← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عقيل أَو عقال وَكَانَ يوافي الْمَوْسِم كل عَام ويبلغ الْحَاج فِي مَنَازِلهمْ وَفِي أسواقهم عكاظ ومجنة وَذي الْمجَاز أما ذُو الْمجَاز فَهُوَ سوق عِنْد عَرَفَة كَانَت الْعَرَب إِذا حجت أَقَامَت بسوق عكاظ شهر شَوَّال ثمَّ تنْتَقل عَنهُ إِلَى سوق مجنة فتقيم فِيهِ عشْرين يَوْمًا من ذِي الْقعدَة ثمَّ تنْتَقل إِلَى سوق ذِي الْمجَاز فتقيم بِهِ أَيَّام الْحَج وَكَانُوا فِي سوق عكاظ يتفاخرون ويتناشدون الْأَشْعَار المشعرة بفخر كل قَبيلَة يُقَال عكظ الرجل صَاحبه إِذا فاخره وغلبه بالمفاخرة فَسمى عكاظ بذلك لذَلِك وعكاظ هُوَ الْمُسَمّى الْآن بِأَرْض نَخْلَة وَيُسمى بالمضيق وَبِه الْآن عُيُون ونخيل ورزوع ومساكن كَذَا ذكره السُّهيْلي ﵀ وَأما سوق مجنة فَهُوَ بِأَسْفَل مَكَّة على بريد مِنْهَا فَلم يجد من ينصره حَتَّى جَاءَت الْأَنْصَار هم الْأَوْس والخزرج فَأسلم مِنْهُم سِتَّة نفر كَمَا هُوَ الْمَشْهُور وَقيل اثْنَان كَمَا ذكره الشَّمْس الْبرمَاوِيّ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْبَاب الثَّانِي من الْمَقْصد الثَّانِي على الْأَثر ثمَّ أذن الله لنَبيه بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة قَالَه ابْن عَبَّاس بقوله تَعَالَى ﴿وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ الْآيَة الْإِسْرَاء ٨٠ أخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ الْحَاكِم

стр. 282

(الْبَاب الثَّانِي من الْمَقْصد الثَّانِي) (فِي ذكر هجرته إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة) قَالَ أهل السّير لما وَقعت الْبيعَة الأولى بِالْعقبَةِ وَكَانَ المبايع لَهُ فِيهَا سِتَّة أَنْفَار من الْأَنْصَار وَقيل اثْنَان أسعد بن زُرَارَة وذكوان بن عبد الْقَيْس ثمَّ الثَّانِيَة فَلَقِيَهُ فِيهَا اثْنَا عشر رجلا فيهم خَمْسَة من السِّتَّة الْأَوَّلين وهم أَبُو أُمَامَة أسعد بن زُرَارَة وعَوْف بن عفراء وَرَافِع بن مَالك وَقُطْبَة بن عَارِم بن حَدِيدَة وَعقبَة بن عَامر بن نابي وَلم يكن فيهم جَابر بن عبد الله بن رِئَاب فَلم يحضرها وَأما السَّبْعَة تَمام الاثنى عشر وهم معَاذ بن الْحَارِث بن رِفَاعَة وَهُوَ ابْن عفراء أَخُو عَوْف الْمَذْكُور وذكوان بن عبد الْقَيْس الزرقي وَقيل إِنَّه دخل إِلَى رَسُول الله إِلَى مَكَّة فسكنها مَعَه فَهُوَ مُهَاجِرِي أَنْصَارِي قتل يَوْم أحد وَعبادَة بن الصَّامِت بن قيس وابو عبد الرَّحْمَن بن ثَعْلَبَة البلوي وَالْعَبَّاس بن عبَادَة بن نَضْلَة وَهَؤُلَاء من الْخَزْرَج وَمن الْأَوْس رجلَانِ أَبُو الْهَيْثَم بن التيهَان من بني عبد الْأَشْهَل وعويم بن سَاعِدَة فأسلموا وَبَايَعُوا ثمَّ لما وَقعت فِي ذِي الْحجَّة من السّنة الثَّالِثَة عشرَة من النُّبُوَّة قبل الْهِجْرَة بِثَلَاثَة أشهر بيعَة الْعقبَة الْكُبْرَى الثَّالِثَة قدم مَكَّة فِي موسم الْحَج قريب من خَمْسمِائَة نفر وَفِي رِوَايَة ثَلَاثمِائَة نفر من الْأَوْس والخزرج وَخرج مَعَهم مُصعب بن عُمَيْر إِلَى مَكَّة اتّفق مِنْهُم سَبْعُونَ رجلا قَالَ ابْن إِسْحَاق ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ نفسا لاقوا رَسُول الله فدعوهم إِن يحضروا القعبة فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة من ليَالِي التَّشْرِيق فَكَانَت تِلْكَ اللَّيْلَة هِيَ لَيْلَة الْعقبَة الْكُبْرَى الثاثة وَهِي مَعْرُوفَة مبينَة

стр. 283

قَالَ فِي الوفا لما أبرم عقد الْمُبَايعَة بَين النَّبِي وَبَين أهل الْمَدِينَة وَلم يقدر أَصْحَابه أَن يقيموا بِمَكَّة من أَذَى الْمُشْركين وَلم يصبروا على جفوتهم رخص لَهُم فِي الْهِجْرَة إِلَى الْمَدِينَة فَتوجه مُصعب بن عُمَيْر إِلَى الْمَدِينَة ليفقه من أسلم من الْأَنْصَار ثمَّ توالى خُرُوجهمْ بعد الْعقبَة الْأَخِيرَة هَذِه فَخَرجُوا أَرْسَالًا مِنْهُم عمر ابْن الْخطاب وَأَخُوهُ زيد بن لخطاب وَطَلْحَة بن عبيد الله وصهيب وَحَمْزَة وَزيد بن حَارِثَة وَعبيدَة بن الْحَارِث وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَعُثْمَان بن عَفَّان وَغَيرهم وَلم يبْق مَعَه إِلَّا أَبُو بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب ذكره ابْن إِسْحَاق وَغَيره وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ تجهز أَبُو بكر الصّديق قبل الْمَدِينَة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله على رسلك فَإِنِّي أَرْجُو أَن يُؤذن لي فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر وَهل وَهل ترجو ذَلِك بِأبي أَنْت وَأمي قَالَ نعم فحبس أَبُو بكر نَفسه على رَسُول الله ليصحبه وعلف راحلتين كَانَتَا عِنْده ودق السمر وَهُوَ الْخبط أَرْبَعَة اشهر ليسمنا وينتظره مَتى يُؤمر بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْش إِن اصحاب الرَّسُول أَصَابُوا مَنْعَة وأصحاباً بِغَيْر دِيَارهمْ ووجدوا مُهَاجرا قَرِيبا يهاجرون إِلَيْهِ عرفُوا أَنه قد عزم أَن يحلق بهم وسيحميه المدنيون فخافوا خُرُوجه إِلَيْهِم وحذورا تفاقم أمره فَاجْتمعُوا بدار الندوة للمشاورة وَقَالَ ابْن دُرَيْد فِي الوشاح إِنَّهُم كَانُوا خَمْسَة عشر رجلا وَقَالَ ابْن دحْيَة كَانُوا مائَة وَلما قعدوا للتشاور تبدى لَهُم إِبْلِيس فِي صُورَة شيخ نجدي لأَنهم قَالُوا لَا يدخلن عَلَيْكُم أحد من تهَامَة لِأَن أهواءهم مَعَ مُحَمَّد فَلذَلِك تمثل اللعين فِي صُورَة شيخ نجدي فَدخل فَقَالُوا لَهُ من أدْخلك خلوتنا بِغَيْر إذننا قَالَ أَنا شيخ من قَبيلَة نجد وجدت وُجُوهكُم مليحة ورائحتكم طيبَة أردْت أَن أسمع كلامكم وأقتبس مِنْهُ شَيْئا وَلَقَد أعرف مقصودكم وَإِن كُنْتُم تَكْرَهُونَ جلوسي عنْدكُمْ خرجت فَقَالَت قُرَيْش رجل نجدي لَا يضركم حُضُوره فَقَالَ بَعضهم لبَعض إِن مُحَمَّدًا قد كَانَ من أمره مَا علمْتُم وَأَنا وَالله لَا نَأْمَن مِنْهُ الْوُثُوب علينا بِمن اتَّبعُوهُ فَأَجْمعُوا فِيهِ رَأيا فَقَالَ أَبُو البخْترِي بن هِشَام أرى أَن

стр. 284

تَحْبِسُوهُ وتشدوا وثَاقه فِي بَيت مَا لبابه غير كوَّة تلقونَ إِلَيْهِ طَعَامه وَشَرَابه مِنْهَا وتربصوا بِهِ ريب الْمنون حَتَّى يهْلك كَمَا هلك الشُّعَرَاء من قبله كزهير والنابغة فَصَرَخَ الشَّيْخ وَقَالَ بئس الرَّأْي رَأَيْتُمْ وَالله لَو حبستموه لخرج أمه من وَرَاء الْبَاب إِلَى أَصْحَابه فَوَثَبُوا وانتزعوه من أَيْدِيكُم قَالُوا صدق الشَّيْخ وَقَالَ هِشَام بن عَمْرو أرى أَن تَحملُوهُ على جمل وتخرجوه من بَين أظْهركُم فَلَا يضركم مَا صنع وَاسْتَرَحْتُمْ مِنْهُ فَقَالَ الشَّيْخ النجدي وَالله مَا هَذَا لكم بِرَأْي ألم تروا حسن حيدثه وحلاوة مَنْطِقه وغلبته على قُلُوب الرِّجَال بِمَا أَتَى بِهِ فوَاللَّه لَو فَعلْتُمْ ذَلِك مَا أمنتم أَن ينزل على حَيّ من أَحيَاء الْعَرَب فيغلب عَلَيْهِم بذلك من قَوْله وَحَدِيثه حَتَّى يبايعوه ثمَّ يسير بهم حَتَّى يطأكم فَقَالُوا صدق وَالله الشَّيْخ فَقَالَ أَبُو جهل لَعنه الله وَالله إِن لي فِيهِ لرأياً لَا أَرَاكُم وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بعد قَالُوا وَمَا هُوَ يَا أَبَا الحكم قَالَ رَأْي أَن تَأْخُذُوا من كل قَبيلَة شَابًّا جلدا نسيما وَسِيطًا فِينَا ثمَّ نعطي كل فَتى سَيْفا صَارِمًا ثمَّ يَعْمِدُونَ إِلَيْهِ فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَة رجل وَاحِد فيقتلونه فنستريح مِنْهُ فَإِنَّكُم إِن فَعلْتُمْ ذَلِك تفرق دَمه فِي الْقَبَائِل كلهَا فَلَا يقدر بَنو عبد منَاف على حَرْب قَومهمْ جَمِيعًا فَإِن رَضوا منا بِالْعقلِ عَقَلْنَاهُ لَهُم فَقَالَ الشَّيْخ النجدي القَوْل مَا قَالَ هَذَا الرجل هُوَ أَجودكُم رَأيا لَا أرى لكم غَيره قَالَ ابْن إِسْحَاق وَكَانَ فِيمَا أنزل الله فِي ذَلِك قَوْله ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ويمكرون ويمكر الله وَالله خير الماكرين﴾ الْأَنْفَال ٣٠ وَقَوله ﴿أًمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نتربص بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ الطّور ٣٠ قَالَ ابْن هِشَام الْمنون الْمَوْت وريبها مَا يريب ويعرض مِنْهَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ فِي مرثيته لِبَنِيهِ الثَّمَانِية الَّتِي مطْلعهَا // (من الْكَامِل) // (أَمن الْمنون وريبها تتفجّع ... والدّهر لَيْسَ بمعتبٍ من يجزع)

стр. 285

وَلما اسْتَقر رَأْي قُرَيْش على قتل النَّبِي بعد الْمُشَاورَة جَاءَهُ جِبْرِيل وَأخْبرهُ بذلك وَقَالَ لَا تبت هَذِه اللَّيْلَة على فراشك وَأذن الله لَهُ عِنْد ذَلِك بِالْخرُوجِ وَلما أمره بذلك سَأَلَ عَمَّن يُهَاجر مَعَه فَقَالَ أَبُو بكر الصّديق وَعَن ابْن عَبَّاس أَن الله لما أذن لنَبيه بِالْهِجْرَةِ خاطبه بِهَذِهِ الْآيَة ﴿وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صدق وَاجعَل لي من لَدُنْك سُلْطَانا نَّصِيراً﴾ الْإِسْرَاء ٨٠ الْآيَة أخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ هُوَ وَالْحَاكِم كَذَا فِي الْوَفَاء والمواهب وَفِي الْعُمْدَة أَمر أَن يَقُول ذَلِك عِنْد الْهِجْرَة وَكَانَ أَبُو بكر حِين اسْتَأْذن رَسُول الله فِي الْهِجْرَة قَالَ لَهُ لَا تعجل لَعَلَّ الله يَجْعَل لَك صاحبا فطمع أَبُو بكر أَن رَسُول الله إِنَّمَا يَعْنِي نَفسه فَابْتَاعَ راحلتين فحبسهما يعلفهما كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وَعَن عُرْوَة عَن عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ كَانَ النَّبِي لَا يخطيء أَن يَأْتِي بَيت أبي بكر طرفِي النَّهَار إِمَّا بكرَة أَو عَشِيَّة حَتَّى إِذا كَانَ يَوْم أذن لَهُ فِي الْهِجْرَة أَتَانَا رَسُول الله بالمهاجرة فِي سَاعَة كَانَ لَا يَأْتِي فِيهَا قلت فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بكر قَالَ مَا جَاءَ بِهِ ﵊ فِي هَذِه السَّاعَة إِلَّا لأمر حدث فَلَمَّا حضر تَأَخّر لَهُ أَبُو بكر عَن سَرِيره فَجَلَسَ ﵊ وَلَيْسَ عِنْد أبي بكر إِلَّا أَنا وأختي أَسمَاء فَقَالَ ﵊ أخرج عني من عنْدك فَقَالَ إِنَّمَا هما ابنتاي وَفِي رِوَايَة إِنَّمَا فِي الْبَيْت أهلك وَأُخْتهَا لِأَنَّهَا كَانَت معقودا علها مِنْهُ فَقَالَ إِن الله قد أذن لي فِي الْهِجْرَة فَقَالَ أَبُو بكر الصُّحْبَة يَا رَسُول الله قَالَ نعم قَالَت عَائِشَة رَأَيْت أبي يبكي من الْفَرح وَمَا كنت أَظن أحدا يبكي من الْفَرح فَقَالَ أَبُو بكر فَخذ إِحْدَى رَاحِلَتي هَاتين فَقَالَ رَسُول الله لَا إِلَّا بِالثّمن فَقَالَ أَبُو بكر بِالثّمن وَكَانَ ثمنهَا ثَمَانمِائَة دِرْهَم قَالَ ابْن سعد وَعَاشَتْ إِلَى زمن خلَافَة أبي بكر وَكَانَت مُرْسلَة ترعى بِالبَقِيعِ وَهِي الجدعاء قَالَه ابْن إِسْحَاق وَقَالَ إِنَّهَا من نعم بني الجريش قَالَت عَائِشَة فجهزناهما أحب الجهاز ووضعنا لَهما سفرة فِي جراب فَقطعت

стр. 286

أَسمَاء بنت أبي بكر قِطْعَة من نطاقها فَربطت بهَا فَم الجراب وبالقطعة الْأُخْرَى فَم السقاء فَلذَلِك سميت ذَات النطاقين رَوَاهُ البُخَارِيّ قَالَ ابْن إِسْحَاق واستأجر أَبُو بكر من بني الديل هادياً خريتاً يُقَال لَهُ عبد الله بن الْأُرَيْقِط وَكَانَ مُشْركًا أَو قَالَ على دين الْكفَّار فَأَمنهُ وَدفع إِلَيْهِ الراحلتين وواعده غَار ثَوْر بعد ثَلَاث وَأمر أَبُو بكر مَوْلَاهُ عَامر بن فهَيْرَة وَكَانَ رَاعيا لأغنام حول جبل ثَوْر أَن يخرج عَلَيْهَا الْغنم بعد هزيع من اللَّيْل وَأمر ابْنه عبد الله بن أبي بكر أَن يستمع مَا يَقُول النَّاس فيهمَا نَهَارا ويأتيهما بذلك إِذا أَمْسَى لَيْلًا فيخبرهما بِمَا كَانَ فِي ذَلِك الْيَوْم من الْخَبَر وَكَانَ يفعل ذَلِك وَفِي أنوار التَّنْزِيل الْغَار ثقب فِي أَعلَى ثَوْر وثور جبل قَالَ فِي الْقَامُوس يُقَال ثَوْر نِسْبَة إِلَى ثَوْر بن عبد مَنَاة نسب الْجَبَل إِلَيْهِ قَالَ ابْن جُبَير فِي رحلته جبل ثَوْر من مَكَّة على ثَلَاثَة أَمْيَال وَفِي بعض كتب اللُّغَة ثَوْر أَبُو قَبيلَة من مُضر هُوَ ثَوْر بن عبد مَنَاة بن أد بن طابخة وهم رَهْط سُفْيَان الثَّوْريّ ﵁ نسب إِلَيْهِ الْجَبَل وَفِيه الْغَار الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي دخله النَّبِي مَعَ أبي بكر وَيُقَال لَهُ ثَوْر أطحل وَقَالَ بَعضهم اسْم الْجَبَل أطحل وَالْبَحْر يرى من أَعلَى هَذَا الْجَبَل وَفِيه من كل نَبَات الْحجاز وَفِيه ألبان وَفِيه شَجَرَة من حمل مِنْهَا شَيْئا لم تلدغه الهامة وَلما كَانَت الْعَتَمَة من تِلْكَ اللَّيْلَة اجْتمع الْمُشْركُونَ بِمَكَّة على بَاب النَّبِي ثمَّ ترصدوه حَتَّى ينَام فيثبون عَلَيْهِ فيقتلونه وَفِي الوفا اجْتمعت قُرَيْش إِلَى بَاب الدَّار فَقَالَ أَبُو جهل لَا تقتلوه حَتَّى يجتمعوا يَعْنِي الْخَمْسَة من الْخمس الْقَبَائِل وَجعل يَقُول لَهُم هَذَا مُحَمَّد يزْعم إِن بايعتموه غلبتم الْعَرَب والعجم وَيكون لكم فِي الْآخِرَة جنَّات تَأْكُلُونَ مِنْهَا وَإِن لم تبايعوه يكون لكم ذبح فِي الدُّنْيَا وَيَوْم الْقِيَامَة نَار تحرقون فِيهَا فَقَالَ رَسُول الله نعم كَذَا أَقُول وَكَذَا يكون وَأَنت أحدهم فَلَمَّا رأى رَسُول الله اجْتِمَاعهم ومكانهم قَالَ لعَلي نم على فِرَاشِي

стр. 287

واتشح بردائي الْحَضْرَمِيّ الْأَخْضَر فَإِنَّهُ لَا يخلص إِلَيْك شَيْء تكرههُ مِنْهُم فَرد هَذِه الودائع إِلَى أَهلهَا وَكَانَت الودائع تودع عِنْده لصدقة وأمانته فَبَاتَ عَليّ كرم الله وَجهه على فرَاش النَّبِي وَخرج رَسُول الله إِلَى الْغَار وَلما خرج قَامَ على رُءُوسهم وَقد ضرب الله على أَبْصَارهم وَنزل تِلْكَ اللَّيْلَة أول سُورَة يس فَأخذ قَبْضَة من تُرَاب وَجعل ينثر على رُءُوس الْقَوْم وَهُوَ يقْرَأ ﴿إِنَّا جعلنَا فِي أَعْنَاقهم أغلالا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ وَجَعَلَنَا مِن بَين أَيْديهم سدا وَمن خَلفهم سدا فأغشيناهم فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ يس ٨ ٩ وتلا ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ الْإِسْرَاء ٤٥ ثمَّ أَتَى منزل أبي بكر ثمَّ خرجا من خوخة كَانَت لَهُ فِي ظهر الْبَيْت وَعمد إِلَى غَار ثَوْر وَلم يعلم بخروجهما إِلَّا على وَآل أبي بكر وَأقَام الْمُشْركُونَ سَاعَة فَجعلُوا يتحدثون فَأَتَاهُم آتٍ فَقَالَ مَا تنتظرون قَالُوا أَن نصبح فنقتل مُحَمَّدًا قَالَ قبحكم الله وخيبكم أَو لَيْسَ قد خرج عَلَيْكُم وَجعل على رءوسكم التُّرَاب قَالَ أَبُو جهل أَو لَيْسَ هُوَ ذَاك مسجى بِبرْدِهِ الْآن كلمنا وَذكر أهل السِّيرَة أَن السَّبَب الْمَانِع لَهُم من التقحم عَلَيْهِ فِي الدَّار مَعَ قصر الدَّار وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا جَاءُوا لقَتله هُوَ انهم لما همموا بالولوج عَلَيْهِ صاحت امْرَأَة من الدَّار فَقَالَ بَعضهم لبَعض وَالله إِنَّهَا لسبة فِي الْعَرَب أَن يتحدث عَنَّا أَنا تسورنا الْحِيطَان على بَنَات الْعم وهتكنا ستر حرمتنا فَهَذَا الَّذِي أقامهم حَتَّى أَصْبحُوا ينتظرون خُرُوجه ثمَّ طمست أَبْصَارهم عِنْد خُرُوجه فَلَمَّا أَصْبحُوا قَامَ عَليّ من الْفراش فَلَمَّا رَآهُ أَبُو جهل قَالَ صدقنا ذَلِك الْمخبر فاجتمعت قُرَيْش وَأخذت الطّرق وَجعلت الجعائل لمن جَاءَ بِهِ وانصرفت عيونهم فَلم يَجدوا شَيْئا وَفِي رِوَايَة لما قَامَ عَليّ من الْفراش قَالُوا لَهُ أَيْن صَاحبك فَقَالَ لَا علم لي قيل إِنَّهُم ضربوا عليا وحبسوه سَاعَة ثمَّ تَرَكُوهُ وَاقْتَصُّوا أثر النَّبِي فَلَمَّا بلغُوا الْجَبَل اخْتَلَط عَلَيْهِم روى أَنه لم يبْق أحد من الَّذين وضع على رُءُوسهم التُّرَاب إِلَّا قتل يَوْم بدر

стр. 288

وَأَنْشَأَ عَليّ ﵁ يَقُول هَذِه الأبيات // (من الطَّوِيل) // (وقيت بنفسي خير من وطيء الثّرى ... فنجّاه ذُو الطّول الْإِلَه من الْمَكْر) (وقيت بنفسي خير من وطيء الثّرى ... وَمن طَاف بِالْبَيْتِ الْعَتِيق وبالحجر) (رَسُول إلهٍ خَافَ أَن يَمْكُرُوا بِهِ ... فنجّاه ذُو الطّول الْإِلَه من الْمَكْر) (وَبَات رَسُول الله فِي الْغَار آمنا ... موقّىً وَفِي حفظ الْإِلَه وَفِي ستر) (وبتّ أُراعيهم وَمَا يثبتونني ... وَقد وطنت نَفسِي على الْقَتْل والأسر) قَالَ الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى وَقد سَمِعت بِأَبْيَات أَرْبَعَة فِي مثل معنى هَذِه الأبيات الْأَرْبَعَة وَزِيَادَة لبَعض الْفُضَلَاء وَهِي // (من الْكَامِل) // (أمجادلي فِيمَن رويت صِفَاته ... عَن هَلْ أَتَى وشرفن من أَوْصَاف) (أتظنّ تَأْخِير الإِمَام نقيصةً ... والنّقص فِي الْأَطْرَاف لَا الْأَشْرَاف) (زوج البتول ووالد السّبطين والفادي ... النّبي ونجل عبد منَاف) (أَو مَا ترى أنّ الْكَوَاكِب سبعةٌ ... والشّمس رابعةٌ بِغَيْر خلاف) وَقَوله فِي الْبَيْت الأول هَل أَتَى أَرَادَ بِهِ مَا روى التِّرْمِذِيّ أَنه ﵁ كَانَ عِنْده سِتَّة أرغفة يُرِيد بهَا الْعشَاء مَعَ زَوجته وولديه وخادمه فَوقف عَلَيْهِ سَائل وَكَانَ ﵁ وَمن ذكر طاوين يَوْمًا وَلَيْلَة وَيَوْما فورد عَلَيْهِ سَائل فَقَالَ مِسْكين مِسْكين فَدفع إِلَيْهِ كرم الله وَجهه السِّتَّة الأرغفة وطوى وَمن مَعَه ثمَّ وجد مثلهَا فجَاء عِنْد اللَّيْل سَائل فَوقف قَلِيلا يَتِيم مُنْقَطع يَتِيم فَأعْطَاهُ إِيَّاهَا وطوى وَمن مَعَه ثمَّ وجد مثلهَا فَجَاءَهُ عِنْد اللَّيْل سَائل فَوقف قَائِلا أَسِير أَسِير فَأعْطَاهُ إِيَّاهَا فَأنْزل الله فِي شَأْنه الْآيَات فِي سُورَة ﴿هَل أَتَى على الْإِنْسَان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمّ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ الْإِنْسَان ١ إِلَى قَوْله ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتيِماً وَأَسِيراً﴾ الْإِنْسَان ٨ أخرج هَذِه الْقِصَّة غير وَاحِد من الْمُحدثين وَإِن ضعفها بعض النقاد انْتهى قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء إِن لَيْلَة بَات عَليّ بن أبي طَالب على فرَاش النَّبِي

стр. 289

أوحى الله إِلَى جِبْرِيل وَمِيكَائِيل إِنِّي قد آخيت بَيْنكُمَا وَجعلت عمر أَحَدكُمَا أطول من الآخر فأيكما يُؤثر صَاحبه بِالْحَيَاةِ فَاخْتَارَ كل مِنْهُمَا الْحَيَاة فَأوحى الله إِلَيْهِمَا أَفلا كنتما مثل عَليّ بن أبي طَالب آخيت بَينه وَبَين مُحَمَّد فَبَاتَ على فرَاشه يفْدِيه بِنَفسِهِ ويؤثره بِالْحَيَاةِ اهبطا إِلَى الأَرْض فاحفظاه من عدوه فَكَانَ جِبْرِيل عِنْد رَأسه وَمِيكَائِيل عِنْد رجلَيْهِ يُنَادي بخ بخ من مثلك ياابن أبي طَالب يباهي بك الله مَلَائكَته فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مرضات الله وَالله رءوف بالعباد﴾ الْبَقَرَة ٢٠٧ وَلما سَار النَّبِي وَمَعَهُ أَبُو بكر إِلَى الْغَار جعل أَبُو بكر يمشي سَاعَة بَين يَدي رَسُول الله وَسَاعَة خَلفه فَقَالَ رَسُول الله مَا بالك يَا أَبَا بكر تفعل ذَلِك فَقَالَ أذكر الطّلب فأمشي خَلفك ثمَّ أذكر الرصد فأمشي أمامك وروى عَن أبي بكر أَنه قَالَ لعَائِشَة لَو رَأَيْتنِي وَرَسُول الله إِذْ صعدنا الْجَبَل فَأَما قدما رَسُول الله فقطرتا دَمًا وَأما قَدَمَايَ فعادتا كَأَنَّهُمَا صَفْوَان فَقَالَت عَائِشَة إِن رَسُول الله لم يتعود الحفاء وَفِي معالم التَّنْزِيل لما وصل إِلَى فَم الْغَار قَالَ أَبُو بكر يَا رَسُول الله مَكَانك حَتَّى استبريء لَك الْغَار وَكَانَ الْغَار مَشْهُورا بِكَوْنِهِ سكن الْهَوَام قَالَ ادخل فَدخل فَرَأى غاراً مظلماً فَجَلَسَ مِنْهُمَا يلمس بِيَدِهِ كلما وجد جحراً شقّ ثَوْبه فألقمه إِيَّاه حَتَّى فعل ذَلِك بِثَوْبِهِ كُله فَبَقيَ جُحر ألقمه عقبه وَفِي الرياض النضرة فَجعل الأفاعي والحيات يضربنه وعَلى كلا التَّقْدِيرَيْنِ لدغته الْحَيَّة تِلْكَ اللَّيْلَة قَالَ أَبُو بكر قد كَانَت اللدغة أحب إِلَيّ من أَن يلْدغ رَسُول الله ثمَّ قَالَ أَبُو بكر ادخل يَا رَسُول الله فَإِنِّي قد بوأت لَك مَكَانا فَدخل فاضطجع وَأما أَبُو بكر فَكَانَ متألماً من لدغة الْحَيَّة فَلَمَّا اصبحا رأى النَّبِي على أبي بكر أثر الورم فَسَأَلَهُ عَنهُ فَقَالَ من لدغة الْحَيَّة فَقَالَ هلا أَخْبَرتنِي فَقَالَ كرهت إِن اوقظك فمسحه النَّبِي فَذهب مَا بِهِ من الورم والألم ثمَّ قَالَ فَأَيْنَ ثَوْبك فَأخْبرهُ بِمَا فعل فَعِنْدَ ذَلِك رفع النَّبِي يَدَيْهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَل أَبَا بكر معي فِي درجتي يَوْم الْقِيَامَة

стр. 290

قلت نظرت إِلَى بعض غلاة الروافض فَإِذا هُوَ لابس طاقية لباد وَقد خاط عَلَيْهَا مِمَّا يَلِي ناصيته التعيسة خرقَة زرقاء فِي طول وَعرض الْخِنْصر فَأخْبرت أَن فرقة مِنْهُم تعْمل ذَلِك حبا للحية وشكراً لَهَا لما فعلت فِي الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يعْتَقد ذَلِك عملا صَالحا يُثَاب عَلَيْهِ أَخْزَاهُ الله فِي ديناه وأخراه وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَ أَبُو بكر مَعَ النَّبِي فِي الْغَار فعطش عطشاً شَدِيدا فَشَكا ذَلِك إِلَى النَّبِي فَقَالَ لَهُ النَّبِي اذْهَبْ إِلَى صدر الْغَار فَاشْرَبْ قَالَ أَبُو بكر فَانْطَلَقت إِلَى صدر الْغَار فَشَرِبت مَاء أحلى من الْعَسَل وأبيض من اللَّبن وأذكى رَائِحَة من الْمسك ثمَّ عدت إِلَى النَّبِي فَقَالَ شربت قلت نعم قَالَ أَلا أُبَشِّرك يَا أَبَا بكر قلت بلَى يَا رَسُول الله فَقَالَ إِن الله ﵎ أَمر الْملك الْمُوكل بأنهار الْجنَّة أَن اخرق نَهرا من جنَّة الفردوس إِلَى صدر الْغَار ليشْرب أَبُو بكر فَقلت يَا رَسُول الله ولي عِنْد الله هَذِه الْمنزلَة فَقَالَ النَّبِي نعم وَأفضل وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَا يدْخل الْجنَّة مبغضك وَلَو كَانَ لَهُ عمل سبعين نَبيا أخرجه الملا فِي سيرته كَذَا فِي الرياض النضرة للمحب الطَّبَرِيّ قَالَ السُّهيْلي فِي الرَّوْض الْأنف ورد فِي الصَّحِيح عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ قَالَ أَبُو بكر لرَسُول الله وهما فِي الْغَار لَو أَن أحدهم نظر إِلَى قَدَمَيْهِ لرآنا فَقَالَ رَسُول الله يَا أَبَا بكر مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما وَرُوِيَ أَيْضا أَنهم لما انْتَهوا إِلَى بَاب الْغَار وَقد أنبت الله عَلَيْهِ شَجَرَة الرَّاء كَمَا سَيَأْتِي رأى أَبُو بكر الْقَافة فَاشْتَدَّ حزنة على رَسُول الله وَقَالَ إِن قتلت فَإِنَّمَا أَنا رجل من قُرَيْش وَإِن قتلت أَنْت هَلَكت الْأمة فَعندهَا قَالَ لَهُ رَسُول الله ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ التَّوْبَة ٤٠ أَلا ترى كَيفَ قَالَ لَا تحزن وَلم يقل لَا تخف لِأَن حزنه على رَسُول الله شغله عَن خَوفه على نَفسه وَلِأَنَّهُ

стр. 291

أَيْضا رأى مَا نزل برَسُول الله من النصب وَكَونه فِي ضيق من الْغَار مَعَ فرقة الْأَهْل ووحشة الغرباء وَكَانَ أرق النَّاس على رَسُول الله وأشفقهم عَلَيْهِ فَحزن وَقَول الله تَعَالَى ﴿فَأَنَزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ التَّوْبَة ٤٠ قَالَ أَكثر أهل التَّفْسِير يُرِيد على أبي بكر فَالضَّمِير لَهُ وَأما الرَّسُول فَكَانَت السكينَة عَلَيْهِ وَقَوله ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودِ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ التَّوْبَة ٤٠ الْهَاء فِيهِ رَاجِعَة إِلَى النَّبِي والجنود الْمَلَائِكَة أنزلهم عَلَيْهِ الْغَار فبشروه بالنصر على أعدائه فأيده ذَلِك وَقواهُ على الصَّبْر وَقيل أيده بِجُنُود لم تَرَوْهَا يَعْنِي يَوْم بدر وحنين وَغَيرهمَا من مشاهده وَقد قيل الْهَاء رَاجِعَة على النَّبِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَيْهِ وأيده جَمِيعًا وَأَبُو بكر تبع لَهُ فَدخل فِي حكم السكينَة بِالْمَعْنَى وَكَانَ فِي مصحف حَفْصَة فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِمَا﴾ وَقيل إِن حزن أبي بكر عِنْدَمَا رأى بعض الْكفَّار يَبُول عِنْد بَاب الْغَار كَمَا سَيَأْتِي ذكره قَرِيبا فأشفق أَبُو بكر أَن يَكُونُوا قد رأوهما فَقَالَ لَهُ النَّبِي لَا تحزن فَإِنَّهُم لَو رأونا لم يستقبلونا بفروجهم عِنْد الْبَوْل إِن لقريش نخوة وَلما تشاغلوا بِشَيْء عَن أَخذنَا فَائِدَة زعمت الرافضة أَن فِي قَوْله ﵊ لأبي بكر ﵁ غضا مِنْهُ وذماً لَهُ فَإِن فِي حزنه ذَلِك إِن كَانَ طَاعَة فالنبي لَا ينْهَى عَن الطَّاعَة فَلم يبْق إِلَّا أَنه مَعْصِيّة فَيُقَال لَهُم على طَريقَة الجدل قد قَالَ تَعَالَى لرَسُوله مُحَمَّد ﴿فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ يس ٧٩ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر﴾ آل عمرَان ١٧٨ وَقَالَ لمُوسَى ﵊ ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ طه ٢١ وَقَالَت الْمَلَائِكَة للوط ﵊ ﴿وَلما إِن جَاءَت رسلنَا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وَقَالُوا لَا تخف وَلَا تحزن﴾ العنكبوت ٣٣ فان زعمتم إِن الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام حِين قيل لَهُم هَذَا كَانُوا فِي مَعْصِيّة فقد كَفرْتُمْ ونقضتم أصلكم فِي وجوب الْعِصْمَة للْإِمَام الْمَعْصُوم فِي زعمكم وَهُوَ من غير الْأَنْبِيَاء فَكيف بهم وَإِنَّمَا قَوْله ﵊ لَا تحزن وَقَوله تَعَالَى لأنبيائه مثل هَذَا تسكين لإيحاشهم وتيسير لَهُم وتأنيس لَا على جِهَة النَّهْي الَّذِي زَعَمُوا وَلَكِن كَمَا قَالَ تَعَالَى (تتنزل عَلَيْهِم

стр. 292

الْمَلَائِكَة لَا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ فصلت ٣٠ وَهَذَا القَوْل إِنَّمَا يُقَال لَهُم عِنْد المعاينة وَلَيْسَ إِذْ ذَاك أَمر بِطَاعَة لَا نهي عَن مَعْصِيّة فانتبه للصَّوَاب أَيهَا العَبْد الْمُوفق الْمَأْمُور بتدبر كتاب الله تَعَالَى لقَوْله ﴿إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ التَّوْبَة ٤٠ كَيفَ كَانَ مَعَهُمَا بِالْمَعْنَى وباللفظ أما الْمَعْنى فَكَانَ مَعَهُمَا بالنصر والإرشاد وَالْهِدَايَة وَأما اللَّفْظ فَإِن اسْم الله تَعَالَى كَانَ يذكر إِذا ذكر رَسُوله وَإِذا دعى فَقيل يَا رَسُول الله أَو فعل رَسُول الله ثمَّ كَانَ لصَاحبه أبي بكر كَذَلِك يُقَال يَا خَليفَة رَسُول الله وَفعل خَليفَة رَسُول الله فَكَانَ يذكر مَعَ ذكرهمَا بالرسالة والخلافة ثمَّ ارْتَفع ذَلِك فَلم يكن لأحد من الْخُلَفَاء وَلَا يكون انْتهى مَا قَالَه السُّهيْلي فِي الرَّوْض قلت قَوْله ثمَّ ارْتَفع ذَلِك صَحِيح لِأَنَّهُ لما ولي عمر ﵁ استثقل دعاؤه يَا خَليفَة خَليفَة رَسُول الله حَتَّى جَاءَ أَعْرَابِي فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فاستمرت تِلْكَ عَلَيْهِ وعَلى الْخُلَفَاء بعده إِلَى آخر الدَّهْر وَأما قَوْله وَلَا يكون فِيهِ نظر إِذْ كَانَ يَصح فِي عمر وَعُثْمَان وعَلى ذَلِك الْمَعْنى لَو قيل لكنه ترك لما ذكر من الاستثقال والاكتفاء بامير الْمُؤمنِينَ وَالله أعلم وَحكى الْوَاقِدِيّ إِن رَسُول الله لما دخل الْغَار دَعَا شَجَرَة كَانَت أَمَام الْغَار فَأَقْبَلت حَتَّى وقفت عِنْد فَم الْغَار فحجبت أعين الْكفَّار قَالَ السُّهيْلي وَذكر قَاسم ابْن ثَابت فِي الدَّلَائِل فِيمَا شرح من الحَدِيث إِن رَسُول الله لما دخل الْغَار أنبت الله على بَابه الرَّاء قَالَ عَاصِم قَالَ ابْن ثَابت وَهِي شَجَرَة مَعْرُوفَة من أعلاث الشّجر تكون مثل قامة الْإِنْسَان وَلها خيطان وزهر أَبيض تحشى مِنْهُ المخاد فَيكون كالريش لخفته وَلينه وَأخرج الْبَزَّار أَن الله أَمر العنكبوت فَنسجَتْ على وَجه الرَّاء وَأرْسل حَمَامَتَيْنِ فوقفتا وباضتا فِي أَسْفَل النقب وَإِن ذَلِك مِمَّا صد الْمُشْركين وَأَن حمام الْحرم من نسل تينك الحمامتين وَفِي الْمَوَاهِب اللدنية أخرج أَبُو نعيم فِي الحَدِيث عَن عَطاء بن ميسرَة قَالَ نسجت العنكبوت

стр. 293

مرَّتَيْنِ على دَاوُد حِين كَانَ يَطْلُبهُ طالوت وَمرَّة هَذِه على النَّبِي انْتهى قلت وَكَذَا نسجت عل الْغَار الَّذِي دخله عبد الله بن أنيس لما بَعثه النَّبِي لقتل سُفْيَان بن خَالِد بن نُبيح الْهُذلِيّ بعرنة فَقتله ثمَّ احْتمل رَأسه وَدخل فِي الْغَار فَنسجَتْ عَلَيْهِ العنكبوت وَجَاء الطّلب فَلم يَجدوا شَيْئا فانصرفوا رَاجِعين وَفِي تَارِيخ ابْن عَسَاكِر أَن العنكبوت نسجت أَيْضا على عَورَة زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب لما صلب عُريَانا فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة فِي دولة هِشَام بن عبد الْملك فَإِنَّهُ قتل بِالْكُوفَةِ فِي المصاف وَكَانَ قد خرج وَبَايَعَهُ خلق كثير فحاربه نَائِب الْعرَاق يُوسُف بن عمر وظفر بِهِ فَقتله وصلبه عُريَانا وَبَقِي جسده مصلوباً أَربع سِنِين روى أَن الْمُشْركين كَانُوا يعلمُونَ محبَّة رَسُول الله لأبي بكر ﵁ فَذَهَبُوا لطلبه على بَاب أبي بكر وَفِيهِمْ أَبُو جهل فَخرجت إِلَيْهِم أَسمَاء بنت أبي بكر فَقَالُوا لَهَا أَيْن أَبوك فَقَالَت لَا أَدْرِي فَرفع أَبُو جهل يَده وَكَانَ فَاحِشا خبيثاً فلطم خدها لطمة خرج مِنْهَا قُرْطهَا وَسقط ثمَّ انصرفوا فوقعوا فِي طلبهما وَفِي الِاكْتِفَاء فقدت قُرَيْش رَسُول الله فَلم يجدوه بِمَكَّة أَعْلَاهَا وأسفلها وبعثوا الْقَافة يتبعُون أَثَره فِي كل جِهَة فَوجدَ الَّذِي ذهب جِهَة ثَوْر أَثَره هُنَاكَ فَلم يزل يتبعهُ حَتَّى انْقَطع لما انْتهى إِلَى ثَوْر وشق على قُرَيْش خُرُوجه ﵊ وجزعوا لذَلِك فطفقوا يطلبونه بِأَنْفسِهِم فِيمَا قرب مِنْهُم ويرسلون من يَطْلُبهُ فِيمَا بعد عَنْهُم وَجعلُوا مائَة بعير لمن رده عَلَيْهِم وَلما انْتَهوا إِلَى فَم الْغَار وَقد كَانَت العنكبوت ضربت على بَابه قَالَ قَائِل مِنْهُم ادخُلُوا الْغَار فَقَالَ أُميَّة بن خلف مَا أربكم فِي الْغَار إِن عَلَيْهِ لعنكبوتاً أبعد من مِيلَاد مُحَمَّد قيل فَلذَلِك نهى رَسُول الله عَن قتل العنكبوت وَقَالَ إِنَّهَا جند من جنود الله وَفِي رِوَايَة أقبل فتيَان من مُشْركي قُرَيْش وَمَعَهُمْ قائف من قافة بني مُدْلِج وهم

стр. 294

المشهورون بالقيافة بَين الْعَرَب فالتمسوا أثرهما فقصوه إِلَى أَن دنوا من فَم الْغَار قَالَ الْقَائِف وَالله مَا جَازَ مطلوبكم هَذَا الْغَار فَعِنْدَ ذَلِك حزن أَبُو بكر فَقَالَ لَهُ رَسُول الله لَا تحزن إِن الله مَعنا قَالَ يَا رَسُول الله لَو نظر أحدهم إِلَى قَدَمَيْهِ لرآنا ثمَّ دنا بَعضهم فَبَال فِي أَسْفَل النقب فَقَالَ النَّبِي إِن لقريش نخوة وَإنَّهُ لَو رآك لما كشف سوءته قبلك وَقَالَ لَهُ النَّبِي مَا بالك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما وَفِي معالم التَّنْزِيل لم يكن حزن أبي بكر جزعاً من الْمَوْت وَإِنَّمَا اشفاقاً على رَسُول الله قَالَ إِن أقتل فَأَنا رجل من قُرَيْش وَإِن قتلت هَلَكت الْأمة وَلم يعبد الله فَجعلُوا يضْربُونَ حول الْغَار يمنة ويسرة وَيَقُولُونَ لَو دخل الْغَار لانكسر بيض الْحمام وتفسخ نسج العنكبوت فَلَمَّا سمع ذَلِك النَّبِي علم إِن الله تَعَالَى قد حمى حماها بالحمام وَصرف عَنْهُمَا كيدهم بالعنكبوت أَشَارَ إِلَى ذَلِك البوصيري رَحمَه الله تَعَالَى // (من الْبَسِيط) // (ظنّوا الْحمام وظنّوا العنكبوت على ... خير البريّة لم تنسّج وَلم تحم) (وقاية الله أغنت عَن مضاعفةٍ ... من الدّروع وَعَن عالٍ من الأُطُم) وَقَالَ فِي همزيته // (من الْخَفِيف) // (وكفته بسنجها عنكبوتٌ ... مَا كفته الْحَمَامَة الحصداء) وَللَّه در الْقَائِل // (من الوافر) // (ودود القزّ إِن نسجت حَرِيرًا ... يجمّل لبسه فِي كلّ زيّ) (فَإِن العنكبوت أجلّ مِنْهَا ... بِمَا نسجت على رَأس النّبيّ) وَقد تقدم أَن عَامر بن فهَيْرَة اتبع أَثَره حَتَّى يُعْفَى عَلَيْهِ بأظلاف الْغنم فَخرج مَعَهُمَا رَدِيف أبي بكر يَخْدُمهُمَا وعامر بن فهَيْرَة أسلم وَكَانَ حسن الْإِسْلَام عذب فِي الله فَاشْتَرَاهُ أَبُو بكر فَأعْتقهُ وَشهد بَدْرًا وأحداً وَقتل يَوْم بِئْر مَعُونَة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة قَتله عَامر بن الطُّفَيْل وَهُوَ من مولدِي الأزد أسود اللَّوْن ذكر ذَلِك كُله مُوسَى ابْن عقبَة عَن ابْن شهَاب وَأَقَامَا فِي الْغَار ثَلَاثَة أَيَّام الْجُمُعَة والسبت والأحد وركبا لَيْلَة الِاثْنَيْنِ ومعهما دليلهما عبد الله بن أريقط وَكَانَ ماهراً خريتاً فسلك

стр. 295

بهما أَسْفَل مَكَّة ثمَّ مضى بهما إِلَى سَاحل من عسفان ثمَّ سلك بهما على اسفل امج ثمَّ نزل على قديد حِين خيام أم معبد عَاتِكَة بنت خَالِد الْخُزَاعِيَّة من بني كَعْب وَكَانَت بِقديد وَفِي مُعْجم مَا استعجم من قديد إِلَى المسلك ثَلَاثَة اميال بيهما خيمة أم معبد امْرَأَة بزْرَة جلدَة تَحْتَبِيَ بِفنَاء الْخَيْمَة وَمعنى بزْرَة تخرج للنَّاس وَفِي خصلاة الوفا قديد كزبير قَرْيَة جَامِعَة بطرِيق مَكَّة كَثِيرَة الْمِيَاه فنزلوا عِنْدهَا فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا ليشتروا مِنْهَا فَلم يُصِيبُوا عِنْدهَا شَيْئا من ذَلِك وَكَانَ الْقَوْم مُرْمِلِينَ مُسنَّتَيْنِ فَقَالَت وَالله لَو كَانَ عِنْدِي شَاة مَا أعوزكم الْقرى فَنظر رَسُول الله إِلَى شَاة فِي كسر الْخَيْمَة فَقَالَ مَا هَذِه الشَّاة يَا أم معبد فَقَالَت خلفهَا الْجهد عَن الْغنم قَالَ هَل بهَا من لبن قَالَت هِيَ أجهد من ذَلِك فَقَالَ لَهَا أَتَأْذَنِينَ لي أَن أَحْلَبَهَا فَقَالَت بِأبي أَنْت وَأمي إِن رَأَيْت بهَا حَلبًا فاحلبها فَدَعَا بِالشَّاة فاعتقلها وَمسح ضرْعهَا فتفاجت وَدرت ودعا بِإِنَاء يربض الرَّهْط أَي يشْبع الْجَمَاعَة حَتَّى يربضوا فَحلبَ فِيهِ ثَجًّا حَتَّى علاهُ الْبَهَاء وَسَقَى الْقَوْم حَتَّى رووا ثمَّ شرب آخِرهم ثمَّ حلب فِيهِ مرّة أُخْرَى ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا وذهبوا فقلما لبث حَتَّى جَاءَ زَوجهَا أَبُو معبد يَسُوق أَعْنُزًا عِجَافًا وَكن هزالًا مُخّهنَّ قَلِيل وَاسم أبي معبد قَالَ السُّهيْلي لَا يعرف وَقَالَ العسكري اسْم أَكْثَم بن أبي الجون فَلَمَّا رأى اللَّبن قَالَ مَا هَذَا يَا أم معبد أَنى لَك هَذَا وَالشَّاء عَازِب حِيَال وَلَا حلوبة بِالْبَيْتِ فَقَالَت لَا وَالله إِلَّا أَنه مر بِنَا رجل مبارك فَقَالَ صَفيه يَا أم معبد فَقَالَت رَأَيْت رجلا ظَاهر الْوَضَاءَة أَبْلَج الْوَجْه حسن الْخلق لم تَعبه نجلة وَلم تزر بِهِ صعلة وسيم قسيم فِي عَيْنَيْهِ دعجٌ وَفِي أَشْفَاره وَطف وَفِي صَوته صَحِلَ أحور أكحل أَزجّ أقرن شَدِيد سَواد الشّعْر وَفِي عُنُقه سَطَعَ وَفِي لحيته كثاثة إِن صمت فَعَلَيهِ الْوَقار وَإِن تكلم سما بِهِ وعلاه الْبَهَاء أكمل النَّاس وأبهاهم من بعيد واحسنهم واعلاهم من قريب حُلْو المنطلق فصل لَا نزر وَلَا هذر كَأَن مَنْطِقه خَرَزَات نظم ينحدرن ربعَة لَا تشنؤه عين من طول وَلَا تشنؤه من قصر غُصْن بَين غُصْنَيْنِ وَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَة منْظرًا وَأَحْسَنهمْ قدرا لَهُ رُفَقَاء يحفونَ بِهِ إِذا قَالَ

стр. 296

أَنْصتُوا وَإِن أَمر تبَادرُوا لأَمره مَحْفُودٌ محشود لَا عَابس وَلَا مُفند قَالَ أَبُو معبد هَذَا وَالله صَاحب قُرَيْش الَّذِي ذكر لنا من أمره مَا ذكر بِمَكَّة وَلَقَد هَمَمْت أَن أَصْحَبهُ وَلَأَفْعَلَن إِن وجدت إِلَى ذَلِك سَبِيلا فَخرج أَبُو معبد فِي أَثَرهم ليسلم فَيُقَال أدركهم بِبَطن دلم فَبَايعهُ وَانْصَرف وَفِي الصفوة بلغنَا أَن أم معبد هَاجَرت إِلَى النَّبِي وَأسْلمت قَالَ رزين أَقَامَت قُرَيْش أَيَّامًا لَا يَدْرُونَ أَيْن توجه رَسُول الله واي طَرِيق سلك حَتَّى سمعُوا بعد ذهابهما بأيام هاتفاً أقبل من أَسْفَل مَكَّة بِأَبْيَات يُغني بهَا غناء الْعَرَب عَالِيا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَالنَّاس يسمعُونَ الصَّوْت ويبتغونه وَلَا يرَوْنَ صَاحبه حَتَّى خرج من أَعلَى مَكَّة وَهُوَ يَقُول // (من الطَّوِيل) // (جزى الله ربّ النّاس خير جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حلا خيتمي أُمّ معبد) (هما نزلا بالبرّ ثمّ ترحّلا ... فأفلح من أَمْسَى رَفِيق محمّد) (فَمَا حملت من ناقةٍ فَوق رَحلهَا ... أبرّ وأوفى ذمّةً من محمّد) (فيالقُصيّ مَا زوى الله عَنْكُم ... بِهِ من فعالٍ لَا تُجارى وسؤدد) (لِيهن بني كعبٍ مَكَان فَتَاتهمْ ... ومقعدها للْمُؤْمِنين بِمَرْصَد) (سلوا أُختكم عَن شَاتِهَا وإنائها ... فَإِن أَنْتُم تستشهدوا الشّاة تشهد) (دَعَاهَا بشاةٍ حَائِل فتحلّبت ... لَهُ بصريحٍ ضرّة الشّاة مُزْبِد) (فغادرها رهنا لَدَيْهَا لحالب ... يردهَا فِي مصدرٍ ثمّ مورد) وَقيل كَانَ الْهَاتِف الْقَائِل هَذِه الأبيات يسمع صَوته الجهوري على أبي قبيس وَلما سمع هَذِه الأبيات حسان بن ثَابت قَالَ هَذِه الأبيات // (من الطَّوِيل) // (لقد خَابَ قومٌ زَالَ عَنْهُم نبيّهم ... وَقد سر من يسري إِلَيْهِم وَيَغْتَدِي) (ترحّل عَن قومٍ فَزَالَتْ عُقُولهمْ ... وحلّ على قومٍ بنورٍ مجدّد)

стр. 297

(هدَاهُم بِهِ بعد الضّلالة ربّهم ... وأرشدهم من يبتع الحقّ يرشد) (وَهل يَسْتَوِي ضلاّل قومٍ تسفّهوا ... عمى وهداةٌ يَهْتَدُونَ بمهتدي) (لقد نزلت مِنْهُ على أهل يثربٍ ... ركاب هدى حلّت عَلَيْهِم بِأَسْعَد) (نبيّ يرى مَا لَا يرى النّاس حوله ... وَيَتْلُو كتاب الله فِي كلّ مشْهد) (وَإِن قَالَ فِي يومٍ مقَالَة غائبٍ ... فَتَصْدِيقُهَا فِي الْيَوْم أَو فِي ضحى الْغَد) (لِيهن أَبَا بكرٍ سَعَادَة جدّه ... بِصُحْبَتِهِ من يسْعد الله يسْعد) وَمِمَّا يسئل عَنهُ فِي هَذِه الْقِصَّة أَن يُقَال هَل استمرت هَذِه الْبركَة فِي شَاة أم معبد بعد ذَلِك الْيَوْم أم عَادَتْ إِلَى حَالهَا الأول فَفِي الْخَبَر عَن هِشَام بن حُبَيْش الكعبي أَنه قَالَ أَنا رَأَيْت تِلْكَ الشَّاة وَإِنَّهَا لتؤدم أم معبد وَجَمِيع صرمها أَي أهل ذَلِك المَاء فقد ظهر انها استمرت وَمر على تعهن صَخْرَة وروى إِن امراى تسكن تعهن يُقَال لَهَا أم عقى فحين مر بهَا النَّبِي استسقاها فَلم تسقه فَدَعَا عَلَيْهَا فمسخت صَخْرَة فَهِيَ تِلْكَ الصَّخْرَة ثمَّ مر بِعَبْد يرْعَى غنما فاستسقاه اللَّبن فَقَالَ مَا عِنْدِي شَاة تحلب غير أَن هَهُنَا عنَاقًا حملت أول وَمَا بَقِي لَهَا لبن فَقَالَ ادْع بهَا فاعتقلها وَمسح ضرْعهَا ودعا حَتَّى أنزلت وَجَاء أَبُو بكر بمجن فسقى أَبَا بكر ثمَّ حلب فسقى الرَّاعِي ثمَّ حلب فَشرب فَقَالَ الرَّاعِي من أَنْت فوَاللَّه مَا رَأَيْت مثلك قَالَ أَو تكْتم عَليّ حَتَّى أخْبرك قَالَ نعم قَالَ فَإِنِّي مُحَمَّد رَسُول الله فَقَالَ أَنْت الَّذِي تزْعم قُرَيْش أَنه صابيء فَقَالَ إِنَّهُم ليقولون ذَلِك قَالَ أشهد أَنَّك نَبِي وَأَن مَا جِئْت بِهِ حق وَأَنه لَا يفعل مَا فعلت إِلَّا نَبِي وَأَنا متبعك قَالَ إِنَّك لَا تَسْتَطِيع ذَلِك يَوْمك فَإِذا بلغت أَنِّي قد ظَهرت فأتنا قَالَ أَبُو بكر ﵁ ثمَّ قلت أَنى الرحيل يَعْنِي من الْمَكَان الَّذِي نَحن بِهِ عِنْد الرَّاعِي الْمَذْكُور فارتحلنا وَالْقَوْم يطلبوننا فَلم يدركنا أحد مِنْهُم إِلَّا سراقَة بن مَالك المدلجي فَقلت يَا رَسُول الله هَذَا الطّلب قد لحقنا قَالَ لَا تحزن إِن

стр. 298

الله مَعنا حَتَّى إِذا دنا منا وَكَانَ بَيْننَا وَبَينه قدر رمح أَو رُمْحَيْنِ أَو ثَلَاثَة قلت يَا رَسُول الله هَذَا الطّلب قد لحقنا فَدَعَا رَسُول الله فَقَالَ الله اكْفِنَا بِمَا شِئْت فساخت قَوَائِم فرسه إِلَى صدرها فِي أَرض صلد فَوَثَبَ عَنْهَا وَقَالَ يَا مُحَمَّد قد علمت أَن هَذَا عَمَلك فَادع الله أَن ينجيني مِمَّا أَنا فِيهِ فوَاللَّه لأعمين على من ورائي من الطّلب وَهَذِه كِنَانَتِي فَخذ مِنْهَا سَهْما فَإنَّك ستمر بإبلي وغنمي فِي مَوضِع كَذَا وَكَذَا فَخذ مِنْهَا حَاجَتك فَقَالَ رَسُول الله لَا حَاجَة لي فِيهَا فَأطلق فَرجع إِلَى أَصْحَابه وَجعل لَا يلقى أحدا إِلَّا قَالَ كفيتم مَا هَهُنَا فَلَا يلقى أحدا إِلَّا رده وَإِن أَبَا جهل لَعنه الله لما سمع قصَّة سراقَة أنشأ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ // (من الطَّوِيل) // (بني مُدْلِج إنّي أَخَاف سفيهكم ... سراقَة يستغوي بنصر محمّد) (عَلَيْكُم بِهِ ألاّ يفرّق جمعكم ... فَيُصْبِح شتّى بعد عزّ وسؤدد) وَلما سمع سراقَة شعر أبي جهل قَالَ // (من الطَّوِيل) // (أَبَا حكم وَالله لَو كنت شَاهدا ... لأمر جوادي إِذْ تَسُوخ قوائمه) (علمت وَلم تشك بأنّ محمّداً ... رَسُول ببرهان فَمن ذَا يقاومه) (عَلَيْك بكفّ الْقَوْم عَنهُ فإنّني ... أرى أمره يَوْمًا ستبدو معالمه) (بأمرٍ يودّ النّاس فِيهِ بأسرهم ... بأنّ جَمِيع النّاس طرّاً يسالمه) قَالَ الشخ فتح الدّين مُحَمَّد بن سيد النَّاس فِي سيرته سراقَة بن مَالك بن جعْشم الْكِنَانِي يكنى أَبَا سُفْيَان روى سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن أبي مُوسَى عَن الْحسن أَن رَسُول الله قَالَ لسراقة هَذَا بعد اسلامه وَهُوَ بِالْمَدَنِيَّةِ كَيفَ بك إِذا لبست سواري كسْرَى فَلَمَّا أَتَى عمر ﵁ بِسوَارِي كسْرَى ومنطقته وتاجه فِي وقْعَة الْقَادِسِيَّة وظفر جنده ﵁ بِالْغَنِيمَةِ فَأتى بذلك مَعَ مَا أَتَى بِهِ إِلَيْهِ دَعَا سراقَة ابْن مَالك هَذَا فألبسه السوارين وَكَانَ سراقَة رجلا أزب الذارعين كثير شعرهما وَقَالَ لَهُ ارْفَعْ يَديك وَقل الله

стр. 299

أكبر الْحَمد لله الَّذِي سلبهما كسْرَى بن هُرْمُز الَّذِي كَانَ يَقُول أَنا رب النَّاس وألبسهما سراقَة بن مَالك بن جعْشم أَعْرَابِيًا من بني مُدْلِج فَرفع صَوته وَقَالَ ذَلِك وَكَانَ سراقَة شَاعِرًا مجيداً وَهُوَ الَّذِي قَالَ لأبي جهل أَبَا حكم وَالله لَو كنت شَاهدا الأبيات الَّتِي ذَكرنَاهَا روى عَنهُ من الصَّحَابَة ابْن عَبَّاس وَجَابِر وروى عَنهُ سعيد بن الْمسيب وَابْنه مُحَمَّد بن سراقَة وروى لسراقة البُخَارِيّ وَالْأَرْبَعَة وَجَاء سراقَة إِلَى النَّبِي وَقَالَ يَا رَسُول الله أَرَأَيْت الضَّالة ترد على حَوْض إبلي أَلِي أجر إِن سقيتها فَقَالَ فِي الكبد الحري أجر وَهُوَ السَّائِل عَن مُتْعَة الْحَج أللأبد هِيَ توفّي سنة أَربع وَعشْرين فِي خلَافَة عُثْمَان ﵄ وَقيل فِي خلَافَة عَليّ ﵁ وكرم وَجهه انْتهى وَذكر ابْن إِسْحَاق أَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ قَالَ فِي دُخُوله الْغَار مَعَ النَّبِي وسيرهم وَطلب سراقَة إيَّاهُم هَذِه الأبيات // (من الْبَسِيط) // (قَالَ النّبيّ وَلم يجزع يوقّرني ... وَنحن فِي سدفةٍ من ظلمَة الْغَار) (لَا تخش شَيْئا فإنّ الله ثالثنا ... وَقد تكفّل لي مِنْهُ بِإِظْهَار) (وإنّما كيد من تخشى بوادره ... كيد الشّياطين كادته لكفّار) (وَالله مهلكهم طرّاً بِمَا كسبوا ... وجاعل الْمُنْتَهى مِنْهُم إِلَى النّار) (وَأَنت مرتحلٌ عَنْهُم وتاركهم ... إمّا غدوّاً وإمّا مدلجٌ ساري) (وهاجرٌ أَرضهم حتّى يكون لنا ... قومٌ عَلَيْهِم ذَوُو عزٍّ وأنصار) (حتّى إِذا اللَّيْل وأرانا جوانبه ... وسدّ من دون مَا يخْشَى بِأَسْتَارِ) (سَار الأُريقط يهدينا وأينقه ... ينعبن بالقوم نعباً تَحت أكوار)

стр. 300

(حتّى إِذا قلت قد أنجدن عَارَضنَا ... من مدلجٍ فارسٌ فِي منصبٍ واري) (فَقَالَ كرّوا فَقُلْنَا إنّ كرّتنا ... من دون ذَلِك نصر الْخَالِق الْبَارِي) (إِن يخسف الله بالأحوى وفارسه ... فَانْظُر إِلَى أربعٍ فِي الأَرْض غوّار) (فهيل لمّا رأى أرساغ مهرته ... يرسخن فِي الأَرْض لم تحفر بمحفار) (فَقَالَ هَل لكم أَن تطلقوا فرسي ... وتأخذوا موثقًا من نصح إسراري) (فَادعوا الّذي كفّ عَنْكُم أَمر غدوتنا ... يُطلق جوادي فَأنْتم خير أبرار) (فَقَالَ قولا رَسُول الله مبتهلاً ... يَا ربّ إِن كَانَ يَنْوِي غير إخفار) (فنجّه سالما من شرّ دَعوتنَا ... ومهره مُطلق من كلّ آسار) (فأظهر الله إِذْ يَدْعُو حَوَافِرِهِ ... وفاز فارسه من هول أخطار) قلت انكر بعض الْعلمَاء نِسْبَة هَذَا الشعرالى الصّديق ﵁ وَهُوَ كَذَلِك وَأَنا أنكرهُ أَيْضا لما فِيهِ من الركة والسماجة الَّتِي مَا لَهَا حَاجَة قَالَ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى مُحَمَّد بن مُوسَى بن النُّعْمَان فِي كِتَابه الْمُسَمّى مِصْبَاح الظلام فِي المستغيثين بِسَيِّد الْأَنَام فِي الْيَقَظَة والمنام روينَا إِن رَسُول الله قَالَ لحسان بن ثَابت أقلت فِي أبي بكر شَيْئا قَالَ نعم قَالَ قل فَأَسْمع فَقَالَ // (من الْبَسِيط) // (إِذا تذكّرت شجواً من أخي ثقةٍ ... أُذكر أَخَاك أَبَا بكرٍ بِمَا فعلا) (خير البريّة أتقاها وأعدلها ... بعد النّبيّ وأوفاها بِمَا حملا) (وَالثَّانِي التّالي الْمَحْمُود مشهده ... وأوّل النّاس حقّاً صدّق الرّسلا) (وَثَانِي اثْنَيْنِ فِي الْغَار المنيف وَقد ... طَاف العدوّ بِهِ إِذْ صعّد الجبلا) (وَكَانَ حبّ رَسُول الله قد علمُوا ... من البريّة لم يعدل بِهِ رجلا)

стр. 301

وَخرج بهم على السَّاحِل ثمَّ أجَاز عسفان ثمَّ عَارض الطَّرِيق بعد إِلَى أَن أجَاز قديداً ثمَّ سلك الْحرار ثمَّ أجَاز على تَثْنِيَة الْمرة ثمَّ سلك مُدْلِجَة لقف ثمَّ استبطن مُدْلِجَة مجلح ثمَّ بطن مُرَجّح من ذِي العصوين ثمَّ أجَاز القاحة ثمَّ هَبَط العرج ثمَّ أجَاز فِي ثنية العائر عَن يَمِين ركُوبه ثمَّ هَبَط رئم ثمَّ قدم قبَاء من قبل الْعَالِيَة قَالَ الذَّهَبِيّ روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت إِن الْمُسلمين بِالْمَدِينَةِ لما سمعُوا بمخرج النَّبِي كَانُوا يَغْدُونَ إِلَى الْحرَّة ينتظرونه حَتَّى يردهم حر الشَّمْس فَركب يريدة بن الخصيب فِي سبعين من بني أسلم وَقَالَ الزُّهْرِيّ أَخْبرنِي عُرْوَة أَن الزبير كَانَ فِي ركب تجار بِالشَّام فقفلوا إِلَى مَكَّة فعارضوا رَسُول الله وَأَبا بكر بِثِيَاب بَيَاض فتلقوا رَسُول الله لَيْلًا فَقَالَ لَهُ من أَنْت قَالَ بُرَيْدَة فَالْتَفت إِلَى أبي بكر وَقَالَ برد أمرنَا وَصلح ثمَّ قَالَ لَهُ وَمِمَّنْ قَالَ من أسلم قَالَ لأبي بكر سلمنَا ثمَّ قَالَ مِمَّن قَالَ من بني سهم قَالَ خرج سهمك فَأسلم بُرَيْدَة وَالَّذين مَعَه جَمِيعًا فَلَمَّا اصبحوا قَالَ بُرَيْدَة للنَّبِي لَا تدخل المدنية إِلَّا ومعك لِوَاء فَحل عمَامَته ثمَّ شدها فِي رمح ثمَّ مَشى بَين يَدي النَّبِي وَقَالَ يَا نَبِي الله تنزل على من فَقَالَ أنزل على بني النجار أخوال جدي عبد الْمطلب لأكرمهم بذلك فَلَمَّا أصبح غَدا حَيْثُ أَمر فَلَمَّا كَانَ يَوْم دُخُوله جَلَسُوا كَمَا كَانُوا يَجْلِسُونَ حَتَّى إِذا رَجعْنَا وحميت القائلة إِذا رجل من الْيَهُود أشرف من اطم فَرَأى النَّبِي فَلم يملك أَن صَاح يَا بني قيلة هَذَا جدكم قد أقبل أَي حظكم وسعدكم فثار الْمُسلمُونَ إِلَى السِّلَاح فتلقوه بِظهْر الْحرَّة فَعدل بهم ذَات الْيَمين حَتَّى نزل فِي بني عَمْرو بن عَوْف على كُلْثُوم بن الْهدم وَكَانَ شَيخا صَالحا عابداً يَوْم الِاثْنَيْنِ من ربيع الأول فَطَفِقَ من لم يعرف النَّبِي يسلم على أبي بكر حَتَّى أَصَابَت الشَّمْس رَسُول الله فَأقبل أَبُو بكر يظله بردائه فَعرف النَّاس عِنْد ذَلِك رَسُول الله فَلبث فِي بني عَمْرو بن عَوْف أَرْبَعِينَ لَيْلَة واسس مَسْجِدهمْ اقبل النَّبِي مردفاً أَبَا بكر وَهُوَ شيخ يَعْنِي فِيهِ مبادئ الشمط وَالنَّبِيّ سَاب لَا يعرف فَيلقى

стр. 302

الرجل أَبَا بكر فَيَقُول من هَذَا بَين يَديك فَيَقُول رجل يهديني الطَّرِيق وَإِنَّمَا يَعْنِي طَرِيق الْخَيْر وَفِي الْوَفَاء للعلامة السَّيِّد السمهودي ﵀ روى رزين عَن أنس بن مَالك قَالَ كنت إِذْ قدم رَسُول الله الْمَدِينَة ابْن تسع سِنِين فَأَسْمع الغلمان والولائد يَقُولُونَ جَاءَ رَسُول الله وَأَبُو بكر فمكثا فِي حرث فِي طرف الْمَدِينَة وَفِي رِوَايَة فَنزلَا جَانب الْحرَّة فأرسلا رجلا من أهل الْبَادِيَة ليؤذن بهما الْأَنْصَار فَاسْتَقْبَلَهُمَا زهاء خَمْسمِائَة رجل من الْأَنْصَار حَتَّى انْتَهوا إِلَيْهِمَا فَنزل فِي بني عَمْرو بن عَوْف بقباء على كُلْثُوم بن الْهدم ولرزين نزل فِي ظلّ نَخْلَة ثمَّ انْتقل إِلَى دَار كُلْثُوم وَفِي رِوَايَة على سعد بن خَيْثَمَة وَوجه الْجمع بَين الرِّوَايَتَيْنِ أَن أول نُزُوله كَانَ على كُلْثُوم بن الْهدم وَلَكِن عينوا لَهُ مسكنا فِي دَار سعد بن حيثمة يكون النَّاس فِيهِ وَذَلِكَ لِأَن سَعْدا كَانَ عزباً لَا أهل لَهُ وَيُسمى منزله منزل الغرباء قَالَ المطرزي وَبَيت سعد بن خَيْثَمَة أحد الدّور الَّتِي قبلي مَسْجِد قبَاء وَهِي الَّتِي تلِي الْمَسْجِد فِي قبلته يدخلهَا النَّاس إِذا رَأَوْا مَسْجِد قبَاء وَيصلونَ فِيهَا وَهُنَاكَ أَيْضا دَار كُلْثُوم بن الْهدم وَفِي تِلْكَ الْعَرَصَة كَانَ رَسُول الله نازلاً قبل خُرُوجه إِلَى الْمَدِينَة وَكَذَلِكَ أَهله ﵊ وَأهل أبي بكر حِين قدمُوا بعد خُرُوج رَسُول الله من مَكَّة وَهن سَوْدَة وَعَائِشَة وَأمّهَا أم رُومَان وَأُخْتهَا أَسمَاء وَهِي حَامِل بِعَبْد الله بن الزبير فَولدت بقباء قبل نزولهم الْمَدِينَة وَنزل أَبُو بكر بالسنح على خبيب بن يسَاف أحد بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج وَقيل على خَارِجَة بن زيد بن رهم وَعَن سعد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي رُقَيْش عَن عبد الرَّحْمَن بن زيد بن حَارِثَة قَالَ نزل رَسُول الله بِظهْر حرتنا هُوَ وَأَبُو بكر ثمَّ ركبا فَأَنَاخَ على عذق عِنْد بِئْر غرس قبل أَن تبزغ الشَّمْس وَقَوله عِنْد بِئْر غرس الظَّاهِر أَنه تَصْحِيف وَلَعَلَّه بِئْر عذق لبعد بِئْر غرس عَن منزله بقباء بِخِلَاف بِئْر عذق وَلما نزل النَّبِي وَأَبُو بكر وعامر بن فهَيْرَة على كُلْثُوم قَالَ كُلْثُوم لمولى لَهُ يَا نجيح أطعمنَا رطبا فَلَمَّا سمع رَسُول الله بنجيح الْتفت إِلَى أبي بكر فَقَالَ

стр. 303

أنجحنا فَأتوا بقنو من أم جودان فِيهِ رطب منصف وزهو فَقَالَ هَذَا عذق أم جودان فَقَالَ اللَّهُمَّ بَارك فِي أم جودان وَكَانَ لكلثوم بن الْهدم مربد وَهُوَ الْموضع الَّذِي يبسط فِيهِ التَّمْر لييبس فَأخذ مِنْهُ فأسسه مَسْجِدا كَذَا فِي رواياة ابْن زبالة وَغَيره وَفِي الصَّحِيح عَن عُرْوَة أَقَامَ فِي بني عَمْرو بن عَوْف بضع عشرَة لَيْلَة وَأسسَ مَسْجده الَّذِي أسس على التَّقْوَى وَقد اخْتلف فِي المُرَاد بقوله تَعَالَى ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لمّسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ التَّوْبَة ١٠٨ فالجمهور على أَن المُرَاد بِهِ مَسْجِد قبَاء وَلَا يُنَافِيهِ قَوْله فِي مَسْجِد الْمَدِينَة هُوَ مَسْجِدكُمْ هَذَا إِذْ كل مِنْهُم أسس على التَّقْوَى وَعَن جَابر بن سَمُرَة قَالَ لما سَأَلَ أهل قبَاء النَّبِي أَن يبْنى لَهُم مَسْجِدا قَالَ رَسُول الله ليقمْ بَعْضكُم فليركب النَّاقة فَقَامَ أَبُو بكر فركبها فحركها فَلم تنبعث فَرجع فَقعدَ فَقَامَ عمر فركبها فَلم تنبعث فَرجع فَقعدَ فَقَالَ رَسُول الله ليقمْ بَعْضكُم فيركب النَّاقة فَقَامَ عَليّ فَلَمَّا وضع رجلَيْهِ فِي غرز الركاب وَثَبت بِهِ فَقَالَ رَسُول الله ارخ زمامها فسارت حَتَّى وقفت حبيث الْمَسْجِد الْيَوْم فَقَالَ ابْتَنَوْا على مدارها فَإِنَّهَا مأمورة ثمَّ قَالَ يَا أهل قبَاء ائْتُونِي بأحجار من الْحرَّة فَجمعت عِنْده أَحْجَار كَثِيرَة فَخط قبلتهم فَأخذ حجرا فَوَضعه ثمَّ قَالَ يَا أَبَا بكر خُذ حجرا فضعه إِلَى جنب حجري ثمَّ قَالَ يَا عمر خُذ حجرا فضعه إِلَى جنب حجر أبي بكر ثمَّ قَالَ يَا عُثْمَان خُذ حجرا فضعه إِلَى جنب حجر عمر وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر كَانَ رَسُول الله يَأْتِي قبَاء رَاكِبًا أَو مَاشِيا وَعنهُ أَيْضا اني سَمِعت رَسُول الله يَقُول من صلى فِيهِ كَانَ كَعدْل

стр. 304

عمْرَة وروى ابْن زبالة أَن النَّبِي صلى إِلَى الأسطوانة الثَّالِثَة فِي مَسْجِد قبَاء الَّتِي فِي الرحبة وَعَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن قَالَ كَانَ فِي مَوضِع الأسطوانة المخلقة الْخَارِجَة فِي رحبة الْمَسْجِد قَالَ ابْن رقيشي حَدثنِي نَافِع أَن عمر كَانَ إِذا جَاءَ مَسْجِد قبَاء صلى إِلَى الأسطوانة المخلقة يقْصد بذلك مَسْجِد النَّبِي الأول وروى ابْن زبالة عَن عبد الْملك بن بكير عَن أبي ليلى عَن أَبِيه إِن رَسُول الله صلى فِي مَسْجِد قبَاء إِلَى الأسطوانة الثَّالِثَة فِي الرحبة إِذا دخلت من الْبَاب الَّذِي بِفنَاء دَار سعد بن خَيْثَمَة قَالَ السَّيِّد السمهودي ﵀ الْبَاب الْمَذْكُور هُوَ المشدود الْيَوْم بِظهْر رسمه من خَارج الْمَسْجِد من جِهَة الْمغرب وَكَانَ شَارِعا فِي الرواق الَّذِي يَلِي الرحبة من السّقف القبلي فالأسطوانة الثَّالِثَة فِي الرحبة هِيَ الَّتِي عِنْدهَا الْيَوْم محراب فِي رحبة الْمَسْجِد لانطباق الْوَصْف الْمَذْكُور عَلَيْهَا فَهِيَ المرادة بقول الْوَاقِدِيّ كَانَ الْمَسْجِد فِي مَوضِع الأسطوانة المخلقة الْخَارِجَة فِي رحبة الْمَسْجِد وَهِي الَّتِي كَانَ ابْن عمر يُصَلِّي إِلَيْهَا واقام بقباء يَوْم الأثنين وَالثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس ثمَّ أرسل إِلَى بني النجار أخوال جده عبد الْمطلب فَجَاءُوا متقلدين سيوفهم فَسَلمُوا على النَّبِي وابي بكر وَقَالُوا اركبنا آمِنين مطاعين فركبا يَوْم الْجُمُعَة وَاجْتمعت بَنو عَمْرو بن عَوْف وَقَالُوا أخرجت ملالاً لنا أم تُرِيدُ دَار خيرا من دَارنَا قَالَ إِنِّي أمرت بقرية تَأْكُل الْقرى فخلوها أَي نَاقَته فَإِنَّهَا مأمورة فَسَار حَتَّى أَدْرَكته الْجُمُعَة فِي بني سَالم فَصلاهَا بِمن مَعَه فِي بطن الْوَادي وَادي ذِي صلت وَفِي سيرة ابْن هِشَام وَادي رَانُونَاء وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رجلا وَقيل مائَة وَكَانَت هَذِه أول جُمُعَة جمعهَا فِي الْإِسْلَام حِين قدم الْمَدِينَة وَقيل إِنَّه كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَة فِي مَسْجِد قبَاء فِي إِقَامَته هُنَاكَ على قَول من قَالَ إِنَّهَا كَانَت أَرْبَعِينَ يَوْمًا وخطب يَوْمئِذٍ خطْبَة

стр. 305

بليغة يَعْنِي فِي بني سَالم وَهِي أول خطْبَة خطبهَا ﵇ فِي الْإِسْلَام وروى عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن الجُمَحِي أَنه بلغه عَن خطْبَة رَسُول الله فِي أول جُمُعَة صليت فِي الْمَدِينَة فِي بني سَالم بن عَوْف أَنَّهَا هِيَ هَذِه الْحَمد لله أَحْمَده وَأَسْتَعِينهُ وأستغفره وأستهديه وأومن بِهِ وَلَا أكفره وأعادي من يكفره وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرسل بِالْهدى والنور وَالْمَوْعِظَة على فَتْرَة من الرُّسُل وَقلة من الْعلم وضلالة من النَّاس وَانْقِطَاع من الزَّمَان ودنو من السَّاعَة وَقرب من الْأَجَل من يطع الله وَرَسُوله فقد رشده وَمن يعْص الله وَرَسُوله فقد غوى وفرط وضل ضلالا بَعيدا أوصيكم بتقوى الله فَإِنَّهُ خير مَا أوصِي بِهِ الْمُسلم أَخَاهُ أَن يحضه على الْآخِرَة وَأَن يَأْمُرهُ بتقوى الله فاحذروا مَا حذركُمْ الله من نَفسه وَلَا أفضل من ذَلِك ذكر وَإِن تقوى الله لمن عمل بهَا على وَجل ومخافة من ربه عون صدق على مَا تَبْتَغُونَ من أَمر الْآخِرَة وَمن يصلح الَّذِي بَينه وَبَين الله من أمره فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة لَا يَنْوِي بذلك إِلَّا وَجه الله يكن لَهُ ذخْرا فِي عَاجل أمره وذخراً فِيمَا بعد الْمَوْت حِين يفْتَقر الْمَرْء إِلَى مَا يقدم وَمَا كَانَ من سوى ذَلِك يود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمداً بَعيدا ويحذركم الله نَفسه وَالله رءوف بالعباد وَالَّذِي صدق قَوْله وانجز وعده وَلَا خلف لذَلِك فاهه يَقُول ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَاْ بظالم لِلْعَبِيدِ﴾ ق ٢٩ فَاتَّقُوا الله فِي عَاجل أَمركُم وآجله فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة فَإِنَّهُ من يتق الله يكفر عَنهُ سيئاته ويعظم لَهُ أجرا وَمن يتق الله فقد فَازَ فوزاً عَظِيما وَإِن تقوى الله توقي مقته وعقوبته وَسخطه وتبيض الْوُجُوه وترضى الرب وترفع الدرجَة خُذُوا بحظكم وَلَا تفرطوا فِي جنب الله فقد علمكُم الله كِتَابه ونهج لكم سَبيله ليعلم الَّذِي صدقُوا وَيعلم الْكَاذِبين فَأحْسنُوا كَمَا أحسن إِلَيْكُم وعادوا أعداءه وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده وَهُوَ اجتنابكم وسماكم الْمُسلمين ليهلك من هلك عَن بَيِّنَة وَيحيى من حَيّ عَن بَيِّنَة وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَأَكْثرُوا ذكر الله ثمَّ اعلموا أَنه خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَاعْلَمُوا لما بعد الْمَوْت فَإِنَّهُ من يصلح مَا بَينه وَبَين الله يَكْفِيهِ مَا بَينه وَبَين النَّاس وَذَلِكَ بِأَن الله يقْضِي الْحق على النَّاس وَلَا يقضون

стр. 306

عَلَيْهِ وَيملك من النَّاس وَلَا يملكُونَ عَلَيْهِ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم ثمَّ ركب نَاقَته القصوى وَالنَّاس عَن يَمِينه وشماله وَخَلفه مِنْهُم الرَّاكِب وَمِنْهُم الْمَاشِي فاعترضه الْأَنْصَار فَلَا يمر بدار إِلَّا قَالُوا هَلُمَّ إِلَى الْعِزّ والمنعة والثروة فَيَقُول لَهُم خيرا وَيَدْعُو لَهُم وَيَقُول إِنَّهَا مأمورة خلوا سَبِيلهَا فَمر ببني سَالم فَقَامَ إِلَيْهِ عتْبَان بن مَالك وَنَوْفَل بن عبد الله بن مَالك والعجلان وَهُوَ آخذ بزمام رَاحِلَته يَقُول يَا رَسُول الله انْزِلْ فِينَا فَإِن فِينَا الْعدة وَالْعدَد وَالْحَلقَة يَعْنِي السِّلَاح وَنحن أَصْحَاب الفضاء والحدائق والدرك يَا رَسُول الله كَانَ الرجل من الْعَرَب يدْخل هَذِه البحرة خَائفًا فيلجأ إِلَيْنَا فَنَقُول توقل حَيْثُ شِئْت فَجعل ﵊ يبتسم وَيَقُول خلوا سَبِيلهَا فَإِنَّهَا مأمورة وَقَامَ إِلَيْهِ عبَادَة بن الصَّامِت ونضلة بن العجلان فجعلان يَقُولَانِ يَا رَسُول الله انْزِلْ فِينَا فَيَقُول إِنَّهَا مأمورة ثمَّ أَخذ عَن يَمِين الطَّرِيق حَتَّى جَاءَ بني الحلبى وَأَرَادَ أَن ينزل على عبد الله بن أبي بن سلول فَلَمَّا رَآهُ وَهُوَ عِنْد مُزَاحم اسْم لأطم مُحْتَبِيًا قَالَ عبد الله بن أبي اذْهَبْ إِلَى الَّذين دعوك فَانْزِل عَلَيْهِم فَقَالَ سعد ابْن عبَادَة يَا رَسُول الله لَا تَجِد فِي نَفسك من قَوْله فقد قدمت علينا والخزرج تُرِيدُ أَن تملكه علينا وَإِنَّهُم لينظمون لَهُ الودع ليتوجوه قلت وَهَذَا عبد الله وَهُوَ رَأس الْمُنَافِقين وَرَأس أهل الْإِفْك الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ النُّور ١١ مَاتَ على كفره ونفاقه لَعنه الله تَعَالَى ثمَّ قَالَ سعد بن عبَادَة وَلَكِن هَذِه دَاري فَمر ببني سَاعِدَة فَقَالَ لَهُ الْمُنْذر بن عَمْرو وَأَبُو دُجَانَة يَا رَسُول الله إِلَى الْعدَد والثروة وَالْقُوَّة وَالْجَلد وَسعد ابْن عبَادَة يَقُول لَيْسَ فِي قومِي أَكثر عذقاً وَلَا أوسع فَم بِئْر مَعَ الثروة وَالْعدَد وَالْحَلقَة فَيَقُول ﵊ بَارك الله عَلَيْكُم وَيَقُول يَا أَبَا ثَابت خل سَبِيلهَا فانها مامورة

стр. 307

ثمَّ مر ببني عدي بن النجار أخوال جده عبد الْمطلب فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو سليط وصرمة ابْن أبي أنيس فَقَالَا يَا رَسُول الله نَحن أخوالك هَلُمَّ إِلَى الْعدَد والمنعة وَالْقُوَّة مَعَ الْقَرَابَة لَا تجاوزنا إِلَى غَيرنَا لَيْسَ أحد من قَومنَا أولى بك منا لقرابتنا لَك فَقَالَ خلوا سَبِيلهَا فَإِنَّهَا مأمورة فسارت حَتَّى استناخت فِي مَوضِع الْمَسْجِد فَلم ينزل عَن ظهرهَا فَقَامَتْ ومشت قَلِيلا وَهُوَ لَا يهيجها ثمَّ التفتت فَكرت رَاجِعَة إِلَى مَكَانهَا الأول وبكرت بِهِ وَوضعت جِرَانهَا على الأَرْض فَنزل عَنْهَا فَأخذ أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ رَحلهَا فَحَمله إِلَى دَاره وَنزل النَّبِي فِي بَيت من دَار أبي أَيُّوب ثمَّ دَعَتْهُ الْأَنْصَار إِلَى النُّزُول عَلَيْهِم فَقَالَ الْمَرْء حَيْثُ رَحْله فمضت كَلمته ﵊ مثلا وَلما بَركت النَّاقة خرجن جواري بني النجار يضربن الدفوف وَيَقُلْنَ // (من الرجز) // (نَحن جوارٍ من بني النّجار ... يَا حبّذا محمّد من جَار) قلت أَبُو أَيُّوب اسْمه خَالِد بن يزِيد أَو زيد هُوَ من بني النجار اطول جده عبد الْمطلب فَقَالَ لَهُنَّ النَّبِي أتحبنني قُلْنَ نعم يَا رَسُول الله قَالَ وَالله وَأَنا أحبكن قَالَهَا ثَلَاثًا وَعَن أَفْلح مولى أبي ايوب إِن رَسُول الله لما نزل عَلَيْهِ نزل أَسْفَل وَأَبُو أَيُّوب فِي الْعُلُوّ فانتبه أَبُو ايوب فَبَاتَ ليلته لم ينم فَقَالَ نمشي فَوق رَسُول الله فتحول هُوَ وَأَهله فِي جَانب فَلَمَّا أصبح ذكر ذَلِك للنَّبِي فَقَالَ ﵊ الْأَسْفَل أرْفق بِي فَقَالَ أَبُو أَيُّوب لَا أعلو سَقِيفَة أَنْت تحتهَا فتحول أَبُو أَيُّوب إِلَى السّفل وَالنَّبِيّ إِلَى الْعُلُوّ واقام فِي دَار أبي أَيُّوب سَبْعَة أشهر بِتَقْدِيم السِّين قَالَ فِي الرَّوْض الْأنف منزل أبي ايوب الَّذِي نزل فِيهِ رَسُول الله تصير بعده إِلَى أَفْلح مولى أبي أَيُّوب فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بعد مَا خرب وتثملت حيطانه

стр. 308

الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بِأَلف دِينَار بحيلة احتالها عَلَيْهِ الْمُغيرَة ثمَّ أصلح الْمُغيرَة مَا وَهِي من الْبَيْت وَتصدق بِهِ على أهل بَيت من فُقَرَاء الْمَدِينَة فَكَانَ بعد ذَلِك أَفْلح يَقُول للْمُغِيرَة خدعتني فَيَقُول لَهُ الْمُغيرَة لَا أَفْلح من نَدم انْتهى وَهِي فِي شَرْقي الْمَسْجِد الْمُقَدّس ثمَّ بِيعَتْ فاشتراها الْملك المظفر لشهاب الدّين غَازِي ابْن الْملك الْعَادِل سيف الدّين بن أبي بكر بن شادي مَعَ عَرصَة الدَّار وبناها مدرسة للمذاهب الْأَرْبَعَة تعرف الْيَوْم بمدرسة الشهابية وَمن إيوَان قاعتها الصُّغْرَى خزانَة صَغِيرَة جدا مِمَّا يَلِي الْقبْلَة فِيهَا محراب يُقَال أَنه مبرك نَاقَته وَذَلِكَ على رِوَايَة أَنَّهَا بَركت عِنْد دَار أبي أَيُّوب ﵁ قَالَ ابْن إِسْحَاق إِن هَذَا الْبَيْت بناه تبع الأول لما مر بِالْمَدِينَةِ للنَّبِي ينزله إِذا قدم الْمَدِينَة فتداول اليبت الْملاك إِلَى أَن صَار إِلَى أبي أَيُّوب وَهُوَ من ذريتة الحبر الَّذِي اسلمه تبع كِتَابه للنَّبِي فَلم يزل سَاكِنا عِنْد أبي أَيُّوب حَتَّى بنى مَسْجده وحجرة فِي المربد قَالَ فِي الْمَوَاهِب لما اراد النَّبِي بِنَاء الْمَسْجِد الشريف قَالَ يَا بني النجار ثامنوني بحائطكم قَالُوا لَا نطلب ثمنه إِلَّا إِلَى الله تَعَالَى فَأبى ذَلِك واتباعه بِعشْرَة دَنَانِير أَدَّاهَا من مَال أبي بكر قَالَ أنس وَكَانَ فِي مَوَاضِع نخل وَخرب ومقابر مُشْرِكين فَأمر بالقبور فنبشت وَأخرج مِنْهَا الْعِظَام وبالخرب فسويت وبالنخل فَقطعت ثمَّ أَمر باتخاذ اللَّبن فاتخذه وَبنى الْمَسْجِد وسقفه بِالْجَرِيدِ وَجعلت عمده خشب النّخل صف النّخل فنصب فِي قبْلَة الْمَسْجِد أَي جعله سواري فِي جِهَة الْقبْلَة ليسقف عَلَيْهَا وَجعل عضادتيه حِجَارَة وَجعل قبْلَة الْمَسْجِد الْمُقَدّس وَجعل لَهُ ثَلَاثَة أَبْوَاب بَابا فِي آخِره يُقَال لَهُ بَاب الرَّحْمَة وَالْبَاب الَّذِي يدْخل مِنْهُ وَجعل طوله مِمَّا يَلِي الْقبْلَة إِلَى مؤخره مائَة ذِرَاع وَفِي الْجَانِبَيْنِ مثل ذَلِك أَو دونه وَجعل أساسه قَرِيبا من ثَلَاثَة أَذْرع وَبنى بُيُوتًا إِلَى جَانِبه بِاللَّبنِ وسقفها بجذوع النّخل والجريد فَلَمَّا فرغ من بنائِهِ بنى لعَائِشَة فِي الْبَيْت

стр. 309

الَّذِي يَلِيهِ شَارِعا إِلَى الْمَسْجِد وَجعل سَوْدَة بنة زَمعَة فِي الْبَيْت الآخر الَّذِي يَلِيهِ أَي الْبَاب الَّذِي يَلِي آل عُثْمَان ثمَّ تحول من دَار أبي أَيُّوب إِلَى مساكنه الَّتِي بناها قَالَ البلاذري نزل رَسُول الله عِنْد أبي أَيُّوب ووهبت لَهُ الْأَنْصَار كل فضل كَانَ فِي خططها وَقَالُوا خُذ منا مَنَازلنَا فَقَالَ لَهُم خيرا وَكَانَ أَبُو أُمَامَة أسعد بن زُرَارَة يجمع بِمن يَلِيهِ فِي مَسْجِد لَهُ فَكَانَ ﵊ يُصَلِّي بهم فِيهِ ثمَّ إِنَّه سَأَلَ أسعد أَن يَبِيعهُ أَرضًا مُتَّصِلَة بذلك الْمَسْجِد وَهِي مربد التَّمْر كَانَت فِي يَده ليتيمين فِي حجره يُقَال لَهما سهل وَسُهيْل ابْني رَافع بن عَمْرو بن عَائِذ بن ثَعْلَبَة بن غنم بن مَالك بن النجار وَكَانَ مَسْجِد أسعد الَّذِي بناه جداراً مجدراً لَيْسَ عَلَيْهِ سقف وقبلته إِلَى الْقُدس وَعَن أم سَلمَة ﵂ قَالَت بنى رَسُول الله مَسْجده فَضرب اللَّبن وعجن الطين وَقرب مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فَقَامَ ﵊ فَوضع رِدَاءَهُ فَلَمَّا رأى ذَلِك الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار وضعُوا أرديتهم وَجعلُوا يرتجزون فَيَقُولُونَ // (من الرجز) // (لَئِن قعدنا والنّبيّ يعْمل ... ذَاك إِذن لعمل مضلّل) قَالَ فِي الْمَوَاهِب وروينا أَنه كَانَ ينْقل مَعَهم اللَّبن فِي ثِيَابه وَيَقُول وَهُوَ ينْقل // (من الْوَسِيط) // (هَذَا الْجمال لَا حمال خَيْبَر ... هَذَا أبر رَبنَا وأطهر) (اللهمّ إنّ الْعَيْش عَيْش الْآخِرَة ... فَارْحَمْ الْأَنْصَار والمهاجرة) قَالَ قَالَ ابْن شهَاب وَلم يبلغنَا إِن رَسُول الله تكلم بِبَيْت شعر غير هَذَا وَقيل إِن الْمُمْتَنع عَلَيْهِ إنْشَاء الشّعْر لَا إنشاده وَلَا دَلِيل على منع إنشاده متمثلاً وَقَوله هَذَا الْحمال هُوَ بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي الْمَحْمُول من اللَّبن أبر عِنْد الله من حمال خَيْبَر أَي الَّذِي يحمل مِنْهَا من التَّمْر وَالزَّبِيب وَنَحْو ذَلِك وَفِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي بِالْجِيم انْتهى وَعَن الزُّهْرِيّ وَكَانَ عُثْمَان بن مَظْعُون رجلا منتظفا فَكَانَ يحمل اللبنة فِي ثَوْبه فَإِذا وَضعهَا نفض كمه وَنظر إِلَى ثَوْبه فَإِن أَصَابَهُ شَيْء من التُّرَاب نفضه فَنظر إِلَيْهِ

стр. 310

عَليّ بن أبي طَالب فَأَنْشَأَ يَقُول // (من الرجز) // (لَا يَسْتَوِي من يعمر المساجدا ... يدأب فِيهَا قَائِما وَقَاعِدا) (وَمن يرى عَن التّراب حائدا ... ) فَسَمعَهَا عمار بن يَاسر فَجعل يرتجز بهَا وَهُوَ لَا يدْرِي من يَعْنِي بهَا فَمر بعثمان ابْن مَظْعُون فَقَالَ لَهُ يَا بن سميَّة بِمن تعرض وتشتمه لتكفن أَو لأعترضن بهَا وَجهك لحديدة كَانَت بِيَدِهِ فَسَمعهُ النَّبِي وَهُوَ جَالس فِي ظلّ بَيت أم سَلمَة فَغَضب ثمَّ قَالَ الصَّحَابَة لعمَّار إِن النَّبِي قد غضب فِيك ونخاف أَن ينزل فِينَا قُرْآن فَقَالَ أَنا أرضيه كَمَا غضب فَقَالَ يَا رَسُول الله مَالِي ولأصحابك قَالَ مَالك وَلَهُم قَالَ يُرِيدُونَ قَتْلِي يحملون لبنة لبنة ويحملون عَليّ اللبنتين وَالثَّلَاث فَأخذ بِيَدِهِ فَطَافَ بِهِ فِي الْمَسْجِد وَجعل يمسح وفرته بِيَدِهِ من التُّرَاب وَيَقُول ياابن سميَّة لَا يقتلك أَصْحَابِي وَلَكِن تقتلك الفئة الباغية وَقَالَ ابْن إِسْحَاق وَسَأَلت غير وَاحِد من أهل الْعلم بِمَا يشْعر عَن هَذَا الرجز يَعْنِي قَوْله لَا يَسْتَوِي إِلَى آخِره فَقَالُوا بلغنَا أَن عَليّ بن أبي طَالب ارتجز بِهِ فَلَا نَدْرِي أهوَ قَائِله أم غَيره وَإِنَّمَا قَالَ عَليّ ذَلِك مطايبة ومباسطة كَمَا هِيَ عَادَة الْجُمُعَة إِذا اجْتَمعُوا على عمل وَلَيْسَ ذَلِك طَعنا مِنْهُ على عُثْمَان بن مَظْعُون وَفِي الصَّحِيح كُنَّا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين فَقَالَ ﵊ وَيْح عمار تقلته الفئة الباغية يَدعُوهُم إِلَى الْجنَّة ويدعونه إِلَى النَّار فَيَقُول عمار أعوذ بِاللَّه من الْفِتَن فَقتل عمار فِي حَرْب مُعَاوِيَة بصفين تَحت راية عَليّ ﵁ وكرم الله وَجهه وَعَن أُسَامَة عَن أَبِيه قَالَ كَانَ الَّذِي أسسوا الْمَسْجِد جعلُوا طوله مائَة ذِرَاع وَالْعرض مثله أَو دونه كَمَا تقدم ذكر ذَلِك وروى رزين عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن

стр. 311

أَبِيه قَالَ بِنَاء مَسْجده ﵊ لبنة لبنة ثمَّ بالسعيدة لبنة وَنصف أُخْرَى ثمَّ كَثُرُوا فَقَالُوا يَا رَسُول الله لَو زيد فِيهِ فَفعل فَبنى بِالذكر وَالْأُنْثَى وهما لبنتان مُخْتَلِفَتَانِ وَقَالَ ارْفَعُوا أساسه قَرِيبا من ثَلَاثَة أَذْرع بِالْحِجَارَةِ وَلم يسطح فشكوا الْحر فَجعلُوا خشبه وسواريه جذوعاً وظللوه بِالْجَرِيدِ ثمَّ بالخصف فَلَمَّا وكف عَلَيْهِم الْمَطَر طينوا عَلَيْهِ بالطين وَكَانَ جِدَاره قل أَن يظلل قامة وشيئاً وَجعل وَسطه رحبة وَبنى بَيْتَيْنِ لزوجتيه عَائِشَة وَسَوْدَة على نعت بِنَاء الْمَسْجِد من لبن وجريد وَكَانَ بَاب عَائِشَة مواجه الشَّام وَكَانَ بمصراع وَاحِد من عرعر أَو سَاج وَلما تزوج ﵊ أَزوَاجه بنى لَهُنَّ حجرا وَهن تِسْعَة أَبْيَات قَالَ أهل السّير ضرب ﵊ بُيُوتهنَّ مَا بَين بَيت عَائِشَة وَبَين الْقبْلَة والشرق إِلَى الشَّام وَلم يضْربهَا فِي غربيه وَكَانَت خَارِجَة من الْمَسْجِد مديرة بِهِ إِلَّا من الغرب فَكَانَت أَبْوَابهَا شارعة فِي الْمَسْجِد وَعَن مُحَمَّد بن هِلَال أدْركْت بيُوت أَزوَاجه ﵊ من جريد مَسْتُور بمسوح الشّعْر مستطيرة إِلَى الْقبْلَة والشرق وَالشَّام لَيْسَ فِي غربي الْمَسْجِد مِنْهَا شَيْء وَفِي دَلَائِل النُّبُوَّة قَالَ مُحَمَّد بن عمر كَانَت لحارثة بن النُّعْمَان منَازِل قرب الْمَسْجِد وَحَوله فَلَمَّا أحدث ﵊ أَهلا تحول لَهُ حَارِثَة عَن منزله حَتَّى صَارَت كلهَا لرَسُول الله وَكَانَ فِي الْمَسْجِد مَوضِع مظلل تأوي إِلَيْهِ الْمَسَاكِين يُسمى الصّفة وَكَانَ ﵊ يَدعُوهُم بِاللَّيْلِ فيفرقهم على أَصْحَابه وتتعشى طَائِفَة مِنْهُم مَعَه ﵊ قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ إِن الْقبْلَة قبل أَن يحول اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس إِلَى الْكَعْبَة كَانَت فِي شمَالي الْمَسْجِد فَلَمَّا حولت الْقبْلَة إِلَى الْكَعْبَة بَقِي حَائِط الْمَسْجِد الأول مَكَان أهل الصّفة وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر الصّفة مَكَان مُؤخر الْمَسْجِد مظلل أعد لنزول الغرباء وَمن لَا مأوى لَهُ فَكَانُوا يكثرون فِيهِ تَارَة ويقلون أُخْرَى بِحَسب من يتَزَوَّج مِنْهُم أَو يَمُوت أَو يُسَافر وَقد سرد أَسْمَاءَهُم أَبُو نعيم فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالحلية فزادوا على الْمِائَة وَكَانَ الْمَسْجِد على هَذِه الْهَيْئَة فِي عهد رَسُول الله وَأبي بكر فَزَاد فِيهِ عمر بن

стр. 312

الْخطاب مِائَتي ذِرَاع من جِهَة الشَّام فَقَط سنة ١٧ فوسعه وَلم يُغير شَيْئا بل بناه على مَا بنى فِي عهد رَسُول الله بِاللَّبنِ والجريد ثمَّ وَسعه عُثْمَان ثمَّ وَسعه عمر ابْن عبد الْعَزِيز بِأَمْر الْوَلِيد سنة ٩٣ ثمَّ زَاد فِيهِ الْمهْدي مائَة ذِرَاع من جِهَة الشَّام فَقَط سنة ١٦١ ثمَّ جدده الْمَأْمُون وَزَاد فِيهِ وَذَلِكَ سنة ثمَّ الْملك الْأَشْرَف قايتباي عمَارَة لَا غير سنة ٨٨٨ وَإِلَى يَوْمنَا هَذَا بِنَاؤُه كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَيُقَال أَنه لم يقم فِي قبَاء إِلَّا أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وَقيل ثَمَانِيَة عشر ولحقه بهَا بعد ثَلَاث عَليّ بن أبي طَالب وَكَانَ قد تخلف عَنهُ بِمَكَّة لرد ودائع وأمانات كَانَت للنَّاس عِنْد رَسُول الله وَفَاطِمَة بنت أَسد والدته وَفَاطِمَة ابْنة عَمه حَمْزَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ

стр. 313

(الْبَاب الثَّالِث من الْمَقْصد الثَّانِي) (فِي ذكر أَعْمَامه ﵊ وَأَوْلَادهمْ وعماته وأولادهن) قَالَ الْعَلامَة ابْن الْجَوْزِيّ فِي التلقيح كَانَ ﵊ لَهُ اثْنَا عشر عَمَّا بَنو عبد الْمطلب أَبوهُ عبد الله ثَالِث عشرهم عبد الله أَبُو طَالب الزبير حَمْزَة حجل الْمُقَوّم الْعَوام ضرار الْعَبَّاس الْحَارِث قثم أَبُو لَهب مُصعب وَقيل نَوْفَل الملقب بالغيداق وَقَالَ الْعَلامَة شمس الدّين عبد الدَّائِم بن شرف الدّين مُوسَى الْعَسْقَلَانِي الْبرمَاوِيّ ﵀ اثْنَا عشر فعدهم الْحَارِث أول أَوْلَاد عبد الْمطلب وَبِه كَانَ يكنى فَيُقَال يَا أَبَا الْحَارِث وَأَبُو طَالب وَالزُّبَيْر وَعبد الْكَعْبَة والمقوم وحجل واسْمه الْمُغيرَة والغيداق وَقثم مَاتَ صَغِيرا وَضِرَار وَأَبُو لَهب واسْمه عبد الْعُزَّى وَحَمْزَة وَالْعَبَّاس وهما اللَّذَان أسلما من أَعْمَامه وَقَالَ الْعَلامَة الطَّبَرِيّ فِي كِتَابه ذخائر العقبى فِي مَنَاقِب ذَوي الْقُرْبَى أَوْلَاد عبد الْمطلب ثَلَاثَة عشر عبد الله وَالِد رَسُول الله والْحَارث وَأَبُو طَالب واسْمه عبد منَاف وَالزُّبَيْر وَحَمْزَة وَأَبُو لَهب واسْمه عبد الْعُزَّى والغيداق والمقوم وَضِرَار وَالْعَبَّاس وَقثم وَعبد الْكَعْبَة وجحل بِتَقْدِيم الْجِيم وَهُوَ السقاء الضخم وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ بِتَقْدِيم الْحَاء مَكْسُورَة قبل الْجِيم الساكنة وَهُوَ الْقَيْد والخلخال وَيُسمى الْمُغيرَة وَقيل كَانُوا اثنى عشر فأسقط الْمُقَوّم وَقيل هُوَ لقب عبد الْكَعْبَة وَقيل كَانُوا أحد عشر فأسقط الغيداق وحجل وَقيل عشرَة وَقيل تِسْعَة كلهم مَاتُوا قبل الْبعْثَة إِلَّا أَرْبَعَة أَبُو طَالب وَأَبُو لَهب والحمزة وَالْعَبَّاس أسلم الأخيران بِلَا خلاف وَاخْتلف فِي إِسْلَام أول الْأَوَّلين وست عمات الْبَيْضَاء بنت عبد الْمطلب تكنى بام الْحَكِيم ودرة وعاتكة وأروى وَأُميَّة وَصفِيَّة وَسَيَأْتِي ذكرهن وَذكر من لود بعد ذكر الذُّكُور من أبنائه وَأَبْنَائِهِمْ قَرِيبا

стр. 314

ولنذكر أَعْمَامه جَمِيعًا ونبدأ بِتَقْدِيم حَمْزَة وَالْعَبَّاس على غَيرهمَا وَإِن كَانَ أكبر كالحارث بن عبد الْمطلب فَإِنَّهُ كَمَا تقدم أكبر أَوْلَاد عبد الْمطلب لِأَن الْإِسْلَام قدمهما فَنَقُول أما حَمْزَة فأمه هَالة بنت وهب بن عبد منَاف بن زهرَة أسلم فِي السّنة الثَّانِيَة من الْبَعْث بعد دُخُوله ﵊ دَار الأرقم وَقبل إِسْلَام عمر ﵁ بِثَلَاثَة أَيَّام وَكَانَ أعز فَتى فِي قُرَيْش وأشده شكيمة فعز بِهِ رَسُول الله وكفت عَنهُ قُرَيْش قَلِيلا من أذاها فَقَالَ حِين أسلم هَذِه الأبيات // (من الوافر) // (حمد الله حِين هدى فُؤَادِي ... إِلَى الْإِسْلَام والدّين الحنيف) (لدينٍ جَاءَ من ربّ عزيزٍ ... خبيرٍ بالعباد بهم لطيف) (إِذا تليت رسائله علينا ... تحدّر دمع ذِي اللبّ الحصيف) (رسائل جَاءَ أَحْمد من هداها ... بآياتٍ مبيّنة الْحُرُوف) (وَأحمد مصطفىً فِينَا مطاعٌ ... فَلَا تغشوه بِالْقَلْبِ العنيف) (فَلَا وَالله نسلمه لقومٍ ... ولمّا نقض فيهم بالسّيوف) وَشهد بَدْرًا وَقتل بهَا شيبَة بن ربيعَة مبارزة وَأول راية عقدهَا النَّبِي كَانَت لِحَمْزَة فِي أول سَرِيَّة بعثها أرْسلهُ يعْتَرض عيرًا لقريش فِيهَا أَبُو جهل بن هِشَام فَلَمَّا تصافوا حجز بَينهم مجدي بن عَمْرو الْجُهَنِيّ كَمَا سَيَأْتِي ذكر ذَلِك فِي بَاب الْحَوَادِث من سنة هجرتنه إِلَى وَفَاته وَقَالَ ﵊ خير أعمامي حَمْزَة رَوَاهُ الْحَافِظ الدِّمَشْقِي وقصة سَبَب إِسْلَامه ذكرهَا صَاحب تَارِيخ الْخَمِيس وَغَيره وَهِي أَنه كَانَ جَالِسا عِنْد الصَّفَا فَمر بِهِ أَبُو جهل لَعنه الله فشتمه وآذاه وَقَالَ فِيهِ مَا يكره من

стр. 315

الْعَيْب لدينِهِ والتضعيف لأَمره فَلم يكلمهُ رَسُول الله ومولاة لعبد الله بن جدعَان الْقرشِي التَّيْمِيّ فِي مسكن لَهَا تسمع ذَلِك ثمَّ انْصَرف أَبُو جهل عَنهُ فَعمد إِلَى نَادِي قُرَيْش عِنْد الْكَعْبَة فَجَلَسَ مَعَهم فَلم يلبث حَمْزَة بن عبد الْمطلب أَن أقبل متوشحاً قوسه رَاجعا من قنصه وَكَانَ إِذا رَجَعَ من قنصه لم يصل إِلَى أَهله حَتَّى يطوف بِالْكَعْبَةِ وَكَانَ إِذا فعل ذَلِك لَا يمر على نَاد من أندية قُرَيْش إِلَّا وقف وَسلم فَلَمَّا مر بالمولاة وَقد رَجَعَ رَسُول الله إِلَى بَيته قَالَت لَهُ يَا أَبَا عمَارَة لَو رَأَيْت الْيَوْم مَا لَقِي ابْن أَخِيك من أبي الحكم بن هِشَام وجده فآذاه وسبه وَبلغ بِهِ مَا يكره ثمَّ انْصَرف عَنهُ وَلم يكلمهُ مُحَمَّد فَاحْتمل حَمْزَة الْغَضَب لما أَرَادَ الله تَعَالَى بِهِ من كرامته فَخرج يسْعَى لم يقف على أحد مغذاً لأبي جهل أَن يُوقع بِهِ فعلا فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد نظر إِلَيْهِ جَالِسا فِي الْقَوْم فَأقبل نَحوه حَتَّى إِذا قَامَ على رَأسه رفع الْقوس فَضَربهُ بهَا فَشَجَّهُ شجة عَظِيمَة فَقَالَ أتشتمه وَأَنا على دينه أَقُول مَا يَقُول فاردد عَليّ ذَلِك إِن اسْتَطَعْت فَقَامَتْ رجال من بني مَخْزُوم إِلَى حَمْزَة لينصروا أَبَا جهل فَقَالَ أَبُو جهل دعوا أَبَا عمَارَة فَإِنِّي وَالله سببت ابْن أَخِيه سباً قبيحاً وَتمّ حَمْزَة على اسلامه ومتابعة النَّبِي فَلَمَّا أسلم حَمْزَة عرفت قُرَيْش أَن رَسُول الله قد عز وَامْتنع وَأَن حَمْزَة سيمنعه فكفوا عَن بعض مَا كَانُوا ينالون مِنْهُ وَأنْشد حَمْزَة تِلْكَ الأبيات السَّابِقَة وَكَانَ إِسْلَام حَمْزَة يَوْم ضرب أَبُو بكر وَذَلِكَ أَن اصحاب رَسُول الله لما اجْتَمعُوا فِي دَار الأرقم وَكَانُوا تِسْعَة وَثَلَاثِينَ رجلا ألح أَبُو بكر على رَسُول الله فِي الظُّهُور فَقَالَ يَا أَبَا بكر إِنَّا قَلِيل فَلم يزل يلح عَلَيْهِ حَتَّى ظهر رَسُول الله فِي نواحي الْمَسْجِد وَقَامَ أَبُو بكر فِي النَّاس خَطِيبًا وَرَسُول الله جَالس وَكَانَ أول خطيب دَعَا إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى رَسُوله فثار الْمُشْركُونَ على أبي بكر وعَلى الْمُسلمين يضربونهم فِي نواحي الْمَسْجِد ضربا شَدِيدا ووطىء أَبُو بكر وَضرب ضربا شَدِيدا ودنا مِنْهُ عتبَة بن ربيعَة وَأدْخل إصبعه فِي عينه وَجعل يضْربهُ بنعلين مخصوفتين ويحرفهما بِوَجْهِهِ وَأثر ذَلِك على وَجه أبي بكر ﵁ حَتَّى صَار لَا يعرف

стр. 316

وَجَاءَت بَنو تيم تَتَعَادَى فأجلوا الْمُشْركين عَن أبي بكر وَحمل أَبُو بكر فِي ثوب حَتَّى أدخلوه بَيته وَلَا يَشكونَ فِي مَوته فَرَجَعت بَنو تيم فَدَخَلُوا الْمَسْجِد وَقَالُوا وَالله لَئِن قتل أَبُو بكر لَنَقْتُلَنَّ عتبَة بن ربيعَة وَرَجَعُوا إِلَى أبي بكر وَجعل أَبوهُ أَبُو قُحَافَة وَبَنُو تيم يكلمون أَبَا بكر حَتَّى أجابهم آخر النَّهَار فَقَالَ مَا فعل برَسُول الله فَقَالُوا لأم الْخَيْر انظري تطعمينه شَيْئا أَو تسقينه إِيَّاه فَلَمَّا خلت بِهِ وألحت عَلَيْهِ جعل يَقُول مَا فعل برَسُول الله قَالَت وَالله مَا لي علم بصاحبك قَالَ فاذهبي إِلَى أم جميل بنت الْخطاب فاسأليها عَنهُ فَخرجت حَتَّى جَاءَت إِلَى أم جميل فَقَالَت إِن أَبَا بكر يسْأَل عَن مُحَمَّد قَالَت مَا أعرف أَبَا بكر وَلَا مُحَمَّدًا وَإِن تحبى أَن أمضى مَعَك إِلَى ابْنك فَقَالَت نعم فمضت مَعهَا حَتَّى وجدت أَبَا بكر صَرِيعًا دنفاً فرنت أم جميل وأعلنت بالصياح وَقَالَت إِن قوما نالوا مِنْك هَذَا لأهل فسق وَإِنِّي لأرجو أَن ينقم الله لَك قَالَ مَا فعل رَسُول الله قَالَت هَذِه أمك تسمع قَالَت هُوَ صَالح سَالم قَالَ فَأنى هُوَ قَالَت فِي دَار الأرقم قَالَ فَإِن لله على أَلا أَذُوق طَعَاما وَلَا شرابًا أَو آتى رَسُول الله فأمهلنا حَتَّى هدأت الرجل وَسكن النَّاس خرجنَا بِهِ يتكيء حَتَّى ادخلناه على النَّبِي فأكب عَلَيْهِ فَقبله وأكب عَلَيْهِ الْمُسلمُونَ ورق رَسُول الله عَلَيْهِ رقة شَدِيدَة فَقَالَ أَبُو بكر ﵁ بِأبي أَنْت وَأمي لَيْسَ بِي إِلَّا مَا نَالَ الْفَاسِق من وَجْهي وَهَذِه امْرَأَة برة بِوَلَدِهَا وَأَنت مبارك فادعها إِلَى الله تَعَالَى وادع لَهَا عَسى أَن يستنقذها الله بك من النَّار فَدَعَا لَهَا رَسُول الله ودعاها إِلَى الله فَأسْلمت وَأَقَامُوا على رَسُول الله شهرا وهم تِسْعَة وَثَلَاثُونَ رجلا فَأسلم حَمْزَة ذَلِك الْيَوْم وَرجع وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد ذكران وَأُنْثَى عمَارَة وَبِه يكنى ويعلى وَكَانَ أَيْضا يكنى بِهِ قَلِيلا وَلم يعقبا وَالْأُنْثَى فَاطِمَة تزَوجهَا عَمْرو بن سَلمَة المَخْزُومِي ربيبه ﵊ ابْن أم سَلمَة زَوجته ﵊ وامها زَيْنَب بنت عُمَيْس وَاسْتشْهدَ حَمْزَة ﵁ فِي

стр. 317

وقْعَة أحد قَتله وَحشِي غُلَام لجبير بن مطعم بن عدي وعده الْعتْق على قَتله حَمْزَة عَم النَّبِي بِعَمِّهِ طعمة بن عدي فَقتله غيلَة لَا مبارزة وَعَن سعيد بن الْمسيب كَانَ يَقُول كنت أعجب لقَاتل حَمْزَة كَيفَ ينجو حَتَّى أَنه مَاتَ غريقا فِي الْخمر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ ابْن هِشَام بَلغنِي أَن وحشياً لم يزل يحد فِي الْخمر حَتَّى خلع من الدِّيوَان وَكَانَ عمر يَقُول لقد علمت أَن الله لم يكن ليَدع قَاتل حَمْزَة وَلما رأى حَمْزَة قَتِيلا بَكَى فَلَمَّا رأى مَا مثل بِهِ شهق وَذَلِكَ أَن هِنْد ابْنة عتبَة بن ربيعَة لما قتل أَبَاهَا وعمها وأخاها أَبُو عُبَيْدَة بن الْحَارِث وَحَمْزَة وَعلي مبارزة لم تزل هِيَ والنسوة اللَّاتِي كن مَعهَا يَوْم أحد يجدعن آناف الْقَتْلَى وآذانهم ونظمت من ذَلِك أساور ومخانق وخلاخل وأعطت أساورها ومخانقها وخلاخلها لوحشي ثمَّ عَمَدت إِلَى بطن حَمْزَة فشقتها وأخرجت كبده فلاكتها فَلم تستطع سيغها فلفظتها ثمَّ علت على صَخْرَة مشرفة ثمَّ أنشدت // (من الرجز) // (نَحن جزيناكم بِيَوْم بدر ... وَالْحَرب بعد الْحَرْب ذَات سعر) (مَا كَانَ عَن عتبَة لي من صَبر ... وَلَا أخي وعمّه وبكري) (شفيت نَفسِي وقضيت نذري ... شفيت وحشيّ غليل صَدْرِي) (فَشكر وحشيّ عليّ عمري ... حتّى ترمّ أعظمي فِي قَبْرِي) فأجابتها هِنْد بنت أَثَاثَة بن عباد بن الْمطلب فَقَالَت // (من الرجز) // (خزيت فِي بدرٍ وَبعد بدر ... يَا ابْنة وقّاعٍ عَظِيم الْكفْر) (صبّحك الله غَدَاة الْفجْر ... فِي الهاشمّيين الطّوال الغرّ) (بكلّ قطّاعٍ حسامٍ يفرى ... حَمْزَة ليثي وعليٌّ صقري) (إِذْ ارْمِ شيبٌ وَأَبُوك غدري ... فخضّبا مِنْهُ ضواحي النّحر) (ونذرك السوء فشر نذر ... )

стр. 318

وَقد ذكرهَا بذلك حِين أسلمت وبايعت يَوْم فتح مَكَّة فَقَالَ أَنْت هِنْد فَبَايَعته بيعَة النِّسَاء الْمشَار إِلَيْهَا فِي الْآيَة ﴿يَا أَيهَا النَّبِي إِذا جَاءَك الْمُؤْمِنَات يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَاّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً﴾ الممتحنة ١٢ إِلَى آخر الْآيَة كَمَا تقدم ذكر جَمِيع ذَلِك وَعَن أبي هُرَيْرَة وقف ﵊ على حَمْزَة وَقد قتل وَمثل بِهِ فَلم ينظر منْظرًا كَانَ أوجع لِقَلْبِهِ مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو عَمْرو وَصَاحب الصفوة وَعَن ابْن شَاذان من حَدِيث ابْن مَسْعُود مَا رَأينَا رَسُول الله باكياً قطّ أَشد من بكائه على عَمه حَمْزَة بن عبد الْمطلب وَضعه فِي الْقبْلَة ثمَّ وقف على جنَازَته وانتحب حَتَّى نشغ من الْبكاء يَقُول يَا حَمْزَة يَا عَم رَسُول الله واسد رَسُول الله يَا حمزى يَا فَاعل الْخيرَات يَا حَمْزَة يَا كاشف الكربات يَا ذاباً عَن وَجه رَسُول الله والنشغ الشهيق حَتَّى بلغ بِهِ الغشى ثمَّ قَالَ لَئِن امكنن الله تَعَالَى لَأُمَثِّلَن بسبعين من قُرَيْش فَأنْزل الله تَعَالَى عَلَيْهِ آخر سُورَة النَّحْل ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ النَّحْل ١٢٦ إِلَى آخر السُّورَة فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبِر وأحتسب عنْدك مصيبتي وَقَوله تَعَالَى فِي الْآيَة ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ النَّمْل ٧٠ قيل لَا تحزن على هَؤُلَاءِ الْقَتْلَى فَإِنَّهُم شُهَدَاء الدَّاريْنِ أَو لَا تحزن على عدم إِيمَان قُرَيْش فَيكون الضَّمِير لَهُم قيل وَهُوَ الأولى لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَا بعده وَهُوَ ﴿وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ النَّمْل ٧٠ لعدم تفرق الضميرين على الثَّانِي دون الأول قَالَه بعض محشي الْبَيْضَاوِيّ وَصلى عَلَيْهِ فَكبر سبعين تَكْبِيرَة رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه وَقد روى أنس بن مَالك أَن شُهَدَاء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم وَلم يصل عَلَيْهِم أخرجه

стр. 319

أَحْمد وَأَبُو دَاوُد فَيحمل أَمر حَمْزَة على التَّخْصِيص وَكَانَ سنّ حَمْزَة يَوْم قتل تسعا وَخمسين سنة وَدفن هُوَ وَابْن أُخْته عبد الله بن جحش فِي قبر وَاحِد فِي سفح أحد حَيْثُ الْوَقْعَة ﵁ وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد عمَارَة أمه خَوْلَة بنت قيس بن فهر النجاري ويعلى قَالَ مُصعب لم يعقب وَاحِد مِنْهُمَا وَلم يحفظ عَن أحد مِنْهُم رِوَايَة وَولد ليعلى خَمْسَة رجال وماتوا عَن غير عقب وَابْنَة اسْمهَا فَاطِمَة وَقيل اسْمهَا أُمَامَة من زَيْنَب بنت عُمَيْس الخثعمية تزَوجهَا عمر بن أبي سَلمَة عبد الله بن عبد الْأسد المَخْزُومِي ربيب رَسُول الله ابْن زَوجته أم سَلمَة وَهِي الَّتِي اخْتصم فِي حضانتها على جَعْفَر وَزيد فَقَالَ عَليّ ابْنة عمي وَقَالَ جَعْفَر ابْنة عمي كَذَلِك وَقَالَ زيد ابْنة أخي فَقضى بهَا رَسُول الله لخالتها وَقَالَ الْخَالَة بمنزل الْأُم وَفِيه دلَالَة على أَن من نكحت

стр. 320

لَا يسْقط حَقّهَا من الْحَضَانَة وَعَن عَليّ قلت لرَسُول الله أَلا تتَزَوَّج ابْنة حَمْزَة فَإِنَّهَا أحسن فتاة فِي قُرَيْش فَقَالَ أَلَيْسَ قد علمت أَنَّهَا ابْنة أخي من الرضَاعَة وَأَن الله قد حرم بالرضاعة مَا حرم من النّسَب أخرجه الْبَغَوِيّ مُعْجَمه انْتهى وَأما الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وكنيته أَبُو الْفضل فأمه نثلة وَيُقَال نثيلة بنت جناب ابْن كلب فتح الْجِيم وَتَشْديد النُّون بن النمر بن قاسط وَيُقَال إِنَّهَا أول عَرَبِيَّة كست الْبَيْت بالديباج وَسبب الْكسْوَة أَن الْعَبَّاس ضل وَهُوَ صبي فنذرت إِن وجدته لتكسون الْبَيْت وَكَانَ الْعَبَّاس جميلاً وسيماً أَبيض لَهُ ضفيرتان معتدلاً وَقيل كَانَ طوَالًا ولد قبل الْفِيل بِثَلَاث سِنِين وَكَانَ اسن من النَّبِي بِسنتَيْنِ أَو ثَلَاث وَكَانَ رَئِيسا فِي قومه وَإِلَيْهِ عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام وَكَانَ مَعَ النَّبِي يَوْم الْعقبَة يقْعد لَهُ الْبيعَة على الْأَنْصَار وَكَانَ ﵊ يَثِق بِهِ فِي أمره كُله وَلما شدوا وثَاقه فِي اسرى بدر سهر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَقيل مَا يسهرك يَا رَسُول الله قَالَ أَنِين الْعَبَّاس فَقَامَ رجل فَأرْخى من وثَاقه وَفعل ذَلِك بالأسارى كلهم ذكره أَبُو عمر وَصَاحب الصفوة وَقيل كَانَ يكتم إِسْلَامه وَخرج مَعَ الْمُشْركين يَوْم بدر فَقَالَ ﵊ من لقى مِنْكُم الْعَبَّاس فَلَا يقْتله فَإِنَّهُ خرج مستكرهاً فَأسرهُ كَعْب بن
следующие страницы →