← История

История · id 6617

سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي

العصامي

Полный текст (2 217 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه نستعين رب يسر يَا كريم) أَحْمد الْملك وَأَنا عَبده حمد الْمَمْلُوك للْمَالِك واشكره فقد وعد زيد فَضله محسن الشُّكْر من جوده المتدارك المتدالك الَّذِي أنشأ أَبَانَا آدم بشرا من أَدِيم الأَرْض واستعمرنا أجيالا وأمما فِيهَا بالطول وَالْعرض فملئت منا المسالك فسبحانه من إِلَه دَائِم الْبَقَاء والثبوت ومجدد الْأَعْمَار بآجالها الَّتِي خطّ علينا كتابها الموقوت فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ المستمد مِنْهُ صحف الملائك مفنى الأول ومبيد الدول ومفيد الممالك وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ فِي ملكه وَلَا مشايح لَهُ فِي ملاك ملكه وَلَا ممانع وَلَا معالك شَهَادَة أعدهَا أَنْفَع الْوَسَائِل وأمتع الْأَسْبَاب والوصائل وَأَرْجُو بهَا إضاءة رمسى تَحت طَبَقَات الدكادك وَأشْهد أَن سيدنَا ومولانا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي تشرفت بسيرته بطُون المهارق وتشنفت المسامع بعذارى شمائله فأخجلن مشنفات بَنَات طَارق وتعطرت بأريج ثنائه رُءُوس المنابر وبطون الدفاتر وصدور الْمَالِك صلى الله وَسلم عَلَيْهِ وعَلى إِلَه خيرة العوالم وَهُدَاة الْخَلَائق إِذا الضلال نشرت مِنْهُ الخوافي والقوادم فَذَلِك مِمَّا خصهم الله بِهِ وَكَأَنَّهُم للنوع الإنساني فذالك وعَلى أَصْحَابه ربأة الثأى وَصدقَة الوأى ومقتحمي غمار مفرق معرك الْمَوْت فِي

стр. 2

رِضَاهُ والمهالك وعَلى التَّابِعين وتابعهم بِإِحْسَان الناهجي مشرع وردهم الهني غير آسن وَلَا آن نهج رواد الملاط لَا رازح متساوك مَا اخضر نجم الغبراء فَعَاشَ مِنْهُ البهيم واغبر نجم الخضراء إِذْ غاس عَلَيْهِ الغيهب البهيم ودارت على الأفلاك بدورها الفوالك أما بعد فَلَا ريب إِن فن السّير والتواريخ وَالْأَخْبَار وغرائب الْقَصَص والوقائع والْآثَار من الْفُنُون الَّتِي تداولها الأجيال والأمم وتعنو إِلَيْهَا نفوس ذَوي الهمم وتتنافس فِيهِ الْمُلُوك والعظماء ويتساوى فِي فهمه الْجُهَّال وَالْعُلَمَاء إِذْ هُوَ فِي ظَاهره لَا يزِيد على أَخْبَار عَن الْأَيَّام والدول والسوابق من الْقُرُون الأول تنمو فِيهَا الْأَقْوَال وتضرب مِنْهَا الْأَمْثَال وتسوع بهَا الأندية إِذا غصها الاحتفال وتؤدى إِلَيْنَا شَأْن الخليقة كَيفَ تقلبت بهَا الْأَحْوَال وَمَا عانته الدول عِنْد ضيق النطاق بهَا تَارَة واتساع المجال وَفِي بَاطِنه نظر وَتَحْقِيق وَاعْتِبَار وتأس بِمَا طحنته رهى الدَّهْر كل مِنْهُمَا دَقِيق وَعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فَهُوَ لذَلِك لَهُ اصل فِي الْحِكْمَة عريق وجدير بِأَن يعد فِي علومها وخليق خُصُوصا مَا صدرت بِهِ من سيرة سيد الْأَنَام وتعداد آبَائِهِ الْكِرَام وَجَمِيع غَزَوَاته وبعوثه وسراياه ومعجزاته وَمَا خص بِهِ من حميد مزاياه وَسَائِر حالاته وتقلباته من حِين الْولادَة إِلَى حِين وَفَاته كَمَا سأبينه فِي الفهرسة بِمَا هُوَ كَاف فِي الْمقَام واف بالمرام طَاف للأوام وَأَن فحول المؤرخين فِي الْإِسْلَام قد استوفوا أَخْبَار الْأُمَم سطروها وبينوها فِي صفحات الدفاتر وقدورها ترويحا للنفوس وتفريحا للخاطر الملبوس وتنبيها على كَمَال قدرَة القاهر وإيقاظا وتبصرة للعاقل إِذا تأملها اينع غرسها فِيهِ تَسْلِيمًا واتعاظا مصداق قَول الإِمَام مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَهُوَ الثبت الْعدْل علم التَّارِيخ يزِيد الْعقل مَعَ مَا فِيهِ من ضبط الْأَوْقَات وَالْأَحْوَال عَمَّا يحصل بِسَبَب الْكَذِب فِيهِ من الاختلال

стр. 3

قَالَ الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن الديبع فِي كِتَابه بغية المستفيد فِي أَخْبَار زبيد لَوْلَا التَّارِيخ لقَالَ من شَاءَ مَا شَاءَ وَقَالَ حسان بن زيد لم يستعن على الْكَذَّابين بِمثل التَّارِيخ فقد نقل إِن بعض الْيَهُود من أهل خَيْبَر اظهر كتابا وَادّعى فِيهِ أَنه كتاب رَسُول الله كتبه لَهُم بِإِسْقَاط الْجِزْيَة عَنْهُم حِين فتحهَا ﵊ وَفِي ذَلِك الْكتاب شَهَادَة جمع من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ مِنْهُم أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب وَسعد بن معَاذ وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فَعرض الْكتاب على الْحَافِظ الْعَلامَة أبي بكر أَحْمد بن ثَابت الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فَتَأَمّله وَقَالَ هَذَا مزور على رسو الله وَأَصْحَابه فَقيل لَهُ من أَيْن لَك هَذَا قَالَ لِأَن فِيهِ شَهَادَة مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَهُوَ إِنَّمَا أسلم يَوْم فتح مَكَّة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة وَفتح خَيْبَر إِنَّمَا كَانَ سنة سبع من الْهِجْرَة وَفِيه شَهَادَة سعد بن معَاذ وَكَانَ سعد قد مَاتَ يَوْم بني قُرَيْظَة من سهم أَصَابَهُ يَوْم الخَنْدَق وَذَلِكَ سنة خمس من الْهِجْرَة فَيكون مَوته قبل فتح خَيْبَر بِسنتَيْنِ فَظهر تزوير هَذَا الْكتاب انْتهى فيالها منقبة عَظِيمَة تتوق إِلَيْهَا الْأَنْفس الْكَرِيمَة وَقد قَالَ الْقَائِل // (من الطَّوِيل) // (إِذا عرف الإنسانُ أخبارَ مَنْ مضَى ... توهَّمتُهُ قد عاشَ من أوّل الدهرِ)

стр. 4

(وأَحسَبُهُ قد عاشَ آخرَ عُمرهِ ... مدى الدَّهْر إِن أَبقى الجَميلَ من الذِّكر) (فكُن عَارِفًا أَخْبَار من مَاتَ وانقضى ... وكُنْ ذَا نوَالٍ تغتنم أطولَ العُمرِ) فَهُوَ فن غزير عَزِيز الْمَذْهَب جم الْفَائِدَة شرِيف العائدة إِذْ هُوَ يوقفنا على أَخْلَاق الْأَنْبِيَاء فِي هدى رسالتهم وأحوال الْخُلَفَاء والملوك فِي دولهم وسياستهم حَتَّى تتمّ فَائِدَة الِاقْتِدَاء بهم فِي ذَلِك لمن يرومها فِي أَحْوَال الدّين وَالدُّنْيَا ويطلع طلع حقائق الْأُمُور غنية بالتصريح عَن الرموز والكنيا وفن التَّارِيخ مَا برح بِهَذِهِ الْفَوَائِد كَفِيلا وَمَا فتئ يَأْتِي بالأخبار على وَجههَا جملَة وتفصيلا فَهُوَ كالمرآة الصقيلة من نظر فِيهَا كشفت لَهُ عَمَّا لَا يحسن عِنْده أَو يَقُول باستحسانه وَيصير بِمَعْرِِفَة من تقدم بِمَنْزِلَة من شَاهد المغيبات بعيانه ولولاه لأصبحت المآثر وَهن الدَّوَائِر ورسوم المكارم لَيْسَ لَهَا معالم ومناهل المحاسن ذَات مَاء آسن فَلم يزل الْخلف متطلعين لأخبار من سلف ومتتبعين لزهرات محاسنهم الَّتِي تقتطف لتقتفي آثَارهم فِيمَا كَانَ لَهُم من الْأَفْعَال الحميدة وينشر مَا طواه الدَّهْر من مآثر فضائلهم العديدة وَكنت عِنْد مطالعتي كتب السّير والتواريخ واستجلائي ثَمَرهَا من يَانِع الشماريخ أحاول جمع كتاب من مجموعها مَجْمُوع حاو طرف أَخْبَار تحسد الْعين أذنها أَنَّهَا من مقولة المسموع فَلم يزل الدَّهْر مَانِعا من صرف الهمة إِلَى نحوهذا المبتدا وَكلما نصبت نول حياكته صير ذَلِك السدى سدى إِلَى إِن جَاوَرت سنة أَربع وَتِسْعين والف بمدنية الرَّسُول فتوجهت إِلَى الله فِي تَبْلِيغ المأمول واستخرت الله تَعَالَى عِنْد ذَلِك وَسَأَلت من كرمه الْإِعَانَة على مَا هُنَالك وفوقت السهْم إِلَى مَا أردْت فَأصَاب بِحَمْد الله شاكلة الصَّوَاب واطلع الله الْفِكر على مَا اشْتهيت وهيأ لي الْأَسْبَاب وَلَا شكّ إِن لشمس النجع مِيقَات ولقضاء الْحَوَائِج أَوْقَات فشرعت فِيهَا زمَان فت فِي الْأَعْضَاء وابطل جَانب الثِّقَة والاعتضاد إِن توسل فِيهِ اللبيب ببلاغة الصادين لم يرو غلَّة صَاد وَلم ير إِلَّا خديعة من مداهن أَو مضاد وَلَو دوخ مَا وَرَاء قَاف لم يحظ بكاف مَا دهاه وَلَا لحظته بِنَظَر الْعَطف عين رَاء كَمَا اشتهاه أَو نثر مَا يضاهي حلق الدروع تأسيا لَام إِذا لَهُ مسبحا ذيل ملام لكنني استدمت عَلَيْهِ بجوار رَسُول الله والقرابة واستمددت من نواله العذب الجم طَاقَة

стр. 5

خير أغلقت بِفَتْحِهَا من الشَّرّ بَابه فغربلت من بطُون السّير والمصنفات مَعْنَاهُ الدَّقِيق وغصت من لج التواريخ على دره النسيق تصان عَن الْخَيط أوراق عَلَيْهِ اشْتَمَلت ويترفع عَن السُّقُوط نضيج أثمار أشجاره احتملت فقد تجلى فِي عُيُون الإفادات أشكالا وصنوفا وتحلى من فنون الإجادات أساور وشنوفا وحوت أغصانه الْمَائِدَة كل خير طيب الجنى فَكَأَنَّهَا مائدة وَقيد من الْفَوَائِد كل شاردة فَهِيَ فِي الْحَقِيقَة للألباب صائدة خزانَة كتب جمعت فِي كتاب ومدينة علم مِنْهَا إِلَى كل فن بَاب وَهَذِه عدَّة الْكتب الَّتِي كَانَ مِنْهَا استمدادي فَقَوِيت بهَا يَدي على حمل آدى سيرة الشَّامي الشَّيْخ مُحَمَّد بن يُوسُف سيرة شمس الدّين الْبرمَاوِيّ سيرة ابْن سيد النَّاس الْمَوَاهِب اللدنية سيرة مغلطاي سيرة الشَّيْخ مُحَمَّد الصَّالِحِي الْمُسَمَّاة زَاد الْمعَاد الاكتفا لأبي بكر الكلَاعِي الشفا للْقَاضِي عِيَاض شرح سيرة ابْن هِشَام الْمُسَمّى بالروض الْأنف لأبي قَاسم السُّهيْلي ذخائر العقي فِي مَنَاقِب ذَوي الْقُرْبَى للمحب الطيري العقد الثمين فِي مَنَاقِب أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ لَهُ أَيْضا تَارِيخ المَسْعُودِيّ الْمُسَمّى مروج الذَّهَب وَمَعَان الْجَوْهَر تَارِيخ الْعَلامَة مُحَمَّد بن عُثْمَان الذَّهَبِيّ الْمُسَمّى دوَل الْإِسْلَام تَارِيخ القَاضِي شمس الدّين أَحْمد بن خلكان تَارِيخ الْخَمِيس للعلامة مُحَمَّد بن حُسَيْن الديار بكري تَارِيخ الْعَلامَة عبد الْوَهَّاب بن السُّبْكِيّ

стр. 6

تَارِيخ ابْن الْجَوْزِيّ الْمُسَمّى ب المنتظم فِي أَخْبَار الْأُمَم الْعَرَب والعجم تَارِيخ الْقُدس والخليل الْمُسَمّى بالأنس الْجَلِيل تَارِيخ الْعُتْبِي الْمُسَمّى باليميني جعله ليمين الدولة مَحْمُود بن سبكتكين فِي غَزَوَاته وفتوحاته ومناقبه تَارِيخ الصَّفَدِي تَارِيخ الجزيري تَارِيخ البهوتي تَارِيخ القطبي تَارِيخ رضوَان أَفَنْدِي الْمُسَمّى بِالْجمعِ الْغَرِيب فِيمَا يسر الكئيب تَارِيخ مُحَمَّد بن جَار الله الْمُسَمّى بالجامع اللَّطِيف تَارِيخ اليافعي تَارِيخ أَحْمد بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن زنبل تَارِيخ الْعَلامَة التقي الفاسي الْمُسَمّى شِفَاء الغرام تَارِيخ الْخُلَفَاء للسيوطي تَارِيخ الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن خلدون الخضرمي تَارِيخ الفاكهي تَارِيخ ابْن فَهد الْمُسَمّى إتحاف الورى تَارِيخ الخزرجي تَارِيخ خلفاء الزَّمن للسمرقندي تَارِيخ الْأَزْرَقِيّ تَارِيخ ابْن ظهيرة الْمُسَمّى بالأخبار المستفادة فِيمَن ولي مَكَّة من آل قَتَادَة تَارِيخ يُوسُف بن تغري بردي الْمُسَمّى مورد اللطافة فِيمَن ولي السلطنة والخلافة تَارِيخ الديبع الْمُسَمّى بغية المستفيد تَارِيخ عَليّ بن عبد الْقَادِر الطَّبَرِيّ الْمُسَمّى بالأرج المسكي بالتاريخ الْمَكِّيّ تَارِيخ الكامي مُحَمَّد بن مصطفى

стр. 7

تَارِيخ الْمَدِينَة الْمُسَمّى بخلاصة الوفا للسَّيِّد السمهودي تَارِيخ ابْن عربشاه الْمُسَمّى عجائب الْمَقْدُور فِي أَخْبَار ابْن تيمور تَارِيخ الحائني الْمُسَمّى حقيبة الْأَسْرَار وجهينة الْأَخْبَار تَارِيخ السُّيُوطِيّ الْمُسَمّى نظم العقيان فِي أَعْيَان الْأَعْيَان تَارِيخ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي الْمُسَمّى بالدرر الكامنة فِي أَخْبَار أهل الْمِائَة الثَّامِنَة ذيل الضَّوْء اللامع فِي أهل الْقرن التَّاسِع مَعًا للعلامة السخاوي فتح الْبَارِي شرح البُخَارِيّ للعلامة ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي التلقيح لِابْنِ الْجَوْزِيّ الفتوحات المكية للشَّيْخ الْأَكْبَر سَيِّدي مُحي الدّين بن عَرَبِيّ العواصم من القواصم لَهُ جَوَاهِر الْعقْدَيْنِ فِي فضل الشريفين للسَّيِّد السمهودي الوشاح لِابْنِ دُرَيْد الخطط للمقريزي كتاب الروضتين لأبي شهامة تذكرة ابْن حمدون تذكرة ابْن فَهد طَبَقَات ابْن سعد تذكرة الصَّفَدِي العرائس لِلثَّعْلَبِي علل الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام للمسعودي المسامرة لِابْنِ عَرَبِيّ

стр. 8

الْكَشَّاف للزمخشري ربيع الْأَبْرَار لَهُ روض الْأَخْبَار كتاب الأذكياء لِابْنِ الْجَوْزِيّ مرْآة الزَّمَان لسبطه الْكَامِل لأبي الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد عرف بالمبرد الْكَامِل لِابْنِ الْأَثِير كتاب الْمُبْتَدَأ للحجري كتاب الْوَصِيَّة قلادة النَّحْر لأبي مخرمَة كتاب ألف با للبلوي سراج الْمُلُوك خريدة الْعَجَائِب الرياض النضرة للمحب الطيري المدارك للنسفي الْمدْخل لِابْنِ الْحَاج الْمَالِكِي العقد لِابْنِ عبد ربه رحْلَة ابْن جُبَير شوق الْعَرُوس وانس النُّفُوس للحسين بن مُحَمَّد الدَّامغَانِي شرح المقامات للمطرزي حَيَاة الْحَيَوَان الْكُبْرَى للدميري ري العاطش وانس الواحش لمُحَمد بن عمار درة الغواص للحريري الْبَحْر العميق لِابْنِ الضياء الْقَامُوس للمجد الفيروزابادي بَحر الْأَنْسَاب

стр. 9

عُمْدَة الطَّالِب تحفة الطَّالِب للسمرقندي انساب قُرَيْش للزبير بن بكار الصَّوَاعِق لِابْنِ حجر الهيثمي قَوَاعِد العقائد للغزالي الْمَقَاصِد للسعد التَّفْتَازَانِيّ مِصْبَاح الظلام فِي المستغيثين بِسَيِّد الْأَنَام الإشاعة لأشراط السَّاعَة للسَّيِّد مُحَمَّد البرزنجي الْمنَار المنيف فِي الصَّحِيح من الضَّعِيف للعلامة شمس الدّين بن الْقيم الرَّوْضَة الأنيقة للسَّيِّد السَّمرقَنْدِي وَسِيلَة الْمَآل نشأة السلافة سلافة الْعَصْر من محَاسِن أهل الْعَصْر حَسَنَة الزَّمَان لحسين بن نَاصِر المهلا الْإِرْشَاد لإِمَام الْحَرَمَيْنِ عبد الْملك بن أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ نظم الْجَوَاهِر والدرر فِي أهل الْقرن الْحَادِي عشر للسَّيِّد مُحَمَّد الشلي كمامة الزهر فِي وقائع الدَّهْر المحاسن للبيهقي الريحانة لِلشِّهَابِ الخفاجي كَانَ ابْتِدَاء جمعه وتأليفه وتصريف الْقَلَم فِي إبداع ترصيفه يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر ربيع الآخر من السّنة الْمَذْكُورَة أَعنِي سنة أَربع وَتِسْعين والف من هِجْرَة من لَهُ الْفَخر والشرف إِلَى إِن انْتهى تبييضه أَوَاخِر شهر صفر الْخَيْر من سنة ثَمَان وَتِسْعين فَكَانَت مُدَّة عنائي بِهِ ونظم منثوره من الْكتب الْمَذْكُورَة أَرْبعا من السنين محبورة فَعندهَا وقف الْقَلَم قهرا وَأَن كَانَت الْوُجُود مستمرة وسألحق بِهِ مَا يَتَجَدَّد مِنْهَا قيد حَياتِي طرة اثر طرة ورتبته فِي أَرْبَعَة مَقَاصِد ذَوَات أَبْوَاب وخاتمة نسْأَل الله حسنها آخر الْكتاب

стр. 10

(الْمَقْصد الأول) (فِي ذكر نسبه ﵊ وتعدد آبَائِهِ الْكِرَام) من لدن نَبِي الله آدم أبي الْبشر صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى سَائِر النَّبِيين وَسلم إِلَى أَبِيه سيدنَا عبد الله بن عبد الْمطلب ولمع من أخبارهم ونوادر آثَارهم ومقادير أعمارهم وَفِيه ذكر كيفيه التناسل وَذكر قابيل وهابيل وقتال أَبنَاء قابيل وَذكر نوح والطوفان والسفينة وَذكر عوج بن عنق وإلهام الله الْعَرَبيَّة عدَّة قبائل من أَوْلَاد عَابِر وَهُوَ النَّبِي هود عَلَيْهِ وعَلى نَبينَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ثمَّ افْتِرَاق الْعَرَب إِلَى العدنانية والقحطانية وَذكر طسم وجديس وَتبع وَذكر العمالقة وقطورا والسميدع وجرهم وَبني إِسْمَاعِيل وَخُرُوج عَمْرو بن عَامر مزيقيا وتفرق قومه إِلَى مَكَّة وهم خُزَاعَة والى المدنية وهم الْأَوْس والخزرج وَإِلَى الشَّام وهم مُلُوك غَسَّان وَإِلَى الْعرَاق وهم مُلُوك الْحيرَة النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَقَومه وَإِلَى غير هَؤُلَاءِ وَذكر وُلَاة مَكَّة فِي الْجَاهِلِيَّة وَقبلهَا من زمن الْخَلِيل ﵊ وَذكر بناة الْكَعْبَة قصي ثمَّ قُرَيْش ثمَّ ابْن الزبير ثمَّ الْحجَّاج بعد ذكر من قبلهم وَذكر قُرَيْش الأباطح وقريش الظَّوَاهِر وقريش العازبة وقريش العائدة ولعقة الدَّم وَذكر حلف المصيبين وَحلف الفضول وَحلف الْأَحَابِيش وَذكر حَرْب الْفجار الأول وَحرب الْفجار الثَّانِي وَذكر الحمس والحلة والطلس من قُرَيْش وَغَيرهم وَذكر النسيء وَكَيْفِيَّة الإنساء وَذكر الْإِجَازَة من عَرَفَة إِلَى منى وَمِنْهَا إِلَى مَكَّة ومتولى ذَلِك وَذكر الْحُكَّام من قُرَيْش وَذكر طمع عُثْمَان بن الْحُوَيْرِث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي إِن يملك قُريْشًا ويمتلك عَلَيْهِم من جَانب قَيْصر وَذكر بني عبد منَاف والحجابة والسقاية والرفادة والقيادة وَذكر وفادة عبد الْمطلب فِي وُجُوه قومه إِلَى سيف بن ذِي يزن مهنئين لَهُ بِالْملكِ وَذكر زَمْزَم وَغَيرهَا مِمَّا حفرته قُرَيْش بِمَكَّة من الْآثَار وَذكر الْفِيل وَأَصْحَابه وَغير ذَلِك

стр. 11

(الْمَقْصد الثَّانِي) (فِي أَحْوَاله ﵊ وَفِيه سَبْعَة أَبْوَاب) الْبَاب الأول فِي الْحمل بِهِ وولادته ورضاعه وَمَوْت عَمه أبي طَالب وَزَوجته السيدة خَدِيجَة وَخُرُوجه إِلَى الطَّائِف الْبَاب الثَّانِي فِي ذكر هجرته إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة والغار وَمَا حوى ولحاق سراقَة بن مَالك وَشعر أبي جهل وخيمتي أم معبد وَذكر أم عفى ولقى عبد الله بن مَسْعُود وَكَيْفِيَّة دُخُول الْمَدِينَة ومواجهة الْأَنْصَار ونزوله بقباء وَبِنَاء مَسْجِدهَا وَغير ذَلِك الْبَاب الثَّالِث فِي ذكر أَعْمَامه وعماته وَأَبْنَاء أَعْمَامه وَأَبْنَائِهِمْ وَأَبْنَاء عمته وأبنائهن الْبَاب الرّبع فِي ذكر زَوْجَاته الْمَدْخُول بِهن وأخبارهن ومناقبهن ووفاتهن وَمن مَاتَ فِي حَيَاته مِنْهُنَّ وَمن توفى عَنْهُن وَمن عقد بِهن وَلم يدْخل وَمن خطبهن وَلم يعْقد وسراريه الْبَاب الْخَامِس فِي أَوْلَاده ﵊ وَأَوْلَادهمْ وتراجم كل وَاحِد مِنْهُم الْبَاب السَّادِس فِي ذكر موَالِيه وخدامه وإمائه وَكتابه وأمرائه ومؤذنيه وخطبائه وحداته وشعرائه وخيله وسلاحه وغنمه ولقاحه وثيابه وأثاثه وَمَا يتبع ذَلِك الْبَاب السَّابِع فِي الْحَوَادِث من أولي سني الْهِجْرَة الْمُشْتَمل على غَزَوَاته وبعوثه وسراياه ومعجزاته وَمَا خص بِهِ من حميد مزاياه وَسَائِر حالاته وتقلباته إِلَى حِين وَفَاته (الْمَقْصد الثَّالِث) (فِي ذكر الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَذكر خلَافَة الْحسن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ) وَفِيه ذكر مَا وَقع فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة وتخلف عَليّ وَبني هَاشم وَبَعض الصَّحَابَة عَن الْمُبَايعَة ومحاجة فَاطِمَة أَبَا بكر فِي فدك والعوالي ووفاة سعد بن عبَادَة سيد الْخَزْرَج وإرسال أبي بكر الصّديق أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح إِلَى عَليّ برسالة

стр. 12

وَجَوَاب عَليّ عَنْهَا وَتَفْسِير غريبهما وَذكر الْأَحَادِيث الدَّالَّة على خلَافَة الصّديق وَاخْتِلَاف النَّاس فِي تأويلاتها وَذكر الاعتراضات عَلَيْهَا وأجوبتها وَذكر أقاويل أكَابِر أهل الْبَيْت فِي الثَّنَاء على الشَّيْخَيْنِ والترحم عَلَيْهِمَا وَذكر إبِْطَال مَا ينْسبهُ أهل الْأَهْوَاء إِلَيْهِمَا وَذكر نسب الصّديق وإسلامه وَصفته وقتاله أهل الرِّدَّة وَقتل خَالِد بن الْوَلِيد مَالك بن نُوَيْرَة واستعداء أَخِيه متمم بن نُوَيْرَة على خَالِد عِنْد الصّديق وقصة الصّديق مَعَ دَغْفَل النسابة وَمَا ورد من الْآيَات وَالْأَحَادِيث فِي شَأْنه خَاصَّة وَذكر أَوْلَاده ووفاته وَمثل ذَلِك لكل من الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة بعده وقصة عمر بن الْخطاب ﵁ مَعَ عَمْرو بن معدي كرب وَذكر الشورى وَمَا آل إِلَيْهِ أمرهَا ووقعة الْقَادِسِيَّة وَذكر الْأُمُور المنقومة على عُثْمَان وَجَوَابه عَنْهَا وَذكر وقْعَة الْجمل ووقعة صفّين وَذكر التقاء الْحكمَيْنِ بدومة الجندل وَذكر مكر مُعَاوِيَة لعَمْرو بن الْعَاصِ ومناظرة ابْن عَبَّاس للخوارج حِين أرْسلهُ عَليّ إِلَيْهِم ووقعة النهروان وَقتل ذِي الثدية الْمخْرج ومراسلات مُعَاوِيَة ﵁ إِلَى عَليّ كرم الله وَجهه وَجَوَاب عَليّ عَنْهَا ومراسلات مُعَاوِيَة إِلَى قيس بن سعد بن عبَادَة وَإِلَى مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وجوابهما إِلَيْهِ وَذكر بعض أقضية عَليّ كرم الله وَجهه وشعره ومراث قيلت فِيهِ (الْمَقْصد الرَّابِع) (وَفِيه سَبْعَة أَبْوَاب) الْبَاب الأول فِي ذكر الدولة الأموية وَفِيه ذكر قصَّة هِنْد بنت عتبَة بن ربيعَة وَالِدَة مُعَاوِيَة ﵁ وَصلح الْحسن بن عَليّ مَعَ مُعَاوِيَة ونزوله عَن الْخلَافَة لَهُ بِشُرُوط اشترطها الْحسن وفى لَهُ مُعَاوِيَة بكلها أَو جلها واستلحاق مُعَاوِيَة زِيَاد بن سميَّة إِلَى نسب أبي سُفْيَان وَمَا قيل فِي ذَلِك وَقتل زِيَاد حجر بن عدي وَأَصْحَابه من شيعَة عَليّ كرم الله وَجهه وَمَوْت زِيَاد بن أَبِيه وَذكر سياسات مُعَاوِيَة الَّتِي ملك بهَا الْجنُود وأحكمت لَهُ بهَا الْعُقُود وَذكر عهد مُعَاوِيَة لِابْنِهِ يزِيد بالخلافة وَذكر توجه الْحُسَيْن إِلَى الْكُوفَة واستشهاده بكربلاء على التَّفْصِيل وَذكر مَنَاقِب الْحُسَيْن بن عَليّ ﵄ وَذكر ولَايَة الْوَلِيد بن

стр. 13

عتبَة على الْحجاز وعزل عَمْرو بن سعد الْأَشْدَق وَذكر خلع أهل الْمَدِينَة يزِيد ووقعة الْحرَّة وحصار مَكَّة وَذكر بيعَة عبد الله بن الزبير وَذكر انْتِقَاض أَمر عبيد الله بن زِيَاد ورجوعه إِلَى الشَّام وَذكر مسير الْخَوَارِج إِلَى ابْن الزبير ثمَّ مفارقتهم إِيَّاه وَذكر خُرُوج سُلَيْمَان بن صرد الْخُزَاعِيّ فِي التوابين من الشِّيعَة للأخذ بثأر الْحُسَيْن بن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَذكر الْمُخْتَار بِالْكُوفَةِ وأخباره وَذكر مسير ابْن زِيَاد إِلَى الْمُخْتَار وَخلاف أهل الْكُوفَة عَلَيْهِ وغلبه إيَّاهُم وَذكر شَأْن الْمُخْتَار مَعَ ابْن الزبير وَذكر مقتل ابْن زِيَاد وَذكر مسير مُصعب بن الزبير وَقَتله إِيَّاه وَذكر مسير عبد الْملك بن مَرْوَان إِلَى الْعرَاق وَقَتله مُصعب بن الزبير وَذكر زفر بن الْحَارِث الْكلابِي بقرقيسياء وتوجيه عبد الْملك بن مَرْوَان الْحجَّاج إِلَى مَكَّة لقتل عبد الله بن الزبير وَذكر ولَايَة الْمُهلب حَرْب الْأزَارِقَة وَولَايَة الْحجَّاج على الْعرَاق وَذكر وثوب أهل الْبَصْرَة على الْحجَّاج وَذكر شبيب بن يزِيد الحروري وَذكر فرسَان الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَذكر وَفَاة الْحجَّاج وقصة وضاح اليمني مَعَ أم الْبَنِينَ زَوْجَة الْوَلِيد بن عبد الْملك وَهِي عَرَبِيَّة ذكرهَا ابْن حمدون فِي التَّذْكِرَة وَغَيره وَبِنَاء الْوَلِيد بن عبد الْملك جَامع دمشق الْمَعْرُوف بِجَامِع بني أُميَّة وَغَيره ذَلِك الْبَاب الثَّانِي فِي ذكر الدولة العباسية وَفِيه ذكر قيام أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي بالدعوة العباسية وَذكر الشِّيعَة ومبادئ دولهم وَذكر كَيْفيَّة بِنَاء الْمَنْصُور مَدِينَة بَغْدَاد وَذكر توسيع الْمَسْجِد الْحَرَام وتربيعه للمهدي العباسي وإيقاع الرشيد بالبرامكة وَاخْتِلَاف النَّاس فِي أَسبَاب نكبتهم وَذكر فتح المعتصم عمورية وَظُهُور القرامطة أَيَّام المكتفي عَليّ بن المعتضد العباسي وَظُهُور النَّار من الْحرَّة الشرقية بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَشرح وَاقعَة التتار ومبدأ أَمرهم وقتلهم الْخَلِيفَة المستعصم العباسي آخر خلفاء بَغْدَاد وَغير ذَلِك الْبَاب الثَّالِث فِي ذكر الدولة العبيدية المسمين بالفاطميين وَفِيه ذكر الْخلاف فِي صِحَة نسبهم وَذكر افْتِتَاح الْمعز الفاطمي مصر على يَد عَبده جَوْهَر الرُّومِي الصّقليّ وَذكر عجارف الْحَاكِم بِأَمْر الله مِنْهُم وَكَيْفِيَّة مَقْتَله وفتنة

стр. 14

البساسيري بِبَغْدَاد وخطبته بهَا للمستنصر الفاطمي وَإِخْرَاج الْخَلِيفَة الْقَائِم بِأَمْر الله العباسي إِلَى حَدِيثَة عانة وإعادة الْملك طغرلبك إِيَّاه وَذكر الغلاء الشَّديد والقحط الْعَظِيم بديار مصر سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فِي خلَافَة الْمُسْتَنْصر الفاطمي الْمَذْكُور وَغير ذَلِك الْبَاب الرَّابِع فِي ذكر الدولة الأيوبية الكردية وَفِيه ذكر قتل شاور وَذكر العاضد آخر الْخُلَفَاء العبيديين وَذكر نور الدّين الشَّهِيد مَحْمُود بن زنكي وَذكر القَاضِي الْفَاضِل واستكتاب صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب إِيَّاه وصلب صَلَاح الدّين عمَارَة اليمني وقاضي مصر وَجَمَاعَة لتمالئهم على قصد سوء وَذكر الْوَزير جمال الدّين الْأَصْفَهَانِي الْجواد الْمَشْهُور ومدفنه بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَة وَغير ذَلِك الْبَاب الْخَامِس فِي الدولة التركمانية ووقائع آثَارهم الْبَاب السَّادِس فِي ذكر دولة الشراكسة وبدائع أخبارهم الْبَاب السَّابِع فِي ذكر الدولة العثمانية أعدل سلاطين الْإِسْلَام أدام الله دولتهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَفِيه ركُوب السُّلْطَان سليم خَان بن بايزيد على إِسْمَاعِيل شاه بعد مراسلته وَذكر مراسلة السُّلْطَان سُلَيْمَان خَان لإِمَام الْيمن الإِمَام المطهر وَجَوَاب الإِمَام إِلَيْهِ وَذكر عمَارَة سور الْمَدِينَة المشرفة وَعمارَة كريمية وَهِي أم السلاطين عين عَرَفَة وَذكر ابْتِدَاء تعمير الْمَسْجِد الْحَرَام فِي دولة السُّلْطَان سليم بن سُلَيْمَان خَان وإتمامه فِي دولة السُّلْطَان مُرَاد بن سليم خَان وَغير ذَلِك (واما الخاتمة فتشمل على ثَلَاثَة أَبْوَاب) الْبَاب الأول مِنْهَا فِي ذكر نسب الطالبيين وَذكر الْمَشَاهِير من أَعْقَابهم وَفِيه ذكر الْأَئِمَّة الاثنى عشر وتراجم كل وَذكر بني حُسَيْن أُمَرَاء الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وواقعة الْخَوَارِزْمِيّ مَعَ البديع الْهَمدَانِي فِي مجْلِس أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن مُوسَى بن أَحْمد من عقب مُوسَى الكاظم وَذكر دُخُول دعبل الْخُزَاعِيّ على الإِمَام مُوسَى الكاظم وإنشاده قصيدته فِي آل الْبَيْت التائية الْمَشْهُورَة وَغير ذَلِك

стр. 15

الْبَاب الثَّانِي مِنْهَا فِي ذكر من دَعَا مِنْهُم إِلَى الْمُبَايعَة وَذكر مَكَان دُعَائِهِ وزمانه وَمَا جرى على كل قَائِم مِنْهُم من خَليفَة زَمَانه وتعداهم من عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَفِيه ذكر اخْتِلَاف الشِّيعَة وانقسام مذاهبهم إِلَى الزيدية وَإِلَى الرافضة وانقسام الرافضة إِلَى اثنى عشرِيَّة ويخصون باسم الإمامية وَإِلَى الإسماعيلية وَمِنْهُم فِي الِاعْتِقَاد القرامطة مَعَ اخْتِلَاف بَينهم فِي سِيَاق الْإِمَامَة وَذكر الْفرْقَة الكيسانية وَذكر مراسلات الْمَنْصُور العباسي مَعَ مُحَمَّد النَّفس الزكية ابْن عبد الله الْمَحْض ومقتله وَذكر الْأَئِمَّة القائمين بالدعوة فِي قطر الْيمن وَغير ذَلِك الْبَاب الثَّالِث مِنْهَا فِي ذكر من ولي مَكَّة المشرفة من آل أبي طَالب إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَفِيه ذكر آل أبي الطّيب وأخبارهم والهواشم وآثارهم والقتادات وهم ولاتها إِلَى هَذَا الأوان فَلَا أخلى الله مِنْهُم الزَّمَان وَالْمَكَان وَذكر بعض تراجم الْأَعْيَان الْكِرَام من أهل الْحَرَمَيْنِ ومصر وَالشَّام مِمَّن توفّي بعد الْألف إِلَى عَام إِتْمَامه جعله الله مشمولاً بِالْخَيرِ وَالرِّضَا فِي بدئه وختامه وَلما تمّ تأصيله وترتيبه وكمل تربيع مقاصده وتبويبه سميته تَسْمِيَة مُطَابقَة لوصفه فِي الْوَاقِع ضابطة لسنة تَارِيخه بعد أَن حوم شاهين الْفِكر حَتَّى ظننته عَلَيْهَا غير وَاقع فَكَانَت التَّسْمِيَة تَارِيخا لَهُ وَذَلِكَ من أبداع الْبَدَائِع وَأفضل النّيل لم يتَّفق ذَلِك فِي الزَّمن الْخَالِي إِلَّا لِأَحْمَد الْفضل باكثير فِي كِتَابه وَسِيلَة الْمَآل فِي عد مَنَاقِب الْآل فَرفع بِهِ علم تبجحه منتصباً وجر الذيل وَهِي سمط النُّجُوم العوالي فِي أنباء الْأَوَائِل والتوالي وقدمته لحضرة سيد الشرفا وسليل الخلفا ومفرد آل بَيت الْمُصْطَفى وَجَعَلته خدمَة لَهُ برسمه وتوجته بلقبه الشريف واسْمه جَامع أشتات المكارم والفضائل حاوي محَاسِن الْأَوَاخِر والأوائل سلالة الْبَيْت النَّبَوِيّ وزلال الْغَيْث الروي مظهر الْملك ومعهده ومجدد بنائِهِ ومشيده ومحيي مَا أمحل من أَرض العفاة بوابل جوده وحائز إِرْث النُّبُوَّة والخلافة عَن آبَائِهِ وجدوده من أعطَاهُ الله من صنوف الإعزاز والتمكين مَا لم يُعْطه لغيره ودانت لَهُ الْأَيَّام حَتَّى ذلت الْأسود فِي حالتي

стр. 16

إِقَامَته وسيره وخدمته الْأَيَّام والليالي وباهت بِهِ من درج فِي الحقب الخوالي وَوجدت النَّاس فِي أَيَّامه السعيدة أَمَانًا من الْحَوَادِث وَانْطَلَقت الألسن بِالدُّعَاءِ لجنابه فَهُوَ إِن شَاءَ الله للأعمار وَارِث فأيامه مواسم وطرق هباته نواسم وثغور الْأَيَّام فَرحا بِهِ فِي رحابه بواسم وسعادات تَدْبيره لأدواء اللأواء حواسم وربوع الْجور والعدوان فِي أَيَّامه طوامس وَيُقَال طواسم (أَمِنَّا بِهِ الدهرَ المخوفَ فكلَّما ... لَهُ قامَ داعٍ بالسلامةٍ أمنَّا) الَّذِي قد رضع ثدي الْمجد من زمن حُصُوله فِي المهد وافترش حجر الْفضل فِي حَال كَونه شَابًّا وكهل مَا ذهب إِلَى شَيْء إِلَّا شيده وأيد برهانه وَلَا انتحى أمرا إِلَّا وساعده مساعد الْقَضَاء وأعانه لَهُ محبَّة وهيبة فِي النُّفُوس وجلالة وعظمة أسها فِي الْقُلُوب مغروس صَاحب الْيَد الرحيبة فِي الْمَكَان الضّيق والخصال الشَّرِيفَة الَّتِي تَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب فَكل ذِي لب إِلَيْهَا شيق حاد الذِّهْن سريع الْإِدْرَاك قد خصّه الله بالمناقب الَّتِي سَارَتْ بهَا الركْبَان والأفلاك والأخلاق الَّتِي لَيْسَ للنسيم لطفها وَلَا للرياض نضرتها وظرفها فَهُوَ نعْمَة من الله على الْمُسلمين يجب الِاعْتِرَاف بِقَدرِهَا ومنة على الْعباد لَا يُقَام بشكرها وَحجَّة لَا يسع الْحَاسِد لَهَا الْجُحُود وَآيَة تشهد بِأَنَّهُ زِمَام هَذَا الْوُجُود أصبح بِهِ الدَّهْر يميس إعجابا والأزمنة بعد هرمها عَادَتْ بزمنه شبَابًا منبع السِّيَادَة ونبعتها وصيت المكارم وَسمعتهَا لَهُ خلق لَو مزج بِمَاء الْبَحْر نفى ملوحته وأصفى كدورته ينابيع الْجُود تتفجر من أنامله وربيع السماح يضْحك عَن فواضله قد نشر الله فِي الْآفَاق ذكره وَأطَال فِي كل المواطن نَعته وَخَبره ومهد بِحسن سياسته وتدبيره الأقطار الحجازية وَعمر وَبسط الْعدْل فِي رَعيته وعمهم ببره وغمر ومكارمه لم تنلها الغمائم ومحاسنه تسجع بأوصافها الحمائم الإِمَام الْعَالم الْعَادِل والهمام الْأَعْظَم الْكَامِل الوافر فَضله الْبسط ظله الطَّوِيل مجده المديد سعده ذُو القريحة الوقادة والبصيرة النقادة والبديهة المعجزة والكلمات الفاضلة الموجزة فَهُوَ كالشريعة المحمدية الَّتِي نسخت الشَّرَائِع وَظهر على كافور الْأَيَّام ومسك اللَّيَالِي نورها الساطع منشر رفات الْمجد وناشر آيَاته وسابق غايات الْفضل وتالي آيَاته سُلْطَان الْحجاز الْمَدْعُو

стр. 17

لَهُ على منابره الشَّرِيفَة المستغني بشهرته عَن الإطناب بالإيجاز فِي مناقبه المنيفة حامي حمى الْحَرَمَيْنِ الشريفين بسمهريه وحسامه النامي فِي حفظ المحلين المنيفين أجره بشديد قِيَامه أجل مُلُوك هَذَا الْبَيْت وَأعظم من ركب صهوة أدهم وامتطى ظهر كميت الْمُنْتَخب من آل عبد منَاف ولؤي سيدنَا ومولانا الشريف أَحْمد ابْن مَوْلَانَا المرحوم الشريف زيد بن محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن أبي نمى لَا زَالَ النَّصْر لملكه خَادِمًا والعز لأعقابه وزيراً ملازماً وَعلم رفعته على رُءُوس الأشهاد قَائِما وقلم السعد بمنشور مهابته على صَحَائِف الدَّهْر راقماً وثغر الزَّمَان بمزيد سروره باسماً وكل من الْقَضَاء وَالْقدر بدوام سموهُ حَاكما ولسائر أُمُوره على السداد بارماً وَلَا برح النَّصْر والسد مقرونين بعذبات علمه والآجال والأرزاق فِي ماضي سَيْفه وقلمه والتوفيق مستصحب ارائه ومصائب الْحَوَادِث أصدقاء اعدائه أَمِين أَمِين آمين ليَكُون تحفة لمجلسة العالي وعندليب أنس على غُصْن انبساطه فِي رياض الْمحْضر يصدح بالسجع الحالي أسأَل الله أَن يرزقه مِنْهُ مسحة قبُول بجاه جده الرَّسُول وعَلى آله وَصَحبه وَسلم وَقد آن أَوَان الشُّرُوع فِي مَقْصُود الْكتاب فَنَقُول بعون الْملك الْوَهَّاب (الْمَقْصد الأول) (فِي ذكر نسبه ﵊ وتعداد آبَائِهِ الْكِرَام من لدن نَبِي الله آدم أبي الْبشر صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ وعَلى سَائِر النَّبِيين وَسلم إِلَى أَبِيه سيدنَا عبد الله بن عبد الْمطلب ولمع من أخبارهم ومقادير أعمارهم) فَفِي ذَلِك نقُول متوكلين على الله مستمدين من الرَّسُول قَالَ صَاحب تَارِيخ الْخَمِيس لما أَرَادَ الله تَعَالَى خلق آدم ﵊ قَالَ للْمَلَائكَة ﴿إِنّيِ جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةٌ﴾ الْبَقَرَة ٣٠ فَأَجَابُوا بقَوْلهمْ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الْبَقَرَة ٣٠ فَرد عَلَيْهِم (إِنّيِ أَعْلَمُ مَا لَا

стр. 18

تعلمُونَ﴾ الْبَقَرَة ٣٠ وَفِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿إِنِّي خَالق بشرا من طين فَإِذا سويته﴾ الْآيَة ص ٧١ ٧٢ فَسجدَ الْمَلَائِكَة فَكَانَ من إِبْلِيس مَا اقْتضى لَعنه وَبعده وَنصب الْعَدَاوَة لآدَم ﵇ وَذريته قَالَ فِي بَحر الْعُلُوم لما قَالَت الْمَلَائِكَة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ﴾ الْآيَة الْبَقَرَة ٣٠ أَرَادَ الله أَن يظْهر فضل آدم ﵊ عَلَيْهِم فَعلمه مَا لَا يعلمُونَ قَالَ ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك علمه اسْم كل شَيْء حَتَّى الْقَصعَة والقصيعة والمغرفة ثمَّ لما طرد إِبْلِيس وأهبط من الْجنَّة بِسَبَب الِامْتِنَاع من السُّجُود لآدَم أصر على عداوته ووقف على بَاب الْجنَّة وَتعبد هُنَالك ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ عَاما انتظاراً لِأَن يخرج مِنْهَا أحد يَأْتِيهِ بِخَبَر آدم ﵇ وحواء فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ خرج طَائِر موشى مزين يتبختر فِي مشيته فَلَمَّا رَآهُ إِبْلِيس قَالَ أَيهَا الطَّائِر مَا اسْمك قَالَ اسْمِي طَاوس قَالَ من أَيْن أَقبلت قَالَ من حديقة آدم وبستانه قَالَ مَا الْخَبَر عَن آدم قَالَ هُوَ بِخَير فِي أحسن حَال وأطيبه وَنحن من خُدَّامه فَقَالَ وَهل تَسْتَطِيع أَن تدخلني فَقَالَ لَا أقدر وَلَكِن أدلك على من يقدر فَقَالَ افْعَل فَذهب الطاوس إِلَى الْحَيَّة وَكَانَت يَوْمئِذٍ كأعظم البخاتى وَكَانَت أحسن حيوانات الْجنَّة لَهَا أَربع قَوَائِم كَالْإِبِلِ من زبرجد أَخْضَر وفيهَا كل لون رَأسهَا من الْيَاقُوت الْأَحْمَر ولسانها من الكافور وَأَسْنَانهَا من الدّرّ وذوائبها كذوائب الْجَوَارِي الْأَبْكَار فَقَالَ لَهَا الطاوس إِن خلقا بِبَاب الْجنَّة يَقُول عِنْدِي نصيحة لآدَم فَمن يذهب بِي أعلمهُ فَخرجت الْحَيَّة إِلَيْهِ وَقَالَت إِنِّي أدْخلك الْجنَّة وَلَكِن أَخَاف من لُحُوق الْبلَاء فَقَالَ لَهَا إِبْلِيس أَنْت فِي ذِمَّتِي وجواري لَا يلحقك مَكْرُوه

стр. 19

قَالَ النَّبِي اقْتُلُوا الْحَيَّة وَلَو فِي الصَّلَاة وَإِنَّمَا أَمر بذلك إبطالاً لذمة إِبْلِيس فَقَالَت الْحَيَّة أَنا أَخَاف أَن يُصِيبنِي مثل مَا أَصَابَك فَقَالَ لَهَا إِبْلِيس أَنا أُعْطِيك جَوْهَرَة أَيْنَمَا تضعينها تكون لَك جنَّة فَأَعْطَاهَا إِبْلِيس فجعلتها فِي فِيهَا فتخرجها فِي اللَّيْل وتضعها حَيْثُ شَاءَت تستضيء بهَا وَفِي العرائس قَالَت الْحَيَّة كَيفَ أدْخلك الْجنَّة ورضوان لَا يمكنني من ذَلِك فَقَالَ إِبْلِيس أَنا أتحول ريحًا فاجعليني بَين أنيابك فتدخليني وَهُوَ لَا يعلم فأطبقت الْحَيَّة عَلَيْهِ فاها بعد أَن تحول ريحًا فَقَالَ لَهَا إِبْلِيس اذهبي بِي إِلَى الشَّجَرَة الَّتِي نهى آدم عَنْهَا فَلَمَّا انْتَهَت الْحَيَّة إِلَى تِلْكَ الشَّجَرَة تغنى إِبْلِيس بمزمار فَلَمَّا سمع آدم وحواء صَوت المزمار جَاءَا إِلَيْهِ يسمعان فَإِذا هُوَ ريح خَارج من فَم الْحَيَّة فأعجبهما الصَّوْت فَتَقَدما إِلَيْهِ شَيْئا فشيئاَ حَتَّى وَقفا عَلَيْهِ وهما يظنان أَن الْحَيَّة هِيَ الَّتِي تتغنى فَقَالَ لَهما إِبْلِيس فَقَالَا نهينَا عَن قرب هَذِه الشّجر فَقَالَ ﴿مَا نهاكما رَبكُمَا عَن هَذِه الشَّجَرَة﴾ الْأَعْرَاف ٢٠ إِلَى ﴿فدلاهما بِغُرُورٍ﴾ الْأَعْرَاف ٢٢ قسما كَاذِبًا فَهُوَ لَعنه الله أول من حلف كَاذِبًا وَأول من غش وَأول من حسد لَعنه الله وأعاذنا مِنْهُ فسبقت حَوَّاء إِلَى الشَّجَرَة فتناولت مِنْهَا خمس حبات فَأكلت وَاحِدَة وخبأت وَاحِدَة وأعطت آدم ثَلَاث حبات فَأعْطى حَوَّاء مِنْهَا وَاحِدَة وَأمْسك حبتين قيل لما خبأت حَوَّاء إِحْدَى الحبات من زَوجهَا آدم ﵇ صَار خبء النِّسَاء عَن أَزوَاجهنَّ بعض الْأَشْيَاء عَادَة لَهُنَّ ولإمساك آدم لنَفسِهِ حبتين من ثَلَاث وَإِعْطَاء حَوَّاء وَاحِدَة مِنْهَا شرع للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ فَأوحى الله إِلَى آدم

стр. 20

لأدمين حَوَّاء فِي الشَّهْر مرَّتَيْنِ فاعترت آدم عَلَيْهَا الرَّحْمَة فَأوحى إِلَيْهِ قد علمنَا مَا لحقك على حَوَّاء من الرأفة والشفقة وَقد رفعت عَنْهَا وبناتها هم النَّفَقَة وَلما أكلا من الشَّجَرَة تطاير عَنْهُمَا لباسهما وبدت لَهما سوآتهما فطلبا وَرقا من أَشجَار الْجنَّة فَكلما طلبا شَجَرَة تعالت عَنْهُمَا إِلَّا شَجَرَة التِّين فتدلت لَهما فأخذا مِنْهَا وسترا سوأتيهما ثمَّ أهبطوا من الْجنَّة آدم وحواء وإبليس أهبط آدم بسرنديب جبل عَال يرَاهُ البحريون من مَسَافَة أَيَّام وَأثر قدمي آدم ﵊ عَلَيْهِ مغموستان فِي الْبَحْر وحواء بجدة والحية بأصبهان وإبليس بأبلة وَيرى على هَذَا الْجَبَل كل لَيْلَة كَهَيئَةِ برق من غير سَحَاب وَلَا بُد لَهُ فِي كل يَوْم من مطر يغسل اثر قديمه ﵇ وَيُقَال إِن الْيَاقُوت الْأَحْمَر يُؤْخَذ من ذَلِك الْجَبَل تحده السُّيُول والأمطار إِلَى الحضيض وروى أَن آدم ﵇ لما أهبط كَانَت رِجْلَاهُ على الأَرْض وَرَأسه فِي السَّمَاء يسمع دُعَاء الْمَلَائِكَة وتسبيحهم فَكَانَ يأنس بذلك فهابته الْمَلَائِكَة واشتكت نَفسه إِلَى الله تَعَالَى فنقص قامته إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعا وَلما يبس مَا كَانَ على آدم من ورق الْجنَّة وتناثر كَانَ هُوَ السَّبَب لوُجُود الأفاويه بِبِلَاد الْهِنْد كالجوز والقرنفل والفلفل والهيل وأشباهها فَكَانَ ذَلِك المتناثر بذراً لَهَا فسبحان الْحَكِيم جلّ وَعلا فَلَمَّا عريا بعد تناثر ولبسه شكا آدم ﵇ ذَلِك إِلَى جِبْرِيل فَجَاءَهُ بِأَمْر الله بِشَاة عَظِيمَة من الْجنَّة لَهَا صوف عَظِيم كثير وَقَالَ لآدَم قل لحواء تغزل من هَذَا الصُّوف وتنسج فَمِنْهُ لباسك ولباسها فغزلت حَوَّاء ذَلِك الصُّوف ونسجت مِنْهُ لنَفسهَا درعاً وخماراً ولآدم قَمِيصًا وإزاراً ثمَّ دَعَا آدم ربه فَقَالَ يَا رب كنت جَارك فِي دَارك آكل رغداً مِنْهَا حَيْثُ شِئْت فأهبطتني إِلَى الأَرْض وكلفتني مشاق الدُّنْيَا فَأَجَابَهُ الله يَا آدم بمعصيتك كَانَ ذَلِك إِن لي حرما بحيال عَرْشِي فَانْطَلق فَإِن لي فِيهِ بَيْتا ثمَّ طف بِهِ كَمَا رَأَيْت ملائكتي يحفونَ بعرشي فهنالك أستجيب لَك ولأولادك من كَانَ مِنْهُم فِي طَاعَتي

стр. 21

فَقَالَ يَا رب وَكَيف لي بذلك الْمَكَان فأهتدى إِلَيْهِ فَأمر الله جِبْرِيل فَتوجه بِهِ إِلَى الْحَج فَصَارَت المسافات تطوى لَهُ وَكَانَت خطْوَة آدم مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام وَلم يزل يسير حَتَّى وصل إِلَى جدة لِأَنَّهُ شم رَائِحَة ورق الْجنَّة الَّذِي كَانَ على حَوَّاء قَالَ يَا حَوَّاء أَترَانِي أنظر إِلَيْك نظرة فنادته الْجبَال تسير فِي أَثَرهَا تدركها فَسَار إِلَى قرن فَأمره جِبْرِيل فَأحْرم فَأنْزل الله الْبَيْت الْمَعْمُور فاوقفه فِي الْهَوَاء بِحَيْثُ يرَاهُ فيعرفه حِيَال المهاة الْبَيْضَاء الَّتِي هِيَ مَوضِع الْبَيْت وَمِنْهَا دحيت الأَرْض وَهِي أم الْقرى فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن طف بِالْبَيْتِ وصل عِنْده واسأل حَاجَتك وَأخْبرهُ بمَكَان حَوَّاء فَلَمَّا رَأَتْهُ جَاءَت إِلَيْهِ تبْكي فعرفها جِبْرِيل بِالتَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَة فسجدت لله تَعَالَى شكرا وتطهرت وتوضأت فأهلت بِعُمْرَة ولبت وأتى بهَا جِبْرِيل إِلَى جَمِيع مواقفها وَجمع بَينهمَا جِبْرِيل فِي جمع فَسمى بذلك لاجتماعهما وَقيل بل تعارفا بِعَرَفَات وَبِهِمَا سمى ذَلِك الْمحل عَرَفَات فبادرت إِلَيْهِ وتعانقا وَلما أكمل حجَّة ووقف بمنى قَالَ لَهُ جِبْرِيل تمن على رَبك مَا شِئْت فَلذَلِك سمى ذَلِك الْمحل منى كَمَا هُوَ أحد الْوُجُوه فِي تَسْمِيَته بذلك وَقرب قرباناً وَحلق لَهُ جِبْرِيل رَأسه بياقوتة من الْجنَّة ثمَّ أمره الله أَن يتَّخذ لحواء منزلا خَارج الْحرم إِلَى أَوَان الْحَج فَفعل وَفِي كتاب المبتدا أَن آدم لم يكن يأحواء مُنْذُ هبطا إِلَى الأَرْض وَلَا خطر بِقَلْبِه وَلَا قَلبهَا ذكره حَيَاء من الله تَعَالَى فَأوحى الله إِلَيْهِ يَا آدم مَا هَذَا الْجزع وَأَنت صفوتي وَأَبُو الْمُصْطَفى رَسُولي فأبشر بنعمتي وكرامتي أَنْت وزوجك حَوَّاء فألم بهَا فبشر حَوَّاء فسجدت شكر لله ثمَّ بَاشَرَهَا فَحملت مِنْهُ فَولدت ذكرا وَأُنْثَى فِي بطن فَسَمت الْوَلِيد قابيل وَالْأُنْثَى إقليميا ثمَّ وَاقعهَا فَحملت بهابيل وَأُخْته ليوذا ثمَّ حملت بَطنا ثَالِثا فَولدت توأمين وَأَوْلَادهَا يكثرون ويمشون بَين يَديهَا والنور لَا ينْتَقل من وَجه آدم وَلم تزل حَوَّاء تَلد فِي كل تِسْعَة أشهر وَلدين ذكرا وَأُنْثَى فَقيل إِن جَمِيع من ولدت مِائَتَا ولدا فِي مائَة بطن فِي كل بطن ولدان إِلَّا شيثا وعنق فانهما ولدتهما مفردتين كل وَاحِد فِي بطن وَقيل ولدت لَهُ خَمْسمِائَة بطن بِأَلف ذكر وَأُنْثَى

стр. 22

وَسَيَأْتِي حَدِيث شِيث قَرِيبا وَحَدِيث عنق عِنْد ذكر ابْنهَا عوج بن عنق عِنْد ذكر قتل مُوسَى إِيَّاه ﵊ وَفِي رَوْضَة الأحباب كَانَت الأَرْض تطوى لآدَم فِي كل خطْوَة اثْنَان وَخَمْسُونَ فرسخا حَتَّى بلغ مَكَّة فِي زمن قَلِيل فَكل مَوضِع أَصَابَهُ قدمه صَار عمرانا ومابين قَدَمَيْهِ مفازاً وقفراً وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَلَقَّى آدم من ربه كَلِمَات﴾ الْبَقَرَة ٣٧ قَالَ ابْن بابويه أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد وَالْحسن بن أَحْمد بن الْوَلِيد عَن مُحَمَّد بن الْحسن الصفار عَن أبي نصر عَن أبان بن عُثْمَان عَن مُحَمَّد بن مُسلم عَن أبي جَعْفَر قَالَ الْكَلِمَات الَّتِي تلقاها آدم من ربه فَتَابَ عَلَيْهِ هِيَ قَوْله اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي إِنَّك أَنْت خير الغافرين وَلما رَجَعَ آدم ﵇ من الْحَج وجد وَلَده قابيل قتل وَلَده هابيل وَلم يدر مَا يصنع بِهِ فَحَمله على عَاتِقه فِي جراب وَقد أروح وأنتن شدخ رَأسه بَين حجرين قيل عِنْد عقبَة حراء وَقيل بعقبة أَيْلَة وَقيل بالقدس وبسبب قَتله شاكت الْأَشْجَار وتغيرت الْأَطْعِمَة وحمضت الْفَوَاكِه وتمرر المَاء فَحزن آدم على هابيل حزنا عَظِيما وَسبب قَتله أَن من شرع آدم ﵇ تَزْوِيج أُنْثَى الْبَطن الأول بِذكر الْبَطن الثَّانِي لِأَن حمل حَوَّاء توأم فولد قابيل وَأُخْته إقليميا وَولد هابيل وَأُخْته ليوذا وَكَانَت أُخْت قابيل بديعة جدا فكره قابيل أَن يُعْطِيهِ إِيَّاهَا وَأَرَادَهَا لنَفسِهِ فقربا إِلَى الله قرباناً فَمن قبل قربانه أَخذ إقليميا فَقَالَ هابيل أَنا رَاض بِكُل مَا حكمت قربت أَو لَا تقبل مني أَو لَا فَقَالَ قابيل تقرب فَخَرَجَا إِلَى جبل من جبال مَكَّة وَقيل

стр. 23

إِلَى منى ثمَّ قرب كل مِنْهُمَا قربانه فَكَانَ قرْبَان هابيل من أبكار غنمه وأسمنها بسماحة وَطيب نفس وقربان قابيل قمحاً لم يبلغ وَأَكْثَره زيوان وَعَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد الباقر بن عَليّ قرب قابيل من زرعه مَا لم ينق وَقَامَ هابيل يَدْعُو الله وقابيل يُغني ويلهو وَإِذا رأى هابيل يُصَلِّي يضْحك وَقَالَ أَظن صَلَاتك لتخدع آدم ليزوجك أُخْتِي لَئِن تقبل قربانك لأَقْتُلَنك فاقل هابيل ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَقِينَ﴾ الْمَائِدَة ٢٧ الْآيَات فَنزلت نَار بَيْضَاء من السَّمَاء يسمع لَهَا زجل بالتسبيح فَرفعت قرْبَان هابيل فَوَثَبَ إِلَيْهِ قابيل ليبطش بِهِ قَائِلا وَالله لأَقْتُلَنك فَتَركه هابيل وَانْصَرف ليعلم أَبَاهُ فَلحقه قابيل قيل بعقبة حراء دون ثبير وَقيل فِي مَوضِع آخر كَمَا تقدم قَالَ الإِمَام الْعَلامَة الْحسن بن عَليّ الحائني فِي كِتَابه الْمُسَمّى حقيبة الْأَسْرَار وجهينة الْأَخْبَار فِي معرفَة الأخيار والأشرار فَذكر فِيهِ زَوَائِد أَحْبَبْت إيرادها تَكْمِلَة للفائدة وَإِن كَانَ بَعْضهَا قد تقدم قَالَ روينَا عَن مَشَايِخنَا بسندنا الْمُتَقَدّم وَكَانَ سرد سنداً لَا نطول بِذكرِهِ عَن الشَّيْخ منتجب الدّين أبي الْحسن عَليّ بن عبيد الله ابْن الْحسن الْمَدْعُو حسكاً عَن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عَليّ بن الْحُسَيْن ابْن بابويه يرفعهُ إِلَى جَابر عَن أبي جَعْفَر ﵇ قَالَ سُئِلَ أَمِير الْمُؤمنِينَ هَل كَانَ فِي الأَرْض خلق من خلق الله يعْبدُونَ الله قبل آدم وَذريته قَالَ نعم كَانَ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض خلق من خلق الله يقدسون الله ويسبحونه ويعظمونه بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار لَا يفترون فَإِن الله لما خلق الْأَرْضين خلقهَا قبل السَّمَوَات ثمَّ خلق الْمَلَائِكَة روحانيين لَهُم أَجْنِحَة يطيرون بهَا حَيْثُ شَاءَ الله فأسكنهم الله فِيمَا بَين أطباق السَّمَوَات يقدسونه وَاصْطفى مِنْهُم إسْرَافيل وَمِيكَائِيل وجبرائيل ثمَّ خلق فِي الأَرْض الْجِنّ روحانيين لَهُم أَجْنِحَة فخلقهم دون الْمَلَائِكَة وخفضهم أَن يبلغُوا مبلغ الْمَلَائِكَة فِي الطيران وَغَيره وأسكنهم فِيمَا بَين أطباق الْأَرْضين السَّبع وفوقهن يقدسون الله لَا يفترون ثمَّ خلق خلقا دونهم لَهُم أبدان وأرواح بِغَيْر أَجْنِحَة يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ نسناس أشباه خلقهمْ وَلَيْسوا بإنس وأسكنهم أوساط الأَرْض على ظهرهَا مَعَ الْجِنّ يقدسون الله لَا يفترون وَكَانَ الْجِنّ تطير فِي السَّمَاء فَتلقى الْمَلَائِكَة فيسلمون عَلَيْهِم ويزورونهم ويستريحون إِلَيْهِم ويتعلمون مِنْهُم الْخَيْر ثمَّ إِن طَائِفَة

стр. 24

من الْجِنّ والنسناس الَّذين خلقهمْ الله وأسكنهم أوساط الأَرْض تمردوا وبغوا فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَعلا بَعضهم على بعض من العتو وَسَفك الدِّمَاء فِيمَا بَينهم وجحدوا الربوبية وأقامت الطَّائِفَة المطيعون على طَاعَة الله وباينوا الطَّائِفَتَيْنِ من الْجِنّ والنسناس الَّذين عتوا عَن أَمر الله فحط الله أَجْنِحَة الطَّائِفَة العاتية من الْجِنّ فَكَانُوا لَا يقدرُونَ على الطيران إِلَى السَّمَاء لما ارتكبوا من الذُّنُوب وَكَانَت الطَّائِفَة المطيعة من الْجِنّ تطير إِلَى السَّمَاء اللَّيْل وَالنَّهَار على مَا كَانَت عَلَيْهِ وَكَانَ إِبْلِيس واسْمه الْحَارِث يظْهر للْمَلَائكَة أَنه من الطَّائِفَة المطيعة ثمَّ خلق الله خلقا على خلاف خلق الْمَلَائِكَة وعَلى خلاف خلق الْجِنّ وعَلى خلاف خلق النسناس يدبون كَمَا تدب الْهَوَام فِي الأَرْض يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ كَمَا تَأْكُل الْأَنْعَام من مرَاعِي الأَرْض كلهم ذكران لَيْسَ فيهم أُنْثَى لم يَجْعَل الله فيهم شَهْوَة النِّسَاء وَلَا حب الْأَوْلَاد وَلَا الْحِرْص وَلَا طول الأمل وَلَا لَذَّة عَيْش لَا يلْبِسهُمْ اللَّيْل وَلَا يَغْشَاهُم النَّهَار لَيْسُوا ببهائهم وَلَا هوَام لباسهم ورق الشّجر وشربهم من الْعُيُون الغزار والأودية الْكِبَار ثمَّ أَرَادَ الله أَن يُفَرِّقهُمْ فرْقَتَيْن فَجعل فرقة خلف مطلع الشَّمْس من وَرَاء الْبَحْر فكون لَهُم مَدِينَة أَنْشَأَهَا لَهُم تسمى جابرسا طولهَا اثْنَا عشر ألف فَرسَخ فِي اثْنَي عشر ألف فَرسَخ وَكَون عَلَيْهَا سوراً من حَدِيد يقطع الأَرْض إِلَى السَّمَاء ثمَّ أسكنهم فِيهَا وأسكن الْفرْقَة الْأُخْرَى خلف مغرب الشَّمْس من وَرَاء الْبَحْر وَكَون لَهُم مَدِينَة أَنْشَأَهَا لَهُم تسمى جابلقا طولهَا اثْنَا عشر ألف فَرسَخ فِي اثْنَي عشر ألف فَرسَخ وَكَون لَهُم سوراً من حَدِيد يقطع إِلَى السَّمَاء وأسكن الْفرْقَة الْأُخْرَى فِيهَا لَا يعلم أهل جابرسا بِموضع أهل جابلقا وَلَا يعلم أهل جابلقا بِموضع أهل جابرسا وَلَا يعلم بهَا أهل أوساط الأَرْض من الْجِنّ والنسناس فَكَانَت الشَّمْس تطلع على أهل أوساط الأَرْض من الْجِنّ والنسناس فينتفعون بحرها ويستضيئون بنورها ثمَّ تغرب فِي عين حمئة فَلَا يعلم بهَا أهل جابلقا إِذا غربت وَلَا يعلم بهَا أهل جابرسا إِذا طلعت لِأَنَّهَا تطلع من دون جابرسا وتغرب من دون جابلقا فَقيل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ يبصرون

стр. 25

ويحيون وَكَيف يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ وَلَيْسَ تطلع عَلَيْهِم فَقَالَ ﵁ إِنَّهُم يستضيئون بِنور الله فهم فِي أَشد ضوء من لون الشَّمْس وَلَا يرَوْنَ الله خلق شمساً وَلَا قمراً وَلَا نجوماً وَلَا كواكب لَا يعْرفُونَ شَيْئا غَيره قيل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَيْنَ إِبْلِيس عَنْهُم؟ قَالَ لَا يعْرفُونَ إِبْلِيس وَلَا يسمعُونَ بِذكرِهِ وَلَا يعْرفُونَ إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لم يكْتَسب أحد مِنْهُم قطّ خَطِيئَة وَلم يقترف إِثْمًا لَا يسقمون وَلَا يهرمون وَلَا يموتون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة يعْبدُونَ الله لَا يفترون اللَّيْل وَالنَّهَار عِنْدهم سَوَاء قَالَ وَإِن الله أحب أَن يخلق خلقا وَذَلِكَ بعد مَا مضى للجن والنسناس سَبْعَة آلَاف سنة فَلَمَّا كَانَ من خلق الله أَن يخلق آدم للَّذي أَرَادَ من التَّدْبِير وَالتَّقْدِير فِيمَا هُوَ مكونه فِي السَّمَوَات وَالْأَرضين كشط عَن أطباق السَّمَوَات ثمَّ قَالَ للْمَلَائكَة انْظُرُوا إِلَى أهل الأَرْض من خلقي من الْجِنّ والنسناس هَل ترْضونَ أَعْمَالهم وطاعتهم فَاطَّلَعُوا وَرَأَوا مَا يعْملُونَ من الْمعاصِي وَسَفك الدِّمَاء وَالْفساد فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق فأعظموا ذَلِك وغضبوا لله وأسفوا على أهل الأَرْض وَلم يملكُوا غضبهم وَقَالُوا يَا رَبنَا أَنْت الْعَزِيز الْجَبَّار الظَّاهِر الْعَظِيم الشَّأْن وَهَؤُلَاء كلهم خلقك الضَّعِيف الذَّلِيل فِي أَرْضك كلهم يَتَقَلَّبُونَ فِي قبضتك ويعيشون برزقك ويتمتعون بعافيتك وهم يعصونك بِمثل هَذِه الذُّنُوب الْعِظَام لَا تغْضب عَلَيْهِم وَلَا تنتقم مِنْهُم لنَفسك بِمَا تسمع مِنْهُم وتري وَقد عظم ذَلِك علينا وأكبرناه فِيك فَلَمَّا سمع الله تَعَالَى الْمَلَائِكَة قَالَ إِنِّي جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة فَيكون حجتي على خلقي فِي أرضي فَقَالَت الْمَلَائِكَة سُبْحَانَكَ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ الْبَقَرَة ٣٠ فَقَالَ الله تَعَالَى يَا ملائكتي ﴿إِنّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ الْبَقَرَة ٣٠ إِنِّي أخلق خلقا بيَدي أجعَل من ذرياته خلفائي على خلقي فِي أرضي ينهونهم عَن معصيتي وينذرونهم ويهدونهم إِلَى طَاعَتي ويسلكون بهم طَرِيق سبيلي أجعلهم حجَّة لي عذرا أَو نذرا وَألقى الشَّيَاطِين من أرضي وأطهرها مِنْهُم فأسكنهم فِي الْهَوَاء وأقطار الأَرْض والفيافي فَلَا يراهم خلق وَلَا يرَوْنَ شخصهم فَلَا يجالسونهم وَلَا يخالطونهم وَلَا يواكلونهم وَلَا يشاربونهم وأنفر مَرَدَة الْجِنّ العصاة من نسل بريتي وَخلقِي وخيرتي

стр. 26

وَلَا يجاورون خلقي وَأَجْعَل بَين خلقي وَبَين الجان حِجَابا فَلَا يرى خلقي شخص الْجِنّ وَلَا يجالسونهم وَلَا يشاربونهم وَلَا يتهجمون بهمجهم وَمن عَصَانِي من نسل خلقي الَّذِي عَظمته واصطفيته لنَفْسي أسكنهم مسَاكِن العصاة وأوردهم موردهم وَلَا أُبَالِي فَقَالَت الْمَلَائِكَة ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنَتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ الْبَقَرَة ٣٢ فَقَالَ للْمَلَائكَة إِنِّي خَالق بشرا من صلصال من حمأ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فقعوا لَهُ ساجدين﴾ الْحجر ٢٨ ٢٩ وَكَانَ ذَلِك من الله تقدمة للْمَلَائكَة قبل أَن يخلقه احتجاجاً مِنْهُ عَلَيْهِم وَمَا كَانَ الله ليغير مَا بِقوم إِلَّا بعد الْحجَّة عذرا أَو نذرا فَأمر ﵎ ملكا من الْمَلَائِكَة فاغترف غرفَة بِيَمِينِهِ فصلصلها فِي كَفه فجمدت فَقَالَ الله مِنْك أخلق وَفِي رِوَايَة اغترف ﵎ غرفَة من المَاء العذب الْفُرَات فصلصلها فجمدت فَقَالَ لَهَا مِنْك أخلق النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وعبادي الصَّالِحين وَالْأَئِمَّة المهديين والدعاة إِلَى الْجنَّة وأتباعهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا أسأَل عَمَّا أفعل وهم يسْأَلُون يَعْنِي خلقه ثمَّ اغترف غرفَة من المَاء المالح الأجاج ذَات الشمَال فصلصلها فجمدت فَقَالَ لَهَا مِنْك أخلق الجبارين والفراعنة وأئمة الْكفْر الدعاة إِلَى النَّار وأتباعهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَشرط فِي هَؤُلَاءِ النداء وَلم يشْتَرط فِي أَصْحَاب الْيَمين النداء ثمَّ خلط الطينتين ثمَّ أكفأهما ثَلَاثَة قُدَّام عَرْشه وروى أَنه تَعَالَى فرق الطينتين ثمَّ رفع لَهما نَارا فَقَالَ ادخلوها بإذني فَدَخلَهَا أَصْحَاب الْيَمين وَكَانَ أول من دَخلهَا مُحَمَّد وَآل مُحَمَّد ﵇ ثمَّ اتبعهم أولو الْعَزْم وأوصياؤهم وأتباعهم فَكَانَت عَلَيْهِم بردا وَسلَامًا وأبى أَصْحَاب الشمَال أَن يدخلوها فَقَالَ للْجَمِيع كونُوا طيناً بإذني ثمَّ خلق آدم ﵇ قَالَ فَمن كَانَ من هَؤُلَاءِ لَا يكون من هَؤُلَاءِ من كَانَ من هَؤُلَاءِ لَا يكون من هَؤُلَاءِ ثمَّ قَالَ الْعَالم ﵇ للَّذي حَدثهُ من موَالِيه فَمَا ترى من ترف أَصْحَابك فمما أَصَابَهُم من لطخ أهل الشمَال وَمَا رَأَيْت من حسن سِيمَا ووقار فِي مخالفيك فمما أَصَابَهُم من لطخ أَصْحَاب الْيَمين وروى أَن جِبْرِيل ﵇ أَتَى الله فَأمره بِأَرْبَع طَبَقَات بَيْضَاء وحمراء

стр. 27

وغبراء وسوداء من حزن الأَرْض وسهلها ثمَّ أَتَاهُ بِأَرْبَع مياه عذب ومالح وَمر ونتن وَأمره بِأَن يفرغ المَاء فِي الطين فَلم يفضل من الطين شَيْء يحْتَاج إِلَى المَاء وَلَا من المَاء شَيْء يحْتَاج إِلَى الطين وَجعل المَاء العذب فِي حلقه ليجد لَذَّة الْمطعم وَالْمشْرَب والمالح فِي عَيْنَيْهِ وَلَوْلَا ذَلِك لذابتا والمر فِي أُذُنَيْهِ وَلَوْلَا ذَلِك لدخلها الْهَوَام والمنتن فِي أَنفه ليجد بِهِ الْإِنْسَان الروائح الطّيبَة وروى فِي القبضة الَّتِي من الطين الَّذِي خلق مِنْهُ آدم أَن الله أَمر جِبْرِيل أَن ينزل إِلَى الأَرْض يبشرها أَن الله يخلق مِنْهَا خلقا يكون صفوة لَهُ يسبحونه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَيجْعَل مستقره ومستقر وَلَده بَين أطباقها يخلقهم مِنْهَا ويعيدهم إِلَيْهَا فَفعل ذَلِك جِبْرِيل فاهتزت وابتهجت وَقَامَت تنْتَظر أَمر الله فَلَمَّا أَرَادَ الله أَن يتم وعده أرسل جِبْرِيل ليقْبض مِنْهَا كَمَا أمره فَلَمَّا مد يَده إِلَيْهَا ارتعدت واستعاذت مِنْهُ وَقَالَت أَسأَلك بعزة الله إِلَّا مَا أَمْسَكت عني فتوقف إجلالاً للقسم وَرجع وَقَالَ يَا رب تعوذت بك فَأرْسل الله إسْرَافيل فَقَالَت لَهُ مثل ذَلِك فَرجع فَأرْسل الله مِيكَائِيل فَقَالَت لَهُ مثل ذَلِك فَرجع فَأرْسل إِلَيْهَا عزرائيل فهبط وَمَعَهُ حَرْبَة فركزها فِي وسط الأَرْض ركزة ارتجت واهتزت لَهَا الأرضون وَمَاجَتْ وارتعدت فَمد يَده فَقَالَت لَهُ كَمَا قَالَت لمن قبله فَقَالَ لَهَا اسكتي فإكراهك أحب إِلَيّ من مَعْصِيّة رَبِّي وَأَعُوذ بِاللَّه أَن أرجع إِلَيْهِ حَتَّى آخذ مِنْك قَبْضَة ثمَّ قبض قَبْضَة من كل لون مِنْهَا فَعَن وهب أَنه نُودي بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَا ملك الْمَوْت مَا الَّذِي صنعت فَأخْبرهُ بِمَا قَالَت الأَرْض فَقَالَ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأسلطنك على قبض أَرْوَاحهم فأعلمها أَنَّك راد عَلَيْهَا جَمِيع مَا أَخَذته مِنْهَا ومعيده إِلَيْهَا فَنزل عزرائيل إِلَى الأَرْض فَقَالَ أيتها الأَرْض لَا تحزني فَإِنِّي راد عَلَيْك الَّذِي أَخَذته مِنْك بِإِذن الله تَعَالَى وجاعله فِي طباقك كَمَا أَمرنِي رَبِّي وسماني ملك الْمَوْت فَلَمَّا جَاءَ ملك الْمَوْت بالقبضة أمره الله أَن يَضَعهَا على بَاب الْجنَّة فوضعها على بَاب جنَّة الفردوس وَأمر الله خَازِن الْجنَّة أَن يعجنها من مَاء التسنيم فعجنها وَقد مضى من يَوْم الْجُمُعَة سبع سَاعَات لِأَن قَبضته أخذت فِي آخر السَّاعَة السَّادِسَة وَأول السَّابِعَة ثمَّ صَارَت طيناً على بَاب الْجنَّة حَتَّى صَارَت لازباً ثمَّ حمأ مسنوناً فِي السَّاعَة الثَّامِنَة فَلَمَّا صوره الله تَعَالَى

стр. 28

فَأحْسن صورته جعله أجوف جسداً فخاراً إِلَى أَن بَقِي من يَوْم الْجُمُعَة سَاعَة وَاحِدَة من النَّهَار الَّذِي مِقْدَاره ألف سنة مِمَّا تَعدونَ تِلْكَ السَّاعَة مقدارها من سني الدُّنْيَا ثَلَاث وَثَمَانُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر (آدم وحواء) اشتقاق آدم قيل من الأدمة وَهِي نوع سَمُرَة وَقيل من أَدِيم الأَرْض فَإِذا سمى بِهِ ثمَّ نكر صرف وَقيل اسْم الأَرْض الرَّابِعَة أَدِيم وَخلق آدم مِنْهَا فَلذَلِك قيل خلق من أَدِيم الأَرْض وَقيل أَدِيم الأَرْض أدنى الأَرْض الرَّابِعَة إِلَى اعْتِدَال لِأَنَّهُ خلق وسط من الْمَلَائِكَة وَأَن الله تَعَالَى خلقه من أَنْوَاع متضادة وطبائع مُخْتَلفَة لِأَنَّهُ من تُرَاب الأَرْض فجَاء فِيهِ من كل شَيْء فِيهَا فعيناه من ملحها وأذناه من مرها وشفته وَلسَانه وفوه من عذبها ويداه وَرجلَاهُ من حزنها وصدره من سهلها وبطنه وإبطاه من حمئها ومفاصله من حرهَا ولينها وعروقه وأعضاؤه وعظامه من صخرها وَكَانَ سكان الأَرْض قبله الْجِنّ وَقيل الْجِنّ والبن وَقيل الطم والرم وَلما أهلكهم الله وَجعل آدم بدلهم فَقَالَت الْمَلَائِكَة مَا قَالَت فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ الْبَقَرَة ٣٠ وَعَن الْجواد أَن الله خلق آدم وَكَانَ جسده طيناً وَبَقِي أَرْبَعِينَ سنة ملقى تمر بِهِ الْمَلَائِكَة وَتقول لأمر مَا خلقت وَكَانَ إِبْلِيس يدْخل من فِيهِ وَيخرج من دبره فَلذَلِك صَار مافي جَوف ابْن آدم منتناً خبيثاً وَفِي المروج تَركه حَتَّى أنتن وَتغَير أَرْبَعِينَ سنة وَذَلِكَ قَوْله ﴿من حمإ مسنون﴾ الْحجر ٢٨ يَقُول منتن وصوره ثمَّ تَركه بِلَا روح من صلصال كالفخار حَتَّى أَتَى عَلَيْهِ مائَة وَعِشْرُونَ سنة وَقيل أَرْبَعُونَ سنة وَهِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَلْ أَتَى على الْإِنْسَان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمّ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ الْإِنْسَان ١ فَكَانَت الْمَلَائِكَة تمر بِهِ فزعين مِنْهُ وَكَانَ أَشَّدهم فَزعًا إِبْلِيس كَانَ يمر بِهِ فيضربه بِرجلِهِ فَيظْهر لَهُ صَوت صلصلة كظهوره من الفخار وَيدخل من فِيهِ وَيخرج من دبره وَيَقُول لأمر مَا خلقت ثمَّ نفخ فِيهِ الرّوح يَوْم

стр. 29

الْجُمُعَة السَّادِس من نيسان قَالَ كَعْب إِن روح آدم لَيست كأرواح الْمَلَائِكَة وَلَا غَيرهَا من الْأَرْوَاح فَضلهَا الله تَعَالَى بقوله ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ ساجدين﴾ الْحجر ٢٩ فَأمر روحه أَن يغمسها فِي جَمِيع الْأَنْوَار ثمَّ أمرهَا أَن تدخل فِي جَسَد آدم من أَنفه فَقَالَت مَكَان ضيق فنوديت ادخلي كرها واخرجي كرها فَدخلت فِي مَنْخرَيْهِ ثمَّ ارْتَفَعت فِي خياشيمه ووصلت إِلَى دماغه وَمَاجَتْ فِي رَأسه فأبصر وَسمع وشم وتنفس وَصَارَ بَين عَيْنَيْهِ كالغرة الْبَيْضَاء يتلألأ فَهُوَ نور رَسُول الله وَقيل دخلت من اليافوخ إِلَى عَيْنَيْهِ فَفَتحهَا وَجعل ينظر لنَفسِهِ حَيا فَرَأى فِي سرادق الْعَرْش مَكْتُوب لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وَلم يقدر على الْكَلَام فَصَارَت الرّوح إِلَى أُذُنَيْهِ فَسمع تَسْبِيح الْمَلَائِكَة ثمَّ جعلت تمر فِي جسده ودماغه وَالْمَلَائِكَة تنظر إِلَيْهِ وَأَن الرّوح انفلتت نازلة إِلَى عُنُقه ثمَّ إِلَى صَدره وجوفه وَتَفَرَّقَتْ فِي جَمِيع أَعْضَائِهِ وعصبه وعروقه فَأمر آدم يَده على رَأسه وَوَجهه فعطس وَقيل إِن الرّوح لما وصلت إِلَى الخياشيم عطس فَلَمَّا لحقت اللِّسَان قَالَ بلغَة عَرَبِيَّة فصيحة وَهِي لُغَة أهل الْجنَّة الْحَمد لله فناداه الرب يَرْحَمك الله رَبك يَا أَبَا مُحَمَّد لهَذَا خلقتك وَهَذَا لَك ولولدك وَلكُل من قَالَ قَوْلك وَلم تزل الرّوح تجْرِي فِي جسده إِلَى أَن وصلت رُكْبَتَيْهِ فاستعجل ليقوم فَسقط فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَانَ الْإِنْسَان عَجُولاً﴾ الْإِسْرَاء ١١ وَلما بلغت السَّاقَيْن والقدمين اسْتَوَى جَالِسا وَقَامَ على قَدَمَيْهِ فِي يَوْم الْجُمُعَة عِنْد زَوَال الشَّمْس فَنَظَرت الْمَلَائِكَة إِلَيْهِ كَأَنَّهُ الْفضة الْبَيْضَاء فَسَقَطت كلهَا سجوداً كَمَا أَمرهم الله تَعَالَى إِلَّا إِبْلِيس فَأبى أَن يكون مَعَ الساجدين فَقَالَ الله تَعَالَى مَا مَنعك أَن تسْجد لآدَم فعصيتني وَكنت لي طَائِعا تنكر على الْجِنّ الْعِصْيَان وَأَنت تجتهد فِي عبادتي وَسَأَلتنِي أرفعك إِلَى سماواتي وأبحتك الولوج من سَمَاء إِلَى سَمَاء وأنزلتك مَعَ الْمَلَائِكَة إِلَى الأَرْض حَتَّى أخلوا الْجِنّ الَّذين أَنْت مِنْهُم فَمَا مَنعك أَلا تكون مَعَ الساجدين كَمَا أَمرتك وَخفت أَن تكون دون آدم فِي الْفضل فَرَجَعت إِلَى أصلك الأول وعصيت كقومك ونقضت عهدي وميثاقي فبعداً لَك وَسُحْقًا فَقَالَ إِبْلِيس (أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ

стр. 30

خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ الْأَعْرَاف ١٢ وَالنَّار خير من الطين وَأَنا كنت أطؤه وَهُوَ تُرَاب وَأَنا عبدتك قبله فَقَالَ لَهُ ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ الْحجر ٣٤ يَعْنِي من السَّمَوَات أَو من الرَّحْمَة أَو الْجنَّة ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ الْحجر ٣٤ وَلما قَامَ آدم أمره الله تَعَالَى أَن يمْضِي إِلَى الْمَلَائِكَة فَيَقُول لَهُم السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَفعل وَكَانَ من ردهم عَلَيْهِ وَعَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته فَقَالَ الله تَعَالَى هَذِه تحيتك وتحية ولدك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَهِي تَحِيَّة أهل الْجنَّة ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى أَنْتُم قُلْتُمْ قبل أَن انفخ فِيهِ الرّوح لم نر خلقا اكر على الله وَلَا أعلم منا فأنبئوني بأسماء هَؤُلَاءِ إِن كُنْتُم صَادِقين بعد أَن كشف عَن ملكوته لتنظر الْمَلَائِكَة وآدَم إِلَى مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَأذن لأمم الْبَحْر فطفت فَوق المَاء فَقَالُوا لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا فأبان الله فضل آدم على جَمِيع خلقه بِمَا خصّه من الْعلم بمعاني الْأَسْمَاء قيل علمه جَمِيع خلقه وَقيل علمه جَمِيع الْأَسْمَاء والصناعات وَعمارَة الأَرْض والأطعمة والأدوية واستخراج الْمَعَادِن وغرس الْأَشْجَار ومنافعها وَجَمِيع مَا يتَعَلَّق بعمارة الدّين وَالدُّنْيَا وَقيل علمه أَسمَاء الْأَشْيَاء كلهَا مَا خلق وَمَا لم يخلق بِجَمِيعِ اللُّغَات الَّتِي يتَكَلَّم بهَا وَلَده بعده فَأخذ عَنهُ وَلَده اللُّغَات فَلَمَّا تفَرقُوا تكلم كل قوم بِلِسَان ألفوه وتطاول الزَّمَان على مَا خَالف ذَلِك فنسوه وَسُئِلَ الصَّادِق رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ الْبَقَرَة ٣١ فَقَالَ الْأَرْضين وَالْجِبَال والشعاب والأودية ثمَّ نظر إِلَى بِسَاط تَحْتَهُ فَقَالَ وَهَذَا الْبسَاط مِمَّا علمه وَقيل علمه ألقاب الْأَشْيَاء وخواصها وَهُوَ أَن الْفرس يصلح لماذا وَالْحمار لماذا إِلَى غير ذَلِك وَهَذَا أبلغ لِأَن مَعَاني الْأَشْيَاء لَا تَتَغَيَّر بِتَغَيُّر الْأَزْمَان بِخِلَاف الألقاب ثمَّ اخْتلف فِي تَعْلِيمه فَقيل أودع قلبه مَعْرفَتهَا وفتق لِسَانه بهَا فَكَانَ يتَكَلَّم بهَا وَكَانَ ذَلِك معجزاً لَهُ ﵇ ناقضاً للْعَادَة فَقَالَ يَا آدم أنبئهم بِأَسْمَائِهِمْ فَعَن ابْن عَبَّاس أَنه تكلم بسبعين لِسَانا أحْسنهَا الْعَرَبيَّة ثمَّ أَمر الْمَلَائِكَة

стр. 31

لتحمله على أكتافها ليَكُون عَالِيا عَلَيْهَا وَيَقُولُونَ قدوس قدوس واصطفت الْمَلَائِكَة عشْرين ألف صف وَأعْطى آدم من الصَّوْت مَا بَلغهُمْ وَوضع لَهُ مِنْبَر الْكَرَامَة وَعَلِيهِ ثِيَاب من السندس الْأَخْضَر وَعَلِيهِ ضفيرتان مرصعتان بالجوهر محشوتان مسكاً وعنبراً من فرقه إِلَى قَدَمَيْهِ على رَأسه تَاج من الذَّهَب لَهُ أَرْبَعَة أَرْكَان فِي كل ركن درة يغلب ضوءها الشَّمْس وَفِي أَصَابِعه خَوَاتِم الْكَرَامَة فانتصب قَائِما وَسلم فأجابته الْمَلَائِكَة فَصَارَ ذَلِك سنة ثمَّ خطب فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي لم يزل فَصَارَ سنة أَيْضا ثمَّ ذكر علم السَّمَوَات وَالْأَرضين وَمَا بَينهمَا بعد أَن أثنى على الله بِمَا هُوَ أَهله فَجعل يُخْبِرهُمْ باسم كل شَيْء من الْبر وَالْبَحْر حَتَّى الذّرة والبعوضة فتعجبت الْمَلَائِكَة من علمه وسبحت وقدست فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿ألم أقل لكم إِنِّي أعلم غيب السَّمَاوَات وَالأَرْضِ﴾ الْبَقَرَة ٣٣ ثمَّ نزل من منبره وَقد زَاده الله من نوره أضعافاً وَفِي ذَلِك دلَالَة على ارْتِفَاع قدر آدم عَلَيْهِم وَعَن أبي عبد الله أَنه قَالَ سجدت الْمَلَائِكَة لآدَم وَوَضَعُوا جباههم على الأَرْض وَعنهُ أَنه لما أَمر إِبْلِيس بِالسُّجُود فَقَالَ يَا رب وَعزَّتك إِن أعفيتني من السُّجُود لآدَم لأعبدنك عبَادَة مَا عَبدك أحد قطّ مثلهَا فَقَالَ لَهُ الله تَعَالَى إِنِّي أحب أَن أطَاع من حَيْثُ أُرِيد وَفِي المروج قَالَ يَا رب أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين وَالنَّار اشرف من الطين وَأَنا الَّذِي كنت مُخْتَلفا فِي الأَرْض وَأَنا الملبس بالريش والموشح بِالنورِ والمتوج بالكرامة وَأَنا الَّذِي عبدتك فِي سمائك وأرضك فَقَالَ لَهُ ﴿اخرُج مِنْهَا﴾ الْآيَة الْأَعْرَاف ١٨ فَسَأَلَهُ المهلة إِلَى يَوْم يبعثون قَالَ بَعضهم فَعِنْدَ ذَلِك تَغَيَّرت خلقته وَنظرت الْمَلَائِكَة إِلَى سوء منظره فَوَثَبت عَلَيْهِ بحرابها يلعنونه وَيَقُولُونَ رجيم رجيم مَلْعُون مَلْعُون فَأول من طعنه جِبْرِيل ثمَّ الْمَلَائِكَة من جَمِيع النواحي وَهُوَ هارب بَين أَيْديهم حَتَّى ألقوه فِي الْبَحْر الْمَسْجُور واضطربت الْمَلَائِكَة وارتجت السَّمَوَات من جراءات إِبْلِيس فِي مُخَالفَة أَمر الله تَعَالَى وَقد كَانَ السُّجُود لله وَالطَّاعَة لآدَم وَلَكِن ظن لَعنه الله أَن التَّفَاضُل بالأصول فَأَخْطَأَ فِي الْقيَاس على أَن الطين الَّذِي خلق مِنْهُ آدم أنور من النَّار

стр. 32

وَالنَّار من الشّجر وَالشَّجر من الطين فَغَضب عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ الِانْتِظَار فَأَجَابَهُ وَسُئِلَ الْعَالم عَن السَّبَب فِي إجَابَته فَقَالَ إِنَّه لما أهبط إِلَى الأَرْض يحكم فِيهَا فَغير وَبدل غضب عَلَيْهِ فَسجدَ لَهُ سَجْدَة أَرْبَعَة آلَاف سنة فَجعل الله تِلْكَ السَّجْدَة سَببا للإجابة فِي النظرة إِلَى يَوْم الْوَقْت الْمَعْلُوم ثمَّ إِن الله مسح ظهر آدم فَأخْرج ذُريَّته كَهَيئَةِ الذَّر بَيْضَاء وسوداء ذُكُورا وإناثاً تَاما وناقصاً صَحِيحا وسقيماً على مَا هُوَ خَالِقهَا ثمَّ قَالَ لَهُ هَذِه ذريتك فَقَالَ يَا رب أَلا سويت بَينهم وعافيت الْجَمِيع فَقَالَ إِنِّي أحب أَن أشكر وَأَنا أعلم بخلقي فَنظر آدم إِلَى طَائِفَة من ذُريَّته تتلألأ وُجُوههم فَقَالَ يَا رب من هَؤُلَاءِ الَّذين علت أنوارهم على غَيرهم فَقَالَ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاء من ذريتك فَقَالَ يَا رب كم عَددهمْ قَالَ مائَة ألف نَبِي وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف نَبِي مِنْهُم ثَلَاثمِائَة وَخَمْسَة عشر مرسلون أَنْت أَوَّلهمْ وَمُحَمّد ابْنك حَبِيبِي آخِرهم وَهُوَ صَاحب النُّور الْعَظِيم الَّذِي فِي أسارير وَجهك وَهُوَ خَاتم الْأَنْبِيَاء وأشرفهم شَرِيعَة وأفضلهم أمة ولولاه مَا خلقتك وَلَا خلقت جنَّة وَلَا نَارا وَلَا أَرضًا وَلَا سَمَاء فأمن آدم فَقَالَ الله تَعَالَى قد زدتك فضلا وكرامة وكنيتك بِهِ أَنْت أَبُو مُحَمَّد فاعرف مَنْزِلَته مني وَإِذا أردْت حَاجَة فاسألني بِحقِّهِ أقضها لَك وَهُوَ أول من تَنْشَق عَنهُ الأَرْض وَأول شَافِع وَأول مُشَفع وَأول قارع لأبواب الْجنَّة وَأول من يدخلهَا وَقد شرفتك بِهِ وَهُوَ النُّور الَّذِي فِي أسارير وَجهك ينْتَقل مِنْك إِلَى زَوجك حَوَّاء فَإِذا رَأَيْته انْتقل فَاعْلَم أَنِّي نقلته من ظهرك إِلَى وسأنقله من بطن إِلَى ظهر وَمن ظهر إِلَى بطن إِلَى أَن يَأْتِي زَمَانه وَلَا أنقله إِلَّا فِي الأصلاب الزكية والأرحام الطاهرة فَإِذا رَأَيْته انْتقل إِلَى ولدك فَخذ عَلَيْهِ الْعَهْد والميثاق أَلا يَضَعهُ إِلَّا فِي أطهر النسوان وَأَنا الْمُتَوَلِي لذَلِك إِلَى حِين مولده ثمَّ أَمر الله ذَلِك الذَّر أَن يقومُوا عَن يَمِين آدم وشماله فَقَالَ الله اختر إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَاخْتَارَ الْيَمين وهم الْأَنْبِيَاء والمرسلون لما رأى من أنوارهم وَأخْبرهُ بِأَسْمَائِهِمْ نَبيا نَبيا ورسولاً رَسُولا وعرفه أَعْمَالهم وشرائعهم وَمَا يلقون من المهم ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى هَؤُلَاءِ ذريتك آخذ ميثاقهم أَن يعبدوني وَلَا يشركوا بِي شَيْئا وَعلي أَرْزَاقهم قَالَ نعم فَقَالَ الله تَعَالَى من

стр. 33

ربكُم فَقَالُوا إلهاماً أَنْت رَبنَا وخالقنا فَقَالَ الله يَا آدم اشْهَدْ واشهدوا يَا ملائكتي وَأشْهد أَنا وكفي بِي شَهِيدا لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْم الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غافلين ثمَّ ردهم إِلَى ظهر آدم وَقد أَخذ عَلَيْهِم الْعَهْد والميثاق ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى يَا آدم قد كشف عَن بَصرك فأريتك جَمِيع خلقي وَلم يخف عَلَيْك شَيْء فَهَل رَأَيْت لَك فيهم شَبِيها فَقَالَ لَا يَا رب لقد فضلتني فلك الْحَمد كثيرا فَاجْعَلْ لي زوجا مني أسكن إِلَيْهَا وآنس بهَا نسبحك ونقدسك جَمِيعًا فَقَالَ تَعَالَى إِنِّي فَاعل ذَلِك وتنسلان خلقا خلقته فِي ظهرك ولي فِي ذَلِك تَدْبِير وَأَنا على كل شَيْء قدير فَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ لما اخْرُج إِبْلِيس من الْجنَّة بَقِي آدم وَحده فاستوحش فخلقت لَهُ حَوَّاء ليسكن إِلَيْهَا وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى ألْقى عَلَيْهِ النّوم وَذَلِكَ فِي أول نعسة نعس فَنَامَ فَأخذ مِنْهُ ضلعاً وَخلق مِنْهُ حَوَّاء وَهُوَ أول ضلعه الْقصير الْأَيْسَر مِمَّا يَلِي قلبه ثمَّ أرَاهُ فِي مَنَامه بقدرته كَيفَ خلقهَا وَهِي أول رُؤْيا رَآهَا ثمَّ انتبه فَإِذا عِنْد رَأسه امْرَأَة جالسة أشبه بِهِ خلقا ووجهاً إِلَّا أَنه أعظم فِي الطول والجسم وَالْحسن وَالْجمال فَقَالَ الله تَعَالَى هَذِه مثلك وَمن جنسك وَهِي زَوجك فأنس بهَا وَسكن إِلَيْهَا وَفِي حَدِيث ابْن عَبَّاس فَسَأَلَهَا من أَنْت قَالَت امْرَأَة قَالَ لم خلقت قَالَت لتسكن إِلَيّ فَقَالَت الْمَلَائِكَة مَا اسْمهَا يَا آدم قَالَ حَوَّاء قَالُوا وَلم سميت حَوَّاء قَالَ لِأَنَّهَا خلقت من شَيْء حَيّ فَعندهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الْبَقَرَة ٣٥ وَسميت امْرَأَة لِأَنَّهَا خلقت من الْمَرْء يَعْنِي آدم وسمى النِّسَاء نسَاء لِأَنَّهُ لم يكن لآدَم أنيس غير حَوَّاء وَفِي كتاب النُّبُوَّة خلق الله آدم من الطين وَخلق حَوَّاء من آدم فهمة الرِّجَال المَاء والطين وهمة النِّسَاء الرِّجَال وَفِي حَدِيث بَدْء النَّسْل عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد قيل فَإِن أُنَاسًا يَقُولُونَ إِن حَوَّاء خلقت من ضلعه الْأَيْسَر فَقَالَ تَعَالَى الله عَن ذَلِك ألم يكن لله من الْقُدْرَة مَا يخلق لآدَم زَوْجَة من غير خلقه وَيبقى لمتكلم أهل الشِّيعَة سَبِيلا إِلَى قَوْله إِن آدم كَانَ

стр. 34

ينْكح بعضه بَعْضًا ثمَّ ذكر نزُول نزله ومنزله وَقيل إِن معنى كَونهَا أخذت من ضلع آدم أَن المُرَاد الضلع الحسابي فَإِنَّهَا ضلع من أضلاع آدم كَمَا هُوَ مُقَرر فِي علم الأوفاق قَالَ بعض المغاربة فِي كَلَامه على وفْق زحل هَذَا فَإِن جملَة أعداد حُرُوف الوفق خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ هِيَ مَجْمُوع قَوْلك آدم لِأَن كل ضلع مِنْهُ وكل ب ط د ز وَج وَا ح شطر من أشطاره جملَته خَمْسَة عشر وَهُوَ جملَة اسْم حَوَّاء قَالَ وَله مُنَاسبَة ظَاهِرَة من حَيْثُ إِن حَوَّاء خلقت من ضلع آدم وَقد ظهر مَعَ هَذَا اسْم حَوَّاء فِي الوفق فِي السطر الثَّالِث وَهُوَ واح بِتَقْدِيم وَتَأْخِير وَسمعت عَن بعض عُلَمَاء عصرنا أَن المُرَاد بِكَوْنِهَا أخذت من ضلعه هَذَا الْمَعْنى قلت أذكر فِي هَذَا القَوْل بَيْتا فِي مَعْنَاهُ وَهُوَ (مَنْ كانَ آدم جُملاً فِي سنِّنهِ ... هَجَرتهُ حوَّاءُ السنينَ مِنَ الدِّمَا) وَهُوَ مِمَّا يطارح بِهِ الأدباء فَفِيهِ نوع رقة يدريها من طبعه فِيهِ دقة انْتهى وَعَن وهب أَن الله خلق حَوَّاء من فضل طِينَة آدم على صورته وَفِي رِوَايَة أَنَّهَا كَانَت فِي طول آدم وَحسنه وَلها سَبْعمِائة ضفيرة مرصعة بالياقوت محشوة بالمسك وَكَانَت متوجة على صُورَة آدم غير أَنَّهَا أرق مِنْهُ جلدا وأخفى صَوتا وأدعج عينا وأملح ثغراً وألطف بناناً وألين كفا وروى أَنه لما ابتدع لَهُ خلق حَوَّاء وَقد ألْقى عَلَيْهِ السبات جعلهَا فِي مَوضِع النقرة الَّتِي بَين وركيه لكَي تكون الْمَرْأَة تبعا للرجل فَأَقْبَلت تتحرك فانتبه لتحركها فَلَمَّا انتبه نوديت أَن تنحى عَنهُ فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا نظر إِلَى خلق حسن يشبه صورته غير أَنَّهَا أُنْثَى فكلمها وكلمته بلغته فَقَالَ لَهَا من أَنْت فَقَالَت أَنا خلق خلقني الله تَعَالَى كَمَا ترى فَقَالَ آدم عِنْد ذَلِك يَا رب مَا هَذَا الْخلق الْحسن الَّذِي قد آنستني قربه وَالنَّظَر إِلَيْهِ فَقَالَ الله تَعَالَى يَا آدم هَذِه أمتِي حَوَّاء فتحت أَن تكون مَعَك فتؤنسك وتحدثك وَتَكون تَابِعَة لأمرك فَقَالَ نعم يَا رب لَك عَليّ

стр. 35

بذلك الْحَمد وَالشُّكْر مَا بقيت قَالَ فاخطبها إِلَيّ فَإِنَّهَا أُنْثَى وَقد تصلح لَك زَوْجَة للشهوة وَألقى الله تَعَالَى عَلَيْهِ الشَّهْوَة وَقد علمه قبل ذَلِك الْمعرفَة لكل شَيْء فَقَالَ يَا رب إِنِّي أخطبها إِلَيْك فَمَا رضاك لذَلِك قَالَ مرضاتي أَن تعلمهَا معالم ديني قَالَ تذلك لَك يَا رب إِن شِئْت ذَلِك لي فَقَالَ قد شِئْت ذَلِك وَقد زوجتكها فَضمهَا إِلَيْك فَقَالَ لَهَا آدم إِلَيّ فأقبلي فَقَالَت بل أَنْت فَأمره الله تَعَالَى إِن يقوم إِلَيْهَا فَقَامَ وَلَوْلَا ذَلِك لَكَانَ النِّسَاء يقمن إِلَى الرِّجَال وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد أَنه فضل من طِينَة آدم فضلَة فخلق الله مِنْهَا النَّخْلَة فَلذَلِك إِذا قطع رَأسهَا لم تنْبت وتحتاج إِلَى اللقَاح وَهِي أول شَيْء اهتز على وَجه الأَرْض وَعَن ابْن عَبَّاس بَقِي من طِينَة آدم شَيْء فحلقه فجَاء مِنْهُ الْجَرَاد وَقيل إِن حَوَّاء خلقت من قبل أَن يدْخل آدم الْجنَّة ثمَّ أدخلا مَعًا فَعَن كَعْب أَن الله خلق الميمون لآدَم قبل خلقه بِأَلف عَام من الكافور والمسك والزعفران ومزج بِمَاء الْحَيَوَان وَله عرفان من المرجان وناصيته من الْيَاقُوت وحوافره من الزبرجد بسرج من زبرجد ولجام من ياقوت وَله أَجْنِحَة من ألوان الْجَوْهَر فَاسْتَوَى على ظَهره وَخلق لحواء نَاقَة اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهَا وَسَار إِلَى الْجنَّة وحواء من وَرَائه وَلم يبْق فِيهَا طَائِر وَلَا شَجَرَة إِلَّا وتثنى على آدم وَإِذا فِي وسط الْجنَّة سَرِير لَهُ سَبْعمِائة قَائِمَة عَلَيْهِ فرش من السندس والإستبرق وَبَين الْفرش كُثْبَان العنبر والمسك فَجَلَسَا عَلَيْهِ وَكَانَ آدم ينزل عَن السرير فَيَمْشِي وحواء خَلفه تسحب ضفائرها وَالْمَلَائِكَة تنثر عَلَيْهِمَا من نثار الْجنَّة حَتَّى يرجعان قَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سعيد وَألقى الله فِي قلب آدم محبَّة حَوَّاء والشغف بهَا فَجعل يرد بَصَره عَنْهَا وَكَانَ لَوْنهَا كلون اللؤلؤة الْبَيْضَاء الصافية رقيقَة الْبشرَة رخيمة الْكَلَام لينَة الْأَطْرَاف قد طهرت وقدست وكسيت نورا وبهجةً وجمالاً ودلالاً وكمالاً وتوجت وقرطت وسورت ودملجت وكللت غدائرها بِاللُّؤْلُؤِ وَكَانَ الله تَعَالَى قد كساها وكسا آدم من قبلهَا عوضا من الْجلد لباساً من الظفر الَّذِي بَقِي فِي أَطْرَاف الْأَصَابِع أبقاه الله لَهُ زِينَة على أَطْرَاف أناملهم يتوارثونه عَنهُ فَكَانَ لباسهما حِينَئِذٍ وَكَانَ لَهُ نور سَاطِع كَاللُّؤْلُؤِ الْأَبْيَض لَا يتدنس وَلَا يبْلى

стр. 36

وَكَانَ آدم أجمل من حَوَّاء طوله سِتُّونَ ذِرَاعا وَوَجهه كالدر الممازج الْيَاقُوت الْأَحْمَر بِشعر أسود أَجْعَد على بياضه وَله عينان كحلاوان وأنف أقنى وفم أَسْنَانه كالدر المنظوم وشفتان حمراوتان وبطن كبطن الْقبَاطِي وعرقه يفوح كالمسك وَلَا يتَغَيَّر مِنْهُ ذَلِك على طول الْمدَّة إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ كلما ازْدَادَ إِلَيْهَا نظرا ازْدَادَ لَهَا محبَّة فَأوحى الله إِلَيْهِ إِنِّي مَا خلقتها مِنْك إِلَّا لَك زوجا وإلفاً فأزوجكها بعهدي وميثاقي حَتَّى أسكنكما جنتي وَدَار كَرَامَتِي على أَن تطيعاني وَلَا تخالفا أَمْرِي فَقَالَ يَا رب أَنا فَاعل ذَلِك وممتثل أَمرك وَمَا تشرطه عَليّ فَأمر الله جِبْرِيل أَن يكون الْخَاطِب وَرب الْعَالمين الْوَلِيّ وَالْمَلَائِكَة الشُّهُود فَخَطب جِبْرِيل وَزوج الله حَوَّاء بِآدَم وَقَالَ لَهُ هَات صدَاق أمتِي قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ سبحني ألف تَسْبِيحَة على نفس وَاحِد فسبح خَمْسمِائَة وَانْقطع فَقَالَ هَذَا معجل الصَدَاق والخمسمائة مُؤَجّلَة فَلهَذَا جعل فِي الْمهْر الْمُعَجل والمؤجل فَلَمَّا زوجه الله بهَا أَمر رضوَان يزخرف الْجنَّة لعرسه وَأَن يوضع لآدَم مِنْبَر من النُّور فعلاه آدم وحواء إِلَى جَانِبه وألبسهما من حلل الْجنَّة وتوجهما وَأمر الخزنة أَن تنثر عَلَيْهِمَا اللُّؤْلُؤ والمسك وَأمر الْمَلَائِكَة بالتقاط نثار آدم تبركاً بِهِ وَأمر رضوَان يخرج لَهُ فرسا من خُيُول الْجنَّة فَأخْرج لَهُ فرسا من الكافور لَهُ جَنَاحَانِ أخضران منظومان بالدر والياقوت عَلَيْهِ سرج من الْجنَّة ولجام من النُّور فَرَكبهُ فَلَمَّا اسْتَوَى فِي ظَهره جمح وَكَانَ جمحه تسبيحاً وتقديساً فألهم الله آدم إِن قَالَ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ﴾ الزخرف ١٣ ثمَّ أخرج لحواء نَاقَة من نُوق الْجنَّة من العنبر الْأَشْهب عَلَيْهِ هودج اللُّؤْلُؤ وقبة من الْيَاقُوت الْأَحْمَر قد غشيت بالإستبرق وخطامها وكورها من اللُّؤْلُؤ الرطب الْأَبْيَض فَلَمَّا اسْتَوَت حَوَّاء فِي وسط الْقبَّة أسبلت عَلَيْهَا الستور وَأمر الْمَلَائِكَة أَن يزفوهما إِلَى الْجنَّة ويمشوا بَين أَيْدِيهِمَا ووراءهما وحولهما يهللون وَيُكَبِّرُونَ فطافت الْمَلَائِكَة بفرس آدم وناقة حَوَّاء وهما يخترقان صوف الْمَلَائِكَة فِي طرق السَّمَوَات وَلَا يَمرونَ بملأ إِلَّا سلمُوا عَلَيْهِمَا ورحبوا بهما وَقَالُوا هَنِيئًا لَك يَا آدم بِمَا أَعْطَاك وزوجك حَوَّاء طُوبَى لَك يَا آدم وبعداً لإبليس عَدوك حَتَّى انتهيا إِلَى بَاب الْجنَّة أَمر الله تَعَالَى للْمَلَائكَة إِن يوقفوهما حَتَّى يَأْمُرهُ وينهاه ويحذره عدوه فأوقفوه فمما قَالَ هَذِه

стр. 37

جنتي أبحتك إِيَّاهَا وجعلتها مسكنا لَك ولزوجك ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تقرَبَا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين﴾ الْبَقَرَة ٣٥ وَأمر الله بإبليس فَوقف بَين يَدي آدم وَقَالَ لَهُ ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَك أَلَاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ الْآيَة طه ١١٧ ١١٨ احفظ وصيتي وَكن بَاقِيا على عهدي وَترك معصيتي وَقد أبحتك الْجنَّة كلهَا إِلَّا هَذِه الشَّجَرَة فإياك أَن تَقربهَا فَتكون ظَالِما لنَفسك وَمَتى أكلتها خَالَفت أَمْرِي وأخرجتك من جواري فَقَالَ آدم قد سَمِعت وَلَا أعصى لَك أمرا وَلَا أقبل من عدوي صرفا وَلَا نصرا فَأَي شَجَرَة هِيَ حَتَّى أعرفهَا وأتجنبها فَأمر الله رضوَان فأوقفه عَلَيْهَا وَقَالَ لَهُ ولحواء احذرا أَن يغويكما عدوكما فَإِنَّهُ حَرِيص على إخراجكما من الْجنَّة فإياكما أَن تطيعاه فَإِن أكلتما بَدَت سوءاتكما وَغَضب عَلَيْكُمَا رَبكُمَا فَعرف آدم الشَّجَرَة وَعرف موضعهَا وَاخْتلف فِي الشَّجَرَة فَقيل شَجَرَة البطم وَهُوَ الْقَمْح وَكَانَت الْحبَّة مِنْهَا كالكلوة من الْبَعِير أحلى من الْعَسَل وألين من الزّبد وَهِي الفوم بالعبرانية وَكَانَ لون حبها كلون الثَّلج وَقيل إِنَّهَا التينة وَقيل أَنَّهَا الكرمة وَقيل شَجَرَة الْخلد الَّتِي كَانَت الْمَلَائِكَة تَأْكُل مِنْهَا وَقيل شَجَرَة الكافور وَعَن ابْن بابويه بِإِسْنَادِهِ يرفعهُ إِلَى عبد السَّلَام بن صَالح الْهَرَوِيّ قَالَ قلت للرضا ﵇ أخبرنَا عَن الشَّجَرَة الَّتِي أكل مِنْهَا آدم وحواء ﵉ مَا كَانَت فقد اخْتلف النَّاس فِيهَا فَقَالَ يَا أَبَا الصَّلْت إِنَّمَا الشَّجَرَة

стр. 38

بِالْجنَّةِ تحمل أنواعاً فَكَانَت شَجَرَة الْحِنْطَة وفيهَا عِنَب وَلَيْسَت كشجرة الدُّنْيَا وترجل آدم عَن الْفرس وحواء عَن النَّاقة وأقبلا يأكلان من ثمار الْجنَّة ويشربان من أنهارها مَا أحبا لَبَنًا أَو مَاء أَو خمرًا والأغصان تميل عَلَيْهِمَا ليأخذا مِنْهَا فَإِذا أخذا أنبت الله مَوضِع الْمَأْخُوذ خيرا مِنْهُ ويأكلان من الطير مَا أَرَادَا مشوياً ومطبوخاً وَكلما أكلا عضوا أنبت الله مَكَانَهُ فَإِذا اكتفيا انتفض الطَّائِر طيراً كَمَا كَانَ بِإِذن الله تَعَالَى فيرفرف بجناحه عَلَيْهِمَا وَيَقُول بِصَوْت مطرب الْحَمد لله الَّذِي جعلني طَعَاما لأوليائه ثمَّ يأتيهما غلْمَان مخلدون فيضعون بَين أَيْدِيهِمَا مَوَائِد الدّرّ والياقوت عَلَيْهَا الْأَطْعِمَة والفواكه ويحفون مجلسهما بالطيب والرياحين والأشربة فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ والغلمان على رءوسهما بأكواب الذَّهَب وأباريق الْفضة وقوارير الْيَاقُوت فِيهَا أَنْوَاع الْأَشْرِبَة وَالدَّوَاب وَالطير وَغير ذَلِك يسلمُونَ عَلَيْهِمَا ويهنئونهما بالنعيم وَيَقُولُونَ فضل الله آدم على جَمِيع خلقه وَكَانَ الله ألبس آدم خَاتمًا من النُّور وَقَالَ هَذَا خَاتم الْعِزّ خلقته لَك فَلَا تنس فِيهِ عهدي وَإِن نَسِيته خلعته عَنْك وألبسته من لَا ينسى عهدي وأورثه خلافتي فَقَالَ يَا رب من هَذَا الَّذِي تورثه خلافتك فَقَالَ لَهُ ولدك سُلَيْمَان أجعله نَبيا ملكا على سَائِر ولدك وعَلى سَائِر الْجِنّ وَكَانَ فِي إِصْبَع آدم لَهُ نور عَظِيم كَالشَّمْسِ فَلَمَّا نسى الْعَهْد طَار الْخَاتم من إصبعه حَتَّى استجار بِرُكْن من أَرْكَان الْعَرْش وَقَالَ يَا رب هَذَا آدم رفضني وَأَنت قد طهرتني فَقَالَ لَهُ اسْتَقر فلك الْأمان فَكَانَ هُنَالك حَتَّى وهبه الله لِسُلَيْمَان ﵇ وَلم يزل آدم فِي الْجنَّة وحواء وإبليس يتجسس عَن أخبارهما وَيسْأل كل من خرج من الْجنَّة عَنْهُمَا وَلَا يقدر أَن يدخلهَا لِأَن خدامها كَانَت تطرده وتعلمه إِن آدم وزوجه مقيمان فِي نعيم الْجنَّة فَكَانَ يتَقَدَّم إِلَى بَاب الْجنَّة فيقف على قَدَمَيْهِ مسبلاً جناحيه يسبح ربه ويقدسه بِصَوْت شجي ودواب الْجنَّة وطيرها ووحشها تأنس بِصَوْتِهِ وتقف تسمع مِنْهُ ويسألونه أَن يسألهم حَاجَة وَكَانَ الطاوس رَئِيس طيور الْجنَّة رَأسه من درة بَيْضَاء وَعَيناهُ ياقوتتان صفراوان وجناحاه من جَوْهَر مُخْتَلف الألوان تراصيعه وعنقه من لجين قد كلل بالياقوت

стр. 39

الْأَحْمَر وَرجلَاهُ من جَوْهَر مُخْتَلف الألوان فِي الصَّبْغ والأنوار ومنقاره من زبرجد أَخْضَر وَكَانَ إِذا نشر ذَنبه وصفق بجناحيه وغرد بِصَوْتِهِ يطرب كل من سَمعه وَكَانَت الْحَيَّة سيدة دَوَاب الْجنَّة لَهَا أَربع قَوَائِم سَمَاوِيَّة الْبَطن خضراء الظّهْر بَيْضَاء الْعُنُق حَمْرَاء الرَّأْس رقشاء الذوائب لَهَا بصيص وَنور يتلألأ فَكَانَت هِيَ والطاوس أَكثر من اغْترَّ بإبليس وافتتن بِصَوْتِهِ وتسبيحه وَكَانَ يَقُول لَهما عِنْدِي الِاسْم الْأَعْظَم الَّذِي لَا يَدعُوهُ بِهِ أحد إِلَّا أُجِيب وَإِنِّي خَائِف عَلَيْكُمَا أَن تخرجا من داركما هَذِه فَلَو تعلمتماه ودعوتما الله بِهِ لأجاب دعاءكما فَقَالَا أَيهَا الْملك علمنَا إِيَّاه لندعو بِهِ أَن يخلدنا الله فِي الْجنَّة فَقَالَ لَا أعلمكما إِلَّا أَن تدخلاني الْجنَّة من حَيْثُ لَا يعلم رضوَان وَلَا الخزنة والولدان فَقَالَا وَمن أَيْن نقدر على ذَلِك فَقَالَ للحية تدخليني فِي وبرك ويسترني الطاوس بجناحه فتدخلاني وَلَا يشْعر بكما أحد وأعلمكما الِاسْم الْأَعْظَم ففعلا مَعَه ذَلِك حَتَّى دخلا بِهِ فَلَمَّا دَخلهَا نكص على عَقِبَيْهِ وَخرج عَنْهُمَا فَلم يرياه وَقصد إِبْلِيس آدم فأغواه وَقد ورد هَذَا من طَرِيق النبط وَقيل إِن إِبْلِيس كَانَ يسْأَل دَوَاب الْجنَّة وطيرها أَن يدخلوه ليكلم آدم فَلَا يجيبونه وَكَانَت حَوَّاء قد أنست بالحية وأحبتها وَكَانَت الْحَيَّة تجىء إِلَيْهَا فِي كل يَوْم تسلم عَلَيْهَا وَتخرج إِلَى بَاب الْجنَّة فتقف هُنَاكَ وَإِن إِبْلِيس لَعنه الله طلب من الطاوس الدُّخُول فَقَالَ لَهُ لَو أَن الْحَيَّة أخذتك فِي حنكها وَبَين وبرها وَأَنا أسترك بجناحي لبلغت مرادك فَهِيَ مِمَّن يأنس إِلَيْهَا آدم وحواء فَقَالَ إِبْلِيس إِن فعلت لأشكرنك عمري كُله فَأتى الطاوس إِلَى الْحَيَّة وكلمها فَقَالَت أَخَاف أَن أطْرد من الْجنَّة كَمَا طرد هُوَ وأكون فِي سخط الله فَقَالَ لَهَا كلميه ليعلم أَنِّي كلمتك فَجَاءَت مَعَ الطاوس إِلَى بَاب الْجنَّة من حَيْثُ تنظر إِلَى إِبْلِيس وَينظر إِلَيْهَا فكلمها إِبْلِيس بتذلل ومسكنة فرحمته لما رَأَتْ من بكائه وَقَالَت أَخَاف أَن أكون فِي سخط الله كَأَنْت فَقَالَ لَهَا أَنْت لست مثلي لِأَنَّك لم تؤمري بِشَيْء فخالفت كَمَا خَالَفت أَنا أمره فِي السُّجُود وَإِذا أدخلتني فِي وبر صدرك وحنكك فأكلم آدم وحواء وترديني إِلَى مَكَاني فأجابته

стр. 40

وَكَانَ الطاوس يحض الْحَيَّة على أَن تفعل فَأَخَذته فِي وبرها مختفياً وأوقفته وَانْطَلَقت إِلَيْهِمَا وَقَالَت لَهما الطير والوحش وَالدَّوَاب بعثوني إلَيْكُمَا للتبرك بكما فَأقبل آدم وحواء نَحْو بَاب الْجنَّة فسبقتهما ووقفت مَعَ الطاوس وَأخذت إِبْلِيس فِي صَدره والطاوس إِلَى جنبها يخفي إِبْلِيس وَأَقْبل آدم ووقف على بَاب الْجنَّة وَأَقْبل إِبْلِيس يكلم آدم من حنك الْحَيَّة وهما يظنان أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تكلمها فَقَالَ إِبْلِيس لَعنه الله أَلَيْسَ الله أَبَاحَ لَكمَا الْجنَّة تأكلان من ثمارها قَالَا بلَى إِلَّا أَنه قد نَهَانَا عَن شَجَرَة وَاحِدَة فَقَالَ صدقتما تِلْكَ شَجَرَة الْخلد والحياة وَمن أكل مِنْهَا عرف الْخَيْر وَالشَّر وعاش أبدا لم يمت وخلد فِي الْجنَّة وَمَا نهاكما إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ أَو تَكُونَا من الخالدين فَقَالَا وهما يظنان أَنه الْحَيَّة أحقاً مَا تَقُولِينَ أيتها الْحَيَّة فَقَالَ إِبْلِيس حَقًا أَقُول وَكرر الْقسم بِاللَّه إِنَّه لَهما لمن الناصحين فَقَالَ آدم كَيفَ نَأْكُل مَا نَهَانَا الله عَنهُ وأوعدنا إِن أكلنَا الْبعد عَن جواره وَقد أَبَاحَ لنا مَا فِيهِ الْكِفَايَة فَأقبل على حَوَّاء وَقد اشْتغل آدم عَن كَلَامه بِالسَّلَامِ على الطُّيُور وَجعل إِبْلِيس يحلف لَهَا وَيَقُول أقبلي مني وكلي وأطعمي آدم لتكونا مخلدين وَهِي تظن أَنَّهَا الْحَيَّة فَأَقْبَلت على آدم وَسَأَلته أَن يَأْكُل فَقَالَ يَا حَوَّاء أنسيت عهد الله إِلَيْك وإلي فِي هَذِه الشَّجَرَة فَرَجَعت عَن قَوْلهَا وَكَانَت كلما ذكرت لآدَم زجرها فانصرفا وحواء تود لَو أَن آدم طاوعها فتجره إِلَى الشَّجَرَة فيأبى فَقَالَ إِبْلِيس للحية هَل لَك أَن تعاوديني كرة أُخْرَى فأكلمهما فَفعلت فَلَمَّا دخلت بِهِ الْجنَّة وقفت فصفر صفيراً أطرب بِهِ أهل الْجنَّة وَيسمع آدم وحواء فامتلآ سُرُورًا فَلَمَّا علم أَنه أطربهما ناح نياحةً أَحْزَن بهَا آدم وحواء فَقَالَا لَهُ وَقد نسيا ﴿وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ طه ١١٥ وَقد خرج من صدر الْحَيَّة مَالك بعد إِن أطربت عهِدت إِلَى الْحزن وَالْجنَّة لَا حزن فِيهَا وَلَا نياحة فَقَالَ صفرت وأطربت حِين سَمِعت أنكما فِي سرُور ثمَّ ذكرت أنكما تخرجان إِلَى دَار الغموم فنحت حزنا عَلَيْكُمَا فتنفس آدم ﵇ الصعداء فَقَالَ إِبْلِيس الْآن ظَفرت بِهِ وَتَركه وَمضى فاتبعته حَوَّاء مستوقفة لَهُ وَقد طمع فِيهَا بانفرادها عَن آدم فَقَالَت يَا عبد الله هَل عنْدك حِيلَة فِي الخلود فِي الْجنَّة فَقَالَ نعم فأصغت إِلَيْهِ فَقَالَ إِنَّك ستخرجين إِلَى دَار المذلة والتعب وَعِنْدِي لَك أَمَان من ذَلِك الشَّجَرَة الَّتِي
следующие страницы →