Полный текст (708 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وفيهَا: مَاتَ كافور الأخشيدي الْخصي الْأسود من موَالِي مُحَمَّد بن طغج صَاحب مصر وَاسْتولى على مصر ودمشق بعد موت أَوْلَاد الأخشيد فَإِنَّهُ ملك بعد الأخشيد ابْنه أنوجور وَالْأَمر إِلَى كافور ثمَّ ابْنه الآخر عَليّ، وَتُوفِّي صَغِيرا سنة خمس وَخمسين وثلثمائة فاستقل كافور بالمملكة، كَانَ شَدِيد السوَاد اشْتَرَاهُ الأخشيد بِثمَانِيَة عشر دِينَارا. قَالَ المتنبي: كنت أَدخل على كافور أنْشدهُ وَهُوَ يضْحك إِلَى أَن أنشدته:
(وَلما صَار ود النَّاس خبا ... جزيت على ابتسام بابتسام)
(وصرت أَشك فِيمَن أصطفيه ... لعلمي أَنه بعض الْأَنَام)
قَالَ: فَمَا ضحك بعْدهَا فِي وَجْهي، فعجبت من فطنته. وقبره بالقرافة الصُّغْرَى.
قلت: وَفِي تَارِيخ ابْن الْمُهَذّب المعري أَن كافورا توفّي بِمصْر وَحمل إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَالله أعلم.
وَكَانَ يدعى لَهُ على المنابر بِمَكَّة والحجاز جَمِيعه والديار المصرية وَالشَّام، وعمره خمس وَسِتُّونَ تَقْرِيبًا، وَولي بعده أَبُو الفوارس أَحْمد بن عَليّ بن الأخشيد وخطب لَهُ فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع وَخمسين وثلثمائة.
قلت: وَفِي تَارِيخ ابْن الْمُهَذّب إِنَّه تولى مصر بعد وَفَاة كافور نحرير الأخشيدي، وزحف إِلَيْهِ الْقَائِد جَوْهَر فِي عَسَاكِر الْمعز وطالت الحروب بَينهم وَقتل هَذَا نحريرا الأخشيدي سنة ثَمَان وَخمسين وثلثمائة، وولوا بعده من الاخشيدية رجلا اسْمه تبر فغلبه جَوْهَر المغربي وَدخل مصر وملكها وَأقَام بهَا بَقِيَّة سنة ثَمَان وَخمسين وتسع وَخمسين قبل مَجِيء الْمعز، وَالله أعلم.
وفيهَا: مَاتَ سيف الدولة أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن حمدَان بن حمدون الثَّعْلَبِيّ الربعِي بحلب فِي صفر وَنقل تابوته إِلَى ميافارقين، ومولده سنة ثَلَاث وثلثمائة، ومرضه بعسر الْبَوْل والفالج، وَهُوَ أول من ملك حلب من بني حمدَان أَخذهَا من أَحْمد بن سعيد الْكلابِي نَائِب الأخشيد.
وَمن شعر سيف الدولة فِي أَخِيه نَاصِر الدولة:
(وهبت لَك الْعليا وَقد كنت أَهلهَا ... وَقلت لَهُم بيني وَبَين أخي فرق)
(وَمَا كَانَ لي عَنْهَا نُكُول وَإِنَّمَا ... تجاوزت عَن حَقي فتم لَك الْحق)
(أما كنت ترْضى أَن تكون مُصَليا ... إِذا كنت أرْضى أَن يكون لَك السَّبق)
وَله:
(قد جرى فِي دمعه دَمه ... فَإلَى كم أَنْت تظلمه)
(رد عَنهُ الطّرف مِنْك فقد ... جرحته مِنْك أسهمه)
(كَيفَ يَسْتَطِيع التجلد من ... خطرات الْوَهم تؤلمه)
وَملك بِلَاد سيف الدولة بعده ابْنه أَبُو الْمَعَالِي سعد الدولة شرِيف.
стр. 282
وفيهَا: توفّي أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن إلْيَاس صَاحب كرمان.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْهَيْثَم بن عبد الرَّحْمَن بن مَرْوَان بن عبد اللَّهِ بن مَرْوَان بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن الحكم الْأمَوِي الْكَاتِب الْأَصْفَهَانِي صَاحب كتاب الأغاني، جده مَرْوَان بن مُحَمَّد آخر خلفاء بني أُميَّة وَهُوَ أصبهاني الأَصْل بغدادي المنشأ روى عَن خلق، كَانَ عَالما بأيام النَّاس والأنساب وَكَانَ على أمويته متشيعا، جمع الأغاني فِي خمسين سنة وَحمله إِلَى سيف الدولة فَأعْطَاهُ ألف دِينَار وَاعْتذر، وصنف كتبا لبني أُميَّة أَصْحَاب الأندلس وسيرها إِلَيْهِم سرا وجاءه إنعامهم سرا، وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى الْوَزير المهلبي وَله فِيهِ مدائح، ومولده سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَأَسْمَاء الْكتب الَّتِي صنفها لبني أُميَّة: نسب بني عبد شمس وَأَيَّام الْعَرَب ألف وَسَبْعمائة يَوْم وجمهرة النّسَب وَنسب بني شَيبَان.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا استولى عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه على كرمان بعد موت صَاحبهَا عَليّ بن إلْيَاس.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر قتل أَبُو فراس بن حمدَان، كَانَ مُقيما بحمص فَجرى بَينه وَبَين أبي الْمَعَالِي بن سيف الدولة وَحْشَة، وَطَلَبه أَبُو الْمَعَالِي فانحاز أَبُو فراس إِلَى صدد فَأرْسل أَبُو الْمَعَالِي عسكرا مَعَ قرعويه وَأَحْدَقُوا بِأبي فراس وَعَسْكَره فكبسوا أَبَا فراس فِي صدد وقتلوه، وَأَبُو فراس خَال أبي الْمَعَالِي وَابْن عَمه وَاسم أبي فراس الْحَارِث بن أبي الْعَلَاء سعيد بن حمدَان وَهُوَ ابْن عَم سيف الدولة وناصر الدولة، أسر بمنبج كَمَا ذكرنَا وَحمل إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة فَأَقَامَ أَسِيرًا أَربع سِنِين وَكَانَت منبج إقطاعه، وَفِي مقلته بصدد يَقُول بَعضهم:
(وَعَلمنِي الصد من بعده ... من الْيَوْم مصرعه فِي صدد)
(فسقيا لَهَا إِذا حوت شخصه ... وبعدا لَهَا حَيْثُ فِيهَا ابتعد)
قلت: وَلما بلغ بجية أم أبي فراس قَتله قلعت عينهَا جزعا عَلَيْهِ وَالله أعلم.
وفيهَا: مَاتَ المتقي لله إِبْرَاهِيم المقتدر فِي دَاره أعمى مخلوعا وَدفن فِيهَا.
وفيهَا: توفّي عَليّ بن بنْدَار الصُّوفِي النَّيْسَابُورِي.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا سير الْمعز أَبُو تَمِيم معد بن إِسْمَاعِيل الْمَنْصُور الْقَائِد أَبَا الْحُسَيْن جوهرا الرُّومِي غُلَام الْمَنْصُور فِي جَيش كثيف فاستولى على الديار المصرية فَإِنَّهُ بِمَوْت كافور اخْتلفت الْأَهْوَاء، وَبلغ ذَلِك الْمعز فَجهز الْعَسْكَر فهربت العساكر الأخشيديه من جَوْهَر قبل وُصُوله وَوصل فِي سَابِع عشر شعْبَان وأقيمت الدعْوَة للمعز بالجامع الْعَتِيق فِي شَوَّال وَكَانَ الْخَطِيب أَبَا مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن الْحُسَيْن السميساطي.
وَفِي جُمَادَى الأولى قدم جَوْهَر إِلَى جَامع ابْن طولون وَأمر فَأذن فِيهِ بحي على خير الْعَمَل، ثمَّ بعده أذن فِي الْجَامِع الْعَتِيق بذلك وجهر فِي الصَّلَاة بِبسْم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم،
стр. 283
وَشرع جَوْهَر فِي بِنَاء الْقَاهِرَة وسير جمعا كثيرا مَعَ جَعْفَر بن فلاح إِلَى الشَّام، فَبلغ الرملة وَبهَا الْحسن بن عبد اللَّهِ بن طغج وَجَرت بَينهمَا حَرْب فَأسر ابْن طغج وَغَيره وجهزهم جَوْهَر إِلَى الْمعز وَاسْتولى على تِلْكَ الْبِلَاد وجبوا أموالها، ثمَّ سَار ابْن فلاح بالعساكر إِلَى طبرية فَوجدَ أَهلهَا قد أَقَامُوا الدعْوَة للمعز قبل وُصُوله فَسَار عَنْهَا إِلَى دمشق فقاتلوه، فظفر بهم وَملك دمشق وَنهب بَعْضهَا وَأقَام الْخطْبَة للمعز لأيام خلت من الْمحرم سنة تسع وَخمسين، وَقطعت الْخطْبَة العباسية.
وَجَرت فِي أثْنَاء هَذِه السّنة بعد الْخطْبَة العلوية فتْنَة بَين أهل دمشق وجعفر بن فلاح وَوَقع بَينهم حروب وَقطعت الْخطْبَة العلوية ثمَّ استظهر ابْن فلاح واستقرت دمشق للمعز.
وفيهَا: كَاتب نَاصِر الدولة ابْنه حمدَان ليعضده فِي الْخَلَاص من قبض ابْنه أبي ثَعْلَب عَلَيْهِ، فظفر أَوْلَاده أَبُو ثَعْلَب وَأَبُو البركات وَفَاطِمَة أَوْلَاد الكردية بِالْكتاب فحبسوه فِي قلعة كواشي شهورا وَبهَا مَاتَ فِي ربيع الأول مِنْهَا، وَوَقع بَين حمدَان وَبَين إخْوَته لذَلِك حروب قتل فِيهَا حمدَان أَبَا البركات، ثمَّ قوي أَبُو ثَعْلَب فطرد حمدَان عَن بِلَاده وَاسْتولى عَلَيْهَا ولقب أبي ثَعْلَب عدَّة الدولة الغضنفر.
وفيهَا: دخل ملك الرّوم الشَّام بِلَا ممانعة أحد، وَسَار إِلَى طرابلس وَفتح قلعة عَرَفَة بِالسَّيْفِ ثمَّ أحرق حمص وَقد أخلاها أَهلهَا وأتى على السَّاحِل نهبا وتخريبا وَملك ثَمَانِيَة عشر منبرا وَأقَام بِالشَّام شَهْرَيْن وَعَاد بالأسرى وَالْأَمْوَال.
وفيهَا: استولى قرعويه غُلَام سيف الدولة على حلب وَأخرج ابْن استاذه أَبَا الْمَعَالِي شرِيف بن سيف الدولة مِنْهَا، فَأَقَامَ شرِيف عِنْد والدته بميافارقين ثمَّ أَقَامَ بحماه.
وفيهَا: طلب سَابُور بن أبي طَاهِر القرمطي من أَعْمَامه أَن يسلمُوا الْأَمر إِلَيْهِ، فحبسوه ثمَّ أخرج مَيتا.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا ملك الرّوم أنطاكية بِالسَّيْفِ وَقتلُوا أَهلهَا وَسبوا وقصدوا حلب فتحصن قرعويه بالقلعة وملكوا الْمَدِينَة، ثمَّ اصْطَلحُوا على مَال يحملهُ قرعويه كل سنة عَن حلب وَعَن حمص وحماه والمعرة وَكفر طَابَ وأفامية وشيزر، فرحلت الرّوم وَمَعَهُمْ الرهائن على ذَلِك وَصَارَت الْبِلَاد سائبة لَا مَانع للروم عَنْهَا.
وفيهَا: طمع نقفور ملك الرّوم فِي ملك جَمِيع الشَّام وَلم يكن من بَيت المملكة وَإِنَّمَا قتل الْملك الَّذِي قبله وَتزَوج امراته يفانو وَأَرَادَ أَن يخصي أَوْلَادهَا من بَيت المَال ليقطع نسلهم ويبقي الْملك فِي نَسْله، فاتفقت أمّهم مَعَ الدمستق وأدخلته فِي جمَاعَة على زِيّ النِّسَاء إِلَى كَنِيسَة مُتَّصِلَة بدار نقفور، ونام نقفور فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَقتلُوا نقفور وأراح اللَّهِ الْمُسلمين مِنْهُ، وَأقَام الدمستقق أحد الْأَوْلَاد الْمَذْكُورين ملكا.
قلت: وَهُوَ بسيل بن أرمانوس، وَالْمُعْتَمد فِي هَذِه التَّرْجَمَة أَن يفانو الملكة زَوْجَة أرمانوس قتلت أرمانوس وَتَزَوَّجت نقفور الْملك، ثمَّ قتلته وَتَزَوَّجت يانس بن شمشقيق
стр. 284
وولته الْملك، ثمَّ خافته على ولديها بسيل وقسطنطين ابْني أرمانوس فجهزت إِلَيْهِ وَهُوَ بِالشَّام سما فَقتلته قبل عوده إِلَى الرّوم وَوَلَّتْ ابْنهَا بسيل، وَملك بعده على الرّوم أَخُوهُ قسطنطين وَكَانَ زَمنا لِأَن دبا وثب عَلَيْهِ فأزمنه وَالله أعلم.
وفيهَا: حاصر أَبُو ثَعْلَب بن يُوسُف الدولة حران وَفتحهَا بالأمان وَاسْتعْمل عَلَيْهَا البرقعيدي، ثمَّ عَاد أَبُو ثَعْلَب إِلَى الْموصل.
وفيهَا: صَالح قرعويه ابْن استاذه أَبَا الْمَعَالِي وخطب لَهُ بحلب هَذَا وَأَبُو الْمَعَالِي بحمص، وخطب أَيْضا بحمص وحلب للمعز، وبمكة للمطيع، وبالمدينة للمعز، وخطب أَبُو أَحْمد الموسوي وَالِد الشريف الرضي خَارج الْمَدِينَة للمطيع.
وفيهَا: مَاتَ مُحَمَّد بن دَاوُد الدينَوَرِي الْمَعْرُوف بالرقى من مَشَايِخ الصُّوفِيَّة الْمَشَاهِير، وَالْقَاضِي أَبُو الْعلَا محَارب بن مُحَمَّد بن الْمُحَارب الشَّافِعِي الْفَقِيه الْمُتَكَلّم.
ثمَّ دخلت سنة سِتِّينَ وثلثمائة: فِيهَا فِي ذِي الْقعدَة وصلت القرامطة إِلَى دمشق وكبسوا جَعْفَر بن فلاح نَائِب الْمعز خَارج دمشق وقتلوه وملكوا دمشق وأمنوا أَهلهَا ثمَّ ملكوا الرملة، وَاجْتمعَ إِلَيْهِم خلق من الأخشيدية فقصدوا مصر ونزلوا بِعَين شمس وَجَرت بَينهم وَبَين المغاربة وجوهر حَرْب فانتصرت القرامطة، ثمَّ انتصرت المغاربة فَعَادَت القرامطة إِلَى الشَّام وكبير القرامطة حِينَئِذٍ الْحسن بن أَحْمد بن بهْرَام.
وفيهَا: استوزر مؤيد الدولة بن ركن الدولة الصاحب أَبَا الْقَاسِم بن عباد.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو الْقَاسِم سُلَيْمَان بن أَيُّوب الطَّبَرَانِيّ صَاحب المعاجم الثَّلَاثَة بأصفهان وعمره مائَة.
وفيهَا: توفّي السّري الرفاء الشَّاعِر الْموصِلِي بِبَغْدَاد.
قلت: هُوَ السّري بن أَحْمد بن السّري الْكِنْدِيّ أَقَامَ عِنْد سيف الدولة بحلب، ثمَّ مدح الْوَزير المهلبي، وراج شعره وَكَانَ لَا يعلم إِلَّا الشّعْر، فَمن شعره يذكر صناعته:
(قد كَانَت الإبرة فِيمَا مضى ... صائنة وَجْهي وأشعاري)
(فَأصْبح الرزق بهَا ضيقا ... كَأَنَّهُ من ثقبها جاري)
وَمن محَاسِن شعره قَوْله:
(يلقى الندى برقيق وَجه مُسْفِر ... فَإِذا التقى الْجَمْعَانِ عَاد صفيقا)
(رحب الْمنَازل مَا أَقَامَ فَإِن سرى ... فِي جحفل ترك الفضاء مضيقا)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخمسين وثلثمائة: فِيهَا وصلت الرّوم إِلَى الجزيرة والرها ونصيبين فغنموا وَقتلُوا، وَوصل الْمُسلمُونَ إِلَى بَغْدَاد مستصرخين فثارت الْعَامَّة وَجَرت بِبَغْدَاد فتن واستغاثوا إِلَى بختيار وَهُوَ فِي الصَّيْد، فَوَعَدَهُمْ بالغزاة وَطلب من الْمُطِيع مَالا فَقَالَ: أَنا
стр. 285
لَيْسَ لي غير الْخطْبَة فَإِن أَحْبَبْتُم اعتزلت، فهدده بختيار فَبَاعَ الْخَلِيفَة قماشه وَغير ذَلِك حَتَّى حمل إِلَى بختيار أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم، فقبضها بختيار وأخرجها فِي مصَالح نَفسه وَبَطلَت الغزة وشاع أَن الْخَلِيفَة صودر.
وفيهَا: فِي أَوَاخِر شَوَّال سَار الْمعز من إفريقية وَاسْتعْمل عَلَيْهَا يُوسُف بلكين بن زيزي بن مُنَاد الصنهاجي وَجعل على صقلية أَبَا الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن بن عَليّ بن أبي الْحسن وعَلى طرابلس الغرب عبد اللَّهِ بن يحلف الْكِنَانِي، واستصحب الْمعز مَعَه اهله وخزانته الْعَظِيمَة وفيهَا دَنَانِير مثل الطواحين، وَلما وصل برقة قتل مَعَه مُحَمَّد بن هانىء الشَّاعِر الأندلسي غيلَة لَا يدْرِي من قَتله وَكَانَ مجيدا، وغالى فِي مدح الْمعز حَتَّى كفر فمما قَالَه:
(مَا شِئْت لَا مَا شَاءَت الأقدار ... فاحكم فَأَنت الْوَاحِد القهار)
قلت: ابْن هانىء عِنْد المغاربة كالمتنبي عِنْد المشارقة، وَكَانَ أَبُو الْعَلَاء المعري إِذا سمع شعر ابْن هانىء يَقُول: مَا أشبهه إِلَّا برحا تطحن قرونا أَي تسمع قعقعة وَلَا طائل تحتهَا وَله:
(هَل من أعقة عالج يبرين ... أم مِنْهُمَا بقر الحدوج الْعين)
(وَلمن لَيَال مَا ذممنا عهدها ... مذ كن إِلَّا أَنَّهُنَّ شجون)
(المشرقات كأنهن كواكب ... والناعمات كأنهن غصون)
وَالله أعلم.
ثمَّ سَار الْمعز حَتَّى وصل الْإسْكَنْدَريَّة فِي أَوَاخِر شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلثمائة، واتاه أَعْيَان مصر فَلَقِيَهُمْ وَأكْرمهمْ، وَدخل الْقَاهِرَة خَامِس شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلثمائة.
قلت: وَذكر ابْن الْمُهَذّب المعري فِي تَارِيخه أَن الْمعز ورد إِلَى مصر فِي سنة سِتِّينَ وثلثمائة، قَالَ: وَكَانَ عادلا منصفا، وَمن جملَة عدله أَن امْرَأَة الأخشيدي أودعت عِنْد يَهُودِيّ بدنه منسوجة بالدر جَعلتهَا فِي جرة نُحَاس، فَلَمَّا زَالَت المملكة عَنْهُم جَحدهَا الْيَهُودِيّ فتنازلت مَعَه إِلَى أَن يُعْطِيهَا شَيْئا قَلِيلا مِنْهَا فَلم يفعل، فَجَاءَت إِلَى الْمعز فأجلسها على كرْسِي فشكت حَالهَا مَعَ الْيَهُودِيّ فَأحْضرهُ وعاقبه بأنواع الْعقُوبَة فَلم يقر، فَلَمَّا خشِي عَلَيْهِ الْهَلَاك أَمر من يقْلع دَاره من الأساس فَوجدت الجرة فِيهَا الْبَدنَة فِي مغارة من الدَّار، فاجتهدت بالمعز أَن يَأْخُذ الْبَدنَة هَدِيَّة فَلم يفعل، وَالله أعلم.
وفيهَا: تمّ الصُّلْح بَين مَنْصُور بن نوح الساماني صَاحب خُرَاسَان وَبَين ركن الدولة بن بويه على أَن يحمل ركن الدولة إِلَيْهِ كل سنة مائَة ألف دِينَار وَخمسين ألف دِينَار، وَتزَوج مَنْصُور بابنة عضد الدولة.
وفيهَا: ملك أَبُو تغلب بن نَاصِر الدولة بن حمدَان قلعة ماردين سلمهَا إِلَيْهِ نَائِب أَخِيه حمدَان فَأخذ مَا لِأَخِيهِ فِيهَا من مَال وَسلَاح.
стр. 286
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وثلثمائة: فِيهَا وصل الدمستق إِلَى جِهَة ميارفارقين فنهب واستهان بِالْمُسْلِمين، فَجهز أَبُو تغلب بن نَاصِر الدولة أَخَاهُ هبة اللَّهِ فِي جَيش فَكسر الدمستق وَأسر وَمرض وعالجه أَبُو تغلب فَلم يفد وَمَات مَحْبُوسًا.
وفيهَا: استوزر بختيار مُحَمَّد بن بقيه، فَعجب النَّاس لكَونه وضيعا من أوانا وَأَبوهُ زراع.
وَفِيه: حصلت الوحشة بن بختيار وَبَين أَصْحَابه من الديلم والأتراك.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلثمائة: فِيهَا تقوى سبكتكين التركي بِبَغْدَاد وَنهب دَار بختيار وَكَانَ غَائِبا فِي الأهواز، وَرَأى سبكتكين الْمُطِيع عَاجِزا من الْمَرَض وَقد ثقل لِسَانه وَكَانَ يستر ذَلِك حَتَّى انْكَشَفَ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بخلع نَفسه وولايته ابْنه الطائع فَأجَاب، وخلع الْمُطِيع نَفسه فِي نصف ذِي الْقعدَة، وخلافته تسع وَعِشْرُونَ سنة وَخمْس أشهر غير أَيَّام.
(أَخْبَار الطائع لله)
وبويع الطائع لله وَهُوَ رَابِع عشرهم أَبُو بكر عبد الْكَرِيم بن الْمفضل الْمُطِيع لله بن جَعْفَر المقتدر بن المعتضد أَحْمد.
وفيهَا: جرت حروب بَين الْمعز وَبَين القرامطة، ثمَّ انْهَزَمت القرامطة وَقتل مِنْهُم خلق كثير وَأرْسل فِي أَثَرهم عشرَة آلَاف فسارت القرامطة إِلَى الحساء والقطيف، ثمَّ أرسل الْمعز الْقَائِد ظَالِم بن مرهوب الْعقيلِيّ إِلَى دمشق فَعظم وَكَثُرت جموعه، ثمَّ وَقع بَينه وَبَين أهل دمشق فتن دَامَت إِلَى سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلثمائة وأحرق بعض دمشق.
وفيهَا: انحدر سبكتكين بالطائع والمطيع مخلوعا بالأتراك إِلَى وَاسِط فَمَاتَ الْمُطِيع بدير العاقول وَمَات سبكتكين أَيْضا فحملا إِلَى بَغْدَاد، وَقدم الأتراك عَلَيْهِم أفتكين أكبرهم، وقاربوا وَاسِط وَبهَا بختيار فَقَاتلهُمْ نَحْو خمسين يَوْمًا وَالظفر للأتراك، وَأرْسل بختيار إِلَى ابْن عَمه عضد الدولة بِفَارِس رسائل متتابعه بالإسراع إِلَيْهِ وَكتب إِلَيْهِ الْبَيْت الْمَشْهُور:
(فَإِن كنت مَأْكُولا فَكُن خير آكل ... وَإِلَّا فأدركني وَلما أمزق)
فَسَار عضد الدولة إِلَيْهِ، وَخرجت السّنة وَالْحَال كَذَلِك.
وفيهَا: انْتهى تَارِيخ ثَابت بن قُرَّة وابتداؤه من خلَافَة المقتدر سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلثمائة: فِيهَا سَار عضد الدولة بعساكر فَارس لما ذَكرْنَاهُ وقارب وَاسِط فَرجع أفتكين والأتراك إِلَى بَغْدَاد، وَسَار عضد الدولة من الْجَانِب الشَّرْقِي وَأمر بختيار أَن يسير من الْجَانِب الغربي وَخرجت الأتراك من بَغْدَاد وقاتلوا عضد الدولة فَهَزَمَهُمْ وَقتل مِنْهُم كثيرا فِي رَابِع عشر جُمَادَى مِنْهَا وَدخل بَغْدَاد، وَكَانُوا قد أخذُوا الْخَلِيفَة مَعَهم إِلَى وَاسِط فَرده عضد الدولة إِلَى بَغْدَاد، فوصل الْخَلِيفَة فِي الْمسَاء ثامن رَجَب مِنْهَا.
стр. 287
وَلما اسْتَقر عضد الدولة بِبَغْدَاد شغبت الْجند على بختيار يطْلبُونَ أَرْزَاقهم وَلَا مَال مَعَه، فَأمره عضد الدولة فاستعفى من الإمرة عَجزا وأغلق بَابه وَصرف كِتَابه وحجابه وَأشْهد عضد الدولة عَلَيْهِ بذلك، ثمَّ قبض عضد الدولة على بختيار وَإِخْوَته فِي السَّادِس وَالْعِشْرين من جُمَادَى، وَاسْتقر عضد الدولة بِبَغْدَاد وَعظم الْخَلِيفَة وَحمل إِلَيْهِ مَالا عَظِيما.
وَكَانَ الْمَرْزُبَان بن بختيار مُتَوَلِّيًا بِالْبَصْرَةِ، وَلما بلغه قبض وَالِده كتب إِلَى ركن الدولة جده يشكو ذَلِك، فَألْقى ركن الدولة نَفسه إِلَى الأَرْض وَترك الطَّعَام حَتَّى مرض وَأنكر على عضد الدولة عَظِيما، فَأرْسل عضد الدولة يسْأَل أَبَاهُ فِي أَن يعوض بختيار بِبَعْض فَارس فَأَرَادَ ركن الدولة قتل الرَّسُول وتهدده بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ إِن لم يعد بختيار إِلَى ملكه، فاضطر عضد الدولة إِلَى إِخْرَاج بختيار من الْحَبْس وأعادوه إِلَى ملكه وَرجع إِلَى فَارس فِي شَوَّال مِنْهَا.
وفيهَا: أنهزم أفتكين التركي مولى معز الدولة من بختيار عِنْد قدوم عضد الدولة حَسْبَمَا ذكرنَا، وَسَار إِلَى حمص ثمَّ إِلَى دمشق وأميرها زبان الْخَادِم عَن الْمعز الْعلوِي، فاتفق أفتكين مَعَ الدماشقة وأخرجوا زبان وَقَطعُوا خطْبَة الْمعز فِي شعْبَان وولوا أفتكين، فعزم الْمعز على قِتَاله فاتفق موت الْمعز كَمَا سَيَأْتِي، وَتَوَلَّى ابْنه الْعَزِيز فَجهز الْقَائِد جوهرا فَحَضَرَ أفتكين بِدِمَشْق، فاستنجد أفتكين بالقرامطة، فَلَمَّا قربوا رَحل جَوْهَر إِلَى جِهَة مصر فَتَبِعَهُ أفتكين والقرامطة وتبعهم خلق فَلَحقُوا جوهرا قرب الرملة فَدخل عسقلان ضعفا عَنْهُم فحصروه، فعاين الْهَلَاك هُوَ وَأَصْحَابه من الْجُوع فبذل لأفتكين ليمن عَلَيْهِ ويطلقه فَرَحل أفتكين عَنهُ.
وَسَار جَوْهَر إِلَى مصر وَأعلم الْعَزِيز بِالْحَال، فَسَار الْعَزِيز بِنَفسِهِ إِلَى الشَّام وَوصل الرملة فقاتله أفتكين والقرامطة قتالا شَدِيدا فنصر الْعَزِيز وَقتل وَأسر كثيرا وَجعل لمن يحضر أفتكين مائَة ألف دِينَار، وَطلب أفتكين فِي هزيمته بَيت صَاحبه مفرج بن دَغْفَل الطَّائِي، فَأسرهُ مفرج فِي بَيته وَأعلم الْعَزِيز بِهِ، فَأعْطَاهُ الْجعل وأحضر أفتكين فَأَطْلقهُ الْعَزِيز وَأطلق أَصْحَابه وأنعم عَلَيْهِ وَصَحبه إِلَى مصر وَبَقِي عِنْده بِمصْر مُعظما حَتَّى مَاتَ بهَا.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَسِتِّينَ وثلثمائة: فِيهَا توفّي الْمعز لدين اللَّهِ أَبُو تَمِيم الْعلوِي الْحُسَيْنِي بِمصْر فِي سَابِع عشر جُمَادَى الأولى، وَولد بالمهدية حادي عشر رَمَضَان سنة تسع عشرَة وثلثمائة فعمره خمس وَأَرْبَعُونَ سنة وَسِتَّة أشهر تَقْرِيبًا وَكَانَ فَاضلا لَكِن كَانَ يعْمل بأقوال المنجمين وأخفى الْعَزِيز مَوته وأظهره فِي عيد النَّحْر مِنْهَا وَبَايَعَهُ النَّاس.
وفيهَا: أَو فِي تلوها فتح أَبُو الْقَاسِم بن الْحسن بن عَليّ بن أبي الْحُسَيْن أَمِير صقلية مَدِينَة مسينا ثمَّ كنته وقعلة جلوى، وَبث سراياه فِي نواحي فلوريه وغنم وسبى.
وفيهَا: خطب للعزيز بِمَكَّة وَتُوفِّي ثَابت بن سِنَان بن قره الصابي.
وفيهَا: أَو فِي تلوها توفّي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْقفال الشَّاشِي الشَّافِعِي، لم يكن وَرَاء النَّهر فِي عصره مثله، رَحل إِلَى الْعرَاق وَالشَّام والحجاز وَأخذ الْفِقْه
стр. 288
عَن ابْن سُرَيج وروى عَن الطَّبَرِيّ، وروى عَنهُ الْحَاكِم بن مندة وَكثير، والتقريب الَّذِي ينْقل عَنهُ فِي النِّهَايَة والوسيط والبسيط، وَذكره الْغَزالِيّ فِي الْبَاب الثَّانِي من كتاب الرَّهْن من تصنيف الْقَاسِم بن الْقفال الْمَذْكُور لَكِن قَالَ الْغَزالِيّ: أَبُو الْقَاسِم وَهُوَ سَهْو وَهَذَا غير تقريب سليم الرَّازِيّ. والشاشي: نِسْبَة إِلَى مَدِينَة شاش وَرَاء نهر سيحون، والقفال غير أبي بكر الشَّاشِي صَاحب الْعُمْدَة والمستظهري
وفيهَا: فِي الْمحرم توفّي ركن الدولة الْحسن بن بويه، واستخلف على ممالكه ابْنه عضد الدولة وَعمر عضد الدولة فَوق سبعين وإمارته أَربع وَأَرْبَعين وَلَقَد أُصِيب بِهِ الدّين وَالدُّنْيَا لاستكمال خلال الْخَيْر فِيهِ، وَعقد لِابْنِهِ فَخر الدولة على هَمدَان وأعمال الْجَبَل، ولابنه مؤيد الدولة على أَصْبَهَان وجعلهما تَحت حكم عضد الدولة.
وفيهَا: سَار عضد الدولة بعد وَفَاة وَالِده إِلَى الْعرَاق، فَخرج بختيار وقاتله بالأهواز وخامر أَكثر عَسْكَر بختيار عَلَيْهِ، فَانْهَزَمَ بختيار إِلَى وَاسِط وَبعث عضد الدولة عسكرا استولى على الْبَصْرَة، ثمَّ سَار بختيار إِلَى بَغْدَاد وَسَار عضد الدولة إِلَى نواحي الْبَصْرَة وقررها، وَاسْتمرّ الْحَال كَذَلِك حَتَّى خرجت السّنة.
وفيهَا: " ابْتِدَاء دولة آل سبكتكين بغزنة " كَانَ سبكتكين من غلْمَان أبي إِسْحَاق بن التكين صَاحب جَيش غزنة السامانية وَقدمه لعقله وشجاعته، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو إِسْحَاق من غير ولد ولى الْعَسْكَر سبكتكين لكماله، فَعظم وغزا الْهِنْد على بست وقصدار.
وفيهَا مَاتَ مَنْصُور بن نوح بن نصر بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن أَسد بن سامان صَاحب خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر فِي نصف شَوَّال ببخارا وولايته نَحْو خمس عشرَة سنة، وَولي بعده ابْنه نوح وعمره نَحْو ثَلَاث عشرَة سنة.
وفيهَا: مَاتَ قَاضِي قُضَاة الأندلس مُنْذر بن سعيد البلوطي فَقِيه خطيب شَاعِر ذُو دين متين.
وفيهَا: قبض عضد الدولة على أبي الْفَتْح بن العميد وَزِير أبي عضد الدولة وسمل إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَقطع أَنفه، وَكَانَ أَبُو الْفَتْح لَيْلَة قبض قد هيأ مَجْلِسا للأنس والندماء والالات الذهبية وَالطّيب وَشَرِبُوا، وَعمل شعرًا غَنِي لَهُ بِهِ وَهُوَ:
(دَعَوْت المنى ودعوت العلى ... فَلَمَّا أجابا دَعَوْت الْقدح)
(وَقلت لأيام شرخ الشَّبَاب ... إِلَيّ فَهَذَا أَوَان الْفَرح)
(إِذا بلغ الْمَرْء آماله ... فَلَيْسَ لَهُ بعْدهَا مقترح)
فَقبض عَلَيْهِ من سحر تِلْكَ اللَّيْلَة.
وفيهَا توفّي الحكم بن عبد الرَّحْمَن الْأمَوِي صَاحب الأندلس وإمارته خمس عشرَة سنة وَخَمْسَة أشهر وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وَسَبْعَة أشهر، كَانَ فَقِيها عَالما بالتاريخ وَغَيره، وبويع بعده ابْنه الْمُؤَيد هِشَام وَهُوَ ابْن عشر سِنِين، وَتَوَلَّى حجبه وتنفيذ أمره أَبُو عَامر
стр. 289
مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن أبي عَامر مُحَمَّد بن الْوَلِيد بن مزِيد الْمعَافِرِي القحطاني وتلقب أَبُو عَامر الْمَنْصُور واستبد بِالْأَمر وَمنع أحدا أَن يرى الْمُؤَيد.
وأصل أبي عَامر من الجزيرة الخضراء من الأندلس من قربَة طوشر واشتغل بالعلوم فِي قرطبة، وَكَانَ شرِيف النَّفس فَبلغ معالي الْأُمُور وَجمع الْفُضَلَاء وَبَلغت غَزَوَاته نيفا وَخمسين، وَمن نَادِر الِاتِّفَاق: إِن صاعد بن الْحسن اللّغَوِيّ أهْدى إِلَيْهِ أيلا مربوطا بِحَبل وامتدح الْمَنْصُور بِأَبْيَات وَكَانَ الْمَنْصُور قد أرسل عسكرا لغزو الفرنج وَاسم ملكهم إِذْ ذَاك غرسيه بن شاتجه، وَمن جملَة الأبيات:
(عبد نشلت بضبعة وغرسته ... فِي نعْمَة أهْدى إِلَيْك بأيل)
(سميته غرسية وبعثته ... فِي حبله ليتاح فِيهِ تفألي)
(فلئن قبلت فَتلك أَسْنَى نعْمَة ... أسدي بهَا ذِي منحة وتطول)
فأحضر الْعَسْكَر غرسية أَسِيرًا ذَلِك الْيَوْم، وَبَقِي الْمَنْصُور على مَنْزِلَته حَتَّى توفّي وَسَيَأْتِي.
وفيهَا: عَاد شرِيف إِلَى ملك حلب، فَإِنَّهُ وصل إِلَى شرِيف بن سيف الدولة وَهُوَ بحماه بارقطاش مولى أَبِيه من حصن برزويه وخدمه وَعمر لَهُ حمص بعد خراب الرّوم وتقوى بكجور مولى قرعويه ونائبه وَقبض على قرعويه بحلب وحبسه بالقلعة وَاسْتولى على حلب، فكاتب أَهلهَا أَبَا الْمَعَالِي شريفا فَجَاءَهُمْ وَأنزل بكجور بالأمان وولاه حمص وَاسْتقر أَبُو الْمَعَالِي بحلب.
وفيهَا: توفّي بهستون بن وشمكير بجرجان، وَاسْتولى عَلَيْهَا وعَلى طبرستان أَخُوهُ قَابُوس.
وفيهَا: توفّي يُوسُف بن الْحسن الجبائي القرمطي صَاحب هجر ومولده سنة ثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَولى بعده سِتَّة نفر شركَة وَسموا السَّادة.
ثمَّ دخلت سنّ سِتّ وَسِتِّينَ وثلثمائة: فِيهَا خرج يانس بن شمشقيق ملك الرّوم فِي جيوش عَظِيمَة من النَّصْرَانِيَّة كَانَ جنَاح الجيوش فِي عِقَاب الروج والاخر فِي الغرزل من علاة معمرة النُّعْمَان وَنزل على أفاميه، ثمَّ رَحل فَفتح بعلبك وَأسر أَهلهَا وَكَانُوا تحَصَّنُوا فِي الملعب، وحاصر طرابلس ثمَّ انْصَرف عَنْهَا.
وفيهَا: مَاتَ يانس ملك الرّوم بَين اللاذقية وأنطاكية بالسم سمته زَوجته يفانو خافته على ولديها من أرمانوس قبل تقفور فَأرْسلت إِلَيْهِ سقية كَمَا تقدم.
وفيهَا: ولي الرّوم الْملك بسيل.
ثمَّ دخلت سنّ سبع وَسِتِّينَ وثلثمائة: فِيهَا استولى عضد الدولة على الْعرَاق وَغَيره، وخلع على بختيار ووعده بِأَيّ ولَايَة أَرَادَ، وَقتل عضد الدولة ابْن بَقِيَّة وَزِير بختيار وصلبه، ورثاه أَبُو الْحسن الْأَنْبَارِي بقصيدة مِنْهَا:
стр. 290
(علو فِي الْحَيَاة وَفِي الْمَمَات ... بِحَق أَنْت إِحْدَى المعجزات)
(كَأَن النَّاس حولك حِين قَامُوا ... وُفُود نداك أَيَّام الصَّلَاة)
(مددت يَديك نحوهم اقتفاء ... لمدهما إِلَيْهِم فِي الهبات)
(وَلما ضَاقَ بطن الأَرْض عَن أَن ... يضم علاك من بعد الممات)
(أصاروا الجو قبرك واستنابوا ... عَن الأكفان ثوب السافيات)
(لعظمك فِي النُّفُوس تبيت ترعى ... بحراس وحفاظ ثِقَات)
(وتشعل عنْدك النيرَان لَيْلًا ... كَذَلِك كنت أَيَّام الْحَيَاة)
ثمَّ سَار بختيار نَحْو الشَّام وَمَعَهُ حمدَان بن نَاصِر الدولة وأطعمه حمدَان فِي ملك الْموصل من أَخِيه أبي ثَعْلَب، فَأرْسل أَبُو ثَعْلَب يَقُول لبختيار: إِن سلمت إِلَيّ أخي حمدَان قَاتَلت مَعَك أَخَاك عضد الدولة، فغدر بختيار بحمدان وَسلمهُ إِلَى أَخِيه أبي ثَعْلَب فحبسه.
وَسَار أَبُو ثَعْلَب بعساكره مَعَ بختيار نَحْو عضد الدولة، فَخرج من بَغْدَاد نَحْوهمَا والتقوا بقصر الجص من نواحي تكريت ثامن عشر شَوَّال مِنْهَا فهزمهما عضد الدولة وَأمْسك بختيار فَقتله ثمَّ قصد الْموصل فملكها.
وهرب أَبُو ثَعْلَب إِلَى ميافارقين، فَأرْسل عضد الدولة فِي طلبه جَيْشًا إِلَى ميافارقين فهرب أَبُو ثَعْلَب إِلَى بدليس، وَتَبعهُ الْعَسْكَر فهرب نَحْو الرّوم فَلحقه الْعَسْكَر واقتتتلوا، فنصر أَبُو ثَعْلَب وَسَار إِلَى حصن زِيَاد وَيعرف الْآن بخرت برت، ثمَّ إِلَى آمد وَأقَام بهَا.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن قريعة الْبَغْدَادِيّ قَاضِي السندية وَغَيرهَا من أَعمال بَغْدَاد من عجائب الدُّنْيَا فِي سرعَة البديهة يُجيب عَن كل مَا يسْأَل عَنهُ بأفصح لفظ وأملح سجع، اخْتصَّ بِصُحْبَة الْوَزير المهلبي وَكَانَ الرؤساء يلاعبونه بالمسائل المضحكة فيجيب بِلَا توقف كتب إِلَيْهِ بَعضهم: مَا يَقُول القَاضِي وَفقه اللَّهِ فِي يَهُودِيّ زنا بنصرانية فَولدت ولدا جِسْمه للبشر وَوَجهه للبقر وَقد قبض عَلَيْهَا؟ فَكتب سَرِيعا،: هَذَا من أعدل الشُّهُود على الْيَهُود بِأَنَّهُم أشربوا الْعجل فِي صُدُورهمْ فَخرج من أيورهم وَأرى ان يناط باليهودي رَأس الْعجل ويصلب على عنق النَّصْرَانِيَّة السَّاق مَعَ الرجل ويسحبا على الأَرْض وينادي عَلَيْهِمَا: ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض وَالسَّلَام.
والسند قَرْيَة على نهر عِيسَى بَين بَغْدَاد والأنبار إِلَيْهَا سندواني فرقا بَينهَا وَبَين بِلَاد السَّنَد.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وثلثمائة: فِيهَا فتح أَبُو الْوَفَاء مقدم عَسْكَر عضد الدولة ميافارقين بالأمان وَسمع أَبُو ثَعْلَب بِفَتْحِهَا فَسَار عَن رمد نَحْو الرحبة ثمَّ سَار عَسْكَر عضد الدولة مَعَ أبي الْوَفَاء ففتحوا آمد وَاسْتولى عضد الدولة على ديار بكر، ثمَّ على ديار مُضر والرحبة، ثمَّ اسْتخْلف أَبُو الْوَفَاء على الْموصل وَعَاد إِلَى بَغْدَاد.
أما أَبُو ثَعْلَب فَسَار إِلَى دمشق، وَكَانَ قد تغلب على دمشق قسام وَهُوَ شخص كَانَ يَثِق
стр. 291
إِلَيْهِ أفتكين ويقدمه فاستولى قسام على دمشق وَكَانَ يخْطب بهَا للعزيز صَاحب مصر، فَلَمَّا وصل أَبُو ثَعْلَب إِلَى دمشق قَاتله قسام وَمنعه من دمشق فَسَار أَبُو ثَعْلَب إِلَى طبرية.
وفيهَا توفّي القَاضِي أَبُو سعيد الْحسن بن عبد اللَّهِ السيرافي شَارِح كتاب سِيبَوَيْهٍ فَاضل فَقِيه نحوي منطقي مهندس وعمره أَربع وَثَمَانُونَ سنة، وَولي بعده أَبُو مُحَمَّد مَعْرُوف الحكم بالجانب الشَّرْقِي من بَغْدَاد.
قلت: قَرَأَ السيرافي الْقُرْآن على أبي بكر بن مُجَاهِد واللغة على ابْن دُرَيْد والنحو على ابْن السراج وَكَانَ يقرىء عدَّة فنون، وَكَانَ معتزليا وَلم يظْهر مِنْهُ شَيْء نزها عفيفا يَأْكُل من نسخ يَده، وَكَانَ كثيرا مَا ينشد:
(اسكن إِلَى سكن تسر بِهِ ... ذهب الزَّمَان وَأَنت مُنْفَرد)
(ترجو غَدا وغد كحامله ... فِي الْحَيّ لَا يَدْرُونَ مَا تَلد)
وَكَانَ بَينه وَبَين أبي الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ صَاحب الأغاني مَا جرت الْعَادة بِهِ بَين الْفُضَلَاء من التنافس، فَقَالَ فِيهِ أَبُو الْفرج:
(لست صَدرا وَلَا قَرَأت على ... صدر وَلَا علمك البكي بشافي)
(لعن اللَّهِ كل نَحْو وَشعر ... وعروض يَجِيء من سيرافي)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنّ تسع وَسِتِّينَ وثلثمائة: فِيهَا سَار أَبُو تغلب من طبرية حَسْبَمَا ذكرنَا إِلَى الرملة فِي الْمحرم مِنْهَا وَهُنَاكَ دَغْفَل بن مفرج الطَّائِي وَالْفضل بن قواد الْعَزِيز فِي عَسْكَر جهزه الْعَزِيز إِلَى الشَّام، فَسَارُوا لقِتَال أبي تغلب وَلَيْسَ مَعَه سوى سَبْعمِائة رجل من غلمانه وغلمان أَبِيه، فَانْهَزَمَ أَبُو تغلب وتبعوه وأسروه فَقتله دَغْفَل وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى الْعَزِيز بِمصْر، وَكَانَ مَعَه أُخْته جميلَة وَزَوجته بنت عَمه سيف الدولة فحملها بَنو عقيل إِلَى حلب وَبهَا ابْن سيف الدولة، فَترك أُخْته عِنْده وَأرْسل جميلَة بنت نَاصِر الدولة إِلَى بَغْدَاد فاعتقلت فِي حجرَة فِي دَار عضد الدولة.
وفيهَا: توفّي عمرَان بن شاهين صَاحب البطيحة فِي الْمحرم فَجْأَة، كَانَ من أهل الجامدة فجنى جنايات وَخَافَ من السُّلْطَان فهرب إِلَى البطيحة وَأقَام بَين الْقصب وَالْآجَام يَأْكُل من السّمك وطيور يتصيدها، فَاجْتمع إِلَيْهِ صيادون ولصوص فاستفحل أمره وَاتخذ لَهُ معاقل على التلال بالبطيحة وَغلب على تِلْكَ النواحي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلثمائة فِي أَيَّام معز الدولة، فَأرْسل معز الدولة لقتاله عسكرا مَرَّات فَلم يظفر بِهِ وَمَات معز الدولة وَعَسْكَره محاصر عمرَان، وَتَوَلَّى بختيار فَأمر بِرُجُوع الْعَسْكَر عَنهُ، ثمَّ جرت بَينهمَا حروب فَلم يظفر بختيار بِهِ.
وَلما مَاتَ عمرَان ولي مَكَانَهُ ابْنه الْحسن، فطمع فِيهِ عضد الدولة وَأرْسل إِلَيْهِ عسكرا ثمَّ صَالحه على مَال يحملهُ لعضد الدولة كل سنة.
وفيهَا: سَار عضد الدولة إِلَى بِلَاد أَخِيه فَخر الدولة عَليّ لوحشة جرت بَينهمَا، فهرب
стр. 292
مِنْهُ وَلحق بشمس الْمَعَالِي قَابُوس بن وشكمير فَأكْرمه غَايَة، وَملك عضد الدولة بِلَاد أَخِيه فَخر الدولة وَهِي هَمدَان والري وَمَا بَينهمَا، ثمَّ سَار إِلَى بِلَاد حسبويه الْكرْدِي فاستولى عَلَيْهَا، وَلحق عضد الدولة فِي هَذَا السّفر صرع فكتمه وَكثر نسيانه فَلَا يذكر الشَّيْء إِلَّا بعد جهد وكتم ذَلِك أَيْضا:
قلت:
(مواعظ الدَّهْر لأبنائه ... مَا بَين مَفْهُوم ومنطوق)
(كم طامع من دهره بالصفا ... والدهر لَا يصفو لمخلوق)
وَالله أعلم.
وفيهَا: أرسل عضد الدولة جَيْشًا إِلَى الأكراد الهكارية من عمل الْموصل فأوقع بهم وحاصرهم، فتركوا قلاعهم ونزلوا مَعَ الْعَسْكَر إِلَى الْموصل.
وفيهَا: تزوج الطائع ابْنة عضد الدولة.
قلت: وفيهَا: زَاد سعد الدولة أَبُو الْمَعَالِي بن سيف الدولة الْأَذَان حَيّ على خير الْعَمَل وَمُحَمّد وَعلي خير الْبشر.
وفيهَا: توفّي ثَابت بن إِبْرَاهِيم الْحَرَّانِي الحاذق فِي الطِّبّ.
ثمَّ دخلت سنة سبعين وثلثمائة: فِيهَا توفّي الأحدب المزور كتب على خطوط النَّاس فَلَا يشك الْمَكْتُوب عَنهُ أَنه خطه، وَكَانَ عضد الدولة يُوقع بِخَطِّهِ بَين الْمُلُوك الَّذين يُرِيد الْإِيقَاع بَينهم بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَال.
وفيهَا: ورد على عضد الدولة من الْيمن هَدِيَّة فِيهَا قِطْعَة عنبر وَزنهَا سِتَّة وَخَمْسُونَ رطلا بالبغدادي.
وفيهَا: توفّي الْأَزْهَرِي أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْأَزْهَر بن طَلْحَة اللّغَوِيّ الْفَقِيه الشَّافِعِي، لَهُ التَّهْذِيب عشر مجلدات وَغَيره، ومولده سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسبعين وثلثمائة: فِيهَا استولى عضد الدولة على بِلَاد جرجان وطبرستان وَأجلى عَنْهَا قَابُوس وَمَعَهُ فَخر الدولة أَخُو عضد الدولة لِأَنَّهُ طلب مِنْهُ أَخَاهُ فَلم يُسلمهُ إِلَيْهِ.
وفيهَا: قبض عضد الدولة على القَاضِي المحسن بن عَليّ التنوخي الْحَنَفِيّ وَكَانَ يُطلق لِسَانه فِي الشَّافِعِي رَحْمَة اللَّهِ عَلَيْهِ.
وفيهَا: أطلق عضد الدولة أَبَا إِسْحَاق الصابي وَكَانَ قبض عَلَيْهِ سنة سبع وَسِتِّينَ بِسَبَب أَنه كَانَ ينصح فِي المكاتبات لمخدومه بختيار.
قلت: وَهَذَا عَجِيب:
(فَلَيْسَ نصح الْفَتى لصَاحبه ... من الصِّفَات الَّتِي يذم بهَا)
وَالله أعلم.
стр. 293
وفيهَا: أرسل عضد الدولة القَاضِي أَبَا بكر مُحَمَّد بن الطّيب الْأَشْعَرِيّ بن الباقلاني إِلَى ملك الرّوم فِي جَوَاب رِسَالَة.
وفيهَا: توفّي أَبُو بكر أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الْإِسْمَاعِيلِيّ الْفَقِيه الشَّافِعِي الْجِرْجَانِيّ، وَالْإِمَام مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد اللَّهِ الْفَقِيه الشَّافِعِي الْمروزِي عَالم بِالْحَدِيثِ وَغَيره وروى صَحِيح البُخَارِيّ عَن الْفربرِي.
قلت: وفيهَا: قبض عضد الدولة على جميلَة بنت نَاصِر الدولة بن حمدَان لما عَادَتْ من الرملة بعد قتل أَخِيهَا أبي تغلب ونادى عَلَيْهَا وَهِي على جمل: هَذِه قبيحة أُخْت أبي مغلوب، وغرقها فِي دجلة وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلثمائة: فِيهَا بعث الْعَزِيز بِاللَّه من مصر جَيْشًا مَعَ بكتكين إِلَى الشَّام فوصل فلسطين وَقد استولى عَلَيْهَا مفرج بن الْجراح فَاقْتَتلُوا فَانْهَزَمَ ابْن الْجراح ثمَّ سَار بكتكين إِلَى دمشق فقاتله قسام الْمُتَوَلِي عَلَيْهَا، فغلبه بكتكين وَملك دمشق وَأمْسك قساما وأرسله إِلَى الْعَزِيز فاستقر بِدِمَشْق وزالت مِنْهَا الْفِتَن.
وفيهَا: فِي ثامن شَوَّال توفّي عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة وَحسن بن بويه بمعاودة الصرع مرّة بعد أُخْرَى وَحمل إِلَى مشْهد عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَدفن بِهِ وولايته بالعراق خمس سِنِين وَنصف وعمره سبع وَأَرْبَعُونَ، وَلما احْتضرَ لم ينْطَلق لِسَانه إِلَّا بِتِلَاوَة: ﴿مَا أغْنى عني ماليه. هلك عني سلطانية﴾ . وَكَانَ عَاقِلا فَاضلا سائسا مهيبا، وَبنى على مَدِينَة النَّبِي ﷺ َ - سورا وَله شعر مِنْهُ أَبْيَات مِنْهَا بَيت لم يفلح بعده وَهِي:
(لَيْسَ شرب الكأس إِلَّا فِي الْمَطَر ... وغناء من جوَار فِي السحر)
(غانيات سالبات للنهى ... ناعمات فِي تضاعيف الْوتر)
(عضد الدولة وَابْن ركنها ... ملك الْأَمْلَاك غلاب الْقدر)
وَكَانَ محبا لأهل الْعُلُوم فقصده الْعلمَاء وصنف لَهُ الْإِيضَاح فِي النَّحْو وَالْحجّة فِي الْقرَاءَات والملكي فِي الطِّبّ والتاجي فِي تَارِيخ الديلم وَغير ذَلِك، وَلما توفّي بَايع القواد ابْنه كاليجار المزربان على الْإِمَارَة ولقبوه صمصام الدولة، وَكَانَ أَخُوهُ شرف الدولة شيربك بكرمان وَسمع بِمَوْت أَبِيه فَسَار وَملك فَارس وَقطع خطْبَة أَخِيه صمصام الدولة.
وفيهَا: قتل أَبُو الْفرج مُحَمَّد بن عمرَان بن شاهين أَخَاهُ الْحسن صَاحب البطيحة وَاسْتولى عَلَيْهَا.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسبعين وثلثمائة: فِيهَا توفّي مؤيد الدولة بويه بن ركن الدولة حسن بن بويه بالخوانيق، كَانَ قد زَاده أَخُوهُ عضد الدولة على مملكة اخيهما فَخر الدولة، وعاش مؤيد الدولة ثَلَاثًا وَأَرْبَعين وَكَانَ أَخُوهُ فَخر الدولة عَليّ مَعَ قَابُوس كَمَا ذكرنَا، فَلَمَّا مَاتَ مؤيد الدولة اتّفق قواد عسكره على طَاعَة فَخر الدولة وَكَتَبُوا إِلَيْهِ، فَعَاد ملكه والْمنَّة لله بِلَا قتال وَذَلِكَ فِي رَمَضَان مِنْهَا، ووصلت إِلَى فَخر الدولة الْخلْع من الْخَلِيفَة والعهد بِالْولَايَةِ.
стр. 294
وفيهَا: كتب بكجور مولى قرعويه الَّذِي قبض على قرعويه وَملك حلب ثمَّ أَخذهَا مِنْهُ شرِيف بن سيف الدولة إِلَى الْعَزِيز بِمصْر يسْأَله ولَايَة دمشق فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَكتب إِلَى بكتكين عَامله بِدِمَشْق أَن يُسَلِّمهَا إِلَى بكجور ويحضر بكتكين إِلَى مصر، فسلمها إِلَى بكجور فِي رَجَب وأساء بكجور فِيهَا السِّيرَة.
وفيهَا: اتّفق كبراء عَسْكَر عمرَان بن شاهين فَقتلُوا أَبَا الْفرج مُحَمَّد بن عمرَان لسوء سيرته وَأَقَامُوا أَبَا الْمَعَالِي بن الْحسن بن شاهين صَغِيرا يدبر أمره المظفر بن على الْحَاجِب وَهُوَ أكبر قواد جده عمرَان، ثمَّ أَزَال المظفر الْحَاجِب أَبَا الْمَعَالِي وسيره وَأمه إِلَى وَاسِط واستقل المظفر بِملك البطيحة وانقرض بَيت عمرَان بن شاهين.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي يُوسُف بن بلكين بن زيزي أَمِير أفريقية وَتَوَلَّى ابْن الْمَنْصُور وَأرْسل إِلَى الْمعز هَدِيَّة عَظِيمَة قيمتهَا ألف ألف دِينَار.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسبعين وثلثمائة: فِيهَا ولي أَبُو طريف عليان بن ثمال الخفاجي حماية الْكُوفَة وَهِي أول إِمَارَة بني ثمال.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْموصِلِي الْحَافِظ الْمَشْهُور.
وفيهَا: توفّي بميافارقين الْخَطِيب أَبُو يحيى عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن نَبَاته إِمَام فِي الْعُلُوم الْأَدَب مَا عمل مثل خطبه، وخطب أَيْضا بحلب وَبهَا اجْتمع بالمتنبي عِنْد سيف الدولة، وَكَانَ الْخَطِيب رجلا صَالحا رأى النَّبِي ﷺ َ - فِي الْمَنَام فَقَالَ: مرْحَبًا يَا خطيب الخطباء كَيفَ تَقول كَأَنَّهُمْ لم يَكُونُوا للعيون قُرَّة وَلم يعدوا فِي الْأَحْيَاء مرّة؟ فَقَالَ الْخَطِيب تتمتها الْمعرفَة، فأدناه رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وتفل فِي فِيهِ، فَبَقيَ بعْدهَا ثَلَاثَة أَيَّام لم يطعم طَعَاما وَلَا يشتهيه وَيُوجد من فِيهِ مثل رَائِحَة الْمسك وَلم يَعش بعْدهَا إِلَّا يسرا، ومولده سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلثمائة.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَسبعين وثلثمائة: فِيهَا قصدت القرامطة الْكُوفَة مَعَ نفرين من السِّتَّة الَّذين تسموا بالسادة فملكوها ونهبوا، فَجهز صمصام الدولة إِلَيْهِم جَيْشًا فَانْهَزَمَ القرامطة وَكثر الْقَتْل فيهم وانخرقت هيبتهم.
وَحكى ابْن الْأَثِير والعهدة على النَّاقِل أَنه خرج فِي هَذِه السّنة من الْبَحْر بعمان طَائِر أكبر من الْفِيل ووقف على تل هُنَاكَ وَصَاح بِصَوْت عَال ولسان فصيح: قد قرب، قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات ثمَّ غاص فِي الْبَحْر، فعل ذَلِك ثَلَاثَة أَيَّام وَلم ير بعد ذَلِك.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسبعين وثلثمائة: فِيهَا سَار شرف الدولة شيربك بن عضد الدولة من الأهواز فَملك وَاسِط، وَأَشَارَ أَصْحَاب صمصام الدولة عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْموصل أَو غَيرهَا فَأبى وَركب بخواصه وَحضر عِنْد أَخِيه شرف الدولة مستأمنا فَلَقِيَهُ وَطيب قلبه، فَلَمَّا خرج من عِنْده غدر بِهِ شرف الدولة وَقبض عَلَيْهِ وَسَار حَتَّى دخل بَغْدَاد فِي رَمَضَان
стр. 295
وصمصام الدولة معتقل مَعَه، وَكَانَت إِمَارَة صمصام الدولة بِبَغْدَاد ثَلَاث سِنِين، ثمَّ أعتقله بقلعة بِفَارِس.
وفيهَا: توفّي المظفر الْحَاجِب صَاحب البطيحة، ووليها ابْن أَخِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن نصر بِعَهْد من المظفر وَوصل تَقْلِيده من بَغْدَاد ولقب مهذب الدولة فَأحْسن وساس.
وفيهَا: توفّي بِبَغْدَاد أَبُو عَليّ الْحسن بن أَحْمد بن عبد الْغفار الْفَارِسِي النَّحْوِيّ صَاحب الْإِيضَاح وَقد جَاوز التسعين، وَقيل كَانَ معتزليا، ولد فِي مَدِينَة فسا واشتغل بببغداد وَأقَام مُدَّة بحلب عِنْد سيف الدولة، ثمَّ أَقَامَ بِفَارِس وَصَحب عضد الدولة وَله التَّذْكِرَة وَكتاب الْمَقْصُور والممدود وَالْحجّة فِي الْقرَاءَات والعوامل الْمِائَة والمسائل الحلبيات.
قلت: وَكَانَ أَبُو عَليّ يغبط من يَقُول الشّعْر وَقَالَ: مَا أعلم أَن لي شعرًا إِلَّا ثَلَاثَة أَبْيَات فِي الشيب وَهِي قَوْله:
(خضبت الشيب لما كَانَ عَيْبا ... وخضب الشيب أولى أَن يعابا)
(وَلم أخضب مَخَافَة هجر خل ... وَلَا عَيْبا خشيت وَلَا عتابا)
(وَلَكِن المشيب بدا ذَمِيمًا ... فصيرت الخضاب لَهُ عقَابا)
قلت: وقذ ذكرت بِهَذَا بَيْتَيْنِ لي فِي الشيب وهما:
(بِاللَّه يَا معشر أَصْحَابِي ... اغتنموا فضلي وآدابي)
(فالشيب قد حل برأسي وَقد ... أقسم لَا يرحل إِلَّا بِي)
وبيتين لي أَيْضا فِيهِ وهما:
(الشيب سَوط عَذَاب ... هام النِّسَاء بقذفه)
(يَكْفِي مشيبي عَيْبا ... إِنِّي رضيت بنتفه)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسبعين وثلثمائة وَسنة ثَمَان وَسبعين وثلثمائة:: فِيهَا سير الْعَزِيز عسكرا مَعَ الْقَائِد مِنْبَر الْخَادِم إِلَى دمشق ليعزل بكجور عَنْهَا ويتولاها فقاتله عِنْد داريا فَانْهَزَمَ بكجور وَدخل الْبَلَد وَطلب الْأمان فَأَمنهُ فَسَار بكجور إِلَى الرقة فاستولى عَلَيْهَا، وَأحسن مِنْبَر السِّيرَة بِدِمَشْق.
وفيهَا: فِي الْمحرم أهْدى الصاحب بن عباد إِلَى فَخر الدولة بن ركن الدولة حسن دِينَارا وَزنه ألف مِثْقَال مَكْتُوبًا عَلَيْهِ:
(وأحمر يَحْكِي الشَّمْس شكلا وَصُورَة ... فأوصافها مُشْتَقَّة من صِفَاته)
(فَإِن قيل دِينَار فقد صدق اسْمه ... وَإِن قيل ألف فَهُوَ بعض سماته)
(بديع وَلم يطبع على الدَّهْر مثله ... وَلَا ضربت أضرابه لسراته)
(وَصَارَ إِلَى شاهان شاه انتسابه ... على أَنه مستصغر لعفاته)
стр. 296
(يخبر أَن يبْقى سنينا كوزنه ... لتستبشر الدُّنْيَا بطول حَيَاته)
وفيهَا: توفّي أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِسْحَاق الْحَاكِم النَّيْسَابُورِي ذُو التصانيف.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَسبعين وثلثمائة: فِيهَا أرسل شرف الدولة مُحَمَّد الشِّيرَازِيّ الْفراش فسمل عَيْني أَخِيه صمصام الدولة فِي القلعة الَّتِي حبس بهَا.
وفيهَا: فِي مستهل جُمَادَى الْآخِرَة توفّي الْملك شرف الدولة شيربك بالاستسقاء وَدفن بمشهد عَليّ ﵁، وإمارته بالعراق سنتَانِ وَثَمَانِية أشهر وعمره ثَمَان وَعِشْرُونَ سنة وَخَمْسَة أشهر، فاستقر مَوْضِعه أَخُوهُ أَبُو نصر بهاء الدولة واسْمه خاشاذ وخلع عَلَيْهِ الطائع وقلده السلطنة.
وفيهَا: افْتتن الأتراك والديلم واقتتلوا خَمْسَة أَيَّام وبهاء الدولة فِي راره يراسلهم فِي الصُّلْح، وَبعد اثْنَتَيْ عشر يَوْمًا صَار بهاء الدولة مَعَ الأتراك فَأجَاب الديلم إِلَى الصُّلْح، وَمِنْهَا أخذت الأتراك فِي الْقُوَّة والديلم فِي الضعْف.
وفيهَا: هرب أَبُو الْعَبَّاس الْقَادِر أَحْمد بن الْأَمِير إِسْحَاق بن المقتدر إِلَى البطيحة فاحتمى فِيهَا، وَسَببه: أَن الْأَمِير إِسْحَاق وَالِده لما توفّي جرى بَين ابْنه أَحْمد الْمُسَمّى فِيمَا بعد بالقادر وَبَين أُخْت لَهُ مُنَازعَة على ضَيْعَة وَكَانَ الطائع قد مرض وشفي فسعت بأخيها إِلَى الطائع وَقَالَت: إِن أخي لَهُ شرع فِي طلب الْخلَافَة عِنْد مرضك فَتغير عَلَيْهِ الطائع وَأرْسل ليقبضه فهرب، فَأكْرمه مهذب الدولة صَاحب البطيحة.
وفيهَا: اسْتَأْذن أَبُو طَاهِر إِبْرَاهِيم وَأَبُو عبد اللَّهِ الْحُسَيْن ابْنا نَاصِر الدولة بن حمدَان بهاء الدولة فِي الْمسير إِلَى الْموصل وَكَانَا قبله فِي خدمَة أَخِيه شرف الدولة بن عضد الدولة فَأذن لَهما بهاء الدولة فِي ذَلِك، فسارا إِلَى الْموصل فقاتلهما الْعَامِل بهَا، وَاجْتمعَ إِلَيْهِمَا المواصلة فطردا الْعَامِل وَاسْتقر بالموصل.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْعَبَّاس السّلمِيّ النقاش من متكلمي الأشعرية.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا طمع باد صَاحب ديار بكر فِي ابْني نَاصِر الدولة الْمَذْكُورين فقصدهما وَجرى بَينهم قتال قتل فِيهِ باد وَحمل رَأسه إِلَيْهِمَا وبإدخال أبي عَليّ بن مَرْوَان فَسَار أَبُو عَليّ ابْن أُخْته إِلَى حصن كيفا وَبِه زَوْجَة خَاله باد وَأَهله فَقَالَ لامْرَأَة خَاله: قد أنقذني خَالِي إِلَيْك فِي مُهِمّ، فأصعدته فأعلمها بقتل خَاله وأطمعها فِي التَّزَوُّج بهَا فوافقته على ملك الْحصن وَغَيره، وَنزل أَبُو عَليّ بن مَرْوَان وَملك بِلَاد خَاله حصنا حصنا، وَجَرت بَينه وَبَين ابْني نَاصِر الدولة حروب.
ثمَّ مضى أَبُو عَليّ بن مَرْوَان إِلَى مصر وتقلد من الْخَلِيفَة الْعَزِيز بِاللَّه الْعلوِي ولَايَة حلب وَتلك النواحي وَعَاد إِلَى مَكَانَهُ من ديار بكر، وَأقَام بِتِلْكَ الديار إِلَى أَن اتّفق بعض
стр. 297
أهل آمد مَعَ شيخهم عبد الْبر فَقتلُوا أَبَا عَليّ الْمَذْكُور عِنْد خُرُوجه من بَاب الْبَلَد بالسكاكين تولى قَتله ابْن دمنة من آمد وَاسْتولى عبد الْبر شيخ آمد عَلَيْهِ وَزوج ابْن دمنة بابنته، فَوَثَبَ ابْن دمنة فَقتل عبد الْبر أَيْضا وَاسْتولى على آمد.
وَكَانَ لأبي عَليّ أَخ لقبه ممهد الدولة بن مَرْوَان، فَلَمَّا قتل أَبُو عَليّ سَار ممهد الدولة فَملك ميافارقين وَغَيرهَا من بِلَاد أَخِيه، فَعمل شروة وَهُوَ من أكَابِر الْعَسْكَر دَعْوَة لممهد الدولة وَقَتله فِيهَا، وَاسْتولى شروة على غَالب بِلَاد بني مَرْوَان وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة.
وَكَانَ ممهد الدولة قد حبس أَخَاهُ الآخر أَبَا نصر أَحْمد، وَكَانَ قد حَبسه أَيْضا أَخُوهُ أَبُو عَليّ بِسَبَب مَنَام وَهُوَ أَنه رأى أَن الشَّمْس فِي حجره وَقد أَخذهَا مِنْهُ أَخُوهُ أَبُو نصر فحبسه لذَلِك، فَلَمَّا قتل ممهد الدولة أخرج أَبُو نصر من الْحَبْس وَاسْتولى على أرزن، هَذَا كُله وأبوهم مَرْوَان بَاقٍ أعمى مُقيم بأرزن عِنْد قبر وَلَده أبي عَليّ، وَلما اسْتَقر أَبُو نصر خرجت الْبِلَاد عَن طَاعَة شروة وَاسْتولى أَبُو نصر على سَائِر بِلَاد ديار بكر ودامت أَيَّامه وَحسنت سيرته، وَبَقِي كَذَلِك من سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة إِلَى ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَسَيَأْتِي.
وفيهَا: ملك أَبُو الذواد الْموصل وَهُوَ مُحَمَّد بن الْمسيب بن رَافع بن الْمُقَلّد بن جَعْفَر أَمِير بني عقيل وَقتل أَبَا طَاهِر بن نَاصِر الدولة بن حمدَان وَأَوْلَاده وعدة من قواده بعد قتال بَينهمَا وَاسْتقر أَبُو الذواد بالموصل.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى ثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا قبض بهاء الدولة على الطائع لله أبي بكر عبد الْكَرِيم بن الْمفضل الْمُطِيع لله بن المعتضد بن الْمُوفق بن المتَوَكل لطمع بهاء الدولة فِي مَال الطائع، وَلما أَرَادَ ذَلِك أرسل إِلَى الطائع وَسَأَلَهُ الْأذن ليجدد الْعَهْد بِهِ، فَجَلَسَ الطائع على كرْسِي وَدخل بعض الديلم على صُورَة مقبل ليده فَجَذَبَهُ عَن سَرِيره والخليفة يَقُول: إِنَّا لله وَأَنا إِلَيْهِ رَاجِعُون، وَحمل إِلَى دَار بهاء الدولة وَأشْهد عَلَيْهِ بِالْخلْعِ، فخلافته سبع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر وَأَيَّام، وَلما تولى الْقَادِر حمل إِلَيْهِ الطائع فَبَقيَ عِنْده مكرما إِلَى أَن توفّي الطائع سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلثمائة لَيْلَة الْفطر ومولده سنة سبع عشرَة وثلثمائة، وَلم يكن للطائع فِي ولَايَته من الحكم مَا يسْتَدلّ بِهِ على حَاله.
وَكَانَ فِيمَن حضر لقبض الطائع الشريف الرضي فبادر بِالْخرُوجِ من دَار الْخلَافَة وَقَالَ فِي ذَلِك أبياتا مِنْهَا:
(أمسيت أرْحم من قد كنت أغبطه ... لقد تقَارب بَين الْعِزّ والهون)
(ومنظر كَانَ بالسراء يضحكني ... يَا قرب مَا عَاد بالضراء يبكيني)
(هَيْهَات أغتر بالسلطان ثَانِيَة ... قد ضل عِنْدِي ولاج السلاطين)
стр. 298
(أَخْبَار الْقَادِر بِاللَّه)
وبويع الْقَادِر بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْأمين إِسْحَاق بن المقتدر بن المعتضد وَهُوَ خَامِس عشرهم بالخلافة وخطب لَهُ ثَالِث عشر رَمَضَان، وَلما خلع الْمُطِيع كَانَ قَادر بالبطيحة كَمَا تقدم فَأرْسل إِلَيْهِ بهاء الدولة خَواص أَصْحَابه ليحضره وَخرج بهاء الدولة والأعيان لملتقاه وَدخل دَار الْخلَافَة ثَانِي عشر رَمَضَان وَلما توجه من البطيحة من عِنْد ممهد الدولة حمل إِلَيْهِ مهذب الدولة أَمْوَالًا كَثِيرَة.
وفيهَا: سَار بكجور الْمخْرج من دمشق إِلَى الرقة كَمَا ذكرنَا إِلَى قتال سعد الدولة بن سيف الدولة بحلب واقتتلا شَدِيدا وهرب بكجور وَأَصْحَابه ثمَّ أسر بكجور وَحمل إِلَى سعد الدولة فَقتله وَلَقي بكجور عَاقِبَة بغية على مَوْلَاهُ، ثمَّ سَار سعد الدولة إِلَى الرقة وَبهَا أَوْلَاد بكجور وأمواله فحصرها، فاستأمنوا فَأَمنَهُمْ وَحلف أَن لَا يتَعَرَّض إِلَيْهِم وَلَا إِلَى مَالهم، وسلموا إِلَيْهِ الرقة فغدر بهم وَقبض على أَوْلَاد بكجور وَأخذ مَالهم الْكثير.
وَعَاد سعد الدولة إِلَى حلب فَلحقه فالج فِي جَانِبه الْيَمين، فأحضر الطَّبِيب وَمد إِلَيْهِ يَده الْيُسْرَى فَقَالَ الطَّبِيب: يَا مَوْلَانَا هَات الْيُمْنَى، فَقَالَ سعد الدولة: مَا تركت لي الْيَمين يَمِينا، وَمَات بعد ثَلَاثَة أَيَّام فِي هَذِه السّنة وعهد إِلَى وَلَده أبي الْفضل وَجعل مَوْلَاهُ لُؤْلُؤ يدبر أمره.
وفيهَا: نَازل بسيل ملك الرّوم حمص فَفَتحهَا ونهبها، ثمَّ نهب شيزر، ثمَّ حصر طرابلس مُدَّة وَعَاد إِلَى الرّوم.
وفيهَا: توفّي الْقَائِد جَوْهَر معزولا عَن وظيفته.
قلت: وفيهَا جَاءَت زَلْزَلَة عَظِيمَة بِدِمَشْق هدمت دورا كَثِيرَة على أَهلهَا وَسَقَطت قَرْيَة دومة وَهلك جَمِيع أَهلهَا فِيمَا ذكر وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ ثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا شغب الْجند على بهاء الدولة بِسَبَب اسْتِيلَاء أبي الْحسن بن الْمعلم على الْأُمُور، فَسلم ابْن الْمعلم للجند فَقَتَلُوهُ.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث ثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا استولى بغراخان على بخارا وَكَانَ لَهُ كاشغر وبلاد صاغون إِلَى حد الصين، فقصد بخارا وَجرى بَينه وَبَين الْأَمِير الرضى نوح بن مَنْصُور الساماني حروب انتصر فِيهَا بغراجان وَخرج نوح مستخفيا فَعبر النَّهر إِلَى أمل الشط وَأقَام نوح بهَا وَلحق بِهِ أَصْحَابه، وَصَارَ يَسْتَدْعِي أَبَا عَليّ بن سيمجور صَاحب جَيش خُرَاسَان فَلم يَأْته وَعصى عَلَيْهِ، وَمرض بغراجان فِي بخارا فَرجع إِلَى بِلَاده فَمَاتَ فِي الطَّرِيق، وَكَانَ دينا حسن السِّيرَة وبادر الْأَمِير نوح إِلَى بخارا وَاسْتقر فِي ملك آبَائِهِ.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا اتّفق أَبُو عَليّ بن سيمجور صَاحب جَيش خُرَاسَان وفائق على حَرْب نوح، فَكتب نوح إِلَى سبكتكين وَهُوَ بغزنة يُعلمهُ بِالْحَال وولاه
стр. 299
خُرَاسَان، فَسَار سبكتكتين عَن غزنة وَمَعَهُ ابْنه مَحْمُود إِلَى نَحْو خُرَاسَان وَسَار نوح من بخارا فَاجْتمعُوا وقصدوا ابْن سيجمور وفائقا واقتتلوا بنواحي هراة، فَانْهَزَمَ ابْن سيجمور وَأَصْحَابه وتبعهم عَسْكَر نوح وسبكتكين يقتلُون، ثمَّ اسْتعْمل نوح على خُرَاسَان مَحْمُود بن سبكتكين.
وفيهَا: توفّي عبيد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن نَافِع الصَّالح بَقِي سبعبن سنة لَا يسْتَند إِلَى شَيْء، وَأَبُو الْحسن عَليّ بن عِيسَى النَّحْوِيّ الرماني ومولده سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَله تَفْسِير كَبِير، وَمُحَمّد بن الْعَبَّاس بن أَحْمد الْقَزاز وَكتب كثيرا وخطه حجَّة نقلا وضبطا، وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن هِلَال الْكَاتِب الصابي وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَتِسْعين سنة زمن وَضَاقَتْ أُمُوره، وَكَانَ كَاتب معز الدولة ثمَّ كتب لبختيار، وَكَانَت تصدر عَنهُ مكاتبات إِلَى عضد الدولة تؤلمه فحقد عَلَيْهِ، وَلما ملك بَغْدَاد حبس الصابي ثمَّ أطلقهُ وَأمره أَن يصنف لَهُ كتابا فِي أَخْبَار الدولة الديلمية فصنف الْكتاب التاجي.
وَنقل إِلَى عضد الدولة عَنهُ أَن رجلا دخل عَلَيْهِ وَهُوَ يؤلف فِي التاجي فَسَأَلَهُ عَمَّا يفعل، فَقَالَ: أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها، فحرك ذَلِك حقد عضد الدولة فَأَبْعَده وَحرمه.
جهد معز الدولة على الصابي ليسلم فَأبى، وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن، ورثاه الشريف الرضي فليم فِي ذَلِك فَقَالَ: إِنَّمَا رثيت فضيلته.
قلت: وَله فِي عبد لَهُ أسود كَانَ يهواه اسْمه يمن:
(قد قَالَ يمن وَهُوَ أسود للَّذي ... ببياضه استعلى علو الخاتن)
(مَا فَخر وَجهك بالبياض وَهل ترى ... إِن قد أفدت بِهِ مزِيد محَاسِن)
(وَلَو أَن مني فِيهِ خالا زانه ... وَلَو أَن مِنْهُ فِي خالا شانني)
وَله فِيهِ:
(لَك وَجه كَأَن يمناي ... خطته بِلَفْظ تمله آمالي)
(فِيهِ معنى من البدور وَلَكِن ... نفضت صبغها عَلَيْهِ اللَّيَالِي)
(لم يشنك السوَاد بل زِدْت حسنا ... إِنَّمَا يلبس السوَاد الموَالِي)
(فبمالي أفديك إِن لم تكن لي ... وبروحي أفديك إِن كنت مَالِي)
وَأول مرثية الشريف الرضي فِيهِ:
(أَرَأَيْت من حملُوا على الأعواد ... أَرَأَيْت كَيفَ خبا ضِيَاء النادي)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا عَاد أَبُو عَليّ بن سيمجور إِلَى خُرَاسَان وَقَاتل مَحْمُود بن سبكتكين وَأخرجه عَنْهَا، ثمَّ سَار سبكتكين وَابْنه مَحْمُود بالعساكر واقتتلوا مَعَ أبي عَليّ بطوس فهزموه، فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء عَن ابْن سيمجور:
стр. 300
(عصى السُّلْطَان فابتدرت إِلَيْهِ ... رجال يقلعون أَبَا قبيس)
(وصير طوس معقلة فَكَانَت ... عَلَيْهِ طوس أشأم من طويس)
ثمَّ أَن أَبَا عَليّ طلب الْأمان من نوح فَأَمنهُ، وجاءه أَبُو عَليّ إِلَى بخارا فحبسه نوح حَتَّى مَاتَ فِي الْحَبْس.
وفيهَا: مَاتَ الصاحب أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن عباد وَزِير فَخر الدولة عَليّ بن بويه بِالريِّ وَنقل فَدفن بأصبهان، كَانَ أوحد زَمَانه علما وتدبيرا وكرما أول من لقب بالصاحب من الوزراء صحب الْفضل بن العميد فَقيل لَهُ صَاحب ابْن العميد ثمَّ أطلق عَلَيْهِ هَذَا اللقب لما تولى الوزارة وَصَارَ علما عَلَيْهِ ثمَّ سمي بِهِ كل من ولي الوزارة وَكَانَ أَولا وزيرا لمؤيد الدولة وَبعده لفخر الدولة، وَله الْمُحِيط فِي اللُّغَة وَالْكَافِي فِي الرسائل وَكتاب الْإِمَامَة يتَضَمَّن فَضَائِل عَليّ وَصِحَّة إِمَامَة من تقدمه ﵃ وَكتاب الوزراء وَله النّظم الْجيد؛ ولد فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَعشْرين وثلثمائة بأصطخر وَقيل بطالقان قزوين، وَعباد أَبوهُ وَزِير ركن الدولة، وَتُوفِّي سنة أَربع أَو خمس وَثَمَانِينَ وثلثمائة.
وفيهَا: توفّي الإِمَام أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر بن أَحْمد الدَّارَقُطْنِيّ الْحَافِظ إِمَام فَقِيه شَافِعِيّ حفظ كثيرا من دواوين الشُّعَرَاء مِنْهَا ديوَان السَّيِّد الْحِمْيَرِي فنسب لذَلِك إِلَى التَّشَيُّع، وَخرج من بَغْدَاد إِلَى مصر وَأقَام عِنْد أبي الْفضل جَعْفَر وَزِير كافور واستفاد مِنْهُ ثروة وعلومه كَثِيرَة وَلَا سِيمَا عُلُوم الحَدِيث ومولده فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وثلثمائة ووفاته بِبَغْدَاد، ونسبته إِلَى دَار الْقطن محلّة كَبِيرَة بِبَغْدَاد.
وفيهَا: توفّي أَبُو مُحَمَّد يُوسُف بن الْحسن بن عبد اللَّهِ بن الْمَرْزُبَان السيرافي الْفَاضِل ابْن الْفَاضِل كمل كتاب الْإِقْنَاع تصنيف وَالِده وَشرح أَبْيَات كتاب سِيبَوَيْهٍ وَشرح إصْلَاح الْمنطق، وسيراف فرضة فَارس وَلَيْسَ بهَا زرع وَلَا ضرع وَمَال أَهلهَا كثير وَمِنْهَا يَنْتَهِي الْإِنْسَان إِلَى حصن عمَارَة على الْبَحْر من امْنَعْ الْحُصُون وَقيل: صَاحبهَا هُوَ الجلندي الَّذِي كَانَ يَأْخُذ كل سفينة غصبا.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا لليلتين بَقِيَتَا من رَمَضَان توفّي الْعَزِيز بِاللَّه بن الْمعز بن الْمَنْصُور الْعلوِي الفاطمي صَاحب مصر وعمره اثْنَان وَأَرْبَعُونَ سنة وَثَمَانِية أشهر برز إِلَى بلبيس لغزو الرّوم فَمَاتَ بهَا بعدة أمراض مِنْهَا القولنج وخلافته إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وَخَمْسَة أشهر وَنصف ومولده بالمهدية، ولى كِتَابَته نَصْرَانِيّا اسْمه عِيسَى بن نسطورس، واستناب بِالشَّام يَهُودِيّا اسْمه مِيشَا فاستطالت النَّصَارَى وَالْيَهُود بسببهما، فَعمل أهل مصر قَرَاطِيس صُورَة امْرَأَة وَمَعَهَا قصَّة فِي طَرِيق الْعَزِيز فَأَخذهَا الْعَزِيز فَإِذا فِيهَا: بِالَّذِي أعز الْيَهُود بميشا وَالنَّصَارَى بِعِيسَى بن نسطورس وأذل الْمُسلمين بك إِلَّا كشفت عَنَّا، فَقبض على النَّصْرَانِي وصادره.
وَلما مَاتَ بُويِعَ ابْنه الْحَاكِم بِأَمْر اللَّهِ أَبُو عَليّ مَنْصُور بعده أَبِيه وعمره إِحْدَى عشرَة
стр. 301
سنة، وَقَامَ بتدبير ملكه أرجوان الْخصي الْأَبْيَض خَادِم أَبِيه فضبطه إِلَى أَن كبر الْحَاكِم فَقتل أرجوان.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو ذواد بن الْمسيب أَمِير الْموصل، ووليها أَخُوهُ الْمُقَلّد.
وفيهَا: توفّي مَنْصُور بن يُوسُف بلكين بن زيزي الصنهاجي أَمِير إفريقية وَكَانَ ملكا كَرِيمًا شجاعا، ووليها ابْنه باديس.
وفيهَا: توفّي أَبُو طَالب مُحَمَّد بن عَليّ بن عَطِيَّة الْمَكِّيّ صَاحب قوت الْقُلُوب صنفه وقوته إِذْ ذَاك عروق البردي، صَالح مُجْتَهد فِي الْعِبَادَة من أهل الْجبَال وَسكن مَكَّة فنسب إِلَيْهَا وَنسب إِلَيْهِ تَخْلِيط قبل مَوته وَمَات بِبَغْدَاد.
(ابْتِدَاء دولة بني حَمَّاد مُلُوك بجاية)
ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا ابْتِدَاء دولة بني حَمَّاد فِي بجاية فَإِن باديس بن مَنْصُور بن بلكين صَاحب إفريقية عقد فِي صفر مِنْهَا الْولَايَة لِعَمِّهِ حَمَّاد بن بلكين على أُشير فاتسعت ولَايَة حَمَّاد وَعظم وَجمع العساكر وَالْأَمْوَال.
وَفِي سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة أظهر الْخلاف على ابْن أَخِيه باديس وخلعه واقتتلا فِي أول جُمَادَى سنة سِتّ وَأَرْبَعمِائَة فَانْهَزَمَ حَمَّاد هزيمَة شنيعة بعد قتال شَدِيد بَين الْفَرِيقَيْنِ والتجأ إِلَى قلعة مغلية، ثمَّ نهب دكمه وَنقل مِنْهَا الزَّاد إِلَى مغيلة وتحصن بهَا وباديس بِقُرْبِهِ محاصر لَهُ إِلَى أَن توفّي باديس فَجْأَة نصف لَيْلَة الْأَرْبَعَاء آخر ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَأَرْبَعمِائَة.
وَتَوَلَّى الْمعز بن باديس، وَاسْتمرّ حَمَّاد على الْخلف مَعَه حَتَّى اقتتلا فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعمِائَة عِنْد نيني مَوضِع، فَانْهَزَمَ حَمَّاد شنيعا فَلم يعد حَمَّاد إِلَى قتال بعْدهَا واصطلح مَعَ الْمعز على أَن يقْتَصر حَمَّاد على مَا بِيَدِهِ وَهُوَ عمل ابْن عَليّ وَمَا وَرَاءه من أُشير وتاهرت، وَاسْتقر للقائد ابْن حَمَّاد المسيلة وطبنة ومرسى الدَّجَاج وزواوة ومقرة ودكمة وَغَيرهَا، وَبَقِي حَمَّاد وَابْنه كَذَلِك حَتَّى مَاتَ حَمَّاد منتصف سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة.
وَاسْتقر فِي الْملك بعده ابْنه الْقَائِد حَتَّى توفّي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة.
فَملك بعده ابْنه محسن بن الْقَائِد فأساء وخبط وَقتل فِي أَعْمَامه، فقاتله ابْن عَمه بلكين وَملك مَوْضِعه فِي ربيع الأول سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَبَقِي حَتَّى غدر ببلكين الْمَذْكُور النَّاصِر بن علناس بن حَمَّاد وَأخذ مِنْهُ الْملك فِي رَجَب سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة.
وَاسْتقر النَّاصِر بن علناس حَتَّى توفّي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
وَملك بعده ابْنه الْمَنْصُور بن النَّاصِر إِلَى أَن توفّي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة.
وَملك بعده ابْنه باديس بن الْمَنْصُور يَسِيرا وَتُوفِّي.
وَملك بعده أَخُوهُ الْعَزِيز بِاللَّه بن الْمَنْصُور إِلَى أَن توفّي.
стр. 302
وَملك بعده ابْنه يحيى بن الْعَزِيز إِلَى أَن سَار عبد الْمُؤمن من الْمغرب الْأَقْصَى وَملك بجاية.
قَالَ ابْن الْأَثِير: وَكَانَ ذَلِك فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، وَآخر من ملك مِنْهُم يحيى بن الْعَزِيز بن الْمَنْصُور بن النَّاصِر بن علناس بن حَمَّاد بن بلكين وانقرضت دولتهم فِي السّنة الْمَذْكُورَة، وجمعناه ليسهل.
وفيهَا: مَاتَ الرضى الْأَمِير نوح بن مَنْصُور بن نوح بن نصر بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن أَسد بن سامان فِي رَجَب واختل ملكهم بِمَوْتِهِ، وَقَامَ بعده ابْنه أَبُو الْحَارِث مَنْصُور.
وفيهَا: مَاتَ سبكتكين فِي شعْبَان وَلما طَال مَرضه انْتقل من بَلخ إِلَى غزنة فَمَاتَ فِي الطَّرِيق فَنقل وَدفن بغزنة وَمُدَّة ملكه عشرُون سنة وَكَانَ خيرا عادلا وعهد إِلَى ابْنه إِسْمَاعِيل وَكَانَ مَحْمُودًا أكبر مِنْهُ فقاتله بعد سَبْعَة أشهر، فَانْهَزَمَ إِسْمَاعِيل وانحصر فِي قلعة غزنة فأنزله مَحْمُود بالأمان وَأحسن إِلَيْهِ.
وفيهَا: توفّي فَخر الدولة أَبُو الْحسن عَليّ بن ركن الدولة أبي عَليّ الْحسن بن بويه بقلعة طبرك فِي شعْبَان، وملكوا بعده ابْنه مجد الدولة أَبَا طَالب رستم وعمره أَربع سِنِين ووالدته تدبر الْملك.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْوَفَاء مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن المهندس الحاسب البوزجاني ومولده فِي رَمَضَان سنة ثَمَان وَعشْرين وثلثمائة ببوزجان بَلْدَة بَين هراة ونيسابور قدم الْعرَاق.
وفيهَا: توفّي الْحسن بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن من ولد سُلَيْمَان بن زولاق مصري الأَصْل لَهُ فِي التَّارِيخ مصنفات وَله كتاب خطط مصر وَكتاب قُضَاة مصر.
وفيهَا: توفّي أَبُو احْمَد الْحسن بن عبد اللَّهِ بن سعيد العسكري تصانيفه كَثِيرَة فِي اللُّغَة والأمثال وَغَيرهمَا، من عَسْكَر مكرم مَدِينَة من كور الأهواز، ومولده فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، وَأخذ عَن ابْن دُرَيْد وَله أَيْضا كتاب فِي الْمنطق وَكتاب الزواجر وَكتاب الْمُخْتَلف والمؤتلف وَكتاب الحكم والأمثال.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا فِي ذِي الْحجَّة قتل صمصام الدولة قَتله أَبُو كاليجار الْمَرْزُبَان بن عضد الدولة بن بويه لشغب الديلم عَلَيْهِ، وَعمر صمصام الدولة خمس وَثَلَاثُونَ سنة وَسَبْعَة أشهر وولايته بِفَارِس تسع سِنِين وَثَمَانِية أَيَّام، وَفِي تارخ ابْن أبي الدَّم أَن صمصام الدولة لما خرج من الاعتقال وَملك فِي سنة ثَمَانِينَ وثلثمائة كَانَ أعمى من حِين سمل وَاسْتمرّ حَتَّى قتل فِي هَذِه السّنة وَهُوَ أعمى.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر الْحَاتِمِي إِمَام الْأَدَب واللغة وَله الرسَالَة الحاتمية فِي المتنبي، وَنسب إِلَى جده حَاتِم.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا اتّفق أَعْيَان الْعَسْكَر مَعَ بكتورون وفائق وخلعوا مَنْصُور بن نوح وسمله بكتورون فأعماه وَلم يراقب اللَّهِ فِيهِ وَلَا إِحْسَان موَالِيه
стр. 303
وَأَقَامُوا أَخَاهُ عبد الْملك صَغِيرا، وَمُدَّة ملك مَنْصُور سنة وَسَبْعَة أشهر، وَكتب مَحْمُود بن سبكتكين يلوم بكتورون وفائقا، وقاتلهما أَشد قتال فانهمزما وتبعهما مَحْمُود يقتل فِي عَسْكَرهمْ حَتَّى أبعد، وَاسْتولى مَحْمُود على ملك خُرَاسَان وَقطع مِنْهَا خطْبَة السامانية.
وفيهَا: انقرضت دولة السامانية، فَإِن مَحْمُود بن سبكبكين لما ملك خُرَاسَان وَقطع خطبتهم اتّفق ببخارا بكتورون وفائق مَعَ عبد الْملك بن نوح وشرعوا يجمعُونَ العساكر فاتفق موت فائق وَكَانَ هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ فضعفت بؤوسهم بِمَوْتِهِ وَبلغ ذَلِك أيلك خَان فَسَار فِي جمع من الأتراك إِلَى بخارا وَأظْهر الْمَوَدَّة وَالْحمية لعبد الْملك فظنوه صَادِقا، وَخرج إِلَيْهِ بكتورون وَغَيره فَقبض عَلَيْهِم وَسَار حَتَّى دخل بخارا عَاشر ذِي الْقعدَة مِنْهَا، ثمَّ قبض على عبد الْملك بن نوح وحبسه حَتَّى مَاتَ فِي الْحَبْس وَحبس مَعَه أَخَاهُ منصورا الَّذِي سلموه وَبَاقِي بني سامان، وانقرضت دولتهم بعد مَا انتشرت وطبقت كثيرا من الأَرْض وَكَانَت من أحسن الدول سيرة وعدلا فسبحان من لَا يَزُول ملكه، وَابْتِدَاء ولايتهم سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وانقراضها فِي هَذِه السّنة.
ثمَّ دخلت سنة تسعين وثلثمائة: فِيهَا وَقيل سنة خمس وَسبعين وثلثمائة توفّي أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن فَارس بن زَكَرِيَّا اللّغَوِيّ إِمَام فِي عُلُوم شَتَّى وَله الْمُجْمل فِي اللُّغَة وَوضع الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وَهِي مائَة فِي المقامة الطيبية، وَكَانَ بهمذان وَعَلِيهِ اشْتغل البديع الهمذاني.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا قتل حسام الدولة الْمُقَلّد بن الْمسيب بن رَافع بن الْمُقَلّد بن جَعْفَر بن عمر بن مهنا من ولد ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوزان الْعقيلِيّ وَكَانَ الْمُقَلّد أَعور، وَأَخُوهُ أَبُو ذواد مُحَمَّد هُوَ أول من استولى مِنْهُم على الْموصل وملكها فِي سنة ثَمَانِينَ وثلثمائة حَسْبَمَا تقدم، ثمَّ ملكهَا بعده أَخُوهُ الْمُقَلّد الْمَذْكُور سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَاسْتمرّ حَتَّى قَتله هَذِه السّنة مماليكه الأتراك بالأنبار وَقد كَانَ عظم شَأْنه، وَقَامَ بعده ابْنه قرواش.
وفيهَا: توفّي أَبُو عبد اللَّهِ الْحُسَيْن بن الْحجَّاج الشَّاعِر بطرِيق النّيل وَنقل إِلَى بَغْدَاد مجوني خليع تولى حسبَة بَغْدَاد مُدَّة، وَهُوَ من كبار الشِّيعَة وَأوصى أَن يدْفن عِنْد مشْهد مُوسَى بن جَعْفَر وَأَن يكْتب على قَبره: " وكلبهم باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد ". والنيل: بَلْدَة بَين بَغْدَاد والكوفة حفر نهرها الْحجَّاج الثَّقَفِيّ ومخرجه من الْفُرَات وَسَماهُ النّيل:
قلت: وَمِمَّا رثاه بِهِ الشريف الرضي:
(نعوه على حسن ظَنِّي بِهِ ... فَللَّه مَاذَا نعى الناعيان)
стр. 304
(رَضِيع وَلَاء لَهُ شُعْبَة ... من الْقلب مثل رَضِيع اللبان)
(وَمَا كنت أَحسب أَن الزَّمَان ... يفل مضَارب ذَاك اللِّسَان)
(بكيتك للشرد السائرات ... تعْتق ألفاظها بالمعان)
(ليبك الزَّمَان طَويلا عَلَيْك ... فقد كنت خفَّة روح الزَّمَان)
وَبعد مَوته رَآهُ بعض أَصْحَابه فَسَأَلَهُ عَن حَاله فأنشده:
(أفسد سوء مذهبي ... فِي الشّعْر حسن مذهبي)
(لم يرض مولَايَ عَليّ ... سبي لأَصْحَاب النَّبِي)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا غزا السُّلْطَان مَحْمُود بن سبكتكين بِلَاد الْهِنْد فغنم وسبى وَأسر، وَعَاد إِلَى غزنة سالما.
وفيهَا: اقتتتل قرواش الْمُقَلّد وعسكر بهاء الدولة، فانتصر قرواش ثمَّ انْكَسَرَ.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن جَعْفَر الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بِابْن الدقاق صَاحب الْأُصُول.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا ملك يَمِين الدولة السُّلْطَان مَحْمُود بن سبكتكين سجستان من صَاحبهَا خلف بن أَحْمد، وَبَقِي خلف فِي الجوزجان بعد ذَلِك أَربع سِنِين ثمَّ نَقله يَمِين الدولة إِلَى جردين واحتاط عَلَيْهِ هُنَاكَ حَتَّى مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين، كَانَ خلف مَشْهُورا بِطَلَب الْعلم وَله تَفْسِير من أكبر الْكتب.
وفيهَا: توفّي الْمَنْصُور أَبُو عَامر مُحَمَّد أَمِير الأندلس وَكَانَ قد أَكثر الضَّبْط والغزوات حَسْبَمَا تقدم وَلم يكن للمؤيد خَليفَة الأندلس مَعَه من الْأَمر شَيْء، وَتَوَلَّى بعده ابْنه مَرْوَان عبد الْملك وتلقب بالمظفر وساس وغزا سبع سِنِين فوفاته سنة أَرْبَعمِائَة، وَقَامَ بعد المظفر أَخُوهُ عبد الرَّحْمَن بن الْمَنْصُور بن أبي عَامر الْمَذْكُور وتلقب بالناصر، فخلط واضطربت أُمُوره أَرْبَعَة أشهر فَخرج على الْمُؤَيد ابْن عَمه مُحَمَّد بن هِشَام كَمَا سَيَأْتِي، فَخلع هِشَام وَقتل عبد الرَّحْمَن وصلب.
وفيهَا: كثر بِبَغْدَاد المفسدون.
وفيهَا: اسْتعْمل الْحَاكِم على دمشق أَبَا مُحَمَّد الْأسود، وَلما اسْتَقر بِدِمَشْق شهر شخصا مغربيا ونادى عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاء من يحب أَبَا بكر وَعمر، ثمَّ أخرجه من دمشق.
وفيهَا: توفّي بِبَغْدَاد أَبُو الْفَتْح بن عُثْمَان بن جني النَّحْوِيّ بالموصل مُصَنف اللمع والخصائص وسر الصِّنَاعَة وَغَيرهَا.
قلت: أَبوهُ جني مَمْلُوك رومي لِسُلَيْمَان بن فَهد بن أَحْمد الْأَزْدِيّ الْموصِلِي وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بقوله:
(فَإِن أصبح بِلَا نسب ... فعلمي فِي الورى نسبي)
стр. 305
(على أَنِّي أؤول إِلَى ... قروم سادة نجب)
(قياصرة إِذا نطقوا ... أرم الدَّهْر ذُو الْخطب)
(أولاك دَعَا النَّبِي لَهُم ... كفى شرفا دُعَاء نَبِي)
وَشرح ديوَان المتنبي وَكَانَ قد قَرَأَ الدِّيوَان على المتنبي، وَفِي شَرحه سَأَلَ شخص المتنبي عَن قَوْله:
(باد هَوَاك صبرت أَن لم تصبرا ... )
وَكَانَ من حَقه لم تصبر، فَقَالَ المتنبي: لَو كَانَ أَبُو الْفَتْح هَا هُنَا لأجابك، يعنيني. وَهَذَا الْألف بدل نون التوكيد الْخَفِيفَة أَصْلهَا: لم تصبرن فقلبت للْوَقْف ألفا كَقَوْل الْأَعْشَى:
(وَلَا تعبد الشَّيْطَان وَالله فاعبدا ... )
وَقيل: الْألف هُنَا للتثنية فقد يُخَاطب الْمُفْرد بذلك، فَالْأولى الاستشهاد على قلب النُّون ألفا بقول الشَّاعِر:
(فَمن يَك لم يثأر بأعراض قومه ... فَإِنِّي وَرب الراقصات لأثأرا)
إِذْ يتَعَيَّن فِي هَذِه الْألف قَلبهَا عَن نون التوكيد الْخَفِيفَة وَلَا تكون للتثنية هُنَا أصلا. وَذكر ابْن الْمُهَذّب المعري فِي تَارِيخه: أَن ابْن جني توفّي فِي سنة تسعين وثلثمائة وَهُوَ أصح لقرب عَهده بذلك وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي القَاضِي بن عبد الْعَزِيز الْجِرْجَانِيّ بِالريِّ، إِمَام فَاضل ذُو فنون، والوليد بن بكر بن مخلد الأندلسي الْمَالِكِي فَقِيه مُحدث، وَأَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ السلَامِي الشَّاعِر الْبَغْدَادِيّ وَله فِي عضد الدولة:
(فبشرت آمالي بِملك هُوَ الورى ... وَدَار هِيَ الدُّنْيَا وَيَوْم هُوَ المعمر)
وَله فِي الدرْع:
(يَا رب سابغة حبتني نعْمَة ... كافأتها بالسوء غير مُفند)
(أضحت تصون عَن المنايا مهجتي ... وظللت أبذلها لكل مهند)
قلت: وَقد ذكرت بِهَذَا بَيْتَيْنِ لي فِي الدرْع وهما:
(زردية حلقاتها ... ترنو إِلَيْنَا بالحدق)
(فتجل لابس سردها ... عَن ذكر عنتر فِي الْخلق)
وَالله أعلم.
قلت: وفيهَا هدم لُؤْلُؤ الْكَبِير السيفي مُدبر دولة أبي الْفَضَائِل سعيد بن سعد الدولة أبي الْمَعَالِي شرِيف بن سيف الدولة بن حمدَان حصن كفر روما وحصن عَار وحصن أروح خشيَة أَن يقْصد فِيهَا، وَالله أعلم.
стр. 306
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا استولى أَبُو الْعَبَّاس بن وَاصل على البطيحة، وَهُوَ رجل تنقل فِي خدم النَّاس ثمَّ خدم مهذب الدولة صَاحب البطيحة فَتقدم عِنْده حَتَّى جهز مَعَه جَيْشًا، فاستولى على الْبَصْرَة وسيراف وغنم أَمْوَالًا وقويت نَفسه وخلع طَاعَة مخدومه مهذب الدولة، ثمَّ قَصده وهزمه عَن البطيحة وَاسْتولى على بِلَاد مهذب الدولة على عظمها وَنهب مَال مهذب الدولة، وَقصد مهذب الدولة بَغْدَاد فَمَا مكن من دُخُولهَا، وَهَذَا خلاف مَا اعْتَمدهُ مهذب الدولة مَعَ الْقَادِر لما هرب إِلَيْهِ فَإِن مهذب الدولة بَالغ فِي إكرام الْقَادِر.
وفيهَا: قلد بهاء الدولة الشريف أَبَا أَحْمد الموسري وَالِد الرضي نقابة العلويين بالعراق والمظالم وَقَضَاء الْقُضَاة وَكتب عَهده بذلك من شيراز ولقبه ذَا المناقب فَامْتنعَ الْخَلِيفَة من تَقْلِيده قَضَاء الْقُضَاة وأمضى مَا سواهُ.
قلت: قد تقدم فِي مَوَاضِع من هَذَا الْكتاب مَا يدل على أَن بني بويه كَانُوا من المتوغلين فِي التَّشَيُّع، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا خرج أهل البطيحة عَن طَاعَة النَّائِب الَّذِي استنابه ابْن وَاصل بهَا وَسَار هُوَ نَحْو الْبَصْرَة، فَأرْسل عميد الجيوش وَهُوَ أَمِير الْعرَاق من جِهَة بهاء الدولة عسكرا فِي السفن مَعَ مهذب الدولة إِلَى البطيحة فسر أهل الْبِلَاد بِهِ وتسلم ولايتها من جِهَة بهاء الدولة ليحمل لَهُ كل سنة خمسين ألف دِينَار واشتغل عَنهُ ابْن وَاصل بِحَرب غَيره.
وفيهَا: فتح السُّلْطَان مَحْمُود بن سبكتكين مَدِينَة بهاطبة من الْهِنْد وَهِي حَصِينَة عالية السُّور وَرَاء المولتان.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا فتح السُّلْطَان مَحْمُود المولتان وهرب مِنْهُ بيدا ملك الْهِنْد إِلَى القلعة كالنجار، فحصره حَتَّى صَالحه على مَاله وألبس ملك الْهِنْد خلعته وَشد منطقته على كره.
وفيهَا: قلد الشريف الرضي نقابة الطالبين ولقب بالرضي وَأَخُوهُ بالمرتضى فعل ذَلِك بهاء الدولة.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن يحيى بن مندة الْأَصْفَهَانِي صَاحب التصانيف.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا: اقتتل بهاء الدولة وَأَبُو الْعَبَّاس بن وَاصل، فَانْهَزَمَ ابْن واصلب وَأسر وَحمل إِلَيْهِ فَأمر بقتْله قبل وُصُوله إِلَيْهِ وطيف بِرَأْسِهِ بخوزستان، وَقَتله بِوَاسِطَة فِي صفر.
وفيهَا: خرج على الْحَاكِم أموي من ولد هِشَام بن عبد الْملك يُسمى أَبَا ركوة يحمل
стр. 307
ركوة على كتفه وَأمر بِالْمَعْرُوفِ، فَكثر جمعه وَملك برقه وَهزمَ جَيْشًا جهزه إِلَيْهِ الْحَاكِم وغنم مِنْهُ وتقوى وَاسْتولى على الصَّعِيد، فأحضر الْحَاكِم عَسَاكِر الشَّام واستخدم عَسَاكِر وأرسلهم مَعَ أبي الْفضل بن عبد اللَّهِ إِلَى أبي ركوة فتقاتلوا عَظِيما، ثمَّ انْكَسَرَ أَبُو ركوة وَأسر فَقتله الْحَاكِم وصلبه وطيف بِهِ.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا سَار السُّلْطَان مَحْمُود فأوغل فِي الْهِنْد وغزا وَفتح.
وفيهَا: اسْتعْملت وَالِدَة مجد الدولة بن فَخر الدولة وَكَانَ إِلَيْهَا الحكم أَبَا جَعْفَر بن شهريار الْمَعْرُوف بِابْن كاكويه على أصفهان فَعظم شَأْنه، كَانَ ابْن خَال هَذِه الْمَرْأَة، وكاكويه هُوَ الْخَال بِالْفَارِسِيَّةِ.
وفيهَا: توفّي عبد الْوَاحِد بن نصر بن مُحَمَّد الببغا الشَّاعِر.
قلت: وَمن شعره:
(يَا سادتي هَذِه روحي تودعكم ... إِذْ كَانَ لَا الصَّبْر بثنيها وَلَا الْجزع)
(قد كنت أطمع فِي روح الْحَيَاة لَهَا ... فَالْآن إِذْ بنتم لم يبْق لي طمع)
(لَا عذب اللَّهِ اللَّهِ روحي بِالْبَقَاءِ فَمَا ... أظنها بعدكم بالعيش تنْتَفع)
وَله:
(وكأنما نقشت حوافر خيله ... للناظرين أهلة فِي الجلمد)
(وَكَأن طرف الشَّمْس مطروف وَقد ... جعل الْغُبَار لَهُ مَكَان الإثمد)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي البديع أَبُو الْفضل أَحْمد بن الْحُسَيْن الهمذاني صَاحب المقامات وعَلى منوالها نسج الحريري.
قلت: وهيهات، فقد وَقع للبديع مَا لم يصل الحريري إِلَى غباره، غير أَن مقامات الحريري مجموعها أحسن فللبديع مُفْرَدَات لَا تلْحق وَقد اعْترف الحريري فِي خطبَته بفضله، وروى عَن ابْن فَارس وَسكن هراة، وَمن نثره: المَاء إِذا طَال مكثه ظهر خبثه، وَإِذا سكن مَتنه تحرّك نَتنه، وَكَذَلِكَ الصَّيف يسمج لقاؤه إِذا طَال ثواؤه، ويثقل ظله إِذا انْتهى مَحَله.
وَله من تَعْزِيَة: الْمَوْت خطب قد عظم حَتَّى هان، وَمَسّ قد خشن حَتَّى لَان، وَالدُّنْيَا قد تنكرت حَتَّى صَار الْمَوْت أخف خطوبها، وجنت حَتَّى صَار أَصْغَر ذنوبها، فَلْتنْظرْ يمنة هَل ترى إِلَّا محنة، ثمَّ أنظر يسرة هَل ترى إِلَّا حسرة.
وَمن كَلَامه: إِن أَبَا الْحسن لَو أوحشني مَا استوحشت، وَلَو استوحشت لأوحشت، وَلَو أوحشت لأفحشت، وَمن وطىء الْعَقْرَب أوجعته، وَمن قرص الْحَيَّة لسعته، وَإِذا قَالَت
стр. 308
الْحَيَّة دَعْنِي فَلَا تلسعني، فَمَا سَأَلت شططا، وَهَذَا خطب لَا يَدْفَعهُ قلم رطب.
وَمِنْه: إِن وجدت الْحَال كَمَا تركت فدار الشمل جَامِعَة، وَإِن تَغَيَّرت كَمَا عهِدت فأرض اللَّهِ وَاسِعَة.
وَمِنْه: أَن الهمذاني إِذا رَضِي بِأَن يهدم وَلَا يخْدم، فَإِن الْعُبُودِيَّة لَا تعدم.
وَمِنْه: أَن رَأَيْت السَّيْل يسيل بِي فَلَا تنذرني، وَإِن رَأَيْته يغرقني فَلَا تنقذني، وَإِن عاودتني بعْدهَا بشفقاتك الْبَارِدَة رَجَعَ شُؤْم شفقتك على عنفقتك، وأعذر من أنذر وَالسَّلَام.
وَمن شعره:
(وَكَانَ يحكيك صَوت المزن منسكبا ... لَو كَانَ طلق الْمحيا يمطر الذهبا)
(والدهر لَو لم يخن وَالشَّمْس لَو نطقت ... وَاللَّيْث لَو لم يصد وَالْبَحْر لَو عذبا)
مَاتَ ﵀ بالسكتة وَعجل دَفنه فأفاق فِي الْقَبْر وَسمع صَوته بِاللَّيْلِ، ونبش عَنهُ فوجدوه قد قبض على لحيته وَمَات من هول الْقَبْر وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو نصر إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد الْجَوْهَرِي صَاحب الصِّحَاح، وَهُوَ من فاراب من مدن التّرْك وَتسَمى الْيَوْم أطرار، وَله خطّ مَنْسُوب عَال وَقدم نيسابور فَتوفي بهَا، وَكتابه الصِّحَاح يصف فَضله.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا قتل أَبُو عَليّ بن ثمال الخفاجي وَكَانَ الْحَاكِم الْعلوِي ولاه الرحبة ثمَّ صَارَت إِلَى صَالح بن مرداس الْكلابِي صَاحب حلب.
وفيهَا: توفّي عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن يُونُس الْمصْرِيّ صاحبح الزيج الحاكمي كَبِير فِي أَربع مجلدات، ذكر أَن أَبَا الْحَاكِم أَمر بِعَمَلِهِ.
ثمَّ دخلت سنة أَرْبَعمِائَة: فِيهَا عَاد يَمِين الدولة السُّلْطَان مَحْمُود وغزا الْهِنْد وغنم وَعَاد.
(أَخْبَار الْمُؤَيد الْأمَوِي خَليفَة الأندلس)
قد تقدم ولَايَة هِشَام الْمُؤَيد بن الحكم الْمُنْتَصر بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر مَوضِع أَبِيه وَكَانَ عمر الْمُؤَيد لما ولي الْخلَافَة سِنِين فدبر المملكة أَبُو عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر والمؤيد مَحْجُوب، وَاسْتمرّ الْمُؤَيد خَليفَة إِلَى سنة وَتِسْعين وثلثمائة، فَخرج عَلَيْهِ فِيهَا مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْأمَوِي فِي جُمَادَى الْآخِرَة وَبَايَعَهُ النَّاس بالخلافة وَحبس الْمُؤَيد فِي قرطبة، وتلقب بالمهدي وَاسْتمرّ، فَخرج عَلَيْهِ سُلَيْمَان بن الحكم بن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر، فهرب مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار الْمَذْكُور وَاسْتولى سُلَيْمَان على الْخلَافَة فِي أَوَائِل شَوَّال من سنة أَرْبَعمِائَة.
ثمَّ جمع الْمهْدي مُحَمَّد بن هِشَام جمعا وَقصد سُلَيْمَان بقرطبة، فهرب سُلَيْمَان وَعَاد الْمهْدي الْمَذْكُور إِلَى الْخلَافَة فِي نصف شَوَّال من سنة أَرْبَعمِائَة.
ثمَّ جمع الْمهْدي مُحَمَّد بن هِشَام جمعا وَقصد سُلَيْمَان بقرطبة، فهرب سُلَيْمَان وَعَاد الْمهْدي الْمَذْكُور إِلَى الْخلَافَة فِي نصف شَوَّال مِنْهَا.
стр. 309
ثمَّ قبض أكَابِر الْعَسْكَر على الْمهْدي الْمَذْكُور وأخرجوا الْمُؤَيد من الْحَبْس وأعادوه إِلَى الْخلَافَة سَابِع ذِي الْحجَّة مِنْهَا وأحضر الْمهْدي وَقَتله، وَاسْتمرّ الْمُؤَيد ودبر أمره وَاضح العامري ثمَّ قتل وَاضحا فكثرت عَلَيْهِ الْفِتَن.
واتفقت البربر مَعَ سُلَيْمَان بن الحكم بن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر وَحصر الْمُؤَيد بقرطبه وملكها مِنْهُ عنْوَة وَأخرج الْمُؤَيد من الْقصر فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ، وبويع سُلَيْمَان بالخلافة منتصف شَوَّال سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة وتلقب بالمستعين بِاللَّه.
قلت: وفيهَا نزل أَبُو الْعَلَاء المعري إِلَى بَغْدَاد ليقْرَأ بهَا الْعلم فَلم يُصَادف بهَا مثله، قَالَ الشَّيْخ أَبُو غَالب همام بن الْفضل بن جَعْفَر بن عَليّ بن الْمُهَذّب فِي تَارِيخه: كَذَا حَدثنِي أَبُو الْعَلَاء ﵀، وَالله أعلم.
وفيهَا: بنى أَبُو مُحَمَّد بن سهلان سورا على مشْهد عَليّ ﵁.
وفيهَا: توفّي النَّقِيب أَبُو أَحْمد الموسوي وَالِد الشريف الرضي ومولده سنة أَربع وثلثمائة، وأضر فِي آخر عمره.
قلت: ورثاه الشَّيْخ أَبُو الْعَلَاء المعري بقصيدته الفائقة الَّتِي أَولهَا:
(أودى فليت الحادثات كفاف ... مَال المسيف وَعَنْبَر المستاف)
(الطَّاهِر الْآبَاء وَالْأَبْنَاء والآراب ... والأثواب والآلاف)
(رغت الرعود وَتلك هدة ماجد ... جبل ثوى من آل عبد منَاف)
(بخلت فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة فَقده ... سمح الْغَمَام بدمعه الذراف)
وَمِنْهَا:
(ويحق فِي رزء الْحُسَيْن تغير الْحر سين ... بله الدّرّ فِي الأصداف)
(هلا دفنتم سَيْفه فِي قَبره ... مَعَه فَذَاك لَهُ خَلِيل واف)
(إِن زَارَهُ الْمَوْتَى كساهم فِي البلى ... أَثوَاب أَبْلَج مكرم الأضياف)
(وَالله أَن يخلع عَلَيْهِم حلَّة ... يبْعَث إِلَيْهِ بِمثلِهِ أَضْعَاف)
(نبذت مَفَاتِيح الْجنان وَإِنَّمَا ... رضوَان بَين يَدَيْهِ للإتحاف)
(تكبيرتان حِيَال قبرك للفتى ... محسوبتان بِعُمْرَة وَطواف)
(لَو تقدر الْخَيل الَّتِي زايلتها ... عجفت بأيديها على الْأَعْرَاف)
(أبقيت فِينَا كوكبين سناهما ... فِي الصُّبْح والظلماء لَيْسَ بخاف)
(قدرين فِي الأرداء بل مطرين فِي ... الأجداء بل قمرين فِي الأسداف)
(ساور الرضي المرتضى وتقاسما ... باد على الْكِبْرِيَاء والأشراف)
стр. 310
(أَنْتُم ذَوُو النّسَب الْقصير فطولكم ... باد على الكبراء والأشراف)
(مَا زاغ بَيتكُمْ الرفيع وَإِنَّمَا ... بالوجد أدْركهُ خَفِي زحاف)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْعَبَّاس النامي الشَّاعِر المصِّيصِي.
قلت: دخل أَبُو الْخطاب الحريري الشَّاعِر النَّحْوِيّ على النامي فَوجدَ رَأسه كالثغامة بَيَاضًا وَفِيه شَعْرَة وَاحِدَة سَوْدَاء فَكَلمهُ فِيهَا، فَقَالَ: نعم هَذِه بَقِيَّة شَبَابِي وَأَنا أفرح بهَا ولي فِيهَا شعر، فَقلت: أنشدنيه فأنشدني:
(رَأَيْت فِي الرَّأْس شَعْرَة بقيت ... سَوْدَاء تهوى الْعُيُون رؤيتها)
(فَقلت للبيض إِذْ تروعها ... بِاللَّه أَلا رحمت غربتها)
(فَقل لبث السَّوْدَاء فِي وَطن ... تكون فِيهِ الْبَيْضَاء ضَرَّتهَا)
وَمَا أحسن قَوْله:
(ويمضي عَلَيْك الدَّهْر فعلك للعلى ... وقولك للتقوى وكفك للرفد)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْفَتْح عَليّ بن مُحَمَّد البستي الشَّاعِر.
قلت: وَمَا أحسن قَوْله:
(تحمل أَخَاك على مَا بِهِ ... فَمَا فِي استقامته مطمع)
(وَإِنِّي لَهُ خلق وَاحِد ... وَفِيه طبايعه الْأَرْبَع)
وَقَوله:
(لقد هنت من طول الْمقَام وَمن يقم ... طَويلا يهن من بعد مَا كَانَ مكرما)
(وَطول مقَام المَاء فِي مستقره ... يُغَيِّرهُ لونا وريحا ومطعما)
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى أَرْبَعمِائَة: فِيهَا سَار أيلك خَان ملك التّرْك من سَمَرْقَنْد لقِتَال أَخِيه طغان خَان فَسقط عَلَيْهِ فِي أزوكند ثلج مَنعه فَعَاد.
وفيهَا: خطب قرواش بن الْمُقَلّد أَمِير بني عقيل للْحَاكِم بالموصل والأنبار والمداين والكوفة وَغَيرهَا، وَابْتِدَاء الْخطْبَة: الْحَمد لله الَّذِي انجلت بنوره غَمَرَات الْغَضَب، وانهدت بعظمته أَرْكَان النصب، وأطلع بقدرته شمس الْحق من الغرب. فَكتب بهاء الدولة إِلَى عميد الجيوش يَأْمُرهُ بِحَرب قرواش فَسَار إِلَيْهِ، وَأرْسل قرواش يعْتَذر وَقطع خطْبَة العلويين.
وفيهَا: احتربت بَنو مزِيد وَبَنُو دبيس، بِسَبَب أَن أَبَا الْغَنَائِم مُحَمَّد بن مزِيد كَانَ مُقيما عِنْد بني دبيس بنواحي خوزستان لمصاهرة بَينهم، فَقتل أَبُو الْغَنَائِم أحد وُجُوه بني دبيس وَلحق بأَخيه أبي الْحسن بن مزِيد، فَسَار إِلَيْهِم أَبُو الْحسن بن مزِيد واقتتلوا فَقتل أَبُو الْغَنَائِم وهرب أَخُوهُ أَبُو الْحسن.
стр. 311
وفيهَا: توفّي عميد الجيوش أبي عَليّ بن أستاذ هُرْمُز أَمِير الْعَسْكَر من جِهَة بهاء الدولة بِبَغْدَاد وولايته ثَمَان سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَأَيَّام وعمره تسع وَأَرْبَعُونَ وأستاذ هُرْمُز من حجاب عضد الدولة، وَكَانَ بهاء الدولة قد أرسل عميد الجيوش لإِصْلَاح أَحْوَال بَغْدَاد وقمع المفسدين، فَلَمَّا مَاتَ ولي مَوْضِعه بِبَغْدَاد فَخر الْملك أَبَا غَالب.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ أَرْبَعمِائَة:
(أَخْبَار صَالح بن مرداس وَولده)
أوردناه جملَة كَمَا فعلنَا فِي مَوَاضِع ليضبط بسهولة، قد تقدم ذكر ملك أبي الْمَعَالِي شرِيف سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدَان بحلب إِلَى أَن توفّي مفلوجا وَهُوَ ملكهَا فأقيم ابْنه أَبُو الْفَضَائِل مقَامه وَدبره لُؤْلُؤ أحد موَالِي سعد الدولة ثمَّ استولى أَبُو نصر لُؤْلُؤ على أبي الْفَضَائِل وَأخذ مِنْهُ حلب وخطب بهَا للْحَاكِم فلقبه الْحَاكِم مرتضى الدولة وَاسْتقر فِي ملك حلب، وَجرى بَينه وَبَين صَالح بن مرداس الْكلابِي وَبني كلاب وَحْشَة وحروب كَانَت بَينهم سجالا، وَكَانَ لِابْنِ لُؤْلُؤ غُلَام اسْمه فتح دزدار قلعة حلب فَجرى بَينه وَبَين أستاذه ابْن لُؤْلُؤ وَحْشَة باطنة وَعصى عَلَيْهِ بقلعة حلب وَكَاتب الْفَتْح الْحَاكِم بِمصْر، ثمَّ أَخذ من الْحَاكِم صيدا وبيروت وَسلم حلب إِلَى نواب الْحَاكِم، فَسَار ابْن لُؤْلُؤ إِلَى أنطاكية وَهِي للروم فَأَقَامَ مَعَهم.
وتنقلت حلب بأيدي نواب الْحَاكِم حَتَّى صَارَت بيد عَزِيز الْملك الحمداني إِلَى أَن قتل الْحَاكِم وَولي الظَّاهِر لإعزاز دين اللَّهِ الْعلوِي، فَتَوَلّى من جِهَة الظَّاهِر على حلب شخص يعرف بِابْن ثعبان وَولي القلعة مَوْصُوف الْخَادِم، فقصدهما صَالح بن مرداس أَمِير بني كلاب فَسلم إِلَيْهِ أهل حلب مَدِينَة حلب لسوء سيرة المصريين فيهم، وَصعد ابْن ثعبان إِلَى القلعة وحصرها صَالح فَسلمت إِلَيْهِ أَيْضا سنة أَربع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة، وَاسْتقر لصالح ملك حلب وَمَا مَعهَا من بعلبك إِلَى عانة سِتّ سِنِين.
وَفِي سنة عشْرين وَأَرْبَعمِائَة جهز الظَّاهِر الْعلوِي جَيْشًا لقِتَال صَالح وَحسان وأمير طَيء وَكَانَ حسان مستوليا على الرملة وَتلك الْبِلَاد، وَكَانَ اسْم مقدم عَسْكَر مصر أنوش تكين، فَسَار صَالح من حلب إِلَى حسان واجتمعا على الْأُرْدُن عِنْد طبرية واقتتلوا فَقتل صَالح وَولده الْأَصْغَر وأنفذ رأساهما إِلَى مصر، وَنَجَا ابْنه أَبُو كَامِل نصر بن صَالح بن مرداس وَسَار فَملك حلب وتلقب بشبل الدولة وَاسْتمرّ بهَا إِلَى سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَذَلِكَ فِي أَيَّام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه الْعلوِي صَاحب مصر، فجهزت العساكر من مصر إِلَى شبْل الدولة ومقدمهم الدزبري - بِكَسْر الدَّال - وَهُوَ أنوش تكين ولقبه الدزبري، فَاقْتَتلُوا مَعَ شبْل الدولة عِنْد حماه فِي شعْبَان سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فَقتل شبْل الدولة وَملك الدزبري حلب فِي رَمَضَان مِنْهَا وَملك الشَّام جَمِيعه وَعظم شَأْنه وَكثر مَاله، وَتُوفِّي الدزبري بحلب سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
стр. 312
وَكَانَ لصالح بن مرداس ولد بالرحبة اسْمه أَبُو علوان ثمال ولقبه معز الدولة وبلغه موت الدزبري فَسَار وتملك حلب ثمَّ قلعتها فِي صفر سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَاسْتمرّ إِلَى سنة أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعمِائَة، فَأرْسل إِلَيْهِ المصريون جَيْشًا فَهَزَمَهُمْ ثمَّ جَيْشًا فَهَزَمَهُمْ، ثمَّ صَالح ثمال المصريين وَنزل لعم عَن حلب، فجهزوا الْحسن بن عَليّ ملهم ولقبوه مكين الدولة فتسلم حلب من ثمال بن صَالح بن مرداس فِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة. وَسَار ثمال إِلَى مصر وَسَار أَخُوهُ عَطِيَّة بن صَالح بن مرداس إِلَى الرحبة.
وَكَانَ لنصر بن صَالح الملقب شبْل الدولة الْمَقْتُول فِي حَرْب الدزبري ولد اسْمه مَحْمُود فكاتبه أهل حلب وعصوا ابْن ملهم، فوصل إِلَيْهِم مَحْمُود وَحصر هُوَ وَأهل حلب ابْن ملهم فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة، فأنجد المصريون ابْن ملهم بعسكر فَرَحل مَحْمُود هارا، وَقبض ابْن ملهم على جمَاعَة من أهل حلب وَأخذ أَمْوَالهم، ثمَّ سَار الْعَسْكَر فِي أثر مَحْمُود فَاقْتَتلُوا فَهَزَمَهُمْ مَحْمُود وَعَاد مَحْمُود إِلَى حلب فحاصرها وَملك الْمَدِينَة والقلعة فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَأطلق ابْن ملهم ومقدم الْجَيْش وَهُوَ نَاصِر الدولة نَاصِر الدولة بن حمدَان فسارا إِلَى مصر، وَاسْتقر مَحْمُود بن شبْل الدولة نصر بن صَالح بن مرداس فِي حلب.
وَلما وصل ابْن ملهم وناصر إِلَى مصر، وَكَانَ ثمال بن صَالح بن مرداس قد سَار إِلَى مصر كَمَا ذكرنَا جهز المصريون ثمالا بِجَيْش لقِتَال ابْن أَخِيه مَحْمُود فوصل ثمال حلب وَهزمَ مَحْمُودًا، وتسلم ثمال حلب فِي ربيع الأول سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة، ثمَّ توفّي ثمال فِي حلب سنة أَربع وَخمسين فِي ذِي الْقعدَة. وَأوصى بحلب لِأَخِيهِ عَطِيَّة الَّذِي سَار إِلَى الرحبة، فَملك عَطِيَّة حلب فِي السّنة الْمَذْكُورَة.
وَكَانَ مَحْمُود بن شبْل الدولة لما هرب من عَمه ثمال من حلب سَار إِلَى حران فَلَمَّا مَاتَ ثمال وَملك عَطِيَّة حلب جمع مَحْمُود عسكرا وَسَار إِلَى حلب، فَهزمَ عَمه عَطِيَّة عَنْهَا إِلَى الرقة فملكها عَطِيَّة، ثمَّ أخذت الرقة من عَطِيَّة فَسَار وَأقَام بالروم بقسطنطينية حَتَّى مَاتَ بهَا.
وَملك مَحْمُود بن نصر بن صَالح حلب فِي رَمَضَان سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ استولى على ارتاج من ايدي الرّوم فِي سنة سِتِّينَ، وَتُوفِّي مَحْمُود فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة مَالِكًا لحلب بهَا. وَملك بعده ابْنه نصر، ثمَّ قَتله التركمان.
وَملك بعده أَخُوهُ سَابق بن مَحْمُود وَاسْتمرّ إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة فَأخذ حلب مِنْهُ شرف الدولة مُسلم بن قُرَيْش صَاحب الْموصل على مَا سَيذكرُ.
وفيهَا أَعنِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة: كتب بِبَغْدَاد محْضر بِأَمْر الْقَادِر يتَضَمَّن الْقدح فِي نسب العلويين خلفاء مصر، وَكتب فِيهِ جمَاعَة من العلويين والقضاة والفضلاء وَأَبُو
стр. 313
عبد اللَّهِ بن النُّعْمَان فَقِيه الشِّيعَة، " نُسْخَة الْمحْضر ": هَذَا مَا شهد بِهِ الشُّهُود أَن معد بن إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن سعيد منتسب إِلَى ديصان بن سعيد الَّذِي ينْسب إِلَيْهِ الديصانية وَأَن هَذَا الناجم بِمصْر هُوَ مَنْصُور بن نزار الملقب بالحاكم حكم عَلَيْهِ اللَّهِ بالبوار والدمار ابْن معد بن إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن سعيد لَا أسعده اللَّهِ، وَأَن مَا تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس عَلَيْهِم لعنة اللَّهِ ولعنة اللاعنين أدعياء خوارج لَا نسب لَهُم فِي ولد عَليّ بن أبي طَالب ﵁، وان مَا ادعوهُ من الانتساب إِلَيْهِ زور بَاطِل، وَأَن، هَذَا الناجم فِي مصر هُوَ وسلفه كفار فساق زنادقة ملحدون معطلون وللإسلام جاحدون أباحوا الْفروج وَأَحلُّوا الْخُمُور وَسبوا الْأَنْبِيَاء وَادعوا الربوبية وَنَحْو ذَلِك وَآخره، وَكتب فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة.
وفيهَا: اشْتَدَّ أَذَى خفاجة للحجاج وَقَطعُوا عَلَيْهِم الطَّرِيق.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا قتل شمس الدّين أَبُو الْمَعَالِي قَابُوس بن وشمكير بن زِيَاد شدد على أَصْحَابه فَاجْتمعُوا وحضروه وَأَقَامُوا ابْنه منوجهر مَوْضِعه طلبوه من جرجان ثمَّ أتفق مَعَ ابيه وَانْقطع قَابُوس فِي قلعة يعبد اللَّهِ، فعاودوا منوجهر فِي قَتله فَسكت فَمَضَوْا وَأخذُوا جَمِيع مَا عِنْد قَابُوس من ملبوس فَمَاتَ بالبرد، وَكَانَ كثير الْفَضَائِل شَدِيد الْأَخْذ قَلِيل الْعَفو يدْرِي النُّجُوم وَغَيرهَا، وَمن شعره:
(قل للَّذي بصروف الدَّهْر عيرنَا ... هَل عاند الدَّهْر إِلَّا من لَهُ خطر)
(فَفِي السَّمَاء نُجُوم مَا لَهَا عدد ... وَلَيْسَ يكسف إِلَّا الشَّمْس وَالْقَمَر)
قلت: وفيهَا ورد السّجل من الْحَاكِم يَأْمر فِيهِ بِصَلَاة التَّرَاوِيح وَينْهى عَن لعن السّلف الصَّالح ويلعن فِيهِ من يلعنهم ﵃ أَجْمَعِينَ، وَالله أعلم.
وفيهَا: مَاتَ الْملك التّرْك أيلك خَان، وَملك أَخُوهُ طغان خَان، وَكَانَ المتوفي خيرا دينا.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة مَاتَ بهاء الدولة بن نصر خاشاذ بن عضد الدولة بن بويه بتتابع الصرع مثل أَبِيه وَمَات وَهُوَ ملك الْعرَاق وعمره اثْنَتَانِ وأ ﴿بعون سنة وَتِسْعَة أشهر وَملكه أَربع وَعِشْرُونَ سنة، وَولي مَوْضِعه ابْنه سُلْطَان الدولة أَبُو شُجَاع.
وفيهَا: توفّي القَاضِي أَبُو بكر بن الباقلاني مُحَمَّد بن الطّيب بن مُحَمَّد بن جَعْفَر نَاصِر طَريقَة الْأَشْعَرِيّ ومؤيد مذْهبه، سكن بَغْدَاد وصنف الْكثير فِي علم الْكَلَام، وَنسبَة الباقلاني إِلَى بيع الباقلاء وَهِي شَاذَّة كالصنعاني.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا أوغل أَيْضا السُّلْطَان مَحْمُود فِي الْهِنْد وغزا وَفتح وَعَاد إِلَى غزنة.
وفيهَا: نهبت خفاجة سَواد الْكُوفَة، فَقتل مِنْهُم الْعَسْكَر وَأسر.
стр. 314
وفيهَا: توفّي أَبُو سعيد الْإِصْطَخْرِي من شُيُوخ الْمُعْتَزلَة وعمره فَوق الثَّمَانِينَ.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا كَانَت الحروب بَين أبي الْحسن عَليّ بن مزِيد الْأَسدي وَبَين مُضر وَحسان ونبهان وطراد بن دبيس، ثمَّ أَن مُضر هزم أَبَا الْحسن وَاسْتولى على حلله وامواله وهرب أَبُو الْحسن إِلَى بلد النّيل.
وفيهَا: توفّي الْحَافِظ مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن حَمْدَوَيْه بن نعمب الضَّبِّيّ الطهمازي الْمَعْرُوف بِابْن الْحَاكِم النَّيْسَابُورِي إِمَام الحَدِيث فِي عصره والمؤلف فِيهِ مَا لم يسْبق إِلَيْهِ، سَافر فِي طلب الحَدِيث وَبَلغت شُيُوخه الفين وَله الصحيحان والأمالي وفضائل الشَّافِعِي، عرف أَبوهُ بالحاكم لتوليه الْقَضَاء بنيسابور.
وفيهَا: قتل بعض عَامَّة الدينور قاضيهم أَبَا الْقَاسِم يُوسُف بن أَحْمد بن كج الْفَقِيه الشَّافِعِي خوفًا مِنْهُ، وَله وَجه فِي الْمَذْهَب وصنف كثيرا وَجمع بَين رياستي الْعلم وَالدُّنْيَا.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا توفّي باديس بن مَنْصُور بن يُوسُف بلكين بن زيزى أَمِير أفريقية، ووليها بعده ابْنه الْمعز وعمره ثَمَان وَوصل إِلَيْهِ التَّقْلِيد وَالْخلْع من الْحَاكِم الْعلوِي ولقبه شرف الدولة والمعز حمل أهل الْمغرب على مَذْهَب مَالك وَكَانُوا قبله حنفية.
غزا سُلْطَان الدولة بن بهاء الدولة نَائِبه بالعراق فَخر الْملك أَبَا غَالب وَقَتله سلخ ربيع الأول مِنْهَا وعمره اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ سنة وَأحد عشر شهرا وَمُدَّة ولَايَته بالعراق خمس سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر وَأَيَّام، وَوجد لَهُ ألف ألف دِينَار غير الْعرُوض وَغير مَا نهب قَبضه بالأهواز، ثمَّ استوزر أَبَا مُحَمَّد الْحسن بن سهلان.
وفيهَا: توفّي الشريف الرضي مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُوسَى بن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى بن جَعْفَر الصَّادِق بن مُحَمَّد الباقر بن عَليّ زيد العابدين بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃ الْمَعْرُوف بالموسوي، ذاكرة شَيْخه السيرافي يَوْمًا وَهُوَ صبي فَقَالَ: رَأَيْت عمرا مَا عَلامَة النصب فِي عَمْرو؟ فَقَالَ الرضي: بعض عَليّ - أَشَارَ إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ وبغضه لعَلي -، فَعجب الْحَاضِرُونَ من ذهنه. ومولده سنة تسع وَخمسين وثلثمائة بِبَغْدَاد.
قلت: وَلَو قَالَ بدل قَوْله بغض عَليّ: خفض عَليّ، لَكَانَ أبدع، وَهُوَ أشعر الطالبيين على كَثْرَة شعرائهم المفلقين وَللَّه قَوْله:
(يَا صَاحِبي قفا لي واقضيا وطري ... وخبراني عَن نجد بأخبار)
(هَل روضت قاعة الوعساء أم مطرَت ... خميلة الطلح ذَات الشيح والغار)
(أم هَل أَبيت وَدَار دون كاظمة ... دَاري وسمار ذَاك الْحَيّ سماري)
(تضوع أَرْوَاح نجد من ثِيَابهمْ ... عِنْد الْقدوم لقرب لعهد بِالدَّار)
وَالله أعلم.
стр. 315
وفيهَا: توفّي الشَّيْخ أَبُو حَامِد الإِسْفِرَايِينِيّ إِمَام أَصْحَاب الشَّافِعِي وعمره إِحْدَى وَسِتُّونَ سنة وَأشهر، قدم بَغْدَاد سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ ثلثمِائة وَحضر مجالسه أَكثر من ثلثمِائة فَقِيه وطبق الأَرْض بالأصحاب، وَله مصنفات مِنْهَا: التعليقة الْكُبْرَى فِي الْمَذْهَب، واسفرايين بَلْدَة بنواحي نيسابور.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا غزا يَمِين الدولة مَحْمُود الْهِنْد وَوصل إِلَى قشم وقنوج وَبلغ نهر كنك وَفتح بلادا وغنم وَعَاد إِلَى غزنة.
(ذكر انْقِرَاض الْخلَافَة الأموية من الأندلس وتفرق ممالك الأندلس)
(وأخبار الدولة العلوية بهَا)
فِي هَذِه السّنة خرج على المستعين بِاللَّه سُلَيْمَان بن الحكم الْأمَوِي خيران العامري من القواد من أَصْحَاب الْمُؤَيد وَسَار فِي جمَاعَة كَثِيرَة من الْعَامِرِيين، وَكَانَ عَليّ بن حمود الْعلوِي مستوليا على سبتة وَبَينه وَبَين الأندلس عدوة الْمجَاز، وَكَانَ أَخُوهُ الْقَاسِم بن حمود على الجزيرة الخضراء، وَلما رأى عَليّ بن مَحْمُود خُرُوج خيران على سُلَيْمَان عبر من سبتة إِلَى مالقة وَاجْتمعَ إِلَيْهِ خيران وَغَيره من الخارجين على سُلَيْمَان الْأمَوِي.
وَكَانَ أَمر هِشَام الْمُؤَيد الْخَلِيفَة الْأمَوِي قد اختفى من حِين استولى ابْن عَمه سُلَيْمَان على قرطبة فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة وَأخرج الْمُؤَيد من الْقصر فَلم يطلع للمؤيد على خبر، فَاجْتمع خيران وَغَيره إِلَى عَليّ بن حمود بالمنكب وَهِي بَين المربة ومالقة سنة سِتّ وَأَرْبَعمِائَة وَبَايَعُوا عَليّ بن حمود الْعلوِي على طَاعَة الْمُؤَيد الْأمَوِي إِن ظهر خَبره، وَسَار إِلَى سُلَيْمَان بقرطبة واقتتلوا، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَان الْأمَوِي وَأسر وأحضر هُوَ وَأَخُوهُ وأبوهما الحكم بن سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر، وَكَانَ الحكم متخليا عَن الْملك لِلْعِبَادَةِ.
وَملك عَليّ بن حمود الْعلوِي قرطبة ودخلها سنة سَبْعَة وَأَرْبَعمِائَة، وَقصد القواد وَعلي بن حمود الْقصر طَمَعا فِي وجود الْمُؤَيد فَلم يقعوا بِخَبَرِهِ، فَقتل عَليّ بن حمود سُلَيْمَان وأباه وأخاه.
وَلما قدم الحكم للْقَتْل قَالَ لَهُ عَليّ بن حمود يَا شيخ قتلتم الْمُؤَيد؟ فَقَالَ: وَالله مَا قَتَلْنَاهُ وَأَنه حَيّ يرْزق، فَقتله سَرِيعا وَأظْهر موت الْمُؤَيد وَبَايع لنَفسِهِ وتلقب بالمتوكل على اللَّهِ وَقيل: النَّاصِر لدين اللَّهِ، وَهُوَ: عَليّ بن حمود بن أبي الْعَيْش مَيْمُون بن أَحْمد بن عَليّ بن عبد اللَّهِ بن عمر بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن عبيد اللَّهِ بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵃.
ثمَّ أَن خبران خرج عَن طَاعَته لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَافقه طَمَعا فِي وجود الْمُؤَيد بقصر قرطبة وإعادته إِلَى الْخلَافَة، وَسَار خيران عَن قرطبة يطْلب أحدا من بني أُميَّة يقيمه فِي الْخلَافَة، وَبَايع أمويا ولقبه المرتضى وَهُوَ: عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن عبد الرَّحْمَن
стр. 316
النَّاصِر كَانَ فِي جيان مستخفيا، وَاجْتمعَ إِلَى عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور أهل شاطبة وبلنسيه وطرطوشه مخالفين على عَليّ بن حمود.
فَلم يَنْتَظِم لعبد الرَّحْمَن أَمر، وَجمع عَليّ بن حمود جموعه وقصدهم من قرطبة وبرز العساكر إِلَى ظَاهرهَا، وَدخل الْحمام ليخرج ويسير فَوَثَبَ غلمانه وقتلوه فِي الْحمام فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ ابْن ثَمَان وَأَرْبَعين سنة وولايته سنة وَتِسْعَة أشهر، فَدخلت العساكر الْبَلَد.
ثمَّ ولي بعده أَخُوهُ الْقَاسِم بن حمود أكبر من عَليّ بِعشْرين سنة وتلقب بالمأمون، وَملك قرطبة وَغَيرهَا إِلَى سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة.
ثمَّ سَار الْقَاسِم من قرطبة إِلَى أشبيلية، فَخرج عَلَيْهِ ابْن أَخِيه يحيى بن عَليّ بن حمود بقرطبة ودعا إِلَى نَفسه وخلع عَمه، فَأَجَابُوهُ فِي مستهل جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وتلقب يحيى بالمعتلي، وَبَقِي بقرطبة حَتَّى سَار إِلَيْهِ عَمه الْقَاسِم من أشبيلية فَخرج يحيى عَن قرطبة إِلَى مالقه والجزيرة الخضراء فاستولى عَلَيْهِمَا سنة ثَلَاث عشرَة وَأَرْبَعمِائَة فِي ذِي الْقعدَة وَدخل الْقَاسِم بن حمود قرطبة فِي التَّارِيخ.
وَجرى بَين أهل قرطبة وَبَين الْقَاسِم قتال وأخرجوه عَن قرطبة وَبَقِي بَينهم الْقِتَال نيفا وَخمسين يَوْمًا، ثمَّ هزموا الْقَاسِم وتفرق عَنهُ عسكره وَسَار إِلَى شريش فقصده ابْن أَخِيه يحيى وأمسكه وحبسه حَتَّى مَاتَ الْقَاسِم مَحْبُوسًا بعد موت يحيى.
وَلما جرى ذَلِك خرج أهل أشبيلية عَن طَاعَة الْقَاسِم وَابْن أَخِيه يحيى وَقدمُوا عَلَيْهِم قَاضِي أشبيلية أَبَا الْقَاسِم مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن عباد اللَّخْمِيّ وَبَقِي إِلَيْهِ أَمر أشبيلية، وَكَانَت ولَايَة الْقَاسِم بن مَحْمُود بقرطبة إِلَى أَن أمسك وَحبس ثَلَاثَة أَعْوَام وشهورا وَبَقِي مَحْبُوسًا حَتَّى مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقد أسن.
وَقدم أهل قرطبة عبد الرَّحْمَن بن هِشَام بن عبد الْجَبَّار بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر ولقب بالمستظهر بِاللَّه وَهُوَ أَخُو الْمهْدي مُحَمَّد بن هِشَام وبويع فِي رَمَضَان وقتلوه فِي ذِي الْقعدَة كل ذَلِك فِي سنة أَربع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة، فبويع بالخلافة مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبيد اللَّهِ بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر ولقب بالمستكفي، ثمَّ خلع بعد سنة وَأَرْبَعَة أشهر فهرب وسم فِي الطَّرِيق فَمَاتَ.
ثمَّ اجْتمع أهل قرطبة على طَاعَة يحيى بن عَليّ بن حمود الْعلوِي وَكَانَ بمالقة يخْطب لَهُ بالخلافة، ثمَّ خَرجُوا عَن طَاعَته سنة ثَمَان عشرَة وَأَرْبَعمِائَة وَبَقِي يحيى كَذَلِك مُدَّة، ثمَّ سَار من مالقة إِلَى قرمونه وَأقَام بهَا محاصرا لأشبيلية، وَخرجت للْقَاضِي ابْن عباد خيل وَكَمن بَعضهم فَركب يحيى لقتالهم فَقتل فِي المعركة فِي الْمحرم سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة.
стр. 317
وَلما خلع أهل قرطبة طَاعَة يحيى بَايعُوا لهشام بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر الْأمَوِي ولقبوه بالمعتمد بِاللَّه سنة ثَمَان عشرَة وَأَرْبَعمِائَة حَسْبَمَا ذكرنَا. وَجرى فِي أَيَّامه فتن وخلافات فِي الأندلس حَتَّى خلع هِشَام الْمَذْكُور سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة، وَسَار مخلوعا إِلَى سُلَيْمَان بن هود الجذامي فَأَقَامَ عِنْده حَتَّى مَاتَ هِشَام سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة.
ثمَّ أَقَامَ أهل قرطبة بعد هِشَام شخصا من ولد عبد الرَّحْمَن النَّاصِر اسْمه أُميَّة وَقَالُوا لَهُ: نخشى عَلَيْك أَن تقتل وَأَن السَّعَادَة قد ولت عَنْكُم يَا بني أُميَّة، فَقَالَ: بايعوني الْيَوْم واقتلوني غَدا فَلم يَنْتَظِم أمره واختفى فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.
ثمَّ اقتسم الأندلس أَصْحَاب الْأَطْرَاف والرؤساء، فَملك قرطبة أَبُو الْحسن بن جهور من وزراء الدولة العامرية وَاسْتمرّ كَذَلِك حَتَّى مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة، ووليها بعده ابْنه أَبُو الْوَلِيد مُحَمَّد.
وَملك أشبيلية قاضيها أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن عباد اللَّخْمِيّ من ولد النُّعْمَان بن الْمُنْذر.
وَلما تقسمت الأندلس شاع ظُهُور الْمُؤَيد هِشَام بن الحكم من الاختفاء وَأَنه سَار إِلَى قلعة رَبَاح فأطاعه أَهلهَا، فاستدعاه ابْن عباد إِلَى أشبيلية فَسَار إِلَيْهِ وَقَامَ بنصره وَكتب بظهوره إِلَى ممالك الأندلس، فَأجَاب أَكْثَرهم وخطبوا لَهُ وجددت بيعَته فِي الْمحرم سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة، وبقى الْمُؤَيد حَتَّى ولي المعتضد بن عباد فأظهر موت الْمُؤَيد، وَالصَّحِيح أَن الْمُؤَيد لم يظْهر مُنْذُ عدم من قرطبة فِي سنة ثَلَاث ورأبعمائة وَإِنَّمَا ذَلِك من تمويهات ابْن عباد.
وَأما بطليوس: فَقَامَ بهَا سَابُور الْفَتى العامري وتلقب بالمنصور، ووليها بعده أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن مسلمة بن الْأَفْطَس وتلقب بالمظفر وَأَصله من بربر مكناسة لَكِن ولد أَبوهُ بالأندلس، ووليها بعد مُحَمَّد ابْنه عمر وتلقب بالمتوكل واتسع ملكه وَقتل صبرا مَعَ ولديه الْفضل وَالْعَبَّاس عِنْد تغلب أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين على الأندلس.
وَأما طليطلة: فوليها ابْن يعِيش، ثمَّ إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن عَامر بن ذِي النُّون وتلقب بالظافر بحول اللَّهِ وَهُوَ من البربر، ووليها بعده ابْنه يحيى، ثمَّ أخذت الفرنج طليطلة مِنْهُ سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَاقْتصر هُوَ على بلنسية إِلَى أَن قَتله القَاضِي بن جحاف الْأَحْنَف.
وَأما سرقسطة والثغر الْأَعْلَى: فَكَانَت بيد مُنْذر بن يحيى، ثمَّ ابْنه يحيى ثمَّ سُلَيْمَان بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن هود الجذامي وتلقب بالمستعين بِاللَّه، ثمَّ ابْنه أَحْمد ثمَّ ابْنه عبد الْملك، ثمَّ ابْنه أَحْمد وتلقب بالمنتصر بِاللَّه وَعَلِيهِ انقرضت دولتهم على رَأس الْخَمْسمِائَةِ فَصَارَت بِلَادهمْ كلهَا للملثمين.
стр. 318
وَأما طرطوشة: فوليها لَبِيب الْفَتى العامري.
وَأما بلنسيه: فَكَانَت بيد الْمَنْصُور أبي الْحُسَيْن عبد الْعَزِيز الْمعَافِرِي ثمَّ انضاف إِلَيْهِ المرية، ثمَّ ابْنه مُحَمَّد، ثمَّ غدر بِهِ صهره الْمَأْمُون بن ذِي النُّون وَأخذ الْملك سنة سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة.
وَأما السهلة: فملكها عبود بن رزين الْبَرْبَرِي. وَأما دانية والجزائر: فَصَارَت بيد الْمُوفق بن الْحُسَيْن مُجَاهِد العامري.
وَأما مرسية: فوليها بَنو طَاهِر واستقامت لعبد الرَّحْمَن مِنْهُم إِلَى أَن أَخذهَا مِنْهُ المعتضد بن عباد، ثمَّ عصى بهَا نائبها عَلَيْهِ، ثمَّ صَار للملثمين.
وأماس المرية: فملكها خيران العامري، ثمَّ زُهَيْر العامري واتسع ملكه إِلَى شاطبة، ثمَّ قتل وَصَارَت مَمْلَكَته للمنصور بن عبد الْعَزِيز بن عبد الرَّحْمَن الْمَنْصُور بن أبي عَامر، ثمَّ تنقلت حَتَّى صَارَت للملثمين.
وَأما مالقه: فملكها بَنو عَليّ بن حمود الْعلوِي فَلم تزل للعلويين يخْطب لَهُم فِيهَا بالخلافة إِلَى أَن أَخذهَا مِنْهُم باديس بن حيوس صَاحب غرناطة.
وَأما غرناطة: فملكها حيوس بن ماكس الصنهاجي.
هَذِه تَفْرِقَة ممالك الأندلس.
ونظم أَبُو طَالب عبد الْجَبَّار الأندلسي من جَزِيرَة شقر أرجوزة فِي فنون من الْعُلُوم، مِنْهَا فِي التَّارِيخ قَوْله:
(لما رأى أَعْلَام أهل قرطبة ... أَن الْأُمُور عِنْدهم مضطربة)
(وعدمت شاكلة للطاعة ... اسْتعْملت آراءها الْجَمَاعَة)
(فقدموا الشَّيْخ من آل جهور ... المكتني بالحزم والتدبر)
(ثمَّ ابْنه أَبَا الْوَلِيد بعده ... وَكَانَ يحذو فِي السداد قَصده)
(فجاهرت بجورها الجهارة ... وكل قطر حل فِيهِ فاقره)
(والثغر الْأَعْلَى قَامَ فِيهِ مُنْذر ... ثمَّ ابْن هود بعد فِيمَا يذكر)
(وَابْن يعِيش ثار فِي طليطلة ... ثمَّ ابْن ذِي النُّون تصفى الْملك لَهُ)
(وَفِي بطليوس انتزي سَابُور ... وَبعده ابْن الْأَفْطَس الْمَنْصُور)
(وثار فِي حمص بَنو عباد ... وَالْكذب والفتون فِي ازدياد)
(وثار فِي غرناطة حيوس ... ثمَّ ابْنه من بعده باديس)
(وَآل معن ملكوا المرية ... بسيرة محمودة مرضيه)
(وثار فِي شَرق الْبِلَاد الفتيان ... العامريون وَمِنْهُم خيران)
(ثمَّ زُهَيْر والفتى لَبِيب ... وَمِنْهُم مُجَاهِد اللبيب)
стр. 319
(سُلْطَانه رسى بمرسي دانيه ... ثمَّ غزا حَتَّى إِلَى سردانية)
(ثمَّ أَقَامَت هَذِه الصقالبه ... لِابْنِ أبي عامرهم بشاطبه)
(وَجل مَا ملكهم بلنسيه ... وثار آل طَاهِر بمرسيه)
(ويلد الْبِنْت لآل قَاسم ... وَهُوَ حَتَّى الْآن فِيهَا حَاكم)
(وَابْن رزين جَاره فِي السهله ... أمْهل أَيْضا ثمَّ كل المهله)
(ثمَّ استمرت هَذِه الطوائف ... يخلفهم من آلهم خوالف)
وفيهَا أَعنِي سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة: قتلت ... ... . بإفريقية، فَإِن باديس الْمعز ركب فِي القيروان فاجتاز بِجَمَاعَة فَقيل لَهُ: إِنَّهُم ... ... يسبون ... ... . و ... ...، فَقَالَ الْمعز: رَضِي اللَّهِ عَن ... ... و ... ... . فثار بهم النَّاس وقتلوهم.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا مَاتَ طغان ملك تركستان وكاشغر، وَلما كَانَ مَرِيضا سَارَتْ جيوش الصين من التّرْك والخطا لقتاله فَدَعَا اللَّهِ أَن يعافيه ليقاتلهم ثمَّ يفعل بِهِ مَا شَاءَ فَعُوفِيَ وَسَار فكسبهم وهم زهاء ثلثمِائة ألف خركاه وَقتل مِنْهُم فَوق مِائَتي ألف رجل وَأسر نَحْو مائَة ألف وغنم مَا لَا يُحْصى وَعَاد فَمَاتَ ببلاساغون عقيب وُصُوله وَكَانَ عادلا دينا.
وَهَذَا يلْتَفت إِلَى قصَّة سعد بن معَاذ الْأنْصَارِيّ ﵁ لما جرح فِي غَزْوَة الخَنْدَق وَسَأَلَ اللَّهِ أَن يحييه إِلَى أَن يُشَاهد غَزْوَة بني قُرَيْظَة، فاندمل جرحه حَتَّى فرغ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - من قتل بني قُرَيْظَة وَسَبْيهمْ فَانْتقضَ جرح سعد وَمَات ﵁.
وَلما مَاتَ طغان خَان ملك أَخُوهُ أَبُو المظفر أرسلان خَان.
وفيهَا: فِي جمادي الأولى توفّي مهذب الدولة صَاحب البطيحة أَبُو الْحسن عَليّ بن نصر ومولده سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلثمائة افتصد فورم ساعده وَاشْتَدَّ مَرضه فَوَثَبَ ابْن أُخْته أَبُو مُحَمَّد عبد اللَّهِ بن بني فَقبض على أَحْمد بن مهذب الدولة فأعلمت أمه مهذب الدولة قبل مَوته فَقَالَ: أَي شَيْء أقدر أعمل وَأَنا على هَذِه الْحَال وَمَات من الْغَد.
وَولي الْأَمر أَبُو مُحَمَّد الْمَذْكُور، وَضرب ابْن مهذب الدولة فَمَاتَ بعد ثَلَاثَة أَيَّام من موت أَبِيه.
ثمَّ مَاتَ أَبُو مُحَمَّد بالذبحة بعد ثَلَاثَة أشهر فولى البطيحة بعده الْحُسَيْن بن بكر الشرابي من خَواص مهذب الدولة، ثمَّ قبض عَلَيْهِ سُلْطَان الدولة فِي سنة عشر وَأَرْبَعمِائَة وولاها صَدَقَة بن فَارس المازياري.
وفيهَا: مَاتَ عَليّ بن مزِيد الْأَسدي وَصَارَ الْأَمِير بعده ابْنه دبيس.
وفيهَا: طمعت الْعَامَّة فِي الديلم وَكثر العيارون والنهب بِبَغْدَاد.
وفيهَا: قدم سُلْطَان الدولة إِلَى بَغْدَاد وَضرب الطبل فِي أَوْقَات الصَّلَوَات الْخمس، وَكَانَ جده عضد الدولة يَفْعَله فِي أَوْقَات ثَلَاث صلوَات.
стр. 320
ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا غزا يَمِين الدولة الْهِنْد على عَادَته فَقتل وغنم وَعَاد.
وفيهَا: مَاتَ عبد الْغَنِيّ بن سعيد الْحَافِظ الْمصْرِيّ صَاحب المؤتلف والمختلف.
ثمَّ دخلت سنة عشر وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا توفّي وثاب بن سَابق النميري صَاحب حران وَملك ابْنه شبيب.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا لثلاث بَقينَ من شَوَّال فقد الْحَاكِم بِأَمْر اللَّهِ أَبُو عَليّ مَنْصُور بن الْعَزِيز الْعلوِي صَاحب مصر خرج لَيْلًا يطوف على رسمه وَأصْبح عِنْد قبر الفقاعي وَتوجه إِلَى شَرْقي حلوان وَمَعَهُ ركابيان فَأَعَادَ أَحدهمَا مَعَ جمَاعَة من الْعَرَب ليوصلهم مَا أطلق لَهُم من بَيت المَال، ثمَّ عَاد الركابي الآخر وَأخْبر أَنه خلف الْحَاكِم عِنْد الْعين والمقصبة، فَخرج جمَاعَة من أَصْحَابه ليكشفوا خَبره فوجودوا عِنْد حلوان حمَار الْحَاكِم فعادوا وَلم يشكوا فِي قَتله، وَكَانَ قد تهدد أُخْته فاتفقت مَعَ بعض القواد وجهزوا عَلَيْهِ من قَتله. وعمره سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة وَتِسْعَة أشهر وولايته خمس وَعِشْرُونَ سنة وَأَيَّام، وَكَانَ جوادا سفاكا للدماء تصدر عَنهُ أَفعَال متناقضة يَأْمر بالشَّيْء ثمَّ ينْهَى عَنهُ.
وَولي بعده ابْنه الظَّاهِر لإعزاز دين اللَّهِ أَبُو الْحسن عَليّ وبويع فِي السَّابِع من قبل أَبِيه وَهُوَ صبي، وجمعت عمته أُخْت الْحَاكِم سِتّ الْملك النَّاس وأحسنت ووعدت ورتبت وباشرت الْملك بِنَفسِهَا وقويت هيبتها وَعَاشَتْ بعد الْحَاكِم أَربع سِنِين.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة شغبت الْجند بِبَغْدَاد على سُلْطَان الدولة، فَأَرَادَ الانحدار إِلَى وَاسِط فَقَالُوا: اجْعَل عندنَا ولدك أَو أَخَاك مشرف الدولة، فاستخلف أَخَاهُ مشرف الدولة على الْعرَاق وَسَار سُلْطَان الدولة عَن بَغْدَاد إِلَى الأهواز واستوزر فِي طَرِيقه ابْن سهلان فاستوحش مشرف الدولة من ذَلِك.
وَأرْسل سُلْطَان الدولة وزيره ابْن سهلان ليخرج أَخَاهُ مشرف الدولة من الْعرَاق، فَسَار إِلَيْهِ واقتتلا فانتصر مشرف الدولة وَأمْسك ابْن سهلان وسمله وَلما بلغ ذَلِك سُلْطَان الدولة ضعفت نَفسه وهرب إِلَى الأهواز فِي أَرْبَعمِائَة فَارس وَاسْتقر مشرف الدولة بن بهاء الدولة فِي ملك الْعرَاق وَقطعت خطْبَة سُلْطَان الدولة وخطب لمشرف الدولة فِي آخر الْمحرم سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة.
وفيهَا: فِي الْموصل قبض مُعْتَد الدولة قرواش بن الْمُقَلّد على وزيره أبي الْقَاسِم المغربي ثمَّ أطلقهُ، وَقبض على سُلَيْمَان بن فَهد وَكَانَ ابْن فَهد فِي حداثته بَين يَدي الصابي بِبَغْدَاد، ثمَّ صعد الْموصل وخدم الْمُقَلّد بن الْمسيب وَالِد قرواش، ثمَّ نظر فِي ضيَاع قرواش فظلم أَهلهَا، ثمَّ سخط قرواش عَلَيْهِ وحبسه ثمَّ قَتله. وَذكره ابْن الزمكدم فِي أَبْيَات وَهِي:
следующие страницы →