← История

История · id 6624

تاريخ ابن الوردي

ابن الوردي الجد، زين الدين

Полный текст (708 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثمَّ أَن كشتاسف تنسك وَانْقطع لِلْعِبَادَةِ فِي جبل طميذر ولقراءة كتاب زرادشت ثمَّ فقدوا سفندريار بن كشتاسف هلك فِي حَيَاة أَبِيه. وَخلف ولدا اسْمه " أزدشير بهمن " فَملك حَتَّى ملك الأقاليم السَّبْعَة. من كتاب أبي عِيسَى: أزدشير بهمن اسْمه بالعبرانية كورش هُوَ الَّذِي أَمر بعمارة بَيت الْمُقَدّس وعود بني إِسْرَائِيل إِلَيْهِ وَلَا دَلِيل على أَن أزدشير هُوَ كورش أقوى من كَلَام أشعيا النَّبِي ﵇. فَإِنَّهُ يَقُول فِي الْفَصْل الثَّانِي وَالْعِشْرين من كِتَابه حِكَايَة عَن اللَّهِ تَعَالَى أَنا الْقَائِل لكورش دَاعِي الَّذِي يتمم جَمِيع محياتي وَيَقُول لأورشلم عودي مَبْنِيَّة ولهيلكها كن مزخرفا مزينا هَكَذَا قَالَ الرب لمسيحه كورش الَّذِي أَخذ بِيَمِينِهِ لتدبير الْأُمَم وتنحني لَك ظُهُور الْمُلُوك سائرا بِفَتْح الْأَبْوَاب أُمَامَة فَلَا تغلق وأسير أَنا قدامك وأسهل لَك الوعور وأكسر أَبْوَاب النّحاس وأحبوك بالذخائر الَّتِي فِي الظُّلُمَات وَلم يكن أحد فِي ذَلِك الزَّمَان بِهَذِهِ الصّفة الَّتِي ذكرهَا أشيعا أَعنِي ملك الأأقاليم وَالْحكم على الْأُمَم وَغير ذَلِك مِمَّا ذكره غير أزدشير بهمن فَتعين أَن يكون هُوَ كورش وَكَانَ أزدشير كَرِيمًا متواضعا علامته على كتبه من أزدشير بهمن عبد اللَّهِ وخادم اللَّهِ والسائس لأمركم. وغزا رُومِية فِي ألف ألف مقَاتل وَبَقِي كَذَلِك إِلَى أَن هلك وَمعنى بهمن الْحسن النِّيَّة وَكَانَ بهمن متزوجا بابنته هماي على رَأْي الْمَجُوس فَتوفي بهمن وَهِي حَامِل مِنْهُ بدارا وَأوصى بهمن أَن يعْقد التَّاج على مَا فِي بَطنهَا وَيخرج ابْنه ساسان من الْملك وساست هماي الْملك بعده وَلحق ساسن بأصطخر وتزهد وَاتخذ غنما يرعاها بِنَفسِهِ وَهَذَا ساسان أَبُو الأكاسرة ثمَّ وضعت هماي ولدا سمته دَارا ابْنهَا وأخوها. وَلما اشْتَدَّ سلمت إِلَيْهِ الْملك وعزلت نَفسهَا فضبط دَارا وساس وَولد لَهُ ابْن سَمَّاهُ دَارا ابْن دَارا ثمَّ هلك وَولي " دَارا " بن دَارا وَكَانَ حقودا ظَالِما فنفرت عَنهُ الْقُلُوب. وَفِي زمَان دَارا تملك الْإِسْكَنْدَر الْمَشْهُور ابْن فيلقوس فَعرف سيرة دَارا ونفرة الْقُلُوب عَنهُ فَسَار نَحوه بجيشه فلحق بِهِ كثير من أَصْحَاب دَارا واقتتتلا ثمَّ وثب بعض أَصْحَاب دَارا على دَارا فَقَتَلُوهُ وَأتوا إِلَى الْإِسْكَنْدَر فَقَتلهُمْ عَن آخِرهم وَصَارَ ملك دَارا إِلَى الْإِسْكَنْدَر. " كَانَ الْإِسْكَنْدَر " بن فيلقوس أَبوهُ أحد مُلُوك اليونان وَكَانُوا طوائف فَلَمَّا ملك الْإِسْكَنْدَر غزاهم وَجمع ملكهم ثمَّ غزا دَارا الْمَذْكُور ثمَّ الْهِنْد وَتَنَاول أَطْرَاف الصين ثمَّ انْصَرف إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَكَانَ بناها فَهَلَك بِنَاحِيَة السوَاد وَقيل بشهرروذ وعمره سِتّ وَثَلَاثُونَ سنة فَحمل فِي تَابُوت ذهب إِلَى أمه وَكَانَ ملكه نَحْو ثَلَاث عشرَة سنة وَاجْتمعَ بعده ملك الرّوم وَكَانَ مُتَفَرقًا وافترق ملك فَارس وَكَانَ مجتمعا. مرض الْإِسْكَنْدَر بالخوانيق وَقيل بالسم وَهُوَ صَاحب أرسطاطاليس وتلميذه وأرسطو الَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ قتل الْفرس وَأَن يولي أكابرهم وَمن يصلح للْملك كل وَاحِد بِرَأْسِهِ مملكة ليحصل بَينهم التباغض وَلَا يجتمعوا على أحد فَفعل فَصَارَ مِنْهُم مُلُوك الطوائف وَكَانَ ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 37

الْإِسْكَنْدَر أشقر أَزْرَق وَكَانَ اليونان قبله طوائف فَأول مَا تملك غزاهم وَقتل مُلُوكهمْ وَاجْتمعَ لَهُ جَمِيع مملكة اليونان وَلما اجْتمع لَهُ مملكة الْمغرب بنى الْإسْكَنْدَريَّة وَسَار يُرِيد الشرق وقتال دَارا وَمر فِي طَرِيقه على بَيت الْمُقَدّس وَأكْرم بني إِسْرَائِيل. ثمَّ سَار إِلَى فَارس وَاسْتولى على ملك الْفرس وَقتل دَارا كَمَا مر وَقيل إِنَّه انْصَرف من الْمشرق إِلَى جِهَة الشمَال وَبنى السد على يَأْجُوج وَمَأْجُوج وَالصَّحِيح أَن الْإِسْكَنْدَر الْمَذْكُور لم يكن مِنْهُ ذَلِك بل ذُو القرنين الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن وَهُوَ ملك قديم على زمن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل قيل أَنه أفريدون وَقيل غَيره وَغلط من ظن أَن باني السد هُوَ الْإِسْكَنْدَر الرُّومِي وَلذَلِك استفاض على الْأَلْسِنَة أَن لقب الْإِسْكَنْدَر ذُو القرنين وَهَذَا أَيْضا غلط فَإِن لَفظه ذُو عَرَبِيَّة مَحْضَة وَذُو القرنين من ألقاب الْعَرَب وملوك الْيمن وَكَانَ مِنْهُم ذُو جَدب وَذُو كلاع وَذُو نواس وَذُو شناتر وَذُو القرنين الصعب بن الرائش وَاسم الرائش الْحَارِث بن ذِي سدد بن عَاد بن الماطاط بن سبا. وَقيل إِن ذَا القرنين الصعب هُوَ الَّذِي مكن اللَّهِ لَهُ فِي الأَرْض وَبنى السد. وَمِمَّا نَقله ابْن سعيد المغربي أَن ابْن عَبَّاس ﵄ سُئِلَ عَن ذِي القرنين الَّذِي ذكره اللَّهِ فِي كِتَابه فَقَالَ هُوَ من حمير وَهَذَا مِمَّا يُقَوي أَنه الصعب الْمَذْكُور لِأَنَّهُ كَانَ ملكا عَظِيما من ولد حمير وَلما مَاتَ الْإِسْكَنْدَر عرض الْملك على ابْنه فَأبى وتنسك فانقسمت ممالك الْإِسْكَنْدَر بَين مُلُوك الطوائف وَبَين مُلُوك اليونان كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْل الثَّانِي وَبَين غَيرهم. (ذكر مُلُوك الطوائف) أَشَارَ أرسطاطاليس على الْإِسْكَنْدَر بِمَا تقدم من تَوْلِيَة الْمُلُوك فِي الْفرس قصد التباغض والتشاحن فَملك من كبار الْفرس عشْرين ملكا عَلَيْهِم وهم المسمون مُلُوك الطوائف واستمروا خَمْسمِائَة سنة واثنتي عشرَة سنة حَتَّى قَامَ أزدشير بن بابك فَجمع ملك الْفرس وَكَانَت عدَّة مُلُوك الطوائف تزيد على تسعين ملكا وَلم تؤرخ فِي مُبْتَدأ أَمرهم أَسمَاؤُهُم وَلَا مدد ملكهم فَإِنَّهُم مُلُوك صغَار فِي الْأَطْرَاف وَعظم بعد الْإِسْكَنْدَر ملك اليونان فَكَانَ الحكم لَهُم فَلذَلِك ذكرُوا بعد الْإِسْكَنْدَر فِي التواريخ دون مُلُوك الطوائف وَبَقِي الْأَمر كَذَلِك حَتَّى اشتهرت الْمُلُوك الأشغانية من بَين مُلُوك الطوائف. (ذكر الطَّبَقَة الثَّالِثَة من الْفرس) ذكر الطَّبَقَة الثَّالِثَة: وهم الأشغانية أول من اشْتهر مِنْهُم " أشغا بن أشغان " ملك لمضي مِائَتَيْنِ وست وَأَرْبَعين لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر وَملك أشغا عشر سِنِين فانقضاء ملكه لمضي مِائَتَيْنِ وست وَخمسين سنة للإسكندر. ثمَّ ملك بعده " شَابُور " بن أشغان سِتِّينَ سنة ومولد الْمَسِيح سنة بضع وَأَرْبَعين خلت ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 38

من ملك شَابُور وانقضاء ملك شَابُور لمضي ثلثمِائة وست عشرَة سنة للإسكندر. ثمَّ ملك بعده " جور " بن أشغان وَقيل جودرز عشرَة سِنِين وَهلك لمضي ثلثمِائة وست وَعشْرين سنة للإسكندر. ثمَّ ملك " بيزن " الأشغاني إِحْدَى وَعشْرين سنة وَهلك لمضي ثلثمِائة وَسبع وَأَرْبَعين. ثمَّ ملك " يزجرد " الأشغاني تسع عشرَة سنة وَهلك لمضي ثلثمِائة وست وَسِتِّينَ. ثمَّ ملك " نرسي " الأشغاني أَرْبَعِينَ سنة وَقَالَ يَوْم ملك أَنِّي ومحب مكرم من أنفذ أَمْرِي وَهلك لمضي أَرْبَعمِائَة وست سِنِين. ثمَّ ملك " هُرْمُز " الأشغاني تسع عشرَة سنة وَهلك لمضي أَرْبَعمِائَة وَخمْس وَعشْرين سنة وَقَالَ يَوْم ملك يَا معشر النَّاس اجتنبوا الذُّنُوب كَيْلا تذلوا بالمعاذير. ثمَّ ملك بعده " أردوان " الأشغاني اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَهلك لمضي أَرْبَعمِائَة وَسبع وَثَلَاثِينَ سنة. ثمَّ ملك " خسروا " الأشغاني أَرْبَعِينَ سنة وَقَالَ يَوْم ملك لتسطع نَارِي مَا دَامَت مضطرمة وَهلك لمضي أَرْبَعمِائَة وَسبع وَسبعين سنة للإسكندر. ثمَّ ملك بعده " بلاش " الأشغاني أَرْبعا وَعشْرين سنة وَهلك لمضي خَمْسمِائَة وَسنة. ثمَّ ملك بعده " أردوان " الْأَصْغَر وَظهر أَمر أزدشير بن بابك وَقيل أردوان الْمَذْكُور وَغَيره من الأردوانيين وَاجْتمعَ لَهُ ملك جَمِيع الطوائف فَيكون انْقِضَاء ملك أردوان لمضي خَمْسمِائَة واثنتي عشرَة سنة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر وَيكون ملكه إِحْدَى عشرَة سنة وَقيل ملك أردوان ثَلَاث عشرَة سنة. (ذكر الطَّبَقَة الرَّابِعَة وهم الأكاسرة الساسانية) وأولهم أزدشير بن بابك وَهُوَ من ولد ساسان بن أزدشير بهمن وأزدشير بابك فِي أول ملكه أحد مُلُوك الطوائف تغلب على الأردوانيين لمضي تِسْعمائَة وَأَرْبَعين لابتداء ولَايَة بخْتنصر ولمضي خَمْسمِائَة واثنتي عشرَة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر على دَارا وَهِي مُدَّة مُلُوك الطوائف فَبين قيام أزدشير وَبَين الْهِجْرَة أَرْبَعمِائَة وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ ورصد بطليموس قبل أزدشير بِسبع وَسبعين سنه وَهَذِه مُدَّة يُمكن أَن يعيشها بطليموس أَو غالبها فَلَيْسَ بطليموس عَن أزدشير بِبَعِيد وَجَمِيع الأكاسرة الَّذين آخِرهم يزدجرد بن شهريار من ولد أزدشير قتل الأردوانييين جَمِيعًا وَضبط الْملك وَكَانَ حازما وَكتب لِابْنِهِ سَابُور عهدا ليَكُون لَهُ وَلمن بعده من أهل بَيته يتَضَمَّن حكما وناموسا وَملك أَربع عشرَة سنة وَعشرَة أشهر فموته فِي آخر سنة خَمْسمِائَة وَسبع وَعشْرين لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر. ثمَّ ملك بعده ابْنه " سَابُور " إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة وَسِتَّة أشهر وَكَانَ جميلا حازما ظهر فِي أَيَّامه " ماني الزنديق " وَادّعى النُّبُوَّة وَتَبعهُ خلق سموا المانوية، وَلما مضى من ملك سَابُور ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 39

إِحْدَى عشرَة سنة فتح نَصِيبين من الرّوم وتوغل فِي بِلَادهمْ وهم على عبَادَة الْأَصْنَام قبل تنصرهم وافتتح من الشَّام بلادا عنْوَة وَقتل أَهلهَا وَسَار نَحْو رُومِية فصانعه ملك الرّوم عرديانوس واعتنى سَابُور بِجمع كتب الفلسفة لليونانيين ونقلها إِلَى الفارسية وَقيل فِي زَمَانه استخرج الْعود وَمَات لمضي أَرْبَعَة أشهر من سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة للإسكندر. ثمَّ ملك ابْنه " هُرْمُز " سنة وَسِتَّة أشهر وَكَانَ عَظِيم الْخلق قَوِيا يلقب البطل مَاتَ فِي أَوَاخِر سنة خَمْسمِائَة وَسِتِّينَ للإسكندر. ثمَّ ملك ابْنه " بهْرَام " بن هُرْمُز ثَلَاث سِنِين وَثَلَاثَة أشهر فَأحْسن ورفق وَمَات سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة بعد مُضِيّ شهر مِنْهَا. ثمَّ ملك ابْنه " بهْرَام " بن بهْرَام سبع عشرَة سنة فموته فِي أول سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة للإسكندر. ثمَّ ملك ابْنه " بهْرَام " بن بهْرَام أَربع سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر فَعدل وساس وَمَات سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة بعد مُضِيّ سَبْعَة أشهر مِنْهَا. ثمَّ ملك أَخُوهُ " نرسي " بن بهْرَام تسع سِنِين فموته سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بعد مُضِيّ سَبْعَة أشهر مِنْهَا. ثمَّ ملك ابْنه " هُرْمُز " بن نرسي تسع سِنِين فهلاكه لمضي سَبْعَة أشهر من سنة ثَلَاث وسِتمِائَة وَخلف حملا فعقدوا التَّاج على رَأس الْحمل فولد وسموه وَهُوَ " سَابُور " وَاشْتَدَّ ونجب من صباه بلغَة ازدحام النَّاس على الجسر على دجلة بِالْمَدَائِنِ فَعمل إِلَى جَانب الجسر جِسْرًا آخر ليَكُون هَذَا للداخلين وَذَاكَ للخارجين وَفِي صباه طمع الْعَرَب فِي بِلَاده وخربوا فَلَمَّا بلغ سِتّ عشرَة سنة انتخب من عسكره عدَّة وَسَار بهم إِلَى الْعَرَب وَقتل من وجد مِنْهُم وَوصل الحسا والقطيف وَشرع يقتل وَلَا يفادي وَورد المشقر وَبِه أنَاس من تَمِيم وَبكر بن وَائِل وَعبد الْقَيْس فسفك مَا لَا يُحْصى وَسَار إِلَى الْيَمَامَة وَسَفك وَمَا مر بِمَاء للْعَرَب إِلَّا غوره وَلَا بِئْر إِلَّا طمها. ثمَّ عطف على ديار بكر وَرَبِيعَة فِيمَا بَين فَارس وَالروم وَصَارَ ينْزع أكتاف الْعَرَب فَسمى سَابُور ذَا الأكتاف. ثمَّ غزا الرّوم وَقتل وسبى ثمَّ هادنه قسطنطين ملك الرّوم حَتَّى توفّي قسطنطين سنة خمس وَأَرْبَعين مَضَت من ملك سَابُور وملكت بَنو قسطنطين وهلكوا فِي مُدَّة ملك سَابُور. ثمَّ ملك على الرّوم كليانوس وارتد إِلَى الْأَصْنَام وَقتل النَّصَارَى وَخرب الْكَنَائِس وأحرق الْإِنْجِيل وَسَار لقِتَال سَابُور وَمَعَهُ الْعَرَب أَيْضا لفعل سَابُور بهم ثمَّ اقتتل كليانوس وسابور فَانْهَزَمَ سَابُور وَقتلت الرّوم مِنْهُم وَاسْتولى كليانوس على مَدِينَة سَابُور وَهِي طيسفون الْمَعْرُوفَة بِالْمَدَائِنِ. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 40

ثمَّ استنجد سَابُور بالملوك المجاورين لبلاده وَرفع كليانوس على طيسفون وَاسْتمرّ كليانوس مُقيما بِبِلَاد الْفرس وسعى سَابُور فِي الصُّلْح فَبَيْنَمَا كليانوس فِي فسطاطه إِذْ أَصَابَهُ سهم غرب فِي فُؤَاده فَقتل فهال الرّوم فقد ملكهم فِي بِلَاد عدوهم فقصدوا يونيانوس مقدم جَيش كليانوس وَكَانَ يسر النَّصْرَانِيَّة وَلم يرْتَد إِلَى الْأَصْنَام مَعَه وسألوه أَن يتَمَلَّك عَلَيْهِم فَأبى يونيانوس وَقَالَ لَا أتملك على قوم يخالفونني فِي الدّين فعادوا إِلَى النَّصْرَانِيَّة وَادعوا أَنهم إِنَّمَا عبدُوا الْأَصْنَام خوفًا وتقية فَملك يونيانوس وَصَالح سَابُور وَسَار إِلَيْهِ فِي جمع من أَصْحَابه واجتمعا واعتنقا وانتظمت الْمَوَدَّة بَينهمَا وَعَاد بالروم إِلَى بِلَاده وَاسْتمرّ سَابُور على ملكه حَتَّى مَاتَ بعد اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة هِيَ مُدَّة ملكه وَمُدَّة عمره فموت سَابُور لمضي سَبْعَة أشهر من سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة للإسكندر. ثمَّ ملك أَخُوهُ " أزدشير " بن هُرْمُز أَربع سِنِين أوصى سَابُور لَهُ بذلك لصِغَر ابْن سَابُور وَمَات سنة تسع وَسبعين وسِتمِائَة للإسكندر. ثمَّ ملك بعده " سَابُور " بن سَابُور ذِي الأكتاف خمس سِنِين وَأَرْبَعَة أشهر فَأحْسن السِّيرَة وَمَات بِسُقُوط فسطاطه عَلَيْهِ فموته لمضي أحد عشر شهرا من سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة للإسكندر. ثمَّ ملك أَخُوهُ " بهْرَام " بن سَابُور ذِي الأكتاف إِحْدَى عشرَة سنة ويدعى كرمان شاه فَأحْسن إِلَى أَن قَتله بعض الْفرس بِسَهْم لمضي أحد عشر شهرا من سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة للإسكندر. ثمَّ ملك ابْنه " يزدجرد " بن بهْرَام بن سَابُور ويلقب بالأثيم وبالخشن إِحْدَى وَعشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وَكَانَ كلقبه فعسف وَسَفك وصبروا عَلَيْهِ وطالت أَيَّامه وَهُوَ يزْدَاد جورا فَهَلَك برفسة فرس لمضي أَرْبَعَة أشهر من سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة وَكَانَ لَهُ ولدا اسْمه بهْرَام جور أسلمه أَبوهُ إِلَى الْمُنْذر ملك الْعَرَب ليربيه بِظهْر الْحيرَة فَنَشَأَ هُنَاكَ وَقدم على أَبِيه قبل هَلَاكه وبهرام جور فِي غَايَة الْأَدَب والفروسية فأهابه أَبوهُ فَطلب الْعود إِلَى الْعَرَب فَأمره بذلك وَمَات أَبوهُ وَهُوَ عِنْد الْمُنْذر فَاجْتمع الْفرس على تمْلِيك غير ولد يزدجرد لما قاسوا مِنْهُ وَأَيْضًا لتخلق بهْرَام جور بأخلاق الْعَرَب ونشأته فيهم فَوَلوا شخصا يُسمى كسْرَى من ولد أزدشير وَبلغ ذَلِك بهْرَام جور فانتصر بالمنذر وَابْنه النُّعْمَان. وتملك " بهْرَام جور " مَوضِع أَبِيه ويحكى عَنهُ فرط فِي الْقُوَّة وَهلك بالتوحل فِي سبخَة بِسَبَب طرد صيد وَعدم وَكَانَ ملكه ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَأحد عشر شهرا فَيكون هَلَاكه لمضي ثَلَاثَة أشهر من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة. ثمَّ ملك ابْنه " يزدجرد " بن بهْرَام جور ثَمَانِي عشرَة سنة وَأَرْبَعَة أشهر وقمع الْأَعْدَاء وَعمر الْبِلَاد ثمَّ هلك لمضي سَبْعَة أشهر من سنة تسع وَخمسين وَسَبْعمائة وَخلف ابْنَيْنِ هُرْمُز وفيروز. ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 41

فتملك " هُرْمُز " سبع سِنِين وظلم واحتجب وهرب أَخُوهُ فَيْرُوز مِنْهُ إِلَى الهياطلة وَرَاء خُرَاسَان وَهِي طخارستان واستعان بملكهم على أَخِيه هُرْمُز فأنجده واقتتلا فِي الرّيّ فظفر فَيْرُوز بأَخيه هُرْمُز فسجنه وأمهما وَاحِدَة فانقضاء ملك هُرْمُز فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة للإسكندر. ثمَّ ملك " فَيْرُوز " بن يزدجرد بن بهْرَام جور سبعا وَعشْرين سنة فَأحْسن وَحصل فِي أَيَّامه غلاء وقحط وغور الْأَعْين ويبس النَّبَات وهلاك الْوَحْش مُدَّة سبع سِنِين ثمَّ أغاثهم اللَّهِ تَعَالَى وَحسن الْحَال وَملك الهياطلة حِينَئِذٍ اسْمه الأخشنواز وَوَقع بَينه وَبَين فَيْرُوز بِسَبَب ابْن فَيْرُوز خطب بنت الأخشنواز فَلم يُزَوجهُ فَسَار فَيْرُوز إِلَى الهياطلة وَذكر لَهُم ذنوبا مِنْهَا أَنهم يأْتونَ الذكران وَلم يظفر مِنْهُم بِشَيْء وتردى فَيْرُوز فِي خَنْدَق عمله الهياطلة وغطس فَوَقع فِيهِ وَجَمَاعَة فهلكوا واحتوى أخشنواز على جَمِيع مَا كَانَ فِي مُعَسْكَره فَيكون هَلَاك فَيْرُوز فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَسَبْعمائة. ثمَّ ملك ابْنه " بلاش " أَربع سِنِين فَأحْسن وَمَات سنة سبع وَتِسْعين وَسَبْعمائة. ثمَّ ملك أَخُوهُ " قباذ " بن فَيْرُوز ثَلَاثًا وَأَرْبَعين سنة وَفِي أَيَّامه ظهر " مزدك " الزنديق وَادّعى النُّبُوَّة وَأمر بالتساوي فِي الْأَمْوَال والاشتراك فِي النِّسَاء لأَنهم أخوة لابوين آدم وحواء، وَدخل قباذ فِي دينه فَهَلَك النَّاس وَعظم عَلَيْهِم ذَلِك وخلعوا قباذا، وولوا أَخَاهُ جاماسف بن فَيْرُوز وَلحق قباذ بالهياطلة فنجدوه وَسَار بهم وبعسكر خُرَاسَان وانتصر على أَخِيه جاماسف وحبسه حَتَّى مَاتَ قباذ سنة أَرْبَعِينَ وَثَمَانمِائَة لمضي سَبْعَة أشهر من السّنة. ثمَّ ملك بعد قباذ ابْنه أنوشروان: صَغِيرا ثمانيا وَأَرْبَعين سنة وَلما اسْتَقل بِالْملكِ وَجلسَ على السرير قَالَ لخواصه إِنِّي عَاهَدت اللَّهِ إِن صَار الْملك إِلَيّ على أَمريْن أَحدهمَا أَنِّي أُعِيد آل الْمُنْذر إِلَى الْحيرَة وَأطْرد الْحَارِث عَنْهَا وَأما الْأَمر الثَّانِي فَهُوَ قتل المزدكية الَّذين قد أباحوا نسَاء النَّاس وَأَمْوَالهمْ وجعلوهم مشتركين فِي ذَلِك بِحَيْثُ لَا يخْتَص أحد بِامْرَأَة وَلَا بِمَال حَتَّى اخْتَلَط أَجنَاس اللؤماء بعناصر الكرماء وتسهل سَبِيل العاهرات إِلَى قَضَاء شهواتهن واتصلت السفلة إِلَى النِّسَاء الكرائم الَّتِي مَا كَانَ أَمْثَال أُولَئِكَ يتجاسرون أَن يملؤا عيونهم مِنْهُنَّ إِذا رأوهن فِي طَرِيق، فَقَالَ مزدك وَهُوَ بِجَانِب السرير: هَل تَسْتَطِيع أَن تقتل النَّاس جَمِيعًا هَذَا فَسَاد فِي الأَرْض وَالله قد ولاك لتصلح لَا لتفسد فَقَالَ أنوشروان يَا ابْن الخبيثة أَتَذكر وَقد سَأَلت قباذ أَن يَأْذَن لَك فِي الْمبيت عِنْد أُمِّي فَإِذن لَك ومضيت نَحْو حُجْرَتهَا فلحقت بك وَقبلت رجلك وَإِن نَتن جواربك مازال فِي أنفي مُنْذُ ذَلِك إِلَى الْآن وَسَأَلْتُك حَتَّى وهبتها إِلَيّ وَرجعت. قَالَ نعم فَأمر بِهِ فَقتل وأحرقت جيفته ونادى بِإِبَاحَة دِمَاء المزدكية والمانوية أَيْضا فَقتل مِنْهُم خلق كثير وَثَبت الْمَجُوسِيَّة الْقَدِيمَة وَكتب بذلك إِلَى أَصْحَاب الولايات وهجر الملاذ وقوى جنده بالأسلحة وَعمر الْبِلَاد واسترد كثيرا من الْأَطْرَاف إِلَيْهِ كالسند والزحج وزابلستان ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 42

وطخارستان وَبنى الْحُصُون وَقسم أَمْوَال المزدكية على الْفُقَرَاء ورد الْأَمْوَال الَّتِي لَهَا أَصْحَاب إِلَى أَصْحَابهَا وَألْحق كل مَوْلُود اخْتلف فِيهِ بالشبه وَإِن كَانَ ولد للمزدكية المقتولة جعله عبد الزَّوْج الْمَرْأَة الَّتِي حبلت بِهِ من المزدكية وَأمر بِكُل امْرَأَة غلبت على نَفسهَا أَن تُعْطِي من مَال المزدكي الَّذِي غلبها مهر مثلهَا وَأمر بنساء المعروفين اللَّاتِي مَاتَ من يقوم عَلَيْهِنَّ أَو تَبرأ مِنْهُنَّ أهلهن لفرط الْغيرَة والإنفة أَن يجمعهن فِي مَوضِع أفرده لَهُنَّ وأجرى عَلَيْهِنَّ الْمُؤْنَة وَأمر أَن يزوجن من مَال كسْرَى وَكَذَلِكَ فعل بالبنات اللَّاتِي لم يُوجد لَهُنَّ أَب، وَأما البنون الَّذين لم يُوجد لَهُم أَب فأضافهم إِلَى مماليكه. ورد الْمُنْذر إِلَى الْحيرَة وطرد الْحَارِث عَنْهَا وأطاعه قَيْصر وَفتح الرها مَدِينَة هِرقل ثمَّ الْإسْكَنْدَريَّة وغزا الخزر وَتوجه إِلَى عدن فسكن هُنَاكَ نَاحيَة من الْبَحْر بَين جبلين بالصخور وَعمد الْحَدِيد ثمَّ طَالب الهياطلة بِدَم فَيْرُوز وكبس بِلَادهمْ وَقتل ملكهم وخلقا من أَصْحَابه وَتجَاوز بَلخ وَمَا وَرَاءَهَا وَعَاد إِلَى الْمَدَائِن وَأرْسل جَيْشًا إِلَى الْيمن وَقدم عَلَيْهِم وهرز فَقتلُوا الْحَبَشَة المستولين عَلَيْهَا وَأعَاد ملك آبَاء سيف بن ذِي يزن عَلَيْهِ بعد قتل ملك الْحَبَشَة مَسْرُوق بن أَبْرَهَة الأشرم الَّذِي جَاءَ بالفيل إِلَى الْكَعْبَة وغزا براحان وَبنى بَاب الْأَبْوَاب وَفِي زَمَانه ولد عبد اللَّهِ أَبُو النَّبِي ﷺ َ - لأَرْبَع وَعشْرين سنة من ملكه وَلذَلِك ولد النَّبِي ﷺ َ - فِي الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعِينَ من ملكه وَتُوفِّي أنوشروان سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة للإسكندر لمضي سَبْعَة أشهر مِنْهَا. ثمَّ ملك بعده ابْنه " هُرْمُز " فَعدل وَأخذ للأدنى من الشريف وَبَالغ فِي ذَلِك حَتَّى أبغضته خواصه وَأقَام على بنيه ومحبيه وأفرط فِي التَّشْدِيد بِالْعَدْلِ وَوضع صندوقا فِي أَعْلَاهُ خرق وَأمر أَن يلقِي المتظلم قصَّته فِيهِ والصندوق بختمه قصد بذلك وُصُول الشكاوى إِلَيْهِ بسهولة. ثمَّ طلب أَن يعلم بالظلامات سَاعَة فساعة فَاتخذ سلسلة وخرق لَهَا فِي دَاره مَوضِع جُلُوسه وَقت خلوته وَجعل فِيهَا جرسا ليحركها المنظلم فيحضره وينصفه من ظالمه. ثمَّ خرج عَلَيْهِ أَعدَاء مِنْهُم شابه ملك التّرْك وَملك الرّوم وَالْعرب فَأرْسل عسكراً إِلَى ملك التّرْك مقدمهم بهْرَام جوبين بن بهْرَام خشنش من أهل الرّيّ فَقتل شابه وَنهب عسكره وطردهم فَقَامَ ابْن شابه مقَام أَبِيه وَصَالح بهْرَام جوبين. ثمَّ أَمر هُرْمُز بهْرَام جوبين بغزو التّرْك فِي بِلَادهمْ فَلم ير بهْرَام جوبين ذَلِك مصلحَة وَخَافَ من مُخَالفَة هُرْمُز فاتفق بهْرَام وَعَسْكَره وخلعوا طَاعَة هُرْمُز فأنفذ هُرْمُز لَهُم عسكرا فَصَارَ أَكْثَرهم مَعَ بهْرَام جوبين بعد قتال. وَكَانَ برويز بن هُرْمُز مطرودا عَن أَبِيه إِلَى أذربيجان فَبَلغهُ اتِّفَاق الأكابر على خلع أَبِيه وخشي من اسْتِيلَاء بهْرَام جوبين على الْملك فقصد برويز أَبَاهُ ووثب خالا برويز على هُرْمُز وأمسكاه وسملا عَيْنَيْهِ وَلبس برويز التَّاج. وَمن أول ملك هُرْمُز إِلَى اسْتِقْرَار ابْنه برويز نَحْو ثَلَاث عشرَة سنة وَنصف سنة فَإِن ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .

стр. 43

هُرْمُز بَقِي معتقلا مُدَّة مديدة ثمَّ خنق وَجلسَ برويز على السرير وَخَالفهُ بهْرَام جوبين أظهر انتصاره لهرمز وشنع على برويز بقتل أَبِيه وسمل عَيْنَيْهِ وتراسلا إِلَى أَن تغلب بهْرَام جوبين وخشي برويز أَن يُقيم أَبَاهُ الْأَعْمَى صُورَة ويستولي على الْملك فَقتل أَبَاهُ وَلحق برويز بِملك الرّوم مستنجدا بِهِ. وَوصل " بهْرَام جوبين " وتوج وَقعد على السرير وَقَالَ إِنَّنِي وَإِن كنت لم أكن من بَيت الْملك فَإِن اللَّهِ تَعَالَى ملكني الْيَوْم وَالْملك بِيَدِهِ يملكهُ من يَشَاء وَتزَوج برويز مَرْيَم بنت ملك الرّوم وأنجده بِثَمَانِينَ ألف فَارس فقاتل بهْرَام جوبين وَلحق ببرويز كثير من الْفرس فهرب بهْرَام جوبين إِلَى خُرَاسَان ثمَّ إِلَى التّرْك. ثمَّ تملك " برويز " وَأكْرم عَسْكَر الرّوم وأعادهم إِلَى ملكهم واستقرار برويز فِي الْملك فِي أثْنَاء سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعمِائَة للإسكندر. وَملك برويز ثمانيا وَثَلَاثِينَ سنة وَلما اسْتَقر غزا الرّوم وَسَببه أَن ملك الرّوم أَبَا زَوجته هلك فطرد الرّوم ابْنه وَأَقَامُوا غَيره فحاربهم برويز وكسرهم ووصلت خيله الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَجمع أَمْوَالًا لم تَجْتَمِع لغيره وَتزَوج شيرين الْمُغنيَة وَبنى لَهَا قصر شيرين بَين حلوان وخانقين وَكَانَ لَهُ ثَمَانِيَة عشر ابْنا أكبرهم شهريار وَمِنْهُم شيرويه ملك بعده وَأم شيرويه مَرْيَم بنت ملك الرّوم. ثمَّ عتا برويز وظلم وأنهى إِلَيْهِ زَاذَان فروخ مُتَوَلِّي الْحَبْس أَنه اجْتمع فِي الْحَبْس سِتَّة وَثَلَاثُونَ ألف رجل وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الحبوس وأنتنوا وَطلب مِنْهُ ان يُعَاقب من يسْتَحق مِنْهُم وَيقطع من يسْتَحق ويفرج عَنْهُم فَقَالَ برويز بل اقتلهم جَمِيعهم واقطع رؤوسهم وَاجْعَلْهَا قُدَّام دَار المملكة فَاعْتَذر زَاذَان فروخ واستعفى فَقَالَ إِن لم تقتلهم الْيَوْم قتلتك قبلهم وَشَتمه وَأخرجه فَأعْلم زَاذَان فروخ المحبوسين بذلك فضجوا فَقَالَ إِن أفرجت عَنْكُم تَأْخُذُوا بِأَيْدِيكُمْ مَا تجدونه فِي الْأَسْوَاق من آلَات وأخشاب وتكبسوا كسْرَى فِي دَاره بَغْتَة فَحَلَفُوا على ذَلِك وَلم يشْعر كسْرَى برويز إِلَّا بالغلبة. وعجزت حَاشِيَته تِلْكَ السَّاعَة عَن الرَّد عَنهُ فاختفى مِنْهُم بِجَانِب بُسْتَان بِالدَّار يعرف بباغ الْهِنْد فأخرجوه إِلَى زَاذَان فروخ فحبسه فِي دَار رجل اسْمه مارسفيد وَقَيده بِقَيْد ووكل بِهِ وَمضى إِلَى عقر بابل. فجَاء وَمَعَهُ " شيرويه " بن برويز وَأَجْلسهُ على السرير فأطاعه الْخَاص وَالْعَام فراسله أَبوهُ وقرعه فَقَالَ شيرويه لَا تعجب إِن أَنا قتلتك فإنني أقتدي بك فِي سملك عَيْني أَبِيك هُرْمُز وَقَتله وَلَو لم تفعل ذَلِك مَعَ أَبِيك مَا أقدم عَلَيْك ولدك بِمثل ذَلِك وَأرْسل شيرويه إِلَيْهِ من لَهُ عَلَيْهِ ثأر فَقتله ولمضي اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة وَخَمْسَة أشهر عشر يَوْمًا من ملك برويز هَاجر النَّبِي ﷺ َ - من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَهلك برويز لمضي خمس سِنِين وَسِتَّة أشهر وَخَمْسَة عشر يَوْمًا لِلْهِجْرَةِ لِأَن من السّنة الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعِينَ من ملك أنوشروان وَهِي سنة مولد ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 44

رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - إِلَى نصف السّنة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثِينَ من ملك برويز وَهِي عَام الْهِجْرَة ثَلَاثًا وَخمسين سنة. بَيَانه أَن رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - ولد فِي السّنة الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعِينَ من ملك أنوشروان وَهَاجَر النَّبِي ﷺ َ - وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَخمسين سنة فَيكون لَهُ ﷺ َ - سبع سِنِين فِي أَيَّام أنوشروان واثنتا عشر سنة فِي أَيَّام هُرْمُز بن أنوشروان وَسنة وَنصف تَقْرِيبًا فِي الفترة الَّتِي كَانَت بَين إمْسَاك هُرْمُز واستقرار ابْنه برويز وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة وَنصف تَقْرِيبًا من ملك برويز ومجموع ذَلِك ثَلَاث وَخَمْسُونَ وعَلى ذَلِك فَتكون السّنة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ من ملك برويز هِيَ السّنة الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ وَتِسْعمِائَة للإسكندر تَقْرِيبًا. وَكَانَت مُدَّة ملك برويز ثمانيا وَثَلَاثِينَ سنة فَيكون هَلَاك برويز فِي سنة أَرْبَعِينَ وَتِسْعمِائَة للإسكندر. ثمَّ ملك شيرويه وَكَانَ رَدِيء المزاج كثير الْأَمْرَاض صَغِير الْخلق وَإِخْوَته السَّبْعَة عشر كَأَنَّهُمْ عوالي الرماح كملوا خلقا وخلقا وأدبا فَقتل الْجَمِيع ثمَّ نَدم وسقم وجزع وَلم يلتذ بعدهمْ بِشَيْء وَحرم النّوم وَبكى لَيْلًا وَنَهَارًا وَرمى التَّاج وَهلك على تِلْكَ الْحَال وَمُدَّة ملكه ثَمَانِيَة أشهر. ثمَّ ملك أزدشير بن شيرويه بن برويز قيل كَانَ ابْن سبع سِنِين وحضنه مهزخنشنش فَأحْسن السياسة ثمَّ قتل وَمُدَّة ملكه سنة وَسِتَّة أشهر. ثمَّ ملك " شهريراز " وَكَانَ من مقدمي الْفرس مُقيما فِي مُقَابلَة الرّوم فِي عَسْكَر عَظِيم وإقطاعه الشَّام وبلغه ملك أزدشير وصغره فَأقبل وهجم طيسفون لَيْلًا بعد قتال وَقتل مهزخشنش، وَقتل أدزشير وَلبس التَّاج وَجلسَ على السرير وَلَيْسَ من بَيت الْملك وَلما جلس على السرير مَنعه وجع بَطْنه عَن الْقيام إِلَى الْخَلَاء فَدَعَا بطشت وستارة وتبرز بَين يَدي السرير فتطير النَّاس من ذَلِك. وَكَانَ من سنة الْفرس إِذا ركب الْملك أَن تقف حرسه صفّين لَهُ وَعَلَيْهِم الدروع وَالْبيض وبأيديهم السيوف مَشْهُورَة والرماح فَإِذا حاذاهم وضع كل مِنْهُم ترسه على قربوس سَرْجه ثمَّ وضع جَبهته عَلَيْهِ كَهَيئَةِ السُّجُود ثمَّ يرفعون رؤوسهم ويسيرون من جَانِبي الْملك وَركب شهريزار فَوقف لَهُ فروخ وأخواه فِي جملَة الحرس فَلَمَّا حاذاهم طعنوه ثَلَاثَتهمْ فألقوه عَن فرسه وحملت عُظَمَاء الْفرس على اصحابه فَقتلُوا مِنْهُم جمَاعَة وشدوا فِي رجل شهريراز حبلا وجره إقبالا وإدبارا لكَونه تعرض للْملك وَلَيْسَ من بَيته. ثمَّ ملكوا " بوران " بنت كسْرَى برويز فأحسنت وَردت خَشَبَة الصَّلِيب على ملك الرّوم فَعظم موقعها عِنْده وأطاعها فِيمَا كلفته وملكت سنة وَأَرْبَعَة أشهر. ثمَّ هَلَكت فَملك " خشنشده " من بني عَم كسْرَى برويز فَلم يدبر الْملك وَكَانَ ملكه أقل من شهر وَقتل.

стр. 45

ثمَّ ملكت " أرزمي دخت " بنت كسْرَى برويز فعدلت وأحسنت وَكَانَ أعظم الْفرس حِينَئِذٍ فَرح هُرْمُز أصيهبدا خُرَاسَان وَكَانَت أرزمي دخت من أجمل النِّسَاء فَخَطَبَهَا هَذَا فامتنعت ثمَّ أَجَابَتْهُ إِلَى الِاجْتِمَاع بِهِ فِي اللَّيْل ليقضي وطره مِنْهَا فَحَضَرَ بالشمع وَالطّيب فَأمرت حرسها فَقتلته وَكَانَ رستم بن فرخ هُرْمُز وَهُوَ الَّذِي تولى قتال الْمُسلمين فِيمَا بعد قد جعله أَبوهُ نَائِبه على خُرَاسَان لما توجه بِسَبَب أرزمي دخت فَلَمَّا قتلته جمع جمعا وقصدها فَقَتلهَا بثأر أَبِيه وَكَانَ ملكهَا سِتَّة أشهر فَاخْتلف الْفرس فِيمَن يولون فَلم يَجدوا غير رجل من عقب أزدشير بن بابك اسْمه " كسْرَى " بن مهزخشنش. فملكوه فَلم يلق بِهِ الْملك فَقَتَلُوهُ بعد أَيَّام وَلم يَجدوا من بَيت الْملك أحد إِلَّا رجلا اسْمه " فَيْرُوز " بن حستان يزْعم أَنه من نسل أنوشروان فملكوه فَكبر رَأسه عَن التَّاج فَقَالَ مَا أضيق هَذَا التَّاج فتطيروا من افْتِتَاح كَلَامه بالضيق وقتلوه. ثمَّ ملك " فرخ زادخسرو " من ولد أنوشروان سِتَّة أشهر وقتلوه، ثمَّ ملك يزدجر بن شهريار بن برويز بن هُرْمُز بن أنوشروان بن قباذ بن فَيْرُوز بن يزدجرد بن بهْرَام جور بن يزدجرد بن بهْرَام بن سَابُور ذِي الأكتاف بن هُرْمُز بن نرسي بن بهْرَام بن بهْرَام خر بن هُرْمُز ابْن سَابُور بن أزدشير بن بابك. وَكَانَ يزدجرد مختفيا بأصطخر لما قتل أَبوهُ مَعَ إخْوَته حِين قَتلهمْ أخوهم شيرويه وَكَانَ ملك يزدجرد الْمَذْكُور كالخيال بِالنِّسْبَةِ إِلَى ملك آبَائِهِ يدبر الوزراء ملكه وضعفت مملكة فَارس واجترأ عَلَيْهِم أعداؤهم وغزا الْمُسلمُونَ بِلَادهمْ بعد أَن مضى من ملكه ثَلَاث وَأَرْبع سِنِين وعمره إِلَى أَن قتل بمرو عشرُون سنة قتل فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ وَهُوَ آخِرهم وَزَالَ ملكهم بِالْإِسْلَامِ إِلَى الْأَبَد، فَهَذَا تَرْتِيب مُلُوك الْفرس من أوشهنج إِلَى يزدجرد من تجارب الْأُمَم لِابْنِ مسكويه، وَمن كتاب أبي عِيسَى.

стр. 46

(الْفَصْل الثَّالِث) (فِي ذكر فَرَاعِنَة مصر ثمَّ مُلُوك اليونان ثمَّ الرّوم) الفراعنة مُلُوك القبط بِمصْر كَانَ أهل مصر أهل ملك عَظِيم فِي الدهور الخالية أخلاطا مَا بَين قبْطِي ويوناني وعمليقي إِلَّا أَن جمهورهم قبط وَأكْثر مُلُوكهَا الغرباء وَكَانُوا صابئة يعْبدُونَ الْأَصْنَام وَصَارَ بعد الطوفان بِمصْر عُلَمَاء بضروب من الْعُلُوم وخاصة الطلسمات والنيرنجات والكيمياء وَكَانَت مَدِينَة منف كرْسِي الْملك على اثْنَي عشر ميلًا من الْفسْطَاط. وَأول مُلُوكهَا بعد الطوفان " مصر " بن حام بن نوح نزل منف هُوَ وَثَلَاثُونَ من وَلَده وَأَهله. وملكها بعده ابْنه " مصر " وَسميت الْبِلَاد بِهِ لطول مدَّته. ثمَّ بعده ابْنه " فَقَط " بن مصر، وَبعده ملك أَخُوهُ " أتريب " بن مصر، وأتريب باني مَدِينَة عين شمس وَبهَا الْآثَار الْعَظِيمَة. ثمَّ ملك بعده أَخُوهُ " صا " وَبِه سميت مَدِينَة صا وَهِي خراب على النّيل من أَسْفَله. ثمَّ ملك بعده " تدراس " ثمَّ " ابْنه ماليق " ثمَّ ابْنه " حرابا " بن ماليق ثمَّ كلكلي بن حرابا وَكَانَ ذَا حِكْمَة أول من جمد الزئبق وسبك الزّجاج ثمَّ بعده " حريبا " بن ماليق كَافِرًا. ثمَّ ملك بعده " طونيس " فِرْعَوْن إِبْرَاهِيم ﷺ َ - هُوَ وهب سارة هَاجر كَانَ يسكن الفرما ثمَّ ملكت بعده أُخْته " جورساق " ثمَّ بعْدهَا " زلفا " بنت مامون سمع عمالقة الشَّام بضعفها فغزوها وملكوا مصر وَصَارَت الدولة للعمالقة وَالَّذِي أَخذ مِنْهَا الْملك " الْوَلِيد بن دبيع العملاقي " عَابِد الْبَقَرَة قَتله أَسد فِي صَيْده وَقيل هُوَ أول من تسمى بفرعون. وَملك بعده ابْنه " الريان " فِرْعَوْن يُوسُف وَنزل بِعَين شمس ثمَّ ابْنه " دارم " وَفِي زَمَانه توفّي يُوسُف وتجبر دارم وَكفر شَدِيدا فأغرقه اللَّهِ بِسَبَب ريح عَاصِفَة بِالْقربِ من حلوان. ثمَّ ملك بعده " كاسم " بن معدان العمليقي وَقصد هدم الهرمين فَقَالَ حكماء مصر إِن خراج مصر لَا يَفِي بهدمهما وَأَيْضًا فَإِنَّهُمَا قبران لنبيين عظيمين وهما شِيث بن آدم وهرمس فَأمْسك عَن هدمهما. ثمَّ ملك بعده " الْوَلِيد " بن مُصعب فِرْعَوْن مُوسَى قيل من العمالقة وَهُوَ الْأَظْهر وَقيل هُوَ فِرْعَوْن يُوسُف وَعمر إِلَى أَيَّام مُوسَى وَقيل هُوَ من القبط كَانَ صَاحب شرطة كاسم العملاقي فكثرت الأقباط فملكوا الْوَلِيد بعد كاسم وانقرضت حِينَئِذٍ دولة العمالقة من مصر

стр. 47

وَادّعى الْوَلِيد الربوبية وعظمت دولته وعمرت أَرض مصر فِي أَيَّامه وَأكْثر النَّاس من التصنيف فِي سيرته، وَفِي مُنَاجَاة مُوسَى يَا رب لم أطلت عمر عَدوك فِرْعَوْن مَعَ ادعائه مَا انْفَرَدت بِهِ من الربوبية وَجحد نِعْمَتك فَقَالَ اللَّهِ تَعَالَى أمهلته لِأَن فِيهِ خَصْلَتَيْنِ من خلال الْإِيمَان الْجُود وَالْحيَاء، وهامان وَزِير فِرْعَوْن حفر لفرعون خليج السردوسي سَأَلَهُ أهل كل قَرْيَة أَن يجريه إِلَيْهِم ويعطوه مَالا فَكَانَ يَأْتِي بِهِ إِلَى الْقرْيَة نَحْو الْمشرق ثمَّ يردهُ إِلَى الْقرْيَة من نَحْو الْمغرب وَكَذَلِكَ فِي الْجنُوب وَالشمَال فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك نَحْو مائَة ألف دِينَار وَحملهَا إِلَى فِرْعَوْن فَقَالَ فِرْعَوْن وَيحك إِنَّه يَنْبَغِي للسَّيِّد أَن يعْطف على عبيده وَلَا يطْمع فِيمَا فِي أَيْديهم ورد على أهل كل قَرْيَة مَا أَخذ مِنْهُم وَأخْبر المنجمون بِظُهُور مُوسَى وَزَوَال ملكه على يَده فَأخذ فِي قتل الْأَطْفَال حَتَّى قتل تسعين ألفا وَسلم اللَّهِ نبيه مُوسَى ﷺ َ - مِنْهُ بِأَن التقطته آسِيَة امْرَأَة فِرْعَوْن وحمته مِنْهُ وتزعم الْيَهُود أَن بنت فِرْعَوْن هِيَ الَّتِي التقطته لَا زَوجته وَالأَصَح أَنَّهَا زَوجته كَمَا نطق الْقُرْآن وَلما أظهر الْآيَات لفرعون وَسلم إِلَيْهِ بني إِسْرَائِيل وَسَار بهم نَدم ولحقهم عِنْد بَحر القلزم فَضرب مُوسَى بعصاه الْبَحْر فَصَارَ فِيهِ اثْنَا عشر طَرِيقا لكل سبط طَرِيق فَتَبِعَهُ فِرْعَوْن وَجُنُوده فغرق هُوَ وَجُنُوده وَذَلِكَ لمضي ثَمَانِينَ سنة من عمر مُوسَى. وَكَانَ قد تملك قبل ولادَة مُوسَى، وَلذَلِك قتل الْأَطْفَال فِي أَيَّام ولادَة مُوسَى فمدة ملك فِرْعَوْن تزيد على ثَمَانِينَ سنة قطعا. وَلما هلك فِرْعَوْن ملكت القبط بعده " دلوكة " الْمَشْهُورَة بالعجوز من بَنَات مُلُوك القبط انْتهى السحر إِلَيْهَا وعمرت حَتَّى عرفت بالعجوز وصنعت على أهل مصر من أول أرْضهَا فِي حد أسوان إِلَى آخر سورا مُتَّصِلا، ثمَّ ملك مصر بعد دلوكة صبي من أَبنَاء أكَابِر القبط اسْمه " دركون " بن بلطوس. ثمَّ ملك بعده أَخُوهُ " لقاش " ثمَّ أَخُوهُ " مرينا " ثمَّ ملك بعده " استمادس " ثمَّ بلطوس بن مكاكيل " ثمَّ ملك بعده بَوْله " وَهَذَا غزا رحبعم بن سُلَيْمَان بن دَاوُد كَمَا تقدم، وَفِي كتب الْيَهُود إِن فِرْعَوْن الَّذِي غزا بني إِسْرَائِيل أَيَّام رجبعم اسْمه شيشاق وَهُوَ الْأَصَح ثمَّ لم يشْتَهر بعد شيشاق غير فِرْعَوْن الْأَعْرَج الَّذِي غزاه بخْتنصر وصلبه وَبَين رحبعم اسْمه شيشاق وَهُوَ الْأَصَح ثمَّ لم يشْتَهر بعد شيشاق غير فِرْعَوْن الْأَعْرَج الَّذِي غزاه بخْتنصر وصلبه وَبَين رحبعم وَبُخْتنَصَّرَ فَوق أَرْبَعمِائَة سنة وَكَانَ شيشاق على أَيَّام رحبعم فشيشاق قبل فِرْعَوْن الْأَعْرَج بِأَكْثَرَ من أَرْبَعمِائَة سنة. قَالَ الْمُؤلف ﵀: وَلم تصح أَسمَاء فَرَاعِنَة هَذِه الْمدَّة الَّتِي بَين شيشاق والأعرج وَلما قتل بخْتنصر فِرْعَوْن الْمَذْكُور وأباد أَهلهَا بقيت مصر أَرْبَعِينَ سنة خرابا. قَالَ ابْن سعيد: وَصَارَت مصر وَالشَّام من حِين غَزَاهُمَا بخْتنصر تَحت ولَايَته حَتَّى مَاتَ وتوالت الْوُلَاة من جِهَة بخْتنصر على مصر وَالشَّام حَتَّى انقرضت دولة أَوْلَاده فتوالت على مصر وُلَاة الْفرس. فَكَانَ مِنْهُم " كثرحوش " الْفَارِسِي باني قصر الشمع وَبعده " طخارست " الطَّوِيل وَفِي

стр. 48

أَيَّامه كَانَ أبقراط الْحَكِيم، وتوالت بعده نواب الْفرس إِلَى أَن غلب الْإِسْكَنْدَر على الْفرس. (ذكر مُلُوك اليونان) أول من اشْتهر مِنْهُم " فيلبس " أَبُو الْإِسْكَنْدَر مقرّ ملكه كَانَ بمقدونية مَدِينَة حكماء اليونان على جَانب الخليج القسطنطيني من شرقيه وملوك اليونان طوائف لم يشْتَهر مِنْهُم غير فيلبس وَكَانَ يُؤَدِّي الأتاوة للْفرس ولمامات ملك ابْنه " الْإِسْكَنْدَر " ثَلَاث عشرَة سنة وَمَات فِي أَوَاخِر السّنة السَّابِعَة من غلبته على دَارا ملك الْفرس وَقد تقدم ذكره مَعَ مُلُوك الْفرس وانقسمت بعده الممالك فَملك بعض الشَّام وَالْعراق انطياحس. وَملك مقدونية أَخُو الْإِسْكَنْدَر " فيلبس " باسم أَبِيه وَملك بِلَاد الْعَجم مُلُوك الطوائف الَّذين رتبهم الْإِسْكَنْدَر وَملك مصر وَبَعض الشَّام وَالْمغْرب البطالسة مُلُوك اليونان كل مِنْهُم يُسمى بطليموس مَعْنَاهُ أَسد الْحَرْب وعدتهم أعنى الَّذين بعد الْإِسْكَنْدَر مِنْهُم ثَلَاثَة عشر ملكا آخِرهم الملكة قلوبطرا بنت بطليموس وزالت مملكتهم بِملك أغسطس الرُّومِي وَصَارَت الدولة للروم وَمُدَّة ملك اليونان مِائَتَان وَخمْس وَسَبْعُونَ سنة، وَكَانَ بَين غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر على ملك فَارس وَبَين غَلَبَة أغسطس مِائَتَان وَاثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سنة وَبَقِي الْإِسْكَنْدَر بعد غلبته على دَارا نَحْو سبع سِنِين وَإِذا نقصنا سبعا من مِائَتَيْنِ واثنتين وَثَمَانِينَ بَقِي من موت الْإِسْكَنْدَر إِلَى غَلَبَة أغسطس مِائَتَان وَخمْس وَسَبْعُونَ سنة هِيَ مُدَّة ملك البطالسة. وَأول البطالسة بعد الْإِسْكَنْدَر بطليموس " شيشوس " بن لاغوس المنطقي ملك عشْرين سنة فَيكون موت ابْن لاغوس الْمَذْكُور لسبع وَعشْرين سنة مَضَت من غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر، ثمَّ ملك بعده بطليموس الثَّانِي واسْمه " فيلوذفوس " مَعْنَاهُ محب أَخِيه ثمانيا وَثَلَاثِينَ سنة ونقلت لَهُ التوارة وَأعْتق الْيَهُود الَّذين وجدهم أسرى كَمَا تقدم فموت هَذَا لخمس وَسِتِّينَ مَضَت من غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر. وَملك بعده بطليموس الثَّالِث واسْمه " أرواخيطس " خمْسا وَعشْرين سنة وَأدّى لَهُ ملك الشَّام الأتاوة فَيكون مَوته لتسعين مَضَت من غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر، ثمَّ بطليموس الرَّابِع واسْمه " فيلوبطور " مَعْنَاهُ محب أَبِيه ملك سبع عشرَة سنة فَيكون مَوته لمضي مائَة وَسبع سِنِين من غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر، ثمَّ الْخَامِس واسْمه " أفنفيوس " ملك أَرْبعا وَعشْرين سنة فموته لمِائَة وَإِحْدَى وَثَلَاثِينَ من غَلَبَة الْإِسْكَنْدَر، ثمَّ السَّادِس واسْمه " فيلوميطور " أَي محب أمه ملك خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة فموته لمضي مائَة وست وَسِتِّينَ لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر، ثمَّ السَّابِع واسْمه " أرواخيطس " الثَّانِي تسعا وَعشْرين سنة فموته لمضي مائَة وَخمْس وَتِسْعين للإسكندر، ثمَّ بطليموس الثَّامِن واسْمه " سواطيرا " سِتّ عشرَة سنة فموته لمضي مِائَتَيْنِ وَإِحْدَى عشرَة للإسكندر، ثمَّ بطليموس التَّاسِع واسْمه " شيديريطس " سبع سِنِين فموته لمضي مِائَتَيْنِ وَعشْرين للإسكندر، ثمَّ الْعَاشِر واسْمه " إسكندروس " ثَلَاث سِنِين فموته لمضي مِائَتَيْنِ وَثَلَاث وَعشْرين للإسكندر، ثمَّ الْحَادِي عشر واسْمه " فيلوذفوس " آخر ثَمَانِي سِنِين فموته

стр. 49

لمضي مِائَتَيْنِ وَإِحْدَى وَثَلَاثِينَ، ثمَّ الثَّانِي عشر واسْمه " ديثوسيوس " تسعا وَعشْرين سنة فموته لمضي مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة للإسكندر. ثمَّ ملكت قلوبطرا الثَّالِثَة عشر اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة وغلبها " أغسطس " على الْملك فقتلت نَفسهَا وانقرض ملك اليونان وانتقلت المملكة إِلَى الرّوم بني الْأَصْفَر فموت قلوبطرا وَغَلَبَة أغسطس كَانَت لمضي مِائَتَيْنِ واثنتين وَثَمَانِينَ سنة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر. (ذكر مُلُوك الرّوم) أَوَّلهمْ روملس ورومانارس فَبنى رُومِية ثمَّ قتل روملس أَخَاهُ رومانا وَملك بعده ثمانيا وَثَلَاثِينَ سنة وَحده وَاتخذ برومية ملعبا عجيبا ثمَّ ملك بعده مُلُوك لم يشتهروا، وَمن الْكَامِل: كَانَ مقرّ ملكهم رُومِية الْكُبْرَى قبل غلبتهم على اليونان وَكَانَ الرّوم يدينون بالصابئية وَلَهُم أصنام على أَسمَاء الْكَوَاكِب السَّبْعَة يعبدونها وَأول من اشْتهر من مُلُوكهمْ غاليوس ثمَّ ملك بعده يوليوس، ثمَّ أغشطش وشيناه معجمتان وعرب فصارتا سينين لقبه قَيْصر مَعْنَاهُ شقّ عَنهُ مَاتَت أمه فشق بَطنهَا وَأخرج ولقب بِهِ مُلُوك الرّوم بعده، وَخرج أغسطس فِي السّنة الثَّانِيَة عشر من ملكه من رُومِية بعساكر فِي الْبر وَالْبَحْر وَسَار إِلَى مصر وَاسْتولى على ملك اليونان وَكَانَت قلوابطرا هِيَ الملكة فِي اليونان ومقامها الْإسْكَنْدَريَّة فاضمحل بأغسطس ذكر اليونان ودخلوا فِي الرّوم وأطاعه بَنو إِسْرَائِيل كَمَا كَانُوا أطاعوا البطالسة فولى على يهود بَيت الْمُقَدّس واليا مِنْهُم يلقب هردوس كَمَا مر وَغَلَبَة أغسطس على مصر وَقتل قلوبطرا لمضي مِائَتَيْنِ واثنتين وَثَمَانِينَ سنة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر، وَمُدَّة ملك أغسطس ثَلَاث وَأَرْبَعُونَ سنة مِنْهَا اثْنَتَا عشرَة سنة قبل غلبته على اليونان وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة من غلبته إِلَى وَفَاته وَمَوْت أغسطس لمضي ثلثمِائة وَثَلَاث عشرَة سنة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر. ثمَّ ملك بعد أغسطس " طيباريوس " فِي أول سنة ثلثمِائة وَأَرْبع عشرَة للإسكندر اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة وَبنى طبرية بِالشَّام - مُشْتَقَّة من اسْمه - وَمَات لمضي ثلثمِائة وَخمْس وَثَلَاثِينَ للإسكندر. ثمَّ " غانيوس " أَربع سِنِين ولمضي السّنة الأولى من ملكه رفع الْمَسِيح ﵇ فَيكون رَفعه لمضي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلثمائة للإسكندر، وَمَات غانيوس لمضي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة للإسكندر. ثمَّ ملك بعده " قلوذبوس " أَربع عشرَة سنة من القانون وَفِي أَيَّام قلوذبوس كَانَ شَمْعُون السَّاحر برومية وَفِي مُدَّة ملكه حبس شَمْعُون الصَّفَا ثمَّ خلص وَسَار إِلَى أنطاكية ودعا إِلَى النَّصْرَانِيَّة ثمَّ سَار إِلَى رُومِية ودعاهم فأجابته زَوْجَة الْملك وَمَات قلوذبوس لمضي ثَلَاث وَخمسين وثلثمائة للإسكندر. ثمَّ ملك بعده " قَارون " من قانون أبي الريحان النيروني: أَنه ملك ثَلَاث عشرَة سنة

стр. 50

وَقتل فِي آخر ملكه بطرس وبولص برومية وصلبهما منكسين وَمَات فِي أَوَاخِر سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلثمائة للإسكندر. وَملك بعده " ساسيانوس " عشرَة سِنِين فموته فِي أَوَاخِر سنة سِتّ وَسبعين وثلثمائة، ثمَّ ملك بعده " طيطوس " من القانون: ملك سبع سِنِين فغزا الْيَهُود وأسرهم وباعهم وَخرب بَيت الْمُقَدّس وأحرق الهيكل كَمَا تقدم مَاتَ فِي أَوَاخِر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وثلثمائة للإسكندر. ثمَّ " دومطيثوس " من القانون: ملك خمس عشرَة سنة وَتبع النَّصَارَى وَالْيَهُود وَأمر بِقَتْلِهِم وَكَانَ دينه وَدين غَيره من الرّوم عبَادَة الْأَصْنَام وَمَات فِي أَوَاخِر سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلثمائة للإسكندر. ثمَّ " بارواس " ملك سنة وَمَات فِي أَوَاخِر سبع وَتِسْعين وثلثمائة للإسكندر، ثمَّ " طراناموس " وَقيل غراطيانوس تسع عشرَة سنة وَقيل تسعا وَعشْرين فموته فِي أَوَاخِر سنة ثَمَان عشرَة وَأَرْبَعمِائَة للإسكندر. ثمَّ " أذريانوس " إِحْدَى وَعشْرين سنة وَكَانَ فِي أَيَّامه بطليموس صَاحب المجسطي من ولد فلوذيوس وَلِهَذَا قيل لَهُ الفلوذي وخدم أذريانوس لمضي ثَمَان عشرَة سنة من ملكه وَمَات فِي أَوَاخِر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة للإسكندر. ثمَّ ملك " أنطونسوس " ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَأخذ أرصاد بطليموس صَاحب المجسطي فِي السّنة الثَّالِثَة من ملكه وَمَات فِي أَوَاخِر سنة اثنيتين وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة للإسكندر. ثمَّ ملك بعده " مرقوس " وَقيل قومودس تسع عشرَة وَفِي أَيَّامه أظهر ابْن ديصان مقَالَته بالاثنين كَانَ ديصان أسقفا بالرها وَنسب إِلَى نهر اسْمه ديصان بِبَاب الرها وَمَات مرقوس فِي أَوَاخِر سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة للإسكندر. ثمَّ ملك بعده " قوموذوش " ثَلَاث عشرَة سنة وخنق نَفسه فِي أَوَاخِر سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة للإسكندر. وَفِي الْكَامِل لِأَن جالينوس كَانَ فِي أَيَّام قومودوس وَقد أدْرك جالينوس بطليموس وَكَانَ دين النَّصَارَى قد ظهر فِي أَيَّامه وَذكرهمْ جالينوس فِي كِتَابه فِي جَوَامِع كتاب أفلاطون فِي سياسة المدن فَقَالَ: إِن جُمْهُور النَّاس لَا يُمكنهُم أَن يفهموا سِيَاقَة الْأَقَاوِيل البرهانية وَلذَلِك صَارُوا مُحْتَاجين إِلَى رموز يَنْتَفِعُونَ بهَا يَعْنِي بالرموز الْأَخْبَار عَن الثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي الدَّار الْآخِرَة من ذَلِك أَنا نرى الْآن الْقَوْم الَّذين يدعونَ نَصَارَى إِنَّمَا أخذُوا إِيمَانهم عَن الرموز وَقد تظهر مِنْهُم أَفعَال مثل من يفلسف بِالْحَقِيقَةِ وَذَاكَ أَن عدم جزعهم من الْمَوْت أَمر قد نرَاهُ كلنا وَكَذَلِكَ أَيْضا عفافهم عَن اسْتِعْمَال الْجِمَاع فَإِن مِنْهُم قوما رجَالًا وَنسَاء أَيْضا قد أَقَامُوا جَمِيع أَيَّام حياتهم ممتنعين عَن الْجِمَاع وَمِنْهُم قوم قد بلغ من ضبطهم لأَنْفُسِهِمْ فِي التَّدْبِير وَشدَّة حرصهم على الْعدْل أَن صَارُوا غير مقصرين عَن الَّذين يتفلسفون بِالْحَقِيقَةِ انْتهى كَلَام جالينوس. ثمَّ ملك بعد قومودوس " قوطنحوس " سِتَّة أشهر وَقتل فِي رحبة الْقصر منتصف سنة

стр. 51

خمس وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة ثمَّ " سيوارس " ثَمَانِي عشرَة سنة وَفِي أَيَّامه بحثت الأساقفة عَن أَمر الفصح وَأَصْلحُوا رَأس الصَّوْم وَمَات منتصف سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة ثمَّ ملك أنطينسوس الثَّانِي أَربع سِنِين وَقتل بَين حران والرها منتصف سنة تسع عشرَة وَخَمْسمِائة. ثمَّ " الإسكندروس " ثَلَاث عشرَة سنة وَمَوته منتصف سنة ثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ " مكسيمينوس " ثَلَاث سِنِين فَشدد فِي قتل النَّصَارَى وَمَات منتصف سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة للإسكندر. ثمَّ ملك " عورديانوس " سِتّ سِنِين وَقتل فِي حُدُود فَارس فِي منتصف سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة للإسكندر ثمَّ " دقيوس " وَيُقَال دقيانوس سنة وَاحِدَة بنصر الْملك الَّذِي قبله فَقتله دقيوس وَأعَاد عبَادَة الْأَصْنَام وَدين الصابئين وتتبع النَّصَارَى يقتلهُمْ وَمِنْه هرب الْفتية أَصْحَاب الْكَهْف وَكَانُوا سَبْعَة وناموا وَالله أعلم بِمَا لَبِثُوا وَمَات فِي منتصف سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة. ثمَّ ملك " غانيوس " ثَلَاث سِنِين وَمَات منتصف سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة ثمَّ " غلينوس وولريانوس " خمس عشرَة سنة. وَمن الْكَامِل أَن ولريانوس وَقيل اسْمه ولوسينوس انْفَرد بِالْملكِ بعد سنتَيْن من اشتراكهما فَيكون موت الْمَذْكُور منتصف سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة ثمَّ " فلوذيوس " سنة فموته منتصف سنة تسع وَخمسين وَخَمْسمِائة ثمَّ " أذرفلينوس " وَقيل أورلينانوس سِتّ سِنِين وَمَات بصاعقة فِي منتصف سنة خمس وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة ثمَّ " فرويوس " سبع سِنِين وَهلك منتصف سنة اثْنَتَيْنِ وَخَمْسمِائة ثمَّ " دقلطيانوس " إِحْدَى وَعشْرين سنة ولثلاث عشرَة سنة مَضَت من ملكه عَصَاهُ أهل مصر والإسكندرية فَسَار إِلَيْهِم من رُومِية وأنكى فيهم وَهُوَ آخر عَبدة الْأَصْنَام من مُلُوك الرّوم وَتنصرُوا بعده وَمَات منتصف سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة. ثمَّ ملك قسطنطين المظفر إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة ولثلاث مَضَت انْتقل من رُومِية إِلَى قسطنطينية وَبنى سورها وَتَنصر وَكَانَ اسْمهَا قبله البربطية وَزَعَمت النَّصَارَى أَنه بعد سِتّ سِنِين خلت من ملك قسطنطين ظهر لَهُ فِي السَّمَاء شبه الصَّلِيب، فَأمر بالنصرانية ولعشرين مَضَت من ملكه اجْتمع أَلفَانِ وَثَمَانِية وَأَرْبَعُونَ أسقفا ثمَّ اخْتَار مِنْهُم ثلثمِائة وَثَمَانِية عشر فحرموا أربوس الإسكندري لكَونه يَقُول إِن الْمَسِيح مَخْلُوق وَاتفقَ الأساقفة لَدَى قسطنطين وَوَضَعُوا شرائع النَّصْرَانِيَّة بعد أَن لم تكن وَكَانَ رَئِيس هَذِه البطارقة بطرِيق الْإسْكَنْدَريَّة وَفِي إِحْدَى عشرَة سنة من ملكه سَارَتْ أمه وَاسْمهَا هيلانة إِلَى الْقُدس وأخرجت خَشَبَة الصلبوت وأقامت لذَلِك عيدا يُسمى عيد الصَّلِيب وَبنى قسطنطين وَأمه عدَّة كنائس مِنْهَا قمامة بالقدس وكنيسة حمص وكنيسة الرها وَمَات منتصف سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة فانقسمت مَمْلَكَته بَين بنيه الثَّلَاثَة وَكَانَ الْحَاكِم عَلَيْهِم مِنْهُم " قسطس " أَرْبعا وَعشْرين سنة وَمَات منتصف سنة خمسين وسِتمِائَة ثمَّ خرج الْملك عَن بني قسطنطين.

стр. 52

وَملك " لليانوس " وارتد إِلَى عبَادَة الْأَصْنَام وقهر سَابُور ذَا الأكتاف وَقتل فِي أَرض الْفرس بِسَهْم غرب كَمَا تقدم وَكَانَت مدَّته سنتَيْن وَهلك - أَعنِي لليانوس - سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة. ثمَّ ملك " يونيانوس " سنة وَأعَاد النَّصْرَانِيَّة وَلما ملك على الرّوم وهم بِأَرْض الْفرس اصْطلحَ مَعَ سَابُور وَعَاد إِلَى بِلَاده وَمَات فِي منتصف سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة ثمَّ ملك " والياطنوس " أَربع عشرَة سنة وَمَات منتصف سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة ثمَّ ملك " أنونيانوس " ثَلَاث سِنِين فموته منتصف سنة سبعين وسِتمِائَة. ثمَّ " حرطيانوس " ثَلَاث سِنِين فموته منتصف سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة، ثمَّ " ثاودوسيوس " الْكَبِير تسعا وَأَرْبَعين سنة فموته منتصف سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة للإسكندر، ثمَّ " أرفادنوس " بقسنطينية وشريكه " أونورنوس " برومية ثَلَاث عشرَة سنة فموتهما فِي منتصف سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة، ثمَّ " ثاودوسيوس الثَّانِي " عشْرين سنة وَفِي أَيَّامه غزت فَارس الرّوم وانتبه أَصْحَاب الْكَهْف، وَمَوته فِي منتصف سنة خمس وَخمسين وَسَبْعمائة وَفِي مُدَّة ملكه كَانَ الْمجمع الثَّالِث فِي أفسيس وَاجْتمعَ مِائَتَا أَسْقُف وحرموا نسطورس صَاحب الْمَذْهَب بطركا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ لقَوْله إِن الْمَسِيح جوهران جَوْهَر لاهوتي وجوهر ناسوتي وأقنومان لاهوتي وناسوتي وَقيل ملك هَذَا اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين سنة. وَملك بعده " مرقيانوس " سبع سِنِين ولسنة خلت بنى دير مارون بحمص وَفِي أَيَّامه لعن نسطورس وَنفي وَمَات مرقيانوس فِي منتصف سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ثمَّ ملك بعده " والنطيس " سنة فموته منتصف سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة ثمَّ " لاون الْكَبِير " سبع عشرَة سنة وَفِي أَيَّامه كثر الْخَسْف فِي أنطاكية بالزلازل وَمَوته منتصف سنة ثَمَانِينَ وَسَبْعمائة ثمَّ " ربنوث " ثَمَانِي عشرَة سنة وَمَات منتصف سنة ثَمَان وَتِسْعين وَسَبْعمائة. ثمَّ ملك " أسطيفنوس " سبعا وَعشْرين سنة فعمر سور مَدِينَة حماه فِي أول سنة من ملكه وفرغت عمارتها فِي سنتَيْن ولعشر خلت من ملكه جَاءَ الْجَرَاد والجوع ولاثنتي عشرَة غزا قواد الْفرس آمد وحاصروها وخربوها وَمَات اسطيفنوس فِي منتصف سنة خمس وَعشْرين وَثَمَانمِائَة. ثمَّ ملك بعده " قسطينوس " تسع سِنِين وَمَات منتصف سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَثَمَانمِائَة، ثمَّ ملك " قسطينوس الثَّانِي " ثمانيا وَثَلَاثِينَ سنة واحترب فِي أَيَّامه الْفرس وَالروم وَفِي الثَّامِنَة من ملكه كَانَ بَينهم مصَاف على شط الْفُرَات قتل مِنْهُم خلق وغرق من الرّوم فِي الْفُرَات خلق وَمَات فِي منتصف اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة. ثمَّ ملك " قسطينوس " آخر أَربع عشرَة سنة ولسبع من ملكه غزا ملك الْفرس الشَّام وأحرق فامية وَمَات منتصف سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة. ثمَّ ملك " طبرنوس " الأول ثَلَاث سِنِين فَمَاتَ فِي منتصف سنة تسع وَثَمَانِينَ

стр. 53

وَثَمَانمِائَة، ثمَّ ملك " طبرنوس الثَّانِي " أَربع سِنِين فموته منتصف ثَلَاث وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة، ثمَّ ملك " مارقوس " ثَمَان سِنِين فهلاكه منتصف سنة إِحْدَى وَتِسْعمِائَة، ثمَّ ملك " مرقوس الثَّانِي " اثْنَتَيْ عشرَة سنة فموته منتصف ثَلَاث عشرَة وَتِسْعمِائَة، ثمَّ ملك " قوقاس " ثَمَان سِنِين فموته منتصف إِحْدَى وَعشْرين وَتِسْعمِائَة. ثمَّ ملك " هِرقل " واسْمه بالروم أرقليس وَكَانَت الْهِجْرَة فِي السّنة الثَّانِيَة عشرَة من ملكه لمضي ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَتِسْعمِائَة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر على دَارا وَلَكِن قد سبق فِي الْجَدْوَل أَن بَين الْهِجْرَة وَغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر تِسْعمائَة وأربعا وَثَلَاثِينَ سنة فَيكون التَّفَاوُت بَين ذَلِك وَبَين مَا ذكر الْآن سنة وَاحِدَة وَهِي تفَاوت يسير.

стр. 54

(الْفَصْل الرَّابِع) (فِي مُلُوك الْعَرَب قبل الْإِسْلَام) مَا يتَعَلَّق بقبائل الْعَرَب وأنسابهم سَنذكرُهُ مَعَ ذكر أمة الْعَرَب، فِي الْفَصْل الْخَامِس من كتاب أبي سعيد إِن بعد تبلبل الألسن وتفرق بني نوح أول من نزل الْيمن " قحطان " بن عَابِر بن شالح وقحطان أول من ملك أَرض الْيمن وَلبس التَّاج ثمَّ مَاتَ. فَملك بعده ابْنه " يعرب " أول من نطق بِالْعَرَبِيَّةِ على مَا ذكر، ثمَّ ملك ابْنه " يشجب " ثمَّ ابْنه " عبد شمس " فَأكْثر الْغَزْو فِي الأقطار فَسُمي سبا وَهُوَ الَّذِي بنى السد بِأَرْض مأرب وفجر إِلَيْهِ سبعين نَهرا وسَاق إِلَيْهِ السُّيُول من أمد بعيد وَبنى مأرب وَعرفت بِمَدِينَة سبا وَقيل مأرب لقب لمن يَلِي الْيمن وَقل مأرب قصر الْملك وَالْمَدينَة سبا وَخلف سبا عدَّة أَوْلَاد مِنْهُم حمير وَعَمْرو وكهلان وأشعر وَغَيرهم كَمَا سَيَأْتِي، وَملك بعده ابْنه " حمير " فَأخْرج ثمودا من الْيمن إِلَى الْحجاز. ثمَّ ملك ابْنه " وَائِل " بن حمير، ثمَّ ابْنه " سكسك " ثمَّ ابْنه " يعفر "، ثمَّ وثب على ملك الْيمن " ذورياش " عَامر بن باران بن عَوْف بن حمير ثمَّ نَهَضَ من بني وَائِل " النُّعْمَان " بن يعفر بن السكسك بن وَائِل بن حمير وَاجْتمعَ عَلَيْهِ النَّاس وطرد عَامر بن باران عَن الْملك واستقل النُّعْمَان ولقب النُّعْمَان بالمعافر لقَوْله: (إِذا أَنْت عافرت الْأُمُور بقدرة ... بلغت معالي الأقدمين المقاول) المقاول لَفظه جمع وهم الَّذين يلون الْجِهَات الْكِبَار من الْيمن ثمَّ ملك ابْنه " أسمح " ثمَّ " شَدَّاد " بن عَاد بن الماطاط بن سبا وَجمع الْملك وغزا الْبِلَاد إِلَى أقْصَى الغرب وَبنى الْمَدَائِن والمصانع وَأبقى الْآثَار الْعَظِيمَة. ثمَّ ملك أَخُوهُ " لُقْمَان " بن عَاد، ثمَّ أَخُوهُ " ذُو شدد " بن عَاد، ثمَّ ابْنه " الْحَارِث " الرائش بن ذِي شدد وَقيل الْحَارِث الرائش الْمَذْكُور هُوَ ابْن قيس بن صَيْفِي بن سبا الْأَصْغَر وَهُوَ تبع الأول، ثمَّ ابْنه " ذُو القرنين " الصعب، ثمَّ ابْنه " ذُو الْمنَار أَبْرَهَة " ثمَّ ابْنه " أفريقش "، ثمَّ أَخُوهُ " ذُو الأذعار " عَمْرو بن ذِي الْمنَار، ثمَّ ملك " شُرَحْبِيل " بن عَمْرو بن غَالب بن المنتاب بن زيد بن يعفر بن السكسك بن وَائِل بن حمير فَإِن حمير كرهت ذَا الأذعار فخلعت طَاعَته وملكت عَلَيْهَا شُرَحْبِيل وَجرى بَينهمَا حَرْب واستقل شُرَحْبِيل بِالْملكِ وَبعده ابْنه " الهدهاد " ثمَّ ابْنَته بلقيس بنت الهدهاد زوج سُلَيْمَان ﵇، ثمَّ عَمها " ناشر

стр. 55

النعم " بن شُرَحْبِيل وَقيل ناشر النعم اسْمه مَالك بن عَمْرو بن يعفر بن عَمْرو من ولد المنتاب بن زيد الْحِمْيَرِي. ثمَّ ملك بعده " شمر يرعش " بن ناشر النعم وَقيل شمر بن أفريقش بن أَبْرَهَة بن ذِي الْمنَار، ثمَّ ابْنه " أَبُو مَالك " بن شمر، ثمَّ ملك عمرَان بن عَامر الْأَزْدِيّ هُوَ " عمرَان " بن عَامر بن حَارِثَة بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبا وانتقل الْملك حِينَئِذٍ من ولد حمير بن سبا إِلَى ولد أَخِيه كهلان بن سبا وَكَانَ عمرَان كَاهِنًا. ثمَّ ملك بعده " مزيقيا " عَمْرو بن عَامر الْأَزْدِيّ قيل لَهُ مزيقيا لِأَنَّهُ كَانَ يلبس كل يَوْم حلَّة فَإِذا أَرَادَ الدُّخُول إِلَى مَجْلِسه رمى بهَا فمزقت لِئَلَّا يجد أحد وقيها مَا يلْبسهُ بعده. من تَارِيخ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ أَن الَّذِي ملك بعد أبي مَالك بن شمر قبل عمرَان الْأَزْدِيّ ابْنه " الأقرن " بن أبي مَالك. ثمَّ ملك " ذُو حبشان " بن الأقرن وأوقع بطسم وجديس ثمَّ أَخُوهُ " تبع " بن الأقرن، ثمَّ ابْنه " كلبكرب " بن تبع، ثمَّ ملك " أَبُو كرب أسعد " تبع الْأَوْسَط وَقتل، ثمَّ ابْنه " حسان " بن تبع وَقتل قَتله أَبِيه، ثمَّ قَتله أَخُوهُ " عَمْرو " بن تبع وَملك بعده وتواترت بِعَمْرو الأسقام فَكَانَ يمْضِي إِلَى الْخَلَاء على نعش فَسُمي ذَا الأعواد. ثمَّ ملك بعده " عبد كلال " بن ذِي الأعواد، ثمَّ " تبع " بن حسان بن كليكرب وَهُوَ تبع الْأَصْغَر، ثمَّ ابْن أَخِيه " الْحَارِث " بن عَمْرو وتهود الْحَارِث، ثمَّ ملك " مرْثَد " بن كلال، ثمَّ تفرق بعده ملك حمير وَالَّذِي اشْتهر بعده أَنه ملك " وكيعة " بن مرْثَد، ثمَّ " أَبْرَهَة " بن الصَّباح، ثمَّ صهْبَان بن مجرب، ثمَّ " عَمْرو بن تبع "، ثمَّ " ذُو شناتر "، ثمَّ " ذُو نواس " وَكَانَ من لَا يتهود أَلْقَاهُ فِي أخدُود مضطرم فَسُمي صَاحب الْأُخْدُود، ثمَّ " ذُو جدن " آخر مُلُوك حمير وَمُدَّة ملكهم على مَا قيل أَلفَانِ وَعِشْرُونَ سنة. " قَالَ صَاحب تواريخ الْأُمَم " لَيْسَ فِي التواريخ أسقم من تواريخ مُلُوك حمير لما يذكر فِيهِ من كَثْرَة عدد سنيهم مَعَ قلَّة عدد مُلُوكهمْ فَإِنَّهُم يَزْعمُونَ أَن مُلُوكهمْ سِتَّة وَعِشْرُونَ ملكا ملكوا فِي مُدَّة أَلفَيْنِ وَعشْرين سنة ثمَّ ملك الْيمن بعدهمْ من الْحَبَشَة وَمن الْفرس ثَمَانِيَة ثمَّ صَارَت الْيمن لِلْإِسْلَامِ. ثمَّ ملك الْيمن بعد ذِي جدن من الْحَبَشَة " أرباط "، ثمَّ " أَبْرَهَة الأشرم " صَاحب الْفِيل ثمَّ " بكسوم "، ثمَّ مَسْرُوق بن أَبْرَهَة وَهُوَ آخر من ملك الْيمن من الْحَبَشَة ثمَّ عَاد الْيمن إِلَى حمير وملكها " سيف بن ذِي يزن الْحِمْيَرِي " أنجده كسْرَى أنوشروان بِجَيْش من الْعَجم مقدمه وهرز فطرد الْحَبَشَة وَقرر سَيْفا بِالْيمن فَجَلَسَ سيف يَوْمًا يشرب فِي غمدان وَهُوَ قصر لأجداده بِالْيمن فامتدحه الْعَرَب بالأشعار مِنْهَا قَول أُميَّة بن أبي الصَّلْت، يصف تغرب سيف وقصده قَيْصر ثمَّ كسْرَى ونجدته لَهُ:

стр. 56

(لَا تقصد النَّاس إِلَّا كَابْن ذِي يزن ... إِذْ خيم الْبَحْر للأعداء أحوالا) (وافى هِرقل وَقد سَالَتْ نعامته ... فَلم تَجِد عِنْده النَّصْر الَّذِي سالا) (ثمَّ انتحى نَحْو كسْرَى بعد عاشرة ... من السنين نهبن النَّفس والمالا) (حَتَّى أَتَى ببني الْأَحْرَار يقدمهم ... تخالهم فَوق متن الأَرْض أجبالا) (لله دِرْهَم من فتية صَبَرُوا ... مَا أَن رَأَيْت لَهُم فِي النَّاس أَمْثَالًا) (بيض مرازبة غلب أساورة ... أَسد تربب فِي الغيضات أشبالا) (فَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْك التَّاج مرتفعا ... بِرَأْس غمد إِن دَارا مِنْك محلالا) (تِلْكَ المكارم لَا قعبان من لبن ... شيبا بِمَاء فعادا بعد أبوالا) وَاصْطفى سيف جمَاعَة من الحبشان خَاصَّة لَهُ فاغتالوه وقتلوه فَأرْسل كسْرَى عَاملا على الْيمن واستمرت عُمَّال كسْرَى على الْيمن إِلَى آخِرهم وَهُوَ باذان الَّذِي كَانَ على عهد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَأسلم، ثمَّ صَارَت الْيمن لِلْإِسْلَامِ . (ذكر مُلُوك الْعَرَب فِي غير الْيمن) أول ملك من الْعَرَب بِأَرْض الجزيرة " مَالك " بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد اللَّهِ بن وهران بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن مَالك بن النَّضر بن الأزد من ولد كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان كَانَ ملك مَالك فِي أَيَّام مُلُوك الطوائف قبل الأكاسرة . ثمَّ ملك بعده أَخُوهُ " عَمْرو " بن فهم، ثمَّ ابْن أَخِيه " جذيمة " بن مَالك؛ كَانَ بِهِ برص فَقَالُوا جذيمة الأبرص فَقَالُوا جذيمة الأبرش كِنَايَة عَنهُ وَعظم شَأْنه وَأُخْته رقاش هويت عدي بن نصر بن ربيعَة من أياد وهويها وَكَانَ جذيمة اصْطنع عديا وَسلم إِلَيْهِ مجْلِس شرابه فاتفقت مَعَه أَن يخطبها من أَخِيهَا جذيمة حَال سكره فَفعل وَأذن لَهُ جذيمة فَدخل عدي برقاش فَلَمَّا أصبح جذيمة وَعلم بذلك عظم عَلَيْهِ فهرب عدي وَقيل ظفر بِهِ جذيمة فَقتله وحبلت رقاش من عدي فَقَالَ لَهَا جذيمة: (خبريني رقاش لَا تكذبِينِي ... أبحر زَنَيْت أم بهجين) (أم بِعَبْد فَأَنت أهل لعبد ... أم بِدُونِ فَأَنت أهل لدوّنَ) فَقَالَت: بل من خِيَار الْعَرَب وَجَاءَت بِولد سمته عمرا وربته وزينته وألبسته طوقا وَفَرح بِهِ جذيمة ثمَّ عدم الْغُلَام وتزعم الْعَرَب أَن الْجِنّ اختطفته ثمَّ وجده شخصان مَالك وَعقيل فأحضراه لَهُ فجعلهما منادمين لَهُ مَا بقوا وَالْعرب تضرب الْمثل بندماني جذيمة وَفِي أَيَّام جذيمة ملك الجزيرة وأعالي الْفُرَات ومشارف الشَّام رجل من العمالقة اسْمه عَمْرو بن الظرب بن حسان وحاربة جذيمة وانتصر جذيمة عَلَيْهِ وَقَتله. ولعمرو بنت اسْمهَا نائلة وتدعى " الزباء " ملكت بعده وَبنت على الْفُرَات مدينتين

стр. 57

متقابلتين وَأخذت فِي الْحِيلَة على جذيمة وَأَطْعَمته بِنَفسِهَا حَتَّى اغْترَّ وَقدم إِلَيْهَا فَقتلته وَأخذت بثأر أَبِيهَا. (ذكر ابْتِدَاء ملك اللخميين) مُلُوك الْحيرَة هم المتاذرة بَنو عدي بن نصر بن ربيعَة من ولد لخم بن عدي بن عَمْرو ابْن سبا وَلما قتل جذيمة ملك بعده ابْن أُخْته رقاش " عَمْرو " بن عدي بن نصر بن ربيعَة. وَكَانَ لجذيمة عبد يُقَال لَهُ قصير فاتفق مَعَه عَمْرو على جدع أنف قصير وضربه بالسياط وَحضر قصير على تِلْكَ الْحَالة إِلَى الزباء فِي صُورَة مغاضب لعَمْرو فأمنت إِلَيْهِ الزباء وَصَارَ يتجر لَهَا وَيَأْخُذ قصير المَال من مَوْلَاهُ ويحضره إِلَيْهَا موهما لَهَا أَنه كسب متجرها مَرَّات حَتَّى أَتَى بقافلة نَحْو ألف جمل عَلَيْهَا صناديق مقفلة من دَاخل فِيهَا أبطال فارتابت الزباء مِنْهَا وَقَالَت: (مَا للجمال سَيرهَا وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا) (أم صرفانا بَارِدًا صهيدا ... أم الرِّجَال جثما قعُودا) فَلَمَّا دخلُوا حصنها خَرجُوا من الصناديق وَأخذُوا الْمَدِينَة عنْوَة وَقتلُوا الزباء وَأخذ قصير بثأر جذيمة مَوْلَاهُ؛ قلت: هُوَ قصير بن سعد اللَّخْمِيّ صَاحب جذيمة وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الأذكياء أَنه ابْن عَم جذيمة وَفِي صِحَاح الْجَوْهَرِي أَنه صَاحب جذيمة فَفِي قَوْله أَنه عبد لَهُ فِيهِ نظر وَضرب بجذع قصير أَنفه الْمثل الْمَشْهُور وَالله أعلم. وَطَالَ ملك عَمْرو وَمَات. وَملك بعد ابْنه " امْرُؤ الْقَيْس " بن عَمْرو وَيُقَال لَهُ البداء أَي الأول، ثمَّ ملك بعد ابْنه " عَمْرو " فِي أَيَّام سَابُور ذِي الأكتاف، ثمَّ ملك " أَوْس " بن قلام العمليقي ثمَّ ملك آخر من العماليق، ثمَّ رَجَعَ الْملك إِلَى بني عَمْرو بن عدي بن نصر بن ربيعَة اللخميين الْمَذْكُورين وَملك مِنْهُم " امْرُؤ الْقَيْس " من ولد عَمْرو بن امرىء الْقَيْس وَيعرف هَذَا الثَّانِي بالمحرق لِأَنَّهُ أول من عاقب بالنَّار. ثمَّ ملك ابْنه " النُّعْمَان " الْأَعْوَر باني الخورنق والسدير ملك ثَلَاثِينَ سنة ثمَّ تزهد وَخرج من الْملك فِي زمن بهْرَام جور بن يزدجرد ذكره عدي بن زيد فِي قصيدته الْمَشْهُورَة بقوله: (وتدبر رب الخورنق ... إِذْ أشرف يَوْمًا وللهدى تفكير) (سره مَاله وَكَثْرَة مَا ... يملك وَالْبَحْر معرض والسدير) (فارعوى قلبه فَقَالَ وَمَا ... غِبْطَة حَيّ إِلَى الْمَمَات يصير) وَملك بعده ابْنه الْمُنْذر بن النُّعْمَان وانْتهى ملكه فِي زمن فَيْرُوز بن يزدجرد، ثمَّ ملك ابْنه الْأسود وانتصر على غَسَّان عرب الشَّام وَأسر عدَّة من مُلُوكهمْ وَأَرَادَ الْأسود بن الْمُنْذر أَن يعْفُو عَنْهُم وَكَانَ لَهُ ابْن عَم يُقَال لَهُ أَبُو أذينة قد قتل لَهُ آل غَسَّان أَخا فِي بعض الوقائع

стр. 58

فَقَالَ أَبُو أذينة فِي ذَلِك قصيدته الْمَشْهُورَة يغري الْأسود بِقَتْلِهِم مِنْهَا: (مَا كل يَوْم ينَال الْمَرْء مَا طلبا ... وَلَا يسوغه الْمِقْدَار مَا وهبا) (وأحزم النَّاس من أَن فرْصَة عرضت ... لم يَجْعَل السَّبَب الْمَوْصُول مقتضبا) (وأنصف النَّاس فِي كل المواطن من ... سقى المعادين بالكأس الَّذِي شربا) (وَلَيْسَ بظلمهم من رَاح يَضْرِبهُمْ ... بِحَدّ سيف بِهِ من قبلهم ضربا) (وَالْعَفو إِلَّا عَن الْأَكفاء مكرمَة ... من قَالَ غير الَّذِي قد قلته كذبا) (قتلت عمرا وتستبقي يزيدا لقد ... رَأَيْت رَأيا يجر الويل والحربا) (لَا تقطعن ذَنْب الأفعى وترسلها ... إِن كنت شهما فَألْحق رَأسهَا الذنبا) (هم جردوا السَّيْف فاجعلهم لَهُ جزرا ... وأوقدوا النَّار فاجعلهم لَهَا حطبا) (إِن تعف عَنْهُم يَقُول النَّاس كلهم ... لم يعف حلما وَلَكِن عَفوه رهبا) (هم أهيلة غَسَّان ومجدهم ... عَال فَإِن حاولوا ملكا فَلَا عجبا) (وعرضوا بِفِدَاء واصفين لنا ... خيلا وإبلا تروق الْعَجم والعربا) (أيحلبون دَمًا منا ونحلبهم ... رسلًا لقد شرفونا فِي الَّذِي حَلبًا) (علام نقبل مِنْهُم فديَة وهم ... لَا فضَّة قبلوا منا وَلَا ذَهَبا) وانْتهى ملك الْأسود فِي زمن فَيْرُوز، ثمَّ ملك أَخُوهُ " الْمُنْذر " بن الْمُنْذر بن النُّعْمَان. الْأَعْوَر، ثمَّ ملك " عَلْقَمَة " الذميلي وذميل بطن من لخم، ثمَّ ملك امْرُؤ الْقَيْس بن النُّعْمَان بن المحرق بن امرىء الْقَيْس المحرق قَاتل سنمار باني قصر امرىء الْقَيْس وَفِيه يَقُول المتلمس: (جزاني أَبُو لخم على ذَات بَيْننَا ... جَزَاء سنمار وَمَا كَانَ ذَا ذَنْب) ثمَّ ملك ابْنه " الْمُنْذر " بن امرىء الْقَيْس وَأم الْمُنْذر مَاء السَّمَاء فاشتهر بِأُمِّهِ وَهِي ماوية كَانَت جميلَة وأبوها عَوْف بن جشم وطرد كسْرَى قباذ الْمُنْذر عَن ملك الْحيرَة وَملك مَوْضِعه " الْحَارِث " بن عَمْرو بن حجر الْكِنْدِيّ لموافقة الْحَارِث لقباذ على دين مزدك وَلم يُوَافقهُ الْمُنْذر وَأَعَادَهُ كسْرَى أنوشروان لما ملك إِلَى ملك الْحيرَة كَمَا تقدم. ثمَّ ملك بعد الْمُنْذر " عَمْرو " مضرط الْحِجَارَة وَهُوَ ابْن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وامه هِنْد وَيعرف بِعَمْرو هِنْد ولثمان سِنِين مَضَت من ملكه كَانَ مولد النَّبِي ﷺ َ -، ثمَّ ملك بعده أَخُوهُ " الْمُنْذر " بن الْمُنْذر ثمَّ ابْنه " النُّعْمَان بن الْمُنْذر " بن الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وكنيته أَبُو قَابُوس وَهُوَ الَّذِي تنصر وَأمه سلمى بنت وَائِل بن عَطِيَّة الصَّائِغ من أهل فدك وَملك اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة وَقَتله كسْرَى برويز وَسبب قَتله وقْعَة ذِي قار بَين الْفرس والرعب. ثمَّ انْتقل ملك الْحيرَة بعد النُّعْمَان عَن اللخميين إِلَى " أياس " بن قبيصَة الطَّائِي ولستة أشهر من ملك أياس بعث النَّبِي ﷺ َ -، وَملك بعد أياس " زادويه " بن ماهان الْهَمدَانِي، ثمَّ عَاد الْملك إِلَى اللخميين فَملك بعد زادويه " " الْمُنْذر " بن النُّعْمَان بن الْمُنْذر بن الْمُنْذر بن مَاء

стр. 59

السَّمَاء وسمته الْعَرَب الْمَغْرُور وَاسْتمرّ مَالِكًا للحيرة إِلَى أَن قدم إِلَيْهَا خَالِد بن الْوَلِيد وَاسْتولى عَلَيْهَا والمناذرة إِلَى نصر بن ربيعَة عُمَّال الأكاسرة على عرب الْعرَاق كَمَا كَانَ مُلُوك غَسَّان عمالا للقياصرة على عرب الشَّام. (ذكر مُلُوك غَسَّان) عُمَّال القياصرة على عرب الشَّام أصلهم من الْيمن من بني أَزْد بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبا تفَرقُوا من الْيمن بسيل العرم ونزلوا على مَاء بِالشَّام يُقَال لَهُ غَسَّان فنسبوا إِلَيْهِ وَكَانَ قبلهم بِالشَّام الْعَرَب الضجاعة من سليح بِفَتْح السِّين وَآخره حاء مُهْملَة فأخرجت غَسَّان سليحا وَقتلُوا مُلُوكهمْ وصاروا موضعهم. وَأول مُلُوك غَسَّان " جَفْنَة " بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن مزيقيا وَابْتِدَاء ملك غَسَّان قبل الْإِسْلَام بأزيد من أَرْبَعمِائَة سنة وَلما قتل جَفْنَة مُلُوك سليح دَانَتْ لَهُ قضاعة وَمن بِالشَّام من الرّوم وَبني بِالشَّام مصانع ثمَّ هلك وَملك ابْنه " عَمْرو " وَبنى بِالشَّام ديورا مِنْهَا دير جال ودير أَيُّوب ودير هِنْد. ثمَّ ملك ابْنه " ثَعْلَبَة " وَبنى صرح الغدير فِي أَطْرَاف حوران مِمَّا يَلِي البلقاء، ثمَّ ملك ابْنه الْحَارِث ثمَّ " جبلة " بن الْحَارِث وَبنى القناطر وأذرح والقسطل، ثمَّ ملك " الْحَارِث " بن جبلة وَسكن البلقاء وَبنى بهَا الحفير ومصنعه. ثمَّ ملك ابْنه " الْمُنْذر " الْأَكْبَر بن الْحَارِث بن جبلة بن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن جنفة الأول، ثمَّ هلك الْمُنْذر وَملك بعده أَخُوهُ النُّعْمَان بن الْحَارِث، ثمَّ ملك بعده أَخُوهُ جبلة بن الْحَارِث، ثمَّ ملك بعدهمْ أخوهم الْأَيْهَم بن الْحَارِث وَبنى دير ضخم ودير النُّبُوَّة، ثمَّ ملك أخوهم عَمْرو بن الْحَارِث. ثمَّ ملك جَفْنَة الْأَصْغَر بن الْمُنْذر الْأَكْبَر وأحرق الْحيرَة فَسُمي وَلَده آل محرق، ثمَّ ملك أَخُوهُ النُّعْمَان الْأَصْغَر بن الْمُنْذر الْأَكْبَر، ثمَّ النُّعْمَان بن عَمْرو بن الْمُنْذر وَبنى قصر السويدا وَلم يكن عَمْرو أَبُو النُّعْمَان الْمَذْكُور ملكا، وَفِي عَمْرو يَقُول النَّابِغَة الذبياني:: (عَليّ لعَمْرو نعْمَة بعد نعْمَة ... لوالده لَيست بِذَات عقارب) ثمَّ ملك بععد النُّعْمَان الْمَذْكُور ابْنه جبلة وَهُوَ الَّذِي قَاتل الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وَكَانَ جبلة ينزل بصفين، ثمَّ ملك النُّعْمَان بن الْأَيْهَم بن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة، ثمَّ أَخُوهُ الْحَارِث، ثمَّ الْأَيْهَم، ثمَّ ابْنه النُّعْمَان بن الْحَارِث وَأصْلح صهاريج الرصافة وَكَانَ قد خربها بعض مُلُوك الْحيرَة اللخميين، ثمَّ ابْنه الْمُنْذر بن النُّعْمَان، ثمَّ أَخُوهُ عَمْرو بن النُّعْمَان، ثمَّ أخوهما حجر بن النُّعْمَان ثمَّ ابْنه الْحَارِث بن حجر، ثمَّ ملك ابْنه جبلة بن الْحَارِث، ثمَّ ابْنه الْحَارِث بن جبلة، ثمَّ ابْنه النُّعْمَان بن الْحَارِث وكنيته أَبُو كرب ولقبه قطام، ثمَّ الْأَيْهَم بن جبلة بن الْحَارِث صَاحب تدمر وَكَانَ عَامله يُسمى الْقَيْن بن خسر وَبنى لَهُ بالبرية قصرا

стр. 60

عَظِيما ومصانع وَكَأَنَّهُ قصر برقع، ثمَّ أَخُوهُ الْمُنْذر بن جبلة، ثمَّ أخوهما شُرَحْبِيل بن جبلة، ثمَّ أخوهم عَمْرو بن جبلة، ثمَّ ابْن أَخِيه جبلة بن الْحَارِث بن جبلة، ثمَّ ملك بعده " جبلة " بن الْأَيْهَم بن جبلة وَهُوَ آخر مُلُوك غَسَّان أسلم فِي خِلَافه عمر ﵁ ثمَّ عَاد إِلَى الرّوم وَتَنصر، سَيَأْتِي ذكره. وَاخْتلف فِي مُدَّة ملك الغسانية فَقيل أَرْبَعمِائَة وَقيل سِتّمائَة وَقيل بَين ذَلِك. (ذكر مُلُوك جرهم) هم صنفان: جرهم الأولى فِي عهد عَاد فبادوا ودرسوا، وجرهم الثَّانِيَة من ولد جرهم بن قحطان، وجرهم أَخُو يعرب بن قحطان ملك " يعرب " الْيمن وَملك أَخُوهُ " جرهم " الْحجاز ثمَّ ابْنه عبد ياليل، ثمَّ ابْنه جرهم، ثمَّ ابْنه عبد المدان، ثمَّ ابْنه نفيلة، ثمَّ ابْنه عبد الْمَسِيح، ثمَّ ابْنه مضاض، ثمَّ ابْنه عَمْرو، ثمَّ أَخُوهُ الْحَارِث بن مضاض، ثمَّ ابْنه عَمْرو، ثمَّ أَخُوهُ بشر بن الْحَارِث، ثمَّ مضاض بن عَمْرو بن مضاض. وجرهم هم الَّذين اتَّصل بهم إِسْمَاعِيل وَتزَوج مِنْهُم. (ذكر مُلُوك كِنْدَة) أَوَّلهمْ حجر آكل المرار بن عَمْرو من ولد كِنْدَة وَاسم كِنْدَة ثَوْر بن عفير بن الْحَارِث من ولد زيد بن كهلان بن سبا كَانَت كِنْدَة بِغَيْر ملك فَأكل الْقوي الضعْف فَملك حجر وسدد وساس فَأحْسن وانتزع من اللخميين مَا كَانَ بِأَيْدِيهِم من أَرض بكر بن وَائِل قَالَت عَنهُ امراته كَأَنَّهُ جمل قد أكل المرار بغضا لَهُ فغلب عَلَيْهِ لقبا، ثمَّ ملك بعده ابْنه " عَمْرو " ولقب عَمْرو بالقسور لِأَنَّهُ اقْتصر على ملك أَبِيه. ثمَّ ملك ابْنه " الْحَارِث " فقوي ملكه وَوَافَقَ كسْرَى قباذ على الزندقة المزدكية فطرد قباذ الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء كَمَا تقدم فَلَمَّا أعَاد أنوشروان الْمُنْذر إِلَى ملك الْحيرَة وطرد الْحَارِث وهرب تَبعته تغلب فظفروا بأمواله وبأربعين نفسا من بني حجر آكل المرار مِنْهُم اثْنَان من ولد الْحَارِث فَقَتلهُمْ الْمُنْذر جَمِيعًا فِي ديار بني مرين وَفِي ذَلِك يَقُول امْرُؤ الْقَيْس بن حجر ابْن الْحَارِث: (فآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وابنا بالملوك مصفدينا) (مُلُوك من بني حجر بن عَمْرو ... يساقون العشية يقتلونا) (فَلَو فِي يَوْم معركة أصيبوا ... وَلَكِن فِي ديار بني مرينا) (وَلم تغسل جماجمهم بِغسْل ... وَلَكِن فِي الدِّمَاء مرملينا) (تظل الطير عاكفة عَلَيْهِم ... وتنتزع الحواجب والعيونا) وهرب الْحَارِث إِلَى ديار كلب وَبَقِي بهَا حَتَّى عدم وَاخْتلف فِي صُورَة عَدمه وَكَانَ قد ملك ابْنه " حجرا " على بني أَسد وَبني خُزَيْمَة بن مدركة وَملك بَاقِي بنيه على قبائل الْعَرَب، فابنه شُرَحْبِيل على بكر بن وَائِل وَابْنه معدي كرب ويلقب غلفًا لتغليف رَأسه بالطيب على

стр. 61

قيس عيلان وَابْنه سَلمَة على تغلب والنمر، وَحجر هَذَا أَبُو امرىء الْقَيْس الشَّاعِر تماسك أمره فِي بني أَسد مُدَّة ثمَّ تنكروا عَلَيْهِ فقهرهم وأنكى فأطاعوه ثمَّ قَتَلُوهُ غيلَة وَفِيه يَقُول امْرُؤ الْقَيْس ابْنه أبياتا مِنْهَا: (بَنو أَسد قتلوا رَبهم ... أَلا كل شَيْء سواهُ جلل) وَلما سمع بقتل أَبِيه بدمون مَوضِع بِالْيمن قَالَ: (تطاول اللَّيْل علينا دمون ... دمون أَنا معشر يمانون) ثمَّ استنجد امْرُؤ الْقَيْس ببكر وتغلب على بني أَسد فَهَرَبُوا مِنْهُ ثمَّ تخاذلت عَنهُ بكر وتغلب ونطلبه الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء فتفرقت جموع امرىء الْقَيْس خوفًا وَخَافَ امْرُؤ الْقَيْس أَيْضا من الْمُنْذر فتنقل إِلَى قبائل الْعَرَب يتدخل عَلَيْهِم حَتَّى قصد السموأل بن عاديا الْيَهُودِيّ فَأكْرمه وَأقَام عِنْده مَا شَاءَ اللَّهِ ثمَّ قصد قَيْصر ملك الرّوم مستنجدا وأودع أدراعه عِنْد السموأل وَمر على حماة وشيزر، قلت: وَمر أَيْضا على بادف ذَات التل وَقَالَ فِي سيرة قصيدته الْمَشْهُورَة مِنْهَا: (سما لَك الشوق بعد مَا كَانَ أقصرا ... ) وَمِنْهَا (نقطع أَسبَاب اللبانة والهوى ... عَشِيَّة جاورنا حماة وشيزرا) وَمِنْهَا: (بَكَى صَاحِبي لما رأى الدَّرْب دونه ... وأيقن أَنا لاحقان بقيصرا) (فَقلت لَهُ لَا تبك عَيْنك إِنَّمَا ... نحاول ملكا أَو نموت فنعذرا) وَكَانَ بِهِ قرحَة طَالَتْ بِهِ وفيهَا يَقُول: (وبدلت قرحا داميا بعد صِحَة ... لَعَلَّ منايانا تحولن أبؤسا) فَمَاتَ امْرُؤ الْقَيْس بعد عوده عَن قَيْصر بالروم عِنْد جبل عسيب وَهُنَاكَ قَالَ: (أجارتنا أَن الخطوب تنوب ... وَأَنِّي مُقيم مَا أَقَامَ عسيب) وَقيل سمه ملك الرّوم وَلَيْسَ بِشَيْء وَلما مَاتَ امْرُؤ الْقَيْس سَار الْحَارِث بن ابي شمر الغساني إِلَى السموأل وطالبه بأدراع امرىء الْقَيْس وَهِي مائَة وبماله عِنْده وَكَانَ الْحَارِث قد أسر ابْن السموأل فَامْتنعَ السموأل من تَسْلِيم ذَلِك إِلَى الْحَارِث فَقَالَ الْحَارِث: أما أَن تسلم الأدراع وَإِمَّا قتلت ابْنك فَأبى السموأل من تَسْلِيمهَا فَقتل ابْنه قدامه فَقَالَ السموأل أبياتا مِنْهَا: (وفيت بأدرع الْكِنْدِيّ إِنِّي ... إِذا مَا ذمّ أَقوام وفيت) (وَأوصى عاديا يَوْمًا بِأَن لَا ... يهدم يَا سموأل مَا بنيت) وَذكر الْأَعْشَى هَذِه الْحَادِثَة فَقَالَ: (كن سموأل إِذا طَاف الْهمام بِهِ ... فِي جحفل كسواد اللَّيْل جرار) (فَشك غير طَوِيل ثمَّ قَالَ لَهُ ... اقْتُل أسيرك إِنِّي مَانع جاري)

стр. 62

(ذكر عدَّة من مُلُوك الْعَرَب مُتَفَرّقين) فَمنهمْ " عَمْرو " بن لحي بن حَارِثَة بن عَمْرو بن مزيقيا بن عَامر بن حَارِثَة بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد من ولد كهلان بن سبأ هَذَا عَمْرو ملك الْحجاز كَبِير الذّكر فِي الْجَاهِلِيَّة وَإِلَيْهِ تنْسب خُزَاعَة فَيَقُولُونَ إِنَّهُم من ولد كَعْب بن عَمْرو الْمَذْكُور وَهُوَ أول من جعل الْأَصْنَام على الْكَعْبَة وعبدها فأطاعه الْعَرَب وعبدوها حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَام لِأَنَّهُ رأى بالبلقاء من الشَّام قوما يعْبدُونَ الْأَصْنَام وَقَالُوا لَهُ هَذِه أَرْبَاب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية والأشخاص البشرية نستنصر بهَا فَتَنَصَّرَ ونستسقي بهَا فنسقى ونستشفي فنشفى فأعجبه ذَلِك فَطلب مِنْهُم صنما فَأَعْطوهُ هُبل فنقله إِلَى مَكَّة وَجعله على الْكَعْبَة واستصحب أَيْضا أساف ونائلة صنمين ودعا إِلَى تَعْظِيم الْأَصْنَام فَأَجَابُوهُ. وَقَالَ الشهرستاني: كَانَ ذَلِك فِي أَيَّام سَابُور وَهُوَ غلط فعمرو وَعبادَة الْأَصْنَام قبل ذَلِك وسابور قبل الْإِسْلَام بِنَحْوِ أَرْبَعمِائَة سنة إِن كَانَ سَابُور بن أزدشير بن بابك وَإِن كَانَ سَابُور ذَا الأكتاف فأبعد عَن الصَّوَاب فَإِنَّهُ بعد سَابُور الأول بِكَثِير وَمن مُلُوك الْعَرَب " زُهَيْر " بن جناب بن هُبل بن عبد اللَّهِ بن كنَانَة بن بكر بن عَوْف بن عذرة الْكَلْبِيّ سمي زُهَيْر الكاهن لصِحَّة رَأْيه وَعمر وغزا كثيرا وَاجْتمعت عَلَيْهِ قضاعة فغزا بهم غطفان بِسَبَب أَن بني بغيض بن ريث بن غطفان بنوا حرما مثل حرم مَكَّة وَولي سدانته مِنْهُم بَنو مرّة بن عَوْف فَغَاظَهُ بِنَاؤُه فغزاهم وظفر وأبطل حرمهم وَأخذ أَمْوَالهم ورد نِسَائِهِم عَلَيْهِم وَفِي ذَلِك يَقُول: (وَلَوْلَا الْفضل منا مَا رجعتم ... إِلَى عذراء شيمتها الْحيَاء) وَكَانَ زُهَيْر قد اجْتمع بأبرهة صَاحب الْفِيل فَأكْرمه وَأمره على بكر وتغلب ابْني وَائِل وَاسْتمرّ زُهَيْر أَمِيرا عَلَيْهِم حَتَّى خَرجُوا عَن طَاعَته فغزاهم أَيْضا وَقتل فيهم وغزا بني الْقَيْن وَيطول شرح حروبه مَعَهم وَكَانَ الظفر لَهُ وأسن وَشرب خمرًا صرفا فَمَاتَ وَمِمَّنْ قَتله الصّرْف عَمْرو بن كُلْثُوم التغلبي وَأَبُو عَامر ملاعب الأسنة العامري وَمن مُلُوك الْعَرَب " كُلَيْب " بن ربيعَة بن الْحَارِث بن نصر بن جشم بن بكر بن حبيب بن عَمْرو بن غنم بن تغلب بن وَائِل وَوَائِل هُوَ ابْن قاسط بن هنب بن أقْصَى بن دعمي بن جديلة بن أَسد بن ربيعَة الْفرس بن نزار بن معد بن عدنان وَاسم كُلَيْب وَائِل ولقب كليبا. ملك على بني معد وَقَاتل جموع الْيمن وَهَزَمَهُمْ وَعمر زَمَانا، ثمَّ زها وبغى على قومه وَحمى عَلَيْهِم مواقع السَّحَاب فَلَا يرْعَى حماه وَيَقُول وَحش أَرض كَذَا فِي جواري فَلَا يصاد وَلَا ترد إبل مَعَ إبِله وَلَا يُوقد نَار مَعَ ناره حَتَّى قَتله " جساس " بن مرّة بن ذهل بن شَيبَان وشيبان من بني بكر بن وَائِل. (سَبَب مقتل كُلَيْب) إِن رجلا من جرم نزل على خَالَة جساس وَهِي البسوس بنت منقذ التميمة وللجرمي نَاقَة اسْمهَا سراب فَوَجَدَهَا كُلَيْب ترعى فِي حماه فخرم ضرْعهَا بِسَهْم فَصَرَخَ صَاحبهَا بالذل

стр. 63

فصاحت البسوس وأذلاه بِسَبَب نزيلها فانتصر جساس لخالته وَقصد كليبا وَهُوَ مُنْفَرد فِي حماه فَقتله بِالرُّمْحِ فَقَامَ أَخُوهُ " مهلهل " بن ربيعَة وَجمع تغلب وَجرى بَين تغلب وَبني بكر وقائع أَولهَا يَوْم عنيزة كَانُوا فِي الْقِتَال على السوَاء ثمَّ اقْتَتَلُوا على مَاء اسْمه " النهى " وَكَانَ رَئِيس تغلب مهلهلا وَرَئِيس بني شَيبَان بن بكر الْحَارِث بن مرّة أَخا جساس فانتصرت تغلب ثمَّ اقْتَتَلُوا " بالذنائب " وَهِي أعظم وقعاتهم فانتصر مهلهل وَبَنُو تغلب وَقتل من بكر مقتلة عَظِيمَة وَمن بني شَيبَان جمَاعَة مِنْهُم شُرَحْبِيل بن همام بن مرّة وَهُوَ ابْن أخي جساس وشرحبيل جد معن بن زَائِدَة وَقتل أَخُو جساس الْحَارِث بن مرّة وَكَذَلِكَ قتل جمَاعَة من رُؤَسَاء بكر. ثمَّ الْتَقَوْا يَوْم " واردات " فظفرت تغلب أَيْضا وَكثر الْقَتْل فِي بكر وَقتل همام أَخُو جساس لِأَبَوَيْهِ وَجعلت تغلب تطلب جساسا فألحقه أَبوهُ بأخواله بِالشَّام سرا مَعَ نفر قَلِيل وَبلغ مهلهلا الْخَبَر فَأرْسل إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ فَارِسًا فأدركوه فَاقْتَتلُوا فَلم يسلم من أَصْحَاب مهلهل غير رجلَيْنِ وَلَا من أَصْحَاب جساس غير رجلَيْنِ وجرح جساس جرحا مَاتَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ قتل مهلهل أَيْضا بجير بن الْحَارِث الْبكْرِيّ وَلما قَتله مهلهل قَالَ بؤ بشسع نعل كُلَيْب فَقَالَ الْحَارِث أَبُو بجير أبياته الْمَشْهُورَة وَمِنْهَا: (قربا مربط النعمامة فين ... شَاب رَأْسِي وأنكرتني رجالي) (لم أكن من جناتها علم الله ... وَإِنِّي بحرها الْيَوْم صالي) النعامة فرسه ودامت الْحَرْب بَين بني وَائِل الْمَذْكُورين أَرْبَعِينَ سنة وَلما قتل جساس أرسل أَبوهُ مرّة يَقُول لمهلهل قد أدْركْت ثأرك وَقتلت جساسا فَاكْفُفْ عَن الْحَرْب ودع اللجاج والإسراف فَلم يرجع مهلهل عَن الْقِتَال وَلما طَالَتْ الْحَرْب وَأدْركت تغلب مَا أَرَادَتْهُ من بكر أجابوهم إِلَى الْكَفّ عَن الْقِتَال وَعدم مهلهل. من مُلُوك الْعَرَب " زُهَيْر " بن جذيمة بن رَوَاحَة بن ربيعَة بن مَازِن بن الْحَارِث بن فظيعة بن عبس وَالِد الْملك قيس بن الْعَبْسِي كَانَ لزهير أتاوة على هوَازن يَأْخُذهَا كل سنة بسوق عكاظ أَيَّام الْمَوْسِم بالحجاز فحقدوا عَلَيْهِ لذَلِك واحترب زُهَيْر وعامر فاتفقت هوَازن مَعَ خَالِد بن جَعْفَر بن كلاب وَبني عَامر على حَرْب زُهَيْر واقتتلوا فاعتنق زُهَيْر وخَالِد فَقتل زُهَيْر بِالْقربِ من أَرض هوزان فَحَمله بنوه مَيتا إِلَى بِلَادهمْ وَفِي ذَلِك يَقُول ورقة بن زُهَيْر لخَالِد أبياتا مِنْهَا: (فطر خَالِدا إِن كنت تَسْتَطِيع طيرة ... وَلَا تبقين إِلَّا وقلبك حاذر) (أتتك المنايا إِن بقيت بضربة ... تفارق مِنْهَا الْعَيْش وَالْمَوْت حَاضر) فخاف خَالِد من قتل زُهَيْر وَسَار إِلَى النُّعْمَان بن امرىء الْقَيْس اللَّخْمِيّ ملك الْحيرَة واستجار بِهِ وَكَانَ زُهَيْر سيد غطفان فَانْتدبَ مِنْهُم " الْحَارِث " بن ظَالِم المري وَقدم إِلَى

стр. 64

النُّعْمَان فِي معنى حَاجَة لَهُ وَكَانَ النُّعْمَان قد ضرب لخَالِد قبَّة فَلَمَّا جن اللَّيْل دخل الْحَارِث إِلَى خَالِد وَقَتله فِي الْقبَّة غيلَة وهرب وَسلم. ثمَّ جمع " الْأَحْوَص " بن جَعْفَر أَخُو خَالِد بني عَامر وَطلب الْحَارِث المري وَكَذَلِكَ أَخذ النُّعْمَان فِي طلبه لقتل جَاره وَجَرت لذَلِك حروب طَوِيلَة آخرهَا يَوْم شعب جبلة كَمَا سَيَأْتِي، وَمن مُلُوك الْعَرَب " الْملك قيس " بن زُهَيْر الْعَبْسِي الْمَذْكُور جمع لقِتَال بني عَامر أخذا بثأر أَبِيه زُهَيْر ثمَّ نزل بالحجاز وفاخر قُريْشًا ثمَّ رَحل وَنزل على بني بدر الْفَزارِيّ الذبياني على حُذَيْفَة بن بدر وَكَانَ قيس قد اشْترى من الْحجاز حصانه وفرسه وهما " داحس والغبراء " وَقيل الغبراء بنت داحس اسْتَوْلدهَا قيس من داحس وَكَانَ لِحُذَيْفَة بن بدر فرسَان الخطار والحنفاء وَقصد أَن يسابق بَينهمَا وَبَين داحس والغبراء فكره قيس السباق فَأبى حُذَيْفَة إِلَّا ذَلِك فأجروا الْأَرْبَعَة بِذَات الآصاد وَكَانَ الميدان مائَة غلوة والغلوة رمية سهم أبعد مَا يُمكن وَالرَّهْن مائَة بعير فَسبق داحس سبقا بَينا وَالنَّاس ينظرُونَ إِلَيْهِ وَكَانَ حُذَيْفَة قد أكمن فِي طَرِيق الْخَيل من يعْتَرض داحسا إِن جَاءَ سَابِقًا فاعترضه الكمين وضربه على وَجهه فَتَأَخر داحس وَسبق الغبراء الخطار والحنفاء فَأنْكر حُذَيْفَة ذَلِك كُله وَادّعى السَّبق فَوَقع الْخلف بَين بني بدر وَبني قيس. وَكَانَ بَين الرّبيع بن زِيَاد وَبَين قيس خلف بِسَبَب درع اغتصبها الرّبيع من قيس وَكَانَ الرّبيع يسوؤه اتِّفَاق بني بدر مَعَ قيس فسره ذَلِك وَاشْتَدَّ الْأَمر فَقتل قيس بدية بن حُذَيْفَة وَكَانَ ملك أَخُو قيس نازلا فِي بني ذبيان فَبَلغهُمْ قتل بدية فَقتلُوا مَالِكًا غيلَة فَعظم على الرّبيع بن زِيَاد مقتل مَالك وَعطف على قيس وانتصر لَهُ وللربيع أَبْيَات فِي مقتل مَالك مِنْهَا: (من كَانَ مَسْرُورا بمقتل مَالك ... فليأت نسوتنا بِوَجْه نَهَار) (يجد النِّسَاء حواسرا يندبنه ... ويقمن قبل تبلج الأسحار) ثمَّ اجْتمع قيس وَالربيع وتعانقا وَقَالَ قيس للربيع إِنَّه لم يهرب مِنْك من لَجأ إِلَيْك وَلم يسْتَغْن عَنْك من اسْتَعَانَ بك وَاجْتمعَ إِلَيْهِمَا بَنو عبس وَاجْتمعَ إِلَى بني بدر فَزَارَة وذبيان، واشتدت الْحَرْب الْمَعْرُوفَة بِحَرب داحس فَاقْتَتلُوا أَولا فَقتل عَوْف بن بدر وانهزمت فَزَارَة بعد قتل ذريع فيهم، ثمَّ اقْتَتَلُوا ثَانِيًا فنصرت عبس أَيْضا وَقتل الْحَارِث بن بدر وطالت الحروب وَآخِرهَا هزيمَة فَزَارَة فَانْفَرد حُذَيْفَة وَحمل أَخُوهُ وَجَمَاعَة وقصدوا " حفر الهباءة " فلحقهم بَنو عبس وَفِيهِمْ قيس وَالربيع بن زِيَاد وعنترة وحالوا بَينهم وَبَين خيلهم وَقتلُوا جميلا وَحُذَيْفَة وَأَكْثَرت الشُّعَرَاء فِي ذَلِك وَظَهَرت فِي هَذِه الحروب شجاعة عنترة بن شَدَّاد. فَلَمَّا قويت فَزَارَة دخلت بَنو عبس على كثير من أَحيَاء الْعَرَب فَلم يطلّ لَهُم مقَام عِنْد أحد وَآخر قصدت عبس الصُّلْح مَعَ فَزَارَة، وَتمّ الصُّلْح، وَقيل لما اصْطَلحُوا لم يسر قيس مَعَهم بل انْفَرد وَتَنصر وساح وترهب بعمان زَمَانا وَقيل تزوج فِي النهرين لما انْفَرد وَولد لَهُ فضَالة وَبَقِي فضَالة حَتَّى قدم على النَّبِي ﷺ َ - فَقعدَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - على من مَعَه من

стр. 65

قومه وَكَانُوا تِسْعَة وَهُوَ عاشرهم وَبَين مُلُوك الْعَرَب وقائع مَشْهُورَة: مِنْهَا: يَوْم خزاز تقَاتل فِيهِ بَنو ربيعَة بن نزار وَهُوَ ربيعَة الْفرس وقبائل الْيمن وَكَانَت الدائرة على الْيمن وَقيل كَانَ كُلَيْب وَائِل قَائِد بني ربيعَة، وخزاز جبل بَين الْبَصْرَة إِلَى مَكَّة. وَمِنْهَا: أَيَّام بني وَائِل بِسَبَب قتل كُلَيْب كَانَت بَين مهلهل قَائِد تغلب وَبَين أبي جساس قَائِد بكر فأولها " يَوْم عنيزة " تكافؤا فِيهِ، ثمَّ يَوْم " وردات " نصرت تغلب، ثمَّ " يَوْم الحنو " لبكر، ثمَّ " يَوْم الفضيات " لتغلب حَتَّى كَادَت بكر تبيد، ثمَّ " يَوْم أقضة " وَيُقَال يَوْم التَّحَالُف قتل من الْفَرِيقَيْنِ ثمَّ أَيَّام بَينهم لم تشتد كهذه. وَمن أَيَّام الْعَرَب " يَوْم عين أباغ " بَين غَسَّان ولخم وَكَانَ قَائِد غَسَّان الْحَارِث الَّذِي طلب أَدْرَاع امرىء الْقَيْس وَقيل غَيره، وقائد لخم الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء وَقتل الْمُنْذر هَذَا الْيَوْم وانهزمت لخم وتبعتهم غَسَّان إِلَى الْحيرَة وَأَكْثرُوا فيهم الْقَتْل، وَعين أباغ بِموضع يُسمى ذَات الْخِيَار. وَمِنْهَا: " يَوْم مرج حليمة " بَين غَسَّان ولخم أَيْضا وَكَانَ عَظِيما حجب غباره الشَّمْس وَظَهَرت الْكَوَاكِب فِي خلاف جِهَة الْغُبَار وَاخْتلف فِي النَّصْر لمن كَانَ مِنْهُم. وَمِنْهَا " يَوْم الْكلاب الأول " كَانَ بَين الْأَخَوَيْنِ شُرَحْبِيل وَسَلَمَة ابْني الْحَارِث بن عَمْرو الْكِنْدِيّ كَانَ مَعَ شُرَحْبِيل وَهُوَ الْأَكْبَر بكر وَائِل وَغَيرهم وَمَعَ سَلمَة تغلب وَائِل وَغَيرهم وَالْكلاب مَوضِع بَين الْبَصْرَة والكوفة وبذل كل وَاحِد من الْأَخَوَيْنِ فِي رَأس أَخِيه مائَة من الْإِبِل وَاشْتَدَّ الْقِتَال فانتصر سَلمَة وَقتل شُرَحْبِيل وَحمل رَأسه إِلَى سَلمَة. وَمِنْهَا: " يَوْم أوارة " جبل كَانَ بَين الْمُنْذر بن امرىء الْقَيْس ملك الْحيرَة وَبَين بكر وَائِل بِسَبَب اجْتِمَاع بكر على سَلمَة بن الْحَارِث وظفر الْمُنْذر ببكر وَأقسم أَن لَا يزَال يذبحهم حَتَّى يسيل دمهم من رَأس أوارة إِلَى حضيضة فجمد الدَّم فسكب عَلَيْهِ مَاء حَتَّى سَالَ وبر قسمه. وَمِنْهَا: " يَوْم رحرحان " وَهُوَ وَاد، وَذَلِكَ أَن الْحَارِث بن ظَالِم السّري ثمَّ الذبياني لما قتل خَالِد بن جَعْفَر بن كلاب قَاتل زُهَيْر كَمَا تقدم وهرب من النُّعْمَان ملك الْحيرَة لقَتله خَالِدا جَاره فَلم يجر الْحَارِث أحد خوفًا من النُّعْمَان إِلَّا معبد بن زُرَارَة فَلم يُوَافقهُ قومه بَنو تَمِيم وَوَافَقَهُمْ مِنْهُم بَنو ماويه وَبَنُو دارم وَبلغ الْأَحْوَص أَخا خَالِد ذَلِك فَسَار إِلَيْهِم واقتتلوا فَانْهَزَمَ بَنو تَمِيم وَأسر معبد وَقصد أَخُوهُ لَقِيط بن زُرَارَة فكه فَلم يقدر وعذبوا معبدًا حَتَّى مَاتَ. وَمِنْهَا: " يَوْم شعب جبلة " يَوْم عَظِيم، فَإِنَّهُ لما انْقَضتْ وقْعَة رحرحان استنجد لَقِيط بن زُرَارَة بذبيان فنجدته، وتجمعت لَهُ تَمِيم - غير بني سعد - وَخرجت مَعَه بَنو أَسد وَسَار بهم لَقِيط إِلَى بني عَامر وَعَبس لثأر معبد أَخِيه فأدخلت عبس وَبَنُو عَامر أَمْوَالهم فِي شعب جبلة، وجبلة هضبة حَمْرَاء بَين الشريف والشرف، وهما ماءان فحضرهم لَقِيط

стр. 66

فَخَرجُوا عَلَيْهِ من الشّعب وكسروا جموعه وقتلوه وأسروا أَخا لَقِيط حاجبا وَفِي ذَلِك يَقُول جرير: (وَيَوْم الشّعب قد تركُوا لقيطا ... كَأَن عَلَيْهِ حلَّة أرجوان) (وكبل حَاجِب بِالشَّام حولا ... فَحكم ذَا الرقيبة وَهُوَ عان) وَكثر أَيْضا فِيهِ الْقَتْلَى من بني ذبيان وَتَمِيم وَأسد فَأَكْثَرت الْعَرَب المراثي فِيهِ وَهُوَ بعد شعب رحرحان بِسنة يَوْم الشّعب فِي عَام مولد النَّبِي ﷺ َ -. وَمِنْهَا: يَوْم " ذِي قار " فِي سنة أَرْبَعِينَ من مولده ﷺ َ -، وَقيل عَام وقْعَة بدر وَذَلِكَ أَن كسْرَى برويز غضب على النُّعْمَان بن الْمُنْذر وحبسه فَهَلَك فِي الْحَبْس وَكَانَ النُّعْمَان قد أودع حلقته - وَهِي السِّلَاح والدروع - عِنْد هانىء بن مَسْعُود الْبكْرِيّ فَأرْسل برويز يطْلبهَا مِنْهُ فَقَالَ: هَذِه أَمَانَة، وَالْحر لَا يسلم أَمَانَته، فَاسْتَشَارَ برويز أياس بن قبيصَة الطَّائِي الَّذِي ملكه برويز الْحيرَة مَوضِع النُّعْمَان فَأَشَارَ أياس بالتغافل عَن هانىء لِيَطمَئِن فيدرك فَقَالَ برويز: إِنَّه من أخوالك وَلَا تألوه نصحا فَبعث برويز الهرمزان فِي أَلفَيْنِ من الْأَعَاجِم وَألف من بهرا فَبلغ بكر وَائِل فنزلوا بِبَطن ذِي قار فوصلت الْأَعَاجِم واقتتلوا سَاعَة فانهزمت الْأَعَاجِم قبيحا وَأكْثر الشُّعَرَاء من ذكره.

стр. 67

(الْفَصْل الْخَامِس) (فِي ذكر الْأُمَم) الْأمة الْجَمَاعَة لَفظه وَاحِد وَمَعْنَاهُ جمع وكل جنس من الْحَيَوَان أمة، وَفِي الحَدِيث " لَوْلَا أَن الْكلاب أمة من الْأُمَم لأمرت بقتلها ". (أمة السريان وَالصَّابِئِينَ) السريان أقدم الْأُمَم وبالسرياني تكلم آدم وَبَنوهُ وملتهم مِلَّة الصابئين ويذكرون أَنهم أخذُوا دينهم عَن شِيث وَإِدْرِيس وَلَهُم كتاب يسمونه صحف شِيث فِيهِ محَاسِن أَخْلَاق كالصدق والشجاعة والتعصب للغريب وَاجْتنَاب الرذائل، قلت: وَرَأَيْت صحيفتين من صحف الصابئين وَلكنهَا عَن إِدْرِيس الأولى مِنْهُمَا صحيفَة الصَّلَاة. فَمِنْهَا: أَنْت الأزلي الَّذِي ترتبط بِهِ الرياسات رب جَمِيع المكونات المعقولات والمحسوسات رَئِيس البرايا وراعى العوالم رب الْمَلَائِكَة ورؤساء الْمَلَائِكَة مِنْك تنزلت الْعُقُول إِلَى مدبري الأَرْض لِأَنَّك السَّبَب الأول أحاطت قدرتك بِالْكُلِّ وَأَنت الوحدانية الَّتِي لَا تحد وَلَا تدْرك مُدبر سلاطين السَّمَاء وينابيع النُّور الدائمة الإنارة أَنْت ملك الْمُلُوك الْآمِر بالخيرات كلهَا الْمُتَقَدّم لكل شَيْء بِالْوَحْي وَالْإِشَارَة مِنْك تنبث الْمَخْلُوقَات وبرمزك يَنْتَظِم الْعَالم بأسره ومنك النُّور وَأَنت الْعلَّة الْقَدِيمَة السَّابِقَة لكل شَيْء نَسْأَلك أَن تزكي نفوسنا وتوفقها لاسْتِحْقَاق نِعْمَتك الْآن وَفِي كل أَوَان إِلَى الْأَبَد يَا ظَاهرا متعاليا عَن كل دنس أحلل عقالنا وَعَافنَا من كل مرض وَبدل أحزاننا أفراحا بك نعتصم ومنك نَخَاف نَسْأَلك أَن توفقنا لتمجيد عظمتك الَّتِي يشار إِلَيْهَا وَلَا ينْطق بهَا مِنْك الْكل وَبِك يَسْتَنِير الْكل وَأَنت رَجَاء الْعَالمين ومعين النَّاس أَجْمَعِينَ. وَفِي هَذِه الصَّحِيفَة عبارَة فلسفية لَا يجوز فِي ديننَا إِطْلَاقهَا على الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا لَا يَلِيق بجلاله. وَالثَّانيَِة " صحيفَة الناموس " فَمِنْهَا: لَا يجرين أحد مِنْكُم فِي مُعَاملَة أَخِيه إِلَى مَا يكره أَن يُعَامل بِمثلِهِ وَإِيَّاكُم والتفاخر وَالتَّكَاثُر لَا تحلفُوا بِاللَّه كاذبين وَلَا تهجموا على اللَّهِ بِالْيَمِينِ واعتمدوا الصدْق حَتَّى يكون نعم من قَوْلكُم نعم، وَلَا لَا وتورعوا فِي تَحْلِيف الْكَاذِبين بِاللَّه جلّ ذكره فَإِنَّكُم تشركونهم فِي الْإِثْم إِذا علمْتُم مِنْهُم الْحِنْث، وَليكن الْأسر فِي نفوسكم إِن تكلوهم إِلَى اللَّهِ عَالم السرائر فحسبكم بِهِ من حَاكم يعدل وناطق يفصل لَا تلهجوا بهجر الْكَلَام وَسُوء الْمقَال وَلَا تتتفاوضوا الأضاليل والأباطيل وَلَا تكثروا الْهزْل والضحك والهمز

стр. 68

واللمز لَا تبدر مِنْكُم عِنْد الْغَضَب كلمة الْفُحْش فَإِنَّهَا ترديكم الْعَار والمنقصة وتلحق بكم الْعَيْب والهجنة وتجر عَلَيْكُم المآثم والعقوبة. من كظم غيظه وَقيد لَفظه ونظف مَنْطِقه وطهر نَفسه فقد غلب الشَّرّ كُله استشعروا الْحِكْمَة وابتغوا الدّيانَة وعودوا نفوسكم الْوَقار والسكينة وتحلوا بالآداب الْحَسَنَة الجميلة ترووا فِي أُمُوركُم وَلَا تعجلوا وَلَا سِيمَا فِي مجازاة الْمُسِيء إِن تكن من أحدكُم فرطة وارتكب مُنكرَة فليقلع عَنْهَا وَلَا تحمله السَّلامَة مِنْهَا على المعاودة لَهَا فَإِنَّهَا إِن سترت عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يفتضح بهَا على رُؤُوس الأشهاد يَوْم الدّين وهما طويلتان وَالله أعلم. وللصابئين عبادات مِنْهَا سبع صلوَات مِنْهُنَّ خمس توَافق صلواتنا وَالسَّادِسَة الضُّحَى وَالسَّابِعَة فِي تَمام السَّاعَة السَّادِسَة من اللَّيْل ولصلاتهم نِيَّة وَلَا يخلطها الْمُصَلِّي بِشَيْء من غَيرهَا وَلَهُم الصَّلَاة على الْمَيِّت بِلَا رُكُوع وَلَا سُجُود وَيَصُومُونَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَإِن نقص الْهلَال صَامُوا تسعا وَعشْرين يراعون فِي فطرهم وصومهم الْهلَال بِحَيْثُ يكون الْفطر وَقد دخلت الشَّمْس للْحَمْل وَيَصُومُونَ من ربع اللَّيْل الآخر إِلَى غرُوب قرص الشَّمْس وَلَهُم أعياد عِنْد نزُول الْكَوَاكِب الْخَمْسَة الْمُتَحَيِّرَة بيُوت أَشْرَافهَا، والمتحيرة: زحل وَالْمُشْتَرِي والمريخ والزهرة وَعُطَارِد، ويعظمون بَيت مَكَّة وبظاهر حران مَكَان يحجونه وَيَقُولُونَ إِن أهرام مصر أَحدهمَا قبر شِيث بن آدم، وَالْآخر قبر إِدْرِيس وَهُوَ خنوخ، وَالْآخر قبر صابىء بن إِدْرِيس الَّذِي ينتسبون إِلَيْهِ، ويعظمون يَوْم دُخُول الشَّمْس الْحمل فيتزينون ويتهادون فِيهِ، قَالَ ابْن حزم: الدّين الَّذِي انتحلوه أقدم الْأَدْيَان على وَجه الدَّهْر وَالْغَالِب على الدُّنْيَا إِلَى أَن أَحْدَثُوا فِيهِ الْحَوَادِث فَبعث اللَّهِ إِلَيْهِم إِبْرَاهِيم خَلِيله ﵇ بِالدّينِ الَّذِي نَحن عَلَيْهِ الْآن. قَالَ الشهرستاني: والصابئون يقابلون الحنيفية، ومدار مَذْهَبهم التعصب للروحانيين كَمَا أَن مدَار مَذْهَب الحنفاء التعصب للبشر الجسمانيين. (أمة القبط) من ولد حام أهل ملك بديار مصر وَاخْتَلَطَ بهم طوائف من اليونان والعماليق وَالروم وَغَيرهم وَذَلِكَ لِكَثْرَة من ملك عَلَيْهِم من الغرباء وَكَانُوا سالفا صابئة ذَوي هياكل وأصنام وَمِنْهُم عُلَمَاء بالفلسفة وخاصة الطلسمات والنيرنجات والمرائي المحرقة والكيمياء وَدَار ملكهم منف ولقبت مُلُوكهمْ بالفراعنة، وَقد تقدم هَذَا. (أمة الْفرس) بِفَارِس وَمِنْهَا كرمان والأهواز وأقاليم، وَمَا دون جيحون مِنْهَا يُسمى إيران وَهِي أَرض الْفرس وَمَا وَرَاء جيحون يُسمى توران وَهِي أَرض التّرْك قيل الْفرس من ولد فَارس بن أرم بن سَام وَقيل من ولد يافث وهم يَقُولُونَ من ولد كيومرث وَهُوَ عِنْدهم الَّذِي ابْتَدَأَ مِنْهُ النَّسْل مثل آدم عندنَا ويذكرون أَن الْملك فيهم من كيومرث وَهُوَ آدم إِلَى غَلَبَة الْإِسْلَام خلا تقطع فِي مدد يسيرَة مثل تغلب الضَّحَّاك وأفراسياب التركي وملوكهم عِنْد الْأُمَم أعظم مُلُوك

стр. 69

الْعَالم بعقول وافرة وأحلام راجحة وترتيب المملكة كَانُوا لَا يولون سَاقِطا الْبَيْت وفرقهم كَثِيرَة مِنْهُم الديلم سكان الْجبَال وَمِنْهُم الجيل يسكنون الْوَطْأَة لجبال الديلم وأرضهم سَاحل بَحر طبرستان وَمِنْهُم الكرد بجبال شهرزور وَقيل الكرد من الْعَرَب ثمَّ تنبطوا وَقيل هم أَعْرَاب الْعَجم. وللفرس مِلَّة قديمَة يُقَال للدائنين بهَا الكيومرثية أثبتوا إِلَهًا قَدِيما سموهُ يَزْدَان وإلها مخلوقا من الظلمَة سموهُ أهرمن، ويزدان عِنْدهم اللَّهِ تَعَالَى وأهرمن إِبْلِيس أصل دينهم مَبْنِيّ على تَعْظِيم النُّور وَهُوَ يَزْدَان والتحرز من الظلمَة وَهُوَ أهرمن وَلما عظموا النُّور عبدُوا النَّار وَكَانُوا على ذَلِك حَتَّى ظهر زرادشت فِي أَيَّام كشتاسف ملك الْفرس وَدخل كشتاسف وَالْفرس فِي دين زرادشت وَذكر لَهُم كتابا زعم أَن اللَّهِ أنزلهُ عَلَيْهِ وَهُوَ من قَرْيَة من قرى أذربيجان وَلَهُم فِي خلق زرادشت وولادته كَلَام لَا يُفِيد. وَقَالَ زرادشت بالباري سُبْحَانَهُ وَأَنه خَالق النُّور والظلمة وَأَنه وَاحِد لَا شريك لَهُ وَأَن الْخَيْر وَالشَّر إِنَّمَا حصل من امتزاج النُّور بالظلمة وَلَو لم يمتزجا لما كَانَ وجود الْعَالم وَلَا يزَال المزاج حَتَّى يغلب النُّور الظلمَة ثمَّ يتَخَلَّص الْخَيْر إِلَى عالمه وَالشَّر إِلَى عالمه وقبلة زرادشت إِلَى الْمشرق حَيْثُ ملطع الْأَنْوَار. وللفرس أعياد ورسوم فَمِنْهَا " النوروز " وَهُوَ الْيَوْم الأول من فروردين ماه واسْمه يَوْم جَدِيد لكَونه غرَّة الْحول لجديد وَبعده أَيَّام خَمْسَة كلهَا أعياد، وَمن أعيادهم " التيركان " وَهُوَ ثَالِث عشر من تيرماه وَلما وَافق اسْم الْيَوْم الثَّالِث عشر اسْم شهره صَار ذَلِك الْيَوْم عيدا وَهَكَذَا كل مُوَافق اسْمه اسْم شهره، وَمِنْهَا " المهرجان " وَهُوَ سادس عشر مهرماه وَفِيه زَعَمُوا أَن أفريدون ظفر بالساحر الضَّحَّاك بيوراسب وحبسه بجبل دماوند. وَمِنْهَا " الفروردجان " وَهُوَ الْأَيَّام الْخَمْسَة الْأَخِيرَة من آبان ماه تصنع الْمَجُوس فِيهَا الْأَطْعِمَة والأشربة لأرواح موتاهم على زعمهم. وَمِنْهَا: " ركُوب الكوسج " كَانَ يَأْتِي فِي أول الرّبيع كوسج رَاكب حمارا قَابض على غراب ويتروح بمروحة ويودع الشتَاء وَله ضريبة وَمَتى وجد بعد ذَلِك الْيَوْم ضرب. وَمِنْهَا: " السدق " وَهُوَ عَاشر بهمن ماه وَلَيْلَته توقد فِيهَا النيرَان وَيشْرب حولهَا وَمِنْهَا: " الكنبهارات " أَقسَام مُخْتَلفَة لأيام السّنة فِي أول كل قسم مِنْهَا خَمْسَة أَيَّام هِيَ الكنبهارات؛ زعم زرادشت أَن فِي كل يَوْم مِنْهَا خلق اللَّهِ نوعا من الخليقة من سَمَاء وَأَرْض وَمَاء ونبات وحيوان وَأنس وجن فتم خلق الْعَالم فِي سِتَّة أَيَّام. (أمة اليونان) نجموا من رجل اسْمه اللن ولد سنة أَربع وَسبعين لمولد مُوسَى ﵇، وَكَانَ أوميرس الشَّاعِر اليوناني مَوْجُودا فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة لوفاة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 70

وَهُوَ تَارِيخ ظُهُور أمة اليونان كَانُوا أهل شعر وفصاحة. ثمَّ صَارَت فيهم الفلسفة زمَان بخْتنصر؛ قَالَ أَبُو عِيسَى: وَهَذَا مَنْقُول من كتاب كورس اليوناني الَّذِي رد فِيهِ على للبان الَّذِي نَاقض الْإِنْجِيل. قَالَ الْمُؤلف ﵀: وَنقل الشهرستاني أَن أييد فَلَيْسَ كَانَ فِي زمن دَاوُد ﵇ وفيثاغورس فِي زمن سُلَيْمَان ﵇ وهما من فلاسفة اليونان فَقَوْل أبي عِيسَى إِن الفلسفة ظَهرت من اليونان زمن بخْتنصر غير مُطَابق لهَذَا فَإِن بخْتنصر بعد سُلَيْمَان بِأَكْثَرَ من أَرْبَعمِائَة سنة. من كتاب ابْن سعيد أَن بِلَاد اليونان كَانَت على الخليج القسطنطيني من شرقية وغربيه إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط وَالْبَحْر القسطنطيني خليج بَين بَحر الرّوم وَبَين بَحر القرم واسْمه قَدِيما بَحر نيطش بِكَسْر النُّون وياء مثناة تَحت سَاكِنة وطاء مُهْملَة وشين مُعْجمَة؛ قَالَ: واليونان فرقتان فرقة يُقَال لَهُم " الإغريقيون " وهم الأول وَفرْقَة يُقَال لَهُم اللطينيون قيل اليونان من ولد يافث وَقيل من جملَة الرّوم من ولد صوفر بن الْعيص بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ﵈، وَكَانَت مُلُوكهمْ أعظم الْمُلُوك حَتَّى غلبت عَلَيْهِم الرّوم كَمَا تقدم فِي ذكر أغسطس. وَكَانَت بِلَادهمْ فِي الرّبع الشمالي المغربي يتوسطها الخليج القسطنطيني وَجَمِيع الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة مَأْخُوذَة عَنْهُم كالمنطقية والطبيعية والإلهية والرياضية يسمون الرياضي جومطريا يشْتَمل على الْهَيْئَة والهندسة والحساب واللحون والإيقاع وَغير ذَلِك، وَكَانَ الْعَالم بذلك يُسمى فليسوفا تَفْسِيره محب الْحِكْمَة فيلو محب وسوفا الْحِكْمَة. فَمن فلاسفتهم " بالس " العملطي زمن بخْتنصر وَمِنْهُم " أبيدقلس وفيثاغورس " فِي زمن دَاوُد وَسليمَان ﵉، وفيثاغورس من كبار الْحُكَمَاء زعم أَنه سمع حفيف الْفلك وَوصل إِلَى مقَام الْملك، وَقَالَ مَا سَمِعت شَيْئا ألذ من حركات الأفلاك وَلَا رَأَيْت أبهى من صورتهَا. وَمِنْهُم " أبقراط الْحَكِيم " الْمَشْهُور نجم سنة مائَة وست وَتِسْعين لبختنصر فَيكون أبقراط قبل الْهِجْرَة بِأَلف وَمِائَة وبضع وَسبعين سنة. وَمِنْهُم " سقراط " قَالَ الشهرستاني: كَانَ فضالا زاهدا وَاعْتَزل فِي غَار بِالْجَبَلِ وَنهى عَن الشّرك والأوثان فألجأت الْعَامَّة الْملك إِلَى حَبسه ثمَّ سمه فَمَاتَ. وَمِنْهُم " أفلاطون " تلميذ سقراط جلس بعده على كرسيه. وَمِنْهُم " أرسطاطاليس " تلميذ أفلاطون فِي زمن الْإِسْكَنْدَر، وَبَين الْإِسْكَنْدَر وَالْهجْرَة تِسْعمائَة وَأَرْبع وَثَلَاثُونَ سنة فأفلاطون قبل ذَلِك بِيَسِير وسقراط قبل أفلاطون بِيَسِير فَيكون بَين سقراط وَالْهجْرَة نَحْو ألف سنة وَبَين أفلاطون وَالْهجْرَة أقل من ذَلِك. وَمِنْهُم " طيماوس " من مَشَايِخ أفلاطون. وَأما أرسطا طاليس فَهُوَ الْمُقدم الْمَشْهُور

стр. 71

والحكيم الْمُطلق لما بلغ أرسطو سبع عشرَة سلمه أَبوهُ إِلَى أفلاطون فَمَكثَ نيفا وَعشْرين سنة وَصَارَ حكيما مبرزا يشْتَغل عَلَيْهِ والإسكندر من تلاميذ أرسطوا تعلم عَلَيْهِ خمس سِنِين ونال من الفلسفة مَا لم ينل سَائِر تلاميذ أرسطو وَلما لحق أَبَاهُ فيلبس مرض الْمَوْت أَخذ ابْنه الْإِسْكَنْدَر من أرسطو وعهد إِلَيْهِ بِالْملكِ. وَمِنْهُم " برقليس " بعد أرسطو صنف كتابا فِيهِ سيثة فِي قدم الْعَالم. وَمِنْهُم " الْإِسْكَنْدَر " الأفروديسي بعد أرسطو من كبار الْحُكَمَاء. وَمن تَارِيخ ابْن القفطي وَزِير حلب. قَالَ: وَمِنْهُم " طيموخارس " رياضي يوناني عَالم بهيئة الْفلك رصد الْكَوَاكِب وَذكره بطليموس فِي المجسطي قبل بطليموس بأربعمائة وَعشْرين سنة. وَمِنْهُم " فرقوريوس " من صور بِالشَّام على الْبَحْر الرُّومِي بعد جالينوس الَّذِي سَيذكرُ عَالم بِكَلَام أرسطو فسر كتبه لما شكا النَّاس من غموضها. وَمِنْهُم " فلوطيس " يوناني شرح كتب أرسطو وَنقل من تصانيفه من الرومية إِلَى السريانية وَلَا نعلم أَن شَيْئا مِنْهَا خرج إِلَى الْعَرَبيَّة. وَمِنْهُم " فولس " الأجانيطي القوابلي نِسْبَة إِلَى جمع قَابِلَة خَبِير بطب النِّسَاء يسْأَله القوابل عَن حوادث النِّسَاء عقيب الْولادَة هُوَ بعد جالينوس أَقَامَ بالإسكندرية. وَمِنْهُم " لسون " المتعصب لفلسفة أفلاطون، وَمِنْهُم " مقسطراطيس " يوناني شرح كتب أرسطو وَخرجت إِلَى الْعَرَبيَّة. وَمِنْهُم " منطر " الإسكندري إِمَام فِي علم الْفلك وَاجْتمعَ هُوَ وأفطيمن بالإسكندرية ورصدا وحققا قبل بطليموس بِنَحْوِ خَمْسمِائَة سنة وَإِحْدَى وَسبعين وَمِنْهُم " مورطس " وَيُقَال مورشطس يوناني لَهُ رياضة وتخيل صنف كتابا للأرغن - آلَة تسمع على سِتِّينَ ميلًا. وَمِنْهُم " مغنس " من حمص تلميذ أبقراط لَهُ ذكر فِي زَمَانه وتصانيف ككتاب الْبَوْل وَغَيره. وَمِنْهُم " مثروديطوس " ركب المعجون وَسَماهُ باسمه وجرب الْأَدْوِيَة وامتحن قواها فِي أشخاص استحقوا الْقَتْل فَمِنْهَا مَا وَافق لدغة الرتيلا وَمِنْهَا مَا وَافق لدغة الْعَقْرَب وَكَذَلِكَ غير ذَلِك، انْتهى كَلَام ابْن القفطي. وَأما بطليموس وجالينوس فمتأخران عَن زمن اليونان هما فِي زمن الرّوم متقاربا الزَّمن وجالينوس مُتَأَخّر بِقَلِيل؛ قَالَ ابْن الْأَثِير: أدْرك جالينوس زمن بطليموس مُصَنف المجسطي الْمَذْكُور فِي زمن أنطونينوس وَمَات أنطونينوس سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة للإسكندر وَبَين رصد بطليموس ورصد الْمَأْمُون سِتّمائَة وَتسْعُونَ سنة ورصد الْمَأْمُون بعد مِائَتَيْنِ لِلْهِجْرَةِ ورصد بطليموس أَرْبَعمِائَة وَتسْعُونَ سنة بالتقريب

стр. 72

وجالينوس فِي أَيَّام قوموذوس الْملك وَمَوْت قوموذوس سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة للإسكندر فَبين جالينوس وَالْهجْرَة أَكثر من أَرْبَعمِائَة سنة بِقَلِيل. وَمن حكماء اليونان " إقليدس " صَاحب كتاب الاستعصاب الْمُسَمّى باسمه فِي زمن البطالسة فَلم يكن بعد أرسطو بِبَعِيد وَهُوَ جَامع كتاب إقليدس ومحرره لَا مخترعه. وَمِنْهُم " أبرخس " رياضي زهدي نقل بطليموس عَنهُ فِي المجسطي، وَبَين رصد أبرخس ورصد بطليموس مِائَتَان وَخمْس وَثَمَانُونَ سنة فارسية تَقْرِيبًا. (أمة الْيَهُود) تقدم ذكر مُوسَى ﵇ وَذكر بني إِسْرَائِيل وَإِسْرَائِيل هُوَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ﵈ ولإسرائيل اثْنَا عشر ابْنا روبيل ثمَّ شَمْعُون ثمَّ لاوى ثمَّ يهوذا ثمَّ إيشاخر ثمَّ زيولون ثمَّ يُوسُف ثمَّ بنيامين ثمَّ دَان ثمَّ نفتالي ثمَّ كاذا ثمَّ أَشَارَ. وَمِنْهُم أَسْبَاط بني إِسْرَائِيل جَمِيع بني إِسْرَائِيل أَوْلَاد الاثْنَي عشر سبطا، وَالْيَهُود أَعم من بني إِسْرَائِيل إِذْ من الْعَرَب وَالروم وَالْفرس وَغَيرهم من تهود وَلَيْسوا من بني إِسْرَائِيل، وَغير بني إِسْرَائِيل دخيل فِي ملتهم، يُقَال: هاد الرجل إِذا رَجَعَ وأناب، قَالَ مُوسَى ﴿إِنَّا هدنا إِلَيْك﴾ فَلَزِمَ هَذَا الِاسْم الْيَهُود. وكتابهم التَّوْرَاة مُشْتَمِلَة على أسفار فِي السّفر الأول مُبْتَدأ الْخلق ثمَّ الْأَحْكَام وَالْحُدُود وَالْأَحْوَال والقصص والمواعظ والأذكار فِي سفر سفر وَأنزل عَلَيْهِ الألواح شبه مُخْتَصر مَا فِي التَّوْرَاة قَالَ فِي خير الْبشر بِخَير الْبشر لَيْسَ فِي التَّوْرَاة ذكر الْقِيَامَة وَلَا الدَّار الْآخِرَة وَلَا فِيهَا ذكر بعث وَلَا جنَّة وَلَا نَار وكل جَزَاء فِيهَا إِنَّمَا هُوَ معجل فِي الدُّنْيَا فيجزون على الطَّاعَة النَّصْر على الْأَعْدَاء وَطول الْعُمر وسعة الرزق وَنَحْو ذَلِك ويجزون على الْكفْر وَالْمَعْصِيَة بِالْمَوْتِ وَمنع الْقطر والحميات وَالْحَرب وَأَن ينزل عَلَيْهِم بدل الْمَطَر الْغُبَار والظلمة وَنَحْو ذَلِك وَلَيْسَ فِيهَا ذمّ الدُّنْيَا وَلَا الزّهْد فِيهَا وَلَا وَظِيفَة صلوَات مَعْلُومَة بل الْأَمر بالبطالة والقصف وَاللَّهْو وَمِمَّا تضمنته التَّوْرَاة أَن يهوذا بن يَعْقُوب فِي زمَان نبوته زنى بأمرأة ابْنه وَأَعْطَاهَا عمَامَته وخاتمه رهنا على جدي هُوَ أُجْرَة الزِّنَى وَهُوَ لَا يعرفهَا فَأَمْسَكت برهنه عِنْدهَا وَأرْسل إِلَيْهَا بالجدي فَلم تَأْخُذهُ وَظهر حملهَا وَأخْبر يهوذا بذلك فَأمر بهَا أَن تحرق فأنفذت إِلَيْهِ بِالرَّهْنِ فَعرف يهوذا أَنه هُوَ الَّذِي زنى بهَا فَتَركهَا وَقَالَ هِيَ أصدق، وَمِمَّا تضمنته أَن روبيل بن يَعْقُوب وطىء سَرِيَّة أَبِيه وَعرف أَبوهُ، وَمِمَّا تضمنته أَن أَوْلَاد يَعْقُوب من أمته كَانُوا يزنون مَعَ نسَاء أَبِيهِم. وَجَاء يُوسُف وَعرف أَبَاهُ بِخَبَر إخْوَته الْقَبِيح وَمِمَّا تضمنته أَن راحيل أُخْت ليا وَكَانَ الْأخْتَان المذكورتان قد جمع بَينهمَا يَعْقُوب فِي عقد نِكَاحه وَكَانَ ذَلِك حَلَالا فِي ذَلِك الزَّمَان قَالَ فأسرت راحيل من أُخْتهَا وضرتها ليا مبيت ابْن ليا وَهُوَ روبيل عِنْد راحيل ليطأها بنوبتها من يَعْقُوب ليبيت عِنْد ليا وتضمنت من ذَلِك كثيرا أضربنا عَنهُ.

стр. 73

قَالَ الشهرستاني: وَالْيَهُود تَدعِي أَن الشَّرِيعَة لَا تكون إِلَّا وَاحِدَة وَهِي ابتدأت بمُوسَى وتمت بِهِ وَأما مَا كَانَ قبل مُوسَى فَإِنَّمَا كَانَ حدودا عقلية وأحكاما مصلحية وَلم يجيزوا النّسخ أصلا فَلم يجيزوا بعده شَرِيعَة أُخْرَى قَالُوا: والنسخ فِي الْأَوَامِر بداء وَلَا يجوز البداء على اللَّهِ تَعَالَى. قلت: وكل هَذَا مَرْدُود بالأدلة المفروغ مِنْهَا فِي أصُول الْفِقْه وَالدّين فَلَا يغتر بِهِ من يقف عَلَيْهِ وَلَوْلَا التَّطْوِيل لذكرت أجوبته، وَالله اعْلَم. وافترقت الْيَهُود فرقا كَثِيرَة " فالربانية " مِنْهُم كالمعتزلة فِينَا " والقراؤون " كالمجبرة والمشبهة فِينَا وَمن فرق الْيَهُود " العانانية " نسبوا إِلَى رجل مِنْهُم اسْمه عانان بن دَاوُد وَكَانَ رَأس جالوت وَرَأس الجالوت هُوَ اسْم الْحَاكِم على الْيَهُود بعد خراب بَيت الْمُقَدّس ثَانِيًا وَتقدم ذكر هردوس واليهم من جِهَة الْفرس ثمَّ من جِهَة اليونان ثمَّ من جِهَة أغسطس وَمن بعده من مُلُوك الرّوم ثمَّ بعد الخراب الثَّانِي تَفَرَّقت الْيَهُود فِي الْبِلَاد وَلم تعد لَهُم رياسة يعْتد بهَا وَصَارَ مِنْهُم بالعراق وَتلك النواحي جمَاعَة وَلَهُم كَبِير مِنْهُم يرجعُونَ إِلَيْهِ اسْمه رَأس الجالوت ... ... ... ... ... فَمن مَذْهَب العانانية الْمَذْكُورين أَنهم يصدقون الْمَسِيح فِي مواعظه وإرشاداته وَيَقُولُونَ أَنه لم يُخَالف التَّوْرَاة الْبَتَّةَ بل قررها ودعا النَّاس إِلَيْهَا وَهُوَ من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل المتعبد بِالتَّوْرَاةِ إِلَّا أَنهم لَا يَقُولُونَ بنبوته وَمِنْهُم من يَدعِي أَن عِيسَى لم يدع أَنه نَبِي مُرْسل وَلَا أَنه صَاحب شَرِيعَة ناسخة لشريعة مُوسَى بل هُوَ من أَوْلِيَاء اللَّهِ تَعَالَى المخلصين وَأَن الْإِنْجِيل لَيْسَ كتابا منزلا عَلَيْهِ وَحيا من اللَّهِ بل هُوَ جَمِيع أَحْوَاله جمعه أَرْبَعَة من أَصْحَابه وَأَن الْيَهُود ظلموه أَولا حَيْثُ كذبوه وَلم يعرفوا بعد دَعْوَاهُ وقتلوه آخرا وَلم يعلمُوا مَحَله ومغزاه. وَقد ورد فِي التَّوْرَاة ذكر المسيحان فِي مَوَاضِع كَثِيرَة وَهُوَ الْمَسِيح " وَأما السامرة " فَمنهمْ الدستانية وَتسَمى أَيْضا الغانية وَمِنْهُم الكوشانية والدستانية يَقُولُونَ إِنَّمَا الثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي الدُّنْيَا والكوشانية يقرونَ بِالآخِرَة وثوابها وعقابها. ولليهود أعياد مِنْهَا " الفصح " خَامِس عشر من نيسانهم عيد كَبِير أول أَيَّام الفطير السَّبْعَة يحرمُونَ فِيهَا الخمير وَآخِرهَا الْحَادِي وَالْعشْرُونَ من الشَّهْر الْمَذْكُور والفصح يَدُور من ثَانِي عشر آذار إِلَى خَامِس عشر نيسان وَسَببه أَن بني إِسْرَائِيل لما تخلصوا من فِرْعَوْن وحصلوا فِي التيه اتّفق ذَلِك لَيْلَة الْخَامِس عشر من نيسان الْيَهُود وَالْقَمَر تَامّ الضَّوْء وَالزَّمَان ربيع فَأمروا بِحِفْظ هَذَا الْيَوْم وَفِي آخر هَذِه الْأَيَّام غرق فِرْعَوْن فِي بَحر الشّعب وَهُوَ القلزم. وَلَهُم " عيد العنصرة " بعد الفطير بِخَمْسِينَ يَوْمًا فِي السَّادِس من شيون فِيهِ حضر مَشَايِخ بني إِسْرَائِيل إِلَى طور سيناء مَعَ مُوسَى مَعَ مُوسَى فَسَمِعُوا كَلَام اللَّهِ تَعَالَى من الْوَعْد والوعيد فاتخذوه عيدا. وَمِنْهَا " عيد الحنكة " مَعْنَاهُ التَّنْظِيف وَهُوَ ثَمَانِيَة أَيَّام أَولهَا الْخَامِس وَالْعشْرُونَ من بسليو

стр. 74

يسرجون فِي اللَّيْلَة الأولى سِرَاجًا وَفِي الثَّانِيَة اثْنَيْنِ وَكَذَا فِي الثَّامِنَة ثَمَانِيَة سرج وَذَلِكَ تذكار أَصْغَر ثَمَانِيَة إخْوَة قتل بعض مُلُوك اليونان فَإِنَّهُم كَانَ قد تغلب عَلَيْهِم ملك من اليونان بِبَيْت الْمُقَدّس كَانَ يفترع الْبَنَات قبل الإهداء إِلَى أَزوَاجهنَّ وَله سرداب قد أخرج مِنْهُ حبلين عَلَيْهِمَا جلجلان فَإِن احْتَاجَ إِلَى امْرَأَة حرك الْأَيْمن فَتدخل عَلَيْهِ فَإِذا فرغ مِنْهَا حرك الْأَيْسَر فيخلي سَبِيلهَا وَكَانَ فِي بني إِسْرَائِيل رجل لَهُ ثَمَانِيَة بَنِينَ وَبنت وَاحِدَة تزَوجهَا إسرائيلي وطلبها فَقَالَ أَبوهَا إِن أَهْدَيْتهَا افترعها الملعون ودعا بنيه لذَلِك فأنفوا ووثب الصَّغِير مِنْهُم فَلبس ثِيَاب النِّسَاء وخبأ خنجرا وأتى بَاب الْملك على أَنه أُخْته فحرك الجرس فَأدْخل عَلَيْهِ فحين خلا بِهِ قَتله وَأخذ رَأسه وحرك الْحَبل الْأَيْسَر وَخرج فخلى سَبيله فَأَفْرَح ذَلِك بني إِسْرَائِيل واتخذوه عيدا تذكارا بالإخوة الثَّمَانِية. وَمِنْهَا " المظال " سَبْعَة أَيَّام أَولهَا خَامِس عشر تشرين الأول يَسْتَظِلُّونَ فِيهَا بِالْخِلَافِ والقصب وَغَيره فَرِيضَة على الْمُقِيم تذكارا لإظلالهم بالغمام فِي التيه وَآخِرهَا وَهُوَ حادي عشر تشرين يُسمى " عرابا " تَفْسِيره شجر الْخلاف وعرعراب وَهُوَ الثَّانِي وَالْعشْرُونَ من الْخَمِيس يُسمى " التبريك " تبطل فِيهِ الْأَعْمَال ويتبركون فِيهِ بِالتَّوْرَاةِ وَفِيه استتم نُزُولهَا بزعمهم. وَلَيْسَ فِي صومهم فرض غير " صَوْم الكبور " عَاشر تشرينهم وَابْتِدَاء الصَّوْم من التَّاسِع قبل الْغُرُوب بِنصْف سَاعَة إِلَى بعد غرُوب الْعشَاء من الْعَاشِر بِنصْف سَاعَة تَمام خمس وَعشْرين سَاعَة وَكَذَلِكَ صياماتهم النَّوَافِل وَالسّنَن. (أمة النَّصَارَى) أمة الْمَسِيح، وَلِلنَّصَارَى فِي تجسد الْكَلِمَة مَذَاهِب مِنْهُم من قَالَ أشرقت على الْجَسَد إشراق النُّور على الْجِسْم المشف وَمِنْهُم من قَالَ انطبعت فِيهِ انطباع النقش فِي الشمعة وَمِنْهُم من قَالَ تدرع اللاهوت بالناسوت وَمِنْهُم من قَالَ مازجت الْكَلِمَة جَسَد الْمَسِيح ممازجة اللَّبن المَاء واتفقت النَّصَارَى أَن الْمَسِيح قَتله الْيَهُود وصلبوه وَيَقُولُونَ إِن الْمَسِيح بعد أَن قتل وصلب وَمَات عَاشَ فَرَأى شخصه شَمْعُون الصَّفَا وَكلمَة وَأوصى إِلَيْهِ ثمَّ فَارق الدُّنْيَا وَصعد السَّمَاء. قَالَ الشهرستاني فِي الْملَل والنحل: افْتَرَقت النَّصَارَى على اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة وكبارهم ثَلَاث فرق الملكانية والنسطورية واليعقوبية. أما " الملكانية " فأصحاب ملك ظهر بالروم وَاسْتولى عَلَيْهَا فغالب الرّوم ملكانية مصرحون بالتثليث، قَالَ تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن اللَّهِ ثَالِث ثَلَاثَة﴾ ويصرحون أَن الْمَسِيح ناسوت كلي قديم أزلي من قديم أزلي وَقد ولدت مَرْيَم إِلَهًا أزليا وَالْقَتْل والصلب وَقعا على الناسوت واللاهوت مَعًا وأطلقوا لفظ الْأُبُوَّة والبنوة على اللَّهِ تَعَالَى وتقدس، وعَلى الْمَسِيح حَقِيقَة وَذَلِكَ لما وجدوا فِي الْإِنْجِيل أَنَّك أَنْت الابْن الوحيد وَلما رووا عَن الْمَسِيح أَنه قَالَ حِين كَانَ يصلب أذهب إِلَى أبي وأبيكم وحرموا أربوس لما قَالَ الْقَدِيم

стр. 75

هُوَ اللَّهِ تَعَالَى والمسيح مَخْلُوق وَاجْتمعت البطارقة والمطارنة والأساقفة بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بِمحضر من قسطنطين ملكهم وَكَانُوا ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر رجلا وَاتَّفَقُوا على هَذِه الْكَلِمَة اعتقادا ودعوة وَذَلِكَ قَوْلهم نؤمن بِاللَّه الْوَاحِد الْأَب مَالك كل شَيْء وصانع مَا يرى وَمَا لَا يرى وبالابن الوحيد أيسوع الْمَسِيح ابْن اللَّهِ الْوَاحِد بكر الْخَلَائق كلهَا وَلَيْسَ بمصنوع إِلَه خلق من إِلَه حق من جَوْهَر أَبِيه الَّذِي بِيَدِهِ أتقنت العوالم وكل شَيْء الَّذِي من أجلنا وَأجل خلاصنا وَنزل من السَّمَاء وتجسد من روح الْقُدس وَولد من مَرْيَم البتول وصلب وَدفن ثمَّ قَامَ فِي الْيَوْم الثَّالِث وَصعد إِلَى السَّمَاء وَجلسَ عَن يَمِين أَبِيه وَهُوَ مستعد للمجيء تَارَة أُخْرَى للْقَضَاء بَين الْأَمْوَات والأحياء ونؤمن بِروح الْقُدس الْوَاحِد وروح الْحق الَّذِي يخرج من أَبِيه وبمعبودية وَاحِدَة لغفران الْخَطَايَا وبجماعة وَاحِدَة قدسية مسيحية حاثليقية وبقيام أبداننا وبالحياة الدائمة أَبَد الآبدين هَذَا هُوَ الِاتِّفَاق الأول على هَذِه الْكَلِمَات وَوَضَعُوا شرائع النَّصَارَى وَاسم الشَّرِيعَة عِنْدهم الهيمانوت تَعَالَى اللَّهِ وتقدس عَن كفرهم. وَأما " النسطورية " فأصحاب نسطورس هم عِنْدهم كالمعتزلة عندنَا خالفوا الملكانية فِي اتِّحَاد الْكَلِمَة فَلم يَقُولُوا بالامتزاج بل أَن الْكَلِمَة أشرقت على جَسَد الْمَسِيح كإشراق الشَّمْس على كوَّة أَو على بلور وَقَالُوا وَقع الْقَتْل على الْمَسِيح من جِهَة ناسوته لَا من جِهَة لَا هوته خلافًا للملكانية. وَأما " اليعقوبية " فأصحاب يَعْقُوب البردعاني رَاهِب بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ قَالُوا انقلبت الْكَلِمَة لَحْمًا ودما فَصَارَ الْإِلَه هُوَ الْمَسِيح، قَالَ ابْن حزم: واليعقوبية يَقُولُونَ إِن الْمَسِيح هُوَ اللَّهِ قتل وصلب وَمَات وَإِن الْعَالم بَقِي ثَلَاثَة أَيَّام بِلَا مُدبر، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن اللَّهِ هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ . وَمن كتاب ابْن سعيد: " البطارقة " لِلنَّصَارَى بِمَنْزِلَة الْأَئِمَّة أَصْحَاب الْمذَاهب لنا " والمطارنة " كالقضاة " والأساقفة " كالمفتين " والقسيسون " كالقراء " والجاثليق " كإمام الصَّلَاة " والشماسة " كالمؤذنين وقومة الْمَسَاجِد. " وصلوات النَّصَارَى سبع " عِنْد الْفجْر وَالضُّحَى وَالظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء وَنصف اللَّيْل يقرؤون فِيهَا بالزبور الْمنزل على دَاوُد تبعا للْيَهُود فِي ذَلِك وَالسُّجُود فِي صلَاتهم غير مَحْدُود وَقد يَسْجُدُونَ فِي الرَّكْعَة الْوَاحِدَة خمسين سَجْدَة يُنكرُونَ الْوضُوء علينا وعَلى الْيَهُود وَيَقُولُونَ الأَصْل طَهَارَة الْقلب. وَمن كتاب نِهَايَة الْإِدْرَاك فِي دراية الأفلاك للشيرازي: فِي الْهَيْئَة أَن لِلنَّصَارَى أعيادا وصيامات. فَمِنْهَا " صومهم الْكَبِير " تِسْعَة وَأَرْبَعين يَوْمًا أَولهَا يَوْم الأثنين أقرب اثْنَيْنِ إِلَى الِاجْتِمَاع الْكَائِن فِيمَا بَين الْيَوْم الثَّانِي من شباط إِلَى الثَّامِن من آذار فَأَي اثْنَيْنِ كَانَ أقرب إِلَيْهِ أما قبل الِاجْتِمَاع وَأما بعده فَهُوَ رَأس صومهم.
следующие страницы →