Полный текст (2 217 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَكَانَ آدم أجمل من حَوَّاء طوله سِتُّونَ ذِرَاعا وَوَجهه كالدر الممازج الْيَاقُوت الْأَحْمَر بِشعر أسود أَجْعَد على بياضه وَله عينان كحلاوان وأنف أقنى وفم أَسْنَانه كالدر المنظوم وشفتان حمراوتان وبطن كبطن الْقبَاطِي وعرقه يفوح كالمسك وَلَا يتَغَيَّر مِنْهُ ذَلِك على طول الْمدَّة إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ كلما ازْدَادَ إِلَيْهَا نظرا ازْدَادَ لَهَا محبَّة فَأوحى الله إِلَيْهِ إِنِّي مَا خلقتها مِنْك إِلَّا لَك زوجا وإلفاً فأزوجكها بعهدي وميثاقي حَتَّى أسكنكما جنتي وَدَار كَرَامَتِي على أَن تطيعاني وَلَا تخالفا أَمْرِي فَقَالَ يَا رب أَنا فَاعل ذَلِك وممتثل أَمرك وَمَا تشرطه عَليّ فَأمر الله جِبْرِيل أَن يكون الْخَاطِب وَرب الْعَالمين الْوَلِيّ وَالْمَلَائِكَة الشُّهُود فَخَطب جِبْرِيل وَزوج الله حَوَّاء بِآدَم وَقَالَ لَهُ هَات صدَاق أمتِي قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ سبحني ألف تَسْبِيحَة على نفس وَاحِد فسبح خَمْسمِائَة وَانْقطع فَقَالَ هَذَا معجل الصَدَاق والخمسمائة مُؤَجّلَة فَلهَذَا جعل فِي الْمهْر الْمُعَجل والمؤجل فَلَمَّا زوجه الله بهَا أَمر رضوَان يزخرف الْجنَّة لعرسه وَأَن يوضع لآدَم مِنْبَر من النُّور فعلاه آدم وحواء إِلَى جَانِبه وألبسهما من حلل الْجنَّة وتوجهما وَأمر الخزنة أَن تنثر عَلَيْهِمَا اللُّؤْلُؤ والمسك وَأمر الْمَلَائِكَة بالتقاط نثار آدم تبركاً بِهِ وَأمر رضوَان يخرج لَهُ فرسا من خُيُول الْجنَّة فَأخْرج لَهُ فرسا من الكافور لَهُ جَنَاحَانِ أخضران منظومان بالدر والياقوت عَلَيْهِ سرج من الْجنَّة ولجام من النُّور فَرَكبهُ فَلَمَّا اسْتَوَى فِي ظَهره جمح وَكَانَ جمحه تسبيحاً وتقديساً فألهم الله آدم إِن قَالَ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ﴾ الزخرف ١٣ ثمَّ أخرج لحواء نَاقَة من نُوق الْجنَّة من العنبر الْأَشْهب عَلَيْهِ هودج اللُّؤْلُؤ وقبة من الْيَاقُوت الْأَحْمَر قد غشيت بالإستبرق وخطامها وكورها من اللُّؤْلُؤ الرطب الْأَبْيَض فَلَمَّا اسْتَوَت حَوَّاء فِي وسط الْقبَّة أسبلت عَلَيْهَا الستور وَأمر الْمَلَائِكَة أَن يزفوهما إِلَى الْجنَّة ويمشوا بَين أَيْدِيهِمَا ووراءهما وحولهما يهللون وَيُكَبِّرُونَ فطافت الْمَلَائِكَة بفرس آدم وناقة حَوَّاء وهما يخترقان صوف الْمَلَائِكَة فِي طرق السَّمَوَات وَلَا يَمرونَ بملأ إِلَّا سلمُوا عَلَيْهِمَا ورحبوا بهما وَقَالُوا هَنِيئًا لَك يَا آدم بِمَا أَعْطَاك وزوجك حَوَّاء طُوبَى لَك يَا آدم وبعداً لإبليس عَدوك حَتَّى انتهيا إِلَى بَاب الْجنَّة أَمر الله تَعَالَى للْمَلَائكَة إِن يوقفوهما حَتَّى يَأْمُرهُ وينهاه ويحذره عدوه فأوقفوه فمما قَالَ هَذِه
стр. 37
جنتي أبحتك إِيَّاهَا وجعلتها مسكنا لَك ولزوجك ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تقرَبَا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين﴾ الْبَقَرَة ٣٥ وَأمر الله بإبليس فَوقف بَين يَدي آدم وَقَالَ لَهُ ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَك أَلَاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ الْآيَة طه ١١٧ ١١٨ احفظ وصيتي وَكن بَاقِيا على عهدي وَترك معصيتي وَقد أبحتك الْجنَّة كلهَا إِلَّا هَذِه الشَّجَرَة فإياك أَن تَقربهَا فَتكون ظَالِما لنَفسك وَمَتى أكلتها خَالَفت أَمْرِي وأخرجتك من جواري فَقَالَ آدم قد سَمِعت وَلَا أعصى لَك أمرا وَلَا أقبل من عدوي صرفا وَلَا نصرا فَأَي شَجَرَة هِيَ حَتَّى أعرفهَا وأتجنبها فَأمر الله رضوَان فأوقفه عَلَيْهَا وَقَالَ لَهُ ولحواء احذرا أَن يغويكما عدوكما فَإِنَّهُ حَرِيص على إخراجكما من الْجنَّة فإياكما أَن تطيعاه فَإِن أكلتما بَدَت سوءاتكما وَغَضب عَلَيْكُمَا رَبكُمَا فَعرف آدم الشَّجَرَة وَعرف موضعهَا وَاخْتلف فِي الشَّجَرَة فَقيل شَجَرَة البطم وَهُوَ الْقَمْح وَكَانَت الْحبَّة مِنْهَا كالكلوة من الْبَعِير أحلى من الْعَسَل وألين من الزّبد وَهِي الفوم بالعبرانية وَكَانَ لون حبها كلون الثَّلج وَقيل إِنَّهَا التينة وَقيل أَنَّهَا الكرمة وَقيل شَجَرَة الْخلد الَّتِي كَانَت الْمَلَائِكَة تَأْكُل مِنْهَا وَقيل شَجَرَة الكافور وَعَن ابْن بابويه بِإِسْنَادِهِ يرفعهُ إِلَى عبد السَّلَام بن صَالح الْهَرَوِيّ قَالَ قلت للرضا ﵇ أخبرنَا عَن الشَّجَرَة الَّتِي أكل مِنْهَا آدم وحواء ﵉ مَا كَانَت فقد اخْتلف النَّاس فِيهَا فَقَالَ يَا أَبَا الصَّلْت إِنَّمَا الشَّجَرَة
стр. 38
بِالْجنَّةِ تحمل أنواعاً فَكَانَت شَجَرَة الْحِنْطَة وفيهَا عِنَب وَلَيْسَت كشجرة الدُّنْيَا وترجل آدم عَن الْفرس وحواء عَن النَّاقة وأقبلا يأكلان من ثمار الْجنَّة ويشربان من أنهارها مَا أحبا لَبَنًا أَو مَاء أَو خمرًا والأغصان تميل عَلَيْهِمَا ليأخذا مِنْهَا فَإِذا أخذا أنبت الله مَوضِع الْمَأْخُوذ خيرا مِنْهُ ويأكلان من الطير مَا أَرَادَا مشوياً ومطبوخاً وَكلما أكلا عضوا أنبت الله مَكَانَهُ فَإِذا اكتفيا انتفض الطَّائِر طيراً كَمَا كَانَ بِإِذن الله تَعَالَى فيرفرف بجناحه عَلَيْهِمَا وَيَقُول بِصَوْت مطرب الْحَمد لله الَّذِي جعلني طَعَاما لأوليائه ثمَّ يأتيهما غلْمَان مخلدون فيضعون بَين أَيْدِيهِمَا مَوَائِد الدّرّ والياقوت عَلَيْهَا الْأَطْعِمَة والفواكه ويحفون مجلسهما بالطيب والرياحين والأشربة فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ والغلمان على رءوسهما بأكواب الذَّهَب وأباريق الْفضة وقوارير الْيَاقُوت فِيهَا أَنْوَاع الْأَشْرِبَة وَالدَّوَاب وَالطير وَغير ذَلِك يسلمُونَ عَلَيْهِمَا ويهنئونهما بالنعيم وَيَقُولُونَ فضل الله آدم على جَمِيع خلقه وَكَانَ الله ألبس آدم خَاتمًا من النُّور وَقَالَ هَذَا خَاتم الْعِزّ خلقته لَك فَلَا تنس فِيهِ عهدي وَإِن نَسِيته خلعته عَنْك وألبسته من لَا ينسى عهدي وأورثه خلافتي فَقَالَ يَا رب من هَذَا الَّذِي تورثه خلافتك فَقَالَ لَهُ ولدك سُلَيْمَان أجعله نَبيا ملكا على سَائِر ولدك وعَلى سَائِر الْجِنّ وَكَانَ فِي إِصْبَع آدم لَهُ نور عَظِيم كَالشَّمْسِ فَلَمَّا نسى الْعَهْد طَار الْخَاتم من إصبعه حَتَّى استجار بِرُكْن من أَرْكَان الْعَرْش وَقَالَ يَا رب هَذَا آدم رفضني وَأَنت قد طهرتني فَقَالَ لَهُ اسْتَقر فلك الْأمان فَكَانَ هُنَالك حَتَّى وهبه الله لِسُلَيْمَان ﵇ وَلم يزل آدم فِي الْجنَّة وحواء وإبليس يتجسس عَن أخبارهما وَيسْأل كل من خرج من الْجنَّة عَنْهُمَا وَلَا يقدر أَن يدخلهَا لِأَن خدامها كَانَت تطرده وتعلمه إِن آدم وزوجه مقيمان فِي نعيم الْجنَّة فَكَانَ يتَقَدَّم إِلَى بَاب الْجنَّة فيقف على قَدَمَيْهِ مسبلاً جناحيه يسبح ربه ويقدسه بِصَوْت شجي ودواب الْجنَّة وطيرها ووحشها تأنس بِصَوْتِهِ وتقف تسمع مِنْهُ ويسألونه أَن يسألهم حَاجَة وَكَانَ الطاوس رَئِيس طيور الْجنَّة رَأسه من درة بَيْضَاء وَعَيناهُ ياقوتتان صفراوان وجناحاه من جَوْهَر مُخْتَلف الألوان تراصيعه وعنقه من لجين قد كلل بالياقوت
стр. 39
الْأَحْمَر وَرجلَاهُ من جَوْهَر مُخْتَلف الألوان فِي الصَّبْغ والأنوار ومنقاره من زبرجد أَخْضَر وَكَانَ إِذا نشر ذَنبه وصفق بجناحيه وغرد بِصَوْتِهِ يطرب كل من سَمعه وَكَانَت الْحَيَّة سيدة دَوَاب الْجنَّة لَهَا أَربع قَوَائِم سَمَاوِيَّة الْبَطن خضراء الظّهْر بَيْضَاء الْعُنُق حَمْرَاء الرَّأْس رقشاء الذوائب لَهَا بصيص وَنور يتلألأ فَكَانَت هِيَ والطاوس أَكثر من اغْترَّ بإبليس وافتتن بِصَوْتِهِ وتسبيحه وَكَانَ يَقُول لَهما عِنْدِي الِاسْم الْأَعْظَم الَّذِي لَا يَدعُوهُ بِهِ أحد إِلَّا أُجِيب وَإِنِّي خَائِف عَلَيْكُمَا أَن تخرجا من داركما هَذِه فَلَو تعلمتماه ودعوتما الله بِهِ لأجاب دعاءكما فَقَالَا أَيهَا الْملك علمنَا إِيَّاه لندعو بِهِ أَن يخلدنا الله فِي الْجنَّة فَقَالَ لَا أعلمكما إِلَّا أَن تدخلاني الْجنَّة من حَيْثُ لَا يعلم رضوَان وَلَا الخزنة والولدان فَقَالَا وَمن أَيْن نقدر على ذَلِك فَقَالَ للحية تدخليني فِي وبرك ويسترني الطاوس بجناحه فتدخلاني وَلَا يشْعر بكما أحد وأعلمكما الِاسْم الْأَعْظَم ففعلا مَعَه ذَلِك حَتَّى دخلا بِهِ فَلَمَّا دَخلهَا نكص على عَقِبَيْهِ وَخرج عَنْهُمَا فَلم يرياه وَقصد إِبْلِيس آدم فأغواه وَقد ورد هَذَا من طَرِيق النبط وَقيل إِن إِبْلِيس كَانَ يسْأَل دَوَاب الْجنَّة وطيرها أَن يدخلوه ليكلم آدم فَلَا يجيبونه وَكَانَت حَوَّاء قد أنست بالحية وأحبتها وَكَانَت الْحَيَّة تجىء إِلَيْهَا فِي كل يَوْم تسلم عَلَيْهَا وَتخرج إِلَى بَاب الْجنَّة فتقف هُنَاكَ وَإِن إِبْلِيس لَعنه الله طلب من الطاوس الدُّخُول فَقَالَ لَهُ لَو أَن الْحَيَّة أخذتك فِي حنكها وَبَين وبرها وَأَنا أسترك بجناحي لبلغت مرادك فَهِيَ مِمَّن يأنس إِلَيْهَا آدم وحواء فَقَالَ إِبْلِيس إِن فعلت لأشكرنك عمري كُله فَأتى الطاوس إِلَى الْحَيَّة وكلمها فَقَالَت أَخَاف أَن أطْرد من الْجنَّة كَمَا طرد هُوَ وأكون فِي سخط الله فَقَالَ لَهَا كلميه ليعلم أَنِّي كلمتك فَجَاءَت مَعَ الطاوس إِلَى بَاب الْجنَّة من حَيْثُ تنظر إِلَى إِبْلِيس وَينظر إِلَيْهَا فكلمها إِبْلِيس بتذلل ومسكنة فرحمته لما رَأَتْ من بكائه وَقَالَت أَخَاف أَن أكون فِي سخط الله كَأَنْت فَقَالَ لَهَا أَنْت لست مثلي لِأَنَّك لم تؤمري بِشَيْء فخالفت كَمَا خَالَفت أَنا أمره فِي السُّجُود وَإِذا أدخلتني فِي وبر صدرك وحنكك فأكلم آدم وحواء وترديني إِلَى مَكَاني فأجابته
стр. 40
وَكَانَ الطاوس يحض الْحَيَّة على أَن تفعل فَأَخَذته فِي وبرها مختفياً وأوقفته وَانْطَلَقت إِلَيْهِمَا وَقَالَت لَهما الطير والوحش وَالدَّوَاب بعثوني إلَيْكُمَا للتبرك بكما فَأقبل آدم وحواء نَحْو بَاب الْجنَّة فسبقتهما ووقفت مَعَ الطاوس وَأخذت إِبْلِيس فِي صَدره والطاوس إِلَى جنبها يخفي إِبْلِيس وَأَقْبل آدم ووقف على بَاب الْجنَّة وَأَقْبل إِبْلِيس يكلم آدم من حنك الْحَيَّة وهما يظنان أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تكلمها فَقَالَ إِبْلِيس لَعنه الله أَلَيْسَ الله أَبَاحَ لَكمَا الْجنَّة تأكلان من ثمارها قَالَا بلَى إِلَّا أَنه قد نَهَانَا عَن شَجَرَة وَاحِدَة فَقَالَ صدقتما تِلْكَ شَجَرَة الْخلد والحياة وَمن أكل مِنْهَا عرف الْخَيْر وَالشَّر وعاش أبدا لم يمت وخلد فِي الْجنَّة وَمَا نهاكما إِلَّا أَن تَكُونَا ملكَيْنِ أَو تَكُونَا من الخالدين فَقَالَا وهما يظنان أَنه الْحَيَّة أحقاً مَا تَقُولِينَ أيتها الْحَيَّة فَقَالَ إِبْلِيس حَقًا أَقُول وَكرر الْقسم بِاللَّه إِنَّه لَهما لمن الناصحين فَقَالَ آدم كَيفَ نَأْكُل مَا نَهَانَا الله عَنهُ وأوعدنا إِن أكلنَا الْبعد عَن جواره وَقد أَبَاحَ لنا مَا فِيهِ الْكِفَايَة فَأقبل على حَوَّاء وَقد اشْتغل آدم عَن كَلَامه بِالسَّلَامِ على الطُّيُور وَجعل إِبْلِيس يحلف لَهَا وَيَقُول أقبلي مني وكلي وأطعمي آدم لتكونا مخلدين وَهِي تظن أَنَّهَا الْحَيَّة فَأَقْبَلت على آدم وَسَأَلته أَن يَأْكُل فَقَالَ يَا حَوَّاء أنسيت عهد الله إِلَيْك وإلي فِي هَذِه الشَّجَرَة فَرَجَعت عَن قَوْلهَا وَكَانَت كلما ذكرت لآدَم زجرها فانصرفا وحواء تود لَو أَن آدم طاوعها فتجره إِلَى الشَّجَرَة فيأبى فَقَالَ إِبْلِيس للحية هَل لَك أَن تعاوديني كرة أُخْرَى فأكلمهما فَفعلت فَلَمَّا دخلت بِهِ الْجنَّة وقفت فصفر صفيراً أطرب بِهِ أهل الْجنَّة وَيسمع آدم وحواء فامتلآ سُرُورًا فَلَمَّا علم أَنه أطربهما ناح نياحةً أَحْزَن بهَا آدم وحواء فَقَالَا لَهُ وَقد نسيا ﴿وَلَقَد عهدنا إِلَى آدم مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ طه ١١٥ وَقد خرج من صدر الْحَيَّة مَالك بعد إِن أطربت عهِدت إِلَى الْحزن وَالْجنَّة لَا حزن فِيهَا وَلَا نياحة فَقَالَ صفرت وأطربت حِين سَمِعت أنكما فِي سرُور ثمَّ ذكرت أنكما تخرجان إِلَى دَار الغموم فنحت حزنا عَلَيْكُمَا فتنفس آدم ﵇ الصعداء فَقَالَ إِبْلِيس الْآن ظَفرت بِهِ وَتَركه وَمضى فاتبعته حَوَّاء مستوقفة لَهُ وَقد طمع فِيهَا بانفرادها عَن آدم فَقَالَت يَا عبد الله هَل عنْدك حِيلَة فِي الخلود فِي الْجنَّة فَقَالَ نعم فأصغت إِلَيْهِ فَقَالَ إِنَّك ستخرجين إِلَى دَار المذلة والتعب وَعِنْدِي لَك أَمَان من ذَلِك الشَّجَرَة الَّتِي
стр. 41
نهيتما عَنْهَا لَو أكلتما مِنْهَا لخلدتما أبدا وَكَانَت سَمِعت مِنْهُ هَذَا الْكَلَام وَهُوَ فِي صدر الْحَيَّة مرّة أُخْرَى فَقَالَت هَذَا هُوَ الْحق وَقد أعلمتني بِهِ الْحَيَّة فَوَافَقَ كَلَامهَا كلامك وتمت عَلَيْهَا وسوسته وَصَحَّ عِنْدهَا قَوْله وَقَالَت لَهُ قدم نصيحتك إِلَى آدم كَمَا قدمتها إِلَيّ فَقَالَ أَخَاف أَلا يقبل مني فَقَالَت أَنا أعينك عَلَيْهِ فوسوس إِلَيْهِ أَي ألْقى فِي قلبه النَّصِيحَة فَاسْتَشَارَ آدم حَوَّاء فَأَشَارَتْ عَلَيْهِ بِالْأَكْلِ مِنْهَا ففر آدم فَكَانَت تلْحقهُ وترده ليَأْكُل مِنْهَا وَجعل إِبْلِيس يَأْكُل مِنْهَا ويلتفت إِلَيْهِمَا فَتقدم آدم إِلَيْهِ وَأقسم عَلَيْهِ أَن يصدقهُ مَا هَذِه الشَّجَرَة فَقَالَ إِبْلِيس لَوْلَا مَا أَقْسَمت عَليّ لما أعلمتك هَذِه شَجَرَة الْخلد الَّتِي من أكل مِنْهَا خلد فِي الْجنَّة فذاقا مِنْهَا بِأَن تناولا شَيْئا قَلِيلا من ثَمَرهَا على خوف شَدِيد وَقيل إِن حَوَّاء جنت وأكلت وأطعمت آدم وَقيل قطعت ثَلَاثَة فدميت موَاضعهَا ودمعت فَقيل لَهَا يَا حَوَّاء كَمَا أدمعت الشَّجَرَة فَكَذَلِك تدمعين على مصائبك وَلَا تصبرين على الْبكاء وكما آدميتها كَذَلِك تدمين فعوقبت بِالْحيضِ فِي كل شهر فَقَالَ إِبْلِيس للحية أخرجيني فقد بلغت مرادي فَأَخْرَجته كَمَا أدخلته إِلَيْهَا والطاوس مَعهَا وَهُوَ يلومها وإبليس وَاقِف ينظر إِلَيْهِمَا وَيسمع مشاجرتهما ويضحك فَرحا بِمَا تمّ لَهُ على آدم وحواء وَكَانَ الملعون علم أَن من أكل مِنْهَا بَدَت عَوْرَته وَمن بَدَت عَوْرَته أخرج من الْجنَّة فَكلما أكلا تقلص عَنْهُمَا لباسهما وَظهر لكه وَاحِد مِنْهُمَا عَورَة صَاحبه وطفقا يخصفان عَلَيْهِمَا من ورق الْجنَّة حَتَّى صَار كَالثَّوْبِ وَقيل إِن آدم استتر بورق التِّين وحواء بورق الموز وَفِي كتاب الْوَصِيَّة استترا بورق الموز فروى أَن آدم تنَاول ورقتين فضم طرفيهما واتزر بِإِحْدَاهُمَا وارتدى بِالْأُخْرَى فعورة الرجل مَا بَين السُّرَّة وَالركبَة وخصفت حَوَّاء أوراقاً غطت بهَا جَمِيع بدنهَا إِلَّا وَجههَا ويديها فَصَارَت عَورَة الْمَرْأَة جَمِيع بدنهَا إِلَّا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ وَعَن ابْن عَبَّاس مَا ذاق آدم من تِلْكَ السنابل سنبلةً وَاحِدَة حَتَّى طَار التَّاج عَن رَأسه وعرى عَن لِبَاسه وَكَذَلِكَ حَوَّاء نزعت خواتمها وَزينتهَا وانتقضت ذوائبها من
стр. 42
الْجَوْهَر وَصَاح آدم صَيْحَة فَلم يبْق أحد فِي الْجنَّة إِلَّا ناداه يَا عاصي يَا عاصي أهكذا كَانَ الْعَهْد بَيْنك وَبَين رَبك وانتفضت عَنهُ الْأَشْجَار ونادته يَا عاصي وآدَم يُنَادي الْأمان الْأمان وحواء تروم ستر نَفسهَا بشعرها فَلَا تقدر والنداء عَلَيْهَا يَا عاصية فَقَعَدت وَوضعت رَأسهَا على ركبتيها حَتَّى لَا يَرَاهَا أحد فَأتى جِبْرِيل فَأخذ بناصيته فَقَالَ أَيهَا الْملك ارْفُقْ بِي فَقَالَ لَا أرْفق بعاص فاضطرب آدم وارتعد حَتَّى ذهب كَلَامه ونوديت حَوَّاء من فعل بك هَذَا فَقَالَت غرني عدوي وَمَا كنت أَظن أحدا يحلف بك كَاذِبًا فَقيل لَهَا اخْرُجِي مغرورة فقد جعلتك نَاقِصَة الْعقل وَالدّين وَالْمِيرَاث وجعلتك أسيرة أَيَّام حياتك وحرمتك الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَة وَالسَّلَام والتحية وقضيت عَلَيْك بالطمث وَجهد الْحَبل والولادة والطلق ولتكوني أَكثر حزنا وجزعاً وَأَقل صبرا فَلَمَّا خرجت إِلَى بَاب الْجنَّة فَإِذا هِيَ بِآدَم فصاحبت صَيْحَة عَظِيمَة يَا لَهَا حسرة وَقَالَت دَعْنِي يَا جِبْرِيل أنظر إِلَى الْجنَّة وَجعلت تلْتَفت بحسرة واكتئاب ثمَّ أَتَى بالطاوس مقطعاً ريشه من طعن الْمَلَائِكَة وَجِبْرِيل يَقُول لَهُ اخْرُج من الْجنَّة أبدا فَإنَّك مشئوم أبدا وَكَذَلِكَ الْحَيَّة وَقد صَارَت ممسوخةً مَمْنُوعَة من النُّطْق مشقوقة اللِّسَان وَالْمَلَائِكَة تَقول لَهَا لَا رَحِمك الله وَلَا رحم الله من يَرْحَمك وبرز آدم إِلَى السَّمَوَات وحجبت حَوَّاء عَنهُ فَلم يرهَا وَعَن الْحجر أَن آدم ولى هَارِبا حَيَاء من الله وَهُوَ يَقُول أهلكتني يَا حَوَّاء وَهَلَكت فَجَلَست حَوَّاء إِلَى الأَرْض وتجللت بشعرها وَرفعت رَأسهَا إِلَى الْعَرْش فتوارثت ذَلِك بناتها مِنْهَا عِنْد المصائب يرفعن رؤوسهن إِلَى السَّمَاء صارخات ونكس آدم رَأسه حَيَاء من ربه هَارِبا فِي الْجنَّة فتوارث ذَلِك مِنْهُ بنوه إِذا أصَاب أحدا مُصِيبَة نكس رَأسه إِلَى الأَرْض وَرُبمَا بحثها بِأُصْبُعَيْهِ فَأَتَاهُ النداء من الْجِهَات أَلَسْت فَارًّا مني يَا آدم فَقَالَ يَا رب وَأَيْنَ أفر مِنْك وَإِن لم تغْفر لي وترحمني أكن من الخاسرين وَلما مر آدم فِي الْجنَّة يعدو علقت شَجَرَة من الْجنَّة بِشعرِهِ فأوقفته وكلمته فِي رَأسه فَلَمَّا خرج من الْجنَّة أخرجت تِلْكَ الشَّجَرَة مَعَه قيل إِنَّهَا شَجَرَة العليق سميت بذلك لِأَنَّهَا تعلّقت بِآدَم فَهِيَ لَا تنْبت إِلَّا فِي السباخ وَلم ينْتَفع مِنْهَا بِشَيْء
стр. 43
وَهَذِه الْجنَّة جنَّة من جنَّات السَّمَاء لَا جنَّة الْخلد لِأَن تِلْكَ لَا يَنْقَطِع أكلهَا وَلَا تَكْلِيف فِيهَا وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد إِن الْجنَّة الَّتِي أخرج مِنْهَا آدم جنَّة من جنَّات الدُّنْيَا تطلع فِيهَا الشَّمْس وَالْقَمَر وَلَو كَانَت من جنَّات الْخلد لم يخرج مِنْهَا أبدا وَقيل هِيَ الأَرْض وَقَوله ﴿اهبطو﴾ الْبَقَرَة ٣٦ لَا يدل على كَونهَا فِي السَّمَاء كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿اهبطوا مصر﴾ الْبَقَرَة ٦١ فَقَالَ الله تَعَالَى لآدَم وحواء ﴿أَلَم أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ الْأَعْرَاف ٢٢ قَالَ آدم يَا رب حَوَّاء أطعمتني قَالَت حَوَّاء يَا رب الْحَيَّة قَالَت إِنَّهَا شَجَرَة الْخلد قَالَ الله للحية لم قلت ذَلِك قَالَت يَا رب بل إِبْلِيس قَالَ لَهما قَالَ الله تَعَالَى ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدُوٌّ وَلَكُمْ فيِ الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَعٌ إِلَى حِينٍ﴾ الْبَقَرَة ٣٦ فَلهَذَا الْعَدَاوَة بَينهم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَفرق بَين العداوتين فَإِن عَدَاوَة آدم إِيمَان وعداوة إِبْلِيس عصيان فالعداوة ناشئة بَين الذريتين وإبليس خفير الْحَيَّة وَابْن آدم يروم قَتلهَا ليخفر ذمَّته والحية دائبة تُرِيدُ أَن تلسعه قَالَ رَسُول الله
اقْتُلُوا الْحَيَّة حَيْثُ رأيتموها وأخفروا ذمَّة الشَّيْطَان ثمَّ قَالَ الله لآدَم يَا آدم مَا أسْرع مَا نسيت عهدي اخْرُج من جواري فَلَا يجاورني من عَصَانِي فَأن آدم أنة وَزفر زفرَة كَاد أَيْن يَمُوت أسفا وَأمر الله تَعَالَى جِبْرِيل أَن يَأْخُذ بعضدي آدم ويسوقه وحواء خَلفه لَهَا زفير وشهيق فَأخذ بِيَدِهِ ليخرجه فَقَالَ اللَّهُمَّ بِحَق مُحَمَّد وَعلي وَفَاطِمَة وَالْحسن وَالْحُسَيْن تب عَليّ فَأوحى الله إِلَيْهِ اهبط إِلَى الأَرْض حَتَّى أَتُوب عَلَيْك فِيهَا فهبط وأهبط مَعَه من الْجنَّة بذر كل شَيْء من الثمرات فَلَمَّا اسْتَوَى على الأَرْض مد بَصَره فَرَأى إِبْلِيس قد سبقه إِلَى الأَرْض وبإسنادنا عَن ابْن بابويه يرفعهُ إِلَى عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم عَن أَبِيه عَن جده عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله
لما أكل آدم من الشَّجَرَة رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ أَسأَلك بِحَق مُحَمَّد إِلَّا رحمتني
стр. 44
فَأوحى الله إِلَيْهِ وَمن مُحَمَّد فَقَالَ تبَارك اسْمك لما خلقتني رفعت رَأْسِي إِلَى عرشك فَإِذا فِيهِ مَكْتُوب لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله فَعلمت أَنه لَيْسَ أحد اعظم عِنْد قدرا مِمَّن جعلت اسْمه مَعَ اسْمك فَأوحى الله إِلَيْهِ يَا آدم إِنَّه لآخر النَّبِيين من ذريتك فلولا مُحَمَّد مَا خلقتك وروى أَن آدم لما أهبط لم يصعد إِلَى شَجَرَة إِلَّا صعد إِبْلِيس حياله شَجَرَة مثلهَا فَرفع آدم يَده وَقَالَ يَا رب إِنَّك تعلم أَنِّي لم أطقه وَأَنا فِي جوارك وَقد أهبطته إِلَى الأَرْض معي فَلَا طَاقَة لي بِهِ فَأوحى الله إِلَيْهِ يَا آدم السَّيئَة مِنْك وَمن ولدك سَيِّئَة والحسنة عشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة قَالَ يَا رب زِدْنِي فَأوحى الله إِلَيْهِ لَا يَأْتِي من ولدك بِمثل الْجبَال من الذُّنُوب تَائِبًا مِنْهَا إِلَّا غفرت لَهُ قَالَ يَا رب زِدْنِي فَأوحى الله إِلَيْهِ أَغفر الذُّنُوب وَلَا أُبَالِي قَالَ حسبي قَالَ إِبْلِيس قد حلت بَين وَبَينه ومنعتني مِنْهُ فَأوحى الله إِلَيْهِ لَا يُولد لَهُ ولد إِلَّا ولد لَك ولدان قَالَ يَا رب زِدْنِي فَأوحى الله إِلَيْهِ تجْرِي مجْرى الدَّم قَالَ يَا رب زِدْنِي فَأوحى الله إِلَيْهِ ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَان إِلَاّ غُرُوراً﴾ النِّسَاء ١٢٠ قَالَ حسبي فَصَارَ ضداً لآدَم ولولده مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم فأخرجهما وابتلاهما بالتكليف وَالْمَشَقَّة وسلبهما ثِيَاب الْجنَّة لِأَن إنعامه عَلَيْهِم كَانَ تفضلاً فَلهُ مَنعه تشديداً للبلوى والامتحان كَمَا يفقر بعد الْغنى وَيُمِيت بعد الْإِحْيَاء ويسقم بعد الصِّحَّة ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى للحية أَنْت الَّتِي خفرك عدوي فَإِن آدم وبنيه يخفرون ذمَّته فِيك حَيْثُ وجدوك وَلَا ينفعك إِبْلِيس شَيْئا ثمَّ مسح قَوَائِمهَا وَقَالَ لَهَا قد أذهبت جمالك وَجعلت رزقك فِي التُّرَاب قَالَت لَا بل أَمْشِي على بَطْني كالحوت فِي المَاء فَقَالَ الله تَعَالَى وتتكلمين أَيْضا فشق لسانها وأخرسها عَن الْكَلَام فَهِيَ تسمع وتبصر وَلَا تقدر على الْكَلَام وَلَيْسَ شَيْء من الْبَهَائِم وَالدَّوَاب إِلَّا يكلم بعضه بَعْضًا إِلَّا الْحَيَّة وَقَالَ للطاوس أما أَنْت فَكنت احسن الطُّيُور فلأزيلن جمالكم ولأجعلنك
стр. 45
لَا تطير فسمح جماله وأزال إكليله وشقق رجلَيْهِ وأزال حلته وَحسن نغمته فَإِذا نظر إِلَى رجلَيْهِ يَصِيح أسفا وَانْزِلْ الله تَعَالَى آدم بِالْهِنْدِ الْهِنْد على جَزِيرَة سرنديب على جبل الرهون وَعَلِيهِ الْوَرق الَّذِي خصفه فيبس فذرته الرّيح فِي بِلَاد الْهِنْد فَيُقَال إِن عِلّة الطّيب بِتِلْكَ الْبِلَاد من ذَلِك الْوَرق وَلذَلِك خصت تِلْكَ الْبِلَاد بِالْعودِ والقرنفل وَسَائِر أَنْوَاع الطّيب وَكَذَلِكَ الْجَبَل لمعت عَلَيْهِ اليواقيت فَكَانَ مِنْهُ الماس وَفِي بحره أَنْوَاع الْجَوَاهِر وَقيل أهبط على جبل يُقَال لَهُ وَاسم يشرف على وَاد يُقَال لَهُ سرنديب وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد أهبط على الصَّفَا وحواء على الْمَرْوَة وَكَانَت امتشطت حَوَّاء فِي الْجنَّة فَلَمَّا صَارَت إِلَى الأَرْض حلت ضفيرتها فانتثر مِنْهَا الْعطر الَّذِي كَانَت امتشطت بِهِ فِي الْجنَّة فطارت بِهِ الرّيح فَأَلْقَت أَكْثَره فِي الْهِنْد فَلذَلِك صَار الْعطر بِالْهِنْدِ وَفِي الْعِلَل أَنَّهَا حلت عقيصتها فَأرْسل الله على مَا كَانَ فِيهَا من الطّيب ريحًا تهب بِهِ فِي الْمشرق وَالْمغْرب وَفِي رِوَايَة أَن الصَّفَا سمى بذلك لِأَن الْمُصْطَفى هَبَط عَلَيْهِ وَسميت الْمَرْوَة لِأَن الْمَرْأَة اهبطت عَلَيْهِ وهما جبلان عَن يَمِيني الْكَعْبَة وشمالها وَعَن وهب اهبط آدم على جبل فِي شَرْقي أَرض الْهِنْد يُقَال لَهُ وَاسم وأهبط حَوَّاء بجدة وَإِنَّمَا سميت جدة لِأَن جِبْرِيل قَالَ لَهما تفارقتما جدا وأهبط إِبْلِيس بِمَيْسَان وأهبطت الْحَيَّة بأصفهان والطاوس ببراري عدن وَجعل
стр. 46
بَعضهم عدوا لبَعض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَعَن كَعْب أهبط آدم بِالْهِنْدِ على جبل يُقَال لَهُ نود وحواء بجدة وإبليس برستاق ميسَان والحية بأصفهان والطاوس بالبحر ثمَّ أمره الله تَعَالَى أَن يسير إِلَى مَكَّة فطوى لَهُ الأَرْض فَصَارَ على كل مفازة يمر بهَا خطْوَة وَلم يَقع قدمه فِي شَيْء من الأَرْض إِلَّا صَار عمراناً وَكَانَ جِبْرِيل يأتيهما بأرزاقهما من الْجنَّة ثمَّ احْتبسَ الرزق عَنْهُمَا فَاشْتَدَّ جوعهما فَنزلَا إِلَى الْوَادي فَالْتَقَيَا وأكلا من ثَمَر الْأَرَاك وروى من الْحِنْطَة والطحين والعجين وَالْخبْز وَأخرج مَعَه حِين خرج من الْجنَّة صرة من الْحِنْطَة بعد أَن اسْتَأْذن ربه أَن يتزود مِنْهَا أَي من الْجنَّة فَقَالَ لَهُ خُذ من الشَّجَرَة الَّتِي أكلتما مِنْهَا فَهِيَ غذاؤكما وغذاء نسلكما إِلَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا عصيتماني فَأخذ الصرة وَثَلَاثِينَ قَضِيبًا من الشّجر مودعة أَصْنَاف الثِّمَار من شجر الْجنَّة مِنْهَا عشرَة لَهَا قشر وَهِي الْجَوْز واللوز والبندق والفستق والخشخاش والسايلوط والنارنج والموز والبلوط وَالرُّمَّان وَعشرَة ذَات نوى وَهِي الخوخ والمشمش والإجاص وَالرّطب والعبير أَو النبق والزعرور والعناب والمقل والقراصيا وَمِنْهَا عشرَة لَا قشر لَهَا وَهِي التفاح والسفرجل وَالْعِنَب والكمثرى والتين والتوت والأترج والقثاء وَالْخيَار والبطيخ وَعَن وهب أول مَا علم بهبوط آدم النسْر فألفه وَبكى مَعَه وَكَانَ على سَاحل الْبَحْر ينْتَظر حوتاً ليؤنسه فَلَمَّا ظهر الْحُوت من المَاء أخبرهُ النسْر أَنه رأى خلقا عَظِيما يقوم وَيقْعد وَيَجِيء وَيذْهب فَقَالَ الْحُوت إِن كَانَ مَا تَقول حَقًا فقد جَاءَ مَا لَيْسَ مِنْهُ مفر لَا فِي الْبر وَلَا فِي الْبَحْر وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ يستخرجني من بحري ويستخرجك من برك فَأخْرج آدم من الْجنَّة فِي آخر السَّاعَة الثَّانِيَة عشرَة من يَوْم الْجُمُعَة وَأنزل إِلَى الأَرْض فِي أول سَاعَة من لَيْلَة السبت فَكَانَ مقَامه فِي الْجنَّة مُنْذُ دَخلهَا إِلَى أَن أخرجه مِنْهَا سَاعَة وَاحِدَة من سَاعَات الْيَوْم الَّذِي مِقْدَاره ألف سنة مِقْدَار تِلْكَ
стр. 47
السَّاعَة من سني الدُّنْيَا ثَلَاث وَثَمَانُونَ سنة وَأَرْبَعَة اشهر وَبَقِي مصورا طينا فخار صلصالاً على بَاب الْجنَّة خمس سَاعَات إِلَى انفخ فِيهِ الرّوح وأهبط على الْجَبَل عِنْد غرُوب الشَّمْس من يَوْم الْجُمُعَة وَأول سَاعَة من لَيْلَة السبت وَألقى الله السبات على كل حَيّ تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَّا الْمَلَائِكَة فَإِنَّهَا لَا تنام فَبَقيَ آدم على الْجَبَل حائراً مُنْفَردا ينظر يَمِينا وَشمَالًا لَا يرى شَيْئا إِلَّا السَّمَاء والنجوم وَمَا كَانَ أبصرهَا فَرَأى وَحْشَة وظلام الْأُفق وَكَانَ أول لَيْلَة من نيسان فَبكى بكاء شَدِيدا حَتَّى أصبح صباح السبت وَجَاء نور النَّهَار فسبح الله وَكبره وَكَذَلِكَ حَوَّاء وَقَالا هَذَا من النُّور الَّذِي نعرفه فِي الْجنَّة إِلَّا أَنه لَيْسَ بذلك وَلما طلعت الشَّمْس بحرها خافا أَن يكون عذَابا فازداد بكاؤهما فأعلمها جِبْرِيل أَنه هَذِه الشَّمْس وَأَنه لَا ضَرُورَة فِيهَا فسكنا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَنظر آدم إِلَى الْجبَال والأودية وَالْأَشْجَار والأنهار فَبكى وَقَالَ أَيْن هَذَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ من الْجنَّة وَلما طلع النَّهَار أَلْقَت حَوَّاء الطّيب والجواهر وَوضعت يَديهَا على رَأسهَا صارخة من الوحشة فَاتخذ ذَلِك بناتها سنة فِي المصائب وَإِن آدم لَوْلَا تَأْخِير أَجله لمات خوفًا من الوحشة فَأوحى الله إِلَى جِبْرِيل أَن قل لَهُ هَذَا كُله بخطيئتكما إِذا لم تطيعا أَمْرِي بعد أَن حذرتكما من عدوكما وسأجمع بَيْنك وَبَين زَوجك فتب إِلَيّ وادعني واستغفرني أَسْتَجِب لَك وأغفر لَك وَأَنا الغفور الرَّحِيم فَأعلمهُ جِبْرِيل وَصعد إِلَى السَّمَاء فَقَالَ يَا جِبْرِيل أتتركني فريدا ووحيدا فَقَالَ لَهُ بذلك أَمرنِي رَبِّي وَعَن النَّبِي
أَن آدم هَبَط إِلَى الأَرْض مسوداً فضجت الْمَلَائِكَة إِلَى الله تَعَالَى فَأمره الله تَعَالَى أَن يَصُوم الْأَيَّام الْبيض فَلَمَّا صَامَ الثَّالِث عشر ذهب ثلث السوَاد فَمَا صَامَ الرَّابِع عشر ذهب ثُلُثَاهُ فَلَمَّا صَامَ الْخَامِس عشر ابيض كُله ثمَّ ناداه مُنَاد يَا آدم هَذِه الْأَيَّام لَك ولولدك من صامها فِي كل شهر فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْر وروى أَن جِبْرِيل قَالَ يَا آدم حياك الله وبياك فَقَالَ أما حياك فأعرفه فَمَا
стр. 48
بياك قَالَ أضْحكك فَسجدَ آدم وَرفع رَأسه وَقَالَ رب زِدْنِي جمالاً فَأصْبح وَله لحية سَوْدَاء كالحمم فَضرب بِيَدِهِ إِلَيْهَا وَقَالَ يَا رب مَا هَذَا فَقَالَ هَذِه اللِّحْيَة زينتك بهَا وذكران ولدك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ ابْن بابويه فِي الْعِلَل وَهَذَا الْخَبَر صَحِيح وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَتلقى آدم من ربه كَلِمَات فَتابَ عَلَيْهِ﴾ الْبَقَرَة ٣٧ قَالَ الحائني فِي الحقيبة فقد روينَا بإسنادنا الْمُتَقَدّم عَن ابْن بابويه قَالَ أخبرنَا أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن الْحسن بن أَحْمد بن الْوَلِيد عَن مُحَمَّد بن الْحسن الصفار عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي نصر عَن أبان بن عُثْمَان وَعَن مُحَمَّد بن مُسلم عَن أبي جَعْفَر قَالَ الْكَلِمَات الَّتِي تلقاهن آدم من ربه فَتَابَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُمَّ لَا إِلَه إِلَّا أَنْت سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي إِنَّك أَنْت خير الغافرين وَمن كتاب القضايا فِي وَصِيَّة النَّبِي
لعَلي رِوَايَة مُحَمَّد بن زُرَيْق عَن سَلمَة ابْن الوضاح الأسواني عَن مُحَمَّد بن خَلاد الْكُوفِي عَن عَطِيَّة عَن وهب عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن عَليّ عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَبَّاس ﵄ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ أَوْصَانِي رَسُول الله
بِوَصِيَّة وَمر فِيهَا إِلَى أَن قَالَ قَالَ عَليّ أَرَأَيْت قَول الله فِي كِتَابه ﴿فَتَلَقَّى آدم من ربه كَلِمَات﴾ الْبَقَرَة ٣٧ مَا تِلْكَ الْكَلِمَات قَالَ يَا عَليّ إِن الله ﵎ أهبط أَدَم بِالْهِنْدِ وحواء بجدة والملعون إِبْلِيس بِمَيْسَان والحية بأصبهان وَلم يكن فِي الْجنَّة شَيْء أحسن من الْحَيَّة وَكَانَت من دَوَاب الْجنَّة وَكَانَ لَهَا خلق كخلق الْبَعِير وقوائم كقوائمه وعنق كعنقه فَأتى إِبْلِيس فَقَالَ أيتها الْحَيَّة احمليني على ظهرك حَتَّى تدخليني الْجنَّة فَقَالَت إِنَّه لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يركبني إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ إِنِّي أتمثل ريحًا فَأدْخل فِي شدقك وَلَا تحمليني فَفعلت فَلَمَّا دخل الْجنَّة آغوى آدم ونزعه فَغَضب الله على الْحَيَّة فَقطع قَوَائِمهَا وَجعلهَا تمشي على بَطنهَا وَجعل رزقها فِي التُّرَاب وَقَالَ لَا يرحم الله من يَرْحَمك وَغَضب على الطاوس وَلم يكن فِي الْجنَّة أحسن من الْحَيَّة والطاوس فقبح الله من الطاوس رجلَيْهِ لِأَنَّهُ
стр. 49
هُوَ الَّذِي دلّ إِبْلِيس على الشَّجَرَة وَأخْبرهُ بهَا فَأَقَامَ آدم فِي الْهِنْد مائَة سنة وَاضِعا يَده على أم رَأسه ينوح على نَفسه بالعبرانية فَبعث الله جِبْرِيل فَقَالَ لَهُ يَا آدم إِن الرب يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول أَلَيْسَ أَنا الَّذِي خلقتك بيَدي ونفخت فِيك من روحي وأسجدت لَك ملائكتي وأسكنتك جنتي وزوجتك حَوَّاء أمتِي وحذرتك عدوي فعصيتني وأطعت عدوي فَمَا هَذَا الْبكاء وَأَنا أعلم مَا بَكَيْت لَهُ فَقَالَ يَا جِبْرِيل كَيفَ لَا أبْكِي وَقد أخرجت من جوَار رَبِّي إِلَى دَار الْبلَاء وَدَار السغب وَالنّصب قَالَ جِبْرِيل يَا آدم قل هَذِه الْكَلِمَات قَالَ يَا جِبْرِيل يَا حَبِيبِي وَمَا أَقُول قَالَ قل سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَحدك لَا شريك لَك عملت سوءا وظلمت نَفسِي فارحمني إِنَّك أَنْت أرْحم الرَّاحِمِينَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك لَا إِلَه إِلَّا أَنْت وَحدك لَا شريك لَك عملت سوءا وظلمت نَفسِي تب عَليّ إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم وَكَانَ آدم بِالْهِنْدِ وحواء بجدة وعَلى شقّ الْبَحْر قَائِمَة قد تمعط شعرهَا وَتَلَبَّدَ على وَجههَا وقشفت من الشَّمْس فَرفعت يَديهَا إِلَى السَّمَاء دَاعِيَة باكية حزينة على مَا حل بهَا قائلة إلهي أمتك حَوَّاء متضرعة إِلَيْك ضَعِيفَة حيرانة قد أحاطت بهَا خطيئتها وأوبقها سوء فعلهَا إلهي وَقد طَالَتْ عَليّ وحشتي وعظمت مصيبتي وَذَلِكَ كَانَ لتفريطي وإضاعتي مَا أَمرتنِي بِهِ وَقد أَخْبرنِي بديع فطرتك آدم قريني الَّذِي خلقتني مِنْهُ أَن النُّور الَّذِي فِي أسارير وَجهه نور ولد من أَوْلَاده اسْمه مُحَمَّد وَبِه كنيته بِأبي مُحَمَّد أَنَّك لَا تسْأَل بِهِ إِلَّا أجبْت وَأَنَّك من أَجله خلقتني وخلقت السَّمَوَات وَالْأَرْض وبرأت البرايا فبحقه عَلَيْك وبموضعه مِنْك إِلَّا مَا رحمت ضعْفي ولهفي وتبت عَليّ وغفرت لي وجمعت بيني وَبَين آدم صفيك حَتَّى أرَاهُ وَاعْلَم مَا هُوَ فِيهِ فانك غَفُور رَحِيم اللَّهُمَّ إِنِّي عملت سوءا وظلمت نَفسِي فَاغْفِر لي وَتب عَليّ واعصمني إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت وَأَنت التواب الرَّحِيم وَعَن ابْن عَبَّاس بَكت حَوَّاء فأنبت الله من دموعها القرنفل والأفاويه وَبقيت شاخصة ببصرها إِلَى السَّمَاء وَوضعت يَديهَا على رَأسهَا فورث بناتها ذَلِك وحملت الرّيح صَوت آدم بالكلمات الَّتِي علمه إِيَّاهَا جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 50
فاستبشرت وَقَالَت كَلِمَات لم أسمع بِمِثْلِهَا قد جعلهَا الله تَوْبَة وارتفع دعاؤهما فِي وَقت وَاحِد وخرقت أصواتهما الْحجب حِجَابا حِجَابا وكل مَلأ من الْمَلَائِكَة دَعَا لَهما من سَمَاء إِلَى سَمَاء إِلَى تَحت الْعَرْش فَأجَاب الله دعاءهما وَأوحى إِلَى حَوَّاء إِنِّي قد غفرت لَك ولآدم خطيئتكما وتبت عَلَيْكُمَا وَأَنا التواب الرَّحِيم فتقدمي إِلَى مَكَّة وصومي شهر رَمَضَان كَمَا صَامَ آدم فصامت وَالْمَلَائِكَة فِي كل لَيْلَة تأتيها بفطرها من الرطب وَقيل إِن النَّخْلَة عِنْدهَا فِي الْحجاز نزلت وَمِنْهَا كَانَ يحمل إِلَى آدم كل لَيْلَة فَلهَذَا الْحجاز بلد النّخل وَلما تمّ شهر رَمَضَان قَالَ آدم كنت أنظر إِلَى ملائكتك يطوفون بِبَيْت تَحت عرشك ويسبحون حوله فآنس بهم وَقد اشْتهيت أَن لَو كَانَ فِي الأَرْض مثله أَطُوف بِهِ وأسجد حوله فَأوحى الله إِلَيْهِ يَا آدم أَنا الَّذِي ألهمتك أَن تَقول ذَلِك لما سبق فِي علمي من عمَارَة بَيت فِي الأَرْض لَك ولولدك أظهر مَكَانَهُ وَأعظم ذكره وشأنه حِيَال ذَلِك الْبَيْت الَّذِي رَأَيْته تَحت عَرْشِي أبوئ مَكَانَهُ لولد من ولدك يبنيه وَيرْفَع قَوَاعِده ويجعله حجا لولدك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة يأْتونَ إِلَيْهِ من كل فج عميق يريدونه وَقد أثقلت الْخَطَايَا ظُهُورهمْ فَأغْفِر لَهُم كل خَطِيئَة فسر إِلَيْهِ أبوئك مَكَانَهُ فيعظم ذكره وشأنه فَمن يلوذ بِهِ صَادِقا فَهُوَ ضَيْفِي فَأَنا أكْرم الأكرمين فتأهب آدم للمسير وَأرْسل الله إِلَيْهِ جِبْرِيل بعصا من آس الْجنَّة يتَوَكَّأ عَلَيْهَا فِي مسيره وَتَكون لَهُ عوناً على خطواته فَلَمَّا رَآهَا آدم بَكَى وَقبلهَا ووضعها على عَيْنَيْهِ وَوَجهه وَقَالَ يَا جِبْرِيل أَتَرَى رَبِّي يُعِيدنِي إِلَى الْجنَّة فَقَالَ يَا آدم مَا تَابَ عَلَيْك إِلَّا وَهُوَ رادك إِلَيْهَا فَلَا تيأس من رَحْمَة الله فَأخذ الْعَصَا بِيَدِهِ وَشد عَلَيْهِ مَا بَقِي من الْوَرق وَقد نسفت الرّيح أَكْثَره بِالْهِنْدِ وناداه الْجَبَل يَا صفوة الله كنت آنس بك وأفتخر على جبال الأَرْض فَإلَى أَيْن ترحل عني فَقَالَ آدم بِأَمْر رَبِّي هَبَطت عَلَيْك وبأمره ارتحلت عَنْك فَبكى الْجَبَل بكاء شَدِيدا لفراقه فَبَارك فِيهِ آدم وشرفه بنبات من أطيب الشّجر وأكثرها مَنْفَعَة وَسَار آدم وَجِبْرِيل يهديه الطَّرِيق والعصا بِيَدِهِ يطوي المفاوز والقفار والبحار فَكَانَت بَين الخطوة والخطوة قفراً سبسباً لَا عمَارَة فِيهَا وَفِي مَوَاضِع عَصَاهُ بساتين
стр. 51
حول تِلْكَ الْمَدِينَة وَهَكَذَا يكون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلم يزل يسير حَتَّى وصل إِلَى جدة فَوجدَ أثر حَوَّاء لِأَنَّهُ شم رَائِحَة الْوَرق الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا فسميت جدة لذَلِك وَقَالَ يَا حَوَّاء أَترَانِي أنظر إِلَيْك نظرة فنادته الْجبَال الَّتِي مرت عَلَيْهَا تيَسّر فِي أَثَرهَا تدركها إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَسَار إِلَى قرن فَأمره جِبْرِيل فَأحْرم ولبى بِلَا مخيط تشيبها بالورق الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَأنزل الله الْبَيْت الْمَعْمُور فاوقفه فِي الْهَوَاء بِحَيْثُ يرَاهُ فيعرفه حِيَال المهاة الْبَيْضَاء الَّتِي هِيَ مَوضِع الْبَيْت وَمِنْهَا دحيت الأَرْض وَهِي أم الْقرى فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن كن محرما فَطُفْ بالبقعة الْمُبَارَكَة وصل عِنْدهَا واسألني جَمِيع حَاجَتك وَأَنا مُجيب الدُّعَاء فَأحْرم ولبى وَدخل الْحرم وَنظر إِلَى الْبَيْت الْمَعْمُور فِي الْهَوَاء وناداه الله ائْتِ الربوة الْحَمْرَاء الَّتِي فِي وسط المهاة الْبَيْضَاء فَطُفْ حولهَا سبعا ثمَّ صل عِنْدهَا رَكْعَتَيْنِ فَهِيَ بقْعَة بَيْتِي الْحَرَام فَفعل وأنبع الله زَمْزَم الَّتِي أخرجهَا بعد ذَلِك إِسْمَاعِيل فَشرب وَتَوَضَّأ وَأنْبت الله لَهُ الموز فَكَانَ يَأْكُل مِنْهُ وَأخْبرهُ بمَكَان حَوَّاء فَلَمَّا رَأَتْهُ جَاءَت إِلَيْهِ تبْكي فبشرها جِبْرِيل بِالتَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَة فسجدت شكرا لله تَعَالَى وتطهرت وتوضأت فأهلت بِعُمْرَة وأحرمت ولبت وأتى بهَا جِبْرِيل إِلَى جَمِيع مواقفها وَجمع جِبْرِيل بَينهمَا فِي جمع فَسمى بذلك لاجتماعهما فِيهِ وَقيل بل تعارفا بِعَرَفَات فبادرت إِلَيْهِ وتعانقا وبكيا ثمَّ أخرجهُمَا من الْحرم إِلَى الْجَبَل وأتى بِظَبْيٍ من الْبَريَّة فذبحه وسلخه ودبغ جلده وكسا بِهِ حَوَّاء فَصَارَت السّنة أَن تكسو الرِّجَال النِّسَاء وَبَقِي آدم إِلَى أَن اسْتهلّ ذُو الْحجَّة وَأَوْقفهُ جِبْرِيل على أَعْلَام الْجَبَل وَعلمه مَنَاسِك الْحَج وَالْوُقُوف بمنى وَالدُّعَاء وَالطّواف حول الْبَيْت إِلَى تَمام الْحجَّة الْحَرَام وَأنزل الله إِلَيْهِ كَبْشًا فذبحه فَسَالَ دَمه واضطرت فَفَزعَ آدم وارتعد لِأَنَّهُ لم يكن أبْصر موت شَيْء فضمه جِبْرِيل إِلَى صَدره وَقَالَ لَهُ اطمئن هَذَا قرْبَان يقبل الله بِهِ نسكك وَيغْفر ذَنْبك وَيكون سنة لبنيك من بعْدك ثمَّ أمره جِبْرِيل فسلخه وَأخرج كرشه فنفض مَا فِيهِ وغسله جَمِيعه ثمَّ أمره أَن يُعِيد إِلَى جَوف الكرش مَا أخرجه مِنْهُ وَأَن يشق الْجلد ويبسط على وَجه الأَرْض
стр. 52
وَالصُّوف مِمَّا يَلِي الأَرْض وَأَن يضع الْكَبْش المسلوخ على الْجلد وَأَن يقصر من شعر حَوَّاء فَفعل وامر حَوَّاء فَأخذت بالمدية فحلقت رَأسه وَجعل يَدْعُو وحواء خَلفه تؤمن على دُعَائِهِ فَلَمَّا فرغ من دُعَائِهِ جَاءَت نَار بَيْضَاء من السَّمَاء لَيْسَ لَهَا دُخان وَلَا لَهب فَأخذت الكرش وَجلده وصوفه وَمَا كَانَ فِيهِ ثمَّ ارْتَفَعت بِهِ إِلَى السَّمَاء فَأوحى الله إِلَيْهِ إِنِّي قد قبلت قربانك وأعطيتك جَمِيع مَا سَأَلت وَأَنا ذُو الْفضل الْعَظِيم وَكَذَا أفعل بِمن قصد بَيْتِي بعْدك فِي هَذَا الشَّهْر لَا أقبل هَذَا فِي غَيره ليَكُون ميقاتاً مَعْلُوما فتمم حجه وَرمى بالجمار غيظاً لإبليس ورجماً فَلَمَّا فرغ من حجه أَخذ جِبْرِيل بيد آدم وحواء وَجَاء بهما إِلَى سَاحل الْبَحْر مِمَّا يَلِي جدة وَقَالَ إِن الله أحل لَك جَمِيع مَا فِي هَذَا الْبَحْر صغر ذَلِك أَو كبر أَيهَا السّمك أقبل بِإِذن الله فَجَاءَت أصنافاً فَقَالَ لَهُ خُذ مَا تُرِيدُ فَأخذ سمكتين عظيمتين وَعلمه فَجمع حطباً وقرع المدية بِالْحجرِ فَخرج نَار وشواهما فَقَالَ آدم الْحَمد لله الَّذِي جعل لنا من هَذَا طَعَاما ثمَّ انصرفا إِلَى مَكَّة وودعهما جِبْرِيل وَبَقِي آدم وحواء لَيْسَ لَهما ثَالِث فعادا إِلَى الْحرم فسكناه وَعَن أبي نصر عَن إِبْرَاهِيم بن مُحرز عَن أبي حَمْزَة عَن أبي جَعْفَر قَالَ إِن آدم نزل من الْهِنْد فَبنى الله تَعَالَى الْبَيْت وَأمره أَن يَأْتِيهِ وَيَطوف بِهِ أسبوعاً وَقضى مَنَاسِكه كَمَا أَمر الله تَعَالَى فَقبل تَوْبَته وَغفر لَهُ فَقَالَ آدم يَا رب ولذريتي من بعدِي فَقَالَ نعم من آمن بِي وبرسلي وَفِي رِوَايَة عبد الحميد بن أبي الديلم عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد أَن آدم اعتزل حَوَّاء حَتَّى فرق بَينهمَا فَكَانَ يَأْتِيهَا نَهَارا فيتحدث عِنْدهَا فَإِذا كَانَ اللَّيْل خشى أَن تغلبه نَفسه فَرجع فَمَكثَ بذلك مَا شَاءَ الله ثمَّ أرسل إِلَيْهِ جِبْرِيل فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا آدم الصابر لبليته إِن الله بَعَثَنِي إِلَيْك لأعلمك الْمَنَاسِك الَّتِي يُرِيد الله أَن يَتُوب عَلَيْك بهَا وَأخذ بِيَدِهِ مُنْطَلقًا حَتَّى أَتَى مَكَان الْبَيْت فَنزل غمام من السَّمَاء فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل يَا آدم خطّ برجلك حَيْثُ أظلك الْغَمَام فَإِنَّهُ قبْلَة لَك وَلآخر عقب من ذريتك فَخط آدم هُنَاكَ بِرجلِهِ فَانْطَلق بِهِ إِلَى منى فَأرَاهُ مَسْجِد منى فَخط بِرجلِهِ بعد مَا خطّ مَوضِع الْمَسْجِد الْحَرَام وَبعد مَا خطّ الْبَيْت
стр. 53
ثمَّ انْطلق إِلَى عَرَفَات فَأَقَامَ على الْمُعَرّف ثمَّ أمره عِنْد غرُوب الشَّمْس أَن يَقُول ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ الْأَعْرَاف ٢٣ سبعا ليَكُون سنة فِي وَلَده معترفين بِذُنُوبِهِمْ هُنَاكَ ثمَّ أمره فَأَفَاضَ من عَرَفَات ثمَّ انْتهى إِلَى جمع فَبَاتَ ليلته بهَا وَجمع فِيهَا بَين الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقت الْعَتَمَة فِي ذَلِك الْموضع إِلَى ثلث اللَّيْل وَأمره إِذا طلعت الشَّمْس أَن يسْأَل الله التَّوْبَة وَالْمَغْفِرَة سبع مَرَّات ليَكُون سنة فِي وَلَده فَمن لم يدْرك عَرَفَات فَأدْرك جمعا فقد أدْرك حجه وأفاض من جمع إِلَى منى ضحوة فَأمره إِن يقر إِلَى الله قرباناً ليتقبل الله مِنْهُ وَيكون سنة فِي وَلَده فَقرب قرباناً فَتقبل مِنْهُ قربانه فَأرْسل الله نَارا من السَّمَاء فقبضته فَقَالَ جِبْرِيل يَا آدم ارمه بِسبع حَصَيَات فَفعل فَذهب فَقَالَ جِبْرِيل إِنَّك لن ترَاهُ بعد مقامك هَذَا أبدا ثمَّ انْطلق بِهِ إِلَى الْبَيْت فَأمره أَن يطوف سبع مَرَّات فَفعل فَقَالَ جِبْرِيل حلت لَك زَوجتك وَعَن مُعَاوِيَة بن عمار عَن أبي عبد الله قَالَ لما أَفَاضَ آدم من عَرَفَات تَلَقَّتْهُ الْمَلَائِكَة فَقَالَت لَهُ بر حجك يَا آدم أما إِنَّا قد حجَجنَا هَذَا الْبَيْت قبلك بألفي عَام وَفِي حَدِيث وهب بن مُنَبّه الْيَمَانِيّ أَن آدم بَكَى على الْجنَّة مِائَتي سنة فَعَزاهُ الله بخيمة من خيام الْجنَّة فوضعها لَهُ بِمَكَّة فِي مَوضِع الْكَعْبَة وَتلك الْخَيْمَة من ياقوتة حَمْرَاء لَهَا بَابَانِ شَرْقي وَغَرْبِيٌّ من ذهب منظومتان مُعَلّق فِيهَا ثَلَاثَة قناديل من تبر الْجنَّة تلتهب نورا وَأنزل الرُّكْن وَهُوَ ياقوتة بَيْضَاء من ياقوت الْجنَّة وَكَانَ كرسياً لآدَم ﵇ يجلس عَلَيْهِ وَإِن خيمة آدم لم تزل فِي مَكَانهَا حَتَّى قَبضه الله تَعَالَى ثمَّ رَفعهَا إِلَيْهِ وَبنى بَنو آدم موضعهَا بَيْتا من الْحِجَارَة والطين وَلم يزل معموراً وَأعْتق من الْغَرق وَلم يغرقه المَاء حَتَّى ابتعث الله إِبْرَاهِيم وَذكر وهب أَن ابْن عَبَّاس أخبرهُ إِن جِبْرِيل وقف على النَّبِي
وَعَلِيهِ عِصَابَة خضراء قد علاها الْغُبَار فَقَالَ رَسُول الله
مَا هَذَا الْغُبَار قَالَ إِن الْمَلَائِكَة أمرت بزيارة الْبَيْت فازدحمت فَهَذَا الْغُبَار مِمَّا تثيره الْمَلَائِكَة بأجنحتها
стр. 54
وَعَن عبد الله بن سيابة عَن أبي عبد الله قَالَ طَاف آدم بِالْبَيْتِ مائَة عَام مَا ينظر إِلَى حَوَّاء وَلَقَد بَكَى على الْجنَّة حَتَّى صَار على خديه مثل النهرين العظيمين من الدُّمُوع ثمَّ أَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ حياك الله وبياك فَلَمَّا أَن قَالَ حياك تبلجح وَجهه فَرحا وَلما قَالَ بياك ضحك وَمعنى بياك أضْحكك قَالَ وَلَقَد قَامَ على بَاب الْكَعْبَة وثيابه جُلُود الْإِبِل وَالْبَقر فَقَالَ اللَّهُمَّ أَقلنِي عثرتي وأعدني إِلَى الدَّار الَّتِي أخرجتني مِنْهَا فَقَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ وَقد أقلتك عثرتك وسأعيدك إِلَى الدَّار الَّتِي أخرجتك مِنْهَا وَعَن أبي جَعْفَر قَالَ قَالَ رَسُول الله
إِن الله حِين أهبط آدم من الْجنَّة أمره أَن يحرث بِيَدِهِ فيأكل من كدها بعد نعيم الْجنَّة فَجعل يحار ويبكي على الْجنَّة مِائَتي سنة ثمَّ إِنَّه سجد لله سَجْدَة فَلم يرفع رَأسه ثَلَاثَة أَيَّام بلياليها فَقيل جَاءَ جِبْرِيل بالحب على قدر بيض النعامة أَبيض من الزّبد وَأحلى من الْعَسَل وبثورين من ثيران الفردوس وبالحديد فَقَالَ مَالِي ولهذه الْحبَّة الَّتِي أخرجتني من الْجنَّة فَقَالَ جِبْرِيل هَذَا غذاؤك وغذاء أولادك فِي الدُّنْيَا فعقد النير على أرقابهما وحرث وبذر ووقف من التَّعَب فَقَالَ لَهُ جِبْرِيل اصبر إِلَى أَوَان حَصَاده فاجمعه وادرسه وأذره وَأخرج حَقه يَوْم حَصَاده ثمَّ اطحنه واعجنه واخبزه وَكله بعد عرق الجبين قَالَ كَعْب فَمَا زَالَ الْحبّ زاكياً فِي عصر آدم وشيث إِلَى زمن إِدْرِيس كفر النَّاس فنقص إِلَى مِقْدَار بيض الدَّجَاج وَفِي زمن عِيسَى نقص إِلَى مِقْدَار بيض الْحمام لقَولهم فِيهِ وَفِي أمه مَا قَالُوا فَلَمَّا قتلوا يحيى عَاد إِلَى قدر الحمص ثمَّ صَار إِلَى مَا ترى وَعَن ابْن أبي عُمَيْر عَن هِشَام بن سَالم عَن أبي عبد الله قَالَ لما بَكَى آدم على الْجنَّة وَكَانَ رَأسه فِي بَاب من أَبْوَاب الْجنَّة كَانَ يتَأَذَّى بالشمس فحط من قامته وَقيل إِنَّه لما أهبط إِلَى الأَرْض وَأكل من الطَّعَام وجد فِي بَطْنه ثقلاً فَشكى ذَلِك إِلَى جِبْرِيل فَقَالَ يَا آدم فتنح فنحاه فأحدث وَخرج مِنْهُ الثّقل وَفِي كتاب المبتدا أَن الله أَمر آدم أَن يتَّخذ لحواء منزلا خَارج الْحرم لَا تدخله إِلَى أَوَان الْحَج فَفعل وَكَانَ الْجِنّ أعوانا لَهَا رجَالًا ونساءا بعد أَن نفر آدم مِنْهُم لأَنهم قَبيلَة إِبْلِيس لَعنه الله فَأَمنهُ الله مِنْهُم لأَنهم الْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَن حملت حَوَّاء
стр. 55
بشيث وانتقل نور رَسُول الله
إِلَيْهَا فَأمر الله بِدُخُولِهَا إِلَى الْحرم كَرَامَة لرَسُول الله
وذلل الله لَهُ الْحَيَوَان الْمُحَلّل فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من ركُوب وَغَيره وأعانه على ذَلِك الْجِنّ الْمُؤْمِنُونَ فَكَانَ يشرب من أَلْبَانهَا ويكتسي من أصوافها وَيَأْكُل من لحومها هُوَ وحواء وَأنزل الله لَهُ سنداناً ومطرقة وكلبتين وَأمره أَن يَأْخُذ الْحَدِيد من الْمَعَادِن فيصنع آلَة الْحَرْث والحصاد وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ واستعان على ذَلِك بالجن وَكَانَت الأَرْض فِي ذَلِك الزَّمَان أخرجت معادنها من سَائِر مَا فِيهِ مَنْفَعَة وَأرْسل إِلَى الرِّيَاح والسحاب فارتاع آدم وحواء لِأَنَّهُمَا لم يَكُونَا رَأيا سحاباً وَلَا سمعا رعداً وَلَا رَأيا برقاً فخافا غضب الله لِأَنَّهُ حَال بَينهمَا وَبَين السَّمَاء وَالشَّمْس فَأوحى الله إِلَيْهِ إِن هَذِه سَحَابَة رَحْمَتي لتروي الأَرْض لتحرث وتبذر فتنبت أضعافاً مضاعفة فَيكون مِنْهَا غذاؤك أَنْت وولدك فَلَمَّا نزل الْمَطَر شربا واغتسلا وَأنزل الله إِلَيْهِ جَمِيع أَنْوَاع الْحُبُوب المأكولة وَعلمه كَيفَ يحرث وَالْجِنّ تعاونه فأخصبت الأَرْض وأينع الشّجر فِي شهر وَاحِد وأقبلا يجنيان ويأكلان وعلمته الْجِنّ كَيفَ يدرس ويذري فَلَمَّا صفا حبه ذاقه فَلم يجد لَهُ لَذَّة فَقَالَ لحواء يُوشك لهَذَا عمل غير هَذَا فَقَط الْجِنّ حِجَارَة وعلموه كَيفَ يطحن ويعجن ويخبز ويؤكل فَأوقد جِبْرِيل لَهما نَارا فِي تنور من الْحِجَارَة وَأمره أَن يَأْخُذ من ملح الأَرْض وسمسها ويخلط فِي الْعَجِين فَصَارَت السّنة فِي الطَّعَام الْبدَاءَة بالملح فأكلا وشبعا وَقَالا كُنَّا فِي الْجنَّة فِي رَاحَة من هَذَا مَا أردناه حضر بَين أَيْدِينَا ثمَّ وجدا فِي بطونهما ثقلاً ومغصاً شَدِيدا فاضطربا حَتَّى بكيا فأتاهما جِبْرِيل فَقَالَ لَهما امشيا إِلَى سيف الْبَحْر وَكَانَ قَرِيبا وَقَالَ لآدَم اجْلِسْ بَين حجرين وأفض بقبلك ودبرك إِلَى الأَرْض ليذْهب مَا تَجدهُ ثمَّ تطهر بِالْمَاءِ وَتفعل حَوَّاء كَذَلِك وَانْصَرف عَنْهُمَا فَفعل آدم فَتحَرك بَطْنه وجاش وَوجد ألماً شَدِيدا حَتَّى بَكَى وانفتق قبله وَدبره وَخرج الْبَوْل وَالْغَائِط فَوجدَ رَائِحَة كريهة واستراح وَكَذَلِكَ حَوَّاء ثمَّ تطهرا بِالْمَاءِ وانصرفا فشكرا الله كثيرا وعجبا مِمَّا خرج مِنْهُمَا وَلما كَانَ من الْغَد جاعا فتركا الْأكل خيفةً فَأوحى الله إِلَى آدم أَنه أبرك الثَّمر
стр. 56
وأنفعه وَأَكْثَره مَنْفَعَة فَجَمعه وعصره بمعاونة الْجِنّ ثمَّ أكل من الزَّيْت فَوجدَ لَهُ لَذَّة فَقَالَ لحواء إِنَّه لطيب وَلَكِن بعد التَّعَب وَالنّصب الشَّديد وصنعت لَهُ الْجِنّ المغرفة والفأس والمنشار وَالَّذِي لَا بُد مِنْهُ لبني آدم وعملن المرادن لحواء للغزل فَنسجَتْ لآدَم ثوبا من الْقطن وَكسَاء من الصُّوف ثمَّ لَهَا مثل ذَلِك وفرشا وغطاءا ودثاراً من الْبرد فمكثا بذلك مَا شَاءَ الله فَإِذا جَاءَ أَوَان الْحَج حجا وَأنزل الله على آدم الْخَيْمَة الَّتِي تقدم ذكرهَا فِي حَدِيث وهب وَلم يزل هَذَا دأبه مَا شَاءَ الله تَعَالَى وَأما كَيْفيَّة التناسل فَفِي كتاب المبتدا أَن آدم لم يكن يطَأ حَوَّاء مُنْذُ هبطا إِلَى الأَرْض وَلَا خطر بِقَلْبِه وَلَا بقلبها ذكره حَيَاء من الله تَعَالَى فَأوحى الله إِلَيْهِ يَا آدم مَا هَذَا الْجزع وَأَنت صفوتي وَأَبُو الْمُصْطَفى رَسُولي وَمن قبله من الْأَنْبِيَاء فأبشر بنعمتي وكرامتي أَنْت وحواء زَوجتك أمتِي فألم بهَا فبشر حَوَّاء فسجدت شكرا لله تَعَالَى وَسَأَلَ آدم ربه عَن دوِي كَانَ يسمعهُ فِي ظَهره إِذا سبح وَعَن لمعان النُّور الَّذِي فِي وَجهه فَأخْبرهُ الله أَن هَذَا نور ابْنك مُحَمَّد والدوي الَّذِي تسمعه تسبيحه وَإِنِّي سأنقله من صلبك إِلَى حَوَّاء وَأَجْعَل نوره فِي وَجههَا حَتَّى يخرج فِي وَجه ولد لَكمَا مبارك أجعَل فِي ذُريَّته الْكتاب وَالْحكمَة وأعطيه الْبَطْش وَالْقُوَّة وأخصه بالشرف والفضيلة بعْدك فَإِذا انْتقل إِلَى حَوَّاء فَلَا يخفى عَلَيْك فَلَا تلم بهَا عِنْد حملهَا بِهِ حَتَّى تلده طَاهِرا مطهراً وَإِنِّي أحفظه من الشَّيَاطِين والمردة الملاعين فَإِذا انْتقل إِلَيْهَا فَمُرْهَا بِدُخُول الْحرم إجلالاً للنور الَّذِي مَعهَا فَإِذا وَضعته وَكبر فأبشر بِالْخَيرِ وسلني بِحقِّهِ كل مَا تُرِيدُ وزوجه أطهر النسوان وَخذ عَلَيْهِ الْعَهْد بِحِفْظ هَذَا النُّور وَأَن يَأْخُذ على وَلَده كَمَا أخذت أَنا عَلَيْك وَأَنا الْحَافِظ لَهُ بعيني الَّتِي لَا تنام وَكَانَ آدم بعد هَذَا الْعَهْد لَا يقرب حَوَّاء حَتَّى تتطهر وتغتسل هِيَ وجاءها الْحيض سَبْعَة أَيَّام فَإِذا كَانَ وَقت الصَّلَاة سبحت وَكَبرت وَلما انْقَطع اغْتَسَلت ثمَّ بَاشر حَوَّاء فَحملت مِنْهُ وَبَان وَثقل عَلَيْهَا وَتغَير لَوْنهَا وانتفخ بَطنهَا وتحرك الْجَنِين وسفران الْجِنّ حولهَا يقلن لَهَا هَكَذَا الْحَبل وستلدين كَمَا ولدنَا نَحن
стр. 57
فَلَمَّا كَانَ الشَّهْر التَّاسِع أَصَابَهَا من شدته مَا لم يصب أُنْثَى حَتَّى يَبِسَتْ يَديهَا ورجليها وَوَقعت لَا حَرَكَة بهَا وَنسَاء الْجِنّ يبْكين رَحْمَة لَهَا وآدَم يَدْعُو وَيَقُول يَا رب وَعدك وَعدك يَا من لَا يخلف الميعاد فَأذن الله تَعَالَى بخلاصها وَولدت وَلدين ذكرا وَأُنْثَى وسال لَبنهَا وَأمر الله آدم أَن يأمرها بِقطع سررها وسمت الذّكر قابيل وَالْأُنْثَى إقليميا وهما ينشآن فِي الْيَوْم كالشهر وَفِي الشَّهْر كالسنة وآدَم منعزل عَنْهَا فِي مُدَّة الرَّضَاع فَأوحى الله إِلَيْهِ إِنِّي لم أحرم عَلَيْك زَوجك فِي رضاعها فَهِيَ حَلَال لَك وَإِنَّمَا نهيتك عَن ذَلِك عِنْدَمَا ترى نور مُحَمَّد قد انْتقل إِلَيْهَا أما فِي الْحمل بِغَيْرِهِ فَهِيَ حَلَال فَلَا تنعزل عَنْهَا فبشرها بذلك وَأَرَادَ الْإِلْمَام بهَا فَقَالَت يَا صفوة الله مَا تذكر مَا قاسيته فِي مخاضي فَأوحى الله إِلَيْهِ إِن الَّذِي قاسته أول مرّة لَا يُصِيبهَا مثله وَلَا عشر عشره وَإِنَّمَا وَقع ذَلِك أول مرّة لتخفف عَنْهَا الذُّنُوب الَّتِي تقدّمت لَهَا فِي معاونتها إِبْلِيس على الْأكل من الشَّجَرَة فَفَرِحت وَطَابَتْ بذلك نَفسهَا وَعَن عمَارَة بن زيد الْأنْصَارِيّ أَن آدم وَاقع حَوَّاء فَحملت بِأول بطن كَانَ بعد مائَة سنة ثمَّ وَاقعهَا فَحملت أَيْضا بهابيل وتؤمته ليوثا فَلم تلق فيهمَا مَا لقِيت فِي أول بطن فأرضعتهما وفطمتهما ثمَّ حملت بِبَطن ثَالِث فَولدت توأمين وَأَوْلَادهَا يكبرُونَ ويمشون بَين يَديهَا والنور لَا ينْتَقل عَن وَجه آدم وحواء تَلد فِي كل تِسْعَة أشهر وَلدين ذكرا وَأُنْثَى فَسمى الذّكر قاين وَقيل قابيل وسمى الْأُنْثَى ليوذا ثمَّ عاودا الغشيان فاشتملت على ذكر وَأُنْثَى فَسمى الذّكر هابيل وَالْأُنْثَى إقليميا فزوج أُخْت قاين لهابيل وَأُخْت هابيل لقاين إِلَى أَن كثر النَّسْل وَولدت حَوَّاء لآدَم خَمْسمِائَة بطن بِأَلف ذكر وَأُنْثَى وبإسنادنا الْمُتَقَدّم عَن ابْن بابويه عَن أَبِيه عَن مُحَمَّد بن يحيى الْعَطَّار عَن الْحُسَيْن بن الْحسن بن أبان عَن مُحَمَّد بن أورمة عَن النَّوْفَلِي عَن عَليّ بن دَاوُد اليعقوبي عَن مقَاتل بن مقَاتل عَمَّن سمع زُرَارَة يَقُول سُئِلَ أَبُو عبد الله عَن بَدْء النَّسْل من آدم كَيفَ كَانَ فَإِن نَاسا عندنَا يَقُولُونَ إِن الله تَعَالَى أوحى إِلَى آدم أَن يُزَوّج بَنَاته من بنيه وَإِن هَذَا الْخلق كُله أَصله من الْأُخوة وَالْأَخَوَات فَمنع أَبُو عبد الله من ذَلِك وَقَالَ نبئت أَن بعض الْبَهَائِم نكرت لَهُ أُخْته فَلَمَّا نزا عَلَيْهَا
стр. 58
وَنزل ثمَّ علم أَنَّهَا أُخْته عزم على غرموله بِأَسْنَانِهِ حَتَّى قطعه فَخر مَيتا وَفِي حَدِيث آخر تنكرت لَهُ أمه فَفعل هَذَا بِعَيْنِه فَكيف الْإِنْسَان فِي فَضله وَعلمه غير إِن جيلا من هَذِه الْأمة الَّذين يرَوْنَ أَنهم رَغِبُوا عَن علم أهل بيوتات أَنْبِيَائهمْ فَأَخَذُوهُ من حَيْثُ لم يؤمروا بِأَخْذِهِ فصاروا إِلَى مَا ترَوْنَ من الضلال وَحقا أَقُول مَا أَرَادَ من يَقُول هَذَا إِلَّا تَقْوِيَة لحجج الْمَجُوس ثمَّ أنشأ يحدثنا كَيفَ كَانَ بَدْء النَّسْل فَقَالَ إِن آدم صلوَات الله عَلَيْهِ ولد لَهُ سَبْعُونَ بَطنا فَلَمَّا قتل قابيل هابيل جزع جزعاً شَدِيدا قطعه عَن إتْيَان النِّسَاء فَبَقيَ لَا يَسْتَطِيع أَن يغشى حَوَّاء خَمْسمِائَة سنة ثمَّ وهب الله لَهُ شَيْئا وَهُوَ هبة الله وَهُوَ أول وَصِيّ أوصى إِلَيْهِ من بني آدم فِي الأَرْض ثمَّ وَرَاءه بعده يافث فَلَمَّا أدْركَا وَأَرَادَ الله إِن يبلغ بالنيل مَا ترَوْنَ أنزل بعد الْعَصْر فِي يَوْم خَمِيس حوراوين من الْجنَّة اسْمهَا نزلة ومنزلة فَأمره الله أَن يُزَوّجهَا شيثاً وَأَن يُزَوّج منزلَة من يافث فزوجهما مِنْهُمَا فَولدت لشيث غُلَاما وليافث جَارِيَة فَأمر الله آدم حِين أدْركَا أَن يُزَوّج بنت يافث من ابْن شِيث فَفعل فولد للصفوة من النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ من نسلهما ومعاذ الله أَن يكون ذَلِك على مَا قَالُوهُ من الْإِخْوَة وَالْأَخَوَات ومناكحتهما والْحَدِيث طَوِيل وَفِي علل الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام عَن الباقر مُحَمَّد بن عَليّ أَن أحد ابْني آدم تزوج الْحَوْرَاء وَتزَوج الآخر من الْجِنّ فولدتا جَمِيعًا فَمَا كَانَ فِي النَّاس من جمال وَحسن خلق فَمن حوراء وَمَا كَانَ من سوء خلق فَمن بنت الجان وَأنكر تَزْوِيج بنيه من بَنَاته وروى الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سعيد الحجري فِي كتاب مبتدا الْخلق إِن قابيل أكبر أَوْلَاد آدم وَأَنه لما مضى من عمره وتؤمته عشرُون سنة ولهابيل وَأُخْته تسع عشرَة سنة فوض أَمر الْحَرْث إِلَى قابيل وَأمر الْغنم والرعي إِلَى هابيل وَكَانَ قابيل مُولَعا باللهو واللعب وهابيل يكثر الشُّكْر وَالتَّسْبِيح ويأتيى إِلَى إخْوَته وَأَبِيهِ بالسمن وَاللَّبن والجبن وَكَانَت أمه وَإِخْوَته يحبونه ويقدمونه على قابيل وَكَانَ يحسده لذَلِك وَأَوْلَاد حَوَّاء بَعضهم مَعَ قابيل فِي الْحَرْث وَبَعْضهمْ مَعَ هابيل فِي
стр. 59
الرَّعْي وَأَن الله أوحى إِلَى آدم أَن زوج ذكران بَيْنك بإناثهم وَلَا يحل لأحد من بني بنيك أَن ينْكح أُخْته وَخَالف بَين ذكر كل بطن وأنثاه فَأول مَا أَرَادَ أَن يمتثل أَمر الله فِي ولديه هابيل وقابيل لِأَنَّهُمَا أكبر أَوْلَاده فَأَرَادَ زواج قابيل لتوءمة هابيل ليوذا ولهابيل توءمة قابيل إقليميا فَأبى قابيل حسداً لِأَخِيهِ وَقَالَ لِأَبِيهِ أَنا أولى بأختي هِيَ أحب إِلَيّ من أُخْت هابيل وَامْتنع أَن يسلم أُخْته إِلَى هابيل فَقَالَ آدم أَخَاف عَلَيْك إِن عصيت رَبك أَن تقع فِيمَا وقعنا فِيهِ فأقسم أَلا يتْرك لَهُ أُخْته إِلَّا ببرهان من الله فَقَالَ آدم اذْهَبَا فقربا قرباناً إِلَى الله وليقف كل وَاحِد وَبَين يَدَيْهِ قربانه وَليكن أفضل مَا عنْدكُمْ وأطهره وأطيبه فَإِن الله لَا يقبل إِلَّا الطّيب فأيكما قبل قربانه فَهُوَ أَحَق بإقليميا فَقَالَ هابيل لِأَبِيهِ أَنا رَاض بِكُل مَا حكمت قربت أَو لَا تقبل مني أَو لَا وَقَالَ قابيل نقرب فَخَرَجَا إِلَى جبل من جبال مَكَّة وَقيل إِلَى منى ثمَّ قرب كل وَاحِد مِنْهُمَا قرباه فَكَانَ قرْبَان هابيل من أبكار غنمه وأسمنها بسماحة نفس وقربان قابيل قمحاً لم يبلغ وَأَكْثَره زيوان وَفِي كتاب الْوَصِيَّة عمد إِلَى شَرّ مَا كَانَ لَهُ من الطَّعَام والعصير فقربه وَعَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ قرب قابيل من زرعه مَا لم ينق وَقَامَ هابيل يَدْعُو الله وقابيل يُغني ويلهو وَإِذا رأى هابيل يُصَلِّي يضْحك وَيَقُول أَظن صَلَاتك لتخدع آدم ليزوجك بأختي لَئِن تقبل قربانك لأَقْتُلَنك فَتَركه هابيل وَانْصَرف ليعلم أَبَاهُ فَلحقه قابيل قبل عقبَة حراء دون جبل ثبير وَقيل فِي مَوضِع آخر غَيره وَفِي مروج الذَّهَب يُقَال إِنَّه اغتاله فِي بَريَّة وَيُقَال إِن ذَلِك كَانَ بِأَرْض الشَّام من بِلَاد دمشق فَوَثَبَ إِلَيْهِ يعضه بفمه طَالبا مَوته فَلَا يرَاهُ يَمُوت ويضربه بِيَدِهِ فتمثل لَهُ إِبْلِيس على صُورَة بعض إخْوَته وَقد اصطاد ظَبْيًا ثمَّ أَخذ حبلاً فقمطه بِهِ وألقاه على جنبه وَأخذ حجرين فَضرب أَحدهمَا بِالْآخرِ فَانْكَسَرت من أَحدهمَا شظية لَهَا حرف حد فَأَخذهَا فشحطها على حلق الظبي فذبحه ثمَّ احتلمه وَمضى لسبيله وقابيل يرَاهُ فَأخذ حجرا فشدخ بِهِ رَأسه وَقيل كَسره وذبحه بِبَعْضِه فَمَاتَ فَلَمَّا قَتله وسال دَمه وَرَآهُ يضطرب لخُرُوج روحه عقبته الندامة وتبرأ مِنْهُ
стр. 60
الشَّيْطَان ونخر إِبْلِيس نخرة أَجَابَتْهُ مردته من كل أَوب وَاتخذ ذَلِك عيداً وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي اتخذته الْمَجُوس عيداً لَهُم وَلما قَتله فتحت الأَرْض فاها لتبتلع دَمه فزجرت وَقيل لَهَا أشربت دَمًا سفك بِغَيْر حق ظلما لَئِن عدت لمثل ذَلِك لألعننك سبع لعنات فأقسمت أَلا تبلع دَمًا وَأَن قابيل ارتعشت يَدَاهُ حِين قتل أَخَاهُ وَبَقِي حائراً مبهوتاً ينظر إِلَيْهِ مَيتا ملقى على وَجهه الأَرْض وَعَن وهب لما أَرَادَ قابيل أَن يقتل أَخَاهُ هابيل لم يدر كَيفَ يصنع فَعمد إِبْلِيس إِلَى طَائِر فرضخ رَأسه بِحجر فَقتله فتعلم قابيل فساعة قَتله أرعش جسده وَلم يعلم مَا يصنع فَأقبل غراب يهوي على الْحجر الَّذِي دمغ أَخَاهُ فَجعل يمسح الدَّم بمنقاره وَأَقْبل غراب آخر حَتَّى وَقع بَين يَدَيْهِ فَوَثَبَ الأول على الثَّانِي فَقتله ثمَّ هز بمنقاره فواراه فتعلم قابيل وَعَن الصفار عَن مُحَمَّد بن أبي الْحُسَيْن بن أبي الْخطاب عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَابر وَعبد الْكَرِيم بن عَمْرو بن عبد الحميد بن أبي الديلم عَن أبي عبد الله أَن الله بعث إِلَيْهِ جِبْرِيل فأجنه فَقَالَ قابيل ﴿يَا ويلتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ الْمَائِدَة ٣١ يَعْنِي بِهِ مثل هَذَا الْغُرَاب الَّذِي لَا أعرفهُ جَاءَ وَدفن آخر وَلم أهتد لذَلِك وَيُقَال إِنَّه حمله على عَاتِقه إِلَى أَبِيه وَأمه فعلما أَنه هُوَ الَّذِي قَتله فَقَالَ لَهُ آدم يَا وَيلك قتلت أَخَاك حَيْثُ تقبل قربانه عَلَيْك لعنة الله ولعنة الْمَلَائِكَة وَأَقْبَلت حَوَّاء تنوح وتصرخ فَلَمَّا رأى قابيل ذَلِك توارى عَنْهُمَا ينوح على نَفسه وَسُوء فعله فَمن نياحته ويلي وَمن لَهُ مثل ويلي اسْتَوْجَبت لقَتله سخط رَبِّي ويلي قتلت هابيل شقيقي وَابْن أبي وَأمي وَمن كَانَ مستقره فِي صلب أبي فيا شقوتي وويلي وَمن لَهُ مثل ويلي اسْتَوْجَبت لقَتله سخط رَبِّي فَيُقَال إِنَّه حمله على عَاتِقه وَهُوَ يبكي وينوح من وَاد إِلَى وَاد وَمن جبل إِلَى جبل حَتَّى أنتن وجاف وسال عَلَيْهِ صديده فَأَلْقَاهُ إِلَى الأَرْض ووقف ينظر إِلَيْهِ نَادِما فَبعث الله غراباً كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَيُقَال إِن إِبْلِيس كَانَ رمى أنثاه بِحجر فَقَتلهَا فَلَمَّا رَآهَا الْغُرَاب تَعب وَصَاح
стр. 61
ونتف ريشه حزنا ثمَّ بحث الأَرْض برجليه ومنقاره حَتَّى دَفنهَا وَوضع الْحجر الَّذِي شدخ بِهِ إِبْلِيس رَأسهَا على الْموضع الَّذِي دَفنهَا فِيهِ ثمَّ صرخَ صرخات وناح نوحات وصفق بجناحيه وطار فَقَالَ قابيل ﴿يَوَيْلَتَي أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَاب فأواري سَوْءَةَ أَخِي﴾ الْمَائِدَة ٣١ كَمَا وارى أنثاه فحفر لَهُ حَتَّى واراه فِي الحفرة وطمر عَلَيْهِ التُّرَاب فَهُوَ أول ميت دفن فِي الأَرْض ثمَّ تَركه وَرجع وَلم يقدر يَقع فِي عين أَبِيه وَأبْعد عَن آدم وَعَن مَكَّة وَفِي رِوَايَة أَنه لما رَجَعَ إِلَى آدم فَقَالَ لَهُ يَا قابيل أَيْن هابيل قَالَ مَا أَدْرِي وَمَا بعثتني رَاعيا لَهُ فَانْطَلق فَوجدَ هابيل مقتولاً فَقَالَ لعنت من أَرض كَمَا قبلت دم هابيل فَبكى آدم على هابيل أَرْبَعِينَ لَيْلَة ثمَّ إِن آدم سَأَلَ ربه أَن يهب لَهُ ولدا فولد لَهُ غُلَام فَسَماهُ هبة الله لِأَن الله وهبه لَهُ فَأَحبهُ آدم حبا شَدِيدا والْحَدِيث طَوِيل وروى أَنه لم يوار سوءة أَخِيه وَانْطَلق هَارِبا حَتَّى أَتَى وَاديا من أَوديَة الْيمن فِي شَرْقي عدن فكمن فِيهِ زَمَانا وَبلغ آدم مَا صنع قابيل بهابيل فَوَجَدَهُ قَتِيلا قلت هَذَا يُخَالف مَا قبله الْمَنْقُول عَن كتاب العرائس أَن قابيل وضع هابيل فِي جراب وَحمله على عَاتِقه حَتَّى أروح وأنتن وَفِيه وفى إِبْلِيس ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَاّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ فصلت ٢٩ لِأَن قابيل أول من سنّ الْقَتْل فَلَا يقتل مقتول إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا كَانَ شَرِيكه فِيهِ وَسُئِلَ جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر عَن هَذِه الْآيَة فَقَالَ هما هما وَإِن آدم حزن على هابيل حزنا شَدِيدا وبكاه ورثاه بِهَذِهِ الأبيات وَهِي أول شعر قيل فِي الأَرْض
(تَغَيَّرت الْبِلَاد وَمَنْ عَلَيْهَا ... فوَجهُ الأرضِ مُغبَرُّ قبيحُ)
(تغيَّر كلُّ ذِي طعمٍ ولونٍ ... وقلَّ بشاشَةَ الوجهُ الصَّبيحُ)
(وبُدِّل نبتها أثلاً وخمطاً ... بجنَّاتٍ من الفردوس فِيحُ)
(وجاورنا عَدو لَيْسَ يُغنى ... لعينٌ لَا يموتُ فنستريحُ)
(فيا هابيلٌ إِن تُقتَلْ فإنِّى ... عليكَ اليومَ مكتئبٌ قريحُ)
(بكَتْ عَيْني وحقَّ لَهَا بُكاها ... ودمعُ العينِ مُنسكبٌ يسيحُ)
стр. 62
(فأورثَ فِي الضَّمِير لهيبَ نارٍ ... مُقيمٌ فِيهِ هابيلُ الذّبيحُ)
(رماهُ أَخُوهُ ذُو الفَجَراتِ ظُلماً ... وبغياً مِنْهُ قابيلُ الشحيحُ)
(فيَلعنهُ الإلهُ بِمَا جناهُ ... وصعَّر خدّه وَله القُبوحُ)
فَيُقَال إِن إِبْلِيس لَعنه الله أَجَابَهُ بقوله // (من الوافر) //
(تَنحَّ عَن الْبِلَاد وساكنيها ... فَفِي الفردوسِ ضاقَ بك الفسيحُ)
(وكنتَ بهَا وزوجكَ فِي رَخاَءٍ ... من الدّنيا وعيشُكَ مستريحُ)
(فَمَا انفكَّت مُكايدتي ومَكري ... إِلَى أَن فاتَكَ الثمنُ الربيحُ)
(فلولا نعمةُ الجبَّارِ أَضحَى ... بكفكَ من جنانِ الْخلد ريحُ)
(أَهاجَكَ آدم الدهرُ الكدوحُ ... فدمعكَ هاطلٌ هَتِنٌ يسيحُ)
(وجاءتكَ المصائبُ عادياتٍ ... وسوفَ عَلَيْك ترجعُ أَو تروحُ)
(فَلَا تبْكي فإنكَ غيرُ خالٍ ... من الأحزان مَا صحبتكَ روحُ)
(وعندك بُغيتي ولديكَ ثأْري ... وولدكَ بعد موتكَ لَا أُريحُ)
قَالَ عمَارَة بن زيد لما هرب قابيل أرسل الله إِلَيْهِ ملكا فَقَالَ لَهُ أَيْن أَخُوك هابيل فَقَالَ مَا كنت عَلَيْهِ رقيباً فَقَالَ لَهُ الْملك إِن الله يَقُول لَك إِن صَوت أَخِيك لينادي من الأَرْض أَنَّك قتلته فَمن الْآن أَنْت مَلْعُون وَإِذا عملت بِيَدِك حرثاً فَإِن الأَرْض لَا تعطيك شَيْئا أبدا وَلَا تزَال فَزعًا تائهاً فِي الأَرْض أبدا وَإنَّهُ سيقتل خِيَار ولدك وَيكون موتك أسفا على من قتل من ذريتك ثمَّ انْصَرف الْملك عَنهُ فَقَالَ لقد عظمت مصيبتي من أَيْن يغفرها لي رَبِّي ثمَّ إِنَّه سلط الله عَلَيْهِ الْفَزع من كل شَيْء لَو مر بِهِ الذُّبَاب توهم أَنه يقْتله وَكَانَ طول عمره حَزينًا خَائفًا وإبليس مَعَه فِي شَرْقي عدن وَبَقِي آدم مائَة سنة حَزينًا لَا يضْحك فَأوحى الله إِلَيْهِ يَا آدم إِن الله يعزيك ويأمرك بِالصبرِ ليوجب لَك الْأجر فَلَا تكبرن عَلَيْك مُصِيبَة قابيل فقد وَجَبت عَلَيْهِ اللَّعْنَة وهابيل أجعله قَائِد الشُّهَدَاء يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الْجنَّة وقابيل قرين إِبْلِيس فِي
стр. 63
النَّار فتعز أَنْت وحواء وقولا إِنَّا لله وَأَنا إِلَيْهِ رَاجِعُون وَأَنا واهب لَك ولدا صديقا نَبيا فِي ذُريَّته الْملك والنبوة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وعلامته أَن يُولد وَحده فَإِذا ولد فسمه شيثا هبة الله فَضَحِك آدم ﵇ وَخرج من الْحرم فبشر حَوَّاء بذلك ثمَّ إِن قابيل استحوذ عَلَيْهِ الشَّيْطَان وَحمل أُخْته إقليميا إِلَى صحارى عدن فنكحها خلافًا لِأَبِيهِ وربه فَأتى مِنْهَا بأولاد انتشروا فِي الأَرْض ونكح بَعضهم بَعْضًا من أم وَأُخْت وعمة وَخَالَة وأطاعوا إِبْلِيس فَكَانُوا حزبه وآدَم ينْهَى بنيه أَن يقربُوا الأَرْض الَّتِي هم فِيهَا فَكَانُوا لَا يقربونهم وَلَا يجاورونهم وَأما وَفَاة آدم ﵇ فقد روى الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سعيد ﵀ أَن الله سُبْحَانَهُ أَمر آدم أَن يتَقَدَّم إِلَى شِيث بِالْوَصِيَّةِ وَأخذ الْعَهْد عَلَيْهِ والميثاق بِأَنَّهُ خَلِيفَته على بنيه وَألا يضع النُّور الَّذِي فِي جَبهته إِلَّا فِي الطاهرات من النِّسَاء فَسجدَ آدم شكرا لله تَعَالَى وَأخذ على وَلَده الْعَهْد والميثاق بذلك وَأمره أَنه إِذا انْتقل النُّور إِلَى وَلَده أَن يَأْخُذ عَلَيْهِ الْعَهْد كَذَلِك ثمَّ إِنَّه جمع أَوْلَاده وأشهدهم على شِيث وأعلمهم أَنه وَصِيّه وَأمرهمْ بِطَاعَتِهِ وَعدم مَعْصِيَته وحذرهم بني قابيل اللعين فَإِنَّهُم مَعَ إِبْلِيس وَجُنُوده عَدو لي وعدو لكم ثمَّ قَالَ وأمكم حَوَّاء أشفقوا عَلَيْهَا وتحننوا على إخوتكم والطفوا بأولادكم وَلَا تؤثروا شَيْئا على طَاعَة ربكُم وحجوا واقضوا مَنَاسِككُم كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَقْْضِي وقربوا القربان لِتَعْلَمُوا رضَا الله عَنْكُم فَلَمَّا غمره الوجع وَالْمَلَائِكَة تعوده وتسأل عَنهُ وَقد أحدق بِهِ بنوه وحواء عِنْد رَأسه لَا ترقأ لَهَا عِبْرَة لفراقه فَلَمَّا مَاتَ علم جِبْرِيل ابْنه شِيث غسله وتكفينه وَالصَّلَاة عَلَيْهِ وَأما مدفنه فَفِيهِ خلاف بَين الْأُمَم فَقَالَ قوم من أهل الْكتاب دفن فِي مَشَارِق الفردوس وَقل عَليّ بن أبي طَالب دفن بِمَكَّة وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ دفن فِي غَار بجبل أبي قبيس يُقَال لَهُ غَار الْكَنْز وَقيل بمنى عِنْد مَنَارَة مَسْجِد الْخيف قَالَه الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخ دوَل الْإِسْلَام وعمره ألف سنة
стр. 64
وَفِي مُخْتَصر ربيع الْأَبْرَار لِابْنِ سلكويه أَن آدم لما احْتضرَ قَالَ لِابْنِهِ أوصيك أَن تطلي جَسَدِي بدهن وَمر ولبان مِمَّا أهبط عَلَيْهِ من الْجنَّة فَإِنَّهُ إِذْ طلي بِهِ الْمَيِّت لم ينْفَصل شَيْء من عِظَامه حَتَّى ببعثه الله تَعَالَى وأوصيك أَن يكون مَعَك دهن وَمر حَيْثُمَا ذهبت فَإِن الشَّيْطَان لَا يقربك وَأَن تجْعَل جَسَدِي فِي تَابُوت وتجعلني فِي مفازة فِي وسط الأَرْض وَمَات يَوْم الْجُمُعَة وَصلى عَلَيْهِ فِي السَّاعَة الَّتِي أخرج فِيهَا من الْجنَّة لست لَيَال خلون من نيسان وعمره تِسْعمائَة وَسِتُّونَ سنة أَو ألف وَقيل إِنَّه مَاتَ عَن أَرْبَعِينَ ألفا من وَلَده وَولد وَلَده وَفِي مروج الذَّهَب للمسعودي توفّي عَن ألفي ألف من وَلَده وَولد وَلَده وناحوا عَلَيْهِ مائَة وَأَرْبَعين يَوْمًا وَفِي كتاب الْوَصِيَّة ثمَّ حمل نوح جسده زمن الطوفان فِي السَّفِينَة وَجعله فاصلاً حاجزاً بَين الذُّكُور وَالْإِنَاث من كل نوع كَمَا سَيَأْتِي عِنْد ذكر نوح ﵊ وَأما حَوَّاء فَعَن وهب أَنَّهَا لم تعرف بِمَوْت آدم حَتَّى سَمِعت بكاء الوحوش وَالطير فَقَامَتْ فزعة وصاحت صَيْحَة شَدِيدَة فَأقبل إِلَيْهَا جِبْرِيل وصبرها فَلم تصبر دون أَن لطمت وَجههَا ودقت صدرها فورث ذَلِك بناتها إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ إِنَّهَا لَزِمت قبر آدم أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا تطعم الزَّاد وَلَا الرقاد فَأَخْبرهَا جِبْرِيل باقتراب أجلهَا فشهقت شهقة عَظِيمَة ومرضت مَرضا شَدِيدا وَهَبَطَ ملك الْمَوْت فَسَقَاهَا شراب الْمَوْت ففارقت الدُّنْيَا وَفِي كتاب المبتدا أَنه لما مَاتَ آدم جزعت عَلَيْهِ حَوَّاء جزعاً شَدِيدا وَلم تنم لَيْلًا وَلَا نَهَارا وَلم تَأْكُل إِلَّا مَا يسد رمقها وَلم تمس طيبا وَلَا توسدت بوسادة وَكَانَت تخرج فِي كل ثَلَاث سَاعَات إِلَى قبر آدم فِي بناتها تبكيه فَأرْسل الله إِلَيْهَا جِبْرِيل سلاها وأمرها بِالصبرِ فسجدت شكرا لله تَعَالَى وَلم تلبث بعد ذَلِك إِلَّا قَلِيلا ذكر أَنَّهَا عاشت بعده سِتَّة أشهر وَأَنَّهَا لما حضرتها الْوَفَاة شدد الله عَلَيْهَا النزاع ليكفر بذلك خطيئتها وَيرْفَع درجتها ودعت أكبر بناتها وَهِي فهوائيل
стр. 65
وَكَانَت تشبهها فِي جمَالهَا وكمالها وَقَالَت لَهَا يَا بنية إِنِّي احسن بِالْمَوْتِ الَّذِي أَخذ أَبَاك وَقد اضْطربَ جسمي وطار نومي وخفق فُؤَادِي خمري رَأْسِي وشدي عَليّ ثِيَابِي وطهري بَيْتِي ومصلاي ومحرابي وفراشي وَمَا حَولي فيوشك أَن يحضرني رسل رَبِّي وَرُبمَا غلب من هول مَا ينزل بِي فيتغير عَقْلِي وينكشف بعض بدني فَلَا تغفلي عني وَلَا تفتري عَن ذكر الله عِنْد رَأْسِي فَإِذا أَنا مت فغمضي عَيْني وشدي لحيي إِلَى رَأْسِي وسجيني بثوبي وخمري رَأْسِي ووجهي واستقبلي بِهِ قبْلَة رَبِّي ومددي أعضائي أَي بنية أحس روحي من كل عرق تجذب وَمن كل عظم تنتزع وَنَفْسِي كَأَنَّمَا تخرج من سم الْخياط وَكَأَنِّي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَإِذا خرجت روحي فتولي أَنْت غسْلي بِالْمَاءِ والسدر وترا وكفنيني فِي أطهر أثوابي وذري عَليّ شَيْئا من الطّيب الَّذِي لَا لون لَهُ وَعَلَيْك بِالدُّعَاءِ عِنْد موتِي وَعَلَيْك بِحِفْظ بعلك وَرَحْمَة ولدك والتحنن على إخْوَتك وَقلة الْمُخَالفَة لَهُم وَالله خليفتي عَلَيْك ثمَّ تَوَجَّهت إِلَى الْقبْلَة وبكت وَقَالَت الهي أمتك وَأم نبيك مُحَمَّد
إِلَّا مَا هونت على أمتك سَكَرَات الْمَوْت يَا رب وَالْحيَاء مِنْك يَمْنعنِي أَن أَسأَلك مَا سَأَلَك آدم عِنْد مَوته من ريحَان الْجنَّة وثمارها فَبَكَتْ الْمَلَائِكَة لَهَا وَسَأَلت الله أَن يهون عَلَيْهَا الْمَوْت فَقَالَ أَنا أرْحم بأمتي مِنْكُم وَأَنا أرْحم الرَّاحِمِينَ وَأوحى الله إِلَى رضوَان أَن يخرج من حور الْجنَّة عشرَة بريحان وثمار ويبشرنها بِالرِّضَا وَالْمَغْفِرَة وَالْعود إِلَى الْجنان فخرجن بأيديهن أطباق الذَّهَب والياقوت مخمرة بمناديل من الإستبرق من ثمار الْجنَّة ورياحينها ويبشرنها بِالْجنَّةِ فَوَضَعته على عينهَا وشمته وبكت وَقَالَت أَلَيْسَ رَبِّي رَاضِيا عني فَقُلْنَ بلَى يَا حَوَّاء وَأَنت صائرة إِلَى الْجنَّة حَيْثُ صَار آدم فَخفف عَن حَوَّاء بِهَذِهِ الْبشَارَة وَهَبَطَ ملك الْمَوْت وَأمره الله أَن يسهل عَلَيْهِ فَمَاتَتْ حَوَّاء صلوَات الله عَلَيْهَا فبكين بناتها وفهوائيل فعلت مَا أَمَرتهَا وَأنزل الله كفناً وخيوطاً من الْجنَّة فكفنتها فِيهِ فهوائيل وأعلمت إخوتها فصلى عَلَيْهَا ابْنهَا شِيث كَمَا صلى على أَبِيه آدم ثمَّ دَفنهَا بِالْقربِ مِنْهُ وَكَانَ مَوتهَا يَوْم الْجُمُعَة وبكت عَلَيْهِمَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَجَاء إِبْلِيس لَعنه الله إِلَى قبريهما وَبكى عَلَيْهِمَا مَلِيًّا وانتحب ثمَّ قَالَ يرثيهما بِهَذِهِ الأبيات // (من
стр. 66
مجزوء الْكَامِل) //
(قد مُتما وسبقتُماني ... وحلَلتُما دارَ الأمانِ)
(وبقيتُ بعدكما على ... سَنَنِ المذلَّةِ والهَوانِ)
(متفرداً بِغوايةِ الثقلَيْن ... من إنسٍ وَجَانِ)
(ومطيَّتي موقوفةٌ ... بينَ التلهُّبِ والأمَان)
(إِذا مَا بَقيتُ ومتُّما ... فإليكما أَمداً رِهاني)
وَفِي إِبْلِيس وآدَم والحية والطاوس وحواء يَقُول عدي بن زيد قصيدة يذكر فِيهَا بَدْء الْخلق إِلَى أَن وصل إِلَى قصَّة آدم وحواء ﵉ فَقَالَ // (من الْبَسِيط) //
(سعى الرجيمُ إِلَى حوَّا بوَسوَسةٍ ... غَوتْ بهَا وغوى مَعهَا أَبُو الْبشر)
(خلقان من مارجٍ إنشاءُ خلقته ... وآخرٌ من تُرَاب الأَرْض والمَدر)
(أنشاهما ليطيعاهُ فخالفهُ ... إِبْلِيس عَن أمره للحَين والقدَرِ)
(فأبلَسَِ الله إبليساً وأسكنهُ ... دَارا من الخُلد بَين الرَّوْض والشجرِ)
(فاغتاظَ إِبْلِيس من بَغي ومِن حسدٍ ... فاحتال للحَية الرّقطاء وَالطير)
(فأدخلاهُ بأيمانٍ مؤكدةٍ ... أعطاهما بيمينٍ كاذبٍ غدر)
(هناكَ سرَّ إِلَى حوَّا بوسوَسةٍ ... أردتُ بغرّتها مَعهَا أَخا القَدَر)
(فأُهبطوا بمعاصيهم وكلّهم ... فَانِي المحلِّ فقيدُ الْعين والأَثرِ)
(فأَهبط الله إبليساً وأوعده ... نَارا تلهبُ بالتّسعير والشَرَرِ)
(وأَنزلَ اللهُ للطاوسِ رحمتَهُ ... من صَوته وَرمى رجلَيْهِ بالنُّكرِ)
(وأَعقَبَ الحيةَ الحسناءَ حِين عَصَتْ ... مسح القوائم بعد السّعي كالبقرِ)
(وأَعقبَ الله حَوَّا بالّذي فعلت ... بالطَّمث والطّلق وَالْأَحْزَان والفِكرِ)
وَلما مَاتَ آدم وحواء طمع إِبْلِيس فِي بَينهمَا وَجَاء إِلَى شِيث فَسلم عَلَيْهِ وَكَلمه كلَاما اظهر فِيهِ النَّدَم على مَا فعله بِأَبِيهِ وَأمه مَا فعل وَأَن يكون عونه على أَوْلَاد قابيل فلعنه شِيث وطرده وتهدده بِأَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِ وَإِن كَانَ منْظرًا فَخرج إِبْلِيس من بَين يَدَيْهِ خَائفًا أَن يَدْعُو عَلَيْهِ فيجتمع عَلَيْهِ خزي الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة فولى آيساً مِنْهُ وَقَامَ شِيث فِي بنيه وَإِخْوَته خَطِيبًا وأعلمهم مَا أَرَادَ إِبْلِيس وحذرهم مِنْهُ وَمن أَوْلَاد قابيل قَالَ فَإِنَّهُم أعداؤكم فِي الدّين وحزب إِبْلِيس فَجعل بَعضهم يحذر
стр. 67
بَعْضًا من مُخَالطَة بني قابيل والتحرز مِمَّا نَهَاهُم الله عَنهُ وَلما أيس إِبْلِيس من شِيث رَجَعَ إِلَى قابيل وزين لَهُ أَلا يمْنَع ذكرا من إخْوَته وَبنَاته ليكْثر النَّسْل وَأَن يبيحهم الشّركَة الْوَاحِد والاثنين وَالثَّلَاثَة فِي الْوَاحِدَة وَلَا يمنعهُم مُرَادهم فَقبل قابيل قَوْله واشترك الْجَمَاعَة فِي الْوَاحِدَة وَمَا من ولد إِلَّا وإبليس لَهُ فِيهِ شركَة وَكَانَ لإبليس أَوْلَاد فاختلطوا مَعَهم وتربوا جَمِيعًا تذنيب عَن مقَاتل قَالَ قلت لأبي عبد الله كم كَانَ طول آدم ﵊ حِين أهبط إِلَى الأَرْض وحواء كم كَانَ طولهَا فَقَالَ وجدنَا فِي كتاب عَليّ ﵁ أَن الله تَعَالَى لما أهبط آدم وَزَوجته من الْجنَّة كَانَت رِجْلَاهُ على ثنية الصَّفَا وَرَأسه دون أفق السَّمَاء وَأَنه شكى إِلَى الله مَا يُصِيبهُ من حر الشَّمْس فصير طوله سبعين ذِرَاعا بذراعه وَجعل طول حَوَّاء خمْسا وَثَلَاثِينَ ذِرَاعا وَفِي العرائس كَانَ يمشي بَين الْجبَال والمفاوز فَكل مَوضِع أصَاب قدمه صَار قَرْيَة وكل مَوضِع اسْتَقر فِيهِ صَار مَدِينَة وكل مَوضِع صلى فِيهِ صَار مَسْجِدا وَلما مضى من الدُّنْيَا خَمْسمِائَة عَام كثر وَلَده وَولد وَلَده فَأرْسل الله إِلَيْهِ يحكم فيهم بِمَا انْزِلْ الله عَلَيْهِ وَهُوَ خَمْسُونَ صَلَاة فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم والاغتسال من الْجَنَابَة فَحكم بذلك حَتَّى توفاه الله تَعَالَى وَلما أهبط نزل مَعَه خَمْسَة أَشْيَاء أَحدهَا الْعَصَا وَهِي من آس الْجنَّة وَسبب ذَلِك أَنه كَانَ يَأْكُل الْحِنْطَة فَبَقيت بَقِيَّة فِي أَسْنَانه فَأخذ عوداً بعد أَن احْتَاجَ إِلَى التَّخْلِيل فَبَقيَ فِي يَده يَتَخَلَّل بِهِ فأهبط وَهُوَ مَعَه وتوارثه أبناؤه إِلَى أَن وصل إِلَى مُوسَى فَصَارَ معْجزَة لَهُ فَهُوَ عَصا مُوسَى وَثَانِيها خَاتم كَانَ مَعَه فَلَمَّا سَقَطت عَنهُ الْحلَل وَذهب تاجه عَن رَأسه أَخذه فَجعله فِي فِيهِ فتوارثه الذُّرِّيَّة إِلَى أَن وصل إِلَى سيدنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد فَصَارَ آيَة ملكه وثالثهما الْحجر الْأسود وَكَانَ من جَوَاهِر الْجنَّة قَصده أهل الْجنَّة حِين نزل فَأَخذه فتمسك بِهِ فَصَارَ حجرا فأهبط وَهُوَ مَعَه فَأمر بجعله ركنا من أَرْكَان الْكَعْبَة وَرَابِعهَا قِطْعَة من عود من شجر لم يبك عَلَيْهِ فَوَثَبَ فَحرق بالنَّار فَاعْتَذر فَجعل مِنْهُ الطّيب
стр. 68
وخامسها ورق التِّين وارى هُوَ وحواء بِهِ سوءاتهما فَلَمَّا تناثر ذَلِك بعد بنيه وعريا فِي الدُّنْيَا شكا آدم إِلَى جِبْرِيل العري فَجَاءَهُ بِشَاة من الْجنَّة لَهَا صوف كثير وَقَالَ لَهُ قل لحواء تغزل من هَذَا الصُّوف وتنسج فَمِنْهُ لباسك ولباسها فغزلت ونسجت وَلما كَانَت حَوَّاء سَببا لأكل آدم من الْقَمْح وعريه جعل عَلَيْهَا أَن تغزل وتكسوه وَلما ثقل عَلَيْهَا ذَلِك الْعَمَل جعل نَفَقَتهَا عَلَيْهِ وَلما ثقل عَلَيْهِ جعل حَظّ الزَّوْج فِي الْمِيرَاث ضعف حَظّ الزَّوْجَة كَذَا فِي المدارك قَالَ الْعَلامَة ابْن الضياء فِي الْبَحْر العميق أهبط آدم من بَاب التَّوْبَة وحواء من بَاب الرَّحْمَة وإبليس من بَاب اللَّعْنَة والطاوس من بَاب الْغَضَب والحية من بَاب السخط وأهبط بَين الظّهْر وَالْعصر من بَاب من سَمَاء الدُّنْيَا يُقَال لَهُ بَاب المبزم حذاء الْبَيْت الْمَعْمُور وَقيل من بَاب الْمِعْرَاج وَكَانَ مكثه فِي الْجنَّة نصف يَوْم من أَيَّام الْآخِرَة وَخَمْسمِائة عَام على سرنديب اسْم جبل بِالْهِنْدِ وَقيل على الجودي وَمكث عَلَيْهِ يبكي مائَة عَام حَتَّى نبت العشب من دُمُوعه وَكَانَ رَأسه يمس السَّحَاب فصلع فتوارثت الصلع ذُريَّته وَحط قامته إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعا بذراعه ثمَّ ذكر مَا يسْتَدلّ بِهِ على قدر ذراعه الْمُسْتَدلّ بِهِ على معرفَة طول قامته بذراعه فَقَالَ قدم عَلَيْهَا حَاجا عَام سِتّ عشرَة رجل شرِيف دلوالي وَذكر أَنه دخل بِلَاد سرنديب وَأَن أَهلهَا كفار وَأَنه صعد جبل سرنديب وَكَانَ صُعُوده فِيهِ من المنارة وقدرها بل أَعلَى يصعد إِلَى أَعلَى هَذَا الْجَبَل بسلاسل من حَدِيد يضع الْإِنْسَان فِيهَا رجله وَيتَعَلَّق إِلَى أَن يصعد إِلَى أَعْلَاهُ وَأَنه لَا يُمكن صُعُوده إِلَّا على هَذِه الصّفة قَالَ وَفَوق هَذَا الْجَبَل أَيْضا جبل صَغِير فِيهِ أثر قدم أَبينَا آدم ﵇ غائصاً فِي الْحجر على سمت الْقبْلَة بِحَيْثُ إِن الْقَائِم عَلَيْهِ يسْتَقْبل الْقبْلَة وَله
стр. 69
خمس أَصَابِع وَذكر أَنه قَاس طول قدمه وَعرضه وَطول إبهامه بمنديل كَانَ مَعَه وَعلم على ذَلِك عَلَامَات قَالَ الْعَلامَة ابْن الضياء الْمَذْكُور فَرَأَيْت هَذَا المنديل مَعَه فقست طول قدمه من رَأس الْإِبْهَام إِلَى آخر الْعقب فَكَانَت ثَلَاثَة أَذْرع وثلثي ذِرَاع وَطول إبهامه إِلَى الْمفصل شبر وَعرض الْقدَم ثَلَاثَة أشبار وَأَرْبع أَصَابِع كل ذَلِك بِذِرَاع الْحَدِيد وَذكر ذَلِك السَّيِّد أَنه لم ير إِلَّا قدماً وَاحِدًا وَأَن تَحْتَهُ غديراً فِي صَخْرَة ممتلئاً مَاء أحلى من الْعَسَل وَله عينان تجريان إِحْدَاهمَا عَن يَمِين الْقدَم وَالْأُخْرَى عَن يسَاره ينصبان إِلَى أَسْفَل الْجَبَل ثمَّ إِلَى الْبَحْر ومسيل مَاء الْعَينَيْنِ بشم وتراب الْعين الْيَمين سيلان وَذكر أَن الْمَطَر لَا يزَال على هَذَا الْجَبَل فِي كل يَوْم من أَيَّام السّنة لَا يَنْقَطِع أصلا وَلكنه فِي بعض الْأَيَّام رشاش بِغَيْر جود انْتهى كَلَام ابْن الضياء فِي بحره وَوجه حُصُول الْفَائِدَة بِمِقْدَار طول آدم يُؤْخَذ من معرفتنا لطول قدمه إِذا الْمَعْلُوم أَن مِقْدَار الْقدَم شبر وَأَن الشبر نصف ذِرَاع صَاحبه فشبران مِنْهُ هما مِقْدَار الذِّرَاع مِنْهُ من الْمفصل إِلَى رُءُوس أَصَابِع الْيَد فَيكون طول ذِرَاع آدم ﵇ سَبْعَة أَذْرع وَثلث ذِرَاع بِذِرَاع الْحَدِيد فَحَيْثُ كَانَ طوله سِتِّينَ ذِرَاعا بذارع نَفسه فَيكون أَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعين ذِرَاعا بِذِرَاع الْحَدِيد وَهَذِه فَائِدَة قل أَن تُوجد فَللَّه الْحَمد فَائِدَة فِي بَيَان زمَان خلق آدم ﵇ قَالَ فِي الفتوحات المكية انْتهى خلق المولدات من الجمادات والنباتات والحيوانات بانتهاء إِحْدَى وَسبعين ألفا قَالَ بعض من تكلم على ذَلِك مُرَاد الشَّيْخ أَن مُدَّة خلق الْإِنْسَان من الأفلاك وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَالْجنَّة وَالنَّار كلهَا فِي هَذِه الْمدَّة قَالَ فَلَمَّا خلق الله الْفلك الأول دَار دورة غير مَعْلُومَة الِانْتِهَاء لغير الله تَعَالَى لِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقه شَيْء مَحْدُود من الأجرام يقطع فِيهِ وَإِلَّا كَانَ خلق فِي جَوْفه شَيْء متميز الْحَرَكَة فدار أَربع وَخمسين ألف سنة من السّنة الْمَذْكُورَة وَهِي الإحدى وَالسبْعين ألف سنة فخلق الدُّنْيَا على انْتِهَاء أَربع وَخمسين ألف سنة ثمَّ بعد ٩٠٠٠ سنة خلق الْآخِرَة أَي الْجنَّة وَالنَّار فَكَانَت بعد مُضِيّ ثَلَاث وَسِتِّينَ ألف سنة من الْمَاضِي من ٧١٠٠٠ ثمَّ لما وصل الْوَقْت الْمعِين فِي علمه تَعَالَى لإيجاد هَذَا الْخَلِيفَة بعد أَن مضى من عمر الدُّنْيَا سَبْعَة عشر ألف سنة وَمن الْآخِرَة ثَمَانِيَة الْألف
стр. 70
سنة أَمر الله بعض مَلَائكَته أَن يَأْتِيهِ بقبضة من كل أَجنَاس تربة الأَرْض فَأَتَاهُ بهَا إِلَى آخر الْخلق وَهُوَ مَعْلُوم انْتهى وبالاختصار فخلق المولدات إِحْدَى وَسَبْعُونَ ألفا فالفلك هُوَ الأول ثمَّ بعد أَربع وَخمسين ألف سنة خلق الدُّنْيَا ثمَّ بعد ثَلَاث وَسِتِّينَ ألفا خلق الْآخِرَة ثمَّ بعد وَاحِد وَسبعين ألف سنة خلق آدم فخلقه بعد مُضِيّ إِحْدَى وَسبعين ألف سنة من الْعَالم الطبيعي وَهَذَا ملخص كَلَامه فِي الفتوحات فِي الْبَاب السَّابِع والمائتين مِنْهَا وَبِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدّم عَن ابْن بابويه قَالَ حَدثنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله بن أَحْمد الأسواري حَدثنَا مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن مَيْمُون عَن الْحسن عَن أبي بن كَعْب قَالَ قَالَ رَسُول الله
إِن أَبَاكُم كَانَ طوَالًا كالنخلة السحوق سِتِّينَ ذِرَاعا وَفِي كتاب نقش الخواتيم اتخذ آدم خَاتمًا مَكْتُوبًا عَلَيْهِ لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله عَليّ ولي الله وَالْجُمْهُور يُخَالف هَذَا وَسُئِلَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن خلق الشّعير مِم فَقَالَ إِن الله أَمر آدم إِن ازرع مهما اخْتَرْت لنَفسك وجاءه جِبْرِيل بقبضة من الْجنَّة من الْحِنْطَة فَقبض آدم على قَبْضَة وحواء على قَبْضَة فَقَالَ آدم لَا تزرعي أَنْت فَلم تقبل فزرع آدم جَاءَ حِنْطَة وَزرع حَوَّاء جَاءَ شعير تَكْمِيل فِيهِ تَعْلِيل ذكر الشَّيْخ الْجَلِيل عماد الْإِسْلَام مُحي الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن عَرَبِيّ قدس الله سره فِي كتاب فصوص الحكم أَن الله أوجد الْعَالم كُله وجود شبح مسوى لَا روح فِيهِ وَكَانَ كمرآة غير مجلوة فَكَانَ آدم عين جلاء تِلْكَ الْمرْآة وروح تِلْكَ الصُّورَة الَّتِي هِيَ صُورَة الْعَالم
стр. 71
الْمعبر عَنْهَا فِي اصْطِلَاح الْقَوْم بالإنسان الْكَبِير فَكَانَت الْمَلَائِكَة كالقوى الروحانية والحسية الَّتِي هِيَ النشأة الإنسانية قَالَ الشَّارِح الإِمَام عبد الرَّزَّاق بن أبي الْغَنَائِم الفاسي رَحمَه الله تَعَالَى فَكَانَت القوى الروحانية النفسانية مَلَائِكَة وجود الْإِنْسَان لِأَن قوى الْعَالم اجْتمعت فِيهِ بأسرها فالإنسان عَالم صَغِير والعالم إِنْسَان كَبِير بِوُجُود الْإِنْسَان فِيهِ لِأَن أحدية جَمِيع الْمَوْجُود الَّتِي ناسب بهَا الْعَالم الحضرة الإلهية لم تُوجد فِي جَمِيع أَجْزَائِهِ إِلَّا فِي الْإِنْسَان وَكَانَ الْإِنْسَان مُخْتَصرا من الحضرة الإلهية وَلِهَذَا قَالَ إِن الله خلق آدم على صورته وَيُسمى هَذَا الْمَذْكُور إنْسَانا وَخَلِيفَة فَأَما الإنسانية فَلِأَن نشأته تحوي الْحَقَائِق كلهَا وَجَمِيع مَرَاتِب الْوُجُود العلوية والسفلية بأحدية الْجمع الَّذِي ناسب بهَا حَقِيقَة الْحَقَائِق وَهِي الجمعية الْمَذْكُورَة إِذْ لَا شَيْء فِي النشأتين إِلَّا وَهُوَ مَوْجُود فِيهِ أَي لَا مرتبَة فِي الْوُجُود إِلَّا وَشَيْء مِنْهَا فِيهِ فَنَاسَبَ الْكل وَأنس بِهِ فَسمى إنْسَانا لِأَنَّهُ عَالم صَغِير والعالم يُسمى إنْسَانا كَبِيرا بِاعْتِبَار آخر وَهُوَ أَنه يلْحق بِمَنْزِلَة مَا إِنْسَان الْعين من الْعين الَّذِي بِهِ يكون النّظر وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بالبصر لِأَن الله تَعَالَى نظر بِهِ إِلَى الْخلق فَرَحِمهمْ فَلهَذَا سمى إنْسَانا أَيْضا فتم الْعَالم ووجوده بمظهريته لأسمائه تَعَالَى كلهَا قَالَ الشَّيْخ فَهُوَ من الْعَالم كقص الْخَاتم من الْخَاتم وَهُوَ مَحل النقش والعلامة الَّتِي يخْتم الْملك بهَا خزائنه وَشبه الْعَالم بالخاتم لِأَنَّهُ خلقه وَمن حَيْثُ إِن الْإِنْسَان من جملَة أَجزَاء الْعَالم انتقش بنقوش الْعُلُوم الَّتِي فِي الحضرة الإلهية وَحمل سر أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وَختم بِهِ الْعَالم بأسره فشبهه بالفص من الْخَاتم وَسَماهُ خَليفَة لأجل هَذَا لِأَن نقش اسْمه الْأَعْظَم وَهُوَ الذَّات مَعَ الْأَسْمَاء كلهَا منقوش فِي قلبه الَّذِي هُوَ فص الْخَاتم فيحفظ بِهِ خزانَة الْعَالم بِجَمِيعِ مَا فِيهِ على النظام الْمَعْلُوم والنسق المضبوط لِأَنَّهُ الْحَافِظ خلقه لِأَن الْإِنْسَان الْكَامِل هُوَ الْحَافِظ خلق الله بالحكمة الأحدية والواحدية لأسمائه الْبَالِغَة الَّتِي هِيَ نقش قلبه وَهِي الْعَدَالَة أَعنِي صُورَة الْوحدَة فِي عَالم الْكَثْرَة الَّذِي هُوَ خزانَة القوابل والآلات كلهَا كَمَا يحفظ الْخَتْم الخزائن مَا دَامَ ختم الْملك عَلَيْهَا لَا يَجْسُر أحد على فتحهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ فَلَا يزَال الْعَالم مَحْفُوظًا مَا دَامَ فِيهِ هَذَا الْإِنْسَان الْكَامِل وَلَو لم يكن آدم كَذَلِك لم يكن خَليفَة لِأَن الْخَلِيفَة يجب أَن يعلم مُرَاد المتخلف وَينفذ أمره وَلَو
стр. 72
لم يعلم بِجَمِيعِ صِفَاته لم يُمكنهُ إِنْفَاذ أمره وَإِن لم يكن فِيهِ جَمِيع مَا تطلبه الرعايا من الْأَسْمَاء الَّتِي يَرث الْحق بهَا جَمِيع من فِي الْعَالم من النَّاس وَالدَّوَاب والأنعام وَغَيرهَا فَلَيْسَ بخليفة عَلَيْهِم فَمَا صحت الْخلَافَة إِلَّا للْإنْسَان الْكَامِل فاستحقاق آدم الْخلَافَة إِنَّمَا يكون بالصورتين إنْشَاء صورته الظَّاهِرَة من حقائق الْعَالم وَصورته الباطنية قَالَ الشَّارِح قدس سره حَيْثُ جمع فِيهِ الْحَقَائِق الكونية فَلم يبْق فِي صور الْعَالم وَقواهُ شَيْء إِلَّا وَفِيه نَظِيره وإنشاء صورته الْبَاطِنَة على صورته تَعَالَى فانه سميع بَصِير عَالم فَيكون متصفاً بِالصِّفَاتِ الإلهية متسمياً بأسمائه وَلذَلِك قَالَ كنت سَمعه وبصره مَا قَالَ كنت عينه وَأذنه فَفرق بَين الصُّورَتَيْنِ صُورَة الْعَالم وَصُورَة الْحق وكما كَانَ الْحق فِي آدم ظَاهرا بصورته كَذَلِك فِي كل مَوْجُود لَكِن لَيْسَ لشَيْء من الْعَالم مَجْمُوع مَا للخليفة فَإِن قلت فَمَا معنى قَول النَّبِي
خلق الله آدم على صورته وَهَذَا يَقْتَضِي التجسيم فَالْجَوَاب أَن الْهَاء فِي صورته رَاجِعَة إِلَى آدم ردا على من يَقُول كَانَ آدم عَظِيم الجثة طَوِيل الْقَامَة رَأسه قريب من السَّمَاء كَمَا فِي بعض الْأَخْبَار فَكَانَ الْمَعْنى أَن الله خلقه على الصُّورَة الَّتِي قبض عَلَيْهَا لم تَتَغَيَّر بِزِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَوجه ثَان وَهُوَ أَن هَذَا الْكَلَام خرج على سَبَب مَعْرُوف لِأَن الزُّهْرِيّ روى عَن الْحسن أَنه كَانَ يَقُول مر رَسُول الله
بِرَجُل من الْأَنْصَار وَهُوَ يضْرب وَجه غُلَام لَهُ وَهُوَ يَقُول قبح الله وَجهك وَوجه من تشبه فَقَالَ النَّبِي
بئْسَمَا قلت فَإِن الله خلق آدم على صورته يَعْنِي صُورَة الْمَضْرُوب وَذكر السَّيِّد المرتضى ﵁ فِي التَّنْزِيه جواباتٍ أخر لَا نطول بذكرها وَمَا أَوْمَأ إِلَيْهِ الشَّيْخ قدس سره أدق طَريقَة وَأحسن معنى وَمن تَأمل غرائب خلقَة آدم وَمَا احتوت عَلَيْهِ من إحكام التَّرْكِيب على مَا ذكره المشرحون علم أَن بارئه وَاحِد لَا ثَانِي لَهُ // (من المتقارب) //
(وَفِي كلّ شيءٍ لَهُ آيةٌ ... تدلُّ على أنّه واحدُ)
стр. 73
ودفنت حَوَّاء إِلَى جَانب آدم رَأسهَا إِلَى رَأسه ورجلاها عِنْد رجلَيْهِ قلت كَذَا ذكر عَن وهب وَأكْثر الروَاة على أَنَّهَا دفنت بجدة بِالْمحل الْمَعْرُوف بهَا قابيل عَلَيْهِ اللَّعْنَة كَانَ آخر هَلَاك نَسْله فِي زمن الطوفان وَكَانُوا أَعدَاء لأَوْلَاد شِيث ﵇ وَلم يبْق الطوفان مِنْهُم أحدا زَوجته إقليميا أُخْته وَكَانَ أكبر أَوْلَاده شوهل رزقه الله من الْجمال وَالْحسن مَا لم يرْزق أحدا من ولد آدم وَكَذَا توءمته وَاسْمهَا نوهة وَكَانَ تسلم جَمِيع أُمُور أَبِيه وَذَلِكَ أَن قابيل لما قتل أَخَاهُ دَعَا عَلَيْهِ آدم وحواء فذهل عقله فَكَانَ لَا يعي قولا وَلَا يفقه شَيْئا فتلاعب بِهِ إِبْلِيس وَقَالَ لَهُ إِن أَبَاك آدم وأمك حَوَّاء قد مَاتَا وَمَا بَقِي من يقوم مقَامه والرأي أَن تغزو أَخَاك وَمن مَعَه قبل أَن يغزوكم فَلم يبْق لَك مِنْهُ مَخَافَة وَلَا سِيمَا ومعنا عنق بنت أَبِيك آدم وَقد علمت قوتها وَطَاعَة الْجِنّ لَهَا بِمَا مَعهَا من السحر فَأرْسل قابيل ابْنه شوهل وَأمره بِطَاعَة إِبْلِيس فِيمَا يُشِير إِلَيْهِ فِي قتال شِيث ثمَّ أرسل إِلَى عنق فبادرت إِلَيْهِ بالمردة وَلم يكن سلَاح إِلَّا السكاكين على مِثَال الَّتِي ذبح بهَا آدم قربانه فَأَخَذُوهَا وشدوا أزرهم وَسَارُوا نَحْو شِيث وَأوحى الله إِلَى شِيث يُعلمهُ ووعده بالنصر عَلَيْهِم فَجمع شِيث إخْوَته وبنيه فأعدوا لَهُم وَأخذُوا عصيهم وسكاكينهم وجلسوا ينتظرون حَتَّى قرب بَنو قابيل وإبليس ومردته وَهُوَ الْملك على الْجِنّ وعنق الْمُقدمَة على المردة والسحرة فَأمر شِيث بِالْخرُوجِ إِلَيْهِم فشدوا عَلَيْهِم أزرهم وَأخذُوا مديهم بأيمانهم وعصيهم وَخَرجُوا إِلَى ملتقاهم وَكَانَ أول قتال جرى بَين بني آدم مِمَّا يَلِي الطَّائِف وَأخرج شِيث الصُّحُف وتوسل إِلَى الله بهَا وَإِخْوَته يُؤمنُونَ على دُعَائِهِ وبرزت بَنو قابيل لِلْقِتَالِ وشبت الْحَرْب بَينهم وشيث كَارِه وَأنزل الله عَلَيْهِ النَّصْر وَكلما عملت السَّحَرَة شَيْئا أبْطلهُ الله تَعَالَى فَلَمَّا صَار وَقت الظّهْر توسل شِيث إِلَى الله تَعَالَى بأنوار مُحَمَّد
فَأمر الله جِبْرِيل أَن ينزل وَمَعَهُ من الْمَلَائِكَة مدد فَلَمَّا رأى إِبْلِيس ذَلِك قَالَ لمردته اتْرُكُوا بني آدم بَعضهم لبَعض فَلَا قدرَة لكم على الْمَلَائِكَة ثمَّ غاص فِي الأَرْض هَارِبا وَبَنوهُ خَلفه وَقتلت الْمَلَائِكَة مِنْهُم بحرابها مَا لَا يُحْصى وَانْهَزَمَ ولد قابيل لانهزام الْجِنّ وَقتل مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ خلقا كثيرا وهرب الْبَاقُونَ
стр. 74
وَعرض شِيث على الأسرى الْإِيمَان فَأَبَوا فَأمر بِقَتْلِهِم وَلم يبْق مِنْهُم أحدا ورد الله كيد إِبْلِيس فِي نَحره وَغلب جند الله وَرجع شوهل وَقد خلص من الْقَتْل إِلَى أَبِيه بِمن سلم مَعَه وأعلمه بِمن قتل من أَوْلَاده فَحزن قابيل وَمَات أسفا وحزناً وحسرةً وندامة كَمَا أعلمهُ الْملك فَلَمَّا هلك قابيل فَرح إِبْلِيس بِمَوْتِهِ وَكَانَ قد اختفى مِنْهُ لِئَلَّا يوبخه على رَأْيه ومشورته وهربه وَعلم أَنه بِمَوْتِهِ يتَمَكَّن من بنيه فأظهر الْحزن وَقَالَ لَا تدفنوه وَأَنا أصنع لكم تمثالاً من الْحِجَارَة فأدخلوه فِيهِ واجعلوه فِي بَيت من بُيُوتكُمْ فَإِذا أَرَادَ أحدكُم إِن يرَاهُ إِلَيْهِ وَيسلم عَلَيْهِ فتكونون كأنكم لم تفقدوه حِيلَة واستدراجاً مِنْهُ لعبادة الْأَصْنَام فنحت لَهُم حجرا من البلور وصور فِيهِ صورته وَجعله مجوفاً قطعتين تلتصق إِحْدَاهمَا فِي الْأُخْرَى وَأمرهمْ أَن يدخلوه فِي ذَلِك التمثال وَأمر أَلا يدْخل عَلَيْهِ أحد إِلَّا بِأَمْر شوهل وَأَن كل من يدْخل إِلَيْهِ يسْجد لَهُ ثَلَاث سَجدَات وَيقبل يَده وَجعله عيداً فِي كل سنة مثل الْيَوْم الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَإِذا كَانَ ذَلِك الْيَوْم يدْخلُونَ أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا وَقد رفع غشاؤه وَهُوَ من وَرَاء البلور كَأَنَّهُ حَيّ وَإِذا خلا بِهِ شوهل يخاطبه إِبْلِيس على لِسَان الصَّنَم فيظن شوهل أَنه قابيل وَلَا يكلم سواهُ ووكل إِبْلِيس بالصنم مارداً يسمع حوائج من يدْخل إِلَيْهِ فَيَجِيء بهَا إِلَى إِبْلِيس يَوْمًا بِيَوْم فَإِذا كَانَ اللَّيْل أرَاهُ فِي مَنَامه مَا يفعل فِي الَّذِي أَرَادَ استدراجاً لكفرهم وهم لَا يَشْعُرُونَ فبقوا على ذَلِك مُدَّة وَقد بلغ إِبْلِيس مِنْهُم مُرَاده وَقد روينَا عَن مُحَمَّد بن مُوسَى المتَوَكل عَن عبد الله بن جَعْفَر عَن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عِيسَى عَن الْحسن بن مَحْجُوب عَن مُحَمَّد بن النُّعْمَان الْأَحول عَن يزِيد بن مُعَاوِيَة قَالَ سَمِعت أَبَا جَعْفَر يَقُول فِي مَسْجِد النَّبِي
إِن إِبْلِيس اللعين أول مَا صور صُورَة على مِثَال آدم ليفتن بِهِ النَّاس ويضلهم عَن عبَادَة الله تَعَالَى وَكَانَ ود فِي ولد قابيل وَكَانَ خَليفَة قابيل على وَلَده وعَلى من بحضرتهم فِي سفح الْجَبَل يعظمونه ويسودونه فَلَمَّا أَن مَاتَ جزع عَلَيْهِ إخْوَته وَخلف عَلَيْهِم ابْنا يُقَال لَهُ سواع فَلم يغن غناء أَبِيه مِنْهُم فَأَتَاهُم إِبْلِيس فِي صُورَة شيخ فَقَالَ قد بَلغنِي مَا أصبْتُم بِهِ من موت ود عظيمكم فَهَل لكم أَن أصور لكم على مِثَال ود صُورَة تستريحون إِلَيْهَا وتأنسون بهَا فَقَالُوا افْعَل فَعمد الْخَبيث إِلَى الآنك فأذابه
стр. 75
حَتَّى صَار مثل المَاء ثمَّ صور لَهُم صُورَة مثل ود فِي بَيته فتدافعوا على الصُّورَة يلثمونها ويضعون خدودهم عَلَيْهَا ويسجدون إِلَيْهَا وَأحب سواع أَن يكون التَّعْظِيم وَالسُّجُود لَهُ فَوَثَبَ على صُورَة ود فحكها حَتَّى لم يدع مِنْهَا شَيْئا وهموا بقتل سواع فوعظهم وَقَالَ أَنا أقوم لكم بِمَا كَانَ يقوم بِهِ ود وَأَنا ابْنه فَإِن قتلتموني لم يكن لكم رَئِيس فمالوا إِلَى سواع بالتعظيم وَالطَّاعَة ثمَّ لم يلبث سواع أَن مَاتَ وَخلف ابْنا يُقَال لَهُ يَغُوث فجزعوا على سواع فَأَتَاهُم إِبْلِيس وَقَالَ أَنا الَّذِي صورت لكم صُورَة ود فَهَل لكم أَن أجعَل لكم مِثَال سواع على وَجه لَا يَسْتَطِيع أحد ان يُغَيِّرهُ قَالُوا فافعل فَعمد إِلَى عود من شجر الْخلاف فنجره ونصبه لَهُم فِي منزل سواع وَإِنَّمَا سمى ذَلِك الْعود خلافًا لِأَن إِبْلِيس عمل مِنْهُ صُورَة سواع على خلاف صُورَة ود فسجدوا لَهُ وعظموه وَقَالُوا ليغوث مَا نأمنك على هَذَا الصَّنَم أَن تكيده كَمَا كَاد أَبوك مِثَال ود فوضعوا على الْبَيْت حراساً وحجاباً ثمَّ كَانُوا يأْتونَ الصَّنَم فِي يَوْم وَاحِد ويعظمونه أَشد مِمَّا كَانُوا يعظمون سواعاً فَلَمَّا رآى ذَلِك يَغُوث قتل الحراس والحجاب لَيْلًا وَجعل الصَّنَم رميماً فَلَمَّا بَلغهُمْ ذَلِك اقْبَلُوا ليقتلوه فتوارها مِنْهُم فطلبوه ورأسوه وعظموه ثمَّ مَاتَ وَخلف ابْنا يُقَال لَهُ يعوق فَأَتَاهُم إِبْلِيس فَقَالَ قد بَلغنِي موت يَغُوث وَأَنا جَاعل لكم مِثَاله فِي شَيْء لَا يقدر أحد أَن يُغَيِّرهُ قَالُوا فافعل فَعمد الْخَبيث إِلَى حجر جزع أَبيض فنقره بالحديد حَتَّى صور لَهُم مِثَال يَغُوث فعظموه أَشد مِمَّا مضى وبنوا عَلَيْهِ بَيْتا من الْحجر وتبايعوا أَلا يفتحوا بَاب ذَلِك الْبَيْت إِلَّا فِي رَأس كل سنة وَسميت الْبيعَة حِينَئِذٍ لأَنهم تبايعوا وتعاقدوا عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ ذَلِك على يعوق فَعمد إِلَى ريطة وحلفاء فألقاها فِي الْحَائِط بالنَّار لَيْلًا فَأصْبح الْقَوْم وَقد احْتَرَقَ الْبَيْت والصنم والحرس وَارْفض الصَّنَم ملقى فجزعوا وهموا بقتل يعوق فَقَالَ لَهُم إِن قتلتم رئيسكم فَسدتْ أُمُوركُم فَلم يلبث أَن مَاتَ يعوق وَخلف ابْنا يُقَال لَهُ نسر فَأَتَاهُم إِبْلِيس فَقَالَ لَهُم بَلغنِي موت عظيمكم فَأَنا جَاعل لكم مِثَال يعوق فِي شَيْء لَا يبْلى فَقَالُوا افْعَل فَعمد إِلَى الذَّهَب وأوقد عَلَيْهِ النَّار حَتَّى صَار كَالْمَاءِ وَعمل مِثَالا من الطين على صُورَة يعوق ثمَّ أفرغ الذَّهَب فِيهِ ثمَّ نَصبه لَهُم فِي ديرهم وَاشْتَدَّ ذَلِك على نسر وَلم يقدر على دُخُول ذَلِك الدَّيْر فانحاز عَنْهُم فِي قَرْيَة قريبَة من إخْوَته يعْبدُونَ نسراً وَالْآخرُونَ يعْبدُونَ الصَّنَم حَتَّى مَاتَ نسر وَظَهَرت نبوة
следующие страницы →