← История

История · id 6624

تاريخ ابن الوردي

ابن الوردي الجد، زين الدين

Полный текст (708 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ثمَّ دخلت سنة أَربع وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي ربيع الآخر ملك الفرنج صيدا بالأمان، وفيهَا سَار فرنج أنطاكية وملكوا حصن الأثارب بِالْقربِ من حلب بِالسَّيْفِ وَقتلُوا مِنْهُ الفي رجل وأسروا البَاقِينَ. ثمَّ ملكوا زردنا فَفَعَلُوا كَذَلِك وقصدوا منبج وبالس فوجدوهما خاليتين، فعادوا وَصَالح رضوَان بحلب الفرنج على اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار يحملهَا إِلَيْهِم مَعَ خيل وَثيَاب، وبذلت أَصْحَاب الْبِلَاد للفرنج الْأَمْوَال وخافوهم وصالحهم أهل صور على سَبْعَة آلَاف دِينَار وَابْن منقذ صَاحب شيزر على أَرْبَعَة آلَاف دِينَار، وعَلى الْكرْدِي صَاحب حماه ألفي دِينَار. وفيهَا: توفّي الكيا الهراسي الطَّبَرِيّ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ مولده سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة من طبرستان، وتفقه بنيسابور على إِمَام الْحَرَمَيْنِ. ثمَّ ولي تدريس نظامية بَغْدَاد، وَكَانَ حسن الصُّورَة جَهورِي الصَّوْت، والكيا بِالْفَارِسِيَّةِ الْكَبِير الْمُقدم. وفيهَا: وَقيل سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة قصد بردويل الفرنجي مصر وأحرق الفرما وجامعها ومساجدها، وَمِنْهَا عَاد إِلَى الشَّام مَرِيضا فَهَلَك قبل وُصُوله الْعَريش، فشق أَصْحَابه بَطْنه ورموا حشوته هُنَاكَ، وَهِي ترْجم إِلَى الْيَوْم، ودفنوا جثته بقمامة، والسبخة بالرمل منسوبة إِلَيْهِ، وَكَانَ هُوَ صَاحب بَيت الْمُقَدّس وعكا وعدة بِلَاد من السَّاحِل. ثمَّ دخلت سنة خمس وَخَمْسمِائة: فِيهَا جهز السُّلْطَان مُحَمَّد عسكراً فِيهِ صَاحب الْموصل مودود وَغَيره لقِتَال الفرنج بِالشَّام ونزلوا على الرها فَلم يملكوها ووصلوا حلب فخافهم رضوَان وغلق الْأَبْوَاب دونهم فَسَارُوا إِلَى المعرة ثمَّ افْتَرَقُوا وَلم يحصل بهم غَرَض. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي زين الدّين حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْغَزالِيّ الطوسي اشْتغل بطوس ثمَّ على إِمَام الْحَرَمَيْنِ بنيسابور وأكرمه نظام الْملك وفوض إِلَيْهِ تدريس النظامية بِبَغْدَاد سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة، وَفِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة ترك الْكل وتزهد وَحج وَأقَام بِدِمَشْق ثمَّ بالقدس، واجتهد فِي الْعِبَادَة ثمَّ قصد مصر وَأقَام بالإسكندرية ثمَّ عَاد إِلَى وَطنه بطوس، وَكتبه مَشْهُورَة مفيدة مِنْهَا الْبَسِيط والوسيط وَالْوَجِيز وَالْخُلَاصَة والمنخول والمنخل فِي علم الجدل وَغَيره، ومولده سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة وطوس مدينتان من خُرَاسَان إِحْدَاهمَا طابران وَالْأُخْرَى نوقان، وَالْغَزالِيّ نِسْبَة إِلَى الغزال والعجم كَذَلِك ينسبون إِلَى الْقصار قصاري وَإِلَى الْعَطَّار عطاري وَتَخْفِيف الزَّاي وتشديدها من الْغَزالِيّ مَشْهُور. قلت: وَمَا أحسن قَول الْقَائِل: (بدر تمّ أضحى بسيط غرامي ... فِيهِ يروي عَن طرفه الْغَزالِيّ) وَالله أعلم: ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخَمْسمِائة: فِيهَا توفّي بسيل الأرمني صَاحب بِلَاد الأرمن فقصدها صَاحب أنطاكية الفرنجي ليملكها فَمَاتَ فِي الطَّرِيق وملكها سرخال.

стр. 387

وفيهَا: توفّي قراجة صَاحب حمص وَقَامَ بعده ابْنه قرجان. وفيهَا: توفّي سقمان أَو سكمان القطبي صَاحب خلاط وَقَامَ بعده ابْنه ظهير الدّين إِبْرَاهِيم إِلَى أَن توفّي سنة إِحْدَى وَعشْرين وَخَمْسمِائة فتولاها أَخُوهُ أَحْمد بن سقمان عشرَة أشهر وَتُوفِّي فحكمت والدتهما اينابح خاتون بنت أركماز على وزن أقحوان، واستبدت بِالْأَمر وَمَعَهَا ولد وَلَدهَا سقمان بن إِبْرَاهِيم بن سقمان وعمره سِتّ سِنِين فقصدت إعدامه لتنفرد بالمملكة فخنقها كبراء الدولة، لسوء نِيَّتهَا فِيهِ سنة ثَمَان وَعشْرين وَخَمْسمِائة، واستقل ابْنهَا شاهر بن سقمان فِي الْملك حَتَّى توفّي سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة. ثمَّ دخلت سنة سبع وَخَمْسمِائة: فِيهَا اجْتمع الْمُسلمُونَ، وَفِيهِمْ مودود صَاحب الْموصل وتميرك صَاحب سنجار وإياز بن إيلغازي وطغتكين صَاحب دمشق وَاجْتمعت الفرنج وَفِيهِمْ بغدوين صَاحب الْقُدس وجوسلين صَاحب الْجَيْش واقتلوا قرب طبرية ثَالِث عشر الْمحرم فَهزمَ الله الفرنج وَقتل مِنْهُم كثير وَدخل الْمُسلمُونَ دمشق منصورين فِي ربيع الأول وَصلى مودود وظغتكين الْجُمُعَة وخرجا يتمشيان فِي صحن الْجَامِع فَوَثَبَ باطني على مودود بن التونتكين وضربه بسكين، وَقتل الباطني وَأخذ رَأسه وَحمل مودود إِلَى دَار طغتكين وَكَانَ صَائِما واجتهدوا بِهِ أَن يفْطر فَأبى وَمَات من يَوْمه ﵀ وَكَانَ خيرا عادلاً وَدفن بتربة دقاق ثمَّ نقل إِلَى بَغْدَاد فَدفن بجوار أبي حنيفَة ثمَّ نقل إِلَى أَصْبَهَان. قلت: (غزا وَصلى صَائِما عاكفاً ... وكمل الظَّاهِر بالباطني) (ثَلَاث حفرات تملت بِهِ ... يَا شرف الْمسكن بالساكن) وَالله أعلم. وفيهَا توفّي الْملك رضوَان بن تتش بن ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق صَاحب حلب، وملكها بعده ابْنه ألب أرسلان الْأَخْرَس، وَهُوَ ابْن سِتّ عشرَة سنة قتل رضوَان قبل مَوته أَخَوَيْهِ وَكَانَ يَسْتَعِين بالباطنية فِي كثير من أُمُوره لقلَّة دينه، وَاسْتولى على أُمُور الْأَخْرَس لُؤْلُؤ الْخَادِم وَسمي أخرس لتمتمة وحبسة فِي كَلَامه وَأمه ابْنة ياغي سِنَان صَاحب أنطاكية، وبمجرد ولَايَته قتلت الباطنية بحلب ونهبوا. وفيهَا: توفّي إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن الْحُسَيْن الْبَيْهَقِيّ الإِمَام ابْن الإِمَام ببيهق ومولده سنة ثَمَان وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة. وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد الأبيوردي الأديب الْأمَوِي بأصبهان وَللَّه قَوْله: (تنكر لي دهري وَلم يدر أنني ... أعز وأهوال الزَّمَان تهون) (وظل يريني الْخطب كَيفَ اعتداؤه ... وَبت أريه الصَّبْر كَيفَ يكون)

стр. 388

وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن عمر وكنيته أَبُو بكر الشَّاشِي الْفَقِيه الشَّافِعِي. تفقه بِبَغْدَاد على أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وعَلى أبي نصر الصّباغ وصنف للمستظهر بِاللَّه كتاب المستظهري ومولده سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة. ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة: فِيهَا ولي السُّلْطَان مُحَمَّد أقسنقر البرسقي الْموصل لقتل مودود ﵀ وَأمر الْأُمَرَاء بِالْمَسِيرِ صُحْبَة البرسقي لقِتَال الفرنج، وَجرى بَين البرسقي وإيلغازي وأرتق صَاحب ماردين قتال انتصر فِيهِ إيلغازي، ثمَّ خَافَ إيلغازي من السُّلْطَان، فاتفق بِدِمَشْق مَعَ طغتكين، وكاتبا الفرنج، واعتضدا بهم، ثمَّ عَاد إيلغازي إِلَى جِهَة بِلَاده فَلَمَّا خرج من حمص فِي جمَاعَة قَليلَة خرج قرجان بن قراجة صَاحب حمص وأسرة مُدَّة ثمَّ تحَالفا وَأطْلقهُ. وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي الْملك عَلَاء الدولة أَبُو سعد مَسْعُود بن إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود ابْن مَحْمُود بن سبكتكين صَاحب غزته وَملك فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَملك بعده ابْنه ارسلان شاه وَأمْسك إخْوَته إِلَّا بهْرَام شاه فَإِنَّهُ هرب واستجار بالسلطان سنجر ابْن ملك شاه صَاحب خُرَاسَان فشفع فِيهِ فَلم يقبل مِنْهُ فَسَار سنجر إِلَى غزنة واقتتلوا قتالاً عَظِيما فَانْهَزَمَ أرسلان شاه وَعَسْكَره وَاسْتولى سنر على غزته وَأخذ أَمْوَالًا وَقرر السلطنة لبهرام شاه وَأَن يخْطب للسُّلْطَان مُحَمَّد ثمَّ للْملك سنجر ثمَّ للسُّلْطَان بهْرَام شاه الْمَذْكُور ثمَّ عَاد سنجر إِلَى بِلَاده وَكَانَ أرسلان شَاة قد هرب إِلَى هندستان فَجمع جمعا وَعَاد إِلَى غزنة فاستنجد بهْرَام شاه لسنجر ثَانِيًا فَأرْسل لَهُ عسكرا فهرب أرسلان شاه بِلَا قتال وتبعوه فأمسكوه فخنقه بهْرَام شاه وَدَفنه بتربة أَبِيه بغزنة فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة، وعمره سبع وَعِشْرُونَ سنة. وفيهَا قتل تَاج الدولة ألب أرسلان الْأَخْرَس صَاحب حلب ابْن رضوَان بن تتش السلجوقي، قَتله غلمانه بقلعة حلب وَأَقَامُوا أَخَاهُ سُلْطَان شاه بتدبير لُؤْلُؤ الْخَادِم. ثمَّ دخلت سنة تسع وَخَمْسمِائة: فِيهَا أرسل السُّلْطَان مُحَمَّد عسكراً ضخماً لقِتَال طغتكين صَاحب دمشق وإيلغازي صَاحب ماردين فعبروا من الرقة وقصدوا حلب فعصت عَلَيْهِم ثمَّ فتحُوا حماه عنْوَة ونهبوها ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ سلموها إِلَى قرجان بن قراجة صَاحب حمص وَأقَام الْعَسْكَر بحماه وَاجْتمعَ بأفامية إيلغازي وظغتكين وملوك الفرنج صَاحب أنطاكية وَصَاحب طرابلس وَغَيرهم وَأَقَامُوا بأفامية ينتظرون تفرق الْمُسلمين فَأَقَامَ عَسْكَر الْمُسلمين إِلَى الشتَاء فَتفرق الفرنج وَسَار ظغتكين إِلَى دمشق وإيلغازي إِلَى ماردين ثمَّ فتح الْمُسلمُونَ كفر طَابَ وَقتلُوا من بهَا من الفرنج وَسَارُوا إِلَى المعرة وَهِي للفرنج، ثمَّ سَارُوا إِلَى حلب فكبسهم صَاحب أنطاكية فِي الطَّرِيق فَانْهَزَمُوا وَقتلت الفرنج فِي الْمُسلمين ونهبوهم وهرب من سلم مِنْهُم إِلَى بِلَاده.

стр. 389

وفيهَا: استولى الفرنج على رفنيه وَكَانَت لطغتكين ثمَّ سَار طغتكين من دمشق واسترجعها وَقتل من بهَا من الفرنج. وفيهَا: توفّي يحيى بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس صَاحب إفريقية يَوْم عيد الْأَضْحَى فَجْأَة وَتَوَلَّى ابْنه عَليّ. وَعمر يحيى اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ سنة وولايته ثَمَان سِنِين وَخَمْسَة أشهر وَخلف ثَلَاثِينَ ولدا. وفيهَا: دخل السُّلْطَان مُحَمَّد بَغْدَاد فجاءة طفتكين من دمشق يترضاه فَرضِي عَنهُ ورده إِلَى دمشق. وفيهَا: أَخذ السُّلْطَان مُحَمَّد الْموصل وَمَا مَعهَا من أقسنقر البرسقي وأقطعها للأمير جيوش بك وبقى البرسقي فِي الرحبة وَهِي اقطاعه. ثمَّ دخلت سنة عشر وَخَمْسمِائة: فِيهَا مَاتَ جلولي بن سقاوو بِفَارِس ولاه إِيَّاهَا مُحَمَّد بعد أَخذ الْموصل. وفيهَا: وَقيل سنة سِتّ عشرَة وَخَمْسمِائة توفّي بمروروذ أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود بن مُحَمَّد الْفراء الْبَغَوِيّ الْفَقِيه الْمُحدث الْمُفَسّر بَحر الْعُلُوم لَهُ التَّهْذِيب فِي الْفِقْه والمصابيح فِي الحَدِيث وَالْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ. قلت: وَله شرح السّنة فِي الحَدِيث، ومعالم التَّنْزِيل فِي التَّفْسِير وَكَانَ لَا يلقى الدَّرْس إِلَّا على طَهَارَة وَالله أعلم. وَالْفراء: نِسْبَة إِلَى عمل الْفراء، وَالْبَغوِيّ: نِسْبَة إِلَى بَلْدَة بغشور من خُرَاسَان. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة " توفّي السُّلْطَان مُحَمَّد " السلجوقي؛ ابْتِدَاء مَرضه من شعْبَان ومولده ثامن عشر شعْبَان سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة فعمره سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة وَأَرْبَعَة أشهر وَسِتَّة أَيَّام، قطعت خطبَته مَرَّات وَلَقي مشاق وَعدل، وَأطلق المكوس فِي بِلَاده، وعهد بِالْملكِ إِلَى وَلَده مَحْمُود وعمره إِذْ ذَاك يزِيد على أَربع عشرَة سنة، وَلما عهد إِلَيْهِ اعتنقه وَقَبله وَبكى كل مِنْهُمَا وَجلسَ مَحْمُود على تخت السلطنة يَوْم مَاتَ أَبوهُ بالتاج والسوارين، وخطب لَهُ يَوْم الْجُمُعَة الثَّامِن وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة. وفيهَا قتل لُؤْلُؤ الْخَادِم مستولياً على حلب وعَلى أُمُور الْأَخْرَس بن رضوَان ثمَّ على أُمُور سُلْطَان شاه بن رضوَان سَار لُؤْلُؤ من حلب ليجتمع بسالم بن مَالك الْعقيلِيّ صَاحب قلعة جعبر وَنزل سبول فَوَثَبَ أَصْحَابه الأتراك وصاحوا أرنب أرنب وقتلوه بالنشاب ونهبوا خزانته وعادوا إِلَى حلب فاستعاد أهل حلب مِنْهُم المَال وَأقَام بأتابكية سُلْطَان شاه شمس الْخَواص يارقطاش شهر ثمَّ اجْتمعت كبراء الدولة وعزلوه وولوا أَبَا الْمَعَالِي بن الملحي الدِّمَشْقِي ثمَّ عزلوه وصادروه ثمَّ خَافُوا من الفرنج فَسَلمُوا الْبَلَد إِلَى

стр. 390

إيلغازي صَاحب ماردين فَدَخلَهَا وَسلمهَا إِلَى ابْنه تمرتاش وَعَاد إيلغازي إِلَى ماردين. وفيهَا: جَاءَ سيل غرق سنجار وخلقاً من أَهلهَا، وَهدم الْمنَازل، وَمن العجيب أَن مهداً فِيهِ طِفْل علقه السَّيْل فِيهَا بشجرة زيتون، وَنقص المَاء عَنهُ فَسلم الطِّفْل. وفيهَا: هجم الفرنج ربض حماه وَقتلُوا فَوق الْمِائَة وعادوا. ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا عزل السُّلْطَان مَحْمُود بهروز عَن شحنكية بَغْدَاد وولاها أقسنقر البرسقي، وَسَار بهروز إِلَى تكريت وَهِي أقطاعه. وفيهَا: سَار دبيس بن صَدَقَة إِلَى الْحلَّة بِإِذن السُّلْطَان مَحْمُود وَكَانَ اعتقله من حِين قتل أَبَاهُ فاجتمعت عَلَيْهِ الْعَرَب والأكراد. وفيهَا: فِي سادس عشر ربيع الآخر توفّي المستظهر بِاللَّه أَحْمد بن الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله عبد الله بن الذَّخِيرَة مُحَمَّد بن الْقَائِم وعمره إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة وَسِتَّة أشهر وَأَيَّام، وخلافته أَربع وَعِشْرُونَ سنة وَثَلَاثَة أشهر وَأحد عشر يَوْمًا، وَمن نَادِر الِاتِّفَاق أَنه لما توفّي السُّلْطَان ألب أرسلان توفّي بعده الْقَائِم، وَلما توفّي ملك شاه توفّي بعده الْمُقْتَدِي وَلما توفّي مُحَمَّد توفّي بعده المستظهر. قلت: (تبع الْخَلَائق فِي الْوَفَاة مُلُوكهمْ ... فكأنهم كَانُوا على ميعاد) وَالله أعلم. " وبويع بعده ابْنه المسترشد بِاللَّه " وَهُوَ تَاسِع عشرهم أَبُو مَنْصُور فضل، أَخذ الْبيعَة لَهُ القَاضِي أَبُو الْحسن الدَّامغَانِي. وفيهَا: توفّي أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْوَهَّاب بن مَنْدَه الْأَصْفَهَانِي الْمُحدث ذُو التصانيف الْحَسَنَة، وَأَبُو الْفضل أَحْمد بن مُحَمَّد الخازن أديب لَهُ شعر حسن. وفيهَا: قتل أرسلان شاه بن مَسْعُود السبكتكيني، قَتله أَخُوهُ بهْرَام شاه بن مَسْعُود، وَملك غزته كَمَا مر. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثَة عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا قَاتل السُّلْطَان سنجر ابْن أَخِيه السُّلْطَان مَحْمُودًا بِالريِّ قرب ساوه فَانْهَزَمَ مَحْمُود وَنزل سنجر فِي خيامه ثمَّ اصطلحا على أَن يخْطب لسنجر وَبعده لمحمود وأضاف سنجر الرّيّ إِلَى مَا بِيَدِهِ وَقدم مَحْمُود إِلَى عَمه سنجر بِالريِّ فَأكْرمه. وفيهَا: قَاتل إيلغازي بن أرتق الفرنج بِأَرْض حلب عِنْد عفرين فِي نصف ربيع الأول فَهَزَمَهُمْ وَقتل مِنْهُم كثيرا، وَمِمَّنْ قتل سرخال صَاحب أنطاكية وَفتح عقيب الْوَقْعَة الأثارب وزردنا فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِيهِ: (قل مَا تشَاء فقولك المقبول ... وَعَلَيْك بعد الْخَالِق التعويل)

стр. 391

(إستبشر الْقُرْآن حِين نصرته ... وَبكى لفقد رِجَاله الْإِنْجِيل) قلت: وَهَذَا الشّعْر لَا يُعجبنِي فَإِن إنجيل عِيسَى ﵇ لَا يبكي لفقد الْكفَّار الْمُشْركين. وَمَا أحسن قَول بَعضهم فِي كسرة النَّصَارَى ونصرة الْمُسلمين: (يبكي من الْمِنْبَر الصَّلِيب كَمَا ... يضْحك للمصحف الأناجيل) وَيُمكن تَأْوِيل الْبَيْت الْمَذْكُور وَلَكِن لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وَالله أعلم. وفيهَا: سَار جوسلين بالفرنج صَاحب تل بَاشر ليكبس بني ربيعَة بِبَلَد دمشق وأميرهم مر بن ربيعَة، وَتَأَخر جوسلين فضل عَن عسكره وأوقعوا بالعرب فنصر الله الْعَرَب وَقتلُوا من الفرنج وأسروا خلقا. وفيهَا: أعَاد السُّلْطَان سنجر شحنة لبغداد. وفيهَا ظهر قبر إِبْرَاهِيم الْخَلِيل وابنيه إِسْحَاق وَيَعْقُوب ﵈ بِالْقربِ من بَيت الْمُقَدّس ورآهم خلق كثير لم تبل أجسامهم وَعِنْدهم فِي المغارة قناديل من ذهب وَفِضة، قَالَه حَمْزَة بن أَسد التَّمِيمِي فِي تَارِيخه. ثمَّ دخلت سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا اقتتل مَسْعُود ومحمود ابْنا السُّلْطَان مُحَمَّد عِنْد عقبَة إستراباذ فِي منتصف ربيع الأول وَاشْتَدَّ الْقِتَال فَانْهَزَمَ مَسْعُود وَعَسْكَره ثمَّ اختفى فِي جبل وَبعث يطْلب من مَحْمُود الْأمان فَأَمنهُ فَقدم وَخرج مَحْمُود بالعسكر لتلقيه واعتنقه وبكيا ووفى لَهُ وأكرمه ثمَّ قدم جيوش بك أتابك مَسْعُود فَأحْسن إِلَيْهِ مَحْمُود أَيْضا. وَكَانَ دبيس بن صَدَقَة سَبَب الْخلف بَينهمَا ليعلو شَأْنه كَمَا علا أَبوهُ بالخلف بَين بركيا روق وَمُحَمّد أَخِيه، فَلَمَّا بلغ دبيساً انهزام مَسْعُود نهب وأفسد، فكاتبه مَحْمُود فَمَا الْتفت فقصده السُّلْطَان مَحْمُود، فهرب دبيس عَن الْحلَّة إِلَى إيلغازي بماردين، ثمَّ اتّفق الْحَال على إِن يرْهن أَخَاهُ منصوراً وَيعود إِلَى الْحلَّة. وفيهَا: خرج الكرج وملكوا تفليس بِالسَّيْفِ وَقتلُوا فِي الْمُسلمين ونهبوا نهباً عَظِيما. وفيهَا: التقى إيلغازي والتركمان الفرنج عِنْد دانيث البقل من بلد سرمين وَجرى قتال شَدِيد فَانْهَزَمَ الفرنج. ابْتِدَاء أَمر مُحَمَّد بن يومرت وَملك عبد الْمُؤمن كَانَ مُحَمَّد بن عبد الله بن يومرت الْعلوِي الْحُسَيْنِي من المصامدة من جبل السوس من الْمغرب فَرَحل فِي طلب الْعلم إِلَى الْمشرق وأتقن الأصولين وَالْفِقْه والعربية، وَاجْتمعَ بالغزالي والكيا وبالطرطوشي، ثمَّ حج وَعَاد إِلَى الْمغرب وَأخذ فِي إِنْكَار الْمُنكر وَالْأَمر بالصلوات وَغير ذَلِك، وَوصل إِلَى قَرْيَة ملاكة قرب بجاية فاتصل بِهِ عبد الْمُؤمن بن عَليّ الْكُوفِي وَنَفر من بجاية عبد الْمُؤمن وَسَار مَعَه. وتلقب ابْن يومرت بالمهدي، وَوصل مراكش وشدد فِي النَّهْي عَن الْمُنكر وَحسنت

стр. 392

الظنون بِهِ فكثرت أَتْبَاعه فَاسْتَحْضرهُ أَمِير الْمُسلمين عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين فناظر بِحَضْرَتِهِ الْفُقَهَاء فقطعهم، فأشير على ابْن تاشفين بقتْله أَو تخليده فِي الْحَبْس فَأبى وَأخرجه من مراكش فَسَار الْمهْدي إِلَى أغمات وَلحق بِالْجَبَلِ فَاجْتمع عَلَيْهِ النَّاس، وَادّعى أَنه الْمهْدي الَّذِي وعد النَّبِي ﷺ َ - بِخُرُوجِهِ، فاستفحل أمره وَقَامَ عبد الْمُؤمن بن عَليّ فِي عشرَة أنفس وَقَالُوا لَهُ: أَنْت الْمهْدي وَبَايَعُوهُ على ذَلِك، وتبعهم غَيرهم فَأرْسل ابْن تاشفين إِلَيْهِ جَيْشًا فَهَزَمَهُمْ فَأَقْبَلت الْقَبَائِل تبايعه، وَعظم أمره واستوطن جبلا عِنْد سمليك وَرَأى فِي جموعه قوما خافهم فَقَالَ: إِن الله أَعْطَانِي نورا أعرف بِهِ أهل الْجنَّة من أهل النَّار، وَجمع النَّاس إِلَى رَأس جبل وَجعل يَقُول عَن كل من يخافه هَذَا من أهل النَّار فَيلقى من رَأس الشاهق، وَيَقُول عَمَّن لَا يخافه هَذَا من أهل الْجنَّة فَيجْعَل عَن يمينة حَتَّى قتل على مَا قيل سبعين ألفا، وَأمن على نَفسه وسمى مطيعيه الْمُوَحِّدين، وَمَا برح يَعْلُو إِلَى سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة فَجهز أَرْبَعِينَ ألفا فيهم التونشريشي وَعبد الْمُؤمن فحصروا أَمِير الْمُسلمين بمراكش عشْرين يَوْمًا ثمَّ كشف مُتَوَلِّي سجلماسة بالعساكر عَن مراكش وطلع أهل مراكش وأمير الْمُسلمين واقتتلوا فَقتل التونشريشي وَصَارَ عبد الْمُؤمن مقدم الْعَسْكَر فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فَانْهَزَمَ عبد الْمُؤمن فهرب لَيْلًا بالعسكر إِلَى الْجَبَل وَبلغ الْمهْدي وَهُوَ مَرِيض ذَلِك فَسَأَلَ عَن عبد الْمُؤمن فَقيل إِنَّه سَالم فَقَالَ الْمهْدي لم يمت أحد، وَأوصى أَصْحَابه بِاتِّبَاع عبد الْمُؤمن وعرفهم أَنه هُوَ الَّذِي يفتح الْبِلَاد وَسَماهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ، ثمَّ مَاتَ فِي مَرضه وعمره إِحْدَى وَخَمْسُونَ سنة، وولايته عشر سِنِين. وَعَاد عبد الْمُؤمن فَأَقَامَ فِي تنمتليك يؤلف الْقُلُوب إِلَى سنة ثَمَان وَعشْرين وَخَمْسمِائة، ثمَّ سَار عبد الْمُؤمن وَاسْتولى على الْجبَال، وَجعل عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين ابْنه تاشفين يسير فِي الوطاءة قبالة عبد الْمُؤمن. وَفِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ سَار عَسْكَر عبد الْمُؤمن إِلَى وهران وَسَار تاشفين إِلَيْهِم وَقرب الْجَمْعَانِ فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَمَضَان من هَذِه السّنة وَهِي لَيْلَة عَادَة المغاربة تعظيمها سَار تاشفين متخفياً فِي جمَاعَة يسيرَة ليزور مَكَانا على الْبَحْر فِيهِ متعبدون للتبرك وَبلغ ذَلِك عمر بن يحيى الهتنائي مقدم جَيش عبد الْمُؤمن فأحاط بتاشفين فَركب فرسه ليهرب فَسقط من جرف فَهَلَك وجهلوه على خَشَبَة وَقتل من مَعَه وتفرق عسكره، وَسَار عبد الْمُؤمن إِلَى وهران وملكها بِالسَّيْفِ وَقتل من الْمُسلمين مَا لَا يُحْصى، ثمَّ ملك قاروت إِحْدَى مدينتي تلمسان وَجعل على أغادير الثَّانِيَة جَيْشًا فحصروها وَبَين المدينتين شوط فرس وَسَار إِلَى فاس فملكها بالأمان فِي آخر سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة ورتب أمرهَا وَفتح سلا سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَفتح عسكره أغادير بعد حِصَار سنة وَقتل أَهلهَا ثمَّ نزل مراكش وَقد مَاتَ عَليّ بن يُوسُف صَاحبهَا، ثمَّ تاشفين بن عَليّ. ثمَّ ملك أَخُوهُ إِسْحَاق بن عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين وَهُوَ صبي فحاصرها عبد

стр. 393

الْمُؤمن أحد عشر شهرا وَفتحهَا بِالسَّيْفِ وَأمْسك الْأَمِير إِسْحَاق وأمراءه، فارتعد إِسْحَاق وَسَأَلَ الْعَفو وَهُوَ يبكي فَقَالَ لَهُ سير وَهُوَ من أكبر أُمَرَاء المرابطين: تبْكي على أَبِيك أَو أمك اصبر صَبر الرِّجَال، وبصق فِي وَجه إِسْحَاق، وَقَالَ عَن عبد الْمُؤمن: هَذَا رجل لَا يدين الله بدين، فَنَهَضَ الموحدون وَقتلُوا سيراً، وَقدم إِسْحَاق على صغر سنه وَضربت عُنُقه سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَهُوَ آخر مُلُوك المرابطين وَبِه انقرضوا وَمُدَّة ملكهم سَبْعُونَ سنة ولي مِنْهُم أَرْبَعَة يُوسُف وَابْنه عَليّ بن يُوسُف وتاشفين بن عَليّ، وَإِسْحَاق بن عَليّ واستوطن عبد الْمُؤمن مراكش وَبنى قصر مُلُوك مراكش جَامعا وزخرفة وَهدم الْجَامِع الَّذِي بناه يُوسُف بن تاشفين. وفيهَا: أَعنِي سنة أَربع عشرَة وَخَمْسمِائة أغار جوسلين الفرنجي صَاحب الرها على العربان، والتركمان بصفين فغنم أَمْوَالًا ومواشي، ثمَّ عَاد إِلَى بزاعا فخربها. وفيهَا: فِي جُمَادَى توفّي أَبُو سعد عبد الرَّحِيم بن عبد الْكَرِيم بن هوَازن الْقشيرِي الإِمَام ابْن الإِمَام فَجَلَسَ النَّاس لعزائه فِي الْبِلَاد الْبَعِيدَة. ثمَّ دخلت سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا توفّي الْأَمِير عَليّ بن يحيى بن تَمِيم صَاحب إفريقية فِي ربيع الآخر وإمارته خمس سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر، وَولى بعده ابْنه الْحسن وعمره اثْنَتَا عشرَة سنة بِعَهْد من أَبِيه وَأقَام بتدبيره صندل الْخصي مُدَّة وَمَات ثمَّ دبر الْقَائِد أَبُو عَزِيز موفق. وفيهَا: أقطع السُّلْطَان مَحْمُود الْموصل وأعمالها كالجزيرة، وسنجار لأقسنقر البرسقي. وفيهَا: قتل بِمصْر أَمِير الجيوش الْأَفْضَل بن بدر الجمالي وثب عَلَيْهِ ثَلَاثَة بسوق الصياقلة، وَقد تقدم على أَصْحَابه للغبار وضربوه بسكاكين وأدركهم أَصْحَابه فَقتلُوا الثَّلَاثَة وَحمل الْأَفْضَل إِلَى دَاره فَمَاتَ بهَا، وَنقل الْآمِر الْخَلِيفَة من دَاره الْأَمْوَال لَيْلًا وَنَهَارًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَوجد لَهُ من التحف مَا لَا يُحْصى، وَعمر الْأَفْضَل سبع وَخَمْسُونَ وولايته ثَمَان وَعِشْرُونَ سنة، وَقيل أَن الْآمِر جهز عَلَيْهِ وَولى الْآمِر بعده أَبَا عبد الله البطائحي. وفيهَا: عصى سُلَيْمَان بن إيلغازي بن أرتق على أَبِيه بحلب حسن لَهُ ذَلِك إِنْسَان من حماه من بني قرناص كَانَ قد قدمه إيلغازي على أهل حلب فجازاه وَبلغ إيلغازي ذَلِك فَسَار مجداً من ماردين وهجم حلب وَقطع يَدي ابْن قرناص وَرجلَيْهِ وسمل عَيْنَيْهِ فَمَاتَ وَأَرَادَ قتل ابْنه فلحقته رأفة الْوَالِد فاستبقاه وهرب سُلَيْمَان إِلَى طغتكين بِدِمَشْق، واستناب إيلغازي بحلب سُلَيْمَان ابْن أَخِيه عبد الْجَبَّار بن أرتق وَعَاد. وفيهَا: أقطع السُّلْطَان مَحْمُود ميافارقين لإيلغازي. وفيهَا: كَانَ بَين بلك بن بهْرَام بن أرتق وَبَين جوسلين حَرْب أسر فِيهَا جوسلين وَابْن

стр. 394

خَالَته كليام وَجَمَاعَة من فرسانه الْمَشْهُورين وبذل فِي فدَاء نَفسه أَمْوَالًا كَثِيرَة فَلم يقبلهَا بلك وسجنهم خرت برت. وفيهَا: تضعضع الرُّكْن الْيَمَانِيّ من الْبَيْت الْحَرَام شرفه الله تَعَالَى من زَلْزَلَة وانهدم بعضه فَأصْلح. وفيهَا: توفّي أَبُو مُحَمَّد الْقَاسِم بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الحريري، ولد سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة، إِمَام فِي النَّحْو واللغة وَله عدَّة مصنفات مِنْهَا المقامات طبقت الأَرْض شهرة أمره بتصنيفها أنوشروان بن خَالِد بن مُحَمَّد وَزِير السُّلْطَان مَحْمُود فَإِن الحريري عمل مقَامه على وضع البديع فَأمره أنوشروان بإتمامها وَكَانَ خصيصاً بِهِ قدم بَغْدَاد وَنزل الْحَرِيم وهجاه ابْن جكينا. فَمن قَوْله فِيهِ: وَكَانَ الحريري ينتف لحيته عَبَثا وفكرة: (شيخ لنا من ربيعَة الْفرس ... ينتف عثنونه من الهوس) (أنطقه الله بالمشان كَمَا ... ألْجمهُ فِي الْحَرِيم بالخرس) والحريري، بَصرِي المولد والمنشأ من بني ربيعَة الْفرس وَخلف ابْنَيْنِ الْوَاحِد عبد الله من رُوَاة المقامات وَالثَّانِي كَانَ متفقهاً. قلت: وَقيل أَنه وضع المقامات لجلال الدّين أبي عَليّ الْحسن بن أبي الْعشْر بن صَدَقَة وَزِير الْخَلِيفَة المسترشد كَذَا وجد بِخَط الحريري فِي ظهر كتاب المقامات وَكَانَ الحريري من أهل الْيَسَار يُقَال أَنه كَانَ لَهُ ثَمَانِي عشرَة ألف نَخْلَة بمشان الْبَصْرَة وَأَصله مِنْهَا جَاءَهُ شخص يَأْخُذ عَنهُ شَيْئا فاستزرى شكل الحريري ففهم الحريري ذَلِك وَكَانَ دميماً فاستملاه فَقَالَ اكْتُبْ: (مَا أَنْت أول سَار غره قمر ... ورائد أَعْجَبته خضرَة الدمن) (فاختر لنَفسك غَيْرِي إِنَّنِي رجل ... مثل المعيدي فاسمع بِي وَلَا ترني) فَخَجِلَ الرجل وَانْصَرف. وللحريري تآليف حَسَنَة، مِنْهَا: درة الغواص فِي أَوْهَام الْخَواص، وديوان رسائل وَشعر كثير، والملحة، وَشرح الملحة، وَكنت قد التقطت من الملحة من بيُوت وشطور بيُوت مَا يُقَارب السّبْعين، وضمنتها على وَجه بديع، وسميتها " تحفة الأحباب من ملحة الْأَعْرَاب ". فَمِنْهَا: (يَا رسائلي عَن الْكَلَام المنتظم ... ذَاك كَلَام من هويت لَا عدم) (فَكل مَا يَقُول فِيهِ العذل ... فَإِنَّهُ مُنكر يَا رجل) (فِي صُدْغه لِلْحسنِ آيَات تخط ... وَقَالَ قوم أَنَّهَا اللَّام فَقَط)

стр. 395

(رمانة غض مَتى يمس فرط ... إِذا ألف الْوَصْل مَتى يدرج سقط) (بِسيف جفنيه قتلت نَفسِي ... فَإِنَّهُ مَاض بِغَيْر لبس) (قوامه أشبه شَيْء بِالْألف ... كَمثل مَا تكتبه لَا يخْتَلف) (لما شَكَوْت صده رثى لي ... وَأَقْبل الْغُلَام كالغزال) (أَسْنَانه كَاللُّؤْلُؤِ المفتن ... من المفاريد لجبر الوهن) (قبل ازدياد لامه أكابده ... ثمَّ أَتَى بعد التناهي زائده) (أعجب لنون حاجبيه تنصر ... وَالنُّون من كل مثنى تكسر) (خوف فِيهِ بالأمير العاذل ... وَالصُّلْح خير والأمير عَادل) (الخد والقوام مِنْهُ فَاعل ... نَحْو جرى المَاء وجار الْعَامِل) (أَفعاله تكسرني ذَا عجب ... وكل فعل مُتَعَدٍّ ينصب) (يَا من رآى مِنْهُ جبيناً وَاضحا ... يَقُول قد خلت الْهلَال لائحاً) (وَإِن ذكرت فَاعِلا منوناً ... فابدأ بِذكر حاجبين حسنا) (فالطرف سيف قتلنَا تضمناً ... فَهُوَ كَمَا لَو كَانَ فعلا بَينا) (أوهمته برشف ريق الثغر ... وغصت فِي الْبَحْر ابْتِغَاء الدّرّ) (وَإِن اقمت الْوَاو فِي الْكَلَام ... من صُدْغه نابت مناب اللَّام) (فِي قده مَا هُوَ فِي الأغصان ... على اخْتِلَاف الْوَضع والمباني) (إِذا لمست خَدّه والنهدا ... يَقُول عِنْدِي منوان زبدا) (أَصبَحت مِنْهُ فِي ارتقاب الْوَصْل ... وَالزَّرْع تِلْقَاء الحيا المنهل) (مَا للصبا يَا جسم ذياك الصَّبِي ... وَقِيمَة الْفضة دون الذَّهَب) (قلب الَّذِي يحب لَيْسَ يبغض ... وَإِن بدا بَينهمَا معترض) (إِذا رَأَيْت عُنُقه الطويلا ... وشعره من فَوْقه محلولا) (تَقول مَا أنقى بَيَاض العاج ... وَمَا أَشد ظلمه الدياج) (حاشاه من عيب وَمن نُقْصَان ... أَو عاهة تحدث فِي الْأَبدَان) (لَا تَطْلُبُوا لحسنه مضاهي ... الله الله عباد الله) (يَا قَائِلا كَانَ مليحاً وانفصل ... كَانَ وَمَا أَنْفك الْفَتى وَلم يزل) (عذاره الرقيم فز بلثمه ... وَلَا تغير مَا بقى عَن رسمه) (تَقول فِيهِ خضرَة يسيرَة ... كَمَا تَقول ناره منيرة) (يَا ليته يعْطف بالوصال ... والعطف قد يدْخل فِي الْأَفْعَال) (قلبِي وعيني عَن سناه لَا ترد ... إِذْ مَا رأى صرفهما قطّ أحد) (إِن قلت رشف رِيقه مَا حللا ... تفل بِلَا علم وَلَا تحس الطلا) (عَيناهُ أفنت أَكثر العشاق ... وَهَكَذَا تصنع فِي الْبَوَاقِي) (قلبِي الَّذِي يسكن لتسائي ... كأمس فِي الْكسر وَفِي الْبناء)

стр. 396

(صورته كالبدر فَوق الْغُصْن ... فَانْظُر إِلَيْهَا نظر المستحسن) (وخل عني يَا عذول العذلا ... وَإِن تَجِد عَيْبا فسد الخللا) (حسبي رثى لي وألان القولا ... وَالْحَمْد لله على مَا أولى) وَإِنَّمَا كتبت مِنْهَا هَذَا الْقدر لِأَنِّي رَأَيْت من الْفُضَلَاء، وَلَا سِيمَا من يحفظ الملحة من يستحسن هَذِه الطَّرِيقَة معترفاً بقلة البضاعة وقصور الباع فِي هَذِه الصِّنَاعَة، الله أعلم. وفيهَا: قتل مؤيد الدّين الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد الطغرائي الْأَصْفَهَانِي المنشيء الديلِي من ولد أبي الْأسود الدؤَلِي عَالم فَاضل منشئ كَاتب شَاعِر خدم السُّلْطَان ملكشاه بن ألب أرسلان، وَتَوَلَّى ديوَان الطغرى، ثمَّ استوزره السُّلْطَان مَسْعُود، وَحَارب مَسْعُود أَخَاهُ السُّلْطَان مَحْمُود فَانْهَزَمَ مَسْعُود فَأسر الطغرائي وَقتل صبرا، وَله لامية الْعَجم: (أَصَالَة الرَّأْي صانتني عَن الخطل ... وَحلية الْفضل زانتني لَدَى العطل) وَللَّه قَوْله مِنْهَا: (وَإِنَّمَا رجل الدُّنْيَا وواحدها ... من لَا يعول فِي الدُّنْيَا على رجل) عَاشَ فَوق السِّتين وَكَانَ يمِيل إِلَى الكيمياء. قلت: مَا كيمياء التبر من أكفائه، فَكَلَامه من كيمياء الْجَوْهَر، وَالله أعلم. وفيهَا: بِمصْر توفّي عَليّ بن جَعْفَر بن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن القطاع النَّحْوِيّ الْعَرُوضِي، إِمَام فِي الْأَدَب واللغة، وَله مصنفات مِنْهَا: كتاب نَحْو صَعب يدل على فضل عَظِيم، ولد سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة. ثمَّ دخلت سنة سِتّ عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا قتل السُّلْطَان مَحْمُود جيوش بك فِي رَمَضَان على بَاب تبريز سعى بِهِ إِلَيْهِ. وفيهَا: فِي رَمَضَان توفى إيلغازي بن أرتق بميافارقين، وَملك بعده ابْنه تمرتاش قلعة ماردين، وَملك ابْنه سُلَيْمَان ميافارقين، وَكَانَ بحلب ابْن أَخِيه سُلَيْمَان بن عبد الْجَبَّار بن أرتق فَحكم بهَا إِلَى أَن أَخذهَا مِنْهُ ابْن عَمه بلك بن بهْرَام بن أرتق. وفيهَا: أقطع مَحْمُود وَاسِط لأقسنقر البرسقي زِيَادَة على الْموصل وأعمالها فَاسْتعْمل البرسقي على وَاسِط عماد الدّين زنكي بن أقسنقر. وفيهَا: توفّي عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد، مولده سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة، ثِقَة حَافظ للْحَدِيث. ثمَّ دخلت سنة سبع عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا كَانَ الْحَرْب بَين دبيس بن صَدَقَة وَبَين الْخَلِيفَة المسترشد بِاللَّه فَخرج الْخَلِيفَة بِنَفسِهِ وَاشْتَدَّ الْقِتَال فَانْهَزَمَ دبيس وَعَسْكَره وَسَار إِلَى غزيَّة من الْعَرَب فَلم يطيعوه فراح إِلَى المنتفق وَاتَّفَقُوا مَعَه وَنهب الْبَصْرَة ثمَّ صَار مَعَ فرنج الشَّام وأطعمهم فِي ملك حلب.

стр. 397

وفيهَا: سلم سُلَيْمَان بن عبد الْجَبَّار بن أرتق حصن الأثارب إِلَى الفرنج ليهادنوه على حلب لعَجزه عَن مقاومتهم. وفيهَا: سَار بلك بن بهْرَام بن أرتق فَملك حران، ثمَّ ملك حلب لعجز سُلَيْمَان ابْن عَمه عَنْهَا. وفيهَا: استولى الفرنج على خرت برت وَكَانَ بهَا جوسلين الفرنجي وَغَيره محبوسين فخلصوهم ثمَّ استرجعها بلك وَكَانَت لَهُ مِنْهُم. وفيهَا: توفّي قَاسم بن هَاشم الْعلوِي الْحُسَيْنِي أَمِير مَكَّة، ووليها ابْنه أَبُو فليته. وفيهَا: سَار طغتكين صَاحب دمشق إِلَى حمص ونهبها وَحصر صَاحبهَا قرجان بن قراجة بالقلعة ثمَّ عَاد. وفيهَا: سَار مَحْمُود بن قراجة صَاحب حماه فهجم ربض أفاميه فَأَصَابَهُ فِي يَده سهم من القلعة فَمَاتَ من ذَلِك واستراحت حماه من ظلمه وَبلغ ذَلِك طغتكين فَأرْسل عسكراً ملك حماه وَصَارَت من بِلَاده. وفيهَا: توفّي أَحْمد بن مُحَمَّد بن عَليّ الْخياط الدِّمَشْقِي الشَّاعِر، وَمن شعره: (سلوا سيف ألحاظه الممتشق ... أعند الْقُلُوب دم للحدق) (من التّرْك مَا سَهْمه إِذْ رمى ... بأفتك من طرفه إِذْ رشق) (وللحب مَا عز مني وَهَان ... وللحسن مَا جلّ مِنْهُ ودق) ولد سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة بِدِمَشْق. قلت: استماح من ابْن جيوش بحلب شَيْئا من بره لما كَانَ رَقِيق الْحَال بقوله: (لم يبْق عِنْدِي مَا يُبَاع بِحَبَّة ... وَكَفاك مني منظري عَن مخبري) (إِلَّا بَقِيَّة مَاء وَجه صنتها ... عَن أَن تبَاع وَأَيْنَ أَيْن المُشْتَرِي) فَقَالَ ابْن جيوش: لَو قَالَ أَنْت نعم المُشْتَرِي لَكَانَ أحسن. ثمَّ دخلت سنة ثَمَان عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا (قتل بلك) بن بهْرَام بن أرتق صَاحب حلب وَسَببه أَنه قبض على الْأَمِير حسان البعلبكي صَاحب منبج وَسَار إِلَى منبج فَملك الْمَدِينَة وَحصر القلعة فَبينا هُوَ يُقَاتل إِذْ أَتَاهُ سهم فَقتله لَا يدْرِي من رَمَاه فَتفرق عسكره وخلص حسان صَاحب منبج وَعَاد إِلَيْهَا وملكها وَكَانَ فِي جملَة عَسْكَر بلك ابْن عَمه تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صَاحب ماردين فَحمل بلك قَتِيلا إِلَى حلب وتسلمها وَاسْتقر تمرتاش صاحباً لحلب فِي عشري ربيع الأول مِنْهَا ورتب أمرهَا وَعَاد إِلَى ماردين. وفيهَا: ملك الفرنج صور بعد حِصَار طَوِيل، وَكَانَت لخلفاء مصر ملكوها بالأمان، وَخرج الْمُسلمُونَ مِنْهَا فِي الْعشْرين من جُمَادَى الأولى بِمَا قدرُوا على حمله من أَمْوَالهم. وفيهَا: اجْتمعت الفرنج وانضم إِلَيْهِم دبيس بن صَدَقَة وحاصروا حلب وَأخذُوا فِي

стр. 398

بِنَاء بيُوت لَهُم فِي ظَاهرهَا فَعظم الْأَمر على أَهلهَا وَلم ينجدهم صَاحبهَا تمرتاش رفاهة ودعة فكاتبوا أقسنقر البرسقي صَاحب الْموصل فِي تَسْلِيمهَا إِلَيْهِ، فاستقرت فِي ملك البرسقي مَعَ الْموصل وَغَيرهَا. وفيهَا: مَاتَ الْحسن بن الصَّباح مقدم الإسماعيلية صَاحب ألموت، وَهُوَ الَّذِي أظهر بِدعَة الطَّائِفَة الإسماعيلية، قَالَ الشهرستاني: وَاسْتظْهر الْمَذْكُور بِالرِّجَالِ وتحصن بالقلاع وَكَانَ بَدْء صُعُوده على قلعة ألموت فِي شعْبَان سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة، وَهُوَ الَّذِي دَعَا النَّاس إِلَى تعْيين إِمَام صَادِق وَمنع الْعَوام من الْخَوْض فِي الْعُلُوم وَمنع الْخَواص عَن مطالعة الْكتب الْمُتَقَدّمَة. ثمَّ دخلت سنة تسع عشرَة وَخَمْسمِائة: فِيهَا ملك البرسقي كفرطاب من الفرنج، وَسَار إِلَى عزاز وَكَانَت لجوسلين فَاجْتمع الفرنج لقتاله واقتتلوا فَانْهَزَمَ البرسقي وَقتل مُسلمُونَ كَثِيرُونَ. وفيهَا: مَاتَ سَالم بن مَالك بن بدران بن الْمُقَلّد بن الْمسيب صَاحب قلعة جعبر وملكها بعده ابْنه مَالك. ثمَّ دخلت سنة عشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا قتلت الباطنية أقسنقر البرسقي قسيم الدولة صَاحب الْموصل يَوْم الْجُمُعَة فِي الْجَامِع بهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاة وثب عَلَيْهِ بضعَة عشر نفسا كَانَ مَمْلُوكا تركيا شجاعاً دينا من خِيَار الْوُلَاة وَلما بلغ ابْنه عز الدّين مَسْعُود بحلب ذَلِك سَار إِلَى الْموصل فاستقر فِي ملكهَا. وفيهَا: اجْتمع الْمُسلمُونَ وطغتكين مَعَ الفرنج فِي مرج الصفر عِنْد قَرْيَة شقحب فِي ذِي الْحجَّة، وَاشْتَدَّ الْقِتَال، فَانْهَزَمَ طغتكين والخيالة وتبعهم الفرنج، وَكَانَ مَعَه رجالة تركمان فَمَا أمكنهم الْهَرَب وَلَكنهُمْ نهبوا مخيم الفرنج، وَقتلُوا من وجدوه من الفرنج وسلموا بذلك، وَعَاد الفرنج وَرَأَوا أثقالهم قد نهبت فَانْهَزَمُوا أَيْضا. وفيهَا: ملك الفرنج رفنية. وفيهَا: توفّي أَبُو الْفتُوح أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد أَخُو الْغَزالِيّ، فَقِيه غلب عَلَيْهِ الْوَعْظ، وَله كرامات اختصر كتاب الْإِحْيَاء لِأَخِيهِ فِي مُجَلد وَسَماهُ لباب الْإِحْيَاء. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا ولي السُّلْطَان مَحْمُود شحنكية الْعرَاق عماد الدّين زنكي بن أقسنقر، مُضَافا إِلَى مَا بِيَدِهِ من ولَايَة وَاسِط. وفيهَا: سَار السُّلْطَان مَحْمُود عَن بَغْدَاد. وفيهَا: مَاتَ صَاحب الْموصل مَسْعُود بن أقسنقر البرسقي وَاسْتولى على الرحبة وَمرض محاصراً لَهَا، وَمَات يَوْم تَسْلِيمه الرحبة فَقَامَ بِالْأَمر مَمْلُوكه جاولي وَأقَام أَخا مَسْعُود صَغِيرا فِي الْملك فَلم يُوَافقهُ السُّلْطَان مَحْمُود على ذَلِك، وَولى على الْموصل عماد الدّين

стр. 399

زنكي فَسَار زنكي من بَغْدَاد ورتب الْموصل وأقطع جاولي مَمْلُوك البرسقي الرحبة ثمَّ استولى زنكي على نَصِيبين وسنجار وحران وجزيرة ابْن عمر، وَتَوَلَّى شحنكية بَغْدَاد بعد مسير زنكي مُجَاهِد الدّين بهروز. وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن عبد الْملك بن إِبْرَاهِيم الفرضي الْهَمدَانِي، صَاحب التَّارِيخ. وفيهَا: توفّي ظهير الدّين إِبْرَاهِيم بن سكمان صَاحب خلاط، وَملك بعده أَخُوهُ أَحْمد وَبَقِي عشرَة أشهر وَتُوفِّي، فحكمت وَالِدَة إِبْرَاهِيم وَأحمد إينانج خاتون بنت أركماز وأقامت ابْن ابْنهَا سكمان ابْن سِتّ سِنِين كَمَا مر. ذكر ملك زنكي حلب ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَخَمْسمِائة: كَانَت حلب للبرسقي وَبهَا وَلَده مَسْعُود فَلَمَّا قتل البرسقي اسْتخْلف مَسْعُود الْأَمِير قيماز بحلب وَسَار إِلَى الْموصل. ثمَّ اسْتخْلف على حلب قتلغ بعد قيماز فاستولى على حلب، وَبعد موت مَسْعُود على الرحبة، وأساء قتلغ بحلب السِّيرَة، وَكَانَ سُلَيْمَان بن عبد الْجَبَّار بن أرتق الَّذِي كَانَ صَاحبهَا أَولا مُقيما بحلب وَاجْتمعَ أهل حلب إِلَيْهِ وملكوه الْمَدِينَة وقتلغ فِي القلعة، وَسمع الفرنج اخْتلَافهمْ فَجَاءَهُمْ جوسلين فصانعوه بِمَال فَرَحل فَأرْسل عماد الدّين زنكي صَاحب الْموصل عكسراً مَعَ الْقَائِد قراقوش إِلَى حلب وَمَعَهُ توقيع السُّلْطَان مَحْمُود بِالشَّام فَأجَاب أهل حلب إِلَيْهِ، وَتقدم عَسْكَر زنكي إِلَى سُلَيْمَان وقتلغ بِالْمَسِيرِ إِلَى زنكي فأجابا فَلَمَّا وصلا الْموصل أصلح زنكي بَين سُلَيْمَان وقتلغ وَلم يرد وَاحِدًا مِنْهُمَا إِلَى حلب، وَسَار زنكي إِلَى حلب وَملك فِي طَرِيقه منبج وبراعة وتلقاه أهل حلب وَدخل ورتب الْأُمُور، ثمَّ كحل قتلغ فَمَاتَ، وَكَانَ ملك زنكي حلب وقلعتها فِي الْمحرم مِنْهَا. وفيهَا: سَار السُّلْطَان سنجر من خُرَاسَان إِلَى الرّيّ وَمَعَهُ دبيس بن صَدَقَة مستجيراً بِهِ، واستدعى ابْن أَخِيه السُّلْطَان مَحْمُود فَحَضَرَ إِلَيْهِ بِالريِّ، فأجلسه مَعَه على السرير وَأمره بِالْإِحْسَانِ إِلَى دبيس وَأَعَادَهُ إِلَى بِلَاده، فامتثل وَعَاد سنجر إِلَى خُرَاسَان. وفيهَا: فِي صفر مَاتَ ظهير الدّين طغتكين صَاحب دمشق من مماليك تتش بن ألب أرسلان، كَانَ ظغتكين عَاقِلا خيرا وَملك دمشق بعده ابْنه تَاج الْمُلُوك بوري بعهده، وبوري أكبر أَوْلَاده. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا عاود دبيس الْعِصْيَان على السُّلْطَان والخليفة، وترددت الرُّسُل فَلم يحصل صلح فَسَار السُّلْطَان مَحْمُود إِلَى بَغْدَاد وجهز جَيْشًا كثيفاً فِي أَمر دبيس فَعبر دبيس الْبَريَّة بعد أَن نهب الْبَصْرَة وأموال الْخَلِيفَة وَالسُّلْطَان. قتل الإسماعيلية وَحصر الفرنج دمشق سَار بهْرَام الْإِسْمَاعِيلِيّ بعد قتل خَاله إِبْرَاهِيم الْأسد آبادي بِبَغْدَاد إِلَى الشَّام، ودعا

стр. 400

بِدِمَشْق إِلَى مذْهبه وأعانه وَزِير بوري طَاهِر بن سعد المزدغاني وَسلم إِلَى بهْرَام قلعة بانياس فَعظم بهْرَام وَملك بِالشَّام عدَّة حصون بالجبال، وَقَاتل أهل وَادي التيم فَقتل بهْرَام وَقَامَ مقَامه بقلعة بانياس رجل مِنْهُم يُسمى إِسْمَاعِيل، وَأقَام الْوَزير المزدغاني عوض بهْرَام بِدِمَشْق رجلا اسْمه أَبُو الوفا وَعظم أَبُو الوفا حَتَّى صَار الحكم لَهُ بِدِمَشْق، فكاتب الفرنج ليسلم إِلَيْهِم دمشق ويعوضوه بصور وَجعلُوا موعدهم يَوْم الْجُمُعَة ليجعل أَصْحَابه على بَاب الْجَامِع، وَعلم بوري بذلك فَقتل المزدغاني وَأمر النَّاس فثاروا بالإسماعيلية فَقتل بِدِمَشْق سِتَّة آلَاف إسماعيلي، وَوصل الفرنج إِلَى الميعاد وحصروا دمشق فَلم يظفروا بِشَيْء، وَاشْتَدَّ الشتَاء فرحلوا كالمنهزمين وتبعهم بوري بالعسكر فَقتلُوا عدَّة كَثِيرَة، وَسلم إِسْمَاعِيل الباطني قلعة بانياس إِلَى الفرنج وَصَارَ مَعَهم. وفيهَا: ملك زنكي حماة فَإِن سونج بن بوري كَانَ نَائِب أَبِيه بحماة وَكَانَ قد سَار زنكي من الْموصل إِلَى الشَّام، وَعبر الْفُرَات واستنجد ببوري على الفرنج فَأمر بوري سونج بِالْمَسِيرِ من حماة إِلَى زنكي فغدر زنكي بسونج وارتكب أمرا شنيعاً من الْقَبْض عَلَيْهِ، وَنهب عسكره وخيامه، واعتقله فِي جمَاعَة من مقدمي عسكره بحلب، وَسَار من وقته فَملك حماة لخلوها من الْجند. ثمَّ حاصر حمص مُدَّة وَكَانَ قد غدر أَيْضا بصاحبها قرجان بن قراجة وَقبض عَلَيْهِ وأحضره صحبته إِلَى حمص، وَأمره أَن يَأْمر ابْنه وَعَسْكَره بِتَسْلِيم حمص فَأَمرهمْ فَلم يلتفتوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا يأس زنكي مِنْهَا عَاد إِلَى الْموصل بسونج وأمراء دمشق واستمرهم معتقلين وبذل لَهُ بوري أَمْوَالًا فِي ابْنه سونج فَلم يتَّفق حَال. وفيهَا ملك الفرنج: القدموس. وفيهَا: توفّي أَبُو الْفَتْح أسعد بن أبي نصر الشَّافِعِي مدرس النظامية، وطريقته مَشْهُورَة فِي الْخلاف، وَكَانَ لَهُ قبُول عَظِيم عِنْد الْخَلِيفَة وَالنَّاس. وفيهَا: توفّي الشريف حَمْزَة بن هبة الله بن مُحَمَّد الْعلوِي الْحُسَيْنِي النَّيْسَابُورِي سمع الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ جمع بَين شرف النَّفس وَالنّسب وَالتَّقوى، وَكَانَ زيدي الْمَذْهَب، ومولده سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة. ثمَّ دخلت سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا اشْتَدَّ ضَرَر الفرنج بحصن الأثارب على الْمُسلمين حَتَّى قاسموا أهل حلب على أَعمالهَا الغربية حَتَّى طاحون الغربية، فَسَار عماد الدّين زنكي من الْموصل ونازله، وَجمع الفرنج وقصدوه، فَترك الْحصار وَقَاتلهمْ أَشد قتال، فَانْهَزَمَ الفرنج وَأسر كثير من فرسانهم وَقتل كثيرا، ثمَّ عَاد زنكي فَأخذ الأثارب عنْوَة وَقتل وَأسر كل من فِيهِ، وَجعل الْحصن دكاً إِلَى الْآن. وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة (توفّي الْآمِر) بِأَحْكَام الله مَنْصُور بن المستعلي بن الْمُسْتَنْصر الْعلوِي صَاحب مصر وثب عَلَيْهِ فِي المنتزه الباطنية فَقَتَلُوهُ وولايته تسع وَعِشْرُونَ سنة

стр. 401

وَخَمْسَة أشهر وَخَمْسَة عشر يَوْمًا، وعمره أَربع وَثَلَاثُونَ سنة، وَهُوَ الْعَاشِر من ولد الْمهْدي، وَهُوَ الْعَاشِر من الْخُلَفَاء العلويين، وَلما قتل لم يكن لَهُ ولد فولي ابْن عَمه الْحَافِظ عبد الْمجِيد بن أبي الْقَاسِم بن الْمُسْتَنْصر صُورَة نَائِب عَسى أَن يظْهر للْآمِر حمل واستوزر أَبَا عَليّ أَحْمد بن الْأَفْضَل بن بدر الجمالي فتغلب على الْحَافِظ وَنقل مَا بِالْقصرِ إِلَى دَاره وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى أَن قتل أَبُو عَليّ كَمَا سَيَأْتِي. وفيهَا: كَانَ الرصد بِالدَّار السُّلْطَانِيَّة شَرْقي بَغْدَاد، تولاه البديع الأسطرلابي وَلم يتم. وفيهَا: ملك السُّلْطَان مَسْعُود قلعة ألموت. وفيهَا توفّي إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان بن مُحَمَّد الْغَزِّي، وَدفن ببلخ، وَهُوَ من غَزَّة، ومولده سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين، وَهُوَ من الشُّعَرَاء المجيدين، لَهُ قصيدة فِي مدح التّرْك مِنْهَا: (أمط عَن الدُّرَر الزهر اليواقيتا ... وَاجعَل لحج تلاقينا مواقيتا) (فِي فتية من جيوش التّرْك مَا تركت ... للرعد كراتهم صَوتا وَلَا صيتًا) (قوم إِذا قوبلوا كَانُوا مَلَائِكَة ... حسنا وَإِن قوتلوا كَانُوا عفاريتا) ثمَّ ترك الشّعْر وَقَالَ: (قَالُوا هجرت الشّعْر قلت ضَرُورَة ... بَاب البواعث والدواعي مغلق) (خلت الْبِلَاد فَلَا كريم يرتجى ... مِنْهُ النوال وَلَا مليح يعشق) (وَمن الْعَجَائِب أَنه لَا يَشْتَرِي ... ويخان فِيهِ مَعَ الكساد وَيسْرق) قلت: وَله وَقد كبر وَضعف: (طول حَيَاة مَا لَهَا طائل ... نغض عِنْدِي كل مَا يشتهى) (أَصبَحت مثل الطِّفْل فِي ضعفه ... تناسب المبدأ والمنتهى) وَللَّه قَوْله: (خُذ مَا صفا لَك فالحياة غرور ... والدهر يعدل تَارَة ويجور) (هُوَ مذنب وعلاك من حَسَنَاته ... كالنار محرقة وفيهَا النُّور) (بَادر فَإِن الْوَقْت سيف قَاطع ... والعمر جَيش والشباب أَمِير) وَقَوله: (قَالُوا نزلت فَقلت الدَّهْر أقسم بِي ... لَا وَجه للرفع فِي الْمَجْرُور بالقسم) وَقَوله: (أما الخيال فَمَا قبلت مِنْهُ فَمَا ... بل كَانَ حظي من إلمامه ألما) (وافى عبوساً فَمَا استوفيت رُؤْيَته ... باللحظ حَتَّى تلاه الْفجْر مُبْتَسِمًا) وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة خمس وَعشْرين وَخَمْسمِائة " أسر دبيس بن صَدَقَة ": سَببه مسيره من

стр. 402

الْعرَاق إِلَى صرخد فَإِن صَاحب صرخد الحصني توفّي، فاستولت سريته إِلَى قلعتها بِمَا فِيهَا، واستدعت دبيساً للتزوج بِهِ اسْتِدَامَة للجاه، فضل الدَّلِيل بدبيس فَنزل بناس من كلب شَرْقي الغوطة، فَحَمَلُوهُ إِلَى بوري صَاحب دمشق فِي شعْبَان مِنْهَا فحبسه بوري، وَبلغ ذَلِك زنكي فَأرْسل يَطْلُبهُ مِنْهُ وَيُطلق عوضه ابْنه سونج وَأَصْحَابه حَسْبَمَا مر، فَأَجَابَهُ بوري إِلَى ذَلِك وَأطلق زنكي الْمَذْكُورين وتسلم دبيساً، فأيقن دبيس بِالْهَلَاكِ لِكَثْرَة مَا وَقع مِنْهُ فِي حق زنكي، فعامله زنكي بِخِلَاف ظَنّه، وأكرمه وَحمل إِلَيْهِ الْأَمْوَال وَالسِّلَاح وَالدَّوَاب، وَقدمه على نَفسه، وَبعث المسترشد الْخَلِيفَة يطْلب مِنْهُ دبيساً مَعَ سديد الدولة بن الْأَنْبَارِي وَأبي بكر بن بشر الْجَزرِي، فَأَمْسَكَهُمَا زنكي وأوقع بِابْن بشر مَكْرُوها، ثمَّ شفع المسترشد فِي ابْن الْأَنْبَارِي فَأَطْلقهُ، وَاسْتمرّ دبيس عِنْد زنكي، وَسَيَأْتِي بَاقِي خَبره. وفيهَا: فِي شَوَّال (توفّي السُّلْطَان مَحْمُود) بن مُحَمَّد بن ملك شاه ابْن ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق بهمدان، وعمره نَحْو سبع وَعشْرين سنة، وَكسر، فاجلس وزيره أَبُو الْقَاسِم النساباذي ابْنه دَاوُد بن مَحْمُود فِي السلطنة وَصَارَ أتابكه أقسنقر الأحمديلي، وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلا. وفيهَا: وَثَبت الباطنية على تَاج الْمُلُوك بوري بن طغتكين صَاحب دمشق فجرحوه جرحين برأَ أَحدهمَا وتنسر الآخر فأضعفه. وفيهَا: توفّي حَمَّاد بن مُسلم الرحي الدباس الزَّاهِد الْمَشْهُور لَهُ كرامات وَسمع الحَدِيث، وَله تلاميذ كَثِيرُونَ وَلَا مبالاة بثلب أبي الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ لَهُ. ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا قتل أَبُو عَليّ بن الْأَفْضَل الجمالي وَزِير الْحَافِظ الْعلوِي كَانَ قد حجر على الْحَافِظ حَتَّى خطب لنَفسِهِ خَاصَّة، وَقطع من الْأَذَان حَيّ على خير الْعَمَل فنفرت الشِّيعَة مِنْهُ وقتلته المماليك فِي لعب الكرة، ونهبت دَاره، وَخرج الْحَافِظ من الاعتقال وَنقل مَا فِي دَار أبي عَليّ إِلَى الْقصر، وبويع الْحَافِظ يَوْم قَتله واستوزر أَبَا الْفَتْح يانس الحافظي، وَمَات يانس بعد قَلِيل فاستوزر ابْن الْحسن نَفسه وخطب لَهُ بِولَايَة الْعَهْد. ثمَّ قتل الْحسن سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة فَإِنَّهُ تغلب على الْأَمر، وصادر النَّاس، فسمه أَبوهُ، واستوزر بهْرَام النَّصْرَانِي فتحكم وَاسْتعْمل الأرمن على النَّاس وَسَيَأْتِي. وفيهَا: طلب مَسْعُود أَخذ السلطنة من ابْن أَخِيه دَاوُد بن مَحْمُود، وَكَذَلِكَ طلب سلجوق بن مُحَمَّد صَاحب فَارس السلطنة، وَقدم سلجوق بَغْدَاد وَاتفقَ مَعَ الْخَلِيفَة، واستنجد مَسْعُود بزنكي فَسَار إِلَى بَغْدَاد لقِتَال الْخَلِيفَة وسلجوق، فقاتله قراجة أتابك سلجوق، فَانْهَزَمَ زنكي إِلَى تكريت وَكَانَ الدزدار بهَا نجم الدّين أَيُّوب فَأَقَامَ لَهُ المعابر فَعبر عماد الدّين زنكي وَسَار إِلَى بِلَاده وَهَذَا سَبَب اتِّصَال نجم الدّين أَيُّوب بزنكي، ثمَّ وَقع الِاتِّفَاق على أَن السلطنة لمسعود وَولَايَة الْعَهْد السلجوق وعادوا إِلَى بَغْدَاد وَنزل مَسْعُود بدار

стр. 403

السُّلْطَان وسلجوق بدارالشحنكية، وَكَانَ اجْتِمَاعهم فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا ثمَّ أقبل سنجر من خُرَاسَان وَمَعَهُ طغرل بك ابْن أَخِيه السُّلْطَان مُحَمَّد لأخذ السلطنة من مَسْعُود، وَجرى المصاف بَينه وَبَين مَسْعُود وسلجوق، فَانْهَزَمَ مَسْعُود، ثمَّ أَمن سنجر مسعوداً فَحَضَرَ عِنْده وَقَبله وعاتبه وَأَعَادَهُ إِلَى كنجة، وأجلس الْملك طغرل بك فِي السلطنة، وخطب لَهُ ثمَّ عَاد سنجر إِلَى خُرَاسَان. وفيهَا: سَار زنكي وَمَعَهُ دبيس بن صَدَقَة فقاتل الْخَلِيفَة بحصن البرامكة فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب فَهزمَ زنكي ميمنة الْخَلِيفَة وَحمل الْخَلِيفَة بِنَفسِهِ وَبَقِيَّة الْعَسْكَر فَانْهَزَمَ دبيس ثمَّ زنكي. وفيهَا: توفّي تَاج الْمُلُوك بوري بِسَبَب جرح الباطنية حَسْبَمَا مر فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من رَجَب، وإمارته أَربع سِنِين وَكسر، ووصى بِالْملكِ لِابْنِهِ شمس الْمُلُوك إِسْمَاعِيل، ووصى ببعلبك وأعمالها لوَلَده شمس الدولة مُحَمَّد، ثمَّ استولى مُحَمَّد على حصني الرَّأْس واللبوة فكاتب إِسْمَاعِيل أَخَاهُ مُحَمَّدًا فِي إعادتهما فَأبى فافتتحهما إِسْمَاعِيل وقررهما وَحصر أَخَاهُ ببعلبك وَملك الْمَدِينَة وَحصر القلعة فَسَأَلَهُ مُحَمَّد الصفح فَأَجَابَهُ وَأبقى عَلَيْهِ بعلبك وَعَاد إِلَى دمشق. ثمَّ دخلت سنة سبع وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا سَار شمس الْمُلُوك إِسْمَاعِيل بن بوري فِي غَفلَة، وَفتح مَدِينَة بانياس بِالسَّيْفِ، ثمَّ قلعتها بالأمان من أَيدي الفرنج. وفيهَا: جرى بَين مَسْعُود وَمَعَهُ ابْن أَخِيه دَاوُد وَبَين أَخِيه طغرل بك قتالاً شَدِيدا انهزم فِيهِ طغرل بك وَاسْتولى مَسْعُود على الباطنية وطرد طغرل بك حَتَّى إِلَى الرّيّ فاقتتلا ثَانِيًا فَانْهَزَمَ طغرل بك أَيْضا وَأسر جمَاعَة من أمرائه. وفيهَا: حصر الْخَلِيفَة المسترشد الْموصل ثَلَاثَة أشهر، وَكَانَ زنكي قد خرج مِنْهَا إِلَى سنجار، ثمَّ عَاد الْخَلِيفَة وَلم يظفر بهَا. وفيهَا: حاصر إِسْمَاعِيل بن بوري حماه وَهِي لزنكي من حِين غدر بسونج، وَقَاتل من بهَا يَوْم عيد الْفطر وَعَاد لم يملكهَا، ثمَّ بكر وزحف من جنباتها فملكها عنْوَة وَأمن أَهلهَا وَحصر القلعة وَلم تكن حَصِينَة لِأَن تَقِيّ الدّين عمر ابْن أخي النَّاصِر صَلَاح الدّين قطع جبلها فِيمَا بعد، وعملها على هيئتها الْآن، فعجز النَّائِب عَن حفظهَا فسلمها إِلَى إِسْمَاعِيل وَمَا بهَا من ذخائر فِي شَوَّال مِنْهَا، ثمَّ حاصر قلعة شيزر فصانعه صَاحبهَا بِمَال فَعَاد عَنْهَا. وفيهَا: اجْتمع التركمان إِلَى نَحْو طرابلس فَخرج فرنجها واقتتلوا فَانْهَزَمَ الفرنج وَسَار القومص صَاحب طرابلس وَمن مَعَه وانحصروا فِي حصن بعرين، وحصرهم التركمان فِيهِ، ثمَّ هرب القومص من الْحصن فِي عشْرين فَارِسًا وَجمع الفرنج وقصدوا التركمان فَعَادَت التركمان عَنْهُم. وفيهَا: اشترت الإسماعيلية حصن القدموس من صَاحبه ابْن عمرون.

стр. 404

وفيهَا: فِي ربيع الآخر وثب على شمس الْمُلُوك إِسْمَاعِيل بعض مماليك جده طغتكين بِسيف فَلم يعْمل فِيهِ وقبضوا الواثب فَقَالَ: أردْت إراحة الْمُسلمين من ظلمك، وَأقر من الضَّرْب على جمَاعَة فَقَتلهُمْ من غير تَحْقِيق وَقتل مَعَ ذَلِك الشَّخْص أَخَاهُ سونج بن بوري، فنفرت الْقُلُوب من إِسْمَاعِيل بقتل أَخِيه. وفيهَا: توفّي عَليّ بن يعلى بن عوض الْهَرَوِيّ الْوَاعِظ أَكثر من سَماع الحَدِيث، وَله ذكر بخراسان. وفيهَا: توفّي أَبُو فليتة أَمِير مَكَّة فوليها أَبُو الْقَاسِم. ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي الْمحرم سَار شمس الْمُلُوك صَاحب دمشق وتغلب على حصن الشقيف وَأَخذه من الضَّحَّاك بن جندل رَئِيس وَادي التيم فَعظم على الفرنج وَرفعت الْهُدْنَة بَينهم وَبَين شمس الْمُلُوك. وفيهَا: استولى عماد الدّين زنكي على قلاع الأكراد الحميدية مِنْهَا الْعقر وشوش، ثمَّ على قلاع الهكارية وكواشي. وفيهَا: أوقع ابْن الدانشمند صَاحب ملطية بفرنج الشَّام فَقتل مِنْهُم كثيرا. وفيهَا: اصْطلحَ الْخَلِيفَة وعماد الدّين زنكي. ثمَّ دخلت سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي الْمحرم مَاتَ السُّلْطَان طغرل بك بن السُّلْطَان مُحَمَّد بعد هزيمته من أَخِيه مَسْعُود، وَقد استولى على بِلَاد الْجَبَل ومولده سنة ثَلَاث وَخَمْسمِائة فِي الْمحرم. وَكَانَ خيرا عَاقِلا وَبلغ أَخَاهُ ذَلِك فَسَار نَحْو هَمدَان وَأَقْبَلت العساكر إِلَيْهِ فاستولى على هَمدَان وأطاعته الْبِلَاد جَمِيعًا. وفيهَا: فِي ربيع الآخر قتل شمس الْمُلُوك إِسْمَاعِيل صَاحب دمشق، ومولده سنة سِتّ وَخَمْسمِائة. وَقيل: كرهت أمة ظلمه الرّعية فَوَافَقت على قَتله، وَقيل: اتهمت بشخص من أَصْحَاب أَبِيه اسْمه يُوسُف بن فَيْرُوز فخافته فسر قَتله النَّاس، وَملك بعده أَخُوهُ شهَاب الدّين مَحْمُود بن بوري، وَحلف لَهُ النَّاس. وفيهَا: بعد قتل شمس الْمُلُوك حاصر زنكي دمشق فَلم يجد فِيهَا مطعماً فَعَاد إِلَى بِلَاده. وفيهَا: كَانَت الْحَرْب بَين الْخَلِيفَة المسترشد وَبَين السُّلْطَان مَسْعُود فِي عَاشر رَمَضَان فَصَارَ غَالب عَسْكَر الْخَلِيفَة مَعَ مَسْعُود وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ وَأسر الْخَلِيفَة وَسَار مَسْعُود من هَمدَان إِلَى مراغة فِي شَوَّال لقِتَال ابْن أَخِيه دَاوُد بن مَحْمُود وَأنزل الْخَلِيفَة فِي خيمة مُنْفَرِدَة، وَاتفقَ وُصُول السُّلْطَان سنجر فَركب مَسْعُود والعساكر لتلقيه فَوَثَبت الباطنية على المسترشد فِي الْخَيْمَة فَقَتَلُوهُ ومثلوا بِهِ وجدعوا أَنفه وَأُذُنَيْهِ فِي يَوْم الْأَحَد سَابِع عشر ذِي الْقعدَة وعمره

стр. 405

ثَلَاث وَأَرْبَعُونَ، وَأم المسترشد أم ولد، وَكَانَ فصيحاً حسن الْخط شجاعاً. " فبويع ابْنه الراشد بِاللَّه " وَهُوَ الثَّلَاثُونَ مِنْهُم أَبُو جَعْفَر مَنْصُور بن المسترشد فضل بن المستظهر مَعَ عهد سبق من أَبِيه وَذَلِكَ فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة مِنْهَا، وَكتب مَسْعُود إِلَى بَغْدَاد بذلك فَحَضَرَ بيعَته أحد وَعِشْرُونَ من أَبنَاء الْخُلَفَاء. وفيهَا: قتل السُّلْطَان مَسْعُود دبيس بن صَدَقَة بِظَاهِر خوي، وَكَانَ ابْنه صَدَقَة بالحلة فَلَمَّا بلغه الْخَبَر اجْتمع عَلَيْهِ عَسْكَر أَبِيه. وفيهَا: استولى الفرنج على جَزِيرَة جربه من أَعمال إفريقية، وهرب أسر من بهَا من الْمُسلمين. وفيهَا: صَالح الْمُسْتَنْصر بن هود الفرنج على تَسْلِيم حصن زوطه من الأندلس إِلَى صَاحب طليطلة الفرنجي. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فِيهَا: فِي ربيع الأول تسلم شهَاب الدّين مَحْمُود بن بوري صَاحب دمشق حمص وقلعتها من أَوْلَاد الْأَمِير قرجان لضجرهم من كَثْرَة تعرض زنكي إِلَيْهَا وعوضهم بتدمر، فتابع زنكي الغارات عَلَيْهَا إِلَى أَن صَالحه مَحْمُود بن بوري، فَكف زنكي حِينَئِذٍ عَنْهَا، وفيهَا سَارَتْ عَسَاكِر زنكي الدّين بحلب وحماه ومقدمهم أسوار نَائِب زنكي بحلب إِلَى الفرنج فِي نواحي اللاذقية، وأوقعوا بالفرنج وامتلأوا كسباً وأسراً وعادوا. خلع الراشد وَولَايَة المقتفي وَهُوَ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ مِنْهُم: كَانَ الراشد قد اتّفق مَعَ زنكي وَغَيره على خلاف السُّلْطَان مَسْعُود وَطَاعَة دَاوُد بن السُّلْطَان مَحْمُود، فَجمع مَسْعُود العساكر وَحصر بَغْدَاد نيفاً وَخمسين يَوْمًا فَلم يظفر بهم، فارتحل إِلَى النهروان، ثمَّ وصل طرنطاي بسفن كَثِيرَة فَعَاد مَسْعُود إِلَى بَغْدَاد وَعبر إِلَى غربي دجلة وَاخْتلف عَسْكَر بَغْدَاد فَعَاد الْملك دَاوُد إِلَى بِلَاد أذربيجان فِي ذِي الْقعدَة، وَسَار الْخَلِيفَة الراشد مَعَ عماد الدّين زنكي إِلَى الْموصل فَسَار مَسْعُود إِلَى بَغْدَاد، وَاسْتقر بهَا فِي منتصف ذِي الْقعدَة، وَجمع الْقُضَاة والأكابر وخلع الراشد لكَونه عاهده أَن لَا يقاتله، وَمَتى خَالف فقد خلع نَفسه، فَكَانَت خلَافَة الراشد أحد عشر شهرا وَأحد عشر يَوْمًا، ثمَّ بَايع المقتفي لأمر الله مُحَمَّد بن المستظهر، والمقتفي عَم الراشد هُوَ والمسترشد ابْنا المستظهر وليا الْخلَافَة، وَكَذَا السفاح والمنصور أَخَوان، وَكَذَا الْمهْدي والرشيد أَخَوان، وَكَذَلِكَ الواثق والمتوكل. وَأما ثَلَاثَة ولوا الْخلَافَة: فالأمين والمأمون والمعتصم أَوْلَاد الرشيد، وَكَذَا المقتفي والمقتدر والقاهر بَنو المعتضد، والراضي والمتقي والمطيع بَنو المقتدر، وَأما أَرْبَعَة ولوها: فالوليد، وَسليمَان، وَيزِيد، هِشَام بَنو عبد الْملك لَا يعرف غَيرهم، وَعمل بخلع الراشد محضراً أرْسلهُ إِلَى الْموصل.

стр. 406

وَزَاد المقتفي فِي أقطاع زنكي وألقابه، وَحكم بالمحضر قَاضِي الْقُضَاة الزَّيْنَبِي بالموصل، وخطب للمقتفي فِي الْموصل فِي رَجَب سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا عزل الْحَافِظ وزيره بهْرَام النَّصْرَانِي الأرمني لتوليته الأرمن، ثمَّ ترهب بهْرَام، واستوزر الْحَافِظ مَكَانَهُ رضوَان بن الوكخشي، وَكَانَ أكبر الآنفين من تَوْلِيَة بهْرَام، ولقب رضوَان الْملك الْأَفْضَل فَهُوَ أول وَزِير للمصريين لقب بِالْملكِ، ثمَّ وجد الْحَافِظ على رضوَان فهرب مِنْهُ، وَفِي الآخر قَتله وَلم يستوزر بعده. وفيهَا: نَازل زنكي حمص وَبهَا صَاحبهَا معِين الدّين أنز أقطعه إِيَّاهَا مَحْمُود بن بوري فَإِن أنز مَمْلُوك جده فَمَا ظفر بهَا زنكي فارتحل عَنْهَا فِي الْعشْرين من شَوَّال إِلَى بعرين وحصرالفرنج بقلعتها، وَجمع الفرنج وجاؤوه ليدفعوه عَنْهَا، فَاقْتَتلُوا شَدِيدا فَانْهَزَمَ الفرنج وَدخل كثير من مُلُوكهمْ الهاربين إِلَى حصن بارين، فعاود زنكي الْحصار لَهُم فطلبوا الْأمان فقرر عَلَيْهِم تَسْلِيم الْحصن، وَخمسين ألف دِينَار يحملونها إِلَيْهِ فَأَجَابُوا فَأَطْلَقَهُمْ وتسلم الْحصن وَالذَّهَب. وَكَانَ زنكي فِي مُدَّة مقَامه على بارين قد فتح المعرة وكفرطاب أخذهما من الفرنج وَحضر أهل المعرة وطلبوا تَسْلِيم أملاكهم الَّتِي كَانَ قد أَخَذتهَا الفرنج، فَطلب كتب أملاكهم فَذكرُوا أَنَّهَا عدمت فكشف من ديوَان حلب على الْخراج وَأَفْرج عَن كل ملك كَانَ عَلَيْهِ الْخراج لأَصْحَابه. قلت: وَفِي تَارِيخ ابْن خلكان أَن الفرنج ملكوا معرة النُّعْمَان فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة، واستمرت بأيدي الفرنج إِلَى أَن فتحهَا عماد الدّين زنكي بن أقسنقر سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة، وَمن على أَهله بأملاكهم والتفاوت بَين التاريخين يسير لكنه مُخْتَلف، وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي الْمحرم ملك زنكي حصن المجدل من صَاحب دمشق وراسله مستحفظ بانياس وأطاعه، وحاصر حمص ثمَّ رَحل عَنْهَا إِلَى سلميه لنزول الرّوم على حلب كَمَا سَيَأْتِي. ثمَّ عَاد ونازل حمص فتسلم الْمَدِينَة والقلعة وَأرْسل زنكي وخطب أم شهَاب الدّين مَحْمُود صَاحب دمشق وَتَزَوجهَا وَهِي زمرد خاتون بنت جاولي الَّتِي قتلت ابْنهَا إِسْمَاعِيل وَهِي الَّتِي بنت الْمدرسَة المطلة على وَادي الشقرا ظَاهر دمشق، وحملت إِلَيْهِ فِي رَمَضَان تزَوجهَا طَمَعا فِي دمشق فَمَا خَابَ أمله أعرض عَنْهَا. قلت: وعوقبت بِالْحَاجةِ إِلَى أَن تزوجت بباقلاني فَكَانَ إِذا غضب عَلَيْهَا لطمها فَتَقول لَهُ: لَو عَرفتنِي مَا لطمتني، وَالله أعلم.

стр. 407

فعل ملك الرّوم بِالشَّام خرج ملك الرّوم من بِلَاده سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فاشتغل بِقِتَال الأرمن وَصَاحب أنطاكية وَغَيره. وَفِي هَذِه السّنة وصل إِلَى الشَّام وحاصر بزاعة وملكها بالأمان وَهِي بَين حلب ومنبج فِي نصف الطَّرِيق فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من رَجَب، ثمَّ غدر بِأَهْلِهَا فَقتل وسبى وَأسر، وَتَنصر قاضيها وَنَحْو أَرْبَعمِائَة نفس خوفًا من الْقَتْل، ثمَّ رَحل عَنْهَا بعد عشرَة أَيَّام بِمن مَعَه من الفرنج إِلَى حلب وَنزل على قونق وَجرى بَينه وَبَين أهل حلب قتال كثير فَقتل من الرّوم بطرِيق عَظِيم فعادوا خاسرين وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام رحلوا إِلَى الأثارب وملكوها وَتركُوا بهَا سَبَايَا بزاعة، وَعِنْدهم من الرّوم من يحفظهم، وَسَار ملك الرّوم بمجموعة نَحْو شيزر فَخرج أسوار نَائِب زنكي بحلب بِمن عِنْده وأوقع بالروم فِي الأثارب وقتلهم واستفلت أسرى بزاعة وسباياها، وَنصب ملك الرّوم على شيرز ثَمَانِيَة عشر منجنيقاً فاستنجد صَاحب شيزر أَبُو العساكر سُلْطَان بن عَليّ بن مقلد بن نصر بن منقذ الْكِنَانِي زنكي فَسَار زنكي وَنزل على العَاصِي بَين حماة وشيزر، فَكَانَ زنكي كل يَوْم يركب فِي عسكره ويشرفون على الرّوم، وَيُرْسل السَّرَايَا فَيَأْخُذُونَ كل مَا ظفروا بِهِ مِنْهُم إِلَى أَرْبَعَة وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ رحلوا عَنْهَا خائبين، وتبعهم زنكي فظفر بِكَثِير من المتخلفين مِنْهُم. وَفِيه يَقُول مُسلم بن خضر بن قسيم الْحَمَوِيّ: (بعزمك أَيهَا الْملك الْعَظِيم ... تذل لَك الصعاب وتستقيم) (ألم تَرَ أَن كلب الرّوم لما ... تبين أَنه الْملك الرَّحِيم) (وَقد نزل الزَّمَان على رِضَاهُ ... ودان لخطبه الْخطب الجسيم) (فحين رميته بك عَن خَمِيس ... تَيَقّن فَوت مَا أَمْسَى يروم) (كَأَنَّك فِي العجاج شهَاب نور ... توقد وَهُوَ شَيْطَان رجيم) (أَرَادَ بَقَاء مهجته فولى ... وَلَيْسَ سوى الْحمام لَهُ حميم) مقتل الراشد ثمَّ أَن الراشد بعد خلعه وذهابه مَعَ زنكي إِلَى الْموصل سَار إِلَى مراغة، وَاتفقَ مَعَ الْملك دَاوُد بن مَحْمُود وملوك تِلْكَ الْأَطْرَاف على قتال السُّلْطَان مَسْعُود رَجَاء الْعود إِلَى الْخلَافَة، فَسَار إِلَيْهِم مَسْعُود واقتتلوا فَانْهَزَمَ دَاوُد وَغَيره، وَبَقِي مَسْعُود وَحده لاشتغال أَصْحَابه بِالْكَسْبِ فَحمل عَلَيْهِ الأميران يوزا بِهِ وَعبد الرَّحْمَن طغايرك، فَانْهَزَمَ مَسْعُود مِنْهُمَا، وَقبض يوزا بِهِ على جمَاعَة من أمرائه وعَلى صَدَقَة بن دبيس صَاحب الْحلَّة ثمَّ قَتلهمْ أجميعن، والراشد إِذْ ذَاك بهمدان، وَسَار الْملك دَاوُد إِلَى فَارس، وَبَقِي الراشد وَحده فَسَار إِلَى أصفهان، فَفِي الْخَامِس وَالْعِشْرين وثب عَلَيْهِ نفر من الخراسانية الَّذين مَعَه فَقَتَلُوهُ وَهُوَ

стр. 408

يُرِيد القيلولة وَهُوَ من أثر مرض، وَدفن بشهرستان وجلسوا لعزائه فِي بَغْدَاد يَوْمًا وَاحِدًا. وفيهَا: ملك تمرتاش صَاحب ماردين قلعة الهناخ من ديار بكر من آخر مُلُوك بني مَرْوَان. وفيهَا: قتل السُّلْطَان مَسْعُود البخشي شحنة بَغْدَاد. وفيهَا: زلزل الشَّام وَالْعراق وَغَيره فَهَلَك خلق بالخراب والردم. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وخسمائة: فِيهَا فِي الْمحرم سَار سنجر بجموعه إِلَى خوارزم شاه أتسز بن مُحَمَّد أنوش تكين فتقاتلا بخوارزم، فَانْهَزَمَ أتسز خوارزم شاه، وَاسْتولى سنجر على خوارزم واستناب بهَا وَعَاد إِلَى مرو فِي جُمَادَى الآخر مِنْهَا وَبعد عوده استولى عَلَيْهَا أتسز. وفيهَا: فِي شَوَّال (قتل شهَاب الدّين مَحْمُود) بن بوري بن طغتكين صَاحب دمشق قَتله على فرَاشه ثَلَاثَة من خَواص غلمانه وهربوا من القلعة فنجى أحدهم وصلب الِاثْنَان، واستدعى معِين الدّين أنز أَخَاهُ جمال الدّين مُحَمَّد بن بوري وَكَانَ صَاحب بعلبك وَملكه دمشق. وفيهَا فِي ذِي الْقعدَة: حاصر زنكي بعلبك وَنصب عَلَيْهَا أَرْبَعَة عشر منجنيقاً ثمَّ أَمن الْمَدِينَة وتسلمها، ثمَّ أَمن القلعة وتسلمها، ثمَّ غدر بهم فَأمر بهم فصلبوا فاستقبح النَّاس ذَلِك، مِنْهُ وحذر، وَكَانَت بعلبك لمُعين الدّين أنز أعطَاهُ إِيَّاهَا جمال الدّين مُحَمَّد لما ملك دمشق، وَكَانَ أنز قد تزوج بِأم جمال الدّين مُحَمَّد صَاحب دمشق، وَله جَارِيَة يُحِبهَا فأخرجها أنز إِلَى بعلبك، فَلَمَّا ملك زنكي بعلبك تزوج تِلْكَ الْجَارِيَة وَدخل بهَا فِي حلب، وَبقيت حَتَّى قتل زنكي على قلعة جعبر فأرسلها ابْنه نور الدّين مَحْمُود بن زنكي إِلَى أنز فَكَانَت أعظم الْأَسْبَاب فِي مودتهما. وفيهَا: توالت زلازل الشَّام وَخَربَتْ وَلَا سِيمَا فِي حلب فأنهم فارقوا بُيُوتهم إِلَى الصَّحرَاء، ودامت من رَابِع صفر إِلَى تَاسِع عشرَة. ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا حصر زنكي دمشق، وبذل لصَاحِبهَا جمال الدّين مُحَمَّد بعلبك وحمص فَلم يأمنوه لغدره بِأَهْل بعلبك، نزل على داريا من ثَالِث عشر ربيع الأول منازلاً لدمشق فَمَرض جمال الدّين مُحَمَّد بن بوري صَاحب دمشق وَمَات فِي ثامن شعْبَان، فَشدد زنكي الْقِتَال طَمَعا لذَلِك فَلم ينلها، وَأقَام معِين الدّين أنز فِي الْملك مجير الدّين أبق بن مُحَمَّد بن بوري بن طغتكين، وَاسْتمرّ انز يدبر الدولة، ثمَّ رَحل زنكي وَنزل غَدا من المرج وأحرق فِي قرى المرج وَعَاد إِلَى بِلَاده. وفيهَا: ملك زنكي شهرزور من صَاحبهَا قبجق بن أرسلان شاه التركماني، وَبَقِي قبجق من عَسْكَر زنكي.

стр. 409

وفيهَا: قتلت الباطنية المقرب جوهراً من كبراء عَسْكَر سنجر وَمن جملَة إقطاعه الرّيّ وقفُوا لَهُ فِي زِيّ النِّسَاء. وفيهَا: توفّي هبة الله بن الْحُسَيْن بن يُوسُف البديع الأصطرلابي، لَهُ فِي الْآلَات الفلكية الْيَد الطُّولى، وَله شعر جيد. قلت مِنْهُ: (أهدي لمجلسه الْكَرِيم وَإِنَّمَا ... أهدي لَهُ مَا حزت من نعمائه) (كالبحر يمطره السَّحَاب وَمَاله ... فضل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ من مَائه) وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا وصل رَسُول السُّلْطَان سنجر وَمَعَهُ بردة النَّبِي ﷺ َ -، والقضيب أخذا من المسترشد وأعيدا إِلَى المقتفي. وفيهَا: ملك الإسماعيلية حصن مصياث بِالشَّام، تسلقوا على وَالِي بني منقذ وقتلوه وملكوه. وفيهَا: توفّي الْفَتْح بن مُحَمَّد بن عبيد الله بن خاقَان قَتِيلا فِي فندق بمراكش، فَاضل فِي الْأَدَب، لَهُ قلائد العقبان أَجَاد فِيهِ. ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا كَانَ المصاف الْعَظِيم بَين التّرْك الْكفَّار من الخطا وَبَين السُّلْطَان سنجر، فَانْهَزَمَ عَسْكَر سنجر وأسرت زَوجته، وَكَانَ خوارزم شاه مَعَ الْكفَّار لكَون سنجر قتل ابْنه، ثمَّ سَار خوارزم شاه أتسز إِلَى خُرَاسَان وَنهب أَمْوَال سنجر وَغَيرهَا، واستقرت دولة الخطا وَالتّرْك الْكفَّار بِمَا رواء النَّهر. ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا فتح جَيش زنكي قلعة أشب الْعَظِيمَة من أَيدي الأكراد الهكارية وخربوها، وَبنى القلعة الْعمادِيَّة عوضهَا، وَكَانَ حصناً خراباً. وفيهَا: حصرت فرنج الْبَحْر طرابلس الغرب ثمَّ عَادوا. وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن الدانشمند صَاحب ملطية والثغر وَملك بِلَاده الْملك مَسْعُود بن قلج أرسلان السلجوقي صَاحب قونية. ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا كَانَ الصُّلْح بَين السُّلْطَان مَسْعُود وزنكي. وفيهَا: فتح زنكي طنزه وأسعرد وحيزان وحصن الدوق وحصن مطليس وحصن باتسية وحصن ذِي القرنين وَأخذ من يَد الفرنج حملين والموزر وتل موزر وَغَيرهَا من حصون جوسلين. وفيهَا: حصر السُّلْطَان سنجر أتسز بخوارزم، فأطاعه أتسز، فَعَاد عَنهُ سنجر. وفيهَا: ملك زنكي عانة.

стр. 410

وفيهَا: قتل دَاوُد بن السُّلْطَان مَحْمُود بن ملك شاه غيلَة وَلم يعرف قَاتله. وفيهَا: توفّي أَبُو الْقَاسِم مَحْمُود بن عمر بن مُحَمَّد بن عمر الْخَوَارِزْمِيّ، الزَّمَخْشَرِيّ، ومولده فِي رَجَب سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة، وزمخشر من قرى خوارزم إِمَام عصره غير مدافع متظاهر بالإعتزال، حَنَفِيّ الْمَذْهَب افْتتح كشافه فِي التَّفْسِير بِالْحَمْد لله الَّذِي خلق الْقُرْآن ثمَّ أصلح بعده بِالْحَمْد لله الَّذِي أنزل الْقُرْآن، وَله الْمفصل فِي النَّحْو، وَكم لَهُ من كتاب قدم بَغْدَاد وناظر بهَا وجاور بِمَكَّة سِنِين فَسُمي جَار الله. وَمن شعره يرثي شَيْخه أَبَا مُضر منصوراً: (وقائلة مَا هَذِه الدُّرَر الَّتِي ... تساقط من عَيْنَيْك سمطين) (فَقلت لَهَا الدّرّ الَّذِي كَانَ قد حَشا ... أَبُو مُضر أُذُنِي تساقط من عَيْني) وَله: (فَإنَّا اقتصرنا بالذين تضايقت ... عيونهم وَالله يَجْزِي من اقْتصر) (مليح وَلَكِن عِنْده كل جفوة ... وَلم أر فِي الدُّنْيَا صفاء بِلَا كدر) قلت: وَقد أذكرني هَذَا بَيْتَيْنِ لي وهما: (سل الله رَبك من فَضله ... إِذا عرضت حَاجَة مقلقة) (وَلَا تقصد التّرْك فِي حَاجَة ... فأعينهم أعين ضيقَة) وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا فتح زنكي الرها من الفرنج بِالسَّيْفِ بعد حِصَار نَحْو شهر وسروج وَسَائِر مَا بيد الفرنج شَرْقي الْفُرَات، وحاصر البيرة ثمَّ رَحل عَنْهَا بِسَبَب قتل نَائِبه بالموصل نصير الدّين جقر، وَسبب قَتله أَن ألب أرسلان بن السُّلْطَان مُحَمَّد بن مُحَمَّد السلجوقي كَانَ عِنْد زنكي، وَكَانَ زنكي مُتَوَلِّيًا هَذِه الْبِلَاد الَّتِي بيد الْملك ألب أرسلان وأتابكه وَلذَلِك قيل الأتابك زنكي، وَكَانَ جقر يقوم بوظائف خدمَة ألب أرسلان بالموصل فَحسن بعض المناحيس لألب أرسلان حَتَّى قتل جقر طَمَعا فِي أَخذ الْبِلَاد من زنكي، فاجتمعت كبراء دولة زنكي، وأمسكوا ألب أرسلان فَترك زنكي البيرة لذَلِك وخشي الفرنج بالبيرة من عوده فسلموها إِلَى نجم الدّين صَاحب ماردين وَصَارَت للْمُسلمين. وفيهَا: خرج أسطول الفرنج من صقلية إِلَى سَاحل إفريقية فملكوا مَدِينَة برسك قتلا وسبياً. ثمَّ دخلت سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا هرب عَليّ بن دبيس بن صَدَقَة من السُّلْطَان مَسْعُود فاستولى على الْحلَّة وتقوى. وفيهَا: اعتقل الْخَلِيفَة المقتفي أَخَاهُ أَبَا طَالب وَغَيره من أَقَاربه.

стр. 411

وفيهَا: ملك الفرنج شنترين وماجه ومارده وأشبونه والمعاقل الْمُجَاورَة لَهَا من الأندلس. وفيهَا: توفّي مُجَاهِد الدّين بهروز الْخصي الْأَبْيَض، حكم بالعراق نيفاً وَثَلَاثِينَ سنة. وفيهَا: توفّي الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور موهوب بن أَحْمد الجواليقي اللّغَوِيّ ومولده ذُو الْحجَّة سنة خمس وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة أَخذ عَن التبريزي وَأم بالمقتفي، كَانَ محققاً يفكر، ثمَّ يَقُول، وَكم قَالَ: لَا أَدْرِي؛ أَخذ عَنهُ الْكِنْدِيّ وَأَبُو الْبَقَاء، وَعبد الْوَهَّاب بن سكنبة. وفيهَا: توفّي أَبُو بكر يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن بَقِي الأندلسي الْقُرْطُبِيّ الشَّاعِر، لَهُ الموشحات البديعة. وَمن شعره: (يَا أفتك النَّاس ألحاظاً وأطيبهم ... ريقاً مَتى كَانَ فِيك الصاب وَالْعَسَل) (فِي صحن خدك وَهُوَ الشَّمْس طالعة ... ورد يزينك فِيهِ الراح والخجل) (إِيمَان حبك فِي قلبِي يجدده ... من خدك الْكتب أَو من لحظك الرُّسُل) (إِن كنت تجْهَل إِنِّي عبد مملكة ... مرني بِمَا شِئْت آتيه وأمتثل) (لَو اطَّلَعت على قلبِي وجدت بِهِ ... من فعل عَيْنَيْك جرحا لَيْسَ يندمل) ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا حصر الفرنج طرابلس الغرب، وَفِي ثَالِث يَوْم أَرَادَت طَائِفَة من أَهلهَا تأمير رجل من الملثمين طَائِفَة تقدم بني مطروح فَاقْتَتلُوا فخلت الأسوار فانتهز الفرنج الفرصة وصعدوا بالسلاليم وملكوها فِي الْمحرم وسفكوا ثمَّ أمنُوا من بَقِي وتراجع ناسها وَحسن حَالهَا. وفيهَا: حصر زنكي قلعة جعبر وصاحبها عَليّ بن مَالك بن سَالم بن بدران بن الْمُقَلّد بن الْمسيب الْعقيلِيّ، وَحصر عسكره قلعة فنك جَوَاز جَزِيرَة ابْن عمر وصاحبها حسام الدولة البشنوي، وَلما طَال على زنكي منازلة قلعة جعبر أرسل مَعَ حسان البعلبكي الَّذِي كَانَ صَاحب منبج يَقُول لصَاحب قلعة جعبر: من يخلصك مني؟ فَقَالَ لحسان: يخلصني مِنْهُ الَّذِي خلصك من مَالك بن بهْرَام بن أرتق وَكَانَ مَالك قد حصر منبج فَجَاءَهُ سهم فَقتله فَرجع حسان إِلَى زنكي وَلم يُخبرهُ بذلك، وَاسْتمرّ زنكي منازلاً لقلعة جعبر فَوَثَبَ عَلَيْهِ جمَاعَة من مماليكه فَقَتَلُوهُ فِي خَامِس ربيع الآخر مِنْهَا لَيْلًا وهربوا إِلَى قلعة جعبر فَأعْلم أهل القلعة الْعَسْكَر بقتْله فَدخل أَصْحَابه إِلَيْهِ وَبِه رَمق، وَكَانَ عماد الدّين زنكي أسمر حسنا مليح الْعَينَيْنِ وخطه الشيب وَجَاوَزَ السِّتين، وَدفن بالرقة؛ ملك الْموصل وَمَا مَعهَا وَالشَّام خلا دمشق وَكَانَت الْأَعْدَاء مُحِيطَة بمملكته وَهُوَ ينتصف مِنْهُم فَأخذ ابْنه نور الدّين مَحْمُود الْخَاتم من يَده وَهُوَ قَتِيل، وَسَار فَملك حلب وَكَانَ صُحْبَة زنكي ألب أرسلان السلجوقي فَركب يَوْم قتل زنكي وَاجْتمعت عَلَيْهِ العساكر فَحسن لَهُ بعض أَصْحَاب زنكي الْأكل وَالشرب وَسَمَاع اللَّهْو فَسَار ألب أرسلان إِلَى الرقة وانعكف على ذَلِك وَأرْسل أكَابِر

стр. 412

دولة زنكي إِلَى سيف الدّين غَازِي بن زنكي يعلمونه بِالْحَال وَهُوَ بشهرزور، فَسَار وَملك الْموصل وبلادها، ثمَّ تحرّك ألب أرسلان فحبسه غَازِي بالموصل. قلت: كَانَ أَبُو الْحُسَيْن بن مُنِير يعير ابْن القيسراني بِأَنَّهُ مَا صحب أحد إِلَّا نكب فغنى مغن عِنْد زنكي وَهُوَ على قلعة جعبر قَول الشَّاعِر: (ويلي فِي المعرض الغضبان إِذْ نقل ... الواشي إِلَيْهِ حَدِيثا كُله زور) (سلمت فازور يزوي قَوس حَاجِبه ... كأنني كأس خمر وَهُوَ مخمور) فاستحسنها زنكي، وَسَأَلَ لمن هِيَ، فَقيل: لِابْنِ مُنِير، فَطلب من حلب، فليلة وصل ابْن مُنِير قتل زنكي، فَقَالَ ابْن القيسراني: هَذَا بِجَمِيعِ مَا كنت تبكتني بِهِ، وَالله أعلم. وفيهَا: أرسل عبد الْمُؤمن بن عَليّ جَيْشًا فَملك من جَزِيرَة الأندلس مَا فِيهَا من بِلَاد الْمُسلمين. وفيهَا: بعد قتل زنكي قصد صَاحب دمشق مجير الدّين أبق حصن بعلبك وحصره وَبِه نجم الدّين أَيُّوب بن ساري مستخفياً، فخاف أَن أَوْلَاد زنكي لَا يُمكنهُم سرعَة إنجاده، فَسلم القلعة إِلَيْهِ على أقطاع وَمَال وقرى، وانتقل أَيُّوب فسكن دمشق. ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا دخل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي صَاحب حلب بِلَاد الفرنج فَفتح مِنْهَا ارْتَاحَ بِالسَّيْفِ وحصن ماموله وكفرفوث وكفرلاثا. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا جهز رجاز الفرنجي صَاحب صقلية مِائَتَيْنِ وَخمسين شينياً رجَالًا وسلاحاً مقدمهم جرجي فأشرفوا على المهدية وَبهَا الْحسن بن عَليّ بن يحيى بن تَمِيم بن الْمعز باديس صَاحب إفريقية، وَكَانَ الغلاء عَظِيما، وَقد أكل بعض النَّاس بَعْضًا من سنة سبع وَثَلَاثِينَ، فاتفق الْحسن بن عَليّ وأكابر الْبَلَد على أَن يرحلوا من المهدية بِمَا خف حمله وَالرِّيح يمْنَع الأسطول من الْوُصُول. ثمَّ دخل الفرنج المهدية ثُلثي النَّهَار بِلَا مَانع وَلَيْسَ بهَا مِمَّن عزم على الْخُرُوج أحد، وَدخل جرجي قصر الْإِمَارَة فَوَجَدَهُ مَمْلُوء الخزائن ذخائر وغرائب وحظايا الْحسن بن عَليّ، وَسَار الْأَمِير حسن بأَهْله فَأَقَامَ عِنْد بعض أُمَرَاء الْعَرَب، كَانَ يحسن إِلَيْهِ وَخَافَ من الطَّرِيق فانقبض عَن الْمسير إِلَى الْخَلِيفَة بِمصْر، وَسَار إِلَى ملك بجاية يحيى بن الْعَزِيز فَوكل يحيى بِهِ وبأولاده من يمنعهُم من التَّصَرُّف وَلم يجْتَمع يحيى بهم وأنزلهم فِي جزائر بني مزغنان إِلَى أَن ملك عبد الْمُؤمن بجاية سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَجَمِيع ممالك بني حَمَّاد فَأحْسن إِلَى الْأَمِير حسن إِلَى أَن فتح المهدية فَأَقَامَ فِيهَا والياً من جِهَته وَأمره أَن يرجع إِلَى رأى الْأَمِير حسن، وَكَانَ عدَّة من ملك من بني باديس من أريزي إِلَى الْحسن تِسْعَة مُلُوك، ثمَّ بذل جرجي الْأمان لأهل المهدية فتراجعوا من شدَّة الْجُوع. وفيهَا: سَار ملك الألمان من وَرَاء الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَحصر دمشق فِي جمع عَظِيم

стр. 413

وصاحبها مجير الدّين أبق بن مُحَمَّد بن بوري بن طغتكين وَالْحكم إِنَّمَا هُوَ لمُعين الدّين أنز مَمْلُوك جده طغتكين. وَفِي سادس ربيع الأول زحفوا على دمشق وَنزل ملك الألمان بالميدان الْأَخْضَر، وَسَار سيف الدّين غَازِي صَاحب الْموصل لينجد دمشق وَمَعَهُ أَخُوهُ نور الدّين بعسكره فَلَمَّا وصلوا حمص فت ذَلِك فِي أعضاد الفرنج وَأرْسل أنز إِلَى فرنج الشَّام يبْذل لَهُم قلعة بانياس فتخلوا عَن الألمان فخافت الألمان فرحلوا عَن دمشق إِلَى بِلَادهمْ وَسلم أنز قلعة بانياس إِلَى الفرنج حَسْبَمَا شَرط. وفيهَا: هزم الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود الفرنج عِنْد يغري فَقتل وَأسر وَأرْسل من الأسرى إِلَى أَخِيه سيف الدّين صَاحب الْموصل. وفيهَا: ملك الفرنج طرطوشة وقلاعها وحصون لارده من الأندلس. وفيهَا: عَم الغلاء الْمَشَارِق وَالْمغْرب. وفيهَا: فِي ربيع الأول قتل نور الدولة شاهنشاه بن أَيُّوب أَخُو صَلَاح الدّين لِأَبَوَيْهِ قَتله الفرنج فِي المصاف فِي منازلتهم لدمشق وَهُوَ أَبُو المظفر عمر صَاحب حماة وَأَبُو فرخ شاه صَاحب بعلبك. ثمَّ دخلت سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا توفّي سيف الدّين غَازِي ابْن زنكي صَاحب الْموصل وولايته ثَلَاث سِنِين وَشهر وَعِشْرُونَ يَوْمًا، ولد سنة خَمْسمِائَة، وَخلف ابْنا أحسن نور الدّين تَرْبِيَته، وَتُوفِّي شَابًّا، وانقرض بِمَوْتِهِ عقب غَازِي، وَكَانَ غَازِي حسن الصُّورَة كَرِيمًا يصنع لعسكره كل يَوْم طَعَاما بكرَة وعشياً. وَهُوَ أول من حمل على رَأسه السنجق فِي ركُوبه، وَأمر الْجند أَن يركبُوا بِالسُّيُوفِ فِي أوساطهم، والدبوس تَحت ركبهمْ. وَلما توفّي غَازِي كَانَ أَخُوهُ قطب الدّين مودود بن زنكي مُقيما بالموصل، فاتفق الْوَزير جمال الدّين وأمير الجيوش زين الدّين على تَمْلِيكه فحلفاه وحلفا لَهُ، واطاعته بِلَاد أَخِيه غَازِي. ثمَّ تزوج الخاتون بنت تمرتاش صَاحب ماردين، مَاتَ عَنْهَا أَخُوهُ غَازِي قبل الدُّخُول وَهِي أم أَوْلَاد قطب الدّين. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة (توفّي الْحَافِظ) الدّين الله بن الْأَمِير أبي الْقَاسِم بن الْمُسْتَنْصر الْعلوِي صَاحب مصر وخلافته عشرُون سنة إِلَّا خَمْسَة أشهر، وعمره نَحْو سبع وَسبعين، وَمَا ولي مِنْهُم من لَيْسَ أَبوهُ خَليفَة غير الْحَافِظ والعاضد. وبويع بعده ابْنه الظافر بِأَمْر الله أَبُو مَنْصُور إِسْمَاعِيل بن الْحَافِظ عبد الْمجِيد، واستوزر ابْن مصال وَبَقِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَحضر من الْإسْكَنْدَريَّة الْعَادِل بن السلار فَأرْسل الْعَادِل ربيبه بن أبي الْفتُوح بن يحيى بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس إِلَى ابْن مصال وَقد خرج فِي

стр. 414

طلب بعض المفسدين فَقتله الربيب وَعَاد فاستقر الْعَادِل فِي الوزارة وَلم يكن للظافر الْخَلِيفَة مَعَه حكم إِلَى أَن قَتله ربيبه عَبَّاس الْمَذْكُور وَتَوَلَّى الوزارة. وَكَانَ أَبُو الْفتُوح وَالِد عَبَّاس قد فَارق أَخَاهُ عَليّ بن يحيى صَاحب إفريقية وَتُوفِّي بِمصْر فَتزَوج الْعَادِل بن السلار أم الْعَبَّاس وَهُوَ مَعهَا صَغِير فَأحْسن تَرْبِيَته ثمَّ جازاه بقتْله وَسَيَأْتِي ذكره. وفيهَا: حصر الْعَادِل نور الدّين حصن حارم فَجمع الْبُرْنُس صَاحب أنطاكية وقاتله فَانْهَزَمَ الفرنج وَقتل الْبُرْنُس. قلت: وَفِي قتل الْبُرْنُس وَحمل رَأسه إِلَى حلب، وَأسر أَصْحَابه يَقُول ابْن مُنِير الطرابلسي: (أقوى الضلال وأقفرت عرصاته ... وَعلا الْهدى وتبلجت قسماته) (وانتاش دين مُحَمَّد محموده ... من بعد مَا علت دَمًا عشراته) (ردَّتْ على الْإِسْلَام عصر شبابه ... وثباته من دونه وثباته) (صدم الصَّلِيب على صلابة عوده ... فتفرقت أَيدي سبا خشباته) (وَسَقَى الْبُرْنُس وَقد تبرنس ذلة ... بِالروحِ مِمَّا قد جنت غدراته) (فانقاد فِي خطم الْمنية انفه ... يَوْم الْحطيم وأقصرت نزواته) (فجلوته تبْكي الأصادق نحبه ... بِدَم إِذا ضحِكت لَهُ شماته) (تمشي الْقَنَاة بِرَأْسِهِ وَهُوَ الَّذِي ... نظمت مدَار النيرين قناته) وَالله أعلم. وَملك بعد الْبُرْنُس ابْنه بيمند وَهُوَ طِفْل، وَتَزَوَّجت أمه بِرَجُل آخر وَتسَمى بالبرنس. ثمَّ أَن نور الدّين غزاهم غَزْوَة أُخْرَى فَهَزَمَهُمْ وَقتل وَأسر، وَأسر الْبُرْنُس الثَّانِي زوج أم بيمند فَتمكن بيمند فِي ملك أنطاكية. وفيهَا: كَانَت زَلْزَلَة عَظِيمَة. وفيهَا: توفّي معِين الدّين أنز نَائِب صَاحب دمشق، وَإِلَيْهِ ينْسب قصر معِين الدّين بالغور. وفيهَا: توفّي أَبُو المظفر يحيى بن هُبَيْرَة وَزِير الْخَلِيفَة المقتفي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع ربيع الآخر كَانَ قبل ذَلِك صَاحب ديوَان الزِّمَام. وفيهَا: توفّي القَاضِي نَاصح الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَاضِي تستر وأرجان من أَعمالهَا. وَمن شعره الْفَائِق: (وَلما بلوت النَّاس أطلب عِنْدهم ... أَخا ثِقَة عِنْد اعْتِرَاض الشدائد)

стр. 415

(فَلم أر فِيمَا سَاءَنِي غير شامت ... وَلم أر فِيمَا سرني غير حَاسِد) وَله: (أعيناي كفا عَن فُؤَادِي فَإِنَّهُ ... من الْبَغي سعى اثْنَيْنِ فِي قتل وَاحِد) قلت: كَانَ يَنُوب عَن الْقُضَاة تَارَة بتستر، وَتارَة بعسكر مكرم وَفِي ذَلِك يَقُول: (وَمن النوائب انني ... فِي مثل هَذَا الشّغل نَائِب) (وَمن الْعَجَائِب أَن لي ... صبرا على هذي الْعَجَائِب) وأرجان تخفف راؤها وتشدد. وَله، ويروي للغزي مِمَّا يقْرَأ طرداً وعكساً. (مودته تدوم لكل هول ... وَهل كل مودته تدوم) وَالله أعلم. وفيهَا: توفّي القَاضِي عِيَاض بن مُوسَى بن عِيَاض السبتي بمراكش، ومولده بسبته سنة سِتّ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة، أحد الْأَئِمَّة الْحفاظ الْمُحدثين الأدباء، وتآليفه وأشعاره شاهدة بذلك. وَله: الْإِكْمَال شرح مُسلم. ومشارق الْأَنْوَار فِي غَرِيب الحَدِيث. قلت: وَله الشِّفَاء استقضى بسبتة طَويلا فَحَمدَ، ثمَّ ولي غرناطة فَلم تطل مدَّته. وَمن شعره: (انْظُر إِلَى الزَّرْع وجاماته ... تحكي وَقد ماست أَمَام الرِّيَاح) (كَتِيبَة خضراء مهزومة ... شقائق النُّعْمَان فِيهَا جراح) وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة خمس وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي الْمحرم أخذت الْعَرَب الْحجَّاج بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فَلم يسلم مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل. وفيهَا: حصر نور الدّين قلعة أفامية وتسلمها من الفرنج وحصنها بِالرِّجَالِ والذخائر. قلت: وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو الْحُسَيْن بن مُنِير الطرابلسي: (أنشرت يَا مَحْمُود مِلَّة أَحْمد ... من بعد مَا شَمل البلى آثارها) (أدْركْت ثأرك فِي الْبُغَاة وَكنت ... يَا مُخْتَار أمة أَحْمد مختارها) وَالله أعلم. وفيهَا: حاصر الأذفونش صَاحب طليطلة قرطبة ثَلَاثَة أشهر وَلم يملكهَا. وفيهَا: مَاتَ عَليّ بن دبيس بن صَدَقَة صَاحب الْحلَّة. ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة: وفيهَا من الله تَعَالَى على نور الدّين بأسر جوسلين، وَكَانَ من أَشْجَع الفرنج، وَهزمَ نور الدّين مرّة، وَأسر وَقتل فِي أَصْحَابه حَتَّى أَخذ سلَاح نور الدّين وأرسله إِلَى مَسْعُود بن فلج أرسلان صَاحب قونية وآقسرا، وَقَالَ: هَذَا سلَاح زوج ابْنَتك، وسآتيك بعده بِمَا هُوَ أعظم مِنْهُ، فبذل نور الدّين الوعود فِيهِ، فَأسرهُ

стр. 416

التركمان فصانعهم على مَال كثير فَأَجَابُوهُ إِلَى إِطْلَاقه إِذا أحضر المَال، فَبلغ الْخَبَر ابْن الداية نَائِب حلب فسير عسكراً فكبسول التركمان وأحضروه إِلَى نور الدّين فَرَآهُ من أعظم الْفتُوح، وَأُصِيب بِهِ دين الصَّلِيب كَافَّة. قلت: (لهجوا سِنِين بجوسلين فَإِنَّهُ ... قد كَانَ علجاً عَالِيا فِي كفره) (مَا وَحده أسروه إِذا أسروه بل ... أَسرُّوا الصَّلِيب بأسره فِي أسره) وَالله أعلم. ثمَّ سَار نور الدّين بعد أسره وَملك قلاعه وبلاده وَهِي تل بَاشر وعينتاب ودلوك وعزاز وتل خَالِد وقورس الراوندان وبرج الرصاص وحصن البارة وَكفر سود وَكفر لاثا ومرعش ونهر الْجَوْز فِي مُدَّة يسيرَة، وَبَقِي كلما فتح موضعا حصنه رجَالًا وذخائر. قلت: وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو الْحُسَيْن بن مُنِير لنُور الدّين: (طلعت عَلَيْك بجوسلين ذَرِيعَة ... لَا سحل أَنْشَأَهَا وَلَا امرار) (مَا زلت تنعم ثمَّ يكفر عاتياً ... وَالله يهدم مَا بنى الْكفَّار) (حَتَّى أتاح لِقَوْمِهِ مَا جَرّه ... لثمود من عقر الفصيل قدار) وبذل جوسلين لنُور الدّين فِي فدائه أَمْوَالًا لَا تحصى فَاسْتَشَارَ أمراءه فَلم يوافقوا على إِطْلَاقه فخالفهم وتسلم المَال واطلقه فَمَاتَ قبل أَن يخرج من الشَّام وانتفع الْمُسلمُونَ بِالْمَالِ وعد ذَلِك من كرامات نور الدّين، وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا ملك عبد الْمُؤمن بجاية وَأخذ من يحيى بن الْعَزِيز آخر مُلُوك بني حَمَّاد جَمِيع ممالكهم، وَكَانَ يحيى مُولَعا بالصيد وَاللَّهْو فَانْهَزَمَ وتحصن بقلعة قسطنطينة من بِلَاد بجاية، ثمَّ أَمنه عبد الْمُؤمن وأرسله إِلَى بِلَاد الْمغرب وأجرى عَلَيْهِ شَيْئا كثيرا. وَقد ذكرنَا فِي تَارِيخ القيروان: أَن ملك عبد الْمُؤمن تونس وإفريقية سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة. وفيهَا: فِي أول رَجَب توفّي السُّلْطَان مَسْعُود بهمذان ومولده سنة اثْنَتَيْنِ وَخَمْسمِائة فِي ذِي الْقعدَة، وَمَات مَعَه سَعَادَة الْبَيْت السلجوقي كَانَ مزاحا كَرِيمًا عفيفاً، وعهد إِلَى ابْن أَخِيه ملك شاه بن مَحْمُود فَخَطب لَهُ، وَكَانَ المتغلب على المملكة الْأَمِير خَاص بك، أَصله تركماني ثمَّ قبض هَذَا على ملك شاه وسجنه وأحضر أَخَاهُ مُحَمَّد بن مَحْمُود من خوزستان، فَتَوَلّى وَجلسَ على السرير، وَنوى خَاص بك إِمْسَاكه وَالْخطْبَة لنَفسِهِ فبدره مُحَمَّد ثَانِي يَوْم صوله فَقتله وَقتل زنكي الخزينة دَار وَألقى برأسيهما فَتفرق أصحابهما. وفيهَا: جمعت الفرنج وقاتلت نور الدّين وَهُوَ محاصر دلوك فَعظم الْقِتَال وَانْهَزَمَ الفرنج وَقتل فيهم وَأسر ثمَّ ملك دلوك.

стр. 417

وَمِمَّا مدح بِهِ فِي ذَلِك: (أعدت بعصرك هَذَا الْجَدِيد ... فتوح النَّبِي وأعصارها) (وَفِي تل بَاشر باشرتهم ... بزحف تسور أسوارها) (وَإِن دالكتهم دلوك فقد ... شددت فصدقت أَخْبَارهَا) قلت: وَهَذَا من قَول ابْن مُنِير أَيْضا وَهِي قصيدة طَوِيلَة وَالله أعلم. ظُهُور الْمُلُوك الغورية وانقراض دولة آل سبكتكين أول الغورية مُحَمَّد بن الْحُسَيْن صاهر بهْرَام شاه بن مَسْعُود صَاحب عزنة من آل سبكتكين ثمَّ قَتله بهْرَام شاه خشيَة من غدره، وَقد جَاءَهُ يظْهر الطَّاعَة ويبطن الْغدر فولى بعده ملك الغورية أَخُوهُ سورى وَسَار إِلَى غزنة فِي طلب ثأر أَخِيه وَقَاتل بهْرَام شاه فظفر بِهِ وَقَتله أَيْضا. ثمَّ ملك أخوهما عَلَاء الدّين الْحُسَيْن بن الْحُسَيْن، وَسَار إِلَى غزنة فَانْهَزَمَ عَنْهَا بهْرَام شاه فَاسْتَوَى عَلَيْهَا عَلَاء الدّين الْحُسَيْن وَأقَام بغزنة أَخَاهُ سيف الدّين شاه، وَرجع إِلَى الْغَوْر فكاتب أهل غزنة بهْرَام شاه فقاتل سيف الدّين الغوري فظفر بِسيف الدّين فَقتله وَملك بهْرَام شاه غزنة، ثمَّ توفّي بهْرَام شاه. وَملك ابْنه خسرو شاه وتجهز عَلَاء الدّين ملك الغورية إِلَى غزنة سنة خمسين وَخَمْسمِائة فَلَمَّا قاربها سَار صَاحبهَا خسرو شاه إِلَى لهاور، وَملك عَلَاء الدّين الْحُسَيْن غزنة، ونهبها ثَلَاثَة أَيَّام، وتلقب بالسلطان الْمُعظم، وَحمل الجنز على عَادَة السلاطين السلجوقية، ثمَّ اسْتعْمل على غزنة ابْني أَخِيه سَام وهما غياث الدّين مُحَمَّد وشهاب الدّين مُحَمَّد، ثمَّ جرى بَينهمَا وَبَين عَمهمَا عَلَاء الدّين الْحُسَيْن حَرْب أسرا فِيهِ عَمهمَا وأطلقاه وأجلساه على التخت ووقفا فِي خدمته، وَزوج ابْنَته من غياث الدّين وولاه عَهده، وَمَات عَلَاء الدّين الْحُسَيْن بن الْحُسَيْن سنة سِتّ وَخمسين فَملك غياث الدّين مُحَمَّد بن سَام وخطب لنَفسِهِ فِي الْغَوْر وغزنة. ثمَّ استولى الغز على غزنة خمس عشرَة سنة، ثمَّ أرسل أَخَاهُ شهَاب الدّين وَهزمَ الغز، وَقتل كثيرا وَاسْتولى على غزنة وَمَا بجوارها مثل كرمان وسنوران وَمَاء السَّنَد، وَقصد لَهَا وروبها خسرو شاه بن بهْرَام شاه فملكها شهَاب الدّين سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة بعد حِصَار، وَأمن خسرو شاه فَحَضَرَ فَأكْرمه، وَبلغ غياث الدّين ذَلِك فَطلب من شهَاب الدّين خسرو شاه فَأمره بالتوجه إِلَيْهِ، فَقَالَ خسرو شاه: أَنا مَا أعرف أَخَاك فطيب خاطره وأرسله، وَأرْسل ابْن خسرو شاه أَيْضا مَعَه مَعَ عَسْكَر يحفظونهما فرفعهما غياث الدّين إِلَى بعض القلاع وَلم يرهما، فَكَانَ آخر الْعَهْد بهما وخسرو شاه بن بهْرَام شاه بن مَسْعُود بن إِبْرَاهِيم بن مَسْعُود بن مَحْمُود بن سبكتكين هُوَ آخر مُلُوك آل سبكتكين، ابْتِدَاؤُهَا سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة، وملكوا مِائَتي سنة وَثَلَاث عشرَة سنة تَقْرِيبًا، فانقراض دولتهم سنة ثَمَان

стр. 418

وَسبعين وَخَمْسمِائة، كَانُوا من أحسن الْمُلُوك سيرة، وَلما اسْتَقر ملك الغورية باللهاور كتب غياث الدّين إِلَى أَخِيه شهَاب الدّين بِالْخطْبَةِ لَهُ بالسلطنة وتلقب بِمعين الْإِسْلَام وقسيم أَمِير الْمُؤمنِينَ. ثمَّ اجْتمع شهَاب الدّين بأَخيه غياث الدّين وسارا إِلَى خُرَاسَان وحصرا هراة وَسلم غياث الدّين بالأمان، ثمَّ سارا إِلَى فوشنج فملكها، ثمَّ عادا فملكا بادغيس، وكالين وأبيورد، ثمَّ رَجَعَ غياث الدّين إِلَى بَلْدَة فَيْرُوز كوه وشهاب الدّين إِلَى غزنة، ثمَّ قصد شهَاب الدّين الْهِنْد وَفتح مَدِينَة آجرة، ثمَّ عَاد ثمَّ قصد الْهِنْد فذلل صعبها وَفتح وَبلغ مَا لم يبلغهُ ملك من الْمُسلمين، فَاقْتَحَمت مُلُوك الهنود وَاجْتمعت وقاتلوه قتالاً عَظِيما، فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ وجرح شهَاب الدّين واستخفى بَين الْقَتْلَى، ثمَّ اجْتمع أَصْحَابه وَحَمَلُوهُ إِلَى مَدِينَة آجرة وَاجْتمعت عساكره وجاءه مدد أَخِيه غياث الدّين، ثمَّ اجْتمعت الهنود وتنازل الْجَمْعَانِ وَبَينهمَا نهر فكبس الْمُسلمُونَ الهنود وتمت هزيمتهم فَقتل من الْهِنْد مَا يفوق الْحصْر، وَقتلت ملكتهم، وَتمكن شهَاب الدّين بعد هَذِه الْوَقْعَة من الْهِنْد فأقطع مَمْلُوكه قطب الدّين أيبك مَدِينَة دهلي من كراسي ممالكهم فَأرْسل أيبك عسكراً مقدمه مُحَمَّد بن بختيار فملكوا مَوَاضِع لم يصلها مُسلم قبله حَتَّى قاربوا الصين. وفيهَا: توفّي حسام الدّين تمرتاش بن إيلغازي صَاحب ماردين، وميافارقين، وولايته نَيف وَثَلَاثُونَ سنة، وَولى بعده ابْنه نجم الدّين البي. ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا انهزم السُّلْطَان سنجر من الأتراك الغز من الْمُسلمين؛ كَانُوا وَرَاء النَّهر فَلَمَّا ملكه الْخَطَأ أخرجوهم فأقاموا بنواحي بَلخ طَويلا، ثمَّ قَاتلهم قماج مقطع بَلخ ليخرجهم عَنهُ فهزموا قماج وتبعوه يقتلُون وَيَأْسِرُونَ، واسترقوا النِّسَاء والأطفال، وخربوا الْمدَارِس وَقتلُوا الْفُقَهَاء وَوصل قماج مُنْهَزِمًا إِلَى سنجر فَسَار إِلَيْهِم فِي مائَة ألف فَارس فَأرْسل الغز يَعْتَذِرُونَ عَمَّا وَقع، وبذلوا كثيرا ليكف عَنْهُم فَأبى وقصدهم واقتتلوا فانهزمت عَسَاكِر سنجر وَقتل قماج وَأسر السُّلْطَان سنجر وَجَمَاعَة من أمرائه. فَأَما سنجر فَلَمَّا أسروه اجْتمع الغز وقبلوا الأَرْض بَين يَدَيْهِ وَقَالُوا نَحن عبيدك وَبَقِي مَعَهم شَهْرَيْن أَو ثَلَاثَة، ودخلوا مَعَه إِلَى مرو كرْسِي خُرَاسَان فطلبها مِنْهُ بختيار إقطاعاً وَهُوَ أكبر أُمَرَاء الغز، فَقَالَ سنجر: هَذِه دَار الْملك وَلَا يجوز أَن تكون إقطاعاً لأحد فضحكوا مِنْهُ وحبق لَهُ بختيار بفمه فَنزل سنجر عَن سَرِير الْملك وَدخل خانقاه مرو وَتَابَ عَن الْملك، وَاسْتولى الغز على الْبِلَاد فنهبوا نيسابور وَقتلُوا الْكِبَار وَالصغَار والقضاة وَالْعُلَمَاء والصلحاء بِتِلْكَ الْبِلَاد فَقتل الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الأرسابندي وَالْقَاضِي عَليّ بن مَسْعُود وَالشَّيْخ محيي الدّين مُحَمَّد بن يحيى الشَّافِعِي؛ لم يكن فِي زَمَانه مثله رحْلَة الْمشرق وَالْمغْرب وَغَيرهم، وَمَا سلم من النهب غير هراة ودهستان لحصانتهما.

стр. 419

ثمَّ اجْتمع عَسْكَر سنجر على مَمْلُوكه آي بِهِ الْمُؤَيد فاستولى الْمُؤَيد على نيسابور وطوس ونساو أبيورد وشهرستان والدامغان وأزاح الغز عَنْهَا، وَاسْتولى على الرّيّ مَمْلُوك آخر لسنجر اسْمه إيتاخ، وهادى الْمُلُوك، واستقرت قدمه، وَعظم شَأْنه. وفيهَا: قتل الْعَادِل بَين السلار وَزِير الظافر قَتله ربيبه عَبَّاس كَمَا تقدم. وفيهَا: كَانَ بَين عبد الْمُؤمن وَبَين الْعَرَب حَرْب نصر فِيهَا عبد الْمُؤمن. وفيهَا: مَاتَ رجار الفرنجي ملك صقلية بالخوانيق وعمره نَحْو ثَمَانِينَ، وَملكه نَحْو عشْرين. وَملك بعده ابْنه غليالم. وفيهَا: فِي رَجَب توفّي بغزنة بهْرَام شاه، وَولي ابْنه خسروشاه، وَقد تقدم. وفيهَا: اخْتلفت الْأَهْوَاء فِي مصر بقتل الْعَادِل، فَتمكن الفرنج من عسقلان وحاصروها وملكوها من المصريين. قلت: وفيهَا بِدِمَشْق توفّي الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نصر بن صفير بن داغر الْمَعْرُوف بِابْن القيسراني من قيسارية الشَّام الخالدي من الشُّعَرَاء الأدباء المجيدين، وَله علم بالهيئة، وَسمع مِنْهُ الحافظان أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر، وَأَبُو سعد بن السَّمْعَانِيّ وَأَبُو الْمَعَالِي الخطيري وَبَينه وَبَين ابْن مُنِير وقائع ونوادر وَله حِين بلغه أَن ابْن مُنِير هجاه: (ابْن مُنِير هجوت مني ... حبرًا أَفَادَ الورى صَوَابه) (وَلم تضيق بِذَاكَ صَدْرِي ... لِأَن لي أُسْوَة بالصحابة) وَمَا أحسن قَوْله: (هَذَا الَّذِي سلب العشاق نومهم ... أما ترى عينه ملأى من الوسن) وَقَوله: (وأرشف خمره والكأس ثغر ... وأقطف ورده والغصن قد) (وَكم بالغور من ثَمَرَات در ... جناها بعد قرب الدَّار بعد) (وَمن عقد ينافس فِيهِ ثغر ... وَمن ثغر ينافس فِيهِ عقد) (ورمان وتفاح حلاه ... لعين المجتني نهد وخد) واجتاز بالمعرة فَكتب عِنْد قبر أبي الْعَلَاء: (نزلت فزرت قبر أبي الْعَلَاء ... فَلم أر من قرى غير الْبكاء) (أَلا يَا قبر أحمدكم جلال ... تضمنه ثراك وَكم ذكاء) وفيهَا: أَعنِي فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة توفّي أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن مُنِير بن مُفْلِح الأطرابلسي بحلب، كَانَ أَبوهُ يُغني فِي الْأَسْوَاق، وَنَشَأ هُوَ وَحفظ الْقُرْآن الْعَظِيم، وَتعلم اللُّغَة وَالْأَدب، وَقَالَ الشّعْر، وَقدم دمشق، وَكَانَ رَافِضِيًّا هجاء خَبِيث اللِّسَان،

стр. 420

وسجنه بوري لذَلِك، وعزم على قطع لِسَانه ثمَّ شفع فِيهِ فنفاه، وَله فِي حَبِيبه ابْن العفريت: (لَا تَخَالُّوا خَاله فِي خَدّه ... قطره من صبغ جفن نطفت) (تِلْكَ من نَار فُؤَادِي جذوة ... فِيهِ ساخت وانطفت ثمَّ طفت) وَالله أعلم. وفيهَا: نهبت مراكش صقلية تنيس بالديار المصرية. وفيهَا: توفّي أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن أَحْمد الشهرستاني الْمُتَكَلّم الْأَشْعَرِيّ الْفَقِيه. وَله نِهَايَة الْأَقْدَام فِي علم الْكَلَام والملل والنحل والمناهج تَلْخِيص الْأَقْسَام لمذاهب الْأَنَام. ولد بشهرستان سنة سبع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَدخل بَغْدَاد سنة عشر وَخَمْسمِائة وَتُوفِّي بهَا، وشهرستان اسْم لثلاث مدن: الأولى شهرستان خُرَاسَان وَهُوَ مِنْهَا بناها عبد الله بن طَاهِر أَمِير خُرَاسَان، الثَّانِيَة شهرستان بِأَرْض فَارس، الثَّالِثَة مَدِينَة جُوَيْن بأصفهان بَينهَا وَبَين الْيَهُودِيَّة مَدِينَة أصفهان نَحْو ميل، وَمعنى هَذِه الْكَلِمَة مَدِينَة النَّاحِيَة بالعجمي شهر الْمَدِينَة، واستان النَّاحِيَة. ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي الْمحرم قتل الظافر بِاللَّه أَبُو مَنْصُور إِسْمَاعِيل بن الْحَافِظ الْعلوِي، قَتله وزيره عَبَّاس الصنهاجي أحب الظافر ابْنه فَحسن مؤيد الدولة اسامة بن منقذ لعباس قَتله، ونخاه على ابْنه فَدَعَا ابْنه الظافر إِلَى بَيته وقتلاه وَلم يسلم مِمَّن مَعَه إِلَّا خَادِم صَغِير فَأعْلم أهل الْقصر بذلك، ثمَّ اتهمَ عَبَّاس يُوسُف وَجِبْرِيل أخوي الظافر فَقتله وقتلهما. ثمَّ حمل عَبَّاس الفائز بنصر الله أَبَا الْقَاسِم عِيسَى بن الظافر ثَانِي يَوْم قتل الظافر على كتفه وَأَجْلسهُ على السرير وعمره خمس سِنِين، وَبَايع لَهُ النَّاس وَأخذ عَبَّاس من الْقصر مَالا لَا يُحْصى وجواهر نفيسة، فثارت الْجند والسودان عَلَيْهِ، وَأرْسل أهل الْقصر يستغيثون بطلائع بن زربك وَالِي منية بن خصيب؛ وَكَانَ شهماً فَجمع وَقصد عباسا فهرب مِنْهُ عَبَّاس إِلَى نَحْو الشَّام بِمَا مَعَه من الْأَمْوَال والتحف الَّتِي لَا يُوجد مثلهَا فَقتله الفرنج فِي الطَّرِيق وَأخذُوا مَا مَعَه وأسروا ابْنه نصرا وَكَانَ قد اسْتَقر طلائع بن زربك بعد عَبَّاس فِي الوزارة ولقب بِالْملكِ الصَّالح فَأرْسل الصَّالح بن زربك إِلَى الفرنج وبذل لَهُم مَالا وأحضر نصر بن عَبَّاس إِلَى الْقصر فَقتل وصلب على بَاب زويلة. وَأما أُسَامَة بن منقذ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ عَبَّاس فَلَمَّا قتل هرب أُسَامَة إِلَى الشَّام، وأباد الصَّالح بن زربك الْأَعْيَان قتلا وهربا. وفيهَا: حصر المقتفي لأمر الله الْخَلِيفَة بعساكر بَغْدَاد تكريت، وَنصب منجانيق فَلم يظفر بهَا.

стр. 421

وفيهَا: تغلب الفرنج بِنَاحِيَة دمشق بعد ملكهم عسقلان حَتَّى استعرضوا كل مَمْلُوك وَجَارِيَة بِدِمَشْق من النَّصَارَى، فأطلقوا مِنْهُم كل من أَرَادَ الْخَلَاص قهرا فخشي نور الدّين أَن يملكُوا دمشق، فاستمال أَهلهَا فِي الْبَاطِن، ثمَّ حاصرها فَفتح لَهُ الْبَاب الشَّرْقِي، فَملك الْمَدِينَة وَحصر مجير الدّين أبق بن مُحَمَّد بن بوري بن طغتكين فِي القلعة وبذل لَهُ أقطاعاً من جُمْلَتهَا حمص، فَسلم إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُ عوض حمص بالس فَلم يرضها، وَسَار عَنْهَا وَأقَام بِبَغْدَاد وَبنى دَارا قرب النظامية وسكنها حَتَّى مَاتَ. وفيهَا: أَو الَّتِي بعْدهَا ملك نور الدّين قلعة تل بَاشر من الفرنج. ثمَّ دخلت سنة خمسين وَخَمْسمِائة " فِيهَا حصر الْخَلِيفَة المقتفي دقوقاً وبلغه حَرَكَة عَسْكَر الْموصل إِلَيْهِ فَرَحل عَنْهَا. وفيهَا: هجم الغز نيسابور بِالسَّيْفِ، وَقيل كَانَ مَعَهم سنجر وَله من السلطنة اسْمهَا يدّخر طَعَام وَقت إِلَى وَقت لتقصيرهم فِي حَقه. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا لم تبْق من إفريقية مَعَ الفرنج سوى المهدية وسوسه. وفيهَا: قبض زين الدّين عَليّ كوجل نَائِب قطب الدّين مودود بن زنكي صَاحب الْموصل على الْملك سُلَيْمَان شاه بن مُحَمَّد بن ملك شاه السلجوقي، وَكَانَ سُلَيْمَان قد قدم بَغْدَاد، وخطب لَهُ بالسلطنة هَذِه السّنة، وقلده المقتفي وخلع عَلَيْهِ وَخرج بعسكر الْخَلِيفَة ليملك بِلَاد الْجَبَل، فاقتتل هُوَ وَابْن عَمه السُّلْطَان مُحَمَّد بن مَحْمُود بن ملك شاه، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَان شاه يُرِيد بَغْدَاد فَمر على شهر زور فَأسرهُ عَليّ كوجل بعسكر الْموصل، وحبسه بقلعة الْموصل مكرماً حَتَّى كَانَ مِنْهُ مَا سَيذكرُ سنة خمس وَخمسين. وفيهَا: تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة توفّي خوارزم شاه أتسز بن مُحَمَّد بن أنوش تكين قلج فَاسْتعْمل شَدِيد الْحَرَارَة فَهَلَك، ومولده سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ حسن السِّيرَة، وَملك بعده ابْنه أرسلان. وفيهَا توفّي الْملك مَسْعُود: بن قلج أرسلان بن سُلَيْمَان بن قتلمش بن أرسلان بن سلجوق صَاحب قونيه وَالروم، وَملك بعده ابْنه قلج أرسلان. وفيهَا: فِي رَمَضَان هرب سنجر السُّلْطَان من أَمِير الغز إِلَى قلعة ترمذ ثمَّ إِلَى جيحون وَوصل دَار ملكه بمرو فمدة أسره من سادس جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَأَرْبَعين إِلَى رَمَضَان سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة. وفيهَا: يابع عبد الْمُؤمن لوَلَده مُحَمَّد بن بِولَايَة الْعَهْد وَكَانَت لأبي حَفْص عمر من أَصْحَاب ابْن تومرت من أكبر الْمُوَحِّدين، فَأجَاب إِلَى خلع نَفسه وَولَايَة ابْن عبد الْمُؤمن. وفيهَا: اسْتعْمل عبد الْمُؤمن ابْنه عبد الله على بجاية، وَابْنه عمر على تلمسان، وَابْنه

стр. 422

عليا على فاس، وَابْنه أَبَا سعيد على سبته والجزيرة الخضراء ومالقه وَكَذَلِكَ غَيرهم. وفيهَا: سَار الْملك مُحَمَّد بن مَحْمُود السلجوقي من هَمدَان بعساكر وَحصر بَغْدَاد، وحصن المقتفي دَار الْخلَافَة واعتد للحصار وَاشْتَدَّ الْأَمر على أهل بَغْدَاد، فَبلغ مُحَمَّدًا أَن أَخَاهُ ملك شاه وايل دكر صَاحب بِلَاد أران وَمَعَهُ الْملك أرسلان بن طغرل بك بن مُحَمَّد وايل دكر، كَانَ متزوجاً بِأم أرسلان، قد دخلُوا هَمدَان، فَرَحل الْملك مُحَمَّد عَن بَغْدَاد نحوهم فِي ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة. وفيهَا: احترقت بَغْدَاد حَتَّى دَار الْخلَافَة وَغَيرهَا. وفيهَا: توفّي أَبُو الْحسن بن الْخلّ شيخ الشَّافِعِيَّة فِي بَغْدَاد من أَصْحَاب الشَّاشِي عَالم عَامل، وَتُوفِّي ابْن الْآمِدِيّ الشَّاعِر من النّيل فِي طبقَة الْغَزِّي والأرجاني، وعمره فَوق التسعين. وفيهَا: قتل فِي الْحمام مظفر بن حَمَّاد صَاحب البطيحة، وتولاها ابْنه. وفيهَا: توفّي الوأواء الْحلَبِي الشَّاعِر الْمَشْهُور. وفيهَا: توفّي أَبُو جَعْفَر بن مُحَمَّد البُخَارِيّ بإسفراين عَالم بالفلسفة. ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَخَمْسمِائة: أَخْبَار بني منقذ والزلازل فِيهَا: فِي رَجَب زلزل الشَّام فَخرجت حماة وشيزر وحمص وحصن الأكراد، وطرابلس وأنطاكية وَغَيرهَا من مجاوراتها، وَوَقعت الأسوار والقلاع، فَقَامَ نور الدّين أتم قيام وتدارك بالعمارة، وأغار على الفرنج ليشغلهم عَن الْإِسْلَام، وَهلك مَا لَا يُحْصى حَتَّى أَن معلم كتاب بحماه فَارق الْمكتب وَجَاءَت الزلزلة فَسقط الْمكتب على الصّبيان فَلم يحضر أحد يسْأَله عَن صبي، وَكَانَ بعض أُمَرَاء نور الدّين بِالْقربِ من شيزر فَصَعدَ إِلَيْهَا خربة وتسلمها نور الدّين وَعمر أسوارها، وَكَانَ بَنو منقذ الكنانيين يتوارثونها من أَيَّام صَالح بن مرداس؛ قَالَه ابْن الْأَثِير، وَقَالَ ابْن خلكان وَابْن أبي الدَّم: استولى بَنو منقذ على شيزر سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة أَخذهَا من الرّوم عَليّ بن مقلد بن نصر بن منقذ، وَكتب إِلَى بَغْدَاد كتابي من حَضْرَة شيزر رحمهمَا الله تَعَالَى وَقد رَزَقَنِي الله من الِاسْتِيلَاء على هَذَا الْعقل الْعَظِيم مَا لم يتأت لمخلوق فِي هَذَا الزَّمَان، وَإِذا عرف الْأَمر على حَقِيقَته علم أَنِّي هاروت هَذِه الْأمة وَسليمَان الْجِنّ والمردة، وأنني أفرق بَين الْمَرْء وَزَوجته واستزل الْقَمَر من مَحَله أَنا أَبُو النَّجْم وشعري شعري نظرت إِلَى هَذَا الْحصن فَرَأَيْت أمرا يذهل الْأَلْبَاب يسع ثَلَاثَة آلَاف رجل بالأهل وَالْمَال، ويمسكه خمس نسْوَة فعمدت إِلَى تل بَينه وَبَين حصن الرّوم يعرف بالجراص، وَيُسمى هَذَا التل تل الجسر فعمرته حصناً وجمعت فِيهِ أَهلِي وعشيرتي ونفرت ونفرة على حصن الجراص فَأَخَذته بِالسَّيْفِ من الرّوم وَمَعَ ذَلِك فَلَمَّا أخذت من بِهِ من الرّوم أَحْسَنت إِلَيْهِم وأكرمتهم ومزجتهم بأهلي وخلطت خنازيرهم بغنمي ونواقيسهم بِصَوْت

стр. 423

الْأَذَان، فَرَأى أهل شيزر فعلي ذَلِك فأنسوا بِي وَوصل إِلَيّ مِنْهُم قريب نصفهم فبالغت فِي إكرامهم وَوصل إِلَيْهِم مُسلم بن قُرَيْش الْعقيلِيّ فَقتل من أهل شيزر نَحْو عشْرين رجلا فَلَمَّا انْصَرف مُسلم عَنْهُم سلمُوا الْحصن إِلَيّ وَكَانَ مَا قَالَه ابْن الْأَثِير أولى لِأَن حماه وشيزر فتحتا على يَد أبي عُبَيْدَة بن الْجراح ﵁. وَاسْتمرّ الشَّام للْمُسلمين إِلَى حُدُود سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة فَملك الفرنج غَالب الشَّام لقِتَال بعض مُلُوك الْمُسلمين بَعْضًا، وَلم يذكر ملكهم لشيزر، قَالَ ابْن الْأَثِير: فَلَمَّا انْتهى ملك شيزر إِلَى نصر بن عَليّ بن نصر بن منقذ، اسْتمرّ فِيهَا إِلَى أَن مَاتَ سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَعند مَوته اسْتخْلف أَخَاهُ مرشد بن عَليّ على حصن شيزر فَقَالَ مرشد: وَالله لأوليته ولأخرجن من الدُّنْيَا كَمَا دَخَلتهَا، ومرشد وَالِد مؤيد الدولة أُسَامَة فولاها نصر أَخَاهُ الصَّغِير سُلْطَان بن عَليّ وَاسْتمرّ مرشد مَعَ أَخِيه سُلْطَان على أجمل صُحْبَة مُدَّة، وَكَانَ لمرشد أَوْلَاد نجباء وَلَيْسَ لسلطان ولد فَلَمَّا جَاءَ لسلطان أَوْلَاد خشِي عَلَيْهِم من أَوْلَاد أَخِيه مرشد وسعى بَينهمَا فَتغير كل مِنْهُمَا على الآخر، فَكتب سُلْطَان إِلَى مرشد يعاتبه وَكَانَ مرشد شَاعِرًا فَأَجَابَهُ: (شكت هجرنا والذنب فِي ذَاك ذنبها ... فيا عجبا من ظَالِم جَاءَ شاكياً) (وطاوعت الواشين فِي وطالما ... عصيت عذولاً فِي هَواهَا وواشياً) (وَمَال بهاتيه الْجمال إِلَى القلى ... وهيهات إِن أَمْسَى لَهَا الدَّهْر قاليا) (وَلما أَتَانِي من قريضك جَوْهَر ... جمعت الْمعَانِي فِيهِ والمعاليا) (وَكنت هجرت الشّعْر حينا لِأَنَّهُ ... تولى برغمي حِين ولى شبابيا) (وَقلت أخي يرْعَى بني وأسرتي ... ويحفظ عهدي فيهم وذماميا) (فَمَا لَك لما أَن حَنى الدَّهْر صعدتي ... وثلم مني صَارِمًا كَانَ مَاضِيا) (تنكرت حَتَّى صَار برك قسوة ... وقربك مني جفوة وتنائياً) (على أنني مَا حلت عَمَّا عهدته ... وَلَا غيرت هذي السنون وداديا) وتماسك الْأَمر بَينهمَا إِلَى أَن توفّي مرشد سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة، فأظهر سُلْطَان التَّغَيُّر على أَوْلَاد مرشد وجاهرهم بالعداوة ففارقوا شيزر، وَقصد أَكْثَرهم نور الدّين وَشَكوا إِلَيْهِ عمهم فَغَاظَهُ ذَلِك وَلم يُمكنهُ قَصده لاشتغاله بالفرنج وبقى سُلْطَان كَذَلِك إِلَى أَن توفّي، وَولي أَوْلَاده فَلَمَّا خربَتْ القلعة بالزلزلة فِي هَذِه السّنة لم ينج من بني منقذ بهَا أحد فَإِن صَاحبهَا مِنْهُم ختن وَلَده ودعا النَّاس وَجَمِيع بني منقذ إِلَى دَاره فَأسْقطت الزلزلة الدَّار عَلَيْهِم فهلكوا عَن آخِرهم إِلَّا وَاحِدًا مِنْهُم طلب بَاب الدَّار فرفسه حصان بِالْبَابِ لصَاحب شيزر مِنْهُم فَقتله. قلت: (إِذا مَا قضى الله أمرا فَمن ... يرد الْقَضَاء الَّذِي ينفذ)

стр. 424

(عجبت لشيزر إِذْ زلزلت ... فَمَا لبني منقذ منقذ) وَقد أذكرني هَذَا شَيْئا وَهُوَ أَن القَاضِي فَخر الدّين عُثْمَان بن الْبَارِزِيّ الْحَمَوِيّ قَاضِي الْقُضَاة بحلب، كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى ولاني الحكم بشيرز فَلَمَّا دَخَلتهَا صرعتني بِزَفْرَةٍ هوائها، وَأرْسلت إِلَى الوخم على فَتْرَة من مَائِهَا، وزارتني الْحمى غبا حَتَّى ازددت للْمَوْت حبا، فَكتبت إِلَيْهِ عاتباً عَلَيْهِ: (أَبَا باعثي أَقْْضِي بشيزر مَا الَّذِي ... أردْت قضي أشغالهم أم قضي نحبي) (حكيت بهَا الناعور حَالا لأنني ... بَكَيْت عَليّ جسمي وَردت على قلبِي) وكتبت إِلَى ابْنه كَمَال الدّين مُحَمَّد: (قيل لي شيزر نَار ... وَبهَا القَاضِي مخلد) (قلت لَا أمكث فِيهَا ... أَنا من حزب مُحَمَّد) فَلَمَّا وقف على ذَلِك أعفاني مِنْهَا وَالله أعلم. وفيهَا: فِي ريبع الآخر توفّي السُّلْطَان سنجر السلجوقي بالقولنج ثمَّ الإسهال، كَانَ مهيباً كَرِيمًا، وَلما وصل خَبره إِلَى بَغْدَاد قطعت خطبَته واستخلف سنجر على خُرَاسَان الْملك مَحْمُود بن مُحَمَّد بن بغداخان ابْن أُخْت سنجر فَأَقَامَ خَائفًا من الغز. وفيهَا: استولى أَبُو سعيد عبد الْمُؤمن على غرناطة من الملثمين وانقرضت دولة الملثمين وَلم تبْق لَهُم غير جَزِيرَة ميورقة، ثمَّ فتح أَبُو سعيد المرية من الفرنج بعد ملكهم لَهَا عشر سِنِين. وفيهَا: أَخذ نور الدّين بعلبك من ضحاك البقاعي، ولاه إِيَّاهَا صَاحب دمشق. وفيهَا: قلع الْخَلِيفَة المقتفي بَاب الْكَعْبَة وَعمل عوضه بَابا مصفحاً بِالْفِضَّةِ المذهبة، وَعمل لنَفسِهِ من الْبَاب تابوتاً يدْفن فِيهِ. وفيهَا: مَاتَ مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد الخجندي رَئِيس الشَّافِعِيَّة بأصبهان مقدم عِنْد السلاطين. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَخمسين وَخَمْسمِائة: فِيهَا قصد ملك شاه بن مَحْمُود السلجوقي قُم وقاشان ونهبهما، وَكَانَ أَخُوهُ السُّلْطَان مُحَمَّد بعد رحيله عَن حِصَار بَغْدَاد قد مرض طَويلا فَأرْسل إِلَى أَخِيه ملك شاه أَن يكف عَن النهب، ويجعله ولي عَهده فَلم يقبل ملك شاه ذَلِك، ثمَّ سَار ملك شاه إِلَى خوزستان وَأَخذهَا من صَاحبهَا شملة التركماني. وفيهَا: توفّي بميافارقين معِين الدّين أَبُو الْفضل يحيى بن سَلامَة بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الْخَطِيب الحصكفي، ومولده بطنزة. وَمن شعره: (وخليع بت أعذله ... وَيرى عذلي من الْعَبَث)

стр. 425

(قلت إِن الْخمر مخبثة ... قَالَ حاشاها من الْخبث) (قلت فالأرفاث تتبعها ... قَالَ طيب الْعَيْش فِي الرَّفَث) (قلت مِنْهَا الْقَيْء قَالَ أجل ... شرفت عَن مخرج الْحَدث) (وسأسلوهما فَقلت مَتى ... قَالَ عِنْد الْكَوْن فِي الجدث) قلت: نَشأ بحصن كيفا، وَقَرَأَ الْأَدَب على التبريزي بِبَغْدَاد وأجاد فِي الْفِقْه على مَذْهَب الشَّافِعِي، ثمَّ ولي خطابة ميافارقين، وَكَانَ إِلَيْهِ أَمر الْفَتْوَى واشتغل عَلَيْهِ النَّاس قَالَ فِيهِ الْعِمَاد الْأَصْفَهَانِي فِي الخريدة، كَانَ عَلامَة الزَّمَان فِي علمه، ومعري الأَصْل فِي نثره ونظمه. أنْشد لَهُ بَعضهم خَمْسَة أَبْيَات كالخمسة السيارات وَهِي: (أَشْكُو إِلَى الله من نارين وَاحِدَة ... فِي وجنتيه وَأُخْرَى مِنْهُ فِي كَبِدِي) (وَمن سقامين سقم قد أحل دمي ... من الجفون وسقم حل فِي جَسَدِي) (وَمن نمومين دمعي حِين أذكرهُ ... يذيع سري وواش مِنْهُ بالرصد) (وَمن ضعيفين صبري حِين أذكرهُ ... ووده وَيَرَاهُ النَّاس طوع يَدي) (مهفهف رق حَتَّى قلت من عجب ... أخصره خنصري أم جلده جلدي) وَمن مليح شعره مغنياً: (ومسمع غناءه ... يُبدل بالفقر الْغنى) (أبصرته فَلم تخب ... فراستي لما دنا) (وَقلت من ذَا وَجهه ... كَيفَ يكون محسناً) (ورمت أَن أروج ... الظَّن بِهِ ممتحناً) (فَقلت من بَينهم ... هَات أخي غن لنا) (فاشتال مِنْهُ حَاجِب ... وحاجب مِنْهُ انحنى) (وامتلأ الْمجْلس من ... فِيهِ غثاء منتناً) (وَصَاح صَوتا مُنْكرا ... يخرج عَن حد الْبَنَّا) (فَذا يسد أَنفه ... وَذَا يسد الأذنا) (وَمِنْهُم جمَاعَة ... تستر عَنهُ الأعينا) (فَقلت يَا قوم اسمعوا ... أما الْمُغنِي أَو أَنا) (وَحين ولى شخصه ... قَرَأت فيهم مُعْلنا) (الْحَمد لله الَّذِي ... أذهب عَنَّا الحزنا) وَقد ذكرت بِهَذَا بَيْتَيْنِ لي فِي هجو مغن وهما: (غنى لنا يَوْم ... فَمَاتَ بدار رفاقي) (يَا ليتنا فِي حجاز ... إِذا شدا فِي الْعرَاق)
следующие страницы →