← История

История · id 6624

تاريخ ابن الوردي

ابن الوردي الجد، زين الدين

Полный текст (708 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والحكيم الْمُطلق لما بلغ أرسطو سبع عشرَة سلمه أَبوهُ إِلَى أفلاطون فَمَكثَ نيفا وَعشْرين سنة وَصَارَ حكيما مبرزا يشْتَغل عَلَيْهِ والإسكندر من تلاميذ أرسطوا تعلم عَلَيْهِ خمس سِنِين ونال من الفلسفة مَا لم ينل سَائِر تلاميذ أرسطو وَلما لحق أَبَاهُ فيلبس مرض الْمَوْت أَخذ ابْنه الْإِسْكَنْدَر من أرسطو وعهد إِلَيْهِ بِالْملكِ. وَمِنْهُم " برقليس " بعد أرسطو صنف كتابا فِيهِ سيثة فِي قدم الْعَالم. وَمِنْهُم " الْإِسْكَنْدَر " الأفروديسي بعد أرسطو من كبار الْحُكَمَاء. وَمن تَارِيخ ابْن القفطي وَزِير حلب. قَالَ: وَمِنْهُم " طيموخارس " رياضي يوناني عَالم بهيئة الْفلك رصد الْكَوَاكِب وَذكره بطليموس فِي المجسطي قبل بطليموس بأربعمائة وَعشْرين سنة. وَمِنْهُم " فرقوريوس " من صور بِالشَّام على الْبَحْر الرُّومِي بعد جالينوس الَّذِي سَيذكرُ عَالم بِكَلَام أرسطو فسر كتبه لما شكا النَّاس من غموضها. وَمِنْهُم " فلوطيس " يوناني شرح كتب أرسطو وَنقل من تصانيفه من الرومية إِلَى السريانية وَلَا نعلم أَن شَيْئا مِنْهَا خرج إِلَى الْعَرَبيَّة. وَمِنْهُم " فولس " الأجانيطي القوابلي نِسْبَة إِلَى جمع قَابِلَة خَبِير بطب النِّسَاء يسْأَله القوابل عَن حوادث النِّسَاء عقيب الْولادَة هُوَ بعد جالينوس أَقَامَ بالإسكندرية. وَمِنْهُم " لسون " المتعصب لفلسفة أفلاطون، وَمِنْهُم " مقسطراطيس " يوناني شرح كتب أرسطو وَخرجت إِلَى الْعَرَبيَّة. وَمِنْهُم " منطر " الإسكندري إِمَام فِي علم الْفلك وَاجْتمعَ هُوَ وأفطيمن بالإسكندرية ورصدا وحققا قبل بطليموس بِنَحْوِ خَمْسمِائَة سنة وَإِحْدَى وَسبعين وَمِنْهُم " مورطس " وَيُقَال مورشطس يوناني لَهُ رياضة وتخيل صنف كتابا للأرغن - آلَة تسمع على سِتِّينَ ميلًا. وَمِنْهُم " مغنس " من حمص تلميذ أبقراط لَهُ ذكر فِي زَمَانه وتصانيف ككتاب الْبَوْل وَغَيره. وَمِنْهُم " مثروديطوس " ركب المعجون وَسَماهُ باسمه وجرب الْأَدْوِيَة وامتحن قواها فِي أشخاص استحقوا الْقَتْل فَمِنْهَا مَا وَافق لدغة الرتيلا وَمِنْهَا مَا وَافق لدغة الْعَقْرَب وَكَذَلِكَ غير ذَلِك، انْتهى كَلَام ابْن القفطي. وَأما بطليموس وجالينوس فمتأخران عَن زمن اليونان هما فِي زمن الرّوم متقاربا الزَّمن وجالينوس مُتَأَخّر بِقَلِيل؛ قَالَ ابْن الْأَثِير: أدْرك جالينوس زمن بطليموس مُصَنف المجسطي الْمَذْكُور فِي زمن أنطونينوس وَمَات أنطونينوس سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة للإسكندر وَبَين رصد بطليموس ورصد الْمَأْمُون سِتّمائَة وَتسْعُونَ سنة ورصد الْمَأْمُون بعد مِائَتَيْنِ لِلْهِجْرَةِ ورصد بطليموس أَرْبَعمِائَة وَتسْعُونَ سنة بالتقريب

стр. 72

وجالينوس فِي أَيَّام قوموذوس الْملك وَمَوْت قوموذوس سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة للإسكندر فَبين جالينوس وَالْهجْرَة أَكثر من أَرْبَعمِائَة سنة بِقَلِيل. وَمن حكماء اليونان " إقليدس " صَاحب كتاب الاستعصاب الْمُسَمّى باسمه فِي زمن البطالسة فَلم يكن بعد أرسطو بِبَعِيد وَهُوَ جَامع كتاب إقليدس ومحرره لَا مخترعه. وَمِنْهُم " أبرخس " رياضي زهدي نقل بطليموس عَنهُ فِي المجسطي، وَبَين رصد أبرخس ورصد بطليموس مِائَتَان وَخمْس وَثَمَانُونَ سنة فارسية تَقْرِيبًا. (أمة الْيَهُود) تقدم ذكر مُوسَى ﵇ وَذكر بني إِسْرَائِيل وَإِسْرَائِيل هُوَ يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ﵈ ولإسرائيل اثْنَا عشر ابْنا روبيل ثمَّ شَمْعُون ثمَّ لاوى ثمَّ يهوذا ثمَّ إيشاخر ثمَّ زيولون ثمَّ يُوسُف ثمَّ بنيامين ثمَّ دَان ثمَّ نفتالي ثمَّ كاذا ثمَّ أَشَارَ. وَمِنْهُم أَسْبَاط بني إِسْرَائِيل جَمِيع بني إِسْرَائِيل أَوْلَاد الاثْنَي عشر سبطا، وَالْيَهُود أَعم من بني إِسْرَائِيل إِذْ من الْعَرَب وَالروم وَالْفرس وَغَيرهم من تهود وَلَيْسوا من بني إِسْرَائِيل، وَغير بني إِسْرَائِيل دخيل فِي ملتهم، يُقَال: هاد الرجل إِذا رَجَعَ وأناب، قَالَ مُوسَى ﴿إِنَّا هدنا إِلَيْك﴾ فَلَزِمَ هَذَا الِاسْم الْيَهُود. وكتابهم التَّوْرَاة مُشْتَمِلَة على أسفار فِي السّفر الأول مُبْتَدأ الْخلق ثمَّ الْأَحْكَام وَالْحُدُود وَالْأَحْوَال والقصص والمواعظ والأذكار فِي سفر سفر وَأنزل عَلَيْهِ الألواح شبه مُخْتَصر مَا فِي التَّوْرَاة قَالَ فِي خير الْبشر بِخَير الْبشر لَيْسَ فِي التَّوْرَاة ذكر الْقِيَامَة وَلَا الدَّار الْآخِرَة وَلَا فِيهَا ذكر بعث وَلَا جنَّة وَلَا نَار وكل جَزَاء فِيهَا إِنَّمَا هُوَ معجل فِي الدُّنْيَا فيجزون على الطَّاعَة النَّصْر على الْأَعْدَاء وَطول الْعُمر وسعة الرزق وَنَحْو ذَلِك ويجزون على الْكفْر وَالْمَعْصِيَة بِالْمَوْتِ وَمنع الْقطر والحميات وَالْحَرب وَأَن ينزل عَلَيْهِم بدل الْمَطَر الْغُبَار والظلمة وَنَحْو ذَلِك وَلَيْسَ فِيهَا ذمّ الدُّنْيَا وَلَا الزّهْد فِيهَا وَلَا وَظِيفَة صلوَات مَعْلُومَة بل الْأَمر بالبطالة والقصف وَاللَّهْو وَمِمَّا تضمنته التَّوْرَاة أَن يهوذا بن يَعْقُوب فِي زمَان نبوته زنى بأمرأة ابْنه وَأَعْطَاهَا عمَامَته وخاتمه رهنا على جدي هُوَ أُجْرَة الزِّنَى وَهُوَ لَا يعرفهَا فَأَمْسَكت برهنه عِنْدهَا وَأرْسل إِلَيْهَا بالجدي فَلم تَأْخُذهُ وَظهر حملهَا وَأخْبر يهوذا بذلك فَأمر بهَا أَن تحرق فأنفذت إِلَيْهِ بِالرَّهْنِ فَعرف يهوذا أَنه هُوَ الَّذِي زنى بهَا فَتَركهَا وَقَالَ هِيَ أصدق، وَمِمَّا تضمنته أَن روبيل بن يَعْقُوب وطىء سَرِيَّة أَبِيه وَعرف أَبوهُ، وَمِمَّا تضمنته أَن أَوْلَاد يَعْقُوب من أمته كَانُوا يزنون مَعَ نسَاء أَبِيهِم. وَجَاء يُوسُف وَعرف أَبَاهُ بِخَبَر إخْوَته الْقَبِيح وَمِمَّا تضمنته أَن راحيل أُخْت ليا وَكَانَ الْأخْتَان المذكورتان قد جمع بَينهمَا يَعْقُوب فِي عقد نِكَاحه وَكَانَ ذَلِك حَلَالا فِي ذَلِك الزَّمَان قَالَ فأسرت راحيل من أُخْتهَا وضرتها ليا مبيت ابْن ليا وَهُوَ روبيل عِنْد راحيل ليطأها بنوبتها من يَعْقُوب ليبيت عِنْد ليا وتضمنت من ذَلِك كثيرا أضربنا عَنهُ.

стр. 73

قَالَ الشهرستاني: وَالْيَهُود تَدعِي أَن الشَّرِيعَة لَا تكون إِلَّا وَاحِدَة وَهِي ابتدأت بمُوسَى وتمت بِهِ وَأما مَا كَانَ قبل مُوسَى فَإِنَّمَا كَانَ حدودا عقلية وأحكاما مصلحية وَلم يجيزوا النّسخ أصلا فَلم يجيزوا بعده شَرِيعَة أُخْرَى قَالُوا: والنسخ فِي الْأَوَامِر بداء وَلَا يجوز البداء على اللَّهِ تَعَالَى. قلت: وكل هَذَا مَرْدُود بالأدلة المفروغ مِنْهَا فِي أصُول الْفِقْه وَالدّين فَلَا يغتر بِهِ من يقف عَلَيْهِ وَلَوْلَا التَّطْوِيل لذكرت أجوبته، وَالله اعْلَم. وافترقت الْيَهُود فرقا كَثِيرَة " فالربانية " مِنْهُم كالمعتزلة فِينَا " والقراؤون " كالمجبرة والمشبهة فِينَا وَمن فرق الْيَهُود " العانانية " نسبوا إِلَى رجل مِنْهُم اسْمه عانان بن دَاوُد وَكَانَ رَأس جالوت وَرَأس الجالوت هُوَ اسْم الْحَاكِم على الْيَهُود بعد خراب بَيت الْمُقَدّس ثَانِيًا وَتقدم ذكر هردوس واليهم من جِهَة الْفرس ثمَّ من جِهَة اليونان ثمَّ من جِهَة أغسطس وَمن بعده من مُلُوك الرّوم ثمَّ بعد الخراب الثَّانِي تَفَرَّقت الْيَهُود فِي الْبِلَاد وَلم تعد لَهُم رياسة يعْتد بهَا وَصَارَ مِنْهُم بالعراق وَتلك النواحي جمَاعَة وَلَهُم كَبِير مِنْهُم يرجعُونَ إِلَيْهِ اسْمه رَأس الجالوت ... ... ... ... ... فَمن مَذْهَب العانانية الْمَذْكُورين أَنهم يصدقون الْمَسِيح فِي مواعظه وإرشاداته وَيَقُولُونَ أَنه لم يُخَالف التَّوْرَاة الْبَتَّةَ بل قررها ودعا النَّاس إِلَيْهَا وَهُوَ من أَنْبيَاء بني إِسْرَائِيل المتعبد بِالتَّوْرَاةِ إِلَّا أَنهم لَا يَقُولُونَ بنبوته وَمِنْهُم من يَدعِي أَن عِيسَى لم يدع أَنه نَبِي مُرْسل وَلَا أَنه صَاحب شَرِيعَة ناسخة لشريعة مُوسَى بل هُوَ من أَوْلِيَاء اللَّهِ تَعَالَى المخلصين وَأَن الْإِنْجِيل لَيْسَ كتابا منزلا عَلَيْهِ وَحيا من اللَّهِ بل هُوَ جَمِيع أَحْوَاله جمعه أَرْبَعَة من أَصْحَابه وَأَن الْيَهُود ظلموه أَولا حَيْثُ كذبوه وَلم يعرفوا بعد دَعْوَاهُ وقتلوه آخرا وَلم يعلمُوا مَحَله ومغزاه. وَقد ورد فِي التَّوْرَاة ذكر المسيحان فِي مَوَاضِع كَثِيرَة وَهُوَ الْمَسِيح " وَأما السامرة " فَمنهمْ الدستانية وَتسَمى أَيْضا الغانية وَمِنْهُم الكوشانية والدستانية يَقُولُونَ إِنَّمَا الثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي الدُّنْيَا والكوشانية يقرونَ بِالآخِرَة وثوابها وعقابها. ولليهود أعياد مِنْهَا " الفصح " خَامِس عشر من نيسانهم عيد كَبِير أول أَيَّام الفطير السَّبْعَة يحرمُونَ فِيهَا الخمير وَآخِرهَا الْحَادِي وَالْعشْرُونَ من الشَّهْر الْمَذْكُور والفصح يَدُور من ثَانِي عشر آذار إِلَى خَامِس عشر نيسان وَسَببه أَن بني إِسْرَائِيل لما تخلصوا من فِرْعَوْن وحصلوا فِي التيه اتّفق ذَلِك لَيْلَة الْخَامِس عشر من نيسان الْيَهُود وَالْقَمَر تَامّ الضَّوْء وَالزَّمَان ربيع فَأمروا بِحِفْظ هَذَا الْيَوْم وَفِي آخر هَذِه الْأَيَّام غرق فِرْعَوْن فِي بَحر الشّعب وَهُوَ القلزم. وَلَهُم " عيد العنصرة " بعد الفطير بِخَمْسِينَ يَوْمًا فِي السَّادِس من شيون فِيهِ حضر مَشَايِخ بني إِسْرَائِيل إِلَى طور سيناء مَعَ مُوسَى مَعَ مُوسَى فَسَمِعُوا كَلَام اللَّهِ تَعَالَى من الْوَعْد والوعيد فاتخذوه عيدا. وَمِنْهَا " عيد الحنكة " مَعْنَاهُ التَّنْظِيف وَهُوَ ثَمَانِيَة أَيَّام أَولهَا الْخَامِس وَالْعشْرُونَ من بسليو

стр. 74

يسرجون فِي اللَّيْلَة الأولى سِرَاجًا وَفِي الثَّانِيَة اثْنَيْنِ وَكَذَا فِي الثَّامِنَة ثَمَانِيَة سرج وَذَلِكَ تذكار أَصْغَر ثَمَانِيَة إخْوَة قتل بعض مُلُوك اليونان فَإِنَّهُم كَانَ قد تغلب عَلَيْهِم ملك من اليونان بِبَيْت الْمُقَدّس كَانَ يفترع الْبَنَات قبل الإهداء إِلَى أَزوَاجهنَّ وَله سرداب قد أخرج مِنْهُ حبلين عَلَيْهِمَا جلجلان فَإِن احْتَاجَ إِلَى امْرَأَة حرك الْأَيْمن فَتدخل عَلَيْهِ فَإِذا فرغ مِنْهَا حرك الْأَيْسَر فيخلي سَبِيلهَا وَكَانَ فِي بني إِسْرَائِيل رجل لَهُ ثَمَانِيَة بَنِينَ وَبنت وَاحِدَة تزَوجهَا إسرائيلي وطلبها فَقَالَ أَبوهَا إِن أَهْدَيْتهَا افترعها الملعون ودعا بنيه لذَلِك فأنفوا ووثب الصَّغِير مِنْهُم فَلبس ثِيَاب النِّسَاء وخبأ خنجرا وأتى بَاب الْملك على أَنه أُخْته فحرك الجرس فَأدْخل عَلَيْهِ فحين خلا بِهِ قَتله وَأخذ رَأسه وحرك الْحَبل الْأَيْسَر وَخرج فخلى سَبيله فَأَفْرَح ذَلِك بني إِسْرَائِيل واتخذوه عيدا تذكارا بالإخوة الثَّمَانِية. وَمِنْهَا " المظال " سَبْعَة أَيَّام أَولهَا خَامِس عشر تشرين الأول يَسْتَظِلُّونَ فِيهَا بِالْخِلَافِ والقصب وَغَيره فَرِيضَة على الْمُقِيم تذكارا لإظلالهم بالغمام فِي التيه وَآخِرهَا وَهُوَ حادي عشر تشرين يُسمى " عرابا " تَفْسِيره شجر الْخلاف وعرعراب وَهُوَ الثَّانِي وَالْعشْرُونَ من الْخَمِيس يُسمى " التبريك " تبطل فِيهِ الْأَعْمَال ويتبركون فِيهِ بِالتَّوْرَاةِ وَفِيه استتم نُزُولهَا بزعمهم. وَلَيْسَ فِي صومهم فرض غير " صَوْم الكبور " عَاشر تشرينهم وَابْتِدَاء الصَّوْم من التَّاسِع قبل الْغُرُوب بِنصْف سَاعَة إِلَى بعد غرُوب الْعشَاء من الْعَاشِر بِنصْف سَاعَة تَمام خمس وَعشْرين سَاعَة وَكَذَلِكَ صياماتهم النَّوَافِل وَالسّنَن. (أمة النَّصَارَى) أمة الْمَسِيح، وَلِلنَّصَارَى فِي تجسد الْكَلِمَة مَذَاهِب مِنْهُم من قَالَ أشرقت على الْجَسَد إشراق النُّور على الْجِسْم المشف وَمِنْهُم من قَالَ انطبعت فِيهِ انطباع النقش فِي الشمعة وَمِنْهُم من قَالَ تدرع اللاهوت بالناسوت وَمِنْهُم من قَالَ مازجت الْكَلِمَة جَسَد الْمَسِيح ممازجة اللَّبن المَاء واتفقت النَّصَارَى أَن الْمَسِيح قَتله الْيَهُود وصلبوه وَيَقُولُونَ إِن الْمَسِيح بعد أَن قتل وصلب وَمَات عَاشَ فَرَأى شخصه شَمْعُون الصَّفَا وَكلمَة وَأوصى إِلَيْهِ ثمَّ فَارق الدُّنْيَا وَصعد السَّمَاء. قَالَ الشهرستاني فِي الْملَل والنحل: افْتَرَقت النَّصَارَى على اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة وكبارهم ثَلَاث فرق الملكانية والنسطورية واليعقوبية. أما " الملكانية " فأصحاب ملك ظهر بالروم وَاسْتولى عَلَيْهَا فغالب الرّوم ملكانية مصرحون بالتثليث، قَالَ تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن اللَّهِ ثَالِث ثَلَاثَة﴾ ويصرحون أَن الْمَسِيح ناسوت كلي قديم أزلي من قديم أزلي وَقد ولدت مَرْيَم إِلَهًا أزليا وَالْقَتْل والصلب وَقعا على الناسوت واللاهوت مَعًا وأطلقوا لفظ الْأُبُوَّة والبنوة على اللَّهِ تَعَالَى وتقدس، وعَلى الْمَسِيح حَقِيقَة وَذَلِكَ لما وجدوا فِي الْإِنْجِيل أَنَّك أَنْت الابْن الوحيد وَلما رووا عَن الْمَسِيح أَنه قَالَ حِين كَانَ يصلب أذهب إِلَى أبي وأبيكم وحرموا أربوس لما قَالَ الْقَدِيم

стр. 75

هُوَ اللَّهِ تَعَالَى والمسيح مَخْلُوق وَاجْتمعت البطارقة والمطارنة والأساقفة بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بِمحضر من قسطنطين ملكهم وَكَانُوا ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر رجلا وَاتَّفَقُوا على هَذِه الْكَلِمَة اعتقادا ودعوة وَذَلِكَ قَوْلهم نؤمن بِاللَّه الْوَاحِد الْأَب مَالك كل شَيْء وصانع مَا يرى وَمَا لَا يرى وبالابن الوحيد أيسوع الْمَسِيح ابْن اللَّهِ الْوَاحِد بكر الْخَلَائق كلهَا وَلَيْسَ بمصنوع إِلَه خلق من إِلَه حق من جَوْهَر أَبِيه الَّذِي بِيَدِهِ أتقنت العوالم وكل شَيْء الَّذِي من أجلنا وَأجل خلاصنا وَنزل من السَّمَاء وتجسد من روح الْقُدس وَولد من مَرْيَم البتول وصلب وَدفن ثمَّ قَامَ فِي الْيَوْم الثَّالِث وَصعد إِلَى السَّمَاء وَجلسَ عَن يَمِين أَبِيه وَهُوَ مستعد للمجيء تَارَة أُخْرَى للْقَضَاء بَين الْأَمْوَات والأحياء ونؤمن بِروح الْقُدس الْوَاحِد وروح الْحق الَّذِي يخرج من أَبِيه وبمعبودية وَاحِدَة لغفران الْخَطَايَا وبجماعة وَاحِدَة قدسية مسيحية حاثليقية وبقيام أبداننا وبالحياة الدائمة أَبَد الآبدين هَذَا هُوَ الِاتِّفَاق الأول على هَذِه الْكَلِمَات وَوَضَعُوا شرائع النَّصَارَى وَاسم الشَّرِيعَة عِنْدهم الهيمانوت تَعَالَى اللَّهِ وتقدس عَن كفرهم. وَأما " النسطورية " فأصحاب نسطورس هم عِنْدهم كالمعتزلة عندنَا خالفوا الملكانية فِي اتِّحَاد الْكَلِمَة فَلم يَقُولُوا بالامتزاج بل أَن الْكَلِمَة أشرقت على جَسَد الْمَسِيح كإشراق الشَّمْس على كوَّة أَو على بلور وَقَالُوا وَقع الْقَتْل على الْمَسِيح من جِهَة ناسوته لَا من جِهَة لَا هوته خلافًا للملكانية. وَأما " اليعقوبية " فأصحاب يَعْقُوب البردعاني رَاهِب بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ قَالُوا انقلبت الْكَلِمَة لَحْمًا ودما فَصَارَ الْإِلَه هُوَ الْمَسِيح، قَالَ ابْن حزم: واليعقوبية يَقُولُونَ إِن الْمَسِيح هُوَ اللَّهِ قتل وصلب وَمَات وَإِن الْعَالم بَقِي ثَلَاثَة أَيَّام بِلَا مُدبر، قَالَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن اللَّهِ هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ . وَمن كتاب ابْن سعيد: " البطارقة " لِلنَّصَارَى بِمَنْزِلَة الْأَئِمَّة أَصْحَاب الْمذَاهب لنا " والمطارنة " كالقضاة " والأساقفة " كالمفتين " والقسيسون " كالقراء " والجاثليق " كإمام الصَّلَاة " والشماسة " كالمؤذنين وقومة الْمَسَاجِد. " وصلوات النَّصَارَى سبع " عِنْد الْفجْر وَالضُّحَى وَالظّهْر وَالْعصر وَالْمغْرب وَالْعشَاء وَنصف اللَّيْل يقرؤون فِيهَا بالزبور الْمنزل على دَاوُد تبعا للْيَهُود فِي ذَلِك وَالسُّجُود فِي صلَاتهم غير مَحْدُود وَقد يَسْجُدُونَ فِي الرَّكْعَة الْوَاحِدَة خمسين سَجْدَة يُنكرُونَ الْوضُوء علينا وعَلى الْيَهُود وَيَقُولُونَ الأَصْل طَهَارَة الْقلب. وَمن كتاب نِهَايَة الْإِدْرَاك فِي دراية الأفلاك للشيرازي: فِي الْهَيْئَة أَن لِلنَّصَارَى أعيادا وصيامات. فَمِنْهَا " صومهم الْكَبِير " تِسْعَة وَأَرْبَعين يَوْمًا أَولهَا يَوْم الأثنين أقرب اثْنَيْنِ إِلَى الِاجْتِمَاع الْكَائِن فِيمَا بَين الْيَوْم الثَّانِي من شباط إِلَى الثَّامِن من آذار فَأَي اثْنَيْنِ كَانَ أقرب إِلَيْهِ أما قبل الِاجْتِمَاع وَأما بعده فَهُوَ رَأس صومهم.

стр. 76

" ولصومهم ضَابِط " أصح من هَذَا وَهُوَ أَن ينظر إِلَى الذّبْح وَهُوَ سادس كانون الثَّانِي فِي أَي شهر هُوَ من الشُّهُور الْعَرَبيَّة ثمَّ ينْتَقل إِلَى سَابِع عشري الشَّهْر الْعَرَبِيّ الَّذِي يَلِيهِ من حِين رُؤْيَة الْهلَال فَإِن كَانَ يَوْم الْإِثْنَيْنِ فَهُوَ رَأس صومهم وَإِلَّا فَأَي اثْنَيْنِ كَانَ أقرب إِلَيْهِ قبله أَو بعده فَهُوَ رَأس صومهم، وفطرهم أبدا يكون يَوْم الْأَحَد الْخمسين من هَذَا الصَّوْم وَسبب تخصيصهم هَذَا الْوَقْت بِالصَّوْمِ أَنهم يَعْتَقِدُونَ أَن الْبَعْث وَالْقِيَامَة تكون فِي مثل يَوْم الفصح وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي قَامَ فِيهِ الْمَسِيح من قَبره بزعمهم. وَمن أعيادهم " الشعانين " الْكَبِير وَهُوَ يَوْم الْأَحَد الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ من الصَّوْم وَتَفْسِير الشعانين التَّسْبِيح لِأَن الْمَسِيح دخل يَوْم الشعنينة الْمَذْكُور إِلَى الْقُدس رَاكب اتان يتبعهَا جحش فاستقبلته الرِّجَال وَالنِّسَاء وَالصبيان بِأَيْدِيهِم ورق الزَّيْتُون وقرأوا بَين يَدَيْهِ التَّوْرَاة إِلَى أَن دخل بَيت الْمُقَدّس واختفى عَن الْيَهُود الْإِثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَغسل فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء أَيدي أَصْحَابه الحواريين وأرجلهم ومسحها فِي ثِيَابه وَكَذَلِكَ يَفْعَله القسيسون بأصحابهم هَذَا الْيَوْم. ثمَّ أفْصح فِي يَوْم الْخَمِيس بالخبز وَالْخمر وَصَارَ إِلَى منزل وَاحِد من أَصْحَابه ثمَّ خرج الْمَسِيح لَيْلَة الْجُمُعَة إِلَى الْجَبَل فسعى بِهِ يهوذا أحد تلامذته وارتشى عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ درهما ودلهم عَلَيْهِ وَأُلْقِي شبهه عَلَيْهِ فوضعوا على رَأسه إكليل شوك وعذبوه لَيْلَة الْجُمُعَة إِلَى الصُّبْح فصلبوا شبهه على ثَلَاث سَاعَات من يَوْم الْجُمُعَة على قَول مَتى ومرقوس ولوقا وَزعم يوحنا أَنه صلب على مُضِيّ سِتّ سَاعَات من النَّهَار الْمَذْكُور. وَيُسمى " جُمُعَة الصلبوت " وصلب مَعَه لصان على جبل يُقَال لَهُ الجمجمة واسْمه بالعبرانية كاكلة وماتوا فِي السَّاعَة التَّاسِعَة واستوهبه يُوسُف النجار من قَائِد الْيَهُود وهريدوس فدفنه فِي قبر أعده لنَفسِهِ وَزَعَمت النَّصَارَى أَنه مكث فِي الْقَبْر لَيْلَة السبت ونهار الْأَحَد ثمَّ قَامَ صَبِيحَة يَوْم الْأَحَد ينظرُونَ فِيهِ ويسمون لَيْلَة السبت بِشَارَة الْمَوْتَى بقدوم الْمَسِيح. وَلَهُم " الْأَحَد الْجَدِيد " أول أحد بعد الْفطر يجعلونه مبدأ للأعمال وتاريخا للشروط والقبالات. وَلَهُم " عيد السلاقا " يَوْم الْخَمِيس بعد الْفطر بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَفِيه تسلق الْمَسِيح السَّمَاء من طور سيناء. وَلَهُم " عيد القيطي قسطي " يَوْم الْأَحَد بعد السلاقا بِعشْرَة أَيَّام واسْمه مُشْتَقّ من الْخمسين بلسانهم وَفِيهِمْ تجلى الْمَسِيح لتلامذته وهم السليحيون ثمَّ تَفَرَّقت ألسنتهم وتوجهت كل فرقة إِلَى مَوضِع لغتها. وَلَهُم " الذّبْح " سادس كانون الثَّانِي يَوْم غمس يحيى للمسيح فِي نهر الْأُرْدُن. وَلَهُم " عيد الصَّلِيب " مَشْهُور.

стр. 77

وَلَهُم " الميلاد " يَصُومُونَ قبله أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَولهَا سادس عشر تشرين الآخر وَكَانَ مِيلَاد الْمَسِيح بقرية بَيت لحم فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من كانون الأول. وَأما " الْإِنْجِيل " فَهُوَ كتاب يتَضَمَّن أَخْبَار الْمَسِيح من وِلَادَته إِلَى خُرُوجه من هَذَا الْعَالم كتبه أَرْبَعَة من أَصْحَابه هم " مَتى " كتبه بفلسطين بالعبرانية " ومرقوس " كتبه بِبِلَاد الرّوم باللغة الرومية و " لوقا " كتبه بالإسكندرية باليونانية " ويوحنا " كتبه باليونانية أَيْضا. وَلَهُم " صَوْم السليحيين " سِتَّة وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا أَولهَا يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَانِي القبطي قسطي بعد الْفطر الْكَبِير بِخَمْسِينَ يَوْمًا وَلَهُم فِيهِ خلاف. وَلَهُم " صَوْم نِينَوَى " ثَلَاثَة أَيَّام أَولهَا يَوْم الأثنين قبل الصَّوْم الْكَبِير بِاثْنَيْنِ وَعشْرين يَوْمًا. وَلَهُم " صَوْم العذارى " ثَلَاثَة أَيَّام أَولهَا يَوْم الأثنين تلو الذّبْح وفطره الْخَمِيس. (أُمَم دخلت فِي النَّصْرَانِيَّة) مِنْهَا " الرّوم " على عظم ممالكهم واتساع بِلَادهمْ نجموا من بني الْعيص بن إِسْحَاق أول ظُهُورهمْ سنة سِتّ وَسبعين وثلثمائة لوفاة مُوسَى ﵇ وَسَارُوا إِلَى بِلَادهمْ وسكنوها. وَمن كتاب ابْن سعيد: الرّوم بَنو الْأَصْفَر والأصفر هُوَ روم بن الْعيص بن إِسْحَاق على اُحْدُ الْأَقْوَال وَمن الْكَامِل وَغَيره أَن الرّوم كَانَت صابئة ذَوي أصنام حَتَّى تنصر قسطنطين فتنصروا. وَمن أُمَم النَّصَارَى " الأرمن " كَانُوا بأرمينية وَقَاعِدَة مملكتها خلاط وَلما ملكناها صَارُوا فِيهَا رعية ثمَّ تغلبُوا وملكوا مناطرسوس والمصيصة وبلاد سيس، وسيس مَدِينَة بقلعة حَصِينَة هِيَ كرْسِي ملكهم فِي زَمَاننَا هَذَا. وَمِنْهَا: الكرج: بِلَادهمْ مجاورة لبلاد خلاط إِلَى الخليج القسطنطيني وَإِلَى نَحْو الشمَال وَلَهُم جبال منيعة وقلاع حَصِينَة وَالْغَالِب عَلَيْهِم النَّصْرَانِيَّة يَلِي ملكهم الرِّجَال وَالنِّسَاء بالوراثة وهم خلق كثير فِي صلح التتار الْيَوْم. وَمِنْهَا " الجركس " على شَرْقي بَحر نيطش فِي شظف من الْعَيْش غالبهم نَصَارَى. وَمِنْهَا " الروس " لَهُم جزائر فِي بَحر نيطش - بَحر الْقُسْطَنْطِينِيَّة - وَلَهُم بِلَاد شمَالي الْبَحْر. وَمِنْهَا " البلغار " نِسْبَة إِلَى مَدِينَة يسكنونها شمَالي بَحر نيطش كَانَ غالبهم نَصَارَى فَأسلم بَعضهم. وَمِنْهَا " الألمان " أكبر أُمَم النَّصَارَى غربي الْقُسْطَنْطِينِيَّة إِلَى الشمَال جنودهم كَثِيرَة قصد ملكهم فِي مائَة ألف مقاتلة صَلَاح الدّين بن أَيُّوب فَهَلَك هُوَ وغالب عسكره فِي الطَّرِيق وسنذكره فِي أَخْبَار صَلَاح الدّين.

стр. 78

وَمِنْهَا " البرجان " أمة بل أُمَم طاغية مثلثون بِلَادهمْ متوغلة فِي الشمَال سيرهم مُنْقَطِعَة لبعدهم عَنَّا وجفاء طباعهم. وَمِنْهَا " الفرنج " أُمَم أصل بِلَادهمْ فرنجة وَيُقَال فرسنة جَوَاهِر الأندلس شماليها يُقَال لملكهم الفرنسيس قصد ديار مصر وَأخذ دمياط ثمَّ أسره الْمُسلمُونَ واستنقذوا دمياط مِنْهُ ومنوا عَلَيْهِ بِالْإِطْلَاقِ بعد موت الْملك الصَّالح أَيُّوب بن الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب وَقد غلب الفرنج على مُعظم الأندلس وَلَهُم فِي بَحر الرّوم جزائر مَشْهُورَة مثل صقلية وقبرس وأقريطش. وَمِنْهُم " الجنوية " نِسْبَة إِلَى جنوه مَدِينَة عَظِيمَة وبلادهم كَبِيرَة غربي الْقُسْطَنْطِينِيَّة على بَحر الرّوم. وَمِنْهُم " البنادقة " مدينتهم البندقية على خليج من بَحر الرّوم تمتد نَحْو سَبْعمِائة ميل فِي جِهَة الشمَال والغرب وَهِي قريبَة من جنوه فِي الْبر بَينهمَا ثَمَانِيَة أَيَّام وَبَينهمَا فِي الْبَحْر أمد بعيد فَوق شَهْرَيْن لأَنهم يخرجُون إِلَى بَحر الرّوم شرقا ثمَّ غربا إِلَى جنوه، ورومية عَظِيمَة غربي جنوه والبندقية، وخليفتهم البابا بهَا وَهِي شمَالي الأندلس بشرق. وَمن أُمَم النَّصَارَى " الجلالقة " جهلة جُفَاة أَشد من الفرنج يتركون ثِيَابهمْ بِلَا غسل إِلَى أَن تبلى وَيدخل أحدهم دَار الآخر بِلَا اسْتِئْذَان وهم كَالْبَهَائِمِ بِلَادهمْ كَثِيرَة شمَالي الأندلس. وَمِنْهَا " الباشقرد " عَالم بَين الألمان وإفرنجة غالبهم نَصَارَى وَفِيهِمْ مُسلمُونَ لَهُم شراسة أَخْلَاق. (أُمَم الْهِنْد) فرق مِنْهُم " الباسوية " زَعَمُوا أَن لَهُم رَسُولا ملكا روحانيا نزل بِصُورَة الْبشر أَمرهم بتعظيم النَّار والتقرب إِلَيْهَا بالطيب والذبائح ونهاهم عَن الْقَتْل وَالذّبْح لغير النَّار وَسن لَهُم أَن يتوشحوا بخيط يعقدونه من مَنَاكِبهمْ الأيامن إِلَى تَحت شمائلهم وأباح الزِّنَى وَعظم الْبَقر وَأمر بِالسُّجُود لَهَا حَيْثُ رأوها. وَمِنْهُم " الْيَهُودِيَّة " يَقُولُونَ الْأَشْيَاء كلهَا صنع الْخَالِق فَلَا يعافون شَيْئا ويتقلدون بعظام النَّاس ويمسحون رؤوسهم وأجسادهم بالرماد ويحرمون الذَّبَائِح وَالنِّكَاح وَجمع المَال. وَمِنْهُم " عَبدة الشَّمْس " وَمِنْهُم " عَبدة الْقَمَر " وَمِنْهُم " عَبدة الْأَصْنَام " وهم معظمهم لكل طَائِفَة صنم وأشكال الْأَصْنَام مُخْتَلفَة. وَمِنْهُم " عباد المَاء " الجهلكية يَزْعمُونَ أَن المَاء ملك وَهُوَ أصل كل شَيْء إِذا أَرَادَ الرجل عبَادَة المَاء تجرد وَستر عَوْرَته وَدخل المَاء إِلَى وَسطه وَيُقِيم ساعتين أَو أَكثر وَمَعَهُ رياحين يقطعهَا صغَارًا ويلقيها فِيهِ وَهُوَ يسبح وَيقْرَأ وَإِذا أَرَادَ الإنصراف حرك المَاء بِيَدِهِ ثمَّ نقط مِنْهُ على رَأسه وَوَجهه وَسجد وَانْصَرف.

стр. 79

وَمِنْهُم " عباد النَّار " الأكنواطرية عِبَادَتهم أَن يحفروا أُخْدُودًا مربعًا ويؤججوا بِهِ النَّار ثمَّ لَا يدعونَ طَعَاما لذيذاً وَلَا ثوبا فاخرا وَلَا شرابًا لطيفا وَلَا عطرا فائحا وَلَا جوهرا نفيسا إِلَّا طرحوه فِي تِلْكَ النَّار تقربا إِلَيْهَا وحرموا إِلْقَاء النُّفُوس فِيهَا خلافًا لطائفة أُخْرَى. وَمِنْهُم " البراهمة " أَصْحَاب فكرة وَعلم بالفلك والنجوم تخَالف طريقتهم منجمي الرّوم والعجم لِأَن أَكثر أحكامهم باتصالات الثوابت دون السيارات يعظمون أَمر الْفِكر وَيَقُولُونَ هُوَ الْمُتَوَسّط بَين المحسوس والمعقول ويجتهدون فِي صرف الْفِكر عَن المحسوسات ليتجرد الْفِكر عَن هَذَا الْعَالم ويتجلى لَهُ ذَلِك الْعَالم فَرُبمَا يخبر عَن المغيبات وَرُبمَا يُوقع الْوَهم على حَيّ فيقتله وَإِنَّمَا يصرفون الْفِكر عَن المحسوسات بالرياضية البليغة المجهدة وبتغميض أَعينهم أَيَّامًا والبراهمة لَا يَقُولُونَ بالنبوات وَلَهُم على ذَلِك شبه والهنود لَا يرَوْنَ إرْسَال الرّيح من بطونهم قبيحا والسعال أقبح عِنْدهم من إرْسَال الرّيح والجشاء. وَمِنْهُم من يحرق نَفسه فَيَأْتِي إِلَى بَاب الْملك يَسْتَأْذِنهُ فِي ذَلِك ويلبس أَنْوَاع الْحَرِير المنقوش ويتكلل بالريحان وتضرب الطبول والصنوج بَين يَدَيْهِ ويدور كَذَلِك فِي الْأَسْوَاق وَحَوله أَهله وأقاربه ثمَّ يدنو من النَّار المؤججة لَهُ وَيَأْخُذ خنجرا يشق بِهِ جَوْفه ثمَّ يهوي بِنَفسِهِ فِي النَّار، والزنى فيهم مُبَاح ويعظمون نهر كبك وَهُوَ نهر عَظِيم فِي حُدُود الْهِنْد من الشرق إِلَى الغرب وَمِنْه نهر إِلَى بِلَاد سجستان وَهُوَ حاد الانصباب ويرغبون فِي إغراق نُفُوسهم بِهِ وَيقْتلُونَ نُفُوسهم على شطه ويتهادون مَاءَهُ كَمَا نتهادى نَحن مَاء زَمْزَم. وللهند ممالك مِنْهَا " مملكة المايكين " من أعظم ممالكهم على بَحر اللان وَعَلِيهِ السَّنَد وَلَا يدْرك قَعْره هُوَ أول بحارهم من جِهَة الغرب وَهِي أقرب ممالكهم إِلَيْنَا وَأكْثر مَحْمُود بن سبكتكين غَزْو هَذِه وَفتح كثيرا مِنْهَا وَمن مدنها الْعِظَام لاهور على جَانِبي نهر عَظِيم مثل بَغْدَاد. ويلي المايكين " مملكة القنوج " بلادها الْجبَال مُنْقَطِعَة عَن الْبَحْر من ملكهَا سمي بوده ونهر مهْرَان وَهُوَ نهر السَّنَد أَصله من بِلَاد القنوج وَلها أصنام يتوارثون عبادتها ويزعمون أَن لَهَا مِائَتي ألف سنة. وتجاورها " مملكة قمار " على الْبَحْر ينْسب إِلَيْهَا الْعود وهم يحرمُونَ الزِّنَى من بَين الْهِنْد من ملكهَا سمي زهم ويحاذيه من جِهَة الْبَحْر المهراج ملك الخزر. وَآخر ممالك الْهِنْد من جِهَة الشرق " مملكة ببارس " تلِي الصين طَوِيلَة عرضهَا عشرَة أَيَّام وجزائر بَحر الْهِنْد فِي غَايَة الْكَثْرَة وَهِي فِي الْبَحْر قبالة هَذِه الممالك. (أمة السَّنَد) غربي الْهِنْد وبلادهم قِسْمَانِ الأول على جَانب الْبَحْر وَهُوَ اللان من مدنه المنصورة والمولتان والدبيل والمسلمون غالبون عَلَيْهِ.

стр. 80

" الثَّانِي " فِي الْبر إِلَى جَانب الْجَبَل وعر تسمى بِلَاده القشمير يُقَال لمن ملكهم زنيل وهم أهل أوثان. (أُمَم السودَان) هم من ولد حام وَمِنْهُم مجوس وَمِنْهُم عابدوا الْحَيَّات وَمِنْهُم أَصْحَاب أوثان وَعَن جالينوس اختصاصهم بِعشر خِصَال تفلفل الشُّعُور وخفة اللحى وانتشار المنخرين وَغلظ الشفتين وتحد الْأَسْنَان ونتن الْجلد وَسَوَاد اللَّوْن وتشقق الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وَطول الذّكر وَكَثْرَة الطَّرب. فَمن أعظم أممهم " الْحَبَش " بِلَادهمْ مُقَابلَة الْحجاز بَينهمَا الْبَحْر طَوِيلَة عريضة فِي جنوب النّوبَة وشرقيها ملكوا الْيمن قبل الْإِسْلَام كَمَا تقدم والخصيان مِنْهُم أَفْخَر الخصيان. ويجاورهم من الْجنُوب " الزيلع " غالبهم مُسلمُونَ. وَمن أُمَم السودَان " النّوبَة " بجوار الْحَبَشَة من الشمَال والغرب والنوبة فِي جنوب حُدُود مصر والمصريون يغزونهم كثيرا وَيُقَال إِن لُقْمَان من النّوبَة ولد بأيلة وَمِنْهُم ذُو النُّون الْمصْرِيّ وبلال بن حمامة. وَمن أممهم " البجاوة " شديدو السوَاد عُرَاة أهل أوثان وَفِي بِلَادهمْ الذَّهَب وَأمن وَحسن مرافقة للتجار وهم فَوق الْحَبَشَة إِلَى جِهَة الْجنُوب على النّيل. وَمن أممهم " الدمادم " على النّيل فَوق الزنج والدمادم تتر السودَان خَرجُوا عَلَيْهِم وَقتلُوا وَلَهُم أوثان وأوضاع مُخْتَلفَة وَعِنْدهم الزرافات وَهُنَاكَ يفْتَرق النّيل إِلَى مصر وَإِلَى الزنج. وَمن أممهم " الزنج " أَشَّدهم سوادا أهل بَأْس وقساوة يُحَاربُونَ راكبين للبقر وَلَهُم أوثان والنيل يَنْقَسِم فِي بِلَادهمْ عِنْد جبل الْمقسم. وَمن أممهم " التكرور " على غربي النّيل بِلَادهمْ جنوبية غربية وببلادهم يكون الذَّهَب كفار مهملون وَمِنْهُم مُسلمُونَ. وَمن أممهم " الكانم " أَكْثَرهم مُسلمُونَ مالكية مساكنهم على النّيل وَأما عانة فَمن أعظم مدن السودَان فِي أقْصَى جنوب الْمغرب يُسَافر التُّجَّار من سجلماسة إِلَى عانة وسجلماسة مَدِينَة بالمغرب الْأَقْصَى بعيدَة عَن الْبَحْر ويحملون فِي سفرهم المَاء فِي مفازة اثْنَي عشرَة يَوْمًا ويجلبون إِلَيْهَا التِّين وَالْملح والنحاس والودع وَلَا يجلبون مِنْهَا إِلَّا الذَّهَب الْعين. (أمة الصين) طول بِلَادهمْ من الْمشرق إِلَى الْمغرب شَهْرَان وعرضها من بَحر الصين فِي الْجنُوب إِلَى سد يَأْجُوج وَمَأْجُوج فِي الشمَال قيل عرضهَا أَكثر من طولهَا يشْتَمل عرضهَا على الأقاليم السَّبْعَة وَأهل الصين أحسن النَّاس سياسة وَأَكْثَرهم عدلا وأحذقهم فِي الصناعات قصار

стр. 81

القدود عِظَام الرؤس مذاهبهم مُخْتَلفَة مجوس وَأهل أوثان وَأهل نيران ومدينتهم الْكُبْرَى جمدان يشقها نهرها الْأَعْظَم وهم حذاق بالنقش والتصوير يعْمل الصَّبِي مِنْهُم مَا يعجز أهل الأَرْض. والأقصى صين الصين نِهَايَة الْعِمَارَة من جِهَة الشرق وَلَيْسَ وَرَاءَهُمْ غير " بَحر الْمُحِيط ومدينته الْعُظْمَى السبلى وأخبارهم مُنْقَطِعَة عَنَّا. (بَنو كنعان) هم أهل الشَّام سكنه سَام واسْمه فِي العبرانية بالشين الْمُعْجَمَة فَسُمي بِهِ وَقيل تشاءمت بِهِ بَنو كنعان وكنعان بن ماريع بن حام بن نوح وَهُوَ من جملَة المتفقين على بِنَاء الصرح فَلَمَّا بلبل اللَّهِ ألسنتهم فِي أَوَاخِر سنة سِتّمائَة وَسبعين للطوفان وَتَفَرَّقُوا نزل كنعان الشَّام فِي جِهَة فلسطين وتوارثها بنوه وكل ملك من كنعان لقب جالوت إِلَى أَن قتل دَاوُد جالوت آخر مُلُوكهمْ واسْمه كلباد عَن البيروني فَتفرق بَنو كنعان وَسكن مِنْهُم طَائِفَة الْمغرب وهم البربر. وَقد اخْتلف فِي " البربر " فَقيل هم من ولد فاروق بن يبصر بن حام وهم يَزْعمُونَ أَنه من قيس عيلان وصنهاجة من البربر تزْعم أَنَّهَا من ولد أفريقش بن صَيْفِي الْحِمْيَرِي وزناتة مِنْهُم تزْعم أَنَّهَا من لخم وَالأَصَح أَنهم من ولد كنعان. والبربر كثير جدا مِنْهُم " كتامة " بالجبال من الْمغرب الْأَوْسَط هم أَقَامُوا دولة الفاطميين مَعَ أبي عبد اللَّهِ الشيعي وَمِنْهُم " صنهاجة " وَمِنْهُم مُلُوك أفريقية بَنو بلكين بن زمري. وَمن البربر " زناته " وَكَانَ مِنْهُم مُلُوك فاس وتلمسان وسجلماسة وَلَهُم شجاعة. وَمن البربر " المصامدة " بجبال درن وَقَامُوا بنصر الْمهْدي بن تومرت وبهم ملك عبد الْمُؤمن وَبَنوهُ الْمغرب وانفرق من المصامدة قَبيلَة " هنتاته " وَملك مِنْهُم إفريقية وَالْمغْرب الْأَوْسَط أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص ثمَّ خطب لوَلَده أبي عبيد اللَّهِ مُحَمَّد بالخلافة وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة. وَمن البربر " براغواطة " بتامسنا وجهات سلا على الْمُحِيط والبربر مثل الْعَرَب فِي الصَّحَارِي وَلَهُم لِسَان غير الْعَرَبِيّ، ترجع لغاتهم إِلَى أصُول وَاحِدَة وتختلف فروعها حَتَّى لَا يفهم بَعضهم من بعض. " عَاد " وهم من ولد بن عوص بن إرم بن سَام بن نوح عِظَام الأجساد جبابرة نزل عَاد بحضرموت لما تبلبلت الألسن ونبيهم هود ﵇ قَالَ لَهُم هود: أتبنون بِكُل ربع آيَة تعبثون وتتخذون مصانع لَعَلَّكُمْ تخلدون وَإِذا بطشتم بطشتم جبارين. وَتسَمى بِلَادهمْ الْأَحْقَاف مُتَّصِلَة بِالْيمن وعمان. أول من ملك مِنْهُم " شَدَّاد " بن عَاد من بنيه جمَاعَة وأخبارهم مضطربة. " العمالقة " من ولد عمليق بن سَام نزلُوا لما تبلبلت الألسن بِصَنْعَاء ثمَّ بِالْحرم وأهلكوا

стр. 82

من قاتهلم من الْأُمَم وَكَانَ مِنْهُم جمَاعَة بِالشَّام قَاتلهم مُوسَى، ثمَّ يُوشَع ﵉ فأفناهم وَمِنْهُم فَرَاعِنَة بِمصْر وَمِنْهُم من ملك خَيْبَر ويثرب وَغَيرهمَا من الْحجاز وَأمر مُوسَى جَيْشًا بقتل العمالقة فَلم يستبق مِنْهُم سوى ابْن ملكهم فَرجع بِهِ الْجَيْش إِلَى الشَّام وَقد مَاتَ مُوسَى فَقَالَ لَهُم بَنو إِسْرَائِيل قد عصيتم وخالفتم فَلَا نأويكم فَرَجَعُوا إِلَى يثرب وخيبر وَغَيرهمَا من الْبِلَاد الَّتِي غلبوا عَلَيْهَا واستمروا حَتَّى نزلت عَلَيْهِم الْأَوْس والخزرج لما تفَرقُوا من الْيمن بِسَبَب سيل الْهَرم وَقيل إِنَّمَا سكن الْيَهُود الْحجاز لما غزاهم بخْتنصر. (أُمَم الْعَرَب وأحوالهم قبل الْإِسْلَام) الْعَرَب الْجَاهِلِيَّة أَصْنَاف صنف أَنْكَرُوا الْخَالِق والبعث وَقَالُوا بالطبع المحيي والدهر المفني، قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا نموت ونحيا﴾ وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَنْهُم ﴿وَمَا يُهْلِكنَا إِلَّا الدَّهْر﴾ وصنف اعْتَرَفُوا بالخالق وأنكروا الْبَعْث قَالَ تَعَالَى ﴿أفعيينا بالخلق الأول بل هم فِي لبس من خلق جَدِيد﴾ وصنف عبدُوا الْأَصْنَام كل صنم لقبيلة ود بدومة الجندل لكَلْب وسواع لهذيل ويغوث لمذحج ولقبائل من الْيمن ونسر لذِي الكلاع بِأَرْض حمير ويعوق لهمدان وَاللات لثقيف بِالطَّائِف والعزى لقريش وَهِي كنَانَة وَمَنَاة لِلْأَوْسِ والخزرج وهبل أعظمها على ظهر الْكَعْبَة وأساف ونائلة على الصَّفَا والمروة. وَمِنْهُم من هاد وَمِنْهُم من تنصر وَمِنْهُم صابئة تعتقد فِي أنواء الْمنَازل اعْتِقَاد المنجمين فِي السيارات حَتَّى لَا تتحرك إِلَّا بِنَوْء من الأنواء وَتقول مُطِرْنَا بِنَوْء كَذَا وَمِنْهُم عابدوا الْمَلَائِكَة وعابدوا الْجِنّ وعلومهم الْأَنْسَاب والأنواء والتواريخ وَالتَّعْبِير وَلأبي بكر الصّديق فِيهَا يَد طولى. ووافقت الْجَاهِلِيَّة الْإِسْلَام فِي أَشْيَاء فَكَانُوا لَا ينْكحُونَ الْأُمَّهَات وَالْبَنَات وأقبح مَا صَنَعُوا الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ وعابوا المتزوج بِامْرَأَة الْأَب وسموه الضيزن وحجوا الْبَيْت واعتمروا وطافوا وَسعوا ووقفوا بِكُل المواقف ورموا الْجمار وَكَانُوا يَكْسِبُونَ فِي كل ثَلَاثَة أَعْوَام شهرا ويغتسلون من الْجَنَابَة وداوموا الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَفَوق الرَّأْس والسواك والاستنجاء وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة والختان وَقَطعُوا يَد السَّارِق الْيُمْنَى. (أَحيَاء الْعَرَب وقبائلهم) الْعَرَب ثَلَاثَة أَقسَام بائدة وعاربة ومستعربة فالبائدة ذهب عَنَّا تفاصيل أخبارهم لتقادم عَهدهم كعاد وَثَمُود وجرهم الأولى وَأما جرهم الثَّانِيَة فَمن ولد قطحان واتصل بهم إِسْمَاعِيل والعاربة عرب الْيمن من ولد قحطان والمستعربة من ولد إِسْمَاعِيل ﵇. وَمن أَحيَاء البائدة على قَتلهَا " طسم وجديس " سكنا الْيَمَامَة وَكَانَ الْملك عَلَيْهِم فِي طسم أَبْرَهَة ثمَّ انْتهى الْملك من طسم إِلَى ظلوم غشوم سنّ أَن لَا تهدي بكر من جديس إِلَى بَعْلهَا حَتَّى يفترعها فأنفوا ودفنوا ودفنوا سيوفهم بالرمل وَدعوهُ إِلَى طَعَام فَلَمَّا حضر فِي

стр. 83

خواصه من طسم عَمدُوا إِلَى سيوفهم وقتلوه وَقتلُوا غَالب طسم فهرب من طسم رجل وشكا إِلَى تبع قتل حسان بن أسعد واستنصر بِهِ فَسَار تبع من الْيمن وإليهم وأفنانهم فَلم يبْق لطسم وجديس ذكر. " وَالْعرب العاربة " بَنو قحطان بن عَامر بن شالخ بن أرفخشذ بن سَام بن نوح فَمنهمْ بَنو جرهم بن قحطان سكنوا الْحجاز واتصلوا بِإِسْمَاعِيل وَتزَوج مِنْهُم وَصَارَت من وَلَده المستعربة لِأَن أَصله عبراني فَقيل لوَلَده المستعربة، وَتقدم ذكر جرهم. وَمن العاربة " بَنو سبأ " سبأ اسْمه عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان ولسبأ أَوْلَاد مِنْهُم حمير وكهلان وَعمْرَان وأشعر وعاملة وقبائل عرب الْيمن وملكوها التابعة من ولد سبأ وَجَمِيع تبابعة الْيمن من ولد حمير بن سبأ خلا عمرَان وأخيه مزيقيا فَإِنَّهُمَا ابْنا عَامر بن حَارِثَة بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد من ولد كهلان بن سبأ وَفِي ذَلِك خلاف والتبابعة قد ذكرُوا من قبل وَهنا نذْكر أَحيَاء عرب الْيمن وقبائلهم المنسوبين إِلَى سبأ ونبدأ بِذكر بني حمير بن سبأ وَكَذَلِكَ حَتَّى نأتي على ذكر بني سبأ. (بَنو حمير بن سبأ) مِنْهُم التبابعة مُلُوك الْيمن المذكورون. وَمِنْهُم " قضاعة " وَهُوَ قضاعة بن مَالك بن حمير بن سبأ وَقيل قضاعة بن مَالك بن عَمْرو بن مرّة بن زيد بن مَالك بن حمير بن سبأ كَانَ قضاعة مَالِكًا بِلَاد الشحر وقبره فِي جبل الشحر. وَمِنْهُم " كلب " وهم بَنو كلب بن وبرة بن ثَعْلَبَة بن حلوان بن عمرَان بن الْحَارِث بن قضاعة نزل بَنو كلب فِي الْجَاهِلِيَّة الجندل وتبوك وأطراف الشَّام. وَمن مشاهير كلب " زُهَيْر " بن جناب الْكَلْبِيّ وَمِنْهُم " زُهَيْر بن شريك " الْكَلْبِيّ الْقَائِل: (أَلا أَصبَحت أَسمَاء فِي الْخمر تعذل ... وتزعم أَنِّي بالسفاه مُوكل) (فَقلت لَهَا كفى عتابك نصطبح ... وَإِلَّا فبيني فالتغرب أمثل) وَمِنْهُم " حَارِثَة " الْكَلْبِيّ بن زيد بن حَارِثَة مولى رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - أصَاب زيد إسباء فِي الْجَاهِلِيَّة فَصَارَ إِلَى خَدِيجَة زوج النَّبِي ﷺ َ - فَوَهَبته ﵂ من النَّبِي ﷺ َ -. وَمن شعر حَارِثَة يبكي زيدا لما فَقده: (بَكَيْت على زيد وَلم أدر مَا فعل ... أَحَي يُرْجَى أم أَتَى دونه الْأَجَل) (تذكرنيه الشَّمْس عِنْد طُلُوعهَا ... وَتعرض ذاكره إِذا قَارب الطِّفْل) (وَإِن هبت الْأَرْوَاح هيجن ذكره ... فيا طول مَا حزني عَلَيْهِ وَيَا وَجل) ثمَّ اجْتمع بزيد أَبوهُ عِنْد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَسلم فخيره ﷺ َ - فَاخْتَارَ على أَبِيه وَأَهله وَمن

стр. 84

قضاعة " بهرا " وَمن قضاعة " جُهَيْنَة " قَبيلَة عَظِيمَة وبطون بأطراف الْحجاز الشمالي من جِهَة بَحر جدة وَمن قضاعة " بلَى " وَمن قضاعة " تنوخ ". وَبينهمْ وَبَين اللخميين مُلُوك الْحيرَة حروب، وَمن قضاعة " بَنو سليح " كَانَ لَهُم بادية بِالشَّام فأبادتهم غَسَّان وَمن قضاعة " بَنو نهد " من مشاهيرهم الصَّقْعَب بن عَمْرو النَّهْدِيّ أَبُو خَالِد رَئِيس فِي الْإِسْلَام وَمن قضاعة " بَنو عذرة " وَمِنْهُم عُرْوَة بن حرَام وَجَمِيل صَاحب بثينة. قلت: وَقتل كثيرا مِنْهُم الْهوى حَتَّى قيل الْهوى العذري وَالله أعلم. وَمن بطُون حمير " شعْبَان " مِنْهُم الشّعبِيّ الْفَقِيه اسْمه عَامر، وَأما " بَنو كهلان " فأحياء كَثِيرَة مشهورها سَبْعَة الأزد وطيء وذحج وهمدان وَكِنْدَة وَمُرَاد وأنمار. " فالأزد " من ولد الأزد بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ، وَمن الأزد " الغساسنة " بَنو عمر بن مَازِن بن الأزد وَمن الأزد " الْأَوْس والخزرج " أهل يثرب والمسلمون مِنْهُم هم الْأَنْصَار ﵃ وَمن الأزد خُزَاعَة وبارق ودوس والعتيك وغامق. " أما خُزَاعَة " فَمَال انخزعت عَن غَيرهَا من قبائل الْيمن الَّذين تفَرقُوا أَيدي سبأ من سيل العرم وَنزلت بطن مر قرب مَكَّة سميت خُزَاعَة وحصلت لَهُم سدانة الْبَيْت والرياسة وَلما صَالح رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - قُريْشًا عَام الْحُدَيْبِيَة دخلت خُزَاعَة فِي عقدَة وَعَهده وَالْأَكْثَر أَن خُزَاعَة يَمَانِية وَقيل معدية وتنتسب خُزَاعَة إِلَى كَعْب بن عَمْرو بن لحي بن حَارِثَة بن عَمْرو بن مزيقيا بن عَامر بن حَارِثَة بن امرىء الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن مَازِن بن الأزد. وَلم تنزل السدَانَة فِي خُزَاعَة حَتَّى انْتَهَت إِلَى أبي غبشان مِنْهُم فِي زمن قصي بن كلاب فَاجْتمع مَعَ قصي فِي الطَّائِف على شرب فأسكره قصي وخدعه وَاشْترى مِنْهُ مَفَاتِيح الْكَعْبَة بزق خمر وَأشْهد عَلَيْهِ وتسلم قصي المفاتيح وَأرْسل ابْنه عبد الدَّار إِلَى مَكَّة فَلَمَّا وَصلهَا رفع صَوته وَقَالَ: معاشر قُرَيْش هَذِه مَفَاتِيح بَيت أبيكم إِسْمَاعِيل قد ردهَا اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْكُم من غير عَار وَلَا ظلم وصحا أَبُو غبشان وَنَدم حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ النَّدَم فَقيل أخس من بني غبشان حَتَّى قيل: (باعت خُزَاعَة بَيت اللَّهِ إِذْ سكرت ... بزق خمر فبئست صَفْقَة البادي) (باعت سدانتها بالنزر وانصرفت ... عَن الْمقَام وظل الْبَيْت والنادي) وَجمع قصي أشتات قُرَيْش وَظهر على خُزَاعَة وأخرجها عَن مَكَّة إِلَى بطن مر وَمن خُزَاعَة " بَنو المصطلق " الَّذين غزاهم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَأما " بارق " فَمن ولد عَمْرو بن مزيقيا الْأَزْدِيّ نزلُوا جبلا بِجَانِب الْيمن اسْمه بارق فسموا بِهِ وَمن مشاهيرهم معقر بن حَمَّاد الْبَارِقي وَله القصيدة الَّتِي مِنْهَا: (وَأَلْقَتْ عصاها وَاسْتقر بهَا النَّوَى ... كَمَا قر عينا بالإياب الْمُسَافِر) " وَأما دوس " فَابْن عربان بن عبد اللَّهِ بن وهران بن كَعْب بن الْحَارِث بن كَعْب بن

стр. 85

مَالك بن نصر بن الأزد سكنت بَنو دوس إِحْدَى السروات المطلة على تهَامَة وَكَانَت لَهُم دولة بأطراف الْعرَاق. وَأول من ملك مِنْهُم مَالك بن فهم بن غنم بن دوس وَمن الدوس " أَبُو هُرَيْرَة " وَالْأَكْثَر أَن اسْمه عُمَيْر بن عَامر " وَأما العتيك وغامق " فقبيلتان مشهورتان فِي الْإِسْلَام من ولد الأزد وَمن الأزد " بَنو الجلندي " مُلُوك عمان والجلندي لقب لكل من ملك مِنْهُم عمان وَكَانَ ملك عمان قد انْتهى فِي الْإِسْلَام إِلَى جبفر وَعبد ابْني الجلندي وأسلما مَعَ أهل عمان على يَد عَمْرو بن الْعَاصِ. (الْحَيّ الثَّانِي من بني كهلان وهم قبائل طي) تَفَرَّقت الْيمن بسيل العرم فَنزلت طي بِنَجْد الْحجاز فِي جبلي أجأ وسلمى فعرفا بجبلي طي، وطي هُوَ ابْن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ وَمن بطُون طي جذيلة ونبهان وبولان وسلامان وهنى وسدوس بِضَم السِّين وَأما سدوس الَّتِي فِي قبائل ربيعَة بن نزار فمفتوحة السِّين وَمن سلامان بَنو بحتر وَمن هنى " أياس " بن قبيصَة ملك بعد النُّعْمَان وَمن طي " عَمْرو بن المشيح " من بني ثعل الطَّائِي وَكَانَ عَمْرو أرمى النَّاس وَفِيه يَقُول امْرُؤ الْقَيْس: (رب رام من بنى ثعل ... مخرج كفيه من ستره) وَمن بني ثعل الطَّائِي زيد الْخَيل سَمَّاهُ النَّبِي ﷺ َ - زيد الْخَيْر وَمن طي " حَاتِم " الْمَشْهُور بِالْكَرمِ. " الْحَيّ الثَّالِث من بني كهلان بَنو مذْحج " وَاسم مذْحج مَالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ ومذحج بطُون مِنْهَا خولان وحبِيب وَمن حبيب " مُعَاوِيَة الْخَيْر " الحبيبي صَاحب لِوَاء مذْحج فِي حَرْب بني وَائِل وَكَانَ مَعَ تغلب وَمن مذْحج أود قَبيلَة الأفوه الأودي الشَّاعِر. وَمن مذْحج " بَنو سعد الْعَشِيرَة " سمي بذلك لِأَنَّهُ لم يمت حَتَّى ركب مَعَه من وَلَده وَولد وَلَده ثلثمِائة رجل وَإِذا سُئِلَ عَنْهُم قَالَ هَؤُلَاءِ عشيرتي دفعا للعين وَمن بطُون سعد الْعَشِيرَة جعف وزبيد قَبيلَة " عَمْرو بن معدي كرب " وَمن بطُون مذْحج النخع وَمِنْهُم " الأشتر النَّخعِيّ " واسْمه مَالك بن الْحَارِث صَاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -. وَمن النخع " سِنَان " بن أنس قَاتل الْحُسَيْن وَمِنْهُم " شريك " وَمن مذْحج " عنس " بالنُّون قَبيلَة " الْأسود الْكذَّاب " ادّعى النُّبُوَّة بِالْيمن، وعنس أَيْضا رَهْط عمار بن يَاسر صَاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -. " الْحَيّ الرَّابِع من بني كهلان هَمدَان " من ولد ربيعَة بن حَيَّان بن مَالك بن زيد بن كهلان وَلَهُم صيت فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. " والحي الْخَامِس من بني كهلان كِنْدَة " وهم بَنو ثَوْر، وثور هُوَ كِنْدَة بن عفير بن الْحَارِث بن الْحَارِث من ولد زيد بن كهلان كند أَبَاهُ أَي كفر نعْمَته وبلاد كِنْدَة بِالْيمن تلِي

стр. 86

حَضرمَوْت وَمن كِنْدَة حجر بن عدي صَاحب عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَتله مُعَاوِيَة صبرا وَمِنْهُم القَاضِي " شُرَيْح " وَمن بطُون كِنْدَة السكاسك والسكون بَنو أشوس بن كِنْدَة فَمن السّكُون مُعَاوِيَة بن خديج قَاتل مُحَمَّد بن أبي بكر وَمِنْهُم حُصَيْن بن نمير السكونِي الَّذِي صَار صَاحب جَيش يزِيد بن مُعَاوِيَة بعد مُسلم بن عقبَة فِي وقْعَة الْحرَّة بِظَاهِر الْمَدِينَة. " والحي السَّادِس من بني كهلان بَنو مُرَاد " بِلَادهمْ إِلَى جَانب زبيد من جبال الْيمن إِلَيْهِ ينْسب كل مرادي من عرب الْيمن. " والحي السَّابِع من كهلان بَنو أَنْمَار " بن كهلان ولأنمار فرعان بجيلة وخثعم وبجيلة رَهْط جرير بن عبد اللَّهِ البَجلِيّ صَاحب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - قيل لَهُ يُوسُف الأمه لحسنه وَفِيه قيل: (لَوْلَا جرير هَلَكت بجيلة ... نعم الْفَتى وبئست الْقَبِيلَة) أنْتَهى الْكَلَام فِي بني كهلان . (ذكر عَمْرو بن سبأ) الْقَبَائِل المنتسبة إِلَى عَمْرو بن سبأ مِنْهُم لخم بن عدي بن عَمْرو بن سبأ وَمن لخم " بَنو الدَّار " رَهْط تَمِيم الدَّارِيّ الصَّحَابِيّ وَمن لخم المناذرة مُلُوك الْحيرَة بَنو عَمْرو بن عدي بن نصر اللَّخْمِيّ وَمن قبائل المنتسبة إِلَى عَمْرو بن سبأ " جذام " أَخُو لخم وَجَمِيع جذام من ابنيه " حزَام وجشم " ابْني جذام كَانَ فِي بني حزَام الْعدَد والشرف وَمن بطُون جشم بن جذام عتيت بن أسلم وَأما " بَنو الْأَشْعر " بن سبأ فَيُقَال لَهُم الأشعريون رَهْط أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عبد اللَّهِ بن قيس وَأما " بَنو عاملة " فَمن الْقَبَائِل اليمانية الَّتِي خرجت إِلَى الشَّام من سيل العرم نزلُوا قرب دمشق فِي جبلهم فَمن عاملة " عدي بن الرّقاع " الشَّاعِر، انْتهى ذكر أَوْلَاد سبأ. (ذكر الْعَرَب المستعربة) هم من ولد إِسْمَاعِيل كَانَ عمر إِسْمَاعِيل لما أنزلهُ إِبْرَاهِيم مَعَ أمه هَاجر بِمَكَّة مَوضِع الْحجر نَحْو أَربع عشرَة سنة وَذَلِكَ لمضي مائَة سنة من عمر إِبْرَاهِيم ﷺ َ - فَمن سُكْنى إِسْمَاعِيل مَكَّة إِلَى الْهِجْرَة أَلفَانِ وَسَبْعمائة وَثَلَاث وَتسْعُونَ سنة وَتزَوج إِسْمَاعِيل من جرهم امْرَأَة ولدت لَهُ اثْنَي عشر ذكرا. مِنْهُم " قيدار " ودفنت هَاجر بِالْحجرِ وَابْنهَا إِسْمَاعِيل مَعهَا أَيْضا، وَاخْتلف المؤرخون فِي أَمر الْملك على الْحجاز بَين جرهم وَبَين إِسْمَاعِيل فَمن قَائِل كَانَ الْملك فِي جرهم ومفتاح الْكَعْبَة وسدانتها مَعَ بني إِسْمَاعِيل وَمن قَائِل إِن قيدار توجته أَخْوَاله جرهم وملكوه عَلَيْهِم بالحجاز وسدانة الْبَيْت الْحَرَام ومفاتيحه كَانَت فِي بني إِسْمَاعِيل بِلَا خلاف حَتَّى انْتهى ذَلِك إِلَى نابت من ولد إِسْمَاعِيل وَصَارَت السدَانَة بعدهمْ لجرهم بِدَلِيل قَول عَامر بن الْحَارِث الجرهمي:

стр. 87

(وَكُنَّا وُلَاة الْبَيْت من بعد نابت ... نطوف بِذَاكَ الْبَيْت وَالْأَمر ظَاهر) وَمِنْهَا: (كَأَن لم يكن بَين الْحجُون إِلَى الصَّفَا ... أنيس وَلم يسمر بِمَكَّة سامر) (بلَى نَحن كُنَّا أَهلهَا فأبادنا ... صروف اللَّيَالِي والجدود العواتر) ثمَّ ولد لقيدار " حمل " ثمَّ لحمل " نبت " وَيُقَال نابت وَقيل نبت بن إِسْمَاعِيل ولنبت " سلامان " ولسلامان " الهميسع " وللهميسع " اليسع " ولليسع " أدد " ولادد " أد " ولأد " عدنان "، وَقيل عدنان بن أدد ولعدنان " معد " ولمعد " نزار " ولنزار أَرْبَعَة مِنْهُم " مُضر " على عَمُود النّسَب النَّبَوِيّ وَثَلَاثَة خارجون عَن عَمُود النّسَب أَوَّلهمْ أياد أكبر من مُضر وَإِلَى أياد الْمَذْكُور يرجع كل أيادي من المعديين وفاروق أياد الْحجاز وَسَار بأَهْله إِلَى أَطْرَاف الْعرَاق فَمن بني أياد كَعْب بن أُمَامَة الأيادي ضرب بجوده الْمثل. قلت: قَالَ الشَّاعِر: (فَمَا كَعْب بن أُمَامَة وَابْن سعدى ... بأكرم مِنْك يَا عَمْرو الجوادا ... ) وَالله أعلم. وَمِنْهُم " قس بن سَاعِدَة " ضرب بفصاحته الْمثل " وَالثَّانِي " من نزار ربيعَة الْفرس بن نزار ورث الْخَيل من مَال أَبِيه ولربيعة أَسد وضبيعة وَولد لأسد جديلة وعنزة وَمن جديلة وَائِل وَمن وَائِل بكر وتغلب ابْنا وَائِل فَمن تغلب ملك بني وَائِل كُلَيْب الَّذِي قَتله جساس فهاجت بِهِ حَرْب البسوس وَمن بكر بن وَائِل بَنو شَيبَان. وَمن رِجَالهمْ مرّة وَابْنه جساس قَاتل كُلَيْب " وطرفة " بن العَبْد الشَّاعِر وَمن بكر " المرقشان " الْأَكْبَر والأصغر وَمن بكر بن وَائِل بَنو حنيفَة وَمِنْهُم " مُسَيْلمَة الْكذَّاب " وَأما عنزة بن أَسد بن ربيعَة فَمِنْهُ بَنو ربيعَة وهم أهل خَيْبَر وَمن بني عنزة " القارظان " وَأما ضبيعة بن ربيعَة فَمن وَلَده المتلمس الشَّاعِر وَمن قبائل ربيعَة النمر وسيحيم والعجل وَبَنُو عبد الْقَيْس وهم من ولد أَسد بن ربيعَة وَمن ولد ربيعَة سدوس واللهازم، وَالثَّالِث " أَنْمَار " بن نزار وَمضى إِلَى الْيمن فتناسل بنوه. ثمَّ وَحَسبُوا من الْعَرَب اليمانية، ثمَّ ولد لمضر الْمَذْكُور " إلْيَاس " على عَمُود النّسَب وَولد لَهُ خَارِجا عَنهُ " قيس عيلان " وَيُقَال قيس بن مُضر وعيلان بِالْعينِ الْمُهْملَة وَقيل إِن عيلان فرسه وَقيل كَلْبه وَقيل بل عيلان أَخُو إلْيَاس واسْمه عيلان إلْيَاس بن مُضر وَجعل اللَّهِ لقيس الْمَذْكُور من الْكَثْرَة أمرا عَظِيما. فَمن وَلَده " قبائل هوَازن " وَمن هوَازن بَنو سعد بن بكر بن هوَازن الَّذين كَانَ فيهم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - رضيعا وَمن قبائل قيس " بَنو كلاب " وَصَارَ مِنْهُم أَصْحَاب حلب أَوَّلهمْ صَالح بن مرداس وَمن قيس قبائل " عقيل " مِنْهُم مُلُوك الْموصل الْمُقَلّد وقرواش وَغَيرهمَا وَمن ولد قيس بَنو عَامر وصعصعة وخفاجة وَمَا زَالَت لخفاجة أمرة الْعرَاق وَإِلَى الْآن وَمن هوزان بَنو ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوازان بن مَنْصُور بن

стр. 88

عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس عيلان وَمن هوزان " جشم " بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوزان، وَمن جشم دُرَيْد بن الصمَّة وَمن قيس بكر وَبَنُو هِلَال وَثَقِيف وَاسم ثَقِيف عَمْرو بن مُنَبّه بن بكر بن هوَازن وَقيل إِن ثقيفا من أياد وَقيل من بقايا ثَمُود وهم أهل الطَّائِف. وَمن قيس بَنو نمير وباهلة ومازن وغَطَفَان وَهُوَ ابْن سعد بن قيس عيلان وَمن قيس بَنو عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان وَبَين عبس وذبيان حروب داحس. وَمن بني عبس " عنترة الْعَبْسِي " أدعاه أَبوهُ شَدَّاد بعد أَن كبر وَمن قيس أَشْجَع وهم أَيْضا من ولد غطفان وَمن قيس " قبائل سليم " وَبَنُو ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان وَمن ذبيان الْمَذْكُورين بَنو فَزَارَة فَمنهمْ حصن بن حُذَيْفَة بن بدر الَّذِي يمدحه زُهَيْر بقوله: (ترَاهُ إِذا مَا جِئْته متهللا ... كَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله) وَأسلم حصن ثمَّ نَافق وَحرب داحس بَين بني ذبيان وَبَين عبس تقدّمت وَمن ذبيان النَّابِغَة الذبياني الشَّاعِر وَمن قبائل قيس بَنو عدوان بن عَمْرو بن قيس عيلان نزلُوا الطَّائِف قبل ثَقِيف وَمِنْهُم ذُو الْأصْبع العدواني الشَّاعِر. عدنا إِلَى ذكر إلْيَاس بن مُضر ولد لإلياس مدركة على عَمُود النّسَب وَله خَارِجا عَنهُ طابخة بن إلْيَاس وَبَعْضهمْ ينْسب مدركة وطابخة إِلَى أمهما خندف وَاسْمهَا ليلى بنت حلوان بن عمرَان بن الحاف بن قضاعة وَجَمِيع ولد إلْيَاس من خندف وإليها ينسبون دون أَبِيهِم فَيَقُولُونَ بَنو خندف وَلَا يذكرُونَ إلْيَاس بن مُضر وَصَارَ من طابخة الْخَارِج عَن عَمُود النّسَب قبائل مِنْهُم بَنو تَمِيم بن طابخة والرباب وَبَنُو ضبة وَبَنُو مزينة وهم بَنو عَمْرو بن أد بن طابخة نسبوا إِلَى أمّهم مزينة بنت كلب بن وبرة ثمَّ ولد لمدركة بن إلْيَاس خُزَيْمَة على عَمُود النّسَب وَولد لمدركة خَارِجا عَنهُ هُذَيْل بن مدركة وَمن هُذَيْل جَمِيع قبائل الهذليين فَمنهمْ عبد اللَّهِ بن مَسْعُود الصَّحَابِيّ وَأَبُو ذُؤَيْب الْهُذلِيّ الشَّاعِر ثمَّ ولد لخزيمة كنَانَة على عَمُود النّسَب وَله خَارِجا عَنهُ الْهون وَأسد فَمن الْهون قَبيلَة عضل أبوهم عضل بن الْهون بن خُزَيْمَة وَمِنْه الديش بن الْهون وَهُوَ أَخُو عضل وَيُقَال لقبيلتي عضل والديش الفارة وَأما اسد بن خُزَيْمَة فَمِنْهُ الكاهلية ودودان وَإِلَيْهِ يرجع كل أسدي ثمَّ ولد لكنانة النَّضر على عَمُود النّسَب وللنضر عدَّة إخْوَة لَيْسُوا على عَمُود النّسَب وهم ملكان وَعبد مَنَاة وَعَمْرو وعامر وَمَالك أَوْلَاد كنَانَة فَصَارَ من ملكان بَنو ملكان وَمن عبد مَنَاة بطُون هم بَنو غفار رَهْط أبي ذَر وَبَنُو بكر وَمن بني بكر الديل رَهْط أبي الْأسود الدؤَلِي وَمن بطُون عبد مَنَاة بَنو لَيْث وَبَنُو الْحَارِث وبنومدلج وَبَنُو ضَمرَة وَصَارَ من عَمْرو بن كنَانَة العمريون وَمن أَخِيه عَامر العامريون وَمن مَالك بن كنَانَة بَنو فراس وَمن بطُون كنَانَة الْأَحَابِيش. وَكَانَ الْحُلَيْس بن عَمْرو رَئِيس الْأَحَابِيش نوبَة أحد وَمن لم يقف على ذَلِك إِذا سمع

стр. 89

ذكر الْأَحَابِيش فِي نوبَة أحد ظن أَنهم من الْحَبَشَة وَلَيْسَ كَذَلِك بل هم عرب من بني كنَانَة فَهَؤُلَاءِ إخْوَة النَّضر بن كنَانَة وولدهم وَالنضْر قيل أَنه قُرَيْش وَالصَّحِيح أَن قُريْشًا هم بَنو فهر وَولد للنضر مَالك على عَمُود النّسَب وَلم يشْتَهر لَهُ ولد غَيره ثمَّ ولد لمَالِك فهر على عَمُود النّسَب وفهر هُوَ قُرَيْش قيل سمي قُريْشًا لِشِدَّتِهِ تَشْبِيها بالقرش دَابَّة من الْبَحْر تَأْكُل دَوَاب الْبَحْر وتقهرهم وَقيل قصي بن كلاب استولى على الْبَيْت وَجمع أشتات بني فهر فَسُمي قُريْشًا لِأَنَّهُ قِرْش بني فهر أَي جمعهم حول الْحرم فعلى هَذَا قُرَيْش بَنو فهر لَا فهر نَفسه. وَلم يُولد لمَالِك غير فهر على عَمُود النّسَب وَولد لفهر غَالب على عَمُود النّسَب وخارجا عَنهُ محَارب والْحَارث فَمن محَارب بَنو محَارب وَمن الْحَارِث بَنو الحلج وَمِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح أحد الْعشْرَة ﵃ ثمَّ ولد لغالب لؤَي على عَمُود النّسَب وخارجا عَنهُ تيم الأدرم النَّاقِص الذقن وَمن تيم بَنو الأدرم ثمَّ ولد للؤي سِتَّة هم كَعْب على عَمُود النّسَب وخارجا عَنهُ إخْوَته الْخَمْسَة وهم سعد وَخُزَيْمَة والْحَارث وعامر وَأُسَامَة أَوْلَاد لؤَي بن غَالب وَلكُل مِنْهُم ولد ينتسبون إِلَيْهِ خلا الْحَارِث مِنْهُم وَمن ولد عَامر بن لؤَي عَمْرو بن عبد ود فَارس الْعَرَب قَتله عَليّ ﵁. ثمَّ ولد كَعْب مرّة على عَمُود النّسَب وخارجا عَنهُ هصيص وعدي فَمن هصيص بَنو جمع وَمن مشاهيرهم أُميَّة بن خلف عَدو رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَأَخُوهُ أبي بن خلف مثله وَمن هصيص سهم وَمن سهم عَمْرو بن الْعَاصِ وَمن عدي بن كَعْب بَنو عدي وَمِنْهُم عمر بن الْخطاب ﵁ وَسَعِيد بن زيد من الْعشْرَة ﵃. ثمَّ ولد لمرة على عَمُود النّسَب كلاب وخارجا عَنهُ تيم ويقطه فَمن تيم بَنو تيم وَمِنْهُم أَبُو بكر الصّديق ﵁ وَطَلْحَة من الْعشْرَة وَمن يقطة بَنو مَخْزُوم نسب خَالِد بن الْوَلِيد ﵁ وَأبي جهل بن هِشَام واسْمه عَمْرو بن هِشَام المَخْزُومِي. ثمَّ ولد لكلاب قصي على عَمُود النّسَب وخارجا عَنهُ زهرَة بن كلاب وَمِنْهُم بَنو زهرَة نسب " آمِنَة " أم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَنسب سعد بن أبي وَقاص وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف من الْعشْرَة. كَانَ قصي عَظِيما فِي قُرَيْش ارتجع مَفَاتِيح الْكَعْبَة كَمَا مر وأثل مجدهم. ثمَّ ولد لقصي " عبد منَاف " على عَمُود النّسَب وخارجا عَنهُ عبد الدَّار وَعبد الْعُزَّى فَمن عبد الدَّار بَنو شيبَة الحجبة وَمن ولد عبد الدَّار النَّضر بن الْحَارِث شَدِيد الْعَدَاوَة لرَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَقَتله ﷺ َ - يَوْم بدر وَمن ولد عبد الْعُزَّى خَدِيجَة بنت خويلد زوج النَّبِي ﷺ َ - وورقة بن نَوْفَل بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي وَولد لعبد منَاف هَاشم على عَمُود النّسَب وخارجا عَنهُ عبد شمس وَالْمطلب وَنَوْفَل أَوْلَاد عبد منَاف فَمن عبد شمس أُميَّة وَمِنْه بَنو أُميَّة مِنْهُم عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ بن أبي الْعَصَا بن أُميَّة بن عبد شمس، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بن حَرْب بن أُميَّة بن الْعَاصِ بن أُميَّة، وَعقبَة بن أبي معيط بن أبي عَمْرو بن أُميَّة، وَعتبَة بن ربيعَة بن عبد شمس، وَبنت عتبَة الْمَذْكُور هِنْد أم مُعَاوِيَة وَقتل النَّبِي ﷺ َ -

стр. 90

عتبَة صبرا يَوْم بدر، وَمن عبد الْمطلب بن عبد منَاف المطلبيون وَمِنْهُم الإِمَام الشَّافِعِي وَمن نَوْفَل النوفليون. ثمَّ ولد لهاشم " عبد الْمطلب " على عَمُود النّسَب وَلم يعلم لهاشم ولد غَيره وَولد لعبد الْمطلب " عبد اللَّهِ " على عَمُود النّسَب وخارجا عَنهُ جَمِيع أعمام النَّبِي ﷺ َ - وهم حَمْزَة وَالْعَبَّاس وَأَبُو طَالب وَأَبُو لَهب والغيداق وَقيل هُوَ حجل وَسَيذكر والْحَارث وحجل والمقوم وَضِرَار وَالزُّبَيْر وَقثم مَاتَ صَغِيرا وَعبد الْكَعْبَة وَقيل عبد الْكَعْبَة هُوَ الْمُقَوّم. ثمَّ ولد لعبد اللَّهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - " فِي عَام الْفِيل. (قصَّة الْفِيل) اعْلَم أَنه لما صَار الْملك إِلَى أَبْرَهَة بِالْيمن بنى كَنِيسَة عَظِيمَة وَقصد حج الْعَرَب إِلَيْهَا دون الْكَعْبَة فجَاء شخص وأحدث فِي الْكَنِيسَة فَغَضب أَبْرَهَة وَسَار بجيشه وبالفيل، وَقيل بِثَلَاثَة عشر فيلا لهدم الْكَعْبَة وَوصل الطَّائِف فَبعث الْأسود بن مَقْصُود إِلَى مَكَّة فساق أَمْوَال أَهلهَا لأبرهة وَأرْسل أَبْرَهَة إِلَى قُرَيْش يَقُول لست أقصد الْحَرْب بل جِئْت لأهدم الْكَعْبَة فَقَالَ عبد الْمطلب: وَالله مَا نُرِيد حربه هَذَا بَيت اللَّهِ فَإِن منع عَنهُ فَهُوَ بَيته وَحرمه وَإِن خلي بَينه وَبَينه فوَاللَّه مَا عندنَا من دفع ثمَّ انْطلق عبد الْمطلب مَعَ رَسُول أَبْرَهَة إِلَيْهِ فَقيل لَهُ هَذَا سيد قُرَيْش فَأذن لَهُ أَبْرَهَة وأكرمه وَنزل عَن سَرِيره وَجلسَ مَعَه وَسَأَلَهُ عَن حَاجته فَذكر عبد الْمطلب أباعرة الَّتِي أخذت لَهُ فَقَالَ أَبْرَهَة أَنِّي كنت أَظن أَنَّك تطلب مني أَن لَا أخرب الْكَعْبَة الَّتِي هِيَ دينك فَقَالَ عبد الْمطلب أَنا رب الأباعر فأطلبها وللبيت رب يمنعهُ فَأمر أَبْرَهَة برد أباعره عَلَيْهِ فَانْصَرف بهَا إِلَى قُرَيْش. وَلما قَارب أَبْرَهَة مَكَّة وتهيأ لَهَا صَار كلما قبل الْفِيل مَكَّة وَكَانَ اسْمه مَحْمُودًا ينَام وَيَرْمِي بِنَفسِهِ إِلَى الأَرْض وَلم يسر فَإِذا قبلوه غير مَكَّة قَامَ يُهَرْوِل وَبينا هم كَذَلِك إِذا أرسل اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِم طيرا أبابيل أَمْثَال الخطاطيف مَعَ كل طَائِر ثَلَاثَة أَحْجَار فِي منقاره وَرجلَيْهِ يقذفهم بهَا وَهِي مثل الحمص والعدس فَلم تصب أحدا مِنْهُم إِلَّا هلك وَلَيْسَ كلهم أَصَابَت. ثمَّ أرسل اللَّهِ تَعَالَى سيلا فألقاهم فِي الْبَحْر وَالَّذِي سلم مِنْهُم ولى هَارِبا مَعَ أَبْرَهَة إِلَى الْيمن يبتدر الطَّرِيق وتساقطوا بِكُل منهل وَأُصِيب أَبْرَهَة فِي جسده وَسَقَطت أعضاؤه وَوصل إِلَى صنعاء كَذَلِك وَمَات فَخرجت قُرَيْش إِلَى مَنَازِلهمْ وغنموا شَيْئا كثيرا وَملك بعد أَبْرَهَة ابْنه مكوم ثمَّ أَخُوهُ مَسْرُوق بن أَبْرَهَة وَمِنْه أَخذ الْعَجم الْيمن وَمن هُنَا نشرع فِي التواريخ الإسلامية.

стр. 91

(مولد النَّبِي ﷺ َ - وَشرف نسبه الطَّاهِر) ولد عبد اللَّهِ بن عبد الْمطلب قبل الْفِيل بِخمْس وَعشْرين سنة وَكَانَ أَبوهُ يُحِبهُ لِأَنَّهُ كَانَ أحسن أَوْلَاده وأعفهم بَعثه أَبوهُ يمتار لَهُ فَمر بِيَثْرِب فَمَاتَ بهَا ولرسول اللَّهِ ﷺ َ - شَهْرَان وَقيل كَانَ حملا وَدفن فِي دَار الْحَارِث بن إِبْرَاهِيم بن سراقَة الْعَدوي وهم أخوال عبد الْمطلب وَقيل فِي دَار النَّابِغَة ببني النجار وَتركته خَمْسَة أجمال وَجَارِيَة حبشية اسْمهَا بركَة وكنيتها أم أَيمن وهى حاضنة رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَأما أم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَهِيَ آمِنَة بنت وهب بن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤى بن غَالب بن فهر وَهُوَ قُرَيْش. " قلت ": تقدم الْخلاف فِي قُرَيْش فَفِي جزمه هُنَا بِأَنَّهُ فهر مَا فِيهِ وَقد يُقَال قطع هُنَا بِأَنَّهُ الْأَصَح وَالله أعلم فَخَطب عبد الْمطلب من وهب سيد بني زهرَة ابْنَته آمنهُ لعبد اللَّهِ فَزَوجهُ بهَا فَولدت رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - يَوْم الأثنين لعشر خلون من ربيع الأول من عَام الْفِيل وَكَانَ قدوم الْفِيل فِي منتصف الْمحرم مِنْهَا وَهِي الثَّانِيَة وَالْأَرْبَعُونَ من ملك كسْرَى أنوشروان وَهِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة لغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر على دَارا وَهِي سنة ألف وثلثمائة وست عشرَة لبختنصر وَفِي السَّابِع من وِلَادَته ذبح جده عبد الْمطلب عَنهُ ودعا لَهُ قُريْشًا فَلَمَّا أكلُوا قَالُوا: يَا عبد الْمطلب أَرَأَيْت ابْنك هَذَا الَّذِي أكرمتنا على وَجهه مَا سميته؟ قَالَ: سميته مُحَمَّدًا قَالُوا: فَبِمَ رغبت بِهِ عَن أَسمَاء أهل بَيته قَالَ: أردْت أَن يحمده اللَّهِ فِي السَّمَاء وَخَلفه فِي الأَرْض. وروى الْبَيْهَقِيّ بأسناده الْمُتَّصِل بِالْعَبَّاسِ ﵁ قَالَ: ولد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - مختونا مَسْرُورا فأعجب جده عبد الْمطلب وحظي عِنْده وَقَالَ: لَيَكُونن لِابْني هَذَا شَأْن، وبإسناده المنتهي إِلَى مَخْزُوم بن هانىء المَخْزُومِي عَن أَبِيه قَالَ: لما كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي ولد فِيهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - ارتجس إيوَان كسْرَى وَسَقَطت مِنْهُ أَربع عشرَة شرافة وخمدت نَار فَارس وَلم تخمد قبل ذَلِك بِأَلف عَام، وغاصت بحيرة ساوة وَرَأى الموبذان قَاضِي الْفرس فِي مَنَامه إبِلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت فِي بلادها فَلَمَّا أصبح كسْرَى أفزعه ذَلِك وَاجْتمعَ بموبذان فَقص عَلَيْهِ موبذان أَيْضا مَا رأى فَقَالَ كسْرَى: أَي شَيْء يكون هَذَا فَقَالَ المؤبذان وَكَانَ عَالما: يكون حدث من جِهَة الْعَرَب فَكتب كسْرَى إِلَى النُّعْمَان بن الْمُنْذر أما

стр. 92

بعد فَوجه إِلَيّ بِرَجُل عَالم بِمَا أُرِيد أَن أسأله عَنهُ فَوجه إِلَيْهِ بِعَبْد الْمَسِيح بن عَمْرو بن حنان الغساني فَأخْبرهُ كسْرَى بِمَا كَانَ من ارتجاس الإيوان وَغَيره فَقَالَ علم ذَلِك عِنْد خَال لي يسكن مشارف الشَّام يُقَال لَهُ سطيح قَالَ كسْرَى فَاذْهَبْ إِلَيْهِ وسله وأتني بِتَأْوِيل مَا عِنْده فَسَار عبد الْمَسِيح حَتَّى قدم على سطيح وَقد أشفى على الْمَوْت فَسلم عَلَيْهِ وحياه فَلم يحر جَوَابا فَأَنْشد عبد الْمَسِيح. (أَصمّ أم يسمع غطريف الْيمن ... أم فَإِذا فاض أم بِهِ شأو العنن) (يَا فاصل الخطة أعيت من وَمن ... وَكَاشف الْكُرْبَة عَن وَجه الغضن) (أَتَاك شيخ الْحَيّ من آل سنَن ... وَأمه من آل ذِئْب بن حجن) (رَسُول قيل الْعَجم كسْرَى بالوسن ... لَا يرهب الرَّعْد وَلَا ريب الزَّمن) (تجوب فِي الأَرْض علنداة الشجن ... ترفعني وجنا وتهوى فِي وجن) قلت وتتمته: (حَتَّى أَتَى عاري الجآجي والقطن ... بلغَة فِي اللَّوْح بوفاء الدمن) (كَأَنَّمَا حثحث من حصني سكن ... ) وَالله أعلم. فَرفع سطيح رَأسه وَقَالَ عبد الْمَسِيح على جمل مشيخ يهوي إِلَى سطيح وَقد أوفي على الضريح بَعثك ملك ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيرَان ورؤيا الموبذان وَذكرهَا يملك مِنْهُم مُلُوك وملكات على عدد الشرفات وكل مَا هُوَ آتٍ آتٍ ثمَّ قضى سطيح مَكَانَهُ ثمَّ قدم عبد الْمَسِيح على كسْرَى وَأخْبرهُ بقول سطيح فَقَالَ إِلَى أَن يملك منا أَرْبَعَة عشر ملكا تكون أُمُور هلك مِنْهُم عشرَة فِي أَربع سِنِين وَفِي العقد أَن سطيحا على زمن نزار بن معد بن عدنان وَهُوَ الَّذِي قسم الْمِيرَاث على بني نزار وَإِخْوَته. قلت: الارتجاس الِاضْطِرَاب وَقد يكون من الصَّوْت وغاصت أَي نضبت وفاذ وفاض إِذا مَاتَ يَا فاصل أَي يَا قَاطع والخطة الْأَمر الشَّديد أعيت من أَي لم يدر مَا جِهَتهَا والغضن الْكثير الغضون وتجوب تقطع والعلنداة الشَّدِيدَة الصلبة يَعْنِي النَّاقة والوجن والوجس الغلظ من الأَرْض والجآجي جمع جؤجؤ وَهُوَ عظم الصَّدْر والقطن مأوى الْعَجز من الظّهْر واللوح شدَّة الْحر والعطش والبوغاء التُّرَاب وَالله أعلم. (شرفه وَشرف بَيته ﷺ َ -) روى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ رَفعه إِلَى الْعَبَّاس قَالَ: قلت يَا رَسُول اللَّهِ إِن قُريْشًا إِذا الْتَقَوْا لَقِي بَعضهم بَعْضًا بالبشاشة وَإِذا لقونا لقونا بِوُجُوه لَا نعرفها فَغَضب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - عِنْد ذَلِك غَضبا شَدِيدا ثمَّ قَالَ: " وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا يدْخل قلب رجل الْإِيمَان حَتَّى يحبكم للَّهِ وَلِرَسُولِهِ " وَذكر فِي مَوضِع آخر عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: إِنَّا لقعود بِفنَاء رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - إِذْ مرت بِهِ امْرَأَة فَقَالَ بعض الْقَوْم: هَذِه بنت رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: مثل

стр. 93

مُحَمَّد فِي بني هَاشم مثل الريحانة فِي وسط التِّبْن فَانْطَلَقت الْمَرْأَة فَأخْبرت النَّبِي ﷺ َ - فجَاء النَّبِي ﷺ َ - يعرف فِي وَجهه الْغَضَب فَقَالَ: " مَا بَال أَقْوَال تبلغني عَن أَقوام أَن اللَّهِ خلق السَّمَوَات سبعا فَاخْتَارَ العلى مِنْهَا فأسكنها من شَاءَ من خلقه ثمَّ خلق الْخلق فَاخْتَارَ من الْخلق بني آدم وَاخْتَارَ من بني آدم الْعَرَب وَاخْتَارَ من الْعَرَب مُضر وَاخْتَارَ من مُضر قُريْشًا وَاخْتَارَ من قُرَيْش بني هَاشم واختارني من بني هَاشم ". وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " قَالَ لي جِبْرِيل قلبت الأَرْض مشارقها وَمَغَارِبهَا فَلم أجد احدا أفضل من مُحَمَّد وقلبت الأَرْض مشارقها وَمَغَارِبهَا فَلم أجد بني أَب أفضل من بني هَاشم ". " نسبه ﷺ َ - " تقدم ذكر بني إِسْمَاعِيل على عَمُود النّسَب وَأما نسب نَبينَا ﷺ َ - سردا فَهُوَ أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان وَنسبه ﷺ َ - إِلَى عدنان مُتَّفق عَلَيْهِ، وعدنان من ولد إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل ﵇ بِلَا خلاف إِنَّمَا الْخلاف فِي عدَّة الْآبَاء الَّذين بَين عدنان وَإِسْمَاعِيل فعد بَعضهم بَينهمَا نَحْو أَرْبَعِينَ رجلا وَبَعْضهمْ عد دون ذَلِك. وَعَن أم سَلمَة زَوجته عَنهُ ﷺ َ - قَالَ: " عدنان بن أدد بن زيد بن يرا بن أعراق الثرى "، فَقَالَت أم سَلمَة زيد هميسع ويرا بنت وَإِسْمَاعِيل أعراق الثرى. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: عدنان بن أدد بن الْمُقَوّم بن باحور بن تارخ بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم وَفِي شَجَرَة النّسَب للجواني النسابة وَهُوَ الْمُخْتَار عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن قيدار بن إِسْمَاعِيل ﵇. " رضاعه ﷺ َ - " أول من أرضعه بعد أمه ثويبة مولاة عَمه أبي لَهب مَعَ ابْنهَا مسروح بلبنه وَحَمْزَة عَمه وَأَبا سَلمَة بن عبد الْأسد المَخْزُومِي فهما أَخَوَاهُ ﷺ َ - من الرَّضَاع وَكَانَت المراضع يقدمن مَكَّة من الْبَادِيَة يطلبن أَن يرضعن الْأَطْفَال فقدمن فِي سنة شهباء وَأخذت كل وَاحِدَة طفْلا وَلم تَجِد حليمة طفْلا غَيره وَكَانَ يَتِيما مَاتَ أَبوهُ عبد اللَّهِ فَلم يرغبن فِيهِ لِأَن الْمَعْرُوف يُرْجَى من أبي الصَّبِي. " قلت ": وَمن معالم الْإِسْلَام قَالَت حليمة بنت أبي ذُؤَيْب بن الحراث السعدية: فَذَهَبت فاحتملته إِلَى رحلي فَلَمَّا وَضعته فِي حجري أقبل على ثدياي بِمَا شَاءَ فَشرب حَتَّى رُوِيَ وَشرب أَخُوهُ حَتَّى رُوِيَ ثمَّ نَامَا وَمَا كَانَ أَي أَخُوهُ ينَام قبل ذَلِك وَقَامَ زَوجي إِلَى شارفنا وَكَانَت مَا تبض بقطرة فَنظر إِلَيْهَا فَإِذا أَنَّهَا لحافل فَحلبَ مِنْهَا حَتَّى شرب وشربت وبتنا بِخَير لَيْلَة وَقَالَ لي صَاحِبي أخذت نسمَة مباركة قلت أَرْجُو ذَلِك ثمَّ خرجنَا وَركبت أَتَانِي وَكَانَت عجفاء قَمْرَاء وحملتهما عَلَيْهَا معي وَالله لَقطعت بالركب حَتَّى أَن صواحبي

стр. 94

ليقلن لي وَيحك يَا بنت أبي ذُؤَيْب أربعي علينا وَالله إِن لَهَا لشأنا ثمَّ مروا بعراف فَقَالَت النسْوَة سَلِي هَذَا فَجَاءَت حليمة إِلَيْهِ وأخبرته خَبره وَمَا قَالَت فِيهِ أمه من رؤياها فصاح يَا آل هُذَيْل اقْتُلُوهُ وآلهته ليهلكن الأَرْض وَإنَّهُ لينتظر أمرا من السَّمَاء قَالَت وقدمناه على عشرَة أعنز مَا ير من الْبَيْت هزالًا وَإِن كُنَّا لنريح الْإِبِل وَأَنَّهَا لحفل فنحلب وَنَشْرَب ونحلب شارفنا عبوقا وصبوحا وَجعل أهل الْحَاضِرَة يَقُولُونَ لرعاتهم أبلغوا حَيْثُ تبلغ غنم حليمة فيبلغون فَلَا تَأتي مَوَاشِيهمْ إِلَّا كَمَا كَانَت قبل ذَلِك وَتَروح غنم حليمة يخَاف عَلَيْهَا الحبط وَالله أعلم. ثمَّ قدمت بِهِ مَكَّة وَهِي أحرص النَّاس على مكثه عِنْدهَا فَقَالَت لأمه آمِنَة: لَو تركت ابْني عِنْدِي حَتَّى يغلظ فَإِنِّي أخْشَى عَلَيْهِ وباء مَكَّة وَلم تزل بِهِ حَتَّى تركته مَعهَا فَعَادَت بِهِ إِلَى بِلَاد بني سعد وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فِي بعض الْأَيَّام مَعَ أَخِيه من الرَّضَاع خَارِجا عَن الْبيُوت إِذْ أَتَى ابْن حليمة أمه يشْتَد وَقَالَ لَهَا ولأبيه ذَاك أخي الْقرشِي قد جَاءَ رجلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَاب بَيَاض فأضجعاه وشقا بَطْنه وهما يسوطانه فَخرجت حليمة وَزوجهَا نَحوه فواجداه قَائِما فَقَالَا: مَا لَك يَا بني؟ قَالَ: جَاءَنِي رجلَانِ بطست من ذهب مَمْلُوء ثلجا فأضجعاني وشقا بَطْني. قلت: تتمته ثمَّ استخرجا قلبِي فشقاه فاستخرجا مِنْهُ علقَة سَوْدَاء ثمَّ غسلا بَطْني وقلبي بذلك الثَّلج حَتَّى أنقياه، ويروى وختما عَلَيْهِ بِخَاتم من نور وَالله أعلم. فَقَالَ زوج حليمة لَهَا: قد خشيت أَن هَذَا الْغُلَام قد أُصِيب فألحقيه بأَهْله، فَقدمت بِهِ على أمه آمِنَة فَقَالَت: مَا أقدمك بِهِ وَكنت حريصة عَلَيْهِ.؟ فَقَالَت حليمة: تخوفت عَلَيْهِ الشَّيْطَان، قَالَت أمه: كلا وَالله مَا للشَّيْطَان عَلَيْهِ من سَبِيل إِن لِابْني شَأْنًا. " وإخواته ﷺ َ - من الرَّضَاع " عبد اللَّهِ وأنيسة وجذامة وَهِي الشيماء غلب ذَلِك على اسْمهَا وأمهم حليمة وأبوهم الْحَارِث بن عبد الْعُزَّى السَّعْدِيّ قدمت حليمة عَلَيْهِ ﷺ َ - بعد أَن تزوج خَدِيجَة وَشَكتْ الجدب فَكلم لَهَا خَدِيجَة ﵂ فأعطتها أَرْبَعِينَ شَاة ثمَّ قدمت حليمة وَزوجهَا الْحَارِث عَلَيْهِ بعد النُّبُوَّة فَأَسْلمَا، وَبَقِي مَعَ أمه آمِنَة فَلَمَّا بلغ سِتّ سِنِين توفيت أمه بالأبواء بَين مَكَّة وَالْمَدينَة وَكَانَت قد قدمت بِهِ على أَخْوَاله بني عدي بن النجار تزيره إيَّاهُم فَمَاتَتْ وَهِي رَاجِعَة إِلَى مَكَّة وكفله جده عبد الْمطلب فَلَمَّا بلغ ثَمَان سِنِين توفّي جده عبد الْمطلب ثمَّ قَامَ بكفالته عَمه أَبُو طَالب بن عبد الْمطلب وَأَبُو طَالب شَقِيق عبد اللَّهِ، ثمَّ خرج بِهِ أَبُو طَالب فِي تِجَارَة لَهُ إِلَى الشَّام. قلت: وَأوصى عبد الْمطلب قبل وَفَاته أَبَا طَالب بِهِ وَقَالَ فِيمَا أوصاه بِهِ: (أوصِي أَبَا طَالب بعدِي بِذِي رحم ... مُحَمَّد وَهُوَ فِي ذَا النَّاس مَحْمُود) (هَذَا الَّذِي تزْعم الْأَحْبَار أَن لَهُ ... أمرا سيظهره نصر وتأييد) (فِي كتب مُوسَى وَعِيسَى مِنْهُ بَيِّنَة ... كَمَا يحدثني الْقَوْم العبابيد)

стр. 95

(فاحذر عَلَيْهِ شرار النَّاس كلهم ... والحاسدين فَإِن الْخَيْر مَحْسُود) وَالله أعلم. فَلَمَّا وصل مَعَ عَمه إِلَى بصرى وعمره إِذْ ذَاك ثَلَاث عشرَة سنة رَآهُ بحيرا الراهب فَرَأى الغمامة تظله فَقَالَ لأبي طَالب: ارْجع بِهِ وَاحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُود فَخرج بِهِ أَبُو طَالب بعد فَرَاغه من تِجَارَته حَتَّى أقدمه مَكَّة. قلت: وَرَآهُ إِذن رجال من الْيَهُود فعرفوا صفته وَأَرَادُوا أَن يغتالوه وهم زرير ودريس وَتَمام فَذَهَبُوا إِلَى بحيرا فذاكروه ذَلِك ويظنون أَن بحيرا سيتابعهم على رَأْيهمْ فنهاهم أَشد النَّهْي وَقَالَ: أتجدون صفته؟ قَالُوا نعم، قَالَ: فمالكم إِلَيْهِ سَبِيل، وَقَالَ أَبُو طَالب فِي ذَلِك: (إِن ابْن آمِنَة الْأمين مُحَمَّدًا ... عِنْدِي بِمثل منَازِل الْأَوْلَاد) (لما تعلق بالزمام رَحمته ... والعيس قد قلصن بالأرواد) وَمِنْهَا: (راعيت فِيهِ قرَابَة مَوْصُولَة ... وَذكرت فِيهِ وَصِيَّة الأجداد) (وأمرته بالسير بَين عمومة ... بيض الْوُجُوه مصالت أنجاد) (حَتَّى إِذا مَا الْقَوْم بصرى عاينوا ... لاقوا على شرك من المرصاد) (حبرًا فَأخْبرنَا حَدِيثا صَادِقا ... عَنهُ ورد معاشر الحساد) (قوم بهود قد رَأَوْا مَا قدر رأى ... ظلّ الغمامة وغر الأكباد) (ثَارُوا لقتل مُحَمَّد فنهاهم ... عَنهُ واجهد أحسن الإجهاد) وَالله أعلم، وشب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - حَتَّى بلغ فَكَانَ أعظم النَّاس مُرُوءَة وحلما وَأَحْسَنهمْ جَوَابا وأصدقهم حَدِيثا وأبعدهم عَن الْفُحْش حَتَّى سَمَّاهُ قومه الْأمين وَحضر مَعَ عمومته حَرْب الْفجار وعمره أَربع عشرَة سنة وَهِي حَرْب بَين قُرَيْش وَبَين هوَازن انتهكت فِيهَا هوَازن حُرْمَة الْحرم فسميت بالفجار كَانَت الكرة فِيهَا أَولا على قُرَيْش وكنانة ثمَّ انتصرت قُرَيْش. وَبلغ خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي بن كلاب صدقه وأمانته ﷺ َ - فعرضت خَدِيجَة عَلَيْهِ سَفَره فِي تِجَارَة لَهَا إِلَى الشَّام مَعَ غلامها ميسرَة فَأجَاب وَخرج وَمَعَهُ ميسرَة حَتَّى قدم الشَّام وَبَاعَ وَاشْترى وَرجع قَافِلًا إِلَى مَكَّة بِمَال خَدِيجَة فحدثها ميسرَة بِمَا شَاهد مِنْهُ وَأَن ملكَيْنِ كَانَا يظلانه وَقت الْحر فعرضت خَدِيجَة نَفسهَا عَلَيْهِ فَتَزَوجهَا ﷺ َ - أَيّمَا وَهِي بنت أَرْبَعِينَ سنة وَأصْدقهَا عشْرين بكرَة وَآمَنت بِهِ وَهِي أول أَزوَاجه وَلم يتَزَوَّج غَيرهَا حَتَّى مَاتَ ﵂ وَعَاشَتْ مَعَه بعد مبعثه عشر سِنِين وَتوفيت قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين . (تَجْدِيد قُرَيْش عمَارَة الْكَعْبَة) كَانَت الْكَعْبَة قَصِيرَة الْبناء فهدمتها قُرَيْش ثمَّ بنوها حَتَّى بلغ الْبُنيان الْحجر الْأسود فاختصموا فِيهِ وأرادت كل قَبيلَة رَفعه إِلَى مَوْضِعه ثمَّ اتَّفقُوا على تحكيم أول دَاخل من بَاب

стр. 96

الْحرم فَكَانَ ﷺ َ - أول دَاخل فَقَالُوا هَذَا الْأمين وعمره إِذْ ذَاك خمس وَثَلَاثُونَ سنة فحكموه فَأَمرهمْ بِوَضْع الْحجر الْأسود فِي وسط عباءة ثمَّ أَمر كل قَبيلَة أَن يَأْخُذُوا بِطرف من العباءة حَتَّى انْتَهوا بِهِ إِلَى مَوضِع الرُّكْن فَأَخذه ﷺ َ - وَوَضعه فِي مَوْضِعه. ثمَّ أَتموا بِنَاء الْكَعْبَة وَكَانَت تُكْسَى الْقبَاطِي ثمَّ كُسِيت البرود وَأول من كساها الديباج الْحجَّاج بن يُوسُف. وَلما بلغ النَّبِي ﷺ َ - أَرْبَعِينَ سنة بَعثه اللَّهِ إِلَى الْأسود والأحمر رَسُولا نَاسِخا بِشَرِيعَتِهِ الشَّرَائِع الْمَاضِيَة فَأول مَا ابتدىء بِهِ من النُّبُوَّة الرُّؤْيَا الصادقة وحبب اللَّهِ إِلَيْهِ الْخلْوَة وَكَانَ يجاور فِي جبل حراء من كل سنة شهرا فَفِي سنة مبعثة خرج بأَهْله فِي رَمَضَان إِلَى حراء للمجاورة فِيهِ حَتَّى إِذا كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي أكْرمه اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا جَاءَهُ جِبْرِيل فَقَالَ لَهُ اقْرَأ: قَالَ لَهُ فَمَا أَقرَأ قَالَ ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ فقرأها ثمَّ خرج إِلَى وسط الْجَبَل فَسمع صَوتا من جِهَة السَّمَاء يَا مُحَمَّد أَنْت رَسُول اللَّهِ وَأَنا جِبْرِيل فَبَقيَ وافقا فِي مَوْضِعه يُشَاهد جِبْرِيل حَتَّى انْصَرف جِبْرِيل ثمَّ انْصَرف النَّبِي ﷺ َ - فَحكى لِخَدِيجَة مَا رأى فَقَالَت: أبشر فوالذي نفس خَدِيجَة بِيَدِهِ إِنِّي لأرجو أَن تكون نَبِي هَذِه الْأمة، ثمَّ أَتَت خَدِيجَة ابْن عَمها ورقة بن نَوْفَل بن الْحَارِث بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي وَكَانَ شَيخا كَبِيرا. قلت: وَكَانَ ورقة قد عمي وَتَنصر فِي الْجَاهِلِيَّة وَكتب من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالله أعلم فَلَمَّا ذكرت خَدِيجَة لورقة أَمر جِبْرِيل وَمَا رأى ميسرَة فَقَالَ ورقة: إِنَّه ليَأْتِيه الناموس الْأَكْبَر. قلت: وَأخْبرهُ أَيْضا رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ ورقة هَذَا الناموس الَّذِي أنزل على مُوسَى يَا لَيْتَني أكون فِيهَا جذعا حِين يخْرجك قَوْمك فَقَالَ ﷺ َ -: " أَو مخرجي هم "؟ فَقَالَ ورقة: نعم لم يَأْتِ قطّ بِمثل مَا جِئْت بِهِ أحد إِلَّا عودي وأوذي وَإِن يدركني يَوْمك أنصرك نصرا مؤزرا وَقَالَ ورقة فِي ذَلِك أبياتا مِنْهَا: (وَوصف من خَدِيجَة بعد وصف ... فقد طَال انتظاري يَا خديجا) (بِمَا أخْبرته من قَول قس ... من الرهبان يكره أَن يصوجا) (بِأَن مُحَمَّدًا سيسود يَوْمًا ... ويخصم من يكون لَهُ حجيجا) (وَيظْهر فِي الْبِلَاد ضِيَاء نور ... يُقيم بِهِ الْبَريَّة أَن تموجا) (أَلا يَا لَيْتَني إِن كَانَ ذَا كم ... شهِدت وَكنت أَوَّلهمْ ولوجا) (ولوجا فِي الَّذِي كرهت قُرَيْش ... وَلَو عجت بمنكبها عجيجا) وَقَالَ أَيْضا: (يَا للرِّجَال لصرف الْهم وَالْقدر ... وَمَا لشَيْء قَضَاهُ اللَّهِ من غير) (حَتَّى خَدِيجَة تَدعُونِي لأخبرها ... أمرا أرَاهُ سَيَأْتِي النَّاس عَن أثر) (فخبرتني بِأَمْر قد سَمِعت بِهِ ... فِيمَا مضى من قديم النَّاس وَالْعصر)

стр. 97

(بِأَن أَحْمد يَأْتِيهِ فيخبره ... جِبْرِيل أَنَّك مَبْعُوث إِلَى الْبشر) (فَقلت إِن الَّذِي ترجين يُنجزهُ ... لَك الْإِلَه فارجى الْخَيْر وانتظري) (وارسليه إِلَيْنَا كي نسائله ... عَن أمره مَا يرى فِي النّوم والسهر) (فَقَالَ حِين أَتَانَا منطقا عجبا ... يقف مِنْهُ أعالي الْجلد وَالشعر) (إِنِّي رَأَيْت أَمِين اللَّهِ واجهني ... فِي صُورَة كملت فِي أهيب الصُّور) (ثمَّ اسْتمرّ وَكَاد الْخَوْف يذعرني ... مِمَّا يسلم مَا حَولي من الشّجر) وَالله أعلم، وَلما قضى ﷺ َ - جواره انْصَرف وَطَاف بِالْبَيْتِ اسبوعا ثمَّ تَوَاتر إِلَيْهِ الْوَحْي، وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح " كمل من الرِّجَال كثير وَلم يكمل من النِّسَاء إِلَّا أَربع آسِيَة زَوْجَة فِرْعَوْن وَمَرْيَم بنت عمرَان وَخَدِيجَة بنت خويلد وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد ". (أول من أسلم) أول من أسلم خَدِيجَة وَقيل عَليّ وَهُوَ ابْن تسع وَقيل عشر وَقيل إِحْدَى عشرَة وَكَانَ قبل الْإِسْلَام فِي حجر رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - أَصَابَت قُرَيْش أزمة وَكَانَ أَبُو طَالب كثير الْعِيَال فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - لِعَمِّهِ الْعَبَّاس: " إِن أَخَاك أَبَا طَالب كثير الْعِيَال فَانْطَلق بِنَا لنأخذ من بنيه مَا نخفف عَنهُ بِهِ " فَأتيَاهُ لذَلِك فَقَالَ أَبُو طَالب: اتركا لي عقيلا واصنعا مَا شئتما، فَأخذ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - عليا فضمه إِلَيْهِ وَأخذ الْعَبَّاس جعفرا فَلم يزل عَليّ مَعَه ﷺ َ - حَتَّى بَعثه اللَّهِ فَصدقهُ وَلم يزل جَعْفَر مَعَ الْعَبَّاس حَتَّى أسلم وَمن شعر عَليّ فِي سبقه: (سبقتكم إِلَى الْإِسْلَام طرا ... غُلَاما مَا بلغت أَوَان حلمي) وَفِي السِّيرَة أَن زيد بن حَارِثَة مولى رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - أسلم بعد عَليّ اشْتَرَاهُ وَأعْتقهُ، ثمَّ أسلم بعد زيد أَبُو بكر ثمَّ عُثْمَان بن عَفَّان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَالزُّبَيْر بَين الْعَوام وَطَلْحَة بن عبيد اللَّهِ دعاهم أَبُو بكر إِلَى الْإِسْلَام وَجَاء بهم النَّبِي ﷺ َ - فأسلموا، ثمَّ أسلم أَبُو عُبَيْدَة عَامر بن عبد اللَّهِ بن الْجراح وَعبيدَة بن الْحَارِث وَسَعِيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى وَهُوَ ابْن عَم عمر بن الْخطاب، وَعبد اللَّهِ بن مَسْعُود وعمار بن يَاسر. قلت: وَردت أَحَادِيث فِي أول من أسلم فَقيل أَبُو بكر وَقيل عَليّ وَقيل خَدِيجَة وَقيل زيد بن حَارِثَة وَمَا أحسن مَا جمع بَعضهم بَين الْأَحَادِيث وَهُوَ الْأَلْيَق فَإِن الْجمع وَلَو بِوَجْه أولى فَقَالَ أول من أسلم من الرِّجَال أَبُو بكر وَمن النِّسَاء خَدِيجَة وَمن الصّبيان عَليّ وَمن الموالى زيد بن الحارثة وَالله أعلم. وَكَانَت دَعوته ﷺ َ - سرا ثَلَاث سِنِين ثمَّ أَمر بِإِظْهَار الدعْوَة وَلما نزل ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ دَعَا عليا فَقَالَ: " اصْنَع لنا صَاعا من طَعَام وَاجعَل لنا عَلَيْهِ رجل شَاة واملأ لنا عسا من لبن واجمع لي بني الْمطلب حَتَّى أكلمهم وأبلغهم مَا أمرت بِهِ " فَفعل ودعاهم وهم أَرْبَعُونَ رجلا يزِيدُونَ رجلا أَو ينقصونه فيهم أَعْمَامه أَبُو طَالب وَحَمْزَة وَالْعَبَّاس وأحضر

стр. 98

عَليّ الطَّعَام فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، قَالَ عَليّ: لقد كَانَ الرجل الْوَاحِد مِنْهُم ليَأْكُل جَمِيع مَا شَبِعُوا كلهم مِنْهُ فَلَمَّا فرغوا من الْأكل وَأَرَادَ النَّبِي ﷺ َ - أَن يتَكَلَّم بدره أَبُو لَهب إِلَى الْكَلَام فَقَالَ: أَشد مَا سحركم صَاحبكُم فَتفرق الْقَوْم وَلم يكلمهم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - ثمَّ قَالَ يَا عَليّ: " قد رَأَيْت كَيفَ سبقني هَذَا الرجل إِلَى الْكَلَام فَاصْنَعْ لنا فِي غَد كَمَا صنعت الْيَوْم واجمعهم ثَانِيًا " فَصنعَ عَليّ فِي الْغَد كَذَلِك فَلَمَّا أكلُوا وَشَرِبُوا اللَّبن قَالَ لَهُم ﷺ َ -: " مَا أعلم إنْسَانا فِي الْعَرَب جَاءَ قومه بِأَفْضَل مِمَّا جِئتُكُمْ بِهِ قد جِئتُكُمْ بخيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقد أَمرنِي الله أَن أدعوكم إِلَيْهِ فَإِنَّكُم تؤازروني على هَذَا الْأَمر " فأحجم الْقَوْم جَمِيعًا. قَالَ عَليّ: فَقلت وَإِنِّي لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بَطنا وأحمشهم ساقا: أَنا يَا نَبِي اللَّهِ أكون وزيرك عَلَيْهِم وَذكر الحَدِيث فَقَامَ الْقَوْم يَضْحَكُونَ وَيَقُولُونَ لأبي طَالب قد سرك أَن نسْمع لابنك ونطيع وَاسْتمرّ ﷺ َ - على مَا أمره اللَّهِ تَعَالَى لم يبعد عَنهُ قومه وَلم يردوا عَلَيْهِ حَتَّى عَابَ آلِهَتهم وَنسب قومه وآباءهم إِلَى الْكفْر والضلال فَأَجْمعُوا على عداوته إِلَّا من عصمَة اللَّهِ بِالْإِسْلَامِ. وذب عَنهُ عَمه أَبُو طَالب فجَاء أَبَا طَالب رجال من أَشْرَاف قُرَيْش مِنْهُم عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة بن عبد منَاف وَأَبُو سُفْيَان بن أُميَّة بن عبد شمس وَأَبُو البحتري بن هِشَام بن الْحَارِث بن أَسد وَالْأسود بن الْأسود بن الْمطلب بن أَسد وَأَبُو جهل وَنبيه ومنبه ابْنا الْحجَّاج السهميان وَالْعَاص بن وَائِل السَّهْمِي وَهُوَ أَبُو عَمْرو بن الْعَاصِ فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالب إِن ابْن أَخِيك قد عَابَ ديننَا وسفه أَحْلَامنَا وضلل أباءنا فانهه عَنَّا أَو خل بَيْننَا وَبَينه فردهم أَبُو طَالب ردا حسنا وَاسْتمرّ ﷺ َ - على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَعظم عَلَيْهِم وَأتوا أَبَا طَالب ثَانِيًا وَقَالُوا: إِن لم تَنْهَهُ وَإِلَّا نازلناك وإياه حَتَّى يهْلك أحد الْفَرِيقَيْنِ فَعظم عَلَيْهِ وَقَالَ لرَسُول اللَّهِ ﷺ َ - يَا ابْن أخي إِن قَوْمك قَالُوا لي كَذَا وَكَذَا فَظن ﷺ َ - أَن عَمه خاذله فَقَالَ: " يَا عَم لَو وضعُوا الشَّمْس فِي يَمِيني وَالْقَمَر فِي شمَالي مَا تركت هَذَا الْأَمر ". ثمَّ استعبر فَبكى وَقَامَ ﷺ َ - فناداه أَبُو طَالب: أقبل يَا ابْن أخي وَقل مَا أَحْبَبْت فوَاللَّه لَا أسلمك لشَيْء أبدا، فَأخذت كل قَبيلَة تعذب كل من أسلم مِنْهَا وَمنع اللَّهِ رَسُوله بِعَمِّهِ أبي طَالب. " إِسْلَام حَمْزَة " كَانَ النَّبِي ﷺ َ - عِنْد الصَّفَا فَمر بِهِ [إِسْنَاده صَحِيح] . أَبُو جهل بن هِشَام فشتم النَّبِي ﷺ َ - فَلم يكلمهُ وَكَانَ حَمْزَة فِي القنص فَلَمَّا حضر أنبأته مولاة لعبد اللَّهِ بن جدعَان بشتم أبي جهل لِابْنِ أَخِيه ﷺ َ - فَغَضب حَمْزَة وَقصد الْبَيْت ليطوف بِهِ وَهُوَ متوشح قوسه فَوجدَ ابْن هِشَام قَاعِدا مَعَ جمَاعَة فَضَربهُ حَمْزَة بِالْقَوْسِ فَشَجَّهُ ثمَّ قَالَ أتشتم مُحَمَّدًا وَأَنا على دينه فَقَامَتْ رجال من بني مَخْزُوم لينصروا أَبَا جهل فَقَالَ أَبُو جهل: دَعوه فَإِنِّي سببت ابْن أَخِيه سبا قبيحا، ودام حَمْزَة على إِسْلَامه وَعلمت قُرَيْش أَن النَّبِي ﷺ َ - قد عز وَامْتنع بِإِسْلَام حَمْزَة.

стр. 99

(إِسْلَام عمر بن الْخطاب) ابْن نفَيْل بن عبد الْعُزَّى كَانَ شَدِيد الْبَأْس والعداوة للنَّبِي فَقَالَ ﷺ َ - " اللَّهُمَّ أعز الْإِسْلَام بعمر بن الْخطاب أَو بِأبي الحكم بن هِشَام " وَهُوَ أَبُو جهل قلت: وَفِيه قيل سَمَّاهُ معشره أَبَا حكم وَالله سَمَّاهُ أَبَا جهل وَالله أعلم. فهدى اللَّهِ تَعَالَى عمر ﵁ وَكَانَ قد أَخذ سَيْفه وَقصد قتل النَّبِي ﷺ َ - فَلَقِيَهُ نعيم بن عبد اللَّهِ النحام فَقَالَ مَا تُرِيدُ يَا عمر فَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ نعيم لَئِن فعلت ذَلِك لم يتركك بَنو عبد منَاف تمشي على الأَرْض وَلَكِن اردع أختك وَابْن عمك سعيد بن زيد وخبابا فَإِنَّهُم قد أَسْلمُوا فقصدهم عمر وهم يَتلون سُورَة طه من صحيفَة فَسمع شَيْئا مِنْهَا وَعَلمُوا بِهِ فأخفوا الصَّحِيفَة فَسَأَلَهُمْ عَمَّا سَمعه فأنكروه فَضرب أُخْته فشجها وَقَالَ أريني مَا كُنْتُم تقرؤنه وَكَانَ عمر قَارِئًا كَاتبا فخافت على الصَّحِيفَة فعاهدها على ردهَا إِلَيْهَا فدفعتها إِلَيْهِ فقرأها وَقَالَ: مَا احسن هَذَا وأكرمه. فطمعت فِي إِسْلَامه فَخرج إِلَيْهِ خباب وَكَانَ قد استخفى مِنْهُ فَسَأَلَهُمَا عمر عَن مَوضِع رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالُوا هُوَ بدار عِنْد الصَّفَا وَكَانَ عِنْده نَحْو أَرْبَعِينَ نفسا مَا بَين رجال وَنسَاء وهم حَمْزَة وَأَبُو بكر وَعلي ﵃ فقصدهم عمر متوشحا سَيْفه فَأذن لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَلَمَّا دخل نَهَضَ ﷺ َ - وَأخذ بمجمع رِدَائه وجبذه جبذة شَدِيدَة وَقَالَ: " مَا جَاءَ بك يَا ابْن الْخطاب أَو مَا تزَال حَتَّى تنزل بك قَارِعَة " فَقَالَ عمر: يَا رَسُول اللَّهِ جِئْت لأومن بِاللَّه وَرَسُوله فَكبر رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَتمّ إِسْلَام عمر، وَلما اشْتَدَّ أَذَى قُرَيْش لأَصْحَابه ﷺ َ - أذن لمن لَيْسَ لَهُ عشيرة تحميه فِي الْهِجْرَة إِلَى أَرض الْحَبَشَة فَأول من خرج اثْنَا عشر رجلا وَأَرْبع نسْوَة مِنْهُم عُثْمَان وَمَعَهُ زَوجته رقية بنت النَّبِي ﷺ َ - وَالزُّبَيْر وَعُثْمَان بن مَظْعُون وَعبد اللَّهِ بن مَسْعُود وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وركبوا الْبَحْر إِلَى النَّجَاشِيّ فأقاموا عِنْده. ثمَّ هَاجر جَعْفَر بن أبي طَالب وتتابع الْمُسلمُونَ وَجَمِيع من هَاجر من الْمُسلمين إِلَى الْحَبَشَة ثَلَاثَة وَثَمَانُونَ رجلا سوى الصغار وَمن ولد ثمَّ فَأرْسلت قُرَيْش فِي طَلَبهمْ عبد اللَّهِ ابْن أبي ربيعَة وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَأرْسلت مَعَهُمَا هَدِيَّة من الْأدم للنجاشي فوصلا وطلبا من النَّجَاشِيّ الْمُهَاجِرين فَلم يجبهما ورد هديتهما فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ: سلهم مَا يَقُولُونَ فِي عِيسَى فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا مَا قَالَه اللَّهِ تَعَالَى من أَنه كلمة اللَّهِ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم الْعَذْرَاء فَلم يُنكر النَّجَاشِيّ ذَلِك وَأَقَامُوا فِي جواره آمِنين ورجعا خائبين وَرَأَتْ قُرَيْش ذَلِك وَجعل الْإِسْلَام يفشو فِي الْقَبَائِل فتعاهدوا على بني هَاشم وَبني الْمطلب أَن لَا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم وَكَتَبُوا بذلك صحيفَة وتركوها فِي جَوف الْكَعْبَة توكيدا. وانحاز بَنو هَاشم كافرهم ومسلمهم إِلَى أبي طَالب ودخلوا مَعَه فِي شعبه وَخرج من بني هَاشم أَبُو لَهب عبد الْعُزَّى بن عبد الْمطلب إِلَى قُرَيْش مُظَاهرا لَهُم وَكَانَت امْرَأَته أم جميل بنت حَرْب أُخْت أبي سُفْيَان على رَأْيه فِي عَدَاوَة رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - كَانَت تحمل الشوك

стр. 100

فتضعه فِي طَرِيقه ﷺ َ - فسماها اللَّهِ تَعَالَى حمالَة الْحَطب وَأقَام بَنو هَاشم فِي الشّعب وَمَعَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - نَحْو ثَلَاث سِنِين. قلت: فَكَانَ بَنو هَاشم مَحْصُورين فِي الشّعب لَا يخرجُون إِلَّا من موسم إِلَى موسم وشلت يَد كَاتب الصَّحِيفَة مَنْصُور بن عِكْرِمَة الْعَبْدي حَتَّى يَبِسَتْ وَالله أعلم. وَبلغ الْمُهَاجِرين بِالْحَبَشَةِ أَن أهل مَكَّة أَسْلمُوا فَقدم مِنْهُم ثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ رجلا فَلَمَّا قربوا من مَكَّة لم يَجدوا ذَلِك صَحِيحا فَدَخَلُوهَا مستخفين وَمن القادمين عُثْمَان وَالزُّبَيْر وَعُثْمَان بن مَظْعُون ثمَّ ان النَّبِي ﷺ َ - قَالَ لأبي طَالب: " يَا عَم إِن رَبِّي سلط الأرضة على صحيفَة قُرَيْش فَلم تدع فِيهَا غير أَسمَاء الله ونفت مِنْهَا الظُّلم والقطيعة " فَأعْلم أَبُو طَالب قُريْشًا بذلك وَقَالَ: إِن كَانَ صَحِيحا فَانْتَهوا عَن قطيعتنا وَإِن كَانَ كذبا دفعت إِلَيْكُم ابْن اخي فرضوا بذلك فَإِذا الْأَمر كَمَا قَالَ ﷺ َ - فَزَادَهُم ذَلِك شرا فاتفق جمَاعَة من قُرَيْش وَنَقَضُوا مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ فِي الصَّحِيفَة من قطيعة بني الْمطلب. وأسري بِهِ ﷺ َ - لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان فِي السّنة الثَّالِثَة عشر من النُّبُوَّة وَقيل فِي ربيع الأول وَقيل فِي رَجَب، وَهل كَانَ الْإِسْرَاء بجسده أم كَانَ رُؤْيا صَادِقَة الْجُمْهُور على انه بجسده، وَقَالَت عَائِشَة وَمُعَاوِيَة: أسرى بِرُوحِهِ. وَقيل الْإِسْرَاء إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس جسداني وَمِنْه إِلَى السَّمَوَات السَّبع وسدرة الْمُنْتَهى روحاني. " وَتُوفِّي أَبُو طَالب " فِي شَوَّال سنة عشر من النُّبُوَّة قَالَ لَهُ ﷺ َ - فِي اشتداد مَرضه: " يَا عَم قلها اسْتحلَّ لَك الشَّفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة " فَقَالَ أَبُو طَالب: يَا ابْن أخي لَوْلَا مَخَافَة السبة وَأَن تظن قُرَيْش إِنَّمَا قَتلهَا جزعا من الْمَوْت لقتلها وَالْمَشْهُور أَنه مَاتَ ... ... ... ... . وَقيل إِنَّه جعل يُحَرك شَفَتَيْه فأصغى إِلَيْهِ الْعَبَّاس بأذنه وَقَالَ: وَالله يَا ابْن أخي لقد قَالَ الْكَلِمَة الَّتِي أَمرته أَن يَقُول فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -: " الْحَمد لله الَّذِي هداك يَا عَم ". قلت: وَقيل أَحْيَا الله لَهُ ﷺ َ - أَبَوَيْهِ وَعَمه فآمنوا بِهِ ثمَّ مَاتُوا وَالله اعْلَم. وَمن شعر أبي طَالب: (وَدَعَوْتنِي وَعلمت أَنَّك صَادِق ... وَلَقَد صدقت وَكنت ثمَّ أَمينا) (وَلَقَد علمت بِأَن دين مُحَمَّد ... من خير أَدْيَان الْبَريَّة دينا) (وَالله لن يصلوا إِلَيْك بِجَمْعِهِمْ ... حَتَّى أُوَسَّد فِي التُّرَاب دَفِينا) وعاش أَبُو طَالب بضعا وَثَمَانِينَ سنة. " ثمَّ توفيت خَدِيجَة " ﵂ بعد أبي طَالب وموتهما قبل الْهِجْرَة بِنَحْوِ ثَلَاث سِنِين ونالت قُرَيْش مِنْهُ ﷺ َ - بموتهما خُصُوصا أَبُو لَهب وَالْحكم بن الْعَاصِ وَعقبَة بن أبي معيط بن أُميَّة فَإِنَّهُم كَانُوا جيران النَّبِي ﷺ َ - ويؤذونه فِي بَيته بِمَا يلقون عَلَيْهِ وَقت صلَاته وَفِي طَعَامه من الْأَذَى. وَاشْتَدَّ بِهِ ذَلِك حَتَّى " سَافر إِلَى الطَّائِف " يلْتَمس من ثَقِيف النُّصْرَة ورجاء أَن يقبلُوا مَا جَاءَ بِهِ من اللَّهِ فوصل إِلَى الطَّائِف وَعمد إِلَى جمَاعَة من أَشْرَاف ثَقِيف مثل مَسْعُود وحبِيب

стр. 101

ابْني عَمْرو فَجَلَسَ إِلَيْهِم ودعاهم إِلَى اللَّهِ فَقَالَ لَهُ وَاحِد مِنْهُم: أما وجد اللَّهِ أحدا يُرْسِلهُ غَيْرك وَقَالَ ألآخر: وَالله لَا أُكَلِّمك أبدا وَلَئِن كنت رَسُولا من اللَّهِ كَمَا تَقول لأَنْت أعظم خطرا من أَن أرد عَلَيْك الْكَلَام وَلَئِن كنت تكذب على اللَّهِ فَمَا يَنْبَغِي لي أَن اكلمك فَقَامَ وَقد يئس من خير ثَقِيف وَأغْروا بِهِ سفهاءهم وعبيدهم يَسُبُّونَهُ ويصيحون حَتَّى اجْتمع عَلَيْهِ النَّاس وألجأوه إِلَى حَائِط وَرجع عَنهُ سفهاؤهم. فَقَالَ ﷺ َ -: " اللَّهُمَّ إِلَيْك أَشْكُو ضعف قوتي وَقلة حيلتي وهواني على النَّاس يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ أَنْت رب الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنت رَبِّي إِلَى من تَكِلنِي إِن لم تكن عَليّ غَضبا فَلَا أُبَالِي " ثمَّ قدم مَكَّة وَقَومه أَشد عَلَيْهِ مِمَّا كَانُوا يعرض نَفسه على الْقَبَائِل فِي مواسم الْحَج يَدعُوهُم إِلَى اللَّهِ فَيَقُول: " يَا بني فلَان إِنِّي رَسُول اللَّهِ إِلَيْكُم يَأْمُركُمْ أَن تعبدوا اللَّهِ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَأَن تخلعوا مَا يعبد من دونه وَأَن تؤمنوا بِي وتصدقوني " وَعَمه أَبُو لَهب يُنَادي إِنَّمَا يدعوكم أَن تسلخوا اللات والعزى من أَعْنَاقكُم إِلَى مَا جَاءَ بِهِ من الْبِدْعَة والضلالة فَلَا تطيعوه. وَكَانَ أَبُو لَهب أَحول لَهُ غديرتان فَبينا هُوَ عِنْد الْعقبَة إِذْ لَقِي نَفرا من الْخَزْرَج من يثرب وَأَهْلهَا قبيلتان الْأَوْس والخزرج ثَمَانُون يجمعهُمْ أَب وَاحِد وَبَين القبيلتين حروب وهم حلف قبيلتين من الْيَهُود يُقَال لَهما قُرَيْظَة وَالنضير من نسل هَارُون بن عمرَان فَعرض ﷺ َ - الْإِسْلَام عَلَيْهِم وتلا عَلَيْهِم الْقُرْآن وهم سِتَّة فآمنوا بِهِ وَصَدقُوهُ. ثمَّ انصرفوا وَذكروا ذَلِك لقومهم بِيَثْرِب ودعوهم إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى فَشَا فيهم فَلم تبْق دَار إِلَّا وفيهَا ذكر لرَسُول اللَّهِ ﷺ َ -. وَلما كَانَ الْعَام الْمقبل وافى الْمَوْسِم اثْنَا عشر من الْأَنْصَار فَبَايعُوهُ بيعَة النِّسَاء قبل أَن يفْرض عَلَيْهِم الْحَرْب وبيعة النِّسَاء هِيَ أَن لَا يشركوا بِاللَّه وَلَا يسرقوا وَلَا يزنزوا وَلَا يقتلُوا أَوْلَادهم فَبعث مَعَهم مُصعب بن عُمَيْر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار ليعلمهم شرائع الْإِسْلَام وَالْقُرْآن وَلما قدم الْمَدِينَة دخل بِهِ أسعد بن زُرَارَة أحد السِّتَّة الَّذين بَايعُوا رَسُول اللَّهِ فِي الْعقبَة حَائِطا لبني ظفر وَكَانَ سعد بن معَاذ سيد الْأَوْس ابْن خَالَة أسعد بن زُرَارَة. وَكَانَ أسيد بن حضير أَيْضا سيدا فَأخذ أسيد حربته ووقف على مُصعب وأسعد فَقَالَ: مَا جَاءَ بكما تسفهان ضعفاءنا اعتزلا إِن كَانَ لَكمَا بأنفسكما حَاجَة فَقَالَ لَهُ مُصعب: أَو تجْلِس فَتسمع فَجَلَسَ أسيد وأسمعه مُصعب الْقُرْآن وعرفه الْإِسْلَام فَقَالَ أسيد مَا أحسن هَذَا كَيفَ تَصْنَعُونَ إِذا أردتم الدُّخُول فِي هَذَا الدّين فَعلمه مُصعب فَأسلم وَقَالَ ورائي رجل إِن اتبعكما لم يخْتَلف عَنهُ أحد وسأرسله إلَيْكُمَا يَعْنِي سعد بن معَاذ. ثمَّ أَخذ أسيد حربته وَانْصَرف إِلَى سعد بن معَاذ وَبعث بِهِ إِلَى مُصعب وأسعد فَلَمَّا أقبل قَالَ أسعد لمصعب جَاءَك وَالله سيد من وَرَاءه فَلَمَّا وقف عَلَيْهِمَا سعد بن معَاذ تهدد أسعد وَقَالَ لَوْلَا قرابتك مني مَا صبرت على أَن تغشانا فِي دَارنَا بِمَا نكره فَقَالَ لَهُ مُصعب أَو

стр. 102

مَا تسمع فَإِن رضيت أمرا قبلته وَإِلَّا عزلنا عَنْك مَا تكره فَقَالَ أنصفت فَعرض مُصعب عَلَيْهِ الْإِسْلَام وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآن قَالَ فَعرفنَا وَالله فِي وَجهه الْإِسْلَام قبل أَن يتَكَلَّم. ثمَّ قَالَ كَيفَ تَصْنَعُونَ إِذا أَنْتُم أسلمتم فعرفناه ذَلِك فَأسلم وَانْصَرف إِلَى النادي حَتَّى وقف عَلَيْهِ وَمَعَهُ أسيد بن حضير فَلَمَّا رَآهُ قومه مُقبلا قَالُوا نحلف بِاللَّه لقد رَجَعَ سعد بِغَيْر الْوَجْه الَّذِي ذهب بِهِ فَقَالَ: يَا بني عبد الْأَشْهَل كَيفَ تعلمُونَ أَمْرِي فِيكُم قَالُوا سيدنَا وأفضلنا قَالَ: فَإِن كَلَام رجالكم ونسائكم عَليّ حرَام حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَرَسُوله فَمَا أَمْسَى فِي دَار بني عبد الْأَشْهَل أحد حَتَّى أسلم وَنزل سعد بن معَاذ وَمصْعَب فِي دَار أسعد بن زُرَارَة يدعوان إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى لم يبْق دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا وَبهَا مُسلمُونَ إِلَّا دَار بني أُميَّة بن زيد. ثمَّ أَن مُصعب بن عُمَيْر عَاد إِلَى مَكَّة وَمَعَهُ من الَّذين أَسْلمُوا ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ رجلا وَامْرَأَتَانِ بَعضهم من الْأَوْس وَبَعْضهمْ من الْخَزْرَج مَعَ كفار من قَومهمْ وهم مستخفون من الْكفَّار فوصلوا مَكَّة وواعدوا رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - ليجتمعوا بِهِ لَيْلًا فِي أَيَّام التَّشْرِيق " بِالْعقبَةِ ". وجاءهم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَمَعَهُ الْعَبَّاس مُشْركًا متوثقا مِنْهُم لِابْنِ أَخِيه فَقَالَ الْعَبَّاس يَا معشر الْخَزْرَج إِن مُحَمَّدًا منا حَيْثُ علمْتُم وَقد منعناه من قَومنَا وَهُوَ فِي عز ومنعة فِي بَلَده وَأَنه قد أَبى إِلَّا الانحياز إِلَيْكُم واللحوق بكم فَإِن كُنْتُم تقفون عِنْد مَا دعوتموه إِلَيْهِ وتمنعونه مِمَّن خَالفه فَأنْتم وَمَا تحملتم من ذَلِك وَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنكُمْ مسلموه وخاذلوه فَمن الْآن فَدَعوهُ فَقَالُوا قد سمعنَا فَتكلم يَا رَسُول اللَّهِ وَخذ لنَفسك ولربك وَمَا احببت فَتكلم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وتلا الْقُرْآن. ثمَّ قَالَ أُبَايِعكُم على أَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَائِكُم وَأَوْلَادكُمْ وَدَار الْكَلَام بَينهم واستوثق كل فريق من الآخر ثمَّ سَأَلُوا رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالُوا إِن قتلنَا دُونك مَا لنا قَالَ الْجنَّة قَالُوا فابسط يدك فَبسط يَده فَبَايعُوهُ. ثمَّ انصرفوا رَاجِعين إِلَى الْمَدِينَة وَأمر ﷺ َ - أَصْحَابه بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة فَخَرجُوا أَرْسَالًا وَأقَام ينْتَظر أَن يَأْذَن لَهُ ربه فِي الْخُرُوج من مَكَّة وَبَقِي مَعَه أَبُو بكر الصّديق وَعلي ﵄، وبيعة الْعقبَة الثَّانِيَة وَهِي هَذِه كَانَت فِي سنة ثَلَاث عشرَة من المبعث . (ذكر الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام) لفظ التَّارِيخ مُحدث فِي لُغَة الْعَرَب لِأَنَّهُ مُعرب من ماه روز، وَبِذَلِك جَاءَت الرِّوَايَة

стр. 103

روى ابْن سُلَيْمَان عَن مَيْمُون بن مهْرَان أَن الْأَمْوَال كثرت فِي زمن عمر وَصَارَ مَا يقسم مِنْهَا غير مُؤَقّت فتعرف ذَلِك من رسوم فَاسْتَحْضر الهرمزان فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لنا حِسَاب نُسَمِّيه ماه روز - مَعْنَاهُ حِسَاب الشُّهُور - فعربوا الْكَلِمَة إِلَى مؤرخ ثمَّ جعلُوا اسْمه التَّارِيخ ثمَّ أتفقوا على أَن يكون مبدأ تَارِيخ دولة الْإِسْلَام سنة الْهِجْرَة من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَقد تصرم من شهور هَذِه السّنة وأيامها الْمحرم وصفر وَثَمَانِية أَيَّام من ربيع الأول، فَلَمَّا عزموا على تأسيس الْهِجْرَة رجعُوا الْقَهْقَرَى ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وأرخوا من أول الْمحرم. ثمَّ أحصوا من أول يَوْم من الْمحرم إِلَى آخر يَوْم من عمره ﷺ َ - فَكَانَ عشر سِنِين وشهرين، وَإِذا حسب عمره من الْهِجْرَة حَقِيقَة فَيكون تسع سِنِين وَأحد عشر شهرا واثنين وَعشْرين يَوْمًا وَهَذَا جدول يتَضَمَّن مَا بَين الْهِجْرَة وَبَين التواريخ الْقَدِيمَة الْمَشْهُورَة من السنين فَإِذا أردْت أَن تعرف مَا بَين أَي تاريخين شِئْت مِنْهَا فَانْظُر إِلَى مَا بَينهمَا وَبَين الْهِجْرَة وانقص أقلهما من اكثرهما وَمهما بَقِي فَهُوَ مَا بَينهمَا. " مِثَاله " إِذا أردْت أَن تعرف مَا بَين مولد الْمَسِيح ومولد رَسُول اللَّهِ صلوَات اللَّهِ وَسَلَامه عَلَيْهِمَا نقصت مَا بَين مولد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَبَين الْهِجْرَة وَهُوَ ثَلَاث وَخَمْسُونَ سنة وشهران وَثَمَانِية أَيَّام من سِتّمائَة وَإِحْدَى وَثَلَاثِينَ سنة يبْقى خَمْسمِائَة وثمان وَسَبْعُونَ سنة تنقص شَهْرَيْن وَثَمَانِية أَيَّام هِيَ جملَة مَا بَين المولدين الْمَذْكُورين وَكَذَلِكَ أَي تاريخين أردْت من هَذَا الْجَدْوَل: ٦٢١٦ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَبَين آدم على مُقْتَضى التَّوْرَاة اليونانية وَاخْتِيَار المؤرخين. ٥٩٦٧ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَبَين آدم على مُقْتَضى التَّوْرَاة اليونانية وَاخْتِيَار المنجمين حَسْبَمَا أثبتوه فِي الزيجات. ٤٧٦١ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَبَين آدم على مُقْتَضى التَّوْرَاة العبرانية وَاخْتِيَار المؤرخين وَينْقص عِنْد المنجمين ٢٤٩ سنة. ٥١٣٧ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَبَين آدم على مُقْتَضى السامرية وَاخْتِيَار المؤرخين وَينْقص عِنْد المنجمين مَا ذكر وَهَذَا جَار فِي جَمِيع التواريخ الَّتِي قبل بخْتنصر. ٣٩٧٤ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَبَين الطوفان وَكَانَ لستمائة مَضَت من عمر نوح وعاش بعده ٣٥٠ سنة وَيَجِيء فِي تَارِيخ الطوفان المذهبان. ٣٧٢٥ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَبَين الطوفان على اخْتِيَار المنجمين حَسْبَمَا قَيده أَبُو معشر وكوشيار وَغَيرهمَا فِي الزيجات والتقاويم. ٣٣٦٤ سنة: بَين الْهِجْرَة وَبَين تبلبل الْأَلْسِنَة على اخْتِيَار المؤرخين وَينْقص عِنْد المنجمين ٢٤٩ سنة حَسْبَمَا تقدم ذكره. ٢٨٩٣ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَبَين مولد إِبْرَاهِيم على اخْتِيَار المؤرخين وَأما على أختيار المنجمين فينقص ٢٤٩ سنة.

стр. 104

٢٧٩٣ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَبِنَاء إِبْرَاهِيم واسماعيل الْكَعْبَة وَذَلِكَ لمضي ١٠٠ سنة من عمر إِبْرَاهِيم ﵇ بالتقريب. ٢٣٤٨ - سنة: بَين الْهِجْرَة ووفاة مُوسَى ﵇ وَفِيه المذهبان وَالْمَذْكُور هُوَ اخْتِيَار المؤرخين. ١٨٦٠ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَعمارَة بَيت الْمُقَدّس وَفرغ لمضي إِحْدَى عشرَة سنة من ملك سُلَيْمَان ولمضي ٥٤٦ سنة لوفاة مُوسَى ﵇ وَفِيه المذهبان. ١٣٦٩ - سنة وَأَيَّام ١١٧: بَين الْهِجْرَة وَابْتِدَاء ملك بخْتنصر وَلَيْسَ فِيهِ خلاف. ١٣٥٠ - سنة: بَين الْهِجْرَة وخراب بَيت الْمُقَدّس وَكَانَ لمضي ١٩ سنة من ملك بخْتنصر وَبَقِي خرابا ٧٠ سنة ثمَّ عمر وتراجعت إِلَيْهِ بَنو إِسْرَائِيل. ٩٤٦ - سنة: بَين الْهِجْرَة وفيلبس قبل الْإِسْكَنْدَر باثنتي عشرَة سنة وَبَين فيلبس وأغسطس ٢٩٤ ذكره بطليموس فِي المجسطي وَقد أرخ بِهِ غَالب أرصاده. ٩٣٤ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَغَلَبَة الْإِسْكَنْدَر على الْفرس وَقتل دَارا وَهُوَ تَارِيخ إبتداء مُلُوك الطوائف مَاتَ الْإِسْكَنْدَر بعد غلبته بِنَحْوِ ٧ سِنِين فَبين مَوته وَالْهجْرَة تِسْعمائَة وَنَحْو ٢٨ سنة. ٦٥٢ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَغَلَبَة أغسطس على مصر وَقتل قلوابطرا ملكة اليونان وَكَانَ لمضي اثْنَتَيْ عشرَة سنة من ملك أغسطس وَهُوَ أَيْضا تَارِيخ انْقِرَاض اليونان. ٦٣١ - سنة: بَين الْهِجْرَة ومولد الْمَسِيح وعاش إِلَى أَن رفع ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة فَبين رَفعه وَالْهجْرَة ٥٩٨ سنة. ٥٥٨ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَبَين خراب الْقُدس الثَّانِي وَكَانَ لمضي ٤٠ سنة من رفع الْمَسِيح وَهُوَ تَارِيخ تشت الْيَهُود إِلَى الْأَبَد. ٥٠٧ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَأول ملك أرديانوس. ٤٢٢ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَملك أزدشير بن بابك أبي الأكاسرة وَهُوَ أَيْضا تَارِيخ انْقِرَاض مُلُوك الطوائف. ٣٣٩ - سنة: بَين الْهِجْرَة وَأول ملك دقلطيانوس وَهُوَ آخر عَبدة الْأَصْنَام من الْمُلُوك. ٥٣ - سنة وشهران و ٨ أَيَّام: بَين الْهِجْرَة وَبَين مولد رَسُول اللَّهِ ﷺ َ -. ١٣ - سنة وشهران و ٨ أَيَّام: بَين الْهِجْرَة ومبعثه ﷺ َ -. ٩ - سِنِين و ١١ شهرا و ٢٢ يَوْمًا: بَين الْهِجْرَة ووفاة الرَّسُول ﷺ َ -. (بَقِيَّة خبر الْهِجْرَة) وَلما علمت قُرَيْش أَنه صَار لَهُ ﷺ َ - أنصار وَأَن أَصْحَابه بِمَكَّة قد لَحِقُوا بهم خَافُوا من خُرُوجه إِلَى الْمَدِينَة فاتفقوا أَن يَأْخُذُوا من كل قَبيلَة رجلا ليضربوه بسيوفهم ضَرْبَة وَاحِدَة فيضيع دَمه فِي الْقَبَائِل وبلغه ﷺ َ - ذَلِك فَأمر عليا أَن ينَام على فرَاشه وَأَن يتشح بِبرْدِهِ الْأَخْضَر

стр. 105

وَأَن يتَخَلَّف عَنهُ ليؤدي مَا كَانَ عِنْده ﷺ َ - من الودائع إِلَى أَرْبَابهَا. وَكَانَ الْكفَّار قد اجْتَمعُوا على بَابه يَرْصُدُونَهُ ليثبوا عَلَيْهِ فَأخذ ﷺ َ - حفْنَة تُرَاب وتلا أول يس وَجعل ذَلِك التُّرَاب على رُؤُوس الْكفَّار فَلم يروه فَأَتَاهُم آتٍ وَقَالَ: إِن مُحَمَّدًا خرج وَوضع على رؤسكم التُّرَاب، وَجعلُوا ينظرُونَ فيرون عليا عَلَيْهِ برد النَّبِي ﷺ َ - فَيَقُولُونَ مُحَمَّد نَائِم. وَكَذَا حَتَّى أَصْبحُوا فَقَامَ عَليّ فعرفوه وَأقَام عَليّ بِمَكَّة حَتَّى أدّى الودائع وَقصد النَّبِي إِذْ خرج من دَاره دَار أبي بكر فَأعلمهُ بِأَن اللَّهِ قد أذن بِالْهِجْرَةِ فَقَالَ أَبُو بكر الصُّحْبَة يَا رَسُول اللَّهِ قَالَ الصُّحْبَة فَبكى أَبُو بكر فَرحا واستأجرا عبد اللَّهِ بن أريقط وَكَانَ مُشْركًا ليدلهما على الطَّرِيق ومضيا إِلَى غَار بثور وَهُوَ جبل أَسْفَل مَكَّة فأقاما بِهِ. ثمَّ خرجا من الْغَار بعد ثَلَاثَة أَيَّام وتوجها إِلَى الْمَدِينَة ومعهما عَامر بن فهَيْرَة مولى أبي بكر وَعبد اللَّهِ بن أريقط الدَّلِيل وجدت قُرَيْش فِي طلبه وَتَبعهُ سراقَة بن جعْشم المدلجي على فرس لَهُ فَقَالَ أَبُو بكر هَذَا الطّلب لحقنا فَقَالَ ﷺ َ - لصَاحبه أبي بكر لَا تحزن إِن اللَّهِ مَعنا، فَلَمَّا دنا سراقَة ساخت بِهِ قَوَائِم فرسه إِلَى رُكْبَتَيْهِ فِي أَرض صلبة فَنَادَى سراقَة يَا مُحَمَّد ادْع اللَّهِ أَن يخلصني وَلَك عَليّ لأعمين على من ورائي فَدَعَا لَهُ فخلص. ثمَّ أخبرهُ سراقَة بِمَا ضمن لَهُ قومه عِنْد ظفره بِهِ وَسَأَلَ موادعته فوادعه وَكتب لَهُ بِهِ كتابا فَأَتَاهُ عَام الْفَتْح وَأسلم وَقَالَ لَهُ كَيفَ بك يَا سراقَة إِذا سورت بِسوَارِي كسْرَى برويز، قلت: فلبسهما فِي زمن عمر ﵁. وَبلغ ذَلِك أَبَا جهل فَقَالَ: (بني مُدْلِج أَنِّي أخال سفيهكم ... سراقَة يستغوي لنصر مُحَمَّد) (عَلَيْكُم بِهِ أَن لَا يفرق جمعكم ... فنصبح شَتَّى بعد عز وسؤدد) فَقَالَ لَهُ سراقَة: (أَبَا حكم وَالله لَو كنت شَاهدا ... لأمر جوادي حَيْثُ ساخت قوائمه) (علمت وَلم تشكك بِأَن مُحَمَّدًا ... رَسُول وبرهان فَمن ذَا يكاتمه) وَقَالَ أَبُو بكر الصّديق ﵁: (وَقد زَاد نَفسِي واطمأنت وَآمَنت ... بِهِ الْيَوْم مَا لاقي جواد ابْن مُدْلِج) (سراقَة إِذْ يَبْغِي علينا بكيده ... على أعوجي كالهراوة مدمج) (فَقَالَ رَسُول اللَّهِ يَا رب اغنه ... فمهما تشا من مفظع الْأَمر تفرج) (فساخت بِهِ فِي الأَرْض حَتَّى تغيبت ... حَوَافِرِهِ فِي بطن وَاد مفجع) (فأغناه رب الْعَرْش عَنَّا ورده ... وَلَوْلَا دفاع اللَّهِ لم يتعرج) ومروا على خَيْمَتي أم معبد الْخُزَاعِيَّة فَسَأَلُوهَا تَمرا وَلَحْمًا يشترونه فَلم يُصِيبُوا عِنْدهَا من ذَلِك شَيْئا فَنظر ﷺ َ - إِلَى شَاة فِي كسر الْخَيْمَة فَقَالَ: مَا هَذِه؟ قَالَت شَاة: خلفهَا الْجهد

стр. 106

عَن الْغنم قَالَ هَل بهَا من لبن قَالَت هِيَ أجهد من ذَلِك فَاسْتَأْذن أم معبد ودعا بِالشَّاة وَمسح بِيَدِهِ ضرْعهَا وسمى اللَّهِ ودعا لَهَا فِي شَاتِهَا فتفاجت عَلَيْهِ وَردت واجترت ودعا بِإِنَاء يربض الرَّهْط فَحلبَ ثمَّ سَقَاهَا حَتَّى رويت ثمَّ سقى أَصْحَابه حَتَّى رووا ثمَّ شرب آخِرهم ثمَّ حلب ثَانِيًا حَتَّى مَلأ الْإِنَاء ثمَّ غَادَرَهُ عِنْدهَا وبايعها وَارْتَحَلُوا وَأصْبح صَوت بِمَكَّة عَال لَا يَدْرُونَ من صَاحبه يَقُول: (جزى اللَّهِ رب الْعَرْش خير جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتي أم معبد) (هما نزلا بِالْهدى واهتديا بِهِ ... وَقد فَازَ من أَمْسَى رَفِيق مُحَمَّد) (فَمَا حملت من نَاقَة فَوق رَحلهَا ... أبر وأوفي ذمَّة من مُحَمَّد) (فيال قصي مَا زوى اللَّهِ عَنْكُم ... بِهِ من فعال لَا تجاري وسؤدد) (لِيهن بني كَعْب مَكَان فَتَاتهمْ ... ومقعدها للْمُؤْمِنين بِمَرْصَد) (سلوا أختكم عَن شَاتِهَا وإنائها ... فَإِنَّكُم إِن تسألوا الشَّاة تشهد) (دَعَاهَا بِشَاة حَائِل فتحلبت ... بِهِ من صَرِيح ضرَّة الشَّاة مُزْبِد) (فغادرها رهنا لَدَيْهَا لحالب ... يُرَدِّدهَا فِي مصدر ثمَّ مورد) فَأَجَابَهُ حسان: (لقد خَابَ قوم زَالَ عَنْهُم نَبِيّهم ... وَقدس من يسري إِلَيْهِم وَيَغْتَدِي) (ترحل عَن قوم فضلت عُقُولهمْ ... وَحل على قوم بِنور مُجَدد) (هدَاهُم بِهِ بعد الضَّلَالَة رَبهم ... وأرشدهم من يتبع الْحق يرشد) (وَقد نزلت مِنْهُ على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عَلَيْهِم بِأَسْعَد) (نَبِي يرى مَا لَا يرى النَّاس حَولهمْ ... وَيَتْلُو كتاب اللَّهِ فِي كل مشْهد) (وَإِن قَالَ فِي يَوْم مقَالَة غَائِب ... فَتَصْدِيقُهَا فِي الْيَوْم أَو فِي ضحى الْغَد) (لِيهن أَبَا بكر سَعَادَة جده ... بِصُحْبَتِهِ من يسْعد اللَّهِ يسْعد ... ) وَالله أعلم. وَقدم رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول سنة إِحْدَى يَوْم الأثنين الظّهْر فَنزل قبَاء على كُلْثُوم بن الْهدم وَأقَام بقباء الْإِثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس وَأسسَ مَسْجِد قبَاء الَّذِي نزل فِيهِ ﴿لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى﴾ وَخرج من قبَاء يَوْم الْجُمُعَة فَمَا مر على دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا قَالُوا هَلُمَّ يَا رَسُول اللَّهِ إِلَى الْعدَد وَالْعدة ويعترضون نَاقَته فَيَقُول: " خلوا سَبِيلهَا فَإِنَّهَا مأمورة " حَتَّى انْتَهَت إِلَى مَوضِع مَسْجده وَكَانَ مربد السهل وَسُهيْل ابْني عَمْرو يتيمين فِي حجر معَاذ بن عفراء فبركت هُنَاكَ وَوضعت جِرَانهَا فَنزل عَنْهَا ﷺ َ - وَاحْتمل أَبُو أَيُّوب الْأنْصَارِيّ رَحلهَا إِلَى بَيته وَأقَام ﷺ َ - عِنْد أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ حَتَّى بنى مَسْجده ومساكنه وَقيل بل كَانَ مَوضِع الْمَسْجِد لبني النجار وَفِيه نخل وَخرب وقبور الْمُشْركين .

стр. 107

وَتزَوج عَائِشَة ﵂: قبل الْهِجْرَة بعد وَفَاة خَدِيجَة وَدخل بهَا بعد الْهِجْرَة بِثمَانِيَة أشهر وَهِي بنت تسع وَتُوفِّي عَنْهَا وَهِي بنت ثَمَانِي عشرَة سنة. " وآخى بَين الْمُسلمين " فَاتخذ ﷺ َ - عليا أَخا وآخى بَين أبي بكر وخارجة بن زيد الْأنْصَارِيّ وَبَين أبي عُبَيْدَة وَسعد بن معَاذ الْأنْصَارِيّ وَبَين عمر وعتبان بن مَالك النصاري وَبَين عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن الرّبيع الْأنْصَارِيّ وَبَين عُثْمَان بن عَفَّان وَأَوْس بن ثَابت الْأنْصَارِيّ وَبَين طَلْحَة بن عبيد اللَّهِ وَكَعب بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَبَين سعيد بن زيد وَأبي بن كَعْب الْأنْصَارِيّ. وَأول مَوْلُود للمهاجرين بعد الْهِجْرَة عبد اللَّهِ بن الزبير وَأول مَوْلُود للْأَنْصَار النُّعْمَان بن بشير. (تَحْويل الْقبْلَة) ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ من الْهِجْرَة: فِيهَا حولت الصَّلَاة إِلَى الْكَعْبَة كَانَت الصَّلَاة بِمَكَّة وَبعد مقدمه إِلَى الْمَدِينَة بِثمَانِيَة عشر شهرا إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَذَلِكَ يَوْم الثُّلَاثَاء منتصف شعْبَان فَاسْتقْبل فِي صَلَاة الظّهْر وَبلغ أهل قبَاء ذَلِك فتحولوا إِلَى جِهَة الْكَعْبَة وهم فِي الصَّلَاة . قلت: كَانَ ﷺ َ - فِي أَصْحَابه فِي منَازِل بني سَلمَة فصلى بهم رَكْعَتَيْنِ من الظّهْر فِي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ إِلَى الْقُدس. ثمَّ أَمر فِي الصَّلَاة باستقبال الْكَعْبَة وَهُوَ رَاكِع فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة فَاسْتَدَارَ واستدارت الصُّفُوف خَلفه فَأَتمَّ الصَّلَاة فَسُمي مَسْجِد الْقبْلَتَيْنِ وَالله أعلم. وَفِي شعْبَان مِنْهَا فرض صَوْم رَمَضَان. قلت: وفيهَا فرضت صَدَقَة الْفطر، وَفِي شَوَّال مِنْهَا تزوج عَائِشَة، " وفيهَا " تزوج عَليّ فَاطِمَة ﵄ وَالله أعلم؛ وفيهَا أرى عبد اللَّهِ بن زيد بن عبد ربه الْأنْصَارِيّ صُورَة الْأَذَان فِي النّوم وَورد الْوَحْي بِهِ. قلت: قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة: إِن السّنة الأولى فِيهَا شرع الْأَذَان وَأسلم عبد اللَّهِ بن سَلام فاعتمد ذَلِك وَالله أعلم. وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ بعث ﷺ َ - عبد اللَّهِ بن جحش فِي ثَمَانِيَة أنفس إِلَى نَخْلَة بَين مَكَّة والطائف ليتعرفوا أَخْبَار قُرَيْش فَمر بهم عير لقريش فغنموها وأسروا اثْنَيْنِ وحضروا بذلك إِلَيْهِ ﷺ َ - وَهِي أول غنيمَة غنمها الْمُسلمُونَ وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ أَيْضا فِي رَمَضَان. (غَزْوَة بدر الْكُبْرَى) الَّتِي أظهر اللَّهِ بهَا الدّين وَذَلِكَ أَنه قدم لقريش قفل من الشَّام مَعَ أبي سُفْيَان بن حَرْب وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ رجلا فندب ﷺ َ - النَّاس إِلَيْهِم فَبلغ أَبَا سُفْيَان فَبعث وَأعلم قُريْشًا بِمَكَّة بذلك

стр. 108

فَخرج النَّاس من مَكَّة سرَاعًا وَلم يتَخَلَّف من الْأَشْرَاف غير أبي لَهب وَبعث مَكَانَهُ الْعَاصِ ابْن هِشَام وَكَانَت عدتهمْ تِسْعمائَة وَخمسين رجلا فيهم مائَة فرس وَخرج ﷺ َ - من الْمَدِينَة لثلاث خلون من رَمَضَان مِنْهَا وَمَعَهُ ثلثمِائة وَثَلَاث عشر رجلا مِنْهُم سَبْعَة وَسَبْعُونَ من الْمُهَاجِرين وَالْبَاقُونَ أنصار وَمَا فيهم سوى فارسين الْمِقْدَاد بن عَمْرو الْكِنْدِيّ وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَقيل غير الزبير، وَكَانَت الْإِبِل سبعين يتعاقبون عَلَيْهَا فَنزل الصَّفْرَاء وجاءته الْأَخْبَار بِأَن العير قاربت بَدْرًا وَأَن الْمُشْركين خَرجُوا ليمنعوا عَنْهَا ثمَّ ارتحل وَنزل فِي بدر على ادنى مَاء من الْقَوْم وَأَشَارَ سعد بن معَاذ فَبنى لَهُ ﷺ َ - عَرِيشًا فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَمَعَهُ أَبُو بكر وَأَقْبَلت قُرَيْش فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: " اللَّهُمَّ هَذِه قُرَيْش قد أَقبلت بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرهَا تكذب رَسُولك اللَّهُمَّ فَنَصرك الَّذِي وَعَدتنِي " وتقاربوا وبرز من الْمُشْركين عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة والوليد بن عتبَة فَأمر ﷺ َ - أَن يبارز عُبَيْدَة بن الْحَارِث بن الْمطلب عتبَة، وَحَمْزَة عَم النَّبِي ﷺ َ - شيبَة، وَعلي ﵁ الْوَلِيد وَضرب كل وَاحِد من عُبَيْدَة وَعتبَة، صَاحبه وكر عَليّ وَحَمْزَة على عتبَة فقتلاه واحتملا عُبَيْدَة وَقد قطعت رجله ثمَّ مَاتَ. وتزاحف الْقَوْم وَرَسُول اللَّهِ وَمَعَهُ أَبُو بكر على الْعَريش وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُول: " اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة لَا تعبد فِي الأَرْض اللَّهُمَّ أنْجز لي مَا وَعَدتنِي " وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ فَوَضعه أَبُو بكر عَلَيْهِ وخفق رَسُول اللَّهِ ثمَّ انتبه فَقَالَ: " أبشر يَا أَبَا بكر فقد أَتَى نصر اللَّهِ ". ثمَّ خرج من الْعَريش يحرض النَّاس على الْقِتَال وَأخذ حفْنَة من الْحَصْبَاء وَرمى بهَا قُريْشًا وَقَالَ: " شَاهَت الْوُجُوه " وَقَالَ لأَصْحَابه: " شدوا عَلَيْهِم " فَكَانَت الْهَزِيمَة وَكَانَت الْوَقْعَة صَبِيحَة الْجُمُعَة لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان وَحمل عبد اللَّهِ بن مَسْعُود رَأس أبي جهل إِلَيْهِ فَسجدَ النَّبِي ﷺ َ - شكرا لله تَعَالَى وَقتل أَبُو جهل وَهُوَ ابْن سبعين سنة وَقتل أَخُوهُ الْعَاصِ بن هِشَام وَنصر اللَّهِ نبيه بِالْمَلَائِكَةِ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ربكُم فَاسْتَجَاب لكم إِنِّي مُمِدكُمْ بِأَلف من الْمَلَائِكَة﴾ وَبلغ أَبَا لَهب بِمَكَّة مصاب بدر فَمَاتَ كمدا بعد سبع لَيَال وعدة قَتْلَى بدر الْمُشْركين سَبْعُونَ رجلا والأسرى كَذَلِك. وَمن الْقَتْلَى أَيْضا هِشَام قَتله المحدد بن زِيَاد، وَنَوْفَل بن خويلد أَخُو خَدِيجَة وَكَانَ من شياطين قُرَيْش وَهُوَ الَّذِي قرن أَبَا بكر وَطَلْحَة بن خويلد لما أسلما فِي حَبل قَتله عَليّ ﵁، وَعُمَيْر بن عُثْمَان بن عَمْرو التَّمِيمِي قَتله عَليّ أَيْضا، ومسعود بن أبي أُميَّة المَخْزُومِي قَتله حَمْزَة، وَعبد اللَّهِ بن الْمُنْذر المَخْزُومِي قَتله عَليّ، ومنبه بن الْحجَّاج السَّهْمِي قَتله أَبُو بشر الْأنْصَارِيّ، وَابْنه الْعَاصِ بن مُنَبّه قَتله عَليّ، وَأَخُوهُ نبيه بن الْحجَّاج اشْترك فِيهِ حَمْزَة وَسعد بن أبي وَقاص، وَأَبُو الْعَاصِ بن قيس السَّهْمِي قَتله عَليّ ﵁. وَكَانَ من جملَة الأسرى الْعَبَّاس وابنا أَخِيه عقيل بن أبي طَالب وَنَوْفَل بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَبعد انْقِضَاء الْقِتَال أَمر رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - بسحب الْقَتْلَى إِلَى القليب وَكَانُوا أَرْبَعَة

стр. 109

وَعشْرين من صَنَادِيد قُرَيْش وَأقَام بعرصة بدر ثَلَاث لَيَال وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين أَرْبَعَة عشر سِتَّة من الْمُهَاجِرين وَثَمَانِية أنصار وَلما وصل إِلَى الصَّفْرَاء رَاجعا من بدر أَمر عليا ﵁ فَضرب عنق النَّضر بن الْحَارِث وَكَانَ من عداوته إِذْ تَلا النَّبِي ﷺ َ - يَقُول لقريش مَا يأتيكم مُحَمَّد إِلَّا بأساطير الْأَوَّلين. قلت: وَلما قتل النَّضر ثمَّ أنشدته ابْنَته: (مَا كَانَ ضرك لَو مننت وَرُبمَا ... من الْفَتى وَهُوَ المغيظ المحنق) فَقَالَ ﷺ َ - " لَو سمعته مَا قتلته " وَالله أعلم، ثمَّ أَمر بِضَرْب عنق عقبَة بن أبي معيط بن أُميَّة وَكَانَ عُثْمَان ﵁ قد تخلف بِالْمَدِينَةِ بِأَمْر النَّبِي ﷺ َ - بِسَبَب مرض زَوجته رقية بنت رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَمَاتَتْ رقية فِي غيبَة رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَمُدَّة الْغَيْبَة تِسْعَة عشر يَوْمًا . (غَزْوَة بني قينقاع) ثمَّ كَانَت غَزْوَة بني قينقاع، هم نقضوا مَا كَانَ بَينهم وَبَينه ﷺ َ - من الْعَهْد فَخرج إِلَيْهِم منتصف شَوَّال مِنْهَا فَتَحَصَّنُوا فَحَاصَرَهُمْ خمس عشرَة لَيْلَة ونزلوا على حكمه ﷺ َ - فكتفوا وَهُوَ يُرِيد قَتلهمْ فَكَلمهُ عبد اللَّهِ بن أبي سلول الخزرجي الْمُنَافِق وَكَانَ هَؤُلَاءِ حلفاء الْخَزْرَج فَأَعْرض عَنهُ فَأَعَادَ السُّؤَال فَأَعْرض عَنهُ فَأدْخل يَده فِي جيب رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - وَقَالَ يَا رَسُول اللَّهِ أحسن فَقَالَ وَيحك أَرْسلنِي فَقَالَ لَا وَالله حَتَّى تحسن فَقَالَ ﷺ َ - هم لَك ثمَّ أجلاهم وغنم الْمُسلمُونَ أَمْوَالهم ثمَّ كَانَت غَزْوَة السويق . (غَزْوَة السويق) وَذَلِكَ أَن أَبَا سُفْيَان حلف لَا يمس الطّيب وَالنِّسَاء حَتَّى يَغْزُو مُحَمَّدًا ﷺ َ - بِسَبَب قَتْلَى بدر فَخرج فِي مِائَتي رَاكب وَبعث قدامه رجَالًا إِلَى الْمَدِينَة فوصلوا إِلَى العريض وَقتلُوا رجَالًا من الْأَنْصَار وَبلغ ذَلِك رَسُول اللَّهِ فَركب فِي طلبه وهرب ابو سُفْيَان وَأَصْحَابه وَجعلُوا يلقون جرب السويق تَخْفِيفًا فسميت غَزْوَة السويق. (غَزْوَة قرقرة الكدر) ثمَّ كَانَت " غَزْوَة قرقرة الكدر " وَقيل كَانَت سنة ثَلَاث وَهِي مِمَّا يَلِي جادة الْعرَاق إِلَى مَكَّة بلغَة ﷺ َ - أَن بِهَذَا الْموضع جمعا من سليم وغَطَفَان فَخرج لقتالهم فَلم يجد أحدا فاستاق مَا وجد من النعم وَرجع إِلَى الْمَدِينَة. وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ مَاتَ عُثْمَان بن مَظْعُون ﵁ وفيهَا الْوَقْعَة بِذِي قار بَين بكر بن وَائِل وَبَين جَيش كسْرَى برويز وَغَلَبَة الهرمزان وانهزمت الْفرس وَقتل الهرمزان. وفيهَا هلك أُميَّة بن أبي الصَّلْت من رُؤَسَاء الْكفَّار قَرَأَ الْكتب واطلع على الْبعْثَة فَكفر حسدا لِأَنَّهُ رجا أَن يكون هُوَ الْمَبْعُوث سَافر إِلَى الشَّام وَرجع عقيب وقْعَة بدر فَمر بالقليب وَفِيه قَتْلَى بدر وَمِنْهُم عتبَة وَشَيْبَة ابْنا خَال أُميَّة فجدع أُذُنِي نَاقَته وَقَالَ قصيدة مِنْهَا:

стр. 110

(أَلا بَكَيْت على الْكِرَام ... بني الْكِرَام أولي الممادح) (كبكا الْحمام على فروع الأيك فِي الْغُصْن الجوانح ... ) (يبْكين حزني مستكينات يرحن مَعَ الروائح ... ) (أمثالهن الباكيات المعولات من النوائح ... ) (مَاذَا ببدر والعقيقل من مرازبة جحاجح ... ) (شمط وشبان بهاليل مغاوير دحادح ... ) (أَن قدر تغير بطن مَكَّة فَهِيَ موحشة الأباطح ... ) وَاسم أبي الصَّلْت عبد اللَّهِ بن ربيعَة. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث: فِيهَا فِي رَمَضَان ولد الْحسن بن عَليّ ﵄ وفيهَا قتل مُحَمَّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ كَعْب بن الْأَشْرَف الْيَهُودِيّ قلت: وفيهَا تزوج الرَّسُول ﷺ َ - حَفْصَة بنت عمر ﵄ وَتزَوج عُثْمَان أم كُلْثُوم وَالله أعلم . (غَزْوَة أحد) وَكَانَت غَزْوَة أحد وَذَلِكَ أَنه اجْتمع قُرَيْش ثَلَاثَة آلَاف فيهم سَبْعمِائة دارع وَمِائَتَا فَارس قائدهم أَبُو سُفْيَان بن حَرْب وَمَعَهُ زَوجته هِنْد بنت عتبَة وَأَرْبع عشرَة امْرَأَة يضربن بِالدُّفُوفِ ويبكين قَتْلَى بدر وَسَارُوا من مَكَّة حَتَّى نزلُوا ذَا الحليفة قبالة الْمَدِينَة يَوْم الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع مضين من شَوَّال سنة ثَلَاث وَرَأى النَّبِي ﷺ َ - الْمقَام بِالْمَدِينَةِ وقتالهم بهَا وَكَذَا رأى عبد اللَّهِ بن أبي بن سلول الْمُنَافِق وَبَاقِي الصَّحَابَة رَأَوْا الْخُرُوج لقتالهم فَخرج ﷺ َ - فِي ألف من الصَّحَابَة وَصَارَ بَين الْمَدِينَة وَاحِد فانخذل عَنهُ ابْن أبي بن سلول فِي ثلث النَّاس وَقَالَ أطاعهم وعصاني علام نقْتل أَنْفُسنَا هَهُنَا وَرجع بِمن تبعه من أهل النِّفَاق وَنزل ﷺ َ - الشّعب من أحد وَجعل ظَهره إِلَى أحد. ثمَّ كَانَت الْوَقْعَة يَوْم السبت لسبع مضين من شَوَّال وعدة أَصْحَابه سَبْعمِائة فيهم مائَة دراع وفرسان فرس لرَسُول اللَّهِ فرس لأبي بردة ولواء رَسُول اللَّهِ ﷺ َ - مَعَ مُصعب بن عُمَيْر من بني عبد الدَّار وعَلى ميمنة الْمُشْركين خَالِد بن الْوَلِيد وعَلى ميسرتهم عِكْرِمَة بن أبي جهل ولواؤهم مَعَ بني عبد الدَّار وَجعل ﷺ َ - الرُّمَاة وهم خَمْسُونَ وَرَاءه وَلما الْتَقَوْا قَامَت هِنْد فِي النسْوَة مَعهَا وضربن بِالدُّفُوفِ خلف الرِّجَال وَهِي تَقول: (ويها بني عبد الدَّار ... ) (ويها حماة الأدبار ... ) (ضربا بِكُل بتار ... ) وَقَاتل حَمْزَة قتالا شَدِيدا وَقتل أَرْطَاة حَامِل لِوَاء الْمُشْركين وَمر بِهِ سِبَاع بن عبد الْعُزَّى وَكَانَت أمه ختانة مَكَّة فَقَالَ حَمْزَة هَلُمَّ يَا ابْن مقطعَة البظور وضربه فَكَأَنَّمَا أَخطَأ رَأسه فَبينا هُوَ مشتغل بسباع إِذْ ضربه وَحشِي الحبشي عبد جُبَير بن مطعم بِحَرْبَة فَقتله، قلت: وَفِي ذَلِك يَقُول حسان:
следующие страницы →