Полный текст (708 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وفيهَا: توفّي عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق.
وفيهَا: توفّي أَبُو جَمْرَة - بِالْجِيم - صَاحب ابْن عَبَّاس.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة: فِيهَا: سَار مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم أَمِير ديار الجزيرة إِلَى الشَّام لخلع إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد، وَاتفقَ مَعَ أهل قنسرين وَسَارُوا مَعَه، وَمَعَ أهل حمص وَسَارُوا مَعَه، وَقرب من دمشق فَبعث إِبْرَاهِيم الْجنُود لقتاله مَعَ سُلَيْمَان بن هِشَام بن عبد الْملك وهم مائَة وَعِشْرُونَ ألفا، ومروان فِي ثَمَانِينَ ألفا، فَاقْتَتلُوا إِلَى الْعَصْر، وَانْهَزَمَ عَسْكَر إِبْرَاهِيم وَسليمَان بن هِشَام الْمُقدم إِلَى دمشق واجتمعوا مَعَ إِبْرَاهِيم وَقتلُوا ابْني الْوَلِيد بن يزِيد وَكَانَا فِي السجْن، ثمَّ اختفى إِبْرَاهِيم، وَنهب سُلَيْمَان بن هِشَام بَيت المَال، وقسمه فِي أَصْحَابه، وَخرج من دمشق.
(أَخْبَار مَرْوَان بن مُحَمَّد)
وفيهَا: بُويِعَ بالخلافة لمروان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم رَابِع عشر خلفائهم وَآخرهمْ وَذَلِكَ بِدِمَشْق، وَلما اسْتَقر لَهُ الْأَمر عَاد إِلَى منزله بحران، وَأرْسل إِبْرَاهِيم المخلوع بن الْوَلِيد وَسليمَان بن هِشَام يستأمنان مِنْهُ فأمنهما وقدما عَلَيْهِ وَمَعَ سُلَيْمَان إخْوَته وَأهل بَيته فَبَايعُوا مَرْوَان.
وفيهَا: عصى أهل حمص على مَرْوَان، فَجَاءَهُمْ من حران وأحدق بهم ففتحوا لَهُ وأطاعوا، ثمَّ اقْتَتَلُوا فهدم بعض سورها وَقتل وصلب بعض أَهلهَا.
وجاءه الْخَبَر بِخِلَاف أهل الغوطة وَأَنَّهُمْ ولوا عَلَيْهِم ابْن خَالِد الْقَسرِي وحصروا دمشق، فَأرْسل عشرَة آلَاف فَارس مَعَ أبي الْورْد بن الْكَوْثَر وَعَمْرو بن الصَّباح وَسَارُوا من حمص وحملوا على أهل الغوطة، وَخرج من الْبَلَد عَلَيْهِم جَيش أَيْضا فَانْهَزَمَ أهل الغوطة ونهبهم الْعَسْكَر وأحرقوا المزة وقرى غَيرهَا.
ثمَّ خَالف أهل فلسطين ومقدمهم ثَابت بن نعيم، فَكتب مَرْوَان إِلَى أبي الْورْد، فَسَار إِلَيْهِ وهزمه على طبرية، ثمَّ اقْتَتَلُوا على فلسطين فَانْهَزَمَ ثَابت بن نعيم وتفرق أَصْحَابه، وَأسر ثَلَاثَة من أَوْلَاده فَبعث بهم أَبُو الْورْد إِلَى مَرْوَان.
ثمَّ سَار مَرْوَان إِلَى قرقيسيا فخلعه سُلَيْمَان بن هِشَام بن عبد الْملك وَاجْتمعَ إِلَيْهِ من الشَّام سَبْعُونَ ألفا وعسكر بِقِنِّسْرِينَ، وَسَار إِلَيْهِ مَرْوَان والتقوا بِأَرْض قنسرين، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَان وَعَسْكَره واتبعهم خيل مَرْوَان يقتلُون وَيَأْسِرُونَ وزادت الْقَتْلَى عَن ثَلَاثِينَ ألفا.
ثمَّ وصل سُلَيْمَان إِلَى حمص وَاجْتمعَ إِلَيْهِ أَهلهَا وَبَقِيَّة المنهزمين، فجَاء مَرْوَان وَهَزَمَهُمْ ثَانِيَة، وهرب سُلَيْمَان إِلَى تدمر، وَعصى أهل حمص فَحَاصَرَهُمْ مَرْوَان طَويلا، ثمَّ سلمُوا إِلَيْهِ وُلَاة سُلَيْمَان وآمنهم.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن وَاسع الْأَزْدِيّ الزَّاهِد.
стр. 177
وفيهَا: توفّي عبد اللَّهِ بن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ من حلفاء عبد شمس، يكنى أَبَا بَحر، إِمَامًا فِي النَّحْو واللغة، عَابَ الفرزدق فِي شعره وَنسبه إِلَى اللّحن، فَقَالَ الفرزدق فِيهِ:
(وَلَو كَانَ عبد اللَّهِ مولى هجوته ... وَلَكِن عبد اللَّهِ مولى مواليا)
فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ: وَلَقَد لحنت أَيْضا فِي قَوْلك: مولى مواليا، بل يَنْبَغِي أَن تَقول: مولى موَالٍ.
قلت: قد يُقَال إِن حجَّة الفرزدق فِي قَوْله مولى مواليا: كَونه غير منصرف وخفة الفتحة، وَقد يُجَاب عَن الْحَضْرَمِيّ: إِن فَتْحة موَالِي نائبة عَن الْجَرّ فَكَمَا أَن الْجَرّ المنوب عَنهُ يستثقل هُنَا فَكَذَلِك الْفَتْح النَّائِب إِعْطَاء للنائب حكم المنوب عَنهُ، وَلَوْلَا خوف التَّطْوِيل لذكرت هُنَا مَا عَلَيْهِ من المباحث، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة: فِيهَا: أرسل مَرْوَان بن مُحَمَّد يزِيد بن هُبَيْرَة إِلَى الْعرَاق لقِتَال الْخَوَارِج، وَكَانَ بخراسان نصر بن سيار والفتنة، ثمَّ قَائِمَة بِسَبَب دعاة بني الْعَبَّاس.
وفيهَا: مَاتَ عَاصِم بن أبي النجُود الْمقري - والنجود: الأتان الوحشية - ... ... ... ... ...
ثمَّ دخلت سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة: فِيهَا: ظَهرت دَعْوَة بني الْعَبَّاس بخراسان، وَكَانَ يخْتَلف أَبُو مُسلم الْخُرَاسَانِي من خُرَاسَان إِلَى إِبْرَاهِيم الْمُسَمّى بِالْإِمَامِ ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن عَبَّاس وَمِنْه إِلَى خُرَاسَان ليستعلم مِنْهُ إِبْرَاهِيم الْأَحْوَال.
وفيهَا: استدعى إِبْرَاهِيم أَبَا مُسلم من خُرَاسَان، فَسَار إِلَيْهِ. ثمَّ أرسل إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم أَن ابْعَثْ إِلَيّ بِمَا مَعَك من المَال مَعَ قَحْطَبَةَ وارجع إِلَى أَمْرِي ووافاه الْكتاب بقومس، فامتثل وَأرْسل المَال وَرجع، فَلَمَّا وصل مرو أظهر الدعْوَة لبني الْعَبَّاس، فَأَجَابَهُ النَّاس وَأرْسل إِلَى بِلَاد خُرَاسَان بِإِظْهَار ذَلِك بعد السَّعْي فِيهِ سرا مُدَّة طَوِيلَة، ثمَّ أظهر ذَلِك فِي هَذِه السّنة.
وَجرى بَين أبي مُسلم وَبَين نصر بن سيار أَمِير خُرَاسَان مكاتبات ومراسلات ثمَّ قتال، فَقتل أَبُو مُسلم بعض عُمَّال نصر على بعض بِلَاد خُرَاسَان وَاسْتولى على مَا بِأَيْدِيهِم.
أَبُو مُسلم: من خطرنية من سَواد الْكُوفَة، كَانَ قهرمانا لإدريس بن معقل الْعجلِيّ، ثمَّ صَار إِلَى أَن ولاه مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس الْأَمر فِي استدعاء النَّاس فِي الْبَاطِن، ثمَّ مَاتَ مُحَمَّد فولاه ابْنه إِبْرَاهِيم الإِمَام ذَلِك، ثمَّ الْأَئِمَّة من ولد مُحَمَّد.
وَلما قوي أَبُو مُسلم على نصر بن سيار كتب بذلك إِلَى مَرْوَان بن مُحَمَّد وبكونه يَدْعُو إِلَى إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور وَكتب شعرًا وَهُوَ:
(أرى تَحت الرماد وميض نَار ... ويوشك أَن يكون لَهَا ضرام)
(فَإِن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام)
(فَقلت من التَّعَجُّب لَيْت شعري ... أأيقاظ أُميَّة أم نيام)
وَكَانَ مقَام إِبْرَاهِيم الإِمَام وَأَهله بالشراة من الشَّام بقرية الحميمة - بِضَم الْحَاء - عَن
стр. 178
الشوبك دون يَوْم بَينهمَا وَبَين وَادي مُوسَى وَمن الشوبك قبْلَة بغرب وَتلك الْبقْعَة من الشوبك إِلَى الغرب والقبلة هِيَ الشراة. فَكتب مَرْوَان إِلَى عَامله بالبلقاء أَن يسير إِلَى إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمَذْكُور، فشده وثاقا، وَبعث بِهِ فحبسه مَرْوَان بحران حَتَّى مَاتَ إِبْرَاهِيم فِي حَبسه، ومولده سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة: فِي هَذِه السّنة دخل أَبُو مُسلم مَدِينَة مرو وَنزل فِي قصر الْإِمَارَة فِي ربيع الآخر، وهرب نصر بن سيار من مرو، ثمَّ وصل قَحْطَبَةَ من عِنْد الإِمَام إِبْرَاهِيم إِلَى أبي مُسلم وَمَعَهُ لِوَاء عقده لَهُ إِبْرَاهِيم، فَجعل أَبُو مُسلم قَحْطَبَةَ فِي مقدمته وَجعل إِلَيْهِ الْعَزْل والاستعمال وَكتب إِلَى الْجنُود بذلك.
وفيهَا: أَعنِي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة - وَقيل: سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ توفّي ربيعَة الزابي بن فروخ فَقِيه الْمَدِينَة، أدْرك جمَاعَة من الصَّحَابَة وَعنهُ أَخذ مَالك الْعلم.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى ثَلَاثِينَ: فِيهَا: مَاتَ نصر بن سيار بساوة قرب الرّيّ وعمره خمس وَثَمَانُونَ.
وفيهَا: توفّي أَبُو حُذَيْفَة وَاصل بن عَطاء الغزال المعتزلي، ومولده سنة ثَمَانِينَ، اشْتغل على الْحسن الْبَصْرِيّ ثمَّ اعتزله وَخَالفهُ فِي قَوْله فِي أَصْحَاب الْكَبَائِر من الْمُسلمين أَنهم لَيْسُوا مُؤمنين وَلَا كَافِرين بل فِي منزلَة بَين المنزلتين فَسُمي وَأَصْحَابه معتزلة، كَانَ ألثغ بالراء فتجنبها حَتَّى قيل:
(نعم تجنب لَا يَوْم الْعَطاء كَمَا ... تجنب ابْن عَطاء لثغة الرَّاء)
لَازم وَاصل الغزالين ليعرف المتعففات من النِّسَاء فَيجْعَل صدقته لَهُنَّ فَسُمي الغزال.
وفيهَا: أَعنِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ: توفّي بِالْبَصْرَةِ مَالك بن دِينَار من موَالِي بني أُسَامَة بن ثَوْر الْقرشِي الْعَالم الناسك الزَّاهِد، وَمَا أحسن مَا روى بعض الشُّعَرَاء باسم مَالك فِي ملك انتصر على أعدائه فَأسر الرِّجَال وَفرق الذَّهَب فَقَالَ:
(أعتقت من أَمْوَالهم مَا استعبدوا ... وملكت رقهم وهم أَحْرَار)
(حَتَّى غَدا من كَانَ مِنْهُم مَالِكًا ... متمنيا لَو أَنه دِينَار)
قلت: وَقد أذكرني هَذَا قولي:
(يَا من سبي شمس الضُّحَى ... بِالنورِ مَا قلبِي حَدِيد)
تورية بالسور.
(أَنا خَالِد فِي لوعة ... وجوى يشيب لَهُ الْوَلِيد)
تورية لخَالِد بن الْوَلِيد.
وَقَوْلِي أَيْضا من مقَامه فِي طَريقَة التصوف:
(كم مُنكر صَار فِيهَا مَعْرُوفا بالإيثار ... وَكم من مَالك فنى بنافيها عَن دِينَار)
وَقَوْلِي:
стр. 179
(جبرت يَا عائدتي بالصلة ... فتممي الْإِحْسَان تَنْفِي الوله)
(وَهَذِه قد حسبت زوره ... لم أَنْت يَا كعبة مستجلة)
وَقَوْلِي تورية فِي الْمثل الْمَشْهُور:
(من كَانَ مردودا بِعَيْب فقد ... ردتني الغيد بعيبين)
(الرَّأْس واللحية شَابًّا مَعًا ... عاقبني الدَّهْر بشيبين)
ولي من هَذَا كثير وَلَكِن فرق بَين تِلْكَ الثريا وَهَذَا الثرى، وَالله اعْلَم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة: وفيهَا: سَار قَحْطَبَةَ فِي جَيش كَبِير من خُرَاسَان طَالبا يزِيد بن هُبَيْرَة أَمِير الْعرَاق من جِهَة مَرْوَان حَتَّى قطع الْفُرَات والتقيا، فَانْهَزَمَ ابْن هُبَيْرَة، وَعدم قَحْطَبَةَ، قيل: غرق، وَقيل وجد قَتِيلا، وَقَامَ بِالْأَمر الْحسن بن قَحْطَبَةَ.
(أَخْبَار أبي الْعَبَّاس السفاح)
وفيهَا: بُويِعَ أَبُو الْعَبَّاس السفاح عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس بالخلافة فِي ربيع الأول وَقيل: ربيع الآخر بِالْكُوفَةِ بعد مسيره من الحمية، وَسبب مسيره من الحميمة: أَن إِبْرَاهِيم الإِمَام لما أمْسكهُ مَرْوَان نعى نَفسه إِلَى أهل بَيته وَأمرهمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى أهل الْكُوفَة مَعَ اخيه السفاح وبالسمع لَهُ وَالطَّاعَة، وَأوصى بالخلافة إِلَى أَخِيه السفاح.
وَسَار السفاح بِأَهْل بَيته مِنْهُم أَخُوهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور وَغَيره إِلَى الْكُوفَة فَقَدمهَا فِي صفر واستخفى، ثمَّ ظهر فِي ربيع الأول وسلموا عَلَيْهِ بالخلافة وَعَزوه فِي أَخِيه إِبْرَاهِيم الإِمَام، وَدخل دَار الْإِمَارَة بِالْكُوفَةِ يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر ربيع الأول مِنْهَا، ثمَّ خرج وخطب وَصلى بِالنَّاسِ، ثمَّ صعد الْمِنْبَر ثَانِيًا، وَصعد عَمه دَاوُد بن عَليّ فَقَامَ دونه وخطبا النَّاس وحضاهم على الطَّاعَة، ثمَّ نزل وَعَمه أَمَامه وَدخل قصر الْإِمَامَة وأجلس أَخَاهُ أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور فِي الْمَسْجِد يُبَايع النَّاس.
ثمَّ خرج السفاح فَعَسْكَرَ بحمام أعين واستخلف على الْكُوفَة عَمه دَاوُد، وحاجب السفاح يَوْمئِذٍ عبد اللَّهِ بن بسام.
ثمَّ بعث عَمه عبد اللَّهِ بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن عَبَّاس إِلَى شهرزور وَأَهْلهَا مطيعون لَهُ وَبهَا من جِهَة بني الْعَبَّاس أَبُو عون عبد اللَّهِ بن يزِيد الْأَزْدِيّ، وَبعث ابْن أَخِيه عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد إِلَى الْحسن بن قَحْطَبَةَ، وَهُوَ يحاصر ابْن هُبَيْرَة بواسط، وَبعث يحيى بن جَعْفَر بن تَمام بن عَبَّاس إِلَى حميد بن قَحْطَبَةَ أخي الْحسن بِالْمَدَائِنِ، وَأقَام السفاح فِي المعسكر أشهرا، ثمَّ ارتحل فَنزل هاشمية الْكُوفَة بقصر الْإِمَارَة.
(أَخْبَار مَرْوَان إِلَى أَن قتل)
كَانَ مَرْوَان آخر خلفاء بني أُميَّة ويلقب الْجَعْدِي وحمار الجزيرة أَيْضا بحران، فَسَار يطْلب أَبَا عون عبد اللَّهِ بن يزِيد الْأَزْدِيّ المستولي على شهرزور من جِهَة بني الْعَبَّاس،
стр. 180
فوصل مَرْوَان إِلَى الزاب وَنزل بِهِ وحفر عَلَيْهِ خَنْدَقًا وَكَانَ فِي مائَة ألف وَعشْرين ألفا، وَسَار أَبُو عون من شهرزور إِلَى الزاب بِمَا عِنْده من الْمَجْمُوع وأردفه السفاح بعساكر مَرَّات مَعَ مقدمين مِنْهُم سَلمَة بن مُحَمَّد وَعبد اللَّهِ الطَّائِي وَعم السفاح عبد اللَّهِ، وَلما قدم عَمه على أبي عون تحول أَبُو عون عَن سرادقة وخلاه لَهُ وَمَا فِيهِ.
ثمَّ أَن مَرْوَان عقدا جِسْرًا على الزاب وَعبر إِلَى جِهَة عبد اللَّهِ بن عَليّ، فَسَار عبد اللَّهِ إِلَى مَرْوَان وَجعل على ميمنته أَبَا عون وعَلى ميسرته الْوَلِيد بن مُعَاوِيَة وَكَانَ عَسْكَر عبد اللَّهِ عشْرين ألفا وَقيل: أقل، والتقوا وَاشْتَدَّ الْقِتَال وداخل الفشل عَسْكَر مَرْوَان واختل كل أَمر أَرَادَهُ حَتَّى انهزم وغرق من أَصْحَابه خلق مِنْهُم: إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد بن عبد الْملك المخلوع. وَكتب عبد اللَّهِ إِلَى ابْن أَخِيه السفاح بِالْفَتْح وحوى من المنهزمين أسلحة والهزيمة يَوْم السبت لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت من جُمَادَى الْآخِرَة من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة.
وَلما انهزم مَرْوَان من الزاب أَتَى الْموصل، فَسَبهُ أَهلهَا وَقَالُوا: يَا جعدي الْحَمد لله الَّذِي أَتَانَا بِأَهْل بَيت نَبينَا، فَأتى حران وَأقَام بهَا نيفا وَعشْرين يَوْمًا حَتَّى دنا مِنْهُ عَسْكَر السفاح فَحمل مَرْوَان أَهله وَانْهَزَمَ إِلَى حمص، وَقدم عبد اللَّهِ بن عَليّ حران.
ثمَّ سَار مَرْوَان من حمص وأتى دمشق، ثمَّ سَار إِلَى فلسطين.
وَكَانَ السفاح قد كتب إِلَى عَمه عبد اللَّهِ بن عَليّ بِاتِّبَاع مَرْوَان، فَسَار فِي أثر مَرْوَان إِلَى دمشق فحاصرها ودخلها عنْوَة يَوْم الْأَرْبَعَاء لخمس مضين من رَمَضَان مِنْهَا، وَأقَام بِدِمَشْق خَمْسَة عشر يَوْمًا. ثمَّ أَتَى فلسطين فورد عَلَيْهِ كتاب السفاح بإرسال أَخِيه صَالح بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن عَبَّاس فِي طلب مَرْوَان، فَسَار صَالح فِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا حَتَّى نزل نيل مصر ومروان مُنْهَزِم قدامه، وأدركه فِي كَنِيسَة بوصير من أَعمال مصر، وَانْهَزَمَ أَصْحَاب مَرْوَان، وَطعن إِنْسَان مَرْوَان بِرُمْح فَقتله، وَسبق كُوفِي كَانَ يَبِيع الرُّمَّان فاحتز رَأس مَرْوَان لثلاث بَقينَ من ذِي الْحجَّة مِنْهَا.
وأحضر الرَّأْس قُدَّام صَالح بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس، فَأمر أَن ينفض فَسقط لِسَانه فَأَخَذته هرة، وارسله صَالح إِلَى أبي الْعَبَّاس وَقَالَ:
(قد فتح اللَّهِ مصرا عنْوَة لَكِن ... وَأهْلك الْفَاجِر الْجَعْدِي إِذْ ظلما)
(وَذَاكَ مقوله هُوَ يجرجره ... وَكَانَ رَبك من ذِي الْكفْر منتقما)
ثمَّ رَجَعَ صَالح إِلَى الشَّام وَخلف أَبَا عون بِمصْر وَلما وصل الرَّأْس إِلَى السفاح بِالْكُوفَةِ سجد شكرا.
وهرب عبد اللَّهِ وَعبيد اللَّهِ ابْنا مَرْوَان إِلَى الْحَبَشَة، فَقَاتلهُمْ الْحَبَشَة فَقتل عبيد اللَّهِ وَنَجَا عبد اللَّهِ فِي عدَّة مِمَّن مَعَه، وَبَقِي إِلَى خلَافَة الْمهْدي فَأَخذه نصر بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث عَامل فلسطين وَبعث بِهِ إِلَى الْمهْدي.
стр. 181
وحملت نسَاء مَرْوَان وَبنَاته بعد قَتله إِلَى صَالح بن عَليّ، فحملهن إِلَى حران فَلَمَّا دخلنها ورأين منَازِل مَرْوَان رفعن أصواتهن بالبكاء.
وَعمر مَرْوَان اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة، وخلافته خمس سِنِين وَعشرَة أشهر وَنصف يكنى أَبَا عبد الْملك، وَأمه أم ولد كردية، وَتعلم من الْجَعْد بن دِرْهَم مذْهبه فِي القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَالْقدر فلقب الْجَعْدِي، وَكَانَ أَبيض أسهل ضخم الهامة كث اللِّحْيَة أبيضها ربعَة شجاعا حازما إِلَّا أَن مدَّته انْقَضتْ فَلم يَنْفَعهُ حزمه.
وَدخل سديف على السفاح وَعِنْده سُلَيْمَان بن هِشَام بن عبد الْملك وَقد أَمنه وأكرمه فَأَنْشد:
(لَا يغرنك مَا ترى من رجال ... أَن بَين الضلوع دَاء دويا)
(فضع السَّيْف وارفع الصَّوْت حَتَّى ... لَا ترى فَوق ظهرهَا أمويا)
فَأمر السفاح بِسُلَيْمَان فَقتل:
وَدخل شبْل بن عبد اللَّهِ مولى بني هَاشم على عَم السفاح عبد اللَّهِ بن عَليّ وَقد اجْتمع عِنْده من بني أُميَّة نَحْو تسعين رجلا فَأَنْشد:
(أصبح الْملك ثَابت الأساس ... بالبهاليل من بني الْعَبَّاس)
(طلبُوا وتر هَاشم فشفوها ... بعد ميل من الزَّمَان وباس)
(لَا تقلين عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة وغراس)
(ذلها أظهر التودد مِنْهَا ... وَبهَا مِنْكُم كَحَد المواسي)
(وَلَقَد سَاءَنِي وساء سوأتي ... قربهم من نمارق وكراسي)
(أنزلوها بِحَيْثُ أنزلهَا اللَّهِ ... بدار الهوان والإتعاس)
(واذكرا مصرع الْحُسَيْن وزيدا ... وقتيلا بِجَانِب المهراس)
(والقتيل الَّذِي بحران أضحى ... ثاويا بَين غربَة وتناسي)
فَأمر عبد اللَّهِ بهم فَضربُوا بالعمد حَتَّى وَقَعُوا وَبسط عَلَيْهِم الأنطاع وَمد عَلَيْهِم الطَّعَام وَأكل النَّاس الطَّعَام وهم يسمعُونَ أنينهم حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا، وَأمر عبد اللَّهِ بنبش قُبُور بني أُميَّة بِدِمَشْق، وَتبع قتل بني أُميَّة فَلم يفلت إِلَّا رَضِيع أَو من هرب إِلَى الأندلس.
وَقتل سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد الله بن عَبَّاس بِالْبَصْرَةِ جمَاعَة من بني أُميَّة وألقاهم فِي الطَّرِيق تأكلهم الْكلاب، فتشتت من بَقِي مِنْهُم وَاخْتلفُوا فِي الْبِلَاد. أَبُو الْورْد بن الْكَوْثَر وَكَانَ من أَصْحَاب مَرْوَان طَاعَة بني الْعَبَّاس فَسَار إِلَيْهِ عبد اللَّهِ عَم السفاح وَهُوَ بِقِنِّسْرِينَ فِي جمع عَظِيم فَاقْتَتلُوا شَدِيدا وَكَثُرت الْقَتْلَى، ثمَّ ثَبت أَبُو الْورْد حَتَّى قتل وَانْهَزَمَ أَصْحَابه، وجدد عَم السفاح بيعَة أهل قنسرين وَعَاد إِلَى دمشق، وَكَانَ خرج من بهَا عَن الطَّاعَة ونهبوا أهل عبد اللَّهِ عَم السفاح ثمَّ هربوا مِنْهُ، ثمَّ آمنهم.
стр. 182
وفيهَا: ولى السفاح أَخَاهُ يحيى الْموصل، وَكَانَ أَهلهَا قد أخرجُوا واليها وَلما اسْتَقر يحيى بهَا قتل من أَهلهَا نَحْو أحد عشر ألفا ثمَّ أَمر بقتل نسأئهم وصبيانهم وَكَانَ مَعَ يحيى قَائِد مَعَه أَرْبَعَة آلَاف زنجي، فاستوقفت امْرَأَة من الْموصل يحيى وَقَالَت: أما تأنف للعربيات أَن ينكحهن الزنوج؟ فتأثر وَجمع الزنوج فَقَتلهُمْ عَن آخِرهم.
وفيهَا: أرسل السفاح أَخَاهُ الْمَنْصُور واليا على الجزيرة وأذربيجان وأرمينية، وَولى عَمه دَاوُد الْمَدِينَة وَمَكَّة واليمن واليمامة، وَولى ابْن أَخِيه عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس الْكُوفَة وسوادها، وَكَانَ على الشَّام عَمه عبد اللَّهِ، وعَلى مصر أَبُو عون بن يزِيد، وعَلى خُرَاسَان وَالْجِبَال أَبُو مُسلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة: وفيهَا: استولى قسطنطين ملك الرّوم على ملطية وقاليقلا.
وفيهَا: ولى السفاح عَمه سُلَيْمَان الْبَصْرَة وكور دجلة والبحرين وعمان وَاسْتعْمل عَمه إِسْمَاعِيل بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس على الأهواز.
وفيهَا: مَاتَ دَاوُد عَم السفاح بِالْمَدِينَةِ فولاها زِيَاد بن عبد اللَّهِ الْحَارِثِيّ.
وفيهَا: عزل السفاح أَخَاهُ يحيى عَن الْموصل لِكَثْرَة قَتله فيهم وَولى عَمه إِسْمَاعِيل
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة: وفيهَا: تحول السفاح من مقَامه بِالْحيرَةِ إِلَى الأنبار فِي ذِي الْحجَّة.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة: فِيهَا: توفّي يحيى أَخُو السفاح بِفَارِس تولاها بعد الْموصل.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة: فِيهَا: اسْتَأْذن أَبُو مُسلم السفاح فِي الْقدوم عَلَيْهِ وَفِي الْحَج فَأذن لَهُ، فحج وَحج الْمَنْصُور أَيْضا أَمِيرا للموسم.
وفيهَا: مَاتَ السفاح فِي ذِي الْحجَّة بالأنبار بالجدري وعمره ثَلَاث وَثَلَاثُونَ وخلافته من قبل مَرْوَان أَربع سِنِين، وبويع لَهُ قبل ذَلِك بِثمَانِيَة أشهر، كَانَ طَويلا أقنى أَبيض حسن الْوَجْه واللحية، صلى عَلَيْهِ عَمه عِيسَى وَدَفنه بالأنبار العتيقة، وعهد السفاح بالخلافة لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور أَخِيه ثمَّ بعده إِلَى ابْن أَخِيه عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد، فعقد الْعَهْد فِي ثوب وَختم عَلَيْهِ وَدفعه إِلَى عِيسَى.
(خلَافَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور)
وَلما مَاتَ السفاح كَانَ الْمَنْصُور فِي الْحَج، فَأخذ لَهُ عِيسَى الْبيعَة على النَّاس وَأرْسل من أعلمهُ بذلك، فَبَايعهُ أَبُو مُسلم وَالنَّاس.
стр. 183
ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة: فِيهَا: قدم الْمَنْصُور من الْحَج إِلَى الْكُوفَة فصلى بِأَهْلِهَا الْجُمُعَة وخطبهم وَسَار فَأَقَامَ بالأنبار.
وفيهَا: بَايع عَم الْمَنْصُور عبد اللَّهِ بن عَليّ لنَفسِهِ بالخلافة، وَكَانَ أَبُو مُسلم قد قدم من الْحَج مَعَ الْمَنْصُور، فَأرْسل الْمَنْصُور أَبَا مُسلم وَمَعَهُ الْجنُود لقِتَال عَمه وَهُوَ بِأَرْض نَصِيبين، فَاقْتَتلُوا مرَارًا وَجَاء أَبُو مُسلم بأنواع الخدع لقتاله، ثمَّ انهزم عبد اللَّهِ وَأَصْحَابه فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا إِلَى الْعرَاق وَاسْتولى أَبُو مُسلم على عسكره.
وفيهَا: قتل الْمَنْصُور أَبَا مُسلم الْخُرَاسَانِي لوحشة جرت بَينهمَا، فَإِنَّهُ كتب إِلَى أبي مُسلم بعد أَن هزم عبد اللَّهِ عَمه بِالْولَايَةِ على مصر وَالشَّام وَصَرفه عَن خُرَاسَان، فَلم يجب أَبُو مُسلم إِلَى ذَلِك وَتوجه يُرِيد خُرَاسَان. وَسَار الْمَنْصُور من الأنبار إِلَى الْمَدَائِن وَكتب بِطَلَب أَبَا مُسلم فَاعْتَذر عَن الْحُضُور، وطالت بَينهمَا المراسلات.
وَفِي الآخر: قدم أَبُو مُسلم عَلَيْهِ بِالْمَدَائِنِ فِي ثَلَاثَة آلَاف وَخلف بَاقِي عسكره بحلوان، وَدخل على الْمَنْصُور وَقبل يَده وَانْصَرف، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد ترك الْمَنْصُور بعض حرسه خلف الرواق وَأمرهمْ إِذا صفق بيدَيْهِ يخرجُون وَيقْتلُونَ أَبَا مُسلم. ودعا أَبَا مُسلم، فَلَمَّا حضر أَخذ الْمَنْصُور يعدد ذنُوبه وَأَبُو مُسلم يعْتَذر عَنْهَا، ثمَّ صفق الْمَنْصُور فَخرج الحرس وَقتلُوا أَبَا مُسلم فِي شعْبَان مِنْهَا، قتل أَبُو مُسلم فِي مُدَّة دولته سِتّمائَة ألف صبرا.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَة: وفيهَا: خرج قسطنطين ملك الرّوم إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام فَأخذ ملطية عنْوَة وَهدم سورها وَعفى عَمَّن بهَا من الْمُقَاتلَة والذرية وَمر سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ نَحْو ذَلِك.
وفيهَا: وسع الْمَنْصُور الْمَسْجِد الْحَرَام.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَة: فِيهَا: ابْتِدَاء الدولة الأموية بالأندلس، دخل عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك إِلَى الأندلس هَارِبا من الْقَتْل مستخفيا كَمَا تقدم، فاستولى عَلَيْهَا.
وفيهَا: ظفر الْمَنْصُور بِعَمِّهِ عبد اللَّهِ بعد استخفائه عِنْد أَخِيه سُلَيْمَان بن عَليّ من حِين هرب من أبي مُسلم، فأعدمه.
ثمَّ دخلت سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَة: وفيهَا: أرسل الْمَنْصُور عبد الْوَهَّاب ابْن أَخِيه إِبْرَاهِيم الإِمَام وَالْحسن بن قَحْطَبَةَ فِي سبعين ألفا، فعمروا ملطية فِي سِتَّة أشهر، وَسَار إِلَيْهِم ملك الرّوم فِي مائَة ألف حَتَّى نزل نهر جيحان، فَبَلغهُ كَثْرَة الْمُسلمين فَرجع.
وفيهَا: حج الْمَنْصُور وَتوجه إِلَى الْقُدس ثمَّ الرقة وَعَاد إِلَى هاشمية الْكُوفَة.
وفيهَا: أَمر الْمَنْصُور بعمارة سور المصيصة وَبنى بهَا جَامعا وأسكنها ألف جندي وسماها المعمورة.
стр. 184
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة: وفيهَا: خرج على الْمَنْصُور الراوندية من أهل خُرَاسَان على مَذْهَب أبي مُسلم الْخُرَاسَانِي يَقُولُونَ بالتناسخ وَأَن روح آدم فِي عُثْمَان بن نهيك وَأَن رَبهم الَّذِي يُطعمهُمْ ويسقيهم الْخَلِيفَة الْمَنْصُور، فجاؤوا إِلَى قصر الْمَنْصُور وَقَالُوا: هَذَا قصر رَبنَا، فحبس رؤساءهم وهم مِائَتَان، فَغَضب أَصْحَابهم وحملوا نعشا لتحسب جَنَازَة حَتَّى بلغُوا السجْن فكسروا بَابه وأخرجوا رؤساءهم وقصدوا الْمَنْصُور وهم سِتّمائَة، فأغلقت الْمَدِينَة وَخرج الْمَنْصُور مَاشِيا وَاجْتمعَ عَلَيْهِ النَّاس، وَكَانَ معن بن زَائِدَة مستخفيا فَحَضَرَ وَقَاتل هُوَ وَغَيره حَتَّى قتلت الراوندية عَن آخِرهم فأمن مَعنا وَعَفا عَنهُ.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَة وَأَرْبع وَأَرْبَعين وَمِائَة: فِيهَا: حبس الْمَنْصُور من بني الْحسن أحد عشر وقيدهم.
وفيهَا: مَاتَ عبد اللَّهِ بن شبْرمَة وَعَمْرو بن عبيد المعتزلي الزَّاهِد وَعقيل بن خَالِد صَاحب الزُّهْرِيّ.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة: فِيهَا: ظهر مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن الْحسن وَاسْتولى على الْمَدِينَة وَتَبعهُ أَهلهَا، فَأرْسل الْمَنْصُور ابْن أَخِيه عِيسَى بن مُوسَى إِلَيْهِ، وَخَنْدَق مُحَمَّد الْمَذْكُور مَعَ خَنْدَق النَّبِي ﷺ َ - للأحزاب وَجرى قتال، ثمَّ قتل مُحَمَّد الْمَذْكُور وَجَمَاعَة من أهل بَيته وَأَصْحَابه وَانْهَزَمَ من سلم مِنْهُم، وَأقَام عِيسَى بِالْمَدِينَةِ أَيَّامًا وَرجع فِي أَوَاخِر رَمَضَان يُرِيد مَكَّة مُعْتَمِرًا كَانَ مُحَمَّد سمينا أسمر شجاعا كثير الصَّوْم وَالصَّلَاة تلقب بالمهدى، وَالنَّفس الزكية.
وفيهَا: ابْتَدَأَ الْمَنْصُور بِنَاء بَغْدَاد، كره سُكْنى هاشميته لِوَقْعَة الراوندية ولجوار أهل الْكُوفَة حذرا مِنْهُم، فَاخْتَارَ مَوضِع بَغْدَاد.
وفيهَا: ظهر إِبْرَاهِيم الْعلوِي بن عبد اللَّهِ بن الْحسن بن الْحسن أَخُو مُحَمَّد " النَّفس الزكية " وَكَانَ هَارِبا مستخفيا، ودعا إِلَى بيعَة أَخِيه وَلم يبلغهُ قَتله، فَبَايعهُ جمَاعَة مِنْهُم مرّة العبشمي وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد وَعَمْرو بن سَلمَة الهُجَيْمِي وَعبد اللَّهِ بن يحيى الرقاشِي وَكثير من الْفُقَهَاء حَتَّى أحصوا أَرْبَعَة آلَاف، وَكَانَ أَمِير الْبَصْرَة سُفْيَان بن مُعَاوِيَة فتحصن لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي دَار الْإِمَارَة بِجَمَاعَة، فحصره إِبْرَاهِيم ثمَّ أَمنه وَدخل الْقصر، وَجَاء ليجلس على حصيرته فقلبها الرّيح فتطير النَّاس فَقَالَ إِبْرَاهِيم: إِنَّا لَا نتظير وَجلسَ عَلَيْهَا مَقْلُوبَة، وَأخذ من بَيت المَال ألفي ألف دِرْهَم وَفرض لأَصْحَابه خمسين خمسين، وَمضى بِنَفسِهِ إِلَى دَار زَيْنَب بنت سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن عَبَّاس وإليها ينْسب الزينبيون من العباسين، فَنَادَى هُنَاكَ لأهل الْبَصْرَة بالأمان.
ثمَّ أرسل من استولى على الأهواز وَأرْسل هَارُون بن سعد الْعجلِيّ فِي سَبْعَة عشر ألفا فَملك وَاسِط، وَأقَام بِالْبَصْرَةِ يفرق الْعمَّال والجيوش حَتَّى سمع بقتل أَخِيه قبل عيد الْفطر بِثَلَاثَة أَيَّام.
стр. 185
ثمَّ سَار من الْبَصْرَة يُرِيد الْكُوفَة وَقد أحصى ديوانه مائَة ألف وَنزل باخمرا على سِتَّة عشر فرسخا من الْكُوفَة، وَكَانَ الْمَنْصُور قد استدعى عِيسَى بن مُوسَى من الْحجاز فَحَضَرَ وَجعله فِي جَيش قبالة إِبْرَاهِيم، فاقتتلا قتالا انهزم فِيهِ غَالب عَسْكَر عِيسَى ثمَّ تراجعوا، ثمَّ وَقعت الْهَزِيمَة على أَصْحَاب إِبْرَاهِيم وَثَبت هُوَ فِي سِتّمائَة من أَصْحَابه، فجَاء سهم فِي حلق إِبْرَاهِيم فَتنحّى وَقَالَ: أردنَا أَمر وَأَرَادَ اللَّهِ غَيره، وَاجْتمعَ أَصْحَابه وأنزلوه فَحمل عَلَيْهِم عَسْكَر عِيسَى وفرقوهم عَنهُ واحتزوا رَأسه لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة مِنْهَا، فَبعث بِهِ عِيسَى إِلَى مَنْصُور، وَعمر إِبْرَاهِيم ثَمَان وَأَرْبَعُونَ.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَة: فِيهَا: تحول الْمَنْصُور من مَدِينَة ابْن هُبَيْرَة إِلَى بَغْدَاد لتكميل عمارتها، واسشار قوما مِنْهُم خَالِد بن برمك فِي نقض إيوَان كسْرَى أَو الْمَدَائِن وَنقل ذَلِك إِلَى بَغْدَاد، فَقَالَ ابْن برمك: لَا أرى ذَلِك لِأَنَّهُ من أَعْلَام الْمُسلمين، فَقَالَ الْمَنْصُور: ملت يَا خَالِد إِلَى أَصْحَابك الْعَجم، وَأمر بِنَقْض الْقصر الْأَبْيَض فنقضت نَاحيَة مِنْهُ فَكَانَ مَا يغرمون عَلَيْهِ أَكثر من قيمَة المنقوض فَتَركه، فَقَالَ خَالِد: إِنِّي أرى أَن لَا تبطل ذَلِك لِئَلَّا يُقَال إِنَّك عجزت عَن تخريب مَا بناه غَيْرك، فَلم يلْتَفت الْمَنْصُور إِلَى ذَلِك وَترك هَدمه.
وَنقل أَبْوَاب مَدِينَة وَاسِط فَجَعلهَا على بَغْدَاد، ودور بَغْدَاد لِئَلَّا يكون بعض النَّاس أقرب إِلَى السُّلْطَان من بعض، وَبنى قصره فِي وَسطهَا وَالْجَامِع فِي جَانِبه.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة: فِيهَا: ولد الْفضل بن يحيى بن خَالِد بن برمك.
وفيهَا ولى الْمَنْصُور خَالِد بن برمك الْموصل، وَولد الْفضل قبل الرشيد بسبعة أَيَّام فأرضعته الخيزران أم الرشيد.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة: وفيهَا توفّي جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر بن عَليّ زين العابدين بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃، سمي الصَّادِق لصدقه، وينسب إِلَيْهِ كَلَام فِي صَنْعَة الكيمياء والزجر والفأل، ولد سنة ثَمَانِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَدفن بِالبَقِيعِ، وَأمه بنت الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر ﵁.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى القَاضِي.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة: فِيهَا: مَاتَ مُسلم بن قُتَيْبَة الْعَظِيم الْقدر بِالريِّ.
وفيهَا: مَاتَ كهمس بن الْحسن التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ.
وفيهَا: مَاتَ عِيسَى بن عمر الثفي، وَعنهُ أَخذ الْخَلِيل النَّحْو.
ثمَّ دخلت سنة خمسين وَمِائَة: فِيهَا: بني عبد الرَّحْمَن الْأمَوِي سور قرطبة.
وفيهَا: مَاتَ جَعْفَر بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور.
وفيهَا: مَاتَ الإِمَام أَبُو حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت بن زوطا مولى تيم اللَّهِ بن ثَعْلَبَة، وزوطا من أهل كابل وَقيل: بابل وَقيل: الأنبار، وَهُوَ الَّذِي مَسّه الرّقّ فَأعتق، وَولد لَهُ ثَابت على الْإِسْلَام. وَقَالَ إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد بن أبي حنيفَة: مَا مسنا رق قطّ. رُوِيَ أَن وَالِد أبي
стр. 186
حنيفَة وَهُوَ صَغِير ذهب إِلَى عَليّ ﵁ فَدَعَا لَهُ بِالْبركَةِ فِيهِ وَفِي ذُريَّته، وَقيل: هُوَ النُّعْمَان بن ثَابت بن النُّعْمَان بن الْمَرْزُبَان وَأَن جده النُّعْمَان أهْدى لعَلي يَوْم المهرجان فالوذجا، فَقَالَ لَهُ عَليّ: مهرجونا كل يَوْم.
أدْرك أَبُو حنيفَة اربعة من الصَّحَابَة وهم: انس بن مَالك وَعبد اللَّهِ بن أبي أوفى بِالْكُوفَةِ وَسَهل بن سعد السَّاعِدِيّ بِالْمَدِينَةِ وَأَبُو الطُّفَيْل عَامر بن وَاثِلَة وَلم يلق أحدا مِنْهُم وَلَا أَخذ عَنْهُم وَإِن زعم أَصْحَابه غير ذَلِك؛ وَكَانَ عَالما عَاملا زاهدا ورعا، رواده الْمَنْصُور على الْقَضَاء فَامْتنعَ، وَكَانَ ربعَة حسن الْوَجْه وَقيل: طَويلا أحسن النَّاس منطقا.
قَالَ الشَّافِعِي: قيل لمَالِك هَل رَأَيْت أَبَا حنيفَة؟ فَقَالَ: نعم رَأَيْت رجلا لَو كَلمته فِي هَذِه السارية أَن يَجْعَلهَا ذَهَبا لقام بحجته، وَكَانَ يُصَلِّي غَالب اللَّيْل حَتَّى قيل صلى الصُّبْح بِوضُوء الْعشَاء أَرْبَعِينَ سنة، وَحفظ عَلَيْهِ أَنه ختم الْقُرْآن فِي الْموضع الَّذِي توفّي فِيهِ سَبْعَة آلَاف مرّة وعيب بقلة الْعَرَبيَّة.
قلت: وَرُوِيَ أَن أَبَا عَمْرو بن الْعَلَاء الْمقري سَأَلَهُ عَن الْقَتْل بالمثقل هَل يُوجب الْقود؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: وَلَو قَتله بِحجر المنجنيق؟ فَقَالَ: وَلَو قَتله بأبا قبيس وَاعْتذر عَنهُ بِأَن هَذِه لُغَة كوفية وَهُوَ كُوفِي، وَأَيْضًا فَإِن بلحارث وبلعنبر وَمُرَاد وخثعم وَبَعض عذرة يفرون إِلَى الْألف من الْيَاء لِأَنَّهَا أخف حُرُوف الْمَدّ مثل قَوْله:
(إِن أَبَاهَا وَأَبا أَبَاهَا ... )
وَيَقُولُونَ: أعطات وجازات يُرِيدُونَ أَعْطَيْت وجازيت، وَقد ذكرت بذلك قولي:
(ثَقيلَة ردف قَصدهَا قتلتي بِهِ ... فَقلت لَهَا إِن تقتلي النَّفس تقتلي)
(فَقَالَت أما نعْمَان جدي ابْن ثَابت ... وَمَا من قصاص عِنْده بمثقل)
وَالله أعلم.
ولد سنة ثَمَانِينَ من الْهِجْرَة وَقيل: سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَقيل: توفّي بالسجن ليلِي الْقَضَاء، وَقيل: توفّي يَوْم ولد الشَّافِعِي وَذَلِكَ فِي رَجَب من هَذِه السّنة، وَقيل: فِي جُمَادَى، وقبره بِبَغْدَاد مَشْهُور. وزوطا - بِضَم الزَّاي وَسُكُون الْوَاو -.
وفيهَا: بِبَغْدَاد مَاتَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق صَاحب الْمَغَازِي، وَقيل: سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة، وَهُوَ ثَبت فِي الحَدِيث عِنْد الْأَكْثَر، ذكره البُخَارِيّ فِي تَارِيخه لَكِن لم يرو عَنهُ لِأَن الإِمَام مَالِكًا طعن فِيهِ وَكَذَلِكَ مُسلم لم يخرج عَنهُ إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا فِي الرَّجْم.
وفيهَا: مَاتَ مقَاتل بن سُلَيْمَان الْبَلْخِي الْمُفَسّر.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة: فِيهَا: ولى الْمَنْصُور هِشَام بن عمر الثَّعْلَبِيّ السَّنَد مَكَان عمر بن حَفْص بن عُثْمَان بن قبيصَة بن أبي صفرَة، وَولى هَذَا إفريقية، لقب عمر بهزار مرد أَي: ألف رجل.
стр. 187
وفيهَا: بني الْمَنْصُور الرصافة لِابْنِهِ الْمهْدي وَهِي من الْجَانِب الشَّرْقِي من بَغْدَاد وحول إِلَيْهَا بعض جَيْشه.
وفيهَا: هجمت الْخَوَارِج بَيت معن بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ بسجستان وَهُوَ عاملها فِي بست وَهُوَ يحتجم فَقَتَلُوهُ بَغْتَة، وَقَامَ بعده ابْن أَخِيه يزِيد بن مزِيد بن زَائِدَة.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَة: فِيهَا: غزا حميد بن قَحْطَبَةَ أَمِير خُرَاسَان كابل.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَخمسين وَسنة أَربع وَخمسين وَمِائَة فِيهَا: توفّي بِالْكُوفَةِ أَبُو عَمْرو واسْمه كنيته ابْن الْعَلَاء، بن عمار من ولد الْحصين التَّمِيمِي الْمَازِني الْبَصْرِيّ، ولد سنة سبعين وَقيل: ثَمَان وَسِتِّينَ، وَهُوَ أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة.
قلت: وَفِيه يَقُول الفرزدق:
(مَا زلت أفتح أبوابا وأغلقها ... حَتَّى أتيت أَبَا عَمْرو بن عمار)
وَسَأَلَ سُلَيْمَان عَم السفاح أَبَا عَمْرو عَن شَيْء فَصدقهُ فَلم يُعجبهُ، فَخرج أَبُو عَمْرو وَهُوَ يَقُول:
(أنفت من الذل عِنْد الْمُلُوك ... وَإِن أكرموني وَإِن قربوا)
(إِذا مَا صدقتهم خفتهم ... ويرضون مني بِأَن يكذبوا)
وَكَانَ يَقُول: لَا يقبل فِي الدِّيَة إِلَّا غُلَام أَبيض أَو جَارِيَة بَيْضَاء لَا أسود وَلَا سَوْدَاء لقَوْله ﷺ َ -: " فِي الْجَنِين غرَّة عبد أَو أمة "، ليَكُون لقَوْله غرَّة فَائِدَة، وَهَذَا لغرابته نقلته، وَالله أعلم.
وفيهَا: سَار الْمَنْصُور إِلَى الشَّام وجهز جَيْشًا إِلَى الْمغرب لقتل الْخَوَارِج.
وفيهَا: مَاتَ أشعب الطامع.
وفيهَا: مَاتَ وهيب بن الْورْد الزَّاهِد الْمَكِّيّ.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَخمسين وَمِائَة: فِيهَا: عمل الْمَنْصُور للكوفة وَالْبَصْرَة سورا وخندقا من أَمْوَال أَهلهَا أَرَادَ معرفَة عَددهمْ فقسم فيهم الدَّرَاهِم خَمْسَة خَمْسَة ثمَّ جبى مِنْهُم أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ، فَقَالَ بَعضهم:
(يَا لقوم مَا لَقينَا ... من أَمِير المؤمنينا)
(قسم الْخَمْسَة فِينَا ... وجبانا أربعينا)
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَة: فِيهَا: توفّي حَمْزَة بن حبيب بن عمَارَة الْكُوفِي الزيات أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة، وَعند أَخذ الْكسَائي، وَكَانَ يجلب الزَّيْت إِلَى حلوان والجوز والجبن إِلَى الْكُوفَة.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَخمسين وَمِائَة: فِيهَا: مَاتَ الْأَوْزَاعِيّ أَبُو عَمْرو عبد الرَّحْمَن بن
стр. 188
عمر بن يحمد وعمره سَبْعُونَ، كَانَ إِمَام أهل الشَّام، أجَاب فِي سبعين ألف مَسْأَلَة، سكن بيروت وقبره بقرية حنتوش على بَاب بيروت فِي قبْلَة الْمَسْجِد، وَأهل الْقرْيَة يَقُولُونَ: هُنَا قبر ينزل عَلَيْهِ النُّور وَلَا يعْرفُونَ أَنه قَبره، وينسب إِلَى أوزاع - بطن من ذِي كلاع - وَقيل: من هَمدَان، ويحمد - بِضَم الْيَاء الْمُثَنَّاة وَكسر الْمِيم.
قلت: وَرُوِيَ أَن سُفْيَان الثَّوْريّ بلغَة مقدم الْأَوْزَاعِيّ فَلَقِيَهُ إِلَى ذِي طوى فَحل بعيره عَن القطار وَوَضعه على رقبته، فَكَانَ إِذا مر بِجَمَاعَة قَالَ: الطَّرِيق للشَّيْخ. والأوزاع: قَرْيَة على طَرِيق بَاب الفراديس أَيْضا، وَقَالَ فِيهِ بَعضهم:
(جاد الحيا بِالشَّام كل عَشِيَّة ... قبرا تضمن لحده الْأَوْزَاعِيّ)
(قبرا تضمن فِيهِ طود شَرِيعَة ... سقيا لَهُ من عَالم نفاع)
(عرضت لَهُ الدُّنْيَا فَأَعْرض مقلعا ... عَنْهَا بزهد أَيّمَا إقلاع)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة: فِيهَا: مَاتَ الْمَنْصُور لست خلون من ذِي الْحجَّة، خرج لِلْحَجِّ وَقَالَ لِابْنِهِ الْمهْدي: إِنِّي ولدت فِي ذِي الْحجَّة وَوليت فِي ذِي الْحجَّة وَقد هجس فِي نَفسِي أَنِّي أَمُوت فِي ذِي الْحجَّة من هَذِه السّنة وَهُوَ الَّذِي حداني على الْحَج، فَاتق اللَّهِ فِيمَا أَعهد إِلَيْك، ووصاه طَويلا وودعه وبكيا فَمَاتَ بِقَبْر مَيْمُونَة محرما، وعاش ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وخلافته اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَكسر، وَكَانَ أسمر نحيفا خَفِيف العارضين، ولد بالحميمة، وَدفن بِبَاب الْمصلى وَبَقِي أثر الْإِحْرَام فَدفن وَرَأسه مَكْشُوف، وَسمع وَهُوَ يطوف بِالْكَعْبَةِ قَائِلا يَقُول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْك ظُهُور الْبَغي وَالْفساد فِي الأَرْض وَمَا يحول بَين الْحق وَأَهله من الطمع، فَدَعَا الْقَائِل واستنبأه فَقَالَ: إِن أمنتني أَنْبَأتك بالأمور على جليتها وأصولها فَأَمنهُ، فَقَالَ الرجل: إِن الَّذِي دخله الطمع حَتَّى حَال بَين الْحق وَأَهله أَنْت، فَقَالَ: وَيحك وَكَيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء فِي قبضتي والحلو والحامض عِنْدِي؟ فَقَالَ: لِأَن اللَّهِ استرعاك على الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ فَجعلت بَيْنك وَبينهمْ حِجَابا من الجص والآجر وأبوابا من الْحَدِيد وحجابا مَعَهم الأسلحة وَلم تَأمر بإيصال الْمَظْلُوم والملهوف والجائع والعاري والضعيف وَالْفَقِير وَمَا أحد إِلَّا وَله من هَذَا المَال حق، فَلَمَّا رآك هَؤُلَاءِ النَّفر الَّذين استخلصتهم لنَفسك تجبي الْأَمْوَال فَلَا تعطيها وتجمعها فَلَا تقسمها قَالُوا: هَذَا قد خَان اللَّهِ فَمَا لنا لَا نخونه، فاتفقوا على أَن لَا يصل إِلَيْك من أَخْبَار النَّاس إِلَّا مَا أَرَادوا وَلَا يخرج لَك عَامل فيخالف أَمرهم إِلَّا أقصوه ونفوه حَتَّى من أَخْبَار النَّاس إِلَّا مَا أَرَادوا وَلَا يخرج لَك عَامل فيخالف أَمرهم إِلَّا أقصوه ونفوه حَتَّى تسْقط مَنْزِلَته ويصغر قدره فَلَمَّا انْتَشَر ذَلِك عَنْك وعنهم هابهم النَّاس وَكَانَ أول من صانعهم عمالك بالهدايا ليتقووا بهم على ظلم رعيتك، ثمَّ فعل ذَلِك ذووا الْقُدْرَة والثروة من رعيتك لينالوا بِهِ ظلم من دونهم فامتلأت الْبِلَاد ظلما، فَإِذا صرخَ الْمَظْلُوم بَين يَديك ضرب ضربا شَدِيدا وَأَنت تنظر وَلَا تنكره؛ ثمَّ ذكره بالطفل يسْقط من بطن أمه لَا مَال لَهُ فيلطف اللَّهِ بِهِ
стр. 189
حَتَّى تعظم رَغْبَة النَّاس إِلَيْهِ، وَذكره ببني أُميَّة وَمَا جَمَعُوهُ فَمَا أغْنى عَنْهُم حِين أَرَادَ اللَّهِ بهم مَا أَرَادَ. وَهَذِه خُلَاصَة الموعظة.
أَوْلَاده هم: الْمهْدي مُحَمَّد وجعفر الْأَكْبَر مَاتَ فِي حَيَاة الْمَنْصُور وَسليمَان وَعِيسَى وَيَعْقُوب وجعفر الْأَصْغَر وَصَالح الْمُسلمين، وَكَانَ الْمَنْصُور من احسن النَّاس خلقا فِي الْخلْوَة حَتَّى يخرج إِلَى النَّاس.
(أَخْبَار الْمهْدي بن الْمَنْصُور)
وَوصل إِلَى الْمهْدي الْخَبَر بالبيعة لَهُ وَهُوَ ثالثهم منتصف ذِي الْحجَّة، وَوصل القاصد من مَكَّة إِلَى بَغْدَاد فِي أحد عشر يَوْمًا.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَخمسين وَمِائَة وَسنة سِتِّينَ وَمِائَة: وفيهَا: رد الْمهْدي نسب آل زِيَاد إِلَى عبيد الرُّومِي فِي ثَقِيف وأخرجهم من قُرَيْش وَالْعرب وأبطل استلحاق مُعَاوِيَة
وفيهَا: حج الْمهْدي وَفرق أَمْوَالًا ووسع مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَحمل الثَّلج إِلَى مَكَّة.
وفيهَا: مَاتَ دَاوُد الطَّائِي الزَّاهِد من أَصْحَاب أبي حنيفَة، وَعبد الرَّحْمَن بن عبد اللَّهِ بن عتبَة المَسْعُودِيّ، والخليل بن أَحْمد الْبَصْرِيّ استاذ سِيبَوَيْهٍ.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة: فِيهِ: أَمر الْمهْدي باتخاذ المصانع فِي طَرِيق مَكَّة وتجديد الأميال والبرك وحفر الركايا وتقصير المنابر إِلَى مِقْدَار مِنْبَر النَّبِي ﷺ َ -.
وفيهَا: جعل الْمهْدي يحيى بن خَالِد بن برمك مَعَ ابْنه هَارُون، وَأَبَان بن صَدَقَة مَعَ الْهَادِي.
وفيهَا: توفّي سُفْيَان الثَّوْريّ، ومولده سنة سبع وَتِسْعين. وَإِبْرَاهِيم بن أدهم بن مَنْصُور الزَّاهِد من بكر بن وَائِل، ولد ببلخ ورابط بِالشَّام، سَأَلَهُ إِبْرَاهِيم بن يسَار عَن بَدْء أمره وألح عَلَيْهِ فَقَالَ: كَانَ أبي من مُلُوك خُرَاسَان وَكَانَ قد حبب إِلَيّ الصَّيْد، فَبينا أَنا رَاكب فرسا وكلبي معي إِذْ تحركت على صيد فَسمِعت نِدَاء من ورائي: يَا إِبْرَاهِيم لَيْسَ لهَذَا خلقت وَلَا بِهَذَا أمرت، فوقفت مقشعرا أنظر يمنة ويسرة فَلم أر أحدا فَقلت: لعن اللَّهِ إِبْلِيس، ثمَّ حركت فرسي فَسمِعت من قربوس سرجي: يَا إِبْرَاهِيم لَيْسَ لهَذَا خلقت وَلَا بِهَذَا أمرت، فوقفت وَقلت: هَيْهَات جَاءَنِي النذير من رب الْعَالمين وَالله لَا عصيت رَبِّي فتوجهت إِلَى أَهلِي وَجئْت إِلَى بعض رعاء أبي فَأخذت جبته وكساه وألقيت إِلَيْهِ ثِيَابِي، ثمَّ سرت حَتَّى صرت إِلَى الْعرَاق، ثمَّ صرت إِلَى الشَّام، ثمَّ قدمت إِلَى طرطوس فاستأجرني شخص ناظورا لبستان، فَمَكثت فِي الْبُسْتَان أَيَّامًا كَثِيرَة فَلَمَّا اشتهرت اختفيت وهربت من النَّاس؛ كَانَ يَأْكُل من عمل يَده كالحصاد وَالْعَمَل فِي الطين وَحفظ الْبَسَاتِين.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَة: وَفِي الأَصْل هُنَا سَهْو، وَكَذَا فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة سَهْو فِي الأَصْل أَيْضا.
стр. 190
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة: فِيهَا: تجهز الْمهْدي لغزو الرّوم واستخلف ابْنه الْهَادِي بِبَغْدَاد، وَلما وصل إِلَى حلب بلغَة أَن بِتِلْكَ النَّاحِيَة زنادقة فَجَمعهُمْ وقتلهم وَقطع كتبهمْ وَسَار إِلَى جيحان، وجهز ابْنه هَارُون بالعسكر فتغلغل فِي الرّوم وَفتح كثيرا وَعَاد.
وفيهَا: قتل الْمقنع الْخُرَاسَانِي واسْمه عَطاء، وَكَانَ لَعنه اللَّهِ قصارا أَعور مشوها لَا يسفر عَن وَجهه وتقنع بِوَجْه ذهب، وَادّعى الربوبية وَأَن الْبَارِي تَعَالَى وتقدس حل فِي آدم ثمَّ فِي نوح ثمَّ فِي نَبِي بعد آخر حَتَّى حل فِيهِ، وَعمر قَرْيَة سَنَام وَرَاء النَّهر من رستاق كيش وتحصن بهَا وخيل بسحره للنَّاس صُورَة قمر يطلع وَيرى من مَسَافَة شَهْرَيْن، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْن سنا الْملك بقوله:
(إِلَيْك فَمَا بدر الْمقنع طالعا ... بأسحر من ألحاظ بدر المعمم)
وأطاعه خلق، ثمَّ اجْتمع النَّاس وحصروه فسم نِسَاءَهُ ثمَّ نَفسه فماتوا، فَدخل النَّاس قلعته وَقتلُوا أشياعه وَأَتْبَاعه.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة: فِيهَا: مَاتَ عِيسَى عَم الْمَنْصُور وَعمرَة ثَمَان وَسَبْعُونَ.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة: فِيهَا وصل الرشيد فِي جَيش بِأَمْر أَبِيه الْمهْدي إِلَى خليج قسطنطينية وغنم وَقتل فِي الرّوم وَعَاد.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة: فِيهَا تحرج الْمهْدي من وزيره يَعْقُوب بن دَاوُد بن طهْمَان وَزِير نصر بن سيار قبله، كَانَ أَصْحَاب الْمهْدي يشربون عِنْده وَيَعْقُوب ينْهَى عَن ذَلِك، فسعوا فِيهِ حَتَّى حَبسه الْمهْدي، وَاسْتمرّ إِلَى أَن أخرجه الرشيد فِي خِلَافَته، وَفِي ذَلِك يَقُول بشار بن برد،
(بني أُميَّة هبوا طَال نومكم ... إِن الْخَلِيفَة يَعْقُوب بن دَاوُد)
(ضَاعَت خلافتكم يَا قوم فالتمسوا ... خَليفَة اللَّهِ بَين الناي وَالْعود)
وفيهَا: أَقَامَ الْمهْدي بريدا بَين مَكَّة وَالْمَدينَة بغالا وإبلا.
وفيهَا: قتل بشار بن برد الشَّاعِر الْأَعْمَى خلقَة على الزندقة وَقد نَيف على التسعين، قيل: كَانَ يفضل النَّار على الأَرْض، ويصوب رَأْي إِبْلِيس فِي امْتِنَاعه من السُّجُود لآدَم، نسْأَل اللَّهِ الْعَافِيَة.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة: فِيهَا توفّي عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس، ابْن أخي السفاح والمنصور، أوصى لَهُ السفاح بالخلافة بعد الْمَنْصُور ثمَّ خلعه الْمَنْصُور وَولى ابْنه الْمهْدي، وعاش خمْسا وَسِتِّينَ.
وفيهَا: زَاد الْمهْدي فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَسْجِد النَّبِي ﵇.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة: فِيهَا مَاتَ الْمهْدي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ الْمَنْصُور ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
стр. 191
بماسبذان فِي الْمحرم لثمان بَقينَ مِنْهُ، وخلافته عشر سِنِين وَشهر، وعمره ثَلَاث وَأَرْبَعُونَ، وَدفن تَحت شَجَرَة جوز، وَصلى عَلَيْهِ ابْنه الرشيد؛ كَانَ ﵀ يجلس للمظالم وَيَقُول: أدخلُوا عَليّ الْقُضَاة فَلَو لم يكن ردي للمظالم إِلَّا للحياء مِنْهُم.
(أَخْبَار مُوسَى الْهَادِي)
وبويع للهادي مُوسَى بالخلافة يَوْم مَاتَ الْمهْدي، وَالْهَادِي رابعهم وَكَانَ مُقيما بجرجان يحارب أهل طبرستان، وَوصل الرشيد من ماسبذان إِلَى بَغْدَاد فَأخذت الْبيعَة للهادي أَيْضا، وَبلغ الْهَادِي بجرجان موت أَبِيه فَسَار على الْبَرِيد فَدخل بَغْدَاد فِي عشْرين يَوْمًا واستوزر الرّبيع.
وفيهَا: ظهر الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْحسن بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب بِالْمَدِينَةِ فِي جمع من أهل بَيته مِنْهُم: الْحسن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، وَعبد اللَّهِ بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، وَعبد اللَّهِ هَذَا ابْن عَاتِكَة، وَجرى بَينه وَبَين عَامل الْهَادِي على الْمَدِينَة وَهُوَ عمر بن عبد الْعَزِيز بن عبد اللَّهِ بن عمر بن الْخطاب قتال، فَانْهَزَمَ عمر وَبَايع النَّاس الْحُسَيْن على كتاب اللَّهِ وَسنة نبينه المرتضى من آل مُحَمَّد ﷺ َ -، وَأقَام الْحُسَيْن وَأَصْحَابه يَتَجَهَّزُونَ أحد عشر يَوْمًا.
ثمَّ خَرجُوا لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة وَوصل الْحُسَيْن إِلَى مَكَّة، وَلحق بِهِ جمَاعَة من عبيد مَكَّة.
وَكَانَ قد حج تِلْكَ السّنة جمَاعَة من بني الْعَبَّاس وشيعتهم، مِنْهُم: سُلَيْمَان بن أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان بن عَليّ ، وَالْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ، وانضم إِلَيْهِم من حج من شيعتهم ومواليهم وقوادهم؛ واقتتلوا بوج يَوْم التَّرويَة، فَقتل الْحُسَيْن وَانْهَزَمَ أَصْحَابه واحتز رَأسه وَجمع مَعَه من رُؤُوس أَصْحَابه ورؤوس أهل الْمَدِينَة نَحْو مائَة رَأس مِنْهَا رَأس سُلَيْمَان بن عبد اللَّهِ بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب، وَاخْتَلَطَ المنهزمون بالحاج، وَوَج عَن مَكَّة إِلَى جِهَة الطَّائِف ذكره النميري فَقَالَ:
(تضوع مسكا بطن نعْمَان إِذْ مشت ... بِهِ زَيْنَب فِي نسْوَة خفرات)
(مررن بوج ثمَّ قمن عَشِيَّة ... يلبين للرحمن معتمرات)
وَفِي قتل الْمَذْكُورين بوج يَقُول بَعضهم:
(فلأبكين على الْحُسَيْن ... بعولة وعَلى الْحسن)
(وعَلى ابْن عَاتِكَة الَّذِي ... واروه لَيْسَ لَهُ كفن)
(تركُوا بوج غدْوَة ... فِي غير منزلَة الوطن)
وأفلت مِنْهُم إِدْرِيس بن عبد اللَّهِ بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ ﵃، فَأتى مصر وعَلى بريدها وَاضح الشيمي مولى بني الْعَبَّاس، فَحمل إِدْرِيس على الْبَرِيد إِلَى ... ... ... ... ... ... ... ...
стр. 192
الْمغرب إِلَى أَرض طنجة، وَبلغ الْهَادِي ذَلِك فَضرب عنق وَاضح، وَبَقِي إِدْرِيس هُنَاكَ حَتَّى أرسل الرشيد إِلَيْهِ الشماخ النامي مولى بني السَّيِّد فاغتاله بالسم.
وَكَانَ لإدريس حظية حُبْلَى، فَولدت ابْنا سموهُ إِدْرِيس باسم أَبِيه، وَكبر واستقل بِملك تِلْكَ الْبِلَاد.
وَحمل رَأس الْحُسَيْن وَبَاقِي الرؤوس إِلَى الْهَادِي، فَأنْكر عَلَيْهِم حمل رَأس الْحُسَيْن وَلم يعطهم جوائزهم غَضبا عَلَيْهِم، وَكَانَ الْحُسَيْن شجاعا كَرِيمًا، قدم على الْمهْدي فَأعْطَاهُ أَرْبَعِينَ ألف دِينَار ففرقها بِبَغْدَاد والكوفة، وَخرج من الْكُوفَة بفروة لَيْسَ تحتهَا قَمِيص.
وفيهَا: مَاتَ مُطِيع بن أياس الشَّاعِر. وَتُوفِّي نَافِع الْمقري بن عبد الرَّحْمَن بن أبي نعيم أحد السَّبْعَة، وروى عَنهُ ورش وقنبل، كَانُوا يرجعُونَ فِي الْمَدِينَة إِلَى قِرَاءَته، وَكَانَ محتسبا أسود شَدِيد السوَاد فِيهِ دعابة وَقَرَأَ عَلَيْهِ مَالك الْقُرْآن، وَهَذَا غير نَافِع مولى عبد اللَّهِ بن عمر الْمُحدث.
وفيهَا: مَاتَ الرّبيع بن يُونُس حَاجِب الْمَنْصُور ومولاه.
ثمَّ دخلت سنة سبعين وَمِائَة: فِيهَا توفّي مُوسَى الْهَادِي بن الْمهْدي بن الْمَنْصُور لَيْلَة الْجُمُعَة منتصف ربيع الأول، وخلافته سنة وَثَلَاثَة أشهر، وعمره سِتّ وَعِشْرُونَ، قيل: قتلته أمه الخيزران بِأَن غم جواريها وَجهه وَهُوَ مَرِيض، وَدفن بِعَين باذا الْكُبْرَى فِي بستانه، كَانَ أَبيض طَويلا جسيما بشفته الْعليا نقص وَله سَبْعَة بَنِينَ وابنتان.
(أَخْبَار هَارُون الرشيد)
وفيهَا: بُويِعَ للرشيد هَارُون بالخلافة وَهُوَ خامسهم لَيْلَة موت أَخِيه الْهَادِي وأمهما الخيزران أم ولد، ولد بِالريِّ فِي آخر ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة وَصلى عَلَيْهِ الرشيد وَقصد بَغْدَاد.
وفيهَا: فِي شَوَّال ولد الْأمين مُحَمَّد بن الرشيد من زبيدة، واستوزر الرشيد يحيى بن خَالِد ومكنه
وفيهَا: عزل الرشيد الثغور كلهَا من الجزيرة وقنسرين وَجعلهَا حيزا وَاحِدًا وَسميت العواصم، وَأمر بعمارة طرطوس على يَد فرج الْخَادِم التركي ونزلها النَّاس.
وفيهَا: أَمر عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل الْأمَوِي المستولي على الأندلس بِبِنَاء جَامع قرطبة مَوضِع الْكَنِيسَة بِمِائَة ألف دِينَار.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة: فِيهَا توفّي عبد الرَّحْمَن الْأمَوِي بقرطبة، وَيعرف بالداخل لدُخُوله بِلَاد الْمغرب، وَهُوَ: عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف فِي ربيع الآخر ولد بِأَرْض دمشق سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَة وَمُدَّة ملكه بالأندلس ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة، وَملك
стр. 193
بعده ابْنه هِشَام؛ وَكَانَ عبد الرَّحْمَن أصهب خَفِيف العارضين طَويلا نحيفا أَعور، والتجأ إِلَيْهِ بَنو أُميَّة.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة: فِيهَا توفّي أَبُو يزِيد رَبَاح اللَّخْمِيّ الزَّاهِد بِمَدِينَة القيروان، وَكَانَ مجاب الدعْوَة.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة: فِيهَا مَاتَت الخيزران أم الرشيد، وَحج الرشيد وَأحرم من بَغْدَاد.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة وَسنة خمس وَسبعين وَمِائَة: فِيهَا تحرّك فِي الديلم يحيى بن عبد اللَّهِ بن حسن بن حُسَيْن بن عَليّ رضى اللَّهِ عَنْهُم.
وفيهَا: ولد إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد اللَّهِ بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ ﵃.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة: فِيهَا ظهر أَمر يحيى الحسني الْمَذْكُور بالديلم وَقَوي، فَأرْسل الرشيد الْفضل بن يحيى إِلَيْهِ، فَأحْضرهُ بالأمان،، وَيَمِين الرشيد بِخَطِّهِ، وأكرمه الرشيد وَأَعْطَاهُ، ثمَّ حَبسه حَتَّى مَاتَ فِي الْحَبْس.
وفيهَا: هَاجَتْ الْفِتْنَة بِدِمَشْق بَين المضريين واليمانيين، وَكَانَ على دمشق عبد الصَّمد فسعى بالرؤساء فِي الصُّلْح، فَأجَاب بَنو الْقَيْن واستمهلت اليمانية، ثمَّ سَارُوا إِلَى بني الْقَيْن وَقتلُوا مِنْهُم نَحْو سِتّمائَة، فاستنجدت بَنو الْقَيْن قضاعة وسليحا فَأَبَوا، فاستنجدوا قيسا فَسَارُوا مَعَهم إِلَى العواليك من أَرض البلقاء فَقتلُوا من اليمانية ثَمَانمِائَة وَكثر الْقِتَال بَينهم، ثمَّ عزل الرشيد عبد الصَّمد عَن دمشق وولاها إِبْرَاهِيم بن صَالح بن عَليّ، ودام الْقِتَال بَين الْمَذْكُورين نَحْو سنتَيْن.
وَسبب الْفِتْنَة: قطع رجل من بني الْقَيْن بطيخة من حَائِط بالبلقاء لرجل من لخم وجذام.
وفيهَا: مَاتَ الْفرج بن فضَالة، وَصَالح بن بشر الْقَارِي؛ وَكَانَ ضَعِيفا فِي الحَدِيث.
وفيهَا: مَاتَ نعيم بن ميسرَة النَّحْوِيّ الْكُوفِي.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسبعين وَمِائَة: فِيهَا توفّي بِالْكُوفَةِ أَبُو عبد اللَّهِ شريك بن عبد اللَّهِ بن أبي شريك تولى الْقَضَاء أَيَّام الْمهْدي ثمَّ عَزله الْهَادِي، وَكَانَ عَالما عادلا كثير الصَّوَاب حَاضر الْجَواب، ذكر عِنْده مُعَاوِيَة بالحلم فَقَالَ: لَيْسَ بحليم من سفه الْحق وَقَاتل عليا؛ ولد ببخارى سنة خمس وَتِسْعين.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسبعين وَسنة تسع وَسبعين وَمِائَة: فِيهَا توفّي مَالك بن أنس بن مَالك بن أبي عَامر بن عمر بن الْحَارِث الأصبحي من ولد ذِي الأصبح الْحَارِث بن عَوْف من ولد يعرب بن قحطان، ولد سنة خمس وَتِسْعين، أَخذ الْقِرَاءَة عَن نَافِع بن أبي نعيم وَسمع الزُّهْرِيّ، وَأخذ الْعلم عَن ربيعَة الْمرَائِي. قَالَ الشَّافِعِي: قَالَ لي مُحَمَّد بن الْحسن:
стр. 194
أَيّمَا أعلم صاحبنا أم صَاحبكُم - يَعْنِي أَبَا حنيفَة ومالكا -؟ قلت: على الأنصاف: قَالَ: نعم، قلت: أنْشدك اللَّهِ من أعلم بِالْقُرْآنِ صاحبنا أم صَاحبكُم؟ قَالَ: اللَّهُمَّ صَاحبكُم، قلت: فأنشدك اللَّهِ من أعلم بِالسنةِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ صَاحبكُم، قلت: فأنشدك اللَّهِ من أعلم بأقاويل أَصْحَاب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - الْمُتَقَدِّمين صاحبنا أم صَاحبكُم؟ قَالَ: اللَّهُمَّ صَاحبكُم، قلت: فَلم يبْق إِلَّا الْقيَاس وَالْقِيَاس لَا يكون إِلَّا على هَذِه الْأَشْيَاء.
وسعي بِالْإِمَامِ مَالك إِلَى جَعْفَر بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس ابْن عَم الْمَنْصُور وَقَالُوا: إِنَّه لَا يرى الْأَيْمَان ببيعتكم هَذِه بِشَيْء لِأَن يَمِين الْمُكْره لَيست لَازِمَة، فَغَضب ودعا بِمَالك وجرده وضربه بالسياط ومدت يَده حَتَّى انخلعت كتفه وارتكب مِنْهُ أمرا عَظِيما، فَلم يزل بعد ذَلِك الضَّرْب فِي عَلَاء ورفعة، دفن بِالبَقِيعِ وَكَانَ شَدِيد الْبيَاض إِلَى الشقرة طَويلا.
قلت: قَالَ القعْنبِي: دخلت على مَالك فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَسلمت عَلَيْهِ، ثمَّ جَلَست فرأيته يبكي فَقلت: يَا أَبَا عبد اللَّهِ مَا الَّذِي يبكيك؟ فَقَالَ: يَا ابْن قعنب ومالى لَا أبْكِي وَمن أَحَق بالبكاء مني وَالله لَوَدِدْت أَنِّي ضربت بِكُل مَسْأَلَة أَفْتيت فِيهَا برأيي بِسَوْط سَوط وَقد كَانَت لي السعَة فِيمَا قد سبقت إِلَيْهِ وليتني لم أفت بِالرَّأْيِ، وَالله اعْلَم.
وفيهَا: توفّي مُسلم بن خَالِد الزنْجِي الْفَقِيه الْمَكِّيّ، صَحبه الشَّافِعِي قبل مَالك وَأخذ عَنهُ الْفِقْه، كَانَ أَبيض مشربا بحمرة وَلذَلِك قيل الزنْجِي.
وفيهَا: توفّي السَّيِّد الْحِمْيَرِي الشَّاعِر إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن يزِيد بن ربيعَة بن مفرغ الْحِمْيَرِي الشيعي وَالسَّيِّد لقبه، أَكثر من الشّعْر وَمن الوقيعة فِي الصَّحَابَة والهجو لعَائِشَة ﵂.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة: فِيهَا مَاتَ هِشَام بن عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك صَاحب الأندلس، وإمارته سبع سِنِين وَسَبْعَة أشهر وَثَلَاثَة أَيَّام وعمره تسع وَثَلَاثُونَ وَأَرْبَعَة أشهر، واستخلف ابْنه الحكم فَخرج على الحكم عماه سُلَيْمَان وَعبد اللَّهِ ابْنا عبد الرَّحْمَن وَكَانَا فِي بر العدوة، فتحاربوا مُدَّة فظفر بِعَمِّهِ سُلَيْمَان فَقتله سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة، فخاف عَمه عبد اللَّهِ وَصَالَحَهُ سنة سِتّ وَثَمَانِينَ. وَفِي اشْتِغَاله بِقِتَال عميه أخذت الفرنج مَدِينَة برشلونه سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَة.
وفيهَا - أَعنِي سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة -: سَار جَعْفَر الْبَرْمَكِي إِلَى الشَّام فسكن الْفِتْنَة الَّتِي كَانَت فِيهِ.
وفيهَا: هدم الرشيد سور الْموصل بعصيان أَهلهَا فِي كل وَقت.
وفيهَا وَقيل: سنة سبع وَسبعين وَمِائَة: توفّي سِيبَوَيْهٍ النَّحْوِيّ واسْمه عَمْرو بن عُثْمَان بن قنبر، أعلم الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين بالنحو وَكتب النَّحْو عيلة على كِتَابه أَخذ النَّحْو عَن الْخَلِيل بن أَحْمد، وَقيل: توفّي بِالْبَصْرَةِ سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَقيل: سنة ثَمَان
стр. 195
وَثَمَانِينَ وَمِائَة، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة وعمره اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة بِمَدِينَة ساوة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: مَاتَ بشيراز وقبره بهَا، وَكَانَ كثيرا مَا ينشد:
(إِذا بل من دَاء بِهِ ظن أَنه ... يجاوبه الدَّاء الَّذِي هُوَ قَاتله)
وسيبويه فَارسي مَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ: رَائِحَة التفاح لجمال صورته.
وَله مَعَ الْكسَائي الْبَحْث الْمَشْهُور فِي قَوْلك: كنت أَظن أَن الزنبور أَشد لسعا من النحلة، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فَإِذا هُوَ هِيَ، وَقَالَ الْكسَائي: فَإِذا هُوَ إِيَّاهَا. وانتصر الْأمين بن الرشيد لمعلمه الْكسَائي وتعصبوا على سِيبَوَيْهٍ، فسافر إِلَى فَارس فَمَاتَ بقرية البيضا من قرى شيزار.
قلت: وَقيل إِن وِلَادَته بالبيضاء لَا وَفَاته، وَكَانَ فِي لِسَانه حبسة فَعلمه أبلغ من لِسَانه، وزار يَوْمًا أستاذة الْخَلِيل فَقَالَ: مرْحَبًا بزائر لَا يمل، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة: فِيهَا غزا الرشيد الرّوم:، فَافْتتحَ حصن الصفصاف.
وفيهَا: توفّي عبد اللَّهِ بن المبرك الْمروزِي وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ.
وفيهَا: توفّي مَرْوَان بن أبي حَفْصَة الشَّاعِر، وَولد سنة خمس وَمِائَة.
وفيهَا: توفّي القَاضِي أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم من ولد سعد بن خَيْثَمَة، وَسعد صَحَابِيّ أَنْصَارِي وَهُوَ سعد بن يحيى واشتهر بِأُمِّهِ، وَأَبُو يُوسُف أكبر أَصْحَاب أبي حنيفَة.
قلت: وَنَشَأ يَتِيما، وطالت على أمه صحبته لأبي حنيفَة وإعراضه عَن تعلم حِرْفَة فَحَضَرت عِنْده وعاتبته على ذَلِك، فَقَالَ: مري يَا رعناء هَا هُوَ ذَا يتَعَلَّم أكل الفالوذج بدهن الفستق، فَلَمَّا كبر وَأكله عِنْد الرشيد ذكر ذَلِك لَهُ فتعجب مِنْهُ.
وَسَأَلَهُ الرشيد عَن إِمَام شَاهد رجلا يَزْنِي هَل يحده؟ قَالَ: لَا، فَسجدَ الرشيد وَقَالَ: من أَيْن قلت هَذَا؟ قَالَ: لِأَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " ادرؤا الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ "، وَهَذِه شُبْهَة يسْقط الْحَد مَعهَا، قَالَ: وَأي شُبْهَة مَعَ المعاينة؟ قَالَ: لَيْسَ توجب المعاينه لذَلِك أَكثر من الْعلم بِمَا جرى وَالْحُدُود لَا تكون بِالْعلمِ، فَسجدَ مرّة أُخْرَى، وَحصل لَهُ بِهَذِهِ من الرشيد وَمن المستفتي فِيهِ وَمن أمه وجماعته مَال جزيل، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَة: فِيهَا مَاتَ جَعْفَر الطَّيَالِسِيّ الْمُحدث.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَة: فِيهَا توفّي مُوسَى الكاظم بن جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر بن عَليّ زين العابدين بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ بِبَغْدَاد فِي حبس الرشيد، حكت أُخْت سجانه السندي بن شاهك وَكَانَ تلِي خدمته أَن الكاظم كَانَ إِذا صلى الْعَتَمَة حمد اللَّهِ ومجده وَدعَاهُ إِلَى أَن يَزُول اللَّيْل، ثمَّ يقوم يُصَلِّي حَتَّى يطلع الصُّبْح فَيصَلي الصُّبْح، ثمَّ يذكر اللَّهِ حَتَّى تطلع الشَّمْس، ثمَّ يقْعد إِلَى ارْتِفَاع
стр. 196
الضُّحَى، ثمَّ يرقد وَيَسْتَيْقِظ قبل الزَّوَال، ثمَّ يتَوَضَّأ وَيُصلي حَتَّى يُصَلِّي الْعَصْر، ثمَّ يذكر اللَّهِ حَتَّى يُصَلِّي الْمغرب، ثمَّ يُصَلِّي مَا بَين الْمغرب وَالْعَتَمَة، فَكَانَ هَذَا دأبه إِلَى أَن مَاتَ رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ.
سمي الكاظم: لإحسانه إِلَى من يسيء إِلَيْهِ، وَهُوَ سَابِع الْأَئِمَّة الاثنى عشر على رَأْي الإمامية، ولد سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة، وقبره عَلَيْهِ مشْهد عَظِيم بالجانب الغربي من بَغْدَاد.
قلت: وأقدمه الْمهْدي بَغْدَاد من الْمَدِينَة وحبسه فَرَأى فِي النّوم عَليّ بن أبي طَالب ﵁ وَهُوَ يَقُول: " يَا مُحَمَّد فَهَل عسيتم إِن توليتم أَن تفسدوا فِي الأَرْض وتقطعوا أَرْحَامكُم ". فانتبه لَيْلًا وأحضر مُوسَى وعانقه وَأخْبرهُ بالمنام وَقَالَ: تؤمنني أَن تخرج عَليّ وعَلى أحد من وَلَدي "، فَقَالَ: وَالله لَا فعلت ذَلِك وَلَا هُوَ من شأني، فَأعْطَاهُ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار ورده إِلَى الْمَدِينَة، وَأقَام بهَا إِلَى أَيَّام هَارُون، وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي يُونُس بن حبيب النَّحْوِيّ وَقد نَيف على الْمِائَة، أَخذ الْعلم عَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء وروى عَنهُ سِيبَوَيْهٍ، وَله قِيَاس فِي النَّحْو.
قلت: قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اخْتلف إِلَيْهِ أَرْبَعِينَ سنة أملأ كل يَوْم ألواحي من حفظه، وَكَانَ من أهل جبل - بِفَتْح الْجِيم وَضم الْبَاء الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة - وَهِي على دجلة وَكَانَ لَا يحب نسبته إِلَيْهَا، فَلَقِيَهُ عميري وَقَالَ: مَا تَقول فِي جبل ينْصَرف أم لَا؟ فشتمه يُونُس خلْوَة وَأَتَاهُ الْعمريّ خلْوَة، وَأَتَاهُ العميري من الْغَد وَهُوَ جَالس للنَّاس فَقَالَ: مَا تَقول فِي جبل ينْصَرف أم لَا؟ فَقَالَ: الْجَواب مَا قلت لَك أمس، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَة: فِيهَا ولى الرشيد حمادا الْبَرْبَرِي الْيمن وَمَكَّة، وَدَاوُد بن يزِيد بن مرْثَد المهلبي السَّنَد، وَيحيى الجرشِي الْجَبَل، ومهرويه الرَّازِيّ طبرستان، وَإِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب إفريقية، وَكَانَ على أَعمال الْموصل يزِيد بن مزِيد بن زَائِدَة الشَّيْبَانِيّ.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَة: فِيهَا مَاتَ عَم الْمَنْصُور عبد الصَّمد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن عَبَّاس وَهُوَ بِمَنْزِلَة يزِيد بن مُعَاوِيَة إِلَى عبد منَاف، وَبَين مَوْتهمَا مَا يزِيد على مائَة وَعشْرين سنة.
وفيهَا: مَاتَ يزِيد بن مزِيد الشَّيْبَانِيّ ابْن أخي معن.
ثمَّ دخلت سنة وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَسنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة: فِيهَا أوقع الرشيد بالبرامكة وَقتل جَعْفَر بن يحيى بالأنبار مستهل صفر وعمره سبع وَثَلَاثُونَ سنة، وَسَببه عِنْد الْأَكْثَر: كَونه زوجه أُخْته عباسة ليحل لَهُ النّظر إِلَيْهَا وَشرط أَن لَا يقربهَا، فَوَطِئَهَا وحبلت مِنْهُ بِغُلَام، وَقيل: بل حبس الرشيد يحيى بن عبد اللَّهِ بن الْحسن بن الْحسن ﵃ عِنْد جَعْفَر فَأَطْلقهُ، وَقيل عظم واشتهر أَمر البرامكة وأحبهم النَّاس، والملوك على مثل ذَلِك لَا تصبر، وَبعث بِرَأْس جَعْفَر وجيفته إِلَى بَغْدَاد وَنصب رَأسه على الجسر وَجعل جيفته قطعتين على
стр. 197
الجسرين وأحاط بِيَحْيَى وَولده وَجَمِيع أنسابه واخذ جَمِيع مَا يملكونه، وَلم يتَعَرَّض لمُحَمد بن خَالِد بن برمك وَولده لبراءته عِنْده، وَمُدَّة وزارتهم سبع عشرَة سنة، وَفِي ذَلِك يَقُول الرقاشِي وَقيل: أَبُو نؤاس قصيدة مِنْهَا:
(وَقل للمنايا قد ظَفرت بِجَعْفَر ... وَلم تظفري من بعده بمسود)
(وَقل للعطايا بعد فضل تعطلي ... وَقل للرزايا كل يَوْم تجددي)
(ودونك سَيْفا برميكا مهندا ... أُصِيب بِسيف هاشمي مهند)
وَقَالَ يحيى: الدُّنْيَا دوَل، وَالْمَال عَارِية، وَلنَا بِمن قبلنَا أُسْوَة، وَفينَا لمن بَعدنَا عِبْرَة.
وفيهَا: خلع الرّوم ملكتهم زيني وملكوا بدلهَا تقفور، فَكتب إِلَى الرشيد: من تقفور ملك الرّوم إِلَى هَارُون ملك الْعَرَب، وَأما بعد: فَإِن الملكة الَّتِي كَانَت قبلي أقامتك مقَام الرخ وأقامت نَفسهَا مقَام البيدق فَحملت إِلَيْك من أموالها مَا كنت حَقِيقا بِحمْل أضعافه إِلَيْهَا لَكِن ذَلِك من ضعف النِّسَاء وحمقهن، فَإِذا قَرَأت كتابي هَذَا ارْدُدْ مَا حصل لَك من أموالها وَإِلَّا السَّيْف بَيْننَا وَبَيْنك. وَكتب الرشيد فِي ظهر الْكتاب: بِسم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم من هَارُون أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى تقفور كلب الرّوم وَقد قَرَأت كتابك يَا ابْن الْكَافِرَة وَالْجَوَاب مَا ترَاهُ لَا مَا تسمعه.
ثمَّ سَار الرشيد من يَوْمه حَتَّى نزل على هرقلة فَفتح وغنم وَخرب، فَسَأَلَهُ تقفور الْمُصَالحَة على خراج يحملهُ كل سنة فَأَجَابَهُ.
وفيهَا: توفّي الفضيل بن عِيَاض الزَّاهِد، ومولده بسمرقند.
وفيهَا: توفّي أَبُو مُسلم معَاذ الهراء النَّحْوِيّ، وَعنهُ أَخذ الْكسَائي، وَولد أَيَّام يزِيد بن عبد الْملك.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة: فِيهَا توفّي الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف الشَّاعِر.
قلت: قَالَ بشار بن برد: مَا زَالَ غُلَام من بني حنيفَة - يَعْنِي الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف - يدْخل نَفسه فِينَا وَنحن نخرجهُ منا، حَتَّى قَالَ:
(يَا أَيهَا الرجل المعذب نَفسه ... أقصر فَإِن شفاءك الإقصار)
(نزف الْبكاء دموع عَيْنك فاستعر ... عينا يعينك دمعها المدرار)
(من ذَا يعيرك عينه تبْكي بهَا ... أَرَأَيْت عينا للبكاء تعار)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة: فِيهَا توفّي أَبُو الْحسن عَليّ بن حَمْزَة بن عبد اللَّهِ بن فَيْرُوز الْكسَائي أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة نحوي لغَوِيّ، دخل الْكُوفَة وأتى حَمْزَة الزيات ملتفا بكساء وَقيل: بل أحرم بكساء فَقيل الْكسَائي.
وفيهَا: سَار الرشيد إِلَى الرّيّ وَأقَام أَرْبَعَة أشهر وَرجع فِي ذِي الْحجَّة وأحرق جثة
стр. 198
جَعْفَر، وَمضى إِلَى الرقة تَحَرُّزًا من أَتبَاع الأمويين مَعَ شدَّة حبه لبغداد، فَقَالَ شَاعِر:
(مَا انحنا حَتَّى ارتحلنا فَمَا نفرق ... بَين المناخ والارتحال)
(ساءلونا عَن حَالنَا إِذا قدمنَا ... فقرنا وداعهم بالسؤال)
وفيهَا: مَاتَ مُحَمَّد بن الْحسن الشبياني صَاحب أبي حنيفَة أَبوهُ من حرستا من الغوطة، ولمحمد عدَّة كتب كالجامع الْكَبِير وَالْجَامِع الصَّغِير وَغَيرهمَا.
قلت: طلب الشَّافِعِي مِنْهُ كتبا فتأخرت عَنهُ، فَكتب إِلَيْهِ:
(قل للَّذي لم ترعين ... من رَآهُ مثله)
(وَمن كَانَ من رَآهُ ... قد رأى من قبله)
(الْعلم ينْهَى أَهله ... أَن يمنعوه أَهله)
(لَعَلَّه يبذله ... لأَهله لَعَلَّه)
فأنفذ الْكتب إِلَيْهِ، كَذَا قَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق فِي الطَّبَقَات، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة تسعين وَمِائَة: فِيهَا سَار الرشيد فِي مائَة ألف وَخَمْسَة وَثَلَاثِينَ ألفا سوى المتطوعة والأتباع، وحاصر هرقلة ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَفتحهَا فِي شَوَّال وسبى أَهلهَا، وَبث العساكر فِي الرّوم ففتحوا الصفصاف وملقونية وخربوا ونهبوا فَبعث تقفور بالجزية عَن رَعيته وَعَن رَأسه وَرَأس وَلَده وبطارقته.
وفيهَا: نقض أهل قبرس الْعَهْد، فغزاهم معتوق بني يحيى عَامل سواحل مصر وَالشَّام فسباهم.
وفيهَا: أسلم الْفضل بن سهل على يَد الْمَأْمُون وَكَانَ مجوسيا، وَتُوفِّي أسيد بن عَمْرو بن عَامر الْكُوفِي صَاحب أبي حنيفَة وَيحيى بن خَالِد بن برمك مَحْبُوسًا بالرقة فِي الْمحرم، وعمره سَبْعُونَ.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَة وَسنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَمِائَة: فِيهَا سَار الرشيد إِلَى خُرَاسَان من الرقة فَنزل بَغْدَاد، ورحل عَنْهَا إِلَى النهروان لخمس خلون من شعْبَان واستخلف على بَغْدَاد ابْنه الْأمين.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة: فِيهَا مَاتَ الْفضل بن يحيى فِي حبس الرقة فِي الْمحرم، وعمره خمس وَأَرْبَعُونَ، وَكَانَ من محَاسِن الدُّنْيَا.
وفيهَا: مَاتَ الرشيد لثلاث خلون من جُمَادَى الْآخِرَة، كَانَ من بَدو سَفَره مَرِيضا فَاشْتَدَّ مَرضه بجرحان وَسَار إِلَى طوس فَمَاتَ بهَا، وَأنزل فِي قَبره قوما ختموا فِيهِ الْقُرْآن وَهُوَ فِي محفة على شَفير الْقَبْر وَيَقُول: وإسوأتا من رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَغشيَ عَلَيْهِ، ثمَّ أَفَاق فَقَالَ للفضل بن الرّبيع يَا فضل:
(أحين دنا مَا كنت أخْشَى دنوه ... رمتني عُيُون النَّاس من كل جَانب)
стр. 199
(فَأَصْبَحت مرحوما وَكنت مجسدا ... فصبرا على مَكْرُوه مر العواقب)
(سأبكي على الْوَصْل الَّذِي كَانَ بَيْننَا ... وأندب أَيَّام السرُور الذواهب)
ثمَّ مَاتَ وَصلى عَلَيْهِ صَالح، وَكَانَت خِلَافَته ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وشهرين وَثَمَانِية عشر يَوْمًا، وعمره سبع وَأَرْبَعُونَ سنة وَخَمْسَة أشهر وَخَمْسَة أَيَّام؛ كَانَ جميلا أَبيض وخطه الشيب، وَبَنوهُ: الْأمين من زبيدة، والمأمون من مراحل أم ولد، وَالقَاسِم المؤتمن، وَالقَاسِم مُحَمَّد، وَأَبُو عِيسَى مُحَمَّد، وَأَبُو يَعْقُوب، وَأَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد، وَأَبُو سلمَان مُحَمَّد، أَبُو عَليّ مُحَمَّد، وَأَبُو مُحَمَّد وَهُوَ اسْمه، وَأَبُو أَحْمد مُحَمَّد كلهم لأمهات أَوْلَاد، وَخمْس عشرَة بِنْتا؛ وَكَانَ يتَصَدَّق من صلب مَاله كل يَوْم بِأَلف دِرْهَم، وعهد بالخلافة إِلَى الْأمين وَبعده إِلَى الْمَأْمُون وَكتب بذلك عهدا وَجعله فِي الْكَعْبَة، وَجعل ابْنه الْقَاسِم المؤتمن ولي الْعَهْد بعد الْمَأْمُون وَجعل إِلَى الْمَأْمُون أَن يسْتَمر بِهِ وَأَن يعزله.
(أَخْبَار الْأمين بن الرشيد)
وَلما توفّي الرشيد بُويِعَ الْأمين سادسهم بالخلافة فِي عَسْكَر الرشيد صَبِيحَة وَفَاته وَكَانَ بمرو، فَكتب إِلَيْهِ أَخُوهُ صَالح بذلك مَعَ رَجَاء الْخَادِم وَأرْسل مَعَه خَاتم الْخَلِيفَة والبردة والقضيب. وَلما وصل بَغْدَاد بُويِعَ أَيْضا وتحول إِلَى قصر الْخلَافَة، وَجَاءَت أمه زبيدة من الرقة بخزائن الرشيد فتلقاها بالأنبار وَمَعَهُ أَعْيَان بَغْدَاد.
وفيهَا: قتل تقفور ملك الرّوم فِي حَرْب برجان، وَملكه سبع سِنِين.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَتِسْعين وَمِائَة: فِيهَا قتل شَقِيق الْبَلْخِي الزَّاهِد فِي غزَاة كولان من بِلَاد التّرْك.
وفيهَا: اخْتلف أهل حمص على عاملهم فانتقل إِلَى سليمَة، فَاسْتعْمل الْأمين مَكَانَهُ عبد اللَّهِ بن سعيد الْحَرَشِي فَقَاتلهُمْ، ثمَّ آمنهم.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَة: أبطل الْأمين اسْم الْمَأْمُون من الْخطْبَة، وخطب لمُوسَى بن الْأمين ولقبه النَّاطِق بِالْحَقِّ وَكَانَ طفْلا، وجهز جَيْشًا خمسين ألفا لِحَرْب الْمَأْمُون بخراسان مقدمهم عَليّ بن عِيسَى بن ماهان وَكَانَ طَاهِر بن الْحُسَيْن بِالريِّ من جِهَة الْمَأْمُون بعسكر قَلِيل، فَخلع طَاهِر بيعَة الْأمين وَبَايع لِلْمَأْمُونِ وَقَاتل عَليّ بن عِيسَى، فَقتل عَليّ بن عِيسَى وَانْهَزَمَ عسكره وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَأْمُون بخراسان.
وفيهَا: توفّي أَبُو نؤاس الْحسن بن هانىء بن عبد الأول الشَّاعِر، وعمره تسع وَخَمْسُونَ سنة:
قلت: وَأول شعره وَهُوَ صبي:
(حَامِل الْهوى تَعب ... يستفزه الطَّرب)
стр. 200
(إِن بَكَى يحِق لَهُ ... لَيْسَ مَا بِهِ لعب)
(تضحكين لاهية ... والمحب ينتحب)
(تعجبين من سقمي ... صحتي هِيَ الْعجب)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَة: فِيهَا أَمر الْمَأْمُون أَن يخْطب لَهُ بأَمْره الْمُؤمنِينَ لما تحقق قتل ابْن ماهان، وَعقد للفضل بن سهل على الْمشرق من جبل هَمدَان إِلَى الْبَيْت طولا وَمن بَحر فَارس إِلَى بَحر الديلم عرضا ولقبه ذَا الرياستين رياسة السَّيْف والقلم، وَولى الْحسن بن سهل ديوَان الْخراج، ثمَّ استولى طَاهِر على الأهواز ثمَّ وَاسِط ثمَّ الْمَدَائِن وَنزل صَرْصَر.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة: فِيهَا حاصر طَاهِر وهرثمة بعسكر الْمَأْمُون صحبتهما بَغْدَاد وحصروا الْأمين، وَوَقع فِيهَا النهب والحريق وَمنعُوا الْميرَة، وَاشْتَدَّ الْحَال إِلَى خروجهما.
وفيهَا: توفّي إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب عَامل إفريقيا، فَقَامَ بعده ابْنه أَبُو الْعَبَّاس عبد اللَّهِ.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة: فِيهَا هجم طَاهِر بَغْدَاد بعد قتال وَأخذ الْأمين أمه وَأَوْلَاده وتحصن بالمنصورة، وتفرق عَنهُ جنده فحصر، ثمَّ خرج لَيْلًا وَعَلِيهِ ثِيَاب بيض وطيلسان أسود وَركب مَعَ هرثمة فِي حراقة فأحتضنه هرثمة وكبل يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ، ثمَّ شدوا عَلَيْهِ فغرقوها بِهِ، فشق الْأمين ثِيَابه فاستخرجه رجل من المَاء وَعَلِيهِ سَرَاوِيل وعمامة لَا غير، وَأرْسل إِلَيْهِ طَاهِر من الْعَجم من قَتله ونصبوا رَأسه على برج بِبَغْدَاد، ثمَّ أرسل بِهِ إِلَى الْمَأْمُون وَأرْسل الْبردَة والقضيب، وَصلى طَاهِر بِالنَّاسِ الْجُمُعَة وخطب لِلْمَأْمُونِ، وَكَانَ قَتله لست بَقينَ من الْمحرم وخلافته أَربع سِنِين وَثَمَانِية أشهر وَكسر، وعمره ثَمَان وَعِشْرُونَ سنة، كَانَ سبطا أنزع صَغِير الْعَينَيْنِ أقنى جميلا طَويلا منهمكا فِي اللَّذَّات محتجبا عَن إخْوَته وَأهل بَيته، قسم الْأَمْوَال والجواهر فِي خواصه، وَعمل خمس حراقات على صُورَة الْأسد والفيل وَالْعِقَاب والحية وَالْفرس بِمَال عَظِيم، وَذكر ذَلِك أَبُو نواس فَقَالَ:
(سخر اللَّهِ للأمين مطايا ... لم تسخر لصَاحب الْمِحْرَاب)
(فَإِذا مَا ركابه سرن برا ... سَار فِي المَاء رَاكِبًا لَيْث غَابَ)
(عجب النَّاس إِذْ رأوك عَلَيْهِ ... كَيفَ لَو أبصروك فَوق الْعقَاب)
(ذَات ظفر ومنسر وجناحين ... تشق الْعباب بعد الْعباب)
(أَخْبَار الْمَأْمُون بن الرشيد)
وَلما قتل الْأمين تمكن الْمَأْمُون فِي الْمشرق وَالْمغْرب وَهُوَ سابعهم، فولى الْحسن بن سهل أَخا الْفضل بن سهل الْجبَال وَالْعراق وَفَارِس والأهواز والحجاز واليمن.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَة: فِيهَا ظهر ابْن طَبَاطَبَا الْعلوِي إِبْرَاهِيم بن
стр. 201
إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن بن عَليّ بِالْكُوفَةِ يَدْعُو إِلَى الرِّضَا من آل مُحَمَّد ﷺ َ - فَبَايعُوهُ، ثمَّ هزم زُهَيْر بن الْمسيب الضَّبِّيّ وَكَانَ قد جهزه إِلَيْهِ الْحسن بن سهل بِعشْرَة آلَاف، ثمَّ سمه أَبُو السَّرَايَا بن مَنْصُور الْقيم بأَمْره ليستبد بِالْأَمر، ثمَّ استولى أَبُو السريا على الْبَصْرَة وواسط، وَله مَعَ عَسْكَر الْمَأْمُون وقائع.
وفيهَا: توفّي الْحُسَيْن وَالِد طَاهِر بخراسان.
وفيهَا: توفّي عبد اللَّهِ بن نمير الْهَمدَانِي الْكُوفِي وكنيته أَبُو هَاشم، وَهُوَ وَالِد مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير شيخ البُخَارِيّ. ثمَّ دخلت سنة مِائَتَيْنِ: فِيهَا هرب أَبُو السَّرَايَا من الْكُوفَة إِلَى إِلَى جلولا، ثمَّ أُتِي بِهِ إِلَى الْحسن بن سهل بالنهروان فَقتله وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَأْمُون، وَبَين خُرُوجه وَقَتله عشرَة أشهر.
وفيهَا: ظهر إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد الْعلوِي وَسَار إِلَى الْيمن وَاسْتولى عَلَيْهَا، وَسمي الجزار لِكَثْرَة من قتل وَسبي.
وفيهَا: أَمر الْمَأْمُون هرثمة بِالْمَسِيرِ إِلَى الشَّام، فخالفه وَقدم عَلَيْهِ دَالا بمناصحته، فَعمل عَلَيْهِ الْحسن بن سهل حَتَّى حبس ثمَّ قتل.
وفيهَا: أَمر الْمَأْمُون بإحصاء ولد الْعَبَّاس، فبلغوا ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ألفا مَا بَين ذكر وأنثي.
وفيهَا: قتل الرّوم ملكهم أليون، وَملك عَلَيْهِم ميخائيل.
وفيهَا: توفّي مَعْرُوف الْكَرْخِي الزَّاهِد ذُو الكرامات، وَكَانَ أَبوهُ نَصْرَانِيّا.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا جعل الْمَأْمُون عَليّ الرِّضَا بن مُوسَى الكاظم ولي عهد الْمُسلمين والخليفة بعده ولقبه الرِّضَا، وَطرح السوَاد وَاسْتعْمل الخضرة فِي اللبَاس، ثمَّ خَاضَ النَّاس فِي خلع الْمَأْمُون لأجل ذَلِك ولتولية الْحسن بن سهل.
وفيهَا: توفّي عبد اللَّهِ بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب صَاحب إفريقية، وَتَوَلَّى أَخُوهُ زِيَادَة اللَّهِ بن إِبْرَاهِيم.
وفيهَا: افْتتح عبد اللَّهِ بن خردادبة وَالِي طبرستان جبال طبرستان وَأنزل شهريار بن شهريار بن شروين عَنْهَا وَأسر أَبَا ليلى ملك الديلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا بُويِعَ لإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بِبَغْدَاد فِي الْمحرم ولقب الْمُبَارك، وَذَلِكَ بعد أَن خلعوا الْمَأْمُون، وَاسْتولى إِبْرَاهِيم على الْكُوفَة وعسكر بِالْمَدَائِنِ، وَاسْتعْمل على الْجَانِب الغربي من بَغْدَاد الْعَبَّاس بن مُوسَى الْهَادِي وعَلى الْجَانِب الشَّرْقِي إِسْحَاق بن الْهَادِي.
وفيهَا: اسْتخْلف الْمَأْمُون على خُرَاسَان غَسَّان بن عباد وَقصد الْعرَاق، وَلما وصل سرخس وثب أَرْبَعَة فَقتلُوا الْفضل بن سهل فِي الْحمام فِي شعْبَان مِنْهَا وعمره سِتُّونَ سنة.
стр. 202
وَبلغ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَالْمطلب الَّذِي اخذ الْبيعَة لإِبْرَاهِيم قدوم الْمَأْمُون فتمارض الْمطلب وَرَاح إِلَى بَغْدَاد وسعى بَاطِنا فِي الْبيعَة لِلْمَأْمُونِ وخلع إِبْرَاهِيم، وَبلغ ذَلِك إِبْرَاهِيم وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ فقصد بَغْدَاد وَطلب الْمطلب فَامْتنعَ، فنهبه وَنهب دور أَهله وَلم يظفر بالمطلب.
وفيهَا: عقد الْمَأْمُون العقد على بوران بنت الْحسن بن سهل، وَزوج الْمَأْمُون بنته من عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا.
وفيهَا: توفّي يحيى بن الْمُبَارك بن الْمُغيرَة الْمقري اليزيدي صَاحب أبي عَمْرو بن الْعَلَاء علم ولد يزِيد بن مَنْصُور خَال الْمهْدي فنسب إِلَيْهِ.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا مَاتَ عَليّ الرِّضَا فَجْأَة بطوس، وَصلى عَلَيْهِ الْمَأْمُون وَدَفنه عِنْد الرشيد، وَولد عَليّ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة وَهُوَ ثامن الْأَئِمَّة الانثي عشر على رَأْي الإمامية.
وفيهَا: خلع أهل بَغْدَاد إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي ودعوا لِلْمَأْمُونِ، وتوارى إِبْرَاهِيم إِلَى أَن قدم المأون، وَكَانَت ولَايَة إِبْرَاهِيم سنة وَأحد عشر شهر وكسرا.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة وصل الْمَأْمُون إِلَى هَمدَان، وَكَانَت بخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر زلازل دَامَت سبعين يَوْمًا فَخرجت الْبِلَاد وَهلك خلق.
وفيهَا: غلبت السوَاد على الْحسن بن سهل حَتَّى شدّ فِي الْحَدِيد وَكتب إِلَى الْمَأْمُون بذلك.
(دولة بني زِيَاد مُلُوك الْيمن)
وَذكرهمْ عَن آخِرهم،، إِنَّمَا لم نفرق ذَلِك ليسهل، وَذَلِكَ أَنه كَانَ شخص من بني زِيَاد بن أَبِيه اسْمه مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عبيد اللَّهِ بن زِيَاد مَعَ جمَاعَة من أُميَّة قد سلمهم الْمَأْمُون إِلَى الْفضل بن سهل ذِي الرياستين وَقيل: إِلَى أَخِيه الْحسن، وَبلغ الْمَأْمُون اختلال الْيمن فأنثى ابْن سهل على مُحَمَّد بن زِيَاد فَأرْسلهُ الْمَأْمُون وَمَعَهُ جمَاعَة فحج فِي هَذِه السّنة وَسَار إِلَى الْيمن وَفتح تهَامَة بعد الحروب بَينه وَبَين الْعَرَب، وَاسْتقر ابْن زِيَاد بِالْيمن وَبنى زبيد واختطها سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ، وهادى الْمَأْمُون مَعَ مَوْلَاهُ جَعْفَر، فَعَاد جَعْفَر وَمَعَهُ عَسْكَر ألفا فَارس من جِهَة الْمَأْمُون، فَعظم ابْن زِيَاد وَملك إقليم الْيمن بأسره وَجعل جعفرا على الْجبَال واختط بهَا مَدِينَة المديخيرة، وَإِلَى الْآن تسمى تِلْكَ الْبِلَاد مخلاف جَعْفَر، والمخلاف: عبارَة عَن الْقطر الْوَاسِع. وَبَقِي مُحَمَّد كَذَلِك حَتَّى توفّي.
ثمَّ ملك ابْنه إِبْرَاهِيم. ثمَّ ابْنه زِيَاد بن إِبْرَاهِيم وَلم يطلّ، ثمَّ أَخُوهُ أَبُو الْحَبَش
стр. 203
إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وطالت مدَّته وأسن، وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَسبعين وثلثمائة.
وَخلف أَبُو الْحَبَش طفْلا قيل اسْمه زِيَاد تولته أُخْته هِنْد بنت أبي الْحَبَش وَتَوَلَّى مَعهَا رشد عبد أبي الْحَبَش وَبَقِي رشد على ولَايَته حَتَّى مَاتَ، فَتَوَلّى عَبده حُسَيْن بن سَلامَة بعد رشد، وسلامة الْمَذْكُورَة هِيَ أم حُسَيْن، وَنَشَأ حُسَيْن حازما عفيفا وَصَارَ وزيرا لهِنْد ولأخيها الْمَذْكُور حَتَّى مَاتَا.
ثمَّ انْتقل ملك الْيمن إِلَى طِفْل من آل زِيَاد وَقَامَت بأَمْره عمته وَعبد لحسين بن سَلامَة اسْمه مرجان.
وَكَانَ لمرجان عَبْدَانِ قد تغلبا على أُمُوره قيس ونجاح، ونجاح جد مُلُوك زبيد، فتنافس قيس ونجاح على الوزارة وَكَانَ قيس عسوفا ونجاح رؤوفا، وسيدهما مرجان يمِيل مَعَ قيس على نجاح، وعمة الطِّفْل تميل إِلَى نجاح، فَشَكا ذَلِك قيس إِلَى مَوْلَاهُ مرجان فَقبض مرجان على الْملك واسْمه إِبْرَاهِيم، وَقيل عبد اللَّهِ وعَلى عمته وسلمهما إِلَى قيس فَبنى عَلَيْهِمَا جدارا وختمه حَتَّى مَاتَا، وَإِبْرَاهِيم آخر مُلُوك الْيمن من بني زِيَاد، وَمُدَّة ملك بني زِيَاد الْيمن مِائَتَان وَأَرْبع سِنِين، وانتقل ملكهم إِلَى عبيد عبيدهم لِأَن الْملك صَار لنجاح.
وَلما قتل قيس إِبْرَاهِيم وَعَمَّته عظم ذَلِك على نجاح فاستنفر الْأسود والأحمر وَقصد قيسا فِي زبيد وَجَرت بَينهمَا حروب آخرهَا أَن قيسا قتل على بَاب زبيد وَفتحهَا نجاح فِي ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة، وَقَالَ نجاح لسَيِّده مرجان: مَا فعلت بمواليك وموالينا؟ قَالَ: هم فِي ذَلِك الْجِدَار، فَأخْرج نجاح إِبْرَاهِيم وَعَمَّته ميتين وَصلى عَلَيْهِمَا ودفنهما وَبنى عَلَيْهِمَا مشهدا، وَجعل نجاح سَيّده مرجان موضعهما وَوضع مَعَه جثة قيس وَبنى عَلَيْهِمَا ذَلِك الْجِدَار وتملك نجاح وَركب بالمظلة وَضرب السِّكَّة باسمه واستقل بِملك الْيمن.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا انْقَطَعت الْفِتَن بقدوم الْمَأْمُون إِلَى بَغْدَاد ولباسه الخضرة ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ عَاد إِلَى لبس السوَاد.
وفيهَا: توفّي بِمصْر الإِمَام الشَّافِعِي رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن الْعَبَّاس بن عُثْمَان بن شَافِع بن السَّائِب بن عبيد بن عبد يزِيد بن هَاشم بن الْمطلب بن عبد منَاف، وشافع الَّذِي نسب إِلَيْهِ الشَّافِعِي لَقِي النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ مترعرع وَأَبوهُ السَّائِب أسلم يَوْم بدر، فالشافعي شَقِيق رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فِي نسبه يجْتَمع مَعَه فِي عبد منَاف بن الْمطلب، وَكَانَت زَوْجَة هَاشم بن الْمطلب بن عبد منَاف بنت عمَّة الشفا بنت هَاشم بن عبد منَاف، فولد لَهُ مِنْهَا عبد يزِيد جد الشَّافِعِي، فالشافعي إِذن ابْن عَم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَابْن عمته لِأَن الشِّفَاء أُخْت عبد الْمطلب جد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -.
وَولد الشَّافِعِي سنة خمس وَمِائَة بغزة على الصَّحِيح، وَأخذ الْعلم من مَالك وَمُسلم بن خَالِد الزنْجِي وسُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَسمع الحَدِيث من إِسْمَاعِيل بن علية وَعبد الْوَهَّاب بن عبد الْمجِيد الثَّقَفِيّ، وَمُحَمّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ وَغَيرهم.
стр. 204
قَالَ الشَّافِعِي: حفظت الْقُرْآن وَأَنا ابْن تسع سِنِين، وحفظت الْمُوَطَّأ وَأَنا ابْن عشر، وقدمت على مَالك وَأَنا ابْن خمس عشرَة سنة. وَقَالَ: رَأَيْت عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فِي مَنَامِي فَسلم عَليّ وصافحني وَجعل خَاتمه فِي إصبعي ففسر أَن مصافحته أما من الْعَذَاب وَجعله الْخَاتم فِي إصبعي أَنه سيبلغ اسْمِي مَا بلغ اسْم عَليّ فِي الْمشرق وَالْمغْرب.
وناظر الشَّافِعِي مُحَمَّد بن الْحسن بالرقة فَقَطعه الشَّافِعِي، وَكَانَ الشَّافِعِي حَافِظًا للشعر قَرَأَ عَلَيْهِ الْأَصْمَعِي ديوَان الهذليين وديوان الشنفري بِمَكَّة. وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول: مَا عرفت نَاسخ الحَدِيث ومنسوخه حَتَّى جالست الشَّافِعِي.
وَقدم الشَّافِعِي بَغْدَاد مرَّتَيْنِ سنة خمس وَسبعين وَمِائَة وَسنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَة وناظر بشرا المريسي المعتزلي بهَا، وناظر حفصا الْفَرد بِمصْر، قَالَ حَفْص: الْقُرْآن مَخْلُوق وَاسْتدلَّ، فتجاريا حَتَّى كفره الشَّافِعِي وَقَالَ: إِنَّمَا خلق اللَّهِ الْخلق بكن فَإِذا كَانَت كن مخلوقة فَكَانَ مخلوقا خلق بمخلوق.
وَنظر فِي النُّجُوم وَهُوَ حدث، وَمَا نظر فِي شَيْء إِلَّا فاق فِيهِ، حبلت امْرَأَته فَحسب وَقَالَ: تَلد جَارِيَة عوراء على فرجهَا خَال أسود تَمُوت إِلَى كَذَا وَكَذَا، فَولدت فَكَانَ كَمَا قَالَ، فَجعل على نَفسه أَن لَا ينظر فِيهِ بعْدهَا وَدفن الْكتب الَّتِي كَانَت عِنْده فِي النُّجُوم، وَأنكر الشَّافِعِي على أهل الْكَلَام وعَلى من يشْتَغل فِيهِ.
وَله أشعار فائقة مِنْهَا:
(وأحق خلق اللَّهِ بالهم امْرُؤ ... ذُو همة يبْلى بعيش ضيق)
وَله
(أكل الْعقَاب بِقُوَّة جيف الفلا ... وجنى الذُّبَاب الشهد وَهُوَ ضَعِيف)
قلت: وَسَأَلَ بعض مُلُوك الشَّام عَن حلية الشَّافِعِي فَلم يكن بِبَلَدِهِ من يقوم بهَا، ثمَّ بلغ ذَلِك الشَّيْخ الْعَلامَة تَقِيّ الدّين أَبَا عَمْرو وَعُثْمَان بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان الْمَعْرُوف بِابْن الصّلاح فَقَالَ: كَانَ ﵁ وَجَزَاء الْخَيْر طَويلا سَائل الْخَدين قَلِيل لحم الْوَجْه طَوِيل الْعُنُق طَوِيل الْقصب أسمر خَفِيف العارضين يخضب لحيته بِالْحِنَّاءِ حَمْرَاء قانية حسن الصَّوْت حسن السمت عَظِيم الْعقل حسن الْوَجْه حسن الْخلق مهيبا فصيحا من أذرب النَّاس لِسَانا إِذا أخرج لِسَانه بلغ أَنفه، وَكَانَ مسقاما مملوءا بالبوااسير، وَالله أعلم.
وفيهَا: مَاتَ الْحُسَيْن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي أحد أَصْحَاب أبي حنيفَة وَأَبُو دَاوُد سُلَيْمَان الطَّيَالِسِيّ صَاحب الْمسند، ومولده سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. وفيهَا: توفّي النَّضر - بالضاد الْمُعْجَمَة - بن شُمَيْل - بِضَم الشين - بن خَرشَة - بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة - الْبَصْرِيّ - النَّحْوِيّ، وَلما خرج من الْبَصْرَة إِلَى خُرَاسَان طلع لوداعه نَحْو ثَلَاثَة آلَاف من الْأَعْيَان، فَقَالَ: وَالله لَو وجدت كل يَوْم كيلجة باقلاء مَا فارقتكم، فتمول وأثرى بمرو من خُرَاسَان.
стр. 205
وحظي عِنْد الْخَلِيفَة الْمَأْمُون، وَقَالَ يَوْمًا الْمَأْمُون: حَدثنَا هشيم عَن مجَالد عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: إِذا تزوج الرجل الْمَرْأَة لدينها وجمالها كَانَ فِيهِ سداد، من عوز، وَفتح سين سداد، فَأَعَادَ النَّضر الحَدِيث وَكسر السِّين، فَاسْتَوَى الْمَأْمُون جَالِسا وَقَالَ: تلحنني يَا نضر، فَقَالَ: إِنَّمَا لحن هشيم وَكَانَ لحانا فتبع أَمِير الْمُؤمنِينَ لَفظه، قَالَ: فَمَا الْفرق بَينهمَا قَالَ: السداد بِالْفَتْح الْقَصْد فِي الدّين والسبيل، والسداد بِالْكَسْرِ الْبلْغَة وكل مَا سددت بِهِ شَيْئا فَهُوَ سداد بِكَسْر السِّين، وَأنْشد:
(أضاعوني وَأي فَتى أضاعوا ... ليَوْم كريهة وسداد ثغر)
فَأمر لَهُ الْمَأْمُون بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم وَالنضْر من أَصْحَاب الْخَلِيل بن احْمَد، وَالْبَيْت لعمر بن عمر بن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ الْمَعْرُوف بالعرجي نِسْبَة إِلَى العرج عقبَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا اسْتعْمل الْمَأْمُون طَاهِر بن الْحُسَيْن على الْمشرق.
وفيهَا: توفّي يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن زيد الْبَصْرِيّ أحد الْقُرَّاء الْعشْرَة، وَله فِي الْقرَاءَات رِوَايَة مَشْهُورَة، قَرَأَ على سَلام بن سُلَيْمَان الطَّوِيل، وَسَلام على عَاصِم وَعَاصِم عَليّ أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن على عَليّ ﵁ وَعلي على رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا مَاتَ الحكم بن هِشَام صَاحب الأندلس لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة، وَولي فِي صفر سنة ثَمَانِينَ وَمِائَة، وعمره اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ، وَبَنوهُ تِسْعَة عشر. وَقَامَ بعده ابْنه عبد الرَّحْمَن.
وفيهَا: توفّي قطرب مُحَمَّد بن المستنبر، أَخذ النَّحْو عَن سِيبَوَيْهٍ كَانَ يبكر إِلَيْهِ فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: مَا أَنْت إِلَّا قطرب، فلقب بِهِ.
قلت: رَأَيْت فِي كتاب قطرب أَن من الْعَرَب من يفتح همزَة أَن مَعَ اللَّام فَيَقُول: إِذا أَنِّي لبه، وَعَلِيهِ قَول الراجز:
(ألم تكن حَلَفت بِاللَّه الْعلي ... أَن مطاياك لمن خير الْمطِي)
كَأَن اللَّام مقحمة، ولغرابة هَذَا نقلته وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو عَمْرو إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ اللّغَوِيّ.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا توفّي طَاهِر بن الْحُسَيْن فِي جمادي الأولى من الْحمى، وَقصد أَن يخلع الْمَأْمُون فَمَاتَ، وَكَانَ أَعور فلقب بِذِي اليمينين وَفِيه قيل:
(يَا ذَا اليمينين وَعين واحده ... نُقْصَان عين وَيَمِين زَائِدَة)
وفيهَا: مَاتَ الْفَقِيه الزَّاهِد بشر بن عَمْرو، وَهُوَ غير الحافي.
стр. 206
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن عَمْرو بن وَاقد الْوَاقِدِيّ الْعَالم بالمغازي وباختلاف الْعلمَاء، ولي الْقَضَاء بالجانب الشَّرْقِي من بَغْدَاد وَكَانَ الْمَأْمُون يُبَالغ فِي إكرامه وعمره ثَمَان وَسَبْعُونَ.
وفيهَا: مَاتَ مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن عبد الْأَعْلَى الْمَعْرُوف بِابْن كناسَة، وَهُوَ ابْن أُخْت إِبْرَاهِيم بن أدهم عَالم بِالْعَرَبِيَّةِ وَالشعر وَأَيَّام النَّاس.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن زِيَاد بن عبد اللَّهِ الديلمي الْمَعْرُوف بالفراء الْكُوفِي، أبرع الْكُوفِيّين نَحوا ولغة وأدبا، وَله كتاب الْحُدُود وَكتاب الْمعَانِي وكتابان فِي الْمُشكل وَكتاب النَّهْي وَغير ذَلِك، توفّي بطرِيق مَكَّة وعمره نَحْو ثَلَاث وَسِتِّينَ، كَانَ يفري الْكَلَام فلقب بذلك.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا مَاتَ الْفضل بن الرّبيع.
قلت: وفيهَا ورد عبد اللَّهِ بن طَاهِر بن الْحُسَيْن وَزِير الْمَأْمُون لهدم حصون الشَّام وَهدم سُورَة معرة النُّعْمَان وحصن الْكفْر وحصن حناك وَغير ذَلِك.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا مَاتَ ميخاييل ملك الرّوم، ملك تسع سِنِين، ثمَّ ابْنه بو قيل.
وفيهَا: توفّي أَبُو عُبَيْدَة مُحَمَّد بن حَمْزَة اللّغَوِيّ وَكَانَ يمِيل إِلَى مقَالَة الْخَوَارِج وعمره تسع وَتسْعُونَ، وَمَعَ كَمَال فَضله كَانَ لَا يُقيم للشعر وزنا، وَله نَحْو مِائَتي مُصَنف.
ثمَّ دخلت سنة عشر وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا ظفر الْمَأْمُون بإبراهيم بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن إِبْرَاهِيم الإِمَام الْمَعْرُوف بِابْن عَائِشَة وبجماعة مَعَه سعوا فِي الْبيعَة لإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فحبسهم، ثمَّ صلب ابْن عَائِشَة وَهُوَ أول عباسي صلب، ثمَّ أنزل فَصلي عَلَيْهِ وكفن وَدفن.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر أمسك حارس أسود إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي متنقبا مَعَ امْرَأتَيْنِ فَأحْضرهُ إِلَى الْمَأْمُون فحبسه، ثمَّ شفع فِيهِ الْحسن بن سهل، وَقيل: بوران، وَقيل: بل الْمَأْمُون من نَفسه عَفا عَنهُ وَأطْلقهُ.
وفيهَا: دخل الْمَأْمُون ببوران بنت الْحسن بن سهل وَكَانَ أَبوهَا مُقيما بِفَم الصُّلْح فَسَار الْمَأْمُون وَدخل بهَا، ثمَّ وَنَثَرت عَلَيْهِ أم الْحسن وَالْفضل ألفا حَبَّة لُؤْلُؤ نفيسة وَأوقدت شمعة وَزنهَا أَرْبَعُونَ منا من عنبر، وَكتب الْحسن أَسمَاء ضيَاعه فِي رقاع ونثرها على القواد، وَكَانَ الْحسن تخلص من السَّوْدَاء الَّتِي ذكرنَا أَنَّهَا غلبت عَلَيْهِ فِي سنة ثَلَاث وَمِائَتَيْنِ.
قلت: وَلما خلا الْمَأْمُون ببوران حَاضَت من هَيْبَة الْخلَافَة فَقَالَت: أَتَى أَمر اللَّهِ فَلَا تستعجلوا، وحذفت الْهَاء لِئَلَّا تكون قارئة فِي الْحيض. فَفطن الْمَأْمُون لكنايتها وأعجب بهَا وَخرج فِي الْحَال وَأنْشد فِي ذَلِك:
(فَارس مَاض بحربته ... عَارِف بالطعن فِي الظُّلم)
стр. 207
(كَاد أَن يدمي فريسته ... فاتقته من دم بِدَم)
وَالله أعلم.
وفيهَا: مَاتَت علية بنت الْمهْدي ومولدها سنة سِتِّينَ وَمِائَة، وَكَانَ زَوجهَا مُوسَى بن عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا أَمر الْمَأْمُون أَن يُنَادي: بَرِئت الذِّمَّة مِمَّن ذكر مُعَاوِيَة بِخَير أَو فَضله على أحد من أصجاب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو الْعَتَاهِيَة الشَّاعِر.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو الْحسن سعيد بن مسْعدَة الْأَخْفَش النَّحْوِيّ الْبَصْرِيّ والخفش: صغر الْعَينَيْنِ مَعَ سوء بصرهما، أَخذ النَّحْو عَن سِيبَوَيْهٍ وَكَانَ أكبر من سِيبَوَيْهٍ، وَقَالَ: مَا وضع سِيبَوَيْهٍ شَيْئا فِي كِتَابه إِلَّا بعد أَن عرضه عَليّ. وَزَاد الْأَخْفَش فِي الْعرُوض بَحر الخبب.
قلت: الْأَخْفَش الْأَكْبَر أَبُو الْخطاب عبد الحميد النَّحْوِيّ من هجر، والأوسط صَاحب التَّرْجَمَة هَذِه، والأصغر الْمُتَأَخر عَليّ بن سُلَيْمَان بن الْفضل النَّحْوِيّ توفّي سنة خمس عشرَة وَقيل سِتّ عشرَة وثلثمائة.
وفيهَا: توفّي عبد الرَّزَّاق الصَّنْعَانِيّ الْمُحدث المتشيع من مَشَايِخ أَحْمد بن حَنْبَل.
قلت: وفيهَا توفّي أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى التَّيْمِيّ تيم قُرَيْش وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا أظهر الْمَأْمُون القَوْل بِخلق الْقُرْآن وتفضيل عَليّ بن أبي طَالب على جَمِيع الصَّحَابَة ﵃.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن يُوسُف الضَّبِّيّ من مَشَايِخ البُخَارِيّ.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا توفّي إِبْرَاهِيم الْمُغنِي كُوفِي سَافر إِلَى الْموصل وَعَاد فَقيل لَهُ الْموصِلِي.
وفيهَا: مَاتَ عَليّ بن جبلة الشَّاعِر، وَأَبُو عبد الرَّحْمَن الْمُحدث الْمقري.
وفيهَا: وَقيل سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ: توفّي بِمصْر أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن هِشَام بن أَيُّوب الْحِمْيَرِي وَهُوَ جَامع سيرة النَّبِي ﷺ َ -، وَشَرحهَا السُّهيْلي وَابْن هِشَام، من مصر وَأَصله من الْبَصْرَة.
وفيهَا: توفّي أَبُو عمر والشيباني، قَالَ أَبُو الْعَلَاء المعري: كتب أَبُو عَمْرو شعر سبعين قَبيلَة وَكَانَ كلما كتب شعر قَبيلَة كتب مُصحفا فَكتب سبعين مُصحفا وعاش مائَة وَسِتِّينَ.
وفيهَا: توفّي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي، وَله كتاب الأغاني الأول وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا اسْتعْمل الْمَأْمُون عبد اللَّهِ بن طَاهِر على خُرَاسَان.
وفيهَا: صلح حَال أبي دلف مَعَ الْمَأْمُون وَكَانَ من أَصْحَاب الْأمين.
стр. 208
وفيهَا: وَقيل سنة ثَلَاث عشرَة: توفّي إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبد اللَّهِ بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ ﵃ بالمغرب، وَقَامَ ابْنه مُحَمَّد بِفَارِس والبرير وَولى أَخَاهُ الْقَاسِم طنجة وأخاه عمر صنهاجة وَعمارَة وأخاه دَاوُد هوارة تاسليت وأخاه يحيى داي وَمَا والاها وَبَاقِي إخْوَته على ملك البربر.
وفيهَا: توفّي أَبُو عَاصِم بن مخلد الشَّيْبَانِيّ إِمَام فِي الحَدِيث.
ثمَّ دخلت سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا وصل الْمَأْمُون إِلَى منبج ثمَّ أنطاكية ثمَّ المصيصة وطرطوس وَدخل الرّوم فَفتح حصونا وَعَاد وَتوجه إِلَى دمشق.
وفيهَا: توفّي أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي الزَّاهِد بداريا، ومكي بن إِبْرَاهِيم الْبَلْخِي من مَشَايِخ البُخَارِيّ، وَأَبُو زيد سعيد النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ ابْن ثَلَاث وَتِسْعين وَأَبُو سعيد الْأَصْمَعِي اللّغَوِيّ الْبَصْرِيّ وَقيل: توفّي فِي غَيرهَا، واسْمه عبد الْملك بن قريب بن عبد الْملك بن صَالح وعمره نَحْو ثَمَان وَثَمَانِينَ، نسب إِلَى جده أصمع وَله مصنفات مِنْهَا: كتاب خلق الْإِنْسَان وَكتاب الْأَجْنَاس وَكتاب الأنواء وَكتاب الصِّفَات وَكتاب الميسر والقداح وَكتاب الْفرس وَكتاب الْإِبِل وَكتاب الشَّاء وَكتاب جَزِيرَة الْعَرَب وَكتاب النَّبَات، وَقَرِيب: بِضَم الْقَاف.
ثمَّ دخلت سنة عشر وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا فتح الْمَأْمُون فِي الرّوم عدَّة حصون وَقتل وسبى، ثمَّ عَاد إِلَى دمشق، ثمَّ سَار إِلَى مصر.
وفيهَا: مَاتَت أم جَعْفَر زبيدة بِبَغْدَاد.
ثمَّ دخلت سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا عَاد الْمَأْمُون من مصر وَدخل الرّوم وأناخ على لؤلؤة مائَة يَوْم ثمَّ رَحل عَائِدًا.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا امتحن أهل الْعلم، وَذَلِكَ أَن الْمَأْمُون كتب إِلَى عَامله بِبَغْدَاد إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أَن من أقرّ من الْقُضَاة وَالشُّهُود وَالْعُلَمَاء أَن الْقُرْآن مَخْلُوق خلى سَبيله وَمن أبي يُعلمهُ بِهِ فَجمع الَّذين بِبَغْدَاد مِنْهُم، وَمِنْهُم: قَاضِي الْقُضَاة بشر بن الْوَلِيد الْكِنْدِيّ وَمُقَاتِل وَأحمد بن حَنْبَل وقتيبة وَعلي بن الْجَعْد وَغَيرهم، وَقَالَ لبشر: مَا تَقول فِي الْقُرْآن؟ قَالَ: الْقُرْآن كَلَام اللَّهِ، قَالَ: لم أَسأَلك عَن هَذَا أمخلوق هُوَ؟ قَالَ: اللَّهِ خَالق كل شَيْء، قَالَ: وَالْقُرْآن شَيْء؟ قَالَ: نعم، قَالَ: أمخلوق هُوَ؟ قَالَ: لَيْسَ بخالق، قَالَ: لَيْسَ عَن هَذَا أَسأَلك أمخلوق هُوَ؟ قَالَ: مَا احسن غير مَا قلت لَك.
قَالَ إِسْحَاق لِلْكَاتِبِ: أكتب مَا قَالَ، ثمَّ سَأَلَ غَيره وَغَيره ويجيبون بِنَحْوِ جَوَاب بشر.
ثمَّ قَالَ لِأَحْمَد بن حَنْبَل: مَا تَقول فِي الْقُرْآن؟ قَالَ: كَلَام اللَّهِ، قَالَ: أمخلوق هُوَ؟ قَالَ: كَلَام اللَّهِ مَا أَزِيد عَلَيْهَا. ثمَّ قَالَ لَهُ: مَا معنى قَوْله سميع بَصِير؟ قَالَ أَحْمد: كَمَا وصف نَفسه، قَالَ: فَمَا مَعْنَاهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي هُوَ كَمَا وصف نَفسه.
ثمَّ سَأَلَ قُتَيْبَة وَعبيد اللَّهِ بن مُحَمَّد وَعبد الْمُنعم بن إِدْرِيس بن نبت ووهب بن مُنَبّه
стр. 209
وَجَمَاعَة، فَأَجَابُوا أَن الْقُرْآن مجعول لقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ . وَالْقُرْآن مُحدث لقَوْله: مَا يَأْتِيهم من ذكر من رَبهم مُحدث. قَالَ إِسْحَاق: فالمجعول مَخْلُوق، قَالُوا: لَا نقُول مَخْلُوق لَكِن مجعول. فَكتب مقالتهم ومقالة غَيرهم إِلَى الْمَأْمُون.
فورد جَوَاب الْمَأْمُون إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم: أَن يحضر قَاضِي الْقُضَاة بشر بن الْوَلِيد وَإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فَإِن قَالَا بِخلق الْقُرْآن وَإِلَّا تضرب أعناقهما وَمن لم يقل سواهُمَا بِخلق الْقُرْآن يوثقه بالحديد ويحمله إِلَى الْمَأْمُون.
فَجَمعهُمْ إِسْحَاق وَعرض عَلَيْهِم مَا أَمر بِهِ الْمَأْمُون، فَقَالَ بشر وَإِبْرَاهِيم والجميع بِخلق الْقُرْآن إِلَّا أَرْبَعَة هم: أَحْمد بن حَنْبَل والقواريري وسجادة وَمُحَمّد بن نوح الْمَضْرُوب فَأَبَوا فشدهم فِي الْحَدِيد ثمَّ سَأَلَهُمْ، فأجابت سجادة والقواريري فأطلقهما وأصر الإِمَام أَحْمد وَمُحَمّد بن نوح على قَوْلهمَا فوجههما إِلَى طرطوس.
ثمَّ ورد كتاب الْمَأْمُون يَقُول: بَلغنِي أَن بشر بن الْوَلِيد وَجَمَاعَة مَعَه إِنَّمَا أجابوا بِتَأْوِيل الْآيَة الْكَرِيمَة الَّتِي أنزلهَا اللَّهِ تَعَالَى فِي عمار بن يَاسر إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان وَقد أخطأوا التَّأْوِيل فَإِن اللَّهِ تَعَالَى عَنى بِهَذِهِ الْآيَة من كَانَ مُعْتَقدًا للْإيمَان مظْهرا للشرك، فَأَما من كَانَ مُعْتَقدًا للشرك مظْهرا للْإيمَان فَلَيْسَ هَذَا لَهُ، فأشخصهم إِلَى طرطوس ليقيموا بهَا إِلَى أَن يخرج أَمِير الْمُؤمنِينَ من بِلَاد الرّوم.
فأرسلهم إِسْحَاق، فَلَمَّا صَارُوا إِلَى الرقة بَلغهُمْ موت الْمَأْمُون فَرَجَعُوا إِلَى بَغْدَاد.
وفيهَا مرض الْمَأْمُون لثلاث عشرَة خلت من جُمَادَى الْآخِرَة، وَذَلِكَ أَنه كَانَ جَالِسا هُوَ وآخوه المعتصم على شاطىء نهر البدندون وأرجلهما فِي المَاء وَهُوَ غَايَة الصفاء والعذوبة ذكرا طيب الرطب فوصلت بغال الْبَرِيد عَلَيْهَا الحقائف وفيهَا الألطاف، فجيء مِنْهَا بسلين فيهمَا رطب فتعجبا وشكرا اللَّهِ وأكلا مِنْهُ وشربا من المَاء فحما، وَلم يزل المعتصم مَرِيضا حَتَّى دخل الْعرَاق، وَلما مرض الْمَأْمُون أوصى إِلَى أَخِيه المعتصم بِحَضْرَة ابْنه الْعَبَّاس بتقوى اللَّهِ وَحسن سياسة الرّعية فِي كَلَام طَوِيل حسن وَقَالَ: هَؤُلَاءِ بَنو عمك ولد أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ أحسن صحبتهم وَتجَاوز عَن مسيئهم وَلَا تغفل صلَاتهم فِي كل سنة عِنْد محلهَا.
وَتُوفِّي فَحَمله أَخُوهُ وَابْنه إِلَى طرطوس فدفناه بسلاحه بدار جلعان خَادِم الرشيد
قلت: وَفِيه يَقُول بَعضهم:
(خلفوه بعرصتي طرطوس ... مِثْلَمَا خلفوا أَبَاهُ بطوس)
وَالله أعلم.
وَصلى عَلَيْهِ المعتصم، وخلافته عشرُون سنة وَخَمْسَة أشهر وَثَلَاثَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا سوى أَيَّام دعِي لَهُ بالخلافة وَأَخُوهُ الْأمين مَحْصُور بِبَغْدَاد، ومولده لِلنِّصْفِ من ربيع الأول سنة سبعين وَمِائَة وكنيته أَبُو الْعَبَّاس؛ كَانَ ربعَة أَبيض جميلا طَوِيل اللِّحْيَة دقيقها وخطه
стр. 210
الشيب، وَقيل: كَانَ أسمر أقنى أعين ضيق الْجَبْهَة بخده خَال أسود؛ ضَاقَ المَال عَلَيْهِ بِدِمَشْق وَحمل إِلَيْهِ المعتصم ثَلَاثِينَ ألف ألف ألف فَاسْتَبْشَرَ بِهِ النَّاس، فَقَالَ ليحيى بن أَكْثَم: نتصرف بِالْمَالِ وَيرجع أَصْحَابنَا خائبين إِن هَذَا للؤم، فَفرق أَرْبَعَة وَعشْرين ألف ألف ألف وَرجله فِي الركاب.
وَمن شعره:
(بَعَثْتُك مرتادا ففزت بنظرة ... وأغفلتني حَتَّى أَسَأْت بك الظنا)
(فناجيت من أَهْوى وَكنت مباعدا ... فياليت شعري عَن دنوك مَا أغْنى)
(أرى أثرا مِنْهَا بِعَيْنِك بَينا ... لقد أخذت عَيْنَاك من عينهَا حسنا)
كَانَ مائلا إِلَى العلويين ورد فدك على ولد فَاطِمَة وَسلمهَا إِلَى مُحَمَّد بن يحيى بن الْحسن بن زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵃ ليفرقها على مستحقيها من ولد فَاطِمَة، وَكَانَ الْمَأْمُون فَاضلا مشاركا فِي عُلُوم كَثِيرَة.
قلت: وَذكر الشَّيْخ أَبُو غَالب همام بن الْفضل بن جَعْفَر بن عَليّ بن الْمُهَذّب المعري فِي تَارِيخه: أَن قبر المؤمون كَانَ على بطانة الْمِحْرَاب بِجَامِع طرطوس فَوَقع فِي أَيَّام بسيل الْملك وَهُوَ بالدرع والبيضة وَالسيف فَذكر ذَلِك لبسيل، فَقَالَ: هَذَا ملك وَلَا يجوز أَن يُغير، فَأمر بِأخذ السَّيْف وَأَن يرد إِلَى الْموضع وَالله أعلم.
(أَخْبَار المعتصم بن الرشيد)
وبويع للمعتصم ثامنهم أبي إِسْحَاق مُحَمَّد بن هَارُون الرشيد بالخلافة بعد موت الْمَأْمُون، فشغب الْجند وَنَادَوْا باسم الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون، فأحضر الْعَبَّاس فَبَايعهُ النَّاس، وَانْصَرف المعتصم إِلَى بَغْدَاد فَقَدمهَا مستهل رَمَضَان.
وفيهَا: توفّي بشر بن عتاب المريسي وَكَانَ يَقُول بِخلق الْقُرْآن.
ثمَّ دخلت سنة تسع عشرَة وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا امتحن المعتصم أَحْمد بن حَنْبَل بِالْقُرْآنِ فَلم يقل بخلقه، فجلده حَتَّى غَابَ عقله وتقطع جلده وَقَيده وحبسه.
وفيهَا: توفّي أَبُو نعيم الْفضل التَّيْمِيّ من مَشَايِخ البُخَارِيّ وَمُسلم، مولده سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة وَكَانَ شِيعِيًّا.
ثمَّ دخلت سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا خرج المعتصم لبِنَاء سامراء.
وفيهَا: قبض على وزيره الْفضل بن مَرْوَان وَلم يكن للمعتصم مَعَه أَمر، وَولى مَكَانَهُ مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد الْجواد بن عَليّ بن مُوسَى بن جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ ﵃ أحد الْأَئِمَّة الإثني عشر على مَذْهَب الإمامية وَصلى عَلَيْهِ الواثق، وعمره خمس وَعِشْرُونَ سنة وَدفن بِبَغْدَاد عِنْد جده مُوسَى، وَمُحَمّد تَاسِع الإنثي عشر.
стр. 211
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشْرين وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا توفّي قَاضِي القيروان أَحْمد بن مُحرز الْعَالم الْعَامِل الزَّاهِد.
وفيهَا: توفّي آدم بن أبي إِيَاس الْعَسْقَلَانِي من مَشَايِخ البُخَارِيّ.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ ثمَّ سنة ثَلَاث وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا خرج نوفيل ملك الرّوم فَبلغ ريطرة وَقتل وسبى وَمثل، وَبلغ المعتصم ذَلِك وَأَن أمراة هاشمية صاحت فِي أَيدي الرّوم: وامعتصماه، فَنَهَضَ من وقته وَجمع العساكر وَسَار فِي جُمَادَى مِنْهَا، وبلغه أَن عمورية عين النَّصْرَانِيَّة وأشرف عِنْدهم من الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَمَا اعترضت فِي الْإِسْلَام، فتجهز بِمَا لم يعْهَد من السِّلَاح وحياض الْأدم وَغير ذَلِك وَسَار على نهر بَينه وَبَين طرطوس يَوْم وَفرق عسكره ثَلَاث فرق، فخربوا بِلَاد الرّوم وأحرقوا حَتَّى وصلوا إِلَى عمورية فنصبوا المناجيق وفتحوا بالمنجنيق ثغرة فِي السُّور وهجموها ونهبوا وَسبوا، وَأَقْبلُوا بِالسَّبْيِ والأسرى إِلَى المعتصم من كل جِهَة، وَأمر بعمورية فهدمت وأحرقت، وَبعد مقَامه خَمْسَة وَخمسين يَوْمًا ارتحل رَاجعا إِلَى الثغور.
وبلغه فِي أثْنَاء الطَّرِيق أَن الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون قد بَايع جمعا من القواد وَقصد الْوُثُوب، فَأحْضرهُ وَسلمهُ إِلَى رجل، فَلَمَّا وصل منبج طلب الطَّعَام فَأكل وَمنع المَاء حَتَّى مَاتَ بمنبج، وَأتم المعتصم سيره إِلَى سامراء.
وفيهَا توفّي ملك إفريقية زِيَادَة الله بن إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب، وَتَوَلَّى أَخُوهُ أَبُو عقال بن إِبْرَاهِيم. ثمَّ دخلت سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا مَاتَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فِي رَمَضَان، وَصلى عَلَيْهِ المعتصم.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام الإِمَام اللّغَوِيّ، وعمره سبع وَسِتُّونَ. قلت كَانَ أَبُو عبيد الْمَذْكُور قَاضِي طرطوس وَهُوَ مؤلف كتاب الْغَرِيب المُصَنّف وَكتاب الْأَمْثَال وَالْأَمْوَال والأنواء وَالطَّهَارَة وَغير ذَلِك. قَالَ ابْن الْمُهَذّب فِي تَارِيخه: حَدثنِي بعض أهل الْعرَاق أَنه رأى بالمقابر بِمَكَّة حجرا على قبر مَكْتُوب عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ إِذا حشرت الْأَوَّلين والآخرين فِي صَعِيد وَاحِد فَارْحَمْ أَبَا عبيد الْقَاسِم بن سَلام.
وفيهَا: صلب المعتصم الأفشين ثمَّ أحرقه، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة خمس عشْرين وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا توفّي أَبُو دلف، وَعلي بن مُحَمَّد الْمَدَائِنِي الْمَشْهُور.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا توفّي أَبُو الْهُذيْل بن مُحَمَّد بن الْهُذيْل بن عبد اللَّهِ العلاف الْبَصْرِيّ شيخ الْمُعْتَزلَة، وَزَاد عمره على مائَة.
وفيهَا: توفّي أَبُو عقال الْأَغْلَب، وَتَوَلَّى أَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاس بن مُحَمَّد.
стр. 212
ثمَّ دخلت سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا توفّي المعتصم أَبُو إِسْحَاق مُحَمَّد بن هَارُون لثماني عشرَة لَيْلَة مَضَت من ربيع الأول بسامراء وخلافته تسع سِنِين وَثَمَانِية أشهر ويومان، ومولده سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَة، وكما أَنه ثامن الْخُلَفَاء فَهُوَ الثَّامِن من ولد الْعَبَّاس وَله ثَمَانِيَة بَنِينَ وثماني بَنَات، وَكَانَ أَبيض أصهب اللِّحْيَة طويلها مربوعا مشربا بحمرة أول من أضيف إِلَى لقبه اسْم اللَّهِ تَعَالَى من الْخُلَفَاء طيب الْخلق وَإِذا غضب لَا يُبَالِي بِمَا فعل، رأى يَوْمًا وَهُوَ مُنْفَرد حمَار شيخ علق فِي الوحل وَوَقع حمله فَنزل المعتصم وخلص الْحمار وَأعْطى صَاحبه أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم، وَقَالَ ابْن أبي داؤد: تصدق المعتصم ووهب على يَدي مائَة ألف دِرْهَم.
(أَخْبَار الواثق بن المعتصم)
وبويع الواثق تاسعهم هَارُون بن المعتصم يَوْم وَفَاة أَبِيه، وَأم الواثق قَرَاطِيس أَو ولد رُومِية.
وفيهَا: هلك نوفيل ملك الرّوم، وملكت بعده امْرَأَته بدورة وَابْنهَا مِنْهُ ميخائيل.
وفيهَا: توفّي بشر بن الْحَارِث الزَّاهِد الْمَعْرُوف بالحافي فِي ربيع الأول.
ثمَّ دخلت سنة وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا فتح الْمُسلمُونَ أَمَاكِن من جَزِيرَة صقلية وأمير صقلية مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن الْأَغْلَب مُقيم فِي بلزم يُجهز الجيوش فَيفتح ويغنم، وإمارته على صقلية تسع عشرَة سنة، وَتُوفِّي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو تَمام حبيب بن أَوْس الطَّائِي الشَّاعِر
قلت: وقبره بالموصل، وَهُوَ جَامع الحماسة قصد الْبَصْرَة فخشي عبد الصَّمد بن الْمعدل الشَّاعِر بهَا من انصراف النَّاس عَنهُ إِلَى أبي تَمام فَكتب إِلَيْهِ:
(أَنْت بَين اثْنَتَيْنِ تبرز للنَّاس ... وكلتاهما بِوَجْه مذال)
(لست تنفك راجيا لوصال ... من حبيب أَو طَالبا لنوال)
(أَي مَاء يبْقى لوجهك قل لي ... بَين ذل الْهوى وذل السُّؤَال)
فَأَضْرب أَبُو تَمام عَن مقْصده وَرجع وَقَالَ: قد شغل هَذَا مَا يَلِيهِ فَلَا حَاجَة لنا فِيهِ، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا صادر الواثق الْكتاب.
وفيهَا: توفّي خلف بن هِشَام الْبَزَّار الْمقري، وَالْبَزَّار: بالزاي ثمَّ الرَّاء.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا مَاتَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر بنيسابور وَهُوَ أَمِير خُرَاسَان وعمره ثَمَان وَأَرْبَعُونَ، فَأَقَامَ الواثق ابْنه طَاهِرا مَوْضِعه.
وفيهَا: خرجت الْمَجُوس من أقاصي الأندلس فِي الْبَحْر إِلَى بِلَاد الْمُسلمين وَجَرت بالأندلس وقائع انهزم فِيهَا الْمُسلمُونَ، فَلَمَّا دخلُوا حَاضِرَة أشبيلية وافاهم عبد الرَّحْمَن الْأمَوِي صَاحب الأندلس والمسلمون من كل جِهَة فَانْهَزَمَ الْمَجُوس وغنم الْمُسلمُونَ أَرْبَعَة مراكب بِمَا فِيهَا، وَعَاد الْمَجُوس إِلَى بِلَادهمْ.
стр. 213
وفيهَا: مَاتَ أشناس التركي بعد ابْن طَاهِر بِتِسْعَة أَيَّام.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا مَاتَ الْمُغنِي مُخَارق، وَأَبُو يَعْقُوب بن يُوسُف بن يحيى الْبُوَيْطِيّ صَاحب الشَّافِعِي مَحْبُوسًا فِي محنة النَّاس بِالْقُرْآنِ وَلم يجب إِلَى القَوْل بِأَنَّهُ مَخْلُوق وَكَانَ من الصَّالِحين، وبويط: من قرى مصر.
وفيهَا: توفّي ابْن الْأَعرَابِي مُحَمَّد بن زِيَاد الْكُوفِي اللّغَوِيّ، وَأَبوهُ عبد سندي، أَخذ الْأَدَب عَن الْمفضل الضَّبِّيّ وَله كتب مِنْهَا: كتاب النَّوَادِر وَكتاب الأنواء وتاريخ الْقَبَائِل، ولد لَيْلَة وَفَاة أَبِيه حنيفَة سنة خمسين وَمِائَة، والأعرابي: مَنْسُوب إِلَى الْأَعْرَاب، يُقَال: رجل أَعْرَابِي إِذا كَانَ بدويا وَإِن لم يكن من الْعَرَب وَرجل عربى مَنْسُوب إِلَى الْعَرَب وَإِن لم يكن بدويا، وَيُقَال: رجل أعجم وأعجمي إِذا فِي لِسَانه عجمة وَإِن كَانَ من الْعَرَب وَرجل عجمي: مَنْسُوب إِلَى الْعَجم وَإِن كَانَ فصيحا.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا توفّي الواثق بِاللَّه أَبُو جَعْفَر هَارُون بن المعتصم لست بَقينَ من ذِي الْحجَّة بالاستسقاء أقعد فِي تنور مسخن فَوجدَ بِهِ خفَّة فعاوده وَأخرج فِي محفة فَمَاتَ فِيهَا وَدفن بالهاروني؛ نظر المنجمون فِي مولده عِنْد اشتداد مَرضه فقدروا أَنه يعِيش خمسين سنة مستأنفة فَعَاشَ عشرَة أَيَّام؛ كَانَ أَبيض مشربا بحمرة فِي عينه الْيُسْرَى نُكْتَة بَيَاض وخلافته خمس سِنِين وَتِسْعَة أشهر وَكسر وعمره اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة، وَلَقَد بَالغ فِي إكرام العلويين وَفرق فِي الْحَرَمَيْنِ أَمْوَالًا حَتَّى لم يبْق فيهمَا سَائل. وَلما بلغ أهل الْمَدِينَة مَوته كَانَت تخرج نِسَاؤُهُم إِلَى البقيع كل لَيْلَة وبندبن لفرط إحسانه، وَلَكِن أشبه أَبَاهُ المعتصم وَعَمه الْمَأْمُون فِي امتحان النَّاس بِالْقُرْآنِ الْكَرِيم وألزمهم بالْقَوْل بخلقه وَأَن اللَّهِ لَا يرى فِي الْآخِرَة بالأبصار.
(أَخْبَار المتَوَكل بن المعتصم)
ثمَّ أَن كبراء الدولة ألبسوا مُحَمَّد بن الواثق قلنسوة ودراعة سَوْدَاء وَهُوَ أَمْرَد قصير وَأَرَادُوا بيعَته، فَلم يرَوا ذَلِك مصلحَة فَتَنَاظَرُوا فِيمَن يولونه، ثمَّ أحضروا المتَوَكل فَقَامَ أَحْمد ابْن أبي دؤاد وَألبسهُ الطَّوِيلَة وعممه وَقبل بَين عَيْنَيْهِ، فبويع المتَوَكل عاشرهم وَهُوَ جَعْفَر بن المعتصم يَوْم موت الواثق، وَعمر المتَوَكل يَوْمئِذٍ سِتّ وَعِشْرُونَ سنة.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا قبض المتَوَكل على مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات وصادره وحبسه وعذبه بالتنور: وَكَانَ ابْن الزيات قد عمل تنور خشب فِيهِ مسامير حَدِيد أطرافها إِلَى دَاخل تمنع من فِيهِ من الْحَرَكَة وَلَا يقدر على الْجُلُوس، وَعَذَاب بِهِ ابْن أَسْبَاط الْمصْرِيّ، فعذبوا ابْن الزيات بتنوره الْمَذْكُور.
وَكَانَ الصولي صديق ابْن الزيات فصادره بِأَلف ألف دِرْهَم، فَقَالَ الصولي:
(وَكنت أَذمّ إِلَيْك الزَّمَان ... فَأَصْبَحت مِنْك أَذمّ الزمانا)
стр. 214
(وَكنت أعدك للنائبات ... فها أَنا أطلب مِنْك الأمانا)
قلت: مَا أحسن هَذَا الْبَيْت لَو أنْشد كَذَا
(وَقد كنت أطلب مِنْك المنى ... فها أَنا أطلب مِنْك الأمانا)
وفيهَا: ولى المتَوَكل ابْنه الْمُنْتَصر الْحَرَمَيْنِ واليمن والطائف.
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة توفّي أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن معِين بن عون بن زِيَاد بن بسطَام الْمُزنِيّ الْبَغْدَادِيّ الْحَافِظ صَاحب الْجرْح وَالتَّعْدِيل إِمَام حَافظ، قيل: إِنَّه من قَرْيَة تقياي نَحْو الأنبار، وَكَانَ الإِمَام أَحْمد شَدِيد الصُّحْبَة لَهُ يَشْتَرِكَانِ فِي عُلُوم الحَدِيث وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ يحيى فِيمَن روى عَن الشَّافِعِي، وَولد سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا توفّي مُحَمَّد بن مُبشر المعتزلي الْبَغْدَادِيّ، وَأَبُو خَيْثَمَة زُهَيْر الْمُحدث، وَعلي بن عبد اللَّهِ بن جَعْفَر الْمَدِينِيّ الْحَافِظ إِمَام ثِقَة.
قلت: وفيهَا توفّي جد بني الْمُهَذّب بمعرة النُّعْمَان وَهُوَ أَبُو الْوَلِيد همام بن عَامر بن أبي شهَاب، وَدفن قبلي الميدان ظَاهر المعرة وَكَانَ من النبلاء الْأَغْنِيَاء، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا ظهر بسامراء مَحْمُود بن فرخ وَادّعى النُّبُوَّة وَأَنه ذُو القرنين وَتَبعهُ سَبْعَة وَعِشْرُونَ رجلا، فألزم أَصْحَابه أَن يصفعه كل مِنْهُم عشر صفعات ثمَّ حَبسهم وضربه حَتَّى مَاتَ.
وفيهَا: مَاتَ الْحسن بن سهل وعمره تسعون بدواء أفرط عَلَيْهِ الْقيام.
وفيهَا: مَاتَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي ذُو الألحان والغناء.
وفيهَا: مَاتَ سريح بن يُونُس بن سريح - بِالسِّين الْمُهْملَة.
وفيهَا: وَقيل فِي تلوها: مَاتَ عبد السَّلَام بن رغبان - بالغين المنقوطة - الشَّاعِر ديك الْجِنّ الشيعي تشيعا حسنا وعمره بضع وَتسْعُونَ، وَمن شعره الْجيد:
(وقم أَنْت فاحثث كأسها غير صاغر ... وَلَا تسق إِلَّا خمرها وعقارها)
(مشعشة من كف ظَبْي كَأَنَّمَا ... تنَاولهَا من خَدّه فأدارها)
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا أَمر المتَوَكل بهدم قبر الْحُسَيْن ﵁ وَهدم مَا حوله من الْمنَازل، وَكَانَ شَدِيد البغض لعَلي وَلأَهل بَيته وَكَانَ نديمه عبَادَة المخنث يكبر بَطْنه بمخده ويكشف رَأسه وَهُوَ أصلع ويرقص وَيَقُول: قد أقبل الأصلع البطين خَليفَة الْمُسلمين - يَعْنِي عليا ﵁. فَقَالَ لَهُ الْمُنْتَصر يَوْمًا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن عليا ابْن عمك فَكل أَنْت لَحْمه إِذا شِئْت وَلَا تخل مثل هَذَا الْكَلْب وَأَمْثَاله يطْمع فِيهِ، فَقَالَ المتَوَكل للمغنين غنوا:
(غَار الْفَتى لِابْنِ عَمه ... رَأس الْفَتى فِي حرَامه)
وَكَانَ يُجَالس من اشْتهر ببغض عَليّ كَابْن الجهم الشَّاعِر وَأبي السمط، وَكَانَ من
стр. 215
أحسن الْخُلَفَاء سيرة وَمنع القَوْل بِخلق الْقُرْآن فَغطّى ذمه لعَلي على حَسَنَاته.
قلت:
(وَكم قد محى خير كَمَا انمحت ... ببغض عَليّ سيرة المتَوَكل)
(تعمق فِي عدل وَلما جنى على ... جناب عَليّ حطه السَّيْل من عَليّ)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي مَنْصُور بن الْمهْدي.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا مَاتَ مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ أَمِير صقيلة، وَولي مَكَانَهُ الْعَبَّاس بن الْفضل بن يَعْقُوب بن فَزَارَة وَفتح قصر بانه دَار ملك صقلية وَغَيرهَا، وَكَانَت سرقوسة قَلبهَا دَار الْملك.
وفيهَا: توفّي حَاتِم الْأَصَم الزَّاهِد الْمَشْهُور الْبَلْخِي، خرج من امْرَأَة صَوت فأوهمها أَنه أَصمّ لِئَلَّا تخجل فَسُمي بِهِ.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا توفّي عبد الرَّحْمَن بن الحكم بن هِشَام بن عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل بن مُعَاوِيَة بن هِشَام بن عبد الْملك صَاحب الأندلس فِي ربيع الآخر، ومولده سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة، وولايته إِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَله خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ابْنا، وَملك بعده ابْنه مُحَمَّد.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا توفّي مَحْمُود بن غيلَان الْمروزِي من مَشَايِخ البُخَارِيّ وَمُسلم.
ثمَّ دخلت سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا مَاتَ ابْن الشَّافِعِي واسْمه مُحَمَّد وكنيته أَبُو عُثْمَان، كَانَ قَاضِي الجزيرة، وروى عَن أَبِيه وَعَن ابْن عُيَيْنَة، وَابْن الشَّافِعِي مُحَمَّد غير هَذَا مَاتَ بِمصْر سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وفيهَا: توفّي أَبُو ثَوْر إِبْرَاهِيم بن خَالِد بن أبي الْيَمَان الْكَلْبِيّ الْبَغْدَادِيّ صَاحب الشَّافِعِي وناقل أَقْوَاله الْقَدِيمَة عَنهُ، وَكَانَ على مَذْهَب أهل الرَّأْي حَتَّى قدم الشَّافِعِي الْعرَاق فَاتبعهُ.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ: فِيهَا فِي ربيع الأول توفّي الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل بن هِلَال بن أَسد بن إِدْرِيس ينْسب إِلَى معد بن عدنان روى عَنهُ مُسلم وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ، وَكَانَ مُجْتَهدا ورعا صَدُوقًا. قَالَ الشَّافِعِي: خرجت من بَغْدَاد وَمَا خلفت بهَا أحدا أتقى وَلَا أورع وَلَا أفقه من احْمَد بن حَنْبَل.
قلت: حزر من حضر جنَازَته من الرِّجَال فَكَانُوا ثَمَانمِائَة ألف وَمن النِّسَاء سِتِّينَ ألفا، وَقيل: أسلم يَوْم مَوته عشرُون ألفا من النَّصَارَى وَالْيَهُود وَالْمَجُوس، وَحدث إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ قَالَ: رَأَيْت بشر بن الْحَارِث الحافي فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ خَارج من مَسْجِد الرصافة وَفِي كمه شَيْء يَتَحَرَّك، فَقلت: مَا فعل اللَّهِ بك؟ فَقَالَ: غفر لي وأكرمني، فَقلت: مَا هَذَا الَّذِي
следующие страницы →