← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الْيمن طلساً من الْغُبَار يطوفون بِالْبَيْتِ فِي تِلْكَ الثِّيَاب الطلس فسموا بذلك ذكره مُحَمَّد بن حبيب انْتهى والطلس أَيْضا لقب لجَماعَة من أَعْيَان السّلف لكَوْنهم لَا شعر فِي وُجُوههم مِنْهُم عبد الله بن الزبير الْأَسدي وَشُرَيْح بن الْحَارِث القَاضِي قَاضِي الْكُوفَة فَوق سِتِّينَ سنة وَأما النسىء قَالَ الْعَلامَة التقي الفاسي قَالَ الْأَزْرَقِيّ فِيمَا روينَاهُ عَنهُ بسندنا حَدثنِي جدي قَالَ حَدثنَا سعيد بن سَالم عَن عُثْمَان بن سَاج عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الْكَلْبِيّ فِيمَا رَوَاهُ عَن أبي صَالح مولى أم هانىء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَذكر شَيْئا من خبر الْحلَّة والحمس ثمَّ قَالَ بن إِسْحَاق قَالَ الكبي فَكَانَ أول من أنسأ الشُّهُور من مُضر مَالك بن كنَانَة وَذَلِكَ أَن مَالك بن كنَانَة نكح إِلَى مُعَاوِيَة بن ثَوْر الْكِنْدِيّ وَهُوَ يَوْمئِذٍ فِي كِنْدَة وَكَانَت النسأة قبل ذَلِك فِي كِنْدَة لأَنهم كَانُوا قبل ذَلِك مُلُوك الْعَرَب من ربيعَة وَمُضر فنسأ ثَعْلَبَة بن ملك ثمَّ نسأ بعده الْحَارِث بن ملك بن كنَانَة وَهُوَ القلمس ثمَّ نسأ بعده سَرِير بن القلمس ثمَّ كَانَت النسأة فِي بني فقيم من بني ثَعْلَبَة حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام وَكَانَ آخر من نسأ مِنْهُم أَبُو ثُمَامَة جندة بن عَوْف بن أُميَّة بن عبد فقيم وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي زمن عمر ابْن الْخطاب ﵁ إِلَى الْحجر الْأسود فَلَمَّا رأى النَّاس يزدحمون عَلَيْهِ قَالَ أَيهَا النَّاس أَنا لَهُ جَار فأجيزوا فخفقه عمر بِالدرةِ ثمَّ قَالَ أَيهَا الجلف الجافي قد ذهب عزك بِالْإِسْلَامِ فَكل هَؤُلَاءِ قد نَشأ فِي الْجَاهِلِيَّة انْتهى (ذكر صفة الإنساء) روى الْأَزْرَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن إِسْحَاق عَن الْكَلْبِيّ فِي الْخَبَر الَّذِي فِيهِ مَا سبق ذكره فِي أول من نسأ الشُّهُور قَالَ وَالَّذِي ينسأ لَهُم إِذا أَرَادوا أَلا يحلوا الْمحرم قَامَ بِفنَاء الْكَعْبَة يَوْم الصَّدْر فَقَالَ الَّذِي ينسأ أَيهَا النَّاس لَا تحلوا حرماتكم وعظموا شعائركم فَإِنِّي أجَاب وَلَا أعاب لقَوْل قلته فهنالك يحرمُونَ الْمحرم ذَلِك الْعَام وَكَانَ الْجَاهِلِيَّة يسمون الْمحرم صفر الأول وصفر صفر الآخر وَيَقُولُونَ صفران وشهرا ربيع وجماديان وَرَجَب وَشَعْبَان وَشهر رَمَضَان وشوال وَذُو

стр. 212

الْعقْدَة وَذُو الْحجَّة فَكَانَ ينسأ الإنساء سنة وَيتْرك سنة فيحلوا الشُّهُور الْمُحرمَة ويحرموا الشُّهُور الَّتِي لَيست بمحرمة وَكَانَ ذَلِك من فعل إِبْلِيس لَعنه الله تَعَالَى أَلْقَاهُ على ألسنتهم فرأوه حسنا فَإِذا كَانَت السّنة الَّتِي ينسأ فِيهَا يقوم ويخطب بِفنَاء الْكَعْبَة وَيجمع النَّاس إِلَيْهِ يَوْم الصَّدْر فَيَقُول أَيهَا النَّاس إِنِّي قد أنسأت الْعَام صفر الأول يَعْنِي الْمحرم فيطرحونه من الشُّهُور وَلَا يعتدون بِهِ ويبتدئون الْعدة بعده فَيَقُولُونَ لصفر وَشهر ربيع الأول صفران وَيَقُولُونَ لشهر ربيع الآخر وجمادي الأولى شهرا ربيع وَيَقُولُونَ لجمادي الْأُخْرَى وَرَجَب جماديان وَيَقُولُونَ لشعبان رَجَب ولشهر رَمَضَان شعْبَان وَيَقُولُونَ لشوال شهر رَمَضَان وَلِذِي الْفطْرَة شَوَّال وَلِذِي الْحجَّة ذُو الْقعدَة ولصفر الأول وَهُوَ الْمحرم الشَّهْر الَّذِي أنسأه ذُو الْحجَّة فيحجون تِلْكَ السّنة فِي الْمحرم فَيبْطل من هَذِه السّنة شهرا ينسأه ثمَّ يخطبهم فِي السّنة الثَّانِيَة فِي وَجه الْكَعْبَة أَيْضا فَيَقُول أَيهَا النَّاس لَا تحلوا حرماتكم وعظموا شعائركم فَإِنِّي أجَاب وَلَا أعاب لقَوْل قلته اللَّهُمَّ اني قد احللت دِمَاء المحلين طيىء وخثعم فِي الْأَشْهر الْحرم من بَين الْعَرَب فيغزونهم وَيطْلبُونَ بثأرهم وَلَا يقفون عَن حرمات النَّاس فِي الْأَشْهر الْحرم كَمَا تفعل غَيرهَا من الْعَرَب وَكَانَ سَائِر الْعَرَب من الْحلَّة والحمس لَا يعدون فِي الْأَشْهر الْحرم على أحد وَلَو لَقِي أحدهم قَاتل أَبِيه وأخيه وَلَا يستاقون إعظاماً للشهور الْحرم إِلَّا خثعم وطيىء فَإِنَّهُم كَانُوا يعدون فِي الْأَشْهر الْحرم فهنالك يحرمُونَ من تِلْكَ السّنة الشَّهْر الْمحرم وَهُوَ صفر الأول ثمَّ يعدون الشُّهُور على عدتهمْ الَّتِي عدوها فِي الْعَام الأول فيحجون فِي كل سنة حجَّتَيْنِ ثمَّ ينسأ فِي السّنة الثَّانِيَة فينسأ صفر الأول فِي عدتهمْ هَذِه وَهُوَ صفر الآخر فِي الْعدة المستقيمة حَتَّى تكون حجتهم فِي صفر أَيْضا وَكَذَلِكَ الشُّهُور كلهَا حَتَّى يستدير الْحَج فِي كل أَربع وَعشْرين سنة إِلَى الْمحرم الَّذِي ابتدءوا مِنْهُ الإنساء يحجون فِي الشُّهُور كلهَا فِي كل شهر حجَّتَيْنِ فَلَمَّا جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ أنزل الله فِي كِتَابه الْعَزِيز ﴿إِنَّمَا النَّسِىءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الْآيَة التَّوْبَة ٣٧ انْتهى

стр. 213

وَقَالَ السُّهيْلي وَأما نسؤهم للشهر الْحَرَام فَكَانَ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا هَذَا الَّذِي ذكره ابْن إِسْحَاق من تَأْخِير الْمحرم إِلَى صفر لحاجتهم إِلَى شن الغارات وَطلب الثارات وَالثَّانِي تَأْخِير الْحَج عَن وقته تحرياً مِنْهُم للسّنة الشمسية فَكَانُوا يؤخرونه فِي كل عَام أحد عشر يَوْمًا أَو أَكثر قَلِيلا حَتَّى يَدُور الدّور إِلَى ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة فَيَعُود إِلَى وقته وَلذَلِك قَالَ فِي عَام حجَّة الْوَدَاع إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض فَكَانَت حجَّة الْوَدَاع فِي السّنة الَّتِي عَاد فِيهَا الْحَج إِلَى وقته الْأَصْلِيّ وَلم يحجّ رَسُول الله من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة غير تِلْكَ الْحجَّة وَذَلِكَ لإِخْرَاج الْكفَّار الْحَج عَن وقته ولطوافهم بِالْبَيْتِ عُرَاة وَالله أعلم إِذْ كَانَت مَكَّة فِي حكمهم حَتَّى فتحهَا الله على نبيه ﵊ ثمَّ ولي عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف السِّقَايَة والرفادة بعد عَمه الْمطلب فَأَقَامَ لِقَوْمِهِ وللحجاج مَا كَانَت آباؤه تُقِيمهُ من قبله وَشرف فِي قومه شرفاً لم يبلغهُ أحد من آبَائِهِ فَأَحبهُ قومه وَعظم خطره فيهم وَكَانَ أكبر أَوْلَاده الْحَارِث لم يكن أول أمره غَيره وَكَانَ يكنى بِهِ فَيُقَال يَا أَبَا الْحَارِث فَقَالَ لَهُ ابْن عَمه عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف يَا عبد الْمطلب أتستطيل علينا وتتعاظم وَأَنت فذ لَا ولد لَك فَقَالَ لَهُ عبد الْمطلب أَو بالقلة تعيروني فو الله نذر عَليّ لَئِن آتَانِي الله عشرَة من الْوَلَد لأنحرن أحدهم عِنْد الْكَعْبَة فَلَمَّا كمل لَهُ عشرَة من الْوَلَد جمعهم فَأخْبرهُم بنذره ودعاهم إِلَى الْوَفَاء لله بذلك فاطاعوه وَقُولُوا لَهُ أوف بِنَذْرِك وَافْعل مَا شِئْت قَالَ ليَأْخُذ كل وَاحِد مِنْكُم قدحاً فليكتب اسْمه عَلَيْهِ ثمَّ ائْتُونِي فَفَعَلُوا فَقَالَ عبد الْمطلب لصَاحب القداح اضْرِب على هَؤُلَاءِ بقداحهم والقدح سهم لَا نصل لَهُ وَلَا ريش فَأعْطى كل وَاحِد مِنْهُم قدحه وَكَانَ عبد الله هُوَ اصغرهم سنا واحبهم إِلَى وَلَده ثمَّ ضرب صَاحب القداح فَخرج السهْم على

стр. 214

عبد الله فَأَخذه عبد الْمطلب بِيَدِهِ وَأخذ الشَّفْرَة ثمَّ أقبل على أساف وَهُوَ صنم على الصَّفَا ليذبح عِنْده فجذب الْعَبَّاس عبد الله من تَحت رجل وَلَده حَتَّى أثر فِي وَجهه شجة لم تزل ترى فِي وَجه عبد الله إِلَى أَن مَاتَ فَقَامَتْ قُرَيْش عَن أنديتها وَقَالُوا لَئِن فعلت هَذَا لَا يزَال الرجل يَأْتِي بانبه فيذبحه فَمَا بَقَاء النَّاس على هَذَا وَلَكِن اعذر فِيهِ إِلَى رَبك فنفديه بِأَمْوَالِنَا وَكَانَ بالحاجاز عرافة كاهنة لَهَا تَابع من الْجِنّ فَانْطَلقُوا حَتَّى قدمُوا عَلَيْهَا وقص عَلَيْهَا عبد الْمطلب قصَّته وَخبر نَذره وَيُقَال إِن نَذره لذَلِك لم يكن سَببه تَعْبِير عدي بن نَوْفَل لَهُ فَأَجَابَهُ بقوله أَو بالقلة تعيروني لَئِن رَزَقَنِي الله عشرَة من الْوَلَد إِلَى آخر مَا تقدم بل إِنَّمَا كَانَ النّذر لما رأى فِي الْمَنَام زَمْزَم وأرشد إِلَى مَكَانهَا بعلامة أريها فِيهِ فَقَالَ عِنْد ذَلِك لَئِن رَزَقَنِي الله عشرَة من الْوَلَد حَتَّى يعينوني على حفرهَا لأنحرن أحدهم وعَلى كل حَال فالمنذور هُوَ نحر أحد أَوْلَاده الْعشْرَة وَالِاخْتِلَاف فِي سَبَب عقد النّذر هَل هُوَ التَّعْبِير لَهُ بقلة الْوَلَد وَهِي الرِّوَايَة الأولى أَو حُصُول الْإِرْشَاد إِلَى مَحل زَمْزَم وحفرها والإعانة على ذَلِك وَذَلِكَ أَنه بَيْنَمَا عبد الْمطلب بن هَاشم نَائِم فِي الْحجر إِذْ أَتَى فَأمر بِحَفر زَمْزَم قَالَ عبد الْمطلب إِنِّي لنائم فِي الْحجر إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ احْفِرْ طيبَة قَالَ قلت وَمَا طيبَة قَالَ ثمَّ ذهب عني فَلَمَّا كَانَ الْغَد جِئْت إِلَى مضجعي فمنت فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ احْفِرْ المصونة قلت وَمَا المصونة ثمَّ ذهب عني فَلَمَّا كَانَ الْغَد رجعت إِلَى مضجعي فَنمت فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ احْفِرْ برة قلت وَمَا برة ثمَّ ذهب عني فَلَمَّا كَانَ الْغَد نمت كَذَلِك فَجَاءَنِي فَقَالَ احْفِرْ زَمْزَم قلت وَمَا زَمْزَم قَالَ لَا تنزف أبدا وَلَا تذم تَسْقِي الحجيج الْأَعْظَم وَهِي بَين الفرث وَالدَّم عِنْد نقرة الْغُرَاب الأعصم عِنْد قَرْيَة النَّمْل وَهِي شرف لَك ولولدك وَكَانَ هُنَاكَ غراب أعصم لَا يبرح عِنْد الذَّبَائِح مَكَان الفرث وَالدَّم فَلَمَّا بَين لَهُ شَأْنهَا وَدلّ على موضعهَا وَعرف أَن الْمَنَام قد صدق غَدا بِالْمِعْوَلِ وَمَعَهُ ابْنه الْحَارِث لَيْسَ مَعَه يَوْمئِذٍ ولد غَيره فَجعل يحْفر ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى بدا لَهُ الطي فَعرفت قُرَيْش أَنه أدْرك حَاجته فَقَالُوا يَا عبد الْمطلب إِنَّهَا بِئْر أَبينَا إِسْمَاعِيل وَإِن لنا فِيهَا حَقًا فأشركنا مَعَك قَالَ مَا أَنا بفاعل إِن هَذَا الْأَمر قد خصصت بِهِ دونكم وأعطيته من بَيْنكُم قَالُوا لَهُ فأنصفنا فَإنَّا غير تاركيك حَتَّى

стр. 215

نخاصمك فِيهَا قَالَ فافعلوا بيني وَبَيْنكُم من شِئْتُم أحاكمكم إِلَيْهِ قَالُوا كاهنة بني سعد بن هذيم قَالَ نعم وَكَانَت بأشراف الشَّام فَركب عبد الْمطلب وَمَعَهُ نفر من بني أُميَّة وَركب من كل قَبيلَة من قُرَيْش نفر وَالْأَرْض إِذْ ذَاك مفازة قَالَ فَخَرجُوا حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض تِلْكَ المفاوز فني مَا كَانَ عِنْد عبد الْمطلب وَأَصْحَابه من المَاء فظمئوا حَتَّى أيقنوا بالهلكة فاستسقوا من مَعَهم من قبائل قُرَيْش فَأَبَوا عَلَيْهِم وَقَالُوا إِنَّا بمفازة نخشى على أَنْفُسنَا مثل مَا أَصَابَكُم فَلَمَّا رأى عبد الْمطلب مَا صنع الْقَوْم وَمَا تخوفوا مِنْهُ قَالَ لِقَوْمِهِ مَا ترَوْنَ قَالُوا مَا رَأينَا إِلَّا تبع لرأيك فمرنا بِمَا شِئْت قَالَ فَإِنِّي أرى أَن يحْفر كل رجل مِنْكُم حُفْرَة لنَفسِهِ بِمَا بكم الْآن من بَقِيَّة الرمق وَالْقُوَّة فَكلما مَاتَ رجل على شَفير حفرته أَلْقَاهُ فِيهَا من بَقِي مَعَه رَمق مِنْكُم قَالُوا نعم مَا أمرت بِهِ فقعدوا ينتظرون عطشاً ثمَّ إِن عبد الْمطلب قَالَ لأَصْحَابه وَالله لنضربن فِي الأَرْض فَلَعَلَّ الله يرزقنا مَاء بِبَعْض الْبِلَاد فَتقدم عبد الْمطلب إِلَى رَاحِلَته فركبها فَلَمَّا انبعثت بِهِ انفجرت عين مَاء عذب من تَحت خفها فَكبر عبد الْمطلب وَكبر أَصْحَابه ثمَّ نزل فَشرب هُوَ وَأَصْحَابه واستقوا حَتَّى ملئوا أسقيتهم ثمَّ دَعَا الْقَبَائِل من قُرَيْش فَقَالَ هلموا إِلَى المَاء فقد سقانا الله فَاشْرَبُوا واستقوا فَجَاءُوا فَشَرِبُوا واستقوا ثمَّ قَالُوا قد وَالله قضى الله لَك علينا يَا عبد الْمطلب وَالله لَا نخاصمك فِي زَمْزَم أبدا إِن الَّذِي سقاك هَذَا المَاء بِهَذِهِ الْمَفَازَة لَهو الَّذِي سقاك فَارْجِع إِلَى سقايتك راشداً فَرجع وَرَجَعُوا مَعَه وَيُقَال إِن عبد الْمطلب قَامَ يحْفر هُنَالك فَجَاءَت قُرَيْش فَقَالُوا لَا تحفر فِي مَسْجِدنَا فَقَالَ إِنِّي لحافر هَذِه الْبِئْر وَمُجاهد من صدني عَنْهَا فَطَفِقَ يحْفر هُوَ وَابْنه الْحَارِث وَلَيْسَ لَهُ يَوْمئِذٍ ولد غَيره فسعت إِلَيْهِمَا نَاس من قُرَيْش ونازعوهما حَتَّى إِذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَذَى نذر لَئِن ولد لَهُ عشرَة بَنِينَ ثمَّ بلغُوا مَعَه حَتَّى منعُوهُ عَمَّن يُرِيد مَنعه وَسَهل الله عَلَيْهِ حفر زَمْزَم لينحرن أحدهم عِنْد الْكَعْبَة فَلَمَّا بلغُوا عشرَة وَأَرَادَ ذَلِك وَقع مَا تقدم ذكره انْتهى وَورد أَن عبد الْمطلب كَانَ نَائِما فِي الْحجر إِذْ رأى مناماً فانتبه فرقا مَرْعُوبًا وأتى كهنة قُرَيْش وقص عَلَيْهِم رُؤْيَاهُ فَقَالُوا تَأْوِيل رُؤْيَاك ليخرجن من

стр. 216

ظهرك من يُؤمن بِهِ أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض وليكونن فِي النَّاس علما مُبينًا فَتزَوج ابْنة عَمْرو بن عَائِذ بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم وحملت فِي ذَلِك الْوَقْت بِعَبْد الله الذَّبِيح وقصة ذبحه سَببهَا نذر أَبِيه عبد الْمطلب ذبح أحد أَوْلَاده إِذا رزقه الله عشرَة ذُكُور كَمَا تقدم آنِفا وَكَانَت زَمْزَم مَجْهُولَة الْموضع إِلَى أَن رفع عَنْهَا الْحجاب برؤيا مَنَام رَآهَا عبد الْمطلب دلته على حفرهَا بأمارات عَلَيْهَا وَقد كَانَ مضاض بن عَمْرو الجرهمي أَو عَمْرو بن الْحَارِث الجرهمي لما اجدث قومه بحرم الله الْحَوَادِث وقيض الله إياداً فأخرجوهم من مَكَّة عمد عَمْرو هَذَا إِلَى ذخائر الْكَعْبَة من الغزالين والأسياف وَغير ذَلِك وأخرجها من الْجب الَّذِي كَانَ بِالْكَعْبَةِ معداً لوضع ذَلِك فَأخذ جَمِيع ذَلِك وَجعله فِي زَمْزَم وطمها وَعفى أَثَرهَا وفر إِلَى الْيمن بقَوْمه فَلم تزل زَمْزَم من ذَلِك الْعَهْد مَجْهُولَة إِلَى إِن راها بعد الْمطلب فَأَرَادَ ذبح وَلَده عبد الله فَمَنعه أَخْوَاله بَنو مَخْزُوم وَفِي الرِّوَايَة الأولى مَنعه الْعَبَّاس فاجتذبه من تَحت رجل وَلَده وَلَا مَانع من وُقُوع السببين وَيكون الْمَنْع مِنْهُم بعد الاجتذاب من الْعَبَّاس ثمَّ احتفرهاه وَكَانَت لَهُ فخراً وَعزا فَذَهَبُوا فَقَالَت لَهُم العرافة ارْجعُوا عني الْيَوْم حَتَّى يأتيني تَابِعِيّ فَرَجَعُوا من عِنْدهَا ثمَّ عَادوا إِلَيْهَا فَقَالَت لَهُم كم الدِّيَة فِيكُم فَقَالُوا عشرَة من الْإِبِل فَقَالَت لَهُم قربوا عَن ولدكم عشرا من الْإِبِل ثمَّ اضربوا عَلَيْهَا وَعَلِيهِ واستمروا كَذَلِك إِلَى أَن يخرج السهْم عَلَيْهَا فانحروها فقد رَضِي ربكُم ونجى ولدكم فَخَرجُوا حَتَّى قدمُوا مَكَّة فقربوا عشرا من الْإِبِل وضربوا بِالْقداحِ فَخرج السهْم على عبد الله واستمروا فِي كل مرّة يزِيدُونَ عشرَة فعشراً حَتَّى بلغت الْإِبِل مائَة فَخرج السهْم عَلَيْهَا فأعادوها ثَانِيَة وثالثة فَخرج السهْم على الْإِبِل فنحروها وَتركت لَا يمْنَع من لَحمهَا آدَمِيّ وَلَا وَحش وَلَا طير قَالَ الزُّهْرِيّ كَانَ عبد الْمطلب أول من سنّ دِيَة النَّفس مائَة من الْإِبِل فجرت فِي قُرَيْش ثمَّ فِي الْعَرَب واقرها رَسُول الله فِي الْإِسْلَام

стр. 217

وَذكر الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي بِسَنَدِهِ عَن سعيد بن عَمْرو الْأنْصَارِيّ عَن أَبِيه عَن كَعْب الْأَحْبَار إِن نور رَسُول الله لما وصل إِلَى عبد الْمطلب ونام فِي الْحجر فانتبه مَكْحُولًا مدهوناً قد كسى حلَّة الْبَهَاء وَالْجمال فَبَقيَ متحيراً لَا يدْرِي من فعل بِهِ ذَلِك فَأَخذه أَبوهُ هِشَام بِيَدِهِ ثمَّ انْطلق بِهِ إِلَى كهنة قُرَيْش فَأخْبرهُم بذلك فَقَالُوا لَهُ اعْلَم أَن إِلَه السَّمَوَات قد أذن لهَذَا الْغُلَام أَن يتَزَوَّج فَزَوجهُ أَبوهُ قيلة فَولدت لَهُ الْحَارِث وَهُوَ أكبر أَوْلَاده وَبِه كَانَ يكنى كَمَا تقدم ذكر ذَلِك ثمَّ مَاتَت فَزَوجهُ بعْدهَا هنداً بنت عَمْرو وَكَانَ عبد الْمطلب تروح مِنْهُ رَائِحَة الْمسك الإذفر وَنور رَسُول الله يضىء فِي غرته وَكَانَت قُرَيْش إِذا أَصَابَهَا قحط تَأْخُذ بِيَدِهِ فَتخرج بِهِ إِلَى جبل ثبير فيتقربون بِهِ إِلَى الله تَعَالَى ويسألونه أَن يسقيهم الْغَيْث فَكَانَ يغيثهم ويسقيهم ببركة نور مُحَمَّد غيثاً عَظِيما وَعند الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان كُنَّا عِنْد رَسُول الله فَأَتَاهُ أَعْرَابِي فَقَالَ يَا رَسُول الله خلفت الْبِلَاد يابسة وَالْمَاء يَابسا هلك المَال وَضاع الْعِيَال فعد على مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْك يَا ابْن الذبيحين فَتَبَسَّمَ رَسُول الله وَلم يُنكر عَلَيْهِ وَيَعْنِي بالذبيحين عبد الله وَإِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم وَإِن كَانَ قد ذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن الذَّبِيح إِسْحَاق قَالَ ابْن الْقيم وَمِمَّا يدل على أَن الذَّبِيح إِسْمَاعِيل أَنه لَا ريب أَن الذّبْح كَانَ بِمَكَّة وَكَذَلِكَ جعلت القرابين يَوْم النَّحْر كَمَا جعل السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَرمى الْجمار تذكيراً بشأن إِسْمَاعِيل وَأمه وَإِقَامَة لذكر الله تَعَالَى وَمَعْلُوم أَن إِسْمَاعِيل وَأمه هما اللَّذَان كَانَا بِمَكَّة دون إِسْحَاق وَأمه ثمَّ قَالَ وَلَو كَانَ الذّبْح بِالشَّام كَمَا يزْعم أهل الْكتاب وَمن تلقى عَنْهُم لكَانَتْ القرابين والنحر بِالشَّام لَا بِمَكَّة وروى عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه سَأَلَ رجلا أسلم من عُلَمَاء الْيَهُود أَي ابْني ابراهم أَمر بذَبْحه فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْيَهُود ليعلمون أَنه إِسْمَاعِيل وَلَكنهُمْ يحسدونكم يَا معشر الْعَرَب أَن يكون أَبَا لكم للفضل الَّذِي ذكره الله تَعَالَى عَنهُ فهم يجحدون ذَلِك ويزعمون أَنه

стр. 218

إِسْحَاق لِأَن إِسْحَاق أبوهم كَذَا فِي الْمَوَاهِب اللدنية وَقد اسْتشْكل أَن عبد الْمطلب نذر نحر أحد بنيه إِذا بلغُوا عشرَة وَقد كَانَ تَزْوِيجه هَالة أم ابْنه حَمْزَة بعد وفائه بنذره فحمزة وَالْعَبَّاس إِنَّمَا ولدا بعد الْوَفَاء بنذره وَإِنَّمَا كَانَ أَوْلَاده عشرَة قَالَ السُّهيْلي وَلَا إِشْكَال فِي هَذَا فَإِن جمَاعَة من الْعلمَاء قَالُوا كَانَ أَعْمَامه ﵊ اثْنَي عشر وَهُوَ قَول الْأَكْثَر وَإِن صَحَّ قَول من قَالَ إِنَّهُم عشرَة لَا يزِيدُونَ فَالْوَلَد يَقع على الْبَنِينَ وبنيهم حَقِيقَة لَا مجَازًا فَكَأَن عبد الْمطلب قد اجْتمع لَهُ من لده وَولد وَلَده عشرَة رجال حِين الْوَفَاء بنذره وَقد تقدم أَن عبد الله كَانَ أَصْغَر بني أَبِيه عبد الْمطلب وَهُوَ غير مَعْرُوف فَلَعَلَّ الرِّوَايَة أَصْغَر بني أمه وَإِلَّا فحمزة كَانَ أَصْغَر من عبد الله وَالْعَبَّاس كَانَ أَصْغَر من حَمْزَة فَكيف يَسْتَقِيم أَن يكون عبد الله أَصْغَر أَوْلَاد عبد الْمطلب وروى عَن الْعَبَّاس أَنه قَالَ أذكر مولد رَسُول الله وَأَنا ابْن ثَلَاثَة أَعْوَام وَنَحْوهَا فجيء بِهِ حَتَّى نظرت إِلَيْهِ وَجعل النِّسَاء يقلن لي قبل أَخَاك فقبلته فَكيف يَصح أَن يكون عبد الله أَصْغَر أَوْلَاد بنيه لَكِن يحْتَمل وَجه لصِحَّته أَن تكون الرِّوَايَة أَصْغَر بني أمه أَو تكون الرِّوَايَة لذَلِك أَصْغَر بني أَبِيه وَيكون المُرَاد أَنه أَصْغَر بني أَبِيه حِين أُرِيد نَحره ثمَّ ولد لَهُ بعد ذَلِك حَمْزَة وَالْعَبَّاس انْتهى قلت يُعَكر على هَذَا التَّوْجِيه الرِّوَايَة السَّابِقَة الَّتِي فِيهَا اجتذاب الْعَبَّاس لعبد الله من تَحت رجل عبد الْمطلب إِذْ هِيَ مصرحة بِوُجُودِهِ بل بِبُلُوغِهِ حد الرجولية رَأيا وفعلاً فَلْيتَأَمَّل ولينظر وَجه التَّوْفِيق وَقيل لعبد الْمطلب فِي صفة زَمْزَم لَا تنزف أبدا وَلَا تذم وَهَذَا برهَان عَظِيم لِأَنَّهَا لم تنزف من ذَلِك الْحِين إِلَى الْيَوْم قطّ وَقد وَقع فِيهَا حبشِي فَنُزِحَتْ من أَجله فوجدوا ماءها يفور من ثَلَاثَة أعين أقواها وأكثرها مَاء عين من نَاحيَة الْحجر

стр. 219

الْأسود ذكر هَذَا الحَدِيث الدارالقطني وَقَوله لَا تذم فَلْينْظر فقد كَانَ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي عَامل الْوَلِيد بن عبد الْملك على مَكَّة يذمها ويسميها أم جعلان واحتفر بِئْرا خَارج مَكَّة باسم الْوَلِيد ابْن عبد الْملك وَجعل يفضلها على زَمْزَم وَيحمل النَّاس على التَّبَرُّك بهَا دون زَمْزَم جرْأَة مِنْهُ على الله وَقلة حَيَاء مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يفصح بلعن عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجه على الْمِنْبَر هُنَاكَ وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا ليعلم أَنَّهَا قد ذمت لَكِن // (من الرمل) // (لَا يضرّ الْبَحْر أَمْسَى زاخراً ... أَن رمى فِيهِ سَفِيه بحجرا) وَأول من اتخذ للكعبة بَابا من حَدِيد عبد الْمطلب ضربه من تِلْكَ الأسياف الَّتِي وجدهَا فِي زَمْزَم حِين احتفرها وَهِي الَّتِي أودعها مضاض بن عَمْرو الجرهمي بَاطِن زَمْزَم وطمها وَاتخذ حوضاً لزمزم يسْقِي مِنْهُ فَكَانُوا يخربونه بِاللَّيْلِ حسداً لَهُ فَلَمَّا غمه ذَلِك قيل لَهُ فِي الْمَنَام قل لَا أحلهَا لغسل وَهِي لشارب حل وبل وَقد كفيتهم فَلَمَّا أصبح قَالَ ذَلِك فَكَانَ بعد ذَلِك من أرادها بمكروه رمى بداء فِي جسده حَتَّى انْتَهوا عَنهُ فَائِدَة كَانَت قُرَيْش قبل حفر زَمْزَم اتَّخذت أبياراً بِمَكَّة فَذكرُوا أَن قصياً كَانَ يسْقِي الحجيج فِي حِيَاض من أَدَم فَكَانَ ينْقل المَاء إِلَيْهَا من آبار خَارِجَة عَن مَكَّة مِنْهَا بِئْر مَيْمُون الْحَضْرَمِيّ وَكَانَ ينْبذ لَهُم الزَّبِيب ثمَّ احتفر قصي العجول فِي دَار أم هانىء بنت أبي طَالب وَهِي أول سِقَايَة حفرت بِمَكَّة فَلم تزل العجول قَائِمَة حَيَاة قصي وَبعد مَوته حَتَّى كبر عبد منَاف بن قصي فَسقط فِيهَا رجل من بني جعيل فعطلوها واندفنت واحتفرت كل قَبيلَة بِئْرا واحتفرت سجلة وَأما خم فَهِيَ بِئْر مرّة وَهِي من خممت الْبَيْت إِذا كنسته وَأما غَدِير خم الَّذِي عِنْد الْجحْفَة فَسمى بغيضة عِنْده يُقَال لَهَا خم وَأما زم فبئر بني كلاب بن مرّة وَأما شغبة فبئر بني أَسد

стр. 220

وَأما سنبلة فبئر بني جمح وَهِي بِئْر بني خلف بن وهب بن جمح وَأما الْغمر فبئر بني سهم قلت الْبِئْر الَّتِي يُقَال لَهَا العجول فِي دَار أم هانىء قد حفرت بعد أَن دفنت واستمرت إِلَى أَن دَفنهَا المستنجد العباسي لما وسع الْمَسْجِد الْحَرَام وادخل دَامَ أم هانىء فِيهِ واحتفر عوضهَا الْبِئْر الَّتِي عِنْد بَاب الْحَزْوَرَة على يسَار الْخَارِج من الْمَسْجِد الْمَعْرُوفَة فِي زَمَاننَا بالشرشورة يغسل فِيهَا الْمَوْتَى غَالِبا انْتهى والْحَدِيث شجون يجر الْفَنّ مِنْهُ إِلَى فنون ولنرجع إِلَى مَا كُنَّا ونتم مَا عَنهُ أبنا من ذكر عبد الْمطلب فنوقل وَلم اقدم أَبْرَهَة ملك الْيمن من قبل النَّجَاشِيّ لهدم بَيت الله الْحَرَام وَذَلِكَ أَنه بنى كَنِيسَة وَأَرَادَ صرف الْحَاج إِلَيْهَا فَأصْبح ذَات يَوْم وَإِذا هُوَ بالكنيسة قد تبرز فِيهَا رجل من كنَانَة فَحلف ليهدمن بَيت عز الْعَرَب وَهُوَ الْكَعْبَة فَسَار بِجَيْش كالليل يسير كالسيل وَبلغ عبد الْمطلب ذَلِك فَقَالَ يَا معشر قُرَيْش إِنَّه لَا يصل إِلَى هدم الْبَيْت لِأَن للبيت رَبًّا يحميه ثمَّ جَاءَ مقدم خيل لأبرهة فاستاق إبِلا لقريش فِيهَا أَرْبَعمِائَة نَاقَة لعبد الْمطلب فَركب عبد الْمطلب فِي قُرَيْش حَتَّى طلع جبل ثبير فاستنارت دَائِرَة غرَّة رَسُول الله على جَبينه كالهلال فانتشر شعاعها على الْبَيْت الْحَرَام مثل ضوء السراج فَلَمَّا نظر عبد الْمطلب إِلَى ذَلِك قَالَ يَا معشر قُرَيْش ارْجعُوا قد كفيتم هَذَا الْأَمر فوَاللَّه مَا اسْتَدَارَ هَذَا النُّور مني إِلَّا أَن يكون الظفر لنا فَرَجَعُوا مُتَفَرّقين ثمَّ قصد عبد الْمطلب إِلَى خباء أَبْرَهَة فَإِذا هُوَ على سَرِير الذَّهَب فَلَمَّا وَقع نظر أَبْرَهَة على عبد الْمطلب اكبره إِن يقْعد تَحْتَهُ وَلم يرض أَن يقْعد مَعَه على السرير فَنزل على الأَرْض وأعظمه وأجله وَسَأَلَهُ مَا الَّذِي أَتَى بك فَقَالَ إبل لي استاقها بعض جيشك فَقَالَ أَبْرَهَة للترجمان قل لَهُ لقد عظمت أَولا فِي عَيْني فَلَمَّا تَكَلَّمت انحطت رتبتك عِنْدِي قَالَ عبد الْمطلب وَلم ذَاك قَالَ لِأَنَّك قد علمت أَنِّي إِنَّمَا أتيت لهدم هَذَا الْبَيْت وَهُوَ عزك وَعز آبَائِك فَلم يكن لَك هم إِلَّا الْإِبِل وردهَا عَلَيْك فَقَالَ عبد الْمطلب أَنا رب الْإِبِل وللبيت رب يحميه فشأنك وإياه ثمَّ أَمر بردهَا عَلَيْهِ وروى أَنه لما احضر عبد الْمطلب إِلَى أَبْرَهَة أَمر سائس فيله الْأَبْيَض الْعَظِيم

стр. 221

الَّذِي كَانَ لَا يسْجد لأبرهة كَمَا تسْجد الفيلة أَن يحضر بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا نظر الْفِيل إِلَى وَجه عبد الْمطلب برك كَمَا يبرك الْبَعِير وخر سَاجِدا وأنطقه الله فَقَالَ السَّلَام على النُّور الَّذِي فِي ظهرك يَا عبد الْمطلب كَذَا رَوَاهُ فِي المنظوم وَالْمَفْهُوم ثمَّ قَامَ عبد الْمطلب حَتَّى أَتَى الْبَيْت وَأخذ بحلقتي الْبَاب وَقَالَ // (من مجزوء الْكَامِل) // (لاهم إِن الْمَرْء يمْنَع ... رَحْله فامنع حلالك) (لَا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك) (وانصر على ال الصَّلِيب ... وعابديه الْيَوْم آلك) (إِن كنت تاركهم وكعبتنا ... فأمرٌ مَا بدا لَك) وَلما وصل الْجَيْش وَمَعَهُمْ الْفِيل وَكَانَ فيلاً عَظِيما لم ير مثله عظما اسْمه مَحْمُود فَلَمَّا كَانَ بالمغمس برك فضربوه فِي بِرَأْسِهِ بالمعاول ضربا شَدِيدا فابى فوجوه إِلَى جِهَة الْيمن فَقَامَ مسرعاً ثمَّ أرسل الله عَلَيْهِم طيراً أبابيل من الْبَحْر مَعَ كل طَائِر ثَلَاثَة أَحْجَار كل حجر زنة طسوج حجر فِي منقاره وحجران فِي رجلَيْهِ كأمثال العدس هَيْئَة تصيب الْفَارِس فِي قنة رَأسه فتقطع أمعاءه وَتخرج من دبره فَخَرجُوا هاربين يتساقطون بِكُل طَرِيق فَكَانَ لحجر يغوص فِي الأَرْض من شدَّة وَمَعَهُ وَأُصِيب أَبْرَهَة بداء فِي جِسْمه فتساقطت أنامله انملة انملة واسل مِنْهُ الصديد والقبح وَالدَّم وَمَا مَاتَ حَتَّى اندع قلبه وَإِلَى هَذَا أَشَارَ سُبْحَانَهُ بقوله ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فعل رَبك بأصحاب الْفِيلِ﴾ السُّورَة الْفِيل ١ ثمَّ قَامَ عبد الْمطلب منشداً لما بدد الله شملهم وهدهم وَخيَّب أمالهم وصدهم // (من الرمل) // (أيّها الدّاعي الّذي أسمعتني ... ثمّ مَا بِي عَن نداكم من صمم) (إنّ للبيت لربّاً مَانِعا ... من يردهُ بأثامٍ مصطلم) (رامه تبّع فِيمَا حشدت ... حِمير والحيّ من آل قدم) (فانثنى عَنهُ وَفِي أوداجه ... خارجٌ أمسك عَنهُ بالكظم) (قلت والأشرم ترمي خيله ... إنّ ذَا الأشرم غرٌّ بِالْحرم)

стр. 222

(نَحن آل الله فِيمَا قد مضى ... لم يزل ذَاك على عهد ابرهم) (نَحن دمّرنا ثموداً عنْوَة ... ثمّ عاداً قبلهَا ذَات الإرم) (نعْبد الله وَفينَا سنّةٌ ... صلَة الْقُرْبَى وإيفاء الذّمم) (لم تزل لله فِينَا حجّةٌ ... يدْفع الله بهَا عنّا النّقم) وَقَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت فِي ذَلِك // (من الْخَفِيف) // (إنّ آيَات رَبنَا بَيِّنَات ... لَا يمارى بهم إلاّ كفور) (حبس الْفِيل بالمغمّس حتّى ... ظلّ يحبو كأنّه معقور) وَفِي تَارِيخ الْخَمِيس أَن الْحجر كَانَ أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة عَن ابْن عَبَّاس أَنه رأى مِنْهَا عِنْد أم هَانِيء خَرَزَات مخططةً كالجذع الظفاري فَخَرجُوا هاربين يبتدرون الطَّرِيق الَّتِي جَاءُوا مِنْهَا يسْأَلُون عَن نفَيْل بن حبيب ليدلهم على الطَّرِيق فَقَالَ نفَيْل حِين رأى مَا أنزل الله تَعَالَى بهم من نقمة // (من الرجز) // (أَيْن المفرّ والإله الطّالب ... والأشرم المغلوب لَيْسَ الْغَالِب) وَقَالَ أَيْضا // (من الوافر) // (أَلا حيّيت عنّا يَا ردينا ... نعمناكم مَعَ الإصباح عينا) (ردينة لَو رَأَيْت وَلَا تريه ... لنا جنب المحصّب مَا رَأينَا) (إِذن لعذرتني وحمدتّ أَمْرِي ... وَلم تأسى على مَا قلت مينا) (حمدت الله إِذْ أَبْصرت طيراً ... وَخفت حِجَارَة تلقى علينا) (وكلّ الْقَوْم يسْأَل عَن نفيلٍ ... كأنّ عليّ للحبشان دينا) قَالَ الْعَلامَة ابْن الْجَوْزِيّ ثمَّ إِن عبد الْمطلب بعث ابْنه عبد الله على فرس ينظر إِلَى الْقَوْم فَرجع يرْكض وَيَقُول هلك الْقَوْم فَخرج عبد الْمطلب وَأَصْحَابه وغنموا أَمْوَالهم انْتهى وَفِي الْكَشَّاف ودوي أَبْرَهَة أَي مرض فتساقطت أنامله وآرابه عضوا عضوا حَتَّى قدمُوا بِهِ صنعاء وَهُوَ مثل فرخ الطَّائِر فَمَا مَاتَ حَتَّى انصدع صَدره عَن قلبه فَهَلَك

стр. 223

وَعَن عِكْرِمَة أَصَابَته جدرية وَهُوَ أول جدري ظهر فِي الأَرْض قَالَ ابْن إِسْحَاق وحَدثني يَعْقُوب بن عقبَة أَنه حَدثهُ أَنه أول مَا رئيت الحصبة والجدري بِأَرْض الْعَرَب ذَلِك الْعَام قَالَ مقَاتل إِن السَّبَب الَّذِي جر أَصْحَاب الْفِيل أَن فتية من قُرَيْش خَرجُوا تجارًا إِلَى أَرض النَّجَاشِيّ فدنوا من سَاحل الْبَحْر وثمة بيعَة لِلنَّصَارَى تسميها قُرَيْش الهيكل فنزلوا فأججوا نَارا فاشتووا فَلَمَّا ارتحلوا تركُوا النَّار كَمَا هِيَ فِي يَوْم عاصف فهاجت الرّيح فاضطرم الهيكل نَارا فَانْطَلق الصَّرِيخ إِلَى النَّجَاشِيّ فأسف غَضبا لِلْبيعَةِ فَبعث أَبْرَهَة لهدم الْكَعْبَة وَقَالَ فِيهِ يَعْنِي مقَاتل إِنَّه كَانَ بِمَكَّة يَوْمئِذٍ أَبُو مَسْعُود الثَّقَفِيّ وَكَانَ مكفوف الْبَصَر يصيف بِالطَّائِف ويشتو بِمَكَّة وَكَانَ رجلا نبيها نبيلاً تستقيم الْأُمُور بِرَأْيهِ وَكَانَ خَلِيلًا لعبد الْمطلب فَقَالَ لَهُ عبد الْمطلب مَاذَا عنْدك هَذَا الْيَوْم لَا نستغني عَن رَأْيك فَقَالَ أَبُو مَسْعُود لعبد الْمطلب اعهد إِلَى مائَة من الْإِبِل فاجعلها لله وقلدها نعلا ثمَّ بثها فلي الْحرم لَعَلَّ بعض هَذِه السود أَن يعقر مِنْهَا فيغضب رب هَذَا الْبَيْت فيأخذهم فَفعل ذَلِك عبد الْمطلب فعهد الْقَوْم إِلَى تِلْكَ الْإِبِل فحملوا عَلَيْهَا وعقروا بَعْضهَا وَجعل عبد الْمطلب يدعوا فَقَالَ أَبُو مَسْعُود إِن لهَذَا الْبَيْت رَبًّا يمنعهُ وَقد نزل تبع الْيمن صحن هَذَا الْبَيْت وَأَرَادَ هَدمه فَمَنعه الله وابتلاه وأظلم عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام فَلَمَّا رأى تبع ذَلِك رَجَعَ عَن نِيَّته وكساه الْقبَاطِي الْبيض وعظمه وَنحر لَهُ الجزائر فَانْظُر كَيفَ جِهَته فَنظر عبد الْمطلب فَقَالَ أرى طيراً بيضًا نشأت من شاطي الْبَحْر فَقَالَ أَبُو مَسْعُود ارمقها ببصرك أَيْن قَرَارهَا قَالَ أَرَاهَا تَدور على رءوسنا قَالَ هَل تعرفها قَالَ عبد الْمطلب لَا وَالله مَا أعرفهَا فَمَا هِيَ بنجدية وَلَا تهامية وَلَا غربية وَلَا شامية قَالَ مَا قدرهاه قَالَ أشباه اليعاسيب فِي مناقيرها حَصى كَأَنَّهَا حَصى الْخذف قد أَقبلت كالليل يكسع بَعْضهَا بَعْضًا أَمَام كل فرقة طير يَقُودهَا أَحْمَر المنقار أسود الرَّأْس طَوِيل الْعُنُق فَجَاءَت حَتَّى إِذا حاذت معسكر الْقَوْم كرت فَوق رؤوسهم فَلَمَّا توافت الرِّجَال

стр. 224

كلهَا أهالت مَا فِي مناقيرها وأرجلها على من تحتهَا على كل حجر مَكْتُوب اسْم صَاحبه ثمَّ إِنَّهَا انصاعت رَاجِعَة من حَيْثُ جَاءَت فَلَمَّا اصبحا انحطا من ذرْوَة الْجَبَل فمشيا رتوة فَلم يؤنسا أحدا ثمَّ دنوا رتوة فَلم يسْمعهَا حسا فَقَالَا بَات الْقَوْم ساهرين فَأَصْبحُوا نياماً فَلَمَّا دنوا من عَسْكَر الْقَوْم فَإِذا هُوَ خامدون فَعمد عبد الْمطلب فَأخذ فأساً من فئوسهم فحفر حَتَّى أعمق فِي الأَرْض فملأه من الذَّهَب الْأَحْمَر والجوهر وحفر لصَاحبه فملأه ثمَّ قَالَ لَهُ أَبُو مَسْعُود اختر لي على نَفسك فَقَالَ عبد الْمطلب إِنِّي لم آل أجعَل أَجود الْمَتَاع إِلَّا فِي حفرتي فَهُوَ لَك وَجلسَ كل مِنْهُمَا على حفرته ونادى عبد الْمطلب فِي النَّاس فتراجعوا وَأَصَابُوا من فضلهما حَتَّى ضاقوا بِهِ ذرعاً وساد عبد الْمطلب بذلك وَبِغَيْرِهِ قُريْشًا وأعطته المقادة فَلم يزل عبد الْمطلب وَأَبُو مَسْعُود فِي أهليهما فِي غنى من ذَلِك المَال وَدفع الله عَن كعبته وَفِي الْكَشَّاف أَن أهل مَكَّة احتووا على أَمْوَالهم وَإِلَى هَذِه الْقِصَّة اشار بقوله إِن الله حبس عَن أهل مَكَّة الْفِيل وسلط الله عَلَيْهِم رَسُوله وَالْمُؤمنِينَ قيل كَانَ أَبْرَهَة هَذَا جد النَّجَاشِيّ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنه وَمَات وَصلى عَلَيْهِ وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت رَأَيْت قَائِد الْفِيل وسائسه أعميين بِمَكَّة مقعدين يستطعمان وروى أَن الله أرسل سيلاً فَذهب بهم موتى إِلَى الْبَحْر

стр. 225

فَلَمَّا هلك أَبْرَهَة ومزق الْحَبَشَة كل ممزق أقفر مَا حول هَذِه الْكَنِيسَة وَكَثُرت السبَاع حولهَا والحيات فَلَا يَسْتَطِيع أحد أَن يَأْخُذ مِمَّا فِيهَا شَيْئا إِلَى زمن السفاح أبي الْعَبَّاس فَذكرُوا لَهُ أمرهَا فَبعث إِلَيْهَا أَبَا الْعَبَّاس بن الرّبيع عَامله على الْيمن وَمَعَهُ أهل الحزم والجلادة فخربوها وحصلوا مِنْهَا مَالا كثيرا ثمَّ بعد ذَلِك عفى رسمها وَانْقطع خَبَرهَا كَذَا فِي حَيَاة الْحَيَوَان وَقَالَ فِي سيرة ابْن هِشَام فَلَمَّا هلك أَبْرَهَة ملك الْحَبَشَة ملك بعده ابْنه يكسوم بن أَبْرَهَة ثمَّ ملك الْيمن من الْحَبَشَة أَخُوهُ مَسْرُوق بن أَبْرَهَة فَلَمَّا طَال الْبلَاء على أهل الْيمن خرج سيف بن ذِي يزن الْحِمْيَرِي حَتَّى قدم على قَيْصر ملك الرّوم فَشَكا إِلَيْهِ مَا هم فِيهِ وَسَأَلَهُ أَن يُخرجهُ عَنْهُم ويليهم هُوَ وَيبْعَث إِلَيْهِم من شَاءَ من الرّوم فَلم يشكه فَخرج حَتَّى أَتَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَهُوَ عَامل كسْرَى على الْحيرَة وَمَا يَليهَا من أَرض الْعرَاق فَشَكا إِلَيْهِ أَمر الْحَبَشَة فَبَعثه النُّعْمَان مَعَ وفده إِلَى كسْرَى فَدخل عَلَيْهِ فَقَالَ أَيهَا الْملك غلبنا على بِلَاد الأغربة قَالَ كسْرَى أَي الأغربة الْحَبَشَة أم السَّنَد قَالَ الْحَبَشَة فجئتك لتنصرني وَيكون ملك بلادي لَك قَالَ كسْرَى بَعدت بلادك مَعَ قلَّة خَيرهَا فَلم أكن لأورط جَيْشًا من فَارس بِأَرْض الْعَرَب لَا حَاجَة لي بذلك ثمَّ أجَازه بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وكساه كسْوَة حَسَنَة فَلَمَّا قبض ذَلِك سيف خرج فَجعل ينثر ذَلِك الْوَرق للنَّاس فَقَالَ وَمَا أصنع بِهَذَا مَا جبال أرضي الَّتِي جِئْت مِنْهَا إِلَّا ذهب وَفِضة يرغبه فِيهَا فَجمع مرازبته فَقَالَ مَا ترَوْنَ فِي أَمر هَذَا الرجل فَقَالَ قَائِل أَيهَا الْملك إِن فِي سجونك رجَالًا قد حبستهم للْقَتْل فَلَو أَنَّك بعثتهم مَعَه فَإِن هَلَكُوا كَانَ ذَلِك الَّذِي أردْت بهم وَإِن ظفروا كَانَ ملكا ازددته فَبعث مَعَه كسْرَى من كَانَ فِي سجونه وَكَانُوا ثَمَانمِائَة رجل وَاسْتعْمل عَلَيْهِم وهرز وَكَانَ ذَا سنّ فيهم وأفضلهم حسباً وبيتاً فَخرج سيف فِي ثَمَان سفائن فغرقت سفينتان وَوصل إِلَى سَاحل عدن سِتّ سفائن فَجمع سيف إِلَى وهرز من اسْتَطَاعَ من قومه وَقَالَ لَهُ رجْلي ورجلك حَتَّى نموت جَمِيعًا أَو نظفر قَالَ وهرز أنصفت وَخرج إِلَيْهِ مَسْرُوق بن أَبْرَهَة ملك الْيمن

стр. 226

وَجمع إِلَيْهِ جنده فَأرْسل إِلَيْهِ وهرز ابْنا لَهُ ليقاتلهم فَقتل ابْن وهرز فزاده ذَلِك حنقاً عَلَيْهِم فَلَمَّا تواقف النَّاس على مَصَافهمْ قَالَ وهرز أروني ملكهم فَقَالُوا لَهُ أَتَرَى رجلا على الْفِيل عاقداً تاجه على رَأسه بَين عَيْنَيْهِ ياقوتة حَمْرَاء قَالَ نعم قَالُوا ذَلِك ملكهم قَالَ اتركوه فَوقف طَويلا ثمَّ قَالَ علام هُوَ قَالَ على البغلة قَالَ وهرز بئست الْحمالَة ذل وذل ملكه إِنِّي سأرميه فَإِن رَأَيْتُمْ أَصْحَابه لم يتحركوا فاثبتوا حَتَّى أوذنكم فَإِنِّي قد أَخْطَأت الرجل وَإِن رَأَيْتُمْ الْقَوْم قد استداروا ولاذوا بِهِ فَإِنِّي قد أصبته فاحملوا عَلَيْهِم فَأمر بحاجبيه فعصبا لَهُ ثمَّ رَمَاه فَشك الياقوتة الَّتِي بَين عَيْنَيْهِ فتغلغلت النشابة فِي رَأسه حَتَّى خرجت من قَفاهُ ونكس عَن دَابَّته فاستدارت الْحَبَشَة ولاذت بِهِ وحملت عَلَيْهِم الْفرس فَانْهَزَمُوا وَقتلُوا وهربوا فِي كل وَجه وَاقْبَلْ وهرز ليدْخل صنعاة حَتَّى إِذا أَتَى بَابهَا قَالَ لَا تدخل رايتي منكسة أبدا اهدموا الْبَاب فهدم ثمَّ دَخلهَا ناصباً رايته قَالَ ابْن إِسْحَاق فَأَقَامَ وهرز وَالْفرس بِالْيمن فَمن بَقِيَّة ذَلِك الْجَيْش من الْفرس الْأَبْنَاء الَّذين من الْيمن الْيَوْم قَالَ ابْن هِشَام طَاوس الْيَمَانِيّ من هَؤُلَاءِ الْأَبْنَاء ثمَّ مَاتَ وهرز فَأمر ابْنه الْمَرْزُبَان على الْيمن ثمَّ عزل وَأمر باذان فَلم يزل عَلَيْهَا حَتَّى بعث النَّبِي قَالَ وَكَانَ ملك الْحَبَشَة لليمن قبل ذَلِك أرياط ثمَّ أَبْرَهَة ثمَّ يكسوم ثمَّ مَسْرُوق الَّذِي قَتله وهرز قَالَ وَسبب ملك الْحَبَشَة لليمن أَن أهل نَجْرَان كَانُوا أهل شرك يعْبدُونَ الْأَصْنَام وَكَانَ فِي قَرْيَة من قراها قريبَة من نَجْرَان ونجران الْقرْيَة الْعُظْمَى الَّتِي إِلَيْهَا جماع تِلْكَ الْبِلَاد سَاحر يعلم غلْمَان أهل نَجْرَان السحر فَلَمَّا نزلها مَيْمُون الراهب ابتنى خيمة بَين نَجْرَان وَبَين تِلْكَ الْقرْيَة الَّتِي بهَا السَّاحر فَجعل أهل نَجْرَان يرسلون غلمانهم إِلَى ذَلِك السَّاحر يعلمهُمْ السحر فَبعث إِلَيْهِ الثَّامِر ابْنه عبد الله بن الثَّامِر مَعَ غلْمَان أهل نَجْرَان فَكَانَ عبد الله إِذا مر بِصَاحِب الْخَيْمَة أعجبه مَا يرى من

стр. 227

صلَاته وعبادته فَجعل يجلس إِلَيْهِ وَيسمع مِنْهُ حَتَّى أسلم ووحد الله وَعَبده وَجعل يسْأَله عَن شرائع الْإِسْلَام حَتَّى إِذا فقه فِيهِ جعل يسْأَله عَن الِاسْم الْأَعْظَم وَكَانَ يعمله فكتمه إِيَّاه وَقَالَ يَا بن أخي إِنَّك إِن تحمله أخْشَى ضعفك عَنهُ والثامر أَبُو عبد الله لَا يظنّ إِلَّا أَن ابْنه يخْتَلف إِلَى السَّاحر كَمَا يخْتَلف إِلَيْهِ الغلمان فَلَمَّا رأى عبد الله أَن مَيْمُون قد ضن بِالِاسْمِ الْأَعْظَم عَلَيْهِ وتخوف ضعفه عَنهُ عمد إِلَى قداحه فجمعها ثمَّ لم يبْق لله اسْما يُعلمهُ إِلَّا كتبه حَتَّى كتبهَا فِي القداح لكل اسْم قدح حَتَّى إِذا أحصاها أوقد لَهَا نَارا ثمَّ جعل يقذفها فِيهَا قدحاً قدحاً حَتَّى إِذا مر بِالِاسْمِ الْأَعْظَم قذف فِيهَا بقدحه فَوَثَبَ الْقدح من النَّار حَتَّى خرج مِنْهَا لم تضره النَّار شَيْئا فَأَخذه ثمَّ أَتَى بِهِ صَاحبه فَأخْبرهُ أَنه قد علم الِاسْم الْأَعْظَم الَّذِي كتمه عَنهُ فَقَالَ مَا هُوَ قَالَ لَهُ هُوَ كَذَا وَكَذَا قَالَ وَكَيف عَلمته فَأخْبرهُ بِمَا صنع فَقَالَ أَي ابْن أخي قد أصبته فَأمْسك على نَفسك وَمَا أَظن أَن تفعل فَجعل عبد الله بن الثَّامِر إِذا دخل نَجْرَان لم يلق أحدا بِهِ ضراء إِلَّا قَالَ يَا عبد الله أتوحد الله وَتدْخل فِي ديني وأدعو الله فيعافيك مِمَّا أَنْت فِيهِ من الْبلَاء فَيَقُول نعم فيوحد الله وَيسلم وَيَدْعُو لَهُ فيشفى حَتَّى لم يبْق بِنَجْرَان أحد بِهِ ضراء إِلَّا أَتَاهُ فَاتبعهُ على أمره فَدَعَا لَهُ فَعُوفِيَ فَرفع أمره إِلَى ملك نَجْرَان فَقَالَ لَهُ أفسدت عَليّ أهل مدينتي وخالفت ديني وَدين آبَائِي لَأُمَثِّلَن بك فَقَالَ عبد الله لَا تقدر على ذَلِك فَجعل يُرْسل بِهِ إِلَى الْجَبَل الطَّوِيل فيطرح من رَأسه فَيَقَع على الأَرْض لَيْسَ بِهِ بَأْس وَجعل يبْعَث بِهِ إِلَى مياه نَجْرَان بحور لَا يَقع فِيهَا شَيْء إِلَّا هلك فَيلقى فِيهَا فَيخرج لَيْسَ بِهِ بَأْس فَلَمَّا غَلبه ذَلِك قَالَ لَهُ عبد الله بن الثَّامِر إِنَّك لَا تقدر على قَتْلِي حَتَّى توَحد الله فتؤمن

стр. 228

بِمَا آمَنت بِهِ فَإِن فعلت ذَلِك اسْتَطَعْت ذَلِك فسلطت عَليّ فتقتلني قَالَ فَوحد الله ذَلِك الْملك وَشهد شَهَادَة عبد الله بن الثَّامِر ثمَّ ضربه بعصا فِي يَده فَشَجَّهُ شجة غير كَبِيرَة فَقتله وَهلك الْملك مَكَانَهُ وَاسْتَجْمَعَ أهل نَجْرَان على دين عبد الله بن الثَّامِر وَكَانَ على مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى ﵊ من الْإِنْجِيل وَحكمه ثمَّ أَصَابَهُم مَا أصَاب أهل دينهم من الْأَحْدَاث فَمن هُنَاكَ كَانَ أصل النَّصْرَانِيَّة بِنَجْرَان هَذَا حَدِيث مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ بِرِوَايَة مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَنهُ والهل أعلم وَقَالَ ابْن إِسْحَاق حَدثنِي بعض أهل نَجْرَان عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم أَنه حدث أَن رجلا من أهل نَجْرَان فِي زمَان عمر بن الْخطاب ﵁ حفر خربة من خرائب نَجْرَان ليقضي حَاجته فَوجدَ عبد الله بن الثَّامِر تَحت دفن مِنْهَا قَاعِدا وَاضِعا يَده على ضَرْبَة فِي رَأسه ممسكاً عَلَيْهَا بِيَدِهِ فَإِذا تَأَخَّرت يَدَاهُ عَنْهَا انْبَعَثَ دَمًا وَإِذا أرْسلت يَدَاهُ ردهما عَلَيْهِ فَأمْسك دَمه وَفِي يَده خَاتم مَكْتُوب فِيهِ رَبِّي الله فَكتب إِلَى عمر ﵁ يُخبرهُ فَكتب إِلَيْهِم عمر أَن أَقروهُ على حَاله وردوا عَلَيْهِ الدّفن الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ فَفَعَلُوا وَفِي أنوار التَّنْزِيل روى أَن ملكا كَانَ لَهُ سَاحر فضم إِلَيْهِ غُلَاما ليعلمه السحر وَكَانَ فِي طَرِيق الْغُلَام رَاهِب فَسمع الْغُلَام من الراهب وَمَال قلبه إِلَيْهِ فَرَأى الْغُلَام ذَات يَوْم فِي طَرِيقه حَيَّة قد حبست النَّاس فَأخذ حجرا وَقَالَ اللَّهُمَّ إِن كَانَ الراهب أحب إِلَيْك من السَّاحر فَاقْتُلْهَا فَقَتلهَا بِالْحجرِ فَكَانَ الْغُلَام بعد ذَلِك يُبرئ الأكمه والأبرص ويشفى من الْبلَاء وعمى جليس الْملك فَأَبْرَأهُ فَسَأَلَهُ الْملك عَمَّن أَبرَأَهُ فَقَالَ رَبِّي فَغَضب فَعَذَّبَهُ فَدلَّ الْغُلَام على الراهب فَلم يرجع الراهب عَن دينه فقد بِالْمِنْشَارِ وأبى الْغُلَام الرُّجُوع عَن دينه فَأرْسل بِهِ إِلَى جبل

стр. 229

ليطرحه من ذروته فَرَجَفَ بالقوم فهلكوا وَنَجَا فأجلسه فِي سفينة ليغرق وَقَالَ فِي الْمدْرك فَذهب بِهِ إِلَى قُرْقُور فَلَججُوا بِهِ ليغرقوه فَدَعَا فَانْكَفَأت السَّفِينَة بِمن مَعَه فَغَرقُوا وَنَجَا فَقَالَ الْملك لست بِقَاتِلِي حَتَّى تجمع النَّاس فِي صَعِيد وَتَصْلُبنِي على جذع نَخْلَة وَتَأْخُذ سَهْما من كِنَانَتِي وَتقول باسم رب الْغُلَام ثمَّ ترميني بِهِ فَرَمَاهُ فَوَقع السهْم فِي صُدْغه فَأمْسك بِيَدِهِ عَلَيْهِ فَمَاتَ فَقَالَ النَّاس آمنا بِرَبّ الْغُلَام فَقيل للْملك نزل بك مَا كنت تحذر فَأمر بِأَخَادِيدَ أوقدت فِيهَا النيرَان فَمن لم يرجع مِنْهُم عَن دينه طَرحه فِيهَا حَتَّى جَاءَت امْرَأَة مَعهَا صبي رَضِيع فَتَقَاعَسَتْ فَقَالَ الصَّبِي يَا أُمَّاهُ قفي وَلَا تقاعسي فَإنَّك على الْحق فَألْقى الصَّبِي وَأمه فِي النَّار وَفِي سيرة ابْن هِشَام لما تنصر أهل نَجْرَان سَار إِلَيْهِم ذُو نواس الْيَهُودِيّ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْيَهُودِيَّة وَخَيرهمْ بَين ذَلِك أَو الْقَتْل فَاخْتَارُوا الْقَتْل فخدد لَهُم الْأُخْدُود فَحرق بالنَّار وَقتل بِالسَّيْفِ وَمثل بهم حَتَّى قتل مِنْهُم قَرِيبا من عشْرين ألفا فَفِي ذِي نواس وَجُنُوده أنزل الله ﵎ قَوْله ﴿قتل أَصْحَاب الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ الْآيَات البروج ٤ - ٦ قلت سَمِعت من إملاء شَيخنَا الْعَلامَة الَّذِي لم يحْتَج لبَيَان فَضله إِلَى عَلامَة مَوْلَانَا الشَّيْخ مُحَمَّد بن عَلَاء الدّين البابلي نظما عزاهُ للعلامة السُّيُوطِيّ فِي عد من تكلم فِي المهد فَبلغ بهم عشرَة أنفس هُوَ قَوْله // (من الطَّوِيل) // (تكلّم فِي المهد النّبي محمّدٌ ... وَيحيى وَعِيسَى والخليل المكرّم) (ومبري جريج ثمّ شَاهد يوسفٍ ... وطفلٌ لَدَى الأُخدود يرويهِ مُسلم) (وطفلٌ عَلَيْهِ مرّ بالأمة الّتي ... يُقَال لَهَا تَزني وَلَا تتكلّم) (وماشطةٌ فِي عهد فِرْعَوْن طفلها ... وَفِي زمن الْهَادِي الْمُبَارك يخْتم) وَبَعْضهمْ زَاد مَرْيَم ﵍ وَلم يثبت وَقَوله الْمُبَارك يُرِيد الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور وَالِد عبد الله بن الْمُبَارك التَّابِعِيّ الْمَشْهُور انْتهى

стр. 230

قَالَ ابْن إِسْحَاق وأفلت مِنْهُم بعد وُقُوع التحريق رجل يُقَال لَهُ ذُو ثعلبان على فرس لَهُ فسلك الرميل فَأَعْجَزَهُمْ فَمضى على وَجهه حَتَّى أَتَى قَيْصر فاستنصره على ذِي نواس المحرق لَهُم صَاحب الْأُخْدُود وَجُنُوده وَأخْبرهُ بِمَا بلغ مِنْهُم فَقَالَ لَهُ بَعدت بلادك وَلَكِنِّي أكتب لَك إِلَى ملك الْحَبَشَة فَإِنَّهُ على هَذَا الدّين يَعْنِي النَّصْرَانِيَّة وَهُوَ أقرب إِلَى بلادك فَكتب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بنصره والطلب بثأر قومه فَقدم ذُو ثعلبان على النَّجَاشِيّ بكاتب قَيْصر فَبعث مَعَه سبعين ألفا من الْحَبَشَة وَأمر عَلَيْهِم رجلا مِنْهُم يُقَال لَهُ أرياط وَمَعَهُ فِي جنده أَبْرَهَة الأشرم فَركب أرياط الْبَحْر حَتَّى نزل بساحل الْيمن وَمَعَهُ ذُو ثعلبان وَسَار ذُو نواس الْحِمْيَرِي فِي حمير وَمن أطاعه من قبائل الْيمن فَلَمَّا الْتَقَوْا انهزم ذُو نواس وَأَصْحَابه فَلَمَّا رأى ذُو نواس وَأَصْحَابه مَا نزل بِهِ وبقومه وَجه فرسه فِي الْبَحْر ثمَّ ضربه فَدخل وخاض بِهِ ضحضاح الْبَحْر حَتَّى أفْضى بِهِ إِلَى غمرة فَأدْخلهُ فِيهَا فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ وَدخل أرياط الْيمن فملكها وَأقَام سِنِين فِي سُلْطَانه ذَلِك ثمَّ نازعه فِي أَمر الْحَبَشَة بِالْيمن أَبْرَهَة الحبشي الَّذِي كَانَ من جملَة جَيْشه فتفرقت الْحَبَشَة بَينهمَا فانحاز إِلَى كل وَاحِد مِنْهُمَا طَائِفَة مِنْهُم ثمَّ سَار أَحدهمَا على الآخر فَلَمَّا تقاربت النَّاس أرسل أَبْرَهَة إِلَى أرياط إِنَّك لَا تصنع إِلَّا أَن تلقى الْحَبَشَة بَعْضهَا بِبَعْض حَتَّى تفنيها شَيْئا بعد شَيْء فابرز إِلَيّ وأبرز إِلَيْك فأينا أصَاب صَاحبه انْصَرف إِلَيْهِ جنده فَأرْسل إِلَيْهِ أرياط يَقُول أنصفت فَخرج إِلَيْهِ أَبْرَهَة وَكَانَ رجلا حكيماً قَصِيرا وَكَانَ على دين النَّصْرَانِيَّة وَخرج إِلَيْهِ أرياط وَكَانَ رجلا جميلاً طَويلا وَفِي يَده حَرْبَة لَهُ وَخلف أَبْرَهَة غُلَام لَهُ يُقَال لَهُ عيودة يمْنَع ظَهره فَرفع أرياط الحربة فَضرب بهَا أَبْرَهَة يُرِيد يَافُوخه فَوَقَعت على جبهة أَبْرَهَة فشرمت حَاجِبه وَأَنْفه وعينه وشفته فَلذَلِك سمى أَبْرَهَة الأشرم وَحمل عيودة على أرياط من خلف أَبْرَهَة فَقتله فَانْصَرف جند أرياط إِلَى أَبْرَهَة فاجتمعت عَلَيْهِ الْحَبَشَة بِالْيمن

стр. 231

فَلَمَّا بلغ ذَلِك النَّجَاشِيّ غضب غَضبا شَدِيدا وَقَالَ عدا على أَمِيري فَقتله من غير أَمْرِي ثمَّ حلف لَا يدع أَبْرَهَة حَتَّى يطَأ بِلَاده ويجز ناصيته فَلَمَّا بلغ ذَلِك أَبْرَهَة حلق رَأسه وملأ جراباً من تُرَاب الْيمن ثمَّ بَعثه إِلَى النَّجَاشِيّ وَكتب مَعَه أَيهَا الْملك إِنَّمَا كَانَ أرياط عَبدك وَأَنا عَبدك اخْتَلَفْنَا فِي أَمرك وكل طَاعَة لَك إِلَّا أَنِّي كنت أقوى على أَمر الْحَبَشَة وأضبط لَهَا وأسوس مِنْهُ وَقد حلقت رَأْسِي كُله حِين بَلغنِي قسم الْملك وَبعثت إِلَيْك بجراب من تُرَاب أرضي ليضعه تَحت قَدَمَيْهِ فيبر قسمه فِي فَلَمَّا انْتهى ذَلِك إِلَى النَّجَاشِيّ رَضِي عَنهُ وَكتب إِلَيْهِ أَن اثْبتْ بِأَرْض الْيمن حَتَّى يَأْتِيك أَمْرِي فَأَقَامَ أَبْرَهَة بِالْيمن حَتَّى كَانَ ولد وَلَده أَبْرَهَة الَّذِي قصد إِلَى تخريب الْكَعْبَة فَإِن أَبْرَهَة الْمَذْكُور جد أَبْرَهَة الْآتِي لتخريب الْكَعْبَة فَأَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ مِمَّا تقدم ذكره وَلما اسْتَقر سيف بن ذِي يزن الْحِمْيَرِي بِالْيمن بعد أَن دَخلهَا صُحْبَة وهرز الَّذِي أنفذه مَعَه كسْرَى وَقتل ابرهة الْمَذْكُور أَنه جد أَبْرَهَة الْآتِي لتخريب الْكَعْبَة وَاسْتقر فِي تخت ملكه وَنزل بقصر غمدان فِي صنعاء الْيمن اتته وُفُود الْعَرَب كل صوب للتهنئة فَكَانَ من أعظمهم عبد الْمطلب فِي جمَاعَة من وُجُوه قومه وَكَانَ خُرُوج عبد الْمطلب وَمن صَحبه إِلَى سيف ذِي يزن فِي السّنة السَّادِسَة من مولده ﵊ قَالَه ابْن الْأَثِير فِي نهايته فبشره بِظُهُور رَسُول الله من نَسْله وَذكر الْعَلامَة ابْن الْجَوْزِيّ فِي المنتظم فِي أَخْبَار الْأُمَم الْعَرَب والعجم حَدِيث قدوم سيف بني ذِي يزن الْحِمْيَرِي فَقل لما ظهر جد سيف على الْحَبَشَة وَذَلِكَ بعد مولد النَّبِي بسنين أَتَتْهُ وُفُود الْعَرَب ووجوهها وأشرافها وشعراؤها للتهنئة ثمَّ أَتَتْهُ وُفُود قُرَيْش فيهم عبد الْمطلب بن هَاشم وَأُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف وقصي بن عبد الدَّار بن قصي وَسيف فِي صنعاء فِي رَأس قصر لَهُ يُقَال لَهُ غمدان وغمدان هُوَ الْقَائِل فِيهِ أُميَّة بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيّ يمدح سيف بن ذِي يزن الْمَذْكُور قَوْله // (من الْبَسِيط) // (لَا يطْلب الثّأر إلاّ كَابْن ذِي يزنٍ ... تيمّم الْبَحْر للأعداء أحوالا)

стр. 232

(أَتَى هرقلاً وَقد ساءت إجَابَته ... فَلم يجد عِنْده النّصر الَّذِي سالا) (ثمّ انثنى عِنْد كسْرَى بعد تاسعةً ... من السّنين يهين النّفس والمالا) (حتّى أَتَى ببني الْأَحْرَار يحملهم ... تخالهم فَوق متن الأَرْض أجبالا) (لله درّهم من فتيةٍ صبرٍ ... مَا إِن رَأَيْت لَهُم فِي النَّاس امثالا) (ارست اسداً على سود الْكلاب فقد ... أضحى شديدهم فِي الْبَأْس فلاّلا) (فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفعا ... فِي راس غمدان دَارا مِنْك محلالا) (فَاشْرَبْ هَنِيئًا فقد شالت نغامتهم ... وأسبل الْيَوْم فِي برديك إسبالا) (هذي المكارم لَا قعبان من لبنٍ ... شيبا بماءٍ فعادا بعد أبوالا) (هذي المكارم لَا ثَوْبَان من عدنٍ ... خيطا زَمَانا فعادا بعد أسمالا) أَقُول قَوْله شالت نعامتهم هُوَ كِنَايَة فِي كَلَام الْعَرَب عَن تفرق الْقَوْم وتبددهم وذهابهم قتلا أَو موتا أَو غَيرهمَا وَالْأَصْل فِيهِ اسْتِعْمَاله لتفرقتهم بالارتحال خَاصَّة عَن منهلهم المورود لَهُم فِي محلتهم فَإِذا ارتحلوا يُقَال شالت نعامتهم أَي ارْتَفَعت بكرتهم عَن النعامة وَهِي الْخَشَبَة المعترضة على شَفير الْبِئْر على الزرنوقين وهما المسميان الْيَوْم قَرْني الْبِئْر فَمَا دَامَ الْحَيّ مُجْتَمعين تكون نعامتهم تِلْكَ على منهلهم يستقون بهَا المَاء فَإِذا ارتحلوا رفعوا النعامة فنقلوها إِلَى منهل آخر فَيكون شولها أَي ارتفاعها كِنَايَة عَن رحيلهم ثمَّ توسع فِيهِ بِمَا ذكر وَفِي الْقَامُوس غمدان كعثمان قصر بِالْيمن بِنَاء يشرخ بن الْحَارِث بن صَيْفِي بن سبأ بن كهلان جد بلقيس بأَرْبعَة وُجُوه أَحْمَر وأصفر وأبيض وأخضر وَبنى دَاخله قصراً بسبعة سقوف بَين كل سقفين أَرْبَعُونَ ذِرَاعا انْتهى فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ إِذا هُوَ متضمخ بالعنبر ينطف وبيص الْمسك فِي مفرق رَأسه وَعَلِيهِ رداءان أخضران متزر بِأَحَدِهِمَا مُرْتَد بِالْآخرِ عَن يَمِينه وشماله الْمُلُوك

стр. 233

وَأَبْنَاء الْمُلُوك والأقيال فَأخْبر بمكانهم فَأذن لَهُم فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَدَنَا عبد الْمطلب واستأذنه فِي الْكَلَام فَقَالَ لَهُ إِن كنت مِمَّن يتَكَلَّم بَين أَيدي الْمُلُوك فَتكلم فَقَالَ إِن الله أحلك أَيهَا الْملك محلا رفيعاً باذخاً شامخاً منيعاً وأنبتك نباتاً طابت أرومته وعظمت جرثومته وَثَبت أَصله وبسق فَرعه فِي أطيب موطن وَأكْرم مَعْدن وَأَنت أَبيت اللَّعْن ملك الْعَرَب ونابها وربيعها الَّذِي بِهِ تخصب ورئيسها الَّذِي لَهُ تنقاد وعمودها الَّذِي عَلَيْهِ الْعِمَاد ومعقلها الَّذِي يلجأ إِلَيْهِ الْعباد سلفك خير سلف وَأَنت لنا مِنْهُ خير خلف فَلَنْ يهْلك من أَنْت خَلفه وَلنْ يخمد ذكر من سلفك سلفه أقدمنا الَّذِي أفرحنا فَنحْن وَفد التهنئة لَا وَفد الترزئة فَقَالَ لَهُ الْملك من أَنْت أَيهَا الْمُتَكَلّم فَقَالَ أَنا عبد الْمطلب بن هَاشم قَالَ ابْن أُخْتنَا قَالَ نعم قلت قَول سيف ابْن أُخْتنَا يُشِير بِهِ إِلَى أَن عبد الْمطلب أمه سلمى بنت عَمْرو من بني النجار وهم يرجعُونَ إِلَى حمير ثمَّ أقبل عَلَيْهِ وعَلى الْقَوْم فَقَالَ مرْحَبًا وَأهلا وناقة ورحلاً فأرسلها مثلا وَكَانَ أول من تكلم بهَا ومناخاً سهلاً وملكاً ربحلاً يعْطى عَطاء جزلاً قد سمع الْملك مَقَالَتَكُمْ وَعرف مكانتكم وَقبل وسيلتكم فَأنْتم أهل اللَّيْل وَالنَّهَار لكم الْكَرَامَة مَا أقمتم والحباء إِذا ظعنتم وانهضوا إِلَى دَار الضِّيَافَة والفود فنهضوا وأجرى عَلَيْهِم الأنزال فأقاموا كَذَلِك شهرا لَا يصلونَ إِلَيْهِ وَلَا يُؤذن لَهُم بالانصراف ثمَّ إِن الْملك انتبه لَهُم انتباهة فَأرْسل إِلَى عبد الْمطلب فأدناه ثمَّ قَالَ لَهُ يَا عبد الْمطلب إِنِّي مفض إِلَيْك من سر علمي أمرا لَو غَيْرك يكون لم أبح لَهُ بِهِ وَلَكِن رَأَيْتُك مَوْضِعه فأطلعتك طلعه فَلْيَكُن عنْدك مطوياً حَتَّى يَأْذَن الله فِيهِ إِنِّي أجد فِي الْكتاب الْمكنون وَالْعلم المخزون الَّذِي أخذناه لأنفسنا واحتجبناه دون غَيرهَا خَبرا عَظِيما وخطراً جسيماً فِيهِ شرف الْحَيَاة وفضيلة الْمَمَات للنَّاس كَافَّة ولرهطك كَافَّة وَلَك خَاصَّة فَقَالَ عبد الْمطلب لقد أتيت

стр. 234

بِخَبَر أَيهَا الْملك مَا سر بِمثلِهِ وَافد قوم وَلَوْلَا هَيْبَة الْملك وإجلاله لسألته عَن بشارته إِيَّاه مَا أزداد بِهِ سُرُورًا فَقَالَ الْملك هَذَا حِين الَّذِي يُولد فِيهِ ولد اسْمه مُحَمَّد يَمُوت أَبوهُ وَأمه ويكفله جده وَعَمه وَالله باعثه جهاراً وجاعل لَهُ منا أنصاراً يعز بهم أولياءه ويذل بهم اعداءه وَيضْرب بهم النَّاس عَن عرض ويستبيح بهم كرائم أهل الأَرْض تخمد بِهِ النيرَان ويعبد بِهِ الرَّحْمَن ويدحر بِهِ الشَّيْطَان وتكسر بِهِ الْأَوْثَان قَوْله فصل وَحكمه عدل يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ ويفعله وَيُنْهِي عَن الْمُنكر ويبطله فَقَالَ لَهُ عبد الْمطلب عز جَارك ودام ملكك وَعلا كعبك فَهَل الْملك مفصح عَنهُ مزِيد إفصاح فقد وضح بعض الاتضاح فَقَالَ لَهُ سيف ارْفَعْ رَأسك ثلج صدرك وَعلا كعبك فَهَل أحسست بِشَيْء مِمَّا ذكرته لَك قَالَ نعم أَيهَا الْملك كَانَ لي ابْن وَكنت بِهِ معجباً وَعَلِيهِ رَفِيقًا وَبِه شفيقاً وَإِنِّي زَوجته كَرِيمَة من كرائم قومِي آمِنَة بنت وهب بن عبد منَاف بن زهرَة فَجَاءَت مِنْهُ بِغُلَام سميته مُحَمَّدًا مَاتَ أَبوهُ وَأمه وكفلته أَنا وَعَمه فَقَالَ لَهُ الْملك إِن الَّذِي قلت لَك كَمَا قلت فاحفظ ابْنك وَاحْذَرْ عَلَيْهِ من الْيَهُود فَإِنَّهُم لَهُ أَعدَاء وَلنْ يَجْعَل الله لَهُم عَلَيْهِ سَبِيلا واطو مَا ذكرت لَك دون هَؤُلَاءِ الرَّهْط الَّذين مَعَك فَإِنِّي لست آمن أَن تدخلهم النفاسة فِي أَن تكون لَك الرياسة فَيَنْصبُونَ لَك الحبائل ويبتغون لَك الغوائل وهم فاعلون ذَلِك وابناؤهم من غير شكّ وَلَوْلَا اني أعلم أَن الْمَوْت مجتاحي قبل مبعثه لسرت إِلَيْهِ بخيلي ورجلي حَتَّى أجعَل يثرب دَار ملكي فَإِنِّي أجد فِي الْكتاب النَّاطِق وَالْعلم السَّابِق أَن يثرب دَار استحكام أمره وَأهل نصرته وَمَوْضِع قَبره وَلَوْلَا أَنِّي أقيه الْآفَات وَأحذر عَلَيْهِ العاهات لأعليت على حَدَاثَة سنه أمره ولأوطأت أَسْنَان الْعَرَب كَعبه وَلَكِن صَار إِلَيْك ذَلِك مِمَّن مَعَك ثمَّ دَعَا بالقوم فَدَخَلُوا فَأمر لكل مِنْهُم بِعشْرَة أعبد وَعشرَة إِمَاء وحلتين من حلل البرود وَخَمْسَة أَرْطَال من الذَّهَب وَعشرَة أَرْطَال من الْفضة وكرش مَمْلُوء عنبراً وَمِائَة من الْإِبِل وَأمر لعبد الْمطلب بِعشْرَة أَضْعَاف ذَلِك وَقَالَ إِذا جَاءَ الْحول فائتني بِمَا يكون مِنْهُ يَعْنِي النَّبِي فَمَاتَ سيف قبل أَن يحول عَلَيْهِ الْحول هَذَا حَدِيث مَشْهُور وَمن أَوْلَاد سيف بحمص وعقبهم بهَا انْتهى وَلما انْصَرف عبد الله مَعَ أَبِيه من نحر الْإِبِل مر على امْرَأَة من بني أَسد بن عبد

стр. 235

الْعُزَّى وَاسْمهَا قيلة بنت نَوْفَل وَقيل رقية وَهِي أُخْت ورقة بن نَوْفَل وَذكر البرقي عَن هِشَام بن الْكَلْبِيّ إِن اسمعها فَاطِمَة بنت مر الخثعمية كَانَت من أجمل النِّسَاء وَكَانَت قَرَأت الْكتب فرأت النُّور فِي وَجهه وَكَانَ عبد الله أحسن رجل رئي فِي قُرَيْش فَقَالَت لَهُ هَل لَك فِي أَن تقع عَليّ وَلَك مثل الْإِبِل الَّتِي نحرت عَنْك فَقَالَ لَهَا أَنا مَعَ أبي وَلَا أَسْتَطِيع خِلَافه ثمَّ قَالَ لَهَا // (من الرجز) // (أمّا الْحَرَام فالممات دونه ... والحلّ لَا حلّ فأستبينه) (فَكيف بِالْأَمر الّذي تنوينه ... يحمي الْكَرِيم عرضه وَدينه) ثمَّ مضى بِهِ أَبوهُ حَتَّى أَتَى وهب بن عبد منَاف وَهُوَ يَوْمئِذٍ سيد بني زهرَة نسبا وشرفاً فَزَوجهُ ابْنَته آمِنَة وَهِي يَوْمئِذٍ أفضل امْرَأَة فِي قُرَيْش نسبا وموضعاً فزعموا أَنه دخل عَلَيْهَا حِين ملكهَا مَكَانَهُ فَوَقع عَلَيْهِ يَوْم الِاثْنَيْنِ من أَيَّام منى فِي شعب أبي طَالب فَحملت برَسُول الله ثمَّ خرج من عِنْدهَا فَأتى الْمَرْأَة فَقَالَ لَهَا هِيَ لَك فِيمَا قلت بالْأَمْس حلا قَالَت كَانَ ذَلِك بالْأَمْس، وَأما الْيَوْم فَلَا، فَقَالَت: إِنِّي امْرَأَة وَالله امْرَأَة لست بصاحبة رِيبَة وَإِنَّمَا رَأَيْت النُّور الَّذِي كَانَ مَعَك بالْأَمْس فَأَرَدْت أَن يكون فيّ فابى الله إِن يَجعله إِلَّا حَيْثُ شَاءَ إِلَّا حَيْثُ شَاءَ إِلَّا حَيْثُ شَاءَ فَهُوَ مُحَمَّد رَسُول الله ابْن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة ابْن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن نبت أَو نابت بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم هَذَا على قَول من قَالَ إِن عَمُود النّسَب المحمدي من نبت أَو نابت وَقَالَ غَيره إِن عَمُود النّسَب المحمدي قيدار بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ الَّذِي رَجحه السُّهيْلي كَمَا تقدم ابْن تارح بن ناحور بن ساروع بن أرغو بن فالغ بن عَابِر ابْن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح بن لمك أَو لامك ابْن متوشلخ بن أَخْنُوخ أَو خنوخ ابْن يرد أَو يارد ابْن مهيائيل أَو مهلائيل ابْن قينان أَو قاين ابْن أنوش بن شِيث بن آدم صلوت الله وَسَلَامه عَلَيْهِ انْتهى الْمَقْصد الأول

стр. 236

(الْمَقْصد الثَّانِي) (فِي بَيَان أَحْوَاله ﵊ وَفِيه سَبْعَة أَبْوَاب) الْبَاب الأول فِي الْحمل بِهِ وولادته ورضاعته وَمَوْت عَمه أبي طَالب وَزَوجته السيدة خَدِيجَة وَخُرُوجه للطائف الْبَاب الثَّانِي فِي ذكر هجرته الشَّرِيفَة إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة الْبَاب الثَّالِث فِي ذكر أَعْمَامه وعماته الْبَاب الرَّابِع فِي ذكر أَزوَاجه الْبَاب الْخَامِس فِي ذكر أَوْلَاده ﵊ الْبَاب السَّادِس فِي ذكر موَالِيه وخدامه وإمائه وَكتابه وأمرائه ومؤذنيه وخطبائه وحداته وشعرائه وخيله وسلاحه وغنمه ولقاحه وَمَا يتبع ذَلِك الْبَاب السَّابِع فِي الْحَوَادِث من أول سني الْهِجْرَة إِلَى وَفَاته ﵊ فَنَقُول متوكلين على الله مستمدين من الرَّسُول

стр. 237

(الْبَاب الأول من الْمَقْصد الثَّانِي) (فِي الْحمل بِهِ وولادته ورضاعته وَمَوْت خَدِيجَة وَأبي طَالب وَخُرُوجه إِلَى الطَّائِف) لما أذن الله ﵎ للنور المحمدي والشخص الأحمدي أَن ينْتَقل من عبد الله بن عبد الْمطلب إِلَى آمِنَة بنت وهب وَقد اندرس فِي الْوُجُود أَعْلَام الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَفَشَا فِيهِ مجاهل الظُّلم والإظلام ونبذ النَّاس الطَّاعَة وكشفوا بالمحارم عَن وَجه الْحيَاء قناعه كَانَ انْتِقَال النُّور الصمدي بالذر المحمدي فَكَانَ الْحمل بِهِ لَيْلَة الْجُمُعَة فِي شعب أبي طَالب وَفِي سيرة الْيَعْمرِي حملت بِهِ آمِنَة فِي أَيَّام التَّشْرِيق عِنْد الْجَمْرَة الْوُسْطَى وَكَانَ سنّ عبد الله إِذْ ذَاك ثَلَاثِينَ سنة وَلما حملت بِهِ أَمر الله تَعَالَى خَازِن الْجنان أَيْن فتح ابوابها تَعْظِيمًا لنُور مُحَمَّد وَهَبَطَ جِبْرِيل بلوائه الْأَخْضَر فنصبه على ظهر الْكَعْبَة قَالَ فِي الْمَوَاهِب وَاخْتلف فِي مُدَّة الْحمل بِهِ فَقيل تِسْعَة أشهر وَقيل عشرَة وَقيل ثَمَانِيَة وَقيل سَبْعَة وَقيل سِتَّة وَلما تمّ من حمله شَهْرَان وَفِي سيرة مغلطاي قبل وِلَادَته بشهرين توفّي أَبوهُ عبد الله وَقيل إِنَّمَا توفّي حِين كَانَ النَّبِي فِي المهد قَالَه الدولابي والأرجح الْمَشْهُور هُوَ الأول وَذكر أهل السِّيرَة أَن آمِنَة لم تحمل حملا وَلَا ولدا غَيره وَكَذَا أَبوهُ عبد الله لم يُولد لَهُ غَيره ﵊ وَلذَلِك لم يكن لَهُ أَخ وَلَا أُخْت لَكِن كَانَ لَهُ ذَلِك من الرضَاعَة وَأما قَول بني زهرَة نَحن اخوال النَّبِي فلكون أمه آمِنَة مِنْهُم وَفِي الصفوة قَالَ مُحَمَّد بن كَعْب خرج عبد الله بن عبد الْمطلب إِلَى الشَّام فِي تِجَارَة مَعَ جمَاعَة من قُرَيْش فَلَمَّا رجعُوا مروا بِالْمَدِينَةِ وَعبد الله كَانَ مَرِيضا فَتخلف بِالْمَدِينَةِ عِنْد أخوال أَبِيه بني عدي بن النجار فَأَقَامَ عِنْدهم مَرِيضا شهرا وَمضى أَصْحَابه وَقدمُوا مَكَّة وأخبروا عبد الْمطلب فَبعث إِلَيْهِ وَلَده الْحَارِث

стр. 238

وَالزُّبَيْر على قَول ابْن الْأَثِير فوجدوه قد توفّي وَدفن بدار النَّابِغَة وَهُوَ رجل من بني عدي بن النجار فَرجع الْحَارِث فَأخْبر أَبَاهُ فَوجدَ عَلَيْهِ وجدا شَدِيدا وَتُوفِّي وعمره خمس وَعِشْرُونَ سنة وَقيل غير ذَلِك إِذْ قد تقدم عَن سيرة الْيَعْمرِي أَن سنه حَال التَّزَوُّج ثَلَاثُونَ سنة وَترك عبد الله أم أَيمن جَارِيَة حبشية اسْمهَا بركَة فَورثَهَا وأعتقها يَوْم تزَوجه بخديجة هَاجَرت فأصابها عَطش فِي طريقها فدليت إِلَيْهَا دلو من السَّمَاء فَشَرِبت وَرويت فَمَا أَصَابَهَا عَطش بعد ذَلِك فَكَانَت تتعمد الصَّوْم فِي أَيَّام شدَّة الصَّيف لتظمأ فِيمَا تظمأ وَحَضَرت يَوْم حنين فَكَانَت تمشي بَين صُفُوف الْمُسلمين قائلة سبت الله أقدامكم تُرِيدُ الدُّعَاء لَهُم بتثبيت الْأَقْدَام فَقَالَ لَهَا ﵊ اسكتي يَا أم أَيمن فَإنَّك عسراء اللِّسَان قَالَه الذَّهَبِيّ زَوجهَا النَّبِي زيد بن حَارِثَة فَولدت لَهُ أُسَامَة بن زيد وَمَاتَتْ فِي خلَافَة عُثْمَان وَخلف أَيْضا خَمْسَة اجمال وَقطعَة من الْغنم وَكَانَت أم أَيمن الْمَذْكُورَة مُحصنَة وَاخْتلف فِي عَام وِلَادَته فالأكثرون أَنَّهَا عَام الْفِيل وَبِه قَالَ ابْن عَبَّاس وَمن الْعلمَاء من حكى الِاتِّفَاق عَلَيْهِ قَالَ الْعَلامَة ابْن الْجَوْزِيّ فِي التلقيح اتَّفقُوا على أَنه ولد يَوْم الِاثْنَيْنِ فِي شهر

стр. 239

ربيع الأول عَام الْفِيل وَاخْتلفُوا فِيمَا مضى من ذَلِك الشَّهْر على أَرْبَعَة أَقْوَال أَحدهَا ولد لاثني عشر لَيْلَة خلت مِنْهُ وَالثَّانِي لليلتين وَالثَّالِث لثمان وَهُوَ قَول الْمُحدثين كلهم أَو جلهم الرَّابِع لعشر خلون مِنْهُ وَفِي الْمَوَاهِب ولد بعد الْفِيل بِخَمْسِينَ يَوْمًا وَهلك أَصْحَاب الْفِيل لثلاث عشرَة لَيْلَة بقيت من الْمحرم وَكَانَ أول الْمحرم تِلْكَ السّنة بِالْجمعَةِ وَذَلِكَ فِي عهد كسْرَى أنوشروان لمضي اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين سنة من ملكه وعاش بعد مولده سبع سِنِين وَثَمَانِية أشهر فَكَانَ ملكه تسعا وَأَرْبَعين سنة وَثَمَانِية أشهر وَقَالَ فِيهِ ﵊ ولدت فِي زمن الْملك الْعَادِل كسْرَى أنوشروان كَذَا قَالَه ابْن الْأَثِير فِي أَسد الغابة وَاخْتلف فِي مَكَان وِلَادَته ﵊ فَقيل ولد بِمَكَّة فِي الدَّار الَّتِي كَانَت لمُحَمد بن يُوسُف الثَّقَفِيّ أخي الْحجَّاج وَقيل بِالشعبِ وَقيل بالردم وَقيل بعسفان وَالْمَشْهُور أَنه ولد فِي الدَّار الَّتِي تعرف بدار مُحَمَّد بن يُوسُف الثَّقَفِيّ بزقاق مَعْرُوف بزقاق المولد فِي شعب مَشْهُور بشعب بني هَاشم من الطّرف الشَّرْقِي لمَكَّة تزار ويتبرك بهَا الْآن قَالَ الإِمَام أَبُو الْقَاسِم السُّهيْلي ذكر ابْن مخلد فِي تَفْسِيره أَن إِبْلِيس لَعنه الله تَعَالَى رن أَربع رنات حِين لعن وَحين أهبط وَحين ولد النَّبِي وَحين أنزلت فَاتِحَة الْكتاب

стр. 240

وَفِي الْكَشَّاف وأنوار التَّنْزِيل الفترة بَين عِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام سِتّمائَة أَو خَمْسمِائَة وتسع وَسِتُّونَ سنة وَبَينهمَا أَرْبَعَة أَنْبيَاء ثَلَاثَة من بني إِسْرَائِيل وَوَاحِد من الْعَرَب وَهُوَ خَالِد بن سِنَان الْعَبْسِي ثمَّ قَالَ أما خَالِد بن سِنَان فروى أَنه كَانَ فِي زمن كسْرَى أنوشروان وَأَنه كَانَ يَدْعُو النَّاس إِلَى دين عِيسَى وَكَانَ بِأَرْض بني عبس وأطفأ النَّار الَّتِي كَانَت تخرج من بِئْر هُنَاكَ وَتحرق من لَقيته من عَابِر السَّبِيل وَغَيرهم قَالَ فِي مروج الذَّهَب ظَهرت فِي الْعَرَب نَار فكادوا بهَا يفتتنون وسالت سيلاً فَأخذ خَالِد هراوته وَدخل فِيهَا وَهُوَ يَقُول بدا بدا كل هَذَا مؤد إِلَى الله الْأَعْلَى لأدخلنا وَهِي نَار تلظى ولأخرجن مِنْهَا وثيابي تندى فأطفأها وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ لإخوته إِذا دفنت فستجيء عانة من حمير يقدمهَا عير أَبتر فَيضْرب قَبْرِي بحافره فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فانبشوا عني فَإِنِّي أخرج وأخبركم بِجَمِيعِ مَا يكون وَمَا هُوَ كَائِن فَلَمَّا مَاتَ وَدفن رأواما قَالَ وَأَرَادُوا أَن يحفروا عَنهُ فكره ذَلِك بَعضهم وَقَالُوا نَخَاف السبة وَأَتَتْ ابْنَته رَسُول الله فَسَمعته يقْرَأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الْإِخْلَاص رقم فَقَالَت كَانَ أبي يَقُولهَا وجرجيس أدْرك بعض حوارِي عِيسَى ﵇ أرسل إِلَى بعض مُلُوك الْموصل بدعوة فَقتله فأحياه الله فَفعل بِهِ ذَلِك مرَارًا فَأمر بنشره أَجزَاء وإحراقه وإذرائه فِي دجلة فَأَهْلَكَهُ الله وَجَمِيع أهل مَمْلَكَته كَمَا وَردت بِهِ الْأَخْبَار عَن أهل الْكتاب مِمَّن آمن ذكر ذَلِك وهب بن مُنَبّه وَفِي كتاب الِابْتِدَاء وَالسير وحبِيب النجار بأنطاكية من أَرض الشَّام وَبهَا ملك متجبر يعبد التماثيل والصور فَصَارَ إِلَيْهِ اثْنَان من تلامذة عِيسَى دَعْوَاهُ فحبسهما وضربهما فعززا بثالث شَمْعُون الصَّفَا كَمَا أخبر عَنْهُم تَعَالَى بقوله ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾ الْآيَة يس ١٤ وَمِنْهُم حَنْظَلَة بن صَفْوَان نَبِي بَين عِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام

стр. 241

أرسل إِلَى أَصْحَاب الرس قوم ابْتَلَاهُم الله تَعَالَى بطير عَظِيم لَهَا عنق طَوِيل من أحسن الطُّيُور كَانَ فِيهَا من كل لون فسميت العنقاء لطول عُنُقهَا وَلِأَنَّهَا تغرب بِكُل مَا خطفته فانقضت على جَارِيَة وضمتها بَين جناحين لَهَا صغيرين غير الجناحين الكبيرين ثمَّ ذهبت بهَا فضربتها الْعَرَب مثلا فَقَالُوا طارت بِهِ عنقاء مغرب فشكوا ذَلِك إِلَى نَبِيّهم حَنْظَلَة بن صَفْوَان فَدَعَا عَلَيْهَا فأصابتها الصاعقة فأهلكتها ثمَّ إِنَّهُم قتلوا نَبِيّهم حَنْظَلَة لما قدم يَدعُوهُم إِلَى الله تَعَالَى فَأوحى الله تَعَالَى إِلَى نَبِي من الأسباط يَأْمر بخت نصر أَن يسير إِلَيْهِم فَأتى عَلَيْهِم فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا إِذَا هُم مِنْهَا يَرْكُضُونَ لَا تَرْكُضُواْ وَارْجِعُواْ إِلَى مَا أترفتم فِيهِ ومساكنكم لَعَلَّكُمْ تسئلون قَالُوا يَا ويلتنا إِنَّا كُنَّا ظالمين فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعوَاهُم حَتَّى جعلناهم حصيدا خامدين﴾ الْأَنْبِيَاء ١٣ - ١٥ وَمن أَصْحَاب الفترة أسعد بن كرب الْحِمْيَرِي كَانَ مُؤمنا بِالنَّبِيِّ قبل مبعثه بسبعمائة سنة فَقَالَ // (من المتقارب) // (شهدتّ على أحمدٍ أنّه ... رسولٌ من الله باري النّسم) (فَلَو مدّ عمري إِلَى عمره ... لَكُنْت وزيراً لَهُ وَابْن عَم) وَهُوَ أول من كسا الْكَعْبَة الأنطاع والبرود وَمِنْهُم قس بن سَاعِدَة الْإِيَادِي وَكَانَ حَكِيم الْعَرَب قَالَ الْأَعْشَى // (من الطَّوِيل) // (واحكم من قيس وَأَجرا من الّذي ... لَدَى الْفِيل من خفان أصبح جاذرا) قدم على رَسُول الله وَفد من إياد وسألهم عَنهُ فَقَالُوا هلك فَقَالَ ﵀ كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ بسوق عكاظ على جمل أَحْمَر وَهُوَ يَقُول يأيها النَّاس اجْتَمعُوا واسمعوا وعوا من عَاشَ مَاتَ وَمن مَاتَ فَاتَ وكل مَا هُوَ آتٍ آتٍ أما بعد فَإِن فِي السَّمَاء لخبراً وَإِن فِي الأَرْض لعبراً نُجُوم تمور وبحار لَا تغور وسقف مَرْفُوع ومهاد مَوْضُوع أقسم بِاللَّه قس بن سَاعِدَة قسم حَقًا

стр. 242

لَئِن كَانَ فِي الْأَمر رضَا لَيَكُونن بعده سخط إِن الله دينا هُوَ أرْضى من دين أَنْتُم عَلَيْهِ مَا بَال النَّاس يذهبون وَلَا يرجعُونَ أرضوا بالْمقَام فأقاموا أم نزلُوا فَنَامُوا سَبِيل مؤتلف وَعمل مُخْتَلف وَقَالَ أبياتاً لَا أحفظها فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ أَنا أحفظها يَا رَسُول الله فَقَالَ هَاتِهَا فَقَالَ // (من مجزوء الْكَامِل) // (فِي السَّابِقين الْأَوَّلين ... من الْقُرُون لنا بصائر) (لمّا رَأَيْت موارداً ... للْقَوْم لَيْسَ لَهَا مصَادر) (وَرَأَيْت قومِي نَحْوهَا ... يمْضِي الْأَوَائِل والأواخر) (لَا يرجع الْمَاضِي وَلَا ... يبْقى من البَاقِينَ غابر) (أيقنت أَنِّي لَا محَالة ... حَيْثُ صَار الْقَوْم صائر) فَقَالَ النَّبِي يرحم الله قسا اني لأرجو إِن يبْعَث أمة وَاحِدَة وَمِنْهُم أَصْحَاب الْأُخْدُود فِي مَدِينَة نَجْرَان بِالْيمن فِي ملك ذِي نواس الْقَاتِل الَّذِي شاتر وَكَانَ على دين الْيَهُود فَبَلغهُ أَنه قوما بِنَجْرَان على دين الْمَسِيح بن مَرْيَم فَسَار إِلَيْهِم واحتفروا الْأُخْدُود كَمَا ذكرهم الله تَعَالَى بقوله ﴿قتل أَصْحَاب الأُخْدُودِ﴾ البروج ٤ وأتى بِامْرَأَة مَعهَا طِفْل فتقهقرت عَن النَّار عِنْد الْأُخْدُود فَتكلم طلفها وَقَالَ يَا أُمَّاهُ قفي وَلَا تقاعسي فَإنَّك على الْحق وهم على دين النَّصْرَانِيَّة فِي ذَلِك الْوَقْت مُؤمنين مُوَحِّدين فَمضى مِنْهُم رجل يُقَال لَهُ ذُو ثعلبان إِلَى قَيْصر يستنجده فَكتب لَهُ إِلَى النَّجَاشِيّ لِأَنَّهُ كَانَ أقرب إِلَيْهِم دَارا فَكَانَ من أَمر الْحَبَشَة وعبورهم إِلَى أَرض الْيمن وتغلبهم عَلَيْهَا مَا كَانَ إِلَى أَن كَانَ من أَمر سيف بن ذِي يزن واستنجاده بكسرى وإمداده لَهُ بِمن كَانَ فِي حَبسه وأميرهم وهرز وظفر سيف على الْحَبَشَة مَا هُوَ مَشْهُور وَمِنْهُم أُميَّة بن أبي الصَّلْت الثَّقَفِيّ كَانَ يتجر إِلَى الشَّام فلقي أهل الْكِتَابَيْنِ

стр. 243

وَأَخْبرُوهُ أَن نَبيا يبْعَث فِي الْعَرَب فَلَمَّا بلغه ظُهُوره ﵊ اغتاظ وتأسف ثمَّ أَتَى الْمَدِينَة يسلم فَرده الْحَسَد فَرجع إِلَى الطَّائِف فَبَيْنَمَا هُوَ يشرب مَعَ فتية إِذْ صَاح غراب ثَلَاثَة أصوات وطار فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَا قَالَ قَالُوا لَا قَالَ إِنَّه يَقُول إِن أُميَّة لَا يشرب الكأس الثَّالِثَة حَتَّى يَمُوت فَقَالُوا لتكذبن وَقَالُوا احسوا كأسكم فَلَمَّا انْتَهَت إِلَيْهِ أغمى عَلَيْهِ فَسكت طَويلا ثمَّ أَفَاق يَقُول لبيكما لبيكما هأنذا لديكما ثمَّ أنشأ يَقُول // (من الْخَفِيف) // (إنّ يَوْم الْحساب يومٌ عظيمٌ ... شَاب فِيهِ الصّغير يَوْمًا طَويلا) (لَيْتَني كنت قبل مَا قد باد لي ... فِي رُؤُوس الْجبَال أرعى الوعولا) (كلّ عيشٍ وَإِن تطاول دهراً ... صائرٌ مرّةٌ إِلَى أَن يزولا) ثمَّ شهق شهقة فَكَانَت فِيهَا نَفسه وَقد ذكر الْعلمَاء بأمثال الْعَرَب وأخبار من سلف أَن السَّبَب فِي كِتَابَة قُرَيْش واستفتاحها بقَوْلهمْ بِاسْمِك اللَّهُمَّ هُوَ أَن أُميَّة بن أبي الصَّلْت خرج إِلَى الشَّام فِي نفر من ثَقِيف وقريش وَغَيرهم فَلَمَّا قَفَلُوا رَاجِعين نزلُوا منزلا واجتمعوا لعشائهم إِذْ أَقبلت حَيَّة صَغِيرَة حَتَّى دنت مِنْهُم فحصبها بَعضهم فِي وَجههَا فَرَجَعت عَن سفرتهم وَقَامُوا إِلَى إبلهم وَارْتَحَلُوا من منزلهم فَلَمَّا برزوا من الْمنزل أشرفت عَلَيْهِم عَجُوز من كثيب رمل متوكئة على عَصا لَهَا فَقَالَت مَا منعكم أَن تطعموا رحيمة الْجَارِيَة الْيَتِيمَة الَّتِي جاءتكم عَشِيَّة قَالُوا وَمَا أَنْت قَالَت أم الْعَوام أيمت مُنْذُ أَعْوَام اما وَرب الْعباد لنفرقن فِي الْبِلَاد ثمَّ ضربت بعصاها فِي الأَرْض فأثارت الرمل ثمَّ قَالَت أطيلي إيابهم ونفري رِكَابهمْ فنفرت الْإِبِل كَأَن على كل ذرْوَة بِبَعِير شَيْطَانا مَا نملك مِنْهَا شَيْئا حَتَّى افْتَرَقت فِي الْوَادي فجمعناها من آخر النَّهَار إِلَى غَد وَلم نكد فَلَمَّا أنخنا لنركب طلعت الْعَجُوز فَعَادَت بالعصر لفعلها الأول وعادت لمقالتها مَا منعكم أَن تطعموا إِلَى آخر مَا قالته أَولا فتفرقت الْإِبِل فجمعناها من بكرَة النَّهَار إِلَى الْعشَاء وَلم نكد فَلَمَّا أنخنا لنركب طلعت وَفعلت مثل فعلهَا الأول وَالثَّانِي فنفرت الْإِبِل فأمسينا فِي لَيْلَة مُقْمِرَة ويئسنا من ظهرنا فَقَالَ بعض الْقَوْم لأمية بن أبي الصَّلْت أَيْن مَا كنت تخبرنا بِهِ عَن نَفسك فَتوجه إِلَى ذَلِك الْكَثِيب الَّذِي أَتَت مِنْهُ الْعَجُوز حَتَّى هَبَط من نَاحيَة أُخْرَى ثمَّ صعد كثيباً آخر حَتَّى هَبَط مِنْهُ ثمَّ رفعت لَهُ كَنِيسَة فِيهَا

стр. 244

قناديل وَإِذا رجل على بَابهَا معترض أَبيض الرَّأْس واللحية قَالَ أُميَّة فَلَمَّا وقفت عَلَيْهِ قَالَ بعد أَن رفع رَأسه إِلَى إِنَّه لمتبوع قلت اجل قَالَ مَا حَاجَتك فَحَدَّثته حيدث الْعَجُوز وفعلها فَقَالَ صدقت وَلَيْسَت بصادقة هِيَ امْرَأَة يَهُودِيَّة هلك زَوجهَا مُنْذُ أَعْوَام وَإِنَّهَا لم تزل تصنع بكم ذَلِك حَتَّى تهلككم إِن استطاعت فَقَالَ أُميَّة فَمَا الْحِيلَة قَالَ اجْمَعُوا اظهركم فَإِذا جَاءَت وَفعلت مَا كَانَت تَفْعَلهُ فَقولُوا لَهَا سبعا فَوق وَسبعا أَسْفَل بِاسْمِك اللَّهُمَّ فَإِنَّهَا لن تضركم شَيْئا فَرجع أُميَّة إِلَى أَصْحَابه فَأخْبرهُم بِمَا قَالَ لَهُ فَجَاءَت فَفعلت كَمَا كَانَت تفعل فَقَالُوا لَهَا مَا قَالَ الرجل فَلم تَضُرهُمْ فَلَمَّا رَأَتْ الْإِبِل قَالَت عرفت صَاحبكُم ليبيض أَعْلَاهُ وليسود أَسْفَله فَلَمَّا أدركهم الصُّبْح نظرُوا إِلَى أُميَّة قد ابيض فِي عذاريه وَفِي رقبته وصدره واسود أَسْفَله فَلَمَّا قدمُوا مَكَّة ذكرُوا هَذَا الحَدِيث فَكَانَ أول مَا كتب أهل مَكَّة بِاسْمِك اللَّهُمَّ واستمروا كَذَلِك إِلَى أَن جَاءَ الْإِسْلَام فَرفع ذَلِك وَكتب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم انْتهى ذكر ذَلِك المَسْعُودِيّ فِي مروج الذَّهَب وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن سلمَان الْفَارِسِي أَنه قَالَ فَتْرَة مَا بَين عِيسَى وَمُحَمّد سِتّمائَة سنة وَمن إِبْرَاهِيم إِلَى نوح ألفا سنة وسِتمِائَة وَأَرْبَعُونَ سنة وَمن نوح إِلَى آدم ألف سنة وروى إِن الرَّسُول الله لما صَار ابْن شَهْرَيْن كَانَ يتزحلق مَعَ الصّبيان إِلَى كل جَانب وَفِي ثَلَاثَة أشهر كَانَ يقوم على قَدَمَيْهِ وَفِي أَرْبَعَة اشهر كَانَ يمسك الْجِدَار وَيَمْشي وَفِي خَمْسَة أشهر حصل لَهُ قدرَة على الْمَشْي وَلما تمّ لَهُ سِتَّة أشهر كَانَ يسْرع فِي الْمَشْي وَفِي سَبْعَة أشهر كَانَ يسْعَى ويعدو إِلَى كل جَانب وَلما مضى عَلَيْهِ ثَمَانِيَة أشهر كَانَ يتَكَلَّم بِحَيْثُ يفهم كَلَامه وَفِي تِسْعَة أشهر تكلم بِكَلَام فصيح وَفِي عشرَة أشهر كَانَ يَرْمِي السِّهَام كَذَا فِي شَوَاهِد النُّبُوَّة قَالَ فِي الْمَوَاهِب وَخرج أَبُو نعيم عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه كَانَ من دلَالَة حمل امنة برَسُول الله أَن كل دَابَّة كَانَت لقريش نطقت تِلْكَ اللَّيْلَة

стр. 245

وَقَالَت حمل برَسُول الله وَرب الْكَعْبَة وَهُوَ إِمَام الدُّنْيَا وسراج أَهلهَا وَلم يبْق سَرِير لملك من مُلُوك الدُّنْيَا إِلَّا أصبح منكوساً وَمَرَّتْ وحوش الْمشرق إِلَى وحوش الْمغرب بالبشارات وَكَذَلِكَ أهل الْبحار بشر بَعْضهَا بَعْضًا وَله فِي كل شهر من شهور حمله نِدَاء فِي الأَرْض ونداء فِي السَّمَاء أَن أَبْشِرُوا فقد آن إِن يظْهر أَبُو الْقَاسِم ميموناً مُبَارَكًا وَلما تمّ من حملهَا شَهْرَان توفّي عبد الله كَمَا تقدم ذكره وَقَالَت آمِنَة ترثي عبد الله وَالِده ﵊ // (من الطَّوِيل) // (عفى جَانب الْبَطْحَاء من ابْن هاشمٍ ... وجاور لحداً خَارِجا فِي الغماغم) (دَعَتْهُ المنايا دَعْوَة فأجابها ... وَمَا تركت فِي النّاس مثل ابْن هَاشم) (عشيّة راحوا يحملون سَرِيره ... تعاوره أَصْحَابه فِي التّزاحم) (فَإِن تَكُ غالته المنايا وريبها ... فقد كَانَ معطاءً كثير التّراحم) وَمن شعر عبد الله بن عبد الْمطلب وَالِد نَبينَا ﵊ نَقله الصَّفَدِي فِي تَرْجَمته وَذكره خَاتِمَة الْحفاظ الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي كِتَابه مسالك الحنفا فِي حكم إِيمَان وَالِدي الْمُصْطَفى قَوْله // (من الطَّوِيل) // (لقد حكم السّارون فِي كلّ بلدةٍ ... بأنّ لنا فضلا على سَائِر الأَرْض) (وأنّ أَبى ذُو الْمجد والسّؤدد الّذي ... يسَار بِهِ مَا بَين نشزٍ إِلَى خفض) (وجدّي وآباءٌ لَهُ أثّلوا الْعلَا ... قَدِيما بِطيب الْعرض والحسب الْمَحْض) قَالَ القطب النهرواني فِي بعض تذاكره وَمن خطه نقلت قد ذيل على هَذِه الأبيات صاحبنا الْعَلامَة الشَّيْخ عبد النافع بن مُحَمَّد بن عراق بَيْتَيْنِ على لِسَان عبد الله ابْن عبد الْمطلب فَقَالَ // (من الطَّوِيل) // (وَقد جَاءَ من صلى نبيٌ معظمٌ ... يشفّعه الرّحمن فِي موقف الْعرض) (وَمَا لنبيٍّ غَيره مثل فخره ... فَهَل مثل هَذَا الْمجد فِي الطّول وَالْعرض) وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ لما توفّي عبد الله قَالَت الْمَلَائِكَة إلهنا

стр. 246

وَسَيِّدنَا ومولانا بَقِي نبيك يَتِيما فَقَالَ الله تَعَالَى أَنا حَافظ لَهُ ونصير وَقيل لجَعْفَر الصَّادِق لم يتم النَّبِي من ابويه فَقَالَ لِئَلَّا يكون عَلَيْهِ حق لمخلوق نَقله عَنهُ أَبُو حَيَّان فِي الْبَحْر وروى أَبُو نعيم عَن عَمْرو بن قُتَيْبَة قَالَ سَمِعت أبي وَكَانَ من أوعية الْعلم قَالَ لما حضرت ولادَة آمِنَة قَالَ الله تَعَالَى تِلْكَ السّنة لِنسَاء الدُّنْيَا ليحملن ذُكُورا كَرَامَة لمُحَمد وَعنهُ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَت آمِنَة تحدث وَتقول: أَتَانِي آتٍ حِين مر بِي من حملي سِتَّة أشهر فِي الْمَنَام، وَقَالَ: يَا آمِنَة، حملت بِخَير الْعَالمين، فَإِذا ولدتيه فَسَمِّيهِ مُحَمَّدًا واكتمي شَأْنك ثمَّ لما أَخَذَنِي مَا يَأْخُذ النِّسَاء وَلم يعلم بِي أحد وَإِنِّي لوحيدة فِي الْمنزل وَعبد الْمطلب فِي طَوَافه فَسمِعت وجبة عَظِيمَة ثمَّ رَأَيْت كَأَن جنَاح طَائِر أَبيض قد مسح على فُؤَادِي فَذهب عني الروع وكل وجع أَجِدهُ ثمَّ الْتفت فَإِذا بِشَربَة بَيْضَاء فتناولتها فَأَصَابَنِي نور عَال ثمَّ رَأَيْت نسْوَة كالنخل طوَالًا كأنهن من بَنَات عبد منَاف يحدقن بِي فَبَيْنَمَا أَنا أتعجب وَأَقُول واغوثاه من أَيْن علِمْنَ بِي فَقُلْنَ لي نَحن آسِيَة امْرَأَة فِرْعَوْن وَمَرْيَم ابْنة عمرَان وَهَؤُلَاء من الْحور الْعين فَبَيْنَمَا أَنا كَذَلِك إِذا بديباج أَبيض قد مر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَإِذا بقائل يَقُول خذاه عَن أعين النَّاس وَرَأَيْت رجَالًا وقفُوا فِي الْهَوَاء بِأَيْدِيهِم أَبَارِيق من فضَّة ثمَّ نظرت فَإِذا أَنا بِقِطْعَة من الطير قد أَقبلت حَتَّى غطت حُجْرَتي مناقيرها من الزمرد وأجنحتها من الْيَاقُوت وكشف الله عَن بَصرِي فَرَأَيْت مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وَرَأَيْت ثَلَاثَة أَعْلَام مضروبات علما بالمشرق وعلماً بالمغرب وعلماً على ظهر الْكَعْبَة فأخذني الْمَخَاض فَوضعت مُحَمَّدًا فَنَظَرت إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ ساجد قد رفع إصبعيه إِلَى السَّمَاء كالمتضرع المبتهل ثمَّ رَأَيْت سَحَابَة بَيْضَاء قد أَقبلت حَتَّى غَشيته فغيبته عني فَسمِعت منادياً طوفوا بِهِ مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا وأدخلوه الْبحار ليعرفوه باسمه ونعته وَصورته ويعلموا أَنه سمى فِيهَا الماحي لَا يبْقى من الشّرك شَيْء إِلَّا مُحي فِي زَمَنه قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي التلقيح لَا يعرف فِي الْعَرَب من تسمى بِمُحَمد قبله إِلَّا ثَلَاثَة طمع آباؤهم حِين سمعُوا بِذكر مُحَمَّد وبقرب زَمَانه وانه يبْعَث

стр. 247

بالحجاز أَن يكون ولدا لَهُم أحدهم مُحَمَّد بن سُفْيَان بن مجاشع جد الفرزدق الشَّاعِر التَّمِيمِي وَالْآخر مُحَمَّد بن أحيحة بن الجلاح بن الجريش بن عبوف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس وَالْآخر مُحَمَّد بن حمْرَان بن ربيعَة كَانَ آبَاء هَؤُلَاءِ قد وفدوا علم بعض الْمُلُوك وَكَانَ عِنْده علم بِالْكتاب الأول فَأخْبرهُم بمبعث النَّبِي باسمه وَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُم قد خلف امْرَأَته حَامِلا فَنَذر كل وَاحِد مِنْهُم إِن ولد لَهُ ذكر أَن يُسَمِّيه مُحَمَّدًا فَفَعَلُوا فَائِدَة ذكر الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الدَّامغَانِي فِي كِتَابه شوق الْعَرُوس وَأنس النُّفُوس نقلا عَن كَعْب الْأَحْبَار أَنه قَالَ اسْم النَّبِي عَن أهل الْجنَّة عبد الْكَرِيم وَعند أهل النَّار عبد الْجَبَّار وَعند أهل الْعَرْش عبد الحميد وَعند الْمَلَائِكَة عبد الْمجِيد وَعند الْأَنْبِيَاء عبد الْوَهَّاب وَعند الشَّيَاطِين عبد القهار وَعند الْجِنّ عبد الرَّحِيم وَفِي الْجبَال عبد الْخَالِق وَفِي الْبر عبد الْقَادِر وَفِي الْبَحْر عبد الْمُهَيْمِن وَعند الْحيتَان عبد القدوس وَعند الْهَوَام عبد الغياث وَعند الوحوش عبد الرَّزَّاق وَعند السبَاع عبد السَّلَام وَعند الْبَهَائِم عبد المؤمني وَعند الطُّيُور عبد الْغفار وَفِي التَّوْرَاة مودود وَفِي الْإِنْجِيل طَابَ طَابَ وَفِي الصُّحُف عاقب وَفِي الزبُور فاروق وَعند الله طه وَيس وَعند الْمُؤمنِينَ مُحَمَّد روى مَخْزُوم بن هَانِيء المَخْزُومِي عَن أَبِيه وَكَانَ لَهُ مائَة وَخَمْسُونَ سنة قَالَ لما ولد النَّبِي ارتجس إيوَان كسْرَى أنوشروان فَسَقَطت مِنْهُ أَربع عشرَة شرفة وَكَانَت لَهُ اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ شرفة وَانْشَقَّ صدعا ظَاهر وَهَذِه آيَة وبناؤه إِلَى الْآن كَذَلِك قلت أَخْبرنِي من رَآهُ فَقَالَ هُوَ يَعْنِي الشق مستطيل من أَعلَى الْجِدَار إِلَى أَسْفَله فِي كتف الإيوان الْأَيْسَر وسعة فَتْحة الشق مدْخل رجل وَعرض جِدَاره فَوق

стр. 248

خَمْسَة أَذْرع كَذَا أَخْبرنِي وَقد سَأَلت غَيره فطابق قَوْله انْتهى وخمدت نَار فَارس وَكَانَ لَهَا أَكثر من ألف عَام لم تخمد وَهِي الَّتِي يعبدونها وغاصت بحيرة ساوة وَهِي بَين همذان وقم وَكَانَت أَكثر من سِتَّة فراسخ فِي الطول وَالْعرض وَكَانَ يعبر فِيهَا بالسفن وَبقيت كَذَلِك ناشفة يابسة على هَؤُلَاءِ الْقَوْم حَتَّى بنيت موضعهَا مَدِينَة ساوة الْبَاقِيَة الْيَوْم وَأرى الموبذان كَأَن إبِلا صعاباً تقود خيلاً عراباً حَتَّى عبرت دجلة وانتشرت فِي بِلَاد فَارس فَلَمَّا أصبح تجلد كسْرَى وَجلسَ على سَرِير ملكه وَلبس تاجه وَأرْسل إِلَى الموبذان فَقَالَ يَا موبذان أَنه سَقَطت من ايواني أَربع عشة شرفة وخمدت نَار فَارس فَقَالَ الموبذان وَأَنا أَيهَا الْملك رَأَيْت إبِلا صعاباً تقود خيلاً حَتَّى عبرت دجلة وانتشرت فِي بِلَاد فَارس قَالَ كسْرَى فَمَا ترى ذَلِك يَا موبذان وَكَانَ موبذان أعلمهم قَالَ حدث يكون من جَانب الْعَرَب فَكتب حِينَئِذٍ من كسْرَى ملك الْمُلُوك إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر ابْعَثْ إِلَيّ رجلا من الْعَرَب يُخْبِرنِي عَمَّا أسأله عَنهُ فَبعث إِلَيْهِ عبد الْمَسِيح بن حَيَّان بن عَمْرو الغساني قيل كَانَ لَهُ من الْعُمر قريب من أَرْبَعمِائَة سنة فَقَالَ لَهُ كسْرَى يَا عبد الْمَسِيح هَل عنْدك علم بِمَا أُرِيد أَن أَسأَلك عَنهُ فَقَالَ يسألني الْملك فَإِن كَانَ عِنْدِي مِنْهُ علم أعلمته وَإِلَّا فَأعلمهُ بِمن عِنْده علم فَأخْبرهُ برؤيا الموبذان فَقَالَ علمه عِنْد خَال لي يسكن مشارف الشَّام يُقَال لَهُ سطيح واسْمه ربيع بن ربيعَة بن ماذر بن مَنْصُور بن ذِئْب كَاهِن لم يكن مثله فِي بني آدم وَكَانَ خلقه عجيباً عَن ابْن عَبَّاس إِن الله خلق سطيحاً الغساني كلحم على وَضم لَيْسَ لَهُ عظم وَلَا عصب وَلَا جمجمة وَالْكَفَّيْنِ وَلم يَتَحَرَّك مِنْهُ إِلَّا لِسَانه قيل لكَونه مخلوقاً من مَاء امْرَأتَيْنِ تساحقتا وَلم يقدر على الْقيام وَالْقعُود إِلَّا أَنه كَانَ إِذا غضب نفخه الرّيح فيجلس لَا غير وَكَانَ وَجهه فِي صَدره لم يكن لَهُ رَأس وَلَا عنق وَقد عمل لَهُ سَرِير من السعف والجريد فَإِذا أُرِيد نَقله إِلَى مَكَان يطوى من رجله إِلَى ترقة ته كَمَا يطوى الثَّوْب فَيُوضَع على ذَلِك السرير فَيذْهب بِهِ إِلَى حَيْثُ يَشَاء وَإِذا أُرِيد تكهنه وإخباره بالمغيبات يُحَرك وطب المخيض فينتفخ ويمتلىء ويعلو النَّفس فيخبر عَن المغيبات وَكَانَ يسكن الْجَابِيَة وَهِي مَدِينَة من مشارف الشَّام

стр. 249

وَفِي حَيَاة الْحَيَوَان الْكُبْرَى روى أَنه ولد شَقِيق وسطيح فِي اللَّيْلَة الَّتِي مَاتَت فِيهَا طريفة الكاهنة امْرَأَة عَمْرو بن عَامر مزيقيا الْآتِي ذكرهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْمَقْصد الرَّابِع ودعت بسطيح قبل أَن تَمُوت فتفلت فِي فِيهِ وأخبرت أَنه سيخلفها فِي علمهَا وكهانتها ودعت بشقيق فَفعلت بِهِ مثل ذَلِك ثمَّ مَاتَت وقبرها بِالْجُحْفَةِ انْتهى هَذَا سطيح وَأما شقّ فَهُوَ بِكَسْر الشين كَانَ شقّ إِنْسَان لَهُ يَد وَاحِدَة وَرجل وَاحِدَة وَعين وَاحِدَة وذكران من وَلَده خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي عَامل بني أُميَّة على مَكَّة قيل كَانَت ولادَة سطيح فِي أَيَّام سيل العرم وَخرج من مأرب مَعَ رَهْط من الأزد فِي أَيَّام تفرق النَّاس مِنْهَا وعاش إِلَى زمن وِلَادَته ﵊ فَكَانَ لَهُ من الْعُمر قريب من سِتّمائَة سنة وَعَن وهب بن مُنَبّه سُئِلَ سطيح من أَيْن لَك علم الكهانة قَالَ إِن لي قريناً من الْجِنّ كَانَ قد اسْتمع أَخْبَار السَّمَاء فِي زمَان كلم الله مُوسَى فِي الطّور فَيَقُول لي من ذَاك أَشْيَاء وَأَنا أقولها للنَّاس انْتهى فَقَالَ كسْرَى لعبد الْمَسِيح اذْهَبْ إِلَى سطيح واسأله فَأخْبر بِمَا يُخْبِرك بِهِ فَخرج عبد الْمَسِيح حَتَّى قدم على سطيح وَهُوَ مشرف على الْمَوْت فَأَنْشد عبد الْمَسِيح رجزاً فَلَمَّا سَمعه سطيح رفع رَأسه إِلَيْهِ وَقَالَ عبد الْمَسِيح من بلد نزيح على جمل مسيح جَاءَ إِلَى سطيح وَقد وافاه على ضريح بَعثك ملك ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيرَان ورؤيا الموبذان رأى إبِلا صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة فانتشرت فِي بِلَاد فَارس يَا عبد الْمَسِيح إِذا ظَهرت التِّلَاوَة وَبعث صَاحب الهراوة وغاضت بحيرة ساوة وَانْقطع وَادي سماوة وخمدت نَار فَارس لم تكن بِبَابِل للْفرس مقَاما وَلَا الشَّام لسطيح شاماً يملك مِنْهُم مُلُوك وملكات على عدَّة تِلْكَ الشرفات ثمَّ تكون هَنَات وهنات وكل مَا هُوَ آتٍ آتٍ ثمَّ مَاتَ وَفِي مُعْجم مَا استعجم السماوة بِكَسْر السِّين وَتَخْفِيف الْمِيم مفازة بَين الْكُوفَة وَالشَّام وَقيل بَين الْموصل وَالشَّام من أَرض كلاب وَقَالَ الْأَصْمَعِي السماوة أَرض قَليلَة الْعرض كَثِيرَة الطول سميت بذلك لعلوها وارتفاعها انْتهى فَرجع عبد الْمَسِيح إِلَى كسْرَى وَأخْبرهُ بِمَا قَالَ سطيح فَقَالَ كسْرَى إِلَى أَن يملك منا أَرْبَعَة عشرَة ملكا كَانَت أُمُور فَملك مِنْهُم عشرَة مُلُوك فِي أَربع سِنِين وَملك الْبَاقُونَ فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ وروى أَن عبد الْمَسِيح هَذَا هُوَ الَّذِي صَالح خَالِد بن الْوَلِيد على الْحيرَة وَكَانَ ذَلِك المَال أول مَال ورد على أبي بكر الصّديق ﵁ ولنذكر غَزْوَة خَالِد بن الْوَلِيد للحيرة وَمُصَالَحَة أَهلهَا إِيَّاه على المَال الْمَذْكُور إِذْ الْكَلَام يجر بعضه بَعْضًا فالمسئول من النَّاظر التسامح والإغضاء فَنَقُول قَالَ الْعَلامَة المَسْعُودِيّ فِي تَارِيخه الْمُسَمّى بمروج الذَّهَب ومعادن الْجَوْهَر وَمن كِتَابه نقلت ذكر جمَاعَة من الإخباريين وَذَوي الْعلم بأيام الْعَرَب مِنْهُم هِشَام ابْن مُحَمَّد الْكَلْبِيّ وَأَبُو مخنف لوط بن يحيى وشرقي بن الْقطَامِي أَن خَالِد بن الْوَلِيد المَخْزُومِي لما أقبل يُرِيد الْحيرَة فِي سُلْطَان أبي بكر ﵁ بعد فتح الْيَمَامَة وَقتل مُسَيْلمَة الْكذَّاب فَلَمَّا رَآهُ أهل الْحيرَة تحَصَّنُوا فِي الْقصر الْأَبْيَض وَقصر الْقَادِسِيَّة وَقصر بني ثَعْلَبَة وَهَذِه أَسمَاء قُصُور كَانَت بهَا فَلَمَّا نظر خَالِد إِلَى أهل الْحيرَة ورآهم تحَصَّنُوا أَمر الْعَسْكَر فنزلوا نَحْو النجف وَأَقْبل خَالِد وَمَعَهُ ضرار بن الْأَزْوَر الْأَسدي فَوقف حِيَال قصر بني ثَعْلَبَة فَجعل العباديون يرمونهما بالخذف فَجعل فرسه ينفر فَقَالَ لَهُ ضرار لَيْسَ لَهُم مكيدة أعظم من هَذِه وَمضى خَالِد إِلَى عسكره فَبعث إِلَى أهل الْحيرَة أَن أرْسلُوا إِلَيْنَا رجلا من عقلائكم وَذَوي أنسابكم نَسْأَلهُ عَن أَمركُم فبعثوا إِلَيْهِ عبد الْمَسِيح بن عَمْرو بن قيس الغساني هَذَا وَهُوَ الرَّسُول إِلَى سطيح لتعبير رُؤْيا الموبذان فَأقبل عبد الْمَسِيح فَنظر إِلَيْهِ خَالِد بن الْوَلِيد فَقَالَ لَهُ من أَيْن قصّ أثرك أَيهَا الشَّيْخ فَقَالَ من صلب أبي فَقَالَ لَهُ خَالِد فَمن أَيْن جِئْت قَالَ من بطن أُمِّي فَقَالَ خَالِد فعلام أَنْت وَيحك قَالَ على الأَرْض فَقَالَ لَهُ فَفِيمَ أَنْت لَا كنت فَقَالَ فِي ثِيَابِي فَقَالَ خَالِد أتعقل لَا عقلت قَالَ عبد الْمَسِيح إِي وَالله وأقيد فَقَالَ خَالِد ابْن كم أَنْت قَالَ ابْن رجل وَاحِد فَقَالَ خَالِد اللَّهُمَّ أخزهم أهل بَلْدَة فَمَا يزيدوننا إِلَّا عماء أسأله عَن الشَّيْء فيجيب عَن غَيره قَالَ كلا وَالله مَا أَجَبْتُك إِلَّا عَمَّا سَأَلتنِي عَنهُ فسل عَمَّا بدا لَك فَقَالَ خَالِد أعرب أَنْتُم أم نبط فَقَالَ عبد الْمَسِيح عرب

стр. 250

استنبطنا ونبط استعربنا قَالَ خَالِد فحرب أَنْتُم أم سلم قَالَ لَا بل سلم قَالَ فَمَا بَال هَذِه الْحُصُون قَالَ بنيناها للسفيه نحبسه حَتَّى يَأْتِي الْحَلِيم فينهاه فَقَالَ خَالِد كم أَتَت لَك من السنين قَالَ خَمْسُونَ وثلاثمائة قَالَ خَالِد فَمَا أدْركْت قَالَ أدْركْت سفن الْبَحْر ترفأ إِلَيْنَا فِي هَذَا النجف بمتاع الصين والهند وأمواج الْبَحْر تضرب مَا تَحت قَدَمَيْك وبيننا الْيَوْم وَبَين الْبَحْر مَا تعلم وَرَأَيْت الْمَرْأَة من الْحيرَة تَأْخُذ مكتلها على رَأسهَا لَا تتزود إِلَّا رغيفاً وَاحِدًا فَلَا تزَال تمشي فِي قرى مُتَّصِلَة وعمائر مُتَّصِلَة وأشجار مثمرة وأنهار جَارِيَة وغدران غدقة حَتَّى ترد الشَّام فَوَجَمَ خَالِد لذَلِك قَالَ الرَّاوِي وَمَعَ عبد الْمَسِيح سم سَاعَة يقلبه بِيَدِهِ فَقَالَ لَهُ خَالِد مَا هَذَا مَعَك قَالَ سم سَاعَة قَالَ مَا تصنع بِهِ قَالَ أَتَيْتُك فَإِن يكن عنْدك مَا يسرني ويوافق أهل بلدتي قبلته وحمدت الله وَإِن تكن الْأُخْرَى لم أكن أول سائق إِلَى أهل بلدتي ذلاً وبلاء فَآكل هَذَا السم وأستريح من الدُّنْيَا فَإِنَّمَا بَقِي من عمري الْيَسِير فَقَالَ لَهُ خَالِد هاته فَأَخذه وَوَضعه فِي رَاحِلَته ثمَّ قَالَ بِسم الله وَبِاللَّهِ بِسم الله رب الأَرْض وَالسَّمَاء بِسم الله الَّذِي لَا يضر مَعَ اسْمه شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم ثمَّ اقتحمه فتخللته غشية وَضرب بذقنه على صَدره ثمَّ سرى عَنهُ فأفاق كانما نشط من عقال قَالَ فانصرب الغساني الْمَذْهَب وهم النسطورية من النَّصَارَى إِلَى قومه فَقَالَ يَا قوم جِئتُكُمْ من عِنْد شَيْطَان يَأْكُل سم سَاعَة فَلَا يضرّهُ صالحوه وأخرجوه عَنْكُم فالقوم مَصْنُوع لَهُم وَأمرهمْ مقبل وامر بني ساسان مُدبر وسيكون لهَذِهِ الْملَّة شَأْن يغشى الأَرْض قَالَ فصالحوا خَالِدا على مائَة ألف ألف دِرْهَم وتاج فَرَحل عَنْهُم خَالِد بن الْوَلِيد رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قلت قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ والحيرة بَينهَا وَبَين الْكُوفَة ثَلَاثَة اميال وَلم يزل عمرانها يتناقض من الْوَقْت الْمَذْكُور إِلَى صدر خلَافَة المعتضد العباسي فاستولى عَلَيْهَا الخراب وَقد كَانَ السفاح أول خلفاء بني الْعَبَّاس والمنصور وَالْمهْدِي والرشيد ينزلونها وَيطْلبُونَ الْمقَام بهَا لطيب هوائها وصفاء جوها وَصِحَّة تربَتهَا وصلابتها وَقرب الخورنق مِنْهَا وَقد كَانَ فِيهَا رُهْبَان فَلَحقُوا بغَيْرهَا من الْبِلَاد لتداعي خرابها
следующие страницы →