← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

آنِفا فِيهِ قَالَ وَإِنَّمَا سمى عبد الدَّار لِأَنَّهُ حِين هدم الْكَعْبَة وَأَرَادَ بناءها حضر الْحَج قبل بنائها وَهِي مهدومة فأحاط عَلَيْهَا دَارا من خشب وربطها بالحبال لتدور النَّاس من وَرَاء الدَّار فولد لَهُ إِذا ذَاك فَسَماهُ عبد الدَّار وَأما عبد بن قصي فانه إِنَّمَا اسماه فِي الأول عبد قصي فَكَانَ بذلك يدعى ثمَّ أمال اسْمه فَقيل عبد بن قصي وَقَالَ غير الموئلي قَالَ قصي ولد لي فسميت اثْنَيْنِ بإلهيّ يَعْنِي مَنَاة والعزى وَسميت الثَّالِث بداري وَسميت الرَّابِع بنفسي يَعْنِي عبد الدَّار وَعبد قصي انْتهى وَقَوْلِي ثمَّ تزوج قصي بعاتكة إِلَى آخِره هَكَذَا فِي الْمَوَاهِب وسيرة الْيَعْمرِي ابْن سيد النَّاس وَغَيرهمَا أَن أم عبد منَاف وَإِخْوَته هِيَ عَاتِكَة بنت فالح وَهُوَ مُخَالف لما ذكره السُّهيْلي والفاسي والأزرقي أَنَّهَا حبى بنت حليل بن حبشية وَنَصّ عبارَة الْأَزْرَقِيّ فَأَقَامَ قصي مَعهَا وَولدت لَهُ عبد الدَّار وَهُوَ أكبر وَلَده وَعبد منَاف وَعبد الْعُزَّى وَعبد قصي وَقد تقدّمت فَلَعَلَّ أَن يكون أكبر أَوْلَاده عبد الدَّار من حبى وَعبد منَاف من عَاتِكَة لَكِن عِبَارَته صَرِيحَة فِي أَن الْجَمِيع من حبى فَلْينْظر وَجه التَّوْفِيق وَكَانَ عبد منَاف قد شرف فِي زمَان أَبِيه هُوَ وَإِخْوَته فَلَمَّا مرض قصي قَالَ لِابْنِهِ عبد الدَّار لألحقنك بالقوم يَا بني وَإِن كَانُوا شرفوا عَلَيْك فَأعْطَاهُ الحجابة وَسلم إِلَيْهِ الْمِفْتَاح وَقَالَ لَا يدْخل رجل مِنْهُم الْكَعْبَة حَتَّى تكون أَنْت تفتحها لَهُ وَأَعْطَاهُ السِّقَايَة واللواء وَقَالَ لَا يشرب أحد بِمَكَّة إِلَّا من سقايتك وَلَا يعْقد لِوَاء لقريش لحربها إِلَّا أَنْت بِيَدِك وَجعل لَهُ الرفادة وَقَالَ لَا يَأْكُل أحد من أهل الْمَوْسِم إِلَّا من طَعَامك والرفادة خراج تخرجه قُرَيْش من أموالها فِي كل موسم فتدفعه إِلَى قصي فيصنع بِهِ طَعَاما للْحَاج فيأكله من لم يكن لَهُ سَعَة وَلَا زَاد وَكَانَ قصي فرض ذَلِك على قُرَيْش حِين جمعهم وَقَالَ لَهُم يَا معشر قُرَيْش إِنَّكُم جيران الله وَأهل بَيته وَحرمه وَإِن الْحَاج ضيف الله وزوار بَيته وهم أَحَق الأضياف بالكرامة فاجعلوا

стр. 177

لَهُم طهاما وَشَرَابًا أَيَّام الحجيج حَتَّى يصدروا عَنْكُم فَجعل قصي كل مَا كَانَ بِيَدِهِ من المناصب إِلَى وَلَده عبد الدَّار بن قصي وَكَانَ قصي لَا يُخَالف وَلَا يرد عَلَيْهِ شَيْء من صنعه فَكَانَ أمره فِي قومه من قُرَيْش حَيَاته ومماته كَالدّين المتبع لَا يعْمل بِغَيْرِهِ لعظم شَأْنه ونفوذ سُلْطَانه قَالَ ابْن إِسْحَاق ثمَّ إِن قصياً هلك فَقَامَ بِهَذِهِ المناصب وَلَده عبد الدَّار بعده ثمَّ إِن عبد منَاف تزوج بعاتكة بنت مرّة بن هِلَال بن فالح بن ذكْوَان من بني سليم فَأتى مِنْهَا بهاشم وَعبد شمس وَالْمطلب وَلَهُم اخ رَابِع يُسمى نوفلاً من امْرَأَة أُخْرَى يُقَال لَهَا واقدة بنت عَمْرو المازنية فَهُوَ فذ وَالثَّلَاثَة اشقاء والأولان من أُخْرَى يُقَال لَهَا واقدة بنت عَمْرو المازنية فَهُوَ فذ وَالثَّلَاثَة أشقاء والأولان من الثَّلَاثَة توءمان يُقَال خرجا وجبهة أَحدهمَا مُتَّصِلَة بجبهة الآخر ففصلا بِالْحَدِّ فتقطر الدَّم فَقَالَ بعض الْكُهَّان إِنَّه سيقع بَين ذريتهما دم إِلَى آخر الْأَبَد فَأَنت ترى مَا جرى بَين بني أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف وَبَين بني هَاشم بن عبد منَاف من الدِّمَاء قَدِيما وحديثاً وَالْأَمر لله سُبْحَانَهُ وَقد أَشَارَ إِلَى ذكر الْإِخْوَة طَالب بن أبي طَالب فِي قصيدة يرثي بهَا الْقَتْلَى من قُرَيْش يَوْم بدر // (من الطَّوِيل) // (أَلا إنّ عَيْني أنفدت دمعها سكبا ... تُبكّي على كَعْب وَمَا إِن ترى كَعْبًا) (أَلا إنّ كَعْبًا فِي الحروب تخاذلوا ... وأرداهم ذَا الدّهر واجترحوا ذَنبا) (وعامر تبْكي للملمات غدْوَة ... فياليت شعر هَل أرى لَهما قربا) (هما أخواي لن يعدّا لغيّةٍ ... تعدّ وَلنْ يستام جارهما غصبا) (فيا أخوينا عبد شمسٍ ونوفلاً ... فدى لَكمَا لَا تبعثوا بَيْننَا حَربًا) (وَلَا تصبحوا من بعد ودٍّ وأُلفةٍ ... أَحَادِيث فِيهَا كلّكم يشتكي النّكبا) (ألم تعلمُوا مَا كَانَ فِي حَرْب داحسٍ ... وجيش أبي يكسوم إِذْ ملئوا الشّعبا) (فَلَولَا دِفَاعُ الله لَا شَيْء غَيرُهُ ... لأَصبَحتمُ لَا تَمنَعُونَ لَكُم سِربَا) (فَمَا إِن جَنَينَا فِي قريشٍ عَظِيمَة ... سوى أَن حمينا خير من وطيء التّربا) (أَخا ثقةٍ فِي النّائبات مرزأ ... كَرِيمًا نثاهُ لَا بَخِيلًا وَلَا ذربا) (يطِيف بِهِ الْعَافُونَ يغشونَ دارهُ ... يؤمّون نهراّ لَا نزوراً وَلَا صربا)

стр. 178

ثمَّ إِن بني عبد منَاف هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة هشاما وَعبد شمس وَبِه كَانَ يكنى عبد منَاف يُقَال أَبَا عبد شمس وَالْمطلب ونوفلاً أَجمعُوا على أَن يَأْخُذُوا مَا بيَدي بني عبد الدَّار من الحجابة والسقاية واللواء والرفادة وَرَأَوا أَنهم أَحَق بذلك مِنْهُم لشرفهم وفضلهم وَتَفَرَّقَتْ قُرَيْش بَينهم مِنْهُم من يرى أَن عبد منَاف أَحَق بِهَذِهِ المآثر من بني عبد الدَّار وَمِنْهُم من يرى ابقاء بني عبد الدَّار على مَا جعله جدهم قصي لأبيهم عبد الدَّار فاجمعوا على الْحَرْب فتفرقت عِنْد ذَلِك قُرَيْش فَكَانَت طَائِفَة مَعَ بني عبد منَاف على رَأْيهمْ يرَوْنَ أَنهم أَحَق بِهِ من بني عبد الدَّار لِمَكَانِهِمْ وشرفهم فِي قَومهمْ وَكَانَت طَائِفَة من بني عبد الدَّار يرَوْنَ أَنه لَا ينْزع مِنْهُم مَا كَانَ قصي جعله إِلَى أَبِيهِم عبد الدَّار وَكَانَ صَاحب أَمر بني عبد منَاف عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي وَذَلِكَ أَنه كَانَ أسن بني عبد منَاف وَكَانَ صَاحب أَمر عبد الدَّار عَامر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصي وَكَانَ بَنو أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي وَبَنُو زهرَة بن كلاب وَبَنُو تيم بن مرّة بن كَعْب وَبَنُو الْحَارِث بن فهر بن مَالك بن النَّضر مَعَ بني عبد منَاف وَكَانَ بَنو مَخْزُوم بن يقظة بن مرّة وَبَنُو سهم بن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي وَبَنُو جمح بن عَمْرو بن هصيص وَبَنُو عدي بن كَعْب مَعَ بني عبد الدَّار وَخرجت عَامر بن لؤَي ومحارب بن فهر فَلم يَكُونُوا مَعَ أحد من الْفَرِيقَيْنِ فعقد كل قوم على أَمرهم حلفا مؤكداً على أَلا يتخاذلوا وَلَا يسلم بَعضهم بَعْضًا مَا أرسى ثبير وَمَا بل بَحر صوفه فَأخْرج بَنو عبد منَاف جَفْنَة مَمْلُوءَة طيبا أخرجتها لَهُم عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب وَقيل الْبَيْضَاء أم حَكِيم بنت عبد الْمطلب فَوَضَعُوهَا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم ثمَّ مسحوا الْكَعْبَة توكيداً على أنفسهم فَسمى هَذَا الْحلف حلف المطيبين فتطيب بذلك بَنو عبد منَاف وَبَنُو أَسد وَبَنُو زهرَة وَبَنُو تيم وَبَنُو الْحَارِث بن فهر فسموا المطيبين وتعاقد بَنو عبد الدَّار وَبَنُو سهم وَبَنُو جمح وَبَنُو عدي وَبَنُو مَخْزُوم ونحروا جزوراً وَقَالُوا من أَدخل يَده فِي دَمهَا فلعق مِنْهَا فَهُوَ منا فَفَعَلُوا ذَلِك هَؤُلَاءِ الْقَبَائِل يسمون لعقة الدَّم وتحالفوا على التناصر وَألا يسلم بَعضهم بَعْضًا مَا أرسى ثبير فسموا الأحلاف لذَلِك

стр. 179

ثمَّ سوند بَين الْقَبَائِل وألزم بَعضهم بَعْضًا فعينت بَنو عبد منَاف لبني سهم وعينت بَنو أَسد لبني عبد الدَّار وعينت بَنو زهرَة لبني جمح وعينت بَنو الْحَارِث ابْن فهر لبني عدي بن كَعْب ثمَّ قَالَ لتكف كل قَبيلَة مَا أسْند إِلَيْهَا فَبَيْنَمَا النَّاس على ذَلِك قد أَجمعُوا للحرب إِذْ تداعوا للصلح فَاصْطَلَحُوا على أَن تكون السِّقَايَة والرفادة والقيادة لبني عبد منَاف واللواء والحجابة وَدَار الندوة لبني عبد الدَّار فتراضوا على ذَلِك وتحاجز النَّاس عَن الْحَرْب وَثَبت كل قوم على حلفهم فَلم يزَالُوا عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام فَقَالَ ﵊ مَا كَانَ من حلف فِي الجالهية فَإِن الْإِسْلَام لم يزده إِلَّا شدَّة وَحَيْثُ انجر الْكَلَام إِلَى ذكر حلف المطيبين وَحلف الفضول وَحلف الْأَحَابِيش وَحرب الْفجار الأول والفجار الثَّانِي روينَا فِي السِّيرَة لِابْنِ إِسْحَاق تَهْذِيب ابْن هِشَام رِوَايَته عَن زِيَاد البكائي شَيْئا من خَبره وَنَصّ ذَلِك على مَا فِي السِّيرَة قَالَ ابْن هَاشم وَأما حلف الفضول فَحَدثني زِيَاد بن عبد الله عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ تداعت قبائل من قُرَيْش إِلَى حلف فَاجْتمعُوا لَهُ فِي دَار عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي لشرفه وسنه فَكَانَ حلفهم عِنْده وهم بَنو هَاشم وَبَنُو عبد الْمطلب وَبَنُو أَسد بن عبد الْعُزَّى وَبَنُو زهرَة بن كلاب وَبَنُو تيم بن مرّة فتعاقدوا وتعاهدوا على أَلا يَجدوا بِمَكَّة مَظْلُوما من أَهلهَا أَو غَيرهم مِمَّن دَخلهَا من سَائِر النَّاس إِلَّا قَامُوا وَكَانُوا على من ظلمه حَتَّى ترد عَلَيْهِ مظلمته فَسَمت قُرَيْش ذَلِك حلف الفضول

стр. 180

قَالَ ابْن هِشَام قَالَ ابْن إِسْحَاق فَحَدثني مُحَمَّد بن زيد بن المُهَاجر بن قنفذ التَّيْمِيّ أَنه سمع طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف الزُّهْرِيّ يَقُول قَالَ رَسُول الله لقد شهِدت فِي دَار عبد الله بن جدعَان حلفا مَا أحب أَن لي بِهِ حمر النعم وَلَو أدعى بِهِ فِي الْإِسْلَام لَأَجَبْت انْتهى

стр. 181

وَقد ذكر الزبير بن بكار سَبَب حلف الفضول فَقَالَ سَببه أَن رجلا من أهل الْيمن قدم مَكَّة ببضاعة فاشتراها مِنْهُ رجل من بني سهم فَلوى الرجل بِحقِّهِ فَسَأَلَهُ بضاعته فَأبى عَلَيْهِ فَقَامَ على الْجَبَل فَقَالَ // (من الْبَسِيط) // (يَا آل فهرٍ لمظلومٍ بضاعته ... ببطنِ مكّة نائي الدّار والنَّفر) (وأشعثٍ محرمٍ لم تقضَ عمرتهُ ... بَين الْإِلَه وَبَين الحِجر والحَجر) (هَل مخفرٌ لبني سهمٍ لخفرتهم ... فعادلٌ أم ضلالٌ مَال مُعتمر) (إنّ الحرامَ لمن تمّت حرامتهُ ... وَلَا حرَام لثوبِ الْفَاجِر الْغدر) فَلَمَّا نزل من الْجَبَل أعظمت ذَلِك قُرَيْش فتكلموا فِيهِ فَقَالَ المطيبون وَالله لَئِن قمنا فِي هَذَا لتغضبن الأحلاف وَقَالَ الأحلاف وَالله لَئِن تكلمنا فِي هَذِه ليغضبن المطيبون فَقَالَ نَاس من قُرَيْش تَعَالَوْا فلنكن حلفا فضولاً دون المطيبين وَدون الأحلاف فَاجْتمعُوا فِي دَار عبد الله بن جدعَان وصنع لَهُم يَوْمئِذٍ طَعَاما كثيرا وَكَانَ رَسُول الله مَعَهم قبل أَن يُوحى إِلَيْهِ وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة فاجتمعت بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب وَبَنُو أَسد بن عبد الْعُزَّى وَبَنُو زهرَة بن كلاب وَبَنُو تيم بن مرّة ثمَّ عَمدُوا إِلَى مَاء من زَمْزَم فجعلوه فِي جَفْنَة ثمَّ بعثوا بِهِ إِلَى الْبَيْت فغسلت فِيهِ أَرْكَانه ثمَّ أَتَوا بِهِ فشربوه وَكَانَ عتبَة بن ربيعَة بن أُميَّة بن عبد شمس يَقُول لَو أَن رجلا وَحده خرج من قومه لَخَرَجت من بني عبد شمس حَتَّى أَدخل فِي حلف الفضول وَلَيْسَت عبد شمس فِي حلف الفضول وَذكر بعض الْعلمَاء أَن سَببه غير ذَلِك وَهُوَ أَن قيس بن شيبَة السّلمِيّ بَاعَ مَتَاعا

стр. 182

من أبي بن خلف فلواه وَذهب بِحقِّهِ فَاسْتَجَارَ بِرَجُل من بني جمح فَلم يقم بجواره فَقَالَ قيس // (من الرجز) // (يَا لقصيٍّ كَيفَ هَذَا فِي الْحرم ... وحرمةُ البيتِ وإخلاف الذمَم) (أُظلمَ لَا يمُنعُ عنّي من ظلَم ... ) فَبلغ الْخَبَر عَبَّاس بن مرداس فَقَالَ // (من الْبَسِيط) // (إِن كَانَ جَارك لم تنفعكَ ذمتهُ ... وَقد شربتَ بكأسٍ الذّلّ أنفاسا) (فأتِ البيوتَ وَكن من أَهلهَا صدداً ... لَا يلق نادبهم فُحشاً وَلَا باسا) (وثمّ كن بفناءِ البيتِ معتصماً ... تلق ابْن حربٍ وتلق المرءَ عبّاسا) (ساقي الحجيج وَهَذَا ياسرٌ فلجٌ ... وَالْمجد يورثُ أَخْمَاسًا وأسداسا) فَقَامَ الْعَبَّاس وَأَبُو سُفْيَان حَتَّى ردا إِلَيْهِ حَقه فَحِينَئِذٍ اجْتمعت هَذِه الْبُطُون من قُرَيْش وتحالفوا على رد الظُّلم بِمَكَّة والا يظلم أحدا أحدا إِلَّا منعُوهُ وَأخذُوا حَقه من ظالمه وَقيل إِن تَسْمِيَته بذلك قَول قوم من قُرَيْش هَذَا وَالله فضل من الْحلف فَسمى حلف الفضول وَقَالَ آخَرُونَ تحالفوا على مِثَال حلف تحالف عَلَيْهِ فِي الزَّمَان السَّابِق قوم من جرهم وَكَانَت أَسمَاؤُهُم الْفضل بن سراعة وَالْفضل بن ودَاعَة وَالْفضل بن قضاعة فَسمى هَذَا الْحلف بذلك لذَلِك وَقدم بعد حلف الفضول رجل من ثمالة فَبَاعَ سلْعَة لَهُ من أبي بن خلف بن وهب ابْن حذاقة بن جمح فظلمه وَكَانَ سيء المخالصة فَأتى الثمالى أهل حلف الفضول فَأخْبرهُم فَقَالُوا اذْهَبْ إِلَيْهِ فَأخْبرهُ أَنَّك قد أَتَيْتنَا فَإِن أَعْطَاك حَقك وَإِلَّا فَارْجِع إِلَيْنَا فَأَتَاهُ فَأخْبرهُ بِمَا قَالَ لَهُ أهل حلف الفضول وَقَالَ فَمَا تَقول فَلم يلبث أَن دخل الْبَيْت فَأخْرج إِلَيْهِ حَقه فَأعْطَاهُ فَقَالَ الثمالى // (من الطَّوِيل) // (أيُعجزني فِي بطن مكّة ظَالِما ... أُبى وَلَا قومِي لديّ وَلَا صحبي) (وناديت قومِي بارقاً لتجيبني ... وَكم دون قومِي من فيافٍ وَمن شهب) (ويأبى لكم حلف الفضول ظُلامتي ... بني جمحٍ والحقّ يُؤْخَذ بِالْغَصْبِ) وَقيل إِن أول من قَامَ بِهِ من قُرَيْش ودعا إِلَيْهِ بعد نِدَاء الرجل اليمني صَاحب

стр. 183

البضاعة بِتِلْكَ الأبيات على الْجَبَل يَسْتَعْدِي على السَّهْمِي هُوَ الزبير بن عبد الْمطلب فَقَالَ إِن هَذَا الْأَمر مَا يَنْبَغِي لنا أَن نمسك عَنهُ فَطَافَ فِي بني هَاشم وَبني زهرَة وَبني أَسد وَبني تيم؛ فَاجْتمعُوا فِي دَار عبد الله بن جدعَان، وتحالفوا بِاللَّه لنكونن يدا للمظلوم على الظَّالِم حَتَّى نُؤَدِّي إِلَيْهِ حَقه مَا بل بَحر صوفه وَمَا رسا ثبير وحراء فِي مَكَانَهُ وعَلى التوادد والتعاقل فتم ذَلِك إِلَى أَن جَاءَ الْإِسْلَام وَفِي ذَلِك يَقُول الزبير بن عبد الْمطلب // (من الوافر) // (حلفتُ لنعقدن حلفا عَلَيْهِم ... وَإِن كنّا جَمِيعًا أهل دَار) (نسمّيه الفضول إِذا عَقدنَا ... يعزّ بِهِ الْغَرِيب لَدَى الْجوَار) (وَيعلم من حَوال الْبَيْت أنّا ... أُباة الضّيم نمْنَع كلّ عَار) وَأما حلف الْأَحَابِيش مَعَ قُرَيْش فقد قَالَ الزبير بن بكار حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن قَالَ تحالفت قُرَيْش والأحابيش فَصَارَت الْأَحَابِيش حلفا لقريش دون بني كنَانَة وَالَّذين جروا حلفهم لقريش بَنو عبد منَاف بن قصي والأحابيش هُوَ بَنو الْحَارِث بن عبد مَنَاة بن كنَانَة وَالْحيَاء والمصطلق بن خُزَاعَة والقارة بَنو الْهون بن خُزَيْمَة بن مدركة وَمَالك وملكان ابْنا كنَانَة وهذيل كلهم يدا وَاحِدَة مَعَ قُرَيْش وَكَانَت خُزَاعَة كلهَا إِلَّا الْحيَاء والمصطلق مَعَ بني مُدْلِج وَكَانَ تحالف قُرَيْش والأحابيش على الرُّكْن يقوم رجل من قُرَيْش وَالْآخر من الْأَحَابِيش فيضعان أَيْدِيهِمَا على الرُّكْن فيحلفان بِاللَّه وبحرمة هَذَا الْبَيْت وَالْمقَام والركن والشهر الْحَرَام على النَّصْر على الْخلق جَمِيعًا حَتَّى يَرث الله الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وعَلى التعاون والتعاقل وعَلى من عاداهم من النَّاس جَمِيعًا مَا طلعت الشَّمْس من مشرقها وَمَا غربت من مغْرِبهَا تدونا ونديكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قلت وَرَأَيْت فِي بعض كتب السّير إِنَّمَا سموا الْأَحَابِيش لعقدهم ذَلِك الْحلف عِنْد جبل بِأَسْفَل مَكَّة يُقَال لَهُ حبشِي فَالله تَعَالَى أعلم بالحقائق وَأما يَوْم الْفجار الأول فَقَالَ الفاكهي عِنْد ذكر الْفجار الأول وَمَا كَانَ فِيهِ بَين قُرَيْش وَقيس عيلان وَسبب ذَلِك حَدثنَا عبد الْملك بن مُحَمَّد عَن زِيَاد بن عبد الله عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق قَالَ ثمَّ هاج يَوْم الْفجار الأول بَين قُرَيْش وَمن كَانَ إِلَيْهَا من كنَانَة كلهَا وَبَين قيس عيلان سَببه أَن رجلا من بني كنَانَة كَانَ عَلَيْهِ دين لرجل من

стр. 184

بني نضر بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن فأعدم بِهِ الْكِنَانِي فوافاه النضري بسوق عكاظ بقرد مَعَه فَوقف بِهِ فِي السُّوق فَقَالَ من يبيعني مثل هَذَا بِمَالي على فلَان ابْن فلَان الْكِنَانِي وَإِنَّمَا اراد بذلك تَعْبِير الْكِنَانِي وَقَومه فَمر بِهِ رجل من كنَانَة فَضرب القرد بِالسَّيْفِ فَقتله أنفًا مِمَّا يَقُول النضرى فَصَرَخَ النضري فِي قيس وصرخ الْكِنَانِي فِي بني كنَانَة فَتَجَاوز النَّاس حَتَّى كَاد أَن يكون بَينهم قتال ثمَّ تداعوا إِلَى الصُّلْح وَيسر الْخطب فِي أنفسهم فتراجع النَّاس وكف بَعضهم عَن بعض وَلم يكن بَينهم إِلَّا ذَلِك وَيُقَال بل سَببه أَن فتية من قُرَيْش قعدوا إِلَى امْرَأَة من بني عَامر فِي هَيْئَة جميلَة وَهِي فِي درع فضل وَكَذَلِكَ كن نسَاء الْعَرَب تفعل فَأَعْجَبَهُمْ مَا رَأَوْا من حسن هيئتها فَقَالُوا لَهَا يَا أمة الله أسفري لنا عَن وَجهك نَنْظُر إِلَيْك فابت عَلَيْهِم فَقَامَ غُلَام مِنْهُم إِلَى خلفهَا فَشك درعها إِلَى ظهرهَا بشوكة وَالْمَرْأَة لَا تَدْرِي فَلَمَّا قَامَت انْكَشَفَ الدرْع عَن دبرهَا فضحكوا وَقَالُوا منعتينا أَن نَنْظُر إِلَى وَجهك فقد نَظرنَا إِلَى دبرك فصاحت الْمَرْأَة ببني عَامر فضجت فَتَجَاوز النَّاس ثمَّ ترادوا وَرَأَوا أَن الْأَمر دون ذَلِك وَقيل فِي السَّبَب إِن رجلا من بني غفار بن مدركة بن خندف يُقَال لَهُ أَبُو ميسرَة كَانَ عَارِفًا من العراف مُتَعَنتًا فِي نَفسه بسوق عكاظ فَمد رجله وَقَالَ // (من الرجز) // (أَنا ابْن مدركة بن خندف ... من يطعنوا فِي عينه لم يطرف) (وَمن تَكُونُوا قومه يُغطرف ... ) أَنا وَالله اعز الْعَرَب فَمن زعم أَنه اكرمم مني فليضربها بِالسَّيْفِ فضربها رجل من قيس بِالسَّيْفِ فخدشها خدشاً غير كَبِير فَتَجَاوز النَّاس عِنْد ذَلِك حَتَّى كَاد أَن يكون بَينهم قتال ثمَّ تراجعوا وَرَأَوا أَنه لم يكن كَبِير أَمر فَكل هَذَا الحَدِيث يُقَال فِي سَبَب حَرْب الْفجار الأول وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ هُوَ وَأما حَرْب الْفجار الثَّانِي فَقَالَ الْعَلامَة التقي الفاسي قَالَ ابْن هِشَام لما بلغ رَسُول الله أَربع عشرَة سنة أَو خمس عشرَة سنة فِيمَا حَدثنِي أَبُو عُبَيْدَة

стр. 185

النَّحْوِيّ عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ هاج حَرْب الْفجار بَين قُرَيْش وَمن مَعهَا من بني كنَانَة وَبَين قيس عيلان وَكَانَ الَّذِي هاجها أَن عُرْوَة الرّحال بن عتبَة بن جَعْفَر بن كلاب بن ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوَازن أجَاز لطيمة للنعمان بن الْمُنْذر واللطيمة الْبَعِير يحمل الطّيب والجواهر وَالثيَاب وَالتِّجَارَة وإجازتها إيصالها سَالِمَة إِلَى مقصدها فِي خفتارته فَقَالَ لَهُ البراض بن قيس أحد بني ضَمرَة بن بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة أتجيزها يَا عُرْوَة على كنَانَة قَالَ عُرْوَة نعم وعَلى الْخلق اجميعن فَخرج فِيهَا عُرْوَة الرّحال وَخرج البراض يطْلب غفلته حَتَّى إِذا كَانَ بتيمن ذِي طلال بِالْعَالِيَةِ غفل عُرْوَة فَوَثَبَ عَلَيْهِ البراض فَقتله فِي الشَّهْر الْحَرَام فَلذَلِك سمى حَرْب الْفجار وَقَالَ البراض فِي ذَلِك // (من الوافر) // (وداهيةٍ تهم النس قبلي ... شددتُ لَهَا بني بكرٍ ضلوعي) (هدمت بهَا بيُوت بني كلابٍ ... وأرضعت الموَالِي بالضّروع) (رفعت لَهَا بِذِي طلالٍ كفّي ... فخرّ يميد كالجذع الصّريع) وَقَالَ لبيد بن ربيعَة بن مَالك بن جَعْفَر بن كلاب يحث على الطّلب بِدَم عُرْوَة الرّحال // (من الوافر) // (فبلّغ إِن عرضت بني كلاب ... وعامر والخطوب لَهَا توالي) (وأبلغ إِن عرضت بني نميرٍ ... وأخوال الْقَتِيل بني هِلَال) (بأنّ الْوَافِد الرّحّال أَمْسَى ... مُقيما عِنْد تيمن ذِي طلال) وَهَذِه الأبيات من أَبْيَات لَهُ ذكرهَا ابْن هِشَام قَالَ ابْن هِشَام فَأتى آتٍ قُريْشًا

стр. 186

فَقَالَ إِن البراض قد قتل عُرْوَة وهم فِي الشَّهْر الْحَرَام بعكاظ فارتحلوا وهوازن لَا تشعر ثمَّ بَلغهُمْ الْخَبَر فاتبعوهم فأدركوهم قبل أَن يدخلُوا الْحرم فَاقْتَتلُوا حَتَّى جَاءَ اللَّيْل ودخلوا الْحرم فَأَمْسَكت عَنْهُم هوَازن ثمَّ الْتَقَوْا بعد هَذَا الْيَوْم أَيَّامًا وَالْقَوْم متنابذون على كل قَبيلَة من قُرَيْش وكنانة رَئِيس مِنْهُم وعَلى كل قبيل من قيس رَئِيس مِنْهُم وَشهد رَسُول الله بعض أيامهم أخرجه أَعْمَامه مَعَهم وَقَالَ رَسُول الله كنت أنبل على أعمامي أَي أرد عَنْهُم نبل عدوهم إِذا رموهم قَالَ ابْن إِسْحَاق وَإِنَّمَا سمى حَرْب الْفجار بِمَا اسْتحلَّ فِيهِ هَذَانِ الْحَيَّانِ كنَانَة وَقيس عيلان من الْمَحَارِم بَينهمَا وَكَانَ قَائِد قُرَيْش وكنانة حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس فَكَانَ أول الْأَيَّام بعد يَوْم نَخْلَة فالتقو بعكاظ وَكَانَ يُسمى يَوْم شيظمة فَكَانَت هوَازن من وَرَاء السَّيْل وقريش وَبَنُو كنَانَة فِي بطن الْوَادي وَقَالَ لَهُم حَرْب بن أُميَّة إِن انتحت قُرَيْش فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانكُمْ وعبأت هوَازن وَأخذُوا مَصَافهمْ وعبأت قُرَيْش وَكَانَ على إِحْدَى المجنبتين عبد الله بن جدعَان وعَلى الْأُخْرَى كريز بن ربيعَة بن حبيب بن عبد شمس وَحرب بن أُميَّة فِي الْقلب فَكَانَت الدائرة أول النَّهَار لكنانة على هوَازن حَتَّى إِذا كَانَ آخر النَّهَار وَصَبَرت هوَازن فاستحر الْقَتْل فِي قُرَيْش فَلَمَّا رأى ذَلِك الَّذين قي بطن الْوَادي من كنَانَة مالوا إِلَى قُرَيْش وَتركُوا مكانهم فَلَمَّا فعلو ذَلِك استحر الْقَتْل بهم فَقتل تَحت رايتهم ثَمَانُون رجلا فَكَانَ هَذَا الْيَوْم وَهُوَ يَوْم شيظمة لهوازن على كنَانَة ثمَّ كَانَ يَوْم العبلاء قَالَ حَدثنِي الْأَزْدِيّ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ وَجمع هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء فَالْتَقوا يَوْم العبلاء وَهُوَ الْجَبَل إِلَى جنب عكاظ ورؤساؤهم الَّذين كَانُوا يَوْم شيظمة بأعيانهم فَكَانَت الدائرة لهوازن على كنَانَة أَيْضا ثمَّ كَانُوا يَوْم سرب قَالَ ثمَّ جمع الْفَرِيقَانِ فَالْتَقوا عِنْد قرن الْخُيُول فَاقْتَتلُوا بسرب من عكاظ وعلهيم رؤساؤهم الَّذِي كَانُوا قبل وَلم يكن يَوْم أعظم مِنْهُ يَوْمئِذٍ وَحمل يَوْمئِذٍ ابْن جدعَان ألفا على ألف بعير فَالْتَقوا وَقد كَانَ لهوازن على

стр. 187

كنَانَة يَوْمَانِ متواليان يَوْم شيظمة وَيَوْم العبلاء فخشوا مثلهمَا وحافظوا يَوْمئِذٍ وقيدت بَنو أُميَّة فِيهِ أنفسهم وحافظت بَنو مَخْزُوم وَصَبَرت وَكَذَلِكَ صبرت هوَازن وَذَلِكَ أَن عكاظ بلد لَهُم بِهِ نخل وأموال فَلم يعبوا شَيْئا فَقَاتلُوا حَتَّى أَمْسوا وانهزموا ثمَّ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن الضَّحَّاك عَن أَبِيه قَالَ العنابس حَرْب وَأَبُو حَرْب وسُفْيَان وَأَبُو سُفْيَان بَنو أُميَّة بن عبد شمس وَإِنَّمَا سموا العنابس لأَنهم قيدوا أنفسهم يَوْم عكاظ وقاتلوا قتاتلا شَدِيدا فشبهوا بالأسد والأسد يُقَال لَهُ العنبس وَلابْن الزبعري فيهم أشعار بليغة وَقد ذكرُوا أَن خويلد بن أَسد وَهُوَ أَبُو السيدة خَدِيجَة زوج النَّبِي كَانَ يَوْم عكاظ على بني أَسد بن عبد الْعُزَّى ثمَّ كَانَ يَوْم الجزيرة حَدثنِي الْأَزْدِيّ قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن حبيب الْهَاشِمِي عَن أبي عُبَيْدَة قَالَ كَانَت فِيهِ الدائرة لهوازن على كنَانَة وَهِي حرَّة إِلَى جنب عكاظ مِمَّا يَلِي مهب جنوبا لمن يقبل يُرِيد مَكَّة فِي مهب صبائها حَتَّى تَنْقَطِع دون قرن قتل فِيهِ أَبُو سُفْيَان بن أُميَّة وَمن كنَانَة ثَلَاثَة رَهْط وَقتل وَرْقَاء بن الْحَارِث بن مَالك بن ربيعَة بن عَمْرو بن عَامر فَهَذِهِ أَيَّام الْفجار الْخَمْسَة الَّتِي تراجفوا فِيهَا فِي أَربع سِنِين أولهنَّ يَوْم نَخْلَة حِين تبعتهم هوَازن فَكَانَ كفافاً لَا وَلَا ثمَّ يَوْم شيظمة وَكَانَ لهوازن على كنَانَة ثمَّ يَوْم عكاظ هُوَ يَوْم العبلاء فَكَانَ لهوازن على كنَانَة أَيْضا ثمَّ يَوْم سرب وَهُوَ يَوْم عكاظ الثَّانِي كَانَ لبني كنَانَة على هوَازن وَلم يكن بَينهم يَوْم أعظم مِنْهُ ثمَّ يَوْم الجزيرة وَهُوَ آخر أيامهم قَالَ ثمَّ كَانَ الرجل يلقى الرجل أَو الرجلَيْن أَو أَكثر من ذَلِك أَو أقل فيقتتلون فَرُبمَا قتل بَعضهم بَعْضًا فلقي ابْن محمية أَخُو بني الدئل بن بكر أَخا خِدَاش بن زُهَيْر بالصفاح فَقَالَ زُهَيْر إِنِّي حرَام جِئْت مُعْتَمِرًا فَقتله ثمَّ نَدم فَقَالَ لَهُم إِن العامري الْمُعْتَمِر لم آتٍ فِيهِ عذرا لمعتذر ثمَّ إِن النَّاس تداعوا إِلَى الصُّلْح وَالسّلم على أَن يَدي الْفضل من الْقَتْلَى الَّذين فيهم أَي الْفَرِيقَيْنِ افضل على الآخر فتواعدوا عكاظ وتعاقدوا وتوافقوا على أَن يتموا ذَلِك وَجعلُوا بَينهمَا أمداً يلتقون فِيهِ لذَلِك فَأبى وهب بن معتب وَطف على قومه

стр. 188

وَجعل لَا يرضى بذلك حَتَّى يدركوا ثأرهم فَقَالَ فِي ذَلِك أُميَّة بن جدعَان // (من الْكَامِل) // (المرءُ وهبٌ وهب آل معتبٍ ... ملّ الغواة وَمن يماطل يملل) (يسْعَى ليوقدها بجزل وقودها ... وَإِذا تعايا صُلحُ قَوْمك تأتلي) واندس وهب حَتَّى مكرت هوَازن بكنانة وهم على الصُّلْح فَبعث خيلاً عَلَيْهَا مسلمة بن شعل البكائي وخَالِد بن هَوْذَة فِي نَاس من بني هِلَال وَرَئِيسهمْ ربيعَة بن أبي طيبان وناس من بني نصر عَلَيْهِم مَالك بن عَوْف فاغاورا على بني لَيْث بصفراء الغميم وهم غَارونَ فقاتلوهم وَجعل مَالك بن عَوْف يرتجز وَهُوَ أَمْرَد يَوْمئِذٍ // (من الرجز) // (أمردُ يهدى حلمهُ شيبَ اللحلى ... ) قلت وَهَذَا مَالك بن عَوْف هُوَ الرئيس على هوَازن أَيَّام يَوْم حنين حِين قَاتلهم رَسُول الله فَهَزَمَهُمْ ثمَّ رجعُوا إِلَى الطَّائِف إِلَى حصنهمْ فَحَاصَرَهُمْ رَسُول الله وَلم يُؤذن لَهُ فِي فَتحه فَرجع عَنهُ وَقَالَ اللَّهُمَّ اهد ثقيفاً وائت بهم ثمَّ أَتَوْهُ مُسلمين بعد ذَلِك انْتهى وَهَذَا الْيَوْم هُوَ أول يَوْم ذكر فِيهِ مَالك بن عَوْف فقتلت بَنو مُدْلِج يَوْمئِذٍ عبيد بن عَوْف البكائي وسبيع بن أبي المؤمل بن محَارب ثمَّ انْهَزَمت بَنو اللَّيْث فاستحر الْقَتْل ببني الملوح بن يعمر فَقتلُوا مِنْهُم ثَلَاثِينَ رجلا سوى النِّسَاء وَسَاقُوا الْبَهَائِم ثمَّ أَقبلُوا فعرضت لَهُم خُزَاعَة وطمعوا فيهم فقاتلوهم فَلَمَّا رَأَوْا أَنهم لَا بُد لَهُم مِنْهُم قَالُوا اعرضونا من غنيمتكم عراضة قَالَ فحملوا سريتهم ثمَّ إِن النَّاس تدعوا إِلَى الصُّلْح ورهنوا رهاناً بِالْوَفَاءِ بل مَاتَ من كَانَ لَهُ الْفضل فِي الْقَتْلَى وَتمّ الصُّلْح وَوضعت الْحَرْب أَوزَارهَا قَالَ الزبير بن بكار حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن عَن حَمَّاد بن مُوسَى عَن عبد الله بن عون بن الزبير قَالَ حَدثنِي حَكِيم بن حزَام قَالَ لما توافت كنَانَة وَقيس من الْعَام الْقَابِل بعكاظ بعد الْعَام الأول الَّذِي كَانُوا الْتَقَوْا فِيهِ وَرَأس النَّاس حَرْب بن

стр. 189

أُميَّة خرج مَعَه عتبَة بن ربيعَة وَهُوَ يَوْمئِذٍ فِي حجر حَرْب فَمَنعه حَرْب أَن يخرج وَقَالَ يَا بني أَنا لَك فاقتاد رَاحِلَته وَتقدم فِي أول النَّاس فَلم يدر بِهِ حَرْب إِلَّا وَهُوَ فِي الْعَسْكَر قَالَ حَكِيم بن حزَام فنزلنا عكاظ وَنزلت هوَازن بِجمع كَبِير فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ركب عتبَة جملا ثمَّ صَاح فِي النَّاس يَا معشر مُضر علام تتفانون بَيْنكُم هلموا إِلَى الصُّلْح فَقَالَت هوَازن وماذا تعرض قَالَ أعرض أَن أعطي دِيَة من أُصِيب قَالُوا وَمن أَنْت قَالَ أَنا عتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس قالو قد قبلنَا فَأصْلح النَّاس وَرَضوا بِمَا قَالَ عتبَة وأعطوهم أَرْبَعِينَ رجلا من فتيَان قُرَيْش وَكنت فيهم يَعْنِي الْقَائِل نَفسه وَهُوَ حَكِيم بن حزَام قَالَ فَلَمَّا رَأَتْ بَنو عَامر أَن الرَّهْن قد صَار فِي أَيْديهم رَغِبُوا فِي الْعَفو فأطلقوهم أَجْمَعِينَ قَالَ الزبير وَسمعت عبد الله بن عبد الله بن عمر يَقُول لم يسد محلق من قُرَيْش إِلَّا عتبَة بن ربيعَة هَذَا وَأَبُو طَالب بن عبد الْمطلب فَإِنَّهُمَا سَادًّا بِغَيْر مَال انْتهى قلت الدَّاء قديم وَهَذَا عتبَة بن ربيعَة هُوَ أَبُو هِنْد بن عتبَة زوج أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة وَهِي وَالِدَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فَهُوَ جد مُعَاوِيَة لأمه وَكَلَام مغلطاي فِي سيرته يَقْتَضِي أَن أَيَّام الْفجار سِتَّة لِأَنَّهُ قَالَ وَأَيَّام الْفجار على مَا قَالَه السُّهيْلي وَالصَّوَاب أَنه سِتَّة أَقُول قد ذكرت فِيمَا تقدم أَن الصَّحِيح أَنَّهَا خَمْسَة وعددتها بأسمائها وأماكنها لَا سِتَّة وَلَا أَرْبَعَة وَالله أعلم وَكَانَ حلف الفضول بعد حَرْب الْفجار لِأَنَّهَا كَانَت فِي شعْبَان وَكَانَ حلف الفضول فِي ذِي الْقعدَة قبل المبعث بِعشر سِنِين فَكَانَ حلف الفضول أكْرم حلف يسمع بِهِ وأشرفه فِي الْعَرَب وَكَانَ فِي دَار عبد الله بن جدعَان كَمَا تقدم قَالَه الْعَلامَة التقي الفاسي انْتهى ولنذكر شَيْئا من خبر عبد الله بن جدعَان هَذَا الَّذِي كَانَ حلف الفضول فِي دَاره هُوَ عبد الله بن جدعَان بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر الْقرشِي التَّيْمِيّ يكنى أَبَا زُهَيْر من رَهْط أبي بكر الصّديق ﵁ كَانَ من رُؤَسَاء قُرَيْش وأجودهم وَله فِي الْجُود أَخْبَار مَشْهُورَة

стр. 190

مِنْهَا أَنه كَانَت لَهُ جَفْنَة للأضياف يستظل فِي ظلها فِي الهاجرة لِأَن فِي غَرِيب الحَدِيث لِابْنِ قُتَيْبَة إِن رَسُول الله قَالَ كنت أستظل بِظِل جَفْنَة عبد الله بن جدعَان فِي الهاجرة قَالَ ابْن قُتَيْبَة كَانَت جفنته يَأْكُل مِنْهَا الرَّاكِب على بعيره وَسقط فِيهَا صبي فغرق أَي مَاتَ وَمِنْهَا على مَا قَالَه ابْن هِشَام بن الْكَلْبِيّ كَانَ لَهُ مناديان يُنَادي أَحدهمَا بِأَسْفَل مَكَّة وَالْآخر بِأَعْلَاهَا وَكَانَ أَحدهمَا سُفْيَان بن عبد الْأسد وَالْآخر أَبَا قُحَافَة وَكَانَ أَحدهمَا يُنَادي إِلَّا من اراد للحم والشحم فليأت دَار ابْن جدعَان وينادي الآخر إِن من أَرَادَ الفالوذج فليأت دَار ابْن جدعَان وَهُوَ أول من أطْعم الفالوذج بِمَكَّة ذكر هَذَا الفاكهي فِي أَخْبَار مَكَّة وَمِنْهَا أَن أُميَّة بن أبي الصَّلْت قبل أَن يمدح ابْن جدعَان كَانَ قد أَتَى بني الريان من بني الْحَارِث بن كَعْب فَرَأى طَعَام بني الريان لباب الْبر والشهد وَالسمن وَكَانَ طَعَام ابْن جدعَان التَّمْر والسويق ويسقي اللَّبن فَقَالَ أُميَّة // (من الْكَامِل) // (وَلَقَد رَأَيْت الفاعلين وفعلهم ... فَرَأَيْت أكْرمهم بني الرّيّان) (ألبرّ يلبكُ بالشّهاد طعامهم ... لَا مَا يعلّلنا بَنو جدعَان) فَبلغ خبر شعره عبد الله بن جدعَان فَأرْسل ألفي بعير إِلَى الشَّام تحمل إِلَيْهِ الْبر والشهد وَالسمن وَأمر منادياً يُنَادي على الْكَعْبَة إِلَّا هملوا إِلَى جَفْنَة عبد الله بن جدعَان فَقَالَ أُميَّة بن أبي الصَّلْت عِنْد ذَلِك // (من الوافر) // (لَهُ داعٍ بمكّة مشمعلٍّ ... وَآخر فَوق كعبتها يُنَادي) (إِلَى ردح من الشّيزى عَلَيْهَا ... لبابٌ البرِّ يلبك بالشّهاد) وَقد كَانَ عبد الله بن جدعَان فِي بَدْء أمره صعلوكاً ترب الْيَدَيْنِ وَكَانَ مَعَ ذَلِك

стр. 191

شريراً فاتكاً لَا يزَال يجني الْجِنَايَات فيعقل عَنهُ أَبوهُ وَقَومه حَتَّى ابغضته عشريته ونفاه أَبوهُ وَحلف أَن لَا يؤويه أبدا لما أثقله بِهِ من الْغرم وَحمل الدِّيات فَخرج فِي شعاب مَكَّة حائراً دائراً يتَمَنَّى الْمَوْت ينزل بِهِ فَرَأى شقاً فِي جبل فَظن فِيهِ حَيَّة فتعرض للشق يرجوا أَن يكون فِيهِ مَا يقْتله فيستريح فَلم ير شيئاَ فَدخل فِيهِ فَإِذا فِيهِ ثعبان عَظِيم لَهُ عينان تقدان كالسراجين فَحمل عَلَيْهِ الثعبان فأفرج لَهُ فانساب عَنهُ مستديراً بدارة عِنْدهَا بَيت فخطا خطْوَة أُخْرَى فَأقبل عَلَيْهِ الثعبان كالسهم فأفرج عَنهُ فانساب عَنهُ قدماً لَا ينظر إِلَيْهِ فَوَقع فِي نَفسه أَنه مَصْنُوع فأمسكه بِيَدِهِ فَإِذا هُوَ مَصْنُوع من ذهب وَعَيناهُ ياقوتتان فَكَسرهُ وَأخذ عَيْنَيْهِ وَدخل الْبَيْت فَإِذا جثث طوال على سرر طوال لم ير مثلهم طولا وعظماً وَعند رُءُوسهم لوح من فضَّة فِيهِ تاريخهم وَإِذا هم رجال من مُلُوك جرهم وَآخرهمْ موتا الْحَارِث بن مضاض صَاحب الغربة الطَّوِيلَة الَّذِي اسْتَأْجر من اياد الْعشْرَة الأبعرة كَمَا تقدم علهيم ثِيَاب لَا يمس مِنْهَا شَيْئا إِلَّا انتثر كالهباء من طول الزَّمن وَشعر مَكْتُوب فِي لوح فِيهِ عظات وَقَالَ ابْن هِشَام كَانَ اللَّوْح من رُخَام وَكَانَ فِيهِ أَنا نفيلة بن عبد المدان بن خشرم بن عبد ياليل بن جرهم بن قحطان بن هود النَّبِي ﵇ عِشْت خَمْسمِائَة عَام وَقطعت غور الأَرْض بَاطِنهَا وظاهرها فِي طلب الثروة وَالْمجد وَالْملك فَلَمَّا حصلته لم يكن ذَلِك ينجيني من الْمَوْت وَتَحْته مَكْتُوب // (من الْخَفِيف) // (قد قطعت الْبِلَاد فِي طلب الثروة ... وَالْمجد قالص الأثواب) (وسريت الْبِلَاد قفراً لقفرٍ ... بشبابي وقوّتي واكتسابي) (فَأصَاب الرّدى بَنَات فُؤَادِي ... بسهام من المنايا صياب) (فانقضت شرّتي وأقصر جهلي ... واستراحت عواذلي من عتابي) (وَدفعت الْبَيْضَاء بالحلم لمّا ... نزل الشّيب فِي محلّ الشّباب)

стр. 192

(صَاح هَل ريت أَو سَمِعت برعٍ ... ردّ فِي الضّرع مَا قرى فِي الحلاب) ثمَّ نظر فَإِذا فِي وسط الْبَيْت كوم عَظِيم من الْيَاقُوت واللؤلؤ والزبرجد فَأخذ مِنْهُ مَا أَخذ ثمَّ علم على الشق بعلامة وأغلق بَابه بِالْحِجَارَةِ وَأرْسل إِلَى أَبِيه بِالْمَالِ الَّذِي خرج بِهِ يسترضيه ويستعطفه وَوصل عشرته بعد ذَلِك كلهم فسادهم وَجعل ينْفق من ذَلِك الْكَنْز وَيطْعم النَّاس وَيفْعل الْمَعْرُوف وَفِي كتاب ري العاطش وَأنس الواحش لِأَحْمَد بن عمار إِن ابْن جدعَان مِمَّن حرم الْخمر فِي الْجَاهِلِيَّة بعد أَن كَانَ مغرى بهَا وَذَلِكَ أَنه سكر لَيْلَة فطفح وَمد يَده إِلَى الْقَمَر فَأخْبر بذلك حِين صَحا فَحلف لَا يشْربهَا أبدا وَلما كبر وهرم أَرَادَت قبيلته بَنو تيم أَن يمنعوه من تبذير مَاله ولاموه فِي الْعَطاء فَكَانَ يَدْعُو الرجل فَإِذا دنا مِنْهُ لطمه لطمة خَفِيفَة ثمَّ قَالَ قُم فَأَنْشد لطمتك واطلب دِيَتهَا فَإِذا فعل ذَلِك أَعطَتْهُ بَنو تيم من مَال ابْن جدعَان حَتَّى يرضى عَن لطمته وَفِي صَحِيح مُسلم أَنه عَائِشَة ﵂ قَالَت يَا رَسُول الله إِن ابْن جدعَان كَانَ يطعم الطَّعَام ويقري الضَّيْف فَهَل يَنْفَعهُ ذَلِك يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ لَا لِأَنَّهُ لم يقل يَوْمًا رَبِّي اغْفِر لي خطيئتي يَوْم الدّين انْتهى وَقد ورد عَنهُ لما أَمر بِأَن يَسْتَطِيع خبر الْقَتْلَى من قُرَيْش يَوْم بدر قَالَ انْظُر أَبَا جهل فَإِن فِي سَاقه أثرا كنت تزاحمت أَنا وَهُوَ فِي مائدة ابْن جدعَان فزحمته فَوَقع فخدشت سَاقه فَذَلِك الْأَثر بهَا أَو كَمَا قَالَ ثمَّ هلك ابْن جدعَان أَقُول ذكر الفاكهي فِي وَفَاة ابْن جدعَان هَذَا خَبرا غَرِيبا فَقَالَ هلك عبد الله ابْن جدعَان فبكته الْجِنّ وَالْإِنْس فَأَما بكاء الْجِنّ فَحَدثني إِبْرَاهِيم بن يُوسُف الْمَكِّيّ قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن زِيَاد عَن ابْن جريج أَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ قَالَ إِن النباش بن زُرَارَة أَخا حَاجِب بن زُرَارَة التَّمِيمِي وَكَانَ حليفا

стр. 193

لقريش قَالَ خرجنَا تجارًا فِي الْجَاهِلِيَّة وَعبد الله بن جدعَان حَيّ حِين خرجنَا فَلَمَّا سرنا نَحْو خمس عشرَة لَيْلَة نزلنَا ذَات لَيْلَة واشتهينا أَن نصبح بذلك الْمَكَان قَالَ فَنَامَ أَصْحَابِي وأصابني أرق شَدِيد فَإِذا هَاتِف يَهْتِف يَقُول // (من الطَّوِيل) // (أَلا هلك البُهلول غيث بني فهر ... وَذُو العزّ وَالْمجد التّليد وَذُو الْفَخر) فأجبته // (من الطَّوِيل) // (أَلا أيّها النّاعي أَخا الْمجد والذّكر ... من الْمَرْء تنعاه لنا من بني فهر) فَأَجَابَنِي الْهَاتِف // (من الطَّوِيل) // (نعيت ابْن جدعَان بن عَمْرو أَخا النّدى ... وَذَا الْحسب القدموس والمنصب الْفَخر) قَالَ فأحببته // (من الطَّوِيل) // (لعمري لقد نوّهت بالسّيّد الّذي ... لَهُ الْفضل معلومٌ على ولد النّضر) (فَأخْبر وَأخْبر إِن علمت وَفَاته ... فإنّك قد أخْبرت جلاًّ من الْأَمر) فَأَجَابَنِي الْهَاتِف // (من الطَّوِيل) // (مَرَرْت بنسوان يخمشن اوجهها ... عَلَيْهِ صباحاً بَين زَمْزَم والحِجر) قَالَ فأجبته فَقلت // (من الطَّوِيل) // (مَتى قد ثوى عهدي بِهِ مُنْذُ جمعةٍ ... وستةِ أيّام لغرّة ذَا الشّهر) فَقَالَ الجني // (من الطَّوِيل) // (ثوى مُنْذُ أيّام ثلاثٍ كواملٍ ... مَعَ الصّبح أَو فِي الصّبح مَعَ وضح الْفجْر) قَالَ فَاسْتَيْقَظت الرّفْقَة وَهِي تتراجع بنعي ابْن جدعَان وَقَالَ إِن كَانَ أحد نعى بعز وَشرف فقد نعى ابْن جدعَان فَقَالَ الجني // (من الوافر) // (أرى الأيّام لَا تبقي عَزِيزًا ... لعزّته وَلَا تبقي ذليلاً) فأجبته وَقلت // (من الوافر) // (وَلَا تبقي من الثّقلين حيّاً ... وَلَا تبقي الْجبَال وَلَا السهولا) ثمَّ ذكر شَيْئا من رثاء الْإِنْس لَا نطول بِذكرِهِ رَجَعَ فَلم يزل عبد الدَّار يَلِي حجابة الْبَيْت وَولَايَة دَار الندوة واللواء حَتَّى هلك فَجعل قبل هلكه الحجابة بعده إِلَى ابْنه عُثْمَان بن عبد الدَّار وَجعل دَار الندوة إِلَى

стр. 194

ابْنه عبد منَاف بن عبد الدَّار فَكَانَت قُرَيْش إِذا ارادت التشاور فِي امرها فتحهَا لَهُم عَامر بن هِشَام بن عبد منَاف بن عبد الدَّار أَو بعض وَلَده أَو ولد أَخِيه وَكَانَت الْجَارِيَة إِذا بلغت دخلت دَار الندوة ثمَّ شقّ عَلَيْهَا بعض ولد عبد منَاف بن عبد الدَّار درعها ثمَّ درعها إِيَّاه وانقلبت إِلَى أَهلهَا فحجبوها وَذَلِكَ كَمَا كَانَ يَفْعَله قصي بن كلاب وَلم يزل بَنو عُثْمَان بن عبد الدَّار يلون الحجابة دون ولد عبد الدَّار ثمَّ وَليهَا عبد الْعُزَّى بن عُثْمَان بن عبد الدَّار ثمَّ وَليهَا وَلَده أَبُو طَلْحَة عُثْمَان بن طَلْحَة حَتَّى كَانَ فتح مَكَّة فقبضها رَسُول الله من أَيْديهم وَفتح الْكَعْبَة ودخلها ثمَّ خرج من الْكَعْبَة مُشْتَمِلًا على الْمِفْتَاح فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله أعطنا الحجابة مَعَ السِّقَايَة فَقَالَ أُعْطِيكُم مَا ترزءون فِيهِ وَلَا ترزءون بِهِ وَأنزل الله الْآيَة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ النِّسَاء ٥٨ ثمَّ دَعَا عُثْمَان بن طَلْحَة فَدفع إِلَيْهِ الْمِفْتَاح وَقَالَ خذوها يَا بني طَلْحَة بأمانة الله وَاعْمَلُوا فِيهَا بِالْمَعْرُوفِ خالدة تالدة لَا يَنْزِعهَا مِنْكُم مَا اسْتَقَمْتُمْ إِلَّا ضال أَو ظَالِم فَلَمَّا خرج عُثْمَان بن طَلْحَة بن أبي طَلْحَة إِلَى الْهِجْرَة مَعَ النَّبِي أَقَامَ ابْن عَمه شيبَة بن أبي طَلْحَة فَلم يزل يحجب هُوَ وَولد أَخِيه وهب بن عُثْمَان وَأما اللِّوَاء فَكَانَ فِي أَيدي بني عبد الدَّار جَمِيعهم يَلِيهِ مِنْهُم ذُو السَّيْف والشرف فِي الْجَاهِلِيَّة حَتَّى كَانَ يَوْم أحد فَقتل عَلَيْهِ تِسْعَة مِنْهُم أَشَارَ إِلَى ذَلِك حسان بن ثَابت شَاعِر النَّبِي فِيمَا قَالَه من الشّعْر يَوْم أحد بقصيدة هِيَ هَذِه // (من الْخَفِيف) // (مَنَعَ النومَ بِالعشاءِ الهُمُومُ ... وخيالٌ إِذا تغور النجومُ) (من حبيب أصَاب قَلْبك مِنْهُ ... سقمٌ فَهُوَ داخلٌ مكتومُ) (يَا لقومي هَل يقتل الْمَرْء مثلي ... واهن الْبَطْش وَالْعِظَام سئومُ) (لَو يدب الحولي من ولد الذرر ... عَلَيْهَا لأندبتها الكلومُ) (شَأْنهَا الْعطر والفراش ويعلوها ... لجينٌ ولؤلؤٌ منظومُ) (لم تفتها شمس النّهار بشيءٍ ... غير أنّ الشّباب لَيْسَ يدومُ)

стр. 195

(إِن خالى خطيب جابية الجولان ... لانَ عِنْد النّعمان حِين يقومُ) (وَأَنا الصّقر عِنْد بَاب ابْن سلمى ... يَوْم نعْمَان فِي الكبول سقيمُ) (وأُبيُّ وواقدٌ أطلقا لي ... يَوْم رَاحا وكبلهم مخطومُ) (ورهنتُ الْيَدَيْنِ عَنْهُم جَمِيعًا ... كلّ كفٍّ جزءٌ لَهَا مقسومُ) (وسطت نسبتي الذّوائب مِنْهُم ... كلّ دارٍ فِيهَا أبٌ لي عظيمُ) (وابي فِي سميحة الْقَائِل الْفَاصِل ... يَوْم الْتَقت عَلَيْهِ الخصومُ) (تِلْكَ أفعالنا وَفعل الزّبعري ... خاملٌ فِي صديقه مذمومُ) (ربّ حلمٍ اضاعه عدم المَال ... وجهلٍ غطا عَلَيْهِ النعيمُ) (إنّ دهراً يبور فِيهِ ذَوُو الْعلم ... لدهرٌ هُوَ العتوّ الزنيمُ) (لَا تسبّنّني فلستَ بسبّي ... إنّ سبي من الرّجال الكريمُ) (مَا أُبالي أنبّ بالحزن تيسٌ ... أم لحاني بِظهْر غيبٍ لئيمُ) (ولي الْبَأْس مِنْكُم إِذْ رحلتم ... اسرةٌ من بني قصيٍّ صميمُ) (تسعةٌ تحمل اللِّوَاء وطارت ... فِي رعاعٍ من القنا مَخْزُوم) (وَأَقَامُوا حتّى أُبيحوا جَمِيعًا ... فِي مقامٍ وكلّهم مذمومُ) (بذم عاتكٍ وَكَانَ حفاظاً ... أَن يقيموا إنّ الْكَرِيم كريمُ) (وَأَقَامُوا حتّى أُزيروا شعوباً ... والقنا فِي نحورهم محطوم) (وقريشٌ تفرّ منّا لِوَاذًا ... أَن يقيموا وخفّ مِنْهَا الحلومُ) (لم تطق حمله الْعَوَاتِق مِنْهُم ... إنّما يحمل اللِّوَاء النجومُ) وَالشَّاهِد فِي قَوْله تِسْعَة تحمل اللِّوَاء وَانْظُر إِلَى قَوْله إِن الْكَرِيم كريم مَا ألطفه وأصدقه

стр. 196

وَأما السِّقَايَة والرفادة والقيادة فَلم تزل لعبد منَاف بن قصي يقوم بهَا حَتَّى توفّي فولى بعده ابْنه هَاشم بن عبد منَاف وَيطْعم النَّاس فِي كل موسم مَا يجْتَمع عِنْده من ترادف قُرَيْش فَلم يزل على ذَلِك حَتَّى أصَاب النَّاس جَدب شَدِيد فَخرج هَاشم إِلَى الشَّام فَاشْترى من مَاله دَقِيقًا وكعكاً فَقدم بِهِ مَكَّة فهشم ذَلِك الكعك وَنحر الْجَزُور وطبخها وَجعلهَا ثريداً وَأطْعم النَّاس وَكَانُوا فِي مجاعَة شَدِيدَة حَتَّى أشبعهم فَسمى بذلك هاشماً وَلم يزل هَاشم على ذَلِك حَتَّى توفّي وَكَانَ عبد الْمطلب يفعل ذَلِك فَلَمَّا توفى قَامَ بذلك أَبُو طَالب فِي كل موسم حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام وَهُوَ على ذَلِك وَكَانَ النَّبِي قد أرسل بِمَال يعْمل بِهِ ذَلِك الطَّعَام مَعَ أبي بكر الصّديق ﵁ حِين حج بِالنَّاسِ سنة تسع وَعَمله النَّبِي فِي حجَّة الْوَدَاع ثمَّ أَقَامَ أَبُو بكر فِي خِلَافَته ثمَّ عمر ثمَّ عُثْمَان ثمَّ الْخُلَفَاء وهلم جرا وَهُوَ طَعَام الْمَوْسِم الَّذِي يطعمهُ الْخُلَفَاء فِي أَيَّام الْحَج بِمَكَّة وَمنى حَتَّى تَنْقَضِي أَيَّام الْمَوْسِم قلت قد انْقَطع هَذَا الطَّعَام اوائل الْقُرْآن الْعَاشِر انْتهى وَأما السِّقَايَة فَكَانَت كَذَلِك فِي يَد عبد منَاف فَكَانَ يسْقِي النَّاس من بِئْر كرادم وبئر خمر على الْإِبِل فِي المزاود والقرب ثمَّ يسْكب ذَلِك المَاء فِي حِيَاض من أَدَم بِفنَاء الْكَعْبَة يردهُ الْحَاج حَتَّى يتفرقوا فَكَانَ يستعذب ذَلِك المَاء وَكَانَ قصي قد حفر آباراً بِمَكَّة وَكَانَ المَاء بِمَكَّة غزيرا إِنَّمَا يشرب النَّاس من آبار خَارِجَة عَن الْحرم فَأول مَا حفر قصي بِمَكَّة بِئْرا يُقَال لَهَا العجول فَكَانَ موضعهَا فِي دَار أم هَانِيء بنت أبي طَالب الْحَزْوَرَة قلت قد ذكرت هَذِه الْبِئْر وَمَا آلت إِلَيْهِ وَمَا أبدل عَنْهَا فَكَانَ الْعَرَب يردونها ويتزاحمون عَلَيْهَا وحفر قصي أَيْضا بِئْرا عِنْد الرَّدْم عِنْد دَار أبان بن عُثْمَان ثمَّ دثرت فسلمها جُبَير بن مطعم بن عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف ثمَّ حفرهَا هَاشم بن عبد منَاف بدارا وحفرها أَيْضا سجلة وَهِي الْبِئْر الَّتِي يُقَال لَهَا بِئْر جُبَير بن مطعم دخلت فِي دَار الْقَوَارِير

стр. 197

أَقُول دَار الْقَوَارِير محلهَا الْيَوْم الْمدرسَة القايتبائية ذكرهَا جَار الله وَغَيرهَا وَكَانَت منزلا للسلاطين إِذا وردوا لِلْحَجِّ انْتهى فَلم تزل سجلة لولد هَاشم حَتَّى وَهبهَا أَسد بن هَاشم للمطعم بن عدي حييّ حفر عبد الْمطلب زَمْزَم فاستغنوا عَنْهَا وَيُقَال إِنَّمَا وَهبهَا لَهُ عبد الْمطلب وَسَأَلَهُ الْمطعم بن عدي بِأَن يضع حوضاً من أَدَم إِلَى جنب زَمْزَم يسْقِي فِيهِ من مَاء بئره فَأذن لَهُ فِي ذَلِك فَكَانَ يَفْعَله فَلم يزل هَاشم بن عبد منَاف يسْقِي الْحَاج حَتَّى توفّي فَقَامَ بِأَمْر السِّقَايَة بعده وَلَده عبد الْمطلب بن هَاشم فَلم يزل على ذَلِك حَتَّى حفر زَمْزَم فَكَانَت لعبد الْمطلب إبل كَثِيرَة فَإِذا كَانَ الْمَوْسِم جمعهَا ثمَّ يسْقِي لَبنهَا بالعسل فِي حِيَاض من أَدَم عِنْد زَمْزَم وَيَشْتَرِي الزَّبِيب وَالتَّمْر فينبذه بِمَاء زَمْزَم ويسقيه الْحَاج لِأَنَّهُ يكسر غلظ مَاء زَمْزَم وَكَانَت إِذْ ذَاك غَلِيظَة جدا وَكَانَ النَّاس إِذْ ذَاك لَهُم فِي بُيُوتهم أسقية فِيهَا المَاء من هَذِه البئار ينبذون فِيهَا القبضات من الزَّبِيب وَالتَّمْر لِأَنَّهُ يكسر عَنْهُم غلظ مَاء آبار مَكَّة فَلبث عبد الْمطلب على ذَلِك حَتَّى توفّي فَقَامَ بِأَمْر السِّقَايَة بعده الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب فَلم تزل فِي يَده وَكَانَ للْعَبَّاس كرم بِالطَّائِف فَكَانَ يحمل زبيبه إِلَى السِّقَايَة وَكَانَ يداين أهل الطَّائِف وَيَقْتَضِي مِنْهُم الزَّبِيب فينبذ ذَلِك كُله ويسقيه الْحَاج من أَيَّام الْمَوْسِم حَتَّى تَنْقَضِي فِي الْجَاهِلِيَّة وَصدر الْإِسْلَام حَتَّى دخل رَسُول الله مَكَّة يَوْم الْفَتْح فَقبض السِّقَايَة من الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب والحجابة من عُثْمَان بن طَلْحَة فَقَامَ بَين عضادتي بَاب الْكَعْبَة فَقَالَ أَلا إِن كل دم أَو مأثرة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة فَهِيَ تَحت قدميّ هَاتين وَأول دم أهدره دم ربيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب إِلَّا سِقَايَة الْحَاج وسدانة الْكَعْبَة فَإِنِّي قد أمضيتهما لأهلهما على مَا كَانَتَا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة فقبضها الْعَبَّاس ﵁ فَكَانَت فِي يَده حَتَّى توفّي فوليها بعده وَلَده عبد الله بن الْعَبَّاس وَكَانَ يفعل فِيهَا كَفِعْلِهِ دون بني عبد الْمطلب وَكَانَ مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة كلم فِيهَا ابْن عَبَّاس فَقَالَ لَهُ

стр. 198

ابْن عَبَّاس مَالك وَلها نَحن أولى بهَا فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَقد كَانَ أَبوك عَليّ تكلم فِيهَا فأقمت الْبَيِّنَة طَلْحَة بن عبيد الله وعامر بن ربيعَة وأزهر بن عبد عَوْف ومخرمة بن نَوْفَل أَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب كَانَ يَليهَا فِي الْجَاهِلِيَّة بعد عبد الْمطلب وَجدك أَبُو طَالب فِي إبِله فِي باديته بِعَرَفَة وَأَن رَسُول الله أَعْطَاهَا لعباس يَوْم الْفَتْح دون بني عبد الْمطلب فَعرف ذَلِك من حضر فَسكت عَنهُ مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة فَكَانَت بيد عبد الله بن الْعَبَّاس لَا ينازعه مُنَازع وَلَا يتَكَلَّم فِيهَا مُتَكَلم فَكَانَت بيد وَلَده وَولد وَلَده إِلَى أَن انقرضوا وَأما القيادة وَهِي عبارَة عَن قيادة الجيوش وَضم أمرهَا والمسير بهَا إِلَى مغزاها وَأَن يكون هُوَ الرئيس المطاع فِيهَا عَن رَأْيه يصدرون ويردون فوليها من بني عبد منَاف عبد شمس بن عبد منَاف أَخُو هَاشم بن عبد منَاف شقيقه ثمَّ وَليهَا من بعده أُميَّة بن عبد شمس ثمَّ من بعده وَلَده حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس فقاد النَّاس يَوْم عكاظ فِي حَرْب قُرَيْش وَقيس عيلان وَفِي حَرْب الْفجار الأول وَالثَّانِي وقاد قبل ذَلِك فِي حَرْب قُرَيْش وَبني بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة ثمَّ توفّي حَرْب فَكَانَ ابْنه أَبُو سُفْيَان بن حَرْب يَقُود قُريْشًا حَتَّى كَانَ يَوْم بدر فقاد النَّاس عتبَة بن ربيعَة بن أُميَّة بن عبد شمس وَكَانَ أَبُو سُفْيَان فِي العير فَخرج عتبَة من مَكَّة بالنفير فَلَمَّا كَانَ يَوْم أحد قاد النَّاس أَبُو سُفْيَان بن حَرْب ثمَّ قاد النَّاس لذَلِك يَوْم الْأَحْزَاب وَكَانَت هِيَ آخر غَزْوَة غزوتها قُرَيْش النَّبِي كَمَا قَالَ إِنَّهُم لَا يغزونا بعْدهَا بل نَحن نغزوهم فَكَانَ كَمَا قَالَ النَّبِي فَلَمَّا هلك عبد منَاف قَامَ هَاشم ابْنه مقَامه بالسقاية والرفادة وَحَقِيقَة اسْمه عَمْرو وَهُوَ اسْم مَنْقُول من أحد أَرْبَعَة أَشْيَاء إِمَّا من الْعُمر الَّذِي هُوَ مدى الْحَيَاة أَو ئمن الْعُمر بِفَتْح الْعين وَهُوَ لحم الْأَسْنَان وَمِنْه الحَدِيث أَوْصَانِي جِبْرَائِيل ﵇ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خشيت على عمورى أَو من الْعُمْرَى الَّذِي هُوَ طرف الْكمّ يُقَال سجد على عمريه أَي كميه أَو من الْعُمر الَّذِي هُوَ القرط قَالَ المعري // (من الْبَسِيط) //

стр. 199

(وَعمر هندٍ كأنّ الله صوّره ... عَمْرو بن هندٍ يسوم النّاس تعنينا) وَزَاد أَبُو حنيفَة وَجها خَامِسًا فَقَالَ أَو من الْعُمر الَّذِي هُوَ اسْم لنخل السكر قَالَ كَانَ ابْن أبي ليلى يستاك بعسيب الْعُمر ذكر الْخَمْسَة السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف فَكَانَ هَاشم مُوسِرًا وَهُوَ أول من سنّ الرحلتين رحْلَة الشتَاء ورحلة الصَّيف وَأول من اطعم الطَّعَام الثَّرِيد بِمَكَّة ولقت هاشما لِأَنَّهُ وَقع غلاء فِي بعضب السنين بِمَكَّة فَأتى بالكعك من الشَّام وهشمه وثرده وَأطْعم النَّاس فِي تِلْكَ المجاعة فَقَالَ عبد الله بن الزبعري السَّهْمِي فِي ذَلِك // (من الْكَامِل) // (قل للَّذي طلب السّماحة والنّدى ... هلاّ مَرَرْت بآل عبد منَاف) (هلاّ مَرَرْت بهم تُرِيدُ قراهم ... منعوك من ضرٍّ وَمن إلحاف) (كَانَت قريشٌ بَيْضَة فتفلّقت ... فالمحّ خالصها لعبد منَاف) (ألرّائشين وَلَيْسَ يُوجد رائش ... والقائلين هَلُمَّ للأضياف) (والمحلقين فقيرهم بغنيّهم ... حتّى يعود فقيرهم كالكافي) (والقائلين بكلّ وعدٍ صادقٍ ... والآمرين برحلة الإيلاف) (سفرين سنّهما لَهُ ولقومه ... سفر الشّتاء ورحلة الأصياف) (عَمْرو الّذي هشم الثّريد لِقَوْمِهِ ... قومٍ بمكّة مُسنَّتَيْنِ عجاف) ثمَّ تزوج هَاشم بسلمى بنت عَمْرو من بني النجار وَكَانَت قبله تَحت أحيحة بن الجلاح فَولدت لَهُ عَمْرو بن أحيحة ثمَّ ولدت لهاشم عبد الْمطلب بن هَاشم فَهُوَ أَخُو عبد الْمطلب لأمه واسْمه عَامر فِي قَول ابْن قُتَيْبَة وَشَيْبَة الْحَمد فِي قَول ابْن إِسْحَاق وَهُوَ الصَّحِيح قيل إِنَّمَا سمى شيبَة الْحَمد لِأَنَّهُ ولد وَفِي رَأسه شيب وَأما غَيره من الْعَرَب مِمَّن سمى شيبَة فَإِنَّهُم قصدُوا فِي أنفسهم بِهَذَا الِاسْم التفاؤل لَهُم ببلوغ سنّ الحنكة والرأي كَمَا سموا مهرم وكبير وَإِنَّمَا قيل لَهُ عبد الْمطلب لِأَن أَبَاهُ هاشماً قَالَ لِأَخِيهِ الْمطلب وَهُوَ بِمَكَّة حِين حَضرته الْوَفَاة أدْرك عَبدك بِيَثْرِب لِأَنَّهُ كَانَ بِيَثْرِب عِنْد أمه سلمى بنت عَمْرو

стр. 200

النجارية فَمن ثمَّ قيل لَهُ عبد الْمطلب فغلب على اسْمه وَقيل إِن سَبَب ذَلِك أَن عَمه الْمطلب بن عبد منَاف لما جَاءَ بِهِ إِلَى مَكَّة رديفه كَانَ بهيئة رثَّة فَكَانَ إِذا سُئِلَ عَنهُ يَقُول هُوَ عَبدِي حَيَاء أَن يَقُول ابْن أخي فَلَمَّا أحسن من حَاله وجمله أظهر أَنه ابْن أَخِيه فغلب عَلَيْهِ عبد الْمطلب وهجر اسْمه الصَّرِيح الْخَالِص وَهُوَ أول من خضب بالوسمة وعاش مائَة وَعشْرين سنة قَالَه ابْن هِشَام وَقَالَ فِي الْمَوَاهِب وَأَرْبَعين سنة وَهُوَ لِدَة عبيد بن الأبرص بِفَتْح الْعين على صِيغَة الْجمع إِلَّا أَن عبيدا توفّي قبله بِعشْرين سنة قَتله النُّعْمَان بن الْمُنْذر التنوخي وَعبيد هَذَا هُوَ صَاحب أولى المجمهرات فِي الشّعْر الَّتِي مطْلعهَا // (من مخلع الْبَسِيط) // (عَيْنَاك دمعهما سروب ... كأنّ شأنيهما شُعَيْب) وَكَانَ عبد الْمطلب طَويلا جسيماً عَظِيما فصيحاً جواداً ثمَّ هلك هَاشم بغزة من أَرض الشَّام تَاجِرًا فولى السِّقَايَة والرفادة أَخُوهُ الْمطلب ابْن عبد منَاف وَكَانَ ذَا شرف فِي قومه وَكَانَ يُسمى الْفَيْض لسماحته وفضله وَكَانَ أَصْغَر أَبنَاء عبد شمس وهَاشِم لِأَنَّهُمَا توءمان ثمَّ توفّي بردمان من أَرض الْيمن وَتُوفِّي عبد شمس بِمَكَّة وَتُوفِّي نَوْفَل بن عبد منَاف بالعراق قَالَ ابْن إِسْحَاق وَكَانَ أول ولد عبد منَاف ملكا هَاشم مَاتَ بغزة ثمَّ عبد شمس ثمَّ الْمطلب ثمَّ نَوْفَل وَقَالَ مطرود بن كَعْب الْخُزَاعِيّ يرثيهم // (من الْبَسِيط) // (يَا عين جودي وأذري الدّمع وانهمري ... وابكي على الشّمّ من كَعْب الْمُغيرَات) (وابكي على كلّ فيّاض أخي ثقةٍ ... ضخم الدّسيعة وهّاب الجزيلات) (صَعب البديهة لَا نكسٍ وَلَا وكلٍ ... ماضي الْعَزِيمَة متلاف الكريمات)

стр. 201

(صقر توسّط من كعبٍ إِذا انتسبوا ... بحبوحةَ الْمجد والشّمّ الرّفيعات) (ثمّ اندبي الْفَيْض والفيّاض مطلباً ... واستخرطي بعد فيضاتٍ بجمّاتي) (أَمْسَى بردمان عنّا الْيَوْم مغترباً ... يَا لهف نَفسِي عَلَيْهِ بَين أموات) (وابكي لَك الويل إمّا كنت باكيةً ... لعبد شمس بشرقيّ البنيّات) (وهَاشِم فِي ضريحٍ وسط بلقعةٍ ... تسفى الرّياح عَلَيْهِ بَين غزّات) (ونوفلٌ كَانَ دون الْقَوْم خالصتي ... أَمْسَى بسلمان فِي ردم المرمّات) (لم ألق مثلهم عجماً وَلَا عربا ... إِذا اسْتَقَلت بهم أُدم المطيّات) (أمست دِيَارهمْ مِنْهُم معطّلةً ... وَقد يكونُونَ زيناً فِي السّريّات) (يَا عين وابكي أَبَا الشّعث الشّجيّات ... يبكينه حسّراً مثل البليّات) (يبْكين اكرم من يمشي على قدم ... ينعونه بدموع بعد عبرات) (يبْكين عَمْرو الْعَلَاء إِذا حَان مصرعه ... سمح السّجيّة بسّام العشيّات) (مَا فِي القروم لَهُم عدلٌ وَلَا خطرٌ ... وَلَا لمن تركُوا شرف المنيعات)

стр. 202

(أبناؤهم خير أبناءٍ وأنفسهم ... خير النّفوس لَدَى جهد الأليّات) (زين الْبيُوت الّتي خلوا مساكنها ... فَأَصْبَحت مِنْهُم وحشاً خليّات) (أَقُول وَالْعين لَا ترقا مدامعها ... لَا يبعد الله أَصْحَاب الرّزيّات) قَالَ الفاكهي حَدثنَا عبد الله بن عَمْرو بن أبي سعيد قَالَ حَدثنَا إِسْحَاق بن البهلول قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقرشِي عَن ابْن جريج عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله عبد منَاف عز قُرَيْش وَأسد ركنها وعضدها وَعبد الدَّار رءوسها وأوائلها وعدي جناحها ومخزوم ريحانتها وأراكتها فِي نصرتها وجمح وَسَهْم عديدها وعامر ليوثها وفرسانها وَالنَّاس تبع لقريش وقريش تبع لولد قصي انْتهى قلت وَبَنُو قصي تبع لبني هَاشم وَقد قَالَ قبلي الْقَائِل وَهُوَ على طَريقَة الترقي // (من المتقارب) // (قريشٌ خِيَار بني آدم ... وَخير قريشٍ بَنو هَاشم) (وَخير بني هَاشم أحمدٌ ... رَسُول الْإِلَه إِلَى الْعَالم) وَمِمَّا يُوَافق مَعْنَاهُ وَيُخَالف مبناه قَول الآخر // (من السَّرِيع) // (محمدٌ خير بني هَاشم ... فَمن تميمٌ ونبو دارم) (وهاشمٌ خير قريشٍ وَمَا ... مثل قريشٍ فِي بني آدم) قَالَ مُحَمَّد بن سهل الْأَزْدِيّ سَمِعت هِشَام بن الْكَلْبِيّ يذكر عَن أَبِيه قَالَ سُئِلَ

стр. 203

عَليّ بن أبي طَالب ﵁ عَن قُرَيْش فَقَالَ أما بَنو هَاشم فَأَصدق قُرَيْش فِي النّوم واليقظة وَأَكْرمهَا أحلاماً وأضربها بِالسَّيْفِ وَأما بَنو عبد شمس فأبعدها همماً وأمنعها لما وَرَاء ظُهُورهمْ وَأما بَنو مَخْزُوم فريحانة قُرَيْش تحب حَدِيث رجالها وتشتهي تَزْوِيج نسائها وَسُئِلَ عَن قوم من قُرَيْش فَقَالَ زعانفة وَأخْبر عبد الله بن عَمْرو بن أبي سعد قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الشَّامي قَالَ حَدثنَا النَّضر بن عَمْرو قَالَ حَدثنِي بكر بن عَامر الْعمريّ عَن عَامر بن عبد الْملك المسمعي قَالَ دخل دَغْفَل النسابة الشَّيْبَانِيّ على مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة أَخْبرنِي عَن بني هَاشم فَقَالَ شَدَّاد أنجاد ذَوُو أَلْسِنَة حداد وهم سادة السياد قَالَ فَأَخْبرنِي عَن بني أُميَّة قَالَ فِي الْوَاسِطَة من القلادة فِي الْجَاهِلِيَّة سادة وَفِي الْإِسْلَام مُلُوك وقادة قَالَ فَأَخْبرنِي عَن بني الْمطلب قَالَ نيب مقشعرة أصابتها قُرَّة لَا تسمع لَهَا جرة وَلَا ترى لَهَا درة قَالَ فَأَخْبرنِي عَن بني نَوْفَل قَالَ اسْم وَلَا حسيس قَالَ فَأَخْبرنِي عَن بني أَسد قَالَ ذَوُو شُؤْم ونكد وبغي وحسد قَالَ فَأَخْبرنِي عَن بني زهرَة قَالَ فَاش وحلم الْفراش قَالَ فَأَخْبرنِي عَن تيم بن مرّة قَالَ كثير أوغادهم عبيد من سادهم وَلَا يرى مِنْهُم قَائِد يقودهم قَالَ فَأَخْبرنِي عَن بني مَخْزُوم قَالَ معزى مطيرة أصابتها القشعريرة إِلَّا بني الْمُغيرَة فَإِنَّهُم أهل التشدق فِي الْكَلَام ومصاهرة الْكِرَام قَالَ فَأَخْبرنِي عَن بني جمح قَالَ كلهم ظلف إِلَّا بني خلف قَالَ فَأَخْبرنِي عَن بني عدي بن كَعْب قَالَ أهل دناءة الْأَخْلَاق إِن استغنوا شحوا وَإِن افتقروا ألحوا وَأما الْحُكَّام من قُرَيْش بِمَكَّة فَقَالَ الفاكهي حَدثنَا مُحَمَّد بن النجار الصَّنْعَانِيّ قَالَ حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي بشير بن تَمِيم بن عبد الْحَارِث بن عبيد بن عُمَيْر بن مَخْزُوم قَالَ كَانَ أول من حكم فِي الْجَاهِلِيَّة بالقسامة وَالدية عبد الْمطلب حكم بالقسامة فِي رجل وبمائة من الْإِبِل فِي رجل وَكَانَ عقل أهل الْجَاهِلِيَّة الْغنم قَالَ الْعَلامَة التقي الفاسي ﵀ حَدثنِي حسن بن حُسَيْن الْأَزْدِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد أَبُو جَعْفَر عَن الْكَلْبِيّ فِي الْحُكَّام من قُرَيْش قَالَ فَمن بني هَاشم

стр. 204

عبد الْمطلب بن هَاشم وَالزُّبَيْر وابو طَالب ابْنا عبد الْمطلب وَمن بني أُميَّة حَرْب بن أُميَّة وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَمن بني زهرَة الْعَلَاء بن حَارِثَة الثَّقَفِيّ حَلِيف بني زهرَة وَمن بني مَخْزُوم الْعدْل وَهُوَ الْوَلِيد بن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزُوم وَمن بني سهم قيس بن عدي بن سعد بن سهم وَالْعَاص بن وَائِل بن هَاشم ابْن سعيد بن سهم وَمن بني عدي بن كَعْب نفَيْل بن عبد الْعُزَّى بن رزاح انْتهى وَلم يكن أحد من هَؤُلَاءِ متملكاً على بَقِيَّة قُرَيْش وَإِنَّمَا ذَلِك بتراض من قُرَيْش عَلَيْهِ لما فِيهِ من حسم مواد الشَّرّ فَلَمَّا رأى ذَلِك عُثْمَان بن الْحُوَيْرِث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي طمع أَن يملك قُريْشًا ويتملك عَلَيْهِم قَالَ الزبير بن بكار حَدثنِي عَليّ بن صَالح عَن عَامر بن صَالح عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير قَالَ خرج عُثْمَان بن الْحُوَيْرِث وَكَانَ من أظرف قُرَيْش وأعقلها حَتَّى قدم على قَيْصر وَقد رأى مَوضِع حَاجتهم إِلَيْهِ ومتجرهم من بِلَاده فَذكر لَهُ مَكَّة ورغبه فِيهَا وَقَالَ تكون زِيَادَة على ملكك كَمَا ملك كسْرَى صنعاء فملكه عَلَيْهِم وَكتب لَهُ إِلَيْهِم فَلَمَّا قدم عُثْمَان إِلَيْهِم قَالَ يَا قوم إِن قَيْصر من قد علمتكم أمانكم ببلاده وَمَا تصيبون من التِّجَارَة فِي كنفه وَقد ملكني عَلَيْكُم وَإِنَّمَا أَنا ابْن عمكم وَإِنَّمَا آخذ مِنْكُم الجراب من الْقرظ والعكة مِنْك السّمن والإرهاب فأجمع ذَلِك ثمَّ أبْعث بِهِ إِلَيْهِ وَأَنا أَخَاف إِن أَبَيْتُم ذَلِك أَن يمْنَع مِنْكُم الشَّام فَلَا تتجروا بِهِ وَيقطع مرفقكم مِنْهُ فَلَمَّا قَالَ لَهُم ذَلِك خَافُوا قَيْصر وَأخذ بقلوبهم مَا ذكر من متجرهم فَأَجْمعُوا على أَن يعقدوا على رَأسه التَّاج عَشِيَّة وفارقوه على ذَلِك فَلَمَّا طافوا عَشِيَّة بعث الله إِلَيْهِ ابْن عَمه أَبَا زَمعَة الْأسود بن الْمطلب بن أَسد فصاح على أحفل مَا كَانَت قُرَيْش فِي الطّواف فَقَالَ عباد الله ملك بتهامة فانحاشوا إِلَيْهِ انحياش حمر الْوَحْش ثمَّ قَالُوا صدقت وَاللات والعزى مَا كَانَ بتهامة ملك قطّ فانتفضت قُرَيْش عَمَّا كَانَت قَالَت لَهُ وَلحق بقيصر يُعلمهُ ثمَّ روى الزبير بِسَنَدِهِ أَن قَيْصر حمل عُثْمَان على بغلة عَلَيْهَا سرج عَلَيْهِ الذَّهَب حِين ملكه قَالَ الزبير قَالَ عمي وَكَانَ عُثْمَان بن الْحُوَيْرِث حِين قدم مَكَّة بِكِتَاب قَيْصر مختوم فِي أَسْفَله بِالذَّهَب

стр. 205

وَذكر الزبير خَبرا فِيمَا انْتهى إِلَيْهِ أَمر عُثْمَان بن الْحُوَيْرِث وَمُلَخَّص ذَلِك أَنه لما خرج إِلَى قَيْصر بِالشَّام بعد امْتنَاع قُرَيْش من تَمْلِيكه فَسَأَلَ تجار قُرَيْش بِالشَّام عَمْرو ابْن جَفْنَة الغساني عَامل قَيْصر أَن يفْسد على عُثْمَان عِنْد قَيْصر فَسَأَلَ عَمْرو فِي ذَلِك ترجمان قَيْصر فَأخْبر الترجمان قَيْصر عَن عُثْمَان وَترْجم عَلَيْهِ بِأَن عُثْمَان يشْتم الْملك فَأمر قَيْصر بِإِخْرَاج عُثْمَان ثمَّ تحيل عُثْمَان حَتَّى عرف من أَيْن أُتي وَدخل على قَيْصر وعرفه مَا يَقْتَضِي أَن الترجمان كذب عَلَيْهِ ومالأ أعداءه فَكتب قَيْصر إِلَى عَمْرو بن جَفْنَة يَأْمُرهُ أَن يحبس لعُثْمَان من أَرَادَ حَبسه من تجار قُرَيْش بِالشَّام فَفعل ذَلِك عَمْرو ثمَّ سم عُثْمَان فَمَاتَ بِالشَّام انْتهى قَالَ وَحدثنَا حسن بن حُسَيْن الْأَزْدِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن حبيب قَالَ كَانَت الرياسة أَيَّام بني قصي إِلَى عبد منَاف بن قصي كَانَ الْقَائِم بِأُمُور قُرَيْش والمنظور إِلَيْهِ فِيهَا ثمَّ أفْضى ذَلِك بعده إِلَى ابْنه هَاشم بن عبد منَاف فَأَقَامَ ذَلِك أحسن قيام فَلم يكن لَهُ نَظِير من قُرَيْش وَلَا مسَاوٍ ثمَّ سَارَتْ الرياسة بعده لبعد الْمطلب فِي كل قُرَيْش رُؤَسَاء غير أَنهم كَانُوا يعْرفُونَ لعبد الْمطلب فَضله وتقدمه وشرفه فَلَمَّا مَاتَ عبد الْمطلب صَارَت الرياسة لِحَرْب بن أُميَّة فَلَمَّا مَاتَ حَرْب تَفَرَّقت الرياسة والشرف بَين عبد منَاف وَغَيرهم من قُرَيْش وَقَالَ الفاكهي قَالَ لنا الزبير قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن كَانَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة من بني عبد منانف هَاشم وَعبد شمس وَالْمطلب وَنَوْفَل أول من رفع الله بهم قُريْشًا وَكَانَت قُرَيْش إِنَّمَا كَانَت تتجر بِمَكَّة وتتبضع مَعَ من يخرج من الْأَعَاجِم إِلَيْهَا فَركب هَاشم فَأخذ لَهُ حبلاً يَعْنِي عهدا من قَيْصر فاتجروا إِلَى الشَّام وَركب عبد الْمطلب فَأخذ لَهُ حبلاً من مُلُوك الْيمن فتجروا إِلَى الْيمن بذلك الْحَبل يَعْنِي الْعَهْد والذمة وَركب نَوْفَل فَأخذ لَهُم حبلاً من النَّجَاشِيّ فتجروا بذلك إِلَى أَرض الْحَبَشَة وروى الزبير عَن مُحَمَّد بن الْحسن عَن الْعَلَاء بن الْحُسَيْن عَن أَفْلح بن

стр. 206

عبد الله بن الْعَلَاء عَن أَبِيه وَغَيره من أهل الْعلم قَالُوا هَاشم وَعبد شمس وَالْمطلب وَنَوْفَل هم الزينون وَبَنُو هَاشم وَبَنُو الْمطلب يدان فَإِن دهمهم غَيرهم صَارُوا يدا وَاحِدَة على ذَلِك كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة دون جَمِيع بني عبد منَاف قلت وَلِهَذَا قَالَ نَحن وَبَنُو الْمطلب هَكَذَا وَشَبك بَين أَصَابِع يَدَيْهِ وهما البصران يسميان بذلك وَعبد شمس وَنَوْفَل يروهما الأنهران قَالَ وَكَانَت الْعَرَب تسمى هاشماً وَالْمطلب وَعبد شمس ونوفلاً أقداح النضار فَإِن دهمهم غَيرهم اجْتَمعُوا فصاروا يدا وَاحِدَة وَكَانَ يُقَال لَهُم جَمِيعهم أَيْضا المجيرون قَالَ آدم بن عبد الْعُزَّى بن عَمْرو بن عبد الْعُزَّى // (من الرمل) // (يَا أَمِين الله إنّي قائلٌ ... قَول ذِي دينٍ وبرٍّ وَحسب) (عبد شمسٍ لَا تهنها إنّما ... عبد شمسٍ عمّ عبد المّطلب) (عبد شمس كَانَ يَتْلُو هاشماً ... وهما بعد لأُمٍّ ولأب) فَائِدَة أَحْبَبْت إيرادها مناسبتها وَهِي ذكر من ولي الْإِجَازَة بِالنَّاسِ من عَرَفَة ومزدلفة وَمنى من الْعَرَب فِي ولَايَة جرهم وخزاعة وقريش على مَكَّة والحمس والحلة والطلس والنسيء أما الأول مِمَّن ولي الْإِجَازَة للنَّاس بِالْحَجِّ من عَرَفَة فَقَالَ ابْن إِسْحَاق كَانَ الْغَوْث بن مر بن أد بن طابخة بن إلْيَاس بن مُضر هُوَ الَّذِي يَليهَا من عَرَفَة وَولده من بعده وَكَانَ يُقَال لَهُ ولولده صوفة وَإِنَّمَا ولي الْغَوْث بن مر ذَلِك لِأَن سَببه أَن أمه كَانَت امْرَأَة من جرهم وَكَانَت لَا تَلد فنذرت لله إِن هِيَ ولدت ذكرا أَن تَتَصَدَّق بِهِ على الْكَعْبَة عبدا لَهَا يخدمها وَيقوم عَلَيْهَا فَولدت الْغَوْث فَكَانَ يقوم على الْكَعْبَة بخدمتها فِي الدَّهْر الأول مَعَ اخو ٠ اله من جرهم فولي الْإِجَازَة بِالنَّاسِ من عَرَفَة لمكانه الَّذِي كَانَ بِهِ من الْكَعْبَة فَقَالَت أمه // (من الرجز) // (إنّي جعلت ربّ من بنيّه ... ربيطةً بمكّة العليّه) (فباركنّ لي بهَا أليّه ... واجعله لي من صَالح البريّه)

стр. 207

ثمَّ اسْتمرّ وَلَده من بعده قَالَ ابْن إِسْحَاق حَدثنِي يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه عباد قَالَ كَانَت صوفة تدفع بِالنَّاسِ من عَرَفَة وتجيز لَهُم إِذا نفروا من منى فَإِذا كَانَ يَوْم النَّفر أَتَوْ لرمي الْجمار وَرجل من صوفة يُومِئ للنَّاس لَا يرْمونَ فَكَانَ ذَوُو الْحَاجَات المستعجلون يأْتونَ لَهُ فَيَقُولُونَ لَهُ قُم فارم حَتَّى نرمي فَيَقُول لَا وَالله حَتَّى تميل الشَّمْس فيظل ذَوُو الْحَاجَات الَّذين يحبونَ التَّعْجِيل يستعجلونه بذلك يومونه بِالْحِجَارَةِ وَيَقُولُونَ لَهُ وَيلك قُم فارم فيأبى عَلَيْهِم حَتَّى إِذا مَالَتْ الشَّمْس قَامَ فَرمى وَرمى النَّاس مَعَه قَالَ ابْن إِسْحَاق فَإِذا فرغوا من رمي الْجمار فارادوا النَّفر من منى أخذت صوفة بجانبي الْعقبَة فحبسوا النَّاس وَقَالُوا أجيزي صوفة فَلم يجز أحد من النَّاس حَتَّى يمروا فَإِذا نفرت صوفة وَمَضَت خلى سَبِيل النَّاس فَانْطَلقُوا بعدهمْ فَكَانُوا كَذَلِك حَتَّى انقرضوا فورث ذَلِك من بعدهمْ بَنو سعيد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم فَكَانَت فِي بني سعد فِي آل صَفْوَان بن الْحَارِث بن شجنة قَالَ ابْن هِشَام صَفْوَان هُوَ ابْن الْحَارِث بن شجنة بن عُطَارِد بن عَوْف بن كَعْب ابْن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم قَالَ فَكَانَ صَفْوَان هُوَ الَّذِي يُجِيز للنَّاس بِالْحَجِّ من عَرَفَة ثمَّ بنوه من بعده حَتَّى كَانَ آخِرهم الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَام هُوَ كرب بن صَفْوَان قَالَ أَوْس بن مغراء السَّعْدِيّ // (من الْبَسِيط) // (لَا يبرح النّاس مَا حجّوا معرّفهم ... حتّى يُقَال أجيزو آل صفوانا) وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لَهُ يفخر فِيهَا وَأما الْإِجَازَة من الْمزْدَلِفَة فَكَانَت فِي عدوان فِيمَا حدث بِهِ زِيَاد بن عبد الله عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق يتوارثون ذَلِك كَابِرًا عَن كَابر حَتَّى كَانَ آخِرهم الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَام أَبُو سيارة عميلة بن الأعزل فَفِيهِ يَقُول شَاعِر الْعَرَب // (من الرجز) // (نَحن دفعنَا عَن أبي سيّاره ... وَعَن موَالِيه بني فزاره)

стр. 208

(حتّى أجَاز سالما حِمَاره ... مُسْتَقْبل الْقبْلَة يَدْعُو جَاره) وَذكر الزبير بن بكار خبر الْإِجَازَة من الْمزْدَلِفَة فَأفَاد مَا لم يفده ابْن إِسْحَاق فَاقْتضى ذَلِك ذكرنَا لَهُ قَالَ بعد أَن ذكر خبر الْإِجَازَة من عَرَفَة قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْإِجَازَة الثَّانِيَة من جمع غَدَاة النَّحْر إِلَى منى وَكَانَ ذَلِك إِلَى بني زيد بن عدوان بن عَمْرو بن قيس عيلان بن مُضر وَكَانَ آخر من ولي ذَلِك مِنْهُم أَبُو سيارة عميلة بن الأعزل بن خَالِد بن سعد الْحَارِث وَكَانَ يُجِيز على حِمَاره قَالَ السُّهيْلي فَكَانَت لَهُ أتان عوراء خطامها من لِيف وَكَانَ يُقَال فِي الْمثل أصح من حمَار أبي سيارة قَالَ أَبُو الْحسن الْأَثْرَم قَالَ أَبُو عُبَيْدَة أَظُنهُ كَانَ سميناً وَقَالَ مُحَمَّد بن الْحسن عَاشَ حمَار أبي سيارة أَرْبَعِينَ سنة لَا يُصِيبهُ فِيهَا عرض فَقيل أصح من عير أبي سيارة قَالَ الزبير بن بكار حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن عبد الْعَزِيز بن عمرَان قَالَ أَخْبرنِي عقال بن شيبَة قَالَ فَلم تزل الْإِجَازَة فِي صوفة حَتَّى أَخَذتهَا عدوان حَتَّى أَخَذتهَا قُرَيْش قلت هَذَا صَرِيح فِي خلاف مَا تقدم من أَن الْإِجَازَة من عَرَفَة فِي آل صوفة استمرت إِلَى آخر الْإِسْلَام وَكَانَ آخِرهم كرب بن صَفْوَان وَكَذَلِكَ الْإِجَازَة من مُزْدَلِفَة استمرت فِي عدوان حَتَّى كَانَ آخِرهم أَبَا سيارة عميلة بن الأعزل فَلَعَلَّ قَائِل هَذَا أَشَارَ إِلَى مَا وَقع لقصي من أَخذ ذَلِك من صوفة وعدوان ثمَّ ترك ذَلِك قصي لِأَنَّهُ كَانَ يرَاهُ ذَنبا فَتَركه وَذكر القَاضِي حَدثنِي أَحْمد بن سُلَيْمَان قَالَ حَدثنِي أَبُو زيد بن مبارك قَالَ حَدثنِي أَبُو ثَوْر عَن ابْن جريج قَالَ وَقَالَ مولى ابْن عَبَّاس كَانَت الحمس من عدوان يقومُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى يدفعوهم وَمن يعرف بِعَرَفَة من الْمزْدَلِفَة غَدَاة جمع وَكَانَ يدْفع بهم أَبُو سيارة على حمَار لَهُ عرى وَكَانَ يَقُول أشرق ثبير كَيْمَا نغير وَكَانَ كرب بن صَفْوَان يَأْخُذ بِالطَّرِيقِ فَلَا يفِيض أحد من عَرَفَات حَتَّى يُجِيز وَكَانُوا يقفون وَلَا يعْرفُونَ الْوُقُوف بهَا فيقيمون ويفتخرون بآبائهم وأفعالهم

стр. 209

ويسألون لدنياهم فَأنْزل الله ﴿فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ابائكم أَو اشد ذكرا﴾ الْآيَة الْبَقَرَة ٢٠٠ فَإِذا غرب الشَّمْس سَار كرب بن صَفْوَان نَحْو جمع ويسيرون خَلفه لكَي حَيّ مجيز حَتَّى ياتوا الحمس فِي جَوف اللَّيْل بِالْمُزْدَلِفَةِ فيقفون مَعَهم وَقد أَخذ الطَّرِيق لَا يخرج أحد قبل طُلُوع الشَّمْس فَإِذا أَصْبحُوا قَامَ أَبُو سيارة عميلة بن الأعزل العدواني فَقَالَ أشرق ثبير كميا نغير قَالَ ذُو الْأصْبع العدواني واسْمه حرثان بن عَمْرو // (من الهزج) // (عذير الحيّ من عدوان ... كَانُوا حيّة الأَرْض) (بغى بَعضهم ظلما ... فَلم يرع على الْبَعْض) (وَمِنْهُم كَانَت السادات ... والموفون بالقرض) (وَمِنْهُم من يُجِيز النَّاس ... بِالسنةِ وَالْفَرْض) وَأما سَبَب تَسْمِيَة الْغَوْث وبنيه بصوفة فِيمَا تقدم من قَوْله وَكَانَ يُقَال لَهُ ولبنيه صوفة فَذكر أَبُو عبد الله أَنه حَدثهُ أَبُو الْحسن الْأَثْرَم عَن هِشَام بن مُحَمَّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ قَالَ إِنَّمَا سمى الْغَوْث بن مر صوفة لِأَنَّهُ كَانَ لَا يعِيش لأمه ولد فنذرت بِهِ إِن عَاشَ لتعلقن بِرَأْسِهِ صوفة ولتجعلنه ربيطاً للكعبة فَفعلت فَقيل لَهُ صوفة ولولده من بعده وَهُوَ الربيط وَيُقَال سَبَب التَّسْمِيَة أَنَّهَا لما ربطته عِنْد الْبَيْت أَصَابَهُ الْحر فمرت بِهِ وَقد سقط وذوى واسترخى فَقَالَت مَا ضار ابْني إِلَّا صوفة وَالله أعلم أَيهمَا سَبَب التَّسْمِيَة وَيحْتَمل اجْتِمَاعهمَا وَيكون سَببه للسابق وَأما الحمس والحلة فَذكر خبرهم غير وَاحِد من أهل الْأَخْبَار مِنْهُم الزبير بن بكار فَإِنَّهُ قَالَ حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر بن عبد الْعَزِيز بن عمرَان قَالَ الحمس قُرَيْش وكنانة وخزاعة وَمن وَلدته قُرَيْش خَاصَّة من الْعَرَب وَإِنَّمَا سموا الحمس بِالْكَعْبَةِ لِأَنَّهَا حمساء حجرها أَبيض يضْرب إِلَى السوَاد قَالَ وَكَانَت لَهَا سيرة كَانُوا لَا يأقطون أقطاً وَلَا يسلون سمناً وَلَا يبيعون دَارا وَلَا يقفون إِلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَا يطوفون بِالْبَيْتِ عُرَاة وَلَا يسكنون فِي بيُوت الشّعْر وَقَالَ غَيره كَانُوا يعظمون الشُّهُور الْحرم ويتعاطون الْحُقُوق ويدحرون عَن

стр. 210

الظُّلم وينصفون الْمَظْلُوم قَالَ وحَدثني مُحَمَّد بن فضَالة عَن مُبشر بن حَفْص عَن مُجَاهِد قَالَ الحمس قُرَيْش وَبَنُو عَامر بن صعصعة وَثَقِيف وخزاعة ومدلج وعدوان والْحَارث بن عبد مَنَاة وعضل أَتبَاع قُرَيْش وَسَائِر الْعَرَب حلَّة قَالَ وحدنثي مُحَمَّد بن حسن عَن مُحَمَّد بن طَلْحَة عَن مُوسَى بن مُحَمَّد عَن أَبِيه قَالَ لم تكن الحمس بِحلف وَلكنه دين شرعته قُرَيْش وَأَجْمعُوا عَلَيْهِ وَكَانَت الْحلَّة لَا تَطوف فِي حَجهَا إِلَّا فِي ثِيَاب جدد أَو ثِيَاب أهل الله سكان الْحرم ويكرهون أَن يطوفوا فِي ثِيَاب عملت فِيهَا الْمعاصِي فَمن لم يجد طَاف عُريَانا وَمن طَاف من الْحلَّة فِي ثِيَابه أَلْقَاهَا فَإِذا فرغ فَلم ينْتَفع بهَا وَلَا غَيره حَتَّى تبلى وَكَانَت الْمَرْأَة تَطوف عَارِية وتضع كفها على هنها ثمَّ تَقول // (من الرجز) // (أليوم يَبْدُو بعضه أَو كلّه ... وَمَا بدا مِنْهُ فَلَا أُحلّه) قَالَ وَكَانَت الحمس تَطوف فِي ثِيَابهَا وَكَانَت الْحلَّة تخرج إِلَى عَرَفَات وتراه موقفا ومنسكا وَكَانَ موقفها بالْعَشي دون الأنصاب وَمن آخر اللَّيْل مَعَ النَّاس بقزح من الْمزْدَلِفَة وَكَانَ بعض الْحلَّة لَا يرى الصَّفَا والمروى وَبَعْضهمْ يَرَاهَا وَكَانَ الَّذين يرونها خندف وَسَائِر الْحلَّة لَا يرونها فَلَمَّا جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ أَمر الله الحمس أَن يقفوا بِعَرَفَة مَعَ الْحلَّة وَأَن يفيضوا من حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس مِنْهَا مَعَ الْحلَّة وَأمر الْحلَّة أَن يطوفوا بَين الصَّفَا والمروة وَقَالَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ من شَعَائِر الله﴾ الْآيَة الْبَقر ١٥٨ وَذَلِكَ أَن نَاسا قَالُوا مَا كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة مِمَّن يطوف بهما يطوف باساف ونمائلة وَكَانَ إساف على الصَّفَا ونائلة على الْمَرْوَة فأعلمهم الله أَنَّهُمَا مشْعر انْتهى وَقيل سَبَب تسميتهم بالحمس غير مَا ذكر وَهُوَ أَنهم إِنَّمَا سموا حمساً لشجاعتهم والحماسة الشجَاعَة وَقيل سَبَب التَّسْمِيَة بذلك لشدتهم فِي دينهم والأحمس المشتدد فِي دينه وَأما الطلس فهم طَائِفَة من الْعَرَب تَطوف بِالْبَيْتِ على صفة تخْتَص بهَا ذكرهم السُّهيْلي فَقَالَ بعد أَن ذكر شَيْئا فِي خبر الحمس والحلة وَكَانُوا يأْتونَ من أقْصَى

стр. 211

الْيمن طلساً من الْغُبَار يطوفون بِالْبَيْتِ فِي تِلْكَ الثِّيَاب الطلس فسموا بذلك ذكره مُحَمَّد بن حبيب انْتهى والطلس أَيْضا لقب لجَماعَة من أَعْيَان السّلف لكَوْنهم لَا شعر فِي وُجُوههم مِنْهُم عبد الله بن الزبير الْأَسدي وَشُرَيْح بن الْحَارِث القَاضِي قَاضِي الْكُوفَة فَوق سِتِّينَ سنة وَأما النسىء قَالَ الْعَلامَة التقي الفاسي قَالَ الْأَزْرَقِيّ فِيمَا روينَاهُ عَنهُ بسندنا حَدثنِي جدي قَالَ حَدثنَا سعيد بن سَالم عَن عُثْمَان بن سَاج عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن الْكَلْبِيّ فِيمَا رَوَاهُ عَن أبي صَالح مولى أم هانىء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ وَذكر شَيْئا من خبر الْحلَّة والحمس ثمَّ قَالَ بن إِسْحَاق قَالَ الكبي فَكَانَ أول من أنسأ الشُّهُور من مُضر مَالك بن كنَانَة وَذَلِكَ أَن مَالك بن كنَانَة نكح إِلَى مُعَاوِيَة بن ثَوْر الْكِنْدِيّ وَهُوَ يَوْمئِذٍ فِي كِنْدَة وَكَانَت النسأة قبل ذَلِك فِي كِنْدَة لأَنهم كَانُوا قبل ذَلِك مُلُوك الْعَرَب من ربيعَة وَمُضر فنسأ ثَعْلَبَة بن ملك ثمَّ نسأ بعده الْحَارِث بن ملك بن كنَانَة وَهُوَ القلمس ثمَّ نسأ بعده سَرِير بن القلمس ثمَّ كَانَت النسأة فِي بني فقيم من بني ثَعْلَبَة حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام وَكَانَ آخر من نسأ مِنْهُم أَبُو ثُمَامَة جندة بن عَوْف بن أُميَّة بن عبد فقيم وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِي زمن عمر ابْن الْخطاب ﵁ إِلَى الْحجر الْأسود فَلَمَّا رأى النَّاس يزدحمون عَلَيْهِ قَالَ أَيهَا النَّاس أَنا لَهُ جَار فأجيزوا فخفقه عمر بِالدرةِ ثمَّ قَالَ أَيهَا الجلف الجافي قد ذهب عزك بِالْإِسْلَامِ فَكل هَؤُلَاءِ قد نَشأ فِي الْجَاهِلِيَّة انْتهى (ذكر صفة الإنساء) روى الْأَزْرَقِيّ بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن إِسْحَاق عَن الْكَلْبِيّ فِي الْخَبَر الَّذِي فِيهِ مَا سبق ذكره فِي أول من نسأ الشُّهُور قَالَ وَالَّذِي ينسأ لَهُم إِذا أَرَادوا أَلا يحلوا الْمحرم قَامَ بِفنَاء الْكَعْبَة يَوْم الصَّدْر فَقَالَ الَّذِي ينسأ أَيهَا النَّاس لَا تحلوا حرماتكم وعظموا شعائركم فَإِنِّي أجَاب وَلَا أعاب لقَوْل قلته فهنالك يحرمُونَ الْمحرم ذَلِك الْعَام وَكَانَ الْجَاهِلِيَّة يسمون الْمحرم صفر الأول وصفر صفر الآخر وَيَقُولُونَ صفران وشهرا ربيع وجماديان وَرَجَب وَشَعْبَان وَشهر رَمَضَان وشوال وَذُو

стр. 212

الْعقْدَة وَذُو الْحجَّة فَكَانَ ينسأ الإنساء سنة وَيتْرك سنة فيحلوا الشُّهُور الْمُحرمَة ويحرموا الشُّهُور الَّتِي لَيست بمحرمة وَكَانَ ذَلِك من فعل إِبْلِيس لَعنه الله تَعَالَى أَلْقَاهُ على ألسنتهم فرأوه حسنا فَإِذا كَانَت السّنة الَّتِي ينسأ فِيهَا يقوم ويخطب بِفنَاء الْكَعْبَة وَيجمع النَّاس إِلَيْهِ يَوْم الصَّدْر فَيَقُول أَيهَا النَّاس إِنِّي قد أنسأت الْعَام صفر الأول يَعْنِي الْمحرم فيطرحونه من الشُّهُور وَلَا يعتدون بِهِ ويبتدئون الْعدة بعده فَيَقُولُونَ لصفر وَشهر ربيع الأول صفران وَيَقُولُونَ لشهر ربيع الآخر وجمادي الأولى شهرا ربيع وَيَقُولُونَ لجمادي الْأُخْرَى وَرَجَب جماديان وَيَقُولُونَ لشعبان رَجَب ولشهر رَمَضَان شعْبَان وَيَقُولُونَ لشوال شهر رَمَضَان وَلِذِي الْفطْرَة شَوَّال وَلِذِي الْحجَّة ذُو الْقعدَة ولصفر الأول وَهُوَ الْمحرم الشَّهْر الَّذِي أنسأه ذُو الْحجَّة فيحجون تِلْكَ السّنة فِي الْمحرم فَيبْطل من هَذِه السّنة شهرا ينسأه ثمَّ يخطبهم فِي السّنة الثَّانِيَة فِي وَجه الْكَعْبَة أَيْضا فَيَقُول أَيهَا النَّاس لَا تحلوا حرماتكم وعظموا شعائركم فَإِنِّي أجَاب وَلَا أعاب لقَوْل قلته اللَّهُمَّ اني قد احللت دِمَاء المحلين طيىء وخثعم فِي الْأَشْهر الْحرم من بَين الْعَرَب فيغزونهم وَيطْلبُونَ بثأرهم وَلَا يقفون عَن حرمات النَّاس فِي الْأَشْهر الْحرم كَمَا تفعل غَيرهَا من الْعَرَب وَكَانَ سَائِر الْعَرَب من الْحلَّة والحمس لَا يعدون فِي الْأَشْهر الْحرم على أحد وَلَو لَقِي أحدهم قَاتل أَبِيه وأخيه وَلَا يستاقون إعظاماً للشهور الْحرم إِلَّا خثعم وطيىء فَإِنَّهُم كَانُوا يعدون فِي الْأَشْهر الْحرم فهنالك يحرمُونَ من تِلْكَ السّنة الشَّهْر الْمحرم وَهُوَ صفر الأول ثمَّ يعدون الشُّهُور على عدتهمْ الَّتِي عدوها فِي الْعَام الأول فيحجون فِي كل سنة حجَّتَيْنِ ثمَّ ينسأ فِي السّنة الثَّانِيَة فينسأ صفر الأول فِي عدتهمْ هَذِه وَهُوَ صفر الآخر فِي الْعدة المستقيمة حَتَّى تكون حجتهم فِي صفر أَيْضا وَكَذَلِكَ الشُّهُور كلهَا حَتَّى يستدير الْحَج فِي كل أَربع وَعشْرين سنة إِلَى الْمحرم الَّذِي ابتدءوا مِنْهُ الإنساء يحجون فِي الشُّهُور كلهَا فِي كل شهر حجَّتَيْنِ فَلَمَّا جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ أنزل الله فِي كِتَابه الْعَزِيز ﴿إِنَّمَا النَّسِىءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الْآيَة التَّوْبَة ٣٧ انْتهى

стр. 213

وَقَالَ السُّهيْلي وَأما نسؤهم للشهر الْحَرَام فَكَانَ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا هَذَا الَّذِي ذكره ابْن إِسْحَاق من تَأْخِير الْمحرم إِلَى صفر لحاجتهم إِلَى شن الغارات وَطلب الثارات وَالثَّانِي تَأْخِير الْحَج عَن وقته تحرياً مِنْهُم للسّنة الشمسية فَكَانُوا يؤخرونه فِي كل عَام أحد عشر يَوْمًا أَو أَكثر قَلِيلا حَتَّى يَدُور الدّور إِلَى ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة فَيَعُود إِلَى وقته وَلذَلِك قَالَ فِي عَام حجَّة الْوَدَاع إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق الله السَّمَوَات وَالْأَرْض فَكَانَت حجَّة الْوَدَاع فِي السّنة الَّتِي عَاد فِيهَا الْحَج إِلَى وقته الْأَصْلِيّ وَلم يحجّ رَسُول الله من الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة غير تِلْكَ الْحجَّة وَذَلِكَ لإِخْرَاج الْكفَّار الْحَج عَن وقته ولطوافهم بِالْبَيْتِ عُرَاة وَالله أعلم إِذْ كَانَت مَكَّة فِي حكمهم حَتَّى فتحهَا الله على نبيه ﵊ ثمَّ ولي عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف السِّقَايَة والرفادة بعد عَمه الْمطلب فَأَقَامَ لِقَوْمِهِ وللحجاج مَا كَانَت آباؤه تُقِيمهُ من قبله وَشرف فِي قومه شرفاً لم يبلغهُ أحد من آبَائِهِ فَأَحبهُ قومه وَعظم خطره فيهم وَكَانَ أكبر أَوْلَاده الْحَارِث لم يكن أول أمره غَيره وَكَانَ يكنى بِهِ فَيُقَال يَا أَبَا الْحَارِث فَقَالَ لَهُ ابْن عَمه عدي بن نَوْفَل بن عبد منَاف يَا عبد الْمطلب أتستطيل علينا وتتعاظم وَأَنت فذ لَا ولد لَك فَقَالَ لَهُ عبد الْمطلب أَو بالقلة تعيروني فو الله نذر عَليّ لَئِن آتَانِي الله عشرَة من الْوَلَد لأنحرن أحدهم عِنْد الْكَعْبَة فَلَمَّا كمل لَهُ عشرَة من الْوَلَد جمعهم فَأخْبرهُم بنذره ودعاهم إِلَى الْوَفَاء لله بذلك فاطاعوه وَقُولُوا لَهُ أوف بِنَذْرِك وَافْعل مَا شِئْت قَالَ ليَأْخُذ كل وَاحِد مِنْكُم قدحاً فليكتب اسْمه عَلَيْهِ ثمَّ ائْتُونِي فَفَعَلُوا فَقَالَ عبد الْمطلب لصَاحب القداح اضْرِب على هَؤُلَاءِ بقداحهم والقدح سهم لَا نصل لَهُ وَلَا ريش فَأعْطى كل وَاحِد مِنْهُم قدحه وَكَانَ عبد الله هُوَ اصغرهم سنا واحبهم إِلَى وَلَده ثمَّ ضرب صَاحب القداح فَخرج السهْم على

стр. 214

عبد الله فَأَخذه عبد الْمطلب بِيَدِهِ وَأخذ الشَّفْرَة ثمَّ أقبل على أساف وَهُوَ صنم على الصَّفَا ليذبح عِنْده فجذب الْعَبَّاس عبد الله من تَحت رجل وَلَده حَتَّى أثر فِي وَجهه شجة لم تزل ترى فِي وَجه عبد الله إِلَى أَن مَاتَ فَقَامَتْ قُرَيْش عَن أنديتها وَقَالُوا لَئِن فعلت هَذَا لَا يزَال الرجل يَأْتِي بانبه فيذبحه فَمَا بَقَاء النَّاس على هَذَا وَلَكِن اعذر فِيهِ إِلَى رَبك فنفديه بِأَمْوَالِنَا وَكَانَ بالحاجاز عرافة كاهنة لَهَا تَابع من الْجِنّ فَانْطَلقُوا حَتَّى قدمُوا عَلَيْهَا وقص عَلَيْهَا عبد الْمطلب قصَّته وَخبر نَذره وَيُقَال إِن نَذره لذَلِك لم يكن سَببه تَعْبِير عدي بن نَوْفَل لَهُ فَأَجَابَهُ بقوله أَو بالقلة تعيروني لَئِن رَزَقَنِي الله عشرَة من الْوَلَد إِلَى آخر مَا تقدم بل إِنَّمَا كَانَ النّذر لما رأى فِي الْمَنَام زَمْزَم وأرشد إِلَى مَكَانهَا بعلامة أريها فِيهِ فَقَالَ عِنْد ذَلِك لَئِن رَزَقَنِي الله عشرَة من الْوَلَد حَتَّى يعينوني على حفرهَا لأنحرن أحدهم وعَلى كل حَال فالمنذور هُوَ نحر أحد أَوْلَاده الْعشْرَة وَالِاخْتِلَاف فِي سَبَب عقد النّذر هَل هُوَ التَّعْبِير لَهُ بقلة الْوَلَد وَهِي الرِّوَايَة الأولى أَو حُصُول الْإِرْشَاد إِلَى مَحل زَمْزَم وحفرها والإعانة على ذَلِك وَذَلِكَ أَنه بَيْنَمَا عبد الْمطلب بن هَاشم نَائِم فِي الْحجر إِذْ أَتَى فَأمر بِحَفر زَمْزَم قَالَ عبد الْمطلب إِنِّي لنائم فِي الْحجر إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ احْفِرْ طيبَة قَالَ قلت وَمَا طيبَة قَالَ ثمَّ ذهب عني فَلَمَّا كَانَ الْغَد جِئْت إِلَى مضجعي فمنت فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ احْفِرْ المصونة قلت وَمَا المصونة ثمَّ ذهب عني فَلَمَّا كَانَ الْغَد رجعت إِلَى مضجعي فَنمت فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ احْفِرْ برة قلت وَمَا برة ثمَّ ذهب عني فَلَمَّا كَانَ الْغَد نمت كَذَلِك فَجَاءَنِي فَقَالَ احْفِرْ زَمْزَم قلت وَمَا زَمْزَم قَالَ لَا تنزف أبدا وَلَا تذم تَسْقِي الحجيج الْأَعْظَم وَهِي بَين الفرث وَالدَّم عِنْد نقرة الْغُرَاب الأعصم عِنْد قَرْيَة النَّمْل وَهِي شرف لَك ولولدك وَكَانَ هُنَاكَ غراب أعصم لَا يبرح عِنْد الذَّبَائِح مَكَان الفرث وَالدَّم فَلَمَّا بَين لَهُ شَأْنهَا وَدلّ على موضعهَا وَعرف أَن الْمَنَام قد صدق غَدا بِالْمِعْوَلِ وَمَعَهُ ابْنه الْحَارِث لَيْسَ مَعَه يَوْمئِذٍ ولد غَيره فَجعل يحْفر ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى بدا لَهُ الطي فَعرفت قُرَيْش أَنه أدْرك حَاجته فَقَالُوا يَا عبد الْمطلب إِنَّهَا بِئْر أَبينَا إِسْمَاعِيل وَإِن لنا فِيهَا حَقًا فأشركنا مَعَك قَالَ مَا أَنا بفاعل إِن هَذَا الْأَمر قد خصصت بِهِ دونكم وأعطيته من بَيْنكُم قَالُوا لَهُ فأنصفنا فَإنَّا غير تاركيك حَتَّى

стр. 215

نخاصمك فِيهَا قَالَ فافعلوا بيني وَبَيْنكُم من شِئْتُم أحاكمكم إِلَيْهِ قَالُوا كاهنة بني سعد بن هذيم قَالَ نعم وَكَانَت بأشراف الشَّام فَركب عبد الْمطلب وَمَعَهُ نفر من بني أُميَّة وَركب من كل قَبيلَة من قُرَيْش نفر وَالْأَرْض إِذْ ذَاك مفازة قَالَ فَخَرجُوا حَتَّى إِذا كَانُوا بِبَعْض تِلْكَ المفاوز فني مَا كَانَ عِنْد عبد الْمطلب وَأَصْحَابه من المَاء فظمئوا حَتَّى أيقنوا بالهلكة فاستسقوا من مَعَهم من قبائل قُرَيْش فَأَبَوا عَلَيْهِم وَقَالُوا إِنَّا بمفازة نخشى على أَنْفُسنَا مثل مَا أَصَابَكُم فَلَمَّا رأى عبد الْمطلب مَا صنع الْقَوْم وَمَا تخوفوا مِنْهُ قَالَ لِقَوْمِهِ مَا ترَوْنَ قَالُوا مَا رَأينَا إِلَّا تبع لرأيك فمرنا بِمَا شِئْت قَالَ فَإِنِّي أرى أَن يحْفر كل رجل مِنْكُم حُفْرَة لنَفسِهِ بِمَا بكم الْآن من بَقِيَّة الرمق وَالْقُوَّة فَكلما مَاتَ رجل على شَفير حفرته أَلْقَاهُ فِيهَا من بَقِي مَعَه رَمق مِنْكُم قَالُوا نعم مَا أمرت بِهِ فقعدوا ينتظرون عطشاً ثمَّ إِن عبد الْمطلب قَالَ لأَصْحَابه وَالله لنضربن فِي الأَرْض فَلَعَلَّ الله يرزقنا مَاء بِبَعْض الْبِلَاد فَتقدم عبد الْمطلب إِلَى رَاحِلَته فركبها فَلَمَّا انبعثت بِهِ انفجرت عين مَاء عذب من تَحت خفها فَكبر عبد الْمطلب وَكبر أَصْحَابه ثمَّ نزل فَشرب هُوَ وَأَصْحَابه واستقوا حَتَّى ملئوا أسقيتهم ثمَّ دَعَا الْقَبَائِل من قُرَيْش فَقَالَ هلموا إِلَى المَاء فقد سقانا الله فَاشْرَبُوا واستقوا فَجَاءُوا فَشَرِبُوا واستقوا ثمَّ قَالُوا قد وَالله قضى الله لَك علينا يَا عبد الْمطلب وَالله لَا نخاصمك فِي زَمْزَم أبدا إِن الَّذِي سقاك هَذَا المَاء بِهَذِهِ الْمَفَازَة لَهو الَّذِي سقاك فَارْجِع إِلَى سقايتك راشداً فَرجع وَرَجَعُوا مَعَه وَيُقَال إِن عبد الْمطلب قَامَ يحْفر هُنَالك فَجَاءَت قُرَيْش فَقَالُوا لَا تحفر فِي مَسْجِدنَا فَقَالَ إِنِّي لحافر هَذِه الْبِئْر وَمُجاهد من صدني عَنْهَا فَطَفِقَ يحْفر هُوَ وَابْنه الْحَارِث وَلَيْسَ لَهُ يَوْمئِذٍ ولد غَيره فسعت إِلَيْهِمَا نَاس من قُرَيْش ونازعوهما حَتَّى إِذا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَذَى نذر لَئِن ولد لَهُ عشرَة بَنِينَ ثمَّ بلغُوا مَعَه حَتَّى منعُوهُ عَمَّن يُرِيد مَنعه وَسَهل الله عَلَيْهِ حفر زَمْزَم لينحرن أحدهم عِنْد الْكَعْبَة فَلَمَّا بلغُوا عشرَة وَأَرَادَ ذَلِك وَقع مَا تقدم ذكره انْتهى وَورد أَن عبد الْمطلب كَانَ نَائِما فِي الْحجر إِذْ رأى مناماً فانتبه فرقا مَرْعُوبًا وأتى كهنة قُرَيْش وقص عَلَيْهِم رُؤْيَاهُ فَقَالُوا تَأْوِيل رُؤْيَاك ليخرجن من
следующие страницы →