Полный текст (708 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
الْحَاج بِمَكَّة ثمَّ يجمع ثَلَاثِينَ يَتِيما وَيعْمل أَجود طَعَام يُمكنهُ ويطعمهم فِي ذَلِك الْبَيْت ويكسوهم وَيُعْطِي كل وَاحِد سَبْعَة دَرَاهِم فَيكون كمن حج.
فَأمر الْوَزير بِقِرَاءَة ذَلِك قُدَّام القَاضِي أبي عَمْرو، فَقَالَ القَاضِي للحلاج: من أَيْن لَك هَذَا؟ قَالَ: من كتاب الْإِخْلَاص لِلْحسنِ الْبَصْرِيّ، فَقَالَ لَهُ القَاضِي: كذبت يَا حَلَال الدَّم قد سمعناه بِمَكَّة وَلَيْسَ فِيهِ هَذَا.
فَطلب الْوَزير خطّ القَاضِي بقوله: أَنْت حَلَال الدَّم فدافعه، ثمَّ ألزمهُ الْوَزير فَكتب بِإِبَاحَة دَمه وَكتب بعده من حضر الْمجْلس، فَقَالَ الحلاج: مَا يحل لكم دمي وديني الْإِسْلَام ومذهبي السّنة ولي فِيهَا كتب مَوْجُودَة فَالله اللَّهِ فِي دمي: وَأرْسل الْوَزير الْفَتَاوَى بذلك إِلَى المقتدر واستأذنه فِي قَتله فَأذن، فَضرب ألف سَوط ثمَّ قطعت يَده ثمَّ رجله ثمَّ قتل وأحرق وَنصب رَأسه بِبَغْدَاد.
قلت: يُقَال أَن أَبَا الْعَبَّاس بن سُرَيج قَالَ عَنهُ: هَذَا رجل خَفِي عَليّ حَاله وَمَا أَقُول فِيهِ شَيْئا.
وَفِي مشكاة الْأَنْوَار للغزالي فصل طَوِيل فِي حَاله يعْتَذر فِيهِ عَمَّا صدر مِنْهُ من الْأَلْفَاظ مثل: أَنا الْحق وَمَا فِي الْجُبَّة إِلَّا اللَّهِ، وَحملهَا على محامل حَسَنَة وأولها وَقَالَ: هَذَا من شدَّة الوجد، وَجعله مثل قَول الْقَائِل.
أَنا من أَهْوى وَمن أَهْوى أَنا.
وَقَالَ السَّيِّد القطب الشَّيْخ محيي الدّين عبد الْقَادِر الجيلي رَحمَه اللَّهِ تَعَالَى: عثر الحلاج قلم يكن فِي زَمَنه من يَأْخُذ بِيَدِهِ، وَلَو كنت فِي زَمَنه لأخذت بِيَدِهِ، وَفِي كَلَام الشَّيْخ عبد الْقَادِر أَيْضا فِي الحلاج مَا يدل على أَنه ولي اللَّهِ وَأَن الْعلمَاء معذورون فِي أمره لتمسكهم بِظَاهِر الشَّرْع، وَذَلِكَ قَوْله ﵁ فِيهِ طَار وَاحِد من العارفين إِلَى أفق الدَّعْوَى بأجنحة أَنا الْحق رأى روض الأبدية خَالِيا من الحسيس والأنيس صفر بِغَيْر لغته تعريضا لحتفه ظهر عَلَيْهِ عِقَاب الْملك من مكمن إِن اللَّهِ لَغَنِيّ عَن الْعَالمين أنشب فِي إهابه مخلب كل نفس ذائقة الْمَوْت، قَالَ لَهُ شرع سُلَيْمَان الزَّمَان لم تَكَلَّمت بِغَيْر لغتك لم ترنمت بلحن غير مَعْهُود من مثلك ادخل الْآن إِلَى قفص وجودك ارْجع من طَرِيق عزة الْقدَم إِلَى مضيق ذلة الْحَدث قل بِلِسَان اعترافك ليسمعك أَرْبَاب الدَّعَاوَى حسب الْوَاجِد إِفْرَاد الْوَاحِد منَاط الطَّرِيق إِقَامَة وظائف حُرْمَة الشَّرْع.
وَكَانَ شَيخنَا الْعَارِف عبس السرجاوي الْجَعْفَرِي نفعنا اللَّهِ ببركته يعْتَذر عَن الحلاج وَعَن الْعلمَاء الَّذين أفتوا فِيهِ بِنَحْوِ ذَلِك، وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن سهل بن عَطاء من كبار عُلَمَاء الصُّوفِيَّة ومشايخهم، وَإِبْرَاهِيم بن هَارُون الْحَرَّانِي الطَّبِيب.
ثمَّ دخلت سنة عشرَة وثلثمائة: فِيهَا توفّي أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ بِبَغْدَاد،
стр. 247
ومولده سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ برمل طبرستان، حَافظ للْكتاب الْعَزِيز والقراءات مُجْتَهد لم يُقَلّد أحدا فَقِيه عَارِف بأقاويل الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَله التَّارِيخ الْمَشْهُور ابْتَدَأَ فِيهِ من أول الزَّمَان إِلَى آخر سنة اثنيتين وثلثمائة وَكتاب فريد فِي التَّفْسِير وَكتب أصُول وفروع، وصنف كتابا فِيهِ اخْتِلَاف الْفُقَهَاء وَلم يذكر فِيهِ أَحْمد بن حَنْبَل، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ أَحْمد بن حَنْبَل مُحدثا، فَاشْتَدَّ ذَلِك على الْحَنَابِلَة وَكَانُوا لَا يُحصونَ كَثْرَة بِبَغْدَاد ورموه بالرفض تعصبا وتشنيعا عَلَيْهِ.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي أَبُو بكر مُحَمَّد بن السّري بن سهل النَّحْوِيّ ابْن السراج نِسْبَة إِلَى عمل السُّرُوج أحد الْأَئِمَّة الْمَشَاهِير، أَخذ عَن أبي الْعَبَّاس الْمبرد، وَأخذ عَنهُ أَبُو سعيد السيرافي وَعلي بن عِيسَى الرماني وَنقل عَنهُ الْجَوْهَرِي وَله مصنفات مَشْهُورَة، كَانَ يلثغ بالراء فيجعلها غينا.
قلت: وَمن شعره:
(ميزت بَين جمَالهَا وفعالها ... فَإِذا الملاحة بالخيانة لَا تفي)
(حَلَفت لنا أَن لَا تخون عُهُودنَا ... فَكَأَنَّهَا حَلَفت لنا أَن لَا تفي)
(وَالله لَا كلمتها وَلَو أَنَّهَا ... كالبدر أَو كَالشَّمْسِ أَو كالمكتفي)
وَبَلغت الأبيات إِلَى المكتفي فَقَالَ: لمن هِيَ؟ فَقيل: هِيَ لِعبيد اللَّهِ بن طَاهِر، فَأعْطَاهُ ألف دِينَار، فَكَانَ شعر ذَلِك سَببا لرزق هَذَا وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشرَة وثلثمائة: فِيهَا كبست القرامطة وأميرهم أَبُو طَاهِر سُلَيْمَان بن أبي سعيد الجباني الْبَصْرَة لَيْلًا وعلوا على سورها وَقتلُوا عاملها وَأَقَامُوا بهَا سَبْعَة عشر يَوْمًا يقتلُون ويحملون الْأَمْوَال مِنْهَا.
وفيهَا: توفّي أَبُو مُحَمَّد أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْجريرِي - بِضَم الْجِيم. من مشاهير مَشَايِخ الصُّوفِيَّة، وَإِبْرَاهِيم بن السّري الزّجاج صَاحب كتاب مَعَاني الْقُرْآن، وَمُحَمّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب كَانَ فِي شبابه يضْرب بِالْعودِ والتحى فَقَالَ: كل غناء يخرج من بَين شَارِب ولحية لَا يستحسن، ثمَّ درس الطِّبّ والفلسفة بعد الْأَرْبَعين وَعمر وَبلغ فِي علومه الْغَايَة حَتَّى أُشير إِلَيْهِ فِي الطِّبّ، وَله الْحَاوِي نَحْو ثَلَاثِينَ مجلدا والمنصوري نَافِع صنفه لبَعض الْمُلُوك السامانية.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وثلثمائة: فِيهَا أَخذ أَبُو طَاهِر القرمطي الْحَاج وَأَمْوَالهمْ وَهلك أَكْثَرهم جوعا وعطشا.
وفيهَا: قبض المقتدر على وزيره ابْن الْفُرَات، ثمَّ ذبح هُوَ وَابْنه المحسن وَعمر الْأَب إِحْدَى وَسَبْعُونَ سنة وَالِابْن ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة، واستوزر بعده الْقَاسِم الخاقاني.
وفيهَا: سَار أَبُو طَاهِر القرمطي، فَدخل الْكُوفَة بِالسَّيْفِ وَأقَام سِتَّة أَيَّام يدْخل نَهَارا
стр. 248
وَيخرج إِلَى عسكره لَيْلًا، وَحمل مَا أمكنه من الْأَمْوَال وَالثيَاب.
قلت: وفيهَا انْقَطع الْقطر إِلَّا النزر الْيَسِير وَسميت سنة الْحَبْس لانْقِطَاع الْمَطَر إِلَّا قَرْيَة تسمى كفور، وَأما قرى المعرة فَإِنَّهَا أخصبت خصبا مَا رَأَوْا مثله وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث عشرَة وثلثمائة: فِيهَا توفّي عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز الْبَغَوِيّ وعمره مائَة وسنتان، وَعلي بن مُحَمَّد بن بشار الزَّاهِد.
ثمَّ دخلت سنة أَربع عشرَة وثلثمائة: فِيهَا قلد المقتدر يُوسُف بن الْحَاج نواحي الْمشرق وَبَعثه من أذربيجان إِلَى وَاسِط لمحاربة القرامطة.
وفيهَا: استولى نصر بن أَحْمد الساماني على الرّيّ وَمرض ثمَّ سَار عَنْهَا.
ثمَّ دخلت سنة خمس عشرَة وثلثمائة: فِيهَا وصلت القرامطة إِلَى الْكُوفَة فَسَار إِلَيْهِم يُوسُف بن أبي الساج من وَاسِط بعسكر ضخم نَحْو أَرْبَعِينَ ألفا وَكَانَت القرامطة ألفا وَخَمْسمِائة مِنْهُم ثَمَانمِائَة راجل، فاحتقرهم ابْن أبي الساج وَقَالَ: صدرُوا الْكتب إِلَى الْخَلِيفَة بالنصر فَهَؤُلَاءِ فِي يَدي، واقتتلوا فَقدر اللَّهِ انهزام عَسْكَر الْخَلِيفَة وأسروا ابْن أبي الساج وَقَتله أَبُو طَاهِر وَاسْتولى على الْكُوفَة وَنهب.
ثمَّ جهز المقتدر إِلَى القرامطة مؤنسا الْخَادِم فِي عَسَاكِر، فَانْهَزَمَ أَكثر الْعَسْكَر قبل الْمُلْتَقى، ثمَّ الْتَقَوْا فانهزمت عَسَاكِر الْخَلِيفَة، وَوَقع الجفيل فِي بَغْدَاد خوفًا من القرامطة، ونهبوا الْبِلَاد الفراتية ثمَّ عَادوا إِلَى هجر بالغنائم.
وفيهَا: ظفر عبد الرَّحْمَن الناصري الْأمَوِي صَاحب الأندلس بِأَهْل طليطلة بعد حصارها مُدَّة لخلافهم عَلَيْهِ وَخرب كثيرا مِنْهَا.
قلت: وفيهَا استدعي عَليّ بن عِيسَى الْوَزير إِلَى بَغْدَاد من مَكَّة وَكَانَ نفي إِلَيْهَا، وَسبب نَفْيه: أَن أم مُوسَى وَفَاطِمَة قهرمانتي المقتدر قَالَتَا لَهُ: وَقع بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم للمجيبة ثِيَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ، ثمَّ جاءتا فَقَالَتَا: وَقع بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم للمعممة، ثمَّ قَالَتَا: وَقع بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم للمزررة، فَقَالَ لَهما: أَمِير الْمُؤمنِينَ مَقْطُوع الْيَد حَتَّى لَا يقدر أَن يتزرر. ثمَّ قَالَتَا وَقع بِعشْرَة آلَاف للمبخرة، فَقَالَ: لَو أخرج أَمِير الْمُؤمنِينَ يَده من تَحت ثِيَابه وَأخذ المجمرة وفر على بَيت مَال الْمُسلمين عشرَة آلَاف دِرْهَم، ثمَّ قَالَ:
(إِن بَيْتا تربه ... أم مُوسَى وَفَاطِمَة)
(لجدير بِأَن ترى ... ربة الْبَيْت لاطمة)
فَبلغ ذَلِك المقتدر فنفاه إِلَى مَكَّة.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ عشرَة وثلثمائة: فِيهَا نهبت القرامطة الرحبة وَسبوا ثمَّ نهبوا ربض الرقة، ثمَّ نازلوا سنجار ثمَّ استأمنوا فأمنوهم، ثمَّ نهبوا الْجبَال وَغَيرهَا وعادوا إِلَى هجر.
وفيهَا: عزل المقتدر عَليّ بن عِيسَى وَقبض عَلَيْهِ، وَولى الوزارة عَليّ بن مقلة.
стр. 249
وفيهَا: خرج مرداويج على أستاذه أشغار بن شيرويه الَّذِي كَانَ قد استولى على جرجان قبل بِسنة بعد أَن بَايع أَكثر الْعَسْكَر فِي الْبَاطِن، فهرب أشغار فأدركه مرداويج وَقَتله، وابتدأ أَمر مرداويج فِي ملك الْبِلَاد من هَذِه السّنة فَملك قزوين ثمَّ الرّيّ وهمدان وكيلور والدينور ويزدجرد وقم وقاشان وأصفهان وجرباذقان، وَعمل لَهُ سَرِير ذهب يجلس عَلَيْهِ وتقف عسكره صُفُوفا بالبعد عَنهُ، وَلَا يخاطبه إِلَّا الْحجاب المرتبون لذَلِك، ثمَّ استولى مرداويج على طبرستان.
وفيهَا: وصل الدمستق فِي جَيش كثير من الرّوم وَحصر خلاط ثمَّ صَالحهمْ على أَن يقْلع مِنْبَر الْجَامِع وَيعْمل مَوْضِعه صليبا، فَأَجَابُوا وفعلوا ذَلِك، وَفعل ببدليس كَذَلِك والدمستق اسْم للنائب على الْبِلَاد الَّتِي شَرْقي خليج قسطنطينية.
وفيهَا توفّي يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الإِسْفِرَايِينِيّ، وَله مُسْند مخرج على صَحِيح مُسلم، وكنيته أَبُو عوَانَة الْحَافِظ، طَاف الْبِلَاد فِي طلب الحَدِيث وَسمع مُسلم بن الْحجَّاج وَغَيره.
ثمَّ دخلت سنة سبع عشرَة وثلثمائة: فِيهَا خلع المقتدر بِاللَّه، أنكر القواد والجند اسْتِيلَاء النِّسَاء والخدام على الْأَمْوَال وانضم إِلَى ذَلِك وَحْشَة مؤنس الْخَادِم مِنْهُ، فَحَمَلُوهُ ووالدته وخالته وخواص جواريه إِلَى دَار مؤنس واعتقل بهَا، وَأشْهدُوا عَلَيْهِ القَاضِي أَبَا عَمْرو بخلع نَفسه، ونهبت دَار الْخلَافَة، وَاسْتَخْرَجُوا من قبر فِي تربة بنتهَا أم المقتدر سِتّمائَة ألف دِينَار، وأحضروا أَخَاهُ مُحَمَّدًا المعتضد وَبَايَعُوهُ ولقبوه القاهر بِاللَّه.
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ سَابِع عشر الْمحرم ثَالِث يَوْم خلعه بكر النَّاس فملأوا دَار الْخلَافَة، وَلم يحضر مؤنس المظفر ذَلِك الْيَوْم، وَحَضَرت الرجالة المصافية بِالسِّلَاحِ يطالبون بِحَق الْبيعَة فارتفعت أَصْوَاتهم، فَخرج من عِنْد القاهر بازرك ليطيب خواطرهم فَرَأى فِي أَيْديهم السيوف مسلولة فخافهم فَرجع، وتبعوه فَقَتَلُوهُ فِي دَار الْخلَافَة وصرخوا مقتدر يَا مَنْصُور، وهجموا على القاهر فهرب واختفى وتفرق النَّاس عَنهُ وَلم يبْق بدار الْخلَافَة أحد.
ثمَّ قصدت الرجالة دَار مؤنس وطلبوا مِنْهُ المقتدر، فَأخْرجهُ وَسلمهُ إِلَيْهِم فَحَمَلُوهُ على رقابهم حَتَّى أدخلوه دَار الْخلَافَة.
ثمَّ أرسل المقتدر خلف أَخِيه القاهر بالأمان وأحضره وَقَالَ: قد علمت أَنه لَا ذَنْب لَك وَقبل بَين عَيْنَيْهِ وأمنه، فَشكر إحسانه، ثمَّ حبس القاهر عِنْد أم المقتدر فأحسنت إِلَيْهِ، وَاسْتقر المقتدر خَليفَة وسكنت الْفِتْنَة، وَكَانَ إِيثَار مؤنس إِعَادَة المقتدر إِلَى الْخلَافَة وَإِنَّمَا خلعة مُوَافقَة للعسكر.
وفيهَا: وافى أَبُو طَاهِر القرمطي مَكَّة يَوْم التَّرويَة فنهب الْحَاج بهَا وقتلهم حَتَّى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وداخل الْكَعْبَة وَأخذ الْحجر الْأسود من الرُّكْن وَنَقله إِلَى هجر وَقتل أَمِير مَكَّة ابْن محلب وَأَصْحَابه وَقلع بَاب الْبَيْت وأصعد رجلا ليقلع الْمِيزَاب فَسقط فَمَاتَ،
стр. 250
وَطرح الْقَتْلَى فِي بِئْر زَمْزَم وَدفن البَاقِينَ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَحَيْثُ قتلوا، وَأخذ كسْوَة الْبَيْت فَقَسمهَا بَين أَصْحَابه.
قلت: وَيُقَال: أَنه لما أَخذ الْحجر الْأسود قَالَ: هَذَا مغناطيس بني آدم وَهُوَ يجرهم إِلَى مَكَّة وَأَرَادَ أَن يحول الْحَج إِلَى الإحساء فَعَلَيهِ لعنة اللَّهِ، وَكَانَ يحكم التركي أَمِير بَغْدَاد وَالْعراق فبذل لَهُم فِي رد الْحجر خمسين ألف دِينَار فَمَا فعلوا، وَالله أعلم.
وفيهَا: وَقع بسببب تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: ﴿عَسى رَبك أَن يَبْعَثك مقَاما مَحْمُودًا﴾ بِبَغْدَاد فتْنَة عَظِيمَة بَين الْحَنَابِلَة وَغَيرهم دخل فِيهَا الْجند والعامة وَقتل بَينهم كثير، قَالَ أَبُو بكر الْمروزِي الْحَنْبَلِيّ: إِن معنى ذَلِك أَن اللَّهِ تَعَالَى يقْعد النَّبِي ﷺ َ - مَعَه على الْعَرْش، وَقَالَت الطَّائِفَة الْأُخْرَى: إِنَّمَا هِيَ الشَّفَاعَة.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن جَابر بن سِنَان الْحَرَّانِي الأَصْل البتاني الحاسب المنجم صَاحب الزيج الصابي لَهُ الأرصاد المتقنة، ابْتَدَأَ بالرصد سنة ارْبَعْ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ إِلَى سنة سِتّ وثلثمائة وَأثبت الْكَوَاكِب الثابته فِي زيجه لسنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وزيجه نسختان الثَّانِيَة أَجود. والبتاني - بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَقد تكسر - نِسْبَة إِلَى بتان نَاحيَة من عمل حران.
وفيهَا: توفّي نصر بن أَحْمد بن نصر الْبَصْرِيّ الخبزرزي نِسْبَة إِلَى بيع خبز الْأرز بَاعه بمربد الْبَصْرَة، الشَّاعِر الراوية الأديب كَانَ أُمِّيا لَا يتهجى وَمن شعره:
(خليلي هَل أبصرتما أَو سمعتما ... بِأَفْضَل من مولى تمشى إِلَى عبد)
(أَتَى زائري من غير وعد وَقَالَ لي ... أَجلك من تَعْلِيق قَلْبك بالوعد)
(فَمَا زَالَ نجم الْوَصْل بيني وَبَينه ... يَدُور بأفلاك السَّعَادَة والسعد)
(فطورا على تَقْبِيل نرجس نَاظر ... وطورا على تَقْبِيل تفاحة الخد)
قلت: وَلَقَد صدق الخبزرزي فِي قَوْله:
(وَكَانَ الصّديق يزور الصّديق ... لشرب المدام وعزف الأغاني)
(فَصَارَ الصّديق يزور الصّديق ... لبث الهموم وشكوى الزَّمَان)
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان عشرَة وثلثمائة: فِيهَا استطالت الرجالة المصافية بِإِعَادَة المقتتدر واقتتلوا هم والجند فهربت الرجالة إِلَى وَاسِط واستولوا عَلَيْهَا، فَتَبِعهُمْ مؤنس الْخَادِم وَقتل مِنْهُم وشردهم عَنْهَا.
وفيهَا: وَقيل فِي تلوها: توفّي أَبُو بكر بن الْحسن بن عَليّ بن أَحْمد بن يسَار الْمَعْرُوف بِابْن العلاف الضَّرِير النهرواني وعمره مائَة، وَهُوَ ناظم مراثي الهر الَّتِي مِنْهَا:
(يَا هر فارقتنا وَلم تعد ... وَكنت منا بمنزل الْوَلَد)
(وَكَانَ قلبِي عَلَيْك مرتعدا ... وَأَنت تنساب غير مرتعد)
стр. 251
(تدخل برج الْحمام متئدا ... وتبلغ الفرخ غير متئد)
(صادوك غيظا عَلَيْك وانتقموا ... مِنْك وَزَادُوا وَمن يصد يصد)
(وَلم تزل للحمام مرتصدا ... حَتَّى سقيت الْحمام بالرصد)
(يَا من لذيذ الْفِرَاخ أوقعه ... وَيحك هلا قنعت بالغدد)
(لَا بَارك اللَّهِ فِي الطَّعَام إِذا ... كَانَ هَلَاك النُّفُوس فِي الْمعد)
(كم دخلت لقْمَة حَشا شَره ... فأخرجت روحه من الْجَسَد)
(مَا كَانَ أَغْنَاك من تسلقك البرج ... وَلَو كَانَ جنَّة الْخلد)
قيل: كَانَ لَهُ قطّ، وَقيل: رثى بهَا ابْن المعتز موريا لخوفه من المتقدر، وَقيل: هويت جَارِيَة عَليّ بن عِيسَى غُلَاما لأبي بكر بن العلاف الْمَذْكُور فَفطن بهما عَليّ بن عِيسَى فَقَتَلَهُمَا، فرثاه مَوْلَاهُ بِهَذِهِ.
ثمَّ دخلت سنة تسع عشرَة وثلثمائة: فِيهَا أرسل المقتدر عسكرا لقِتَال مرداويج، قالتقوا بنواحي هَمدَان فَانْهَزَمَ عَسْكَر الْخَلِيفَة، وَاسْتولى مرداويج على بِلَاد الْجَبَل جَمِيعًا وَبَلغت عساكره فِي النهب إِلَى نواحي حلوان، ثمَّ أرسل مرداويج عسكرا فَملك أصفهان.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة تأكدت الوحشة بَين مؤنس والمقتدر.
ثمَّ دخلت سنة عشْرين وثلثمائة: فِيهَا سَار مؤنس مغاضبا للمقتدر وَاسْتولى المقتدر على أقطاعه وأملاكه وأملاك أَصْحَابه، وَكتب إِلَى بني حمدَان أُمَرَاء الْموصل بصد مؤنس عَن الْموصل وقتاله، فَجرى بَينهم قتال فانتصر مؤنس وَاسْتولى على الْموصل وَاجْتمعت عَلَيْهِ العساكر من كل جِهَة وَأقَام بالموصل تِسْعَة أشهر، وَسَار بالعسكر إِلَى جِهَة بَغْدَاد فَقدم تكريت، ثمَّ سَار حَتَّى نزل بِبَاب الشماسية.
وَرَأى المقتدر انعزال الْعَسْكَر عَنهُ فقصد النُّزُول إِلَى وَاسِط، ثمَّ اتّفق مَعَ من بَقِي مَعَه على قتال مؤنس ومنعوه التَّوَجُّه إِلَى وَاسِط فَخرج لقِتَال مؤنس كَارِهًا لقتاله، وَبَين يَدي المقتدر الْفُقَهَاء والقراء مَعَهم الْمَصَاحِف منشورة وَعَلَيْهَا الْبردَة فَوقف على تل، ثمَّ ألح عَلَيْهِ أَصْحَابه فَتقدم إِلَى الْقِتَال، ثمَّ انْهَزَمت أَصْحَابه ولحقهم قوم من المغاربة، فَقَالَ: وَيحكم أَنا الْخَلِيفَة، فَقَالُوا: قد عرفناك يَا سفلَة أَنْت خَليفَة إِبْلِيس، فَضَربهُ وَاحِد بِسَيْفِهِ فَسقط إِلَى الأَرْض، وَذبح المقتدر وَكَانَ عَظِيم الجثة وَرفعُوا رَأسه وهم يكبرُونَ ويلعنونه وشلحوه حَتَّى سراويله ثمَّ دفن مَوْضِعه وعفي قَبره، وجاؤوا بِالرَّأْسِ إِلَى مؤنس وَهُوَ بالراشدية وَلم يشْهد الْحَرْب فلطم وَبكى.
وَخِلَافَة المقتدر أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَأحد عشر شهرا وَسِتَّة عشر يَوْمًا، وعمره ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة.
ثمَّ أَشَارَ مؤنس بِإِقَامَة أبي الْعَبَّاس بن المقتدر، فبحث أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل النوبختي عَن حتفه بظلفه - كَمَا سَيذكرُ - وَقَالَ: هَذَا صبي، فَترك.
стр. 252
(أَخْبَار القاهر بِاللَّه بن المعتضد)
وبويع القاهر بِاللَّه مُحَمَّد بن المعتضد وَهُوَ تَاسِع عشرهم لليلتين بَقِيَتَا من شَوَّال مِنْهَا، ثمَّ أحضر القاهر أم المقتدر وسألها عَن الْأَمْوَال فَاعْترفت بِمَا عِنْدهَا من المصاغ والثيباب فَقَط، فضربها شَدِيدا وَقد بَدَأَ بهَا الاسْتِسْقَاء، ثمَّ علقها برجلها فَحَلَفت أَنَّهَا لَا تملك غير مَا أطلعته عَلَيْهِ. واستوزر أَبَا عَليّ بن مقلة وعزل وَولى وَقبض على جمَاعَة من الْعمَّال.
وفيهَا توفّي القَاضِي أَبُو عَمْرو مُحَمَّد بن يُوسُف وَكَانَ فَاضلا، وَأَبُو الْحُسَيْن بن صَالح الْفَقِيه الشَّافِعِي العابد، وَأَبُو نعيم عبد الْملك الْفَقِيه الشَّافِعِي الْجِرْجَانِيّ الْمَعْرُوف بالأشتر الأستراباذي.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشْرين وثلثمائة: فِيهَا فِي جمادي الْآخِرَة مَاتَت شغب وَالِدَة المقتدر ودفنت فِي تربَتهَا بالرصافة.
وفيهَا: حصلت الوحشة بَين مؤنس والقاهر، أَقَامَ مؤنس يلبق حاجبا وَجعل أَمر الْخلَافَة إِلَيْهِ فضيق على القاهر، وَمنع دُخُول امْرَأَة إِلَى دَار الْخلَافَة حَتَّى يعرف من هِيَ فَإِن القاهر كَانَ قد استمال جمَاعَة فِي الْبَاطِن للقبض على يلبق ومؤنس وَاتفقَ مَعَه الساجية وطريف السنكري أكبر القواد، فَقبض القاهر على يلبق وَابْنه ومؤنس فِي أول شعْبَان مِنْهَا، لأَنهم اتَّفقُوا مَعَ ابْن مقلة على خلعه وَإِقَامَة أبي أَحْمد بن المكتفي.
وَحضر ابْن يلبق وَأظْهر أَنه يُرِيد الِاجْتِمَاع بالخليفة بسب القرامطة وَقصد الْقَبْض على القاهر وَلم يعلم ابْن يلبق بِمَا رتبه لَهُ القاهر، وَدخل فَقبض عَلَيْهِ القاهر فِي دَار الْخلَافَة. وَبلغ أَبَاهُ يلبق ذَلِك وَكَانَ مَرِيضا فَحَضَرَ إِلَى دَار الْخلَافَة بِسَبَب ذَلِك، فَقبض عَلَيْهِ أَيْضا.
ثمَّ استدعى القاهر مؤنسا فَامْتنعَ، فَحلف أَن قَصده مِنْهُ الْكَشْف عَن حَال يلبق وَابْنه فَإِن صَحَّ مَا بلغه عَنْهُمَا وَإِلَّا أطلقهما، فَحَضَرَ مؤنس فَقبض عَلَيْهِ أَيْضا وعزل ابْن مقلة واستوزر أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن عبيد اللَّهِ، ثمَّ جد فِي طلب أَحْمد بن المكتفي فظفر بِهِ وَبنى عَلَيْهِ حَائِطا فَمَاتَ.
وشغب أَصْحَاب مؤنس وَكَانُوا أَكثر الْعَسْكَر وثاروا بِسَبَب حبس مؤنس وطلبوا إِطْلَاقه، فذبح ابْن يلبق وَوضع رَأسه فِي طست وَكَانَ قد حَبسهم مُتَفَرّقين ثمَّ أحضر الرَّأْس فِي الطست إِلَى أَبِيه فَجعل يلبق يبكي ويرسف الرَّأْس، ثمَّ قَتله القاهر وَجعل رَأسه مَعَ رَأس ابْنه وأحضرهما إِلَى مؤنس فَتشهد مؤنس وَلعن قاتلهما فَقتله أَيْضا، وطيف بالرؤؤس الثَّلَاثَة فِي بَغْدَاد وَنُودِيَ: هَذَا جَزَاء من يخون الإِمَام، ثمَّ نظفت الرؤوس وَجعلت فِي خزانَة الرؤوس على جاري عَادَتهم، ثمَّ عزل القاهر أَبَا جَعْفَر الْوَزير وَولى الحصيني الوزارة، ثمَّ قبض على طريف السنكري.
стр. 253
(ابْتِدَاء دولة بني بويه)
كَانَ بويه متوسط الْحَال بَين الديلم وكنيته أَبُو شُجَاع، وَلما عظمت مملكة بني بويه اشْتهر نسبهم فَقَالُوا: بويه بن فناخسروا بن تَمام بن كوهى بن شيرزيل الْأَصْغَر بن شيركوه بن شيرزيل الْأَكْبَر بن شيران شاه بن شيرفنه بن شستان شاه بن سسن فَيْرُوز بن شيرزبل بن سناد بن بهْرَام جور الْملك بن يزدجرد الْملك وَبَاقِي النّسَب إِلَى أردشير بن بابك تقدم.
وَكَانَ لبويه ثَلَاثَة بَنِينَ وهم: عماد الدولة أَبُو الْحسن عَليّ وركن الدولة الْحسن ومعز الدولة أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد، وَكَانُوا فِي خدمَة مَا كَانَ بن كالي الديلمي وَلما ملك من الديلم أشغار بن شيرويه ومرداويج كَمَا تقدم ملك مَا كَانَ بن كالي الديلمي طبرستان وَكَانَ أَوْلَاد بويه الثَّلَاثَة من عسكره متقدمين عِنْده، فَلَمَّا استولى مرداويج على مَا كَانَ بيد مَا كَانَ بن كالي من طبرستان، سَار مَا كَانَ عَن طبرستان وَاسْتولى على الدامغان.
ثمَّ انهزم مَا كَانَ بن كالي وَعَاد إِلَى نيسابور مُنْهَزِمًا وَأَوْلَاد بويه الثَّلَاثَة مَعَه لَا يفارقونه، فَلَمَّا رَأَوْا ضعفه عَن مقاتله مرداويج قَالُوا: نَحن مَعنا جمَاعَة وَأَنت مضيق وَالأَصَح أَن نُفَارِقك لتخف مؤنتك فَإِذا صلح أَمرك عدنا إِلَيْك. فَأذن لَهُم، ففارقوه وَلَحِقُوا بمردوايج وَمَعَهُمْ جمَاعَة من قواد مَا كَانَ، فَأحْسن إِلَيْهِم مرداويج وقلد عماد الدولة عَليّ بن بويه كرج فقوى بهَا وَكثر جمعه، ثمَّ أطلق مرداويج لجَماعَة من قواده مَالا على كرج، فَلَمَّا وصلوا لقبضه أحسن إِلَيْهِم عَليّ بن بويه واستمالهم حَتَّى أوجبوا طَاعَته، وَبلغ ذَلِك مرداويج فاستوحش من ابْن بويه.
ثمَّ قصد ابْن بويه الْمَذْكُور أصفهان وَبهَا ابْن ياقوت فَاقْتَتلُوا، فَانْهَزَمَ ابْن ياقوت وَاسْتولى ابْن بويه على أصفهان وَكَانَ أَصْحَابه تِسْعمائَة وعسكر ابْن ياقوت عشرَة آلَاف، فَعظم بذلك فِي عُيُون النَّاس، وَبَقِي مرداويج يراسل ابْن بويه ويلاطفه وَابْن بويه يعْتَذر وَلَا يحضر إِلَيْهِ.
وَأقَام ابْن بويه بأصفهان شَهْرَيْن وجبى أموالها وارتحل إِلَى أرجان وَكَانَ قد هرب إِلَيْهَا أَبُو بكر بن ياقوت فَانْهَزَمَ من ابْن بويه بِغَيْر قتال، فاستولى ابْن بويه على أرجان فِي ذِي الْحجَّة سنة عشْرين وثلثمائة، ثمَّ وَصَارَ ابْن بويه إِلَى التوبيدخان وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي ربيع الآخر من سنة إِحْدَى وَعشْرين وثلثمائة، ثمَّ أرسل عماد الدولة أَخَاهُ ركن الدولة إِلَى كازرون وَغَيرهَا من أَعمال فَارس فاستخرج أموالها، ثمَّ كَانَ مِنْهُم مَا سَيَأْتِي.
وفيهَا: توفّي أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن دُرَيْد اللّغَوِيّ فِي شعْبَان ومولده سنة ثَلَاث وَعشْرين ومائتتين، أَخذ الْعلم عَن أبي حَاتِم السجسْتانِي وَأبي الْفضل الرياشي وَغَيرهمَا، وَله تصانيف مِنْهَا مقصورته وَكتاب الجمهرة وَكتاب الْخَيل. قَالَ ابْن شاهين: كُنَّا ندخل على ابْن دُرَيْد فنستحي مِنْهُ مِمَّا نرى من العيدان الْمُعَلقَة وَالشرَاب الْمُصَفّى، وعاش ثَلَاثًا وَتِسْعين.
стр. 254
قلت: ورثاه جحظة الْبَرْمَكِي فَقَالَ:
(فقدت بِابْن دُرَيْد كل فَائِدَة ... لما غَدا ثَالِث الْأَحْجَار والترب)
(وَكنت أبْكِي لفقد الْجُود مُنْفَردا ... فصرت أبْكِي لفقد الْجُود وَالْأَدب)
وَمرض بالفالج مرَّتَيْنِ مَاتَ فِي الثاينة، وَكَانَ يتألم من دُخُول الدَّاخِل وَإِن لم يصل إِلَيْهِ، حَتَّى قَالَ تِلْمِيذه أَبُو عَليّ القالي: أَظُنهُ عُوقِبَ بقوله:
(مارست من لوهوت الأفلاك من ... جَوَانِب الجو عَلَيْهِ مَا شكا)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو هَاشم بن أبي عَليّ الجبائي الْمُتَكَلّم المعتزلي ومولده سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ، أَخذ عَن أَبِيه واجتهد حَتَّى فاقه. قَالَ أَبُو هَاشم: كَانَ أبي أكبر مني باثنتي عشرَة سنة. وَمَات أَبُو هَاشم وَابْن دُرَيْد فِي يَوْم وَاحِد بِبَغْدَاد فَقَالَ النَّاس: الْيَوْم دفن علم الْكَلَام وَعلم اللُّغَة.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن يُوسُف بن مطر الْفربرِي ومولده سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ الَّذِي رُوِيَ صَحِيح البُخَارِيّ عَنهُ، وَكَانَ قد سَمعه من البُخَارِيّ عشرات أُلُوف، مَنْسُوب إِلَى فربر، براءين قَرْيَة ببخارا قَالَه ابْن الْأَثِير، وَقَالَ ابْن خلكان: فربر بَلْدَة على طرف جيحون.
وفيهَا: توفّي بِمصْر أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن سَلامَة الْأَزْدِيّ الطَّحَاوِيّ الْفَقِيه الْحَنَفِيّ انْتَهَت إِلَيْهِ رياسة أَصْحَاب أبي حنيفَة بِمصْر، وَكَانَ شافعيا وَكَانَ يقْرَأ على خَاله الْمُزنِيّ فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: وَالله لَا جَاءَ مِنْك شَيْء، فَغَضب واشتغل على مَذْهَب أبي حنيفَة، وبرع وصنف كتبا مفيدة مِنْهَا: أَحْكَام الْقُرْآن وَاخْتِلَاف الْعلمَاء ومعاني الْآثَار وتاريخ كَبِير، وولادته سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
قلت: وَلما صنف مُخْتَصره قَالَ: رحم اللَّهِ ابا إِبْرَاهِيم - يَعْنِي الْمُزنِيّ خَاله - لَو كَانَ حَيا لكفر عَن يَمِينه، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلثمائة: فِيهَا استولى عماد الدولة بن بويه على شيزار.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى خلع القاهر لغدره بطريف السنكري، وحنثه فِي الْيَمين بالأمان للَّذين قَتلهمْ. وَكَانَ ابْن مقلة مستترا من القاهر ويغري القواد بِهِ وَيظْهر تَارَة بزِي عجمي وَتارَة بزِي مكدي، وَأعْطى منجما مائَة دِينَار ليقول للقواد: إِن عَلَيْهِم قطعا من القاهر، وَأعْطى معبر منامات مائَة دِينَار حَتَّى عبر لسيما الْقَائِد مناما كَذَلِك، فاستوحشوا من القاهر وحضروا إِلَيْهِ وَقد بَات يشرب أَكثر ليلته وَأَحْدَقُوا بِالدَّار، فَاسْتَيْقَظَ مخمورا فهرب إِلَى سطح حمام فتبعوه وأحضروه إِلَى حبس طريف السنكري فحبسوه مَكَان طريف وسلموا عَيْنَيْهِ، وأخرجوا طريفا. وخلافته سنة وَاحِدَة وَسِتَّة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام.
стр. 255
(أَخْبَار الراضي بِاللَّه أَحْمد بن المقتدر)
وَلما قبضوا على القاهر كَانَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن المقتدر ووالدته محبوسين فأخرجوه واجلسوه على سَرِير القاهر وسلموا عَلَيْهِ بالخلافة ولقبوه الراضي بِاللَّه، وبويع الراضي بِاللَّه يَوْم الْأَرْبَعَاء لست خلون من جُمَادَى الأولى مِنْهَا. وَأَشَارَ سِيمَا الْقَائِد بوزارة ابْن مقلة فاستوزروه، وراودوا القاهر وَهُوَ أعمى مَحْبُوس أَن يشْهد عَلَيْهِ بِالْخلْعِ فَامْتنعَ.
وفيهَا: وَفَاة الْمهْدي عبيد اللَّهِ الْعلوِي الفاطمي بالمهدية فِي ربيع الأول وأخفى وَلَده الْقَائِم ألو الْقَاسِم مُحَمَّد مَوته سنة لتدبير كَانَ لَهُ، وعاش الْمهْدي ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة وولايته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَشهر وَعِشْرُونَ يَوْمًا، ثمَّ أظهر ابْنه وَفَاته واستقرت ولَايَته.
وفيهَا: قتل مُحَمَّد بن عَليّ الشلمغاني، وشلمغان قَرْيَة بنواحي وَاسِط. وَذَلِكَ أَنه أحدث مذهبا مَدَاره على الْحُلُول والتناسخ ... ... . وَقيل: أَنه تبعه على ذَلِك الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن عبيد اللَّهِ الَّذِي وزر للمقتدر، وَأَبُو جَعْفَر وَأَبُو عَليّ ابْنا بسطَام، وَإِبْرَاهِيم بن إبي عون، وَأحمد بن مُحَمَّد بن عَبدُوس.
وَكَانَ الشلمغاني وَأَصْحَابه مستترين فَظهر فِي شَوَّال مِنْهَا فأمسكه الْوَزير ابْن مقلة، فَأنْكر الشلمغاني مذْهبه وَكَانَ أَصْحَابه يَعْتَقِدُونَ فِيهِ الإلهية، وأحضره الْوَزير عِنْد الراضي وَأمْسك مَعَه ابْن أبي عون وَابْن عَبدُوس، فأمروهما بصفع الشلمغاني فامتنعا فأكرها، فصفعه ابْن عَبدُوس، وَأما ابْن أبي عون فارتعدت يَده فَقبل لحية الشمغاني وَرَأسه وَقَالَ: إلهي وسيدي ورازقي، فَقَالُوا للشلمغاني: أما قلت إِنَّك لم تدع الإلهية؟ فَقَالَ: مَا ادعيتها قطّ وَمَا عَليّ من قَول ابْن أبي عون عني مثل هَذَا، ثمَّ صرفا.
وأحضر الشلمغاني مرَارًا بِحُضُور الْفُقَهَاء، وَآخر الْأَمر: أَن الْفُقَهَاء أفتوا بِإِبَاحَة دَمه، فصلب هُوَ وَابْن أبي عون فِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا وأحرقا، وَفِي مذْهبه قبائح وكفريات أعرضنا عَن ذكرهَا، وأشبهوا فِي ترك الصَّلَاة وجماع الْمَحَارِم وَنَحْوهمَا النصرية.
وفيهَا: قتل إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق النوبختي، قَتله القاهر قبل أَن يخلع، والنوبختي أَشَارَ باستخلافه.
وفيهَا: فتح الدمستق ملطية بالأمان بعد حِصَار وَأخرج أَهلهَا وأوصلهم إِلَى مأمنهم فِي مستهل جُمَادَى الْآخِرَة، وَفعل الرّوم الْأَفْعَال القبيحة بِالْمُسْلِمين وَصَارَت أَكثر الْبِلَاد فِي أَيْديهم.
وفيهَا: توفّي أَبُو نعيم الْفَقِيه الْجِرْجَانِيّ الأستراباذي، وَأَبُو عَليّ مُحَمَّد الروذاري الصُّوفِي، وَأَبُو الْحُسَيْن النساج بن عبد اللَّهِ الصُّوفِي من سامراء من الأبدال، وَمُحَمّد بن عَليّ بن جَعْفَر الْكِنَانِي الصُّوفِي من أَصْحَاب الْجُنَيْد.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَعشْرين وثلثمائة: فِيهَا قتل مرداويج الديلمي كَانَ قد تجبر
стр. 256
وَعمل لأَصْحَابه كراسي فضَّة ولنفسه تاجا مرصعا على صفة تَاج كسْرَى، وَفِي لَيْلَة الميلاد من هَذِه السّنة أَمر أَن تجمع الأحطاب مِثَال الْجبَال والتلال وَخرج إِلَى ظَاهر أصفهان لذَلِك، وَجمع مَا يزِيد عَن ألفي غراب ليعْمَل فِي أرجلها النفط، وَأمر بِعَمَل سماط عَظِيم فِيهِ ألف فرس وألفا رَأس بقر وَمن الْغنم والحلواء كثير، فَلَمَّا اسْتَوَى ذَلِك وَرَآهُ احتقره وَغَضب على أهل دولته فَلَمَّا انْقَضى السماط وانقادت النيرَان وَأصْبح ليدْخل أصفهان اجْتمع الْجند للْخدمَة وَكثر صَهِيل الْخَيل حول خيمته، فاغتاظ لذَلِك وَقَالَ: لمن هَذِه الْخَيل الْقَرِيبَة؟ قَالُوا: للأتراك، فَأمر أَن تُوضَع سُرُوجهَا على ظُهُور الأتراك ويدخلوا الْبَلَد كَذَلِك، فَفعل بهم فَكَانَ لَهُ منظر قَبِيح، وازداد الأتراك حنقا عَلَيْهِ.
ورحل إِلَى أصفهان وَهُوَ غَضْبَان فَأمر صَاحب حرسه أَن لَا يتبعهُ فِي ذَلِك الْيَوْم وَلم يَأْمر أحدا غير ليجمع الحرش وَدخل الْحمام، فانتهزت الأتراك الفرصة وهجموا فَقَتَلُوهُ فِي الْحمام. ومرداويج - بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ ثمَّ ألف وواو ممالة وياء مثناة تَحت وجيم - فارسية مَعْنَاهَا: مُعَلّق الرِّجَال.
وفيهَا: عظم أَمر الْحَنَابِلَة على النَّاس حَتَّى كبسوا دور القواد والعامة فَإِن وجدوا نبيذا أراقوه وَإِن وجدوا مغنية ضربوها وكسروا آله اللَّهْو، واعترضوا فِي البيع وَالشِّرَاء وَفِي مشي الرِّجَال مَعَ الصّبيان وَنَحْو ذَلِك، فنهاهم صَاحب الشرطة عَن ذَلِك وَأمرهمْ أَن لَا يُصَلِّي مِنْهُم إِمَام إِلَّا إِذا جهر بِبسْم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم، فَلم يفد فيهم، فَكتب الراضي توقيعا ينهاهم فِيهِ ويبوبخهم باعتقاد التَّشْبِيه، فَمِنْهُ: أَنكُمْ تَارَة تَزْعُمُونَ أَن صُورَة وُجُوهكُم القبيحة السمجة على مِثَال رب الْعَالمين وهيئتكم على هَيئته وتذكرون لَهُ الشّعْر القطط والصعود إِلَى السَّمَاء وَالنُّزُول إِلَى الدُّنْيَا وَغير ذَلِك وَآخره وأمير الْمُؤمنِينَ يقسم عَظِيما إِن لم تنتهوا ليستعملن السَّيْف فِي رِقَابكُمْ وَالنَّار فِي مَنَازِلكُمْ.
وفيهَا: تولى الأخشيد مصر، وَهُوَ مُحَمَّد بن طغج بن جف من جِهَة الراضي بِاللَّه، وَكَانَ الأخشيد قبل ذَلِك قد تولى مَدِينَة الرملة سنة سِتّ عشرَة وثلثمائة من جِهَة المقتدر وَأقَام بهَا إِلَى سنة ثَمَان عشرَة وثلثمائة، فوردت كتب المقتدر بولايته دمشق فَسَار إِلَيْهَا وتولاها، والمتولى حِينَئِذٍ مصر أَحْمد بن كيغلغ. فَلَمَّا تولى الراضي عزل ابْن كغليغ وولاها الأخشيد وَضم إِلَيْهِ الشَّام، فاستقر بِمصْر يَوْم الْأَرْبَعَاء لسبع بَقينَ من رَمَضَان مِنْهَا.
وفيهَا: قتل أَبُو الْعَلَاء بن حمدَان، وَذَلِكَ أَن نَاصِر الدولة الْحسن بن عبد اللَّهِ بن حمدَان كَانَ أَمِير الْموصل وديار ربيعَة، وَكَانَ أول من تولى مِنْهُم وَالِد نَاصِر الدولة عبد اللَّهِ أَبُو الهيجاء ولاه عَلَيْهَا المكتفي وَقتل أَبُو الهيجاء بِبَغْدَاد فِي المدافعة عَن القاهر، وَلما قبض عَلَيْهِ وَكَانَ ابْنه نَاصِر الدولة نَائِبا عَنهُ بالموصل اسْتمرّ بهَا إِلَى هَذِه السّنة، فضمن عَمه أَبُو الْعَلَاء بن حمدَان مَا بيد ابْن أَخِيه من ديوَان الْخَلِيفَة بِمَال يحملهُ.
وَسَار أَبُو الْعَلَاء إِلَى الْموصل فَقتله ابْن أَخِيه نَاصِر الدولة، فَأرْسل الْخَلِيفَة عسكرا مَعَ
стр. 257
ابْن مقلة إِلَى قتال نَاصِر الدولة فهرب نَاصِر الدولة، فَأَقَامَ ابْن مقلة بالموصل مُدَّة ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد، فَعَاد نَاصِر الدولة إِلَى الْموصل وَكتب إِلَى الْخَلِيفَة يسْأَله الصفح وَضمن الْموصل بِمَال يحملهُ فَأُجِيب.
وفيهَا: أرسل الْقَائِم الْعلوِي صَاحب الْمغرب جَيْشًا من إفريقية فِي الْبَحْر، فَفتح جنوة وأوقعوا بِأَهْل سردانية، وعادوا سَالِمين.
وفيهَا: استولى عماد الدّين بن أصفهان وتنازع مَعَ شمكير فِي تِلْكَ الْبِلَاد وَهِي أصفهان وهمدان وقم وقاشان وكرج والري وكنلور وقزوين وَغَيرهَا.
وفيهَا: فِي جمادي الْآخِرَة شغب الْجند بِبَغْدَاد ونقبوا دَار الْوَزير فهرب هُوَ وَابْنه إِلَى الْجَانِب الغربي، ثمَّ راضياهم.
وفيهَا: توفّي إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عَرَفَة نفطويه النَّحْوِيّ الوَاسِطِيّ، وَله مصنفات، وَهُوَ من ولد الْمُهلب بن أبي صفرَة، ولد سنة ارْبَعْ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَفِيه يَقُول الشَّيْخ مُحَمَّد بن يزِيد بن عَليّ الْمُتَكَلّم:
(من سره أَن لَا يرى فَاسِقًا ... فليجتهد أَن لَا يرى نفطويه)
(أحرقه اللَّهِ بِنصْف اسْمه ... وصير الْبَاقِي نواحا عَلَيْهِ)
قلت: وفيهَا: عملت قبْلَة الْمَسْجِد الْجَامِع بمعرة النُّعْمَان بالرخام والفصوص والجص، عمل ذَلِك اخوان من دمشق اسْم أَحدهمَا متوكل، وَلم يزل كَذَلِك إِلَى أَن أحرق تغفور ملك الرّوم الْجَامِع الْمَذْكُور وَأكْثر الدّور بعد أَن فتحهَا فِي سنة سبع وَخمسين وثلثمائة، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَعشْرين وثلثمائة: فِيهَا قبض الحجرية والمظفر بن ياقوت على الْوَزير ابْن مقلة بدار الْخلَافَة، وأعلموا بذلك الْخَلِيفَة فَاسْتَحْسَنَهُ، وَامْتنع عَليّ بن عِيسَى أَن يَلِي فوزروا أَخَاهُ عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى، ثمَّ قبضوا عَلَيْهِ وولوا الوزارة أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن قَاسم الْكَرْخِي.
وفيهَا: قطع ابْن راتق حمل وَاسِط وَالْبَصْرَة، وَقطع الْبَرِيد، فَضَاقَ مَال بَغْدَاد وَعجز أَبُو جَعْفَر فعزلوه وَكَانَت ولَايَته ثَلَاثَة أشهر وَنصفا واستوزروا سُلَيْمَان بن الْحسن، وراسل الْخَلِيفَة مُحَمَّد بن راتق يستقدمه من وَاسِط واستماله خوفًا مِنْهُ ليقوم بالأمور، وقلده إِمَارَة الْجَيْش وَأمر أَن يخْطب لَهُ على الْمِنْبَر وَكَانَ ابْن راتق قد امسك الساجية قبل دُخُوله بَغْدَاد فاستوحشت الحجرية مِنْهُ.
وَبَطلَت بِابْن راتق وزارة بَغْدَاد وَنظر فِي الْأُمُور كلهَا، وتغلبت الْعمَّال على الْأَطْرَاف وَلم يبْق للخليفة غير بَغْدَاد وأعمالها وَالْحكم فِيهَا لِابْنِ راتق وَلَيْسَ للخليفة حكم.
وَأما الْأَطْرَاف: فَكَانَت الْبَصْرَة لِابْنِ راتق الْمَذْكُور، وخوزستان بيد البريدي، وَفَارِس
стр. 258
بيد عماد الدولة بن بويه، وكرمان بيد عَليّ بن مُحَمَّد بن إلْيَاس، والري وأصبهان والجبل بيد ركن الدولة بن بويه ويدوشمكير بن زِيَاد أخي مرداويج يتنازعان عَلَيْهَا، والموصل وديار بكر وديار مصر وَرَبِيعَة بيد بني حمدَان ومصر وَالشَّام بيد الأخشيد مُحَمَّد بن طغج، وَالْمغْرب وإفريقية بيد الْقَائِم الْعلوِي بن الْمهْدي، والأندلس بيد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْأمَوِي النَّاصِر، وخراسان وَمَا وَرَاء النَّهر بيد نصر بن أَحْمد الساماني، وطبرستان وجرجان بيد الديلم، والبحرين واليمامة بيد أبي طَاهِر القرمطي.
وفيهَا: استقدم مُحَمَّد بن راتق الْفضل بن جَعْفَر بن الْفُرَات عَامل خراج مصر وَالشَّام، فَقدم وَتَوَلَّى الوزارة لِابْنِ راتق والخليفة.
وفيهَا: قلد الْخَلِيفَة مُحَمَّد بن طغج مصر وأعمالها مَعَ مَا بِيَدِهِ من الشَّام بعد عزل أَحْمد بن كيغلغ.
وفيهَا: ولد عضد الدولة أَبُو شُجَاع فناخسرو بن ركن الدولة الْحسن بن بويه بأصبهان.
وفيهَا: توفّي جحظة الْبَرْمَكِي من ولد يحيى بن خَالِد بن برمك، كَانَ يعرف علوما.
وفيهَا: توفّي عبد اللَّهِ بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمُغلس الْفَقِيه الظَّاهِرِيّ صَاحب التصانيف، وَعبد اللَّهِ بن مُحَمَّد الْفَقِيه الشَّافِعِي النَّيْسَابُورِي ومولده سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ، كَانَ إِمَامًا وجالس الرّبيع والمزني وَيُونُس أَصْحَاب الشَّافِعِي.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَعشْرين وثلثمائة: فِيهَا أَشَارَ مُحَمَّد بن راتق على الراضي بالميسر مَعَه إِلَى وَاسِط فَفعل، وَأمْسك ابْن راتق بعض الأجناد الحجرية وَأجَاب ابْن البريدي إِلَى مَا طلب مِنْهُ فَعَاد الراضي وَابْن راتق، ثمَّ نكث أَبُو عبد اللَّهِ بن البريدي، فَأرْسل ابْن راتق عسكرا مَعَ بجكم وقاتلوه، فَانْهَزَمَ ابْن البريدي إِلَى عماد الدولة بن بويه وطمعه فِي الْعرَاق وَفِي الْخَلِيفَة.
وفيهَا: ظلم سَالم بن رَاشد عَامل صقيلة من جِهَة الْقَائِم وأساء السِّيرَة فعصت عَلَيْهِ جرجيت من صقلية وَكتب إِلَى الْخَلِيفَة بذلك، فَجهز إِلَيْهِ عسكرا وحاصروا جرجيت فأنجدهم ملك الْقُسْطَنْطِينِيَّة ودام الْحصار إِلَى سنة تسع وَعشْرين، فَسَار بعض أَهلهَا وَنزل الْبَاقُونَ بالأمان فاخذ كبارهم فِي مركب ليقدموا على الْقَائِم، ثمَّ خرق الْمركب فَغَرقُوا.
وفيهَا: توفّي عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد الخزار النَّحْوِيّ مُصَنف فِي علم الْقُرْآن.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَعشْرين وثلثمائة: فِيهَا سَار معز الدولة بِأَمْر أَخِيه عماد الدولة بن بويه إِلَى الأهواز وَتلك الْبِلَاد فاستولى عَلَيْهَا، وَسَببه: مسير ابْن البريدي إِلَى عماد الدولة - كَمَا قُلْنَا -.
وفيهَا: فِي نصف شَوَّال قطعت يَمِين أبي عَليّ مُحَمَّد بن الْعلي بن الْحُسَيْن بن مقلة،
стр. 259
وَسَببه أَنه سعى فِي الْقَبْض على ابْن راتق وَإِقَامَة بجكم مَوْضِعه، فَعلم بِهِ ابْن راتق فحبسه الراضي لأجل ابْن راتق، وَفِي الآخر قطعُوا يَده وبرأ فسعى فِي الوزارة وَشد الْقَلَم على يَده المقطوعة وَكتب وَكَانَ يَدْعُو عَلَيْهِم، فَقطع ابْن راتق لِسَانه وضيق عَلَيْهِ فِي الْحَبْس، ثمَّ لحقه الذرب من غير خَادِم يَخْدمه فقاسى شدَّة حَتَّى مَاتَ فِي شَوَّال سنة ثَمَان وَعشْرين وثلثمائة وَدفن بدار الْخلَافَة، ثمَّ نبش وَسلم إِلَى أَهله فدفنوه فِي دَاره، ثمَّ نقل إِلَى دَار أُخْرَى.
وَالْعجب: وزارته ثَلَاث مَرَّات، للمقتدر والقاهر الراضي، وسافر ثَلَاث مَرَّات مرَّتَيْنِ إِلَى شيزار وَمرَّة فِي وزارته إِلَى الْموصل، وَدفن ثَلَاث مَرَّات.
قلت: وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن مقلة نواحا على يَده: خدمت بهَا الْخُلَفَاء وكتبت بهَا الْقُرْآن الْكَرِيم دفعتين تقطع كَمَا تقطع أَيدي اللُّصُوص، وَأنْشد:
(مَا سئمت الْحَيَاة وَلَكِن توثقت ... بأيمانهم فَبَانَت يَمِيني)
(بِعْت ديني لَهُم بدنياي حَتَّى ... حرموني دنياهم بعد ديني)
(وَلَقَد حطت مَا اسْتَطَعْت بجهدي ... حفظ أَرْوَاحهم فَمَا حفظوني)
(لَيْسَ بعد الْيَمين لَذَّة عَيْش ... يَا حَياتِي بَانَتْ يَمِيني فبيني)
قلت: وَبعد مَوته استعرضوا خزانَة الرؤوس وَذَلِكَ فِي آخر أَيَّام الراضي وَكَانَت قد امْتَلَأت فرموها كلهَا فِي دجلة، وَكَانَ بَعْضهَا فِي أسفاط وَبَعضهَا فِي صناديق رصاص، ووجدوا فِي الْجُمْلَة سفطا فِيهِ رَأس وَيَد ورقعة فِيهَا مَكْتُوب هَذَا رَأس أبي الْجمال، الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن عبد اللَّهِ بن سُلَيْمَان بن وهب وَهَذِه الْيَد الَّتِي مَعَ الرَّأْس يَد الْوَزير أبي عَليّ بن مقلة وَهِي الْيَد الَّتِي وَقعت بِقطع هَذَا الرَّأْس، وَالله أعلم.
وَله أَلْفَاظ منقولة مِنْهَا: إِنِّي إِذا أَحْبَبْت تهالكت، وَإِذا أبغضت أهلكت وَإِذا رضيت آثرت، وَإِذا غضِبت أثرت، وَمِنْهَا: يُعجبنِي من يَقُول الشّعْر تأدبا لَا تكسبا، وَيتَعَاطَى الْغناء تطربا لَا تطلبا.
وَالصَّحِيح: أَن صَاحب الْخط الْمليح هُوَ أَخُوهُ أَبُو عبد اللَّهِ الْحسن بن عَليّ بن مقلة المتوفي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلثمائة، وَالله أعلم.
وفيهَا: غرَّة ذِي الْقعدَة سَار بجكم من وَاسِط إِلَى بَغْدَاد، وجهز ابْن راتق إِلَيْهِ عسكرا من بَغْدَاد فَهَزَمَهُمْ بجكم، فهرب ابْن راتق إِلَى عكبرا واستتر، وَدخل بجكم بَغْدَاد ثَالِث عشر ذِي الْقعدَة فَجعله الراضي أَمِير الْأُمَرَاء، وَكَانَت مُدَّة ابْن راتق سنة وَعشرَة أشهر وَسِتَّة عشر يَوْمًا. كَانَ بجكم مَمْلُوكا لوزير ماكان الديلمي فَأَخذه مِنْهُ، ثمَّ فَارقه وَلحق بمرداويج فَكَانَ من قَتله مرداويج، ثمَّ اتَّصل بِخِدْمَة ابْن راتق حَتَّى كتب على رايته الراتقي وَاسْتولى من جِهَة ابْن راتق على الأهواز وطرد ابْن البريدي، وَلما استولى ابْن بويه على الأهواز سَار بجكم إِلَى وَاسِط حَتَّى جرى مَا جرى.
قلت: وانتقم اللَّهِ تَعَالَى لِابْنِ مقلة من ابْن راتق، فَصَارَ عدوه بجكم بِحكم مَوْضِعه ثمَّ
стр. 260
قتل ابْن راتق كَمَا سَيَأْتِي. وَمِمَّا قلت فِي هَذَا الْمَعْنى وَالنّصف الثَّانِي من الْبَيْت الأول للمتنبي ضمنته فَقلت:
(وَكم مقلة سحت لكف ابْن مقلة ... يدا لَا تُؤدِّي شكرها الْيَد والفم)
(بِهِ كدر الرَّحْمَن عَيْش ابْن راتق ... وَأصْبح فِي بَغْدَاد يحكم بجكم)
وَالله أعلم.
وفيهَا: فَسدتْ أَحْوَال القرامطة وافتتنوا واقتتلوا فاستقروا فِي هجر.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَعشْرين وثلثمائة: فِيهَا سَار بجكم والراضي إِلَى الْموصل فهرب نَاصِر الدولة بن حمدَان، ثمَّ حمل مَالا وَاسْتقر الصُّلْح مَعَه، وَظهر ابْن راتق مَعَ جمَاعَة بِبَغْدَاد قبل وُصُول الْخَلِيفَة إِلَيْهَا فخافه الْخَلِيفَة وبجكم، ثمَّ اسْتَقر الْحَال على أَن ولوه حران والرها وقنسرين والعواصم فاستولى عَلَيْهَا.
وفيهَا: عصى أُميَّة بن إِسْحَاق على عبد الرَّحْمَن الْأمَوِي بشنيرين وأنجده الجلالقة وهزموا الْمُسلمين، ثمَّ الْتَقَوْا ثَانِيًا فانهزمت الجلالقة وَقتل مِنْهُم كثير، ثمَّ أَمن عبد الرَّحْمَن أُمِّيّه.
وفيهَا: توفّي عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم الرَّازِيّ صَاحب الْجرْح وَالتَّعْدِيل، وَعُثْمَان بن خطاب أَبُو الدُّنْيَا الْأَشَج الَّذِي يُقَال أَنه لَقِي عليا ﵁ وَله صحيفَة يروي عَنهُ وَلَا يَصح، وَقد رَوَاهَا كثير من الْمُحدثين على علم مِنْهُم بضعفها.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن جَعْفَر بِمَدِينَة يافا، وَله التصانيف كاعتدال الْقُلُوب وَغَيره.
وفيهَا: توفّي الكعبي المعتزلي أَبُو الْقَاسِم عبد اللَّهِ بن أَحْمد بن مَحْمُود صَاحب الْمقَالة.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَعشْرين وثلثمائة: فِيهَا استولى ابْن راتق على الشَّام وطرد بَدْرًا نَائِب الأخشيد وَبلغ الْعَريش يُرِيد مصر، فَخرج إِلَيْهِ الأخشيد وَجرى قتال شَدِيد آخِره انهزام ابْن راتق إِلَى دمشق، ثمَّ جهز الأخشيد إِلَى ابْن راتق جَيْشًا مَعَ اخيه واقتتلوا فَانْهَزَمَ عَسْكَر الأخشيد وَقتل أَخُوهُ، فَأرْسل ابْن راتق يعزي الأخشيد فِي أَخِيه وَيَقُول أَنه لم يقتل بأَمْري، وَأرْسل وَلَده مُزَاحم وَقَالَ: إِن أَحْبَبْت فَاقْتُلْ وَلَدي بِهِ، فَخلع الأخشيد على مُزَاحم وَأَعَادَهُ إِلَى أَبِيه، واستقرت مصر للأخشيد وَالشَّام لِابْنِ راتق.
وفيهَا: قتل السنكري بالثغر.
وفيهَا: توفّي الكليني بالنُّون وَهُوَ من أَئِمَّة الإمامية، وَمُحَمّد بن أَحْمد شنوذ الْمقري بالشاذ من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة.
قلت: وَمنعه ابْن مقلة من إقراء الشاذ وَكتب عَلَيْهِ بذلك سجلا، فَدَعَا عَلَيْهِ بِقطع الْيَد فَقدر اللَّهِ ذَلِك، وَالله اعْلَم.
стр. 261
وفيهَا: توفّي أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْقَاسِم بن الْأَنْبَارِي صَاحب كتاب الْوَقْف والابتداء ثِقَة مولده سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ.
وفيهَا: توفّي أَبُو عمر أَحْمد بن عبد ربه بن حبيب الْقُرْطُبِيّ مولى هِشَام بن عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل من الْعلمَاء المكثرين وَكتابه العقد الفريد من الْكتب النفيسة، ومولده سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ.
وفيهَا: سقط ثلج عَظِيم فِي آذار، وَفِيه قَالَ الصنوبري:
(تأنق ذَا الرَّوْض فِي نسجه ... وَأغْرب آذار فِي ثلجة)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَعشْرين وثلثمائة: فِيهَا فِي نصف ربيع الأول مَاتَ الراضي بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن المقتدر بن المعتضد بالاستسقاء وعمره اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة. وَمن شعره الْجيد:
(يصفر وَجْهي إِذا تَأمله ... طرفِي فيحمر وَجهه خجلا)
(حَتَّى كَأَن الَّذِي بوجنته ... من دم قلبِي إِلَيْهِ قد نقلا)
وَله:
(كل صفو إِلَى كدر ... كل أَمن إِلَى حذر)
(أَيهَا الآمن الَّذِي ... تاه فِي لجة الْغرَر)
(ابْن من كَانَ قبلنَا ... درس الْعين والأثر)
(در در المشيب من ... واعظ ينذر الْبشر)
وَكَانَ ﵀ شَيخا يحب الأدباء والفضلاء، ونادمه سِنَان بن ثَابت الصابي الطَّبِيب، وَكَانَ الراضي أسمر خَفِيف العارضين أمه ضلوم أم ولد، وَهُوَ آخر خَليفَة لَهُ شعر يدون وَآخر خَليفَة خطب كثيرا على منبره وَإِن كَانَ غَيره خطب فنادر وَآخر خَليفَة جَالس الجلساء وَآخر خَليفَة كَانَت جرايته وخزائنه ومطابخه وأموره على تَرْتِيب الْخُلَفَاء الْمُتَقَدِّمين.
(أَخْبَار إِبْرَاهِيم المتقي لله)
وبقى الْأَمر بعده مَوْقُوفا انتظارا لقدوم أبي عبد اللَّهِ الْكُوفِي كَاتب بجكم من وَاسِط وَكَانَ بجكم أَيْضا هُنَاكَ واحتيط على دَار الْخَلِيفَة، فورد كتاب بجكم مَعَ كِتَابه الْكُوفِي يَأْمر فِيهِ أَن يجْتَمع مَعَ أبي الْقَاسِم سُلَيْمَان بن الْحسن وَزِير الراضي كل من تقلد الوزارة وَأَصْحَاب الدَّوَاوِين والعلويون والعباسيون والقضاة ووجوه الْبَلَد ويشاورهم الْكُوفِي فِيمَن ينصب خَليفَة، فاتفقوا على بيعَة المتقي لله إِبْرَاهِيم بن المقتدر بِاللَّه أبي الْفضل جَعْفَر فِي الْعشْرين من ربيع الأول، فسير الْخلْع واللواء إِلَى بجكم بواسط، وَكَانَ بجكم قبل اسْتِخْلَاف المتقي قد أرسل من أَخذ من دَار الْخلَافَة فرشا وآلات كَانَ يستحسنها، وَجعل
стр. 262
سَلامَة الطولوني حَاجِب المتقي وَأقر سُلَيْمَان بن الْحسن وَزِير الراضي على اسْم الوزارة وَالتَّدْبِير كُله إِلَى الْكُوفِي كَاتب بجكم.
وفيهَا: قتل ماكان، وَكَانَ قد استولى على جرجان فقصده أحد قواده السامانية بعسكر خُرَاسَان وَهُوَ أَبُو عَليّ بن مُحَمَّد بن مظفر بن مُحْتَاج، فَهزمَ ماكان عَن جرجان فَأَقَامَ بطبرستان، ثمَّ سَار ابْن الْمُحْتَاج إِلَى الرّيّ فاستولى عَلَيْهَا وَبهَا وشمكير بن زِيَاد أَخُو مرداويج، فَأرْسل وشمكير يستنجد ماكان بن كالي من طبرستان فأنجده وَقدم إِلَيْهِ وقاتلا ابْن الْمُحْتَاج فجَاء سهم غرب فِي رَأس ماكان وَنفذ من الخوذة إِلَى جَبينه وطلع من قَفاهُ فَمَاتَ وهرب وشمكير إِلَى طبرستان وَاسْتولى ابْن الْمُحْتَاج على الرّيّ.
قلت: حَتَّى كَأَن " ماكان " مَا كَانَ وَالله أعلم.
وفيهَا: قتل بجكم، كَانَ أرسل جَيْشًا لقِتَال البريدي ثمَّ سَار من وَاسِط فِي أَثَرهم فَأخْبرهُ بنصر عسكره فقصد الرُّجُوع إِلَى وَاسِط وَجعل يتصيد فِي طَرِيقه حَتَّى بلغ نهر جور فَسمع أَن هُنَاكَ أكرادا لَهُم مَال وثروة فقصدهم فِي جمَاعَة قَليلَة وأوقع بهم فَهَرَبُوا، وَجَاء مِنْهُم صبي من خلف وَطعن بجكم فِي خاصرته بِرُمْح وَلَا يعرفهُ فَمَاتَ. وَبلغ المتقي قَتله فاستولى على دَاره وَأخذ مِنْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة أَكْثَرهَا كَانَ مَدْفُونا، وأتى البريدي الْفرج بقتل بجكم من حَيْثُ لَا يحْتَسب.
قلت:
(إِذا حمل الْفَتى هما فجهل ... فَإِن اللَّهِ يلطف بالعبيد)
(وَكم لله من فرج سريع ... نفضله على فرج البريدي)
وَالله أعلم.
وَمُدَّة أَمارَة بجكم سنتَانِ وَثَمَانِية أشهر وَأَيَّام.
وَقصد البريدي بَغْدَاد وَاسْتولى على ألأمر أَيَّامًا، ثمَّ أخرجته الْعَامَّة عَنْهَا لسوء سيرته، ثمَّ استولى على الْأَمر كورتكين مُدَّة قَليلَة فاستخلف ابْن راتق على الشَّام أَبَا الْحسن أَحْمد بن عَليّ بن مقَاتل وَوصل بَغْدَاد وَجرى بَينه وَبَين كورتكين قتال آخِره هزيمَة كورتكين، ثمَّ ظفر بِهِ ابْن راتق وحبسه وقلد المتقي ابْن راتق إمرة الْأُمَرَاء بِبَغْدَاد.
وفيهَا: توفّي مَتى بن يُونُس الفليسوف، وبختيشوع بن يحيى الطَّبِيب.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثِينَ وثلثمائة: فِيهَا استولى ابْن البريدي على بَغْدَاد وهرب ابْن راتق والخليفة المتقي إِلَى جِهَة الْموصل، وَنهب ابْن البريدي بَغْدَاد وجار وعسف فرطا.
وَلما وصل المتقي وَابْن راتق تكريت كَاتبا نَاصِر الدولة بن حمدَان يستمدانه وقدما الْموصل فَخرج عَنْهَا نَاصِر الدولة إِلَى الْجَانِب الآخر، فَأرْسل المتقي إِلَيْهِ ابْنه أَبَا مَنْصُور وَابْن راتق فأكرمهما نَاصِر الدولة ونثر على الْخَلِيفَة ذَهَبا، وَلما قاما لينصرفا أَمر نَاصِر الدولة أَصْحَابه فَقتلُوا ابْن راتق، ثمَّ سَار ابْن حمدَان إِلَى المتقي فَخلع المتقي عَلَيْهِ وَجعله أَمِير
стр. 263
الْأُمَرَاء وَذَلِكَ فِي مستهل شعْبَان مِنْهَا وخلع على أَخِيه أبي الْحسن عَليّ ولقبه سيف الدولة، وَكَانَ قتل ابْن راتق لسبع بَقينَ من رَجَب مِنْهَا.
وَبلغ الأخشيد بِمصْر قتل ابْن راتق فَسَار وَاسْتولى على دمشق.
ثمَّ سَار المتقي وناصر الدولة إِلَى بَغْدَاد فهرب عَنْهَا ابْن البريدي وَنهب بعض النَّاس بَعْضًا، وَكَانَ مقَام ابْن البريدي بِبَغْدَاد ثَلَاثَة أشهر وَعشْرين يَوْمًا، وَدخل المتقي بَغْدَاد وَمَعَهُ بَنو حمدَان فِي جيوش كَثِيرَة فِي شَوَّال مِنْهَا، وَأصْلح نَاصِر الدولة بِبَغْدَاد الدَّنَانِير كَانَ الدِّينَار بِعشْرَة فَبيع بِثَلَاثَة عشر درهما.
وفيهَا: توفّي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ الْمحَامِلِي الْفَقِيه الشَّافِعِي، ومولده سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن أبي بشر الْأَشْعَرِيّ، ومولده سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاد، وَدفن بمشرعة الزوايا وطمس قَبره خوفًا عَلَيْهِ من الْحَنَابِلَة وَلَوْلَا السُّلْطَان لنبشوه، وَهُوَ رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ من ولد أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ اشْتغل بالْكلَام مُعْتَزِلا زَمَانا، ثمَّ خَالف الْمُعْتَزلَة والمشبهة ومقالته أَمر متوسط وناظر شَيْخه الجبائي فِي وجوب الْأَصْلَح على اللَّهِ تَعَالَى، فَمَنعه الْأَشْعَرِيّ وَقَالَ: مَا تَقول فِي ثَلَاثَة إخوه أحدهم كَانَ برا مُؤمنا تقيا وَالثَّانِي كَانَ كَافِرًا فَاسِقًا شقيا وَالثَّالِث كَانَ صَبيا فماتوا فَكيف حَالهم؟ فَقَالَ الجبائي: أما الزَّاهِد فَفِي الدَّرَجَات وَأما الْكَافِر فَفِي الدركات وَأما الصَّغِير فَمن أهل السّلم، فَقَالَ الْأَشْعَرِيّ: إِن أَرَادَ الصَّغِير أَن يذهب إِلَى دَرَجَات الزَّاهِد يُؤذن لَهُ؟ فَقَالَ الجبائي: لَا لِأَنَّهُ يُقَال لَهُ: إِن أَخَاك إِنَّمَا وصل إِلَى هَذِه الدرجَة بِسَبَب طَاعَته الْكَثِيرَة وَلَيْسَ لَك تِلْكَ الطَّاعَات، فَقَالَ الْأَشْعَرِيّ: فَإِن قَالَ ذَلِك الصَّغِير: التَّقْصِير لَيْسَ مني فَإنَّك مَا أبقيتني وَلَا أقدرتني على الطَّاعَة؟ فَقَالَ الجبائي: يَقُول الْبَارِي جلّ وَعلا: أعلم أَنَّك لَو بقيت لعصيت وصرت مُسْتَحقّا للعذاب الْأَلِيم فراعيت مصلحتك، فَقَالَ الْأَشْعَرِيّ: فَلَو قَالَ الْأَخ الْكَافِر: يَا إِلَه الْعَالمين كَمَا علمت حَاله فقد علمت حَالي فَلم راعيت مصْلحَته دوني؟ فَقَالَ الجبائي: وسوست؟ فَقَالَ الْأَشْعَرِيّ: مَا وسوس وَلَكِن وقف حمَار الشَّيْخ على القنطرة - يَعْنِي أَنه انْقَطع -.
ومقالة الْأَشْعَرِيّ أشهر المقالات، وَلَا مبالاة بتكفير بعض الْحَنَابِلَة لَهُ، والجبائي زوج أم ألأشعري رَحمَه اللَّهِ تَعَالَى.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى ثَلَاثِينَ وثلثمائة: فِيهَا سَار نَاصِر الدولة عَن بَغْدَاد إِلَى الْموصل وثارت الديلم ونهبت دَاره، وَكَانَ أَخُوهُ سيف الدولة بواسط فثارت عَلَيْهِ الأتراك الَّذين مَعَه وكبسوه لَيْلًا فِي شعْبَان، فهرب سيف الدولة أَبُو الْحسن عَليّ إِلَى أَخِيه نَاصِر الدولة أبي مُحَمَّد الْحسن بن عبد اللَّهِ بن حمدَان وَلحق بِهِ، ثمَّ قدم سيف الدولة إِلَى بَغْدَاد وَطلب من المتقي مَالا ليفرقه فِي الْعَسْكَر وَيمْنَع تورون والأتراك من دُخُول بَغْدَاد، فأنفذ إِلَيْهِ المتقي أَرْبَعمِائَة ألف دِينَار فرقها فِي أَصْحَابه.
стр. 264
وَلما وصل تورون إِلَى بَغْدَاد هرب سيف الدولة عَنْهَا، وَدخل تورون بَغْدَاد فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان هَذِه السّنة فَخلع المتقي عَلَيْهِ وَجعله أَمِير الْأُمَرَاء، وَبَقِي المتقي خَائفًا من تورون - بِضَم التَّاء - ... .
وفيهَا: توفّي السعيد نصر بن أَحْمد بن الساماني صَاحب خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر بالسل وولايته ثَلَاثُونَ سنة وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وعمره ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة كَانَ حَلِيمًا كَرِيمًا، وَتَوَلَّى بعده نوح ابْنه وَحلف لَهُ فِي شعْبَان.
وفيهَا: أرسل ملك الرّوم يطْلب من المتقي منديلا زعم أَن الْمَسِيح مسح بِهِ وَجهه فَصَارَت صُورَة وَجهه فِيهِ وَأَن هَذَا المنديل فِي بيعَة الرها وَأَنه إِن أرْسلهُ أطلق عددا كثيرا من الأسرى، فأحضر المتقي الْقُضَاة وَالْفُقَهَاء واستفتاهم فِي ذَلِك فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعضهم: دَفعه إِلَيْهِم وَإِطْلَاق الأسرى أولى، وَقَالَ بَعضهم: إِن هَذَا المنديل لم يزل فِي بِلَاد الْإِسْلَام وَلم يَطْلُبهُ ملك مِنْهُم فَفِي دَفعه إِلَيْهِم غَضَاضَة، وَكَانَ فِي الْجَمَاعَة عَليّ بن عِيسَى الْوَزير فَقَالَ: إِن خلاص الْمُسلمين من الْأسر والضنك أولى من حفظ هَذَا المنديل، فَأمر الْخَلِيفَة بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِم وَأرْسل من تسلم الأسرى.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الفرغاني الوصفي أستاذ أبي بكر الدقاق الْمَشْهُور.
وفيهَا: مَاتَ سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة الطَّبِيب الحاذق مَاتَ بعلة الذرب وَمَا نَفعه طبه.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثلثمائة: فِيهَا سَار المتقي عَن بَغْدَاد خوفًا من تورون وَابْن شيرزاد إِلَى جِهَة نَاصِر الدولة بالموصل، وَانْحَدَرَ سيف الدولة يلتقي المتقي بتكريت، ثمَّ انحدر نَاصِر الدولة إِلَى تكريت أَيْضا وأصعد الْخَلِيفَة إِلَى الْموصل، ثمَّ سَار الْخَلِيفَة وَبَنُو حمدَان إِلَى الرقة فأقاموا بهَا.
وَظهر للمتقي تضجر بني حمدَان مِنْهُ وإيثارهم مُفَارقَته فَكتب إِلَى تورون ليصالحه، وَخرجت السّنة على ذَلِك.
وفيهَا: خرجت طَائِفَة من الروس فِي الْبَحْر وطلعوا من الْبَحْر فِي نهر الْكر فَانْتَهوا إِلَى مَدِينَة برذعة فاستولوا عَلَيْهَا وَقتلُوا ونهبوا وَرَجَعُوا فِي المراكب.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو طَاهِر رَئِيس القرامطة بالجدري.
وفيهَا: كَانَ بِبَغْدَاد غلاء عَظِيم.
وفيهَا: اسْتعْمل نَاصِر الدولة بن حمدَان مُحَمَّد بن عَليّ بن مقَاتل على قنسرين وحمص والعواصم، ثمَّ اسْتعْمل بعده فِيهَا أَيْضا ابْن عَمه الْحُسَيْن بن سعيد بن حمدَان.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث ثَلَاثِينَ وثلثمائة: فِيهَا سَار المتقي إِلَى بَغْدَاد وخلع كَانَ قد كتب المتقي إِلَى الأخشيد صَاحب مصر يشكو مَا هُوَ فِيهِ، فَجَاءَهُ الأخشيد من مصر إِلَى الرقة بِهَدَايَا عَظِيمَة وحرص أَن يسير مَعَه إِلَى مصر ليَكُون بَين يَدَيْهِ فَلم يفعل، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بالْمقَام
стр. 265
بالرقة وخوفه من تورن فَلم يفعل، وَكَانَ قد أرسل إِلَى تورون فِي الصُّلْح فَحلف تورون للمتقي، فانحدر لأَرْبَع بَقينَ من الْمحرم إِلَى بَغْدَاد وَعَاد الأخشيد إِلَى مصر، وَلما وصل المتقي إِلَى هيت أَقَامَ بهَا وَأرْسل فجدد الْيَمين على تورون، وَجَاء تورون من بَغْدَاد لتلقيه فالتقاه بالسندية، ووكل على الْخَلِيفَة حَتَّى انزله فِي مضربه.
ثمَّ قبض تورون على المتقي وسمل عَيْنَيْهِ فأعماه، فصاح المتفي وَحرمه وخدمه فَأمر تورون بِضَرْب الدبادب لتخفي أَصْوَاتهم، وَانْحَدَرَ تورون بالمتقي إِلَى بَغْدَاد وَهُوَ أعمى، وَخِلَافَة المتقي إِبْرَاهِيم بن جَعْفَر المقتدر بن المعتضد ثَلَاث سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَأمه خلوب أم ولد.
(أَخْبَار المستكفي بِاللَّه)
ثمَّ إِن تورون بَايع المستكفي بِاللَّه ثَانِي عشرهم أَبَا الْقَاسِم عبد اللَّهِ بن المكتفي بِاللَّه عَليّ بن المعتضد أَحْمد بن الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل جَعْفَر بن المعتصم مُحَمَّد بن الرشيد، وأحضره إِلَى السندية وَبَايَعَهُ النَّاس يَوْم خلع المتقي فِي صفر مِنْهَا.
وفيهَا: اشتدت شَوْكَة أبي يزِيد الْخَارِجِي بالقيروان وَهزمَ الجيوش وَهُوَ من زنانة وَأَبوهُ كنداد من مَدِينَة توزر من بِلَاد قسنطينة وَأم أبي يزِيد جَارِيَة سَوْدَاء وانتشى أَبُو يزِيد بتوزر وَقَرَأَ القرىن وَسَار إِلَى تاهرت فَصَارَ على مَذْهَب النكارية يكفر أهل الْملَّة ويستبيح أَمْوَالهم ودماءهم، ودعا أهل تِلْكَ الْبِلَاد فأطاعوه وَكثر جمعه فحصر قسنطينة فِي هَذِه السّنة وَكَانَ قَصِيرا قبيحا يلبس جُبَّة صوف، ثمَّ فتح تنيسه ثمَّ شبنية وصلب عاملها ثمَّ الأريس فَأخْرج الْقَائِم جيوشا لحفظ رقادة والقيروان، فَهَزَمَهُمْ أَبُو يزِيد وَاسْتولى على تونس وعَلى القيروان ورقادة.
ثمَّ سَار أَبُو يزِيد إِلَى الْقَائِم، فَجهز الْقَائِم جَيْشًا قَاتله فَانْهَزَمَ جَيش الْقَائِم فَسَار أَبُو يزِيد وَحصر الْقَائِم بالمهدية فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا وضايقها فَعدم فِيهَا الْقُوت إِلَى أَن خرجت هَذِه السّنة، ثمَّ رَحل عَن المهدية فِي صفر سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَار إِلَى القيروان.
وَتُوفِّي الْقَائِم وَملك ابْنه إِسْمَاعِيل الْمَنْصُور - وَسَيَأْتِي -، فَجهز الْمَنْصُور العساكر وَسَار بِنَفسِهِ إِلَى القيروان واستعادها من أبي يزِيد سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة وداموا على الْقِتَال إِلَى سنة خمس وَثَلَاثِينَ فَهزمَ الْمَنْصُور عَسْكَر أبي يزِيد وَسَار فِي أَثَره فِي ربيع الأول سنة خمس وَثَلَاثِينَ فَأدْرك أَبَا يزِيد على الْمَدِينَة باعاثة فهرب أَبُو يزِيد من مَوضِع إِلَى مَوضِع حَتَّى وصل طنبه، ثمَّ هرب إِلَى جبل البربر وَاسم ذَلِك الْجَبَل برزال والمنصور فِي أَثَره.
وَاشْتَدَّ على عَسْكَر الْمَنْصُور الْحَال حَتَّى بلغت العليقة دِينَارا فَرجع الْمَنْصُور إِلَى بِلَاد صنهاجة وَبلغ إِلَى قَرْيَة عمْرَة واتصل هُنَاكَ بالمنصور الْعلوِي الْأَمِير زيري الصنهاجي جد مُلُوك بادس فَأكْرمه الْمَنْصُور، وَمرض الْمَنْصُور هُنَاكَ شَدِيدا ثمَّ عوفي ورحل إِلَى مسيلة ثَانِي رَجَب سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلثمائة، وَكَانَ قد اجْتمع إِلَى أبي يزِيد جمع من البربر وَسبق
стр. 266
الْمَنْصُور إِلَى مسيلة، فَلَمَّا قدم الْمَنْصُور مسيلة هرب عَنْهَا أَبُو يزِيد إِلَى جِهَة بِلَاد السودَان، ثمَّ صعد جبال كتامة وَرجع عَن قصد السودَان فَسَار الْمَنْصُور عَاشر شعْبَان إِلَيْهِ واقتتلوا فِي شعْبَان فَقتل غَالب جمَاعَة أبي يزِيد وَانْهَزَمَ، فَسَار الْمَنْصُور فِي أَثَره أول رَمَضَان فَاقْتَتلُوا أَيْضا فَانْهَزَمَ أَبُو يزِيد وَأخذت أثقاله والتجأ إِلَى قلعة كتامة المنيعة فحاصرها الْمَنْصُور وداوم الزَّحْف فملكها عنْوَة وهرب أَبُو يزِيد من القلعة من مَكَان وعر فَسقط مِنْهُ فَأخذ وَحمل إِلَى الْمَنْصُور فَسجدَ شكرا وَهَلل النَّاس وَكَبرُوا، وَبَقِي أَبُو يزِيد فِي أسره مجروحا فَمَاتَ وَذَلِكَ سلخ الْمحرم سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلثمائة فسلخ جلده وَحشِي تبنا، وَعَاد الْمَنْصُور إِلَى المهدية فَدَخلَهَا فِي رَمَضَان سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلثمائة.
قلت: وجاءه الْعَالم كل امرىء يهني الدَّاخِل بالخارجي، وَالله اعْلَم.
وفيهَا: أَعنِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وثلثمائة نقل المستكفي القاهر من دَار الْخلَافَة إِلَى دَار ابْن طَاهِر، وَكَانَ قد بلغ القاهر الضّر والفقر إِلَى أَن كَانَ ملتفا بجبة قطن وَفِي رجله قبقاب خشب.
وفيهَا لما سَار المتقي عَن الرقة إِلَى بَغْدَاد وَسَار عَنْهَا الأخشيد إِلَى مصر سَار سيف الدولة أَبُو الْحسن بن أبي الهيجاء عبد اللَّهِ بن حمدَان إِلَى حلب وَبهَا يانس المؤنس فَأَخذهَا مِنْهُ سيف الدولة، ثمَّ استولى على حمص أَيْضا، ثمَّ حضر دمشق ثمَّ رَحل عَنْهَا بِسَبَب خُرُوج الأخشيد من مصر إِلَيْهِ، وجاءه الأخشيد فَالْتَقَيَا بِقِنِّسْرِينَ فَلم يظفر أحد العسكرين بِالْآخرِ وَرجع سيف الدولة إِلَى الجزيرة فَلَمَّا عَاد الأخشيد إِلَى دمشق عَاد سيف الدولة إِلَى حلب فملكها، ثمَّ قاربت الرّوم حلب فَهَزَمَهُمْ سيف الدولة.
ثمَّ دخلت سنة أَربع ثَلَاثِينَ وثلثمائة: فِيهَا فِي الْمحرم مَاتَ الْمُتَعَدِّي طوره الْكَاذِب فِي يَمِينه تورون بِبَغْدَاد وإمارته سنتَانِ وَأَرْبَعَة أشهر وَتِسْعَة عشر يَوْمًا، فعقد الْجند لِابْنِ شيرزاد الإمرة عَلَيْهِم وَكَانَ بهيت فَقدم بَغْدَاد مستهل صفر وَأرْسل إِلَى المستكفي فاستحلفه فَحلف لَهُ بِحَضْرَة الْقُضَاة وولاه إمرة الْأُمَرَاء.
وفيهَا: كَانَ معز الدولة بن بويه فِي الأهواز وبلغه موت تورون فَسَار حَتَّى قَارب بَغْدَاد، فاختفى المستكفي بِاللَّه وَابْن شيرزاد فَكَانَت إمارته ثَلَاثَة أشهر وأياما، وَقدم الْحسن بن مُحَمَّد المهلبي صَاحب معز الدولة بَغْدَاد وسارت الأتراك عَنْهَا إِلَى جِهَة الْموصل فَظهر المستكفي وَاجْتمعَ بالمهبلي فأظهر المستكفي السرُور بقدوم معز الدولة وأعلمه أَن استتارة إِنَّمَا لخوفه من الأتراك.
ثمَّ وصل معز الدولة بَغْدَاد ثَانِي عشر جمادي الأولى مِنْهَا وَبَايع المستكفي وخلع عَلَيْهِ ولقبه ذَلِك الْيَوْم معز الدلوة، وَأمر بِضَرْب ألقاب بني بويه على الدِّرْهَم وَالدِّينَار، وَنزل معز الدولة بدار مؤنس وَنزل أَصْحَابه فِي دور النَّاس، فلحق النَّاس من ذَلِك شدَّة عَظِيمَة، ورتب معز الدولة للمستكفي كل يَوْم خَمْسَة آلَاف دِرْهَم يستلمها كَاتبه للنَّفَقَة.
وفيهَا: خلع المستكفي بِاللَّه لثمان بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة. وَصُورَة خلعه أَن معز
стр. 267
الدولة وَعَسْكَره وَالنَّاس حَضَرُوا إِلَى دَار الْخَلِيفَة بِسَبَب وُصُول رَسُول صَاحب خُرَاسَان، فأجلس الْخَلِيفَة معز الدولة على كرْسِي، ثمَّ حضر رجلَانِ من نقباء الديلم وتناولا يَد المستكفي بِاللَّه فظنهما يقبلانها، فجذباه عَن سَرِيره وَجعلا عمَامَته فِي عُنُقه ونهض معز الدولة واضطرب النَّاس وساقا المستكفي مَاشِيا إِلَى دَار معز الدولة فاعتقل بهَا ونهبت دَار الْخَلِيفَة، وَخِلَافَة المستكفي أَرْبَعَة أشهر.
(أَخْبَار الْمُطِيع بن المقتدر)
وبويع الْمُطِيع وَهُوَ ثَالِث عشرهم فِي ثَانِي عشري جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وَسلم إِلَيْهِ المستكفي فسلمة وأعماه وَبَقِي مَحْبُوسًا حَتَّى مَاتَ، وَأمه غُصْن أم ولد. وَاسم الْمُطِيع الْمفضل بن المقتدر.
وازداد أَمر الْخلَافَة إدبارا وَلم يبْق لَهُم من الْأَمر شَيْء وتسلم نواب معز الدولة الْعرَاق بأسره، وَلم يبْق فِي يَد الْخَلِيفَة غير مَا أقطعه معز الدولة يقوم بِبَعْض حَاجته.
وفيهَا: سَار نَاصِر الدولة بن حمدَان إِلَى بَغْدَاد، وَأرْسل معز الدولة بن بويه عسكرا لقتاله فَلم يقدروا على دَفعه، وَسَار نَاصِر الدولة من سامراء عَاشر رَمَضَان إِلَى بَغْدَاد، وَأخذ معز الدولة الْمُطِيع مَعَه وَسَار إِلَى تكريت فنهبها لِأَنَّهَا لناصر الدولة وَعَاد معز الدولة بالخليفة إِلَى بَغْدَاد وَنزل بالجانب الغربي، وَنزل نَاصِر الدولة بالجانب الشَّرْقِي، وَلم يخْطب تِلْكَ الْأَيَّام للمطيع بِبَغْدَاد، وَجرى بَينهم بِبَغْدَاد قتال كثير آخِره أَن نَاصِر الدولة وَعَسْكَره انهمزموا وَاسْتولى معز الدولة على الْجَانِب الشَّرْقِي وأعيد الْخَلِيفَة إِلَى مَكَانَهُ فِي الْمحرم سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلثمائة.
وفيهَا: توفّي الْقَائِم الْعلوِي أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد ابْن الْمهْدي عبد اللَّهِ صَاحب الْمغرب لثلاث عشرَة مَضَت من شَوَّال، وَقَامَ بعده ابْنه وتلقب بالمنصور بِاللَّه، وكتم موت الْقَائِم خوفًا من أبي يزِيد الْخَارِجِي، ثمَّ اتسم بالخلافة وَضبط الْملك والبلاد.
وفيهَا: مَاتَ الأخشيد بِدِمَشْق، ومولده سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وجد الأخشيد فِي دَاره ورقة فِيهَا مَكْتُوب مَا بعضه: قدرتم فأسأتم، وملكتم فبخلتم، وَوَقع عَلَيْكُم فضيقتم، وأدرت لكم الأرزاق فنقصتم أرزاق الْعباد، واغتررتم بصفو أيامكم وَلم تَفَكَّرُوا فِي عواقبكم، وتهاونتم بسهام الأسحار وَلَا سِيمَا إِن خرجت من قُلُوب قرحتموها وأكباد أوجعتموها، أَو مَا علمْتُم أَن الدُّنْيَا لَو بقيت للعاقل مَا وصل إِلَيْهَا الْجَاهِل، فكفي بِصُحْبَة ملك يكون فِي زَوَال ملكه فرج للْعَالم، وَمن الْمحَال أَن يَمُوت المنتظرون كلهم وَيبقى المنتظر بِهِ، افعلوا مَا شِئْتُم فَإنَّا صَابِرُونَ. فَبَقيَ الأخشيد من هَذِه الورقة فِي فكر، وسافر إِلَى دمشق فَمَاتَ.
وَولي الْأَمر بعده أَبُو الْقَاسِم أنوجور - وَتَفْسِيره - مَحْمُود - وَهُوَ صَغِير وَاسْتولى على الْأَمر كافور الْخَادِم الْأسود من خدم الأخشيد، ثمَّ سَار كافور إِلَى مصر بعد موت الأخشيد،
стр. 268
فَسَار سيف الدولة إِلَى دمشق وملكها وَأقَام بهَا، وَاتفقَ أَنه ركب يَوْمًا وَمَعَهُ الشريف العقيقي فَقَالَ سيف الدولة: مَا تصلح هَذِه الغوطة إِلَّا لرجل وَاحِد، فَقَالَ العقيقي: هِيَ لأقوام كَثِيرَة فَقَالَ سيف الدولة: لَو أَخَذتهَا القوانين السُّلْطَانِيَّة تبرؤوا مِنْهَا. فَأعْلم العقيقي أهل دمشق بذلك، فاستدعوا كافورا فَجَاءَهُمْ وأخرجوا سيف الدولة عَنْهُم، وَرجع كافور إِلَى مصر بعد أَن ولى على دمشق بدر الأخشيدي فَأَقَامَ سنة، ثمَّ وَليهَا أَبُو المظفر بن طغج، ولسيف الدولة حلب حسب.
وفيهَا: اشْتَدَّ الغلاء وَعدم الْقُوت بِبَغْدَاد حَتَّى وجد صبي مشوي، وَكثر الْمَوْت.
وفيهَا: توفّي عَليّ بن عِيسَى بن الْجراح الْوَزير وَله تسعون سنة.
وفيهَا: توفّي عمر بن الْحُسَيْن الحرقي الْحَنْبَلِيّ، وَأَبُو بكر الشبلي الصُّوفِي كَانَ وَالِد الشبلي حاجبا للموفق والشبلي أَيْضا، ثمَّ تَابَ وَصَارَ أوحد زَمَانه دينا وورعا، وَكَانَ مالكيا حفظ الْمُوَطَّأ وَقَرَأَ الحَدِيث، وَقَالَ الْجُنَيْد عَنهُ: لكل قوم تَاج وتاج الْقَوْم الشبلي.
قلت: واسْمه: دلف بن حجر، وعَلى قَبره بِبَغْدَاد أَنه جَعْفَر بن يُونُس، وَمن شعره ﵀:
(مَضَت الشبيبة والحبيبة فانبرى ... دمعان فِي الأجفان يزدحمان)
(مَا أنصفتني الحاثات رمينني ... بمودعين وَلَيْسَ لي قلبان)
وَقَالَ الشبلي: رَأَيْت يَوْم الْجُمُعَة معتوها عُريَانا يَقُول: أَنا مَجْنُون اللَّهِ أَنا مَجْنُون اللَّهِ، فَقلت: لم لَا تدخل الْجَامِع وتتوارى وَتصلي، فَأَنْشد:
(يَقُولُونَ زرنا واقض وَاجِب حَقنا ... وَقد أسقطت حَالي حُقُوقهم عني)
(إِذا أبصروا حَالي فَلم يأنفوا لَهَا ... وَلم يأنفوا مِنْهَا أنفت لَهُم مني)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن عِيسَى وَيعرف بَابي مُوسَى الْفَقِيه الْحَنَفِيّ.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلثمائة: فِيهَا توفّي أَبُو بكر الصولي الْعَالم بفنون الْأَدَب وَالْأَخْبَار روى عَن ثَعْلَب وَغَيره وروى عَنهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره، وتصانيفه مَشْهُورَة.
قلت: واسْمه مُحَمَّد بن يحيى بن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن صولتكين وَمَعَ آدابه يضْرب بِهِ فِي الشطرنج الْمثل، وَمن اعْتقد أَنه وَاضع الشطرنج فقد غلط بل وَضعه صصه بن ذاهر الْهِنْدِيّ للْملك شهرام، وَكَانَ كسْرَى أردشير قد وضع النَّرْد وَلذَلِك قيل لَهُ: النردشير، جعله مِثَالا للدنيا وَأَهْلهَا فرتب الرقعة اثْنَي عشر بَيْتا بِعَدَد الشُّهُور وَالْقطع ثَلَاثِينَ بِعَدَد أَيَّام الشَّهْر والفصوص مثل الْقدر وتقلبه بِالنَّاسِ فافتخرت بِهِ الْفرس، فَوضع صصه الشطرنج فرجح على النَّرْد ففرح بِهِ الْملك تلهيت ومناه، فتمنى أَن يضع حَبَّة قَمح فِي الْبَيْت الأول وَلَا يزَال يضعفها حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى آخرهَا فمهما بلغ يُعْطِيهِ، فاحتقر الْملك ذَلِك فَحسب فَلم يكن فِي خزانته قَمح يبلغ هَذَا الْقدر.
стр. 269
وَطَرِيقَة: أَن تضع فِي الْبَيْت الأول حَبَّة وَفِي الثَّانِي حبتين وَفِي الثَّالِث أَرْبعا وَفِي الرَّابِع ثمانيا وَكَذَا إِلَى آخِره كلما انْتَقَلت إِلَى بَيته ضاعفت مَا قبله وأثبته فِيهِ، فَإِذا ضاعفت الْأَعْدَاد إِلَى الْبَيْت السَّادِس عشر أثبت فِيهِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألفا وَسَبْعمائة وثمانيا وَسِتِّينَ حَبَّة فَتَقول هَذِه قدر قدح، وتضاعف الْقدح فِي الْبَيْت السَّابِع عشر وَكَذَا حَتَّى تبلغ وبية فِي الْبَيْت الْعشْرين.
ثمَّ انْتقل إِلَى الوبيات وَمِنْهَا إِلَى الأرداب وتضاعفها فتنتهي فِي بَيت الْأَرْبَعين إِلَى مائَة ألف أدرب وَأَرْبَعَة وَسبعين ألف أردب وَسَبْعمائة واثنيتن وَسِتِّينَ أردبا وثلثين فتجعل هَذِه الْجُمْلَة شونة وتضاعف الشونة إِلَى بَيت الْخمسين فَتكون الْجُمْلَة ألفا وأربعا وَعشْرين شونة فتجعل هَذِه مَدِينَة وَأي مَدِينَة بِقدر هَذِه، وتضاعف المدن حَتَّى تَنْتَهِي فِي بَيت الرَّابِع وَالسِّتِّينَ آخرهَا إِلَى سِتّ عشرَة ألف مَدِينَة وثلثمائة وَأَرْبع وَثَمَانِينَ مَدِينَة.
وَلَيْسَت مدن الدُّنْيَا أَكثر من هَذَا الْعدَد فدورة كرة الأَرْض بطرِيق الهندسة ثَمَانِيَة آلَاف فَرسَخ بِحَيْثُ لَو وَضعنَا طرف حَبل على أَي مَوضِع كَانَ من الأَرْض وأدرنا طرف الْحَبل على كرة الأَرْض حَتَّى انتهينا بالطرف الآخر إِلَى ذَلِك الْموضع من الأَرْض والتقى طرفا الْحَبل، فَإِذا مسحنا ذَلِك الْحَبل كَانَ طوله اربعة وَعشْرين ألف ميل وَهِي ثَمَانِيَة آلَاف فَرسَخ وَهُوَ قَطْعِيّ، وَتقدم فِي تَرْجَمَة بني مُوسَى وَبَعض الحذاق فِي لعب الشطرنج يفتخر بِأَن ينْقل الْفرس فِي بيُوت الرقعة فَيعم بِهِ جَمِيع بيُوت الرقعة من غير تَكْرِير.
وَقد نظمت أَرْبَعَة أَبْيَات ضابطا لذَلِك بِحِسَاب الْجمل، فَإِذا أردْت ذَلِك فضع الْفرس فِي الْبَيْت الثَّانِي مثلا من الصَّفّ الأول الَّذِي رمزه فِي النّظم با بِمَعْنى ثَانِي الأول فَإِن الْبَاء باثنيتن وَألف بِوَاحِد، ثمَّ تضع الْفرس فِي البييت الأول من الصَّفّ الثَّالِث الَّذِي رمزه فِي النّظم أج بِمَعْنى أول الثَّالِث فَإِن الْألف بِوَاحِد وَالْجِيم بِثَلَاثَة، ثمَّ تضعه فِي ثَانِي الْخَامِس الَّذِي رمزه فِي النّظم بِهِ الْبَاء بِاثْنَيْنِ وَالْهَاء بِخَمْسَة ثمَّ فِي أول السَّابِع الَّذِي رمزه أز وَهَكَذَا تجْعَل الأول من كل حرفين من النّظم للبيت والحرف الثَّانِي للصف وَمن حَيْثُ ابتدأت من الأبيات الْأَرْبَعَة حصل الْعَمَل إِذا أكملت ذَلِك فِيمَا بعد من الأول إِلَى حَيْثُ بدأت فَإِذا عرفت ذَلِك أمرت من ينْقل الْفرس فِي الرقعة وَأَنت مولى ظهرك أَو وَرَاء حجاب إِن شِئْت، وَهَذِه الأبيات وَالْعين حَشْو:
(يَا أج أزاح هززح جوزد ... حب وأدب جدد دووه دج حب أاع)
(بجاه بزدح وزاح زو حدزب ... هاوج هه جود دهب زاحج وبع)
(حازج هدو وهج ززحه ود ... هوزه حزوح دزبح أَو جزع)
(أحبوده أَب جادج بدجه اد ... ببد أجح فرس فِي كلهَا يَقع)
وَهَذِه فَوَائِد وَإِن أخرجت عَن الْمَقْصُود، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلثمائة: فِيهَا كَانَ الغلاء الْعَظِيم بِالشَّام الَّذِي لم يسمع بِمثلِهِ وأكلت الْحمير والقطط وَالصبيان وَمَات خلق عَظِيم وَالله أعلم.
стр. 270
وفيهَا: عقد الْمَنْصُور الْعلوِي ولَايَة جَزِيرَة صقلية لِلْحسنِ بن عَليّ بن أبي الْحُسَيْن الْكَلْبِيّ، وَاسْتمرّ يَغْزُو وَيفتح فِي جَزِيرَة صقلية حَتَّى مَاتَ الْمَنْصُور وَتَوَلَّى الْمعز فاستخلف الْحسن على صقلية ابْنه أَبَا الْحُسَيْن أَحْمد بن الْحسن فولاية الْحسن خمس سِنِين وشهران، وَسَار الْحسن عَن صقلية إِلَى إفريقية سنة اثنيتن وَأَرْبَعين وثلثمائة فَكتب بِولَايَة ابْنه أَحْمد على صقلية فاستقر أَحْمد عَلَيْهَا.
وَفِي سنة سبع وَأَرْبَعين وثلثمائة قدم أَحْمد بن الْحسن من صقلية وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ من وُجُوه الجزيرة على الْمعز بإفريقية فَبَايعُوا الْمعز وخلع عَلَيْهِم، ثمَّ عَاد احْمَد.
وَفِي سنة إِحْدَى وَخمسين وثلثمائة ورد عَلَيْهِ بصقلية كتاب الْمعز بِأَن يحضر أَطْفَال الجزيرة ويكسوهم ويختنهم فِي الْيَوْم الَّذِي يختن فِيهِ الْمعز وَلَده، فَكتب الْأَمِير أَحْمد خَمْسَة عشر ألف طِفْل، وابتدأ أَحْمد فختن ابْنه وَإِخْوَته فِي مستهل ربيع الأول مِنْهَا، ثمَّ ختن الْخَاص وَالْعَام وخلع عَلَيْهِم. وَوصل من الْمعز مائَة ألف دِرْهَم وَخَمْسُونَ حملا من الصَّلَاة فرقت على المسجونين.
وَفِي سنة اثنيتين وَخمسين وثلثمائة أرسل الْأَمِير أَحْمد بسبي طبرسين بعد فتحهَا إِلَى الْمعز وَجُمْلَته ألف سَبْعمِائة ونيف وَسَبْعُونَ نفسا.
وَفِي سنة ثَلَاث وَخمسين وثلثمائة جهز الْمعز أسطولا عَظِيما، وَقدم عَلَيْهِم الْحسن بن عَليّ بن أبي الْحسن وَالِد الْأَمِير أَحْمد فوصل إِلَى صقلية، وَاجْتمعت الرّوم بهَا وَجرى بَينهم قتال شَدِيد فنصر اللَّهِ الْمُسلمين وَقتل فَوق عشرَة آلَاف من الْكفَّار وغنم الْمُسلمُونَ أَمْوَالهم وسلاحهم وَمن جملَته سيف منقوش عَلَيْهِ: هَذَا سيف هندي وَزنه مائَة وَسَبْعُونَ مِثْقَالا طَال مَا ضرب بِهِ بَين يَدي رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -. فَبعث بِهِ الْحسن بن عَليّ إِلَى الْمعز وبأسرى وَسلَاح.
ثمَّ عَاد الْحسن بعد النَّصْر إِلَى قصره بصقلية وَمرض فَتوفي فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَخمسين وثلثمائة وعمره ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة.
وَفِي أَوَاخِر سنة ثَمَان وَخمسين وثلثمائة استقدم الْمعز الْأَمِير أَحْمد من صقلية فَسَار مِنْهَا بأَهْله وَمَاله وَولده فَكَانَت إمارته بهَا سِتّ عشرَة سنة وَتِسْعَة أشهر، واستخلف مَوْضِعه يعِيش مولى أَبِيه الْحسن، فَلَمَّا وصل أَحْمد إِلَى إفريقية ولى الْمعز الجزيرة أَخا أَحْمد أَبَا الْقَاسِم نِيَابَة عَن أَخِيه.
وَفِي سنة تسع وَخمسين وثلثمائة قدم الْمعز الْأَمِير أَحْمد على الأسطول وأرسله إِلَى مصر، فوصل إِلَى طرابلس فاعتل أَحْمد وَمَات بهَا.
وَفِي سنة سِتِّينَ وثلثمائة أرسل الْمعز إِلَى أبي الْقَاسِم سجلا باستقلاله بِولَايَة صقلية وتعزيته فِي أَخِيه أَحْمد.
وَفِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلثمائة غزا أَبُو الْقَاسِم عَليّ وعدى إِلَى الأَرْض الْكَبِيرَة وَنزل
стр. 271
بِموضع يعرف باترلاجة، فَرَأى عسكره قد أَكْثرُوا من جمع الْبَقر وَالْغنم فَأنْكر ذَلِك فَقَالَ: هَذَا يعوقنا عَن الْغَزْو فذبحت وَفرقت، فَسُمي ذَلِك الْموضع مناخ الْبَقر، وَشن غاراته فِي الأَرْض الْكَثِيرَة فأخرب مدنا ثمَّ عَاد منصورا، وَاسْتمرّ يَغْزُو إِلَى سنة اثنيتن وَسبعين وثلثمائة فاستشهد فِي قتال الفرنج فَقيل لَهُ: الشَّهِيد وولايته اثْنَتَا عشرَة سنة وَخَمْسَة أشهر وَأَيَّام، وَتَوَلَّى بعده ابْنه جَابر بِغَيْر ولَايَة من الْخَلِيفَة وَكَانَ سيء التَّدْبِير.
وَفِي سنة ثَلَاث وَسبعين وثلثمائة وصل إِلَى صقلية جَعْفَر بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ بن أبي الْحُسَيْن أَمِيرا عَلَيْهَا من جِهَة الْعَزِيز خَليفَة مصر، فَاغْتَمَّ جَابر لذَلِك عَظِيما وَاسْتمرّ عَلَيْهَا جَعْفَر إِلَى أَن مَاتَ سنة خمس وَسبعين وثلثمائة، فتولاها أَخُوهُ عبد اللَّهِ حَتَّى توفّي سنة تسع وَسبعين وثلثمائة، فتولاها ابْنه أَبُو الْفتُوح يُوسُف بن عبد اللَّهِ فَأحْسن وَاسْتمرّ.
وَمَات الْعَزِيز بِمصْر، وَتَوَلَّى الْحَاكِم واستوزر ابْن عَم يُوسُف حسن حسن بن عمار بن عَليّ.
وَفِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلثمائة فلج يُوسُف الْمَذْكُور فتولاها فِي حَيَاته ابْنه جَعْفَر بسجل من الْحَاكِم لقب فِيهِ تَاج الدولة، ثمَّ ظلّ فَخَرجُوا عَن طَاعَته وحصروه فِي الْقصر، فَخرج وَالِده مفلوجا إِلَيْهِم فِي محفة ورد النَّاس وعزل جعفرا وَولى أَخَاهُ تأييد الدولة أَحْمد الأكحل بن يُوسُف فِي الْمحرم سنة عشر وَأَرْبَعمِائَة وَبَقِي الأكحل حَتَّى خرج عَلَيْهِ أهل صقلية وقتلوه فِي سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وولوا أَخَاهُ صمصام الدولة الْحسن، فَاخْتلف فِي أَيَّامه أهل الجزيرة وتغلبت الْخَوَارِج عَلَيْهِ وَجرى للفرنج مَا سَيذكرُ إِن شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى.
قلت: وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ عدا أَسد بِأَرْض الشَّام لم يسمع بِمثلِهِ كَانَ يفترس فِي بلد أنطاكية وَأَرْض حمص فِي لَيْلَة وَاحِدَة حَتَّى ظن النَّاس أَن الْأسد كلهَا عدت، ووثب على مباحي فَدس إصبعه فِي عين الْأسد فقلعها وَسلم مِنْهُ وَكَانَ يحدث بذلك فيكذب، فَلَمَّا قتلته الأكراد وجد أَعور، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة: فِيهَا ملك معز الدولة الْموصل وَسَار عَنْهَا نَاصِر الدولة إِلَى نَصِيبين، ثمَّ تحرّك عَسْكَر خُرَاسَان على بِلَاد معز الدولة فَرَحل وَأعَاد إِلَى الْموصل نَاصِر الدولة.
قلت: وَلما جرى ذَلِك سَار سيف الدولة بن حمدَان إِلَى أَخِيه نَاصِر الدولة، وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو الطّيب المتنبي:
(أَعلَى الممالك مَا يَبْنِي على الأسل ... والظعن عِنْد محبيهن كالقبل)
وفيهَا: ملك سيف الدولة حصن برزيه فأنشده المتنبي عِنْد نُزُوله بأنطاكية:
(وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بِأَن تسعدا والدمع أشفاه ساحمه)
وَهَذَا الْبَيْت مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه صعبان وَالله أعلم.
стр. 272
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلثمائة: فِيهَا احْتَرَقَ حصن أفاميه وَكَانَ بيد المغاربة وَضعف فنازله الدوقس فِي ثَلَاثِينَ ألفا وحاصره سَبْعَة أشهر وأشرف على أَخذه فَدفعهُ عَنهُ صمصامة وَالِي دمشق من جِهَة المغاربة فاتفقوا فَقتل الدوقس وَقتل من عسكره اربعة عشر ألفا وَأسر مِنْهُم خلق وكسروا بعد أَن ظَهَرُوا وَالله أعلم.
وفيهَا: مَاتَ عماد الدولة أَبُو الْحسن عَليّ بن بويه بشيراز بقرحة الكلى وتوالي الأسقام، وَجعل ابْن أَخِيه ولي عَهده على فَارس وَهُوَ فناخسرو عضد الدولة بن ركن الدولة وَحكمه وَهُوَ حَيّ.
وَلما مَاتَ عماد الدولة اخْتلف عَسْكَر فَارس على عضد الدولة، فجَاء أَبوهُ ركن الدولة من الرّيّ وَمر بشيراز فزار قبر أَخِيه عماد الدولة بإصطخر حافيا حاسرا وَعَسْكَره كَذَلِك وَلزِمَ الْقَبْر ثَلَاثًا، ثمَّ وصل وَقرر قَوَاعِد ابْنه. وَكَانَ عماد الدولة أَمِير الْأُمَرَاء ثمَّ بعده صَار ركن الدولة أَمِير الْأُمَرَاء.
وفيهَا: مَاتَ المستكفي المخلوع أعمى مَحْبُوسًا.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة: قلت فِيهَا خرج بسيل ملك الرّوم فَنزل على أفامية وَجمع عِظَام الْقَتْلَى وَصلى عَلَيْهِم ودفنهم، وَفتح شيزر بالأمان لقلَّة رجالها.
وفيهَا: جَاءَ ثلج وجليد لم ير مثله حَتَّى جمد الْفُرَات وَمَشوا عَلَيْهِ وَكَانَت الْقُدُور على النَّار يجمد أَعْلَاهَا ويبس شجر الزَّيْتُون بالمعرة وَكفر طَابَ وَالله أعلم.
وفيهَا: مَاتَ مُحَمَّد الصَّيْمَرِيّ وَزِير معز الدولة، فاستوزر أَبَا مُحَمَّد الْحسن المهلبي.
وفيهَا: غزا سيف الدولة الرّوم فأوغل وفتك وغنم وَأخذت الرّوم عَلَيْهِ المضايق فِي عوده فَهَلَك غَالب عسكره وَمَا مَعَه وَنَجَا فِي عدد يسير.
وفيهَا: أعَاد القرامطة الْحجر الْأسود إِلَى مَكَّة، أَخَذُوهُ سنة سبع عشرَة وثلثمائة فمكثه عِنْدهم اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة.
قلت: وَلما أَخَذُوهُ ونقلوه هلك تَحْتَهُ جمال كَثِيرَة، وَلما أعادوه حمله بعير لطيف فَسلم وَهَذَا من آيَات هَذَا الْحجر الشريف، وَقبل إِعَادَته علقوه بِجَامِع الْكُوفَة ليراه النَّاس وَالله أعلم.
وفيهَا توفّي أَبُو نصر مُحَمَّد بن طرخان الفارابي الفيلسوف التركي اشْتغل على أبي بشر مَتى بن يُونُس الْحَكِيم، ثمَّ اشْتغل بحران على أبي حنا الْحَكِيم النَّصْرَانِي، ثمَّ أتقن بِبَغْدَاد الفلسفة والموسيقى وَجل كتب أرسطو وَألف بِبَغْدَاد مُعظم تصانيفه، ثمَّ دخل مصر ثمَّ دمشق وَأقَام بهَا أَيَّام سيف الدولة بن حمدَان فَأكْرمه وَكَانَ على زِيّ الأتراك، وَحضر يَوْمًا بِدِمَشْق عِنْد سيف الدولة وَعِنْده فضلاؤها فَمَا زَالَ كَلَام الفارابي يَعْلُو وَكَلَامهم يسفل حَتَّى صمتوا ثمَّ أخذُوا يَكْتُبُونَ مَا يَقُول، وَكَانَ لَا يُجَالس النَّاس، وَمُدَّة مقَامه بِدِمَشْق أما عِنْد
стр. 273
مُجْتَمع مَاء أَو مشتبك رياض، أجْرى سيف الدولة عَلَيْهِ كل يَوْم أَرْبَعَة دَرَاهِم فاقتصر عَلَيْهَا، وَتُوفِّي بِدِمَشْق وَقد ناهز الثَّمَانِينَ وَدفن خَارج بَاب الصَّغِير.
وفيهَا: مَاتَ الزجاجي النَّحْوِيّ أَبُو بالقاسم عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق صحب إِبْرَاهِيم بن السّري الزّجاج فنسب إِلَيْهِ، وصنف الْجمل.
ثمَّ دخلت سنة أَرْبَعِينَ وثلثمائة: فِيهَا توفّي عبد اللَّهِ بن الْحُسَيْن الْكَرْخِي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ المعتزلي العابد، ومولده سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ.
وفيهَا: توفّي أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن إِسْحَاق الْمروزِي الشَّافِعِي انْتَهَت إِلَيْهِ الرياسة بالعراق بعد ابْن سريح وصنف كثيرا وَشرح مُخْتَصر الْمُزنِيّ.
قلت: وفيهَا توفّي يماك التركي غُلَام سيف الدولة وَكَانَ مقدم مماليكه وَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف مَمْلُوك شِرَاء مَال، ورثاه المتنبي بقوله:
(لَا يحزن اللَّهِ الْأَمِير فإنني ... لآخذ من حالاته بِنَصِيب)
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلثمائة: فِيهَا سَار يُوسُف بن وجيه صَاحب عمان فِي الْبَحْر وَالْبر إِلَى الْبَصْرَة وحصرها وساعده القرامطة، ثمَّ أدركهم المهلبي وَزِير معز الدولة بالعساكر فرحلوا عَنْهَا.
وفيهَا: توفّي الْمَنْصُور بِاللَّه الْعلوِي أَبُو طَاهِر إِسْمَاعِيل بن الْقَائِم بِاللَّه أبي الْقَاسِم مُحَمَّد بن الْمهْدي عبيد اللَّهِ سلخ شَوَّال وخلافته سبع سِنِين وَسِتَّة عشر يَوْمًا وعمره تسع وَثَلَاثُونَ سنة، وَكَانَ خَطِيبًا بليغا يخترع الْخطْبَة لوقته، وعهد إِلَى ابْنه أبي تَمِيم بعده بِولَايَة الْعَهْد وَهُوَ الْمعز لدين اللَّهِ فبويع يَوْم مَاتَ أَبوهُ فِي سلخ شَوَّال مِنْهَا، وَعمر الْمعز إِذْ ذَاك أَربع وَعِشْرُونَ سنة.
وفيهَا: ملك الرّوم سروج وَسبوا وغنموا وخربوا الْمَسَاجِد.
قلت: وتيع سيف الدولة الرّوم وبلغهم ذَلِك فَوَلوا رَاجِعين فَبنى حِينَئِذٍ مرعش، فَقَالَ المتنبي:
(فَدَيْنَاك من ربع وَإِن زدتنا كربا ... فَإنَّك كنت الشرق للشمس والغربا)
وَمِنْهَا:
(سراياك تترى والدمستق هارب ... وَأَصْحَابه قَتْلَى وأمواله نهبا)
(أَتَى مرعشا يستقرب الْبعد مُقبلا ... فَأَدْبَرَ إِذْ أَقبلت يستبعد القربا)
وَمِنْهَا:
(كفى عجبا أَن يعجب النَّاس أَنه ... بنى مرعشا تَبًّا لآرائهم تَبًّا)
(وَمَا الْفرق مَا بَين الْأَنَام وَبَينه ... إِذْ حذر الْمَحْذُور واستصعب الصعبا)
وَالله أعلم.
стр. 274
وفيهَا: توفّي أَبُو عَليّ إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الصفار النَّحْوِيّ الْمُحدث من أَصْحَاب الْمبرد ثِقَة، مولده سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ.
ثمَّ دخلت سنة اثنيتين وَأَرْبَعين وثلثمائة: قلت فِيهَا أنْشد المتنبي بَين يَدي سيف الدولة قصيدته الَّتِي أَولهَا:
(لكل امرىء من دهره مَا تعودا ... وَعَاد سيف الدولة الطعْن فِي العدا)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وثلثمائة: فِيهَا مَاتَ الْأَمِير نوح الحميد بن نصر بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل الساماني فِي ربيع الآخر، وَتَوَلَّى سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثلثمائة فَأحْسن وكرمت أخلاقه، وَملك بعده ابْنه عبد الْملك.
وفيهَا: غزا سيف الدولة الرّوم فجرت بَينهم وقْعَة عَظِيمَة وَنصر سيف الدولة وغنم وَقتل.
قلت: أسر سيف الدولة فِي هَذِه الْوَقْعَة قسطنطين ولد الدمستق وَحمله الإبريق إِلَى بَيت المَاء وَكَانَ امرد فَخرج فَوَجَدَهُ قَائِما يبكي واعتل عِنْده فَمَاتَ، فَكتب إِلَى أَبِيه يُخبرهُ أَنه المسوح، فَقَالَ أَبُو الطّيب:
(فَلَو كَانَ يُنجي من عَليّ ترهب ... ترهبت الْأَمْلَاك مثنى وموحدا)
وفيهَا: بنى سيف الدولة الْحَدث.
وفيهَا: توفّي أَبُو عَمْرو الزَّاهِد مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بِبَغْدَاد، وَحدث أَبُو الْعَلَاء المعري أَن البغداديين حدثوه بهَا أَنه لما عبرت السّنة بِأبي عَمْرو ﵀ فِي الكرخ وهم شيعَة بَغْدَاد وَحَوله التَّكْبِير والتهليل، قَالَ قَائِل: هَذَا وَالله لَا كمن دفنت لَيْلًا يَعْنِي فَاطِمَة ﵍، فثار أهل الكرخ وَقتل بَينهم جمَاعَة وَطرح أَبُو عَمْرو عَن النعش وجرح جراحا كَثِيرَة، وَالله أعلم.
وفيهَا: أرسل معز الدولة سبكتكين فِي جَيش إِلَى شهرزور فَعَاد وَلم يفتحها.
وفيهَا: مَاتَ مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بِابْن النَّحْوِيّ الْفَقِيه، وَمُحَمّد بن الْقَاسِم الْكَرْخِي.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَأَرْبَعين وثلثمائة: فِيهَا مَاتَ أَبُو عَليّ بن الْمُحْتَاج صَاحب جيوش خُرَاسَان بعد أَن عَزله نوح عَنْهَا، فَخرج عَن طَاعَة نوح وَلحق بِرُكْن الدولة بن بويه وَمَات فِي خدمته.
стр. 275
وفيهَا: أنشأ عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْأمَوِي مركبا عَظِيما فِيهِ تِجَارَة إِلَى الْمشرق فلقي مركبا فِيهِ رَسُول من صقلية إِلَى الْمعز الْعلوِي وَمَعَهُ مكاتبات فَأَخذهُم بِمَا مَعَهم؛ وَبلغ ذَلِك الْمعز فَجهز أسطولا إِلَى الأندلس وَاسْتعْمل عَلَيْهِ الْحسن بن عَليّ عَامله على صقلية، فوصلوا إِلَى المرية وأحرقوا كل مَا فِي ميناها من المراكب وَأخذُوا ذَلِك الْمركب الْعَظِيم الْمَذْكُور بعد عوده من الْإِسْكَنْدَر ية وَفِيه جواري مغنيات وأمتعه لعبد الرَّحْمَن، وَظهر أسطول الْمعز إِلَى الْبر فَقتلُوا ونهبوا وَرَجَعُوا إِلَى المهدية، فَجهز عبد الرَّحْمَن أسطولا إِلَى بِلَاد إفريقية فوصلوها، فقصدهم عَسَاكِر الْمعز فَرَجَعُوا إِلَى الأندلس بعد قتال.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَأَرْبَعين وثلثمائة: فِيهَا سَار سيف الدولة إِلَى الرّوم فسبى وَفتح حصونا، وَعَاد إِلَى أدنة ثمَّ إِلَى حلب.
قلت: فأنشده المتنبي قصيدته الَّتِي أَولهَا:
(الرَّأْي قبل شجاعة الشجعان ... هُوَ أول وَهِي الْمحل الثَّانِي)
قَالَ ابْن جني: هَذَا الْبَيْت وَحده لَو كَانَ فِي شعر شَاعِر لجمله كُله.
وَمِنْهَا:
(لَوْلَا الْعُقُول لَكَانَ أدنى ضيغم ... أدنى إِلَى شرف من الْإِنْسَان)
وَمِنْهَا:
(لَوْلَا سمي سيوفه ومضاؤه ... لما سللن لَكِن كالأجفان)
(مَا زلت تضربهم درا كَافِي الذري ... ضربا كَأَن السَّيْف فِيهِ اثْنَان)
(فرموا بِمَا يرْمونَ عَنهُ وأدبروا ... يطأون كل حنينة مرنان)
(يَغْشَاهُم مطر السَّحَاب مفصلا ... بمهند ومثقف وَسنَان)
(يَا من يقتل من أَرَادَ بِسَيْفِهِ ... أَصبَحت من قتلاك بِالْإِحْسَانِ)
(فَإِذا رَأَيْتُك حاد دُونك ناظري ... وَإِذا مدحتك حَار فِيك لساني)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الزَّاهِد غُلَام ثَعْلَب الْمَعْرُوف بالمطرز لغَوِيّ مكثر صحب ثعلبا زَمَانا فَعرف بِهِ، كَانَ مضيقا عَلَيْهِ لاشتغاله بِالْعلمِ عَن الْكسْب كَانَ يلقِي تصانيفه من حفظه وأملى فِي اللُّغَة ثَلَاثِينَ ألف ورقة.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَأَرْبَعين وثلثمائة: فِيهَا مَاتَ السلار بن الْمَرْزُبَان صَاحب أذربيجان، وَملك بعده ابْنه خستان فأوقع وهسودان عَم خستان بَين أَوْلَاد أَخِيه وتقاتلوا فَبلغ مُرَاده.
وفيهَا: نقص الْبَحْر ثَمَانِينَ باعا فَظهر فِيهِ جزائر وجبال.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يَعْقُوب الْأمَوِي النَّيْسَابُورِي الْمَعْرُوف بالأصم عالي الْإِسْنَاد صحب الرّبيع بن سُلَيْمَان.
стр. 276
ثمَّ دخلت سنة سبع وَأَرْبَعين وثلثمائة: فِيهَا صَار أَبُو الْحسن جَوْهَر عبد الْمعز فِي رُتْبَة الوزارة وَسَار بِجَيْش كثيف إِلَى أقاصي الْمغرب، فَسَار إِلَى تاهرت ثمَّ إِلَى فاس فأغلق أَحْمد ابْن بكر أَبْوَابهَا فَلم يقدر جَوْهَر عَلَيْهَا وَمضى حَتَّى انْتهى إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط، ثمَّ عَاد وَفتح فاس عنْوَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلثمائة وكا مَعَه زيزى بن مُنَاد الصنهاجي شَرِيكه فِي الإمرة.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْحسن عَليّ بن البوشنجي الصُّوفِي الْمَشْهُور بنيسابور.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْحسن مُحَمَّد ولد القَاضِي أَبُو الشَّوَارِب، وَأَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن عَليّ النَّيْسَابُورِي، وَأَبُو مُحَمَّد عبد اللَّهِ الْفَارِسِي النَّحْوِيّ أَخذ عَن الْمبرد.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلثمائة: فِيهَا توفّي أَبُو بكر بن سُلَيْمَان الْحَنْبَلِيّ النجاد وعمره خمس وَتسْعُونَ، وجعفر بن مُحَمَّد الْخُلْدِيِّ الصُّوفِي من أَصْحَاب الْجُنَيْد.
وفيهَا: انْقَطع الْقطر وغلا السّعر فِي كثير من الْبِلَاد.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعين وثلثمائة: فِيهَا صَالح أَوْلَاد الْمَرْزُبَان عمهم وهسوذان فغدر بهم وَقتل خستان وناصرا ابْني أَخِيه وأمهما.
وفيهَا: غزا سيف الدولة الرّوم فَفتح وأحرق وغنم وَبلغ إِلَى خرشنه فَأخذُوا فِي عوده عَلَيْهِ المضايق واستردوا الْغَنِيمَة وَأخذُوا أثقاله وَقتلُوا، وتخلص سيف الدولة فِي ثلثمِائة نفس وَكَانَ معجبا بِرَأْيهِ لَا يقبل المشورة.
قلت: وَفِي ذَلِك يَقُول المتنبي فِيمَا أَظن:
(غَيْرِي بِأَكْثَرَ هَذَا النَّاس ينخدع ... إِن قَاتلُوا جبنوا أَو حدثوا شجعوا)
وَمِنْهَا:
(قل للدمستق إِن الْمُسلمين لكم ... خانوا الْأَمِير فجازاهم بِمَا صَنَعُوا)
(لَا تحسبوا من أسرتم كَانَ ذَا رَمق ... فَلَيْسَ يَأْكُل إِلَّا الْمَيِّت الضبع)
وَالله أعلم.
وفيهَا: أسلم من الأتراك نَحْو مِائَتي ألف خركاه.
وفيهَا: أَخذ السَّيْل حجاج مصر وأثقالهم فِي اللَّيْل فِي عدوهم فألقاهم فِي الْبَحْر.
وفيهَا: أَو قَرِيبا مِنْهَا: توفّي أَبُو الْحسن التيناتي نِسْبَة إِلَى التينات وعمره مائَة وَعِشْرُونَ سنة، وَله كرامات.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو جور بن الأخشيد وَولي أَخُوهُ مَكَانَهُ مصر.
ثمَّ دخلت سنة خمسين وثلثمائة: فِيهَا فِي حادي عشر شَوَّال تقطر بِعَبْد الْملك بن نوح الساماني فرسه فَمَاتَ، فافتتنت خُرَاسَان بعده ووليها أَخُوهُ مَنْصُور.
قلت: كَذَا صَوَابه تقطر بِهِ الْفرس بِلَا نون وَالله أعلم.
стр. 277
وفيهَا: توفّي عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْأمَوِي صَاحب الأندلس وإمارته خَمْسُونَ سنة وَنصف وعمره ثَلَاث وَسَبْعُونَ، أول من تلقب من الأمويين بالأندلس بألقاب الْخُلَفَاء فتسمى أَمِير الْمُؤمنِينَ لضعف خلائف الْعرَاق وخوطبوا قبله بالأمير وَأَبْنَاء الخلائف، وَأمه مزنة أم ولد وَولي بعد ابْنه الحكم الْمُنْتَصر. وَترك عبد الرَّحْمَن أحد عشر ابْنا.
وفيهَا: ولي قَضَاء قُضَاة بَغْدَاد أَبُو الْعَبَّاس عبد اللَّهِ بن الْحُسَيْن بن أبي الشَّوَارِب وَالْتزم أَن يُؤَدِّي كل سنة مِائَتي ألف دِرْهَم، وَهُوَ أول من ضمن الْقَضَاء وَذَلِكَ فِي أَيَّام معز الدولة بن بويه، ثمَّ ضمنت الْحِسْبَة والشرطة.
قلت: وَقَالَ بعض النَّاس فِي ذَلِك:
(مذل الدولة ابْن بويه يقْضِي ... لَهُ ابْن أبي الشَّوَارِب بِالضَّمَانِ)
(تصرم ملك ذَا وَقَضَاء هَذَا ... وَصَارَت سنة طول الزَّمَان)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو شُجَاع فاتك كَانَ روميا أَخذه الأخشيد من سَيّده بالرملة فارتفع وَهُوَ رَقِيق كافور فَلَمَّا مَاتَ الأخشيد وَصَارَ كافور أتابك ابْنه أنف فاتك من ذَلِك وانتقل إِلَى الفيوم إقطاعه، ووخم فَعَاد إِلَى مصر، وَكَانَ كافور يخافه ويخدمه ومدحه المتنبي بِإِذن كافور بقصيدته الَّتِي أَولهَا:
(لَا خيل عنْدك تهديها وَلَا مَال ... فليسعد النُّطْق إِن لم يسْعد الْحَال)
(كفاتك وَدخُول الْكَاف منقصة ... كَالشَّمْسِ قلت وَمَا للشمس أَمْثَال)
وَلما توفّي فاتك رثاه المتنبي بقصيدته الَّتِي أَولهَا:
(الْحزن يقلق والتجمل يردع ... والدمع بَينهمَا عصي طيع)
وَمِنْهَا:
(إِنِّي لأجبن من فِرَاق أحبتي ... وتحس نَفسِي بالحمام فأشجع)
(تصفو الْحَيَاة لجَاهِل أَو غافل ... عَمَّا مضى مِنْهَا وَمَا يتَوَقَّع)
(وَلمن يغالط فِي الْحَقِيقَة نَفسه ... ويسومها طلب الْمحَال فتطمع)
(أَيْن الَّذِي الهرمان من بُنْيَانه ... مَا قومه مَا يَوْمه مَا المصرع)
(تتخلف الْآثَار عَن أَصْحَابهَا ... حينا ويدركها الفناء فتتبع)
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا ملك الدمستق عين زربة بالأمان فَقتلُوا وأطلقوا الْأَكْثَر.
وفيهَا: استولت الرّوم على حلب دون قلعتها وعَلى الحواضر وحصروا الْمَدِينَة وثلموا السُّور، وَقَاتل أَهلهَا الرّوم أَشد قتال فَتَأَخر الرّوم إِلَى جبل جوشن ثمَّ وَقع بَين أهل الْبَلَد نهب فَلم يبْق على السُّور اُحْدُ فهجم الرّوم الْبَلَد وفتحوا أبوابه وأطلقوا السَّيْف وَسبوا بضعَة عشر ألف صبي وصبية وغنموا مَا لَا يُوصف وأحرقوا مَا بَقِي لعجزهم عَن حمله، وَأقَام
стр. 278
الملعون تِسْعَة أَيَّام وَعَاد وَلم ينهب قرى حلب وَأمرهمْ بالزراعة ليعادو من قَابل فِي زَعمه، وَمَا علم بِهِ يُوسُف الدولة إِلَّا عِنْد وُصُوله فَمَا تمكن من الْجمع وَخرج فِيمَن مَعَه وَقَاتل الدمستق قبل هجم الْبَلَد فَقتل غَالب أَصْحَاب سيف الدولة وَانْهَزَمَ سيف الدولة، وظفر الدمستق بداره وَهِي خَارج الْبَلَد تسمى الدَّاريْنِ فَأخذ مِنْهَا ثلثمِائة بدرة وألفا وَأَرْبَعمِائَة بغل وَمن السِّلَاح مَا لَا يُحْصى، ثمَّ كَانَ هجم الْبَلَد بعد ذَلِك.
وفيهَا: استولى ركن الدولة بن بويه على طبرستان وجرجان.
وفيهَا: فتح الْمُسلمُونَ طبرمين وَهِي أمنع الْحُصُون بعد حِصَار سَبْعَة أشهر وَنصف.
وفيهَا: فتحت الرّوم حصن دلوك بِالسَّيْفِ، وَثَلَاث حصون مجاورة لَهُ.
وفيهَا: فِي شَوَّال أسرت الرّوم أَبَا فراس الْحَارِث بن سعيد بن حمدَان من منبج وَكَانَ مُتَقَلِّدًا لَهَا.
وفيهَا: توفّي أَبُو بكر مُحَمَّد بن حسن النقاش الْموصِلِي صَاحب كتاب شِفَاء الصُّدُور.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا توفّي الْوَزير المهلبي أَبُو مُحَمَّد وزارته ثَلَاث عشرَة سنة وَثَلَاثَة أشهر، وَكَانَ كَرِيمًا عَاقِلا ذَا فضل.
وفيهَا: فِي عَاشر الْمحرم أَمر معز الدولة بالنياحة واللطم وَنشر شُعُور النِّسَاء وتسويد وجوههن على الْحُسَيْن ﵁، وعجزت السّنة عَن منع ذَلِك لكَون السُّلْطَان مَعَ الشِّيعَة.
وفيهَا: عزل ابْن أبي الشَّوَارِب عَن الْقَضَاء وأبطل ضَمَانه.
وفيهَا: قتل الرّوم ملكهم وملكوا غَيره، وَصَارَ ابْن شمشقيق دمستقا. وفيهَا: فِي ثامن ذِي الْحجَّة أَمر معز الدولة بِإِظْهَار الزِّينَة لعيد غَدِير خم.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا استولى معز الدولة على الْموصل ونصيبين وهرب مِنْهُ نَاصِر الدولة، ثمَّ اتفقَا وَضمن مِنْهُ الْموصل.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا حاصر تقفور ملك الرّوم المصيصة وَفتحهَا عنْوَة بِالسَّيْفِ يَوْم السبت ثَالِث عشر رَجَب، ثمَّ رفع السَّيْف عَمَّن بَقِي من الْمُسلمين ونقلهم إِلَى الرّوم وَكَانُوا نَحْو مِائَتي الف، ثمَّ أَمن أهل طرسوس.
قلت: وَكَانَ فِيهَا اربعون ألف فَارس وطلع تقفور على مِنْبَر طرسوس فَقَالَ لمن حوله: أَيْن أَنا؟ فَقَالُوا: أَيهَا الْملك على مِنْبَر طرسوس، فَقَالَ: لَا وَلَكِنِّي على مِنْبَر بَيت الْمُقَدّس وَهَذِه كَانَت تمنعكم من ذَلِك، وَجمع مصاحف الْجَامِع وَكَانَت ألف مصحف فِي الْمِحْرَاب وطين عَلَيْهَا وَالله أعلم، وَسَار أَهلهَا عَنْهَا فِي الْبر وَالْبَحْر وجهز مَعَهم من يحيمهم إِلَى أنطاكية.
قلت: ولقيهم أهل أنطاكية بالبكاء والنحيت وَكَانَ فِي أول أهل طرسوس رجل مِنْهُم
стр. 279
يقْرَأ: ﴿أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا وَأَن اللَّهِ على نَصرهم لقدير. الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ بِغَيْر حق إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبنَا اللَّهِ﴾ . وَجعل جَامع طرسوس إصطبلا وأحرق الْمِنْبَر وحصن طرسوس، وتراجع بعض أَهلهَا وَتَنصر بَعضهم، ثمَّ عَاد اللعين إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة.
وفيهَا: أطَاع أهل أنطاكية المقدمين الَّذين حَضَرُوا من طرطوس وخالفوا سيف الدولة وَاسم الْمُقدم الَّذِي أطاعوه رَشِيق، فَسَار إِلَى جِهَة حلب وَقَاتل عَامل سيف الدولة قرعويه، وَكَانَ سيف الدولة بميافرقين فَأرْسل سيف الدولة عسكرا مَعَ خادمه بِشَارَة وقاتلا رشيقا فَقتل رَشِيق وهرب أَصْحَابه إِلَى أنطاكية.
قلت: وَلما عَاد سيف الدولة اجْتمع حربه ابْن الْأَهْوَازِي ودزير الديلمي الَّذِي قَامَ مقَام رَشِيق فَقتل دزير وَابْن الْأَهْوَازِي وَقتل من ولاتهما وقضاتهما وشيوخهما خلقا، وَالله أعلم.
وفيهَا: قتل أَبُو الطّيب المتنبي قَتله الْأَعْرَاب وَأخذُوا مَا مَعَه، وَهُوَ أَحْمد بن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عبد الصَّمد الْكِنْدِيّ، ومولده سنة ثَلَاث وثلثمائة بِالْكُوفَةِ بمحلة تسمى كِنْدَة فنسب إِلَيْهَا لَا إِلَى الْقَبِيلَة فَإِنَّهُ جعفي الْقَبِيلَة - بِضَم الْجِيم -، وَقيل: كَانَ أَبوهُ سقاء بِالْكُوفَةِ، وَفِيه يَقُول بَعضهم:
(أَي فضل لشاعر يطْلب الْفضل ... من النَّاس بكرَة وعشيا)
(عَاشَ حينا يَبِيع فِي الْكُوفَة ... المَاء وحينا يَبِيع مَاء الْمحيا)
كَانَ مطلعا على اللُّغَة لَا يسْأَل عَن شَيْء إِلَّا اسْتشْهد فِيهِ بِكَلَام الْعَرَب حَتَّى أَن أَبَا عَليّ الْفَارِسِي قَالَ لَهُ: كم لنا من الجموع على وزن فعلى؟ فَقَالَ فِي الْحَال: حجلى وظربى، قَالَ أَبُو عَليّ: فطالعت كتب اللُّغَة ثَلَاث لَيَال فَلم أجد لَهما ثَالِثا، وحسبك بِمن يَقُول فِيهِ أَبُو عَليّ هَذَا.
قلت: وحجلى جمع حجل وَهُوَ القبج، والظربي جمع ظربان بِوَزْن قطران دويبة مُنْتِنَة الرَّائِحَة، وَالله أعلم.
وشعره هُوَ النِّهَايَة ورزق فِيهِ السَّعَادَة قيل: إِنَّه ادّعى النُّبُوَّة فِي بَريَّة السماوة وَتَبعهُ خلق من بني كلب وَغَيرهم فَخرج إِلَيْهِ لُؤْلُؤ نَائِب الأخشيدية بحمص فَأسرهُ وتفرق أَصْحَابه وحبسه طَويلا، ثمَّ استتابه وَأطْلقهُ فالتحق بِسيف الدولة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة، ثمَّ فَارقه إِلَى مصر سنة سِتّ وَأَرْبَعين فمدح كافورا الأخشيد، ثمَّ هجاه وفارقه سنة خمسين وَقصد عضد الدولة بِفَارِس ومدحه، ثمَّ قصد الْكُوفَة فَقتل بِقرب النعمانية من الْجَانِب الغربي من سَواد بغدا عِنْد دير العاقول.
قلت: وَلما رأى المتنبي الْغَلَبَة من الْأَعْرَاب فر فَذكره غُلَامه بقوله:
(الْخَيل وَاللَّيْل والبيداء تعرفنِي ... والطعن وَالضَّرْب والقرطاس والقلم)
فكر رَاجعا حَتَّى قتل.
стр. 280
وروى الْكِنْدِيّ لَهُ بَيْتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيح وليسا فِي ديوانه وهما:
(أَرْبَعِينَ مفتقر إِلَيْك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق)
(لست الملوم أَنا الملوم لأنني ... أنزلت آمالي بِغَيْر الْخَالِق)
وفيهَا: توفّي أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن حَاتِم بن حبَان - بِالْبَاء الْمُوَحدَة وحاؤه مَكْسُورَة - البستي صَاحب التصانيف.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا وصلت الرّوم إِلَى آمد وحصروها، ثمَّ انصرفوا وقاربوا نَصِيبين، ثمَّ سَارُوا ونازلوا أنطاكية طَويلا، ثمَّ رحلوا إِلَى طرطوس.
وفيهَا: وَقع بَين سيف الدولة وَبَين الرّوم الْفِدَاء، فخلص أَبَا فراس ابْن عَمه وَغَيره قلت: سَار سيف الدولة بالبطارقة الَّذين فِي أسره إِلَى الْفِدَاء ففداهم أَبَا فراس ابْن عَمه وَغُلَامه وروطاس وَجَمَاعَة من أكَابِر الحلبيين والحمصيين، وَلما لم يبْق مَعَه من أسرى الرّوم أحد اشْترى البَاقِينَ كل نفس بِاثْنَيْنِ وَسبعين دِينَارا حَتَّى نفذا مَا مَعَه من المَال فَاشْترى البَاقِينَ وَرهن عَلَيْهِم بدنته الْجَوْهَر المعدومة الْمثل، ثمَّ لما لم يبْق أحد من أسرى الْمُسلمين كَاتب تقفور ملك الرّوم على الصُّلْح وَهَذِه من محَاسِن سيف الدولة.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا سَار معز الدولة إِلَى وَاسِط وجهز الجيوش إِلَى محاربة عمرَان بن شاهين صَاحب البطيحة وَانْطَلق بَطْنه فَترك الْعَسْكَر يُقَاتلُون وَعَاد إِلَى بَغْدَاد، فتزايد مَرضه فعهد إِلَى ابْنه بختيار ولقبه عز الدولة وَتَابَ وَتصدق بِأَكْثَرَ مَاله وَأعْتق مماليكه، وَتُوفِّي معز الدولة بِبَغْدَاد فِي ثَالِث عشر ربيع الأول مِنْهَا وَدفن بِبَاب التِّين فِي مَقَابِر قُرَيْش وإمارته إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وَأحد عشر شهرا، فاستقر عز الدولة فِي الْإِمَارَة وَكتب إِلَى الْعَسْكَر فصالحوا عمرَان بن شاهين وعادوا.
وَكَانَت يَد معز الدولة قد قطعت قبل بكرمان فِي حَرْب، وَهُوَ الَّذِي أنشأ السَّعَادَة بِبَغْدَاد لإعلام أَخِيه ركن الدولة بالأحوال سَرِيعا فَنَشَأَ فِي أَيَّامه فضل ومرعوش، وفافا السَّعَادَة فَكَانَ يسير أَحدهمَا فِي الْيَوْم نيفا وَأَرْبَعين فرسخا وَكَانَ أَحدهمَا ساعي السّنة وَالْآخر ساعي الشِّيعَة.
وأساء بختيار السِّيرَة وَلعب وعاشر النِّسَاء وَنفى كبار الديلم شَرها فِي أقطاعهم.
وفيهَا: قبض ابْن نَاصِر الدولة أَبُو تغلب على أَبِيه لكبره وَسُوء أخلاقه وتضييقه على أَوْلَاده وَأَصْحَابه ووكل بِهِ من يَخْدمه، وَخَالفهُ بعض إخْوَته فَاحْتَاجَ إِلَى مداراة بختيار ليعضده فضمن مِنْهُ الْبِلَاد بِأَلف ألف ومائتي ألف دِرْهَم.
وفيهَا: مَاتَ وشمكير بن زيار أَخُو مرداويج حمل عَلَيْهِ فِي الصَّيْد خِنْزِير مَجْرُوح فَقَامَتْ بِهِ فرسه فَسقط فَمَاتَ، فَقَامَ بِالْأَمر ابْنه بيستون. وَقيل: مَاتَ سنة سبع وَخمسين فِي الْمحرم.
стр. 281
وفيهَا: مَاتَ كافور الأخشيدي الْخصي الْأسود من موَالِي مُحَمَّد بن طغج صَاحب مصر وَاسْتولى على مصر ودمشق بعد موت أَوْلَاد الأخشيد فَإِنَّهُ ملك بعد الأخشيد ابْنه أنوجور وَالْأَمر إِلَى كافور ثمَّ ابْنه الآخر عَليّ، وَتُوفِّي صَغِيرا سنة خمس وَخمسين وثلثمائة فاستقل كافور بالمملكة، كَانَ شَدِيد السوَاد اشْتَرَاهُ الأخشيد بِثمَانِيَة عشر دِينَارا. قَالَ المتنبي: كنت أَدخل على كافور أنْشدهُ وَهُوَ يضْحك إِلَى أَن أنشدته:
(وَلما صَار ود النَّاس خبا ... جزيت على ابتسام بابتسام)
(وصرت أَشك فِيمَن أصطفيه ... لعلمي أَنه بعض الْأَنَام)
قَالَ: فَمَا ضحك بعْدهَا فِي وَجْهي، فعجبت من فطنته. وقبره بالقرافة الصُّغْرَى.
قلت: وَفِي تَارِيخ ابْن الْمُهَذّب المعري أَن كافورا توفّي بِمصْر وَحمل إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَالله أعلم.
وَكَانَ يدعى لَهُ على المنابر بِمَكَّة والحجاز جَمِيعه والديار المصرية وَالشَّام، وعمره خمس وَسِتُّونَ تَقْرِيبًا، وَولي بعده أَبُو الفوارس أَحْمد بن عَليّ بن الأخشيد وخطب لَهُ فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع وَخمسين وثلثمائة.
قلت: وَفِي تَارِيخ ابْن الْمُهَذّب إِنَّه تولى مصر بعد وَفَاة كافور نحرير الأخشيدي، وزحف إِلَيْهِ الْقَائِد جَوْهَر فِي عَسَاكِر الْمعز وطالت الحروب بَينهم وَقتل هَذَا نحريرا الأخشيدي سنة ثَمَان وَخمسين وثلثمائة، وولوا بعده من الاخشيدية رجلا اسْمه تبر فغلبه جَوْهَر المغربي وَدخل مصر وملكها وَأقَام بهَا بَقِيَّة سنة ثَمَان وَخمسين وتسع وَخمسين قبل مَجِيء الْمعز، وَالله أعلم.
وفيهَا: مَاتَ سيف الدولة أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن حمدَان بن حمدون الثَّعْلَبِيّ الربعِي بحلب فِي صفر وَنقل تابوته إِلَى ميافارقين، ومولده سنة ثَلَاث وثلثمائة، ومرضه بعسر الْبَوْل والفالج، وَهُوَ أول من ملك حلب من بني حمدَان أَخذهَا من أَحْمد بن سعيد الْكلابِي نَائِب الأخشيد.
وَمن شعر سيف الدولة فِي أَخِيه نَاصِر الدولة:
(وهبت لَك الْعليا وَقد كنت أَهلهَا ... وَقلت لَهُم بيني وَبَين أخي فرق)
(وَمَا كَانَ لي عَنْهَا نُكُول وَإِنَّمَا ... تجاوزت عَن حَقي فتم لَك الْحق)
(أما كنت ترْضى أَن تكون مُصَليا ... إِذا كنت أرْضى أَن يكون لَك السَّبق)
وَله:
(قد جرى فِي دمعه دَمه ... فَإلَى كم أَنْت تظلمه)
(رد عَنهُ الطّرف مِنْك فقد ... جرحته مِنْك أسهمه)
(كَيفَ يَسْتَطِيع التجلد من ... خطرات الْوَهم تؤلمه)
وَملك بِلَاد سيف الدولة بعده ابْنه أَبُو الْمَعَالِي سعد الدولة شرِيف.
стр. 282
وفيهَا: توفّي أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن إلْيَاس صَاحب كرمان.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْهَيْثَم بن عبد الرَّحْمَن بن مَرْوَان بن عبد اللَّهِ بن مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم الْأمَوِي الْكَاتِب الْأَصْفَهَانِي صَاحب كتاب الأغاني، جده مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أُميَّة وَهُوَ أصبهاني الأَصْل بغدادي المنشأ روى عَن خلق، كَانَ عَالما بأيام النَّاس والأنساب وَكَانَ على أمويته متشيعا، جمع الأغاني فِي خمسين سنة وَحمله إِلَى سيف الدولة فَأعْطَاهُ ألف دِينَار وَاعْتذر، وصنف كتبا لبني أُميَّة أَصْحَاب الأندلس وسيرها إِلَيْهِم سرا وجاءه إنعامهم سرا، وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى الْوَزير المهلبي وَله فِيهِ مدائح، ومولده سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَسْمَاء الْكتب الَّتِي صنفها لبني أُميَّة: نسب بني عبد شمس وَأَيَّام الْعَرَب ألف وَسَبْعمائة يَوْم وجمهرة النّسَب وَنسب بني شَيبَان.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا استولى عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه على كرمان بعد موت صَاحبهَا عَليّ بن إلْيَاس.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر قتل أَبُو فراس بن حمدَان، كَانَ مُقيما بحمص فَجرى بَينه وَبَين أبي الْمَعَالِي بن سيف الدولة وَحْشَة، وَطَلَبه أَبُو الْمَعَالِي فانحاز أَبُو فراس إِلَى صدد فَأرْسل أَبُو الْمَعَالِي عسكرا مَعَ قرعويه وَأَحْدَقُوا بِأبي فراس وَعَسْكَره فكبسوا أَبَا فراس فِي صدد وقتلوه، وَأَبُو فراس خَال أبي الْمَعَالِي وَابْن عَمه وَاسم أبي فراس الْحَارِث بن أبي الْعَلَاء سعيد بن حمدَان وَهُوَ ابْن عَم سيف الدولة وناصر الدولة، أسر بمنبج كَمَا ذكرنَا وَحمل إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَأَقَامَ أَسِيرًا أَربع سِنِين وَكَانَت منبج إقطاعه، وَفِي مقلته بصدد يَقُول بَعضهم:
(وَعَلمنِي الصد من بعده ... من الْيَوْم مصرعه فِي صدد)
(فسقيا لَهَا إِذا حوت شخصه ... وبعدا لَهَا حَيْثُ فِيهَا ابتعد)
قلت: وَلما بلغ بجية أم أبي فراس قَتله قلعت عينهَا جزعا عَلَيْهِ وَالله أعلم.
وفيهَا: مَاتَ المتقي لله إِبْرَاهِيم المقتدر فِي دَاره أعمى مخلوعا وَدفن فِيهَا.
وفيهَا: توفّي عَليّ بن بنْدَار الصُّوفِي النَّيْسَابُورِي.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا سير الْمعز أَبُو تَمِيم معد بن إِسْمَاعِيل الْمَنْصُور الْقَائِد أَبَا الْحُسَيْن جوهرا الرُّومِي غُلَام الْمَنْصُور فِي جَيش كثيف فاستولى على الديار المصرية فَإِنَّهُ بِمَوْت كافور اخْتلفت الْأَهْوَاء، وَبلغ ذَلِك الْمعز فَجهز الْعَسْكَر فهربت العساكر الأخشيديه من جَوْهَر قبل وُصُوله وَوصل فِي سَابِع عشر شعْبَان وأقيمت الدعْوَة للمعز بالجامع الْعَتِيق فِي شَوَّال وَكَانَ الْخَطِيب أَبَا مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن الْحُسَيْن السميساطي.
وَفِي جُمَادَى الأولى قدم جَوْهَر إِلَى جَامع ابْن طولون وَأمر فَأذن فِيهِ بحي على خير الْعَمَل، ثمَّ بعده أذن فِي الْجَامِع الْعَتِيق بذلك وجهر فِي الصَّلَاة بِبسْم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم،
стр. 283
وَشرع جَوْهَر فِي بِنَاء الْقَاهِرَة وسير جمعا كثيرا مَعَ جَعْفَر بن فلاح إِلَى الشَّام، فَبلغ الرملة وَبهَا الْحسن بن عبد اللَّهِ بن طغج وَجَرت بَينهمَا حَرْب فَأسر ابْن طغج وَغَيره وجهزهم جَوْهَر إِلَى الْمعز وَاسْتولى على تِلْكَ الْبِلَاد وجبوا أموالها، ثمَّ سَار ابْن فلاح بالعساكر إِلَى طبرية فَوجدَ أَهلهَا قد أَقَامُوا الدعْوَة للمعز قبل وُصُوله فَسَار عَنْهَا إِلَى دمشق فقاتلوه، فظفر بهم وَملك دمشق وَنهب بَعْضهَا وَأقَام الْخطْبَة للمعز لأيام خلت من الْمحرم سنة تسع وَخمسين، وَقطعت الْخطْبَة العباسية.
وَجَرت فِي أثْنَاء هَذِه السّنة بعد الْخطْبَة العلوية فتْنَة بَين أهل دمشق وجعفر بن فلاح وَوَقع بَينهم حروب وَقطعت الْخطْبَة العلوية ثمَّ استظهر ابْن فلاح واستقرت دمشق للمعز.
وفيهَا: كَاتب نَاصِر الدولة ابْنه حمدَان ليعضده فِي الْخَلَاص من قبض ابْنه أبي ثَعْلَب عَلَيْهِ، فظفر أَوْلَاده أَبُو ثَعْلَب وَأَبُو البركات وَفَاطِمَة أَوْلَاد الكردية بِالْكتاب فحبسوه فِي قلعة كواشي شهورا وَبهَا مَاتَ فِي ربيع الأول مِنْهَا، وَوَقع بَين حمدَان وَبَين إخْوَته لذَلِك حروب قتل فِيهَا حمدَان أَبَا البركات، ثمَّ قوي أَبُو ثَعْلَب فطرد حمدَان عَن بِلَاده وَاسْتولى عَلَيْهَا ولقب أبي ثَعْلَب عدَّة الدولة الغضنفر.
وفيهَا: دخل ملك الرّوم الشَّام بِلَا ممانعة أحد، وَسَار إِلَى طرابلس وَفتح قلعة عَرَفَة بِالسَّيْفِ ثمَّ أحرق حمص وَقد أخلاها أَهلهَا وأتى على السَّاحِل نهبا وتخريبا وَملك ثَمَانِيَة عشر منبرا وَأقَام بِالشَّام شَهْرَيْن وَعَاد بالأسرى وَالْأَمْوَال.
وفيهَا: استولى قرعويه غُلَام سيف الدولة على حلب وَأخرج ابْن استاذه أَبَا الْمَعَالِي شرِيف بن سيف الدولة مِنْهَا، فَأَقَامَ شرِيف عِنْد والدته بميافارقين ثمَّ أَقَامَ بحماه.
وفيهَا: طلب سَابُور بن أبي طَاهِر القرمطي من أَعْمَامه أَن يسلمُوا الْأَمر إِلَيْهِ، فحبسوه ثمَّ أخرج مَيتا.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا ملك الرّوم أنطاكية بِالسَّيْفِ وَقتلُوا أَهلهَا وَسبوا وقصدوا حلب فتحصن قرعويه بالقلعة وملكوا الْمَدِينَة، ثمَّ اصْطَلحُوا على مَال يحملهُ قرعويه كل سنة عَن حلب وَعَن حمص وحماه والمعرة وَكفر طَابَ وأفامية وشيزر، فرحلت الرّوم وَمَعَهُمْ الرهائن على ذَلِك وَصَارَت الْبِلَاد سائبة لَا مَانع للروم عَنْهَا.
وفيهَا: طمع نقفور ملك الرّوم فِي ملك جَمِيع الشَّام وَلم يكن من بَيت المملكة وَإِنَّمَا قتل الْملك الَّذِي قبله وَتزَوج امراته يفانو وَأَرَادَ أَن يخصي أَوْلَادهَا من بَيت المَال ليقطع نسلهم ويبقي الْملك فِي نَسْله، فاتفقت أمّهم مَعَ الدمستق وأدخلته فِي جمَاعَة على زِيّ النِّسَاء إِلَى كَنِيسَة مُتَّصِلَة بدار نقفور، ونام نقفور فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَقتلُوا نقفور وأراح اللَّهِ الْمُسلمين مِنْهُ، وَأقَام الدمستقق أحد الْأَوْلَاد الْمَذْكُورين ملكا.
قلت: وَهُوَ بسيل بن أرمانوس، وَالْمُعْتَمد فِي هَذِه التَّرْجَمَة أَن يفانو الملكة زَوْجَة أرمانوس قتلت أرمانوس وَتَزَوَّجت نقفور الْملك، ثمَّ قتلته وَتَزَوَّجت يانس بن شمشقيق
стр. 284
وولته الْملك، ثمَّ خافته على ولديها بسيل وقسطنطين ابْني أرمانوس فجهزت إِلَيْهِ وَهُوَ بِالشَّام سما فَقتلته قبل عوده إِلَى الرّوم وَوَلَّتْ ابْنهَا بسيل، وَملك بعده على الرّوم أَخُوهُ قسطنطين وَكَانَ زَمنا لِأَن دبا وثب عَلَيْهِ فأزمنه وَالله أعلم.
وفيهَا: حاصر أَبُو ثَعْلَب بن يُوسُف الدولة حران وَفتحهَا بالأمان وَاسْتعْمل عَلَيْهَا البرقعيدي، ثمَّ عَاد أَبُو ثَعْلَب إِلَى الْموصل.
وفيهَا: صَالح قرعويه ابْن استاذه أَبَا الْمَعَالِي وخطب لَهُ بحلب هَذَا وَأَبُو الْمَعَالِي بحمص، وخطب أَيْضا بحمص وحلب للمعز، وبمكة للمطيع، وبالمدينة للمعز، وخطب أَبُو أَحْمد الموسوي وَالِد الشريف الرضي خَارج الْمَدِينَة للمطيع.
وفيهَا: مَاتَ مُحَمَّد بن دَاوُد الدينَوَرِي الْمَعْرُوف بالرقى من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة الْمَشَاهِير، وَالْقَاضِي أَبُو الْعلَا محَارب بن مُحَمَّد بن الْمُحَارب الشَّافِعِي الْفَقِيه الْمُتَكَلّم.
ثمَّ دخلت سنة سِتِّينَ وثلثمائة: فِيهَا فِي ذِي الْقعدَة وصلت القرامطة إِلَى دمشق وكبسوا جَعْفَر بن فلاح نَائِب الْمعز خَارج دمشق وقتلوه وملكوا دمشق وأمنوا أَهلهَا ثمَّ ملكوا الرملة، وَاجْتمعَ إِلَيْهِم خلق من الأخشيدية فقصدوا مصر ونزلوا بِعَين شمس وَجَرت بَينهم وَبَين المغاربة وجوهر حَرْب فانتصرت القرامطة، ثمَّ انتصرت المغاربة فَعَادَت القرامطة إِلَى الشَّام وكبير القرامطة حِينَئِذٍ الْحسن بن أَحْمد بن بهْرَام.
وفيهَا: استوزر مؤيد الدولة بن ركن الدولة الصاحب أَبَا الْقَاسِم بن عباد.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو الْقَاسِم سُلَيْمَان بن أَيُّوب الطَّبَرَانِيّ صَاحب المعاجم الثَّلَاثَة بأصفهان وعمره مائَة.
وفيهَا: توفّي السّري الرفاء الشَّاعِر الْموصِلِي بِبَغْدَاد.
قلت: هُوَ السّري بن أَحْمد بن السّري الْكِنْدِيّ أَقَامَ عِنْد سيف الدولة بحلب، ثمَّ مدح الْوَزير المهلبي، وراج شعره وَكَانَ لَا يعلم إِلَّا الشّعْر، فَمن شعره يذكر صناعته:
(قد كَانَت الإبرة فِيمَا مضى ... صائنة وَجْهي وأشعاري)
(فَأصْبح الرزق بهَا ضيقا ... كَأَنَّهُ من ثقبها جاري)
وَمن محَاسِن شعره قَوْله:
(يلقى الندى برقيق وَجه مُسْفِر ... فَإِذا التقى الْجَمْعَانِ عَاد صفيقا)
(رحب الْمنَازل مَا أَقَامَ فَإِن سرى ... فِي جحفل ترك الفضاء مضيقا)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا وصلت الرّوم إِلَى الجزيرة والرها ونصيبين فغنموا وَقتلُوا، وَوصل الْمُسلمُونَ إِلَى بَغْدَاد مستصرخين فثارت الْعَامَّة وَجَرت بِبَغْدَاد فتن واستغاثوا إِلَى بختيار وَهُوَ فِي الصَّيْد، فَوَعَدَهُمْ بالغزاة وَطلب من الْمُطِيع مَالا فَقَالَ: أَنا
стр. 285
لَيْسَ لي غير الْخطْبَة فَإِن أَحْبَبْتُم اعتزلت، فهدده بختيار فَبَاعَ الْخَلِيفَة قماشه وَغير ذَلِك حَتَّى حمل إِلَى بختيار أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم، فقبضها بختيار وأخرجها فِي مصَالح نَفسه وَبَطلَت الغزة وشاع أَن الْخَلِيفَة صودر.
وفيهَا: فِي أَوَاخِر شَوَّال سَار الْمعز من إفريقية وَاسْتعْمل عَلَيْهَا يُوسُف بلكين بن زيزي بن مُنَاد الصنهاجي وَجعل على صقلية أَبَا الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن بن عَليّ بن أبي الْحسن وعَلى طرابلس الغرب عبد اللَّهِ بن يحلف الْكِنَانِي، واستصحب الْمعز مَعَه اهله وخزانته الْعَظِيمَة وفيهَا دَنَانِير مثل الطواحين، وَلما وصل برقة قتل مَعَه مُحَمَّد بن هانىء الشَّاعِر الأندلسي غيلَة لَا يدْرِي من قَتله وَكَانَ مجيدا، وغالى فِي مدح الْمعز حَتَّى كفر فمما قَالَه:
(مَا شِئْت لَا مَا شَاءَت الأقدار ... فاحكم فَأَنت الْوَاحِد القهار)
قلت: ابْن هانىء عِنْد المغاربة كالمتنبي عِنْد المشارقة، وَكَانَ أَبُو الْعَلَاء المعري إِذا سمع شعر ابْن هانىء يَقُول: مَا أشبهه إِلَّا برحا تطحن قرونا أَي تسمع قعقعة وَلَا طائل تحتهَا وَله:
(هَل من أعقة عالج يبرين ... أم مِنْهُمَا بقر الحدوج الْعين)
(وَلمن لَيَال مَا ذممنا عهدها ... مذ كن إِلَّا أَنَّهُنَّ شجون)
(المشرقات كأنهن كواكب ... والناعمات كأنهن غصون)
وَالله أعلم.
ثمَّ سَار الْمعز حَتَّى وصل الْإسْكَنْدَريَّة فِي أَوَاخِر شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلثمائة، واتاه أَعْيَان مصر فَلَقِيَهُمْ وَأكْرمهمْ، وَدخل الْقَاهِرَة خَامِس شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلثمائة.
قلت: وَذكر ابْن الْمُهَذّب المعري فِي تَارِيخه أَن الْمعز ورد إِلَى مصر فِي سنة سِتِّينَ وثلثمائة، قَالَ: وَكَانَ عادلا منصفا، وَمن جملَة عدله أَن امْرَأَة الأخشيدي أودعت عِنْد يَهُودِيّ بدنه منسوجة بالدر جَعلتهَا فِي جرة نُحَاس، فَلَمَّا زَالَت المملكة عَنْهُم جَحدهَا الْيَهُودِيّ فتنازلت مَعَه إِلَى أَن يُعْطِيهَا شَيْئا قَلِيلا مِنْهَا فَلم يفعل، فَجَاءَت إِلَى الْمعز فأجلسها على كرْسِي فشكت حَالهَا مَعَ الْيَهُودِيّ فَأحْضرهُ وعاقبه بأنواع الْعقُوبَة فَلم يقر، فَلَمَّا خشِي عَلَيْهِ الْهَلَاك أَمر من يقْلع دَاره من الأساس فَوجدت الجرة فِيهَا الْبَدنَة فِي مغارة من الدَّار، فاجتهدت بالمعز أَن يَأْخُذ الْبَدنَة هَدِيَّة فَلم يفعل، وَالله أعلم.
وفيهَا: تمّ الصُّلْح بَين مَنْصُور بن نوح الساماني صَاحب خُرَاسَان وَبَين ركن الدولة بن بويه على أَن يحمل ركن الدولة إِلَيْهِ كل سنة مائَة ألف دِينَار وَخمسين ألف دِينَار، وَتزَوج مَنْصُور بابنة عضد الدولة.
وفيهَا: ملك أَبُو تغلب بن نَاصِر الدولة بن حمدَان قلعة ماردين سلمهَا إِلَيْهِ نَائِب أَخِيه حمدَان فَأخذ مَا لِأَخِيهِ فِيهَا من مَال وَسلَاح.
следующие страницы →