المتقارب //)
(تُجَازَى الرجالُ بأفعالِهَا ... خيرا بخَيْرٍ وشراً بشَرّ)
فَالله الله بِالْحَرِيمِ أَو مَا يقرب من هَذَا الْكَلَام ثمَّ سَار إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَكتب عرُوضا بالتعريف بالواقع وأرسلها إِلَى باشا مصر صُحْبَة السَّيِّد عَليّ بن هيزع حِوَالَة مَكَّة بِمصْر وَلما وصل الْخَبَر لصَاحب مصر أرسل إِلَيْهِم سَبْعَة صناجق وَأرْسل بخلعة سلطانية لمولانا المرحوم الشريف زيد بن محسن مَعَ الأغا مُحَمَّد أَرض رومي وَجَمَاعَة من خواصه وبلغهم أَن الشريف زيد بِالْمَدِينَةِ فَدَخَلُوا إِلَيْهَا وخلعوا عَلَيْهِ بِملك الْحجاز فِي الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة وَتوجه إِلَى الْعَسْكَر وَأتوا جَمِيعًا إِلَى مَكَّة وَوصل خبر ذَلِك إِلَى مَكَّة وَتحقّق فاضطربت حِينَئِذٍ آراء العساكر الجلالية اليمنية فَمن قَائِل نخرج وَمن قَائِل نُقَاتِل ثمَّ وصل الْخَبَر بِأَن العساكر المصرية وصلت عسفان فَاقْتضى رَأْي عَسْكَر الْيمن أَن يرسلوا من يكْشف لَهُم الْخَبَر فأرسلوا جمَاعَة فوصلوا إِلَى وَادي مر والعساكر المصرية قد أَقبلت فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّة وأخبروا من بهَا بذلك فأظهروا حَرَكَة الرحيل عَنْهَا فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس ذِي الْحجَّة خَرجُوا كلهم وَمَعَهُمْ مَوْلَانَا الشريف نامي وَأَخُوهُ السَّيِّد السَّيِّد وَالسَّيِّد عبد الْعَزِيز إِدْرِيس وَلم يبْق مِنْهُم أحد وَكَانَ
стр. 2081
بروزهم وَقت أَذَان الْعَصْر فَلَمَّا أَن حاذوا بَاب النبى
الْمُسَمّى الْآن بَاب الحريريين قَالَ الْمُؤَذّن الله أكبر فَسقط بيرق مَحْمُود مِنْهُم فَكَانَ سُقُوطه فألاً عَلَيْهِم ثمَّ سَارُوا فنزلوا عِنْد جبل حراء وَبَاتُوا فَلَمَّا كَانَ أثْنَاء اللَّيْل سرى السَّيِّد عبد الْعَزِيز بن إِدْرِيس على نجيبة لَهُ أعدت خلف الْجَبَل فَقعدَ عَلَيْهَا وَتوجه إِلَى يَنْبع فنجا فَلَمَّا أَسْفر الصُّبْح وَلم يجدوه فَعَلمُوا أَنه اختلس نَفسه فَزَاد احتفاظهم على الشريف نامي وأخيه السَّيِّد وأمست مَكَّة بعد خُرُوجهمْ خَالِيَة وَكَانَ بهَا مَوْلَانَا السَّيِّد الشريف أَحْمد بن قَتَادَة بن ثقبة فَنَادَى فِي الْبَلَد إِن الْبِلَاد بِلَاد الله وَالسُّلْطَان مُرَاد وعس الْبَلَد تِلْكَ اللَّيْلَة ثمَّ لما كَانَ شروق يَوْم الْخَمِيس سادس ذِي الْحجَّة الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة دخل مَوْلَانَا الشريف زيد بن محسن بِمن مَعَه من الصناجق وَكَانَ نُزُوله بدار السَّعَادَة ثمَّ نزل وَقت الضُّحَى من ذَلِك الْيَوْم إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام فَجَلَسَ فِي السَّبِيل الَّذِي بِجَانِب زَمْزَم وَمَعَهُ الْأَمِير عَليّ الفقاري أحد الصناجق الواصلين ثمَّ خرج مَوْلَانَا الشريف من السَّبِيل الْمَذْكُور وَطَاف بِالْبَيْتِ أسبوعاً والريس يَدْعُو لَهُ على قبَّة زَمْزَم ثمَّ خرج الْمُنَادِي يُنَادي بِأَن الْبِلَاد بِلَاد الله وبلاد مَوْلَانَا السُّلْطَان مُرَاد ومولانا الشريف زيد بن محسن ثمَّ طلب بعض الصناجق الْخُرُوج إِلَى الجلالية لقرب إدراكهم فَقَالَ لَهُ مَوْلَانَا الشريف زيد الرَّأْي أَن نحج وتحج الْأمة وتفلح ثمَّ نلحقهم فَيقرب الله بعيدهم وَلَا يفوتون فحج مَوْلَانَا الشريف تِلْكَ السّنة بِالنَّاسِ وأزال الله بِهِ عَن أهل مَكَّة بل عَن قطر الْحجاز كل باس وَبعد أَن أتم مَوْلَانَا الشريف الْمَنَاسِك وصل إِلَى مَكَّة بعض العساكر اليمنية بشفاعة إِبْرَاهِيم باشا أَمِير الْحَاج الشَّامي فِي تِلْكَ السّنة وَلما كَانَ يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي محرم الْحَرَام افْتِتَاح سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف عقد مجْلِس بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام عِنْد مقَام الْمَالِكِي حضر فِيهِ مَوْلَانَا الشريف زيد وغالب الصناجق وغالب السَّادة الْأَشْرَاف والسادة الْفُقَهَاء وتفاوضوا فِي أَمر الْعَسْكَر الْيَمَانِيّ فاتفق الْحَال على أَنهم يعزمون إِلَيْهِم فبرزوا ذَلِك الْيَوْم وَمَعَهُمْ مَوْلَانَا الشريف زيد وجماعته فأدركوهم فِي مَحل يُقَال لَهُ تربة فحاصروهم ثمَّ وَقع
стр. 2082
الْقِتَال بَينهم بالبندق فَاسْتَمْسك عَليّ بك لنَفسِهِ من الصناجق على أَن يسلم من الْقَتْل وَالْتزم لَهُم بمحمود بك فقبلوا ذَلِك وأمسكوا مَحْمُود بحيلة دبروها ثمَّ رجعُوا فَدَخَلُوا مَكَّة المشرفة فِي أول يَوْم الْخَمِيس ثامن عشر محرم الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة وَمَعَهُمْ مَحْمُود بك أحد أغاتي الْعَسْكَر اليمني فعذب بأنواع الْعَذَاب وطيف بِهِ على جمل فِي شوارع مَكَّة عاري الْجَسَد إِلَّا سَاتِر عَوْرَته وَمد بَاعه بعصا وربطت يَدَاهُ عَلَيْهَا عورضت من خَلفه وَشقت عضداه وذراعاه وغرز فِيهَا مصطفة خرق الزَّيْت الموقدة ووكل بِتِلْكَ الْعَصَا من يضْربهَا من خلف حينا بعد حِين فيتناثر سقطها على جسده وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى ثمَّ علق بكلاب أَدخل فِي رَأس ذِرَاع يَده الْيُمْنَى ثمَّ أَدخل تَحت عصب عقب رجله الْيُسْرَى وَدفع إِلَى شَجَرَة جميز عِنْد بَاب المعلاة فَمَكثَ كَذَلِك نَحْو ثَلَاثَة أَيَّام حيُّا يسب ويفحش وَيفجر إِلَى أَن مَاتَ فَأنْزل وَأخذ إِلَى شُعْبَة العفاريت فَأحرق ثَمَّ وَأما الأغا الآخر عَليّ بك فَلم يحصل عَلَيْهِ سوء أصلا وَذَلِكَ لتدبيره تِلْكَ الْحِيلَة على مَحْمُود ولحسن سلوكه حَال دُخُوله مَكَّة مَعَ بعض حَرِيم لمولانا الشريف زيد فَإِنَّهُ آمنهم ووصلهم بِخَير وَكَانَ يتَرَدَّد إلَيْهِنَّ ويتفقد أحوالهن ويبشرهن فَكَانَ ذَلِك سَببا لسلامته وخلوصه مِمَّا وَقع لرفيقه ثمَّ لما كَانَ أَوَاخِر شهر محرم افْتِتَاح السّنة الْمَذْكُورَة كَانَ مجمع كَبِير أَمَام بَاب مدرسة السُّلْطَان قايتباي حضر فِيهِ الصناجق والأمراء والقضاة ثمَّ جئ بالمرحوم مَوْلَانَا السَّيِّد الشريف نامي بن عبد الْمطلب وأخيه مَوْلَانَا السَّيِّد السَّيِّد بن عبد الْمطلب فاستفتيت الْعلمَاء فيهمَا فَأَجَابُوا بِحكم الله تَعَالَى فَذهب بهما فِي شرذمة من الْعَسْكَر إِلَى أَعلَى الرَّدْم فتوفيا شهيدين رحمهمَا الله رَحْمَة وَاسِعَة وَغفر لَهما مغْفرَة جَامِعَة آمين وَكَانَت مُدَّة ولَايَته على مَكَّة مائَة يَوْم وَيَوْم وَهِي عدد حُرُوف اسْمه نامي لِأَنَّهُ دَخلهَا يَوْم خمس وَعشْرين من شعْبَان من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين بعد الْألف وَخرج مِنْهَا عصر الْيَوْم الْخَامِس من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة كَمَا تقدم وَتلك الْمدَّة مائَة يَوْم وَيَوْم وَفِي ذَلِك يقْول المهتار // (من الطَّوِيل) //
стр. 2083
(تأمَّلْ لدنياكَ الَّتِي بصُرُوفها ... أبادَتْ عُلَا ملْكٍ تأطد سامِى)
(بدا فأضا ثُمَّ اغتدَى الحَقُّ فانقضَى ... فمدَّةُ نامي عدَّة احْرُف نامِى)
كَذَا ذكره الطبرى فِي تَارِيخه الْمُسَمّى بالأرج المسكى فِي التَّارِيخ الْمَكِّيّ فَليُرَاجع قلت وَقد حكى المقريزي نَظِير ذَلِك فِي السَّابِق وَهُوَ أَن الْعَزِيز بن برسباي أحد مُلُوك الشراكسة بِمصْر خلع يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشر شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَكَانَت ولَايَته فى ذى الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة فَكَانَت مدَّته أَرْبَعَة وَتِسْعين يَوْمًا بعدة حُرُوف عَزِيز أَرْبَعَة وَتِسْعين وَقد تقدم ذَلِك فِي تَرْجَمته إِلَّا إِنِّي عبرت عَن الْأَرْبَعَة وَالتسْعين بِقَوْلِي ثَلَاثَة أشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام الْمَعْنى وَاحِد وَفِي هَذِه السّنة لم يذهب الْمحمل من مَكَّة إِلَّا فِي الْعشْر الأول من شهر صفر واستقل مَوْلَانَا الشريف زيد بِالْملكِ مُنْفَردا فِي الأقطار الحجازية كَافَّة وسعودات الأقدار بِهِ حافة واستنزل أَرْبَاب الْحُصُون الشامخة وَاسْتولى على القلاع الراسخة وَملك الْبِلَاد الْبَعِيدَة الْمنَازل واستخدم الْعِزّ وَالظفر والإقبال وتوالت عَلَيْهِ الْخلْع والتشاريف السُّلْطَانِيَّة وقرت بِمَا يهواه المناشير العثمانية وملأ قُلُوب أعدائه خوفًا ورعباً ورقى فِي معارج الْمعز مرتقى صعباً وعطر بثنائه شرقاً وغرباً وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف أَو الَّتِي قبلهَا توفّي الْعَلامَة الشَّيْخ أَحْمد الْمقري الْمَالِكِي التلمساني الأَصْل والمولد والفارسي الدَّار والمنشأ نزيل الْقَاهِرَة الْعَلامَة الْحَافِظ الْمسند رحْلَة الدُّنْيَا شهَاب علم روض فَضله نضير مَا لَهُ فِي سَعَة الْحِفْظ شَبيه وَلَا نَظِير وفيهَا أَو فِي الَّتِي بعْدهَا توفّي السَّيِّد أَحْمد بن مَسْعُود ابْن سُلْطَان مَكَّة الشريف حسن بن أبي نمي كَانَ أديباً فَاضلا من أَبنَاء الْمُلُوك النجباء يحب الْعلمَاء وَأهل الْخَيْر ويجالسهم كَرِيمًا وشعره فِي غَايَة الْحسن والرقة وَله فطنة تدْرك رقة الرقة وَلما وَقعت بَين القَاضِي تَاج الدّين الْمَالِكِي وَبَين غرس الدّين الْمدنِي المنافرة الشَّدِيدَة جمع بَينهمَا وَأصْلح مَا كَانَ مِنْهُمَا
стр. 2084
وَله ديوَان كُله غرر كل سلك مِنْهُ لَا تذكر مَعَه الدُّرَر فَهُوَ نَابِغَة بني حسن وباقعة الفصاحة واللسن الساحب ذيل البلاغة على سحبان والسائر بأقواله الركْبَان أحد السَّادة الَّذين رووا حَدِيث السِّيَادَة برا عَن بر والساسة الَّذين تفتقت لَهُم ريح الجلاد بعنبر فاقتطفوا نوار الشّرف من روض الْحسب الأنضر وجنوا ثَمَر الوقائع يانعاً بالنصر من ورق الْحَدِيد الْأَخْضَر لم يزل يقدر من نيل الْملك مَا لم يَفِ بِهِ عَدده وعُدده وَلم يمده من الْقَضَاء وَالزَّمَان مَدده ومُدده فاقتحم لطلبه بحراً وَبرا وقلد للملوك جِيداً ونحراً فَلم يسعفه أحد وَلم يساعد وَإِذا عظم الْمَطْلُوب قل المساعد دخل إِلَى شهارة من بِلَاد الْيمن فِي أحد الجمادين فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَألف وامتدح بهَا إمامها مُحَمَّد بن الْقَاسِم بقصيدة رَاح بهَا ثغر مديحه ضَاحِكا باسم وَطلب مِنْهُ فِيهَا مساعدته على تَخْلِيص مَكَّة المشرفة لَهُ وإبلاغه من تحليه بولايتها أمله وَكَانَ ملكهَا إِذْ ذَاك الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب وَأَشَارَ فِي بعض أبياته إِلَيْهِ وَطعن فِيهَا بسنان بَيَانه عَلَيْهِ وَهِي // (من الطَّوِيل) //
(سلُوا عَن دمى ذاتَ الخلاخلِ والعقدِ ... بِمَاذَا استحلَّتْ أخْذَ روحي على عَمْدِ)
(فإنْ أمنَتْ ألَاّ تقادَ بِمَا جنَتْ ... فقد قيلَ إِن الحرَّ يقتل بالعبْدِ)
(وَإِن أخَذتها دونَ كلي فإنني ... جليدٌ ومضعوفُ العزائمِ بالصَّدِّ)
(خذا قبْلَة مِنْهَا تديه فَإِنَّهُ ... قتيلٌ ولكنْ لَيْسَ يلحدُ فِي لحدِ)
(صريعٌ بسهمِ اللحظِ والبينِ لم تزلْ ... مقسمةَ أجزاه فِي القرْبِ والبعدِ)
(أَخُو لوعةٍ لَو أَن أيْسَرَ بَعْضهَا ... بصَلْدٍ لَكَانَ العِهْنُ أقوَى من الصلْدِ)
(ومُرَّا على الوادِى الَّذِي قد تفاوَحَتْ ... جوانبه عرفا بِمَا ضاعَ عَنْ هنْدِ)
(وعوجا رقابَ العيسِ فِيهَا عَشِيَّة ... لنبكي بهَا عصراً تولى على نَجْدِ)
(ونقضِى لباناتِ الصبَا بمحلَّةٍ ... بوجنةِ وَجْهِ الدهرِ كالخالِ فِي الخَدِّ)
(زمَان وَوجه الدهْرِ طلقٌ وقدُّهُ ... نضيرٌ وثغْرُ الوصلِ يفترُّ عَن عقدِ)
(أجرُّ بِهِ ذيل الخلاعةِ رافلاً ... وأركض خيلَ الغىِّ فِي حلبةِ الرشدِ)
(وأمرحُ فِي شرخ الشبابِ وحاسِدِي ... يدعدعُ لي أَن أكبُ يَوْمًا على وعدِ)
стр. 2085
(فللهِ أيامٌ وربعٌ تصرمَتْ ... لياليهما عنِّى وعوضَنِى وخدِى)
(فأصبحْتُ فِي جيشٍ من الحبِّ أرعن ... على أنني فِي نهجِهِ مفردٌ وحدِى)
(أعضُّ بِهِ كفي وأقرعُ بالحيا ... لسانِى وَمَا يُغني فتيلاً وَلَا يجدِى)
(وَأَنْدُبُ أَيَّامًا عَلَى غيضةِ الغَضَا ... وَغَيْظِى بِهَا غَيْظ اْلأَسِيرِ عَلَى الْقَدِّ)
(فحيَّا الحَيَا دَارا بنجدٍ وَأُخْتهَا ... معطَّلة بالغورِ والعَلَم الفردِ)
(ومنعرج بالجزْعِ هَل ماتَ رسمُهُ ... فأحييهِ بالتأبينِ أمْ هُوْ عَلَى عَهْدى)
(فثمَّ بِهِ قلبٌ فَقِيدٌ حبسنَهُ ... عيونُ المها بَين الأجارعِ والرندِ)
(ولكنَّها لم تَدْرِ أنَّ مُحَمَّدًا ... طلوبٌ لنا لَو كانَ فِي مربضِ الأسدِ)
(إمامٌ شأَى فِي الفخرِ أهلَ زمانِهِ ... فأنْسَى وأعْيَا فِيهِ للقَبْلِ والبَعْدِ)
(يُنَادى أَمِير الؤمنينَ لِأَنَّهُ ... تقمَّصَهَا إِرْثا عَن الأبِ والجَدِّ)
(وغيثٌ إِذا مَا النوءُ خوَّتْ رعودُهُ ... فراحاتُهُ فِي المحْلِ تغني عَن الرعْدِ)
(وضرغامُ حرْبٍ حِين تَنْصَلِتُ الظبا ... وينقصمُ المران فِي السرْدِ والسردِ)
(إِذا انكسَرَ الهنديُّ فِي رأسِ قرنِهِ ... فَمن عرضِهِ عضبٌ أَحَدُّ من الهندِي)
(أَخُو صبوةٍ بالمكرُماتِ فَلم تَزَلْ ... بمنظره فِي أشرَفِ الزمَنِ الرغْدِ)
(فبدْرٌ لمستجْلٍ ووَرْدٌ لمجتَنٍ ... وغيثٌ لمستجدٍ وليثٌ لمستَعْدِى)
(وأيامُهُ بيضٌ وخضْرٌ بجودِهِ ... ألَا إنَّهَا مِنْ عدله زَمَنْ الوردِ)
(فَإِن يكُ بالإفضالِ والبأسِ والتقَى ... وربٌ الثنا والحِلْم والعِلْم والزهدِ)
(دَعِى بأميرِ المؤمنينَ محمدٍ ... خليفتنا الْمهْدي هَذَا هُوَ المَهْدِى)
(محكِّمُ سيفِ الحقِّ فِي كلِّ ملحدٍ ... ومَرجعُ أهلِ العقلِ فِي الحلِّ والعقدِ)
(وطَلَاّبُ وِتْرِ الدِّينِ فِي كلِّ مأزقٍ ... وَلم ينتصف فِي المالِ والنفسِ والولدِ)
(شكَتْهُ المطايا والفيافي لكثْر مَا ... يطأهَا ويمطاها إِلَيْهِ مِنَ الوفدِ)
(وَلَو أَنه خَلَّى شهارة سائراً ... لسارَ إِلَيْهِ القاصدُونَ إِلَى السَّدِّ)
(ولولاهُ لم يُشْهَرْ حسامٌ وَلم يثرْ ... قتامٌ وَلم يُسْفرْ ظلامٌ لمستهدى)
(وَلم يقصدِ الوفَّادُ عَنهُ لسيِّد ... فطعْنَ بهم هيماءَ للعينِ والصفدِ)
(وَلم تفتخر إِلَّا بِمَا عافَ سادةٌ ... غداةَ افتخارٍ فِي ندىِّ منَ المجْدِ)
(فَفِي الذهْنِ والآراءِ قيسٌ وعتبةٌ ... وفى الجودِ والهيجاءِ جودٌ وَذُو لبْدِ)
стр. 2086
(فَلَو لامَسَتْ يومَ الرغائبِ كفَّهُ ... يدا مادرٍ كانتْ لَهَا بالندَى تُعْدِى)
(فيا ليتَ شعْرِى مَنْ كليبٌ وحِاتمٌ ... على أَنهم مَا إنْ لَهُم فِيهِ من نِدِّ)
(فيابنَ رسولِ الله جئتُكَ شاكياً ... لأعداءِ دينِ الله فِي الهزْلِ والجِدِّ)
(زعانفةٌ لَا ينكرُونَ قبيحةً ... وَلم يختشوا فِي الفسْقِ من قَاهِرٍ فردِ)
(وَلَا مِنْ أميرِ المؤمنينَ محمَّدٍ ... حَلِيف الوغَى فِي الله والسيفِ والحمدِ)
(وحامِى ذمارِ المجدِ إنْ ضاعَ سوحُهُ ... وَلَو أَنه بَيْنَ الأساودِ والأسدِ)
(خطيبٌ إِذا مَا قامَ فِي رأسِ منبرٍ ... وخَطْبٌ عَلَى ظهْرِ المطهَّمةِ الجرْدِ)
(فيا لَكَ من حبرٍ ليَوْم مجَادِلٍ ... وذمر يُسَمَّى فِي المجالد بالجلْدِ)
(فليثٌ وغيثٌ فِي قراعٍ وَفِي ندَى ... وسعدٌ ونحسٌ للْوَلِيّ وللضِّدِّ)
(وخذْهَا عروساً ذاتَ دلِّ تزفُّها ... من الشكْرِ أجنادٌ فَللَّه من جُنْدِ)
(مفوفةً دبجْتُهَا بمديحِ مَنْ ... تضوعُ بذكراه على المسْكِ والنَّدِّ)
(لدينٍ وجاهٍ ذَا ارتفاعٍ ونجدةٍ ... أعيشُ بهَا لَا للمعايشِِ والنقدِ)
(وَإِنِّي من القومِ الَّذين وليدُهُمْ ... ترجِّيهِ إنهاءُ المطالبِ فِي المهدِ)
(أَعَزُّ ملوكِ الأرضِ فرعا ومحتداً ... وأوفى الكرامِ الغُرِّ فِي العقدِ والوعدِ)
(إِذا عُدِّدَتْ للصِّيدِ بعضُ محاسنٍ ... فأحسابُهُمْ فِي المجدِ تربو على العَدِّ)
(بأفنيةٍ خضرٍ وسودٍ مراجلٍ ... وألويةٍ حمرٍ وألسنةٍ لُدِّ)
(وأوجهُهُمْ للبيضِ والسمْرِ فِي الورى ... وأيديهمُ فِي الحرْبِ للضربِ والشكْدِ)
(وَلم يُخلقوا إِلَّا لكشْفِ مُلِمَّةٍ ... غشا خطبُهَا أهلَ البسيطةِ بالربدِ)
(فقمْ يابنَ عِزِّ الدينِ لَو كنْتَ وَاحِدًا ... فأنْتَ بحمدِ الله غَانٍ عَن الحشْدِ)
(وأنَّى وأنتَ الليثُ واللدنُ غابه ... وأِشبالُكَ الفرسانُ تعدو على الجردِ)
(وحولَكَ صِيدٌ من علىِّ غطارفٌ ... هم الناسُ فِي الهيجاءِ والحَسَب العدِّ)
(وخيلٌ إِذا صاحَ الصريخُ توردَتْ ... وُرُود القطا نَحْو الصياحِ إِلَى الورْدِ)
(وحظُّكَ يُبْدِي كلَّ يَوْم عجائباً ... بهَا يقهَرُ الأيامَ فِي الجزر والمدِّ)
(فَلَو شئتَ أَن تصطاد ليثاً بأرنَبٍ ... لجد لَهُ إِذْ زاحم الجدّ للجدِّ)
(فَمَا العذْرُ فِي التأخيرِ والسُّمْر والظبا ... تقاضاه يَوْمًا فِي التهائِمِ والنجْدِ)
(أغثْ مكَّةً وانهَض فأنْتَ مؤيَّدٌ ... مِنَ الله بالفتحِ المعوّضِ والجدِّ)
стр. 2087
(وقدِّمْ أَخا وُدِّ وأخِّرْ مبغضاً ... يساورُ طَعنا فِي المؤيَّدِ وَالْمهْدِي)
(ويطعنُ فِي كُلِّ الأئمَّةِ مُعْلنا ... ويرضى عَنِ ابنِ العاصِ والنجْلِ من هِنْدِ)
(وكانَ لَهُم يومَ القيامةِ ثَالِثا ... وَفِي هذِهِ ثانٍ لأوَّلِ مَنْ يُردى)
(ودمْتَ مدى الأيامِ للدِّينِ والعلا ... وبذْلِ اللها والأخْذِ فِي الله والرَّدِّ)
وَلم يحصل مِنْهُ على نائل إِلَّا مَا أجَازه بِهِ من فواضل فَعَاد إِلَى مَكَّة المشرفة سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَألف وَأقَام بهَا سنتَيْن ثمَّ توجه أَوسط شهر ربيع الثَّانِي من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف إِلَى الديار الرومية قَاصِدا ملكهَا السُّلْطَان مُرَاد بن أَحْمد خَان فورد عَلَيْهِ الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَاجْتمعَ بِهِ وامتدحه بقصيدة فريدة سَأَلَهُ فِيهَا تَوْلِيَة مَكَّة المشرفة وأنشده إِيَّاهَا فِي أَوَاخِر شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَهِي // (من الوافر) //
(أَلا هُبِّى فقَدْ بكَرَ النداما ... وَمَج المزج من ظلمِ النداما)
(وهينمت الْقبُول فضَاعَ نَشْرٌ ... روى عَن شيخِ نَجْدٍ والخزاما)
(وَقد وضَعَتْ عذارى المزن طفْلا ... بمَهْدِ الروضِ تغذوهُ النعاما)
(فَهُبِّى وامزُجى خمرًا بظلْمٍ ... لتُحْيى مَا أمَتى يَا أُمَامَا)
(ومُنِّى بالحياةِ على أناسٍ ... بشربِ الراحِ صرْعَى والطّلَاما)
(فكَمْ خفر الفوارسُ من وطيسٍ ... فَتى منا وَمَا خَفَرَ الذماما)
(وكَمْ جدنا على قُلِّ بوفرٍ ... وأعطينا عَلَى جَدْبٍ هجاما)
(وكَم يومٍ ضربنا الخيلَ فِيهِ ... على أَعْقَابها خَلْفًا أماما)
(فنحنُ بَنو الفواطِمِ من قريشٍ ... وقادات الهواشمِ لَا هِشَاما)
(نردُّ الوافدين بكلِّ خيرٍ ... ونثني البيضَ حمراً والعلامَا)
(برانا الله للدنيا سنَاءً ... وللأخرَى إِذا قامَتْ سَنَاما)
(وخصَّ بفضله من أَمَّ مِنَّا ... مليكاً كَانَ سابُورَ الهماما)
(فَتَى الهيجا مُرَاد الحقِّ مَنْ لم ... يخَفْ فِيهِ للائمةٍ مَلَاما)
(محش الحرْبِ إنْ طارَتْ شَعاعًا ... نفوسٌ عِنْدهَا قَلَّ المحاما)
(وغيْثٌ قَطْرُهُ وَرِقٌ وتبرٌ ... إِذا طارَتْ بِهِ المحْل الركاما)
(فيُفنى سيفهُ حرْب وشيكاً ... ويثني سبيه موتا زُؤَاما)
стр. 2088
(وفِى شفَتيهِ آجالٌ ورزقٌ ... بهَا أَمن الصَّواعِق والسّمَاما)
(يقودُهُ الْمُلُوك الصِّيد مجراً ... فيمنحُهُ الخوامِعَ والرّخَاما)
(وَإِن وفدوه أغنَاهُمْ وأقنَى ... وأجلَسَهُمْ على العَلْيَا قِياما)
(مليكُ الأرضِ والأملاكِ طُرًّا ... وابْنُ مليكِهَا يَمَنًا وشَاما)
(ويجْرى من دَمِ الأعداءِ بحراً ... وَلَا قَوَدٌ عَلَيْهِ وَلَا أَثَاما)
(ومسقي الجنِّ والأملاكِ غيظاً ... ومُرْدِى القومِ إذْ يروي الحساما)
(تسنَّمَ غاربَ الدُّنْيَا فريداً ... وجَدَّ السيرَ إذْ بَاتُوا نياما)
(إِذا شملَتْ عنايته لئيماً ... شأَى بفخارِهِ القَوْمَ الكراما)
(تعاظَمَ وصفُهُ عَن وصفِ شِعْرى ... كَذَا مرماه يسمُو أَن يُرَامَى)
(وَيكبر أنْ يعانِدَهُ عنيدٌ ... فيرميه ويعظمُ أنْ يُرَامَا)
(ترفَّعَ كمه عَنْ لثمِ ملكٍ ... وتلثمه الضعائفُ واليَتَامَى)
(وينطقُ عِنْده لَسِنٌ ضعيفٌ ... وَلَا يسطيعُ جبارٌ سَلاما)
(أَخُو هِممٍ وَلم تعلقْ يَدَاهُ ... بغانيةٍ وَلَا ضَمَّتْ مداما)
(أغرُّ سميدعٌ ضخْمُ المساعِى ... يُسَكِّنُ فِي مغارمِهِ السهاما)
(وخادمُ قَبْرِ طه بالمواضي ... ودِين الله والبَيْت الحراما)
(فيا مَلِكَ الملوكِ وَلَا أُبَالِي ... وَلَا عذرا أسوقُ وَلَا احتشاما)
(أنفتُ بأنني أُنْزِلْكَ فيهم ... بمنزلةِ الرجالِ مِنَ الأيامَى)
(إِلَى جدْوَاكَ كلفنا المطايا ... دَوْمًا لَا نفارقُهَا دَوَاما)
(وَجُبْنَا يابْنَ عثمانَ الموامي ... إِلَى أَن صِرْنَ من هزلٍ هياما)
(وذُقْنَا الشهْدَ فِي مغنى الترجِّى ... وذُقُنَا الصبْرَ من جوعٍ طَعَاما)
(صلِينَا من سمومِ القيظِ نَارا ... يكونُ بنورِكَ العالِى سَلاما)
(وخُضْنَا البحْرَ من يلْجٍ إِلَى أَن ... حَسِبْنَاهُ على البيدا ركاما)
(نؤمُّ رحابَكَ الفيحَ اشتياقاً ... ونأمُلُ فِيك آمالاً جِسَاما)
(ومَنْ قَصَدَ الكريمَ غَدا أَمِيرا ... على مَا فِي يَديه وَلنْ يُضاما)
(وحاشا بَحْركَ الْفَيَّاض إِنَّا ... نردُّ بغُلَّةٍ عنْهُ حياما)
(وَقد وافاك عبدٌ مستميحٌ ... ندا كفَّيْكَ والشِّيَمَ الكراما)
стр. 2089
(فقد نَزَلَ ابنُ ذِي يزن طريداً ... على كِسْرَى فأنزله شمَاما)
(أتَى فَردا فَعَاد يَجُرُّ جَيْشًا ... كسا الآكامَ خيلاً والرغاما)
(بِهِ استبقَى جميلَ الذكْر دهراً ... وأنْتَ أجلُّ من كسرَى مقَاما)
(وسيفٌ لَو سما دُونِى لأنِّى ... عِصَامِىٌّ وأسموه عِصَاما)
(بفاطمةٍ وإبنَيْهَا وطه ... وحيدَرَةَ الَّذِي أشْفَى العقاما)
(عليهمْ رحمةٌ تهدِى سَلاما ... تكونُ لنَشْرها مسكاً ختاما)
(وَلَا عَجَبٌ إِذا مَا جاك عافٍ ... فعادَ يقودُ ذُو الجبِّ لهاما)
(فخذْ بيَدي وسَمِّينى محلا ... يقربُ مِنْك فِيهِ لَنْ يُسَاما)
(وهبْ لي مَنْصبِى لتنالَ أجْرِى ... وشُكْرى مَا حييتُ لَهُ دواما)
(فقد لَعِبَتْ ببيتِ الله حَقًا ... زعانفُ يستحلُّونَ الحراما)
(فعَنْ ذَا ليسَ مَسْئولاً غَدَاة ... سِوَاكَ إِذا الورَى بقيَتْ قيَاما)
(وَفِي أملِى بِأَن يجزيكَ عَنِّى ... شفيعٌ عَفوه يُطْفى الأُوَامَا)
(وفكَّ أَسيرَ أسْر لَيْسَ يرضى ... بِأَن يوطا وإنْ حفي الملاما)
(رحِيما لينًا فَظًّا غليظاً ... على الأعداءِ لنْ يرضى اهتضاما)
(عريقٌ فِي مودَّتِكُمْ نصوحٌ ... وَقُوعٌ إِن غشا خطبٌ وقاما)
(فَقل سَلْ تعطَ أعطاكَ الَّذِي لم ... يَخَفْ نقصا وَلم يخْشَ انتقاما)
(مدى الأيامِ تخفضُ ذَا اعوجاجٍ ... وترفَعُ من أطاعَكَ واستقاما)
(ودُمْ فِي راد عمرِكَ والأعادِى ... تمنى فِي مضاجِعِهَا الحمامَا)
فَأَجَابَهُ إِلَى ملتمسه وَمرَاده وأرعاه من مقْصده أخصب مُرَاده وَلَكِن مُدت إِلَيْهِ يَد الهلك قبل نيل الْملك قيل إِنَّه سُم فِي ختمة قُرْآن أَتَى إِلَيْهِ بهَا بعض الْأَشْخَاص فِي هَيْئَة درويش مهديها إِلَيْهِ فَلَمَّا قبلهَا اختلس الدرويش نَفسه فَلَمَّا قبلهَا السَّيِّد أَحْمد سقط فوه فَكَانَ ذَلِك سَبَب مَوته رَحمَه الله تَعَالَى وَمن أحاسن شعره قصيدة سينية تشوق كل إِنْسَان وَتدْخل على الْقُلُوب من الآذان بِغَيْر اسْتِئْذَان مطْلعهَا // (من الْخَفِيف) //
(حثَّ قبلَ الصباحِ تجْب كُئُوسى ... )
стр. 2090
وَسَتَأْتِي وَكَذَلِكَ قصيدة يمدح بهَا بني عَمه مُلُوك الْحجاز آل قَتَادَة وَهِي نبذة من أخباره وشجونه تدل على فَضله ولآلىء مكنونه وَهِي // (من السَّرِيع)
(حنَّتْ فأبكَتْ ذَا شجونٍ حنونْ ... وغنَّتِ الورقا بِأَعْلَى الغُصُونْ)
(وشَقَّ بُرْدَ الليلِ برقٌ فَمَا ... ظننته إِلَّا حسامَ الجفونْ)
(كَأَنَّهُ مذ شَقَّ قلْبَ الدجَى ... جبينُ ليلَى فِي دياجِى الْقُرُون)
(فقمْتُ كالهادِلِ فِي سجوِهِ ... لم أدْرِ مَا بِي فَرَحٌ أم جنونْ)
(وأرسَلَ الدَّمْعُ تجيعًا على ... خَدِّى فَيجْرِي أعيناً من عيونْ)
(لم أرَ نؤياً لَا وَلَا مجثماً ... وموقداً اْو عَلَمًا فِي دمونْ)
(إِلَّا وباتَ الناعمُ الفرشِ لي ... شوكاً وميعاسُ الروابي حُزُونْ)
(فالبرْقُ يُوحى فِي الدجَى رعدةً ... والوُرْقُ من شعْرى تجيدُ اللحونْ)
(عهدي بهَا كانَتْ كناسَ الظبا ... ومرتَعَ الأسدِ حماةِ الظعونْ)
(كلُّ طويلِ الباعِ رجَبْ الفِنَا ... تصدُقُ للوُفَّادِ فِيهِ الظنونْ)
(ليوثُ برقٍ خيسُهَا مأزقٌ ... أنيابُهَا فوقَ المذاكِى قرونْ)
(حتَّى غَدا مِنْ بعدهمْ ربْعُهَا ... مفتأداً جارتْ عَلَيْهِ السنونْ)
(كَأَنَّهُ جسمِى وإنْ لم يكنْ ... جسمي فوهماً أَو خيالاً يكونْ)
(وقفتُ فِيهِ والأسَى والنوَى ... يستلبانِ الصبْرِ سلْبَ المنونْ)
(ألله لي من مهجةٍ مزقَتْ ... ومقلةٍ عبرَى ونَفْسٍ ونونْ)
(تحنُّ للشِّعْبِ وأوطانِهِ ... مهما سرَى برقٌ بليلٍ دجونْ)
(وفتيةٍ منْ آلِ طه لَهْمْ ... فِي الحربِ أبكارٌ مزايا وعونْ)
(مبتذلُ الساحاتِ فِي قُطْرهم ... للخائِفِ الْجَانِي أعز الحصونْ)
(وكلُّهم يومَ الوغَى سيِّدٌ ... للضدِّ خباطٌ بلبد ظنونْ)
(يحمدُهُ السارونَ إنْ أدلجوا ... وَيَقْتَضِي النادِى بِهِ السامِرُونْ)
(لَا يَنْتَهِي الجارُونَ مِنْهُ إِلَى ... شَاْوٍ وَلَا يعسفُهُ الجائرونْ)
(فيانسيماتِ الصِّبَا عَرِّجى ... بهمْ وبثِّى غامضاتِ الشجونْ)
(وحاذِرِى أَن تصحبي لوعَتِى ... واستَصْحِبِى بَثِّى لكَىْ يفهمونْ)
(وبلِّغيهم حالَ من لم يزلْ ... حليفَ أشجانٍ كثيرَ الشئونْ)
стр. 2091
(يستخبر الريحَ بأنفاسِهِ ... ويسألُ البرقَ بدمعٍ هتونْ)
(فَشَأْنه يخبرُ عَن شأنِهِ ... بِدمْعِهِ إِن يسْأَل السائلونْ)
(ناءٍ عَن الأهلِ ضَعِيف الأسَى ... أَبعد مَا فَارق قَلْب شطونْ)
(يحفظُ للزملِ عهودَ الوفا ... وَإِن طَلَبْتَ الخونَ مِنْهُ يخونْ)
(وأنْتَ يَا سارى بشام النقا ... وحَادِىَ الظعْنِ بذاتِ الرعونْ)
(عَرِّضْ بذكَرى لَا شَجَاكَ النوَى ... لعلَّهم بِي بعد ذَا يذكرونْ)
(وقُلْ لَهُم وَالله لَو أبعدَتْ ... أخبارُكُمْ إِنِّي كَمَا تعهدونْ)
(نسيتُمُ صَبًّا غَدا دمعُهُ ... مِنْ بعدكُمْ صبَّاً قريحَ الجفونْ)
(وَهْوَ وماضِى العيشِ مَا ساعَةٌ ... فِيهَا تناسى جدكم والمجونْ)
وَهَذِه السينية الْمُتَقَدّم ذكرهَا الفائح عطرها لمولانا السَّيِّد أَحْمد بن مَسْعُود بن حسن بن أبي نمي تغمده الله برحمته // (من الْخَفِيف) //
(حُثَّ قبل الصَّبَاحِ نجب كُئْوسى ... فَهْىَ تجْرِي مجْرَى الغِذَا فى النفوسِ)
(وانتخِبْهَا بكرا فقدْ ثَوَّبَ الداعِى ... إِلَيْهَا مِنْ حانة القِسِّيسِ)
(بنتُ كَرْمٍ إِن تَرْقِ ملسوعَ راحٍ ... وَهُوَ جلس لم يَرْتَضِى بالجلوسِ)
(كشفَتْ غيهَبَ الخمارِ وَلَو ترشَحُ ... رمساً ردَّتْ بقا المرموسِ)
(غرسَتْهَا بينَ الحدائقِ والنوروز ... والشَّطِّ كفُّ بطلبموسِ)
(فَتَلقَّى أم المسرإت طلقاً ... والندامَى بِمهْر كيسٍ وكيسِ)
(أطلق النَّدَّ والكبا الرطْبَ واستجْلِ ... عروساً لَا عِطْرَ بعد عروسِ)
(عانساً فِي الدنانِ عذراءَ لم تطمت ... من عهد جرهم وجديسِ)
(نارُ أنسٍ يعشو الكليمُ ويصبو ... لِفِناهَا بالذُّلِّ والتقديسِ)
(خرقَتْ حلَّة الجمانِ وأبدَتْ ... مستطير الصباحِ فِي الحنديسِ)
(زعَمَ الجاهلونَ فِيهَا بأنْ قَدْ ... عَصَرَتْها قِدمًا يدا عبدوسِ)
(وهْىَ من لُطْفها كشَكٍّ نَفَاهُ ... صادقُ القولِ عِنْد ذِي تسويسِ)
(فأدرْهَا فِي كاسها دونَ خَدَّيْكَ ... وفوقَ الشقيقِ من خندريسِ)
(واسْقِ بالخيرِ لي الندامَى لتبدو ... قدرةُ الله فِي المقامِ النفيسِ)
(لتَرَى أنجماً بفلْكٍ وبدراً ... فوقَ غصنٍ يختالُ بَين شموسِ)
стр. 2092
(ولكلٍّ إربٌ وَمَا أَنا بالرائى ... شريفًا فى جَنْبِ وَجه خسيسِ)
(وخرود بجامِهَا وطلَاها ... وَلماهَا والخد ينجاب بُوسِى)
(إِن حكينا بالثغْرِ والخدِّ مَا فى الجِيدِ ... قُلْنَا ظُلمًا وَمَا فِي الكُئُوسِ)
(تتلظَّى غيظاً وتَبْسِمُ توبيخًا ... لنا فِي القياسِ بعد المقيسِ)
(لم أكنْ قبلهَا أصدِّقُ أَن الرْرَاحَ ... ظَلْمٌ فِي لؤلؤٍ مغروسِ)
(ظبيةٌ رخوةُ العريكةِ تغتالُ ... أسُودَ الشرَى بِدَهْىٍ شَموسِ)
(لبسَتْ من غلائلِ الحسْنِ بُرْدًا ... مِنْهُ كلُّ الْعُقُول فِي تلبيسِ)
(تتهادَى عجبا فتستقبحُ الروضَ ... أنيقاً لجودَةِ التجنيسِ)
(لَو رَآهَا تختالُ تيهاً أبُوهَا ... لخشينا عَلَيْهِ دِين المجُوسِ)
(كُلُّ حلْوٍ مِنْهَا استجَدَّ رسيساً ... وقديمي فِيهَا استَمَرَّ نسيسِى)
(تركَتْنِى نِضْوًا على نضوِ رسمٍ ... فِيهِ دمعي خلي وسُهْدِى جليسي)
(موحشاً مِنْ هنيدةٍ بعد أَن كانَ ... حَقِيقا بالمربَعِ المأنوسِ)
(طالَ مَا قْلتُ للغدافِرِ واللَّيْثُ ... بِهِ قد ألقَى عَصا السيرِ هيسِى)
(لنقضِّى فِيهِ حقوقاً وتبكِى ... فِيهِ وُرْقُ الحمَى وثُكْل العيسِ)
(ونرجِّى الآمالَ تبْعَث الِّريحَ ... أريجاً من معهدٍ مطلوسِ)
(فرعَى الله بالأجارعِ عصراً ... وبدوراً غصونُهَا فِي طموسِ)
(حيثُ جو الشبابِ سَحْوٌ وبحْرُ اللهوِ ... رَهْوٌ لم ألْقَ فِيهِ بروسِى)
(ومحلاً بَين الأباطحِ والقبْبة ... مِنْ طيبَةٍ بِسُوحِ الرَّئِيسِ)
(أَحْمَدُ الخُلْقِ أحمدُ الخَلْقِ فى اللهْ ... غِيَاثُ المَنْجُودِ والمَبْلُوسِ)
(شافعُ الأمةِ الَّتِي جاءَ فِيهَا ... كنتُمُ من مهيمنٍ قدوسِ)
(أولُ الأنبياءِ والخاتمُ العاصِمُ ... من هولِ صليمٍ دربيسِ)
(يتقى حيدَرٌ وحمزةُ والفاروقُ ... فِيهِ إِذْ جاشَ قِدْرُ الوطيسِ)
(وَكَذَا فِي المعادِ عيسَى وإسحاقُ ... وموسَى الكليمُ معْ إدريسِ)
(وَبِه يسألونَ إِذْ صدم الهول ... تجليه فِي الزمانِ العبوسِ)
(وهُمُ الفائزونَ لكنْ لما طَمْمَ ... عَلَى الخلقِ من عذابٍ بئيسِ)
(مهطعينَ الْأَعْنَاق فى مَوْقِفِ الرهبة ... لم يستمعْ لَهُم من نبيسِ)
стр. 2093
(فينادى سَلْ تُعْطَ واشفَعْ أيا خيْرَ ... شفيعٍِ فِي مسمهرِّ ضَبيسِ)
(أريحىٌّ بِقَصْدِهِ تأنفُ الأخمَصُ ... مص أَن تحتذى شَوَاة الرءوسِ)
(نَقَلَ الذِّكْرَ للجوامعِ وَالْأَحْكَام ... بعد الأزلامِ والناقوسِ)
(تَرَكَ الذئْبَ والغضنْفَرَ والشَّاة ... جَمِيعًا من خوفِ غبِّ الفريسِ)
(أَيَّدَ الدينَ بالذوابلِ والشُّوسِ ... المذاكِى تعدُو وبيض شوسِ)
(كل ذمر فِي السلْمِ هَين وفى الحربِ ... أبي يشقُّ أنفَ الخميسَ)
(كعلىٍّ وحمزةَ البِشْرِ إِن بَدَّلَ ... بِشْر الوجوهِ بالتعبيسِ)
(بيهسىْ غابةِ الوشيجِ وطودَىْ ... مفخرٍ فِي مؤثلٍ قُدْمُوسِ)
(بهما والبَتُولِ والآلِ والبطَيْنِ ... والمخبتين بالتغليسِ)
(ألإمامين بالنصوصِ الشهيدَيْنِ ... البريئيْنِ من صدَى التدنيسِ)
(فرقدَىْ هالةِ الرياسةٍ وابنَىْ ... مدحضي بالقواضب التبخيسِ)
(مَا رعَى فيهمَا رَئِيس ربى الفِدْيةِ ... إِلَّا فضْلاً عَن المرءوسِ)
(وبمَنْ قامَ فى مقامِكَ يستسقَى ... بِهِ والمحلَّقِ الدعيسِ)
(وبخِلَّيْكَ صاحبيْكَ ضجيعَيْكَ ... ظهيَرْيكَ فِي الرخا والبوسِ)
(ذَا رفيقٌ فِي الغارِ ردْفٌ وَذَا تنرفرُ ... من حِسِّهِ رقى إبليسِ)
(وبتلو الإثْنيْنِ جَامع أشتاتِ ... المثانِى بالرسْمِ والتدريسِ)
(لم يُراقَبْ للهدْى والجيشِ من غيْرِ ... فسوقٍ أتَى وَلَا تدليسِ)
(أدركَ ادْرِكْ ذَا غربةٍ وانفرادٍ ... وسهادٍ ومدمعٍ مبجوسِ)
(قد لقى من حصائِدِ النفْسِ مَا لاقَى ... كليبٌ فِيهَا غداةَ البَسُوسِ)
(ألوحَا ألوحَا فِدّى لكَ ملهوفٌ ... يناديكَ من ورا طرطوسِ)
(يَا نَبِيَّاهُ يَا وليَّاهُ يَا جَدَّاهُ ... يَا غَوْثَ ضارعٍ موطوسِ)
(أنتَ إنْ أعضَلَ العضالُ وأعيا ... كُلّ آسٍ دواه جالينوسِى)
(وَإِذا مَا الخنَاقُ ضاقَ فَلم أرجُ ... لكربي إلَاّك للتنفيسِ)
(ولقدْ جرد الْعُقُول إلَى أنْ ... لبسْت منْهُ بزَّة المخموسِ)
(وبجدواكَ يقلبُ السعد فى الأزمةِ ... سَعْدا تحديق عَيْن النحوسِ)
(يَا خفيري إِذا ارتهنْتُ وَمَا لي ... غَيْرُ كسبِى فِي مضجَعِى من أنيسِ)
стр. 2094
(أبظُلْمِ الحوبا أقصِّرُ عَن شأوِ ... جُدُودى وأنْتَ أصْلُ غروسي)
(حاشَ لله أَن يقصِّرَ مَنْ أَفْعَمَ ... فيكُمْ مدحاً بطونَ الطروسِ)
(فارتبطْهَا من الجيادِ الَّتِى تَسْبقُ ... خَيْلَ الوليدِ وابْنِ سديسِ)
(وأجزْنِى بردا من الأمنِ مَا حيك ... بصنعا حسنا وَلَا تِنِّيسِ)
(وأغثني دنيا وأخرَى بمرآكَ ... ليهدا رَوْعِى ويقوَى رسيسِى)
(واجلُ طرفِي بنظرةٍ تذهبُ اللىّ ... وتُسْدِى فِي الحىِّ نِيرَ مروسي)
(إِن أرحْ مُطلقًا من الذنْبِ فالتقريضُ ... وقفٌ مسلسلُ التجنيسِ)
(أَو تناسى بِهِ فناي وحقِّى ... فعلَى الْحَظ دَعْوَة المبخوسِ)
(إِنَّمَا أنْتَ آصفٌ ونجاتي ... منكَ أدنى إِلَيْهِ من بلقيسِ)
(لَو تشفعْتَ فِي سَبًا لَعَلِمْنَا ... أنَّهمْ فائزونَ بالمحسوسِ)
(فعليكَ الصلاةُ مَا هَجَّرَ الركْبُ ... وحثَّ القِلَاص للتعريسِ)
(وعَلى آلِكَ الكرامِ وأصحا ... بِكَ مَا روضَةٌ زهَتْ بالغروسِ)
(وأضاءَ الصبَاحُ من بعد ليلٍ ... واستسرَّتْ عروسُهُ بعروسِ)
وفيهَا أَعنِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف توفّي شيخ مَشَايِخنَا الشَّيْخ الْعَلامَة برهَان الدّين أَبُو الأمداد إِبْرَاهِيم بن حسن بن عَليّ اللَّقَّانِيّ خَاتِمَة الْمُحَقِّقين وَسيد الْفُقَهَاء والمتكلمين إِمَام الْأَئِمَّة وموضح المشكلات المدلهمة أَخذ عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ والعلامة ابْن قَاسم العبادى وَالشَّيْخ إِبْرَاهِيم العلقمي أخي الشَّيْخ شمس الدّين شَارِح الْجَامِع الصَّغِير الشَّرْح الْمُسَمّى بالكوكب الْمُنِير وَالشَّيْخ نور الدّين الزيادى وَالشَّيْخ أَبى بكر الشنواني وَغَيرهم وَله كرامات خارقة ومكاشفات صَادِقَة أَخذ عَنهُ طَرِيق الْقَوْم خلق كثير وَمِمَّنْ أَخذ عَنهُ الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة والعقلية والفنون الأدبية شَيخنَا الْعَلامَة مُحَمَّد بن عَلَاء الدّين البابلي وَالشَّيْخ عَليّ بن عَليّ الشبراملسي وَولده إِبْرَاهِيم وَغَيرهم رَحمَه الله تَعَالَى وَفِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَألف يَوْم الْجُمُعَة ثامن رَجَب مِنْهَا توفّي الشريف عَظِيم الشَّأْن مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد شَيْخَانِ باعبود الْعلوِي ولد بالمخا كَانَ ﵀ من أكَابِر الْمَشَايِخ الصَّالِحين والأولياء الكاملين وَاسْتمرّ على الْحَالة المرضية إِلَى أَن وافته
стр. 2095
الْمنية وَقدم على رب الْبَريَّة فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور ببندر جدة وَحمله وَلَده السَّيِّد سَالم من جدة إِلَى مَكَّة وَوصل بِهِ لَيْلَة السبت وَدفن صبح الْيَوْم الْمَذْكُور على أَبِيه وأخيه فِي حوطة آل با علوي ولولده مَوْلَانَا السَّيِّد سَالم بن أَحْمد شيحان مؤرخاً وَفَاة أَبِيه الْمَذْكُور بعد أَن رَآهُ فِي مَنَامه قَوْله // (من الْكَامِل) //
(شاهدتُّ فِي عامِ الوفاةِ بليلةٍ ... غَرَّاءَ أَحْمد قَائِلا نَفسِي أحمدي)
(أُسْكِنْتَ جناتِ النعيمِ ونِعْمَ هِيَ ... نُزُلاً فتاريخُ الوفاةِ تخلَّدِى)
وفيهَا توفّي بَين العصرين سَابِع عشري رَجَب الشَّيْخ الأمجد الأوحد شهَاب الدّين أَحْمد ابْن أبي الْفَتْح الْحكمِي أَخذ عَنهُ شَيخنَا الْعَلامَة الشَّيْخ عَليّ بن الْجمال الْأنْصَارِيّ الْمَكِّيّ وَشَيخنَا الشَّيْخ عبد الله ابْن الشَّيْخ سعيد باقشير وَغَيرهمَا وَله تَرْجَمَة طَوِيلَة كَانَت وَفَاته بِالْمَدِينَةِ وَدفن بِالبَقِيعِ وَهُوَ فِي عشر الْخمسين نفعنا الله بِهِ آمين وَفِي سنة خمس وَأَرْبَعين فجر الثُّلَاثَاء ثامن ذِي الْعقْدَة مِنْهَا توفّي السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْهَادِي بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين محتد الْجَلالَة والفخامة مُفْرد الْمقَالة والشهامة الْعَالم الْعَامِل بِلَا زعامة الحاتم على ناظره الْقطع لَهُ بِالْفَضْلِ السّني والكرامة الْوَلِيّ لله بِلَا ريب وَلَا نزاع الملزم نَفسه النفيسة الطَّاعَة لَهُ والحضور لَدَيْهِ والانقطاع ولد ب تريم واستوطن مَكَّة ولازم السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَغَيرهمَا وَاسْتمرّ بِمَكَّة إِلَى أَن انْتقل بهَا فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وَدفن بحوطة السَّادة بني علوي وفيهَا توفّي الشَّيْخ يُوسُف بن مُحَمَّد البُلْقِينِيّ بَقِيَّة الجيل الْجَلِيل الَّذِي سلف ونخبة الحائزين بِالْعلمِ السِّيَادَة والشرف رَئِيس الْقُرَّاء المجيدين جليس الْفُقَرَاء إِلَى الله المنقطعين إِذا قَرَأَ الْقُرْآن الْمجِيد رتله ترتيلاً وحبره تحبيرا وَإِذا حَار بالنعمان اللبيب فِي مُشكل متشابهه قيل لَهُ اسْأَل بِهِ خَبِيرا رَحمَه الله تَعَالَى وَفِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَألف ضحوة يَوْم الْأَحَد تَاسِع ذِي الْقعدَة الْحَرَام توفّي مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا إِمَام أهل الْعرْفَان ذُو السِّرّ الباهر والبرهان من مزايا مفاخرة فقد الْحصْر وبذكر مناقبه يتجمل الزَّمَان والدهر أوحد الْأَئِمَّة المعتبرين أولي التَّمْكِين مرشد الطالبين ومربي السالكين الْعَالم الْعَامِل والأستاذ الْكَامِل طَاهِر الْجنان وَاللِّسَان والأركان مَوْلَانَا السَّيِّد سَالم مَوْلَانَا السَّيِّد سَالم بن أَحْمد شيحان وفن فِي عصر ذَلِك الْيَوْم على وَالِده وجده بالمعالاة وتاريخ وَفَاته صَار إِلَى رَحْمَة الله وَله تَرْجَمَة طَوِيلَة عَظِيمَة جليلة - رَحمَه الله تَعَالَى - وفيهَا لَيْلَة الْخَمِيس ثَالِث عشر ذِي الْقعدَة توفّي السَّيِّد نعْمَة الله بن عبد الله بن محيي الدّين بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا بن يحيى بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْقَادِر الجيلاني أحد أكَابِر الْأَوْلِيَاء الَّذين نالوا الوفا والكرامة الْغَنِيّ بِكَمَال فَضله عَن إِشَارَة أَو عَلامَة سَطَعَ نور كمالاته فأخجل النيرين وأشرقت صِفَاته المضيئة فِي الْخَافِقين وتواترت كراماته فِي سَائِر الْآفَاق وَوَقع على ولَايَته الِاتِّفَاق اشْتهر فَلَا يحْتَاج إِلَى إطناب فِي الصِّفَات بِمَا خصّه مَوْلَاهُ من أَنْوَاع الكمالات ولد بِالْهِنْدِ وَوصل إِلَى مَكَّة سنة أَرْبَعَة عشر وَألف وجاور بهَا ولازم الصمت وَالْمَسْجِد سِنِين ثمَّ سكن شعب عَامر وَتزَوج وأولد أَوْلَادًا نجباء أجلاء ثمَّ مرض وَأوصى أَن يدْفن بمحله بشعب عَامر الْمَذْكُور فَدفن بِهِ وَكَانَت الحُمى من أقل خُدَّامه يرسلها إِلَى من شَاءَ أَي مُدَّة شَاءَ ويرفعها مَتى شَاءَ بِإِذن الله تَعَالَى مدحه الأجلاء ورثوه بعدة قصائد مِنْهُم مَوْلَانَا وَشَيخنَا الشَّيْخ عَليّ بن الْجمال والأديب البارع أَحْمد الْفضل الكثيري وَغَيرهمَا وفيهَا فِي موسمها يَوْم الْجُمُعَة عشري ذِي الْحجَّة الْحَرَام وَقعت فتْنَة كَانَ ابْتِدَاؤُهَا قبل صَلَاة الْجُمُعَة سَببهَا أَن عبدا لبَعض السَّادة الْأَشْرَاف ورد بفرس سَيّده الششمة الْمَعْرُوفَة بالبزابيز فَوَقع هُنَاكَ بَين العَبْد الْمَذْكُور وَبَين شخص من عَسْكَر مصر تزاحم وتدافع فَضرب الجندي العَبْد فَضَربهُ العَبْد وجرحه فَلَزِمَهُ الجندي مَعَ جماعته فَانْتدبَ جمَاعَة العبيد ففكوا العَبْد فثارت الْفِتْنَة وَلم يكن لصَاحب مَكَّة وَلَا للأمير علم بذلك فَاجْتمع الجندي مَعَ جماعته بمدرسة السُّلْطَان قايتباي واحتمع عَسْكَر صَاحب مَكَّة مَعَ العبيد عِنْد منزله فَأقبل كل من الْفَرِيقَيْنِ على الآخر فَأرْسل الشريف جمَاعَة لرد عسكره ونهيهم تسكيناً للفتنة وبرز أَمِير الْحَاج من الْمدرسَة وَبِيَدِهِ عَصا لرد عسكره كَذَلِك وَسَار على قَدَمَيْهِ فَلَمَّا وصل إِلَى قريب من بَاب على أَبْوَاب الْمَسْجِد الْحَرَام سمع صَوت البندق فَرجع وَدخل من بَاب الحريريين وَدخل الْمدرسَة من بَابهَا الْكَائِن فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ نزل من جِهَة المعلاة نم كَانَ بهَا من الْعَسْكَر الْمصْرِيّ وَمَعَهُمْ المدافع فَجعلُوا وَاحِدًا مِنْهَا عِنْد الششمة الْمَذْكُورَة وواحداً عِنْد بَاب الْمدرسَة القايتبائية فَاشْتَدَّ الكرب على أهل مَكَّة وَأرْسل فِي أثْنَاء ذَلِك مَوْلَانَا الشريف زيد رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ رضوَان بك مُشِيرا عَلَيْهِ بِمَنْع الْعَسْكَر الْمصْرِيّ جماعته وَكَذَا أرسل إِلَى أَمِير الْحَاج الشَّامي الْأَمِير مُحَمَّد بك بن فروخ وَقتل من الْعَسْكَر الْمصْرِيّ والعسكر الشريفي أشخاص بالبنادق وَلم يزل الْأَمر كَذَلِك حَتَّى أجنَّهم اللَّيْل فانكف الْفَرِيقَانِ وَركب بعض خدام الشريف رَحمَه الله تَعَالَى بِأَمْر مِنْهُ وَمَعَهُ المناداى بالأمان وَأمسى النَّاس فِي أَمر مريج فَلَمَّا كَانَت صَبِيحَة يَوْم السبت سعى أَمِير الْحَاج الشَّامي الْأَمِير مُحَمَّد بك الْمَذْكُور بَين الشريف وَبَين أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ بِالصُّلْحِ فتعافيا فَنَادَى قبل صَلَاة الظّهْر من ذَلِك الْيَوْم مناديان أَحدهمَا من أَمِير الْمصْرِيّ وَالثَّانِي من الشَّامي بالأمان للحجاج وَأهل الْبَلَد وَقدم الْمصْرِيّ خُرُوجه من مَكَّة فِي هَذَا الْعَام على خلاف الْعَادة فبرز فِي يَوْم الثَّالِث وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة وَفِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف قدم شعْبَان أَفَنْدِي إِلَى الْمَدِينَة المنورة وَمَعَهُ حجر من الماس محفوف بأحجار مختلعة مكفوف بصفائح الذَّهَب وَالْفِضَّة وَهَذَا الْحجر من آثَار صدر الدولة العثمانية مصطفى باشا سلحدار فَوضع ذَلِك الْحجر تَحت الحجرين اللَّذين وضعهما السُّلْطَان أَحْمد خَان وأنعم على أهل الْمَدِينَة بِالصَّدَقَةِ الجليلة وَفِي ذَلِك يَوْم السَّيِّد مُحَمَّد كبريت مادحا مؤرخا // (من الْخَفِيف) //
(زار خيرَ الأنامِ خَيْرُ همامٍ ... قد تَسًمَّى شعبانَ وَهُوَ ربيعُ)
(عمَّ جيرانَ أَحْمد بنوالٍ ... دُونَ ذاكَ النوالِ خصْبَ مريعُ)
(جاءَ بالجوهَرِ الثمينِ لطه ... مِنْ وزيرٍ هوَ الجنابُ المنيعُ)
(مصطفى المجدِ والندَى والمعالِي ... وسلحدارُ نعْمَة لَا تضيع)
(يَا لَهُ جَوْهَر التسامي وسامَى ... بمقامٍ فِيهِ الثناءُ يضوعُ)
(عِنْد وجْهِ النَّبِي قد وضعُوهُ ... فغدا وهوَ مشرق ولموعُ)
(كَانَ هَذَا فِي عامِ سبعٍ وألفٍ ... وتمامُ النظام فِيهِ بديع)
قلت هَذَا فِي التَّارِيخ لطف إِدْخَال فِي قَوْله وَتَمام النّظم فِيهِ لِأَنَّهُ يُشِير بذلك إِلَى الْمِيم من لفظ النظام وَهِي بِأَرْبَعِينَ فبذلك تمّ حِسَاب سبع وَأَرْبَعين وَألف وَكَانَ إهداء ذَيْنك الحجرين الْأَوَّلين من حَضْرَة مَوْلَانَا السُّلْطَان أَحْمد خَان مَعَ لوح من فضَّة كَبِير مَكْتُوب فِيهِ آيَات قرانية فِي سنة سِتّ وَعشْرين وَألف مركب على الشباك القبلى أَمَام المواجهة الزائر وَفِي اللَّوْح أَبْيَات آخرهَا بَيت التَّارِيخ وَهُوَ لوح السُّلْطَان أَحْمد أهداه حُبّاً خَالِصا وفيهَا توفّي الْعَلامَة القَاضِي أَحْمد بن عِيسَى المرشدي الْعمريّ الْحَنَفِيّ شهَاب الْفضل الثاقب الشهير الماثر والمناقب من سَطَعَ فِي سَمَاء الْأَدَب نوره وتفتق فِي رياضه زهره ونوره فامتد البلاغة بَاعه وشق على من رام أَن يشق غباره اتِّبَاعه لَا تلين قناة فَضله لغامز وَلَا يلمز اْدبه المبرأ من الْعَيْب لامز
كَانَ تولى الْقَضَاء بِمَكَّة المشرفة فنال بِهِ مَا أمله مِمَّا طمح بَصَره إِلَيْهِ واستشرفه
وَلما حصل أَخُوهُ فِي قَبْضَة الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب وَمنى مِنْهُ بذلك الفادح الَّذِي قهر بِهِ وَغلب حصل هُوَ أَيْضا فِي قَبْضَة الْقَبْض والأسر وَأَرْدَفَ مَعَه على ذَلِك الأدهم بالقسر حَتَّى جرع أَخُوهُ بذلك الكاس وأنعم عَلَيْهِ بالخلاص بعد الياس
فرَاش الدَّهْر حَاله وَأعَاد مِنْهَا مَا غَيره وأحاله
وَلم يزل فارغ البال من شواغل البلبال إِلَى أَن انْقَضتْ أَيَّامه ووافاه حمامه
فَكَانَت وَفَاته لخمس خلون من ذِي الْحجَّة الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة
وَاتفقَ تَارِيخ وَفَاته صدر الْبَيْت الْمَشْهُور
(من شَاءَ بعْدك فليمت ... ... ... .)
وَله نظم بديع ونثر يفوق أزهار الرّبيع
وَمن نظمه القصيدة الدالية أمتدح فِيهَا شرِيف مَكَّة الشريف مَسْعُود بن حسن مطْلعهَا من // (الْبَسِيط) //
(عوجا قَلِيلا كَذَا عَن أيمنِ الواديِ ... واستوقفا العيس لَا يَحْدُو بهَا الْحَادِي)
مِنْهَا قَوْله
(راًسُ الملوكِ يَمِين الملكِ ساعده ... زَنْدُ الْمَعَالِي جَبِينُ الجَحْفَلِ البادي)
وَمِنْهَا
(وصان وَسْمك فِي حاش مُخَالطَة ... عَنْ رب غَزْو تنضاه بأحشاد)
وَهِي فصيحة بليغة تقدم ذكرهَا
وَله قصيدة فِي السَّيِّد شهوان بن مَسْعُود مطْلعهَا من // (الْبَسِيط) //
(فيروزَجٌ أم وسامُ الغادةِ الرودِ ... يَبْدُو على سِلْك در فِيهِ منضودِ وَمِنْهَا قَوْله فِي المخلص
(صهباءُ تفعلُ فِي الألبابِ سَوْرَتها ... فعلَ السخاءِ بشهوان بْنِ مسعودِ)
وَله مَا كتبه على شَدَّاد مطيّة الشريف زيد بن محسن رحمهمَا الله تَعَالَى وَهُوَ قَوْله من // (مجزوء الْكَامِل) //
(أفقُ الشدادِ بدَت بِهِ ... شَمسُ الخلافةِ والهلالْ)
(ومِنَ العجائِب جمعُهُ ... لَيْثَ الشرافةِ والغزالْ)
\ وَله غير ذَلِك من غير ذَلِك رَحمَه الله تَعَالَى
ثمَّ دخل سنة تسع وَأَرْبَعين بعد الْألف فِي أَثْنَائِهَا أقبل من الديار الرومية بشير أغا الحبشي الطواشي مَعَه أوَامِر بِمُطلق التَّصَرُّف وخطوط سلطانية بِمَا يُرِيد من التعرف والتحرف فَلَمَّا بلغ الينبع ورد إِلَيْهِ الْخَبَر بوفاة السُّلْطَان مُرَاد بن أَحْمد خَان سُلْطَان الزَّمَان ففاح الْخَبَر بينبع ثمَّ كتمه ليتم لَهُ تَنْفِيذ مَا أَرَادَ وَقد كَانَ مَوْلَانَا الشريف زيد هيأ وَاخْتَارَ لبشير أغا عدَّة أَمَاكِن فِي الْمدَارِس والبيوت وَأمر بفرشها وَكَانَ من نِيَّته مواجهته إِلَى مر وَأرْسل بعض خُدَّامه غلى يَنْبع ليرى مَا مَعَ بشير من الْخَيل والرحل وَالنَّاس فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا سمع هَذَا الْخَبَر وتحققه فَرجع مسرعاً مجداً بِهِ إِلَى مَوْلَانَا الشريف زيد فَلَمَّا تحقق مَوْلَانَا الشريف صِحَة ذَلِك مر بتحويل الْفرش الَّتِي فِي تِلْكَ الْأَمَاكِن وغلق بَعْضهَا فَلَمَّا قَارب بشير مَكَّة خرج إِلَيْهِ مَوْلَانَا الشريف ولاقاه فِي الجوخي مَحل ملاقاة أُمَرَاء الْحَج إِذا وصلوا فَلَمَّا أَن لاقاه وقابله وَفِي بَال بشير أَن الْخَبَر لم يبلغهُ وَأَن يتم لَهُ مَا أَرَادَ من تَنْفِيذ مَا شَاءَ على غشاش وغفلة ثمَّ بعد ذَلِك لَا يضرّهُ ظُهُور الْخَبَر فَلَمَّا تدانيا همز مَوْلَانَا الشريف زيد رَحمَه الله تَعَالَى فرسه مقدما على بشير مناكباً لَهُ قَائِلا الله رحمت أيله سُلْطَان مُرَاد وَمسح على عَيْنَيْهِ بالمنديل باكياً أَو متباكياً فسُقط فِي يَد بشير وَدخل كالأسير
وَهَذَا من جملَة سعودات الشريف ذِي الْقدر المنيف
وَكَانَ مَوْلَانَا الشريف ﵀ قد رأى فِي الْمَنَام كَأَن شخصا ينشده هَذَا الْبَيْت من // (الطَّوِيل) //
(كَأَن لم يكُنْ أمرٌ وَإِن كانَ كَائِن ... لكانَ بِهِ أمرٌ نفى ذَلِك الأَمْرُ)
فانتبه ﵀ وَكتبه بِالسِّوَاكِ على رمل فِي صحن نُحَاس خشيَة النسْيَان وَكَانَت هَذِه الرُّؤْيَا فِي اللَّيْلَة الَّتِي أَسْفر صباحها عَن وُرُود هَذَا الْخَبَر
وَاسْتمرّ بشير إِلَى آخر السّنة وَحج وَتوجه صُحْبَة الْحَاج حَيْثُ جَاءَ. فَمن اللطاف الْخفية لمولانا بِمَا أَوْلَاده وَكم وَكفى بِاللَّه
وَقد نظم السَّيِّد مُحَمَّد انسي المغربي قصيدة يمدح بهَا مَوْلَانَا الشريف زيد ﵀ ذكر فِيهَا قصَّة بشير وَأورد فِيهَا الْبَيْت الْمَذْكُور وَهِي هَذِه من // (الطَّوِيل) //
(سلو آل نُعمٍ بَعدنَا أَيهَا السفرُ ... أعندهُمُ عِلم بِمَا صَنَعَ الدهْرُ)
(تصدى لشتِّ الشملِ بيني وَبَينهَا ... فمنزلي البَطْحا ومنزلُها القَصْرُ)
(رَآنِي ونعمى لاهيَينِ فغالَنا ... فَشلت يدُ الدهرِ الخئُونِ وَلَا عُذرُ)
(فوَاللَّه مَا مكر الْعَدو كمكرِهِ ... وَلَكِن مكراً صاغه فَهُوَ المكْرُ)
(فقولاً لأحداثِ اللَّيَالِي تمهلي ... ويأيهذا الدهْرُ موعدُكَ الحشرُ)
(سَلام على ذاكَ الزمانِ وطيبهِ ... وعيشٍ مضَى فِيهِ وَمَا نبَتَ الشعْرُ)
(وتلكَ الرياضُ الباسماتُ كَأَن فِي ... عواتقها من سندسٍ حُلل خُضرُ)
(تنضَّد فِيهَا الأقحوانُ ونَرْجِس ... كأعْيُنِ نُعم إِذْ يقابلها الثغْرُ)
(كَأَن غُصُونَ الوردِ قُضبُ زبرجدِ ... تخالُ من الياقوتِ أَعْلَامه الحمْر)
(إِذا خَطَرَت فِي الروضِ نُعم عَشِيَّة ... تَفاًوَحَ من فضلاتِ أردانها العطرُ)
(وَإِن سحبَت أذيالها خِلتَ حَيَّة ... إِلَى الماءِ تسعَى مَا لأخمصِها إثرُ)
(كساها الجمالُ اليوسفي ملابساً ... فأهوَنُ ملبوس لَهَا التيهُ والكِبْرُ)
(فكم تخجلُ الأغصانُ مِنْهَا إِذا انثنَت ... وتُغضي حَيَاء من لواحظها البترُ)
(لَهَا طرة تكسو الظلامَ دياجياً ... على غرَّةٍ إِن أسفرَتْ طَلَعَ الفَجْرُ)
(وصحنان خد أشرقا فَكَأَنَّمَا ... مصابيحُ رهبانٍ أضاءَ بهَا الدَّيْرُ)
(وجيدٍ من البِلورِ أبيضَ ناعمٍ ... كعنق غزال قد تكنفها الذعر)
(ونحرٍ يقولُ الدرُ إِن بِهِ غِنىً ... عَن الحلى لَكِن مِثْقَال فند بِهِ الصَّبْر)
(وحقان من كالكافورتَينِ علاهما ... من الند مِثْقَال فند بِهِ الصبرُ)
(رويدَكَ يَا كافورُ إِن قُلُوبنَا ... ضعافٌ وَمَا كُل الْبِلَاد هِيَ المِصرُ)
(تبدى بقدٍّ باسقاً متأوداً ... على نقو من رمل يطوف بِهِ نهرُ)
(يكادُ يقدُّ الخصْر منْ هَيَفٍ بِهِ ... روادفها لَوْلَا الثقافَةُ والهَصْرُ)
(لَهَا بَشَرٌ مثلُ الحريرِ ومنطق ... رخيمُ الحواشِي لَا هراءٌ وَلَا نَزْرُ)
(رأتني سقيماً ناحلاً والهاً بهَا ... فَأَذنت لَهَا عوذ أناملها العَشرُ)
(إِذا كنتَ مطبوباً فَلَا زلْتَ هَكَذَا ... وانْ كنت مسحوراً فَلَا برِئ السحرُ)
(فقلتُ لَهَا وَالله يَا ابنَةَ مالكِ ... لما شفني إِلَّا القطيعةُ والهَجْرُ)
(رَمَتنى العيونُ البابلياتُ أسهماً ... فأقصدني مِنْهَا سهامُكُمُ الحمْرُ)
(فقالتْ وألقَت فِي الحشا من كَلَامهَا ... تأجج نَار أنتَ من ملكنا حُرُ)
(فوَاللَّه مَا أنسَى وَقد بكرَت لنا ... بإبريقها تسعَى بِهِ القينةُ البكرُ)
(تدورُ بكاساتِ العُقارِ كأنجُمٍ ... إِذا طلعَتْ من بُرجها أَفَلَ البدرُ)
(نداماىَ نُعمٌ والربابُ وزينبْ ... ثلاثُ شخوصٍ بَيْننَا النظمُ والنثرُ)
(على الناىِ والعودِ الرخيمِ وقهوةٍ ... يذكِّرها دنيا بأقدامنا الْعَصْر)
(فتقتص من ألبابنا ورءوسنا ... فَلم ندر هَل ذَاك النعاس أم السكر)
(مُعتقة من عهدِ عادِ وجرهمٍ ... ومودعها الأدنان لقمانُ والنسْرُ)
(مشعشعةً صفراً كَأَن حبابَها ... على فُرُشٍ مِنْ عسجدٍ نثر الدرُ)
(إِذا فرغَت من كأسِ نعم وأختِها ... تشابه من ثغريهما الرِّيق وَالْخمر)
(خلا أَن ريق الثغر أشفى لمهجتي ... إِذا ذاقه قلبِي الشجِي خَمَدَ الجمرُ)
(وأنفَعُ درياقٍ لمن قَتَلَ الهوَى ... فماتَ ارتشاف الثغر إِن سمح الثغر)
(بِهَذَا عرفنَا الفَرقَ مَا بَين كأسِها ... وَبَين مُدامِ الظلمِ إِن أشكَلَ الأمرُ)
(فوَاللَّه مَا أسلو هَواهَا على النوَى ... بلَى إِن سلا بذل النوَى الْملك القسرُ)
(أَبُو حسنٍ زيدُ المحاسن والعُلَا ... لَهُ دونَ أملاكِ الورَى المجدُ والفخرُ)
(إِذا مَا مشَى بَين الصفوفِ تزلزلَت ... لهيبته الْأَقْيَال والعسكر المجر)
(وترجف ذَات الصدع خوفًا لبأسِهِ ... فتندك أطوادُ الممالِكِ والقفْرُ)
(فَلَو قَالَ الْبَحْر المحيطِ ائتِ طَائِعا ... أَتَاهُ بإذنِ الله فِي السَّاعَة البحْرُ)
(تظل ملوكُ الأرضِ خاشعةَ لَهُ ... وَمَا خشعَتْ إِلَّا وَفِي نَفْسها أمْرُ)
(كريم مَتى تنزلْ بأعتابِ دارِهِ ... تَجِد ملكا يزهو بِهِ النهْيُ والأمْرُ)
(تجدْ ملكا يُغني الوفودَ وينجز الوعود ... وَأدنى بذله الدهم والشقرُ)
(على جودِهِ من وجهِهِ ولسانِهِ ... دليلانِ للوفدِ البشاشةُ والبِشْرُ)
(فَمَا أحنفٌ حلماً وَمَا حَاتِم ندى ... وَمَا عنتر يَوْم الحقيقةِ أَو عَمْرُو)
(هُوَ الملكُ الضحاكُ يومَ نزاله ... إِذا مَا الجَبانُ الْوَجْه قطبه الكرُ)
(لقد قرَ طرف الملكِ مِنْهُ لِأَنَّهُ ... لَدَيْهِ النوال الحلو وَالْغَضَب المر)
(حَيَاة وَمر للموالي وللعدَى ... لقد جمعا فِي كَفهِ الجبْرُ والكسْرُ)
(أنِخ عِنْده يَا طالبَ الرزقِ إِن مَا ... حواه أنوشِرواًن فِي عينه نَزرُ)
(وَلَا تُصغِ للعذالِ أذنا وَإِن وَفَوْا ... بإحسانهم مِنْهُ فَمَا العَبْدُ والحرُ)
(وَهل يَسْتَوِي عَذبٌ فراتٌ مروّقٌ ... وملحٌ أجاجٌ لَا وَلَا التبْنُ والتبرُ)
(فَلَو سَمِعت أذن العداة بمجده ... مزاياه لَا ستحيت ولكنْ بهَا وقْرُ)
(فَمَا قَدَرُوا زيدَ الْعلَا حق قدره ... وماذا عليهِم يَا تُرَى لَهُم الخسْرُ)
(مليكٌ إِلَيْهِ الانتهاءُ فقيصرٌ ... يقصرُ عَنهُ بل وكسرى بِهِ كَسْرُ)
(مليكٌ لَهُ عندَ الإلهِ مكانةٌ ... تبوأها من قبلِهِ الياسُ والخِضْرُ)
(مليك لَهُ سرٌ خفيٌّ كَأَنَّمَا ... يناجيه فِي الغيبِ ابنُ دَاوُد والجفر)
(فَإِن كذبَتْ أعداءُ زيد فحسبُهُ ... من الشاهدِ المقبولِ قصتُهُ البكرُ)
(ليَالِي إِن جَاءَ الخَصِيُُّ وَأَكْثرُوا ... أقاويلَ غيٍّ ضاقَ ذرعاً بهَا الصدرُ)
(فأيقظَهُ من نومِهِ بعد هجعةٍ ... من الليلِ بيْتٌ زَاد فخراً بِهِ الشعرُ)
(كَأَن لم يكُن أَمر وَإِن كانَ كَائِن ... لكانَ بِهِ أمرٌ نفى ذَلِك الأمرُ)
(وَفِي طيِّ هَذَا عبرةٌ لأولى النهَى ... وذكرَى لمن كانَتْ لَهُ فطنةٌ تَعرُو)
(فيا زيدُ قل للحاسدِينَ تحنَّطوا ... بغيظِكُمُ إِن لم يطع \ يعكم الصبرُ)
(فمجدي كَمَا قد تعلمونَ مؤثل ... وكل حَماًمِ الْبر يفرسه الصقْرُ)
(من القومِ أربابِ المكارمِ والعلا ... ميامينُ فِي أيديهِمُ اليُسرُ والعُسرُ)
(مساميحُ فِي اللأوا مصابيحُ فِي الوغَى ... تصالح فِي مغناهم الخيْرُ وَالشَّر)
(أسنتهُم فِي كُل شرقٍ ومغربٍ ... إِذا وردَت زرق وَإِن صدرَتْ حُمرُ)
(مساعيرُ حَرْب والقنا متشاجر ... وَيَوْم الندَى تبدو جحاجحة غُرُ)
(بني حسنِ لَا أبعدَ الله دارَكُم ... وَلَا زالَ منهلاً بأرجائِها القطرُ)
(وَلَا زالَ صدْرُ الملكِ منشرحاً بكُم ... فعنكُم ولاةَ البيتِ ينشرحُ الصدرُ)
(وصَلى على المختارِ والآلِ ربُّنا ... وسَلمَ مَا لاحَ السماكان والغفرُ)
وَفِي سنة خمسين وَألف يَوْم الْأَرْبَعَاء ثامن عشر جُمَادَى الأولى توفّي الشَّيْخ تَاج الدّين زَكَرِيَّا بن سُلْطَان النقشبندي بِمَكَّة وَدفن صبح الْخَمِيس فِي رباطه الشهبر برباط تَاج فِي سفح جبل قعقيعان وَله تَرْجَمَة طَوِيلَة
أَخذ عَنهُ الشَّيْخ الأمجد أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن عَلان وَشَيخنَا الشَّيْخ عبد الله وَأَخُوهُ الشَّيْخ مُحَمَّد ابْنا الشَّيْخ سعيد باقشير
وفيهَا توفّي الْجمال مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَكِيم الْملك بالديار الْهِنْدِيَّة
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف لَيْلَة الْخَمِيس ثَانِي عشر صفر مِنْهَا توفّي الشَّيْخ فتح الله النّحاس الْحلَبِي الشَّاعِر الْمجِيد والأديب الفريد الَّذِي شاع ذكره وشعره وذاع وَجمع بَين الْإِسْرَاع والإبداع
كَانَ من فحول الشُّعَرَاء فِي عصره وفريد النثر وَالنّظم فِي دهره
ورزق حظوة عِنْد أَهله وقبولا يعْهَد مثله لمثله لكنه كَانَ ذَا تعاظم فِي نَفسه وتكبر على جنسه وَلم يسعفه دهره كعادته فِي الأدباء فَأَدْرَكته حِرْفَة الْأَدَب وناداه لِسَان حَاله لَا تعجب فَإِنِّي أَبُو الْعجب
مولده بحلب فِي حُدُود الْألف وَصَحب الْمَشَايِخ الْكِبَار وَحج وزار
وَأقَام بِالْمَدِينَةِ على مشرفها الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى أَن أدْركهُ بهَا الْحمام فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور وَدفن بِالبَقِيعِ
وَقد عَنى بِجمع مَا تيَسّر من شعره مَوْلَانَا الْعَلامَة الفهامة برهَان الدّين الشَّيْخ إِبْرَاهِيم ابْن المرحوم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن الخياري الْمدنِي فَجَمعه فِي ديوَان لطيف وَمن بديع شعره قَوْله مادحاً النَّبِي
من // (الْبَسِيط) //
(وتذكر السفحَ فانهلتْ سوافحه ... وليسَ يخفاكَ مَا تُخفي جوانحُهُ)
وَفِي هَذِه القصيدة بَيت يجفل مِنْهُ الطَّبْع الذكي وَيَوَد أَن يكون عِنْد فهمه بليداً أَي بليد وَإِن كَانَ هُوَ عِنْد أدباء الْعَصْر بَيت القصيد وَهُوَ قَوْله من // (الْبَسِيط) //
(وَمَا أقولُ إِذا مَا جئتُ أمدحُ من ... جبريلُ خادمُهُ وَالله مادحُه)
وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين وَألف أنشأ مَوْلَانَا الشريف زيد بن محسن سَبِيلا وحنفية بِمَكَّة المشرفة
فَقَالَ مَوْلَانَا القَاضِي تَاج الدّين مؤرخاً لعمارتهما من // (السَّرِيع) //
(لله تأسيس نما خيرُهُ ... وفازَ بالتطهيرِ مَنْ أَمَّ لَهْ)
(بِهِ سَبِيل وحنفية ... وسلسبيلْ فارتشفْ سلسلَهْ)
(لَهُ نبا فِي الفيضِ مهما روى ... حَدِيثه أورى بِمَا سلسلَهْ)
(سالَت عطاياه لُجيناً فمَنْ ... رامَ نداه نالَ مَا أمَّلَهْ)
(وحيثُ لم تكتفِ سُؤاله ... فَلَا يكف الْبَذْل إِذْ أرسَلَهْ)
(لِأَن من أسَّسَ بنيانَهُ ... غيثُ الورى فِي السنةِ الممحله)
(مَن نفسُهُ يومَ عطاه ترَى ... إِن وهب الدُّنْيَا فقد قَلَّ لهْ)
(توَّجَهُ الله بتاجِ زها ... بجوهرِ المجدِ الَّذِي كَلَلَهْ)
(وَالله من وافرِ إحسانِهِ ... أجرَى لَهُ الأجْرَ الَّذِي أجزَله)
(فإنْ تسل عَن ضبطِ تاريخِهِ ... فخذْ جَوَابا يوضحُ المسألَهْ)
(أسَّسَه سلطانُ أم القُرَى ... زيد يدومُ الْعِزّ والسعد لَهْ)
وَلما كَانَ أَوَائِل سنة سبع وَخمسين طلع الصنجق الْكَبِير صَاحب جدة الْمُسَمّى مصطفى بك غلى وَادي الطَّائِف المأنوس لزيارة الحبر سيدنَا عبد الله بن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا وطلع بعده الأغا المكرم بشير أغا غُلَام المرحوم مَوْلَانَا السُّلْطَان مُرَاد خَان بن أَحْمد خَان وَهَذَا من مَجِيئه الثَّانِي سنة سِتّ وَخمسين بعد الْألف مُتَوَلِّيًا مشيخة الْحرم النَّبَوِيّ فَأَقَامَ مَا شَاءَ الله أَن يُقيم ثمَّ لما أَن كَانَ نازلاً إِلَى مَكَّة طالعاً فِي الْمحل الْمَعْرُوف بالنقب الْأَحْمَر وَجه جبل كِرَاء مِمَّا يَلِي الطَّائِف وَقد تَفَرَّقت عساكره خلفا وأماماً وَلم يبْق مَعَه سوى السائس وحامل كوز المَاء اعْتَرَضَهُ رجل عَرَبِيّ كَانَ يتعهده بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ يُقَال لَهُ الْجَعْفَرِي فَضَربهُ وَهُوَ متجرد للْإِحْرَام
стр. 2096
بسكين الْعَرَب أنفذها إِلَى أحشائه وَذهب وَلم يدر مَحَله قيل إِن السائس أَرَادَ ضرب الْقَاتِل فَوَقع السَّيْف فِي مُؤخر الحصان فقمص فَسقط عَنهُ الصنجق فلاحقت العساكر فَلم يلبث إِلَّا نَحْو ساعتين وَتُوفِّي شَهِيدا إِلَى رَحْمَة الله وَكَانَ قَتله يَوْم التَّاسِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْأُخْرَى من السّنة الْمَذْكُورَة وَدخل بِهِ مَكَّة فِي التخت قَتِيلا غرَّة رَجَب مِنْهَا فَجهز وَدفن فى المعلاة أَمَام قبَّة السيدة خَدِيجَة زوج النبى
وَكَانَ مَوْلَانَا الشريف رَحمَه الله تَعَالَى سنتها قد توجه إِلَى جِهَة الشرق فأبعد حَتَّى وصل قَرِيبا من الخرج وَكَانَ الْقَائِم مقَامه لحفظ مَكَّة مَوْلَانَا السَّيِّد إِبْرَاهِيم ابْن الشريف مُحَمَّد ابْن الشريف عبد الله بن حسن فاستدنى السَّيِّد إِبْرَاهِيم غَالب عَسْكَر الصنجق وأنزلهم فِي مَحل يسعهم بأجياد وأجرى عَلَيْهِم الجوامك والأرزاق وَأمر السَّيِّد الْمَذْكُور كيخية الْعَسْكَر دلاور أغا بالنزول إِلَى جدة لحفظ البندر فَامْتنعَ أَشد الِامْتِنَاع ثمَّ لما كَانَ بعد لَيَال عديدة نزل بعد هزيع من اللَّيْل قَاصِدا جدة خلسة فشعر بِهِ السَّيِّد إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور وأرصد لَهُ جمَاعَة فأمسكوه وَأتوا بِهِ فحبسه ثمَّ اختلس بعض الْعَسْكَر نَفسه وَذهب إِلَى بشير أغا بشير أغا بِالطَّائِف وَأخْبرهُ بِمَا وَقع فَأقبل بشير إِلَى مَكَّة وَنزل بمدرسة الأغا بهْرَام بالمسعى فتردد السَّيِّد إِبْرَاهِيم فِي الْوُصُول إِلَيْهِ وَعَدَمه لاخْتِلَاف المشير ثمَّ جزم وعزم إِلَيْهِ فَتَلقاهُ بِمَا هُوَ الْوَاجِب ثمَّ قَالَ لَهُ لما اسْتَقر الْمجْلس لِمَ حبستم دلاور آغا فَقَالَ السَّيِّد إِبْرَاهِيم حبسناه خشيَة من إضراره وإفساده فإننا قد ألزمناه مرَارًا بالنزول إِلَى جدة فَامْتنعَ فارتينا بنزوله خُفْيَة فَقَالَ بشير أطلقهُ فَقَالَ لَا أطلقهُ حَتَّى يصل مَوْلَانَا الشريف زيد ثمَّ قَامَ السَّيِّد إِبْرَاهِيم فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي نزل بشير أغا إِلَى الأفندي واستدعوا مَوْلَانَا السَّيِّد إِبْرَاهِيم فَحكم عَلَيْهِ الأفندي بِإِطْلَاقِهِ فَأَطْلقهُ ثمَّ بعد يَوْمَيْنِ أَو ثَلَاثَة عزم السَّيِّد إِبْرَاهِيم والقائد رشيد حَاكم مَكَّة إِلَى نَحْو بركَة الماجن للتنزه فاستجر بشير أغا الْعَسْكَر وَوَعدهمْ فحملوا أثقالهم وأدخلوها من بَاب الْمَسْجِد وَخَرجُوا بهَا من بَاب ابْن عَتيق ثمَّ خَرجُوا بعد الْعَصْر حازبين مارين على دَار السَّعَادَة ثمَّ على السُّوق ثمَّ على سويقة إِلَى أَن وصلوا بَيت بشير أغا وَكَانَ نازلا
стр. 2097
بالباسطية فوصل الْخَبَر للسَّيِّد إِبْرَاهِيم فوصل إِلَى الْبَلَد وَقَالَ لبشير آغا مَا هَذَا الْفِعْل فَقَالَ بشير فِي جَوَابه نعم عَسْكَر السُّلْطَان لَهُم فِي التربية سِنِين تأخذهم فِي خَمْسَة أَيَّام وَكَانَ فِي عَسْكَرهمْ شخص اسْمه جاووش كثير الْفساد وَشرب الْخمر والتعدي فَأمر السَّيِّد إِبْرَاهِيم بقتْله أَيْنَمَا وجد فَوجدَ سَكرَان على الطَّرِيق فتناوله عَسْكَر الشريف فقطعوه فثارت الْفِتْنَة وترامى العسكران بالرصاص وَقتل شخص من النَّاس خلف مقَام الْمَالِكِي وَقتل كخية بشير أغا وَلم يزل مطروحاً عِنْد بَاب ابْن عَتيق إِلَى اللَّيْل من دَاخل الْمَسْجِد حَتَّى رَفعه بعض أهل الْخَيْر ثمَّ سعى القَاضِي أَحْمد كرباش وَغَيره بِالصُّلْحِ والمكافة وَألا يصل إِلَيْنَا مِنْكُم أحد وَنحن كَذَلِك مَا عدا ثَلَاثَة أشخاص مُعينين من جمَاعَة بشير لقَضَاء حَوَائِجه من السُّوق وسكنت الْفِتْنَة وَذكر لي من أدْرك ذَلِك أَن مَوْلَانَا الشريف زيدا رَحمَه الله تَعَالَى اسْتحْسنَ جَمِيع مَا فعله السَّيِّد إِبْرَاهِيم مَا عدا قَتله للجاووش فَإِنَّهُ لامه عَلَيْهِ فرحم الله الجيمع برحمته الواسعة وَاتفقَ فِي مُدَّة وُقُوع الشنآن بَين بشير أغا وَالسَّيِّد إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد أَن قَرَأَ فِي صَلَاة الْمغرب بعض أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة بِسُورَة الْفِيل ثمَّ قَرَأَ فِي صَلَاة الصُّبْح سُورَة وَالْفَجْر وَكَانَ بشير يحضر صَلَاة الْجَمَاعَة فَلَمَّا فرغ من صَلَاة الصُّبْح قَالَ لرجل من أهل مَكَّة كَانَ يألفه انْظُر أهل مَكَّة يرجمونا بِالْقُرْآنِ لموجب قِرَاءَة الإِمَام الْمَذْكُور فِي الْمغرب بِسُورَة الْفِيل فَإِن فِيهَا ذكر أَصْحَاب الْفِيل ﴿وَأرْسل عَلَيْهِم طيرا أَبابيل﴾ الْفِيل ٣ إِلَى آخر السُّورَة وَفِي الصُّبْح بِسُورَة الْفجْر وفيهَا ذكر عَاد ﴿اَلذَينَ طَغَوا فى الْبَلَد فأكَثَرُوا فِيها اَلفَسادَ فَصَب عَلَيْهِم رَبُكَ سَوط عذابٍ﴾ الْفجْر (١١: ١٣) الْآيَات فَبلغ قَوْله الإِمَام الْمَذْكُور وَهُوَ لم يخْطر لَهُ شئ من ذَلِك ببال وَلَا علِق مِنْهُ بحبال فارتاع لذَلِك وارتاب ولبث الْبَيْت وزرر الْبَاب وَمكث على ذَلِك أَيَّامًا وَتمنى أَن لم يكن إِمَامًا وَهُوَ اتِّفَاق فِيهِ إِيهَام لَكِنَّهَا رمية من غير رام لطف الله بِنَا وَبِه ثمَّ عزم مَوْلَانَا الشريف ﵀ فِي عَام تسع وَخمسين إِلَى زِيَارَة جده
فَكَانَ دُخُوله يَوْم الْخَمِيس ثامن شهر شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة فَنزل بالقاضية خَارج
стр. 2098
السُّور ثمَّ فِي فجر الْيَوْم الْعَاشِر من الشَّهْر الْمَذْكُور نزل الأفندي زفر قَاضِي الْمَدِينَة الشَّرِيفَة رَاكِبًا وَمَعَهُ ثَلَاثَة من الخدم فَلَمَّا كَانَ عِنْد الدفتردارية وثب عَلَيْهِ شخص فَضَربهُ بِالْحَدِّ فى ظَهره أنفدها من صَدره فأكب على قربوس الْفرس وَلم تزل دَاخِلَة بِهِ إِلَى محراب السَّيِّد عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ وَإِمَام الشَّافِعِيَّة قَائِم يُصَلِّي الْفجْر فَقَامَ بعض النَّاس إِلَيْهِ وأنزلوه بآخر رَمق وَهُوَ يَقُول يَا رَسُول الله يَا رَسُول الله وَوضع أَمَام الْوَجْه الشريف وَبعد لَحْظَة قضى عَلَيْهِ فحشدت عَسَاكِر الْمَدِينَة وَاجْتمعت وأغلقت أَبْوَاب سور الْمَدِينَة وَتَفَرَّقَتْ فِي متارسه ووجهوا المدافع إِلَى جِهَة مَوْلَانَا الشريف زيد وَنَادَوْا اخْرُج عَنَّا الْآن وبدا مِنْهُم مَا هُوَ وَصفهم فَبعث إِلَيْهِم الشريف أكَابِر جماعته وأكابر عَسْكَر مصر فَحَلَفُوا لَهُم بِأَن لَا علم للشريف بذلك وَلَا شُعُور ولوَّموهم على ذَلِك خطابا من تَحت السُّور فتراجعوا وَفتح بَاب السُّور فَفِي الْيَوْم الثَّانِي استدعي وُجُوههم لينْظر فِي حَال قتلة الأفندي ويبحث عَنْهُم فَأتوا إِلَيْهِ فَلم يزل يمسكهم وَاحِدًا وَاحِدًا وحبسهم مديدة ثمَّ وَقعت فِي بَعضهم شَفَاعَة ففك وَذهب بالباقين وهم نَحْو تِسْعَة أنفس فَأمر بإبقائهم فى يَنْبع فاستمروا إِلَى مجئ الْحَاج فاستشفعوا بأمير الْحَاج فَأتى بهم مستشفعاً فيهم فشفعه مَوْلَانَا الشريف ثمَّ لما نزل بعد الْحَج الصنجق غيطاس أَمِير جدة من مَكَّة إِلَى جدة مغاضباً لمولانا الشريف زيد نزلُوا مَعَه وَكَتَبُوا أنفسهم فِي دفتر عسكره وَسبب غَضَبه النَّاشِئ عَنهُ الْحِرَابَة الْآتِي ذكرهَا فِي سنة سِتِّينَ وَألف أُمُور مِنْهَا أَنه ورد إِلَى مَكَّة بعض تجار من الصعايدة وشخص أعجمي يُسمى أَسد خَان جَاءُوا من جِهَة الْيمن بِتِجَارَة ونزلوا من الْبَحْر إِلَى بندر القنفدة ووصلوا إِلَى مَكَّة برا وَلم يدخلُوا بندر جدة فَلَمَّا أَن دخلُوا إِلَى مَكَّة وَكَانَ غيطاس بِمَكَّة قد وصل لِلْحَجِّ فاحتال على الصعيدي وحبسه وَكَانَ الصعيدي ملتجئاً إِلَى المرحوم السَّيِّد هَاشم بن عبد الله فَلَزِمَ السَّيِّد عَليّ الشريف زيد فِي إِطْلَاقه فوعده ثمَّ إِنَّه أَخَذته الحمية فَركب إِلَى الشريف ثَانِيًا ثمَّ نزل من عِنْده قَاصِدا لبيت الصنجق غيطاس لفك الرجل فَنَادَى مَوْلَانَا الشريف قَائِما من الروشن ردوا الرجل فَمضى فَلَمَّا أقبل على الْبَيْت لم يُقَابل إِلَّا بِالرجلِ الْمَحْبُوس مُنْطَلقًا فَرجع بِهِ
стр. 2099
٤ - وَقيل إِن حبس غيطاس للصعيدي إِنَّمَا كَانَ بِسَبَب دين عَلَيْهِ شكا فِيهِ على غيطاس وَمِنْهَا مجابذة الشريف زيد لَهُ لما جعل القرش الْحجر بِخَمْسَة وَأَرْبَعين ديواني فِي صرور أهل مَكَّة بِزِيَادَة خَمْسَة على الْأَرْبَعين الْمُعْتَادَة وَمِنْهَا إيحاء أُولَئِكَ النَّفر من عَسْكَر الْمَدِينَة ونسبتهم قتل الأفندي إِلَيْهِ وَمِنْهَا تردد السَّيِّد عبد الْعَزِيز ابْن الشريف إِدْرِيس إِلَيْهِ ومواطأته ووعده إسعافه بِمَا أَبى الله إِلَّا خِلَافه فَقبل أَن يَنْقَضِي الْحَج نزل غيطاس إِلَى جدة وَوصل إِلَيْهِ السَّيِّد عبد الْعَزِيز الْمَذْكُور فوصل الْخَبَر بعد قَلِيل إِلَى مَكَّة بتولية غيطاس للسَّيِّد عبد الْعَزِيز مَكَّة وَنُودِيَ لَهُ بالبلاد وَأقَام حَاكما فِيهَا نَاصِر بن سعيد عَتيق مصطفى السيوري وَظن أَنَّهَا تكون وَأَقْبل غيطاس وَمَعَهُ السَّيِّد الْمَذْكُور بِمن مَعَه وَمن لمَّ عَلَيْهِ من لفق عَسْكَر الْمَدِينَة وَخرج عَلَيْهِ مَوْلَانَا الشريف زيد رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ اللِّقَاء يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشر جُمَادَى الْأُخْرَى من سنة السِّتين وَألف فَوق التَّنْعِيم وَكَانَ فِي الميمنة مُتَقَدما مَوْلَانَا المرحوم السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَارِث بجماعته وَمن يَلِيهِ وَكَانَ فِي الميسرة كَذَلِك مُتَقَدما قَلِيلا مَوْلَانَا المورحوم السَّيِّد مبارك بن شنبر بجماعته وَمن يَلِيهِ ومولانا الشريف زيد بِمن مَعَه فِي الْقلب والصروخ مَلَأت السهل والوعر وتراموا بالرصاص والمدافع وَكلما هم الْأَشْرَاف بالحملة يَقُول لَهُم مَوْلَانَا الشريف مَعكُمْ مَعكُمْ كِنَايَة عَن التلبث والتاني وارتفع النَّهَار وحميت الشَّمْس فركض من الْأَشْرَاف جمَاعَة مِنْهُم السَّيِّد وبير بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَالسَّيِّد بشير ابْن سُلَيْمَان وَالسَّيِّد أَبُو الْقَاسِم فأصيب السَّيِّد زبير بالبندق فَسقط بَين الجمعين وَأُصِيب جمَاعَة من الْجَانِبَيْنِ وَحين اشْتَدَّ الْحَال أَتَى مَوْلَانَا السَّيِّد عبد الْعَزِيز إِلَى جمع السَّيِّد الْمُبَارك بن شنبر دَاخِلا عَلَيْهِ طَالبا للأمان ولغيطاس وَمن مَعَه فعزم بِهِ السَّيِّد مبارك إِلَى مَوْلَانَا الشريف فَأَمنهُ وَوَقع الصُّلْح ونصبت للشريف حيمة فَنزل بهَا يستظل وَسَأَلَ السَّيِّد عبد الْعَزِيز من الشريف من يُوصل غيطاس إِلَى مأمنه لِأَنَّهُ أشْفق من نهبة العربان لَهُ فأصحبه الشريف خمسين شخصا من الْعَسْكَر فَذهب إِلَى جدة
стр. 2100
رَاجعا وَجَاء عَزله فَذهب إِلَى يَنْبع وواجهه الْحَاج بهَا وَمكث إِلَى عود الْحَاج من مَكَّة إِلَيْهَا وَتوجه مَعَهم إِلَى مصر وَتوجه مَعَه السَّيِّد عبد الْعَزِيز ابْن الشريف إِدْرِيس رحم الله الْجَمِيع فاستمر غيطاس بِمصْر سنهَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَجَاء فِي موسمها أَمِير الْمحمل الْمصْرِيّ فَتوهم مِنْهُ مَوْلَانَا الشريف زيد وَلما خرج للخلعة على الْعَادة لم يكن بَينهمَا مناكبة على الْمُعْتَاد بل مد لَهُ الشريف يَده الشَّرِيفَة فصافحه وَمن عامئذ تركت مناكبة شرِيف مَكَّة لأمراء الحجيج وَلم يَقع مِنْهُ شئ من المضار وَللَّه الْحَمد والْمنَّة وَأما مَوْلَانَا السَّيِّد عبد الْعَزِيز فَأَقَامَ بِمصْر نَحْو سنتَيْن ثمَّ جَاءَ خبر وَفَاته فِي السّنة الثَّالِثَة شَهِيدا بالطاعون ﵀ وَفِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ عمرت قبَّة الفراشين فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَقَالَ مَوْلَانَا القَاضِي تَاج الدّين الْمَالِكِي مؤرخاً عمارتها وممتدحاً معمرها // (من الرجز) //
(أُنْظُرْ لحسنِ قبةٍ جدَّدها ... مؤسساً فَخْرُ الملوكِ الأمجدُ)
(وقُلْ إِذا أَرّختَ عَاما كانَ فِي ... أثنائِهِ بناؤُهُ المشيَّدُ)
(عمرها سلطانُنَا محمَّدُ ... ألملكُ السَّامِي العلىُّ الأوحَدُ)
وَإِن أردْت تاريخها بِاعْتِبَار تَمام الْبناء كُله فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ فَقل الْمَالِك بِزِيَادَة الْألف وَلما أَرَادوا الشُّرُوع فِي الْعَمَل حملُوا الْمُؤْنَة على الْحمير وأدخلوها من بَاب البغلة وَيعرف هَذَا الْبَاب قَدِيما بِبَاب بني سُفْيَان بن عبد الْأسد كَذَا قَالَه الْأَزْرَقِيّ وَعرف الفاسي هَذَا الْبَاب بِبَاب البغلة قَالَ وَلم أدر مَا سَبَب هَذِه الشُّهْرَة قَالَ الْعَلامَة الشَّيْخ مُحَمَّد عَليّ بن عَلان لَعَلَّ سَببهَا أَن بغلته
ربطت أَو وقفت ثمه فِي بعض الْأَوْقَات وَالله أعلم وَفِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَألف أصَاب شاهجهان سُلْطَان الديار الْهِنْدِيَّة فالج عطله عَن الْحَرَكَة وَحصل بَين أَوْلَاده حروب كَثِيرَة وَلما أَرَادَ الله بِالْهِنْدِ خيرا وإحساناً وَقدر ظُهُور الْعدْل فيهم كرماً وامتناناً أظهر فِي حافتيها شموس السلطنة بِلَا ريب وأنار فِي سَمَاء سلطنتها أنوار أورنك زيب وطوى بِسَاط إخوانه ومزق وَحرق بِنَار المظلومين لباسهم وخرق وَقتل أَخَاهُ دَارا شكور واقتلعه هُوَ وَأَصْحَابه من ملك الحبور وأسكنهم دارسات الْقُبُور وَكَانَ دَارا شكور ذَا ذوق وفطنة بهية وصفات مستحسنة رضية إِلَّا أَنه فِي آخر عمره صَارَت سيرته ذميمة وأحدث مظالم وخيمة
стр. 2101
وَفِي سنة تسع وَسِتِّينَ يَوْم الْجُمُعَة لعشر بَقينَ من شَوَّال مِنْهَا توفّي مَوْلَانَا السَّيِّد عمار بن بَرَكَات بن جَعْفَر بن أبي نمي فِي الديار الْهِنْدِيَّة رَحمَه الله تَعَالَى وفيهَا أَوَاخِر شهر رَمَضَان توفّي بالقرية الْمُسَمَّاة بالآبار من بَلْدَة الطَّائِف الحميدة الْآثَار وَدفن فِي سوح ضريح الحبر ابْن عَبَّاس طيب الأنفاس مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا الْعَلامَة الْعُمْدَة الصَّدْر الفهامة القَاضِي عِصَام الدّين بن عَليّ زَاده العصامي نتيجة الْفُضَلَاء الْكِرَام وسلالة الْعلمَاء الْأَعْلَام الرَّاوِي حَدِيث الْمجد عَن أسلافه الأماثل وَالْحَاوِي محَاسِن سلسلة آبَائِهِ الْفُضَلَاء الَّتِي لم يفصلها بِحَمْد الله جَاهِل والرافع عماد بَيتهمْ والمجيب منادى صيتهم وصوتهم بَيت فضل لم ينشأ بِهِ إِلَّا قَاض وخطيب فنن فَضله فِي رياض الْمَعَالِي رطيب ولد بِمَكَّة وَنَشَأ بهَا وَأخذ الْعلم عَن وَالِده وَعَن مَوْلَانَا السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم وَعَن ابْن عَمه مَوْلَانَا الشَّيْخ عبد الْملك بن جمال الدّين العصامي وَغَيرهم ولازم الإقراء والتدريس على الدَّوَام فِي الْمَسْجِد الْحَرَام على طَريقَة الْعلمَاء الكاملين وَالْأَئِمَّة الواصلين وَخلف ابْنَيْنِ نجيبين كَامِلين هما مَوْلَانَا القَاضِي عَليّ ومولانا المرحوم القَاضِي مُحَمَّد انْتقل مُحَمَّد بعد سنوات عَن ابْنَيْنِ نجيبين أَيْضا وتصدر مَوْلَانَا القَاضِي على مَكَانَهُ للإقراء والإفادات وَهُوَ كآبائه على طَرِيق خير وَصَلَاح قد أشرق نورهما عَلَى محياه ولاح أَطَالَ الله بَقَاءَهُ للدّين ونفع بِعُلُومِهِ الْمُسلمين آمين وَفِي سنة سبعين حصل غلاء بِمَكَّة وصلت فِيهِ كيلة الْحبّ إِلَى سَبْعَة عشر محلقاً فَأَشَارَ شَيخنَا الْعَلامَة مُحَمَّد البابلي على مَوْلَانَا الشريف زيد بِإِبْطَال التسعير فَأطلق مناديه بذلك وَأَن كل من عِنْده حب أَو مَا يقتات بِهِ يَبِيعهُ بِسعْر الله فأظهر كل من عِنْده الْحبّ وجلب من سَائِر الْبلدَانِ حَتَّى كثر وَرخّص السّعر وَسبب الغلاء كَثْرَة الْجَرَاد بِأَرْض الْحجاز واليمن وأعقبه الدبا فَأكل جَمِيع الْأَشْجَار والزراعات وطبق بعض الأدباء تَارِيخا على قَوْله غلاء وبلاء نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُمَا وَمن كل مخوف
стр. 2102
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين عمرت زَمْزَم وَالْبناء الَّذِي عَلَيْهَا مَا عدا الْجِهَة الْقبلية وأدير بَاب المصعد إِلَى قبتها إِلَى الْجِهَة الجنوبية فأرخ ذَلِك قَاضِي مَكَّة عامئذ وَهُوَ بعض الأروام الْوَاصِل مِنْهُم كل عَام جَدِيد قَاض جَدِيد بِأَبْيَات بالتركية آخرهَا بَيت التَّارِيخ بِالْعَرَبِيَّةِ هُوَ
(قلتُ تاريخُهُ بلفظٍ حَلٍ ... قَدْ بنى الزمزمَ محمَّدُ خَانْ)
وَهِي أَبْيَات دون عشرَة منقورة فِي حجر على بَاب زَمْزَم إِلَى الْآن فسبحان الْحَكِيم وَفِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف يَوْم السبت بعد الظّهْر سَابِع شعْبَان مِنْهَا حصل مطر سَالَ مِنْهُ سيل كَبِير مَلأ الْمَسْجِد وغرق فِيهِ نَحْو سِتَّة أنفس فتصدى مَوْلَانَا الشريف زيد لتنظيفه ونادى فِي النَّاس وَحضر بِنَفسِهِ وَكَذَلِكَ صنجق جدة الْأَمِير سُلَيْمَان بك وَهُوَ يَوْمئِذٍ شيخ الْحرم الْمَكِّيّ وقائم على عمَارَة المقامات وترميم المشاعر وَعمل الْأَشْرَاف وَالْعُلَمَاء والخطباء والمدرسون بِأَيْدِيهِم بعد أَن عمل مَوْلَانَا الشريف زيد بِيَدِهِ وبذل هُوَ والسنجق مَالا جزيلاً وأعمل الهمة فِي ذَلِك فتم تنظيفه من سَائِر جهاته فِي سَبْعَة أَيَّام وَللَّه الْحَمد وَالشُّكْر وَقَالَ صاحبنا المرحوم مَوْلَانَا السَّيِّد أَحْمد ابْن المرحوم مَوْلَانَا السَّيِّد أبي بكر بن سَالم ابْن شَيْخَانِ مؤرخاً دُخُول السَّيْل // (من الْخَفِيف) //
(قهقَهَ الرعدُ عِنْدَمَا ابتسَمَ البَرْقُ ... فأبكَى الغَمَام قَطْر المياهِ)
(وأذابا قلوبَنَا الخوفُ والرعْبُ ... فويلٌ لغافلِ القَلْب ساهِى)
(وأتانا طوفانُ نوحٍ وبالمَوْتِ ... قَطعنَا لَوْلَا جنابُ الإلهِ)
(إِن تقُلْ أَوْضِحُوا فسابعُ شعبانَ ... وسبْت ليومِ سِتّ مُضَاهِى)
(أَو تردْ عَامه المهيلَ فأرِّخْ ... باتَ سيلٌ يطوفُ بالبيْتِ دَاهِى)
وَفِي سنة أَربع وَسبعين وَألف عمرت المقامات الْأَرْبَعَة مقَام الْخَلِيل وَبَاقِي الثَّلَاثَة وطلاء جَمِيع قباب الْمَسْجِد بالنورة ظَاهرا وَبَاطنا ورممت جَمِيع المشاعر بِعَرَفَات مَسْجِد إِبْرَاهِيم وقبة جبل الرَّحْمَة والمشعر بِمُزْدَلِفَة وَمَسْجِد الْخيف بمنى وأعلام الجمرات وحدود الْحرم وَفِي سنة سِتّ وَسبعين خرج مَوْلَانَا الشريف زيد رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى بِلَاد جُهَيْنَة
стр. 2103
لطلب ثأر السَّيِّد مساعد استجره وَالِد مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا المُصَنّف هَذَا الْكتاب برسمه المشرف بلقبه الشريف واسْمه متع الله بحياته مَوْلَانَا المرحوم السَّيِّد غَالب بن مُحَمَّد ولي الدَّم الْأَدْنَى فَتوجه بِجَمِيعِ من مَعَه من السَّادة الْأَشْرَاف وأتباعهم وعساكره وعساكر مصر رُتْبَة مَكَّة إِلَيْهِم وَأقَام ببدر وَتوجه مَوْلَانَا المرحوم السَّيِّد حمود بن عبد الله إِلَى زِيَارَة جده
وَكنت زَائِرًا مَعَه فِي كنف جنابه على خيله وركابه وفيهَا كَانَ وُرُود الأغا عماد أَفَنْدِي الرُّومِي فاتجه بِهِ مَوْلَانَا السَّيِّد حمود فِي الطَّرِيق وَذَلِكَ أَنه لما وصلنا إِلَى الْخيف الْمنزل الْمَعْرُوف وجدنَا مخيمه بهَا فَمَال إِلَيْهِ السَّيِّد حمود مَعَ بعض أَوْلَاده وَبني إخْوَته وَبني عَمه ودخلوا عَلَيْهِ فَقَامَ ساعياً حافياً من بُعد فَكَانَ أول اجتماعه بِهِ هُنَاكَ فَجَلَسَ عِنْده حينا من الزَّمَان ثمَّ خرج وَتوجه للزيارة ثمَّ لما رَجَعَ وجد مَوْلَانَا الشريف زيد مُقيما ببدر فَنزل بمحشوش اسْم مَاء قرب بدر ثمَّ توجها مَعًا إِلَى حرابة جُهَيْنَة وَكَانَ المرحوم السَّيِّد أَبُو الْقَاسِم ابْن السَّيِّد حمود هُوَ الْقَائِم مقَام مَوْلَانَا الشريف زيد بِمَكَّة المشرفة عامئذ وَكَانَت الأمطار قد كثرت بالحجاز فرخصت الأسعار جدا حَتَّى يبع الإردب الْقَمْح بِثَلَاثَة حُرُوف عددي والمن والجبن بمحلقين والألبان واللحوم والخيرات كَثِيرَة وَمثل مَكَّة فِي هَذَا مَا حولهَا من الأقطار وَللَّه الْحَمد وَالشُّكْر ثمَّ دخلت سنة سبع وَسبعين وَألف كَانَ هلالها بالأحد فِي فجر لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثالثه كَانَت وَفَاة سُلْطَان الْحَرَمَيْنِ ونواحيهما والمالىء بعدله وأمنه دانيهما وقاصيهما مَوْلَانَا المرحوم الشريف زيد ابْن الشريف محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن فَصَعدت روحه إِلَى معالم الْعَرْش والكرسي وأفيض عَلَيْهِ من الرضْوَان سابغ الرّوح الْقُدسِي كَانَ ﵀ متخلقاً بالأخلاق المحمدية متصفاً بِالصِّفَاتِ الكمالية كَانَ كثير الْحلم وَالصَّبْر والشفقة على الرّعية بِحَيْثُ يسمع بأذنيه مِنْهُم الأسية وَيَعْفُو ويصفح تأسياً بجده خير الْبَريَّة وَلم يضْبط عَلَيْهِ أَنه قتل شخصا بِغَيْر حق فِي هَذِه الْمدَّة الطَّوِيلَة المرضية وَكَانَ الأقطار والرعية فِي زَمَنه آمِنَة مطمئنة فِي عيشة هنيَّة وَهُوَ حقيق بِأَن يلقب مهْدي الزَّمَان رَحمَه الله تَعَالَى وَأَسْكَنَهُ فسيح الْجنان
стр. 2104
كَانَ وِلَادَته رَحمَه الله تَعَالَى وَأعَاد على الْمُسلمين من بركانه بعد مُضِيّ دَرَجَتَيْنِ من شروق شمس يَوْم الْإِثْنَيْنِ السَّابِع وَالْعِشْرين من شهر شعْبَان الْمُعظم سنة سِتّ عشرَة بعد الْألف ببلدة بيشة من أَعمال الشرق قلت قد أَخْبرنِي مَوْلَانَا الْخَطِيب الْعَلامَة اللبيب تتيجة الْفُضَلَاء وَعين الْأَعْيَان النبلاء برهَان الدّين الْخَطِيب وَالْإِمَام بمسجده ﵊ إِبْرَاهِيم ابْن الْعَلامَة الفهامة وَاحِد عصره بِلَا خلاف ونسيج وَحده كلمة ائتلاف مَوْلَانَا المرحوم الْخَطِيب أَحْمد بن عبد الله الشهير بالبري نقلا عَن وَالِده الْمَذْكُور أَنه حضر فِي مجْلِس مَوْلَانَا المرحوم الشريف زيد بعض متعاطي علم الرمل فَضرب تخته ثمَّ قَالَ لمولانا الشريف زيد ﵀ قد دلّ الرمل الصَّحِيح على أَنه كَانَ وَقت علوق والدتك بنطفتك عِنْد الزَّوَال فِي شهر رَمَضَان فِي عَام خَمْسَة عشر بعد الْألف فاستغرب مَوْلَانَا الشريف ذَلِك لمَكَان شهر الصَّوْم ثمَّ إِنَّه سَأَلَ والدته عَن هَذَا الْمَعْنى فأجابت نعم كَانَ سَيِّدي أَبوك غازياً فِي شهر رَمَضَان لبَعض الْعَرَب فجَاء بعد أَن أدْرك من النَّصْر والنجح الأرب وَكَانَ وُصُوله فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي ذكره هَذَا الرجل فَوَقع عَليّ فأدركت الْحمل بك من حيني هَكَذَا أَخْبرنِي حفظه الله تَعَالَى نقلا عَن وَالِده الْخَطِيب أَحْمد الْبري الْمَذْكُور فعلى هَذَا تكون مُدَّة حمل مَوْلَانَا الشريف زيد زَادَت على تِسْعَة أشهر وَلَا مَانع من ذَلِك فَإِن أقْصَى مُدَّة الْحمل عِنْد السَّادة الْحَنَفِيَّة سنتَانِ وَعند السَّادة الشَّافِعِيَّة أَربع سِنِين وَقد اتّفق مكث الْحمل تِلْكَ الْمدَّة لأشخاص كَثِيرَة وَكَانَت مُدَّة ولَايَته خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة وشهراً وأياماً ﵀ رَحْمَة وَاسِعَة وَغفر لَهُ مغْفرَة جَامِعَة آمين وَلما مَاتَ وَقعت بِمَكَّة رجة عَظِيمَة فِي التَّوْلِيَة على الْمُسلمين وفيمن يقوم مقَامه بَين وَلَده الشريف سعد وَبَين السَّيِّد حمود بن عبد الله وَقَامَ كل من الرجلَيْن أَشد قيام وَجمع الجموع وبذل المَال وتحصنوا فِي الْبيُوت والمنائر وانضم الْأَشْرَاف جَمِيعهم إِلَى السَّيِّد حمود وَلم يبْق مَعَ الشريف سعد إِلَّا السَّيِّد مبارك بن مُحَمَّد الْحَارِث وَالسَّيِّد رَاجِح بن قايتباي وَالسَّيِّد عبد الْمطلب بن مُحَمَّد وَالسَّيِّد مُضر ابْن المرتضى وَالسَّيِّد الْحُسَيْن بن يحيى وَالسَّيِّد فَارس بن بَرَكَات وَالسَّيِّد مُحَمَّد
стр. 2105
ابْن أَحْمد بن عَليّ وَهُوَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمُنَادِي وَكَانَ فِي مَكَّة رجل عَظِيم الشَّأْن قد ورد فِي الْعَام الَّذِي قبل هَذَا الْعَام وَهُوَ عَام سِتّ وَسبعين ورد سنجقا ل جدة وشيخاً لحرم مَكَّة وَهُوَ عماد أَفَنْدِي الْمُتَقَدّم الذّكر أنفًا فَردُّوا الْأَمر إِلَيْهِ وأحضر خلعة عِنْده وَالرسل تسْعَى من الشريف سعد إِلَيْهِ إِلَى الضحوة فاتفق الرَّأْي أَن يُلبسوا الخلعة الشريف سعد فَأَخذهَا من تَحت ركبته شخص من أكَابِر عَسْكَر مصر يُقَال لَهُ المسلماني وَذهب بهَا إِلَى الشريف سعد فلبسها فِي بَيته من غير وعد قلت وَكَانَ مجْلِس عماد أغا فِي الْمَسْجِد فِي دكة عِنْد بَاب رِبَاط الداودية وَقد كنت إِذْ ذَاك وَاقِفًا أنظر فَبعد أَن أخذت الخلعة قيل لَهُ إِن ابْن الشريف زيد مُحَمَّد يحيى هُوَ الْمولى وَقد أَخذ لَهُ وَالِده أمرا سلطانياً بذلك فَقَالَ لمن أَخذ الخلعة قُولُوا للشريف سعد بِشَرْط أَنَّك قَائِم مقَام قَائِم مقَام هَكَذَا سمع أُذُنِي فَبعد أَن ذَهَبُوا بهَا وَمَشوا قَلِيلا دخل الْمَسْجِد من بَاب بني سهم الْمُسَمّى بِبَاب الْعمرَة جمَاعَة من الْأَشْرَاف مِنْهُم مَوْلَانَا السَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الله وَالسَّيِّد مبارك بن الْفضل بن مَسْعُود وَعبد الله بن أَحْمد وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن أَحْمد بن حراز وَغَيره فِي نَحْو ثَمَانِيَة عشرَة أشخاص فوقفوا على عماد وَرَأَوا جمَاعَة للأتراك بيدهم الخلعة قد قاربوا بَاب الْمَسْجِد النَّافِذ إِلَى بَيت الشريف فَقَالَ لَهُم عماد نَحن ألبسنا الشريف سعد بِشَرْط أَنه قَائِم مقَام أَخِيه مُحَمَّد يحيى لِأَنَّهُ هُوَ الْقَائِم بعد أَبِيه المرحوم زيد بِأَمْر سلطاني فَلم يردوا عَلَيْهِ خطابا ثمَّ إِنَّهُم رجعُوا من الْبَاب الَّذِي دخلُوا مِنْهُ ثمَّ إِنِّي أَحْبَبْت الْإِحَاطَة التَّامَّة بالْخبر وَذَهَبت إِلَى منزل مَوْلَانَا السَّيِّد حمود فَإِذا الْخُيُول على الْبَاب وَإِذا الْمجْلس وَالْبركَة غاصان بالسادة الْأَشْرَاف فَلم أستقر فِي الْمجْلس إِلَّا وَالسَّيِّد حمود ﵀ خَارِجا من مَحل الْحَرِيم معتماً عِمَامَة زرقاء عَلَيْهِ صوف عودي فَخرج إِلَى الْبركَة وَجلسَ لَحْظَة خَفِيفَة وَقَامَ عَامِدًا للنزول إِلَى مَوْلَاهُ المرحوم الشريف زيد وغسله ومعاناة تَجْهِيزه وَدَفنه وَمَعَهُ نَحْو ثَلَاثَة أشخاص من بني عَمه لَا أذكرهم الْآن فَلَمَّا كَانَ فِي أثْنَاء الدرج نازلاً إِذا السَّيِّد أَحْمد بن مُحَمَّد الْحَارِث لاقاه طالعاً فمذ
следующие страницы →