Полный текст (708 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
لتلقيه وَاعْتذر لَهُ عَن تَأَخره بِقِتَال أَخِيه إِبْرَاهِيم وبوفاة أَخِيه دَاوُد بخراسان، وَسَار الْخَلِيفَة ووقف طغرلبك فِي الْبَاب النوبي مَكَان الْحَاجِب وَأخذ بلجام بغلة الْخَلِيفَة إِلَى دَاره يَوْم الْإِثْنَيْنِ لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَخمسين.
ثمَّ توجه جَيش طغرلبك لقِتَال البساسيري فِي ثامن ذِي الْحجَّة، فهزمت أَصْحَاب البساسيري وَقتل البساسيري وَبعث طغرلبك بِرَأْسِهِ إِلَى الْخَلِيفَة فعلق وَأخذت أَمْوَال البساسيري ونساؤه وَأَوْلَاده.
والبساسيري: أَصله مَمْلُوك تركي لبهاء الدولة بن بويه واسْمه أرسلان نِسْبَة إِلَى بسا بِفَارِس الَّتِي مِنْهَا سَيّده.
وفيهَا: - أَعنِي سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة - توفّي شهَاب الدولة أَبُو الفوارس بن مَنْصُور بن الْحُسَيْن الْأَسدي صَاحب الجزيرة، وَاجْتمعت عشيرته على ابْنه صَدَقَة.
وفيهَا: توفّي الْملك الرَّحِيم أَبُو نصر خسرو فَيْرُوز آخر مُلُوك بني بويه بقلعة الرّيّ مسجونا.
وفيهَا: توفّي القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ الْفَقِيه الشَّافِعِي الثِّقَة الصَّحِيح الِاعْتِقَاد وَله مائَة وسنتان وَكَانَ صَحِيح الْحَواس والأعضاء يناظر ويفتي ويستدرك وَدفن عِنْد الإِمَام أَحْمد.
وفيهَا: توفّي قَاضِي الْقُضَاة أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن مُحَمَّد بن حبيب الْمَاوَرْدِيّ وَله الْحَاوِي وَغَيره وعمره سِتّ وَثَمَانُونَ، أَخذ الْفِقْه عَن أبي حَامِد الإسفرايني وَغَيره، وَله تَفْسِير الْقُرْآن والنكت والعيون وَالْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة وقانون الوزارة وَنسبَة الْمَاوَرْدِيّ: إِلَى بيع الماورد على غير قِيَاس.
وفيهَا: زلزل الْعرَاق والموصل سَاعَة، فخربت وأهلكت كثيرا.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا توفّي الْملك فرخزاد بن مَسْعُود بن مَحْمُود بن سبكتكين صَاحب غزنة بالقولنج، وَملك بعده أَخُوهُ إِبْرَاهِيم فَأحْسن وغزا الْهِنْد وَفتح حصونا وَصَالح دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق صَاحب خُرَاسَان.
وفيهَا: فِي رَجَب توفّي دَاوُد الْمَذْكُور أَخُو طغرلبك وعمره سَبْعُونَ سنة وَهُوَ يُقَاتل آل سبكتكين، وَملك بعده ابْنه ألب أرسلان، وَكَانَ لداود من الْبَنِينَ ألب أرسلان وياقوتي وفاروت بك وَسليمَان، فَتزَوج طغرلبك بِأم سُلَيْمَان امْرَأَة أَخِيه.
وفيهَا: قدم طغرلبك بَغْدَاد وَأعَاد الْخَلِيفَة وَقتل البساسيري كَمَا ذكرنَا.
وفيهَا: توفّي عَليّ بن مَحْمُود بن إِبْرَاهِيم الزوزي الْمَنْسُوب إِلَيْهِ رِبَاط الزوزي. قبالة جَامع الْمَنْصُور بِبَغْدَاد.
قلت: وفيهَا تسلم الْأَمِير أَبُو الْفَتْح الْحسن بن عبد اللَّهِ بن أبي حَصِينَة المعري من بَين
стр. 352
يَدي الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر الْعلوِي صَاحب مصر السّجل بتأميره وَذَلِكَ فِي ربيع الآخر، فعلا قدره وَعظم شَأْنه، وَكَانَ سَبَب شهرته وتقدمه أَنه وَفد إِلَى حَضْرَة الْمُسْتَنْصر رَسُولا من قبل الْأَمِير تَاج الدولة بن مرداس سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة ومدح الْمُسْتَنْصر بقوله:
(طهر الْهدى وتجمل الْإِسْلَام ... وَابْن الرَّسُول خَليفَة وَإِمَام)
(مستنصر بِاللَّه لَيْسَ يفوتهُ ... طلب وَلَا يعتاص عَنهُ مرام)
(حاط الْعباد وَبَات يسهر عينه ... وعيون سكان الْبِلَاد نيام)
(قصر الإِمَام أبي تَمِيم كعبة ... وَيَمِينه ركن لَهَا ومقام)
(لَوْلَا بَنو الزهراء مَا عرف التقي ... فِينَا وَلَا تبع الْهدى الأقوام)
(يَا آل أَحْمد ثبتَتْ أقدامكم ... وتزلزلت بعدكم الْأَقْدَام)
(لَسْتُم وغيركم سَوَاء أَنْتُم ... للدّين أَرْوَاح وهم أجسام)
(يَا آل طه حبكم وولاؤكم ... فرض وَإِن عذل الوشاة ولاموا)
وَهِي طَوِيلَة، ومدحه سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ أنْجز لَهُ وعده بالتأمير فَقَالَ فِيهِ قصيدة مِنْهَا:
(أما الإِمَام فقد وَفِي بمقاله ... صلى الْإِلَه على الإِمَام وَآله)
(لذنا بجانبه فَعم بفضله ... وببذله وبعفوه وبماله)
(لَا خلق أكْرم من معد شِيمَة ... محمودة فِي قَوْله وفعاله)
(فاقصد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمَا ترى ... بؤسا وَأَنت مظلل بظلاله)
(زَاد الإِمَام على البحور بفضله ... وعَلى البدور بحسنة وجماله)
(وعَلى سَرِير الْملك من آل الْهدى ... من لَا تمر الفاحشات بِبَالِهِ)
(النَّصْر والتأييد فِي أَعْلَامه ... وَمَكَارِم الْأَخْلَاق فِي سرباله)
(مستنصر بِاللَّه ضَاقَ زَمَانه ... عَن شُبْهَة وَنَظِيره ومثاله)
وَكَانَ الَّذِي كتب لَهُ سجل التأمير وسعى فِي مَصَالِحه ونهض فِيهِ هُوَ الشَّيْخ الْأَجَل أَبُو عَليّ صَدَقَة بن إِسْمَاعِيل بن فَهد الْكَاتِب بِحَضْرَة الْمُسْتَنْصر، فَشكر الْأَمِير أَبُو الْفَتْح سَعْيه فِي قصيدة مِنْهَا قَوْله:
(قد كَانَ صبري عيل فِي طلب العلى ... حَتَّى استندت إِلَى ابْن إسماعيلا)
(فظفرت بالخطر الْجَلِيل وَلم يزل ... يحوي الْجَلِيل من اسْتَعَانَ جَلِيلًا)
(لَوْلَا الْوَزير أَبُو عَليّ لم أجد ... أبدا إِلَى الشّرف الْعلي سَبِيلا)
(إِن كَانَ ريب الدَّهْر قبح مَا مضى ... عِنْدِي فقد صَار الْقَبِيح جميلا)
(وَأجل مَا جلّ الرِّجَال صلَاتهم ... للراغبين الْعِزّ والتبجيلا)
(الْيَوْم أدْركْت الَّذِي أَنا طَالب ... والأمس كَانَ طلابه تعليلا)
وَلَوْلَا التَّطْوِيل لذكرت من شعر الْأَمِير أبي الْفَتْح الْمَذْكُور كثيرا، فَإِنَّهُ السهل الْمُمْتَنع سَلس القياد عذب الْأَلْفَاظ حسن السبك لطيف الْمَقَاصِد عري عَن الحشو نَالَ رَحمَه اللَّهِ
стр. 353
التأمير الَّذِي مَاتَ المتنبي بحسرته ورحل إِلَى كافور بِسَبَبِهِ، وَتُوفِّي الْأَمِير أَبُو الْفَتْح بسروج منتصف شعْبَان سنة سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا ملك مَحْمُود بن نصر بن صَالح بن مرداس حلب كَمَا مر.
قلت: وَفِي مَحْمُود هَذَا يَقُول ابْن أبي حَصِينَة من قصيدة:
(كفي ملامك فالتبريح يَكْفِينِي ... أَو جربي بعض ماألقي ولوميني)
(برمل يبرين أَصْبَحْتُم فَهَل علمت ... رمال يبرين أَن الشوق يبرين)
(أَهْوى الحسان وَخَوف الله يردعني ... عَن الْهوى والعيون النجل تغويني)
(مَا بَال أَسمَاء تلويني مواعدها ... أكل ذَات جمال ذَات تلوين)
(كَانَ الشَّبَاب إِلَى هِنْد يقربنِي ... وشاب رَأْسِي فَصَارَ الْيَوْم يقصيني)
(يَا هِنْد أَن سَواد الرَّأْس يصلح ... للدنيا وَأَن بَيَاض الرَّأْس للدّين)
(لست امْرَءًا غيبَة الْأَحْرَار من شيمي ... وَلَا النميمة من طبعي وَلَا ديني)
(دَعْنِي وحيداً أعاني الْعَيْش منفرداُ ... فبعض معرفتي فِي النَّاس تكفيني)
(مَا ضرني ودفاع الله يعصمني ... من بَات يهدمني وَالله يبنيني)
(وَمَا أُبَالِي وَصرف الدَّهْر يسخطني ... وسيب نعماك يَا ابْن السَّيْل يرضيني)
(أَبَا سَلامَة عش واسلم حَلِيف على ... وسؤدد بشعاع النَّجْم مقرون)
(أَشْقَى عداكم وأهوى أَن أدين لكم ... وللعدا دينهم فِيكُم ولي ديني)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفيت وَالِدَة الْقَائِم بِاللَّه الأرمنية الأَصْل، وَاسْمهَا قطر الندى.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثَة وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا توفّي الْمعز بن باديس صَاحب إفريقية بِضعْف الكبد وَمُدَّة ملكه سبع وَأَرْبَعُونَ سنة، كَانَ عمره لما ملك إِحْدَى عشرَة سنة وَقيل: ثَمَان وَملك بعده ابْنه تَمِيم.
وفيهَا: توفّي قُرَيْش بن بدران بن الْمُقَلّد بن الْمسيب صَاحب الْموصل ونصيبين بنصيبين، وَقَامَ بعده ابْنه شرف الدولة أَبُو المكارم مُسلم.
وفيهَا: توفّي نصر الدولة أَبُو نصر أَحْمد بن مَرْوَان الْكرْدِي صَاحب ديار بكر وعمره نَيف وَثَمَانُونَ وإمارته اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ سنة، وتنعم بِمَا لم يسمع بِمثلِهِ اشْترى بعض مغنياته بِخَمْسَة آلَاف دِينَار وَملك خَمْسمِائَة سَرِيَّة وتوابعهن وَخَمْسمِائة خَادِم وآلات مجْلِس يزِيد على مِائَتي ألف دِينَار وَعلم طباخيه بِمصْر، ووزر لَهُ أَبُو الْقَاسِم المغربي وفخر الدولة بن جهير، وقصده الشُّعَرَاء وَالْعُلَمَاء، وَملك بعده ابْنه نصر ميافارقين وَابْنه الآخر سعيد آمد.
وفيهَا: توفّي شكر الْعلوِي الْحُسَيْنِي أَمِير مَكَّة، وَمن شعره الْحسن قَوْله:
стр. 354
(قوض خيامك عَن أَرض تضام بهَا ... وجانب الذل أَن الذل يجْتَنب)
(وارحل إِذا كَانَ فِي الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب فِي أوطانه حطب)
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا تزوج طغرلبك بنت الْخَلِيفَة الْقَائِم وَكَانَ العقد فِي شعْبَان بِظَاهِر تبريز، توكل فِي تَزْوِيجهَا عَن أَبِيهَا عميد الْملك.
وفيهَا: استوزر الْقَائِم فَخر الدولة أَبَا نصر بن جهير.
وفيهَا: توفّي القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلامَة بن جَعْفَر الْقُضَاعِي الْفَقِيه الشَّافِعِي صَاحب كتاب الشهَاب وَكتاب الأنباء عَن الْأَنْبِيَاء وتواريخ الْخُلَفَاء وَكتاب خطط مصر، قضى بِمصْر عَن العلويين وأرسلوه إِلَى الرّوم، وقضاعة من حمير وَقيل: هُوَ معد بن عدنان.
قلت: وفيهَا عمر الْمُسلمُونَ حصن المرقب بساحل جبلة وباعوه للروم بِمَال عَظِيم وقبضوه، وَجَاء من الرّوم نَحْو من ثلثمِائة رجل ليتسلموه فَقتلُوا مِنْهُم وأسروا البَاقِينَ وفدوهم بِمَال كثير، وَكَانَ بَيْعه للروم حِيلَة نصبها الْمُسلمُونَ فتمت وَللَّه الْحَمد.
وفيهَا: جَاءَت يرقة وتبعتها صَيْحَة سقط لَهَا النَّاس لوجوههم، وَمَاتَتْ بهَا طيور كَثِيرَة بالمعرة.
وفيهَا: هم أهل معرة النُّعْمَان فِي عمل السُّور عَلَيْهَا ونصبوا عَلَيْهِ المناجيق والعجل يجر الْحِجَارَة وَالْجمال تحمل من شبيث وَغَيره، وَكَانَ الْأَمِير أَبُو الْمَاضِي خَليفَة بن جهان ينْفق عَلَيْهِ من مَاله وجاهه حَتَّى كمل فِي شهور سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَالله أعلم.
أَخْبَار الْيمن من تَارِيخ عمَارَة
ثمَّ دخلت سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فِيهَا: تَكَامل الْيمن لعَلي بن القَاضِي مُحَمَّد بن عَليّ الصليحي، وَكَانَ القَاضِي مُحَمَّد سنياً مُطَاعًا فِي رجال حزاز وهم أَرْبَعُونَ ألفا، فتعلم ابْنه على التَّشَيُّع وَأخذ أسرار الدعْوَة من عَامر بن عبد الله الرواحي الْيَمَانِيّ أكبر دعاة الْمُسْتَنْصر خَليفَة مصر وَصَارَ عَليّ بن مُحَمَّد دَلِيلا لحجاج الْيمن على طَرِيق الطَّائِف وبلاد السرو وَبَقِي كَذَلِك سِنِين.
وَفِي سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة ثار بستين رجلا وَصعد إِلَى رَأس مشار أَعلَى ذرْوَة من جبال حران، واستفحل أمره شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى كمل لَهُ ملك الْيمن فِي هَذِه السّنة، فولى على زبيد أسعد بن شهَاب بن عَليّ الصليحي أَخا زَوجته أَسمَاء وَابْن عَمه، وَبَقِي عَليّ مَالِكًا لليمن حَتَّى حج فقصده بَنو نجاح وقتلوه بَغْتَة هجماً فِي قَرْيَة أم الدهيم وبئر أم معبد فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة فَحِينَئِذٍ اسْتَقَرَّتْ التهائم لبني نجاح، وَصَنْعَاء لِأَحْمَد بن عَليّ الصليحي الْمَذْكُور الْملك المكرم.
ثمَّ جمع المكرم الْعَرَب وَقصد سعيد بن نجاح بزبيد وقاتله وهزمه إِلَى جِهَة دهلك،
стр. 355
وَملك المكرم زبيد سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة، ثمَّ ملكهَا ابْن نجاح سنة تسع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة، ثمَّ قتل المكرم سعيداً سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
ثمَّ ملك جياش أَخُو سعيد، وَبَقِي المكرم لَهُ صنعاء حَتَّى مَاتَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
وَتَوَلَّى بعده ابْن عَمه أَبُو حمير سبأ بن أَحْمد بن المظفر بن عَليّ الصليحي فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة إِلَى أَن مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ آخر مُلُوك الصليحيين.
وَبعده أرسل من مصر عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن نجيب الدولة سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة وَقَامَ بالدعوة والمملكة الَّتِي كَانَت بيد سبأ.
ثمَّ وصل إِلَى جبال الْيمن رَسُول خَليفَة مصر وَقبض على ابْن نجيب الدولة بعد سنة عشْرين وَخَمْسمِائة، وانتقل الْملك والدعوة إِلَى آل الزريع بن الْعَبَّاس بن المكرم وهم أهل عدن من هَمدَان بن جشم، وَبَنُو المكرم هَؤُلَاءِ يعْرفُونَ بآل الذِّئْب، وَكَانَت عدن لزريع بن الْعَبَّاس بن المكرم ولعمه مَسْعُود بن المكرم فقتلا على زبيد مَعَ الْملك الْمفضل فولي بعدهمَا ولداهما أَبُو السُّعُود بن زُرَيْع وَأَبُو المغارات بن مَسْعُود إِلَى أَن مَاتَا، وَولي بعدهمَا مُحَمَّد بن أبي الغارات، ثمَّ أَخُوهُ عَليّ، ثمَّ سبأ بن أبي السُّعُود بن زُرَيْع وَبَقِي حَتَّى توفّي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة، ثمَّ تولى بعده ابْنه الْأَعَز بن سبأ وَكَانَ مقَام عَليّ بالدملوه فَمَاتَ بالسل فَملك أَخُوهُ الْمُعظم مُحَمَّد بن سبأ، ثمَّ ابْنه عمرَان بن مُحَمَّد بن سبأ، وَتُوفِّي مُحَمَّد بن سبأ فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، وَتُوفِّي عمرَان بن مُحَمَّد فِي شعْبَان سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة، وَخلف عمرَان ابْنَيْنِ صغيرين مُحَمَّدًا وَأَبا السُّعُود.
وَمِمَّنْ ولي من الصليحيين الملكة الْحرَّة سيدة بنت أَحْمد بن جَعْفَر بن مُوسَى الصليحي ولدت سنة أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعمِائَة وربتها أَسمَاء بنت شهَاب، وَتَزَوجهَا ابْن أَسمَاء أَحْمد المكرم سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وطالت مُدَّة الْحرَّة ولاها زَوجهَا فِي حَيَاته فَقَامَتْ بِالْأَمر وَالْحَرب واشتغل هُوَ بِالْأَكْلِ وَالشرب، وَمَات زَوجهَا وَتَوَلَّى ابْن عَمه سبأ وَهِي فِي الْملك، وَمَات سبأ وَتَوَلَّى ابْن نجيب الدولة فِي أَيَّامهَا واستمرت بعده حَتَّى توفيت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة. وَمِمَّنْ كَانَ لَهُ شركَة فِي الْملك الْملك الْمفضل أَبُو البركات بن الْوَلِيد الْحِمْيَرِي صَاحب التعكر، وَكَانَ الْمفضل يحكم بَين يَدي الْحرَّة يحتجب حَتَّى لَا يُرْجَى لقاؤه ثمَّ يظْهر للقوي والضعيف حَتَّى توفّي سنة أَربع وَخَمْسمِائة.
وَملك بعده بِلَاده ومعاقله ابْنه مَنْصُور يُقَال لَهُ: الْمَنْصُور، من حِين وَفَاته إِلَى سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، فَابْتَاعَ مُحَمَّد بن سبأ بن أبي السُّعُود مِنْهُ المعاقل الَّتِي كَانَت للصليحيين بِمِائَة ألف دِينَار وعدتها ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حصناً وبلداً وَبَقِي الْمَنْصُور لنَفسِهِ حَتَّى توفّي بعد أَن ملك نَحْو ثَمَانِينَ سنة، وَسَيَأْتِي بَاقِي أَخْبَار الْيمن.
стр. 356
وفيهَا: أَعنِي سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: قدم طغرلبك بَغْدَاد وَدخل بابنة الْخَلِيفَة، وثقلوا على النَّاس بِالْإِخْرَاجِ من الدّور والتعرض إِلَى الْحَرِيم.
وفيهَا: سَار طغرلبك بعد دُخُوله بابنة الْخَلِيفَة إِلَى بلد الْجَبَل فوصل إِلَى الرّيّ فَمَرض وَتُوفِّي ثامن رَمَضَان مِنْهَا وعمره سَبْعُونَ تَقْرِيبًا وَكَانَ عقيماً، واستقرت السلطنة بعده لِابْنِ أَخِيه ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق.
وفيهَا: دخل الصليحي صَاحب الْيمن مَكَّة مَالِكًا لَهَا، فَأحْسن وجلب الأقوات.
وفيهَا: زلزل الشَّام فخرب سور طرابلس.
وفيهَا: ولى الْمُسْتَنْصر بَدْرًا أَمِير الجيوش دمشق، ثمَّ ثارت الْجند ففارقها.
وفيهَا: توفّي سعيد بن نصر الدولة بن أَحْمد بن مَرْوَان صَاحب آمد وديار بكر.
قلت: وفيهَا توفّي بالمعرة أَبُو الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْفضل بن جَعْفَر بن عَليّ بن الْمُهَذّب التنوخي المعري، قَرَأَ الْقُرْآن الْعَظِيم للسبعة وليعقوب الْحَضْرَمِيّ وَأبي جَعْفَر وَشَيْبَة ثَمَانِيَة وَعشْرين رِوَايَة وَلَقي شُيُوخ الْقُرَّاء بحلب وَغَيرهَا وَقَرَأَ عَلَيْهِ خلق، وَكَانَ مُفَسرًا خَطِيبًا شَاعِرًا ﵀، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا قبض ألب أرسلان على عميد الْملك الْوَزير أبي نصر مَنْصُور بن مُحَمَّد الكندري وَزِير عَمه طغرلبك سعى بِهِ نظام الْملك وَزِير ألب أرسلان وَحبس فِي مرو الروذ، ثمَّ قَتله بعد سنة وَقطع رَأسه ونقلت جثته إِلَى كندر فَدفن عِنْد أَبِيه وَكَانَ عمره نيفاً وَأَرْبَعين، وَكَانَ خَصيا لِأَن طغرلبك أرْسلهُ ليخطب لَهُ امْرَأَة فَتَزَوجهَا هُوَ فخصاه.
وَكَانَ عميد الْملك كثير الوقيعة فِي الإِمَام الشَّافِعِي، خَاطب طغرلبك فِي لعن الرافضة على المنابر بخراسان فَأذن لَهُ بذلك، فَأمر بلعنهم وأضاف إِلَيْهِم الأشعرية، فَأَنف من ذَلِك أَئِمَّة خُرَاسَان مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي وَأَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَأقَام بِمَكَّة أَربع سِنِين فَسُمي إِمَام الْحَرَمَيْنِ.
وَمن الْعجب: أَن ذكر عميد الْملك وأنثييه دفنت بخوارزم لما خصي، وَدَمه سفح بمرو، وَجَسَده دفن بكندر، وَرَأسه إِلَّا قحفه دفن بنيسابور، وقحفه نقل إِلَى كرمان لِأَن نظام الْملك كَانَ هُنَاكَ:
قلت:
(مَا لعميد ملكهم ... من عَاصِم أَو نَافِع)
(وكل ذَا يَا مالكي ... بطعنه فِي الشَّافِعِي)
وَالله أعلم.
وفيهَا: ملك ألب أرسلان قلعة جيلان، ثمَّ حاصر عَمه بيغو فِي هراة وملكها وَأكْرم
стр. 357
عَمه، ثمَّ ملك صغانيان عنْوَة وَأسر صَاحبهَا مُوسَى.
وفيهَا: أَمر ألب أرسلان بِعُود بنت الْخَلِيفَة إِلَى بَغْدَاد، وَكَانَت قد سَارَتْ إِلَى طغرلبك بِغَيْر رِضَاء الْخَلِيفَة.
وفيهَا: اقتتل ألب أرسلان وقطلومش قرب الرّيّ، فَوجدَ قطلومش مَيتا بعد هزيمَة عسكره فَبكى عَلَيْهِ ألب أرسلان لأجل الْقَرَابَة وَالرحم وَسَلاهُ نظام الْملك وَدخل ألب أرسلان الرّيّ فِي الْمحرم مِنْهَا. وقطلومش السلجوقي: هُوَ جد الْمُلُوك بقونية وأقصرا وملطية إِلَى أَيَّام التتر وَسَيَأْتِي، وَكَانَ قطلومش قد أتقن علم النُّجُوم.
وفيهَا: شاع بِبَغْدَاد وَالْعراق وخوزستان وَغَيرهَا أَن أكراداً تصيدوا فَرَأَوْا فِي الْبر خياماً سَوْدَاء فِيهَا لطم وعويل وَقَائِل يَقُول: مَاتَ سيدوك ملك الْجِنّ وَأي بلد لم يلطم أَهله قلع أَصله، فَصدق ذَلِك السفلة وَخرج رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ يلطمون.
قَالَ ابْن الْأَثِير: وَجرى بالموصل كَذَلِك وَنحن بهَا سنة سِتّمائَة أصَاب النَّاس وجع الْحلق، فشاع أَن امْرَأَة من الْجِنّ اسْمهَا أم عنقود مَاتَ ابْنهَا، وَمن لَا يعْمل مأتماً أَصَابَهُ هَذَا الْمَرَض، فَكَانَ النِّسَاء والأوباش يلطمون على عنقود وَيَقُولُونَ:
(يَا أم عنقود اعذرينا ... قد مَاتَ عنقود وَمَا درينا)
وَإِلَى الْآن يَقع النَّاس فِي هَذَا الهذيان.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو الْقَاسِم بن عَليّ بن برهَان الْأَسدي النَّحْوِيّ الْمُتَكَلّم لَهُ اخْتِيَار فِي الْفِقْه مَشى فِي الْأَسْوَاق مَكْشُوف الرَّأْس وَلم يقبل من أحد شَيْئا؛ مَال إِلَى مَذْهَب مرجئة الْمُعْتَزلَة واعتقد أَن الْكفَّار لَا يخلدُونَ فِي النَّار، وَجَاوَزَ الثَّمَانِينَ.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا جَاوز ألب أرسلان جيحون إِلَى جند وصيران وهما عِنْد بخارا وقبر جده سلجوق بجند فَخرج صَاحب جند إِلَى طَاعَته فأقره على مَكَانَهُ، وَوصل إِلَى كركنج خوارزم وَسَار مِنْهَا إِلَى مرو.
وفيهَا: ابْتَدَأَ نظام الْملك بعمارة الْمدرسَة النظامية بِبَغْدَاد. قلت: وفيهَا أقطعت معرة النُّعْمَان للْملك هَارُون بن خَان ملك التّرْك فِيمَا وَرَاء نهر جيحون أَخذهَا حَربًا وخراجا، وَوصل إِلَيْهَا مَعَه ترك وَدَيْلَم وكرد وكرج نَحْو ألف رجل مَعَ حاشيتهم وأتباعهم وتعففوا فِيهَا عَن الأذية حَتَّى سقوا دوابهم المَاء بِثمنِهِ وَنزل بالمصلى، وَجعل فِي حصن المعرة بعض حجابه، وَأقَام يَسِيرا ثمَّ نقل إِلَى حلب وَعوض عَن المعرة بِمَال، قدم هَذَا إِلَى الشَّام مغاضبا لِأَبِيهِ، وَولي المعرة بعده الْأَمِير فَارس الدولة يانس الصَّالِحِي وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا أقطع ألب أرسلان شرف الدولة مُسلم بن قرواش بن بدران صَاحب الْموصل الأنبار وهيت مَعَ الْموصل.
стр. 358
وفيهَا: توفّي أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن بن عَليّ الْبَيْهَقِيّ الخسروجردي الشَّافِعِي إِمَام فِي الحَدِيث وَالْفِقْه زاهد بنيسابور وَنقل إِلَى بيهق وبيهق قرى مجتمعة على عشْرين فرسخاً من نيسابور، وَهُوَ من خسروجرد قَرْيَة من بيهق رَحل فِي طلب الحَدِيث إِلَى الْعرَاق وَالْجِبَال والحجاز، وَهُوَ أول من جمع نُصُوص الشَّافِعِي فِي عشرات مجلدات، وَمن تصانيفه السّنَن الْكَبِير وَالسّنَن الصَّغِير وَدَلَائِل النبوّة، قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: مَا من شَافِعِيّ الْمَذْهَب إِلَّا وَللشَّافِعِيّ عَلَيْهِ منّة إِلَّا أَحْمد الْبَيْهَقِيّ فَإِن لَهُ على الشَّافِعِي منّة، لِأَنَّهُ كَانَ اكثر النَّاس نصرا لمَذْهَب الشَّافِعِي، وَكَانَ قانعاً من الدُّنْيَا بِالْقَلِيلِ رَحْمَة الله تَعَالَى.
وفيهَا: توفّي أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْحسن الْفراء الْحَنْبَلِيّ وعنة انْتَشَر مَذْهَب أَحْمد، وَله كتاب الصِّفَات فِيهِ كل عَجِيبَة وَيدل على التجسيم الْمَحْض، كَانَ ابْن التَّيْمِيّ الْحَنْبَلِيّ يَقُول: لقد خرى ابو يعلى الْفراء على الْحَنَابِلَة خرية لَا يغسلهَا المَاء.
وفيهَا: توفّي الْحَافِظ أَبُو الْحسن عَليّ بن اسماعيل ابْن سَيّده المرسي إِمَام فِي اللُّغَة لَهُ الْمُحكم وَغَيره وَكَانَ ضريراً، توفّي بدانية من شَرق الأندلس وعمره نَحْو سِتِّينَ.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا فِي ذِي الْقعدَة تمت النظامية وتقرّر لتدريسها الشَّيْخ ابو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَاجْتمعَ النَّاس فَتَأَخر الشَّيْخ فَإِنَّهُ سمع أَن أرْضهَا مَغْصُوبَة فدرس بهَا يُوسُف بن الصّباغ صَاحب الشَّامِل عشْرين يَوْمًا ثمَّ ألحوا على الشَّيْخ حَتَّى درّس بهَا.
قلت: وَابْن الصّباغ الْمَذْكُور هُوَ أَبُو نصر عبد السَّيِّد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، وَأما كَون اسْمه يُوسُف فَلَا نعرفه وَالله أعلم.
وفيهَا: كَانَ بالبلاد سوى الرّوم غلاء عَظِيم وَمَوْت لَا سِيمَا بحلب فَإِنَّهُ مَاتَ بهَا فِي شهر رَجَب خَاصَّة زهاء أَرْبَعَة آلَاف، وَمَات جمَاعَة من ساداتها وَالله اعْلَم.
ثمَّ دخلت سنة سِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فِيهَا: زلزلت فلسطين ومصر حَتَّى طلع المَاء من رُؤُوس الْآبَار وردم عَالم عَظِيم وَزَالَ الْبَحْر عَن السحال مسيرَة يَوْم فالتقط النَّاس من أرضة، فَعَاد المَاء وَأهْلك خلقا.
قلت: وفيهَا: فتح الله على الْمُسلمين حصن أرتاح وَقد اجْتمع إِلَيْهِ من أهل النَّصْرَانِيَّة مَا حوله وَقتل من رِجَاله نَحْو ثَلَاثَة آلَاف حاصره الْملك هَارُون بن خَان خَمْسَة أشهر، وَهُوَ فتح عَظِيم فَإِن أَعماله كَانَت بِمِقْدَار أَعمال الشَّام من الْفُرَات إِلَى العَاصِي إِلَى أفامية إِلَى بَاب انطاكيا إِلَى الأثارب، وأحصى قوم بطرابلس فِي مجْلِس القَاضِي ابْن عمار أَن المفقودين من الرّوم فِي هَذِه السّنة إِلَى شهر رَمَضَان فِي الدَّرْب إِلَى أفامية قتلا وأسراً ثلثمِائة ألف، ذكره ابْن الْمُهَذّب.
وفيهَا - أَعنِي سنة سِتِّينَ -: فِي أيار جَاءَت رعدة عَظِيمَة بالمعرة غشي من صَوتهَا على كثير من الرِّجَال وَالصبيان وَالنِّسَاء، وَجَاء بعْدهَا سَحَاب عَظِيم معظمه على جبل بني عليم
стр. 359
وَفِيه برد فَقلع الشّجر وَجرى مِنْهُ سيل فِي وَادي شنان الَّذِي فِيهِ الْعين فَكَانَت من الْجَبَل القبلي إِلَى الْجَبَل الشمالي وغطى شجر الْجَوْز وَأخذ صَخْرَة يعجز عَن قَلبهَا خَمْسُونَ رجلا وَمضى بهَا فَلم يعرف لَهَا ذَلِك الْوَقْت مَوضِع، وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي الشَّيْخ ابو مَنْصُور عبد الْملك بن يُوسُف من أَعْيَان الزهاد.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا وَقعت فتْنَة بَين المغاربة والمشارقة بِدِمَشْق فَضربت دَار جوَار الْجَامِع بالنَّار فاتصلت النَّار بالجامع وعظمت فدثرت محاسنه وزالت اعماله النفيسة.
قلت: وفيهَا أَخذ ملك الرّوم حصن منبج وشحنة رجَالًا وعدّة، ثمَّ وقف على عزاز سَاعَة ثمَّ رَحل عَنْهَا , وسلط الله عَلَيْهِ وعَلى من مَعَه الغلاء والقلة وَمَات مِنْهُم خلق كثير فَرجع حافلاً.
وفيهَا: جمع قطبان أنطاكيا وقسها الْمَعْرُوف بالبخت جموعاً وطلع إِلَى حصن أشعوبا من قرى المعرة بِعَمَلِهِ عَملهَا لَهُم قوم يعْرفُونَ ببني ربيع من أهل جوزف ففتحوه وَقتلُوا وأسروا رِجَاله وواليه بنادراً التركي، فَبلغ الْخَبَر الْأَمِير عز الدولة مَحْمُود بن نَاصِر بن صَالح وَهُوَ يسير فِي ميدان حلب، فَسَار إِلَيْهِ وَلم يدْخل الْبَلَد وَمَعَهُ نَحْو خمسين ألفا من التّرْك وَالْعرب وَأَخذه من النَّصَارَى وَقتل مِنْهُم أَلفَيْنِ وَسَبْعمائة نفس، وَهَذَا الْحصن كَانَ قد عمره حُسَيْن بن كَامِل بن حُسَيْن بن سُلَيْمَان بن الدوح الْعمريّ المرثدي الْكلابِي وَمَعَهُ جمَاعَة من المعرة وَكفر طَالب وضياعهما فِي سنة سِتّ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وأكمل عِمَارَته فِي مُدَّة يسيرَة فتعجب النَّاس لسرعة عِمَارَته. ثمَّ فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة اقْترض عز الدولة مَحْمُود من الرّوم أَرْبَعَة عشر ألف دِينَار وَرهن وَلَده نصرا عَلَيْهَا وعَلى هدم الْحصن الْمَذْكُور، فَجمع النَّاس من المعرة وَكفر طَالب على هَدمه، وَللَّه قَول من قَالَ:
(وهدّوا بِأَيْدِيهِم حصنهمْ ... وأعينهم حزنا تَدْمَع)
(عجبت لسرعة بُنْيَانه ... وَلَكِن تخريبه أسْرع)
وَالله اعْلَم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا غلت مصر حَتَّى أكل بعض النَّاس بَعْضًا ونزح من الْقدر، وَاحْتَاجَ الْمُسْتَنْصر فباغ ثَمَانِينَ ألف قِطْعَة بلور كبار وخمسا وَسبعين ألف قِطْعَة من الديباج وَأحد عشر ألف قزاغند وَعشْرين ألف سيف محلى وَوصل من ذَلِك مَعَ التُّجَّار إِلَى بَغْدَاد.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا قطع مَحْمُود بن نصر بن صَالح بن مرداس بحلب خطْبَة الْمُسْتَنْصر وخطب للقائم العباسي.
стр. 360
وفيهَا: سَار ملك الرّوم أرمانوس بجموع من الرّوم والجركس والروس وَوصل ملاز كرد، فَسَار إِلَيْهِ ألب أسلان وَسَأَلَ الْهُدْنَة فَامْتنعَ ملك الرّوم فَاقْتَتلُوا، فَانْهَزَمَ الرّوم وَقتل مِنْهُم مَا لَا يُحْصى وَأسر أرمانوس، ثمَّ أطلقهُ ألب أرسلان على هدنة وَمَال وَأسرى.
قلت: وَحمل ألب أرسلان ملك الرّوم بازيا وَخرج يتصيد ممتهنا لَهُ بذلك، ثمَّ أعْتقهُ وجهز مَعَه جَيْشًا عَظِيما من التّرْك فَإِن الرّوم ملكوا عَلَيْهِم غَيره وَوَقعت بَين الأول وَالْآخر حروب وَالله أعلم. وفيهَا: قصد أتسزين أبق الْخَوَارِزْمِيّ من أكبر أُمَرَاء ملكشاه بن ألب أرسلان الشَّام، وَأخذ الرملة والقدس من المصريين وَحصر دمشق وَلم يملكهَا.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد الفوراني الشَّافِعِي وَله الْإِبَانَة.
قلت: أَخذ عَن الْقفال الشَّاشِي وصنف فِي الْفُرُوع وَالْأُصُول وَالْخلاف والجدل والملل والنحل وَله فِي الْمَذْهَب الْوُجُوه الجيدة وطبق الأَرْض بالتلامذة، وَقيل: كَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ شَاب يحضر حلقته والفوراني لَا ينصفه لكَونه شَابًّا فَبَقيَ فِي نَفسه فَمَتَى، قَالَ فِي النِّهَايَة: وَقَالَ بعض المصنفين كَذَا وَغلظ فِي كَذَا وَنَحْوه، فمراده الفوراني - بِضَم الْفَاء - أَو القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْوَلِيد أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد بن غَالب بن زيدون الأندلسي الْقُرْطُبِيّ من أَبنَاء فُقَهَاء قرطبة وانتقل وخدم المعتضد بن عباد صَاحب أشبيلية ووزر لَهُ، وَمن شعره الْفَائِق:
(بيني وَبَيْنك مَا لَو شِئْت لم يضع ... سرا إِذا ذاعت الْأَسْرَار لم يذع)
(يَا بَائِعا حَظه مني وَلَو بذلت ... لي الْحَيَاة بحظي مِنْهُ لم أبع)
(يَكْفِيك أَنَّك لَو حملت قلبِي مَا ... لم تستطعه قُلُوب النَّاس يسْتَطع)
(ته أحتمل واستطل أَصْبِر وعزأهن ... وول أقبل وَقل أسمع ومرأطع)
ونونيته الْمَشْهُورَة مِنْهَا:
(تكَاد حِين تناجيكم ضمائرنا ... يقْضِي علينا الأسى لَوْلَا تأسينا)
وَله الرسَالَة الزيدونية، وَشَرحهَا الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن نَبَاته الْمصْرِيّ فِي مجلدين.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي بِبَغْدَاد الْخَطِيب أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت الْبَغْدَادِيّ إِمَام زَمَانه، وَمِمَّنْ حمل جنَازَته الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَله تَارِيخ بَغْدَاد ينبىء عَن اطلَاع عَظِيم كَانَ من الْحفاظ المتحرين فَقِيها غلب عَلَيْهِ الحَدِيث والتاريخ، مولده فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلثمائة، وَهُوَ حَافظ الشرق وَأَبُو عمر يُوسُف بن عبد الْبر صَاحب الِاسْتِيعَاب حَافظ الغرب وَمَاتَا فِي هَذِه السّنة وَلَا عقب للخطيب وصنف أَكثر من سِتِّينَ كتابا ووقف جَمِيع كتبه.
стр. 361
وَابْن عبد الْبر هَذَا هُوَ: يُوسُف بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْبر بن عَاصِم النميري الْقُرْطُبِيّ، كَانَ موفقا معانا فِي التَّأْلِيف وَتَوَلَّى قَضَاء أشبونة وسنترين وصنف لمَالِكهَا المظفر بن الْأَفْطَس كتاب بهجة الْمجَالِس فِي ثَلَاثَة أسفار فِيهِ محَاسِن تصلح للمحاضرة، مِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ َ - رأى فِي مَنَامه أَنه دخل الْجنَّة وَرَأى فِيهَا عذقا مدلى فأعجبه وَقَالَ: لمن هُوَ؟ فَقيل: لأبي جهل، فشق ذَلِك عَلَيْهِ وَقَالَ: مَا لأبي جهل وَالْجنَّة وَالله لَا يدخلهَا أبدا، فَلَمَّا أَتَاهُ عِكْرِمَة بن أبي جهل مُسلما فَرح بِهِ وَتَأَول ذَلِك العذق عِكْرِمَة ابْنه.
وَمِنْهَا: عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق: أَن النَّبِي ﷺ َ - رأى كَأَن كَلْبا أبقع يلغ فِي دَمه، فَكَانَ شمر بن ذِي الجوشن قَاتل الْحُسَيْن كَانَ ابرص فتفسرت رُؤْيَاهُ بعد خمسين سنة.
وَمِنْهَا: أَن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لأبي بكر الصّديق: يَا أَبَا بكر رَأَيْت كَأَنِّي وَأَنت نرقى دَرَجَة فسبقتك بمرقاتين وَنصف، فَقَالَ: يَا رَسُول الله يقبضك الله إِلَى رَحمته وأعيش بعْدك سنتَيْن وَنصف.
وَمِنْهَا: أَن بعض أهل الشَّام قصّ على عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: رَأَيْت كَأَن الشَّمْس وَالْقَمَر اقتتلا وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُم فريق من النُّجُوم، فَقَالَ عمر: مَعَ أَيهمَا كنت؟ قَالَ: مَعَ الْقَمَر، قَالَ: مَعَ الْآيَة الممحوّة وَالله لَا توليت لي عملا، فَقَالَ الرَّائِي الْمَذْكُور فِي صفّين وَكَانَ مَعَه مُعَاوِيَة.
وَمِنْهَا: أَن عَائِشَة ﵂ رَأَتْ ثَلَاثَة أقمار سقطن فِي حُجْرَتهَا فَقَالَ لَهَا أَبُو بكر ﵁: يدْفن فِي بَيْتك ثَلَاثَة من خِيَار أهل الأَرْض، فَلَمَّا دفن النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لَهَا: هَذَا أحد أقمارك.
توفّي ابْن عبد الْبر بشاطبة، وَله المصنفات الجليلة كالتمهيد والاستذكار وسيرة النَّبِي ﷺ َ - والاستيعاب وَغير ذَلِك.
وفيهَا: توفيت كَرِيمَة بنت أَحْمد بن مُحَمَّد المرمزية راوية صَحِيح البُخَارِيّ بِمَكَّة عالية الْإِسْنَاد.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا فِي رَجَب توفّي القَاضِي أَبُو طَالب بن مُحَمَّد بن عمار قَاضِي طرابلس مستولياً عَلَيْهَا، وَقَامَ بعده ابْن أَخِيه جلال الْملك أَبُو الْحسن فَأحْسن الضَّبْط.
(ذكر مقتل السُّلْطَان ألب أرسلان مُحَمَّد)
ثمَّ دخلت سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فِيهَا: سَار ألب أرسلان وَعقد على جيحون جِسْرًا وعبره فِي نَيف وَعشْرين يَوْمًا بزائد عَن مِائَتي ألف فَارس، ومدّ لما عبره سماطاً فِي بَلْدَة فربر وَلها حصن فأحضر إِلَيْهِ مستحفظ الْحصن وأسمه يُوسُف الْخَوَارِزْمِيّ مَعَ غلامين يحفظانه وَكَانَ قد ارْتكب جريمة فِي أَمر الْحصن، فَأمر ألب أرسلان فَضربت لَهُ أَرْبَعَة أوتاد.
стр. 362
وَقَالَ: شدوا أَطْرَافه إِلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ يُوسُف: يَا مخنث مثلي يقتل هَذِه القتلة، فَغَضب السُّلْطَان وَأخذ الْقوس وَقَالَ للغلامين: خلياه ورماه بِسَهْم فأخطأه وَلم يكن يُخطئ سَهْمه، فَوَثَبَ يُوسُف على السُّلْطَان بسكين فَقَامَ السُّلْطَان عَن السدة فَوَقع على وَجهه فَضَربهُ يُوسُف بالسكين، ثمَّ جرح شخصا آخر كَانَ وَاقِفًا على رَأس السُّلْطَان اسْمه سعد الدولة، فَضرب بعض الفراشين يُوسُف بمزربة على رَأسه فَقتله ثمَّ قطعته الأتراك، فَقَالَ السُّلْطَان: صعدت أمس على تل فارتجت الأَرْض تحتي من عظم الْجَيْش فَقلت فِي نَفسِي أَنا ملك الدُّنْيَا وَمَا يقدر اُحْدُ على، فعجزني الله بأضعف خلقه، وَأَنا أسْتَغْفر الله وأستقليه من ذَلِك الخاطر.
جرح فِي سادس ربيع الأول وَتُوفِّي فِي عاشره وعمره أَرْبَعُونَ سنة وشهور وَمُدَّة ملكه مذ خطب لَهُ بالسلطنة إِلَى وَفَاته تسع وَسِتَّة سِنِين وَسِتَّة أشهر وَأَيَّام، وَأوصى بالسلطنة لِابْنِهِ ملكشاه وَكَانَ مَعَه فَحلف لَهُ الْعَسْكَر وَاسْتقر فِي السلطنة، وَكَانَ المستولي على الْأَمر نظام الْملك وَزِير ألب أرسلان.
وَعَاد ملكشاه بالعسكر من وَرَاء النَّهر إِلَى خُرَاسَان فَأرْسل إِلَى بَغْدَاد والأطراف فَخَطب لَهُ فِيهَا، وَاسْتمرّ نظام الْملك وزيرا نَافِذ الْأَمر.
ثمَّ خرج عَم ملكشاه فاروت بك صَاحب كرمان عَن طَاعَته فاقتتلا، فَانْهَزَمَ فاروت بك وأسره وخنقه وَأقر كرمان على أَوْلَاده، وَلما انتصر ملكشاه كثرت أذية الْعَسْكَر ففوض الْأَمر إِلَى نظام الْملك وَحلف لَهُ وَزَاد على إقطاعه طوس وَغَيرهَا ولقبه ألقابا مِنْهَا: أتابك أَصْلهَا أطابك مَعْنَاهُ الْوَالِد الْأَمِير، فَأحْسن نظام الْملك السياسة وَالتَّدْبِير.
(أَخْبَار الْمُسْتَنْصر وَقتل نَاصِر الدولة)
كَانَت وَالِدَة الْمُسْتَنْصر بِمصْر قد استولت على الْأَمر، فضعف أَمر الدولة وَصَارَت العبيد حزبا والأتراك حزبا وَجَرت بَينهم حروب، وَكَانَ نَاصِر الدولة حفيد نَاصِر الدولة بن حمدَان من أكبر قواد مصر فاجتمعت إِلَيْهِ الأتراك وَجَرت بَينهم وَبَين العبيد وقعات، وَحصر نَاصِر الدولة مصر وَقطع الْميرَة عَنْهَا برا وبحرا فغلت الأسعار حَتَّى أخرج الْمُسْتَنْصر الْعرُوض كَمَا تقدم وَعدم المتحصل بِسَبَب انْقِطَاع السبل.
ثمَّ استولى نَاصِر الدولة على مصر وَتَفَرَّقَتْ العبيد فِي الْبِلَاد، واستبد نَاصِر الدولة بالحكم وصادر أم الْمُسْتَنْصر بِخَمْسِينَ ألف دِينَار، وتفرق عَن الْمُسْتَنْصر أَوْلَاده وَأَهله. وَبلغ من إهانته للمستنصر أَنه كَانَ يجلس على حَصِير لَا يقدر على غَيرهَا.
وَنوى الْخطْبَة للقائم، فَفطن لذَلِك إيلدكز الفاتك التركي فاتفق مَعَ جمَاعَة وقصدوا دَاره، فَخرج إِلَيْهِم مطمئنا بقوته فضربوه بسيوفهم حَتَّى قَتَلُوهُ وَأخذُوا رَأسه وَقتلُوا أَخَاهُ فَخر الْعَرَب وَقتلُوا جَمِيع بني حمدَان بِمصْر.
واضطرب الْأَمر هَذِه السّنة إِلَى سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فولي بِمصْر أَمِير
стр. 363
الجيوش بدر الجمالي وَقتل إيلدكز والوزير ابْن كُدَيْنَة فاستقام الْأَمر.
وفيهَا: توفّي الإِمَام الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن هوزان بن عبد الْملك الْقشيرِي النَّيْسَابُورِي، لَهُ الرسَالَة وَغَيرهَا فَقِيه أصولي مُفَسّر كَاتب فضائله جمة، كَانَ لَهُ فرس يركبه نَحْو عشْرين سنة فَلَمَّا مَاتَ الشَّيْخ لم يَأْكُل الْفرس شَيْئا وَمَات بعد أُسْبُوع. ومولده سنة سِتّ وَسبعين وثلثمائة وَهُوَ إِمَام فِي علم التصوف وَقَرَأَ أصُول الدّين على أبي بكر بن فورك وَأبي إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ، وَله تَفْسِير حسن وَشعر حسن مِنْهُ:
(إِذا ساعدتك الْحَال فارقب زَوَالهَا ... فَمَا هِيَ إِلَّا مثل حلبة أشطر)
(وَإِن قصدتك الحادثات ببؤسها ... فَوسعَ لَهَا صدر التجلد واصبر)
وفيهَا: توفّي عَليّ بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْفضل الْكَاتِب الْمَعْرُوف بصرّ درّ الشُّعَرَاء، لقب أَبوهُ صرّ بعر لشحه ولقب هُوَ صردر لجودة شعره كَقَوْلِه:
(نسائل عَن حميماً مَاتَ بحزوى ... وَبِأَن الرمل يعلم عَمَّا عنينا)
(فقد كشف الغطاء فَمَا نبالي ... أصرّحنا بذكرك أم كنينا)
(أَلا لله طيف مِنْك يسْعَى ... بكاسات الْكرَى زورا ومينا)
(مطيته طوال اللَّيْل جفني ... فَكيف شكا إِلَيْك وجى وأينا)
(فأمسينا كأنا مَا افترقنا ... وأصبحنا كأنا مَا الْتَقَيْنَا)
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا زَادَت دجلة وغرق الْجَانِب الشَّرْقِي وَبَعض الغربي كمقبرة أَحْمد ومشهد بَاب التِّين، ونبعت البواليع وغرق خلق.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا وصل بدر الجمالي مصر من ولاتيه بساحل الشَّام، أرسل لَهُ الْمُسْتَنْصر يشكو حَاله فَركب الْبَحْر فِي خطر الشتَاء وَوصل وَقبض على الْأُمَرَاء والقواد المتغلبين وَأخذ اموالهم للمستنصر وَأقَام منار الدولة، ثمَّ أصلح أَمر الْإسْكَنْدَريَّة ودمياط والصعيد وقهر المفسدين، فَعَادَت مصر أحسن مِمَّا كَانَت.
وفيهَا: لَيْلَة الْخَمِيس ثَالِث عشر شعْبَان توفّي الْقَائِم بِأَمْر الله عبد الله أَبُو جَعْفَر بن الْقَادِر، مرض بالماشرا وافتصد فانفجر فصاده نَائِما فَاسْتَيْقَظَ وَقد سَقَطت قوته فَأشْهد الْوَزير جهيراً والقضاة بعهده إِلَى ابْن ابْنه عبد الله بن ذخيرة الدّين مُحَمَّد بن الْقَائِم، وَتُوفِّي وعمره سِتّ وَسَبْعُونَ وَثَلَاثَة أشهر وَأَيَّام وخلافته أَربع وَأَرْبَعُونَ سنة وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَقيل: عمره سِتّ وَتسْعُونَ وَأشهر.
(أَخْبَار الْمُقْتَدِي بن مُحَمَّد)
وبويع الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله عبد الله الْمَذْكُور بالخلافة، وَحضر مؤيد الْملك بن نظام الْملك والوزير ابْن جهير وَالشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَابْن الصّباغ ونقيب النُّقَبَاء كراد الزَّيْنَبِي وَالْقَاضِي أَبُو عبد الله الدَّامغَانِي فَبَايعُوهُ، وَلم يكن للقائم ولد سواهُ لوفاة ذخيرة الدّين فِي حَيَاة الْقَائِم، وَكَانَ لذخيرة الدّين مُحَمَّد بن الْقَائِم جَارِيَة أرمنية اسْمهَا أرجوان فسلت مُصِيبَة الْقَائِم فِي ابْنه لخوفه من انْقِطَاع نَسْله بِكَوْنِهَا حَامِلا من ابْنه وَولدت الْمُقْتَدِي لسِتَّة أشهر من موت مُحَمَّد فسر بِهِ الْقَائِم، فَلَمَّا بلغ الْحلم جعله ولي عَهده.
وفيهَا: جمع ملكشاه ونظام الْملك جمَاعَة من المنجمين وَجعلُوا النيروز عِنْد نزُول الشَّمْس أول الْحمل، وَكَانَ من قبل عِنْد نزُول الشَّمْس نصف الْحُوت.
وفيهَا: عمل السُّلْطَان ملكشاه الرصد، وَاجْتمعَ فِي عمله فضلاء مِنْهُم: ابراهيم الختام وَأَبُو المظفر الأسفزاري وَمَيْمُون بن النجيب الوَاسِطِيّ، وَأنْفق عَلَيْهِ جملا وداراً إِلَى أَن مَاتَ السُّلْطَان سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَبَطل.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا ملك أتسز دمشق بعد مَا تقدم ذكره وخطب للمقتدي بِاللَّه وَأذن بِأَذَان السّنة، وَلم يخْطب بعْدهَا للعلويين بِدِمَشْق.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن متويه الواحدي النَّيْسَابُورِي، لَهُ الْبَسِيط والوسيط وَالْوَجِيز فِي التَّفْسِير، وَيُقَال لَهُ المتوي نِسْبَة إِلَى جده متويه، والواحدي نِسْبَة إِلَى الْوَاحِد بن مهرَة مِنْهُ أَخذ الْغَزالِيّ أَسمَاء كتبه الثَّلَاثَة وَكَانَ أستاذاً فِي التَّفْسِير والنحو وَشرح ديوَان المتنبي أَجود شرح وَهُوَ تلميذ الثَّعْلَبِيّ، وَتُوفِّي بعد مرض طَوِيل بنيسابور.
وفيهَا: توفّي الشريف الْهَاشِمِي العباسي أَبُو جَعْفَر مَسْعُود بن عبد الْعَزِيز البياضي الشَّاعِر، وَمَا أرق قَوْله:
(كَيفَ يذوي عشب اشوا ... قي ولي طرف مطير)
(إِن يكن فِي الْعِشْق حر ... فَأَنا العَبْد الْأَسير)
(أوعلى الْحسن زَكَاة ... فَأَنا ذَاك الْفَقِير)
وَقَوله:
(يَا من لبست لبعده ثوب الضنا ... حَتَّى خفيت بِهِ عَن العواد)
(وأنست بالسهر الطَّوِيل فأنسيت ... أجفان عَيْني كَيفَ كَانَ رقادي)
(إِن كَانَ يُوسُف بالجمال مقطع ... الْأَيْدِي فَأَنت مقطع الأكباد)
لبس جده بَيَاضًا وَقد لبس العباسيون سواداً، فَقَالَ الْخَلِيفَة: من ذَلِك البياضي؟ فلقب بِهِ.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا: وَقيل قبلهَا: مَاتَ مَحْمُود بن نصر بن صَالح بن مرداس الْكلابِي صَاحب حلب، وَملك بعده ابْنه نصر فمدحه ابْن حيوس بقصيدته الَّتِي مِنْهَا:
(ثَمَانِيَة لم تفترق مذ جمعتها ... فَلَا افْتَرَقت مَا افتر عَن نَاظر شفر)
(ضميرك وَالتَّقوى وجودك والغنى ... ولفظك وَالْمعْنَى وعزمك والنصر)
(تَبَاعَدت عَنْكُم حِرْفَة لَا زهادة ... وسرت إِلَيْكُم حِين مسني الضّر)
стр. 364
(وأنجز لي رب السَّمَاوَات وعده الْكَرِيم ... بِأَن الْعسر يتبعهُ الْيُسْر)
(فجاد ابْن نصر لي بِأَلف تصرمت ... وَإِنِّي عليم أَن سيخلفها نصر)
(وَمَا بِي إِلَى الإلحاح والحرص حَاجَة ... وَقد عرف الْمُبْتَاع وانفصل السّعر)
وَكَانَت عَطِيَّة ابْن مَحْمُود لِابْنِ حيوس على الْمَدْح ألف دِينَار، فَقَالَ نصر: وَالله لَو قَالَ عوض سيخلفها: سيضعفها لأضعفتها لَهُ، وَأَعْطَاهُ ألف دِينَار فِي طبق فضَّة.
قلت: وَكَانَ قد اجْتمع على بَاب نصر جمَاعَة من الشُّعَرَاء وامتدحوه وتأخرت صلته عَنْهُم وَفِيهِمْ أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد بن الزويدي المعري الشَّاعِر الْمَعْرُوف، فنظم ابْن الزويدي أبياتاً وسيرها إِلَى الْأَمِير نصر وَهِي:
(على بابك المحروس منا عِصَابَة ... مفاليس فَانْظُر فِي أُمُور المفاليس)
(وَقد متعت مِنْك الْجَمَاعَة كلهم ... بِعشر الَّذِي أَعْطيته ابْن حيوس)
(وَمَا بَيْننَا هَذَا التَّفَاوُت كُله ... وَلَكِن سعيد لَا يُقَاس بمنحوس)
فَأَعْطَاهُمْ مائَة دِينَار وَقَالَ: وَالله لَو قَالُوا بِمثل الَّذِي أَعْطيته ابْن حيوس لأعطيتهم مثله، وَالله أعلم.
وَكَانَ نصر يدمن الشّرْب فَحَمله السكر على خُرُوجه على التركمان الَّذين ملكوا أَبَاهُ حلب وهم بالحاضر فَرَمَاهُ أحدهم بِسَهْم فَقتله يَوْم عيد الْفطر سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة، فَملك حلب أَخُوهُ سَابق بن مَحْمُود.
وفيهَا توفّي أَبُو الْحسن طَاهِر بن أَحْمد بن بابشاذ النَّحْوِيّ الْمصْرِيّ بسقوطه من سطح جَامع عَمْرو بن الْعَاصِ.
قلت: وَرَأى يَوْمًا قطاً ينْقل الطَّعَام إِلَى قطّ أعمى فِي بَيت خراب فاتعظ بِهِ، فاستعفى من خدمَة السُّلْطَان ولازم اشْتِغَاله مَحْمُول الكلفة إِلَى أَن مَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سبعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا توفّي عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن إِسْحَاق الْأَصْفَهَانِي الْحَافِظ ذُو التصانيف مِنْهَا: تَارِيخ أصفهان، وبأصفهان طَائِفَة ينتمون إِلَى اعْتِقَاده يسمون العَبْد رحمانية.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا ملك تتش بن السُّلْطَان ألب أرسلان دمشق وَسَببه: أَن أَخَاهُ ملك شاه أقطعه الشَّام وَمَا يفتتحه فَسَار تَاج الدولة تتش إِلَى حلب. وَكَانَ بدر الجمالي أَمِير جيوش مصر قد أرسل عسكراً لحصار أتسز بِدِمَشْق، فاستنجد أتسز بتتش وَهُوَ محاصر حلب فَسَار إِلَى دمشق وَلما قرب مِنْهَا رَحل عَسْكَر مصر كالمنهزمين، ثمَّ وصل إِلَى دمشق فَتَلقاهُ أتسز من قريب فَأنْكر عَلَيْهِ تَأَخره عَن لِقَائِه وَقبض على أتسز وَقَتله وَملك دمشق وَأحسن السِّيرَة.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا غزا الْملك إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود بن مَحْمُود بن سبكتكين الْهِنْد، فأوغل وَفتح وَعَاد إِلَى غزنة.
стр. 365
وفيهَا حضر شرف الدولة مُسلم بن قُرَيْش الْمسَيبِي صَاحب الْموصل حلب فتسلمها فِي سنة ثَلَاث وَسبعين، ثمَّ حصر القلعة وتسلمها وَأنزل مِنْهَا سَابِقًا ووثاباً ابْني مَحْمُود بن نصر بن صَالح.
وفيهَا توفّي نصر بن أَحْمد بن مَرْوَان صَاحب ديار بكر، وَملك بعده ابْنه مَنْصُور وَدبره ابْن الْأَنْبَارِي.
وفيهَا: توفّي أَبُو الفتيان مُحَمَّد بن سُلْطَان بن حيوس الشَّاعِر وَتقدم ذكره.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسبعين وَأَرْبع وَسبعين وَسنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا كَانَت فتْنَة بِبَغْدَاد بن الشَّافِعِيَّة والحنابلة.
وفيهَا: أرسل الْمُقْتَدِي صَاحب التَّنْبِيه إِلَى السُّلْطَان ملكشاه وَإِلَى نظام الْملك شاكياً من عميد الْعرَاق أبي الْفَتْح بن أبي اللَّيْث، فَأكْرم السُّلْطَان ونظام الْملك الشَّيْخ بخراسان وناظر بِحَضْرَة نظام الْملك إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَعَاد بإجابة الْخَلِيفَة وَرفع يَد ابْن العميد عَمَّا يتَعَلَّق بحاشية الْخَلِيفَة.
قلت: وَفِي سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة لَيْلَة الْخَمِيس بَين العشاءين توفّي أَبُو الْوَلِيد سُلَيْمَان بن خلف بن سعد بن أَيُّوب بن وَارِث الْيحصبِي الْمَالِكِي الأندلسي، ومولده يَوْم الثُّلَاثَاء النّصْف من ذِي الْقعدَة من سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة بِمَدِينَة بطليوس، وَدفن بالمرية بالرباط على صفة الْبَحْر وَصلى عَلَيْهِ ابْنه أَبُو الْقَاسِم كَانَ ﵀ من عُلَمَاء الأندلس وحفاظها سكن شَرْقي الأندلس ورحل إِلَى الشرق سنة سِتّ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَنَحْوهَا فَأَقَامَ بِمَكَّة شرفها الله مَعَ أبي ذَر الْهَرَوِيّ ثَلَاثَة أَعْوَام وَحج.
ثمَّ رَحل إِلَى بَغْدَاد فَأَقَامَ بهَا ثَلَاثَة أَعْوَام يدرس الْفِقْه وَيقْرَأ الحَدِيث وَلَقي بهَا سَادَات من الْعلمَاء كَأبي الطّيب الطَّبَرِيّ الشَّافِعِي وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَأقَام بالموصل مَعَ أبي جَعْفَر الشَّيْبَانِيّ يدرس عَلَيْهِ الْفِقْه، وَكَانَ مقَامه بالمشرق نَحْو ثَلَاثَة عشر عَاما وروى عَن الْحَافِظ أبي بكر الْخَطِيب، وروى الْخَطِيب عَنهُ قَالَ: أَنْشدني أَبُو الْوَلِيد التاجي لنَفسِهِ:
(إِذا كنت أعلم علما يَقِينا ... بِأَن جَمِيع حَياتِي كساعه)
(فَلم لَا أكون ضنيناً بهَا ... فأجعلها فِي صَلَاح وطاعه)
صنف كتبا كَثِيرَة مِنْهَا: كتاب المقتفي وَكتاب أَحْكَام الْفُصُول فِي أَحْكَام الْأُصُول وَكتاب التَّعْدِيل وَالْجرْح فِيمَن روى عَنهُ البُخَارِيّ ﵀ وَغير ذَلِك، وَهُوَ أحد أَئِمَّة الْمُسلمين وَكَانَ يَقُول: سَمِعت أَبَا ذَر عمر بن أَحْمد الْهَرَوِيّ يَقُول: لَو صحت الْإِجَازَة لبطلت الرحلة، وَكَانَ قد رَجَعَ إِلَى الأندلس وَولي الْقَضَاء هُنَاكَ، وَقيل أَنه ولي قَضَاء حلب، وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو نصر عَليّ بن الْوَزير أبي الْقَاسِم هبة الله بن مَاكُولَا مُصَنف الْإِكْمَال ومولده سنة عشْرين وَأَرْبَعمِائَة، قَتله مماليك الأتراك بكرمان.
стр. 366
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن يُوسُف الفيروزأبادي الشِّيرَازِيّ وفيروزأباد: بَلْدَة فَارس، وَقيل: هِيَ مَدِينَة جور. ومولده سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلثمائة وَقيل: سنة سِتّ وَتِسْعين، كَانَ أوحد عصره علما وزهداً وَعبادَة ولد بفيروزأباد وَبهَا نَشأ وَدخل شيراز وتفقه ثمَّ قدم الْبَصْرَة ثمَّ بَغْدَاد سنة خمس عشرَة وَأَرْبَعمِائَة، وَكَانَ إِمَامًا فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف وَالْأُصُول لَهُ الْمُهَذّب وَالتَّلْخِيص والنكت والتبصرة واللمع ورؤوس الْمسَائِل، وَكَانَ فصيحاً ينظم حسنا فَمِنْهُ:
(سَأَلت النسا عَن خل وفيّ ... فَقَالُوا مَا إِلَى هَذَا سَبِيل)
(تمسك إِن ظَفرت بود حر ... فَإِن الْحر فِي الدُّنْيَا قَلِيل)
قلت: وَهَذَا قريب من قَول بعض النَّاس:
(أَكثر وَطْء النَّاس من شُبْهَة ... أَو من زنا والحل فيهم قَلِيل)
(فَابْن حَلَال نَادِر نَادِر ... والنادر النَّادِر كالمستحيل)
وَالله أعلم.
وللشيخ أَيْضا:
(جَاءَ الرّبيع وَحسن ورده ... وَمضى الشتَاء وقبح برده)
(فَاشْرَبْ على وَجه الحبيب ... ووجنتيه وَحسن خَدّه)
وَكَانَ مستجاب الدعْوَة مطرح التَّكَلُّف، وَلما توجه رَسُولا من الْخَلِيفَة إِلَى خُرَاسَان قَالَ: مَا دخلت بَلْدَة وَلَا قَرْيَة إِلَّا وخطيبها وقاضيها تلميذي وَمن جملَة أَصْحَابِي.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا سَار فَخر الدولة بن جهير بعساكر ملكشاه إِلَى قتال شرف الدولة مُسلم بن قُرَيْش، ثمَّ سير السُّلْطَان ملكشاه إِلَى فَخر الدولة جَيْشًا آخر فيهم الْأَمِير ارتق بن أكسك وَقيل: أكسب وَالْأول أصح، جد الْمُلُوك الأرتقية، فَانْهَزَمَ شرف الدولة وانحصر فِي آمد وَنزل أرتق على آمد فحصرها، وبذل لَهُ مُسلم بن قُرَيْش مَالا جَلِيلًا ليمكنه من الْخُرُوج من آمد، فَأذن لَهُ ارتق وَخرج مُسلم مِنْهَا فِي حادي عشر ربيع الأول من هَذِه السّنة فنازل الرقة وَبعث إِلَى السُّلْطَان مَا وعده بِهِ.
ثمَّ سير السُّلْطَان عميد الدولة بن فَخر الدولة بن جهير بعسكر كثيف وسير مَعَه أقسنقر قسيم الدولة إِلَى الْموصل فاستولى عَلَيْهَا عميد الدولة، وأقسنقر هَذَا هُوَ وَالِد عماد الدّين زنكي، ثمَّ أرسل مؤيد الدولة بن نظام الْملك إِلَى شرف الدولة بالعهود يستدعيه إِلَى السُّلْطَان، فَقدم شرف الدولة إِلَيْهِ وأحضره عِنْد السُّلْطَان بالبوازيج وَكَانَ قد ذهب أَمْوَاله فاقترض شرف الدولة مُسلم مَا خدم بِهِ السُّلْطَان وَقدم إِلَيْهِ خيلاً مِنْهَا. فرسه الَّذِي نجا عَلَيْهِ فِي المعركة الْمَشْهُور الْمُسَمّى بشاراً، وسابق بِهِ السُّلْطَان الْخَيل فجَاء سَابِقًا فَقَامَ السُّلْطَان إعجاباً بِهِ ورضى على مُسلم وخلع عَلَيْهِ وَأقرهُ على بِلَاده.
وفيهَا: سَار سُلَيْمَان بن قطلمش السلجوقي صَاحب قونية وأقصرا وَغَيرهمَا إِلَى
стр. 367
الشَّام، وَملك أنطاكية بمخامرة الْحَاكِم فِيهَا من جِهَة النَّصَارَى وَكَانَت بيد الرّوم من سنة ثَمَان وَخمسين وثلثمائة، فافتتحها سُلَيْمَان فِي هَذِه السّنة.
مقتل شرف الدولة وَملك أَخِيه إِبْرَاهِيم
لما ملك سُلَيْمَان بن قطلمش أنطاكية أرسل شرف الدولة مُسلم صَاحب الْموصل وحلب يطْلب مِنْهُ مَا كَانَ يحملهُ إِلَيْهِ أهل أنطاكية، فَقَالَ سُلَيْمَان: كَانَ ذَلِك على سَبِيل الْجِزْيَة وَلم يُعْطه شَيْئا فاقتتلا فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من صفر سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة فِي طرف أَعمال أنطاكية، فَانْهَزَمَ عَسْكَر مُسلم وَقتل مُسلم فِي المعركة، وَقتل بَين يَدَيْهِ أَرْبَعمِائَة غُلَام من أَحْدَاث حلب، وَكَانَ مُسلم بن قُرَيْش أَحول واتسع ملكه وَزَاد على من تقدمه من أهل بَيته وساس ملكه بِالْعَدْلِ، وَلما قتل قصد بَنو عقيل أَخَاهُ إِبْرَاهِيم بن قُرَيْش وَهُوَ مَحْبُوس فأخرجوه وملكوه بعد حَبسه سِنِين.
وفيهَا: ولد لملكشاه ولد بسنجار فَسَماهُ أَحْمد ثمَّ غلب عَلَيْهِ سنجر لمولده بسنجار، واسْمه عِنْد التّرْك صنجر وَمَعْنَاهُ يطعن.
وفيهَا: توفّي أَبُو نصر عبد السَّيِّد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن الصّباغ الْفَقِيه الشَّافِعِي صَاحب الشَّامِل والكامل وكفاية السَّائِل وَغَيرهَا بعد أَن أضرّ سِنِين ومولده سنة أَرْبَعمِائَة.
قلت: قَالَ ابْن خلكان: وَكتابه الشَّامِل من أَجود الْكتب وأصحها نقلا وأثبتها أَدِلَّة، وَكَانَ يقدم على الشَّيْخ أبي إِسْحَاق فِي معرفَة الْمَذْهَب وَكَانَ تقياً حجَّة صَالحا، وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي القَاضِي أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن عَليّ الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الْقفال من شُيُوخ أَصْحَاب الشَّافِعِي، ولي الْقَضَاء بِبَاب الأزج.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا ملك الفرنج طليطلة من الأندلس بعد أَن حاصرها الأذفونش سبع سِنِين.
وفيهَا: جَاءَت ريح عَظِيمَة سَوْدَاء كالليل بِبَغْدَاد وَقت الْعَصْر وتتابع الرَّعْد والبرق وَوَقعت عدَّة صواعق وَبَقِي النَّهَار لَيْلًا بهيماً وَسقط رمل بدل الْمَطَر وَظن النَّاس أَنَّهَا السَّاعَة ودام إِلَى الْمغرب، شَاهد ذَلِك الإِمَام أَبُو بكر الطرطوشي وَحَكَاهُ فِي أَمَالِيهِ، وَالله أعلم.
وفيهَا: ملك فَخر الدولة بن جهير آمد ثمَّ ميافارقين ثمَّ جَزِيرَة ابْن عمر بِلَاد بني مَرْوَان، أَخذهَا من مَنْصُور بن نصر بن أَحْمد بن مَرْوَان آخر مُلُوكهمْ وانقرضت مملكتهم بالجزيرة، فسبحان من لَا يَزُول ملكه.
وفيهَا: سَار أَمِير الجيوش بدر الجمالي بجيوش مصر فحصر دمشق وفيهَا تَاج الدولة تتش، فَلم يظفر بِشَيْء فارتحل عَائِدًا.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر توفّي إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَبُو الْمَعَالِي عبد الْملك بن عبد الله بن يُوسُف الْجُوَيْنِيّ، ومولده فِي الْكَامِل: سنة سِتّ عشرَة وَأَرْبَعمِائَة، وَفِي تَارِيخ ابْن أبي الدَّم: سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة. إِمَام الْعلمَاء فِي وقته فَحل الْمَذْهَب وَمن تصانيفه: نِهَايَة
стр. 368
الْمطلب، سَافر إِلَى بَغْدَاد ثمَّ إِلَى الْحجاز وَأقَام بِمَكَّة وَالْمَدينَة أَربع سِنِين يدرس ويفتي ويصنف وَأم فِي الْحَرَمَيْنِ الشريفين وَبِذَلِك لقب ثمَّ رَجَعَ إِلَى نيسابور وَجعل إِلَيْهِ الخطابة ومجلس الذّكر والتدريس ثَلَاثِينَ سنة وحظي عِنْد نظام الْملك، وَمن تلاميذه: الْغَزالِيّ وحسبك وَأَبُو الْقَاسِم الْأنْصَارِيّ وَأَبُو الْحسن عَليّ الطَّبَرِيّ الكيالهراسي، وَادّعى إِمَام الْحَرَمَيْنِ الِاجْتِهَاد الْمُطلق لِأَن أَرْكَانه حَاصِلَة لَهُ، ثمَّ عَاد إِلَى اللَّائِق بِهِ وتقليد الإِمَام الشَّافِعِي لعلمه أَن منصب الِاجْتِهَاد قد مَضَت سنوه.
قلت: وَلما مرض حمل إِلَى قَرْيَة مَوْصُوفَة باعتدال الْهَوَاء وخفة المَاء اسْمهَا بشتقان فَمَاتَ بهَا وَنقل إِلَى نيسابور تِلْكَ اللَّيْلَة وَدفن من الْغَد فِي دَاره، ثمَّ نقل بعد سِنِين إِلَى مَقْبرَة الْحُسَيْن فَدفن بِجنب أَبِيه وَصلى عَلَيْهِ وَلَده أَبُو الْقَاسِم، فأغلقت الْأَسْوَاق يَوْم مَوته وَكسر منبره فِي الْجَامِع وَقعد النَّاس لعزائه ورثوه كثيرا، وَمِنْه:
(قُلُوب الْعَالمين على المقالي ... وَأَيَّام الورى شبه اللَّيَالِي)
(أيثمر غُصْن أهل الْعلم يَوْمًا ... وَقد مَاتَ الإِمَام أَبُو الْمَعَالِي)
وَكَانَ تلامذته يَوْمئِذٍ نَحْو أَرْبَعمِائَة فكسروا محابرهم وأقلامهم وَأَقَامُوا كَذَلِك عَاما كاملاُ، وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة تسع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة.
مقتل سُلَيْمَان بن قطلمش
لما قتل سُلَيْمَان بن مُسلم بن قُرَيْش أرسل سُلَيْمَان بن قطلمش إِلَى ابْن الحتيتي العباسي مقدم أهل حلب يطْلب تَسْلِيمهَا، فاستمهله إِلَى أَن يُكَاتب السُّلْطَان ملكشاه، وَأرْسل ابْن الحتيتي يَسْتَدْعِي تتش صَاحب دمشق ابْن ألب أرسلان أَخا السُّلْطَان ملكشاه، فَسَار تتش إِلَى حلب وَمَعَهُ أرتق بن أكسك قد فَارق ملكشاه خوفًا من إِطْلَاق مُسلم بن قُرَيْش من آمد حَسْبَمَا مر، وَجَرت حَرْب بَين تتش وَابْن عَمه سُلَيْمَان بن قطلمش فَانْهَزَمَ عَسْكَر سُلَيْمَان وَثَبت سُلَيْمَان وَأخرج سكيناً قتل بهَا نَفسه، وَقيل قتل فِي المعركة.
وَكَانَ سُلَيْمَان بعث جثة مُسلم بن قُرَيْش على بغل ملفوفة فِي إِزَار إِلَى حلب ليسلموها إِلَيْهِ فِي السّنة الْمَاضِيَة، فَأرْسل تتش جثة سُلَيْمَان فِي هَذِه السّنة فِي إِزَار إِلَى حلب ليسلمها إِلَيْهِ، فَأَجَابَهُ ابْن الحتيتي بالمطاولة إِلَى أَن يرد مرسوم ملكشاه فِي أَمر حلب بِمَا يرَاهُ، فحاصر تتش حلب وملكها فَاسْتَجَارَ ابْن الحتيتي بأرتق فأجاره وَكَانَ بقلعة حلب مُنْذُ قتل مُسلم بن قُرَيْش سَالم بن مَالك بن بدران الْعقيلِيّ ابْن عَم شرف الدولة مُسلم بن قُرَيْش، فحاصر تتش القلعة سَبْعَة عشر يَوْمًا فَبَلغهُ وُصُول تقدمة أَخِيه السُّلْطَان ملكشاه.
تمّ بعونه تَعَالَى الْجُزْء الأول من تَارِيخ ابْن الوردي ويليه إِن شَاءَ الله الْجُزْء الثَّانِي وأوله: ذكر وُصُول ملكشاه إِلَى حلب
стр. 369
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
(ذكر وُصُول ملكشاه إِلَى حلب)
كَانَ ابْن الحتيتي قد كَاتب السُّلْطَان فِي أَمر حلب فَسَار إِلَيْهَا من أصفهان فِي جُمَادَى الْآخِرَة فَملك فِي طَرِيقه حران وأقطعها لمُحَمد بن شرف الدولة مُسلم بن قُرَيْش، وَسَار إِلَى الرها وَهِي بيد الرّوم من حِين اشتروها من ابْن عطير فحصرها وملكها، وَسَار إِلَى قلعة جعبر وَاسْمهَا الدوسرية ثمَّ عرفت بجعبر لطول ملك جعبر إِيَّاهَا وَبهَا صَاحبهَا سَابق الدّين جعبر الْقشيرِي شَيخا أعمى فأمسكه وَأمْسك ولديه، وَكَانَا يخيفان السَّبِيل، ثمَّ ملك منبج وقارب حلب فَرَحل أَخُوهُ تتش عَن حلب على الْبَريَّة إِلَى دمشق، وَوصل السُّلْطَان إِلَى حلب وتسلمها وتسلم القلعة من سَالم بن مَالك بن بدران الْعقيلِيّ على أَن يعوضه بقلعة جعبر فَسلم السُّلْطَان إِلَيْهِ قلعة جعبر وَبقيت فِي يَده وَيَد أَوْلَاده إِلَى أَن أَخذهَا مِنْهُم نور الدّين بن زنكي وَلما نزل ملكشاه بحلب أرسل إِلَيْهِ الْأَمِير نصر بن عَليّ بن منقذ الْكِنَانِي صَاحب شيزر بِالطَّاعَةِ وَسلم إِلَيْهِ اللاذقية وَكفر طَابَ وأفامية فَترك السُّلْطَان قَصده وَأقر عَلَيْهِ شيزر وَسلم السُّلْطَان حلب إِلَى قيم الدولة أقسنقر ورحل إِلَى بَغْدَاد.
وفيهَا: فِي ربيع الأول توفّي بهاء الدولة أَبُو كَامِل مَنْصُور بن دبيس بن عَليّ بن مزِيد الْأَسدي صَاحب الْحلَّة والنيل وَغَيرهمَا، وَكَانَ فَاضلا شَاعِرًا وَاسْتقر مَكَانَهُ ابْنه صَدَقَة ولقب سيف الدولة.
ملك يُوسُف بن تاشفين غرناطة وانقراض دولة الصناهجة
فِيهَا عدى الْبَحْر يُوسُف بن تاشفين أَمِير الْمُسلمين من سبتة إِلَى الجزيرة الخضراء بِسَبَب اسْتِيلَاء الفرنج على بِلَاد الأندلس وَاجْتمعَ إِلَيْهِ مثل الْمُعْتَمد بن عباد وَغَيره من مُلُوك الأندلس، وقاتلوا الأذفونش جدا فَانْهَزَمَ الفرنج وَقتل مِنْهُم مَا لَا يُحْصى، وَجمع من رُؤْسهمْ تل أذنوا عَلَيْهِ، وَملك يُوسُف غرناطة من صَاحبهَا عبد الله بن بلكين بن باديس بن حيوس بن ماكس بن بلكين بن زيزى الصنهاجي، وَأول من حكم من الصناهجة فِي غرناطة زاوى بن بلكين ثمَّ تَركهَا وَعَاد إِلَى إفريقية سنة عشر وَأَرْبَعمِائَة فَملك غرناطة ابْن أَخِيه حيوس بن ماكس بن بلكين إِلَى أَن توفّي سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة، وَولي بعده ابْنه باديس إِلَى أَن توفّي، وَولي بعده ابْن أَخِيه عبد الله بن بلكين إِلَى أَن أَخذهَا مِنْهُ يُوسُف بن تاشفين فِي هَذِه السّنة، ثمَّ عبر يُوسُف بن تاشفين الْبَحْر إِلَى سبته وَأخذ مَعَه عبد الله
стр. 370
صَاحب غرناطة وأخاه غنما إِلَى مراكش فَكَانَت غرناطة أول مَا ملكه يُوسُف من الأندلس.
وفيهَا: سَار ملكشاه عَن حلب وَدخل بَغْدَاد فِي ذِي الْحجَّة وَهُوَ أول قدومه بَغْدَاد، ثمَّ خرج إِلَى الصَّيْد فصاد فرطا ثمَّ عَاد إِلَى بَغْدَاد وَاجْتمعَ بالخليفة الْمُقْتَدِي وَأقَام بهَا إِلَى صفر سنة ثَمَانِينَ وَعَاد إِلَى أصفهان.
وفيهَا: أقطع ملكشاه مُحَمَّد بن مُسلم بن قُرَيْش الرحبة وأعمالها وحران وسروج والرقة والخابور، وَزَوْجَة اخته زليخا بنت ألب أرسلان.
وفيهَا: كَانَت زلازل عَظِيمَة.
وفيهَا: توفّي الشريف أَبُو نصر الزَّيْنَبِي العباسي نقيب الهاشميين مُحدث عالي الْإِسْنَاد.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَانِينَ وَسنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا توفّي الْملك الْمُؤَيد إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود بن مَحْمُود بن سبكتكين صَاحب غزنة وَكَانَ ملكه سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة، كَانَ حسن السِّيرَة حازماً، وَملك بعده ابْنه مَسْعُود زوج بنت السُّلْطَان ملكشاه.
وفيهَا: جمع أقسنقر صَاحب حلب عساكره وَسَار إِلَى قلعة شيزر، وصاحبها نصر بن عَليّ بن منقذ وضيق عَلَيْهِ وَنهب الربض ثمَّ صَالحه ابْن منقذ فَعَاد عَنهُ.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا سَار السُّلْطَان بجيوش لَا تحصى وَعبر جيحون إِلَى بخارا، وَملك مَا على طَرِيقه من الْبِلَاد، ثمَّ ملك بخارا ثمَّ سَمَرْقَنْد، وَأسر صَاحبهَا أَحْمد خَان وأكرمه، ثمَّ سَار إِلَى كاشغر فَبلغ إِلَى يوزكند وَأرْسل إِلَى ملك كاشغر يَأْمُرهُ بِالْخطْبَةِ وَالسِّكَّة لَهُ فَأجَاب وَحضر إِلَيْهِ فَعَظمهُ وَأَعَادَهُ إِلَى ملكه وَعَاد إِلَى خُرَاسَان.
وفيهَا عمرت مَنَارَة جَامع حلب: قَامَ بعملها القَاضِي أَبُو الْحسن بن الخشاب، وَكَانَ بحلب بَيت نَار قديم ثمَّ صَار أتون حمام فَبنى بحجارته المأذنة فسعى بِهِ إِلَى أقسنقر وَقيل هَذِه الْحِجَارَة لبيت المَال فَأحْضرهُ أقسنقر وحدثه فِي ذَلِك، فَقَالَ ابْن الخشاب: يَا مَوْلَانَا إِنِّي عملت بِهَذِهِ الْحِجَارَة معبدًا للْمُسلمين وكتبت عَلَيْهِ اسْمك فَإِن رسمت غرمت ثمنهَا فَأَجَابَهُ أقسنقر إِلَى إتْمَام ذَلِك وَلَا يغرم شَيْئا.
وفيهَا: توفّي عَاصِم بن مُحَمَّد الْحسن الْبَغْدَادِيّ الْكَرْخِي مطبوع كيس حسن النّظم، فَمِنْهُ:
(مَاذَا على متلون الْأَخْلَاق ... لَو زارني فأبثه أشواقي)
(وأبوح بالشكوى إِلَيْهِ تذللاً ... وأفض ختم الدمع من آماقي)
(أسر الْفُؤَاد وَلم يرق لموثق ... مَا ضره لَو من بِالْإِطْلَاقِ)
стр. 371
(إِن كَانَ قد لسبت عقارب صُدْغه ... قلبِي فَإِن رضابه درياقي)
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا توفّي فَخر الدولة أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جهير بالموصل فِي الْمحرم ومولده بالموصل سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلاثمائة وتنقل فخدم بركَة بن الْمُقَلّد حَتَّى قبض على أَخِيه قرواش ثمَّ وزر لمعز الدولة ثَمَان بن صَالح بن مرداس، ثمَّ وزر لنصر الدولة أَحْمد بن مَرْوَان صَاحب ديار بكر، ثمَّ لوَلَده ثمَّ وزر للخليفة بِبَغْدَاد ثمَّ صَار مَعَ السُّلْطَان ملكشاه فَأخذ لَهُ ديار بكر من بني مَرْوَان.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا تولى عميد الدولة بن فَخر الدولة بن جهير وزارة الْخَلِيفَة الْمُقْتَدِي.
وفيهَا: ملك عَسْكَر أَمِير الْمُسلمين وأميرهم شير بن أبي بكر مرسية من صَاحبهَا أبي عبد الله بن طَاهِر ثمَّ شاطبة ودانية ثمَّ بلنسية وَقد أخلتها الفرنج وعمرها الْعَسْكَر ثمَّ حصروا أشبيلية وَبهَا صَاحبهَا الْمُعْتَمد بن عباد فملكوها أَيْضا وَأَرْسلُوا صَاحبهَا إِلَى أَمِير الْمُسلمين فحبسه بأغمات حَتَّى مَاتَ، ثمَّ ملكوا بطليوس من صَاحبهَا عمر بن الْأَفْطَس وَقتلُوا عمر بن الْأَفْطَس وابنيه الْفضل وَالْعَبَّاس صبرا وَلم يتْركُوا من مُلُوك الأندلس سوى بِلَاد بني هود فَإِن صَاحبهَا المستعين بِاللَّه كَانَ يهادي أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين فرعاه لذَلِك حَتَّى أَنه أوصى ابْنه عَليّ بن يُوسُف عِنْد مَوته بترك التَّعَرُّض إِلَى بِلَاد بني هود.
وفيهَا: ملك رجاز ملك الفرنج جَمِيع بِلَاد صقلية، وَمَات رجاز قبل سنة تسعين وَتَوَلَّى ابْنه وسلك طَريقَة مُلُوك الْمُسلمين فِي الجنائب والحجاب وَغير ذَلِك، وأسكن فِي الجزيرة الفرنج مَعَ الْمُسلمين وَأكْرم الْمُسلمين وقربهم.
وفيهَا: فِي رَمَضَان وصل السُّلْطَان ملكشاه إِلَى بَغْدَاد وَوصل إِلَيْهِ أَخُوهُ تتش من دمشق وأقسنقر من حلب وَغَيرهم واحتفل هُوَ وَالنَّاس بالميلاد بِبَغْدَاد وَوصف الشُّعَرَاء تِلْكَ اللَّيْلَة فَأَكْثرُوا.
وفيهَا: أَمر ملكشاه بِعَمَل الْجَامِع الْمَعْرُوف بِجَامِع السُّلْطَان بِبَغْدَاد وَعمل قبلته بهْرَام منجمه، وَغَيره من أَصْحَاب الرصد، وابتدأ وامرأؤه بِعَمَل مسَاكِن لينزلوها إِذا قَامُوا فَتَفَرَّقُوا عَن قريب قتلا وموتاً.
وفيهَا: توفّي الْأَمِير أرتق بن أكسك التركماني جد أَصْحَاب ماردين مَالِكًا للقدس مُنْذُ قدم إِلَى تتش كَمَا مر واستقرت الْقُدس لِوَلَدَيْهِ إبل غَازِي وسقمان ابْني أرتق إِلَى أَن أَخذهَا مِنْهُمَا الْأَفْضَل أَمِير الجيوش فسارا إِلَى الشرق.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا نزل أقسنقر مساعداً تتش بِأَمْر ملكشاه على حمص فَملك تتش حمص وَأمْسك صَاحبهَا خلف بن ملاعب وولديه ثمَّ ملك تتش عرقة ثمَّ أفامية.
стр. 372
وفيهَا: فِي رَمَضَان بِالْقربِ من نهاوند وَقد انْصَرف نظام الْملك من عِنْد ملكشاه إِلَى خيمة حرمه وثب على نظام الْملك صبي ديلمي فِي صُورَة مستعط وضربه بسكين فَقضى عَلَيْهِ بتدبير من ملكشاه، ثمَّ قتل الصَّبِي، وَذَلِكَ بعد وَحْشَة بَين ملكشاه وَبَين نظام الْملك، فَركب السُّلْطَان وَسكن شوشة الْعَسْكَر ومولده سنة ثَمَان وَأَرْبَعمِائَة.
وَمَات ملكشاه بعده بِخَمْسَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا بِبَغْدَاد، وَكَانَت أَيَّام ملكشاه أَيَّام عدل، بنى الْجَامِع الْمَذْكُور، وَعمل المصانع بطرِيق مَكَّة، وَكَانَ يتَصَدَّق بِعَدَد كل وَحش يصيده بِدِينَار.
وَأما نظام الْملك فَإِنَّهُ كَانَ من أَبنَاء الدهاقين بطوس مَاتَت أمه فَكَانَ أَبوهُ يطوف بِهِ على المراضع فيرضعنه حسبَة.
ثمَّ نَشأ وَتعلم الْعَرَبيَّة واشتغل بِالْأَعْمَالِ السُّلْطَانِيَّة وَعلا حَتَّى وزر لطغرل بك وَلما ملك ألب أرسلان كَانَ نظام الْملك مَعَ ابْنه ملكشاه إِلَى أَن ملك ملكشاه فَبلغ مَا لم يبلغهُ وَزِير وَقرب الْعلمَاء وَبنى مدارس الْأَمْصَار وَأسْقط المكوس وَحمى الأشعرية من اللَّعْن الَّذِي أَمر بِهِ عميد الْملك الْكِنْدِيّ، وأوصافه حَسَنَة رَحمَه الله تَعَالَى.
" وَلما مَاتَ ملكشاه " أخفت زَوجته ترْكَان خاتون مَوته وَفرقت الْأَمْوَال فِي الْأُمَرَاء وسارت بهم إِلَى أصفهان واستحلفتهم لولدها مَحْمُود وعمره أَربع سِنِين وشهور، وخطب لَهُ بِبَغْدَاد وَغَيرهَا ودبر الْأَمر بَين يَديهَا تَاج الْملك وَأما أَخُوهُ بركيا روق فهرب من أصفهان خوفًا من ترْكَان خاتون وانضم إِلَيْهِ النظامية بغضاً لتاج الدولة لسعيه فِي قتل نظام الْملك فَأرْسلت عسكراً إِلَى بركيا روق النظامية فَاقْتَتلُوا قرب يزدجرد فَانْهَزَمَ عسكرها وتبعهم بركيا روق وحصرهم بأصفهان وَأخذ تَاج الْملك من عَسْكَر الخاتون أَسِيرًا وَأَرَادَ الْإِحْسَان إِلَيْهِ فَقتله النظامية.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا خرج الْحُسَيْن بن نظام الْملك إِلَى بركيا روق وَهُوَ محاصر أصفهان فاستوزره ولقبه عز الْملك وفيهَا طلب تتش السلطنة بعد أَخِيه ملكشاه وَاتفقَ مَعَه أقسنقر صَاحب حلب، وخطب لَهُ ياغي سِنَان صَاحب أنطاكية وبوزان صَاحب الرها وَفتح مَعَه أقسنقر نَصِيبين عنْوَة، وَملك الْموصل وقاتله إِبْرَاهِيم بن قُرَيْش أَخُو مُسلم فَأسر إِبْرَاهِيم وَجَمَاعَة من أُمَرَاء الْعَرَب وقتلهم صبرا، واستناب على الْموصل عَليّ بن مُسلم بن قُرَيْش وَأمه ضيفة عمَّة تتش وَطلب الْخطْبَة لَهُ بِبَغْدَاد فتوقفوا عَنْهَا ثمَّ سَار فاستولى على ديار بكر وَسَار إِلَى أذربيجان وَكَانَ بركيا روق قد استولى على كثير مِنْهَا فَسَار بركيا روق إِلَى عَمه تتش ليمنعه فخلى أقسنقر تتش وَلحق بركيا روق فضعف تتش لذَلِك وَعَاد إِلَى الشَّام وفيهَا ملك عَسْكَر الْمُسْتَنْصر الْعلوِي صور.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا فِي رَابِع عشر الْمحرم خطب لبركيا روق بِبَغْدَاد.
وفيهَا: توفّي الْخَلِيفَة الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله أَبُو الْقَاسِم بن مُحَمَّد الذَّخِيرَة بن الْقَاسِم فَجْأَة وعمره
стр. 373
ثَمَان ثَلَاثُونَ سنة وَثَمَانِية أشهر وَأَيَّام، وخلافته تسع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر، وَأدْركت أمه أرجوان خِلَافَته وخلافه المستظهر بِاللَّه ابْنه، وَخِلَافَة المسترشد بِاللَّه ابْن ابْنه وَكَانَ الْمُقْتَدِي قوي النَّفس عَظِيم الهمة، وَكَانَ بركيا روق لما توفّي الْمُقْتَدِي بِبَغْدَاد فَبَايع " للمستظهر بِاللَّه " أبي الْعَبَّاس أَحْمد وَهُوَ ثامن عشرهم، وعمره إِذن سِتّ عشرَة سنة وشهران.
" مقتل أقسنقر ": لما عَاد تتش من أذربيجان أَكثر الجموع وَجمع أقسنقر وأمده بركيا روق بالأمير كربغا وقاتلوا تتش عِنْد نهر سبعين قَرِيبا من تل سُلْطَان عَن حلب سِتَّة فراسخ فَصَارَ بعض عَسْكَر أقسنقر مَعَ تتش وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَثَبت أقسنقر، فَأسر فَقَالَ لَهُ تتش: لَو ظَفرت بِي مَا كنت صنعت؟ قَالَ: كنت أَقْتلك فَقتله صبرا وَسَار إِلَى حلب فملكها وَأسر بوزان وَقَتله وَأسر كربغا وأرسله إِلَى حمص وسجنه بهَا، وَاسْتولى على حران والرها ثمَّ على الْبِلَاد الجزرية وديار بكر وخلاط وَسَار إِلَى أذربيجان فملكها ثمَّ هَمدَان وَأرْسل يطْلب الْخطْبَة بِبَغْدَاد فَأُجِيب وَبلغ بركيا روق اسْتِيلَاء عَمه على أذربيجان فَسَار إِلَى إربل وَمِنْهَا إِلَى بلد سرخاب بن بدر الْكرْدِي إِلَى أَن أقرب من عَسْكَر عَمه تتش وَلم يكن مَعَ بركيا روق غير ألف رجل وَمَعَ عَمه خَمْسُونَ ألفا فكبست فرقة مِنْهُم بركيا روق فهرب إِلَى أَصْبَهَان وَكَانَت ترْكَان خاتون قد مَاتَت فَدخل أَصْبَهَان وَبهَا أَخُوهُ مَحْمُود فاحتاط عَلَيْهِ جمَاعَة من عَسْكَر مَحْمُود وَأَرَادُوا أَن يسلموه فلحق مَحْمُودًا جدري مَاتَ مِنْهُ سلخ شَوَّال مِنْهَا فَفرج الله بذلك لبركيا روق، ثمَّ جدر بركيا روق وعوفي وَاجْتمعت عَلَيْهِ العساكر.
وفيهَا: توفّي بِمصْر أَمِير الجيوش بدر الجمالي وَقد جَاوز الثَّمَانِينَ، وَقَامَ بعد فِي الرُّجُوع إِلَى قَوْله بِمصْر ابْنه الْأَفْضَل.
وفيهَا ثامن ذِي الْحجَّة توفّي " الْمُسْتَنْصر بِاللَّه " أَبُو تَمِيم معد بن أبي الْحسن عَليّ بن الظَّاهِر بن الْحَاكِم وخلافته سِتُّونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وعمره سبع وَسِتُّونَ وَلَقي شَدَائِد أخرج فِيهَا أَمْوَاله إِلَّا سجادة يجلس عَلَيْهَا وَهُوَ صابر وَولي بعده ابْنه أَبُو الْقَاسِم أَحْمد المستعلي بِاللَّه.
وفيهَا: توفّي أَمِير مَكَّة مُحَمَّد بن أبي هَاشم الْحُسَيْنِي وَقد جَاوز سبعين سنة وتولاها بعده ابْنه قَاسم بن أبي هَاشم.
وفيهَا: فِي رَمَضَان توفيت ترْكَان خاتون زَوْجَة ملكشاه وَلم يكن بَقِي مَعهَا غير قَصَبَة أَصْبَهَان.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا نَهَضَ القواد بسمرقند وقبضوا ملكهم أَحْمد خَان وَأَقَامُوا خصوماً ادعوا عَلَيْهِ عِنْد الْقُضَاة بالزندقة فَأنْكر فَشهد عَلَيْهِ بذلك جمع فأفتوا بقتْله فخنق وَجلسَ ابْن عَمه مَسْعُود مَكَانَهُ.
وفيهَا: سَار بركيا روق لما عوفي من الجدري بالعساكرمن أَصْبَهَان إِلَى عَمه تتش واقتتلوا قرب الرّيّ فَانْهَزَمَ عَسْكَر تتش وَثَبت هُوَ فَقتل فِي صفر مِنْهَا، واستقامت السلطنة لبركيا روق وَالله يحكم لَا معقب لحكمه.
стр. 374
" فَأَما رضوَان " بن تتش فَبَلغهُ قتل أَبِيه قرب هيت مُتَوَجها للاستيلاء على الْعرَاق فَرجع إِلَى حلب وَبهَا من جِهَة وَالِده أَبُو الْقسم حسن بن عَليّ الْخَوَارِزْمِيّ، ولحقه جمَاعَة من قواد أَبِيه ثمَّ لحقه بحلب أَخُوهُ دقاق وَكَانَ حَاضرا مقتل أَبِيه وَكَانَ مَعَ رضوَان أَيْضا أَخَوَاهُ الصغيران أَبُو طَالب وبهرام وَكلهمْ مَعَ أبي الْقسم الْخَوَارِزْمِيّ كالضيوف وَهُوَ المستولي على الْبَلَد، ثمَّ كبس رضوَان أَبَا الْقسم الْخَوَارِزْمِيّ لَيْلًا واحتاط عَلَيْهِ وَطيب قلبه وخطب لرضوان بحلب وَكَانَ مَعَ رضوَان ياغي سِنَان بن مُحَمَّد التركماني صَاحب أنطاكية، ثمَّ سَار رضوَان بِمن مَعَه إِلَى ديار بكر للاستيلاء عَلَيْهَا وَقصد سروج فسبقه إِلَيْهَا سقمان بن أرتق وَمنع رضوَان عَنْهَا فَسَار رضوَان فاستولى على الرها وَأطلق قلعتها لياغي سِنَان الْمَذْكُور، ثمَّ اخْتلف عَسْكَر رضوَان بَين ياغي سِنَان وَجَنَاح الدولة وَكَانَ جنَاح الدولة زوج أم رضوَان من أكبر القواد فَعَاد رضوَان إِلَى حلب وَسَار ياغي سِنَان إِلَى أنطاكية وَمَعَهُ أَبُو الْقسم الْخَوَارِزْمِيّ وَدخل حلب، وَأما دقاق فكاتبه ساوتكين الْخَادِم الْوَالِي بقلعة دمشق يستدعيه سرا ليملكه دمشق، فجد دقاق فِي السّير إِلَيْهِ سرا فملكه دمشق وَوصل إِلَيْهِ طغتكين فِي جمَاعَة من خَواص تتش كَانَ طغتكين مَعَ تتش فِي الْوَقْعَة وَأسر ثمَّ خلص فَأكْرمه دقاق لكَونه زوج أمه ثمَّ قتل دقاق وطغتكين ساوتكين الْخَادِم ثمَّ جَاءَهُم ياغي سِنَان من أنطاكية وَمَعَهُ أَبُو الْقَاسِم الْخَوَارِزْمِيّ فَجعله وزيراً لدقاق.
وفيهَا: توفّي الْمُعْتَمد بن عباد صَاحب أشبيلة وَغَيرهَا من الأندلس مسجوناً بأغمات دخل عَلَيْهِ فِي السجْن بنوه وَبنَاته يهنونه يَوْم عيد وعَلى بَنَاته أطمار كَأَنَّهَا كسوف وَهن أقمار وأقدامهن حافية وآثار نعمتهن عَافِيَة، فَقَالَ الْمُعْتَمد:
(فِيمَا مضى كنت بالأعياد مَسْرُورا ... فجاءك الْعِيد فِي أغمات مأسوراً)
(ترى بناتك فِي الأطمار جائعة ... يغزلن للنَّاس مَا يملكن قطميراً)
(يطأن فِي الطين والأقدام حافية ... كَأَنَّهَا لم تطَأ مسكاً وكافوراً)
(قد كَانَ دهرك إِن تَأمره ممتثلاً ... فردك الدَّهْر مَنْهِيّا ومأموراً)
(من بَات بعْدك فِي ملك يسر بِهِ ... فَإِنَّمَا بَات بالأحلام مغروراً)
وَللَّه قَول أبي بكر بن اللبانة يرثيه بقصيدة مِنْهَا:
(لكل شَيْء من الْأَشْيَاء مِيقَات ... وللمنى من مناياهن غايات)
(والدهر فِي صفة الحرباء منغمس ... ألوان حالاته فِيهَا استحالات)
(وَنحن من لعب الشطرنج فِي يَده ... وَرُبمَا قمرت بالبيدق الشَّاة)
(من كَانَ بَين الندى والبأس أنصله ... هندية وعطاياه هنيدات)
(رَمَاه من حَيْثُ لم تستره سابغة ... دهر مصيباته نبل مصيبات)
(لهفي على آل عباد فَإِنَّهُم ... أهلة مَا لَهَا فِي الْأُفق هالات)
(تمسكت بعرى اللَّذَّات ذاتهم ... يَا بئس مَا جنت اللَّذَّات والذات)
стр. 375
(فجعت مِنْهَا بِإِخْوَان ذَوي ثِقَة ... فَأتوا وللدهر فِي الإخوان آفَات)
(واعتضت فِي آخر الصَّحرَاء طَائِفَة ... لغاتهم فِي جَمِيع الْكتب ملغاة)
يَعْنِي البربر ابْن تاشفين وَعَسْكَره.
وفيهَا: ترك الْغَزالِيّ تدريس النظامية لِأَخِيهِ وتزهد وَقصد الشَّام والقدس ثمَّ عَاد.
وفيهَا: توفّي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد الْحميدِي الأندلسي من ميورقة مُصَنف الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ ثِقَة فَاضل مولده قبل عشْرين وَأَرْبَعمِائَة سمع بالمغرب ومصر وَالشَّام وَالْعراق وَكَانَ نزهاً.
وفيهَا: توفّي عَليّ بن عبد الْغَنِيّ الْمقري الضَّرِير الحضري القيرواني الشَّاعِر مدح الْمُعْتَمد وَغَيره، وَتُوفِّي بطنجة، وَله من قصيدة:
(يَا ليل الصب مَتى غده ... أقيام السَّاعَة موعده)
(رقد السَّمَاء فَأَرقهُ ... أَسف للبين يردده)
(هاروت يعنعن فن السحر ... إِلَى عَيْنَيْك ويسنده)
(وَإِذا أغمدت اللحظ قتلت ... فَكيف وَأَنت تجرده)
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
ذكر ملك كربوغا الْموصل
كَانَ تتش قد حبس كربوغاً بحمص لما قتل أقسنقر وَاسْتمرّ حَتَّى أرسل بركيا روق يَأْمر رضوَان صَاحب حلب بِإِطْلَاقِهِ فَأَطْلقهُ وَأطلق أَخَاهُ التونتاش، وَاجْتمعَ على كروغا البطالون وَقصد نَصِيبين، وَبهَا شرف الدولة مُحَمَّد بن مُسلم بن قُرَيْش فطلع مُحَمَّد إِلَى كربوغا واستحلفه ثمَّ غدر بِهِ كربوغا وَقبض عَلَيْهِ وَملك نَصِيبين وَقصد الْموصل، وَقتل فِي طَرِيقه مُحَمَّد بن مُسلم بن قُرَيْش الْمُسِيء وَحصر الْموصل وَبهَا عَليّ بن مُسلم أَخُو مُحَمَّد من حِين استنابه بهَا تتش فهرب عَليّ إِلَى صدقه بن مزِيد بالحلة، وتسلم كربوغا الْموصل بعد حِصَار تِسْعَة أشهر، ثمَّ قتل كربوغاً أَخَاهُ التونتاش ثَالِث يَوْم أَخذ الْموصل، وَأحسن كربوغاً السِّيرَة فِيهَا.
وفيهَا: استولى عَسْكَر خَليفَة مصر على الْقُدس فِي شعْبَان من إيل غَازِي، وسقمان ابْني أرتق.
ثمَّ دخلت سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة مقتل أرسلان أرغون: كَانَ للسُّلْطَان ملكشاه أَخ اسْمه أرسلان أرغون فَسَار بعد موت ملكشاه وَاسْتولى على خُرَاسَان وَكَانَ مهيباً، فَدخل عَلَيْهِ غُلَام لَهُ خَالِيا فَأنْكر عَلَيْهِ تَأَخره عَن الْخدمَة، فَاعْتَذر الْغُلَام فَلم يقبل عذره فَوَثَبَ على أرسلان أرغون فَقتله بسكين فِي الْمحرم مِنْهَا فَسَار بركيا روق فاستولى على خُرَاسَان وأقيمت لَهُ الْخطْبَة وَرَاء النَّهر وَسلم خُرَاسَان إِلَى أَخِيه السُّلْطَان سنجر بن ملكشاه وَجعل وزيره أَبَا الْفَتْح عَليّ بن الْحُسَيْن الطغرائي.
" ابْتِدَاء دولة بَيت خوارزم شاه ": أَوَّلهمْ مُحَمَّد خوارزم شاه بن أنوش تكين كَانَ أنوش
стр. 376
تكين مَمْلُوكا لرجل من غرشستان وَلذَلِك قيل لَهُ أنوش تكين غرشه فَاشْتَرَاهُ بلكابك أَمِير من السلجوقية فعلا أنوش تكين بِحسن طَرِيقَته وَصَارَ مقدما وَولد لَهُ خوارزم شاه، وَنَشَأ عَارِفًا أديباً، وَتقدم بالعناية الأزلية، فَلَمَّا قدم الْأَمِير داذ الحبشي إِلَى خُرَاسَان وَهُوَ من أُمَرَاء بركيا روق، كَانَ قد أرْسلهُ بركيا روق لصلاح خُرَاسَان من فتْنَة من الأتراك قتل فِيهَا نَائِب خوارزم، فسكن داذ الْفِتْنَة وَاسْتعْمل مُحَمَّد بن أنوش تكين على خوارزم ولقبه خوارزم شاه، فصرف مُحَمَّد همته إِلَى معدلة ينشرها ومكرمه يَفْعَلهَا، وَقرب أهل الْعلم وَالدّين، فَعظم ذكره وَأقرهُ السُّلْطَان سنجر على خوارزم، وَعظم عِنْده، ثمَّ ولي بعده ابْنه أتسز فَأَفَاضَ الْعدْل، وفيهَا سَار رضوَان من حلب ليَأْخُذ دمشق من ابْن أَخِيه دقاق، وَمَعَهُ ياغي سِنَان صَاحب أنطاكية، وَجَنَاح الدولة فَلم ينالوا من دمشق غَرضا وارتحل رضوَان إِلَى الْقُدس فَلم يملكهَا وتراجعت عساكره فَرجع إِلَى حلب ثمَّ سَار ياغي سِنَان عَن رضوَان إِلَى دقاق، وَحسن لَهُ قصد أَخِيه رضوَان وَأخذ حلب مِنْهُ فَالْتَقَيَا على قنسرين فَانْهَزَمَ دقاق وَعَسْكَره وَعَاد رضوَان منصوراً، ثمَّ اتفقَا على أَن يخْطب لرضوان بِدِمَشْق قبل دقاق.
وفيهَا: خطب الْملك رضوَان للمستعلي بِأَمْر الله الْعلوِي بِمصْر أَربع جمع ثمَّ قطعهَا وَأعَاد الْخطْبَة العباسية خوف الْعَاقِبَة.
وفيهَا: قتلت الباطنية أرغش النظامي بِالريِّ، وَكَانَ قد عظم حَتَّى تزوج بنت ياقوتي عَم بركيا روق.
وفيهَا: قتلت الباطنية أَيْضا الْأَمِير برسق من أَصْحَاب طغرل بك أول شجنة السلجوقية بِبَغْدَاد.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا حصر الفرنج أنطاكية لسبعة أشهر وَظهر لياغي سِنَان شجاعة عَظِيمَة ثمَّ هجموها عنْوَة وَخرج ياغي سِنَان لَيْلًا مَرْعُوبًا فَلَمَّا أصبح ووعى على نَفسه أَخذ يتلهف على أَهله وَالْمُسْلِمين، وغشى عَلَيْهِ حَتَّى عجز عَن الرّكُوب فَتَرَكُوهُ وَمر بِهِ أرمني يقطع الْخشب فَقطع رَأسه وَحمله إِلَى الفرنج بأنطاكية، وَوضع الفرنج السَّيْف فِي أنطاكية فِي الْمُسلمين ونهبوا وَبلغ كربوغاً صَاحب الْموصل فعل الفرنج بأنطاكية فَجمع عسكره وَسَار إِلَى مرج دابق وجاءه دقاق من دمشق وطغتكين أتابك وجناج الدولة صَاحب حمص زوج أم رضوَان فَارق رضوَان وَملك حمص وَغَيرهم من الْأُمَرَاء وَالْعرب، ثمَّ حصروا أنطاكية والفرنج بهَا فطلبوا من كربوغا أَن يُطْلِقهُمْ، فَامْتنعَ ثمَّ أَسَاءَ كربوغا السِّيرَة فِيمَن اجْتمع مَعَه وتكبر فخبثت نياتهم لَهُ وضاق الْأَمر بالفرنج وَقل قوتهم فَخَرجُوا من أنطاكية وقاتلوا الْمُسلمين فهرب الْمُسلمُونَ وتقوت الفرنج بالقوت وَالسِّلَاح وَسَار الفرنج إِلَى المعرة فاستولوا عَلَيْهَا فَقتلُوا فِيهَا مَا يزِيد على مائَة ألف إِنْسَان وَسبوا وَأَقَامُوا بالمعرة أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
قلت: وَفِي ذَلِك يَقُول بعض المعربين وَمَا أحسن مَا جَاءَت تورية الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس والأحد.
стр. 377
(معرة الأذكياء قد حردت ... عَنَّا وَحقّ المليحة الحرد)
(فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ كَانَ موعدهم ... فَمَا نجى من خميسهم أحد)
وَالله أعلم، ثمَّ سَارُوا فَصَالحهُمْ أهل حمص.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة.
ذكر ملك الفرنج بَيت الْمُقَدّس
كَانَ تتش قد أقطع بَيت الْمُقَدّس للأمير أرتق ثمَّ لِوَلَدَيْهِ إيلغازي وسقمان إِلَى أَن استولى عَلَيْهَا عَسْكَر خَليفَة مصر بالأمان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَسَار سقمان وإيلغازي فَأَقَامَ سقمان بِبَلَد الرها وإيلغازي بالعراق، وَاسْتمرّ الْقُدس للمصريين إِلَى أَن حصره الفرنج نيفاً وَأَرْبَعين يَوْمًا وملكوه يَوْم الْجُمُعَة لسبع بَقينَ من شعْبَان من هَذِه السّنة، وَقتل الفرنج فِي الْمُسلمين أسبوعاً، وَقتلُوا فِي الْمَسْجِد الْأَقْصَى فَوق سبعين ألفا فيهم أَئِمَّة وعلماء وَعباد وزهاد مِمَّن جاور لشرف الْموضع، وغنموا مَا لَا يحصر وَاخْتلف الْمُلُوك السلجوقية فَتمكن الفرنج من الْبِلَاد وللمظفر الأبيوردي فِي ذَلِك شعر مِنْهُ:
(مزجنا دِمَاء بالدموع السواجم ... فَلم تبْق منا عرضة للمراجم)
(وَكَيف تنام الْعين ملْء جفونها ... على هبوات أيقظت كل نَائِم)
(وَإِخْوَانكُمْ بِالشَّام يضحى مقيلهم ... ظُهُور المذاكي أَو بطُون القشاعم)
(تسومهم الرّوم الهوان وَأَنْتُم ... تجرون ذيل الْخَفْض فعل المسالم)
(وَكم من دِمَاء قد أبيحت وَمن دمي ... توارى حَيَاء حسنها بالمعاصم)
(أنرضى صَنَادِيد الأعاريب بالأذى ... وتقضى على ذَلِك كماة الْأَعَاجِم)
(فليتهم إِذْ لم يذودوا حمية ... عَن الدّين ضنوا غيرَة بالمحارم)
وفيهَا: قصد مُحَمَّد بن ملكشاه أَخَاهُ لِأَبِيهِ بركيا روق بِالريِّ فَسَار عَنهُ بركيا روق فَوجدَ مُحَمَّد بن زبيدة خاتون أم أَخِيه بركيا روق فَأخذ خطها بِمَال ثمَّ خنقها وَاجْتمعَ إِلَيْهِ هركواس شحنة بَغْدَاد وكربوغا صَاحب الْموصل، وَطلب الْخطْبَة بِبَغْدَاد فَخَطب لَهُ بهَا سَابِع عشر ذِي الْحجَّة مِنْهَا.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا دخل بركيا روق بَغْدَاد وَأعَاد الْخطْبَة لَهُ فِي صفر، ثمَّ قَاتل أَخَاهُ مُحَمَّدًا رَابِع رَجَب عِنْد النَّهر الْأَبْيَض قرب هَمدَان، فَانْهَزَمَ بركيا روق وَأعَاد مُحَمَّد الْخطْبَة لَهُ بِبَغْدَاد، وَسَار بركيا روق إِلَى الرّيّ وَقصد بجماعته خُرَاسَان وَاجْتمعَ مَعَ الْأَمِير داذ واقتتل مَعَ أَخِيه سنجر فَانْهَزَمَ بركيا روق إِلَى جرجان ثمَّ دامغان.
وفيهَا: جمع ابْن الدانشمند أَي معلم التركمان وَهُوَ كمشتكين بن طيلو صَاحب ملطية وسيواس وأوقع بالفرنج قرب ملطية وَأسر ملكهم.
وفيهَا: توفّي أَبُو عِيسَى يحيى بن عِيسَى بن جزلة الطَّبِيب صَاحب الْمِنْهَاج فِي الْمُفْردَات كَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم، ورد فِي رسَالَته على النَّصَارَى وَبَين عوار مَذْهَبهم وَأقَام
стр. 378
الْحجَّة على الدّين الْحق وَذكر فِيهَا النُّصُوص من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فِي ظُهُور النَّبِي ﷺ َ - وَله كتاب تَقْوِيم الْأَبدَان وَغَيره، ووقف كتبه وَجعلهَا فِي مشْهد أبي حنيفَة .
ابْتِدَاء دولة بني شاهر من مُلُوك خلاط
فِيهَا استولى سقمان القطبي التركي وَيُسمى سكمان على خلاط كَانَ مَمْلُوكا لإسماعيل صَاحب مَدِينَة مرند من أذربيجان، ولقب إِسْمَاعِيل قطب الدّين وَكَانَ من بنير سلجوق، وَلذَلِك قيل لسكمان القطبي، وَنَشَأ سكمان شهماً كَافِيا، وَكَانَت خلاط لبني مَرْوَان وظلموا واشتهر عدل سقمان، فاتفق أهل خلاط وكاتبوه فجَاء وفتحوها لَهُ وسلموها إِلَيْهَا، وَاسْتمرّ بهَا حَتَّى توفّي سنة سِتّ وَخَمْسمِائة وملكها بعده ابْنه ظهير الدّين إِبْرَاهِيم.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة: ثمَّ إِن بركيا روق بعد هزيمته الْمَذْكُورَة من إخْوَته اجْتمع عَلَيْهِ أَصْحَابه بخوزستان، ثمَّ أَتَى عَسْكَر مكرم فَكثر جمعه ثمَّ سَار إِلَى هَمدَان فلحق بِهِ الْأَمِير إياز فِي خَمْسَة آلَاف فَارس، ثمَّ قَاتل أَخَاهُ مُحَمَّدًا فِي ثَالِث جُمَادَى مِنْهَا طول النَّهَار فَانْهَزَمَ مُحَمَّد وَعَسْكَره وَأسر مؤيد الْملك بن نظام الْملك وَزِير مُحَمَّد فعاقبه على فعله بوالدته، وَقَتله بِيَدِهِ. وَعمر مؤيد الْملك خَمْسُونَ سنة تَقْرِيبًا، ثمَّ سَار بركيا روق إِلَى الرّيّ، وَأما مُحَمَّد فقصد خُرَاسَان وَجمع مَعَ أَخِيه سنجر الجموع وتحالفا وقصدا بركيا روق بِالريِّ فَسَار بركيا روق إِلَى بَغْدَاد وَضَاقَتْ أَمْوَاله فَطلب من الْخَلِيفَة مَالا فَحمل إِلَيْهِ خمسين ألف دِينَار، وَمد يَده فِي مَال الرّعية وَمرض مَرضا شَدِيدا، وَأما مُحَمَّد وسنجر فاستوليا على بِلَاد أخيهما بركيا روق، ثمَّ دخلا بَغْدَاد وَهُوَ مَرِيض قد أيس مِنْهُ فَسَار إِلَى جِهَة وَاسِط وَوصل السُّلْطَان مُحَمَّد وسنجر بَغْدَاد فَشَكا إِلَيْهِمَا الْخَلِيفَة المستظهر سوء سيرة بركيا روق وخطب لمُحَمد ثمَّ كَانَ مَا سَيذكرُ.
ملك ابْن عمار مَدِينَة جبلة
كَانَ القَاضِي أَبُو عبيد الله بن مَنْصُور عرف بِابْن صليحة قد استولى على جبلة وحاصره الفرنج فَأرْسل إِلَى طغتكين أتابك دقاق صَاحب دمشق يطْلب مِنْهُ من يتسلم مِنْهُ جبلة ويحفظها، فَأرْسل إِلَيْهَا طغتكين ابْنه تَاج الْملك بورى فتسلمها وأساء السِّيرَة، فكاتب أَهلهَا أَبَا عَليّ بن مُحَمَّد بن عمار صَاحب طرابلس فَأرْسل عسكراً فَاجْتمعُوا وقاتلوا بورى، فَانْهَزَمَ أَصْحَابه، وَملك ابْن عمار جبلة وَأسر بورى فَأحْسن إِلَيْهِ ابْن عمار وسيره إِلَى أَبِيه طغتكين، وَأما القَاضِي ابْن صليحة فقصد بأَهْله دمشق ثمَّ بَغْدَاد وَبهَا بركيا روق وَقد ضَاقَتْ يَده فَطلب من ابْن صليحة مَالا فَحمل إِلَيْهِ جملَة طائلة.
أَخْبَار الباطنية ... وهم الإسماعيلية
أول عظمهم بعد السُّلْطَان ملكشاه، وملكوا قلاعاً مِنْهَا قلعة أَصْبَهَان مستجدة بناها ملكشاه، وَسبب بنائها أَن كَلْبا هرب مِنْهُ فِي الصَّيْد وَمَعَهُ رَسُول الرّوم فَصَعدَ الْكَلْب إِلَى
стр. 379
مَوضِع القلعة فَقَالَ الرَّسُول: لَو كَانَ هَذَا الْموضع ببلادنا لبنينا عَلَيْهِ قلعة، فبناها السُّلْطَان وتواردت عَلَيْهَا النواب حَتَّى ملكهَا الباطنية وَعظم ضررهم بِسَبَبِهَا، كَانَ يُقَال قلعة يدل عَلَيْهَا كلب وَيُشِير بهَا كَافِر لَا بُد وَأَن يكون آخرهَا إِلَى شَرّ، وملكوا قلعة ألموت فِي نواحي قزوين أرسل بعض مُلُوك الديلم عقَابا فَنزل على مَوضِع ألموت فَرَآهُ حصيناً فبناه قلعة وسماها الراموت مَعْنَاهُ بِلِسَان الديلم تَعْلِيم الْعقَاب وَذَلِكَ الْموضع وَمَا يجاوره يُسمى طالقان، وَكَانَ الْحسن بن الصَّباح شهماً مهندساً حيسوباً ساحراً، وَطَاف الْبِلَاد ثمَّ استغوى أهل ألموت وَملكه وملكوا أَيْضا قلعة طبس وقهستان ثمَّ قلعة رستمكوه قرب أبهر سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ قلعة خالنجان على خَمْسَة فراسخ من أصفهان، ثمَّ قلعة أردهن ملكهَا أَبُو الْفتُوح ابْن أُخْت الْحسن بن الصَّباح وملكوه قلعة كرد كوه وقلعة الطنبور وقلعة حلاوخان بَين فَارس وخوزستان، وامتدوا إِلَى اغتيال الأكابر فَعظم صيتهم وخافهم النَّاس فتتبعهم بركيا روق وَقتل كل من عرف مِنْهُم.
وفيهَا ملك الفرنج سورج من ديار الجزيرة قتلا وسبياً وأرسوف بساحل عكا وقيسارية.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا " توفّي المستعلي " بِأَمْر الله أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن الْمُسْتَنْصر الْعلوِي خَليفَة مصر لسبع عشرَة خلت من صفر ومولده فِي الْعشْرين من شعْبَان سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة، وخلافته سبع سِنِين وَنَحْو شَهْرَيْن، كَانَ مُدبر دولته الْأَفْضَل بن بدر الجمالي.
وبويع لِابْنِهِ الْآمِر بِأَحْكَام الله أبي عَليّ الْمَنْصُور، وعمره خمس سِنِين وَشهر وَأَيَّام، وَقَامَ بتدبير دولته الْأَفْضَل بن بدر الجمالي.
وفيهَا: تقَابل بركيا روق وَأَخُوهُ مُحَمَّد عِنْد الرّيّ فِي جُمَادَى الأول وَهُوَ المصاف الرَّابِع، فَانْهَزَمَ مُحَمَّد، ونهبت خزانته وَمضى فِي نفر يسير إِلَى أَصْبَهَان ثمَّ سَار بركيا روق فحصر مُحَمَّدًا بأصبهان، وَعدم الْقُوت بهَا إِلَى عَاشر ذِي الْحجَّة فهرب مُحَمَّد مِنْهَا مستخفياً وحرض بركيا روق على تَحْصِيله فَلم يظفر بِهِ، ثمَّ سَار بركيا روق عَن أصفهان إِلَى هَمدَان فِي ثامن عشر ذِي الْحجَّة مِنْهَا.
" وفيهَا مَاتَ كربوغا " بخوى من أذربيجان بَعثه إِلَيْهَا بركيا روق وَاسْتولى على الْموصل مُوسَى التركماني عَامل كربوغا على حصن كيفا وَكَانَ شمس الدولة جكرمش التركي صَاحب جَزِيرَة ابْن عمر فقصد الْموصل وَاسْتولى على تصيبين فِي طَرِيقه فَخرج مُوسَى التركماني من الْموصل لقتاله فغدر بمُوسَى عسكره وصاروا مَعَ جكرمش، فَعَاد مُوسَى إِلَى الْموصل وحصره جكرمش بهَا طَويلا فاستعان مُوسَى بسقمان وَهُوَ فِي ديار بكر وَأَعْطَاهُ حصن كيفا فاستمر الْحصن لسقمان وَأَوْلَاده إِلَى آخر وَقت فَسَار سقمان إِلَيْهِ، فَرَحل جكرمش عَن الْموصل وَخرج مُوسَى ليلقى سقمان فَوَثَبَ على مُوسَى جمَاعَة من أَصْحَابه فَقَتَلُوهُ عِنْد قربَة
стр. 380
كواثا وَدفن على تل هُنَاكَ إِلَى الْآن يعرف بتل مُوسَى، وَرجع سقمان إِلَى حصن كيفا ثمَّ عَاد جكرمش صَاحب الجزيرة إِلَى الْموصل وحصرها ثمَّ تسلمها صلحا وَأحسن السِّيرَة فِيهَا.
وفيهَا: سَار صنجيل الفرنجي فِي جمع قَلِيل وَحصر حصن ابْن عمار بطرابلس، ثمَّ صولح على مَال حملوه إِلَيْهِ، ثمَّ فتح صنجيل أنطرسوس وَقتل بهَا الْمُسلمين، ثمَّ حصر حصن الأكراد فَجمع جنَاح الدولة صَاحب حمص الْعَسْكَر ليسير إِلَيْهِ، فَوَثَبَ باطني على جنَاح الدولة بالجامع فَقتله، وَبلغ ذَلِك صنجيل، فنازل حمص وَملك أَعمالهَا.
وفيهَا: قتل الْمُؤَيد بن مُسلم بن قُرَيْش أَمِير بني عقيل، قَتله بَنو نمير عِنْد هيت.
وفيهَا: توفّي مَنْظُور بن عمَارَة الْحُسَيْنِي أَمِير الْمَدِينَة، وَقَامَ ابْنه مقَامه، وهم من ولد المهنا.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة: فِي جُمَادَى الْآخِرَة كَانَ المصاف الْخَامِس بَين الْأَخَوَيْنِ بركيا روق وَمُحَمّد ابْني ملكشاه فَانْهَزَمَ عَسْكَر مُحَمَّد أَيْضا وَذَلِكَ على بَاب خوى، وَسَار بركيا روق إِلَى جبل كثير العشب فَأَقَامَ أَيَّامًا ثمَّ سَار إِلَى زنجان وَسَار مُحَمَّد إِلَى أرجيش على أَرْبَعِينَ فرسخاً من مَوضِع الْوَقْعَة من أَعمال خلاط ثمَّ سَار إِلَى خلاط.
وفيهَا: ملك دقاق بن تتش الرحبة وقررها وَعَاد إِلَى دمشق.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا استولى بلك بن بهْرَام بن أرتق وَهُوَ ابْن أخي سقمان وإيل غَازِي على عانة والحديثة من بني يعِيش بن عِيسَى بعد مَا ملك الفرنج مِنْهُ سروج.
وفيهَا: فِي صفر أغارت الفرنج على قلعة جعير والرقة فساقوا الْمَوَاشِي وأسروا من وجدوا، وَكَانَت الرقة وقلعة جعبر لسالم بن مَالك بن بدران سلمهَا إِلَيْهِ ملكشاه كَمَا مر لما تسلم مِنْهُ حلب.
وفيهَا: فِي ربيع الأول اصْطلحَ بركيا روق وَمُحَمّد بالتراسل وحلفا على أَن لَا يذكر بركيا روق فِي بِلَاد مُحَمَّد وَأَن تكون الْمُكَاتبَة بَين وزيريهما وَلكُل مِنْهُمَا بِلَاد مُسَمَّاة ووصلت الرُّسُل إِلَى المستظهر بِالصُّلْحِ فَخَطب بِبَغْدَاد لبركيا روق وَكَانَ شحنته بِبَغْدَاد إبلغاري بن أرتق.
وفيهَا: سَار صنجيل الفرنجي من الْبَحْر وحاصر طرابلس برا وبحراً وَانْصَرف خاسئاً وحاصر جبيل وتسلمها بالأمان، ثمَّ حاصر عكا برا وبحراً وواليها زهر الدولة نبا من جِهَة خَليفَة مصر فَملك الفرنج عكا بِالسَّيْفِ بعد قتال شَدِيد، وفعلوا بِأَهْلِهَا الْأَفْعَال الشنيعة، وهرب نبا إِلَى الشَّام ثمَّ إِلَى مصر، هَذَا وملوك الشَّام مشتغلون بِقِتَال بَعضهم بَعْضًا، وقصدت الفرنج حران فَاجْتمع جكرمش وسقمان وَمَعَهُ التركمان وتحالفا والتقيا مَعَ الفرنج على نهر البلخ، فَانْهَزَمَ الفرنج وَأسر ملكهم القومص.
стр. 381
وفيهَا: فِي رَمَضَان توفّي دقاق بن تتش بن ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق صَاحب دمشق فَخَطب طغتكين الأتابك بِدِمَشْق لِابْنِ دقاق طِفْل عمره سنة ثمَّ قطع خطبَته وخطب ليلتاش بن تتش عَم الطِّفْل فِي ذِي الْحجَّة ثمَّ أعَاد خطْبَة الطِّفْل وَاسْتقر طغتكين فِي دمشق.
وفيهَا: سَار صَدَقَة بن مزِيد صَاحب الْحلَّة فاستولى على وَاسِط وَضمن البطيحة لمهذب الدولة بن أبي الْخَيْر بِخَمْسِينَ ألف دِينَار.
وفيهَا: توفّي أَمِير الدولة أَبُو سعد بن موصلايا فَجْأَة وَقد أضرّ، وَكَانَ بليغاً خدم الْخُلَفَاء خمْسا وَسِتِّينَ سنة وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَأسلم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة ترقى حَتَّى نَاب عَن الوزارة وَكَانَ يتَصَدَّق ووقف ملكه على وُجُوه الْبر.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا فِي ربيع الأول توفّي السُّلْطَان بركيا روق بن ملكشاه بالسل والبواسير، سَار من أصفهان إِلَى بَغْدَاد فقوي مَرضه فِي يزدجرد، فخلف الْعَسْكَر لِابْنِهِ ملكشاه وعمره أَربع سِنِين وَثَمَانِية أشهر، وَجعل أياز أتابكه وَأمرهمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى بَغْدَاد وَتُوفِّي بيزدجرد وَنقل فَدفن بأصبهان فِي تربته وعمره خمس وَعِشْرُونَ سنة وَتسَمى بالسلطنة اثْنَتَيْ عشرَة سنة وأربعمة أشهر، وقاسى حروباً وَخِلَافًا ورخاء وَشدَّة، وملكاً وزواله، وَلما صفى ملكه كدره الْمَوْت، وَكَانَ كلما خطب لَهُ بِبَغْدَاد وَقع فِيهَا الغلاء، وَكَانَ كثير التجاوز، وَدخل أياز وَمَعَهُ ملكشاه بن بركيا روق بَغْدَاد سَابِع عشر ربيع الآخر مِنْهَا، وخطب لملكشاه بجوامع بَغْدَاد.
وَلما بلغ مُحَمَّدًا موت أَخِيه بركيا روق قصد بَغْدَاد وَنزل بالجانب الغربي، وَبَقِي ملكشاه وأياز بالشرقي، وَجمع أياز الْعَسْكَر لقِتَال مُحَمَّد، ثمَّ أَشَارَ على أياز وزيره بِالصُّلْحِ وَمَشى بَينهمَا وَحضر الكيا الهراس مدرس النظامية وَالْفُقَهَاء وحلفوا مُحَمَّدًا لاياز والأمراء الَّذين مَعَه، وَحضر أياز بملكشاه عِنْد مُحَمَّد فَأكْرمه وَصَارَت السلطنة لمُحَمد فِي جمادي الأولى مِنْهَا وَعمل أياز دَعْوَة عَظِيمَة فِي ثامن جمادي الْآخِرَة للسُّلْطَان مُحَمَّد فِي دَاره بِبَغْدَاد فَحَضَرَ إِلَيْهِ وَقدم لَهُ أياز أَمْوَالًا، وَفِي ثَالِث عشر جمادي الأخرة طلب السُّلْطَان أيازا ورتب لَهُ فِي الدهليز جمَاعَة فَقَتَلُوهُ وعمره فَوق أَرْبَعِينَ وَهُوَ من مماليك ملكشاه، وَكَانَ شجاعاً ذَا مُرُوءَة وَأمْسك الصفي وزيره، وَقتل فِي رَمَضَان وعمره سِتّ وَثَلَاثُونَ وَكَانَ من بَيت رياسة بهمدان.
" وفيهَا توفّي سقمان " بن أرتق بن أكسك بالخوانيق فِي القرينين وَحمل فِي تَابُوت فَدفن بحصن كيفا كَانَ مُتَوَجها إِلَى دمشق باستدعاء طغتكين ليجعله مُقَابل الفرنج بِحكم مرض طغتكين وَقَامَ ابْنه إِبْرَاهِيم مَوْضِعه، كَانَ لَهُ حصن كيفا وماردين أما ملكه لحصن كيفا فَتقدم، وَأما ملكه لماردين فَهُوَ أَنه وهب ماردين وأعمالها السُّلْطَان بركيا روق لإِنْسَان مغن، وَوَقع حَرْب بَين كربوغا وسقمان وَكَانَ مَعَ سقمان ابْن أَخِيه ياقوتي وعماد الدّين زنكي وَهُوَ
стр. 382
إِذْ ذَاك صبي فَانْهَزَمَ سقمان وَأسر ابْن أَخِيه ياقوتي فحبسه كربوغا صَاحب الْموصل بماردين إِلَى أَن سَأَلت زَوْجَة أرتق كربوغا فِي إِطْلَاق ابْن ابْنهَا ياقوتي فَأَطْلقهُ فأعجب ياقوتي ماردين فَأرْسل يَقُول للْمُغني: إِن أَذِنت لي سكنت فِي ربض قلعتك وحميتها من المفسدين، فَأذن لَهُ بالْمقَام فِي الربض فَأَقَامَ بهَا ياقوتي وَجعل يُغير من خلاط إِلَى بَغْدَاد وَمَعَهُ حفاظ قلعة ماردين وَهُوَ يحسن إِلَيْهِم فاطمأنوا إِلَيْهِ وَسَار مرّة وَنزل مَعَه أَكْثَرهم فقبضهم وقيدهم وأتى إِلَى بَاب قلعة ماردين وَقَالَ لأهلهم: إِن سلمتم القلعة إِلَيّ وَإِلَّا ضربت أَعْنَاقهم فامتنعوا فَضرب عنق وَاحِد فسلموها إِلَيْهِ وَأقَام بهَا وَجمع جمعا وَقصد نَصِيبين ولحقه مرض أعجزه فَحمل حَتَّى ركب الْفرس وأصابه سهم فَسقط ياقوتي وَمَات مِنْهُ، ثمَّ ملك ماردين بعده أَخُوهُ على مُطيعًا لجكرمش صَاحب الْموصل واستخلف على ماردين من أَصْحَابه شخصا اسْمه عَليّ أَيْضا، فَجهز هَذَا عَليّ يَقُول لسقمان: إِن ابْن أَخِيك يُرِيد أَن يسلم ماردين إِلَى جكرمش، فَسَار سقمان وتسلم ماردين، وَعوض ابْن أَخِيه عَنْهَا بجبل جور، واستقرت ماردين وحصن كيفا لسقمان إِلَى أَن سَار إِلَى دمشق وَمَات بالقرينين فَصَارَت ماردين لِأَخِيهِ إيلغازي بن أرتق واستقرت لوَلَده إِلَى يَوْمنَا هَذَا وَهُوَ سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة.
وفيهَا: نهبت الباطنية الْحجَّاج فِي جوَار الرّيّ، وهم حجاج الْهِنْد وَمَا وَرَاء النَّهر وخراسان وقتلوهم سحرًا.
وفيهَا: تقَاتل الْملك رضوَان بن تتش صَاحب حلب وفرنج أنطاكية عِنْد يبرين فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وَقتل مِنْهُم وَأسر، وملكت الفرنج أرتاح.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد عَليّ بن الْحسن بن أبي صقر الشَّافِعِي، تفقه على أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَغلب عَلَيْهِ الشّعْر. فَمن قَوْله لما كبر:
(ابْن أبي الصَّقْر افتكر ... وَقَالَ فِي حَال الْكبر)
(وَالله لَوْلَا بولة ... تحرقني وَقت السحر)
(لما ذكرت أَن لي ... مَا بَين فَخذي ذكر)
وولادته فِي نَحْو سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا سَار سيف الدولة صَدَقَة ابْن مزِيد من الْحلَّة فَملك الْبَصْرَة اتِّصَال بن ملاعب بِملك أفامية واستيلاء بِملك أفامية الفرنج عَلَيْهَا: كَانَ خلف بن ملاعب الْكلابِي صَاحب حمص وَأَصْحَابه يقطعون الطَّرِيق، فَعظم الضَّرَر بِهِ فَأخذ تتش صَاحب دمشق مِنْهُ حمص وتقلبت بخلف الْأَحْوَال إِلَى أَن أَقَامَ بِمصْر وَاتفقَ أَن مُتَوَلِّي أفامية من جِهَة رضوَان بن تتش صَاحب حلب كَانَ شِيعِيًّا فكاتب خلفاء مصر ليرسلوا من يسلم إِلَيْهِ أفامية فَطلب ابْن ملاعب ذَلِك فَأَرْسلُوهُ وتسلم أفامية وقلعتها، فَلَمَّا اسْتَقر خلع طَاعَة المصريين وَأقَام بهَا يقطع الطَّرِيق فاتفق قَاضِي أفامية وَجَمَاعَة مِنْهَا وكاتبوا رضوَان ليرسل جمعا يكبسون أفامية بِاللَّيْلِ ويسلموها إِلَيْهِم فَفعل رضوَان ذَلِك فأصعد القَاضِي
стр. 383
وجماعته المبعوثين بالحبال إِلَى القلعة فَقتلُوا ابْن ملاعب وَبَعض أَوْلَاده وهرب الْبَعْض واستولوا على قلعة أفامية، ثمَّ سَار إِلَيْهَا الفرنج وحاصروها وملكوا الْبَلَد والقلعة، وَقتلُوا القَاضِي الْمَذْكُور.
حَال طرابلس مَعَ الفرنج
كَانَ صنجيل قد ملك جبلة ثمَّ حصر طرابلس وَبنى بقربها حصناً وَبنى تَحْتَهُ ربضاً، وَيعرف بحصن صنجيل، فَخرج الْملك أَبُو عَليّ بن عمار صَاحب طرابلس وأحرق الربض، فانهدم بعض السقوف الْمُحْتَرِقَة بصنجيل فَمَرض عشرَة أَيَّام وَمَات وَنقل إِلَى الْقُدس. قلت:
(نقلوا صنجيل من نَار إِلَى نَار تضرم ... قَبره إِن كَانَ فِي الْقُدس فَفِي وَادي جَهَنَّم)
وَالله أعلم.
ودام الْحَرْب بَين أهل طرابلس وَبَين الفرنج خمس سِنِين وصبر صَاحبهَا ابْن عمار عَظِيما وَقلت بهَا الأقوات وافتقرت الْأَغْنِيَاء.
ثمَّ دخلت سنة خَمْسمِائَة: فِيهَا توفّي يُوسُف بن تاشفين أَمِير الْمُسلمين ملك الْمغرب والأندلس، كَانَ حسن السِّيرَة، طلب من المستظهر التَّقْلِيد فَأرْسلهُ إِلَيْهِ وَهُوَ باني مراكش، وَملك بعده ابْنه عَليّ وتلقب بأمير الْمُسلمين أَيْضا.
" وفيهَا قتل فَخر الْملك " أَبُو المظفر عَليّ بن نظام الْملك يَوْم عَاشُورَاء، وَكَانَ أكبر أَوْلَاد نظام الْملك وزر لبركيا روق ثمَّ لِأَخِيهِ سنجر وَقتل صَائِما بنيسابور وَرَأى فِي الْمَنَام الْحُسَيْن بن عَليّ يَقُول: عجل إِلَيْنَا وَليكن إفطارك عندنَا، فَقَالَ لأَصْحَابه: قد اشْتغل فكري وَلَا محيد عَن قَضَاء الله، فَقَالُوا: الصَّوَاب أَن لَا تخرج الْيَوْم فَأَقَامَ يَوْمه يُصَلِّي وَيقْرَأ وَتصدق بِشَيْء كثير وَخرج الْعَصْر يُرِيد دَار النِّسَاء فَسمع صياح متظلم شَدِيد الحرقة فَأحْضرهُ وَقَالَ: وَمَا حالك؟ فَدفع إِلَيْهِ رقْعَة فَبينا فَخر الْملك يَتَأَمَّلهَا إِذْ ضربه بسكين فَقتله وَأمْسك الباطني وَحمل إِلَى السُّلْطَان سنجر فقرره فَأقر على جمَاعَة كذبا فَقتل هُوَ وَالْجَمَاعَة.
وفيهَا: ملك صَدَقَة بن مَنْصُور بن مزِيد قلعة تكريت سلمهَا إِلَيْهِ كيقباذ بن هزارسب الديلمي، وَكَانَت لبني معن بُرْهَة ثمَّ تنقلت حَتَّى صَارَت لأقسنقر صَاحب حلب، ثمَّ لكوهر آيين ثمَّ لمجد الْملك البلاساني فولى عَلَيْهَا كيقباذ حَتَّى سلمهَا لصدقة.
وفيهَا: أقطع السُّلْطَان مُحَمَّد جاولي سقاو والموصل والأعمال الَّتِي بيد جكرمش فَخرج جكرمش لقتاله فِي محفة مفلوجاً فَانْهَزَمَ عَسْكَر جكرمش وَأسر فِي محفته ثمَّ حصر جاولي الْموصل وَكَانَ قد أَقَامَ أَصْحَاب جكرمش زنكي بن جكرمش وَملك الْموصل وَله إِحْدَى عشرَة سنة وَطَاف جاولي بجكرمش حول الْموصل أَسِيرًا وَهُوَ يَأْمُرهُم بِتَسْلِيم الْبَلَد فَلم يقبلُوا مِنْهُ وَمَات جكرمش فِي تِلْكَ الْحَال وعمره نَحْو سِتِّينَ، وَهُوَ الَّذِي على سور
стр. 384
الْموصل وحصنها، وَكَاتب أهل الْموصل قليج أرسلان بن سُلَيْمَان بن قطلمش السلجوقي صَاحب بِلَاد الرّوم يستدعونه فقصد الْموصل فَلَمَّا وصل نَصِيبين رَحل جاولي عَن الْموصل خوفًا إِلَى الرحبة وتسلم قليج أرسلان الْموصل فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من رَجَب مِنْهَا، واستخلف ابْنه ملك شاه بهَا وعمره إِحْدَى عشرَة سنة، وَأقَام مَعَه مُدبرا، وَقصد جلولي وَكَانَ قد اجْتمع إِلَى جاولي رضوَان أَمِير حلب وَغَيره فَاقْتَتلُوا فِي عشرى ذِي الْقعدَة على الخابور وَقَاتل قليج أرسلان بِنَفسِهِ وَانْهَزَمَ عكسره فاضطر قليج أرسلان إِلَى الْهَرَب فَألْقى بِنَفسِهِ فِي الخابور فغرق وَظهر بعد أَيَّام فَدفن بالشمسانية من قرى الخابور، ثمَّ تسلم جاولي الْموصل بالأمان وَسَار ملك شاه بن قليج أرسلان إِلَى السُّلْطَان مُحَمَّد.
وفيهَا: حاصر السُّلْطَان مُحَمَّد قلعة الباطنية بِالْقربِ من أَصْبَهَان الَّتِي بناها ملك شاه بأشارة رَسُول الرّوم وَاسْمهَا شاه دز وَطَالَ الْحصار وَنزل بَعضهم بالأمان وَبَقِي صَاحبهَا أَحْمد بن عبد الْملك بن عطاش مَعَ جمَاعَة يسيرَة فزحف السُّلْطَان فَقتله وَقتل جمَاعَة من الباطنية وملكها وخربها.
وفيهَا: توفّي الْأَمِير سرخاب بن بدر بن مهلهل بن أبي الشول الْكرْدِي، وأمواله لَا تحصى، وَقَامَ ابْنه أَبُو مَنْصُور مقَامه، وَبقيت الْإِمَارَة فيهم مائَة وَثَلَاثِينَ سنة.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي رَجَب " قتل سيف الدولة صَدَقَة " بن مَنْصُور بن دبيس بن مزِيد الْأَسدي أَمِير الْعَرَب فِي مقاتلته للسُّلْطَان مُحَمَّد وَحمل رَأسه إِلَى مُحَمَّد، وَعمر صَدَقَة تسع وَخَمْسُونَ، وإمارته إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة، وَقتل من أَصْحَابه فَوق ثَلَاثَة آلَاف، وَكَانَ متشيعاً وَهُوَ الَّذِي بنى الْحلَّة بالعراق، قَالَ الْمُؤلف ﵀: تقدم ذكر الْحلَّة قبل وجود صَدَقَة فَكيف يكون هُوَ الَّذِي بناها وَكَانَ قد اتَّسع جاهه واستجار بِهِ الْكِبَار. اجْتهد فِي نصح السُّلْطَان مُحَمَّد حَتَّى جاهر بركيا روق بالعداوة، ثمَّ فسد مَا بَينه وَبَين مُحَمَّد لحماية صَدَقَة كل من خَافَ من مُحَمَّد وَمِنْهُم أَبُو دلف سرخاب بن كيخسرو صَاحب ساوة استجار بِصَدقَة، وَطَلَبه مُحَمَّد فَلم يُسلمهُ إِلَيْهِ، فقاتله مُحَمَّد، فَقتل صَدَقَة وَأسر إبنه دبيس وسرخاب.
قلت: ولصدقة صنف الشريف أَبُو يعلى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الهبارية العباسي كتاب الصادح والباغم على صفة كليلة ودمنة ألفي بَيت وأرسله إِلَيْهِ مَعَ ابْنه فَأعْطَاهُ لكل بَيت دِينَارا، وَمِنْه:
(وَضعته مخترعا مَعْنَاهُ ... لملك مَا خَابَ من رجاه)
(بَحر الندا رب الأيادي والمنن ... شمس العلى صدر الْهدى أبي الْحسن)
(الْأَسدي المزيدي صَدَقَة ... وَمن إِذا كذب مدح صدقه)
(وَلم تزل حلتهم معَاذًا ... لكل من يهرب من بغدادا)
وَهِي حَسَنَة فِي بَابهَا وتشتمل على أَمْثَال وَحكم وَالله أعلم.
стр. 385
وفيهَا: توفّي تَمِيم بن الْمعز باديس صَاحب إفريقية، وَكَانَ ذكياً حَلِيمًا ينظم الشّعْر، وعاش تسعا وَسبعين سنة، وولايته سِتّ وَأَرْبَعُونَ سنة وَكسر، خلف مائَة ابْن وَسِتِّينَ بِنْتا.
وَملك بعده ابْنه يحيى وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَأَرْبَعين سنة وَسِتَّة أشهر، وفيهَا توجه فَخر الْملك أَبُو عَليّ بن عماد من طرابلس إِلَى بَغْدَاد مستنفراً لما حل بطرابلس وبالشام من الفرنج، وَاجْتمعَ بالخليفة المستظهر وبالسلطان مَحْمُود فَلم يحصل مِنْهُمَا غَرَض فَعَاد وَأقَام بِدِمَشْق عِنْد طغتكين وأقطعه الزبداني وَدخل أهل طرابلس تَحت طَاعَة خَليفَة مصر وَخَرجُوا عَن ابْن عمار.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَخَمْسمِائة: فِيهَا أرسل السُّلْطَان مَحْمُود عسكراً مَعَ مودود بن الطغتكين، فحصروا الْموصل وتسلمها مودود فِي صفر، وهرب مِنْهَا جاولي إِلَى الرحبة قبل وصولهم، ثمَّ لحق بالسلطان مُحَمَّد قرب أصفهان وَمَعَهُ كنفه فَأَمنهُ.
وفيهَا: تولى مُجَاهِد الدّين بهروز شحنكية بَغْدَاد وَعمر دَار ملكهَا بِأَمْر السُّلْطَان مُحَمَّد وَأحسن إِلَى النَّاس.
وفيهَا: فِي فصح النَّصَارَى نزل بَنو منقذ من شيراز للتفرج على عيد النَّصَارَى فثار جمَاعَة باطنية وملكوا قلعة شيرز، وبادر أهل الْمَدِينَة الباشورة فأصعدتهم النِّسَاء من الطاقات وأدركتهم بَنو منقذ وقاتلوهم فَلم يسلم من الباطنية أحد.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي فَجْأَة الْخَطِيب أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عَليّ التبريزي إِمَام فِي اللُّغَة قَرَأَ على الشَّيْخ أبي الْعلَا المعري؛ سَافر إِلَيْهِ من تبريز، وَسمع الحَدِيث من الْفَقِيه سليم الرَّازِيّ بصور، وَمن غَيره.
وروى عَنهُ أَبُو مَنْصُور موهوب بن أَحْمد الجواليقي، وَتخرج عَلَيْهِ خلق وَشرح الحماسة وديوان المتنبي وديوان سقط الزندلابي الْعلَا، وَله إِعْرَاب الْقُرْآن فِي أَربع مجلدات، ومقدمة عزيزة الْوُجُود فِي النَّحْو، وتآليفه حَسَنَة مفيدة، وَقَرَأَ على ابْن بابشاذ بِمصْر، وَعَاد إِلَى بَغْدَاد وتوطنها حَتَّى مَاتَ، ومولده سنة إِحْدَى وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة.
قلت: وَمِمَّنْ قَرَأَ على التبريزي الْأَدَب الشَّيْخ مُحي الدّين عبد الْقَادِر الجيلي أعَاد الله علينا من بركته، فَأَبُو الْعلَا المعري شيخ عبد الْقَادِر فِي الْأَدَب وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو الفوارس الْحسن بن عَليّ الخازن الْمَشْهُور بجودة الْخط، وَله شعر حسن.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي حادي عشر ذِي الْحجَّة " ملك الفرنج طرابلس " حصروها برا وبحراً من أول رَمَضَان فَأرْسل خَليفَة مصر إِلَيْهَا أسطولاً فَرده الْهَوَاء ليقضي الله أمرا كَانَ مَفْعُولا، فملكوها وَقتلُوا وَسبوا، وَكَانَ بعض أَهلهَا قد طلبُوا الْأمان وقصدوا دمشق قبل فتحهَا.
стр. 386
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي ربيع الآخر ملك الفرنج صيدا بالأمان، وفيهَا سَار فرنج أنطاكية وملكوا حصن الأثارب بِالْقربِ من حلب بِالسَّيْفِ وَقتلُوا مِنْهُ الفي رجل وأسروا البَاقِينَ. ثمَّ ملكوا زردنا فَفَعَلُوا كَذَلِك وقصدوا منبج وبالس فوجدوهما خاليتين، فعادوا وَصَالح رضوَان بحلب الفرنج على اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار يحملهَا إِلَيْهِم مَعَ خيل وَثيَاب، وبذلت أَصْحَاب الْبِلَاد للفرنج الْأَمْوَال وخافوهم وصالحهم أهل صور على سَبْعَة آلَاف دِينَار وَابْن منقذ صَاحب شيزر على أَرْبَعَة آلَاف دِينَار، وعَلى الْكرْدِي صَاحب حماه ألفي دِينَار.
وفيهَا: توفّي الكيا الهراسي الطَّبَرِيّ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ مولده سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة من طبرستان، وتفقه بنيسابور على إِمَام الْحَرَمَيْنِ. ثمَّ ولي تدريس نظامية بَغْدَاد، وَكَانَ حسن الصُّورَة جَهورِي الصَّوْت، والكيا بِالْفَارِسِيَّةِ الْكَبِير الْمُقدم.
وفيهَا: وَقيل سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة قصد بردويل الفرنجي مصر وأحرق الفرما وجامعها ومساجدها، وَمِنْهَا عَاد إِلَى الشَّام مَرِيضا فَهَلَك قبل وُصُوله الْعَريش، فشق أَصْحَابه بَطْنه ورموا حشوته هُنَاكَ، وَهِي ترْجم إِلَى الْيَوْم، ودفنوا جثته بقمامة، والسبخة بالرمل منسوبة إِلَيْهِ، وَكَانَ هُوَ صَاحب بَيت الْمُقَدّس وعكا وعدة بِلَاد من السَّاحِل.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَخَمْسمِائة: فِيهَا جهز السُّلْطَان مُحَمَّد عسكراً فِيهِ صَاحب الْموصل مودود وَغَيره لقِتَال الفرنج بِالشَّام ونزلوا على الرها فَلم يملكوها ووصلوا حلب فخافهم رضوَان وغلق الْأَبْوَاب دونهم فَسَارُوا إِلَى المعرة ثمَّ افْتَرَقُوا وَلم يحصل بهم غَرَض.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي زين الدّين حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْغَزالِيّ الطوسي اشْتغل بطوس ثمَّ على إِمَام الْحَرَمَيْنِ بنيسابور وأكرمه نظام الْملك وفوض إِلَيْهِ تدريس النظامية بِبَغْدَاد سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة، وَفِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة ترك الْكل وتزهد وَحج وَأقَام بِدِمَشْق ثمَّ بالقدس، واجتهد فِي الْعِبَادَة ثمَّ قصد مصر وَأقَام بالإسكندرية ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه بطوس، وَكتبه مَشْهُورَة مفيدة مِنْهَا الْبَسِيط والوسيط وَالْوَجِيز وَالْخُلَاصَة والمنخول والمنخل فِي علم الجدل وَغَيره، ومولده سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة وطوس مدينتان من خُرَاسَان إِحْدَاهمَا طابران وَالْأُخْرَى نوقان، وَالْغَزالِيّ نِسْبَة إِلَى الغزال والعجم كَذَلِك ينسبون إِلَى الْقصار قصاري وَإِلَى الْعَطَّار عطاري وَتَخْفِيف الزَّاي وتشديدها من الْغَزالِيّ مَشْهُور.
قلت: وَمَا أحسن قَول الْقَائِل:
(بدر تمّ أضحى بسيط غرامي ... فِيهِ يروي عَن طرفه الْغَزالِيّ)
وَالله أعلم:
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخَمْسمِائة: فِيهَا توفّي بسيل الأرمني صَاحب بِلَاد الأرمن فقصدها صَاحب أنطاكية الفرنجي ليملكها فَمَاتَ فِي الطَّرِيق وملكها سرخال.
стр. 387
وفيهَا: توفّي قراجة صَاحب حمص وَقَامَ بعده ابْنه قرجان.
وفيهَا: توفّي سقمان أَو سكمان القطبي صَاحب خلاط وَقَامَ بعده ابْنه ظهير الدّين إِبْرَاهِيم إِلَى أَن توفّي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَخَمْسمِائة فتولاها أَخُوهُ أَحْمد بن سقمان عشرَة أشهر وَتُوفِّي فحكمت والدتهما اينابح خاتون بنت أركماز على وزن أقحوان، واستبدت بِالْأَمر وَمَعَهَا ولد وَلَدهَا سقمان بن إِبْرَاهِيم بن سقمان وعمره سِتّ سِنِين فقصدت إعدامه لتنفرد بالمملكة فخنقها كبراء الدولة، لسوء نِيَّتهَا فِيهِ سنة ثَمَان وَعشْرين وَخَمْسمِائة، واستقل ابْنهَا شاهر بن سقمان فِي الْملك حَتَّى توفّي سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَخَمْسمِائة: فِيهَا اجْتمع الْمُسلمُونَ، وَفِيهِمْ مودود صَاحب الْموصل وتميرك صَاحب سنجار وإياز بن إيلغازي وطغتكين صَاحب دمشق وَاجْتمعت الفرنج وَفِيهِمْ بغدوين صَاحب الْقُدس وجوسلين صَاحب الْجَيْش واقتلوا قرب طبرية ثَالِث عشر الْمحرم فَهزمَ الله الفرنج وَقتل مِنْهُم كثير وَدخل الْمُسلمُونَ دمشق منصورين فِي ربيع الأول وَصلى مودود وظغتكين الْجُمُعَة وخرجا يتمشيان فِي صحن الْجَامِع فَوَثَبَ باطني على مودود بن التونتكين وضربه بسكين، وَقتل الباطني وَأخذ رَأسه وَحمل مودود إِلَى دَار طغتكين وَكَانَ صَائِما واجتهدوا بِهِ أَن يفْطر فَأبى وَمَات من يَوْمه ﵀ وَكَانَ خيرا عادلاً وَدفن بتربة دقاق ثمَّ نقل إِلَى بَغْدَاد فَدفن بجوار أبي حنيفَة ثمَّ نقل إِلَى أَصْبَهَان.
قلت:
(غزا وَصلى صَائِما عاكفاً ... وكمل الظَّاهِر بالباطني)
(ثَلَاث حفرات تملت بِهِ ... يَا شرف الْمسكن بالساكن)
وَالله أعلم.
وفيهَا توفّي الْملك رضوَان بن تتش بن ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق صَاحب حلب، وملكها بعده ابْنه ألب أرسلان الْأَخْرَس، وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة قتل رضوَان قبل مَوته أَخَوَيْهِ وَكَانَ يَسْتَعِين بالباطنية فِي كثير من أُمُوره لقلَّة دينه، وَاسْتولى على أُمُور الْأَخْرَس لُؤْلُؤ الْخَادِم وَسمي أخرس لتمتمة وحبسة فِي كَلَامه وَأمه ابْنة ياغي سِنَان صَاحب أنطاكية، وبمجرد ولَايَته قتلت الباطنية بحلب ونهبوا.
وفيهَا: توفّي إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن الْحُسَيْن الْبَيْهَقِيّ الإِمَام ابْن الإِمَام ببيهق ومولده سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد الأبيوردي الأديب الْأمَوِي بأصبهان وَللَّه قَوْله:
(تنكر لي دهري وَلم يدر أنني ... أعز وأهوال الزَّمَان تهون)
(وظل يريني الْخطب كَيفَ اعتداؤه ... وَبت أريه الصَّبْر كَيفَ يكون)
стр. 388
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن عمر وكنيته أَبُو بكر الشَّاشِي الْفَقِيه الشَّافِعِي.
تفقه بِبَغْدَاد على أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وعَلى أبي نصر الصّباغ وصنف للمستظهر بِاللَّه كتاب المستظهري ومولده سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة: فِيهَا ولي السُّلْطَان مُحَمَّد أقسنقر البرسقي الْموصل لقتل مودود ﵀ وَأمر الْأُمَرَاء بِالْمَسِيرِ صُحْبَة البرسقي لقِتَال الفرنج، وَجرى بَين البرسقي وإيلغازي وأرتق صَاحب ماردين قتال انتصر فِيهِ إيلغازي، ثمَّ خَافَ إيلغازي من السُّلْطَان، فاتفق بِدِمَشْق مَعَ طغتكين، وكاتبا الفرنج، واعتضدا بهم، ثمَّ عَاد إيلغازي إِلَى جِهَة بِلَاده فَلَمَّا خرج من حمص فِي جمَاعَة قَليلَة خرج قرجان بن قراجة صَاحب حمص وأسرة مُدَّة ثمَّ تحَالفا وَأطْلقهُ.
وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي الْملك عَلَاء الدولة أَبُو سعد مَسْعُود بن إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود ابْن مَحْمُود بن سبكتكين صَاحب غزته وَملك فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَملك بعده ابْنه ارسلان شاه وَأمْسك إخْوَته إِلَّا بهْرَام شاه فَإِنَّهُ هرب واستجار بالسلطان سنجر ابْن ملك شاه صَاحب خُرَاسَان فشفع فِيهِ فَلم يقبل مِنْهُ فَسَار سنجر إِلَى غزنة واقتتلوا قتالاً عَظِيما فَانْهَزَمَ أرسلان شاه وَعَسْكَره وَاسْتولى سنر على غزته وَأخذ أَمْوَالًا وَقرر السلطنة لبهرام شاه وَأَن يخْطب للسُّلْطَان مُحَمَّد ثمَّ للْملك سنجر ثمَّ للسُّلْطَان بهْرَام شاه الْمَذْكُور ثمَّ عَاد سنجر إِلَى بِلَاده وَكَانَ أرسلان شَاة قد هرب إِلَى هندستان فَجمع جمعا وَعَاد إِلَى غزنة فاستنجد بهْرَام شاه لسنجر ثَانِيًا فَأرْسل لَهُ عسكرا فهرب أرسلان شاه بِلَا قتال وتبعوه فأمسكوه فخنقه بهْرَام شاه وَدَفنه بتربة أَبِيه بغزنة فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة، وعمره سبع وَعِشْرُونَ سنة. وفيهَا قتل تَاج الدولة ألب أرسلان الْأَخْرَس صَاحب حلب ابْن رضوَان بن تتش السلجوقي، قَتله غلمانه بقلعة حلب وَأَقَامُوا أَخَاهُ سُلْطَان شاه بتدبير لُؤْلُؤ الْخَادِم.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَخَمْسمِائة: فِيهَا أرسل السُّلْطَان مُحَمَّد عسكراً ضخماً لقِتَال طغتكين صَاحب دمشق وإيلغازي صَاحب ماردين فعبروا من الرقة وقصدوا حلب فعصت عَلَيْهِم ثمَّ فتحُوا حماه عنْوَة ونهبوها ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ سلموها إِلَى قرجان بن قراجة صَاحب حمص وَأقَام الْعَسْكَر بحماه وَاجْتمعَ بأفامية إيلغازي وظغتكين وملوك الفرنج صَاحب أنطاكية وَصَاحب طرابلس وَغَيرهم وَأَقَامُوا بأفامية ينتظرون تفرق الْمُسلمين فَأَقَامَ عَسْكَر الْمُسلمين إِلَى الشتَاء فَتفرق الفرنج وَسَار ظغتكين إِلَى دمشق وإيلغازي إِلَى ماردين ثمَّ فتح الْمُسلمُونَ كفر طَابَ وَقتلُوا من بهَا من الفرنج وَسَارُوا إِلَى المعرة وَهِي للفرنج، ثمَّ سَارُوا إِلَى حلب فكبسهم صَاحب أنطاكية فِي الطَّرِيق فَانْهَزَمُوا وَقتلت الفرنج فِي الْمُسلمين ونهبوهم وهرب من سلم مِنْهُم إِلَى بِلَاده.
стр. 389
وفيهَا: استولى الفرنج على رفنيه وَكَانَت لطغتكين ثمَّ سَار طغتكين من دمشق واسترجعها وَقتل من بهَا من الفرنج.
وفيهَا: توفّي يحيى بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس صَاحب إفريقية يَوْم عيد الْأَضْحَى فَجْأَة وَتَوَلَّى ابْنه عَليّ. وَعمر يحيى اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ سنة وولايته ثَمَان سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَخلف ثَلَاثِينَ ولدا.
وفيهَا: دخل السُّلْطَان مُحَمَّد بَغْدَاد فجاءة طفتكين من دمشق يترضاه فَرضِي عَنهُ ورده إِلَى دمشق.
وفيهَا: أَخذ السُّلْطَان مُحَمَّد الْموصل وَمَا مَعهَا من أقسنقر البرسقي وأقطعها للأمير جيوش بك وبقى البرسقي فِي الرحبة وَهِي اقطاعه.
ثمَّ دخلت سنة عشر وَخَمْسمِائة: فِيهَا مَاتَ جلولي بن سقاوو بِفَارِس ولاه إِيَّاهَا مُحَمَّد بعد أَخذ الْموصل.
وفيهَا: وَقيل سنة سِتّ عشرَة وَخَمْسمِائة توفّي بمروروذ أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود بن مُحَمَّد الْفراء الْبَغَوِيّ الْفَقِيه الْمُحدث الْمُفَسّر بَحر الْعُلُوم لَهُ التَّهْذِيب فِي الْفِقْه والمصابيح فِي الحَدِيث وَالْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ.
قلت: وَله شرح السّنة فِي الحَدِيث، ومعالم التَّنْزِيل فِي التَّفْسِير وَكَانَ لَا يلقى الدَّرْس إِلَّا على طَهَارَة وَالله أعلم.
وَالْفراء: نِسْبَة إِلَى عمل الْفراء، وَالْبَغوِيّ: نِسْبَة إِلَى بَلْدَة بغشور من خُرَاسَان. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة " توفّي السُّلْطَان مُحَمَّد " السلجوقي؛ ابْتِدَاء مَرضه من شعْبَان ومولده ثامن عشر شعْبَان سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة فعمره سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام، قطعت خطبَته مَرَّات وَلَقي مشاق وَعدل، وَأطلق المكوس فِي بِلَاده، وعهد بِالْملكِ إِلَى وَلَده مَحْمُود وعمره إِذْ ذَاك يزِيد على أَربع عشرَة سنة، وَلما عهد إِلَيْهِ اعتنقه وَقَبله وَبكى كل مِنْهُمَا وَجلسَ مَحْمُود على تخت السلطنة يَوْم مَاتَ أَبوهُ بالتاج والسوارين، وخطب لَهُ يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة.
وفيهَا قتل لُؤْلُؤ الْخَادِم مستولياً على حلب وعَلى أُمُور الْأَخْرَس بن رضوَان ثمَّ على أُمُور سُلْطَان شاه بن رضوَان سَار لُؤْلُؤ من حلب ليجتمع بسالم بن مَالك الْعقيلِيّ صَاحب قلعة جعبر وَنزل سبول فَوَثَبَ أَصْحَابه الأتراك وصاحوا أرنب أرنب وقتلوه بالنشاب ونهبوا خزانته وعادوا إِلَى حلب فاستعاد أهل حلب مِنْهُم المَال وَأقَام بأتابكية سُلْطَان شاه شمس الْخَواص يارقطاش شهر ثمَّ اجْتمعت كبراء الدولة وعزلوه وولوا أَبَا الْمَعَالِي بن الملحي الدِّمَشْقِي ثمَّ عزلوه وصادروه ثمَّ خَافُوا من الفرنج فَسَلمُوا الْبَلَد إِلَى
стр. 390
إيلغازي صَاحب ماردين فَدَخلَهَا وَسلمهَا إِلَى ابْنه تمرتاش وَعَاد إيلغازي إِلَى ماردين.
وفيهَا: جَاءَ سيل غرق سنجار وخلقاً من أَهلهَا، وَهدم الْمنَازل، وَمن العجيب أَن مهداً فِيهِ طِفْل علقه السَّيْل فِيهَا بشجرة زيتون، وَنقص المَاء عَنهُ فَسلم الطِّفْل.
وفيهَا: هجم الفرنج ربض حماه وَقتلُوا فَوق الْمِائَة وعادوا.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا عزل السُّلْطَان مَحْمُود بهروز عَن شحنكية بَغْدَاد وولاها أقسنقر البرسقي، وَسَار بهروز إِلَى تكريت وَهِي أقطاعه.
وفيهَا: سَار دبيس بن صَدَقَة إِلَى الْحلَّة بِإِذن السُّلْطَان مَحْمُود وَكَانَ اعتقله من حِين قتل أَبَاهُ فاجتمعت عَلَيْهِ الْعَرَب والأكراد.
وفيهَا: فِي سادس عشر ربيع الآخر توفّي المستظهر بِاللَّه أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله عبد الله بن الذَّخِيرَة مُحَمَّد بن الْقَائِم وعمره إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة وَسِتَّة أشهر وَأَيَّام، وخلافته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَأحد عشر يَوْمًا، وَمن نَادِر الِاتِّفَاق أَنه لما توفّي السُّلْطَان ألب أرسلان توفّي بعده الْقَائِم، وَلما توفّي ملك شاه توفّي بعده الْمُقْتَدِي وَلما توفّي مُحَمَّد توفّي بعده المستظهر.
قلت:
(تبع الْخَلَائق فِي الْوَفَاة مُلُوكهمْ ... فكأنهم كَانُوا على ميعاد)
وَالله أعلم.
" وبويع بعده ابْنه المسترشد بِاللَّه " وَهُوَ تَاسِع عشرهم أَبُو مَنْصُور فضل، أَخذ الْبيعَة لَهُ القَاضِي أَبُو الْحسن الدَّامغَانِي.
وفيهَا: توفّي أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْوَهَّاب بن مَنْدَه الْأَصْفَهَانِي الْمُحدث ذُو التصانيف الْحَسَنَة، وَأَبُو الْفضل أَحْمد بن مُحَمَّد الخازن أديب لَهُ شعر حسن.
وفيهَا: قتل أرسلان شاه بن مَسْعُود السبكتكيني، قَتله أَخُوهُ بهْرَام شاه بن مَسْعُود، وَملك غزته كَمَا مر.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثَة عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا قَاتل السُّلْطَان سنجر ابْن أَخِيه السُّلْطَان مَحْمُودًا بِالريِّ قرب ساوه فَانْهَزَمَ مَحْمُود وَنزل سنجر فِي خيامه ثمَّ اصطلحا على أَن يخْطب لسنجر وَبعده لمحمود وأضاف سنجر الرّيّ إِلَى مَا بِيَدِهِ وَقدم مَحْمُود إِلَى عَمه سنجر بِالريِّ فَأكْرمه.
وفيهَا: قَاتل إيلغازي بن أرتق الفرنج بِأَرْض حلب عِنْد عفرين فِي نصف ربيع الأول فَهَزَمَهُمْ وَقتل مِنْهُم كثيرا، وَمِمَّنْ قتل سرخال صَاحب أنطاكية وَفتح عقيب الْوَقْعَة الأثارب وزردنا فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِيهِ:
(قل مَا تشَاء فقولك المقبول ... وَعَلَيْك بعد الْخَالِق التعويل)
следующие страницы →