Полный текст (708 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
فظا يرعبني إِذا عملت ويضربني إِذا قصرت وَقد أَصبَحت وَلَيْسَ بيني وَبَين اللَّهِ أحد وفضائله ﵁ اكثر من أَن تحصر.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَعشْرين: فِيهَا عقب موت عمر اجْتمع أهل الشورى وهم: عَليّ وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَعبد اللَّهِ بن عمر ﵃، وَشرط عمر أَن يكون ابْنه عبد اللَّهِ شَرِيكا فِي الرَّأْي وَلَا يكون لَهُ حَظّ فِي الْخلَافَة، وَجعل الْمدَّة ثَلَاثَة أَيَّام وَقَالَ: لَا يمْضِي الْيَوْم الرَّابِع إِلَّا وَلكم أَمِير، وَإِن أختلفتم فكونوا مَعَ الَّذين مَعَهم عبد الرَّحْمَن،
(خلَافَة عُثْمَان ﵁
ثمَّ بُويِعَ عُثْمَان بالخلافة لثلاث مضين من الْمحرم مِنْهَا، وَهُوَ عُثْمَان بن عَفَّان بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف، وَأمه أروى بنت كريز بن ربيعَة. وَأقر عُثْمَان وُلَاة عمر سنة لِأَنَّهُ أوصى بذلك، ثمَّ عزل الْمُغيرَة بن شُعْبَة عَن الْكُوفَة وولاها سعد بن أبي وَقاص، ثمَّ عَزله وولاها الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط كَانَ أَخا عُثْمَان من أمه.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَعشْرين: فِيهَا توفّي أَبُو ذَر الْغِفَارِيّ واسْمه جُنْدُب بن جُنَادَة بالربذة، وَقيل: توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ بهَا.
قلت: حكى شَيخنَا صدر الدّين بن الْوَكِيل ﵀ أَن رجلا سَأَلَ بعض السّلف بِأَن قَالَ: أعمر أخرج أَبَا ذَر؟ فَقَالَ لَهُ: كَذبُوك، وتصحيف ذَلِك أعثمان أخرج أَبَا ذَر، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَعشْرين: فِيهَا عزل عُثْمَان عَمْرو بن الْعَاصِ عَن مصر وولاها عبد اللَّهِ بن سعد بن أبي سرح العامري أَخا عُثْمَان من الرضَاعَة وَكَانَ النَّبِي ﷺ َ - قد أهْدر دم سعد الْمَذْكُور يَوْم الْفَتْح فشفع فِيهِ عُثْمَان فَأَطْلقهُ.
وَفِي خِلَافَته ﵁ فتحت إفريقية بتولي ابْن أبي سرح الْمَذْكُور وَبعث بالخمس إِلَى عُثْمَان، وَلما فتحت أَمر عُثْمَان عبد اللَّهِ بن نَافِع بن الْحصين أَن يسير إِلَى جِهَة الأندلس، فغزا تِلْكَ الْجِهَة وَعَاد إِلَى إفريقية وَأقَام بهَا من قبل عُثْمَان، وَرجع عبد اللَّهِ بن سعد إِلَى مصر.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَعشْرين وَسنة ثَمَان وَعشْرين: فِيهَا استأذنه مُعَاوِيَة فِي غَزْو الْبَحْر فَأذن لَهُ، فَجهز مُعَاوِيَة إِلَى قبرس جَيْشًا، وَسَار إِلَيْهَا أَيْضا عبد اللَّهِ بن سعد من مصر فَقَاتلُوا جَمِيعًا أَهلهَا، ثمَّ صولحوا على جِزْيَة سَبْعَة آلَاف دِينَار فِي كل سنة بعد قتل وَسبي كثير فِي قبرس.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَعشْرين: فِيهَا عزل عُثْمَان أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن الْبَصْرَة وولاها ابْن خَاله عبد اللَّهِ بن عَامر بن كريز، ثمَّ عزل الْوَلِيد بن عقبَة عَن الْكُوفَة لكَونه
стр. 142
شرب الْخمر وَصلى بِالْمُسْلِمين الْفجْر أَرْبعا وَهُوَ سَكرَان، ثمَّ الْتفت إِلَى النَّاس وَقَالَ: هَل ازيدكم؟ فَقَالَ ابْن مَسْعُود: مَا زلنا مَعَك فِي زِيَادَة مُنْذُ الْيَوْم. وَفِي ذَلِك يَقُول الحطيئة:
(شهد الحطيئة يَوْم يلقى ربه ... أَن الْوَلِيد أَحَق بالعذر)
(نَادَى وَقد فرغت صلَاتهم ... أأزيدكم سكرا وَمَا يدْرِي)
(فَأَبَوا أَبَا وهب وَلَو أذنوا ... لقرنت بَين الشفع وَالْوتر)
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثِينَ: فِيهَا بلغ عُثْمَان مَا وَقع فِي أَمر الْقُرْآن وَأَن أهل الْعرَاق يَقُولُونَ: قراءتنا أصح لأَنا قَرَأنَا على أبي مُوسَى، وَأهل الشَّام يَقُولُونَ: قراءتنا أصح لأَنا قَرَأنَا على الْمِقْدَاد، وَكَذَلِكَ غَيرهم. فَحمل النَّاس بِاتِّفَاق الصَّحَابَة على الْمُصحف الَّذِي كتب زمن أبي بكر وأودع عِنْد حَفْصَة ﵂ وَنسخ مِنْهُ مصاحف للأمصار تولى نسخهَا بِأَمْر زيد بن ثَابت وَعبد اللَّهِ بن الزبير وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام المَخْزُومِي، وَقَالَ عُثْمَان: إِذا اختلفتم فِي كلمة فاكتبوها بِلِسَان قُرَيْش فَإِنَّمَا نزل الْقُرْآن بلسانهم.
وفيهَا سقط من عُثْمَان خَاتم النَّبِي ﷺ َ - كَانَ من فضَّة فِيهِ ثَلَاثَة أسطر مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ كَانَ يتختم بِهِ وَيخْتم بِهِ الْكتب إِلَى الْمُلُوك، ثمَّ تختم بِهِ أَبُو بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عُثْمَان إِلَى أَن سقط فِي بِئْر أريس.
قلت: قَالُوا: وَكَانَ أمره صافيا إِلَى سُقُوط الْخَاتم الْمَذْكُور، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ: فِيهَا هلك كسْرَى يزدجرد آخر مُلُوكهمْ قيل: قَتله أهل مرو وَقتل بنيه التّرْك وَقتل أَصْحَابه فهرب هُوَ إِلَى بَيت رجل ينْقل الأرحاء فَقتله ثمَّ قتل.
وفيهَا عَصَتْ خُرَاسَان فَفَتحهَا الْمُسلمُونَ ثَانِيًا.
وفيهَا مَاتَ أَبُو سُفْيَان بن حَرْب.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ: فِيهَا توفّي عبد اللَّهِ بن مَسْعُود بن عَاقل بن حبيب بن شمح من ولد مدركة بن إلْيَاس بن مُضر وَفِي مدركة يجْتَمع مَعَ النَّبِي ﷺ َ -، وَهُوَ أحد الْقُرَّاء عَظِيم فِي الصَّحَابَة وعدة بَعضهم فِي الْعشْرَة الْمَقْطُوع لَهُم بِالْجنَّةِ بدل أبي عُبَيْدَة ﵃.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ: فِيهَا تكلم جمَاعَة بِأَن عُثْمَان ولى جمَاعَة من أهل بَيته لَا يصلحون للولاية، فَكتب سعيد بن الْعَاصِ وَالِي الْكُوفَة إِلَيْهِ بذلك فَأمره عُثْمَان أَن يسير الَّذين تكلمُوا بذلك إِلَى مُعَاوِيَة بِالشَّام، فأرسلهم وَفِيهِمْ الْحَارِث بن مَالك الأشتر النَّخعِيّ وثابت بن قيس النَّخعِيّ وَجَمِيل بن زِيَاد وَزيد بن صوحان الْعَبْدي وَأَخُوهُ صعصة وجندب بن زُهَيْر وَعُرْوَة بن الْجَعْد وَعَمْرو بن الْحمق، فقدموا على مُعَاوِيَة وَجرى بَينهم كَلَام كثير وحذرهم الْفِتْنَة، فَوَثَبُوا وَأخذُوا بلحية مُعَاوِيَة ورأيه فَكتب بذلك إِلَى عُثْمَان، فَكتب إِلَيْهِ عُثْمَان أَن يردهم إِلَى سعيد بن الْعَاصِ فردهم إِلَى سعيد، فأطلقوا ألسنتهم فِي عُثْمَان ﵁ وَاجْتمعَ إِلَيْهِم أهل الْكُوفَة.
стр. 143
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَلَاثِينَ: وفيهَا قدم سعيد إِلَى عُثْمَان وَأخْبرهُ بِمَا فعله أهل الْكُوفَة وَأَنَّهُمْ يختارون أَبَا مُوسَى، فولى عُثْمَان أَبَا مُوسَى الْكُوفَة، فخطبهم أَبُو مُوسَى وَأمرهمْ بِطَاعَة عُثْمَان فَأَجَابُوا.
وتكاتب نفر من الصَّحَابَة أَن أقدموا فالجهاد عندنَا، ونال النَّاس من عُثْمَان وَلَيْسَ أحد من الصَّحَابَة ينْهَى عَن ذَلِك وَلَا يذب إِلَّا نفر مِنْهُم: زيد بن ثَابت وَأَبُو أسيد السَّاعِدِيّ وَكَعب بن مَالك وَحسان بن ثَابت، وَمِمَّا نقموا عَلَيْهِ رد الحكم بن الْعَاصِ طريد رَسُول الله وطريد أبي بكر وَعمر، وإعطاؤه مَرْوَان بن الحكم خمس غَنَائِم إفريقية وَهُوَ مَال عَظِيم، وَفِي ذَلِك يَقُول عبد الرَّحْمَن الْكِنْدِيّ:
(سأحلف بِاللَّه جهد الْيَمين ... مَا ترك اللَّهِ أمرا سدى)
(وَلَكِن خلقت لنا فتْنَة ... لكَي نبتلي بك أَو نبتلي)
(دَعَوْت اللعين فأدنيته ... خلافًا لسنة من قد مضى)
(وَأعْطيت مَرْوَان خمس الْعباد ... ظلما لَهُم وحميت الْحمى)
وأقطع مَرْوَان فدك وَهِي صَدَقَة رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - الَّتِي طلبتها فَاطِمَة ﵂ من أبي بكر ﵁، وَلم يكن بلغَهَا قَوْله ﷺ َ -: " نَحن معاشر الْأَنْبِيَاء لَا نورث مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة " وَلم تزل فدك فِي يَد مَرْوَان حَتَّى انتزعها عمر بن عبد الْعَزِيز وردهَا صَدَقَة.
وفيهَا توفّي الْمِقْدَاد بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة، تبناه الْأسود بن عبد يَغُوث فِي الْجَاهِلِيَّة فَعرف بِهِ، وَلما نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ قيل: الْمِقْدَاد بن عَمْرو؛ وَمَا كَانَ يَوْم بدر صَاحب فرس فِي الْمُسلمين غير الْمِقْدَاد فِي قَول، وَشهد مَعَ النَّبِي ﷺ َ - الْمشَاهد كلهَا وَعمر نَحْو سبعين سنة.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَلَاثِينَ: فِيهَا قدمت جموع من مصر والكوفة وَالْبَصْرَة، وَكَانَ هوى المصريين مَعَ عَليّ ﵁، وَهوى الْكُوفِيّين مَعَ الزبير، وَهُوَ الْبَصرِيين مَعَ طَلْحَة، فَدَخَلُوا الْمَدِينَة وثاروا على عُثْمَان يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ على الْمِنْبَر وَقَاتل جمَاعَة من الْمَدِينَة عَنهُ مِنْهُم: سعد بن أبي وَقاص وَالْحسن بن عَليّ وَزيد بن ثَابت وَأَبُو هُرَيْرَة، فَأرْسل عُثْمَان يعزم عَلَيْهِم بالانصراف فانصرفوا، وَصلى عُثْمَان بعد مَا نزلت الجموع فِي الْمَسْجِد ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثمَّ منعُوهُ الصَّلَاة فصلى بِالنَّاسِ الغافقي أَمِير جمع مصر، وَلزِمَ أهل الْمَدِينَة بُيُوتهم وَعُثْمَان مَحْصُور فِي دَاره أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَقيل: خمسين.
ثمَّ اتّفق عَليّ مَعَ عُثْمَان على مَا طلبه النَّاس مِنْهُ من عزل مَرْوَان عَن كِتَابَته وَعبد اللَّهِ بن أبي سرح عَن مصر فَأجَاب، وَفرق عَليّ النَّاس عَنهُ، ثمَّ اجْتمع مَرْوَان بعثمان فَرده عَن ذَلِك، وَلَكِن عزل ابْن أبي سرح عَن مصر وولاها مُحَمَّد بن أبي بكر. وَتوجه مَعَ مُحَمَّد بن أبي بكر مهاجرون وأنصار، فَبينا هم فِي الطَّرِيق وَإِذا عبد عَليّ هجين يجهده فَقَالُوا لَهُ: إِلَى أَيْن؟ قَالَ: إِلَى الْعَامِل بِمصْر، قَالُوا: هَذَا عَامل مصر - يعنون مُحَمَّد بن أبي
стр. 144
بكر -. قَالَ: بل الْعَامِل الآخر - يَعْنِي ابْن أبي سرح -، ففتشوه فوجدوا مَعَه كتابا مَخْتُومًا بِخَتْم عُثْمَان يَقُول: إِذا جَاءَك مُحَمَّد بن أبي بكر وَمن مَعَه بأنك مَعْزُول فَلَا تقبل واحتل لقتلهم وأبطل كِتَابهمْ وقر فِي عَمَلك. فَرجع مُحَمَّد وَمن مَعَه وجمعوا الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ على الْكتاب، وسألوا عُثْمَان عَنهُ فاعترف بالختم وَخط كَاتبه وَحلف بِاللَّه أَنه لم يَأْمر بذلك، فطلبوا مِنْهُ مَرْوَان ليسلمه إِلَيْهِم بِسَبَب ذَلِك فَامْتنعَ، فحنقوا وجدوا فِي قِتَاله، فَأَقَامَ عَليّ ابْنه الْحسن يذب عَنهُ، وَأقَام الزبير ابْنه عبد اللَّهِ، وَطَلْحَة ابْنه مُحَمَّدًا، بِحَيْثُ جرح الْحسن ﵁ وانصبغ بِالدَّمِ.
ثمَّ تسوروا على عُثْمَان من دَار بِجنب دَاره، وَنزل عَلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم مُحَمَّد بن أبي بكر فَقَتَلُوهُ صَائِما يَتْلُو فِي الْمُصحف لثمان عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمُدَّة خِلَافَته ﵁ اثْنَتَا عشرَة سنة إِلَّا اثْنَتَيْ عشر يَوْمًا، وعمره سَبْعُونَ، وَقيل: أثنتان وَثَمَانُونَ، وَقيل: تسعون. وَمكث ثَلَاثَة أَيَّام لم يدْفن منع محاربوه من دَفنه، ثمَّ امْر عَليّ ﵁ بدفنه.
وَكَانَ معتدل الْقَامَة، حسن الْوَجْه بِوَجْهِهِ أثر جدري، عَظِيم اللِّحْيَة، أسمر اللَّوْن، أصلع، يصفر لحيته، تزوج ابْنَتي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَسُمي ذَا النورين، كَاتبه مَرْوَان بن الحكم، وقاضيه زيد بن ثَابت، جهز جَيش الْعسرَة من مَاله، وَأصَاب النَّاس مجاعَة فِي غزَاة تَبُوك فَاشْترى طَعَاما يصلح الْعَسْكَر وجهز بِهِ عيرًا، فَلَمَّا وصل ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ َ - رفع يَده إِلَى السَّمَاء قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قد رضيت عَن عُثْمَان فارض عَنهُ، وَدخل يَوْمًا على النَّبِي ﷺ َ - فَجعل ثَوْبه عَلَيْهِ وَقَالَ: " كَيفَ لَا أستحي مِمَّن تَسْتَحي مِنْهُ الْمَلَائِكَة ".
قلت: وَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: يَا عُثْمَان إِن اللَّهِ عَسى أَن يلبسك قَمِيصًا فَإِن أرادك المُنَافِقُونَ على خلعة فَلَا تخلعه حَتَّى تَلقانِي يَوْم الْقِيَامَة. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا وَقد دخل عَلَيْهِ: " كَيفَ أَنْت يَا عُثْمَان إِذا لقيتني يَوْم الْقِيَامَة وأوداجك تشخب دَمًا فَأَقُول من فعل بك هَذَا فَتَقول بَين خاذل وَقَاتل وآمر ".
ثمَّ وَقع النَّاس بعده من الْفِتَن وَالْقَتْل فِي محذورين، وَأَقْبَلت عَلَيْهِم سحب أهواء مظْلمَة بقتل ذِي النورين، واستقبحت الْعُقَلَاء فقد صورته المستحسنة على هَذِه الصُّورَة، واستهجنت الفصحاء صرف عُثْمَان قَتِيلا من غير تناسب وَلَا ضَرُورَة وَمَا أحسن قَول كَعْب بن مَالك فِيهِ:
(وكف يَدَيْهِ ثمَّ أغلق بَابه ... وأيقن أَن اللَّهِ لَيْسَ بغافل)
(وَقَالَ لأهل الدَّار لَا تَقْتُلُوهُمْ ... عَفا اللَّهِ عَن كل امرىء لم يُقَاتل)
(فَكيف رَأَيْت اللَّهِ صب عَلَيْهِم الْعَدَاوَة ... والبغضاء بعد التواصل)
(وَكَيف رَأَيْت الْخَيْر أدبر بعده ... عَن النَّاس إدبار الرِّيَاح الحوافل)
وَالله أعلم.
стр. 145
(أَخْبَار عَليّ بن أبي طَالب ﵁
وَاسم أبي طَالب: عبد منَاف بن عبد الْمطلب، وَأم عَليّ فَاطِمَة بنت أَسد بن هَاشم، فَهُوَ ابْن هاشميين؛ بُويِعَ بالخلافة يَوْم قتل عُثْمَان ﵁، وَلما سَأَلُوهُ الْبيعَة قَالَ: لَا حَاجَة لي فِي أَمركُم من اخترتم رضيت بِهِ وأكون وزيرا خيرا من أَن أكون أَمِيرا. فَأَبَوا إِلَّا مبايعته، فَأتى الْمَسْجِد فَبَايعُوهُ، وَقيل: بُويِعَ فِي بَيته؛ أول من بَايعه طَلْحَة وَكَانَت يَده مشلولة من أحد، فَقَالَ حبيب بن ذُؤَيْب: إِنَّا لله أول من بَدَأَ بالبيعة يَد شلاء لَا يتم هَذَا الْأَمر، وَبَايَعَهُ الزبير، قَالَ عَليّ لَهما: إِن أحببتما أَن تبَايعا بايعا وَإِن أحببتما بايعتكما، فَقَالَا: بل نُبَايِعك، وَقَالَ عَليّ لسعد بن أبي وَقاص: بَايع، فَقَالَ: حَتَّى يُبَايع النَّاس وَالله مَا عَلَيْك مني بَأْس فخلى سَبيله، وَتَأَخر أَيْضا عبد اللَّهِ بن عمر.
وبايعته الْأَنْصَار إِلَّا نَفرا قَلِيلا، مِنْهُم: حسان وَكَعب بن مَالك ومسلمة بن مخلد وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ والنعمان بن بشير وَمُحَمّد بن مسلمة وفضالة بن عبيد وَكَعب بن عجْرَة وَزيد بن ثَابت، كَانَ هَؤُلَاءِ قد ولاهم عُثْمَان على الصَّدقَات وَغَيرهم، وَلم يبايعه أَيْضا سعيد بن زيد وَعبد اللَّهِ بن سَلام وصهيب وَأُسَامَة بن زيد وَقُدَامَة بن مَظْعُون والمغيرة بن شُعْبَة وَسموا لذَلِك الْمُعْتَزلَة.
وَسَار النُّعْمَان بن بشير بِثَوْب عُثْمَان مُلَطَّخًا بِالدَّمِ إِلَى الشَّام، فَكَانَ مُعَاوِيَة يعلق قَمِيص عُثْمَان على الْمِنْبَر تحريضا على قتال عَليّ ﵁.
وَقيل: بقيت الْمَدِينَة بعد عُثْمَان خمْسا والغافقي وَمن مَعَه يَلْتَمِسُونَ من يقوم بِالْأَمر، وَطَلْحَة فِي حَائِط لَهُ، وَسعد وَالزُّبَيْر قد خرجا من الْمَدِينَة، وَبَنُو أُميَّة قد هربوا، وباعد عَليّ المصريين، وَالزُّبَيْر الْكُوفِيّين، وَطَلْحَة الْبَصرِيين وَمَعَ اجْتِمَاعهم على قتل عُثْمَان كَانُوا مُخْتَلفين فِي من يَلِي غَيره حَتَّى أَتَوا عليا وَشَكوا مَا ابتلوا بِهِ وَمَا نزل بِالْإِسْلَامِ، ثمَّ يَوْم الْجُمُعَة لخمس بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ صعد الْمِنْبَر واستعفى فَلم يعفوه، فَبَايعهُ أَولا طَلْحَة، ثمَّ لحق طَلْحَة وَالزُّبَيْر بعائشة بِمَكَّة.
وَكَانَ ابْن عَبَّاس بِمَكَّة لما قتل عُثْمَان، ثمَّ قدم الْمَدِينَة بعد الْبيعَة لعَلي فَوَجَدَهُ مستخليا بالمغيرة بن شُعْبَة، قَالَ: فَسَأَلته مَا قَالَ لَهُ فَقَالَ عَليّ: أَشَارَ عَليّ بِإِقْرَار مُعَاوِيَة وَغَيره من عُمَّال عُثْمَان إِلَى أَن يباعوا ويستقر الْأَمر فأبيت، ثمَّ أَتَانِي الْآن وَقَالَ: الرَّأْي مَا رَأَيْته، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِنَّه نصحك فِي الْمرة الأولى وغشك فِي الثَّانِيَة وَإِنِّي أخْشَى أَن ينْتَقض عَلَيْك الشَّام وَأمره بِإِقْرَار مُعَاوِيَة، فَقَالَ عَليّ: وَالله لَا أعْطِيه إِلَّا السَّيْف ثمَّ تمثل:
(وَمَا ميتَة إِن متها غير عَاجز ... بِعَارٍ إِذا مَا غالت النَّفس غولها)
قَالَ: فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْت رجل شُجَاع وَلست صَاحب رَأْي، فَقَالَ عَليّ: إِذا عصيتك فأطعني، فَقلت أيسر مَا لَك عِنْدِي الطَّاعَة، وَخرج الْمُغيرَة وَلحق بِمَكَّة.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ: فِيهَا أرسل عَليّ عماله إِلَى الْبِلَاد، فَبعث إِلَى الْكُوفَة
стр. 146
عمَارَة بن شهَاب من الْمُهَاجِرين، وَإِلَى الْبَصْرَة عُثْمَان بن حنيف الْأنْصَارِيّ وَإِلَى الْيمن عبيد اللَّهِ بن عَبَّاس الْمَشْهُور بالجود، وَإِلَى مصر قيس بن سعد بن عبَادَة، وَإِلَى الشَّام سهل بن حنيف الْأنْصَارِيّ ثمَّ رَجَعَ هَذَا من تَبُوك إِلَى عَليّ بِإِشَارَة من نصحه، واعتزلت عَن قيس بِمصْر فرقة، عثمانية وَقَالُوا: حَتَّى يقتل قَاتل عُثْمَان، واعتزلت عَن عُثْمَان بن حنيف بِالْبَصْرَةِ فرقة، وَلَقي طَلْحَة بن خويلد الْأَسدي الَّذِي كَانَ ادّعى النُّبُوَّة عمَارَة فَقَالَ لَهُ: إِن أهل الْكُوفَة لَا يستبدلون بأميرهم، فَرجع إِلَى عَليّ، وَمضى عبيد اللَّهِ إِلَى الْيمن، فَخرج يعلى بن مُنَبّه عَامل عُثْمَان عَلَيْهَا وَأخذ الحواصل وَلحق بِمَكَّة وَصَارَ مَعَ عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسلم إِلَيْهِم المَال.
وَطلب بِدَم عُثْمَان عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعبد اللَّهِ بن عَامر وَجَمَاعَة من بني أُميَّة وَسَارُوا فِي جمع عَظِيم للاستيلاء على الْبَصْرَة واكتفوا بِمُعَاوِيَة فِي أَمر الشَّام وأبى عبد اللَّهِ بن عمر عَن الْمسير مَعَهم.
وَأعْطى يعلى بن مُنَبّه عَائِشَة الْجمل الْمُسَمّى بعسكر اشْتَرَاهُ بِمِائَة دِينَار وَقيل بِثَمَانِينَ فركبته، ومروا بمَكَان اسْمه الحوأب، فنبحنهم كلابه فَقَالَت عَائِشَة: أَي مَاء هَذَا؟ قيل: هَذَا مَاء الحوأب، فصرخت وَقَالَت: إِنَّا للَّهِ وَأَنا إِلَيْهِ رَاجِعُون سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - يَقُول وَعِنْده نساؤه: لَيْت شعري أيتكن ينبحها كلاب الحوأب، ثمَّ ضربت عضد بَعِيرهَا فأناخته وَقَالَت: ردوني، فأناخوا يَوْمًا وَلَيْلَة، وَقَالَ لَهَا عبد اللَّهِ بن الزبير: إِنَّه كذب - يَعْنِي لَيْسَ هَذَا مَاء الحوأب -. وَلم يزل بهَا وَهِي تمْتَنع فَقَالَ: النجا النجا فقد أدرككم عَليّ بن أبي طَالب، فارتحلوا نَحْو الْبَصْرَة واستولوا عَلَيْهَا بعد قتال مَعَ عُثْمَان بن حنيف، وَقتل من أَصْحَاب عُثْمَان بن حنيف أَرْبَعُونَ رجلا وَأمْسك فنتفت لحيته وحاجباه وسجن ثمَّ أطق.
وَسَار عَليّ إِلَى الْبَصْرَة حِين بلغه ذَلِك فِي أَرْبَعَة آلَاف من أهل الْمَدِينَة فيهم أَرْبَعمِائَة مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة وَثَمَانمِائَة من الْأَنْصَار، ورايته مَعَ ابْنه مُحَمَّد بن الحنيفة وعَلى ميمنته الْحسن، وعَلى ميسرته الْحُسَيْن، وعَلى الْخَيل عمار بن يَاسر، وعَلى الرجالة مُحَمَّد بن أبي بكر، وعَلى مقدمته عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس، ومسيره فِي ربيع الآخر مِنْهَا. وَوصل إِلَى ذِي قار فَأَتَاهُ ابْن حنيف وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بعثتني ذَا لحية وجئتك أَمْرَد، فَقَالَ: أصبت أجرا وَخيرا.
(وقْعَة الْجمل)
وَاجْتمعَ إِلَى عَليّ من الْكُوفَة جمع، وَإِلَى عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر جمع، وَسَار بَعضهم إِلَى بعض والتقوا بمَكَان يُقَال لَهُ الخريبة فِي منتصف جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا، ودعا عَليّ الزبير وَقَالَ: أَتَذكر يَوْمًا مَرَرْت مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فِي بني غنم فَنظر إِلَيّ فَضَحكت وَضحك إِلَيّ فَقلت: لَا يدع ابْن أبي طَالب زهوه فَقَالَ لَك رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: إِنَّه لَيْسَ بنزه ولتقاتلنه وَأَنت ظَالِم لَهُ فَقَالَ الزبير: اللَّهُمَّ نعم، وَلَو ذكرته مَا سرت مسيري هَذَا .
стр. 147
وَانْصَرف الزبير طَالبا الْمَدِينَة فَمر بِمَاء لبني تَمِيم وَبِه الْأَحْنَف بن قيس فَقيل للأحنف وَكَانَ اعتزل الْقِتَال -: هَذَا الزبير قد أقبل، فَقَالَ: قد جمع بَين هذَيْن العارين - يَعْنِي العسكرين -، وتركهم وَأَقْبل وَفِي مَجْلِسه عَمْرو بن جرموز الْمُجَاشِعِي فَاتبع الزبير حَتَّى وجده نَائِما بوادي السبَاع فَقتله ثمَّ أقبل بِرَأْسِهِ إِلَى عَليّ، فَقَالَ عَليّ: سَمِعت رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - يَقُول: بشروا قَاتل الزبير بالنَّار. فَقَالَ عَمْرو بن جرموز:
(أتيت عليا بِرَأْس الزبير ... وَقد كنت أحسبها زلفة)
(فبشر بالنَّار قبل العيان ... فبئس الْبشَارَة والتحفة)
(وسيان عِنْدِي قتل الزبير ... وضرطة عير بِذِي الْجحْفَة)
واقتتلوا وَعَائِشَة راكبة الْجمل الْمُسَمّى عسكرا فِي هودج قد صَار كالقنفذ من النشاب، وتمت الْهَزِيمَة على أَصْحَاب عَائِشَة، وَرمى مَرْوَان بن الحكم طَلْحَة بِسَهْم فَقتله وكلهما كَانَا مَعَ عَائِشَة قيل: أخذا بثار عُثْمَان لِأَنَّهُ نسبه إِلَى الْإِعَانَة عَلَيْهِ، وَقطعت على خطام الْجمل أيد كَثِيرَة وَقتل بَينهم خلق كثير قيل: عشرَة آلَاف.
وَلما كثر الْقَتْل على خطام الْجمل قَالَ عَليّ: اعقروا الْجمل، فَضَربهُ رجل فَسقط فَبَقيت عَائِشَة فِي هودجها إِلَى اللَّيْل، وأدخلها أَخُوهَا مُحَمَّد بن أبي بكر الْبَصْرَة إِلَى دَار عبد اللَّهِ خلف. وَطَاف عَليّ فصلى على أَصْحَاب الْجمل ودفنهم، وَلما رأى طَلْحَة قَتِيلا قَالَ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون لقد كنت أكره أَن أرى قُريْشًا صرعى أَنْت وَالله كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(فَتى كَانَ يُدْنِيه الْغنى من صديقه ... إِذا مَا هُوَ اسْتغنى ويبعده الْفقر)
وَصلى عَلَيْهِ، وَلم ينْقل أَنه صلى على قَتْلَى الشَّام بصفين.
ثمَّ أَمر عَليّ عَائِشَة بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَة، فسارت مستهل رَجَب مِنْهُم وشيعها النَّاس، وجهزها عَليّ ﵁ بِمَا احْتَاجَت إِلَيْهِ وسير مَعهَا أَوْلَاده مسيرَة يَوْم، وتوجهت إِلَى مَكَّة فأقامت لِلْحَجِّ تِلْكَ السّنة، ثمَّ رجعت إِلَى الْمَدِينَة.
وَاسْتعْمل عَليّ على الْبَصْرَة عبد اللَّهِ بن عَبَّاس ثمَّ نزل الْكُوفَة، وانتظم لَهُ الْأَمر بالعراق ومصر واليمن والحرمين وَفَارِس وخراسان هَذَا وَمُعَاوِيَة بِالشَّام وَأهل الشَّام مطيعون لَهُ، فَأرْسل إِلَيْهِ عَليّ جرير بن عبد اللَّهِ البَجلِيّ ليَأْخُذ الْبيعَة عَلَيْهِ، فماطله مُعَاوِيَة حَتَّى قدم عَمْرو بن الْعَاصِ من فلسطين فَوجدَ أهل الشَّام يحضون على الطّلب بِدَم عُثْمَان، فَقَالَ لَهُم عَمْرو: وَأَنْتُم على الْحق، وَاتفقَ مَعَ مُعَاوِيَة إِذا ظفر أَن يوليه مصر.
وَأَرَادَ مُعَاوِيَة استمالة قيس بن سعد بن عبَادَة عَامل مصر من جِهَة عَليّ وَكتب إِلَيْهِ بذلك فَأبى، وَكَانَ قيس من دهاة الْعَرَب مداهنا لأهل مصر لِئَلَّا ينضموا إِلَى مُعَاوِيَة، فَكتب مُعَاوِيَة كتابا على لِسَان قيس وقرأه على النَّاس موهما أَن قيسا مَعَه، وَلذَلِك لم يُقَاتل المعتزلين عَنهُ بِمصْر بقرية خربتا. وَبلغ ذَلِك عليا فعزل قيسا عَن مصر وَولى مُحَمَّد بن أبي
стр. 148
بكر، وَلحق قيس بِالْمَدِينَةِ ثمَّ وصل إِلَى عَليّ فَعلم جلية أمره وَقَاتل مَعَه بصفين، ثمَّ سَار مَعَ الْحسن إِلَى أَن سلم الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة.
وَلما وصل مُحَمَّد بن أبي بكر إِلَى مصر واليا وصاه قيس أَن لَا يتَعَرَّض إِلَى العثمانية المعتزلين بخربتا، فَلم يقبل مُحَمَّد ذَلِك فَبعث إِلَيْهِم أَن يدخلُوا فِي بيعَة عَليّ ﵁ فَأَبَوا.
(وقْعَة صفّين)
وَلما اتّفق عَمْرو مَعَ مُعَاوِيَة على حَرْب عَليّ قدم جرير بن عبد اللَّهِ البَجلِيّ على عَليّ ﵁ فَأعلمهُ بذلك، فَسَار عَليّ من الْكُوفَة إِلَى جِهَة مُعَاوِيَة، وَقدم عَلَيْهِ عبد اللَّهِ بن عَبَّاس وَمن مَعَه من اهل الْبَصْرَة، فَقَالَ عَليّ:
(لأصبحن الْعَاصِ وَابْن العَاصِي ... سبعين ألفا عاقدي النواصي)
(مجنبين الْخَيل بالقلاص ... مستحقبين حلق الدلاص)
وحدا بعلي نَابِغَة جعد فَقَالَ:
(قد علم المصران وَالْعراق ... أَن عليا فَحلهَا الْعتاق)
(أَبيض جحجاح لَهُ رواق ... أَن الأولى جاءوك لَا أفاقوا)
(لكم سباق وَلَهُم سباق ... قد علمت ذَلِكُم الرفاق)
وَسَار عَمْرو وَمُعَاوِيَة من دمشق بِأَهْل الشَّام إِلَى جِهَة عَليّ، وتأنى مُعَاوِيَة فِي مسيره حَتَّى اجْتمعت الجموع بصفين، وَخرجت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَالْأَمر على ذَلِك.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَلَاثِينَ: وَمضى الْمحرم والجيشان بصفين يتراسلون بِمَا يطول ذكره بِلَا قتال، وَفِي صفر جرت بَينهم وقعات بصفين قيل: تسعون وقْعَة، وَمُدَّة الْمقَام بهَا مائَة وَعشرَة أَيَّام، وَقتل من أهل الشَّام خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ألفا وَمن الْعرَاق خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا مِنْهُم سِتَّة وَعِشْرُونَ رجلا من أهل بدر.
وَتقدم عَليّ ﵁ إِلَى أَصْحَابه أَن لَا يبدؤهم بِقِتَال وَلَا يقتلُوا مُدبرا وَلَا ياخذوا شَيْئا من أَمْوَالهم وَلَا يكشفوا عَورَة.
قَالَ مُعَاوِيَة: أردْت الانهزام بصفين فتذكرت قَول ابْن الأطنابة فَثَبت وَكَانَ جاهليا والأطنابة امْرَأَة وَهُوَ قَوْله:
(أَبَت لي همتي وحياء نَفسِي ... وإقدامي على البطل المشيح)
(وإعطائي على الْمَكْرُوه مَالِي ... وأخذي الْحَمد بِالثّمن الربيح)
(وَقَوْلِي كلما جشأت وجاشت ... رويدك تحمدي أَو تستريحي)
وَقَاتل عمار بن يَاسر مَعَ عَليّ وَقد نَيف على تسعين سنة والحربة فِي يَده وَيَده ترْعد وَقَالَ: هَذِه راية قَاتَلت بهَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - ثَلَاث مَرَّات وَهَذِه الرَّابِعَة، ودعا بِمَاء ليشْرب فَجَاءَتْهُ امْرَأَة بقدح من لبن، فَشرب مِنْهُ ثمَّ قَالَ: صدق اللَّهِ وَرَسُوله .
стр. 149
(الْيَوْم ألْقى الْأَحِبَّة ... مُحَمَّدًا وَحزبه)
قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: إِن آخر رِزْقِي من الدُّنْيَا صيخة لبن - والصيخ اللَّبن الرَّقِيق الممزوج - وارتجز:
(نَحن قتلناكم على تَأْوِيله ... كَمَا قتلناكم على تَنْزِيله)
(ضربا يزِيل الْهَام عَن مقليه ... وَيذْهل الْخَلِيل عَن خَلِيله)
وَقَاتل حَتَّى اسْتشْهد ﵃ أَجْمَعِينَ، وَفِي الصَّحِيح أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " تقتل عمارا الفئة الباغية ". قيل: قَتله أَبُو عَادِية بِرُمْح، وَاحْترز آخر رَأسه وأقبلا يختصمان إِلَى عَمْرو وَمُعَاوِيَة كل مِنْهُمَا يَقُول: أَنا قتلته، فَقَالَ عَمْرو: إنَّكُمَا فِي النَّار، فَلَمَّا انصرفا قَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو: مَا رَأَيْت مِثْلَمَا صرفت قوما بذلوا أنفسهم دُوننَا، فَقَالَ عَمْرو: هُوَ وَالله ذَلِك وَالله إِنَّك لتعلمه ولوددت أَنِّي كنت مت قبل هَذَا بِعشْرين سنة.
وَبعد قتل عمار انتدب عَليّ ﵁ عشْرين ألفا وَحمل بهم، فَلم يبْق لأهل الشَّام صف إِلَّا انْتقض وَعلي يَقُول:
(أقتلهم وَلَا أرى مُعَاوِيَة ... الجاحظ الْعين الْعَظِيم الخاوية)
ثمَّ نَادَى: يَا مُعَاوِيَة علام تقتل النَّاس مَا بَيْننَا هَلُمَّ أحاكمك إِلَى اللَّهِ فأينا قتل صَاحبه استقامت لَهُ الْأُمُور فَقَالَ عَمْرو: أنصفك ابْن عمك، فَقَالَ مُعَاوِيَة: مَا أنصف إِنَّك تعلم أَنه لم يبرز إِلَيْهِ أحد إِلَّا قَتله، فَقَالَ عَمْرو: وَمَا يحسن بك ترك مبارزته، فَقَالَ مُعَاوِيَة: طمعت فِي الْأَمر بعدِي؟ .
ثمَّ تقاتلوا لَيْلَة الهرير شبهت بليلة الْقَادِسِيَّة وَكَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة وَاسْتمرّ الْقِتَال إِلَى الصُّبْح، قيل: كبر على تِلْكَ اللَّيْلَة أَرْبَعمِائَة تَكْبِيرَة وَكَانَ عَادَته كلما قتل كبر، ودام إِلَى ضحى الْجُمُعَة، وَقَاتل الأشتر قتالا عَظِيما حَتَّى انْتهى إِلَى معسكرهم وأمده عَليّ ﵁ بِالرِّجَالِ.
وَلما رأى عَمْرو ذَلِك قَالَ: هَلُمَّ نرفع الْمَصَاحِف على الرماح ونقول: هَذَا كتاب اللَّهِ بَيْننَا وَبَيْنكُم، فَفَعَلُوا ذَلِك، فَقَالَ أهل الْعرَاق لعَلي: أَلا تجيب إِلَى كتاب اللَّهِ؟ فَقَالَ عَليّ ﵁: امضوا على حقكم وصدقكم فِي قتال عَدوكُمْ فَإِن عمرا وَمُعَاوِيَة وَابْن أبي معيط وَابْن أبي سرح وَالضَّحَّاك بن قيس لَيْسُوا بأصحاب دين وَلَا قُرْآن وَأَنا أعرف بهم مِنْكُم وبحكم اللَّهِ، وَالله مَا رفعوها إِلَّا خديعة ومكيدة، فَقَالُوا: لَا تَمْنَعنَا أَن ندعي إِلَى كتاب اللَّهِ فتأبي، فَقَالَ عَليّ: إِنِّي إِنَّمَا قاتلتهم ليدينوا بِحكم كتاب اللَّهِ فَإِنَّهُم قد عصوا اللَّهِ فِيمَا أَمرهم، فَقَالَ لَهُ مَسْعُود بن فدك التَّمِيمِي وَزيد بن حُصَيْن الطَّائِي فِي عِصَابَة من الَّذين صَارُوا خوارج: يَا عَليّ أجب إِلَى كتاب اللَّهِ إِذا دعيت إِلَيْهِ وَإِلَّا دفعناك برمتك إِلَى الْقَوْم ونفعل بك مَا فعلنَا بعثمان بن عَفَّان، فَقَالَ عَليّ ﵁: إِن تطيعوني فَقَاتلُوا وَإِن تعصوني فافعلوا مَا بدا لكم، قَالُوا: وَابعث إِلَى الإشتر فليأتك، فَبعث إِلَيْهِ يَدعُوهُ فَقَالَ الأشتر
стр. 150
للرسول: لَيْسَ هَذِه السَّاعَة الَّتِي يَنْبَغِي لَك أَن تزيلني عَن موقفي، فَرجع الرَّسُول وَأخْبرهُ بالْخبر وَارْتَفَعت الْأَصْوَات وَكثر الرهج من جِهَة الشتر، فَقَالُوا لعَلي: مَا نرَاك أَمرته إِلَّا بِالْقِتَالِ، فَقَالَ: هَل رَأَيْتُمُونِي ساررت الرَّسُول إِلَيْهِ أَلَيْسَ كَلمته وَأَنْتُم تَسْمَعُونَ؟ قَالُوا: فأبعث إِلَيْهِ ليأتك وَإِلَّا اعتزلناك، فَرجع إِلَيْهِ الرَّسُول وأعلمه فَقَالَ: قد علمت وَالله أَن رفع الْمَصَاحِف يُوقع اخْتِلَافا وَأَنَّهَا مشورة ابْن العاهرة، وَرجع الأشتر إِلَى عَليّ وَقَالَ خدعتم فانخدعتم، وَكَانَ غَالب من نهى عَن الْقِتَال قراء.
وَلما كفوا عَن الْقِتَال سَأَلُوا مُعَاوِيَة لأي شَيْء رفعت الْمَصَاحِف؟ قَالَ: لتنصبوا حكما مِنْكُم وَحكما منا ونأخذ عَلَيْهِمَا أَن يعملا بِمَا فِي كتاب اللَّهِ ثمَّ نتبع مَا اتفقَا عَلَيْهِ، فَأجَاب الْفَرِيقَانِ إِلَى ذَلِك؛ فَقَالَ الْأَشْعَث بن قيس وَهُوَ من أكبر الْخَوَارِج: إِنَّا قد رَضِينَا بِأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، فَقَالَ عَليّ: قد عصيتموني فِي أول الْأَمر فَلَا تعصوني الْآن لَا أرى أَن أولي أَبَا مُوسَى، فَقَالُوا: لَا نرضى إِلَّا بِهِ، فَقَالَ عَليّ ﵁: إِنَّه قد فارقني وخذل عني النَّاس ثمَّ هرب مني حِين أمنته بعد أشهر وَلَكِن ابْن عَبَّاس أولى مِنْهُ، فَقَالُوا: ابْن عَبَّاس ابْن عَمَلك وَلَا نُرِيد إِلَّا رجلا هُوَ مِنْك وَمن مُعَاوِيَة سَوَاء، قَالَ عَليّ: فالأشتر، فَأَبَوا وَقَالُوا: وَهل أسعرها إِلَّا الأشتر.
فاضطر عَليّ ﵁ إِلَى إجابتهم وَأخرج أَبَا مُوسَى، وَأخرج مُعَاوِيَة عَمْرو بن الْعَاصِ، وَاجْتمعَ الحكمان عِنْد عَليّ وَكتب بِحُضُورِهِ: هَذَا مَا تقاضى عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ، فَقَالَ عَمْرو: وَهُوَ أميركم وَأما أميرنا فَلَا؟ فَقَالَ الْأَحْنَف: لَا تمحوا اسْم أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ الْأَشْعَث بن قيس: امح هَذَا الِاسْم، فَأجَاب عَليّ ومحاه وَقَالَ: اللَّهِ أكبر سنة بِسنة وَالله إِنِّي لكاتب رَسُول ﷺ َ - يَوْم الْحُدَيْبِيَة فَكتبت مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ فَقَالُوا: لست برَسُول اللَّهِ وَلَكِن اكْتُبْ بِاسْمِك وَاسم أَبِيك فَأمرنِي رَسُول اللَّهِ بمحوه فَقلت لَا أَسْتَطِيع قَالَ: فأرني فأريته فمحاه بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ: إِنَّك ستدعى إِلَى مثلهَا فتجيب.
فَقَالَ عَمْرو: سُبْحَانَ اللَّهِ أتشبهنا بالكفار وَنحن مُؤمنُونَ؟ فَقَالَ عَليّ: يَا ابْن النَّابِغَة وَمَتى لم تكن للفاسقين وليا وَلِلْمُؤْمنِينَ عدوا؟ فَقَالَ عَمْرو: وَالله لَا يجمع بيني وَبَيْنك مجْلِس بعد الْيَوْم، فَقَالَ عَليّ ﵁: إِنِّي لأرجو أَن يطهر اللَّهِ مجلسي مِنْك وَمن أشباهك.
وَكتب الْكتاب فَمِنْهُ: هَذَا مَا تقاضي عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قَاضِي عَليّ على أهل الْكُوفَة وَمن مَعَهم وقاضي مُعَاوِيَة على أهل الشَّام وَمن مَعَهم أَنا ننزل عِنْد حكم اللَّهِ وَكتابه نحيي مَا احيا ونميت مَا امات فَمَا وجد الحكمان فِي كتاب اللَّهِ وهما أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد اللَّهِ بن قيس وَعَمْرو بن الْعَاصِ عملا بِهِ وَمَا لم يجدا فِي كتاب اللَّهِ فَالسنة العادلة وَأخذ الحكمان من عَليّ وَمُعَاوِيَة وَمن الجندين المواثيق أَنَّهُمَا أمينان على أَنفسهمَا وأهلهما وَالْأمة لَهما أنصار على الَّذِي يتقاضيان عَلَيْهِ وأجلا الْقَضَاء إِلَى رَمَضَان من
стр. 151
هَذِه السّنة وَإِن أحبا أَن يؤخرا ذَلِك أخراه، وَكتب فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة خلت من صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ على أَن يوافي عَليّ وَمُعَاوِيَة مَوضِع الْحكمَيْنِ بدومة الجندل فِي رَمَضَان فَإِن لم يجتمعا لذَلِك اجْتمعَا من الْعَام الْمقبل بأذرح.
ثمَّ سَار عَليّ ﵁ إِلَى الْعرَاق إِلَى الْكُوفَة وَلم يدخلهَا الْخَوَارِج مَعَه بل اعتزلوا عَنهُ.
ثمَّ فِي هَذِه السّنة بعث عَليّ لِلْمِيعَادِ أَرْبَعمِائَة رجل فيهم أَبُو مُوسَى وَعبد اللَّهِ بن عَبَّاس ليُصَلِّي بهم وَلم يحضر عَليّ، وَبعث مُعَاوِيَة عَمْرو بن الْعَاصِ فِي أَرْبَعمِائَة ثمَّ جَاءَ مُعَاوِيَة واجتمعوا بأذرح، وَشهد مَعَهم عبد اللَّهِ بن عَمْرو وَعبد اللَّهِ بن الزبير والمغيرة بن شُعْبَة، والتقى الحكمان فَدَعَا عَمْرو أَبَا مُوسَى أَن يَجْعَل الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة، فَأبى وَقَالَ: لم أكن لأوليه وأدع الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين، ودعا أَبُو مُوسَى عمرا إِلَى أَن يَجْعَل الْأَمر إِلَى عبد اللَّهِ بن عمر بن الْخطاب، فَأبى عَمْرو، ثمَّ قَالَ عَمْرو: مَا ترى أَنْت؟ فَقَالَ: أرى أَن نخلع عليا وَمُعَاوِيَة ونجعل الْأَمر شُورَى بَين الْمُسلمين، فأظهر لَهُ عَمْرو أَن هَذَا هُوَ الرَّأْي.
ثمَّ أَقبلَا إِلَى النَّاس وَقد اجْتَمعُوا فَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِن رَأينَا قد اتّفق على أَمر نرجو بِهِ صَلَاح هَذِه الْأمة، فَقَالَ عَمْرو: صدق تقدم فَتكلم يَا أَبَا مُوسَى، فَلَمَّا تقدم لحقه ابْن عَبَّاس وَقَالَ لَهُ: وَيحك إِنِّي أَظن أَنه خدعك إِن كنتما قد اتفقتما على أَمر فقدمه قبلك فَإِنِّي لَا آمن أَن يخالفك، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: إِنَّا قد اتفقنا، فَحَمدَ اللَّهِ وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَيهَا النَّاس إِنَّا لم نر أصلح لأمر هَذِه الْأمة من أَمر قد أجمع عَلَيْهِ رَأْيِي ورأي عَمْرو وَهُوَ أَن نخلع عليا وَمُعَاوِيَة فَاسْتَقْبلُوا أَمركُم وولوا عَلَيْكُم من رَأَيْتُمُوهُ لهَذَا الْأَمر أَهلا، ثمَّ تنحى وَأَقْبل عَمْرو فَقَامَ مقَامه فَحَمدَ اللَّهِ وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: إِن هَذَا قد قَالَ مَا سَمِعْتُمْ وخلع صَاحبه وَأَنا أَخْلَع صَاحبه كَمَا خلعه وَأثبت صَاحِبي فَإِنَّهُ ولي عُثْمَان والطالب بدمه وأحق النَّاس بمقامه، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ: مَا لَك لَا وفقك اللَّهِ غدرت وفجرت، وَركب أَبُو مُوسَى وَلحق بِمَكَّة حَيَاء، وَانْصَرف عَمْرو وَأهل الشَّام إِلَى مُعَاوِيَة فَسَلمُوا عَلَيْهِ بالخلافة، وَمِنْهَا أَخذ أَمر عَليّ فِي الضعْف وَأمر مُعَاوِيَة فِي الْقُوَّة.
وَلما اعتزلت الْخَوَارِج عليا ﵁ دعاهم إِلَى الْحق، فامتنعوا وَقتلُوا رسله وَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف، ووعظهم ونهاهم عَن الْقِتَال فتفرقت مِنْهُم جمَاعَة وَبَقِي مَعَ عبد اللَّهِ بن وهب جمَاعَة على ضلاتهم، وقاتلوا فَقتلُوا عَن أخرهم، وَقتل من أَصْحَاب عَليّ سَبْعَة أَوَّلهمْ يزِيد بن نُوَيْرَة شهد أحدا، وَرجع عَليّ إِلَى الْكُوفَة وحض النَّاس على قتال مُعَاوِيَة فتقاعدوا وَقَالُوا: نستريح ونصلح عدتنا، فَدخل لذَلِك الْكُوفَة.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ: فِيهَا جهز مُعَاوِيَة عمرا بعسكر إِلَى مصر وَكتب مُحَمَّد بن أبي بكر يستنجد عليا، فَأرْسل إِلَيْهِ الأشتر فسقي فِي القلزم عسلا مسموما فَمَاتَ فَقَالَ مُعَاوِيَة: إِن لله جندا من عسل.
стр. 152
وَوصل عَمْرو مصر وقاتله أَصْحَاب مُحَمَّد بن أبي بكر فَهَزَمَهُمْ عَمْرو وتفرق عَن مُحَمَّد أَصْحَابه فَمشى مُحَمَّد حَتَّى انْتهى إِلَى خربة فَقبض عَلَيْهِ وَأتوا بِهِ مُعَاوِيَة بن خديج فَقتله فِي هَذِه السّنة وألقاه فِي جيفة حمَار وَأحرقهُ بالنَّار، وَدخل عَمْرو مصر وَبَايع أَهلهَا لمعاوية، وقنتت عَائِشَة فِي دبر كل صَلَاة تَدْعُو على مُعَاوِيَة وَعَمْرو بِسَبَب قتل أَخِيهَا مُحَمَّد، وجزع عَليّ لمقتله وَقَالَ: عِنْد اللَّهِ نحتسبه.
ثمَّ بَث مُعَاوِيَة سراياه على عُمَّال عَليّ، فَبعث النُّعْمَان بن بشير إِلَى عين النَّهر فنهب وَهزمَ من بهَا من أَصْحَاب عَليّ، وَبعث سُفْيَان بن عَوْف إِلَى هيت والأنبار فنهب وَرجع بِمَا بهَا من المَال إِلَى مُعَاوِيَة، وسير عبد اللَّهِ بن سعد الْفَزارِيّ إِلَى الْحجاز فَجهز عَليّ ﵁ إِلَيْهِ خيلا فالتقوه بتيماء، فَانْهَزَمَ أَصْحَاب مُعَاوِيَة وَلَحِقُوا بِالشَّام؛ كل هَذَا وَعلي يخْطب الْخطب البليغة ويجتهد على الْخُرُوج لقِتَال مُعَاوِيَة وَعَسْكَره يتقاعد عَنهُ.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَلَاثِينَ: وَالْأَمر كَذَلِك.
وفيهَا: بعث عبد اللَّهِ بن عَبَّاس وَهُوَ عَامل الْبَصْرَة زيادا إِلَى فَارس، فَأصْلح مَا اخْتَلَّ مِنْهَا بِسَبَب قتال عَليّ وَمُعَاوِيَة وضبطها حَتَّى قَالَت الْفرس: مَا رَأينَا مثل سياسة أنوشروان إِلَّا سياسة هَذَا الْعَرَبِيّ.
ثمَّ دخلت سنة أَرْبَعِينَ: وكل وَاحِد من عَليّ وَمُعَاوِيَة يقنت وَيَدْعُو على الآخر وَأَصْحَابه.
وفيهَا: بعث مُعَاوِيَة بسر بن أَرْطَأَة فِي عَسْكَر إِلَى الْحجاز، فهرب أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ عَامل عَليّ على الْمَدِينَة وَلحق بعلي، وَسَفك بسر بهما الدِّمَاء واستكره النَّاس على بيعَة مُعَاوِيَة، ثمَّ سَار إِلَى الْيمن وَقتل ألوفا، فهرب مِنْهُ عبيد اللَّهِ بن الْعَبَّاس عَامل عَليّ بِالْيمن، فَوجدَ لِعبيد اللَّهِ ابْنَيْنِ صبيين فذبحهما وأتى بعظيمة فَقَالَت أمهما عَائِشَة بنت عبد اللَّهِ بن عبد المدان تبكيهما:
(هَا من أحسن ابْني اللَّذين هما ... كالدرتين تشظى عَنْهُمَا الصدف)
(هَا من أحسن ابْني اللَّذين هما ... قلبِي وسمعي فقلبي الْيَوْم يختطف)
(من دلّ والهة حرى مدلهمة ... على صبيين ذلا إِذْ غَدا السّلف)
(خبرت بسرا وَمَا صدقت مَا زَعَمُوا ... من إفكة وَمن القَوْل الَّذِي اقترفوا)
(مقتل عَليّ ﵁
قيل: اجْتمع ثَلَاثَة من الْخَوَارِج وهم: عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي وَعَمْرو بن بكير التَّمِيمِي والبرك بن عبد اللَّهِ التَّمِيمِي وَقيل: اسْمه الْحجَّاج، فَذكرُوا إخْوَانهمْ من المارقة المقتولين بالنهروان فَقَالُوا: لَو قتلنَا أَئِمَّة الضَّلَالَة أَرحْنَا مِنْهُم الْعباد، فَقَالَ ابْن ملجم: أَنا
стр. 153
أكفيكم عليا، وَقَالَ البرك: أَنا أكفيكم مُعَاوِيَة، وَقَالَ عَمْرو بن بكير: أَنا أكفيكم عَمْرو بن الْعَاصِ: وتعاهدوا أَن لَا فرار وسحبوا سيوفا مَسْمُومَة، وتواعدوا لسبع عشرَة تمْضِي من رَمَضَان مِنْهَا.
وَاتفقَ مَعَ ابْن ملجم وردان من تيم الربَاب، وشبيب من أَشْجَع، ووثبوا على عَليّ ﵁ وَقد خرج إِلَى الصَّلَاة الْغَدَاة، فَضَربهُ شبيب فَوَقع سَيْفه فِي الطاق فهرب شبيب وَنَجَا وضربه ابْن ملجم فِي جَبهته، وهرب وردان، فَأمْسك ابْن ملجم وأحضر مكتوفا بَين يَدي عَليّ ﵁.
ودعا الْحسن وَالْحُسَيْن وَقَالَ: أوصيكما بتقوى اللَّهِ، وَلَا تبغيا الدُّنْيَا، وَلَا تبكيا على شَيْء زوي عنكما مِنْهَا، ثمَّ لم ينْطق إِلَّا بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّهِ حَتَّى قبض.
قلت: قَالَ الإسفرايني فِي معالم الْإِسْلَام: روى عمار أَن النَّبِي ﷺ َ - رأى عليا نَائِما فِي بعض الْغَزَوَات على التُّرَاب فَقَالَ: " مَا لَك يَا أَبَا تُرَاب "، ثمَّ قَالَ: " أَلا أحدثتكم بِأَشْقَى النَّاس؟ رجلَيْنِ، قُلْنَا بلَى، قَالَ: أجثم قمود وَالَّذِي يَضْرِبك بِأَعْلَى هَذِه - فَوضع يَده على قرنه - حَتَّى تبتل مِنْك هَذِه وَأخذ بلحيته، وَفِي رِوَايَة أَنه قَالَ لعَلي: إِنَّك لَا تَمُوت حَتَّى تُؤمر فَإِذا أمرت خضبت هَذِه من هَذِه، ثمَّ قَالَ ﷺ َ -: يقتلك أَشْقَى مُرَاد ".
ويروى: أَن عليا ﵁ كَانَ إِذا رأى ابْن ملجم يَقُول لَهُ: يَا أشقاها مَتى تخضب هَذِه من هَذِه ثمَّ ينشد:
(أُرِيد حَيَاته وَيُرِيد قَتْلِي ... عذيرك من خيلك من مُرَاد)
وَالله أعلم.
وَأما البرك فَوَثَبَ على مُعَاوِيَة تِلْكَ اللَّيْلَة وضربه بِالسَّيْفِ فَوَقع فِي ألييه فأمسكوه، فَقَالَ لمعاوية: إِنِّي أُبَشِّرك فَلَا تقتلني، فَقَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: إِن رفيقي قتل عليا هَذِه اللَّيْلَة فَقَالَ مُعَاوِيَة: لَعَلَّه لم يقدر عَلَيْهِ، قَالَ بلَى إِن عليا لَيْسَ مَعَه من يَحْرُسهُ، فَقتله مُعَاوِيَة.
وَأما عَمْرو بن بكير فَجَلَسَ تِلْكَ اللَّيْلَة لِابْنِ الْعَاصِ فَلم يخرج للصَّلَاة، وَأمر خَارِجَة بن أبي حَبِيبَة صَاحب شرطته أَن يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَخرج، فَشد عَلَيْهِ عَمْرو بن بكير فَقتله وَهُوَ يَظُنّهُ ابْن الْعَاصِ، فَأَخَذُوهُ إِلَى عَمْرو فَقَالَ: من هَذَا؟ قَالُوا: عَمْرو، فَقَالَ: أَنا من قتلت؟ قَالُوا: خَارِجَة، فَقَالَ: أردْت عمرا، وَأَرَادَ اللَّهِ خَارِجَة.
وَلما مَاتَ عَليّ ﵁ أخرج ابْن ملجم من الْحَبْس، فَقطع عبد اللَّهِ بن جَعْفَر يَده ثمَّ رجله، وكلت عَيناهُ بمسمار محمى وَقطع لِسَانه وأحرق. ولعمران بن حطَّان الْخَارِجِي كَاذِبًا مخزيا:
(يَا ضَرْبَة من ولي مَا أَرَادَ بهَا ... إِلَّا ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا)
(إِنِّي لأذكره يَوْمًا فأحسبه ... أوفى الْبَريَّة عِنْد اللَّهِ ميزانا)
стр. 154
قلت: وَلأبي الطّيب الطَّبَرِيّ صَادِقا مهديا:
(يَا ضَرْبَة من شقي مَا أَرَادَ بهَا ... إِلَّا ليهْدم لِلْإِسْلَامِ اركان)
(إِنِّي لأذكره يَوْمًا فألعنه ... لذاك ألعن عمرَان بن حطانا)
ولبعضهم:
(وليتها إِذْ فدت عمرا بخارجه ... فدت عليا بِمن شَاءَت من الْبشر)
وَالله أعلم.
وَعمر عَليّ ﵁ قيل ثَلَاث وَسِتُّونَ، وَقيل: خمس وَسِتُّونَ، وَقيل: تسع وَخَمْسُونَ. وخلافته خمس سِنِين إِلَّا ثَلَاثَة أشهر.
وقبره قيل فِيمَا يَلِي قبْلَة الْمَسْجِد بِالْكُوفَةِ، وَقيل: عِنْد قصر الْإِمَارَة، وَقيل: حوله الْحسن إِلَى الْمَدِينَة إِلَى البقيع عِنْد فَاطِمَة ﵃. قَالَ الْمُؤلف ﵀: وَالأَصَح الَّذِي ارْتَضَاهُ ابْن الْأَثِير وَغَيره: أَنه بالنجف.
(صفته ﵁
كَانَ شَدِيد الأدمة عَظِيم الْعَينَيْنِ بطينا أصلع عَظِيم اللِّحْيَة كثير شعر الصَّدْر مائلا إِلَى الْقصر حسن الْوَجْه لَا يُغير شَيْبه كثير التبسم، كَانَ حَاجِبه مَوْلَاهُ قنبر وَصَاحب شرطته نفَيْل بن قيس الريَاحي، وقاضية شريحا، استقضاه عمر بِالْكُوفَةِ واشتهر بهَا إِلَى أَيَّام الْحجَّاج.
وَأول أَزوَاج عَليّ ﵁ فَاطِمَة لم يتَزَوَّج عَلَيْهَا فِي حَيَاتهَا وَولدت لَهُ الْحسن وَالْحُسَيْن ومحسنا مَاتَ صَغِيرا وَزَيْنَب وَأم كُلْثُوم زَوْجَة عمر بن الْخطاب، وَبعد وَفَاة فَاطِمَة تزوج أم الْبَنِينَ بنت حزَام الْكلابِيَّة فَولدت لَهُ الْعَبَّاس وجعفرا وَعبد اللَّهِ وَعُثْمَان، قتل الْأَرْبَعَة مَعَ الْحُسَيْن وَلم يعقب مِنْهُم غير الْعَبَّاس، وَتزَوج ليلى بنت مَسْعُود بن خَالِد النَّهْشَلِي التَّمِيمِي وَولدت لَهُ عبد اللَّهِ وَأَبا بكر قتلا مَعَ الْحُسَيْن أَيْضا، وَتزَوج أَسمَاء بنت عُمَيْس وَولدت لَهُ مُحَمَّدًا الْأَصْغَر وَيحيى وَلَا عقب لَهما، وَولد لَهُ من الصهبا بنت ربيعَة الثعلبية من سبي خَالِد بِعَين النَّهر عمر ورقية، وعاش عمر الْمَذْكُور خمْسا وَثَمَانِينَ سنة وَحَازَ نصف مِيرَاث أَبِيه وَمَات بينبع وَله عقب. وَتزَوج عَليّ أَيْضًا أُمَامَة بنت أبي الْعَاصِ بن الرّبيع بن عبد شمس بن عبد منَاف وَأمّهَا زَيْنَب بنت رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَولدت لَهُ مُحَمَّد الْأَوْسَط وَلَا عقب لَهُ. وَولد لَهُ من خوله بنت جَعْفَر الْحَنَفِيَّة مُحَمَّد الْأَكْبَر بن الْحَنَفِيَّة وَله عقب.
وَكَانَ لَهُ بَنَات من أُمَّهَات شَتَّى مِنْهُنَّ أم حسن ورملة الْكُبْرَى من ام سعيد بنت عُرْوَة، وَمن بَنَاته أم هانىء ومَيْمُونَة وَزَيْنَب الصُّغْرَى ورملة الصُّغْرَى وَأم كُلْثُوم الصُّغْرَى وَفَاطِمَة وأمامة وَخَدِيجَة وَأم الْكِرَام وَأم سَلمَة وَأم جَعْفَر وجمانة ونفيسة فبنوه الذُّكُور كلهم أَرْبَعَة عشر لم يعقب مِنْهُم إِلَّا خَمْسَة الْحسن وَالْحُسَيْن وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة وَالْعَبَّاس وَعمر.
стр. 155
(شَيْء من فضائله ﵁
من ذَلِك: مشاهده مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -، وَأَخُوهُ رَسُول اللَّهِ لَهُ، وَسبق إِسْلَامه وَقَوله ﷺ َ - يَوْم خَيْبَر: " لَأُعْطيَن الرَّايَة رجلا يحب اللَّهِ وَرَسُوله " الحَدِيث، وَقَوله ﷺ َ -: " من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ "، وَقَوله ﷺ َ -: " أما ترْضى أَن تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى "، وَقَوله ﷺ َ -: " أقضاكم عَليّ "
وحاكم نَصْرَانِيّا فِي درع إِلَى شُرَيْح، فَقَالَ شُرَيْح لعَلي: أَلَك بَينه؟ قَالَ: لَا، وَهُوَ يضْحك، فَأخذ النَّصْرَانِي الدرْع وَمَشى يَسِيرا، ثمَّ عَاد وَقَالَ: أشهد أَن هَذِه أَحْكَام الْأَنْبِيَاء، ثمَّ أسلم واعترف بِسُقُوط الدرْع من عَليّ، ففرح بِإِسْلَامِهِ، ووهبه الدرْع وفرسا وَشهد مَعَه الْخَوَارِج فَقتل وَحمل سلْعَته فِي يَده.
وَكَانَ يقسم مَا فِي بَيت المَال كل جُمُعَة، وَدخل مرّة بَيت المَال فَوجدَ الذَّهَب وَالْفِضَّة فَقَالَ: يَا صفرا اصفري، وَيَا بيضًا ابيضي، وغري غَيْرِي لَا حَاجَة لي فِيك.
وقصده أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأمه عقيل يسترفده فَلم يجد عِنْده مَا يطْلب، فلحق بِمُعَاوِيَة وَكَانَ مَعَ مُعَاوِيَة يَوْم صفّين فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة يمازحه: يَا أَبَا يزِيد أَنْت الْيَوْم مَعنا، قَالَ: وَيَوْم بدر كنت أَيْضا مَعكُمْ، وَكَانَ عقيل يَوْم بدر مَعَ الْمُشْركين هُوَ وَالْعَبَّاس.
(بيعَة الْحسن ﵁
وَبعد وَفَاة عَليّ ﵁ بُويِعَ الْحسن ابْنه، فَكتب إِلَيْهِ عبد اللَّهِ بن عَبَّاس من مَكَّة يحضه على جِهَاد عدوه، وَكَانَ ابْن عَبَّاس قد أَخذ من الْبَصْرَة مَالا وَلحق بِمَكَّة قبل مقتل عَليّ؛ وَأول من بَايعه قيس بن سعد بن عبَادَة فَقَالَ: أبسط يدك على كتاب اللَّهِ وَسنة رَسُوله وقتال الْمُخَالفين، فَقَالَ الْحسن: على كتاب اللَّهِ وَسنة رَسُوله فَإِنَّهُمَا ثابتان، وَبَايَعَهُ النَّاس؛ وَكَانَ الْحسن يشْتَرط أَنهم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حَارَبت، فارتابوا من ذَلِك فَقَالُوا: مَا هَذَا لكم بِصَاحِب وَمَا يُرِيد الْقِتَال.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين: قيل أَن عليا تجهز قبل مَوته لقِتَال مُعَاوِيَة وَبَايع أَرْبَعِينَ ألفا على الْمَوْت فاتفق قَتله، فَلَمَّا بُويِعَ الْحسن بلغه مسير أهل الشَّام مَعَ مُعَاوِيَة لقتاله، فتجهز الْحسن فِي ذَلِك الْجَيْش وَسَار عَن الْكُوفَة فِي لِقَاء مُعَاوِيَة وَوصل الْمَدَائِن، وَجعل على مقدمته قيس بن سعد فِي اثْنَي عشر ألفا، وَقيل بل عبيد اللَّهِ بن عَبَّاس، وَجرى فِي عسكره فتْنَة، قيل نازعوا الْحسن بساطا تَحْتَهُ فَدخل الْمَقْصُورَة الْبَيْضَاء بِالْمَدَائِنِ وَنَفر قلبه من ذَلِك الْعَسْكَر، فَكتب إِلَى مُعَاوِيَة وَاشْترط شُرُوطًا إِن أَجَابَهُ إِلَيْهَا سمع وأطاع، فَأَجَابَهُ مُعَاوِيَة إِلَيْهَا؛ والشروط: أَن يُعْطِيهِ مَا فِي بَيت مَال الْكُوفَة، وخراج دَار أبجرد من فَارس، وَأَن لَا يسب عليا؛ فَلم يجب إِلَى الْكَفّ عَن السب، فَطلب أَن لَا يسب وَهُوَ يسمع، فَأَجَابَهُ وَمَا وَفِي بِهِ، وَقيل: إِنَّه وَصله بأربعمائة ألف دِرْهَم، وَلم يصله شَيْء من خراج دَار أبجرد.
стр. 156
وَدخل مُعَاوِيَة الْكُوفَة وَبَايَعَهُ النَّاس، وَجَرت بَين قيس بن سعد بن عبَادَة وَعبيد اللَّهِ بن عَبَّاس، وَبَين مُعَاوِيَة مراسلات آخرهَا المبايعه بِمن مَعَهُمَا وشرطا أَن لَا يطالبا بِمَال وَلَا دم، ووفي لَهما مُعَاوِيَة، وَلحق الْحسن بِالْمَدِينَةِ وَأهل بَيته.
وَقيل سلم الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة فِي ربيع الأول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وَقيل فِي ربيع الآخر، وَقيل فِي جُمَادَى الأولى، وعَلى هَذَا فخلافته على القَوْل الأول خَمْسَة أشهر وَنَحْو نصف شهر وعَلى الثَّانِي سِتَّة أشهر وَكسر.
روى سفينة أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " الْخلَافَة بعدِي ثَلَاثُونَ سنة ثمَّ تكون ملكا عَضُوضًا ". وَكَانَ آخر الثَّلَاثِينَ يَوْم خلع الْحسن نَفسه من الْخلَافَة.
وَأقَام الْحسن بِالْمَدِينَةِ إِلَى أَن توفّي بهَا فِي ربيع الأول سنة تسع وَأَرْبَعين، ومولده بِالْمَدِينَةِ سنة ثَلَاث من الْهِجْرَة، وَهُوَ أكبر من الْحُسَيْن بِسنة وَكَانَ مطلاقا وَله خَمْسَة عشر ولدا ذكرا وثماني بَنَات، كَانَ يشبه النَّبِي ﷺ َ - من رَأسه إِلَى سرته، وَالْحُسَيْن يشبه النَّبِي ﷺ َ - من سرته إِلَى قدمه.
وَقيل إِن زَوجته جعدة بنت الْأَشْعَث سمته، قيل بِأَمْر مُعَاوِيَة، وَقيل بِأَمْر يزِيد أطمعها بالتزوج بهَا وَلم يَفِ؛ وَأوصى الْحسن أَن يدْفن عِنْد جده، فَمنع مَرْوَان بن الحكم وَالِي الْمَدِينَة من ذَلِك وكادت تكون فتْنَة بَين الأمويين والهاشميين، فَدفن بِالبَقِيعِ
وَبلغ مُعَاوِيَة موت الْحسن فَسجدَ، فَقَالَ بَعضهم:
(أصبح الْيَوْم ابْن هِنْد شامتا ... ظَاهرا النخوة إِذْ مَاتَ الْحسن)
(يَا ابْن هِنْد إِن تذق كأس الردى ... تَكُ فِي الدَّهْر كشيء لم يكن)
(لست بِالْبَاقِي فَلَا تشمت بِهِ ... كل حَيّ للمنايا مُرْتَهن)
فِي الصَّحِيح: ان النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " الْحسن وَالْحُسَيْن سيدا شباب أهل الْجنَّة وأبوهما خير مِنْهُمَا ".
قلت: سُئِلَ الشَّيْخ الزَّاهِد محيي الدّين النَّوَوِيّ عَن قَوْله ﷺ َ -: " الْحسن وَالْحُسَيْن سيدا شباب أهل الْجنَّة "، مَا مَعْنَاهُ؟ فَأجَاب بِجَوَاب مِنْهُ معنى الحَدِيث: أَن الْحسن وَالْحُسَيْن وَإِن مَاتَا شيخين فهما سيدا كل من مَاتَ شَابًّا وَدخل الْجنَّة وكل أهل الْجنَّة يكونُونَ فِي سنّ أَبنَاء ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَلَا يلْزم كَون السَّيِّد فِي سنّ من يسودهم وَالله اعْلَم .
وَقَالَ ﷺ َ - عَن الْحسن وَقد أَخذ بِيَدِهِ: " إِن ابْني هَذَا سيد وسيصلح اللَّهِ بِهِ بَين فئتين من الْمُسلمين عظيمتين ".
وَرُوِيَ: أَنه مر بالْحسنِ وَالْحُسَيْن ﵁ وهما يلعبان فطأطأ لَهما عُنُقه وحملهما وَقَالَ: " نعم المطية مطيتهما وَنعم الراكبان هما ".
стр. 157
(خلفاء بني أُميَّة)
أَرْبَعَة عشر، أَوَّلهمْ مُعَاوِيَة وَآخرهمْ مَرْوَان الْجَعْدِي، ملكوا نيفا وَتِسْعين سنة ألف شهر تَقْرِيبًا. قَالَ ابْن الْأَثِير: لما سَار الْحسن ﵁ من الْكُوفَة عرض لَهُ رجل وَقَالَ: يَا مسود وُجُوه الْمُؤمنِينَ، فَقَالَ الْحسن: لَا تعذلني فَإِن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - أرِي فِي مَنَامه أَن بني أُميَّة ينزون على منبره رجلا فساءه ذَلِك، فَأنْزل اللَّهِ: ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ و ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر. لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر﴾ يملكهَا بَنو أُميَّة.
(أَخْبَار مُعَاوِيَة)
وَهُوَ ابْن أبي سُفْيَان صَخْر بن حَرْب بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي، وامه هِنْد، ويكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن، بُويِعَ يَوْم الْحكمَيْنِ، وَقيل بِبَيْت الْمُقَدّس بعد قتل عَليّ ﵁، وبويع ثَانِيًا الْبيعَة الثَّانِيَة يَوْم خلع الْحسن نَفسه وَاسْتمرّ
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسنة ثَلَاث وَأَرْبَعين: فِيهَا توفّي عَمْرو بن الْعَاصِ بن وَائِل بن هَاشم بن سعد بن سعيد بن سهم بن عَمْرو بن هصيص بن كَعْب بن لؤَي الْقرشِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة من الثَّلَاثَة الهاجين لرَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وهم عَمْرو الْمَذْكُور وَأَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَعبد اللَّهِ بن الزبعري، وَكَانَ يُجِيبهُمْ ثَلَاثَة حسان بن ثَابت وَعبد اللَّهِ بن رَوَاحَة وَكَعب بن مَالك، وَكَانَت مصر طعمة لعَمْرو بعد رزق جندها حسب شَرطه الَّذِي تقدم وَفِي ذَلِك يَقُول عَمْرو:
(معاوي لَا أُعْطِيك ديني وَلم أنل ... بِهِ مِنْك دنيا فانظرن كَيفَ تصنع)
(فَإِن تعطني مصرا فتربح بصفقة ... أخذت بهَا شَيخا يضر وينفع)
وَولى مُعَاوِيَة مصر بعد موت عَمْرو ابْنه عبد اللَّهِ ثمَّ عَزله.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَأَرْبَعين: فِيهَا استلحق مُعَاوِيَة زِيَاد بن سميَّة أمة الْحَارِث بن كلدة الثَّقَفِيّ زَوجهَا بِعَبْد رومي لَهُ اسْمه عبيد فَولدت زيادا على فرَاشه وَكَانَ أَبُو سُفْيَان فِي الْجَاهِلِيَّة قد وَقع عَلَيْهَا بِالطَّائِف وَوضعت زيادا سنة الْهِجْرَة وَنَشَأ فصيحا حضر بِمحضر جمع من الصَّحَابَة فِي خلَافَة عمر فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: لَو كَانَ هَذَا الْغُلَام من قُرَيْش لساق الْعَرَب بعصاه، فَقَالَ أَبُو سُفْيَان لعَلي ﵁: أَنِّي لأعرف من وَضعه فِي رحم أمه، فَقَالَ عَليّ: وَمن هُوَ يَا أَبَا سُفْيَان؟ فَقَالَ: أَنا، فَقَالَ مهلا يَا أَبَا سُفْيَان.
قلت: فَقَالَ أَبُو سُفْيَان شعرًا:
(أما وَالله لَوْلَا خوف شخص ... يراني يَا عَليّ من الأعادي)
(لأظهره سره صَخْر بن حَرْب ... وَبِمَ تكن الْمقَالة عَن زِيَاد)
(وَقد طَالَتْ مجامتلي ثقيفا ... وتركي فيهم ثَمَر الْفُؤَاد)
وَالله أعلم، وَلما لم يُصَرح زِيَاد بِشَهَادَة الزِّنَا على الْمُغيرَة كَمَا تقدم صَارَت لَهُ عِنْده يَد يعظمه
стр. 158
بهَا ثمَّ اسْتعْمل عَليّ زيادا على فَارس وَلما سلم الْحسن الْأَمر إِلَى مُعَاوِيَة منع زِيَاد بِفَارِس الطَّاعَة فأهم مُعَاوِيَة أمره خوفًا أَن يَدْعُو إِلَى أحد من بني هَاشم فَيُعِيد الْحَرْب وَقدم الْمُغيرَة عَامل مُعَاوِيَة بِالْكُوفَةِ على مُعَاوِيَة سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين فَشكى إِلَيْهِ امْتنَاع زِيَاد بِفَارِس فَتوجه الْمُغيرَة بأمانه إِلَى زِيَاد فَأحْضرهُ وَبَايع مُعَاوِيَة وَفِي سنة أَربع وَأَرْبَعين استلحق مُعَاوِيَة زيادا وَأعظم النَّاس ذَلِك خُصُوصا بَنو أُميَّة حَتَّى قَالَ عبد الرَّحْمَن أَخُو مَرْوَان بن الحكم فِي ذَلِك:
(أَلا بلغ مُعَاوِيَة بن حَرْب ... مغلغلة عَن الرجل الْيَمَانِيّ)
(أتغضب أَن يُقَال أَبوك عف ... وترضى أَن يُقَال أَبوك زاني)
(واشهد أَن رَحِمك من زِيَاد ... كرحم الْفِيل من ولد الأتان)
قلت: وَفِي تَارِيخ ابْن خلكان أَن الأبيات ليزِيد بن مُفَرع، وَالله أعلم.
ثمَّ ولى مُعَاوِيَة زيادا الْبَصْرَة مَعَ خُرَاسَان وسجستان ثمَّ الْهِنْد والبحرين.
وفيهَا توفيت أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان زوج النَّبِي ﷺ َ -.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَأَرْبَعين: فِيهَا قدم زِيَاد إِلَى الْبَصْرَة فأكد الْملك لمعاوية وَتُوفِّي الْمُغيرَة سنة خمسين فأضاف مُعَاوِيَة الْكُوفَة إِلَى زِيَاد أَيْضا وَهُوَ أول من سير بَين يَدَيْهِ بالحراب والعمد وَاتخذ الحرس خَمْسمِائَة وَسَب زِيَاد عليا كَمَا كَانَت عَادَتهم فَقَامَ حجر بن عدي وأثني على عَليّ فأوثقه وجهزه إِلَى مُعَاوِيَة.
وروى ابْن الْجَوْزِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ مَا مَعْنَاهُ أَنه استفظع من مُعَاوِيَة أَخذه الْخلَافَة بِلَا مُشَاورَة واستخلافه يزيدا واستلحاقه زيادا وَقَتله حجر بن عدي وَأَصْحَابه وَكَانَ حجر من أعظم النَّاس دينا قتل بعذراء ظَاهر دمشق.
وفيهَا توفّي عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد مَال أهل الشَّام إِلَيْهِ، فَقيل إِن مُعَاوِيَة دس إِلَيْهِ سما مَعَ نَصْرَانِيّ يُقَال لَهُ أَثَال.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسنة سبع وَأَرْبَعين: فِيهَا توفّي قيس بن عَاصِم بن سِنَان بن خَالِد بن منقر؛ وَفد على النَّبِي فِي بني تَمِيم فَأسلم وَكَانَ قيس مَوْصُوفا بمكارم الْأَخْلَاق.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين: فِيهَا بعث مُعَاوِيَة جَيْشًا مَعَ سُفْيَان بن عَوْف فحاصروا الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَمن الْجَيْش ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن الزبير وَأَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وَتُوفِّي هَذَا وَدفن قَرِيبا من سورها شهد أحدا وبدرا وَمَعَ عَليّ صفّين وَغَيرهَا.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعين وَسنة خمسين: فِيهَا بنيت القيروان وكملت سنة خمس وَخمسين كَانَت أجمة مشتبكة فبناها عقبَة بن نَافِع الصَّحَابِيّ عَامل مُعَاوِيَة على إفريقية وفيهَا توفّي دحْيَة بن خَليفَة بن فَرْوَة بن فضَالة الْكَلْبِيّ من كلب بن وبرة أسلم قَدِيما وَلم يشْهد بَدْرًا قَالَ ﷺ َ -: " أشبه من رَأَيْت بِجِبْرِيل دحْيَة الْكَلْبِيّ ".
стр. 159
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخمسين: فِيهَا توفّي سعيد بن زيد من الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَثَلَاث وَخمسين: فِيهَا هلك زِيَاد بن أَبِيه فِي رَمَضَان من آكله فِي إصبعه، ومولده سنة الْهِجْرَة.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَخمسين وَخمْس وَخمسين وست وَخمسين: فِيهَا ولى مُعَاوِيَة سعيد بن عُثْمَان بن عَفَّان خُرَاسَان فَقطع جيحون إِلَى سَمَرْقَنْد والصغد، وَهزمَ الْكفَّار وَفتح ترمذ صلحا، وَقتل مَعَه قثم بن الْعَبَّاس وَدفن بسمرقند، وَمَات أَخُوهُ عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس بِالطَّائِف، وَالْفضل بِالشَّام، ومعبد بأفريقية فَيُقَال لم ير قُبُور إخْوَة أبعد من قُبُور هَؤُلَاءِ.
وفيهَا بَايع مُعَاوِيَة النَّاس ليزِيد بِولَايَة عَهده وَبَايَعَهُ أهل الشَّام وَالْعراق وَأَرَادَ مَرْوَان بن الحكم عَامله بِالْمَدِينَةِ الْبيعَة لَهُ فَامْتنعَ الْحُسَيْن مِنْهَا وَعبد اللَّهِ بن عَمْرو وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر وَعبد اللَّهِ بن الزبير وَامْتنع النَّاس لامتناعهم، ثمَّ قدم مُعَاوِيَة الْحجاز بِأَلف فَارس وَبَايع ليزِيد أهل الْحجاز إِلَّا الْمَذْكُورين، وَقَالَ مُعَاوِيَة ليزِيد: أَنِّي مهدت لَك الْأُمُور وَلم يبْق أحد لم يُبَايِعك غير هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَة فَأَما عبد الرَّحْمَن فَرجل كَبِير مماته الْيَوْم أَو غَدا وَأما ابْن عمر فَإِنَّهُ رجل قد غلب عَلَيْهِ الْوَرع وَأما الْحُسَيْن فَلهُ قرَابَة فَإِن ظَفرت بِهِ فاصفح عَنهُ وَأما ابْن الزبير فَإِن ظَفرت بِهِ فَقَطعه إربا إربا.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسنة ثَمَان وَخمسين: فِيهَا توفيت أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة زوج النَّبِي ﷺ َ - وأخوها عبد الرَّحْمَن.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَخمسين: فِيهَا توفّي سعيد بن الْعَاصِ ولد عَام الْهِجْرَة، وَالْعَاص قتل كَافِرًا ببدر وَكَانَ سعيد جوادا.
وفيهَا مَاتَ الحطيئة جَرْوَل بن مَالك لقب بالحطيئة لقصره أسلم ثمَّ ارْتَدَّ ثمَّ اسْلَمْ، وفيهَا توفّي أَبُو هُرَيْرَة.
قلت: واسْمه عبد الرَّحْمَن بن صَخْر على الْأَصَح من نَحْو ثَلَاثِينَ قولا كني بهريرة كَانَت لَهُ وَكَانَ مكثرا غير مُتَّهم.
ثمَّ دخلت سنة سِتِّينَ: فِيهَا توفّي مُعَاوِيَة فِي رَجَب وخلافته تسع عشرَة سنة وَثَلَاثَة أشهر وَسَبْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا من مبايعه الْحسن وعمره خمس وَسَبْعُونَ سنة وَقيل سَبْعُونَ وَأنْشد وَقد تجلد للعائدين:
(وتجلدي للعائدين أريهم ... أَنِّي لريب الدَّهْر لَا أتضعضع)
فَأَنْشد رجل:
(وَإِذا الْمنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تَمِيمَة لَا تَنْفَع)
خرج الضَّحَّاك بن قيس فَصَعدَ الْمِنْبَر وأثني عَلَيْهِ ثمَّ صلى عَلَيْهِ ثمَّ حضر يزِيد من قَرْيَة حوارين من عمل حمص فصلى على قَبره.
стр. 160
(أَخْبَار مُعَاوِيَة)
أسلم مَعَ أَبِيه عَام الْفَتْح واستكتبه النَّبِي ﷺ َ - وَاسْتَعْملهُ عمر على الشَّام أَربع سِنِين من خِلَافَته وَأقرهُ عُثْمَان مُدَّة خِلَافَته، نَحْو اثْنَتَيْ عشرَة سنة وتغلب على الشَّام مُحَاربًا عليا أَربع سِنِين، فَكَانَ أَمِيرا وملكا على الشَّام نَحْو أَرْبَعِينَ سنة، وَكَانَ حَلِيمًا ذَا هَيْبَة يقهر حلمه غَضَبه ويغلب جوده مَنعه، حَتَّى رُوِيَ أَن أروى بنت الْحَارِث بن عبد الْمطلب دخلت عَلَيْهِ وَهِي عَجُوز كَبِيرَة فَقَالَ: مرْحَبًا بك يَا خَالَة كَيفَ أَنْت فَقَالَت: بِخَير يَا ابْن أُخْت لقد كفرت النِّعْمَة وأسأت لِابْنِ عمك الصُّحْبَة وتسميت بِغَيْر اسْمك وَأخذت غير حَقك وَكُنَّا أهل الْبَيْت أعظم النَّاس فِي هَذَا الدّين بلَاء حَتَّى قبض اللَّهِ نبيه مشكورا سَعْيه مَرْفُوعا مَنْزِلَته فَوَثَبت علينا بعده تيم وعدي وَأُميَّة فابتزونا حَقنا ووليتم علينا فَكُنَّا فِيكُم بِمَنْزِلَة بني إِسْرَائِيل فِي آل فِرْعَوْن وَكَانَ عَليّ بن ابي طَالب بعد نَبينَا بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى، فَقَالَ لَهَا عَمْرو بن الْعَاصِ: كفي أيتها الْعَجُوز الضَّالة واقصري عَن قَوْلك مَعَ ذهَاب عقلك، فَقَالَت: وَأَنت يَا ابْن النَّابِغَة تَتَكَلَّم وذكرته وَأمه بشين.
فَقَالَ لَهَا: مُعَاوِيَة عَفا اللَّهِ عَمَّا سلف هَاتِي حَاجَتك، فَقَالَت: أُرِيد ألفي دِينَار لأشتري بهَا عينا فواره فِي أَرض حراره تكون لفقراء بني الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَألْفي دِينَار أُخْرَى أزوج بهَا فُقَرَاء بني الْحَارِث وَألْفي دِينَار أُخْرَى أستعين بهَا على شدَّة الزَّمَان فَأمر لَهَا بِسِتَّة آلَاف دِينَار وانصرفت.
وَهُوَ أول من بَايع لوَلَده وَأول من وضع الْبَرِيد وَأول من عمل الْمَقْصُورَة فِي الْمَسْجِد وَأول من خطب جَالِسا فِي قَول بَعضهم وَأنكر على عبد اللَّهِ بن جَعْفَر بن أبي طَالب سَماع الأوتار والغناء وَهُوَ رَأْي أهل الْمَدِينَة فَدخل إِلَى مُعَاوِيَة ببديح فغنى بِشعر يُحِبهُ مُعَاوِيَة وَهُوَ:
(يَا لبيني أوقدي النارا ... إِن من تهوين قد حارا)
(رب نَار بت أرمقها ... تقضم الْهِنْدِيّ والغارا)
(وَلها ظَبْي يؤججها ... عَاقد فِي الخصر زنارا)
فطرب مُعَاوِيَة وَضرب بِرجلِهِ فَقَالَ ابْن جَعْفَر: مَه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ مُعَاوِيَة إِن الْكَرِيم طروب.
(أَخْبَار يزِيد بن مُعَاوِيَة)
ثَانِي خلفائهم أمه مَيْسُونُ بنت بَحْدَل الْكَلْبِيَّة، بُويِعَ بالخلافة لما مَاتَ أَبوهُ فِي رَجَب سنة سِتِّينَ، وَأرْسل إِلَى عَامله بِالْمَدِينَةِ بإلزام الْحُسَيْن وَعبد اللَّهِ بن الزبير وَابْن عمر بالبيعة
стр. 161
فَأَما ابْن عمر فَقَالَ إِن أجمع النَّاس على بيعَته بايعته وَأما الْحُسَيْن وَابْن الزبير فلحقا بِمَكَّة وَلم يبايعا ورأسل عَامل الْمَدِينَة جَيْشًا مَعَ عَمْرو بن الزبير وَكَانَ شَدِيد الْعَدَاوَة لِأَخِيهِ عبد اللَّهِ بن الزبير ليقاتله فانتصر عبد اللَّهِ وَهزمَ الْجمع وَحبس أَخَاهُ عمرا حَتَّى مَاتَ فِي حَسبه. وَورد على الْحُسَيْن مكاتبات أهل الْكُوفَة بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِم ليبايعوه وَكَانَ عاملها النُّعْمَان بن بشير فَأرْسل الْحُسَيْن ابْن عَمه مُسلم بن عقيل ليأخذوا الْبيعَة عَلَيْهِم فَقيل بَايعه بهَا ثَلَاثُونَ ألفا وَقيل ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ ألفا وَبلغ يزِيد عَن النُّعْمَان بن بشير كَلَام لَا يرضيه فولى الْكُوفَة عبيد اللَّهِ بن زِيَاد وَالِي الْبَصْرَة فَقدم الْكُوفَة وَرَأى مَا النَّاس عَلَيْهِ فَخَطب وحث على طَاعَة يزِيد. ثمَّ اجْتمع إِلَى مُسلم بن عقيل من كَانَ بَايعه للحسين وحصروا عبيد اللَّهِ بن زِيَاد بقصره وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ رجلا فَأَمرهمْ أَن يشرفوا من الْقصر ويمنعوا أهل الطَّاعَة ويخدلوا أهل الْمعْصِيَة، فَكَانَت الْمَرْأَة تَأتي ابْنهَا وأخاها فَتَقول انْصَرف إِن النَّاس يكفونك، فَتفرق النَّاس عَن مُسلم وَبَقِي مَعَه ثَلَاثُونَ رجلا فاستتر ونادى مُنَادِي عبيد اللَّهِ بن زِيَاد من أَتَى بِمُسلم بن عقيل فَلهُ دِيَته فَأمْسك مُسلم وأحضر إِلَيْهِ فشتمه وَشتم الْحُسَيْن وعليا وَضرب عُنُقه تِلْكَ السَّاعَة لثمان مضين من ذِي الْحجَّة مِنْهَا ورميت جثته من الْقصر.
ثمَّ جهز بِرَأْسِهِ وَرَأس صَاحبه هانىء بن عُرْوَة إِلَى يزِيد وَأخذ الْحُسَيْن فِي التَّوَجُّه من مَكَّة إِلَى الْعرَاق فَقَالَ عبد اللَّهِ بن عَبَّاس: يَا ابْن الْعم إِنِّي أَخَاف عَلَيْك أهل الْعرَاق فَإِنَّهُم قوم غدر أقِم بِهَذَا الْبَلَد فَإنَّك سيد أهل الْحجاز وَإِن أَبيت إِلَّا أَن تخرج فسر إِلَى الْيمن فَإِن بهَا شيعَة لأَبِيك وَبهَا حصون وشعاب، فَقَالَ: يَا ابْن الْعم أعلم وَالله أَنَّك نَاصح مُشفق وَلَقَد أزمعت وأجمعت فَخرج الْحُسَيْن من مَكَّة يَوْم التَّرويَة سنة سِتِّينَ فِي جمائع، وبلغه مقتل مُسلم بن عقيل فَأعْلم من مَعَه بذلك، وَقَالَ: من أحب أَن ينْصَرف فلينصرف، فَتَفَرَّقُوا عَنهُ يَمِينا وَشمَالًا.
وَلما وصل الْحُسَيْن إِلَى مَكَان اسْمه شراف وصل إِلَيْهِ الْحر صَاحب شرطة عبيد اللَّهِ بن زِيَاد فِي ألفي فَارس، وقاتلوا الْحُسَيْن فِي حر الظهيرة، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن: مَا أتيت إِلَّا بكتبكم فَإِن رجعتم رجعت من هُنَا فَقَالَ لَهُ: إِنَّا أمرنَا أَن لَا نُفَارِقك حَتَّى نوصلك الْكُوفَة بَين يَدي عبيد اللَّهِ، فَقَالَ الْحُسَيْن: الْمَوْت أَهْون من ذَلِك، وَمَا زَالُوا حَتَّى سَار مَعَ صَاحب شرطة ابْن زِيَاد.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ: فِيهَا قتل الْحُسَيْن ﵁ ورد كتاب ابْن زِيَاد يَأْمر الْحر أَن ينزل الْحُسَيْن وَمن مَعَه على غير مَاء فأنزلهم بكربلا يَوْم الْخَمِيس ثَانِي الْمحرم مِنْهَا، وَفِي الْغَد قدم من الْكُوفَة عَمْرو بن سعد بن أبي وَقاص بأَرْبعَة آلَاف فَارس أرْسلهُ ابْن زِيَاد لِحَرْب الْحُسَيْن فَسَأَلَهُ الْحُسَيْن أَن يُمكن إِمَّا من الْعود من حَيْثُ أَتَى وَإِمَّا أَن يُجهز إِلَى
стр. 162
يزِيد بن مُعَاوِيَة وَإِمَّا أَن يُمكن أَن يلْحق بالثغور، فَكتب عَمْرو إِلَى ابْن زِيَاد يسْأَل أَن يُجَاب الْحُسَيْن إِلَى أحد هَذِه الْأُمُور فَقَالَ ابْن زِيَاد: لَا وَلَا كَرَامَة، وَأرْسل مَعَ شمر بن ذِي الجوشن إِلَى عَمْرو بن سعد: إِمَّا أَن تقَاتل الْحُسَيْن وتقتله وتوطىء الْخَيل جثته، وَإِمَّا أَن تَعْتَزِل وَيكون على الْجَيْش شمر فَقَالَ عَمْرو بن سعد: بل أقاتله.
ونهض عَشِيَّة الْخَمِيس تَاسِع الْمحرم مِنْهَا وَالْحُسَيْن أَمَام بَيته بعد صَلَاة الْعَصْر فَلَمَّا قرب الْجَيْش مِنْهُ سَأَلَهُمْ مَعَ أَخِيه الْعَبَّاس أَن يمهلوه إِلَى الْغَد وَأَنه يُجِيبهُمْ إِلَى مَا يختارونه فَأَجَابُوهُ فَقَالَ الْحُسَيْن لأَصْحَابه: إِنِّي قد أَذِنت لكم فَانْطَلقُوا فِي هَذَا اللَّيْل وَتَفَرَّقُوا فِي سوادكم ومدائنكم، فَقَالَ أَخُوهُ الْعَبَّاس: لَا نَفْعل ذَلِك لنبقى بعْدك لَا أرانا اللَّهِ ذَلِك أبدا، ثمَّ تكلم إخْوَته وَبَنُو أَخِيه وَبَنُو عبد اللَّهِ بن جَعْفَر نَحْو ذَلِك وَبَات الْحُسَيْن وَأَصْحَابه يصلونَ اللَّيْل كُله وَيدعونَ.
فَلَمَّا أَصْبحُوا ركب عَمْرو بن سعد فِي أَصْحَابه، وَذَلِكَ يَوْم عَاشُورَاء مِنْهَا وعبء الْحُسَيْن أَصْحَابه، وهم اثْنَان وَثَلَاثُونَ فَارِسًا وَأَرْبَعُونَ رَاجِلا
ثمَّ حملُوا على الْحُسَيْن وَأَصْحَابه وَاسْتمرّ الْقِتَال إِلَى وَقت الظّهْر فصلى الْحُسَيْن وَأَصْحَابه صَلَاة الْخَوْف وَاشْتَدَّ بالحسين الْعَطش فَتقدم ليشْرب فَرمى بِسَهْم فَوَقع فِي فَمه، ونادى شمر: وَيحكم مَا تنتظرون بِالرجلِ اقْتُلُوهُ، فَضَربهُ زرْعَة بن شريك على كتفه، وضربه آخر على عاتقة، وطعنه سِنَان بن أنس النَّخعِيّ بِالرُّمْحِ، فَوَقع فَنزل إِلَيْهِ فذبحه واحتز رَأسه، وَقيل بل شمر احتز رَأسه، وَجَاء بِهِ إِلَى عَمْرو بن سعد فَأمر عَمْرو جمَاعَة فوطئوا صدر الْحُسَيْن وظهره بخيولهم ثمَّ بعث بالرؤوس وَالنِّسَاء والأطفال إِلَى عبيد اللَّهِ بن زِيَاد فَجعل ابْن زِيَاد يقرع فَم الْحُسَيْن بقضيب، فَقَالَ لَهُ زيد بن أَرقم: ارْفَعْ هَذَا الْقَضِيب فوالذي لَا إِلَه غَيره لقد رَأَيْت شفتي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - على هَاتين الشفتين، ثمَّ بَكَى وَرُوِيَ إِنَّه قتل مَعَ الْحُسَيْن من أَوْلَاد عَليّ أَرْبَعَة هم الْعَبَّاس، وجعفر، وَمُحَمّد، وَأَبُو بكر، وَمن أَوْلَاد الْحُسَيْن أَرْبَعَة وَقتل عدَّة من اولاد عبد اللَّهِ بن جَعْفَر، وَمن أَوْلَاد عقيل ثمَّ بعث ابْن زِيَاد بالرؤوس وبالنساء والأطفال إِلَى يزِيد بن مُعَاوِيَة فَوضع يزِيد رَأس الْحُسَيْن بَين يَدَيْهِ واستحضر النِّسَاء والأطفال.
ثمَّ أَمر النُّعْمَان بن بشير أَن يجهزهم بِمَا يصلحهم وَأَن يبْعَث مَعَهم أَمينا ويوصلهم إِلَى الْمَدِينَة وَلما وصلوا الْمَدِينَة لَقِيَهُمْ نسَاء بني هَاشم حاسرات وفيهن ابْنة عقيل بن أبي طَالب وَهِي تبْكي وَتقول:
(مَاذَا تَقولُونَ إِن قَالَ النَّبِي لكم ... مَاذَا فَعلْتُمْ وَأَنْتُم آخر الْأُمَم)
(بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي ... مِنْهُم أُسَارَى وصرعى ضرجوا بِدَم)
(مَا كَانَ هَذَا جزائي إِذْ نصحت لم ... أَن تخلفوني بِسوء فِي ذَوي رحمي)
قلت: وَمِمَّا قلت فِي ذَلِك مضمنا عجز بَيت من الحماسة.
стр. 163
(أرأس السبط ينْقل والسبايا ... يُطَاف بهَا وَفَوق الأَرْض رَأس)
(وَمَا لي غير هَذَا السَّبي ذخر؟ ... وَمَا لي غير هَذَا الرَّأْس رَأس)
وَالله اعْلَم.
ثمَّ قيل أَن رَأس الْحُسَيْن جهز إِلَى الْمَدِينَة وَدفن عِنْد أمه، وَقيل بِبَاب الفراديس، وَقيل أَن خلفاء مصر نقلوا من عسقلان رَأْسا إِلَى الْقَاهِرَة ودفنوه بهَا وبنوا لَهُ مشْهد الْحُسَيْن.
وَالصَّحِيح: أَن عمره ﵁ وعنا بهم خمس وَخَمْسُونَ سنة وَأشهر، قيل أَنه حج خمْسا وَعشْرين حجَّة مَاشِيا، وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة ألف رَكْعَة.
قلت: قَالَ صَاحب معالم الْإِسْلَام: رُوِيَ عَن أنس بن الْحَارِث أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ: " إِن ابْني هَذَا - يَعْنِي الْحُسَيْن - يقتل بِأَرْض يُقَال لَهَا كربلا فَمن شهد ذَلِك مِنْكُم فلينصره "، فَخرج أنس بن الْحَارِث إِلَى كربلاء فَقتل مَعَ الْحُسَيْن ﵁.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاث وَسِتِّينَ: فِيهَا اتّفق أهل الْمَدِينَة على خلع يزِيد، وأخرجوا نَائِبه عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي سُفْيَان مِنْهَا، فَجهز يزِيد جَيْشًا مَعَ مُسلم بن عقبَة وَأمره بِقِتَال أهل الْمَدِينَة فَإِذا ظفر بهَا أَبَاحَهَا للجند ثَلَاثَة أَيَّام يسفكون فِيهَا الدِّمَاء وَيَأْخُذُونَ الْأَمْوَال، وَأَن يبايعهم على أَنهم خول وَعبيد ليزِيد وَإِذا فرغ يسير إِلَى مَكَّة.
فَسَار مُسلم وَنزل الْمَدِينَة من جِهَة الْحرَّة فِي عشرَة آلَاف فَارس من أهل الشَّام، وأصر أهل الْمَدِينَة من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَغَيرهم على قِتَاله، وَعمِلُوا خَنْدَقًا واقتتلوا فَقتل الْفضل بن الْعَبَّاس، وَرَبِيعَة بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب، وَجَمَاعَة من الْأَشْرَاف وَالْأَنْصَار، ثمَّ انهزم أهل الْمَدِينَة، واستباح مُسلم الْمَدِينَة حسب وَصِيَّة يزِيد.
وَعَن الزُّهْرِيّ أَن قَتْلَى الْحرَّة كَانُوا سَبْعمِائة من وُجُوه النَّاس من قُرَيْش والمهاجرين وَالْأَنْصَار، وَعشرَة آلَاف من وُجُوه الموَالِي مِمَّن لَا يعرف.
وَكَانَت الْوَقْعَة لثلاث بَقينَ من ذِي الْحجَّة مِنْهَا، ثمَّ بَايع من بَقِي من النَّاس على أَنهم خول وَعبيد ليزِيد.
وَسَار إِلَى مَكَّة وَكَانَ مَرِيضا فَمَاتَ قبل وُصُوله، واستناب فِي الْجَيْش الْحصين بن نمير السكونِي فِي الْمحرم سنة أَربع وَسِتِّينَ، فَقدم الْحصين مَكَّة وحاصر عبد اللَّهِ بن الزبير أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى جَاءَهُم الْخَبَر بِمَوْت يزِيد بعد رمي الْبَيْت الْحَرَام بالمنجنيق وإحراقه بالنَّار.
وَلما علم الْحصين بِمَوْت يزِيد قَالَ لِابْنِ الزبير: من الرَّأْي أَن نَدع دِمَاء الْقَتْلَى بَيْننَا، وَأَقْبل لأبايعك واقدم إِلَى الشَّام، فَامْتنعَ ابْن الزبير من ذَلِك، فارتحل الْحصين رَاجعا إِلَى الشَّام، ثمَّ نَدم ابْن الزبير على عدم الْمُوَافقَة، وَسَار مَعَ الْحصين من كَانَ بِالْمَدِينَةِ من بني امية إِلَى الشَّام.
وفيهَا أَي سنة أَربع وَسِتِّينَ: توفّي يزِيد بحوارين - من عمل حمص - لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة
стр. 164
خلت من ربيع الأول وَهُوَ ابْن ثَمَان وَثَلَاثِينَ سنة، وخلافته ثَلَاث سِنِين وَسِتَّة أشهر، وَكَانَ أَدَم جَعدًا أحور الْعين بِوَجْهِهِ أثر جدري حسن اللِّحْيَة خفيفها طَويلا، وَله عدَّة بَنِينَ وَبَنَات، أَقَامَ يزِيد مَعَ أمه مَيْسُونُ بَين أَهلهَا فِي الْبَادِيَة وتفصح وَشعر ببادية بني كلب وَسبب ذَلِك أَن مُعَاوِيَة سَمعهَا تنشد:
(للبس عباءة وتقر عَيْني ... أحب إِلَيّ من لبس الشفوف)
(وَبَيت تخفق الْأَرْوَاح فِيهِ ... أحب إِلَيّ من قصر منيف)
(وَبكر يتبع الأظعان صَعب ... أحب إِلَيّ من بغل زفوف)
(وكلب ينبح الأضياف دوني ... أحب إِلَيّ من هر أُلُوف)
(وخرق من بني عمي فَقير ... أحب إِلَيّ من علج عنيف)
فَقَالَ: مَا رضيتيني يَا ابْنه بَحْدَل حَتَّى جَعَلتني علجا عنيفا الحقي بأهلك، فمضت إِلَيْهِم وَيزِيد مَعهَا.
(أَخْبَار مُعَاوِيَة بن يزِيد)
وَلما توفّي يزِيد بُويِعَ ابْنه " مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة " ثَالِث خلفائهم فِي رَابِع عشر ربيع الأول مِنْهَا، كَانَ شَابًّا دينا، ولي ثَلَاثَة أشهر، وَقيل أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَمَات وعمره إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة بعد أَن جمع النَّاس وَقَالَ: قد ضعفت عَن أَمركُم وَلم أجد لكم مثل عمر بن الْخطاب لأستخلفه وَلَا مثل أهل الشورى فَأنْتم أولى بأمركم فَاخْتَارُوا من احببتم، ثمَّ دخل منزله وتغيب فِيهِ حَتَّى مَاتَ، وَقيل أوصى أَن يُصَلِّي الضَّحَّاك بن قيس حَتَّى يقوم لَهُم خَليفَة.
(أَخْبَار ابْن الزبير)
وَلما مَاتَ يزِيد بن مُعَاوِيَة بُويِعَ " ابْن الزبير " بِمَكَّة، فقصد مَرْوَان بن الحكم الْمسير إِلَيْهِ من الْمَدِينَة لمبايعته، ثمَّ توجه إِلَى الشَّام مَعَ بني أُميَّة، وَقيل كتب ابْن الزبير إِلَى عَامله بِالْمَدِينَةِ أَن لَا يتْرك بهَا أحدا من بني أُميَّة، وهرب عبيد اللَّهِ بن زِيَاد من الْبَصْرَة إِلَى الشَّام، وَبَايع أهل الْبَصْرَة ابْن الزبير وَاجْتمعت لَهُ الْعرَاق والحجاز واليمن، وَبَايَعَهُ أهل مصر، وَبَايع لَهُ فِي الشَّام سرا الضَّحَّاك بن قيس، والنعمان بن بشير بحمص، وَزفر بن الْحَارِث الْكلابِي بِقِنِّسْرِينَ، وَكَاد يتم لَهُ الْأَمر بِالْكُلِّيَّةِ، وَكَانَ شجاعا عابدا لَكِن مَعَ بخل وَضعف رَأْي. وَأقَام مَرْوَان بن الحكم بِالشَّام فِي أَيَّام ابْن الزبير، وَاجْتمعت بَنو أُميَّة وَصَارَ النَّاس بِالشَّام فرْقَتَيْن: اليمانية مَعَ مَرْوَان، والقيسية مَعَ الضَّحَّاك بن قيس مبايعين لِابْنِ الزبير.
وَآخر ذَلِك أَن الْفَرِيقَيْنِ اقْتَتَلُوا " بمرج راهط " فِي الغوطة - إِحْدَى المنتزهات الْأَرْبَعَة - وَانْهَزَمَ الضَّحَّاك والقيسية وَقتل الضَّحَّاك وَجمع كثير من فرسَان قيس، ونادى مُنَادِي مَرْوَان: أَن لَا يتبع أحد مُنْهَزِمًا، وَدخل مَرْوَان دمشق وَنزل بدار مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَاجْتمعَ عَلَيْهِ النَّاس، وَتزَوج أم خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة لخوفه من خَالِد.
стр. 165
وَبلغ النُّعْمَان بن بشير بحمص هزيمَة القيسية، فَخرج هَارِبا بامرأته وَأَهله، فَقَتَلُوهُ وَرَجَعُوا بِرَأْسِهِ وَأَهله إِلَى حمص.
وَبلغ زفر بن الْحَارِث بِقِنِّسْرِينَ فَخرج مِنْهَا وأتى قرقيسيا فغلب عَلَيْهَا.
واستوثق الشَّام لمروان، وَسَار فَملك مصر وَرجع إِلَى دمشق.
وفيهَا مَالَتْ حيطان الْكَعْبَة زَاد اللَّهِ شرفها من ضرب المنجنيق، فَهَدمهَا عبد اللَّهِ بن الزبير وحفر أساسها وَأدْخل الْحجر فِيهَا وأعادها كَمَا كَانَت أَولا.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَسِتِّينَ: فِيهَا خنقت أم خَالِد بن يزِيد زَوجهَا مَرْوَان بن الحكم وصاحت مَاتَ مَرْوَان فَجْأَة، لثلاث خلون من رَمَضَان، وَدفن بِدِمَشْق وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة، وخلافته تِسْعَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا.
وَلما مَاتَ مَرْوَان بُويِعَ " عبد الْملك " ابْنه خَامِس خلفائهم فِي ثَالِث رَمَضَان مِنْهَا عقب موت أَبِيه، وَتمّ أمره بِالشَّام ومصر، وأتته الْخلَافَة وَهُوَ قَاعد يقْرَأ فِي الْمُصحف فِي حجرَة فأطبقه وَقَالَ: هَذَا آخر الْعَهْد بك.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسِتِّينَ: فِيهَا خرج الْمُخْتَار بن عبيد اللَّهِ الثَّقَفِيّ بِالْكُوفَةِ طَالبا بِدَم الْحُسَيْن ﵁ فِي جمع كثير، وَاسْتولى عَلَيْهَا، وَبَايَعُوهُ بهَا على كتاب اللَّهِ وَسنة رَسُوله والطلب بِدَم أهل الْبَيْت، وتجرد الْمُخْتَار لقتل قتلة الْحُسَيْن وظفر بشمر فَقتله، واحتاط بدار خولى الأصبحي صَاحب رَأس الْحُسَيْن وَقَتله وَأحرقهُ، وَقتل عَمْرو بن سعد بن أبي وَقاص صَاحب الْجَيْش، وَسعد بن عَمْرو الْمَذْكُور وَبعث برأسيهما إِلَى مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة بالحجاز فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا، ثمَّ اتخذ الْمُخْتَار كرسيا وَادّعى أَن فِيهِ سرا وَأَنه لَهُم مثل التابوت لبني إِسْرَائِيل، وَلما أرسل الْمُخْتَار بالجنود لقِتَال عبيد اللَّهِ بن زِيَاد خرج بالكرسي على بغل يحملهُ فِي الْقِتَال.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسِتِّينَ: وفيهَا: استولى الْمُخْتَار على الْموصل وَقدم على الْجَيْش إِبْرَاهِيم بن الأشتر النَّخعِيّ فَقَاتلُوا جَيش عبيد اللَّهِ بن زِيَاد، فَقتل عبيد اللَّهِ بن زِيَاد وَانْهَزَمَ أَصْحَابه وغرق كثير مِنْهُم فِي الزاب؛ قَتله ابْن الأشتر فِي المعركة وأحرق جثته وَبعث بِرَأْسِهِ وعدة من رُؤُوس أَصْحَابه إِلَى الْمُخْتَار، وانتقم اللَّهِ للحسين بالمختار وَإِن لم تكن نِيَّة الْمُخْتَار ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
قلت: فِي الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ َ -: " أَن اللَّهِ قتل بِيَحْيَى بن زَكَرِيَّا سبعين ألفا ووعدني أَن يقتل بِابْني هَذَا - يَعْنِي الْحُسَيْن - سبعين ألفا "، وَكَانَ كَمَا قَالَ وَالله أعلم.
وفيهَا: ولي ابْن الزبير أَخَاهُ مصعبا الْبَصْرَة، ثمَّ سَار مُصعب من الْبَصْرَة بعد أَن جَاءَ لَهُ الْمُهلب بن أبي صفرَة من خُرَاسَان بِمَال وعسكر كثير، فسارا جَمِيعًا إِلَى قتال الْمُخْتَار بِالْكُوفَةِ، فالتقاهما الْمُخْتَار بمجموعة فَهزمَ الْمُخْتَار وَأَصْحَابه بعد قتال شَدِيد، وَحصر
стр. 166
الْمُخْتَار فِي قصر الْإِمَارَة بِالْكُوفَةِ، ودخلها مُصعب وحاصر الْمُخْتَار فقاتل الْمُخْتَار حَتَّى قتل فِي رَمَضَان مِنْهَا وعمره سبع وَسِتُّونَ، ثمَّ نزل أَصْحَابه على حكم مُصعب فَقتل الْكل وَكَانُوا سَبْعَة آلَاف.
وفيهَا - وَقيل سنة إِحْدَى وَسبعين، وَقتل تسع وَسِتِّينَ، وَقيل ثَمَان وَسِتِّينَ - توفّي بِالْكُوفَةِ الْأَحْنَف أَبُو بَحر الضَّحَّاك بن قيس بن مُعَاوِيَة بن حُصَيْن بن عبَادَة؛ يضْرب الْمثل بحلمه، سيد قومه مَوْصُوف بِالْعقلِ وَالْعلم والدهاء والذكاء؛ أدْرك النَّبِي ﷺ َ - وَلم يَصْحَبهُ، ووفد على عمر فَكَانَ من كبار التَّابِعين، وَشهد مَعَ عَليّ صفّين وَلم يشْهد وقْعَة الْجمل مَعَ أحد الْفَرِيقَيْنِ، كَانَ أحنف الرجل يطَأ على جَانبهَا الوشحي، حضر الْأَحْنَف عِنْد مُعَاوِيَة فَقَامَ شَامي خَطِيبًا وَلعن عليا ﵁ فِي آخر كَلَامه، فَقَالَ الْأَحْنَف: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن هَذَا الْقَائِل لَو يعلم أَن رضاك فِي لعن الْمُرْسلين للعنهم فَاتق اللَّهِ ودع عَنْك عليا فقد لَقِي ربه وأفرد فِي قَبره، وَكَانَ وَالله الميمونة نقيبتة، الْعَظِيمَة مصيبته. فَقَالَ مُعَاوِيَة يَا أحنف لقد أغضيت الْعين على القذى فأيم اللَّهِ لتصعدن الْمِنْبَر ولتلعنته طَوْعًا أَو كرها، فَقَالَ الْأَحْنَف أَو تعفيني فَهُوَ خير لَك، فألح عَلَيْهِ مُعَاوِيَة، فَقَالَ الْأَحْنَف: أما وَالله لأنصفنك فِي القَوْل، قَالَ: وَمَا أَنْت قَائِل؟ قَالَ: أَحْمد اللَّهِ بِمَا هُوَ اهله وأصلي على رَسُوله وَأَقُول: أَيهَا النَّاس إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ مُعَاوِيَة أَمرنِي أَن ألعن عليا، أَلا وَأَن عليا وَمُعَاوِيَة اخْتلفَا فاقتتلا وأدعى كل مِنْهُمَا أَنه مبغي عَلَيْهِ فَإِذا دَعَوْت فَأمنُوا ثمَّ أَقُول: اللَّهُمَّ الْعَن أَنْت وملائكتك ورسلك وَجَمِيع خلقك الْبَاغِي مِنْهُمَا على صَاحبه والعن الفئة الباغية اللَّهُمَّ العنهم لعنا كثيرا أمنُوا رحمكم اللَّهِ، يَا مُعَاوِيَة أقوله وَلَو كَانَ فِيهِ ذهَاب رحي، فأعفاه مُعَاوِيَة من ذَلِك.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسِتِّينَ: فِيهَا توفّي عبد اللَّهِ بن عَبَّاس ﵄ بِالطَّائِف فصلى عَلَيْهِ مُحَمَّد بن الحنيفة، كَانَ ابْن الحنيفة مُقيما بِالطَّائِف إِلَى أَن قدم الْحجَّاج بن يُوسُف الْحجاز. ومولد ابْن عَبَّاس قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين، دَعَا لَهُ النَّبِي ﷺ َ -: " اللَّهُمَّ فقهه فِي الدّين وَعلمه الْكتاب والتاويل "، وَكَانَ عمر ﵁ يُسَمِّيه تَارَة الْبَحْر، وَتارَة الحبر، لعلومه.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَسِتِّينَ: وَمَا بعْدهَا إِلَى سنة إِحْدَى وَسبعين فِيهَا تجهز عبد الْملك إِلَى الْعرَاق، وتجهز مُصعب بن الزبير لملتقاه، وَأَقْبل الْجَمْعَانِ فتخلى الْعِرَاقِيُّونَ عَن مُصعب وَكَانُوا قد كاتبوا عبد الْملك، فقاتل مُصعب حَتَّى قتل هُوَ وَولده بدير الجاثليق عِنْد نهر دجيل فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وعمره سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة، كَانَ صديق عبد الْملك قبل خِلَافَته، وَتزَوج مُصعب سكينَة بنت الْحُسَيْن وَعَائِشَة بنت طَلْحَة مَعًا. ثمَّ دخل عبد الْملك الْكُوفَة وبويع واستوثق لَهُ ملك الْعِرَاقِيّين.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين: فِيهَا جهز عبد الْملك الْحجَّاج بن يُوسُف فِي جَيش إِلَى مَكَّة لقِتَال عبد اللَّهِ بن الزبير، فَسَار فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا وَنزل الطَّائِف وَجَرت بَينه
стр. 167
وَبَين أَصْحَاب ابْن الزبير حروب وَكَانَت الكرة على أَصْحَاب ابْن الزبير، وَآخر ذَلِك أَنه حصر ابْن الزبير بِمَكَّة وَرمى الْبَيْت بالمنجنيق ودام الْحصار حَتَّى خرجت السّنة.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسبعين: وَابْن الزبير مَحْصُور وَقَاتل حَتَّى قتل فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا بعد قتال سَبْعَة أشهر وعمره نَحْو ثَلَاث وَسبعين سنة، وَهُوَ أول مَوْلُود للمهاجرين بعد الْهِجْرَة، وخلافته تسع سِنِين، وَكَانَ كثير الْعِبَادَة مكث أَرْبَعِينَ سنة لم ينْزع ثَوْبه عَن ظَهره.
وفيهَا: بعد قَتله بُويِعَ لعبد الْملك بالحجاز واليمن.
وفيهَا: توفّي عبد اللَّهِ بن عمر بن الْخطاب بعد قتل ابْن الزبير بِثَلَاثَة أشهر وعمره سبع وَثَمَانُونَ.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسبعين: فِيهَا هدم الْحجَّاج الْكَعْبَة وَأخرج الْحجر عَن الْبَيْت، وَبنى الْبَيْت على مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي زمن النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ على ذَلِك إِلَى الْآن.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَسبعين: فِيهَا ولى عبد الْملك الْحجَّاج الْعرَاق، فَسَار من الْمَدِينَة إِلَى الْكُوفَة، وَخرج فِي أَيَّامه بالعراق شبيب الْخَارِجِي وَله مَعَ الْحجَّاج حروب كَثِيرَة آخرهَا أَن جموع شبيب تَفَرَّقت، وتردى بِهِ فرسه من فَوق جسر فغرق شبيب .
وَكَذَلِكَ خرج عبد الرَّحْمَن بن الْأَشْعَث وَاسْتولى على خُرَاسَان، ثمَّ قصد الْحجَّاج وَغلب على الْكُوفَة وقويت شوكته، وَفِي ذَلِك يَقُول بعض أَصْحَابه:
(شطت نوى من دَاره بالإيوان ... إيوَان كسْرَى ذِي القوى وَالريحَان)
(من عاشق أضحى بزابلستان ... أَن ثقيفا مِنْهُم الكذابان)
(كذابها الْمَاضِي وَكَذَّاب ثَان ... إِنَّا سمونا للكفور الفتان)
(حَتَّى طَغى فِي الْكفْر بعد الْإِيمَان ... بالسيد الغطريف عبد الرَّحْمَن)
(سَار بِجمع كالدبى من قحطان ... بجحفل جم شَدِيد الْأَركان)
(فَقل لحجاج ولي الشَّيْطَان ... بثبت لجمعي مذْحج وهمدان)
(فَإِنَّهُم ساقوه كأس الذيعان ... وملحقوه بقرى ابْن مَرْوَان)
ثمَّ أمد عبد الْملك الْحجَّاج بالجيوش من الشَّام، وَآخر الْأَمر: أَن جموع عبد الرَّحْمَن تَفَرَّقت وَانْهَزَمَ إِلَى ملك التّرْك، ثمَّ تهدد الْحجَّاج ملك التّرْك بالغزو وَطَلَبه مِنْهُ، فَقبض عَلَيْهِ ملك التّرْك وعَلى أَرْبَعِينَ من أَصْحَابه وَبعث بهم إِلَى الْحجَّاج، فَألْقى عبد الرَّحْمَن فِي الطَّرِيق نَفسه من سطح فَمَاتَ.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسبعين وَمَا بعْدهَا: إِلَى إِحْدَى وَثَمَانِينَ فِيهَا توفّي أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب (ابْن الْحَنَفِيَّة) ﵄.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ: فِيهَا توفّي الْمُهلب بن أبي صفرَة الْأَزْدِيّ من الأجواد،
стр. 168
كَانَ الحجاح قد ولاه خُرَاسَان، وَمَات الْمُهلب بمروروذ واستخلف بعده ابْنه يزِيد، أحضر قبل وَفَاته لأولاده سهاما وَقَالَ: أتكسرونها مجتمعة؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أتكسرونها مُتَفَرِّقَة؟ قَالُوا: نعم، قَالَ: هَكَذَا أَنْتُم.
وفيهَا: توفّي خَالِد بن يزِيد بن مُعَاوِيَة من أسخياء بني أُميَّة وعقلائهم وفصحائهم
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ: فِيهَا بني الْحجَّاج وَاسِط.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسنة خمس وَثَمَانِينَ: فِيهَا توفّي عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بِمصْر.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ: فِي نصف شَوَّال مِنْهَا توفّي عبد الْملك بن مَرْوَان وعمره سِتُّونَ، وخلافته مُنْذُ قتل ابْن الزبير ثَلَاث عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر تنقص سبع لَيَال، لقب بِأبي الذُّبَاب لشدَّة الْبُخْل، ولقب لبخله برشح الْحجر، كَانَ حازما عَاقِلا عَالما دينا حَتَّى تولى، وَفِيه يَقُول الْحسن الْبَصْرِيّ: مَا أَقُول فِي رجل الْحجَّاج سَيِّئَة من سيئاته.
(أَخْبَار الْوَلِيد بن عبد الْملك)
وَلما توفّي عبد الْملك بُويِعَ الْوَلِيد فِي منتصف شَوَّال مِنْهَا بِعَهْد من أَبِيه إِلَيْهِ، وأغرى بِالْبِنَاءِ، وَفِي أَيَّامه فتوحات كَثِيرَة من الأندلس وَمِمَّا وَرَاء النَّهر، وَولى الْحجَّاج خُرَاسَان مَعَ الْعِرَاقِيّين فتغلغل فِي بِلَاد التّرْك، وتغلغل مسلمة بن عبد الْملك فِي بِلَاد الرّوم فَفتح وسبى، وَفتح مُحَمَّد بن الْقَاسِم الثَّقَفِيّ بِلَاد الْهِنْد.
وفيهَا: ولى الْوَلِيد ابْن عَمه عمر بن عبد الْعَزِيز الْمَدِينَة، فَقَدمهَا وَنزل فِي دَار جده مَرْوَان، ودعا عشرَة من فقهائها وهم: عُرْوَة بن الزبير، وَعبيد اللَّهِ بن عتبَة بن مَسْعُود، وَأَبُو بكر بن عبد الرَّحْمَن، وَأَبُو بكر بن سُلَيْمَان، وَسليمَان بن يسَار، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر، وَسَالم بن عبيد اللَّهِ بن عمر بن زيد، فَقَالَ لَهُم عمر: أُرِيد أَن لَا أقطع أمرا إِلَّا برأيكم فَمَا علمتموه من تعدِي عَامل أَو من ظلامة فعرفوني بِهِ فجزوه خيرا.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ وثمان وَثَمَانِينَ: فِيهَا: كتب الْوَلِيد إِلَى عمر بن عبد الْعَزِيز يَأْمُرهُ بهدم مَسْجِد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَهدم بيُوت أَزوَاجه ﵅، وَأَن يدْخل الْبيُوت فِي الْمَسْجِد بِحَيْثُ تصير مساحة الْمَسْجِد مِائَتي ذِرَاع فِي مِائَتي ذِرَاع وَأَن يضع أَثمَان الْبيُوت فِي بَيت المَال، فَأجَاب أهل الْمَدِينَة إِلَى ذَلِك وقدمت الفعلة والصناع من عِنْد الْوَلِيد لعمارة الْمَسْجِد، وتجرد لذَلِك عمر بن عبد الْعَزِيز.
وفيهَا: أَمر الْوَلِيد بِبِنَاء جَامع دمشق بأموال تجل عَن الْوَصْف.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمَا بعْدهَا حَتَّى دخلت سنة ثَلَاث وَتِسْعين: فِيهَا عزل الْوَلِيد عمر بن عبد الْعَزِيز عَن الْمَدِينَة.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَتِسْعين: فِيهَا قتل الْحجَّاج سعيد بن جُبَير ﵀ لكَونه خلع الْحجَّاج وَصَارَ مَعَ عبد الرَّحْمَن بن الْأَشْعَث، أرسل سعيد إِلَى الْحجَّاج من مَكَّة فَضرب
стр. 169
عُنُقه، وَكَانَ من أَعْلَام التَّابِعين، أَخذ عَن عبد اللَّهِ بن عَبَّاس وَعبد اللَّهِ بن عمر، وَعنهُ روى الْقُرْآن أَبُو عَمْرو. وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: قتل الْحجَّاج سعيد بن جُبَير وَمَا على وَجه الأَرْض أحد إِلَّا وَهُوَ مفتقر إِلَى علمه.
وفيهَا توفّي سعيد بن الْمسيب من كبار التَّابِعين وفقهائهم.
وفيهَا - وَقيل سنة خمس وَتِسْعين - توفّي عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب الْمَعْرُوف بزين العابدين، سلم من الْقَتْل إِذْ قتل أَبوهُ لِأَنَّهُ كَانَ مَرِيضا على الْفراش وَكَانَ كثير الْعِبَادَة وَلِهَذَا سمي زين العابدين، وَتُوفِّي بِالْمَدِينَةِ وَدفن بِالبَقِيعِ وعمره ثَمَان وَخَمْسُونَ سنة.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين: فِيهَا توفّي الْحجَّاج بن يُوسُف وعمره أَربع وَخَمْسُونَ، وَمُدَّة ولَايَته الْعرَاق نَحْو عشْرين سنة، كَانَ أخفش رَقِيق الصَّوْت فصيحا، قيل أحصيت قتلاه فَكَانُوا مائَة ألف وَعشْرين ألفا.
قلت: قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀: لَو جَاءَت كل أمة بمنافقيها وَجِئْنَا بالحجاج لفضلناهم؛ وَسيرَته وجراءته على الدِّمَاء مَشْهُورَة.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين: فِيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي الْوَلِيد بن عبد الْملك بدير مَرْوَان، وَدفن بِدِمَشْق خَارج الْبَاب الصَّغِير، وخلافته تسع سِنِين وَسَبْعَة أشهر، وَصلى عَلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز ابْن عَمه، وعمره اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ وَسِتَّة أشهر، كَانَ سَائل الْأنف جدا وَله ثَمَانِيَة عشر ابْنا، جَاءَتْهُ الصناع لعمارة جَامع دمشق من بِلَاد الرّوم وَسَائِر بِلَاد الْإِسْلَام، وَأدْخل كَنِيسَة ماري حنا فِي جملَة الْجَامِع، كَانَت قد سلمت للروم بِسَبَب وُقُوعهَا فِي النّصْف الَّذِي أَخذ صلحا.
وَكَانَ لحانا شكا أَعْرَابِي صهره إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا شَأْنك بِفَتْح النُّون؟ فَقَالَ الْأَعرَابِي: أعوذ بِاللَّه من الشين، فَقَالَ سُلَيْمَان بن عبد الْملك: أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول مَا شَأْنك بِالضَّمِّ، فَقَالَ الْأَعرَابِي، ختني ظَلَمَنِي، فَقَالَ الْوَلِيد: من ختنك؟ فَقَالَ الْأَعرَابِي: إِنَّمَا ختنني الْحجام وَلست أُرِيد ذَا، فَقَالَ سُلَيْمَان: أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول من ختنك بِالضَّمِّ، فَقَالَ هَذَا وَأَشَارَ إِلَى خَصمه.
وَكَانَ عبد الْملك فصيحا وَعرف لحن ابْنه فَقَالَ: إِنَّك يَا بني لَا تصلح للولاية على الْعَرَب وَأَنت تلحن، ووكل بِهِ من يُعلمهُ، فَخرج أَجْهَل مِمَّا دخل.
(سُلَيْمَان بن عبد الْملك)
وَلما مَاتَ الْوَلِيد بُويِعَ أَخُوهُ سُلَيْمَان بن عبد الْملك سابعهم، كَانَ بالرملة لما مَاتَ الْوَلِيد وبلغه الْخَبَر بعد سَبْعَة أَيَّام، فَقدم وَأحسن السِّيرَة ورد الْمَظَالِم.
قلت: وَأعْتق سُلَيْمَان سبعين ألفا بَين مَمْلُوك ومملوكة وكساهم، قَالَه مُحَمَّد بن سُلَيْمَان. وَاتخذ ابْن عَمه عمر بن عبد الْعَزِيز وزيرا.
وفيهَا: غزا مسلمة بن عبد الْملك الرّوم.
стр. 170
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسنة ثَمَان وَتِسْعين فِيهَا: خرج سُلَيْمَان بالجيوش وَنزل بمرج دابق، وَبعث أَخَاهُ مسلمة إِلَى قسطنطينية وَقَالَ: أقِم عَلَيْهَا تفتحها فشتى عَلَيْهَا وَزرع النَّاس بهَا الزَّرْع وأكلوه، وَأقَام مسلمة قاهرا لَهُم حَتَّى تفتحها جَاءَهُ الْخَبَر بِمَوْت أَخِيه سُلَيْمَان.
وفيهَا: فتح يزِيد بن الْمُهلب بن أبي صفرَة عَامل سُلَيْمَان على خُرَاسَان جرجان وطبرستان.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين: فِيهَا: فِي صفر توفّي سُلَيْمَان بن عبد الْملك بدابق من أَرض قنسرين مرابطا وَأَخُوهُ مسلمة منَازِل قسطنطينية، كَانَ سُلَيْمَان أسمر طَويلا جميلا بِهِ عرج حسن السِّيرَة مُغْرِي بِالنسَاء وَالْأكل، قيل أكل مرّة سبعين رمانة وجديا وست دجاجات وَكَثِيرًا من الزَّبِيب ثمَّ نَام، وانتبه فَأتوهُ بالغداء فَأكل على عَادَته.
وَقيل إِن سَبَب مَوته أَن نصراينا أَتَاهُ بدابق بزنبليين مملوءين تينا وبيضا فَأكل بيضه وتينة وَكَذَا حَتَّى فرغا، ثمَّ أَتَوْهُ بمسح وسكر فاتخم فَمَاتَ، وَصلى عَلَيْهِ عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ غيورا أَمر بخصي المخنثين بِالْمَدِينَةِ، فخصاهم عَامله أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن عمر الْأنْصَارِيّ.
وَلما اشْتَدَّ مرض سُلَيْمَان بدابق أوصى بالخلافة لعمر بن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف ثامن خلفائهم وَأمه بنت عَاصِم بن عمر بن الْخطاب.
(أَخْبَار عمر بن عبد الْعَزِيز)
وبويع عمر بن عبد الْعَزِيز بالخلافة أَوَائِل سنة تسع وَتِسْعين، فَأبْطل سبّ عَليّ ﵁ على المنابر وَكتب إِلَى نوابه بإبطاله، وَلما خطب يَوْم الْجُمُعَة أبدل السب فِي الْخطْبَة بقوله تَعَالَى: ﴿إِن اللَّهِ يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي ويعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ ، فاستمر الخطباء على قراءاتها، ومدحه كثير بن عبد الرَّحْمَن الْخُزَاعِيّ فَقَالَ:
(وليت فَلم تَشْتُم عليا وَلم تخف بريا وَلم ... تتبع سجية مجرم)
(وَقلت فصدقت الَّذِي قلت بِالَّذِي ... فعلت فأضحى رَاضِيا كل مُسلم)
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَمِائَة فِيهَا: توفّي عمر بن عبد الْعَزِيز لخمس بَقينَ من رَجَب بخناصرة وَدفن بدير سمْعَان، وَقيل توفّي بدير سمْعَان وَدفن بِهِ، قَالَ القَاضِي جمال الدّين بن وَاصل: الظَّاهِر عِنْدِي أَن دير سمْعَان هُوَ الْمَعْرُوف الْآن بدير النقيرة من عمل معرة النُّعْمَان وَأَن قَبره هُوَ هَذَا الْمَشْهُور.
قلت: وَبِه أَقُول، فَإِنِّي رَأَيْت كتاب تَارِيخ لِابْنِ الْمُهَذّب المعري من جباة أبي الْعَلَاء يذكر فِيهِ أَن هَذَا الدَّيْر الْمَذْكُور اسْمه دير سمْعَان، وَلَقَد رَأَيْت كثيرا من أهل المعرة يَحْكِي
стр. 171
عَنهُ مَا شَاهد من كراماته فِي النّوم أَو الْيَقَظَة حَتَّى لقد حكى لي من أَثِق بِهِ من أَصْحَابِي وأقاربي أَنهم زاروا قَبره مرّة ثمَّ حصل من بَعضهم على بعض بِحَضْرَتِهِ سوء أدب وتلاعب فغشيهم مَا كَادُوا يهْلكُونَ بِهِ حَتَّى أيقنوا بِالْمَوْتِ وَلَكنهُمْ بَادرُوا إِلَى الإستغفار والبكاء والندامة حَتَّى سرى عَنْهُم ذَلِك.
وزرت أَنا قَبره بالدير مرَارًا فَرَأَيْت عِنْده كتابا كَبِيرا يشْتَمل على أخباره الْحَسَنَة وَسيرَته الجميلة وفضله وعدله رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَمِمَّا يتعجب مِنْهُ أَن الشريف الرضي رثى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن عبد الْعَزِيز بقوله:
(دير سمْعَان لَا عدتك الغوادي ... خير ميت من آل مَرْوَان ميتك)
(يَا ابْن عبد الْعَزِيز لَو بَكت الْعين ... فَتى من أُميَّة لبكيتك)
(أَنْت طهرتنا من السَّبَب والشتم ... فَلَو أمكن الْجَزَاء جزيتك)
(ولعمري لقد زكوت وَقد طبت ... وَإِن لم يطب وَلم يزك بَيْتك)
ورثى أَبَا إِسْحَاق الصابي الْكَافِر بقصيدة طنانة أَولهَا:
(أعلمت من حملُوا على الأعواد ... أَرَأَيْت كَيفَ خبا ضِيَاء الْوَادي)
فَلَا جرم قلت أَنا:
(أَقْسَمت مَا قَول الرضي بمرتضى ... فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَقد يزل الْعَاقِل)
(أبمثل ذَا يرثى كفور صابىء ... وبمثل ذَا يرثى الإِمَام الْعَادِل)
وَالله أعلم.
قيل أَن بني أُميَّة خَافُوا إِن أمتدت أَيَّامه أَن يخرج الْأَمر عَنْهُم إِلَى من يصلح فَسَموهُ
وَولد بِمصْر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ، وخلافته سنتَانِ وَخَمْسَة أشهر، وعمره أَرْبَعُونَ سنة وَأشهر، رمحته دَابَّة وَهُوَ غُلَام فشجت وَجهه فدعي بالأشج، وَكَانَ متحريا سنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين.
(أَخْبَار يزِيد بن عبد الْملك)
وَلما مَاتَ عمر بن عبد الْعَزِيز بُويِعَ يزِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان بالخلافة وَهُوَ تاسعهم، وَأمه عَاتِكَة بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان، عهد إِلَيْهِ سُلَيْمَان بن عبد الْملك بعد عمر.
وَفِي أَيَّام يزِيد هَذَا خرج يزِيد ابْن الْمُهلب بن أبي صفرَة بِجمع، فَأرْسل يزِيد بن عبد الْملك أَخَاهُ مسلمة فقاتله، وَقتل ابْن الْمُهلب وَجَمِيع آل الْمُهلب الْمَشْهُورين بِالْكَرمِ والشجاعة، وَفِيهِمْ يَقُول الشَّاعِر:
(نزلت على آل الْمُهلب شاتيا ... غَرِيبا عَن الأوطان فِي زمن الْمحل)
(فَمَا زَالَ بِي إحسانهم وافتقادهم ... وبرهم حَتَّى حسبتهم أَهلِي)
стр. 172
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَة: فِيهَا توفّي عبيد اللَّهِ بن عبد اللَّهِ بن عتبَة بن مَسْعُود أحد الْفُقَهَاء السَّبْعَة بِالْمَدِينَةِ، وَعبيد اللَّهِ هَذَا ابْن أخي عبد اللَّهِ بن مَسْعُود الصَّحَابِيّ، وَهَؤُلَاء الْفُقَهَاء السَّبْعَة هم الَّذين انْتَشَر عَنْهُم الْعلم والفتيا حَتَّى قيل فيهم:
(أَلا كل من لَا يَقْتَدِي بأئمة ... فقسمته ضيزى عَن الْحق خَارجه)
(فَخذ هم عبيد اللَّهِ عُرْوَة قَاسم ... سعيد سُلَيْمَان أَبُو بكر خَارجه)
فعبيد اللَّهِ الْمَذْكُور من الْأَعْلَام التَّابِعين وَلَقي كثيرا من الصَّحَابَة، وَعُرْوَة: هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام بن خويلد؛ وَأم عُرْوَة أَسمَاء بنت أبي بكر ذَات النطاقين، توفّي عُرْوَة سنة ثَلَاث وَتِسْعين، وَقيل أَربع وَتِسْعين؛ ومولده سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين، وقاسم: هُوَ ابْن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق من أفضل أهل زَمَانه، وَسَعِيد: هُوَ ابْن الْمسيب بن حزن بن أبي وهب الْقرشِي؛ جمع بَين الحَدِيث وَالْفِقْه والزهد؛ ولد لِسنتَيْنِ مضتا من خلَافَة عمر وَتُوفِّي سنة إِحْدَى، وَقيل اثْنَتَيْنِ، وَقيل: أَربع، وَقيل خمس وَتِسْعين، وَسليمَان: هُوَ ابْن يسَار مولى مَيْمُونَة زوج النَّبِي ﷺ َ - روى عَن ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة وَأم سَلمَة، وَتُوفِّي سنة سبع وَمِائَة، وَقيل غير ذَلِك؛ وعمره ثَلَاث وَسَبْعُونَ، وَأَبُو بكر: هُوَ ابْن عبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي الْقرشِي، كنيته اسْمه؛ سمي رَاهِب قُرَيْش، وَأَبوهُ أَخُو أبي جهل، وَتُوفِّي سنة أَربع وَتِسْعين ؛ وَولد فِي خلَافَة عمر، وخارجه: هُوَ ابْن زيد بن ثَابت الْأنْصَارِيّ، قَالَ ﷺ َ - فِي أَبِيه: " أفرضكم زيد "، توفّي خَارِجَة سنة تسع وَتِسْعين، وَقيل سنة مائَة بِالْمَدِينَةِ، وَأدْركَ زمن عُثْمَان.
وَفِي زمنهم من هُوَ مثلهم وَفِي طبقتهم وَلم يذكر مَعَهم مثل سَالم بن عبد اللَّهِ بن عمر بن الْخطاب، وَغَيره، توفّي سَالم سنة سِتّ وَمِائَة.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسنة أَربع وَسنة خمس وَمِائَة: فِيهَا: لخمس بَقينَ من شعْبَان توفّي يزِيد بن عبد الْملك وعمره أَرْبَعُونَ، وخلافته أَربع سِنِين وَشهر عهد بالخلافة إِلَى أَخِيه هِشَام، ثمَّ إِلَى ابْنه الْوَلِيد بن يزِيد، وَكَانَ يزِيد صَاحب لَهو وَهُوَ صَاحب حبابة وسلامة القس، وَمَاتَتْ حبابة فَمَاتَ بعْدهَا بسبعة عشر يَوْمًا، وَسميت سَلامَة القس: لِأَن عبد الرَّحْمَن بن عبد اللَّهِ بن عمار سمي القس لعبادته وفقهه فَمر بمنزل أستاذ سَلامَة فَسمع غناءها فهواها وهويته واجتمعا، فَقَالَت سَلامَة: إِنِّي أحبك، فَقَالَ: وَأَنا أَيْضا، فَقَالَت: وأشتهي أَن أقبلك، فَقَالَ: وَأَنا أَيْضا، فَقَالَت: وَمَا يمنعك؟ قَالَ: تقوى اللَّهِ، وَانْصَرف، فَعرفت بذلك.
(أَخْبَار هِشَام بن عبد الْملك)
وَلما مَاتَ يزِيد بن عبد الْملك ولي هِشَام بن عبد الْملك وَهُوَ ابْن أَربع وَثَلَاثِينَ وَأشهر وَهُوَ عاشرهم، كَانَ بالرصافة فَجَاءَتْهُ الْخلَافَة على الْبَرِيد فَسَار إِلَى دمشق.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَمِائَة: وَمَا بعْدهَا حَتَّى دخلت سنة عشر وَمِائَة فِيهَا توفّي الْحسن الْبَصْرِيّ بن أبي الْحسن من أكَابِر التَّابِعين، مولده فِي خلَافَة عمر.
стр. 173
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن سِيرِين، أَبوهُ سِيرِين من سبي خَالِد، كَاتبه أنس بن مَالك سَيّده على مَال فَحَمله إِلَيْهِ وَعتق، لَقِي ابْن سِيرِين جمَاعَة من الصَّحَابَة وروى عَنْهُم مثل: أبي هُرَيْرَة وَعبد اللَّهِ بن الزبير، وَهُوَ من كبار التَّابِعين وَله الْيَد الطُّولى فِي تَعْبِير الرُّؤْيَا.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَة: وَسنة اثْنَتَيْ عشرَة وَمَا بعْدهَا حَتَّى دخلت سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة، فِيهَا توفّي " الباقر " مُحَمَّد بن زين العابدين عَليّ بن الْحُسَيْن، وَقيل سنة أَربع عشرَة، وَقيل سبع عشرَة، وَقيل ثَمَانِي عشرَة وَمِائَة، وَقيل عَاشَ ثَلَاثًا وَسبعين وَأوصى أَن يُكفن فِي قَمِيصه الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ، تبقر فِي الْعلم: أَي توسع، ومولده سنة سبع وَخمسين وَكَانَ عمره لما قتل الْحُسَيْن ثَلَاث سِنِين، توفّي بالحميمة من الشراة فَنقل إِلَى البقيع.
ثمَّ دخلت سنة سبع عشرَة وَمِائَة: فِيهَا، وَقيل فِي سنة عشْرين وَمِائَة توفّي نَافِع مولى عبد اللَّهِ بن عمر بن الْخطاب أَصَابَهُ عبد اللَّهِ فِي بعض غَزَوَاته وَكَانَ من كبار التَّابِعين، سمع مَوْلَاهُ وَأَبا سعيد الْخُدْرِيّ، وروى عَنهُ الزُّهْرِيّ وَمَالك بن أنس، وَأهل الحَدِيث يَقُولُونَ: رِوَايَة الشَّافِعِي عَن مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر سلسلة الذَّهَب لجلالتهم.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَانِي عشرَة وَسنة تسع عشرَة وَمِائَة: فِيهَا غزا الْمُسلمُونَ التّرْك فنصروا وغنموا وَقتلُوا عَظِيما وَقتلُوا خاقَان ملك التّرْك، تولى حربهم أَسد بن عبد اللَّهِ الْقَسرِي. ثمَّ دخلت سنة عشْرين وَمِائَة: فِيهَا توفّي أَبُو سعيد عبد الله بن كثير أحد الْقُرَّاء السَّبْعَة.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَة: فِيهَا: غزا مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان وَكَانَ على الجزيرة وأرمينية بِلَاد صَاحب السرير، فبذل لَهُ الْجِزْيَة فِي كل سنة سبعين ألف رَأس يُؤَدِّيهَا.
وفيهَا غزا مسلمة بن عبد الْملك الرّوم، فَافْتتحَ حصونا وغنم.
وفيهَا غزا نصر بن سيار مَا رواء النَّهر وَقتل ملك التّرْك، ثمَّ مضى إِلَى فرغانة فسبى كثيرا.
وفيهَا، وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة خرج زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ ﵃ بِالْكُوفَةِ ودعا إِلَى نَفسه وَبَايَعَهُ خلق، وَكَانَ وَالِي الْكُوفَة من جِهَة هِشَام يُوسُف بن عمر الثَّقَفِيّ فَجمع وَقَاتل زيدا فَأَصَابَهُ سهم فِي جَبهته فَأدْخل دَارا وَنزع السهْم فَمَاتَ وعمره اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ، وصلب يُوسُف بن عمر جثته وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى هِشَام فنصب بِدِمَشْق، ودامت جثته حَتَّى مَاتَ هِشَام وَولي الْوَلِيد فأحرقت.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَة: فِيهَا توفّي إِيَاس بن مُعَاوِيَة بن قُرَّة الْمُزنِيّ ذُو الفراسة والذكاء قَاضِي الْبَصْرَة فِي خلَافَة عمر بن عبد الْعَزِيز.
стр. 174
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسنة أَربع وَعشْرين وَمِائَة: فِيهَا توفّي مُحَمَّد بن مُسلم بن عبيد اللَّهِ بن عبد اللَّهِ بن شهَاب الْقرشِي الزُّهْرِيّ - بِضَم الزَّاي - نِسْبَة إِلَى زهرَة بن كلاب بن مرّة، وعمره ثَلَاث وَسَبْعُونَ، وَهُوَ من أَعْلَام التَّابِعين رأى عشرَة من الصَّحَابَة وروى عَنهُ مَالك وسُفْيَان وَغَيرهمَا، وَكَانَ يضع كتبه حوله مشتغلا بهَا فَقَالَت زَوجته: وَالله لهَذِهِ الْكتب أَشد عَليّ من ثَلَاث ضرائر.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة: فِيهَا توفّي هِشَام بن عبد الْملك بالرصافة لست خلون من ربيع الأول، وخلافته تسع عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر وَكسر، وعمره خمس وَخَمْسُونَ، مرض بالذبحة استعير من الْجِيرَان قمقم لتسخين مَاء غسله، فَإِن عياضا كَاتب الْوَلِيد ختم على موجوده، وَدفن بالرصافة وَهُوَ الَّذِي بناها وسكنها لصحتها هربا من الطَّاعُون، وَكَانَت مَدِينَة رُومِية فخربت حَتَّى بناها هِشَام وَبنى بهَا قَصْرَيْنِ وَبهَا دير مَعْرُوف، وَكَانَ أَحول بَين الْحول حازما عَاقِلا ذَا سياسة، وَله بنُون مِنْهُم مُعَاوِيَة أَبُو عبد الرَّحْمَن دخل الأندلس وملكها لما زَالَ ملك بني أُميَّة.
(أَخْبَار الْوَلِيد بن يزِيد)
وَلما مَاتَ هِشَام بُويِعَ الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك لثلاث خلون من ربيع الأول وَهُوَ حادي عشر خلفائهم، وَكَانَ هُوَ وَأَصْحَابه فِي الْبَريَّة فِي الْأَزْرَق خوفًا من هِشَام فِي ضيق وَسُوء حَال، فَكتب إِلَيْهِ بِمَوْت هِشَام فَحَضَرَ وَولي، وَعَكَفَ على الشّرْب والغناء وَالنِّسَاء، وَزَاد النَّاس فِي إعطائهم عشرات، ثمَّ زَاد أهل الشَّام زِيَادَة بعد العشرات عشرَة أُخْرَى وَلم يقل فِي شَيْء سَأَلَهُ لَا.
وفيهَا توفّي الْقَاسِم بن أبي برة من الْمَشْهُورين بِالْقِرَاءَةِ.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَة: فِيهَا سلم الْوَلِيد خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي إِلَى يُوسُف بن عمر عَامله بالعراق فَعَذَّبَهُ وَقَتله.
وفيهَا قتل الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك قَتله يزِيد بن الْوَلِيد بن عبد الْملك الملقب بالناقص فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا بعد أَن ثقل على النَّاس لَهو الْوَلِيد ومجونه وشربه واجتماعه بالفساق حَتَّى رَمَوْهُ بالْكفْر واتهموه بأمهات أَوْلَاد أَبِيه، ودعا يزِيد إِلَى نَفسه، وَنَهَاهُ أَخُوهُ الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن عبد الْملك عَن ذَلِك وتهدده فأخفى الْأَمر عَنهُ.
وَكَانَ يزِيد مُقيما بالبادية لوخم دمشق، فَلَمَّا اجْتمع لَهُ أمره قصد دمشق متخفيا فِي سَبْعَة نفر وَكَانَ بَينه وَبَينهَا مسيرَة أَرْبَعَة أَيَّام وَنزل بجرود على مرحله من دمشق، ثمَّ دخل دمشق لَيْلًا وَقد بَايع لَهُ أَهلهَا، وَكَانَ عَامل الْوَلِيد على دمشق عبد الْملك بن مُحَمَّد بن الْحجَّاج ووبئت دمشق فَنزل بقرية قطنا، فَظهر حِينَئِذٍ يزِيد بِدِمَشْق وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الْجند وَغَيرهم، وأحضر عَامل الْوَلِيد من قطن بالأمان، ثمَّ جهز يزِيد جَيْشًا إِلَى الْوَلِيد بن يزِيد بن عبد الْملك مقدمهم عبد الْعَزِيز بن الْحجَّاج بن عبد الْملك.
стр. 175
وَلما ظهر يزِيد بن الْوَلِيد بِدِمَشْق سَار بعض موَالِي الْوَلِيد إِلَيْهِ وأعلمه وَهُوَ بالأعذق من عمان، فَسَار الْوَلِيد حَتَّى أَتَى السَّحَرَة إِلَى قصر النُّعْمَان بن بشير، ونازله عبد الْعَزِيز وَجرى بَينهمَا قتال كثير.
وَقصد الْعَبَّاس بن الْوَلِيد بن عبد الْملك أَخُو يزِيد اللحوق بالوليد ونصرته على أَخِيه، فَأرْسل عبد الْعَزِيز مَنْصُور بن جُمْهُور إِلَى الْعَبَّاس فَأَخذه قهرا وأتى بِهِ إِلَى عبد الْعَزِيز فألزمه بمبايعة أَخِيه، وَنصب عبد الْعَزِيز راية وَقَالَ: هَذِه راية الْعَبَّاس قد بَايع لأمير الْمُؤمنِينَ يزِيد فَتفرق النَّاس عَن الْوَلِيد، فَركب الْوَلِيد بِمن مَعَه وَقَاتل قتالا شَدِيدا، ثمَّ انهزم عَنهُ أَصْحَابه فَدخل الْقصر وأغلقه وحاصروه ودخلوا وقتلوه لليلتين بَقِيَتَا من جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وبعثوا بِرَأْسِهِ إِلَى يزِيد فَسجدَ شكرا وطيف بِالرَّأْسِ على رمح فِي دمشق، وعمره اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة وَكَانَ من فتيَان أُميَّة وظرفائهم.
(أَخْبَار يزِيد بن الْوَلِيد)
وَاسْتقر يزِيد " النَّاقِص " فِي الْخلَافَة يَوْمئِذٍ وَهُوَ ثَانِي عشر خلفائهم وَنقص النَّاس العشرات الَّتِي زَادهَا الْوَلِيد فلقبوه النَّاقِص، وَخَالفهُ أهل حمص وهجموا دَار أَخِيه الْعَبَّاس فنهبوا وسلبوا حرمه وَأَجْمعُوا على محاربة يزِيد بِدِمَشْق، فَجهز عسكرا قَاتلهم قَرِيبا من ثنية الْعقَاب، فَانْهَزَمَ الحمصيون وَاسْتولى عَلَيْهَا يزِيد وَأخذ الْبيعَة عَلَيْهِم.
ثمَّ وثب أهل فلسطين على عَامل يزِيد فأخرجوه وأحضروا يزِيد بن سُلَيْمَان بن عبد الْملك فجعلوه عَلَيْهِم، ودعا النَّاس إِلَى قتال يزِيد النَّاقِص، فَأرْسل يزِيد جَيْشًا مَعَ سُلَيْمَان بن هِشَام بن عبد الْملك، ووعد كبراء فلسطين ومناهم، فتخاذلوا عَن صَاحبهمْ، فَلَمَّا قرب مِنْهُم الْجَيْش تفَرقُوا، وَقدم سُلَيْمَان جَيْشًا فِي أثر يزِيد بن سُلَيْمَان بن عبد الْملك فنهبوه، وَسَار سُلَيْمَان بن هِشَام بن عبد الْملك حَتَّى نزل طبرية وَبَايع بهَا ليزِيد، ثمَّ الرملة وَبَايع بهَا كَذَلِك.
ثمَّ عزل يزِيد يُوسُف بن عمر عَن الْعرَاق، وولاه مَنْصُور بن جُمْهُور وَضم إِلَيْهِ خُرَاسَان، فَامْتنعَ نصر بن سيار فِي خُرَاسَان، ثمَّ عزل يزِيد بن الْوَلِيد مَنْصُور بن جُمْهُور عَن الْعرَاق وولاه عبد اللَّهِ بن عمر بن عبد الْعَزِيز.
وفيهَا أظهر مَرْوَان بن مُحَمَّد الْخلاف ليزِيد بن الْوَلِيد.
وفيهَا توفّي يزِيد النَّاقِص لعشر بَقينَ من ذِي الْحجَّة، وخلافته خَمْسَة أشهر وَاثنا عشر يَوْمًا، مَاتَ بِدِمَشْق وعمره سِتّ وَأَرْبَعُونَ وَقيل ثَلَاثُونَ سنة، كَانَ أسمر طَويلا صَغِير الرَّأْس جميلا.
(إِخْبَار إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد)
وَقَامَ بِالْأَمر بعده إِبْرَاهِيم أَخُوهُ ثَالِث عشر خلفائهم، وَلم يتم لَهُ الْأَمر كَانَ يسلم عَلَيْهِ تَارَة بالخلافة وَتارَة بالإمارة فَمَكثَ أَرْبَعَة أشهر، وَقيل: سبعين يَوْمًا.
стр. 176
وفيهَا: توفّي عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق.
وفيهَا: توفّي أَبُو جَمْرَة - بِالْجِيم - صَاحب ابْن عَبَّاس.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة: فِيهَا: سَار مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم أَمِير ديار الجزيرة إِلَى الشَّام لخلع إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد، وَاتفقَ مَعَ أهل قنسرين وَسَارُوا مَعَه، وَمَعَ أهل حمص وَسَارُوا مَعَه، وَقرب من دمشق فَبعث إِبْرَاهِيم الْجنُود لقتاله مَعَ سُلَيْمَان بن هِشَام بن عبد الْملك وهم مائَة وَعِشْرُونَ ألفا، ومروان فِي ثَمَانِينَ ألفا، فَاقْتَتلُوا إِلَى الْعَصْر، وَانْهَزَمَ عَسْكَر إِبْرَاهِيم وَسليمَان بن هِشَام الْمُقدم إِلَى دمشق واجتمعوا مَعَ إِبْرَاهِيم وَقتلُوا ابْني الْوَلِيد بن يزِيد وَكَانَا فِي السجْن، ثمَّ اختفى إِبْرَاهِيم، وَنهب سُلَيْمَان بن هِشَام بَيت المَال، وقسمه فِي أَصْحَابه، وَخرج من دمشق.
(أَخْبَار مَرْوَان بن مُحَمَّد)
وفيهَا: بُويِعَ بالخلافة لمروان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم رَابِع عشر خلفائهم وَآخرهمْ وَذَلِكَ بِدِمَشْق، وَلما اسْتَقر لَهُ الْأَمر عَاد إِلَى منزله بحران، وَأرْسل إِبْرَاهِيم المخلوع بن الْوَلِيد وَسليمَان بن هِشَام يستأمنان مِنْهُ فأمنهما وقدما عَلَيْهِ وَمَعَ سُلَيْمَان إخْوَته وَأهل بَيته فَبَايعُوا مَرْوَان.
وفيهَا: عصى أهل حمص على مَرْوَان، فَجَاءَهُمْ من حران وأحدق بهم ففتحوا لَهُ وأطاعوا، ثمَّ اقْتَتَلُوا فهدم بعض سورها وَقتل وصلب بعض أَهلهَا.
وجاءه الْخَبَر بِخِلَاف أهل الغوطة وَأَنَّهُمْ ولوا عَلَيْهِم ابْن خَالِد الْقَسرِي وحصروا دمشق، فَأرْسل عشرَة آلَاف فَارس مَعَ أبي الْورْد بن الْكَوْثَر وَعَمْرو بن الصَّباح وَسَارُوا من حمص وحملوا على أهل الغوطة، وَخرج من الْبَلَد عَلَيْهِم جَيش أَيْضا فَانْهَزَمَ أهل الغوطة ونهبهم الْعَسْكَر وأحرقوا المزة وقرى غَيرهَا.
ثمَّ خَالف أهل فلسطين ومقدمهم ثَابت بن نعيم، فَكتب مَرْوَان إِلَى أبي الْورْد، فَسَار إِلَيْهِ وهزمه على طبرية، ثمَّ اقْتَتَلُوا على فلسطين فَانْهَزَمَ ثَابت بن نعيم وتفرق أَصْحَابه، وَأسر ثَلَاثَة من أَوْلَاده فَبعث بهم أَبُو الْورْد إِلَى مَرْوَان.
ثمَّ سَار مَرْوَان إِلَى قرقيسيا فخلعه سُلَيْمَان بن هِشَام بن عبد الْملك وَاجْتمعَ إِلَيْهِ من الشَّام سَبْعُونَ ألفا وعسكر بِقِنِّسْرِينَ، وَسَار إِلَيْهِ مَرْوَان والتقوا بِأَرْض قنسرين، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَان وَعَسْكَره واتبعهم خيل مَرْوَان يقتلُون وَيَأْسِرُونَ وزادت الْقَتْلَى عَن ثَلَاثِينَ ألفا.
ثمَّ وصل سُلَيْمَان إِلَى حمص وَاجْتمعَ إِلَيْهِ أَهلهَا وَبَقِيَّة المنهزمين، فجَاء مَرْوَان وَهَزَمَهُمْ ثَانِيَة، وهرب سُلَيْمَان إِلَى تدمر، وَعصى أهل حمص فَحَاصَرَهُمْ مَرْوَان طَويلا، ثمَّ سلمُوا إِلَيْهِ وُلَاة سُلَيْمَان وآمنهم.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن وَاسع الْأَزْدِيّ الزَّاهِد.
стр. 177
وفيهَا: توفّي عبد اللَّهِ بن إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ من حلفاء عبد شمس، يكنى أَبَا بَحر، إِمَامًا فِي النَّحْو واللغة، عَابَ الفرزدق فِي شعره وَنسبه إِلَى اللّحن، فَقَالَ الفرزدق فِيهِ:
(وَلَو كَانَ عبد اللَّهِ مولى هجوته ... وَلَكِن عبد اللَّهِ مولى مواليا)
فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ: وَلَقَد لحنت أَيْضا فِي قَوْلك: مولى مواليا، بل يَنْبَغِي أَن تَقول: مولى موَالٍ.
قلت: قد يُقَال إِن حجَّة الفرزدق فِي قَوْله مولى مواليا: كَونه غير منصرف وخفة الفتحة، وَقد يُجَاب عَن الْحَضْرَمِيّ: إِن فَتْحة موَالِي نائبة عَن الْجَرّ فَكَمَا أَن الْجَرّ المنوب عَنهُ يستثقل هُنَا فَكَذَلِك الْفَتْح النَّائِب إِعْطَاء للنائب حكم المنوب عَنهُ، وَلَوْلَا خوف التَّطْوِيل لذكرت هُنَا مَا عَلَيْهِ من المباحث، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَعشْرين وَمِائَة: فِيهَا: أرسل مَرْوَان بن مُحَمَّد يزِيد بن هُبَيْرَة إِلَى الْعرَاق لقِتَال الْخَوَارِج، وَكَانَ بخراسان نصر بن سيار والفتنة، ثمَّ قَائِمَة بِسَبَب دعاة بني الْعَبَّاس.
وفيهَا: مَاتَ عَاصِم بن أبي النجُود الْمقري - والنجود: الأتان الوحشية - ... ... ... ... ...
ثمَّ دخلت سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة: فِيهَا: ظَهرت دَعْوَة بني الْعَبَّاس بخراسان، وَكَانَ يخْتَلف أَبُو مُسلم الْخُرَاسَانِي من خُرَاسَان إِلَى إِبْرَاهِيم الْمُسَمّى بِالْإِمَامِ ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن عَبَّاس وَمِنْه إِلَى خُرَاسَان ليستعلم مِنْهُ إِبْرَاهِيم الْأَحْوَال.
وفيهَا: استدعى إِبْرَاهِيم أَبَا مُسلم من خُرَاسَان، فَسَار إِلَيْهِ. ثمَّ أرسل إِلَيْهِ إِبْرَاهِيم أَن ابْعَثْ إِلَيّ بِمَا مَعَك من المَال مَعَ قَحْطَبَةَ وارجع إِلَى أَمْرِي ووافاه الْكتاب بقومس، فامتثل وَأرْسل المَال وَرجع، فَلَمَّا وصل مرو أظهر الدعْوَة لبني الْعَبَّاس، فَأَجَابَهُ النَّاس وَأرْسل إِلَى بِلَاد خُرَاسَان بِإِظْهَار ذَلِك بعد السَّعْي فِيهِ سرا مُدَّة طَوِيلَة، ثمَّ أظهر ذَلِك فِي هَذِه السّنة.
وَجرى بَين أبي مُسلم وَبَين نصر بن سيار أَمِير خُرَاسَان مكاتبات ومراسلات ثمَّ قتال، فَقتل أَبُو مُسلم بعض عُمَّال نصر على بعض بِلَاد خُرَاسَان وَاسْتولى على مَا بِأَيْدِيهِم.
أَبُو مُسلم: من خطرنية من سَواد الْكُوفَة، كَانَ قهرمانا لإدريس بن معقل الْعجلِيّ، ثمَّ صَار إِلَى أَن ولاه مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس الْأَمر فِي استدعاء النَّاس فِي الْبَاطِن، ثمَّ مَاتَ مُحَمَّد فولاه ابْنه إِبْرَاهِيم الإِمَام ذَلِك، ثمَّ الْأَئِمَّة من ولد مُحَمَّد.
وَلما قوي أَبُو مُسلم على نصر بن سيار كتب بذلك إِلَى مَرْوَان بن مُحَمَّد وبكونه يَدْعُو إِلَى إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور وَكتب شعرًا وَهُوَ:
(أرى تَحت الرماد وميض نَار ... ويوشك أَن يكون لَهَا ضرام)
(فَإِن لم يطفها عقلاء قوم ... يكون وقودها جثث وهام)
(فَقلت من التَّعَجُّب لَيْت شعري ... أأيقاظ أُميَّة أم نيام)
وَكَانَ مقَام إِبْرَاهِيم الإِمَام وَأَهله بالشراة من الشَّام بقرية الحميمة - بِضَم الْحَاء - عَن
стр. 178
الشوبك دون يَوْم بَينهمَا وَبَين وَادي مُوسَى وَمن الشوبك قبْلَة بغرب وَتلك الْبقْعَة من الشوبك إِلَى الغرب والقبلة هِيَ الشراة. فَكتب مَرْوَان إِلَى عَامله بالبلقاء أَن يسير إِلَى إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمَذْكُور، فشده وثاقا، وَبعث بِهِ فحبسه مَرْوَان بحران حَتَّى مَاتَ إِبْرَاهِيم فِي حَبسه، ومولده سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة: فِي هَذِه السّنة دخل أَبُو مُسلم مَدِينَة مرو وَنزل فِي قصر الْإِمَارَة فِي ربيع الآخر، وهرب نصر بن سيار من مرو، ثمَّ وصل قَحْطَبَةَ من عِنْد الإِمَام إِبْرَاهِيم إِلَى أبي مُسلم وَمَعَهُ لِوَاء عقده لَهُ إِبْرَاهِيم، فَجعل أَبُو مُسلم قَحْطَبَةَ فِي مقدمته وَجعل إِلَيْهِ الْعَزْل والاستعمال وَكتب إِلَى الْجنُود بذلك.
وفيهَا: أَعنِي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة - وَقيل: سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ توفّي ربيعَة الزابي بن فروخ فَقِيه الْمَدِينَة، أدْرك جمَاعَة من الصَّحَابَة وَعنهُ أَخذ مَالك الْعلم.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى ثَلَاثِينَ: فِيهَا: مَاتَ نصر بن سيار بساوة قرب الرّيّ وعمره خمس وَثَمَانُونَ.
وفيهَا: توفّي أَبُو حُذَيْفَة وَاصل بن عَطاء الغزال المعتزلي، ومولده سنة ثَمَانِينَ، اشْتغل على الْحسن الْبَصْرِيّ ثمَّ اعتزله وَخَالفهُ فِي قَوْله فِي أَصْحَاب الْكَبَائِر من الْمُسلمين أَنهم لَيْسُوا مُؤمنين وَلَا كَافِرين بل فِي منزلَة بَين المنزلتين فَسُمي وَأَصْحَابه معتزلة، كَانَ ألثغ بالراء فتجنبها حَتَّى قيل:
(نعم تجنب لَا يَوْم الْعَطاء كَمَا ... تجنب ابْن عَطاء لثغة الرَّاء)
لَازم وَاصل الغزالين ليعرف المتعففات من النِّسَاء فَيجْعَل صدقته لَهُنَّ فَسُمي الغزال.
وفيهَا: أَعنِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ: توفّي بِالْبَصْرَةِ مَالك بن دِينَار من موَالِي بني أُسَامَة بن ثَوْر الْقرشِي الْعَالم الناسك الزَّاهِد، وَمَا أحسن مَا روى بعض الشُّعَرَاء باسم مَالك فِي ملك انتصر على أعدائه فَأسر الرِّجَال وَفرق الذَّهَب فَقَالَ:
(أعتقت من أَمْوَالهم مَا استعبدوا ... وملكت رقهم وهم أَحْرَار)
(حَتَّى غَدا من كَانَ مِنْهُم مَالِكًا ... متمنيا لَو أَنه دِينَار)
قلت: وَقد أذكرني هَذَا قولي:
(يَا من سبي شمس الضُّحَى ... بِالنورِ مَا قلبِي حَدِيد)
تورية بالسور.
(أَنا خَالِد فِي لوعة ... وجوى يشيب لَهُ الْوَلِيد)
تورية لخَالِد بن الْوَلِيد.
وَقَوْلِي أَيْضا من مقَامه فِي طَريقَة التصوف:
(كم مُنكر صَار فِيهَا مَعْرُوفا بالإيثار ... وَكم من مَالك فنى بنافيها عَن دِينَار)
وَقَوْلِي:
стр. 179
(جبرت يَا عائدتي بالصلة ... فتممي الْإِحْسَان تَنْفِي الوله)
(وَهَذِه قد حسبت زوره ... لم أَنْت يَا كعبة مستجلة)
وَقَوْلِي تورية فِي الْمثل الْمَشْهُور:
(من كَانَ مردودا بِعَيْب فقد ... ردتني الغيد بعيبين)
(الرَّأْس واللحية شَابًّا مَعًا ... عاقبني الدَّهْر بشيبين)
ولي من هَذَا كثير وَلَكِن فرق بَين تِلْكَ الثريا وَهَذَا الثرى، وَالله اعْلَم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة: وفيهَا: سَار قَحْطَبَةَ فِي جَيش كَبِير من خُرَاسَان طَالبا يزِيد بن هُبَيْرَة أَمِير الْعرَاق من جِهَة مَرْوَان حَتَّى قطع الْفُرَات والتقيا، فَانْهَزَمَ ابْن هُبَيْرَة، وَعدم قَحْطَبَةَ، قيل: غرق، وَقيل وجد قَتِيلا، وَقَامَ بِالْأَمر الْحسن بن قَحْطَبَةَ.
(أَخْبَار أبي الْعَبَّاس السفاح)
وفيهَا: بُويِعَ أَبُو الْعَبَّاس السفاح عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس بالخلافة فِي ربيع الأول وَقيل: ربيع الآخر بِالْكُوفَةِ بعد مسيره من الحمية، وَسبب مسيره من الحميمة: أَن إِبْرَاهِيم الإِمَام لما أمْسكهُ مَرْوَان نعى نَفسه إِلَى أهل بَيته وَأمرهمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى أهل الْكُوفَة مَعَ اخيه السفاح وبالسمع لَهُ وَالطَّاعَة، وَأوصى بالخلافة إِلَى أَخِيه السفاح.
وَسَار السفاح بِأَهْل بَيته مِنْهُم أَخُوهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور وَغَيره إِلَى الْكُوفَة فَقَدمهَا فِي صفر واستخفى، ثمَّ ظهر فِي ربيع الأول وسلموا عَلَيْهِ بالخلافة وَعَزوه فِي أَخِيه إِبْرَاهِيم الإِمَام، وَدخل دَار الْإِمَارَة بِالْكُوفَةِ يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشر ربيع الأول مِنْهَا، ثمَّ خرج وخطب وَصلى بِالنَّاسِ، ثمَّ صعد الْمِنْبَر ثَانِيًا، وَصعد عَمه دَاوُد بن عَليّ فَقَامَ دونه وخطبا النَّاس وحضاهم على الطَّاعَة، ثمَّ نزل وَعَمه أَمَامه وَدخل قصر الْإِمَامَة وأجلس أَخَاهُ أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور فِي الْمَسْجِد يُبَايع النَّاس.
ثمَّ خرج السفاح فَعَسْكَرَ بحمام أعين واستخلف على الْكُوفَة عَمه دَاوُد، وحاجب السفاح يَوْمئِذٍ عبد اللَّهِ بن بسام.
ثمَّ بعث عَمه عبد اللَّهِ بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن عَبَّاس إِلَى شهرزور وَأَهْلهَا مطيعون لَهُ وَبهَا من جِهَة بني الْعَبَّاس أَبُو عون عبد اللَّهِ بن يزِيد الْأَزْدِيّ، وَبعث ابْن أَخِيه عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد إِلَى الْحسن بن قَحْطَبَةَ، وَهُوَ يحاصر ابْن هُبَيْرَة بواسط، وَبعث يحيى بن جَعْفَر بن تَمام بن عَبَّاس إِلَى حميد بن قَحْطَبَةَ أخي الْحسن بِالْمَدَائِنِ، وَأقَام السفاح فِي المعسكر أشهرا، ثمَّ ارتحل فَنزل هاشمية الْكُوفَة بقصر الْإِمَارَة.
(أَخْبَار مَرْوَان إِلَى أَن قتل)
كَانَ مَرْوَان آخر خلفاء بني أُميَّة ويلقب الْجَعْدِي وحمار الجزيرة أَيْضا بحران، فَسَار يطْلب أَبَا عون عبد اللَّهِ بن يزِيد الْأَزْدِيّ المستولي على شهرزور من جِهَة بني الْعَبَّاس،
стр. 180
فوصل مَرْوَان إِلَى الزاب وَنزل بِهِ وحفر عَلَيْهِ خَنْدَقًا وَكَانَ فِي مائَة ألف وَعشْرين ألفا، وَسَار أَبُو عون من شهرزور إِلَى الزاب بِمَا عِنْده من الْمَجْمُوع وأردفه السفاح بعساكر مَرَّات مَعَ مقدمين مِنْهُم سَلمَة بن مُحَمَّد وَعبد اللَّهِ الطَّائِي وَعم السفاح عبد اللَّهِ، وَلما قدم عَمه على أبي عون تحول أَبُو عون عَن سرادقة وخلاه لَهُ وَمَا فِيهِ.
ثمَّ أَن مَرْوَان عقدا جِسْرًا على الزاب وَعبر إِلَى جِهَة عبد اللَّهِ بن عَليّ، فَسَار عبد اللَّهِ إِلَى مَرْوَان وَجعل على ميمنته أَبَا عون وعَلى ميسرته الْوَلِيد بن مُعَاوِيَة وَكَانَ عَسْكَر عبد اللَّهِ عشْرين ألفا وَقيل: أقل، والتقوا وَاشْتَدَّ الْقِتَال وداخل الفشل عَسْكَر مَرْوَان واختل كل أَمر أَرَادَهُ حَتَّى انهزم وغرق من أَصْحَابه خلق مِنْهُم: إِبْرَاهِيم بن الْوَلِيد بن عبد الْملك المخلوع. وَكتب عبد اللَّهِ إِلَى ابْن أَخِيه السفاح بِالْفَتْح وحوى من المنهزمين أسلحة والهزيمة يَوْم السبت لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت من جُمَادَى الْآخِرَة من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَة.
وَلما انهزم مَرْوَان من الزاب أَتَى الْموصل، فَسَبهُ أَهلهَا وَقَالُوا: يَا جعدي الْحَمد لله الَّذِي أَتَانَا بِأَهْل بَيت نَبينَا، فَأتى حران وَأقَام بهَا نيفا وَعشْرين يَوْمًا حَتَّى دنا مِنْهُ عَسْكَر السفاح فَحمل مَرْوَان أَهله وَانْهَزَمَ إِلَى حمص، وَقدم عبد اللَّهِ بن عَليّ حران.
ثمَّ سَار مَرْوَان من حمص وأتى دمشق، ثمَّ سَار إِلَى فلسطين.
وَكَانَ السفاح قد كتب إِلَى عَمه عبد اللَّهِ بن عَليّ بِاتِّبَاع مَرْوَان، فَسَار فِي أثر مَرْوَان إِلَى دمشق فحاصرها ودخلها عنْوَة يَوْم الْأَرْبَعَاء لخمس مضين من رَمَضَان مِنْهَا، وَأقَام بِدِمَشْق خَمْسَة عشر يَوْمًا. ثمَّ أَتَى فلسطين فورد عَلَيْهِ كتاب السفاح بإرسال أَخِيه صَالح بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن عَبَّاس فِي طلب مَرْوَان، فَسَار صَالح فِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا حَتَّى نزل نيل مصر ومروان مُنْهَزِم قدامه، وأدركه فِي كَنِيسَة بوصير من أَعمال مصر، وَانْهَزَمَ أَصْحَاب مَرْوَان، وَطعن إِنْسَان مَرْوَان بِرُمْح فَقتله، وَسبق كُوفِي كَانَ يَبِيع الرُّمَّان فاحتز رَأس مَرْوَان لثلاث بَقينَ من ذِي الْحجَّة مِنْهَا.
وأحضر الرَّأْس قُدَّام صَالح بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس، فَأمر أَن ينفض فَسقط لِسَانه فَأَخَذته هرة، وارسله صَالح إِلَى أبي الْعَبَّاس وَقَالَ:
(قد فتح اللَّهِ مصرا عنْوَة لَكِن ... وَأهْلك الْفَاجِر الْجَعْدِي إِذْ ظلما)
(وَذَاكَ مقوله هُوَ يجرجره ... وَكَانَ رَبك من ذِي الْكفْر منتقما)
ثمَّ رَجَعَ صَالح إِلَى الشَّام وَخلف أَبَا عون بِمصْر وَلما وصل الرَّأْس إِلَى السفاح بِالْكُوفَةِ سجد شكرا.
وهرب عبد اللَّهِ وَعبيد اللَّهِ ابْنا مَرْوَان إِلَى الْحَبَشَة، فَقَاتلهُمْ الْحَبَشَة فَقتل عبيد اللَّهِ وَنَجَا عبد اللَّهِ فِي عدَّة مِمَّن مَعَه، وَبَقِي إِلَى خلَافَة الْمهْدي فَأَخذه نصر بن مُحَمَّد بن الْأَشْعَث عَامل فلسطين وَبعث بِهِ إِلَى الْمهْدي.
следующие страницы →