← История

История · id 6624

تاريخ ابن الوردي

ابن الوردي الجد، زين الدين

Полный текст (708 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

زنكي فحاصرها طَويلا، وخامرت العساكر عَلَيْهِ وَنقض الظَّاهِر صَاحب حلب الصُّلْح مَعَه، فَرَحل عَن سنجار إِلَى حران وَاسْتولى على نَصِيبين والخابور. وفيهَا: توفّي الْملك الْمُؤَيد نجم الدّين مَسْعُود بن صَلَاح الدّين. وفيهَا: توفّي الإِمَام فَخر الدّين مُحَمَّد بن عمر خطيب الرّيّ ابْن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عَليّ التَّيْمِيّ الْبكْرِيّ الطبرستاني الأَصْل الرَّازِيّ المولد الْفَقِيه الشَّافِعِي، صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة، ومولده سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، وَمَعَ فضائله كَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْوَعْظ بالعربي وبالعجمي، ويلحقه فِيهِ وجد وبكاء، وَكَانَ أوحد فِي المعقولات وَالْأُصُول، قصد الْكَمَال السَّمْعَانِيّ، ثمَّ عَاد إِلَى الرّيّ إِلَى الْمجد الجيلي واشتغل عَلَيْهِمَا وسافر إِلَى خوارزم وَمَا وَرَاء النَّهر، وَجَرت الْفِتْنَة الَّتِي ذكرت واتصل بشهاب الدّين الغوري صَاحب غزنة وَحصل لَهُ مِنْهُ مَال طائل ثمَّ حظي فِي خُرَاسَان عِنْد السُّلْطَان خوارزم شاه بن تكش، وشدت إِلَيْهِ الرّحال وقصده ابْن عنين ومدحه بقصائد. وَمن شعره فَخر الدّين: (نِهَايَة إقدام الْعُقُول عقال ... وَأكْثر سعي الْعَالمين ضلال) (وأرواحنا فِي وَحْشَة من جسومنا ... وَحَاصِل دُنْيَانَا أَذَى ووبال) (وَلم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أَن جَمعنَا فِيهِ قيل وَقَالُوا) (وَكم قد رَأينَا من رجال ودولة ... فبادوا جَمِيعًا مُسْرِعين وزالوا) (وَكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فبادوا وَالْجِبَال جبال) وفيهَا: فِي سلخ ذِي الْحجَّة توفّي مجد الدّين أَبُو السعادات الْمُبَارك بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الْمَعْرُوف بِابْن الْأَثِير أَخُو غز الدّين عَليّ مؤلف الْكَامِل فِي التَّارِيخ، وَكَانَ عَالما بالفقه والأصولين والنحو والْحَدِيث واللغة وكتابته مفلقة ومولده سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة. وفيهَا: توفّي الْمجد الْمُطَرز النَّحْوِيّ الْخَوَارِزْمِيّ، لَهُ فِي النَّحْو تصانيف حَسَنَة. ثمَّ دخلت سنة سبع وسِتمِائَة: فِيهَا عَاد الْعَادِل من الْبِلَاد الشرقية إِلَى دمشق. وفيهَا: حصر الكرج الْملك الأوحد بن الْملك الْعَادِل بخلاط وَشرب ملك الكرج فَحسن لَهُ السكر التَّقَدُّم إِلَى خلاط فِي عشْرين فَارِسًا وَخرج الْمُسلمُونَ إِلَيْهِ فتقطر وَأسر فَرد على الأوحد عدَّة قلاع وبذل خَمْسَة آلَاف أَسِيرًا وَمِائَة ألف دِينَار وهادن ثَلَاثِينَ سنة وَشرط تَزْوِيج ابْنَته من الأوحد وَأطلق. وفيهَا: توفّي نور الدّين أرسلان شاه بن عز الدّين مَسْعُود بن مودود بن زنكي صَاحب الْموصل فِي آخر رَجَب بِمَرَض طَوِيل، وَملك سبع عشرَة سنة وَأحد عشر شهرا.

стр. 492

وَكَانَ أسمر حسن الْوَجْه قد أسْرع إِلَيْهِ الشيب، شَدِيد الهيبة، قَلِيل الصَّبْر، وَملك بعده ابْنه الْملك القاهر عز الدّين مَسْعُود وَهُوَ ابْن عشر سِنِين وَدبره بدر الدّين لُؤْلُؤ مَمْلُوك أَبِيه وأستاذ دَاره، وَهُوَ الَّذِي ملك الْموصل، ولأرسلان شاه ولد آخر أَصْغَر من القاهر اسْمه زنكي ملكه أَبوهُ قلعتي الْعقر وسوس قرب الْموصل. وفيهَا: وَردت رسل الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله إِلَى مُلُوك الْأَطْرَاف أَن يشْربُوا لَهُ كأس الفتوة، ويلبسوا لَهَا سراويلها وَأَن ينتسبوا إِلَيْهِ فِي رمي البندق ويجعلوه قدوتهم فِيهِ قلت: وَكَانَ بعض الْفُضَلَاء قد استفتى فِي هَذِه الفتوة بِمصْر وَالشَّام، وَأخذ بتحريمها خطوط الْعلمَاء الْأَعْلَام، فَمنهمْ من أجَاب على جاري الْعَادة وَمِنْهُم من أجَاب بنثر أبدعه ونظم أجاده وأحضرها بعد ذَلِك إِلَيّ فامتنعت من الْكِتَابَة عَلَيْهَا لقصوري فألح عَليّ فَكتبت مَا صورته: أما بعد: حمداً لله الَّذِي من اتبع مَا أنزلهُ قبل وَمن خَالف كِتَابه وَسنة نبيه خذل، وَالصَّلَاة على رَسُوله مُحَمَّد الَّذِي شَرِيعَته هِيَ الفتوة حَقًا، وطريقته هِيَ الْمُرُوءَة صدقا، وعَلى آله أهل الرأفة والإشفاق وَصَحبه الْمَأْخُوذ عَنْهُم مَكَارِم الْأَخْلَاق فقد غاضني حَتَّى هاضني وأحنقني حَتَّى خنقني مَا أحدثه أهل الْجَهْل والابتداع، وَسكت عَنهُ الْعلمَاء حَتَّى شاع فِي الرعاع وذاع، وَهِي الْبِدْعَة الَّتِي يجب إخفاء رسمها، والمنكرة الْمَعْرُوفَة بالفتوة وَهِي ضد اسْمهَا، وَكَيف لَا وَقد عكف عَلَيْهَا أَتبَاع الضَّلَالَة ودعا إِلَيْهَا الحمقى وَأهل البطالة يجمعُونَ لَهَا الجموع والأنباط، ويحضرها المرد وَأهل اللواط، فَمنهمْ من يتصابى على سنة وَمِنْهُم من يمشي على بَطْنه وَمِنْهُم قوم إِذا الشَّرّ أبدى ناجذيه طاروا إِلَيْهِ وَإِن تنحنح ذُو سطوة أجابوه بسكين وقرؤا التكاثر عَلَيْهِ إِن اضمرت كلمة الْحق ظَهَرُوا وَإِن بني علم الْإِيمَان على الْفَتْح استتروا مَا أحقهم بِنَفْي الْجِنْس وَمَا أولاهم بِالْكَسْرِ وجعلهم كأمس. شعر: (جنائز مَجْمُوعَة ... بعهم كَبيع الْمُفلس) (لَا قبض فِي صرفهم ... مَا هم خِيَار الْمجْلس) كَبِيرهمْ العَاصِي يزِيد تيها على ابْن الْفُرَات وَهُوَ عِنْد الشَّرِيعَة صَغِير ويتصدر - فيهم بِغَيْر علم وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير يلْبِسهُمْ لِبَاس شَرّ ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير، ويشد التكة بِيَدِهِ وَرُبمَا حل بِهِ عقيدة الْغَيْر خُصُوصا إِذا كَانَ اللابس نقي خد فَتلك راية فَرح الْجَمَاعَة وَالطَّرِيق إِلَى مَا قد يُوجب الْحَد ويسقيهم مَاء لَهُ بالملح مزاج بئس الشَّرَاب، وَلَو كَانَ عذباً فراتاً فَكيف وَهُوَ ملح أجاج يشقيهم بِمَا يسقيهم ويطغيهم بِمَا يعطيهم فيضلون بالبدعة جمعا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا ويمد لَهُم خوانًا يجمع فَاسِقًا، وخواناً جمع ثمنه من الششم والأنزروت والقرعة والقمار وَضرب التخوت والزبل والكنس والحجامة والدبغ والحوك والنجامة، وَمن الزفورية والطرقية وَسَائِر الْحَرْف الدنية بعدا لَهَا من بِدعَة سفلى

стр. 493

وَطَرِيقَة غير مثلى جمعهَا لكَونه لَا يعقل غير سَالم، وفاعلها وَإِن كَانَ فَاعِلا مجرور على وَجهه بِالْأَمر الْجَازِم مَا سمعنَا بِمِثْلِهَا فِي أمة وَلَا ساعد عَلَيْهَا أحد من الْأَئِمَّة. شعر: (وَمَا كفى مَا أَتَوْهُ ... من الضلال الْجَلِيّ) (حَتَّى أضافوه جهلا ... إِلَى الإِمَام عَليّ) أقسم بِاللَّه أغْلظ يَمِين إِن مبيحها يكذب وَيَمِين، الشَّيْطَان بغروره دلاه فَاشْترط شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله، فوقوف كَبِيرهمْ لعِلَّة لَا لله، ودعوته إِلَى الْبَاطِل فِي الْجُمْلَة حَيا كميت كَاذِبًا على آل الْبَيْت. شعر: (لَيْسَ الْفَتى كل الْفَتى عندنَا ... إِلَّا الَّذِي يُنْهِي عَن الْفُحْش) (يَأْتِي إِلَى الْإِسْلَام من بَابه ... وَيتبع الْحق بِلَا غش) لَيْسَ الْفَتى من ضرب بالسكين وَالسيف، الْفَتى من أطْعم الْمِسْكِين والضيف، لَيْسَ الْفَتى من عصب لأَصْحَابه وعشرائه، الْفَتى من جعل الْحق بَين عَيْنَيْهِ وَالْبَاطِل من وَرَائه، لَيْسَ الْفَتى من أَقَامَ الشنائع وَشهر على الْأمة السِّلَاح، الْفَتى من دقق الذرائع وسهر فِي جمع الْكَلِمَة والإصلاح، لَيْسَ الْفَتى من كَانَ من أهل اللياط، الْفَتى من أَخذ بالورع وَالِاحْتِيَاط، لَيْسَ الْفَتى من قَالَ بِالشَّاهِدِ، الْفَتى من يُحَاسب نَفسه ويجاهد فَإِن قَالَ أحدهم أَنا أَقْْضِي دين الْمَدِين وأجبر المكسور وأعين الْمِسْكِين وأحمل الثّقل وَأطلق الْمَحْبُوس وأفك المعتقل قُلْنَا خصصت بِهِ رفاقك وعشائرك وَتركت بَقِيَّة النَّاس وَرَاءَك، وَلَو سلم فقد أهملت وَاجِب الْمَنْدُوب وَأَنت بكذبك على عَليّ بن أبي طَالب مَطْلُوب. شعر: (كذبت على آل النَّبِي بجرأة ... ورحت لأفعال الْحَرَام موجها) (وأبديت مَعْرُوفا تضمن مُنْكرا ... كمطعمة الْأَيْتَام من كد فرجهَا) فَإِن احْتج للفتوة بأخذها عَن الْخَلِيفَة قُلْنَا: إِن صَحَّ فبدعة أحدثت كتقبيل العتبة الشَّرِيفَة، وَإِنَّمَا يَصح الِاقْتِدَاء بالخلفاء الرَّاشِدين الَّذين أَخذ عَنْهُم أَئِمَّة الدّين فَلَا تحرم نَفسك الْجنَّة بمخالفة الْكتاب وَالسّنة، وَتب إِلَى رَبك من هَذِه الْجَهَالَة فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة. أتزعم أَن الْإِسْلَام نَاقص وَهَذِه تَتِمَّة وَالله سُبْحَانَهُ قد أكمل لنا ديننَا وَأتم علينا النِّعْمَة. فَالْوَاجِب علينا أَن تزجر وتهجر وَالْمُنكر عَلَيْك يُؤجر، والراضي بِهَذِهِ الْبِدْعَة كفاعلها أعاننا الله على إِزَالَة أزلها وَإِبْطَال باطلها، فَإِنَّهَا طَريقَة مذمومة وفعلة مُحرمَة مَسْمُومَة، كم أفتى بتحريمها عَالم، وكما قَالَ بضعفها ولي، وَلَو صحت عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ لكَانَتْ فِي الْقُوَّة كجلمود صَخْر حطه السَّيْل من علا وَلَوْلَا خوف التَّطْوِيل لذكرت مَا عَلَيْهَا من دَلِيل

стр. 494

سَمَّاهَا بعض شياطين الْإِنْس فتوة قصر الله عمره فَلَا حول وأضعفه فَلَا قُوَّة، وَالله أعلم. وفيهَا: سَار الْعَادِل من مقَامه بِدِمَشْق إِلَى مصر. وفيهَا: توفّي فَخر الدّين جهاركس كَبِير الصلاحية. وفيهَا: توفّي الْملك الأوحد أَيُّوب بن الْعَادِل فَسَار أَخُوهُ الْأَشْرَف وَملك خلاط على مَا بِيَدِهِ من الشرق فَعظم ولقب شاهرمن. وفيهَا: وَقتل غياث الدّين كيخسرو صَاحب الرّوم قَتله ملك الأشكري وَملك بعده ابْنه كيكاوس كَمَا مر. ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وسِتمِائَة: فِيهَا قبض الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل على عز الدّين أُسَامَة صَاحب قلعتي كَوْكَب وعجلون بِأَمْر أَبِيه وحبسه فِي الكرك إِلَى أَن مَاتَ بهَا، وتسلم الحصنين من غلْمَان أُسَامَة بحصار، وَخَربَتْ كَوْكَب، وَعفى أَثَرهَا، وانقرضت الصلاحية بأسامة هَذَا، وَملك الْمُعظم بِلَاد جهاركس وَهِي بانياس وَمَا مَعهَا لِأَخِيهِ شقيقه الْعَزِيز بن الْعَادِل، وَأعْطى صرخد مَمْلُوكه أيبك المعظمي. وفيهَا: عَاد الْعَادِل إِلَى الشَّام وَأعْطى ابْنه المظفر غَازِي الرها مَعَ ميافارقين. وفيهَا: أرسل الظَّاهِر القَاضِي بهاء الدّين بن شَدَّاد فاستعطف الْعَادِل وخطب ابْنَته ضيفة خاتون للظَّاهِر فَزَوجهَا مِنْهُ وتصافيا. وفيهَا أظهر الكيا جلال الدّين حسن صَاحب الألموت من ولد الصَّباح شَعَائِر الْإِسْلَام وَكتب بِهِ إِلَى قلاع الإسماعيلية بالعجم وَالشَّام. وفيهَا: توفّي أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن يُونُس بن مَنْعَة الْفَقِيه الشَّافِعِي بالموصل وَكَانَ إِمَامًا فَاضلا حسن الْأَخْلَاق. قلت: وَله الْمُحِيط فِي الْجمع بَين الْمُهَذّب والوسيط وَشرح الْوَجِيز، وعقيدة وتعليقة فِي الْخلاف لم تتمّ، وَولي خطابة الْموصل مَعَ تدريس العزية والنورية والزينية والنقشية والعلائية، وَولي قَضَاء الْموصل ثمَّ انْفَصل عَنهُ وَتقدم عِنْد نور الدّين أرسلان شاه، وَسَار عَنهُ رَسُولا إِلَى بَغْدَاد مَرَّات وَإِلَى الْعَادِل، وناظر فِي ديوَان الْخلَافَة فِي شِرَاء الْكَافِر العَبْد الْمُسلم سنة سِتّ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة، وَنقل نور الدّين الْمَذْكُور من مَذْهَب أبي حنيفَة إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي وَلَيْسَ فِي بَيت أتابك شَافِعِيّ سواهُ مَعَ كثرتهم وَالله أعلم. وفيهَا: توفّي القَاضِي السعيد هبة الله بن جَعْفَر بن سنا الْملك السَّعْدِيّ الْمصْرِيّ فَاضل متنعم وافر السَّعَادَة، وَله نظم فائق مدح توران شاه أَخا السُّلْطَان صَلَاح الدّين بقصيدة مطْلعهَا: (تقنعت لَكِن بالحبيب المعمم ... وَفَارَقت لَكِن كل عَيْش مذمم) فهجن هَذَا المطلع وعيب.

стр. 495

وَله: (لَا الْغُصْن يحكيك وَلَا الجؤذر ... حسنك مِمَّا أَكْثرُوا أَكثر) (يَا باسماً أهْدى لنا ثغره ... عقدا وَلَكِن كُله جَوْهَر) (قَالَ لي اللاحي أما تستمع ... فَقلت يَا لاحي أما تبصر) قلت: وَأخذ الحَدِيث عَن السلَفِي، وَاخْتصرَ كتاب الْحَيَوَان للجاحظ وَسَماهُ روح الْحَيَوَان، وَله ديوَان شعر، وديوان موشحات سَمَّاهُ دَار الطّراز ورسائل. وَمَا أحسن قَوْله: (وَلَو أبْصر النظام جَوْهَر ثغرها ... لما شكّ فِيهَا أَنه الْجَوْهَر الْفَرد) (وَمن قَالَ أَن الخيزرانة قدها ... فَقولُوا لَهُ إياك أَن يسمع الْقد) وَله من رِسَالَة فِي نقص النّيل بديعة: وَأما أَمر المَاء فَإِنَّهُ نضبت مشارعه وتقطعت أَصَابِعه وَتيَمّم العمود لصَلَاة الاسْتِسْقَاء، وهم المقياس من الضعْف بالاستلقاء، وَبلغ القَاضِي السعيد عَن أبي المكارم هبة الله بن وَزِير بن مقلد الْكَاتِب الشَّاعِر أَنه هجاه فَأحْضرهُ وأدبه وَشَتمه، فَكتب إِلَيْهِ نشو الْملك أَبُو الْحسن عَليّ بن مفرج المعري الأَصْل، الْمصْرِيّ الدَّار والوفاة، الْمَعْرُوف بِابْن المنجم الشَّاعِر الْمَشْهُور: (قل للسعيد أدام الله نعْمَته ... صديقنا ابْن وَزِير كَيفَ تظلمه) (صفعته إِذْ غَدا يهجوك منتقماً ... فَكيف من بعد هَذَا ظللت تشتمه) (هجو بهجو وَهَذَا الصفع فِيهِ رَبًّا ... وَالشَّرْع مَا يَقْتَضِيهِ بل يحرمه) (فَإِن تقل مَا لهجو عِنْده ألم ... فالصفع وَالله أَيْضا لَيْسَ يؤلمه) وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة تسع وسِتمِائَة: فِيهَا فِي الْمحرم عقد الْملك الظَّاهِر على ضيفة خاتون بنت الْعَادِل، وَالصَّدَاق خَمْسُونَ ألف دِينَار، واحتفل الظَّاهِر لملتقاها بالنفائس. وفيهَا: عمر الْعَادِل قلعة الطّور وفيهَا: حاصر طغرل بك شاه صَاحب أرزن ابْن أَخِيه سُلْطَان الرّوم كيكاوس بسيواس فاستنجد بالأشرف فخاف طغرل بك ورحل عَنهُ. ثمَّ دخلت سنة عشر وسِتمِائَة: فِيهَا قتل كيكاوس عَمه طغرل بك شاه وَأخذ بِلَاده، وَذبح أَكثر أمرائه، وَقصد أَخِيه عَلَاء الدّين كيقباد فشفعوا فِيهِ فعفى عَنهُ. وفيهَا: فِي رَمَضَان توفّي بحلب فَارس الدّين مَيْمُون القصري آخر الْأُمَرَاء الصلاحية، ينتسب إِلَى قصر الْخُلَفَاء بِمصْر أَخذه مِنْهُ صَلَاح الدّين. وفيهَا: ولد للظَّاهِر من ضيفة خاتون بنت الْعَادِل ابْنه الْعَزِيز غياث الدّين مُحَمَّد. وفيهَا: قتل منكلي من البهلوانية أيدغمش الْغَالِب على مملكة هَمدَان وَالْجِبَال، مَمْلُوك البهلوان أَيْضا هرب مِنْهُ أيدغمش إِلَى الْخَلِيفَة ثمَّ عَاد فَقتله وَملك مَكَانَهُ.

стр. 496

وفيهَا: فِي شعْبَان توفّي ملك الْمغرب النَّاصِر بن يَعْقُوب الْمَنْصُور بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وتملكه نَحْو سِتّ عشرَة سنة. كَانَ أسيل الخد دَائِم الإطراق كثير الصمت للثغة لِسَانه، وَملك بعده ابْنه الْمُسْتَنْصر أَبُو يَعْقُوب يُوسُف. وفيهَا: وَقيل فِي الَّتِي قبلهَا توفّي عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن خروف النَّحْوِيّ الأندلسي الأشبيلي شرح كتاب سِيبَوَيْهٍ وجمل الزجاجي فأجاد. قلت: وَتخرج على أبي طَاهِر النَّحْوِيّ الأندلسي، الْمَعْرُوف بالخدر، وَالله أعلم. وفيهَا: توفّي عِيسَى بن عبد الْعَزِيز الْجُزُولِيّ بمراكش إِمَام فِي النَّحْو لَهُ فِيهِ مُقَدّمَة القانون أَتَى فِيهَا بالعجائب، واعتنى بهَا فضلاء، وَكلهَا رموز، يعْتَرف أَكثر الْفُضَلَاء بالقصور عَنْهَا، قدم مصر على ابْن بري النَّحْوِيّ، ثمَّ عَاد إِلَى الْمغرب، ونسبته إِلَى جزولة بِضَم الْجِيم بطن من البربر وَتسَمى كزولة أَيْضا، وَشرح مقدمته فأغرب وَأفَاد. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشرَة وسِتمِائَة: فِيهَا توفّي دلدرم بن ياروق صَاحب تل بَاشر فوليها ابْنه فتح الدّين. وفيهَا: توفّي الشَّيْخ عَليّ بن أبي بكر الْهَرَوِيّ وتربته مَعْرُوفَة بحلب، كَانَ لَهُ يَد فِي الشعبذة والسيمياء والحيل، وَتقدم عِنْد الظَّاهِر وَدَار أَكثر المعمورة. قلت: وَله كتاب الإشارات فِي معرفَة الزيارات والخطب الهروية، وَبنى تربته على قدر الْكَعْبَة شرفها الله تَعَالَى وَهِي فِي مدرسة بناها لَهُ الظَّاهِر وَقد كتب الشَّيْخ على بَاب كل بَيت مِنْهَا مَا يَلِيق بِهِ حَتَّى كتب على بَاب الميضأة بَيت المَال فِي بَيت المَاء، وَالله أعلم. وفيهَا: أسرت التركمان ملك الأشكري قَاتل غياث الدّين كيخسرو فَحمل إِلَى ابْنه كيكاوس فبذل فِي نَفسه أَمْوَالًا وَسلم إِلَى كيكاوس قلاعاً وبلاداً لم تَملكهَا الْمُسلمُونَ قطّ. وفيهَا: عَاد الْعَادِل من الشَّام إِلَى مصر. وفيهَا: توفّي ركن الدّين عبد السَّلَام بن عبد الْوَهَّاب بن الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلي بِبَغْدَاد، وَكَانَ قد أتهم بالفلسفة فاعتقل ثمَّ شفع فِيهِ وَالِده فَأخْرج وَعَاد إِلَى ولاياته حَتَّى مَاتَ. وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي عبد الْعَزِيز بن مَحْمُود بن الأخصر وَله سبع وَثَمَانُونَ سنة من فضلاء الْمُحدثين. ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة: فِيهَا بعث الْكَامِل بن الْعَادِل ابْنه الْملك المسعود يُوسُف الْمَعْرُوف بأقسيس إِلَى الْيمن فِي جَيش فاستولى على الْيمن وظفر بِسُلَيْمَان الَّذِي أطرح زَوجته الَّتِي ملكته وَبعث بِهِ إِلَى مصر فَأجرى لَهُ الْكَامِل مَا يقوم بِهِ إِلَى أَن خرج فَقتل شَهِيدا فِي المنصورة.

стр. 497

وفيهَا: توفّي الْأَمِير عَليّ بن الإِمَام النَّاصِر فأحزن أَبَاهُ ورثته الشُّعَرَاء. وفيهَا: قصدت العساكر من بَغْدَاد وَغَيرهَا منكلي صَاحب هَمدَان وأصبهان والري فَانْهَزَمَ وَقتل فِي ساوه، وَتَوَلَّى بعده أغملش أحد المماليك البهلوانية أَيْضا. وفيهَا: فِي شعْبَان ملك خوارزم شاه بن تكش غزنة من يلدز الْمُقدم ذكره فهرب يلدز إِلَى لهاوور من الْهِنْد وَاسْتولى عَلَيْهَا، ثمَّ سَار عَن لهاوور ليستولي على بعض الْهِنْد الدَّاخِل تَحت حكم قطب الدّين أيبك خشداشه فاقتتلا فَقتل يلدز، وَكَانَ محسنا إِلَى الرّعية. وفيهَا: توفّي الْوَجِيه الْمُبَارك بن أبي الْأَزْهَر سعيد بن الدهان النَّحْوِيّ الضَّرِير قَرَأَ على ابْن الْأَنْبَارِي وَغَيره، كَانَ حنبلياً فَصَارَ حنفياً ثمَّ شافعياً فَقَالَ فِيهِ أَبُو البركات زيد التكريتي: (أَلا مبلغ عني الْوَجِيه رِسَالَة ... وَإِن كَانَ لَا تجدي إِلَيْهِ الرسائل) (تمذهبت للنعمان بعد ابْن حَنْبَل ... وفارقته إِذْ أعوزتك المآكل) (وَمَا اخْتَرْت رَأْي الشَّافِعِي تديناً ... ولكنما تهوى الَّذِي هُوَ حَاصِل) (وَعَما قَلِيل أَنْت لَا شكّ صائر ... إِلَى مَالك فافطن لما أَنا قَائِل) قلت: وَهَذَا غير ابْن الدهان الْمَعْرُوف بالحمصي، فَذَلِك أَبُو الْفرج عبد الله بن أسعد بن عَليّ بن عِيسَى المنعوت بالمهذب بن الدهان الْفَقِيه الشَّاعِر الَّذِي من شعره السائر: (يضحى يجانبني مجانبة العدا ... ويبيت وَهُوَ إِلَى الصَّباح نديم) (ويمر بِي يخْشَى الوشاة وَلَفظه ... شتم وملء جفونه تَسْلِيم) وَتُوفِّي بحمص سنة إِحْدَى وَهُوَ الْأَصَح، وَقيل: اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة: فِيهَا فِي ثَالِث عشر جمادي الْآخِرَة توفّي الْملك الظَّاهِر غَازِي، وعمره أَربع وَأَرْبَعُونَ سنة وَكسر، وَملكه لحلب من حِين وَهبهَا لَهُ أَبوهُ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة، كَانَ مقدما على سفك الدِّمَاء، ثمَّ أقصر عَنهُ. وَملك بعده ابْنه الصَّغِير الْملك الْعَزِيز بِعَهْد من أَبِيه وعمره سنتَانِ وَأشهر ودبر أُمُوره شهَاب الدّين طغرل بك الْخَادِم فَأحْسن السياسة، وَكَانَ عمره الصَّالح أَحْمد أخي الْعَزِيز اثْنَتَيْ عشرَة سنة، وَأوصى الظَّاهِر لَهُ بِالْملكِ بعد الْعَزِيز وَأخرج الظافر المشمر قبل مَوته إِلَى إقطاعه كفر سود، وَعلم الدّين قَيْصر الظَّاهِرِيّ إِلَى حارم نَائِبا. وفيهَا: توفّي تَاج الدّين زيد بن الْحسن بن زيد الْكِنْدِيّ النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ، وَله الْإِسْنَاد العالي فِي الحَدِيث والفنون، انْتقل إِلَى دمشق وَهُوَ بغدادي المولد والمنشأ. قلت: كتب إِلَيْهِ أَبُو شُجَاع الدهان الفرضي: (يَا زيد زادك رَبِّي من مواهبه ... نعمى يقصر عَن إِدْرَاكهَا الأمل)

стр. 498

(لَا غير الله حَالا قد حباك بهَا ... مَا دَار بَين النُّحَاة الْحَال وَالْبدل) (النَّحْو أَنْت أَحَق الْعَالمين بِهِ ... أَلَيْسَ بِاسْمِك فِيهِ يضْرب الْمثل) وامتدحه الشَّيْخ علم الدّين السخاوي بقوله: (لم يكن فِي عصر عَمْرو مثله ... وَكَذَا الْكِنْدِيّ فِي آخرعصر) (فهما زيد وَعَمْرو إِنَّمَا ... بنى النَّحْو على زيد وَعَمْرو) وَمن شعر أبي الْيمن زيد الْكِنْدِيّ الْمَذْكُور: (دع المنجم يكبو فِي ضلالته ... إِن ادّعى علم مَا يجْرِي بِهِ الْفلك) (تفرد الله بِالْعلمِ الْقَدِيم فَلَا ... الْإِنْسَان يشركهُ فِيهِ وَلَا الْملك) (أعد للرزق من إشراكه شركا ... لبئست الخلتان الشّرك والشرك) ومولده سنة عشْرين وَخَمْسمِائة، وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة أَربع عشرَة وسِتمِائَة: والعادل بِمصْر وَقد وصل الفرنج من الْبَحْر إِلَى عكا فِي جمع عَظِيم فجَاء الْعَادِل إِلَى نابلس واندفع قدامهم إِلَى عقبَة أفِيق لكثرتهم فوصلت غارتهم إِلَى نوى من السوَاد وانبثوا فَقتلُوا وغنموا عَظِيما وعادوا إِلَى مرج عكا، والعادل بمرج الصفر، وحصروا الطّور ثمَّ رحلوا عَنهُ وَخرجت السّنة وهم بعكا. وفيهَا: سَار خوارزم شاه عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن تكش فَملك بِلَاد الْجَبَل وَغَيرهَا. فَمِنْهَا: ساوه وقزوين وزنجان وأبهر وهمدان وأصبهان وقم وقاشان، وأطاعه أزبك بن البهلوان صَاحب أذربيجان وأران، وخطب لَهُ وَسَار ليدْخل بَغْدَاد فكاد الثَّلج يُهْلِكهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى خُرَاسَان، وَقطع مِنْهَا خطْبَة الإِمَام النَّاصِر سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة، وَكَذَلِكَ قطعت خطْبَة الإِمَام النَّاصِر فِيمَا وَرَاء النَّهر. ثمَّ دخلت سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة: والعادل بمرج الصفر والفرنج بعكا، ثمَّ سَار الفرنج إِلَى دمياط فَنزل كَامِل بن الْعَادِل من مصر إِلَى قبالتهم مُدَّة أَرْبَعَة أشهر، ثمَّ اجْتمعت عَسَاكِر الشَّام وَغَيرهَا عِنْد الْكَامِل فَأخذ فِي قتال الفرنج ودفعهم عَن دمياط. وفيهَا: توفّي الْملك القاهر عز الدّين مَسْعُود بن أرسلان شاه بن مَسْعُود بن مودود بن زنكي بن أقسنقر صَاحب الْموصل لثلاث بَقينَ من ربيع الأول وَملكه سبع سِنِين وَتِسْعَة أشهر، وانقرض بِمَوْتِهِ ملكهم، وَله إبنان أكبرهما أرسلان شاه وعمره نَحْو عشر سِنِين، فأوصى بِالْملكِ لَهُ بتدبير مَمْلُوكه بدر الدّين لُؤْلُؤ فَجعل بدر الدّين لُؤْلُؤ السِّكَّة وَالْخطْبَة للمذكور ودبر المملكة أحسن تَدْبِير. ذكر قصد ملك الرّوم حلب لما جلس الْعَزِيز وَهُوَ طِفْل فِي مملكه حلب استدعى كيكاوس صَاحب الرّوم الْملك الْأَفْضَل صَاحب سميساط واتفقا أَن يفتح حلب وبلادها ويسلمها إِلَى الْأَفْضَل ثمَّ يفتح الْبِلَاد.

стр. 499

الشرقية الَّتِي بيد الْأَشْرَف بن الْعَادِل ويتسلمها كيكاوس وَسَار إِلَى حلب وَوصل رعبان وَسلمهَا إِلَى الْأَفْضَل فمالت إِلَيْهِ قُلُوب أهل الْبِلَاد لذَلِك ثمَّ فتح تل بَاشر وَبهَا ابْن دلدرم وَأَخذهَا كيكاوس لنَفسِهِ، فَتغير خاطر الْأَفْضَل وَأهل الْبِلَاد لذَلِك، وَوصل الْأَشْرَف بن الْعَادِل إِلَى حلب للدَّفْع عَنْهَا، وَوصل إِلَيْهِ بهَا الْأَمِير مَانع بن جديثة أَمِير الْعَرَب فِي جمع عَظِيم. وَكَانَ كيكاوس قد تسلم منبج لنَفسِهِ وَنزل الْأَشْرَف بجموعه وَادي بزاعة وَانْقطع بعض عكسره مَعَ مُقَدّمَة عَسْكَر كيكاوس، وانهزمت مُقَدّمَة عَسْكَر كيكاوس وَأسر بَعْضهَا، وَبلغ ذَلِك كيكاوس بمنبج فولى مُنْهَزِمًا، وَتَبعهُ الْأَشْرَف يتخطف أَطْرَافهم، ثمَّ اسْترْجع الْأَشْرَف تل بَاشر ورعبان وَغَيرهمَا، وَتوجه الْأَفْضَل إِلَى سميساط وَلم يطْلب بعْدهَا ملكا، وَعَاد الْأَشْرَف إِلَى حلب وَقد بلغه وَفَاة أَبِيه. ذكر وَفَاة الْملك الْعَادِل كَانَ بمرج الصفر وَأرْسل الْعَسْكَر إِلَى ابْنه الْكَامِل بِمصْر، ثمَّ نزل بفالقين عِنْد عقبَة أفِيق، فَمَرض وَتُوفِّي بهَا فِي سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا، ومولده سنة أَرْبَعِينَ وَخَمْسمِائة فعمره خمس وَسَبْعُونَ، وَملكه لدمشق ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة، ولمصر تسع عشرَة سنة. كَانَ يقظاً عَاقِلا حَلِيمًا مَاكِرًا صبوراً، واتسع ملكه وَكثر أَوْلَاده وَرَأى فيهم مَا لَا رَآهُ ملك فِي أَوْلَاده، وَقد أَجَاد شرف الدّين بن عنين حَيْثُ يَقُول فِيهِ: (مَاذَا على طيف الْأَحِبَّة لَو سرى ... وَعَلَيْهِم لَو سامحوني بالكرا) وَمِنْهَا: (الْعَادِل الْملك الَّذِي أسماؤه ... فِي كل نَاحيَة تشرف منبرا) (مَا فِي أبي بكر لمعتقد الْهدى ... شكّ يريب بِأَنَّهُ خير الورى) (بَين الْمُلُوك الغابرين وَبَينه ... فِي الْفضل مَا بَين الثريا وَالثَّرَى) (نسخت خلائقه الحميدة مَا أَتَى ... فِي الْكتب عَن كسْرَى الْمُلُوك وقيصرا) (لَا تسمعن بِحَدِيث ملك غَيره ... يرْوى فَكل الصَّيْد فِي جَوف الفرا) (وَله الْمُلُوك بِكُل أَرض مِنْهُم ... ملك يجر إِلَى الأعادي عسكرا) (من كل وضاح الجبين تخاله ... بَدْرًا فَإِن شهد الوغى فغضنفرا) وَخلف الْعَادِل سِتَّة عشر ابْنا وَمَات وَالْكل غائبون، ثمَّ حضر ابْنه الْمُعظم عِيسَى من نابلس وكتم مَوته وَأَعَادَهُ فِي محفة إِلَى دمشق واحتوى على جواهره وسلاحه وخيله وَغَيرهَا، فِي دمشق أظهر مَوته وَحلف النَّاس وَجلسَ للعزاء وَكتب إِلَى الْمُلُوك بِمَوْتِهِ. وَكَانَ فِي خزانَة الْعَادِل لما توفّي سَبْعمِائة ألف دِينَار، وَبلغ الْكَامِل موت أَبِيه وَهُوَ فِي قتال الفرنج، فاختلفت العساكر عَلَيْهِ فَتَأَخر عَن مَنْزِلَته وطمعت الفرنج ونهبت بعض الأثقال، وعزم عماد الدّين أَحْمد بن سيف الدّين عَليّ بن أَحْمد المشطوب.

стр. 500

وَكَانَ مقدما عَظِيما فِي الأكراد الهكارية على خلع الْكَامِل وَاخْتلف الْعَسْكَر حَتَّى عزم الْكَامِل عَن اللحوق بِالْيمن وَبلغ ذَلِك الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل فَسَار من الشَّام إِلَيْهِ، وَنفى ابْن المشطوب من الْعَسْكَر إِلَى الشَّام فانتظم أَمر الْكَامِل وقوى الفرنج مضايقة دمياط وَضعف أَهلهَا لفتنة ابْن المشطوب. وفيهَا: توفّي عَليّ بن نصر بن هَارُون النَّحْوِيّ الْحلِيّ الملقب بِالْحجَّةِ قَرَأَ على ابْن الخشاب وَغَيره. وفيهَا: توفّي مُحَمَّد وَقيل أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد العميدي الْحَنَفِيّ السَّمرقَنْدِي الملقب ركن الدّين إِمَام فِي الْخلاف خُصُوصا الجست وطريقته فِيهِ مَشْهُورَة، وَشَرحهَا جمَاعَة مِنْهُم القَاضِي شمس الدّين أَحْمد بن خَلِيل بن سَعَادَة الْجُوَيْنِيّ الشَّافِعِي قَاضِي دمشق وَبدر الدّين الطَّوِيل المراغي، وللعميدي أَيْضا الْإِرْشَاد واشتغل عَلَيْهِ خلق مِنْهُم نظام الدّين أَحْمد بن مَحْمُود بن أَحْمد الْحَنَفِيّ الحصيري الَّذِي قَتله التتر أول خُرُوجهمْ سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة. ثمَّ دخلت سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة: والأشراف بِظَاهِر حلب يدبر جندها وأقطاعها، والكامل بِمصْر يُقَاتل الفرنج وهم محدقون بدمياط، وَكتب الْكَامِل متواترة إِلَى إخْوَته بالنجدة لَهُ. وفيهَا: توفّي نور الدّين أرسلان شاه بن القاهر مَسْعُود بن أرسلان شاه بن مَسْعُود بن مودود بن زنكي بن أقسنقر، وَكَانَ بِهِ قُرُوح، وَلَا يزَال مَرِيضا فَأَقَامَ بدر الدّين بعده أَخَاهُ نَاصِر الدّين مَحْمُود بن القاهر وعمره نَحْو ثَلَاث سِنِين وَهُوَ آخر من خطب لَهُ من بَيتهمْ بالسلطنة وَأَبوهُ آخر من اسْتَقل مِنْهُم بِالْملكِ ثمَّ مَاتَ هَذَا الصَّبِي بعد مُدَّة، واستقل بدر الدّين لُؤْلُؤ بِالْملكِ ومدت مدَّته فِي السَّعَادَة إِلَى أَن توفّي بالموصل بعد أَخذ التتر بَغْدَاد. وفيهَا: توفّي صَاحب سنجار قطب الدّين مُحَمَّد بن زنكي بن مودود بن زنكي بن أقسنقر فملكها بعده ابْنه عماد الدّين شاهنشاه شهوراً ثمَّ وثب عَلَيْهِ أَخُوهُ مَحْمُود فذبحه وَملك سنجار، ومحمود هَذَا آخر من ملك سنجار مِنْهُم. وفيهَا: خرب الْمُعظم أسوار الْقُدس، وَكَانَت قد حصنت إِلَى الْغَايَة رأى تغلب الفرنج على دمياط وقوتهم وخشي على الْقُدس، وانتقل من الْقُدس عَالم عَظِيم لما خرب. وفيهَا: هجم الفرنج دمياط وَقتلُوا وأسروا من بهَا، وَجعلُوا الْجَامِع كَنِيسَة وطمعوا فِي الديار المصرية، فَحِينَئِذٍ بنى الْملك الْكَامِل المنصورة عِنْد مفترق الْبَحْرين الْآخِذ أَحدهمَا إِلَى دمياط، وَالْآخر إِلَى أشمون طناج ونزلها بعساكره. وفيهَا: كَانَ ظُهُور التتر وفتكهم فِي الْمُسلمين وَلم ينكب الْمُسلمُونَ بأعظم مِمَّا نكبوا فِيهَا، فَمن ذَلِك مُصِيبَة دمياط وَمِنْه ظُهُور التتر وتملكهم فِي الْمدَّة الْقَرِيبَة أَكثر بِلَاد الْإِسْلَام وَسَفك دِمَائِهِمْ، وَسبي حريمهم وذراريهم، ومنذ ظهر الْإِسْلَام مَا فَجعلُوا بِمِثْلِهَا.

стр. 501

وفيهَا: خَرجُوا على عَلَاء الدّين مُحَمَّد خوارزم شاه بن تكش، وعبروا نهر سيحون وَمَعَهُمْ ملكهم جنكيز خَان لَعنه الله فاستولى على بخارا رَابِع ذِي الْحجَّة بالأمان، وحاصروا القلعة وملكوا وَقتلُوا كل من بهَا ثمَّ قتلوا أهل الْبَلَد عَن آخِرهم. وَاعْلَم أَن مملكة الصين متسعة دورها سِتَّة أشهر وانقسمت قَدِيما سِتَّة أَجزَاء كل جُزْء مسيرَة شهر يَتَوَلَّاهُ خَان وَهُوَ بلغتهم الْملك نِيَابَة عَن خَانَهُمْ الْأَعْظَم وَكَانَ خَانَهُمْ الْكَبِير الَّذِي عاصر خوارزم شاه مُحَمَّد بن تكش يُسمى الطرخان ورث الْخَانِية كَابِرًا عَن كَابر بل كَافِرًا عَن كَافِر وَمن عَادَة خَانَهُمْ الْأَعْظَم الْإِقَامَة بطوغاج وَهِي وَاسِطَة الصين، وَكَانَ من زمرتهم فِي عصر الْمَذْكُور شخص يُسمى دوشي خَان أحد خانات الْأَجْزَاء السِّتَّة وَكَانَ متزوجاً عمَّة جنكيز خَان اللعين وقبيلة جنكيزخان اللعين هِيَ الْمَعْرُوفَة بقبيلة التمرجي سكان البراري ومشتاهم يُسمى أرغون وهم المشهورون بَين التّرْك بِالشَّرِّ والغدر لم تَرَ مُلُوك الصين إرخاء عنانهم لفسادهم وطغيانهم، فاتفق أَن دوشي خَان زوج عمَّة جنكيزخان مَاتَ فزار جنكيز خَان عمته معزيا لَهَا، وَكَانَ الخانان المجاوران لعمل دوشي خَان يُسمى أَحدهمَا كشلو خَان وَالْآخر فلَان خَان، وَكَانَا يليان مَا يتاخم أَعمال دوشي خَان المتوفي من الْجِهَتَيْنِ فَأرْسلت امْرَأَة دوشي خَان إِلَى كشلي خَان والخان الآخر ينعي إِلَيْهَا زَوجهَا دوشي خَان وَإنَّهُ لم يخلف ولدا، وَأَنه كَانَ حسن الْجوَار لَهما وَأَن ابْن أَخِيهَا جنكيز خَان إِن أقيم مقَامه، يحذو حَذْو المتوفي فِي معاضدتهما فأجابا إِلَى ذَلِك، وَتَوَلَّى جنكيز خَان مَا كَانَ لدوشي خَان من الْأُمُور بمعاضدة الخانين الْمَذْكُورين فَلَمَّا انهى الْأَمر إِلَى الخان الْأَعْظَم الطرخان أنكر تَوْلِيَة جنكيز خَان واستحقره وَأنكر على الخانين اللَّذين فعلا ذَلِك فخلعوا طَاعَة الطرخان وانضم إِلَيْهِم عَشَائِرهمْ وقاتلوا الطرخان فهزموه وتمكنوا من بِلَاده، ثمَّ صَالحهمْ وأبقوه على بعض بِلَاده واشترك جنكيز خَان والخانان الْآخرَانِ فِي الْأَمر، فَمَاتَ الْوَاحِد واستقل جنكيز خَان وكشلو خَان بِالْأَمر، ثمَّ مَاتَ كشلو خَان وَقَامَ ابْنه وَتسَمى كشلو خَان أَيْضا مقَامه فاستضعفه جنكيز خَان لصغره وأخل بالقواعد الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين أَبِيه ففارقه كشلو خَان لذَلِك وعاداه فَجرد جنكيز خَان جَيْشًا مَعَ وَلَده دوشي خَان وَسَار فقاتل كشلو خَان، فَانْهَزَمَ كشلو خَان وَتَبعهُ دوشي خَان وَقَتله وَعَاد بِرَأْسِهِ إِلَى جنكيز خَان فَانْفَرد جنكيز خَان بالمملكة. ثمَّ إِن جنكيز خَان راسل خوارزم شاه مُحَمَّد بن تكش فِي الصُّلْح فَلم يَنْتَظِم فَجمع عساكره وَقَاتل خوارزم شاه مُحَمَّد فَانْهَزَمَ خوارزم شاه وَاسْتولى جنكيز خَان على بِلَاد مَا وَرَاء النَّهر، ثمَّ تبع خوارزم شاه وَهُوَ هارب بَين يَدَيْهِ حَتَّى دخل بَحر طبرستان ثمَّ استولى جنكيز خَان على الْبِلَاد ثمَّ كَانَ من هَذَا وَهَذَا مَا سَيذكرُ. وفيهَا: حلف الْملك الْمَنْصُور صَاحب حماه النَّاس لوَلَده الْملك المظفر مَحْمُود وَجعله ولي عَهده، وجرد مِنْهُ عسكراً والطواشي مرشداً والمنصوري نجدة للكامل بِمصْر فَأكْرمه الْكَامِل وأنزله فِي الميمنة منزلَة أَبِيه وجده فِي الْأَيَّام الناصرية، وَبعد توجه المظفر

стр. 502

مَاتَت والدته ملكة خاتون بنت الْملك الْعَادِل، فَلبس الْمَنْصُور الْحداد على زَوجته. قَالَ ابْن وَاصل: رَأَيْته وَأَنا ابْن اثْنَتَيْ عشرَة سنة يَوْمئِذٍ، وَقد لبس ثوبا أَزْرَق، وعمامة زرقاء، وَفِي ذَلِك يَقُول حسام الدّين خشتر بن الجندي الْكرْدِي قصيدة مِنْهَا: (الطّرف فِي لجة وَالْقلب فِي سعر ... لَهُ دُخان زفير طَار بالشرر) وَمِنْهَا فِي لبس الْمَنْصُور الْحداد عَلَيْهَا: (مَا كنت أعلم أَن الشَّمْس قد غربت ... حَتَّى رَأَيْت الدجى ملقى على الْقَمَر) (لَو كَانَ من مَاتَ يفدى قبلهَا لفدى ... أم المظفر آلَاف من الْبشر) وفيهَا: توفّي الْملك الْغَالِب عز الدّين كيكاوس بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن مَسْعُود بن قلج أرسلان صَاحب الرّوم بالسل، وَملك بعده أَخُوهُ كيقباد وَكَانَ قد حَبسه أَخُوهُ كيكاوس فَأخْرجهُ الْجند وملكوه. وفيهَا: توفّي أَبُو الْبَقَاء عبد الله بن الْحُسَيْن بن عبد الله العكبري الضَّرِير النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ الحاسب الْحَنْبَلِيّ صحب ابْن الخشاب وَغَيره. قلت: لقبه محب الدّين، وَتُوفِّي بِبَغْدَاد، ومولده سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة، اشْتهر اسْمه وَبعد صيته وَهُوَ حَيّ شرح إِيضَاح الْفَارِسِي وديوان المتنبي ومقامات الحريري والخطب النباتية ولمع ابْن جني ومفصل الزَّمَخْشَرِيّ وَله إِعْرَاب الْقُرْآن الْعَظِيم وإعراب الحَدِيث وإعراب شعر الحماسة وَغَيرهَا وَالله أعلم. وفيهَا: توفّي أَبُو الْحسن عَليّ بن الْقَاسِم بن عَليّ بن الْحسن الدِّمَشْقِي الْحَافِظ بن الْحَافِظ بن الْحَافِظ الْمَعْرُوف بِابْن عَسَاكِر أَكثر من سَماع الحَدِيث بخراسان وَعَاد إِلَى بَغْدَاد وجرحته الحرامية فِي الطَّرِيق، وَدخل بَغْدَاد جريحاً وَمَات بهَا. ثمَّ دخلت سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة: ودمياط للفرنج والكامل مرابط بالمنصورة والأشرف فِي حران، وَقد أقطع عماد الدّين أَحْمد بن المشطوب رَأس عين فَجمع ابْن المشطوب جمعا، وَخرج على الْأَشْرَف وَحسن لصَاحب سنجار مَحْمُود بن قطب الدّين الْخُرُوج عَن طَاعَة الْأَشْرَف أَيْضا فحصره بدر الدّين لُؤْلُؤ بتل أعفر، وَأَخذه بالأمان ثمَّ قبض عَلَيْهِ وَأعلم الْأَشْرَف بِقَبْضِهِ على ابْن المشطوب فسر بذلك وَاسْتمرّ ابْن المشطوب فِي الْحَبْس، ثمَّ سَار الْأَشْرَف فاستولى على دنيسر وَقصد سنجار فَأَتَتْهُ رسل صَاحبهَا مَحْمُود بن قطب ليعطيه الرقة عوض سنجار فَسلم إِلَى الْأَشْرَف الرقة وَسلم إِلَى مَحْمُود الرقة، وَكَانَ ذَلِك لسعادة الْأَشْرَف فَإِن أَبَاهُ الْعَادِل نَازل سنجار بِجمع عَظِيم طَويلا فَمَا ملكهَا وملكها الْأَشْرَف بِأَهْوَن سعي، ثمَّ سَار الْأَشْرَف فوصل الْموصل فِي تَاسِع جُمَادَى الأولى فَكَانَ يَوْمًا مشهوداً. وَكتب إِلَى مظفر الدّين صَاحب إربل ليعيد صهره عماد الدّين زنكي على بدر الدّين لُؤْلُؤ القلاع الَّتِي استولى عَلَيْهَا فَأَعَادَهَا إِلَى الْعمادِيَّة، وَاسْتقر الصُّلْح بَين الْأَشْرَف وَبَين مظفر

стр. 503

الدّين كوكبوري صَاحب إربل، وعماد الدّين زنكي بن أرسلان شاه صَاحب الْعقر وسوس والعمادية، وَبدر الدّين لُؤْلُؤ صَاحب الْموصل ثمَّ عَاد الْأَشْرَف إِلَى سنجار فِي أَوَائِل رَمَضَان وَسلم بدر الدّين لُؤْلُؤ قلعة بلعفر إِلَى الْأَشْرَف، وَنقل الْأَشْرَف ابْن المشطوب مُقَيّدا إِلَى جب فِي حران حَتَّى مَاتَ سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة وَلَقي بغي خُرُوجه مرّة بعد أُخْرَى. وفيهَا: توفّي الْملك الْمَنْصُور صَاحب حماه مُحَمَّد بن تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب بقلعة حماه فِي ذِي الْقعدَة بالحمى، وورم الدِّمَاغ وَكَانَ شجاعاً يحب الْعلمَاء، وَورد إِلَيْهِ مِنْهُم جمَاعَة مثل السَّيْف الْآمِدِيّ، وصنف لَهُ مصنفات مثل الْمِضْمَار فِي التَّارِيخ وطبقات الشُّعَرَاء، وَبنى الجسر بحماه خَارج بَاب حمص، وَكَانَ لَهُ بعد أَبِيه حماه والمعرة وسلمية ومنبج وقلعة نجم، وَلما فتح بارين من يَد ابْن الْمُقدم ألزمهُ عَمه الْعَادِل بردهَا عَلَيْهِ فَعوضهُ بمنبج وقلعة نجم لقرب بارين مِنْهُ، وَله شعر وَله مَعَ الفرنج حروب رَحمَه الله تَعَالَى. ذكر اسْتِيلَاء الْملك النَّاصِر على حماه لما مَاتَ الْمَنْصُور كَانَ ابْنه المظفر الْمَعْهُود إِلَيْهِ بالسلطنة عِنْد خَاله الْكَامِل بالديار المصرية مُقَابل الفرنج وَابْنه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين قلج أرسلان عِنْد خَاله الْمُعظم صَاحب دمشق وَهُوَ بالسَّاحل فِي الْجِهَاد. وَقد فتح قيسارية وهدمها، ونازل عثليث، فاتفق بحماه زين الدّين بن فريج الْوَزير والكبراء، واستدعوا النَّاصِر للينه وَشدَّة بَأْس المظفر فَمَنعه الْمُعظم من التَّوَجُّه إِلَّا بتقرير مَال عَلَيْهِ فِي كل سنة قيل سَبْعمِائة ألف دِرْهَم فَحلف لَهُ على ذَلِك وَأطْلقهُ فَقدم حماه فاستحلفه مستدعوه على مَا أَرَادوا وأصعدوه القلعة ثمَّ ركب مِنْهَا بالصناجق السُّلْطَانِيَّة وعمره سبع عشرَة سنة، وَبلغ أَخَاهُ المظفر ذَلِك فَاسْتَأْذن الْملك الْكَامِل فِي الْمُضِيّ إِلَى حماه واثقاً بالأيمان الَّتِي فِي أَعْنَاقهم، فَأذن لَهُ وَسَار حَتَّى وصل الْغَوْر فَوجدَ خَاله الْمُعظم صَاحب دمشق هُنَاكَ فَأخْبرهُ أَن أَخَاهُ الْملك النَّاصِر ملك حماه ويخشى عَلَيْهِ أَن يعتقله، فَقدم دمشق وَأقَام بداره الْمَعْرُوفَة بالزنجيلي، وَكتب الْمُعظم والمظفر إِلَى أكَابِر حماه فِي تَسْلِيمهَا إِلَى المظفر، فَمَا أجابوا، فقصد المظفر مصر فأقطعه الْكَامِل إقطاعاً بِمصْر إِلَى أَن كَانَ مَا سَيذكرُ. اسْتِيلَاء الْملك المظفر غَازِي بن الْعَادِل على خلاط وميافارقين كَانَ قد اسْتَقر بيد المظفر الْمَذْكُور الرها وسروج، وَكَانَت خلاط وميافارقين بيد الْأَشْرَف وَلَيْسَ لَهُ ولد فَجعل أَخَاهُ المظفر غازياً ولي عَهده وَأَعْطَاهُ خلاط وميافارقين وبلادها وَهِي إقليم عَظِيم يضاهي ديار مصر، وَأخذ الْأَشْرَف مِنْهُ الرها وسروج. وفيهَا: توفّي بالموصل شيخ الشُّيُوخ بِمصْر وَالشَّام صدر الدّين مُحَمَّد بن عمر بن حموية فَقِيه فَاضل من بَيت كَبِير بخراسان، وَخلف أَرْبَعَة بَنِينَ عرفُوا بأولاد الشَّيْخ تقدمُوا عِنْد الْكَامِل، وَسَنذكر بعض خبرهم، توجه صدر الدّين رَسُولا إِلَى بدر الدّين لُؤْلُؤ فَمَاتَ هُنَاكَ.

стр. 504

مسير التتر إِلَى خوارزم شاه وهزيمته وَمَوته لما ملك التتر سَمَرْقَنْد أرسل جنكيز خَان عشْرين ألف فَارس فِي أثر خوارزم شاه مُحَمَّد بن تكش وَهَذِه الطَّائِفَة تسميها التتر المغربة لِأَنَّهَا سَارَتْ نَحْو غرب خُرَاسَان فوصلوا إِلَى مَوضِع يُسمى بنج آف، وعبروا نهر جيحون وصاروا مَعَ خوارزم شاه فِي بر وَاحِد، وَلم يشْعر خوارزم شاه إِلَّا والتتر مَعَه، فَتفرق عسكره إيدي سبا ورحل خوارزم شاه لَا يلوي على شَيْء فِي نفر من خواصه، وَوصل نيسابور والتتر فِي أَثَره، وَوصل مازندران وهم فِي أَثَره، وَسَار من مازندران إِلَى مرسى من بَحر طبرستان يعرف بأسكون، وَله هُنَاكَ قلعة فِي الْبَحْر، فَعبر هُوَ وَأَصْحَابه إِلَيْهَا، ووقف التتر على سَاحل الْبَحْر وَأَيِسُوا من لحاقه. ثمَّ توفّي خوارزم شاه بِهَذِهِ القلعة وَهُوَ عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن عَلَاء الدّين تكش بن أرسلان بن أتسز بن مُحَمَّد بن أنوش تكين غرشه مُدَّة ملكه إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وشهوراً. واتسع ملكه من حد الْعرَاق إِلَى تركستان وَبَعض الْهِنْد وبلاد غزنة كلهَا وسجستان وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الْجَبَل وخراسان وَبَعض فَارس وَكَانَ عَالما بالفقه وَالْأُصُول وَغَيرهمَا، صبوراً على التَّعَب وَالسير، وَلما أيس التتر مِنْهُ عَادوا ففتحوا مازندران وَقتلُوا أَهلهَا، ثمَّ فعلوا فِي الرّيّ وهمدان كَذَلِك ثمَّ مراغة فِي صفر سنة ثَمَانِي عشرَة وسِتمِائَة، ثمَّ استولوا على خُرَاسَان، ونازلوا خوارزم وَقَاتلهمْ أَهلهَا مُدَّة أَشد قتال ثمَّ فتحوها. وَكَانَ لَهَا سد فِي نهر جيحون ففتحوه وغرق المَاء خوارزم وَقتلُوا أهل تِلْكَ الْبِلَاد وَالْعُلَمَاء والصلحاء والعباد والزهاد، وخربوا الْجَوَامِع، وأحرقوا الْمَصَاحِف وَسبوا الذَّرَارِي، وفعلوا مَا لم يسمع بِمثلِهِ وَلَا قبل الْإِسْلَام، فَإِن بخْتنصر مَا فعل ببني إِسْرَائِيل بعض هَذَا فَإِن كل مَدِينَة من المدن الَّتِي خربوا أوسع من الْقُدس بِكَثِير، وكل أمة قتلوا من الْمُسلمين أَضْعَاف بني إِسْرَائِيل الَّذين قَتلهمْ بخْتنصر. وَلما فرغ التتر من خُرَاسَان عَادوا إِلَى ملكهم فَجهز جَيْشًا كثيفاً إِلَى غزته وَبهَا جلال الدّين بن عَلَاء الدّين مُحَمَّد خوارزم شاه الْمَذْكُور مَالِكًا لَهَا وَقد اجْتمع إِلَيْهِ جموع من عَسَاكِر أَبِيه قيل سِتُّونَ ألفا، وَكَانَ عدَّة الَّذين سَارُوا إِلَيْهِم من التتر اثْنَي عشر ألفا فَاقْتَتلُوا قتالاً شَدِيدا فانهزمت التتر وتبعهم الْمُسلمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ كَيفَ شاؤوا. ثمَّ أرسل جنكيز خَان عسكراً أَكثر من الأول مَعَ بعض أَوْلَاده ووصلوا إِلَى كابل، وقاتلوهم فانهزمت التتر ثَانِيًا وَقتل الْمُسلمُونَ وَمِنْهُم وغنموا شَيْئا كثيرا وَكَانَ فِي عَسْكَر جلال الدّين أَمِير كَبِير مِقْدَام هُوَ الَّذِي كسر التتر اسْمه بغراق فَوَقع بَينه وَبَين أَمِير كَبِير اسْمه ملك خَان صَاحب هراء لَهُ نسب فِي بَيت خوارزم شاه فتْنَة بِسَبَب الْكتب، قتل فِيهَا أَخُو بغراق فَغَضب بغراق وَفَارق جلال الدّين وَسَار إِلَى الْهِنْد وَتَبعهُ ثَلَاثُونَ ألف فَارس، ولحقه جلال الدّين واستعطفه فَلم يرجع فضعف عَسْكَر جلال الدّين لذَلِك.

стр. 505

ثمَّ وصل جنكيز خَان بِنَفسِهِ فِي جيوشه فَلم يكن لجلال الدّين بِهِ قدرَة بعد مسير بغراق وجيشه فقصد جلال الدّين الْهِنْد، وَتَبعهُ جنكيز خَان حَتَّى أدْركهُ على نهر السَّنَد وَلم يلْحق جلال الدّين وَمن مَعَه أَن يعبروا النَّهر فاضطروا إِلَى الْقِتَال فقاتلوهم قتالاً لم يسمع بِمثلِهِ، وصبر الْفَرِيقَانِ ثمَّ تَأَخّر كل مِنْهُمَا عَن الآخر فَعبر جلال الدّين النَّهر إِلَى جِهَة الْهِنْد. وَعَاد جنكيز خَان فاستولى على غزنة قتلا ونهباً، وَكَانَ قد سَار من التتر فرقة عَظِيمَة إِلَى القفجاق فقاتلوهم وهزموهم. واستولوا على مَدِينَة القفجاق الْعُظْمَى وَتسَمى سوادق، وَكَذَلِكَ فعلوا بِقوم يُقَال لَهُم الكزى بِلَادهمْ قرب دربند شرْوَان، ثمَّ سَار التتر إِلَى الروس، وانضم إِلَى الروس القفجاق، وقاتلوهم قتالا عَظِيما، فانتصر التتر وشردوهم قتلا وهرباً فِي الْبِلَاد. وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي رَضِي الدّين الْمُؤَيد بن مُحَمَّد بن عَليّ الطوسي الأَصْل النَّيْسَابُورِي الدَّار الْمُحدث أَعلَى الْمُتَأَخِّرين إِسْنَادًا، سمع مُسلما من الْفَقِيه أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْفضل الفراوي، الْمُتَوفَّى سنة ثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة، قَرَأَ الفراوي الْأُصُول على إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَسمع مُسلما على عبد الْغفار الْفَارِسِي الإِمَام فِي الحَدِيث، المتوفي سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة، ومولد رَضِي الدّين الْمُؤَيد سنة أَربع وَعشْرين وَخَمْسمِائة ظنا. عود دمياط إِلَى الْمُسلمين ثمَّ دخلت سنة ثَمَان عشرَة وسِتمِائَة: فِيهَا تقدم الفرنج إِلَى جِهَة مصر ووصلوا المنصورة وَاشْتَدَّ الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ برا وبحراً، وَسَار الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل صَاحب دمشق إِلَى أَخِيه الْأَشْرَف ببلاده الشرقية، وَطلب مِنْهُ الْمسير إِلَى أخيهما الْكَامِل فَجمع الْأَشْرَف عساكره واستصحب عَسْكَر حلب واستصحب النَّاصِر صَاحب حماه خَائفًا على حماه الْكَامِل أَن يسلم حماه إِلَى المظفر فَحلف الْأَشْرَف للناصر أَنه لَا يُمكن الْكَامِل مِنْهُ، واستصحب أَيْضا الأمجد صَاحب بعلبك والمجاهد شيركوه بن مُحَمَّد بن شيركوه صَاحب حمص، وَسَار الْمُعظم بعسكر دمشق ووصلوا إِلَى الْكَامِل وَهُوَ فِي قتال الفرنج على المنصورة فَركب وتلقاهم وَأكْرمهمْ وقويت نفوس الْمُسلمين، وَضعف الفرنج مِمَّا شاهدوه من كَثْرَة عَسَاكِر الْإِسْلَام وتحملهم. وَاشْتَدَّ الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ ورسل الْملك الْكَامِل وَإِخْوَته مترددة إِلَى الفرنج فِي الصُّلْح وبذل لَهُم الْمُسلمُونَ تَسْلِيم الْقُدس وعسقلان وطبرية واللاذقية وجبلة وَجَمِيع مَا فَتحه صَلَاح الدّين من السَّاحِل إِلَى الكرك والشوبك على أَن يصالحوا ويسلموا دمياط فَأَبَوا ذَلِك وطلبوا ثَلَاثمِائَة ألف دِينَار عوضا عَن تخريب سور الْقُدس، وَقَالُوا: لَا بُد من تَسْلِيم الكرك والشوبك، وَبينا الْأَمر مُتَرَدّد فِي الصُّلْح والفرنج ممتنعون إِذْ عبر جمَاعَة من عَسْكَر الْمُسلمين فِي بَحر الْمحلة إِلَى الأَرْض الَّتِي عَلَيْهَا الفرنج من دمياط، فَحَفَرُوا حُفْرَة عَظِيمَة من النّيل فِي قُوَّة زِيَادَته والفرنج لَا خبْرَة لَهُم بِأَمْر النّيل، فَركب المَاء تِلْكَ الأَرْض وَصَارَ

стр. 506

حَائِلا بَين الفرنج ودمياط وَانْقطع عَنْهُم المدد والميرة فهلكوا جوعا فطلبوا الْأمان على أَن ينزلُوا عَن جَمِيع مَا بذله الْمُسلمُونَ لَهُم وَعَن دمياط ويعقدوا الصُّلْح، وَكَانَ فيهم نَحْو عشْرين ملكا كبارًا فاختلفت الآراء بَين يَدي الْملك الْكَامِل فيهم، فبعضهم قَالَ: لَا نؤمنهم ونأخذهم ونتسلم بهم مَا بَقِي بِأَيْدِيهِم من السَّاحِل مثل عكا وَغَيرهَا، ثمَّ اتَّفقُوا على أمانهم لطول مُدَّة البيكار، وضجر الْعَسْكَر من ثَلَاث سِنِين وشهور لَهُم فِي الْقِتَال فأجابهم الْعَادِل إِلَى ذَلِك، فَطلب الفرنج رهينة، فَبعث الْكَامِل ابْنه الصَّالح أَيُّوب وعمره خمس عشرَة سنة إِلَى الفرنج، وَحضر رهينة من الفرنج ملك عكا ونائب البابا صَاحب رُومِية الْكُبْرَى، وكندريس، وَغَيرهم من الْمُلُوك، وَذَلِكَ سَابِع رَجَب مِنْهَا. واستحضر الْكَامِل مُلُوك الفرنج الْمَذْكُورين، وَجلسَ مَجْلِسا عَظِيما ووقف إخْوَته وَأهل بَيته بَين يَدَيْهِ، وتسلم دمياط فِي تَاسِع عشر رَجَب مِنْهَا وَقد حصنها الفرنج إِلَى غَايَة، وولاها السُّلْطَان شُجَاع الدّين جِلْدك مَمْلُوك المظفر تَقِيّ الدّين عمر وَدخل دمياط فَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وهنأه الشُّعَرَاء. ثمَّ توجه إِلَى الْقَاهِرَة وَأذن للملوك فِي الرُّجُوع إِلَى بِلَادهمْ، فَتوجه الْأَشْرَف إِلَى الشرق وانتزع الرقة من صَاحبهَا، وَقيل اسْمه عمر بن قطب الدّين مُحَمَّد بن زنكي بن مودود بن زنكي بن أقسنقر قَاتل أَخِيه، وَلَقي بغيه لكَونه قتل أَخَاهُ وَأخذ مِنْهُ سنجار كَمَا مر. ثمَّ أَقَامَ الْأَشْرَف بالرقة وَورد إِلَيْهِ النَّاصِر صَاحب حماه مُدَّة وَعَاد. وفيهَا: توفّي صَاحب آمد وحصن كيفا الْملك الصَّالح نَاصِر الدّين مَحْمُود بن مُحَمَّد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق بالقولنج، وَقَامَ بعده ابْنه الْملك المسعود الَّذِي أَخذ مِنْهُ الْكَامِل آمد، وَكَانَ قَبِيح السِّيرَة وَقيل توفّي سنة تسع عشرَة. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة خنق قَتَادَة بن إِدْرِيس الحسني أَمِير مَكَّة وعمره نَحْو تسعين. كَانَ فِي الأول محسناً واتسعت ولَايَته، ثمَّ جدد الْمَظَالِم والمكوس وَصُورَة أمره أَنه كَانَ مَرِيضا، فَأرْسل عسكراً مَعَ أَخِيه وَمَعَ ابْنه الْحسن بن قَتَادَة للاستيلاء على الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فَوَثَبَ الْحسن بن قَتَادَة على عَمه فَقتله فِي الطَّرِيق وَعَاد إِلَى أَبِيه بِمَكَّة فخنقه. وَكَانَ لَهُ أَخ نَائِب بقلعة يَنْبع عَن أَبِيه فَاسْتَحْضرهُ وَقَتله أَيْضا، وارتكب من قَتلهمْ أمرا عَظِيما، وَاسْتقر فِي ملك مَكَّة، وَمن شعر قَتَادَة وَقد طلبه أَمِير الْحَاج ليحضر فَامْتنعَ: (ولي كف ضرغام أصُول ببطشها ... وأشري بهَا بَين الورى وأبيع) (تظل مُلُوك الأَرْض تلثم ظهرهَا ... وَفِي وَسطهَا للمجدبين ربيع) (أأجعلها تَحت الرحا ثمَّ أَبْتَغِي ... خلاصاً لَهَا إِنِّي إذاَ لرقيع) (وَمَا أَنا إِلَّا الْمسك فِي كل بَلْدَة ... يضوع وَأما عنْدكُمْ فيضيع)

стр. 507

وفيهَا: توفّي جلال الدّين صَاحب الألموت مقدم الإسماعيلية، وَولي بعده عَلَاء الدّين مُحَمَّد. ثمَّ دخلت سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة: فِيهَا اسْتَقل بدر الدّين لُؤْلُؤ بِملك الْموصل، وَتُوفِّي الطِّفْل الَّذِي نَصبه وَهُوَ نَاصِر الدّين مَحْمُود بن القاهر مَسْعُود، وَتسَمى لُؤْلُؤ بِالْملكِ الرَّحِيم، وعاضده الْأَشْرَف بن الْعَادِل، وَقلع لُؤْلُؤ الْبَيْت الأتابكي بِالْكُلِّيَّةِ، وَملك الْموصل نيفاً وَأَرْبَعين سنة سوى تحكمه أَيَّام أستاذه أرسلان شاه وَابْنه القاهر. وفيهَا: سَار الْأَشْرَف وَأقَام عِنْد أَخِيه بِمصْر متنزهاً إِلَى أَن خرجت السّنة. وفيهَا: فوض الأتابك طغرل بك الْخَادِم مُدبر حلب إِلَى الْملك الصَّالح أَحْمد بن الظَّاهِر أَمر الثغر وبكاس والروج ومعرة نصر بن فَسَار الصَّالح وَاسْتولى عَلَيْهَا. وفيهَا: قصد الْمُعظم صَاحب دمشق حماه لِأَن صَاحبهَا النَّاصِر لم يَفِ لَهُ بِمَا الْتَزمهُ من المَال، وَجرى بَينهمَا قتال ثمَّ رَحل الْمُعظم فاستولى عَليّ سلمية وحواصلها، وَولى عَلَيْهَا ثمَّ توجه إِلَى المعرة فَفعل كَذَلِك ثمَّ عَاد فَأَقَامَ بسلمية حَتَّى خرجت هَذِه السّنة على قصد منازلة حماه. وفيهَا: حج من الْيمن الْملك المسعود يُوسُف أتسز وَهُوَ اسْم تركي، والعامة تسميه أقسيس، ووقف بِعَرَفَة، وَتَقَدَّمت أَعْلَام الْخَلِيفَة النَّاصِر لترفع على الْجَبَل فَمنع المسعود من ذَلِك، وَقدم أَعْلَام أَبِيه الْكَامِل على أَعْلَام الْخَلِيفَة فَلم يقدروا على مَنعه، ثمَّ عَاد إِلَى الْيمن، وَبلغ الْخَلِيفَة ذَلِك فَأرْسل يعتب على الْكَامِل، فَاعْتَذر فَقبل عذره، وَأقَام الْملك المسعود بِالْيمن يَسِيرا، ثمَّ عَاد ليستولي على مَكَّة فقاتله حسن بن قَتَادَة فانتصر المسعود واستمرت مَكَّة لَهُ وَولي بهَا وَعَاد إِلَى الْيمن. وفيهَا: توفّي الشَّيْخ يُونُس بن يُوسُف بن مساعد بالقنية من أَعمال دَارا وَقد ناهز السّبْعين، وَكَانَ رجلا صَالحا وَله كرامات. ثمَّ دخلت سنة عشْرين وسِتمِائَة: فِيهَا رَحل الْمُعظم عَن سلمية بِأَمْر الْملك الْكَامِل صَاحب مصر والأشرف وَهُوَ عِنْد أَخِيه الْكَامِل بِمصْر بعد، وَرجعت المعرة وسلمية للناصر. ثمَّ اتّفق الْكَامِل والأشرف وسلما سلمية إِلَى أَخِيه المظفر مَحْمُود بن الْملك الْمَنْصُور فَأرْسل المظفر إِلَيْهَا وَهُوَ بِمصْر نَائِبا من جِهَته حسام الدّين أَبَا عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ المزباني، ثمَّ وصل الْأَشْرَف من مصر إِلَى حلب وَمَعَهُ خلعة وصناجق سلطانية من الْكَامِل، وأركب الْملك الْعَزِيز فِي دست السلطنة، وعمره عشر سِنِين، وَأرْسل الْأَشْرَف مِنْهَا عسكراً هدموا قلعة اللاذقية إِلَى الأَرْض. (شَيْء من أَحْوَال غياث الدّين) : أخي جلال الدّين ابْني خوارزم شاه مُحَمَّد كَانَ لجلال الدّين أَخ يُقَال لَهُ غياث الدّين تيرشاه صَاحب كرمان، فَلَمَّا توجه جلال الدّين إِلَى

стр. 508

الْهِنْد حَسْبَمَا مر سنة سبع عشرَة تغلب غياث الدّين على الرّيّ وأصفهان وهمذان وَغَيرهَا من عراق الْعَجم، وَهِي بِلَاد الْجَبَل، فَخرج عَلَيْهِ خَاله طغان طابسني أكبر أمرائه، فاقتتلا فَانْهَزَمَ طغان طابسني وَأقَام غياث الدّين ببلاده منصوراً. حَادِثَة غَرِيبَة مَاتَ ملك الكرج فملكوا امْرَأَة بقيت من بَيت الْملك وَأرْسل مغيث الدّين طغرل بك شاه السلجوقي صَاحب أرزن الرّوم يخطبها فَأَبَوا إِلَّا أَن يتنصر فَأمر وَلَده فَسَار إِلَى الكرج فَتَنَصَّرَ وَتَزَوجهَا، وَكَانَت تهوى مَمْلُوكا لَهَا وتكاشر ابْن طغرل بك شاه فَدخل فِي وَقت فَوجدَ الْمَمْلُوك مَعهَا فِي الْفراش فَلم يصبر وَأنكر عَلَيْهَا فاعتقلت زَوجهَا فِي بعض القلاع، ثمَّ أحضرت رجلَيْنِ وَصفا لَهَا بالْحسنِ فَتزوّجت أَحدهمَا ثمَّ فارقته وأحضرت مُسلما من كنجة وهويته وَسَأَلته التنصر لتتزوج بِهِ فَلم يجبها. وفيهَا: توفّي يُوسُف الْمُسْتَنْصر ملك الْمغرب بن مُحَمَّد النَّاصِر بن يَعْقُوب الْمَنْصُور بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن بعد أَن وَهن ملكه بانهماكه فِي اللَّذَّات وَلم يخلف ولدا فأقيم عَم أَبِيه عبد الْوَاحِد بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن، ولقب المستضيء، وَكَانَ قد صَار فَقِيرا بمراكش، وقاسى الدَّهْر فتنعم فِي المآكل والملابس من غير شرب خمر فَخلع بعد تِسْعَة أشهر وَقتل. وَملك بعده ابْن أَخِيه عبد الله بن يَعْقُوب الْمَنْصُور بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وتلقب بالعادل. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة: فِيهَا وصل التتر إِلَى قرب تبريز، وَأَرْسلُوا إِلَى أزبك بن البهلوان يَقُولُونَ لَهُ: إِن كنت فِي طاعتنا فَأرْسل من عنْدك من الخوارزمية إِلَيْنَا، فَقتل بعض الخوارزمية، وَأرْسل البَاقِينَ إِلَيْهِم مَعَ تقدمة فكفوا عَن بِلَاده وَرَجَعُوا إِلَى خُرَاسَان. وفيهَا: استولى غياث الدّين تيرشاه أَخُو بِلَال الدّين بن خوارزم شاه على غَالب مملكة فَارس من صَاحبهَا الأتابك سعد بن زنكي، وَأقَام غياث الدّين بشيراز كرْسِي مملكة فَارس وَلم يبْق مَعَ الأتابك غير الْحُصُون المنيعة ثمَّ اصطلحا على أَن يكون لهَذَا بعض فَارس، وَلِهَذَا بَعْضهَا. عصيان المظفر غَازِي بن الْعَادِل على أَخِيه الْأَشْرَف كَانَ الْأَشْرَف قد أعْطى أَخَاهُ المظفر خلاط وَهِي إقليم أرمينية مملكة عَظِيمَة وَكَانَ بَين الْمُعظم عِيسَى وَبَين أَخَوَيْهِ الْكَامِل والأشرف وَحْشَة لترحيله عَن سلمية، وَقطع أطماعه عَن حماه، فَحسن الْمُعظم لِأَخِيهِ المظفر صَاحب خلاط الْعِصْيَان على الْأَشْرَف فعصى. وَكَانَ قد اتّفق مَعَ الْمُعظم والمظفر غَازِي صَاحب إربل مظفر الدّين كوكبوري بن زين

стр. 509

الدّين على كجك، وَكَانَ بدر الدّين لُؤْلُؤ منتمياً إِلَى الْأَشْرَف فحصر مظفر الدّين صَاحب إربل صَاحب الْموصل عشرَة أَيَّام فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا ليشتغل الْأَشْرَف عَن قصد أَخِيه بخلاط ثمَّ رَحل عَن الْموصل لحصانتها فَلم يلْتَفت الْأَشْرَف إِلَى محاصرة الْموصل، وَسَار فحصر المظفر فَسلمت إِلَيْهِ مَدِينَة خلاط وانحصر المظفر فِي قلعتها وَنزل لَيْلًا إِلَى أَخِيه الْأَشْرَف معتذراً فَقبل عذره وَعفى عَنهُ وَأمره على ميافارقين واستعاد بَاقِي الْبِلَاد مِنْهُ وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا. ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة قلت: فِيهَا فِي سَابِع رَجَب توفّي زكي الدّين أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن عبد الْوَاحِد بن رَوَاحَة الْحَمَوِيّ، وَقيل سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة، وَهُوَ منشىء المدرستين الرواحيتين، بِدِمَشْق وحلب وَدفن بِدِمَشْق بمقابر الصُّوفِيَّة وَالله أعلم. وفيهَا: قدم جلال الدّين من الْهِنْد بعد هربه من جنكيز خَان إِلَى كرمان، ثمَّ إِلَى أَصْبَهَان، وَاسْتولى على عراق الْعَجم، ثمَّ سَار وانتزع فَارس من أَخِيه غياث الدّين وأعادها إِلَى صَاحبهَا أتابك سعد وغياث الدّين مُطِيع لِأَخِيهِ جلال الدّين، ثمَّ استولى على خوزستان، وَكَانَت للخليفة النَّاصِر، ثمَّ قدم إِلَى بعقوبا فاستعدت بَغْدَاد للحصار، ونهبت الخوارزمية الْبِلَاد وامتلأوا مَغَانِم، وقوى جلال الدّين وَعَسْكَره الخوارزمية، ثمَّ قَارب إربل فَصَالحه صَاحبهَا مظفر الدّين، ثمَّ سَار فاستولى على تبريز كرْسِي مملكة أذربيجان وهرب صَاحبهَا مظفر الدّين أزبك بن البهلوان بن إيلدكز، وَكَانَ مَشْغُولًا بالشرب فهرب أزبك إِلَى كنجة من بِلَاد أران قريب من برذعة ومتاخمة الكرج. واستفحل أَمر جلال الدّين بِملك أذربيجان، وَقَاتل الكرج وَهَزَمَهُمْ وتبعهم يقتل فيهم، وَاتفقَ أَنه ثَبت عِنْد قَاضِي تبريز طَلَاق أزبك بن البهلوان بنت السُّلْطَان طغرل بك آخر السلجوقية، فَتَزَوجهَا جلال الدّين، وَفتح عسكره كنجة، وهرب مظفر الدّين أزبك بن مُحَمَّد البهلوان من كنجة إِلَى قلعة هُنَاكَ ثمَّ هلك. وفيهَا توفّي الْملك الْأَفْضَل: وَله سميساط فَقَط فَجْأَة وعمره سبع وَخَمْسُونَ وَكَانَ فَاضلا عادلاً شَاعِرًا لَكِن قَلِيل الْحَظ. وَفِي ذَلِك يَقُول: (يَا من يسود شعره بخضابه ... لعساه من أهل الشبيبة يحصل) (هَا فاختضب بسواد حظي مرّة ... وَلَك الْأمان بِأَنَّهُ لَا ينصل) وَلما أخذت مِنْهُ دمشق كتب إِلَى صَاحب لَهُ: (أَي صديق سَأَلت عَنهُ فَفِي ... الذل وَتَحْت الخمول فِي الوطن) (وَأي ضد سَأَلت حَالَته ... سَمِعت مَا لَا تحبه أُذُنِي) قلت: قد أذكرني هَذَا قولي: (قَالَ بعض النَّاس إِنِّي ... فَاضل فِي الْعلم خامل)

стр. 510

(وَكَذَا الْفَاضِل مثلي ... عِنْد قسم الرزق فَاضل) وَقَوْلِي: (لَا تحرصن على فضل وَلَا أدب ... فقد يضر الْفَتى علم وَتَحْقِيق) (وَاحْذَرْ تعد من العقال بَينهم ... فَإِن كَانَ قَلِيل الْعقل مَرْزُوق) (والحظ أَنْفَع من خطّ تزوقه ... فَمَا يُفِيد قَلِيل الْحَظ تزويق) (وَالْعلم يحْسب من رزق الْفَتى وَله ... بِكُل متسع فِي الْفضل تضييق) (أهل الْفَضَائِل والآداب قد كسدوا ... والجاهلون فقد قَامَت لَهُم سوق) (وَالنَّاس أَعدَاء من سَارَتْ فضائله ... فَإِن تعمق قَالُوا عَنهُ زنديق) وَالله أعلم. وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي الإِمَام النَّاصِر لدين الله وخلافته سبع وَأَرْبَعُونَ سنة، وَعمي فِي آخر عمره، وَمَات بالدوسنطارية وعمره نَحْو سبعين سنة، وَكَانَ يتشيع وهمته إِلَى البندق والطيور والفتوة، وَقيل أَنه هُوَ الَّذِي كَاتب التتر ليشتغل بهم خوارزم شاه عَن الْعرَاق. " وبويع ابْنه الظَّاهِر " بِأَمْر الله أَبُو نصر مُحَمَّد وَهُوَ الْخَامِس وَالثَّلَاثُونَ مِنْهُم وَعدل وأزال المكوس وَأطلق الحبوس وَظهر للنَّاس بِخِلَاف أَبِيه، وَلم تطل مدَّته غير تِسْعَة اشهر. قلت: كَانَ جميل الصُّورَة أَبيض بحمرة شَدِيد القوى فِيهِ دين وعقل قيل لَهُ أَلا تتفسح وتتنزه فَقَالَ من فتح بعد الْعَصْر أيش يكْسب، وَكَانَ يَقُول الْجمع شغل النجار أَنْتُم إِلَى إِمَام فعال أحْوج مِنْكُم إِلَى إِمَام قَوَّال اتركوني افْعَل الْخَيْر فكم بقيت أعيش، وَقد فرق لَيْلَة الْعِيد فِي الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ مائَة ألف دِينَار، قَالَ ابْن الْأَثِير: لقد أظهر من الْعدْل وَالْإِحْسَان مَا أَحْيَا بِهِ سنة العمرين، وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة: فِيهَا نَازل الْمُعظم عِيسَى صَاحب دمشق حمص، ثمَّ رَحل عَنْهَا لِكَثْرَة موت الْخَيل، وَورد عَلَيْهِ الْأَشْرَف أَخُوهُ من الشرق طَالبا للصلح فَأكْرمه ظَاهرا وأسره بَاطِنا، وَأقَام عِنْده حَتَّى انْقَضتْ هَذِه السّنة. وفيهَا: فتح السُّلْطَان جلال الدّين تفليس من الكرج ونازل خلاط فطال الْقِتَال وَبهَا نَائِب الْأَشْرَف الْحَاجِب حسام الدّين على الْموصل وَذَلِكَ فِي عشْرين ذِي الْعقْدَة ورحل عَنْهَا لسبع بَقينَ من ذِي الْحجَّة لِكَثْرَة الثَّلج. وفيهَا: فِي رَابِع عشر رَجَب توفّي الْخَلِيفَة الظَّاهِر بِأَمْر الله مُحَمَّد بن النَّاصِر لدين الله كَانَ أَبوهُ شِيعِيًّا وَكَانَ هُوَ سنياً، كَانَ أَبوهُ جماعاً وَكَانَ هُوَ باذلاً، كَانَ أَبوهُ طَوِيل الْمدَّة وَكَانَ هُوَ قصير الْمدَّة، كَانَ لِأَبِيهِ صنجة زَائِدَة لقبض المَال فَخرج توقيع الظَّاهِر بإبطالها وأوله: ﴿ويل لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذين إِذا اكتالوا على النَّاس يستوفون وَإِذا كالوهم أَو وزنوهم يخسرون﴾ . " وَتَوَلَّى الْخلَافَة بعده ابْنه الْأَكْبَر الْمُسْتَنْصر بِاللَّه " أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور وَهُوَ السَّادِس

стр. 511

وَالثَّلَاثُونَ مِنْهُم، فَعدل وَأحسن كأبيه، وَكَانَ لَهُ أَخ شُجَاع عَاشَ حَتَّى قَتله التتر بَغْدَاد. قلت: وفيهَا مَاتَ إِمَام الدّين عبد الْكَرِيم مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ الْقزْوِينِي مُصَنف الشَّرْح الْكَبِير وَالصَّغِير على الْوَجِيز وَالْمُحَرر ومصنف التذنيب على الشرحين، وَكَانَ مَعَ براعته فِي الْعُلُوم صَالحا زاهداً ذَا أَحْوَال وكرامات وعَلى شَرحه الْكَبِير الْيَوْم اعْتِمَاد الْمُفْتِينَ والحكام فِي الدُّنْيَا. وفيهَا: فتح عَسْكَر عَلَاء الدّين كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان صَاحب الرّوم حصن مَنْصُور وحصن الكخنا وَكَانَا لصَاحب آمد. وفيهَا: فِي نصف ذِي الْحجَّة نَازل جلال الدّين خلاط وَهِي للأشرف، وَبهَا نَائِبه الْحَاجة الْمَذْكُور منازلته الثَّانِيَة وأدركه الْبرد فَرَحل عَنْهَا. ثمَّ دخلت سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة: والأشرف كالأسير مَعَ الْمُعظم أَخِيه، ثمَّ حلف للمعظم أَن يعاضده على أخيهما الْكَامِل وعَلى صَاحِبي حماه وحمص فَأَطْلقهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَة بعد عشر أشهر، فَلَمَّا اسْتَقر الْأَشْرَف فِي بِلَاده تَأَول أيمانه الَّتِي حَلفهَا للمعظم بِأَنَّهَا يَمِين مكره، هَذَا والمعظم مُوَافق لجلال الدّين خوارزم شاه على حَرْب أَخَوَيْهِ الْكَامِل والأشرف، وَلما تحقق الْكَامِل اعتضاد أَخِيه الْمُعظم لجلال الدّين خَافَ من ذَلِك، وَكتب إِلَى الإينروز ملك الفرنج أَن يقدم إِلَى عكا ليشغل الْمُعظم عَمَّا هُوَ فِيهِ، ووعده بالقدس، فَسَار الاينروز إِلَى عكا، وَبلغ ذَلِك الْمُعظم، فكاتب الْأَشْرَف واستعطفه. وفيهَا: انتزع الأتابك طغرل بك الشغر وبكاس من الصَّالح أَحْمد بن الظَّاهِر وعوضه عَنْهَا بعينتاب والراوندان. وفيهَا: سَار الْحَاجِب حسام الدّين عَليّ نَائِب الْأَشْرَف بخلاط بعساكر الْأَشْرَف إِلَى بِلَاد جلال الدّين وَاسْتولى على خوي وسلماس ونقجوان. وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة توفّي الْملك الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب بقلعة دمشق بالدوسنطاريا، وعمره تسع وَأَرْبَعُونَ، وَملكه دمشق تسع سِنِين وشهور. وَكَانَ شجاعاً قَلِيل التَّكَلُّف يركب بِلَا صناجق غَالِبا بكلوته صفراء بِلَا شاش، ويخترق الْأَسْوَاق بِلَا مطرق بَين يَدَيْهِ حَتَّى صَار من فعل أمرا بِلَا تكلّف يُقَال فعله بالمعظمي. وَعرف النَّحْو على الْكِنْدِيّ، وَالْفِقْه، على جمال الدّين الخضيري، وَكَانَ حنفياً متعصباً لمذهبه، وَكَانَ أهل بَيته شافعية سواهُ، وَولي بعده ابْنه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين دَاوُد ودبر ملكه عز الدّين أيبك المعظمي، وَكَانَ لأيبك صرخد وأعمالها.

стр. 512

وَفَاة ملك الْمغرب وَمَا كَانَ بعده فِيهَا خلع الْعَادِل عبد الله بن يَعْقُوب بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن وَفِي أَيَّامه كَانَت الْوَقْعَة مَعَ الفرنج الَّتِي هدت قَوَاعِد الْإِسْلَام بالأندلس، وَبعد خلعه خنق وَنهب المصموديون قصره بمراكش، واستباحوا حرمه. وَملك بعده يحيى بن مُحَمَّد النَّاصِر بن يَعْقُوب الْمَنْصُور بن عبد الْمُؤمن وَمَا خطّ عذاره، فَبلغ يحيى أَن إِدْرِيس بن يَعْقُوب الْمَنْصُور أَخا الْعَادِل عبد الله أَقَامَ بأشبيلية وتلقب بالمأمون، فثارت جمَاعَة من مراكش وانضم إِلَيْهِم الْعَرَب ووثبوا على يحيى بن النَّاصِر فهرب إِلَى الْجَبَل ثمَّ قتل. وخطب لِلْمَأْمُونِ إِدْرِيس بمراكش وَاسْتقر فِي الْخلَافَة ببر الأندلس وبر العدوة ثمَّ خرج عَلَيْهِ بشرق الأندلس المتَوَكل بن هود، وَاسْتولى على الأندلس فَسَار إِدْرِيس من أشبيلية وَعبر الْبَحْر إِلَى مراكش، وَخرجت الأندلس حِينَئِذٍ عَن بني عبد الْمُؤمن. ثمَّ تتبع إِدْرِيس الخارجين على من تقدمه، فسفك دِمَاءَهُمْ حَتَّى سمي حجاج الْمغرب. وَكَانَ أصولياً فروعياً ناظماً ناثراً، عمل رِسَالَة طَوِيلَة أفْصح فِيهَا بتكذيب مهديهم ابْن تومرت وضلاله وَأسْقط اسْمه من على المنابر. ثمَّ ثار على إِدْرِيس أَخُوهُ بسبته فَسَار وحصره بهَا ثمَّ بلغه أَن بعض أَوْلَاد النصار بن يَعْقُوب الْمَنْصُور دخل مراكش فَرَحل إِلَى مراكش فَمَاتَ إِدْرِيس بَين سبتة ومراكش. وَملك بعده ابْنه عبد الْوَاحِد وتلقب بالرشيد، ثمَّ توفّي غريقاً فِي صهريج بستانه بِحَضْرَة مراكش سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة، وَكَانَ قد أعَاد اسْم الْمهْدي. وَملك بعده أَخُوهُ عَليّ بن إِدْرِيس وتلقب بالمعتضد، وَكَانَ أسود مدحوضاً عِنْد أَبِيه سجنه وقتا وَقدم عَلَيْهِ أَخَاهُ الصَّغِير عبد الْوَاحِد وَاسْتمرّ المعتضد إِلَى أَن قتل فِي صفر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة. وَملك بعده أَبُو حَفْص عمر بن أبي إِبْرَاهِيم بن يُوسُف فِي ربيع الآخر سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة، وتلقب بالمرتضى فِي الْمحرم سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَدخل الواثق أَبُو الْعَلَاء إِدْرِيس الْمَعْرُوف بِأبي دبوس مراكش وهرب المرتضى إِلَى أزمور من نواحي مراكش، فَقبض وَقتل فِي الْعشْر الآخر من ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فِي مَوضِع يُسمى كتامة عَن مراكش ثَلَاثَة أَيَّام، وَأقَام أَبُو دبوس ثَلَاث سِنِين، وَقتل فِي الْمحرم سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وسِتمِائَة فِي الحروب بَينه وَبَين مُلُوك تلمسان بني مرين. وانقرضت دولة بني عبد الْمُؤمن وَاسْتولى بَنو مرين على ملكهم وَاخْتلف فِي أبي دبوس فَقيل هُوَ إِدْرِيس نَفسه بن عبد الله بن يَعْقُوب بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن، وَقيل هُوَ ابْن إِدْرِيس الْمَأْمُون.

стр. 513

ثمَّ دخلت سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة: فِيهَا عاود التتر بِلَاد جلال الدّين خوارزم شاه وَجَرت بَينهم حروب ظفر التتر فِي أَكْثَرهَا. وفيهَا: قدم الإمبراطور فردريك إِلَى عكا بجموعه أرسل الْكَامِل فَخر الدّين بن الشَّيْخ يستدعيه إِلَى الشَّام بِسَبَب أَخِيه الْمُعظم فوصل وَقد مَاتَ الْمُعظم فنشب بِهِ الْكَامِل، وَاسْتولى على صيدا وَكَانَت مُنَاصَفَة، وَعمر سورها الخراب وَمعنى الإمبراطور بالفرنجية ملك الْأُمَرَاء وَكَانَ صَاحب جَزِيرَة صقلية وَمن الْبر الطَّوِيل بِلَاد انبولية والأنبردية، وَكَانَ إفرنجياً فَاضلا محباً للحكمة والمنطق مائلاً إِلَى الْمُسلمين لِأَن منشأه بِجَزِيرَة صقلية وغالبها مُسلمُونَ. وجاءه القَاضِي جمال الدّين بن وَاصل رَسُولا من الْملك الظَّاهِر بيبرس وَرَأى تِلْكَ الْبِلَاد، وَمَا زَالَت الرُّسُل بَين الْكَامِل والإمبراطور حَتَّى خرجت السّنة. وفيهَا: بعد فرَاغ جلال الدّين من التتر نهب بِلَاد خلاط وَقتل وَخرب. وفيهَا: خَافَ غياث الدّين تير شاه أَخَاهُ جلال الدّين ففارقه إِلَى الإسماعيلية. ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة: فِيهَا بلغ النَّاصِر دَاوُد وَهُوَ مُقيم بنابلس اتِّفَاق أَخَوَيْهِ الْكَامِل والأشرف على أَخذ دمشق مِنْهُ، وَكَانَ قد أخرجه الْأَشْرَف إِلَى نابلس ليشفع فِيهِ عِنْد الْكَامِل، فَرَحل النَّاصِر دَاوُد إِلَى دمشق وَكَانَ قد لحقه عَمه الْأَشْرَف بالغور ووصاه بِطَاعَة الْكَامِل فَلم يلْتَفت النَّاصِر دَاوُد إِلَى ذَلِك، وَسَار الْأَشْرَف فِي أَثَره وحصره بِدِمَشْق والكامل مشتغل بمراسلة الإمبراطور، وَلما لم يجد الْكَامِل بدا من المهادنة سلم الْقُدس إِلَى الإمبراطور على أَن يسْتَمر سوره خراباً، وَلَا يتَعَرَّض إِلَى قبَّة الصَّخْرَة وَلَا الْجَامِع الْأَقْصَى وَيكون الْحَاكِم فِي الرساتيق إِلَى وَالِي الْمُسلمين، وَتَكون لَهُم الْقرى على الطَّرِيق من عكا إِلَى الْقُدس فَقَط. فَأخذ النَّاصِر دَاوُد وَهُوَ بِدِمَشْق محصوراً فِي التشنيع على عَمه بذلك وَكَانَ بِدِمَشْق شمس الدّين يُوسُف سبط أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ، وَكَانَ واعظاً وَله قبُول فَأمره النَّاصِر فَعمل مجْلِس وعظ ذكر فِيهِ فضل بَيت الْمُقَدّس ومصيبة الْمُسلمين بِتَسْلِيمِهِ إِلَى الفرنج. وَأنْشد قصيدة دعبل الْخُزَاعِيّ مِنْهَا: (مدارس آيَات خلت من تِلَاوَة ... ومنزل وَحي مقفر العرصات) فارتفع بكاء النَّاس وضجيجهم، وَسلم الْكَامِل الْقُدس إِلَى الفرنج وَسَار إِلَى دمشق يحاصر ابْن أَخِيه فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا، وَاشْتَدَّ الْحصار على دمشق وَوصل رَسُول الْملك الْعَزِيز صَاحب حلب يخْطب بنت الْكَامِل فَزَوجهُ ابْنَته فَاطِمَة خاتون من السَّوْدَاء أم وَلَده أبي بكر الْعَادِل بن الْكَامِل.

стр. 514

ثمَّ استولى الْكَامِل على دمشق وَعوض النَّاصِر دَاوُد عَنْهَا بالكرك والبلقاء والصلت والأغوار والشوبك، وَأخذ الْكَامِل لنَفسِهِ الْبِلَاد الشرقية الَّتِي عينت للناصر وَهِي حران والرها وَغَيرهمَا الَّتِي كَانَت بيد الْأَشْرَف، وَأَعْطَاهُ دمشق. وفيهَا: توفّي الْملك المسعود بن الْكَامِل بن الْعَادِل الْمَعْرُوف بأقسيس صَاحب الْيمن مرض بهَا، وَسَار إِلَى مَكَّة وَهِي لَهُ، فَمَاتَ وَدفن بالمعلاة وعمره سِتّ وَعِشْرُونَ سنة، وَملكه أَربع عشرَة سنة، وَبلغ ذَلِك أَبَاهُ وَهُوَ محاصر دمشق فَجَلَسَ للعزاء وَترك المسعود ابْنا صَغِيرا اسْمه يُوسُف بَقِي حَتَّى مَاتَ فِي سلطنة عَمه الصَّالح أَيُّوب صَاحب مصر وَترك ابْنه مُوسَى ولقب بالأشرف وَهُوَ الَّذِي أَقَامَهُ التّرْك فِي ملك مصر بعد قتل الْمُعظم بن الصَّالح بن الْكَامِل كَمَا سَيَأْتِي. وفيهَا: أرسل الْأَشْرَف مَمْلُوكه الْأَمِير عز الدّين أيبك الأشرفي إِلَى خلاط فَقبض على عَليّ الْحَاجِب على الْموصل وَقَتله، وَهَذَا الْحَاجِب حسام الدّين عَليّ بنى الخان الَّذِي بَين حران ونصيبين والخان الَّذِي بَين حمص ودمشق الْمَعْرُوف بخان بربخ الْعَطش وهرب للحاجب مَمْلُوك لما قتل وَلحق بِجلَال الدّين فَلَمَّا ملك جلال الدّين خلاط سلم أَبِيك إِلَيْهِ فَقتله بأستاذه. ذكر ملك المظفر مَحْمُود بن الْمَنْصُور مُحَمَّد لحماه وَلما سلم الْكَامِل دمشق إِلَى الْأَشْرَف أَخِيه قدم إِلَى سلمية، ونازل عسكره حماه وَبهَا الْملك النَّاصِر قلج أرسلان فَأرْسل النَّاصِر يَقُول لشيركوه وَهُوَ على حماه أَيْضا: إِنِّي أُرِيد أَن أخرج إِلَيْك بِاللَّيْلِ لتحضرني عِنْد السُّلْطَان الْملك الْكَامِل وَخرج إِلَى شيركوه فِي رَمَضَان مِنْهَا فَمضى بِهِ إِلَى الْكَامِل سلمية فشتمه وَأمر باعتقاله وأسره، فَكتب النَّاصِر علامته إِلَى نوابه بحماه ليسلموها إِلَى عَسْكَر الْكَامِل، فَامْتنعَ من ذَلِك الطواشيان مُرْسل وَبشير المنصوريان. وَكَانَ الْمعز أَخُو النَّاصِر الْمَذْكُورَة بقلعة حماه فملكوه وَقَالُوا: لَا نسلم حماه لغير أَوْلَاد تَقِيّ الدّين، فَأرْسل الْكَامِل يَقُول للمظفر بن الْملك الْمَنْصُور صَاحب حماه اتّفق مَعَ غلْمَان أيبك وتسلم حماه فراسلهم المظفر فحلفوه لَهُم وحلفوا لَهُ وواعدوه أَن يحضر بجماعته خَاصَّة وَقت السحر، فَفعل ففتحوا لَهُ بَاب النَّصْر فَدخل المظفر وَمضى إِلَى دَار الْوَزير الْمَعْرُوفَة بدار الأكرم دَاخل بَاب المغار وَهِي الْآن مدرسة تعرف بالخاتونية وقفتها مؤنسة خاتون بنت الْملك المظفر الْمَذْكُور، وهنىء بِالْملكِ وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر رَمَضَان مِنْهَا، وَمُدَّة النَّاصِر قلج أرسلان بحماه نَحْو تسع سِنِين وَصعد المظفر فِي الثَّالِث إِلَى القلعة وعمره يَوْمئِذٍ نَحْو سبع وَعشْرين سنة، وَأَخُوهُ النَّاصِر أَصْغَر مِنْهُ بِسنة، وفوض المظفر أَمر حماه إِلَى سيف الدّين عَليّ بن أبي عَليّ الميزباني، وَكَانَ يَقُول لَهُ: أشتهي أَن أَرَاك صَاحب حماه وأكون بِعَين وَاحِدَة فأصيبت عينه عَليّ حِصَار حماة فحظى عِنْد المظفر لذَلِك ولحسن

стр. 515

تَدْبيره، ثمَّ أنتزع الْكَامِل مِنْهُ سلمية لشيركوه صَاحب حمص حَسْبَمَا وَقع عَلَيْهِ الِاتِّفَاق من قبل. ثمَّ أعْطى المظفر أَخَاهُ النَّاصِر بارين وقلعتها بِأَمْر الْعَادِل، وَاقْتصر المظفر على حماه والمعرة. وَفِيه يَقُول الشَّيْخ شرف الدّين عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد بن عبد المحسن الْأنْصَارِيّ الدِّمَشْقِي: (تناهى إِلَيْك الْمجد وَاشْتَدَّ كَاهِله ... وَحل بك الراجي فحطت رواحله) (ترحلت عَن مصر فأمحل ربعهَا ... وَلما حللت الشَّام روض مَا حلّه) (وعزت حماه فِي حمى أَنْت ليثه ... بصولته يحمى كُلَيْب ووائله) (وَقد طَال مَا ظلت بتدبير أهوج ... يُجيب مرجيه وَيحرم سائله) ثمَّ أَن الْكَامِل رَحل عَن سلمية إِلَى الْبِلَاد الشرقية فَنظر فِي مصالحها فَلحقه المظفر من حماه وَهُوَ بالشرق. وَعقد لَهُ الْكَامِل هُنَاكَ على ابْنَته غزته خاتون شَقِيقَة الْملك المسعود صَاحب الْيمن وَالِدَة الْمَنْصُور صَاحب حماه، وأخيه الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ ابْني المظفر مَحْمُود. ثمَّ عَاد الْملك إِلَى حماه، وَكَانَ صَاحبه الزكي القوصي أنْشدهُ بِمصْر متمنياً لَهُ ملك حماه وَبنت خَاله الْملك الْكَامِل: (مَتى أَرَاك كَمَا أَهْوى وَأَنت وَمن ... تهوى كأنكما روحان فِي بدن) (هُنَاكَ أنْشد والأقدار مصغية ... هنيت بِالْملكِ والأحباب والوطن) فَقَالَ الْملك المظفر: إِن صَار ذَلِك يَا زكي أَعطيتك ألف دِينَار مصرية، وَلما ملك حماه أعطَاهُ مَا وعده بِهِ، ثمَّ لما قرر الْكَامِل الْبِلَاد الشرقية عَاد إِلَى مصر. وفيهَا: أرسل الْملك الْأَشْرَف أَخَاهُ الصَّالح إِسْمَاعِيل بن الْعَادِل وَهُوَ صَاحب بصرى بعسكر فنازل بعلبك وَبهَا صَاحبهَا الأمجد بهْرَام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب، وَاسْتمرّ الْحصار عَلَيْهِ. وفيهَا: حاصر جلال الدّين ملك الخوارزمية خلاط، وَبهَا أيبك نَائِب الْأَشْرَف إِلَى أَن خرجت السّنة. ثمَّ دخلت سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة: فِيهَا شرع شيركوه صَاحب حمص فِي عمَارَة قلعة شميميس بِإِذن الْكَامِل على كره من المظفر صَاحب حماه. وفيهَا: سلم الأمجد بعلبك إِلَى الْأَشْرَف لطول الْحصار، وعوضه بالزبداني وقصير دمشق شمالها وَغَيره، فَتوجه الْأَشْرَف إِلَى دَاره دَاخل بَاب النَّصْر بِدِمَشْق وَهِي الْيَوْم دَار السَّعَادَة.

стр. 516

ثمَّ إِن الأمجد حبس مَمْلُوكا لَهُ فِي مرقد عِنْده بهَا وَلعب بالنرد قُدَّام المرقد فَفتح الْمَمْلُوك الْبَاب وَضرب أستاذه بِسيف فَقتله ثمَّ ألْقى نَفسه من سطحها فَمَاتَ، وَدفن الأمجد بمدرسة وَالِده عَليّ الشّرف ملك بعلبك تِسْعَة وَأَرْبَعين سنة، والأمجد أشعر بني أَيُّوب وشعره مَشْهُور. وفيهَا: بعد طول المحاصرة هجم جلال الدّين خلاط بِالسَّيْفِ، وَفعل أَفعَال التتر قتلا واسترقاقاً ونهباً، ثمَّ قبض على نائبها أيبك، وَقتل حَسْبَمَا تقدم. كسرة جلال الدّين وَبعد كائنة خلاط اتّفق كيقباد بن كينحسرو صَاحب الرّوم والأشرف بن الْعَادِل واجتمعا بسيواس وَسَار إِلَى جِهَة خلاط والتقى الْجَمْعَانِ فِي التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان مِنْهَا فَانْهَزَمَ جلال الدّين والخوارزمية وَهلك غالبهم قتلا وتردياً من جبال فِي طريقهم. وقويت التتر بعْدهَا على جلال الدّين، وارتجع الْأَشْرَف خلاط خراباً، ثمَّ تحالف الْأَشْرَف وكيقباد وتصالحا على مَا بأيديهما. وفيهَا: استولى الْملك المظفر غَازِي بن الْعَادِل على ارزن من ديار بكر غير ارزن الرّوم من صَاحبهَا حسام الدّين من بَيت قديم فِي الْملك يعْرفُونَ بِبَيْت الأحدب، وَهِي لَهُم من أَيَّام ملكشاه السلجوقي وعوضه بحاني. وفيهَا: جمع الفرنج من حصن الأكراد وقصدوا حماه فكسرهم المظفر صَاحبهَا عِنْد قَرْيَة أفيون بَين حماه وبارين وَعَاد المظفر مظفراً. وفيهَا: ولد الْملك النَّاصِر يُوسُف بن الْملك الْعَزِيز صَاحب حلب. ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة: فِيهَا عَادَتْ التتر فسفكت فِي بِلَاد الْإِسْلَام وَخَربَتْ مَعَ ضعف جلال الدّين لسوء سيرته، وَلم يتْرك لَهُ من مُلُوك الْأَطْرَاف صديقا، وَفَسَد عقله بِمَوْت مَمْلُوك يُحِبهُ، واستصحب الْمَمْلُوك مَيتا وَكَانَ يُرْسل لَهُ الطَّعَام وَلَا يتجاسر أحد أَن يتَكَلَّم لَهُ بِمَوْتِهِ، فَخرج بعض الْأُمَرَاء عَن طَاعَته فضعف أمره لذَلِك، ولكسرته من الْملك الْأَشْرَف، فتمكنت التتر من الْبِلَاد واستولوا على مراغة ثَانِيًا. فَسَار جلال الدّين يُرِيد الْخَلِيفَة وملوك الْأَطْرَاف ليعضدوه على التتر ويخوفهم عَاقِبَة أَمرهم، فَلم يشْعر وَهُوَ بِالْقربِ من آمد إِلَّا وَقد كبسوه لَيْلًا وخالطوا مخيمه فهرب جلال الدّين وَقتل كَمَا سَيَأْتِي، فتمكنت التتر وَسَاقُوا حَتَّى وصلوا فِي هَذِه السّنة إِلَى الْفُرَات، واضطرب الشَّام، وشنوا الغارات فِي ديار بكر قتلا وتخريباً. تَلْخِيص من تَارِيخ جلال الدّين لشهاب الدّين مُحَمَّد المنشي النسوي، وَكَانَ النسوي مَعَ جلال الدّين إِلَى أَن كبسه التتر وَذَلِكَ أَن خوارزم شاه مُحَمَّد بن تكش اتَّسع ملكه وَقسم الْبِلَاد بَين أَوْلَاده الْأَرْبَعَة،

стр. 517

أكبرهم جلال الدّين منكبري ملكه غزنة وباميان والغور وبست وبكيا باد وزوز ميرداور وَمَا يَليهَا من الْهِنْد. وَملك قطب الدّين أزلاغ شاه خوارزم وخراسان ومازندران وَجعله ولي عَهده، ثمَّ عَزله عَن ولَايَة الْعَهْد وفوضها إِلَى جلال الدّين. وَملك غياث الدّين تيرشاه كرمان وكيش ومكران، وَملك ركن الدّين غورشاه تختي الْعرَاق. وَكَانَ أحْسنهم خلقا وخلقاً، قَتله التتر بعد موت أَبِيه، وَضرب لكل مِنْهُم النوب الْخمس فِي أَوْقَات الصَّلَاة على عَادَة السلجوقية. وَانْفَرَدَ الشَّيْخ بنوبة ذِي القرنين تضرب وَقت طُلُوع الشَّمْس وغروبها، وَكَانَت سبعا وَعشْرين دبدابة من الذَّهَب مرصعة بأنواع الْجَوَاهِر وَكَذَلِكَ بَاقِي آلَات النوبتية، وَجعل سَبْعَة وَعشْرين ملكا يضربونها فِي أول يَوْم فرغت من أكَابِر الْمُلُوك أَوْلَاد السلاطين مِنْهُم ابْن طغرل بك وأرسلان السلجوقي وَأَوْلَاد غياث الدّين صَاحب الْغَوْر وَالْملك عَلَاء الدّين صَاحب باميان وَالْملك تَاج الدّين صَاحب بَلخ وَابْنه الْملك الْأَعْظَم صَاحب ترمذ، وَالْملك سنجر صَاحب بخارا وأشباههم، وَأم خوارزم شاه مُحَمَّد ترْكَان خاتون من قَبيلَة بياروت من فروع تمك بنت ملك مِنْهُم تزَوجهَا تكش بن أرسلان بن أتسز بن مُحَمَّد بن أنوش تكين غرشه فَلَمَّا صَار الْملك إِلَى وَلَده مُحَمَّد بن تكش قدم إِلَى والدته ترْكَان خاتون قبائل تمك من التّرْك فَعظم شَأْن ابْنهَا السُّلْطَان مُحَمَّد بهم، وتحكمت هِيَ بسببهم، فلهَا فِي كل إقليم نَاحيَة جليلة. وَكَانَ لَهَا رَأْي وهيبة، تنتصف للمظلوم، جسورة على الْقَتْل يقدم من توقيعها وتوقيع ابْنهَا أحدثهما تَارِيخا وطغرى تواقيعها (عصمَة الدُّنْيَا وَالدّين الغ ترْكَان ملكة نسَاء الْعَالمين) وعلامتها اعتصمت بِاللَّه وَحده تجودها بقلم غليظ، ثمَّ لما هرب خوارزم شاه مُحَمَّد من التتر بِمَا وَرَاء النَّهر عبر جيحون، ثمَّ سَار إِلَى خُرَاسَان والتتر تتبعه، وَوصل إِلَى عراق الْعَجم، وَنزل عِنْد بسطَام وأحضر عشرَة صناديق جَوَاهِر، وَقَالَ عَن صندوقين مِنْهَا إِن بهما جَوَاهِر تَسَاوِي خراج الأَرْض بجملتها، وَحملهَا إِلَى قلعة أردهن هِيَ أحصن قلاع الأَرْض، وَأخذ خطّ النَّائِب بهَا بوصولها مختومة، فَلَمَّا استولى جنكيز خَان على تِلْكَ الْبِلَاد حملت إِلَيْهِ الصناديق بختومها. ثمَّ إِن التتر أدركوا مُحَمَّدًا الْمَذْكُور فَركب فِي الْمركب ولحقه التتر ورموه بالنشاب ونجى مِنْهُم. وَقد حصل لَهُ مرض ذَات الْجنب وَأقَام بِجَزِيرَة فِي الْبَحْر طريداً فريداً لَا يملك طارفاً وَلَا تليداً. قلت: (وَفَارق الْمِسْكِين أوطانه ... وَملكه ممتحناً بِالْمرضِ)

стр. 518

(وَكم حوى من جَوْهَر مثمن ... فَمَا فدا الْجَوْهَر هَذَا الْعرض) وَالله أعلم. وَصَارَ مَرضه يزْدَاد، وَكَانَ فِي أهل مَا زندان أَن أُنَاسًا يَتَقَرَّبُون إِلَيْهِ بِمَا يشتهيه فاشتهى عِنْده فرسا يرْعَى حول خيمة صَغِيرَة قد ضربت لَهُ فأهدى إِلَيْهِ فرس أصفر. وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ ألف جشار من الْخَيل، وَصَارَ إِذا أهْدى إِلَيْهِ أحد شَيْئا وَهُوَ على تِلْكَ الْحَال فِي الجزيرة يُطلق لَهُ شَيْئا، وَلم يكن مَعَه من يكْتب التواقيع فَيكْتب ذَلِك الْمهْدي توقيعه بِنَفسِهِ، وَيُعْطِي مثل السكين والمنديل عَلامَة بِإِطْلَاق الْبِلَاد وَالْأَمْوَال. فَلَمَّا تولى ابْنه جلال الدّين أمضى ذَلِك كُله، ثمَّ مَاتَ السطان مُحَمَّد بالجزيرة على تِلْكَ الْحَالة فَغسله شمس الدّين مَحْمُود بن بَلَاغ الجاوش ومقرب الدّين مقدم الفراشين وكفن فِي قَمِيصه لعدم كفن وَدفن بالجزيرة سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة بعد أَن كَانَ بَابه مزدحم مُلُوك الأَرْض، وَكَانَت حَاشِيَته ملوكاً طستداره وركبداره وسلحداره وجنداره وَغَيرهم وَفِي أعلامهم عَلَامَات وظائفهم. وَكَانَ سماطه مُعظما مفخماً، وَتفرد فِي الحشمة عَن الْمُلُوك بأَشْيَاء لَا يُشَارك فِيهَا، ثمَّ سَار جلال الدّين بعد موت أَبِيه السُّلْطَان مُحَمَّد من الجزيرة إِلَى خوارزم ثمَّ هرب من التتر وَلحق بغزنة وَجرى بَينه وَبَين التتر من الْقِتَال مَا تقدم ذكره، وَسَار إِلَيْهِ جنكيز خَان فهرب جلال الدّين من غزنة إِلَى الْهِنْد فَلحقه جنكيز خَان على مَاء السَّنَد وتصافا صَبِيحَة الْأَرْبَعَاء لثمان خلون من شَوَّال سنة ثَمَان عشرَة وسِتمِائَة، وَنصر جلال الدّين أَولا، ثمَّ كسر وَحَال بَينهمَا اللَّيْل، وَولى جلال الدّين مُنْهَزِمًا، وَأسر ابْنه وَهُوَ ابْن سبع سِنِين، وَقتل بَين يَدي جنكيزخان صبرا، وَلما عَاد جلال الدّين إِلَى حافة مَاء السَّنَد كسيراً رآى والدته وَأم ابْنه وَحرمه يصحن بِاللَّه عَلَيْك اقتلنا وخلصنا من الْأسر فَأمر بِهن فغرقن وَهَذِه من عجائب البلايا ونوادر الرزايا. قلت: (من ملك الدُّنْيَا ودانت لَهُ ... فالجهل كل الْجَهْل أَن يحسدا) (بقد مَا ترفع أَصْحَابهَا ... تحطهم فَالرَّأْي قرب المدا) (ويلي على المغري بعليائها ... سيضحك الْيَوْم ويبكي غَدا) (تعطيه كالمشفق لَكِنَّهَا ... تبطش فِي الْأَخْذ كبطش العدا) (مُبْتَدأ حُلْو لمن ذاقه ... وَلَكِن انْظُر خبر المبتدا) (غدارة خوانة أَهلهَا ... مَا زهد الزهاد فِيهَا سدى) وَالله أعلم. ثمَّ أَن جلال الدّين وَعَسْكَره اقتحموا ذَلِك النَّهر الْعَظِيم فنجى مِنْهُم إِلَى ذَلِك الْبر نَحْو أَرْبَعَة آلَاف رجل حُفَاة عُرَاة، وَرمى الموج جلال الدّين مَعَ ثَلَاثَة من خواصه إِلَى مَوضِع

стр. 519

بعيد، ولقوه بعد ثَلَاثَة أَيَّام فاعتدوا مقدمه عيداً وظنوا أَنهم أنشأوا خلقا جَدِيدا. ثمَّ جرى بَين جلال الدّين وَبَين أهل تِلْكَ الْبِلَاد وقائع انتصر هُوَ فِيهَا، وَوصل إِلَى لهاوور من الْهِنْد، وَلما عزم على الْعود إِلَى جِهَة الْعرَاق استناب بهلوان أزبك على مَا يملكهُ من بِلَاد الْهِنْد، واستناب مَعَه حسن فرات، ولقبه وفا ملك وَفِي سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة طردوفاً ملك بهلوان أزبك، وَاسْتولى على بِلَاده وَوصل جلال الدّين إِلَى كرمان سنة إِحْدَى وَعشْرين وسِتمِائَة وقاسى وَهُوَ وَعَسْكَره فِي البراري القاطعة بَين كرمان والهند شَدَائِد، وَوصل مَعَه أَرْبَعَة آلَاف رجل بَعضهم ركاب أبقار وَبَعْضهمْ ركاب حمير. ثمَّ سَار جلال الدّين إِلَى خوزستان وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ على أذربيجان ثمَّ على كنجة وَسَائِر بِلَاد أران، ثمَّ نقل أَبَاهُ من الجزيرة إِلَى قلعة أردهن وَدَفنه بهَا، وَلما استولى التتر على هَذِه القلعة نبشوه وأحرقوه وَهَذَا فعلهم فِي كل ملك عرفُوا قَبره فَإِنَّهُم أحرقوا عِظَام مَحْمُود بن سبكتكين بغزنة. ثمَّ ذكر اسْتِيلَاء جلال الدّين على خلاط وَغَيره ذَلِك، ثمَّ ذكر نُزُوله على جسر قرب آمد وإرساله يستنجد الْأَشْرَف بن الْعَادِل فَلم ينجده وعزم جلال الدّين على الْمسير إِلَى أَصْبَهَان، ثمَّ انثنى عزمه، وَبَات بمنزله، وَشرب تِلْكَ اللَّيْلَة، وسكر سكرا اصحاه مِنْهُ النَّدَم، وأوجد لَهُ الْعَدَم وأحاط التتر بِهِ وبعسكره مصبحين. (فمساهم وبسطهم حَرِير ... وصبحهم وبسطهم تُرَاب) (وَمن فِي كَفه مِنْهُم قناة ... كمن فِي كَفه مِنْهُم خضاب) وأحاطت التتر بخركاه جلال الدّين وَهُوَ نَائِم سَكرَان فَحمل أزخان وكشف التتر عَن الخركاه وَدخل بعض الْخَواص وَأخذ بيد جلال الدّين وَأخرجه وَعَلِيهِ طاقية بَيْضَاء فأركبه الْفرس وسَاق أزخان مَعَ جلال الدّين، وَتَبعهُ التتر فَقَالَ جلال الدّين لأزخان: انْفَرد عني بِحَيْثُ يشْتَغل التتر بتتبع سوادك، وَكَانَ ذَلِك خطأ مِنْهُ فَإِن أزخان تبعه نَحْو أَرْبَعَة آلَاف من الْعَسْكَر وقصدوا أَصْبَهَان وَاسْتولى عَلَيْهَا مُدَّة، وَلما انْفَرد جلال الدّين عَن أزخان سَار إِلَى باشورة آمد فَمَا مكنوه من الدُّخُول فَسَار إِلَى قَرْيَة من قرى ميافارقين طَالبا شهَاب الدّين بن الْملك الْعَادِل صَاحب ميافارقين. ثمَّ لحقه التتر فِي تِلْكَ الْقرْيَة فهرب جلال الدّين إِلَى جبل هُنَاكَ أكراد يتخطفون النَّاس فَأَخَذُوهُ وشلحوه وَأَرَادُوا قَتله فَقَالَ جلال الدّين لأَحَدهم: إِنِّي أَنا السُّلْطَان فاستبقني أجعلك ملكا، فَجعله الْكرْدِي عِنْد امْرَأَته وَمضى إِلَى الْجَبَل، فَحَضَرَ كردِي مَعَه حَرْبَة، وَقَالَ للْمَرْأَة: لم لَا تقتلون هَذَا الْخَوَارِزْمِيّ؟ فَقَالَت الْمَرْأَة: قد أَمنه زَوجي، فَقَالَ الْكرْدِي إِنَّه السُّلْطَان، وَقد قتل لي أَخا بخلاط خيرا مِنْهُ، وضربه بالحربة فَقتله. وَكَانَ أسمر قَصِيرا تركي الشارة والعبارة وَيتَكَلَّم أَيْضا بِالْفَارِسِيَّةِ، كَاتب الْخَلِيفَة بِمَا كَاتبه أَبوهُ، فَكَانَ يكْتب خادمه المطواع منكرتي وكاتبه بعد أَخذ خلاط بِعَبْدِهِ، وَكَانَ يُخَاطب

стр. 520

بخداوند عَالم، أَي صَاحب الْعَالم، ومقتله منتصف شَوَّال سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة. وفيهَا: انْتهى التَّارِيخ الْكَامِل لعز الدّين عَليّ بن الْأَثِير الْمُؤلف من هبوط آدم توفّي عز الدّين سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بالموصل مُنْقَطِعًا فِي بَيته للتوفر على الْعلم، ومولده بِجَزِيرَة ابْن عمر ونسبت الجزيرة إِلَى عبد الْعَزِيز بن عمر من أهل برقعيد من أَعمال الْموصل لِأَنَّهُ بنى مدينتها. وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة توفّي بِالْقَاهِرَةِ أَبُو الْحسن يحيى بن معطي بن عبد النُّور الزواوي الْحَنَفِيّ النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ، سكن دمشق طَويلا، وَله الألفية والفصول وَغَيرهمَا، ومولده سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة، ونسبته إِلَى زواوة قَبيلَة بِظَاهِر بجاية من أَعمال إفريقية. قلت: ألفيته الْمَذْكُورَة كَمَا قلت فِي ديباجة شرحها الَّذِي سميته ضوء الدرة شاهدة لناظمها بِإِصَابَة الصَّوَاب والتفنن فِي الْآدَاب، حَتَّى كَانَ سِيبَوَيْهٍ ذَا الْأَعْرَاب قَالَ لَهُ: يَا يحيى خُذ الْكتاب، وَرَأَيْت الشُّرَّاح يخطؤنه فِي قَوْله فِي آخرهَا. (وفْق مُرَاد الْمُنْتَهى والمنشأة ... فِي الْخمس وَالتسْعين والخمسمائة) وَهَذَا لَا يجوز لإضافة الْمعرفَة إِلَى النكرَة ثمَّ وجد فِي نُسْخَة قُرِئت عَلَيْهِ وَالْخمس الْمِائَة، وَهَذَا صَوَاب وَلما حج وعاين الْكَعْبَة أنْشد: (وَلما تبدى لي من السجف جَانب ... ومقلة ليلى من وَرَاء نقابها) (بعثت رَسُول الدمع بيني وَبَينهَا ... لتأذن فِي قربي وتقبيل بَابهَا) (فَمَا أَذِنت إِلَّا بإيماض برقها ... وَلَا سمحت إِلَّا بلثم ترابها) وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة: والكامل والأشرف بِمصْر، والمظفر بحماه، والعزيز مُحَمَّد بن الظَّاهِر غَازِي بحلب، والتتر قد ملكوا الْعَجم كُله والخليفة الْمُسْتَنْصر بالعراق. ثمَّ اجْتمع مَعَ الْكَامِل مُلُوك أهل بَيته فِي جمع عَظِيم وَسَار حصر آمد وتسلمها من الْملك المسعود بن الصَّالح مَحْمُود بن مُحَمَّد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق لسوء سيرته وتعرضه إِلَى حَرِيم النَّاس وَمُحَمّد بن قرا أرسلان هُوَ الَّذِي ملكه صَلَاح الدّين آمد بعد نَزعهَا من ابْن بيسان، وتسلم الْكَامِل أَيْضا من المسعود حُصَيْن كيفا وَهِي غَايَة فِي الحصانة، واقطع المسعود بِمصْر إقطاعاً جَلِيلًا، وَأحسن إِلَيْهِ ثمَّ بَدَت مِنْهُ أُمُور اعتقله الْكَامِل بِسَبَبِهَا. وَلما مَاتَ الْكَامِل خرج من الاعتقال، ثمَّ اتَّصل بالتتر فَقَتَلُوهُ وَجعل الْكَامِل فِي مملكة آمد ابْنه الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَمَعَهُ شمس الدّين صَوَاب العادلي وَلما خرج الْكَامِل من مصر خرجت مَعَه ابنتاه فَاطِمَة خاتون زوج الْعَزِيز صَاحب حلب، وغازية خاتون زوج المظفر صَاحب حماه وحلب كل وَاحِدَة إِلَى بَعْلهَا. وفيهَا: ظنا توفّي عَليّ بن رَسُول وَاسْتقر مَكَانَهُ ابْنه عمر.

стр. 521

ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة: رَجَعَ الْكَامِل من الشرق إِلَى مصر وَرجع كل ملك إِلَى بَلَده. اسْتِيلَاء الْعَزِيز بن الظَّاهِر على شيزر كَانَت شيزر شهَاب الدّين يُوسُف بن مَسْعُود بن عُثْمَان بن الداية وَعُثْمَان هَذَا وَإِخْوَته من أكَابِر أُمَرَاء نور الدّين بن زنكي. ثمَّ اعتقل الصَّالح إِسْمَاعِيل بن نور الدّين سَابق الدّين عُثْمَان الْمَذْكُور وشمس الدّين أَخَاهُ، فَجعل صَلَاح الدّين ذَلِك حجَّة لقصد الشَّام وانتزاعه من الصَّالح، فاتصل أَوْلَاد الداية بِخِدْمَة صَلَاح الدّين أُمَرَاء، وَأقر صَلَاح الدّين عُثْمَان على أقطاعه سيزر وزاده أَبَا قبيس لما قتل صَاحبهَا خمار دُكَيْن. ثمَّ ملك شيزر بعده ابْنه مَسْعُود بن عُثْمَان حَتَّى مَاتَ وَصَارَت لِابْنِهِ شهَاب الدّين يُوسُف إِلَى هَذِه السّنة، فَسَار الْعَزِيز بِأَمْر الْكَامِل وحاصرها وساعده المظفر صَاحب حماه، فسلمها شهَاب الدّين إِلَى الْعَزِيز، وَنزل إِلَيْهِ وهنأه يحيى بن خَالِد القيسراني بقوله: (يَا مَالِكًا عَم أهل الأَرْض نائلة ... وَخص إحسانه الداني مَعَ القَاضِي) (لما رَأَتْ شيزر آيَات نصرك فِي ... أرجائها أَلْقَت العَاصِي إِلَى العَاصِي) قلت: (وحاصرها الْعَزِيز حِصَار فتح ... وَعز بِأَخْذِهِ الْحصن المنيعا) (وظنوا بالعزيز الْعَجز عَنْهَا ... فجَاء إِلَيْهِ عاصيها مُطيعًا) وَالله أعلم. وفيهَا: حاصر المظفر صَاحب حماه أَخَاهُ النَّاصِر ببارين بِأَمْر الْعَادِل خوفًا من أَن يُسَلِّمهَا للفرنج لضَعْفه عَنْهُم، وانتزعها مِنْهُ وأكرمه وَسَأَلَهُ الْإِقَامَة عِنْده بحماه، فَامْتنعَ وَسَار إِلَى مصر فأقطعه الْكَامِل إقطاعاً جَلِيلًا، وَأطلق لَهُ أَمْلَاك جده بِدِمَشْق ثمَّ بدا مِنْهُ كَلَام فاعتقله الْكَامِل إِلَى أَن مَاتَ النَّاصِر قلج أرسلان سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة قبل موت الْكَامِل بأيام. وفيهَا: توفّي مظفر الدّين كوكبوري بن زين الدّين عَليّ كجك وَلم يكن لَهُ ولد، فوصى ببلاده للخليفة الْمُسْتَنْصر فتسلمها بعده، وَكَانَ عسوفاً فِي اسْتِخْرَاج المَال، ويحتفل بمولده النَّبِي ﷺ َ - وَينْفق عَلَيْهِ الْأَمْوَال الجليلة. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة: فِيهَا فِي الْمحرم توفّي شهَاب الدّين طغرل بك الأتابك بحلب. قلت: وَله أوقاف مبرورة وواقعته مَعَ الشَّيْخ نَبهَان بن غيار الحبريني العَبْد الصَّالح مَشْهُورَة، وَالله أعلم .

стр. 522

وفيهَا: تعرض كيقباذ صَاحب الرّوم إِلَى بِلَاد خلاط فقصده الْملك الْكَامِل بعساكره من مصر، وَنزل على النَّهر الْأَزْرَق فِي حُدُود بِلَاد الرّوم وَقد ضربت فِي عسكره سِتَّة عشر دهليزاً لسِتَّة عشر ملكا فِي خدمته، مِنْهُم إخْوَته الْأَرْبَعَة: الْأَشْرَف مُوسَى صَاحب دمشق، والمظفر غَازِي صَاحب ميافارقين، والحافظ أرسلان شاه صَاحب قلعة جعبر، والصالح إِسْمَاعِيل، والمعظم توران شاه بن صَلَاح الدّين مقدما على عَسْكَر حلب أرْسلهُ ابْن أَخِيه الْعَزِيز، والزاهر دَاوُد بن صَلَاح الدّين صَاحب البيرة، وَأَخُوهُ الْأَفْضَل مُوسَى صَاحب سميساط ملكهَا بعد أَخِيه الْأَفْضَل عَليّ، والمظفر صَاحب حماه، والصالح أَحْمد صَاحب عينتاب ابْن الظَّاهِر، وَصَاحب حلب والناصر دَاوُد صَاحب الكرك بن الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل، والمجاهد شيركوه صَاحب حمص بن مُحَمَّد بن شيركوه، وَلم يتَمَكَّن السُّلْطَان من دُخُول الرّوم من جِهَة النَّهر الْأَزْرَق لحفظ رجال كيقباذ الدربندات وَأرْسل السُّلْطَان بعض الْعَسْكَر إِلَى حصن مَنْصُور من بِلَاد كيقباذ فهزموه فَقطع السُّلْطَان الْفُرَات وَسَار إِلَى السويدا، وَقدم جاليشه نَحْو الفين وَخَمْسمِائة فَارس مَعَ المظفر صَاحب حماه فَسَار المظفر بهم إِلَى خرت برت، وَسَار كيقباذ ملك الرّوم إِلَيْهِم واقتتلوا فَانْهَزَمَ الجاليش المذكورون، وانحصر المظفر صَاحب حماه فِي خرت برت فِي جمَاعَة، وجد كيقباذ فِي حصارهم والكامل بالسويدا، وَقد أحس بمخامرة الْمُلُوك الَّذين مَعَه وتقاعدهم، فَإِن شيركوه صَاحب حمص سعى إِلَيْهِم وَقَالَ إِن السُّلْطَان ذكر إِنَّه مَتى ملك الرّوم فرقه على مُلُوك بَيته، وينفرد بِملك الشَّام ومصر ففسدت نياتهم لذَلِك فأحجم الْكَامِل عَن كيقباذ ودام الْحصار على المظفر فَطلب الْأمان فَأَمنهُ كيقباذ وأكرمه وخلع عَلَيْهِ وتسلم خرت وبرت من صَاحبهَا من الارتفيه، وَأطلق كيقباذ المظفر بعد يَوْمَيْنِ وَسَار من عِنْده لخمس بَقينَ من ذِي الْقعدَة مِنْهَا إِلَى الْكَامِل بالسويدا من بلد آمد ففرح بِهِ وطلق الْكَامِل ابْنَته من النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك لقُوَّة الوحشة مِنْهُ. وفيهَا تمّ بِنَاء قلعة المعرة وَكَانَ سيف الدّين عَليّ بن أبي عَليّ المزباني قد أَشَارَ على الْملك المظفر صَاحب حماه ببنائها وشحنها بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاح وَلم يكن ذَلِك مصلحَة للحمويين، فَإِن الحلبيين حاصروها بعد، وأخذوها وَخَربَتْ المعرة بِسَبَبِهَا. وفيهَا: توفّي سيف الدّين الْآمِدِيّ عَليّ بن أبي عَليّ بن مُحَمَّد بن سَالم التغلبي وَكَانَ حنبلياً وَصَارَ شافعياً، وبرع فِي العقليات وصنف فِيهَا وَفِي أصُول الْفِقْه وَالدّين مصنفات، وتصدر بِمصْر فِي الْجَامِع والمدرسة الملاصقة لتربة الشَّافِعِي وَحصل عَلَيْهِ تحامل وَكتب محْضر بانحلال عقيدته وبالفلسفة وأحضروه لبَعض الْفُضَلَاء ليكتب خطه أُسْوَة الْجَمَاعَة فَكتب: (حسدوا الْفَتى إِذْ لم ينالوا سَعْيه ... فالقوم أَعدَاء لَهُ وخصوم) فاستتر الْآمِدِيّ، ثمَّ قدم حماه ثمَّ قدم دمشق وَبهَا توفّي، ومولده سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة.

стр. 523

وفيهَا: توفّي الصّلاح الإربلي فَاضل شَاعِر محظي عِنْد الْملكَيْنِ الْكَامِل والأشرف ابْني الْعَادِل. ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة: فِيهَا عَاد الْكَامِل من الشرق إِلَى مصر وكل ملك إِلَى بَلَده للتخاذل الَّذِي تقدم. وفيهَا: توفّي الْملك الزَّاهِر دَاوُد صَاحب البيرة بن السُّلْطَان صَلَاح الدّين مرض فِي الْعَسْكَر وَحمل إِلَى البيرة وَتُوفِّي بهَا، وملكها بعده ابْن أَخِيه الْملك الْعَزِيز صَاحب حلب والزاهر شَقِيق الظَّاهِر صَاحب حلب. وفيهَا: توفّي القَاضِي بهاء الدّين يُوسُف بن رَافع بن تَمِيم بن شَدَّاد، وَلَيْسَ فِي آبَائِهِ شَدَّاد، وَقد يكون فِي نسب أمه، فاشتهر بِهِ أَصله من الْموصل. وَكَانَ قَاضِي عَسْكَر صَلَاح الدّين، وَتُوفِّي صَلَاح الدّين وَعمر القَاضِي نَحْو خمسين سنة، ونال عِنْد أَوْلَاد صَلَاح الدّين وَعند الأتابك طغرل بك منزلَة قل أَن تنَال، وَصَارَ قَاضِي حلب، وأقطعه الْعَزِيز فِي السّنة مَا يزِيد على مائَة ألف دِرْهَم، وَكَانَ فَاضلا دينا. قلت: وَعمر بحلب دَار حَدِيث ومدرسة متلاصقتين، وَجعل تربته بَينهمَا، فَقَالَ بعض النَّاس: هَذِه تربة بَين روضتين، وَرَجا أَن تشمله بركَة الْعلم مَيتا كَمَا شملته حَيا وَأَن يكون فِي قَبره من سَماع الحَدِيث وَالْفِقْه بَين الرّيّ والريا. (رُبمَا أنعش الْمُحب عيان ... من بعيد أَو زورة من خيال) (أَو حَدِيث وَإِن أُرِيد سواهُ ... فسماع الحَدِيث نوع وصال) وَالله أعلم. وفيهَا: ولد الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد بن الْملك المظفر صَاحب حماه فِي يَوْم الْخَمِيس لليلتين بَقِيَتَا من ربيع الأول وَقد قدم المظفر من خدمَة الْملك الْكَامِل قبله بيومين فَقَالَ الشَّيْخ شرف الدّين عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد مهنئاً بقدوم الْوَالِد وَالْولد فِي قصيدة طَوِيلَة مِنْهَا: (غَدا الْملك محروس الذرى وَالْقَوَاعِد ... بأشرف مَوْلُود لأشرف وَالِد) (حبينا بِهِ يَوْم الْخَمِيس كَأَنَّهُ ... خَمِيس بدا للنَّاس فِي شخص وَاحِد) (وسميته باسم النَّبِي مُحَمَّد ... وجديه فاستوفى جَمِيع المحامد) اسْم جديه الْكَامِل مُحَمَّد وَالِد والدته، والمنصور صَاحب حماه وَالِد وَالِده وَمِنْهَا: (كَأَنِّي بِهِ فِي غَزَّة الْملك جَالِسا ... وَقد سَاد فِي أَوْصَافه كل سائد) (ووافاك من أبنائه وبنيهم ... بأنجم سعد نورها غير خامد) (أَلا أَيهَا الْملك المظفر دَعْوَتِي ... سيورى بهَا زندي ويشتد ساعدي) (هَنِيئًا لَك الْملك الَّذِي بقدومه ... ترحل عَنَّا كل هم معاود) وفيهَا: حصر كيقباذ صَاحب الرّوم حران والرها، وملكهما من الْملك الْكَامِل بعد عوده.

стр. 524

وفيهَا: توفّي بِالْقَاهِرَةِ الْقَاسِم بن عمر بن الْحَمَوِيّ الْمصْرِيّ الدَّار ابْن الفارض، وَله أشعار جَيِّدَة، مِنْهَا التائية على طَريقَة التصوف نَحْو سِتّمائَة بَيت. قلت وفيهَا: توفّي الشَّيْخ شهَاب الدّين السهروردي أَبُو حَفْص عمر بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عموية وَهُوَ عبد الله بن سعد بن الْحُسَيْن بن الْقَاسِم بن سعد بن النَّضر بن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق ﵃. وَكَانَ شَيخا صَالحا ورعاً فَقِيها شافعياً كثير الِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة والرياضة وَتخرج عَلَيْهِ خلق كثير من الصُّوفِيَّة فِي المجاهدة وَالْخلْوَة، مِنْهُم شَيخنَا الْعَارِف ذُو الْفَضَائِل والكرامات تَاج الدّين جَعْفَر بن مَحْمُود بن سيف السراج الْحلَبِي، وَسَيَأْتِي ذكر إِن شَاءَ الله تَعَالَى. صحب الشَّيْخ شهَاب الدّين عَمه أَبَا النجيب عبد القاهر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عمويه التَّيْمِيّ الْبكْرِيّ وَأخذ عَنهُ التصوف والوعظ، وَالشَّيْخ محيي الدّين عبد الْقَادِر بن أبي صَلَاح الجيلي وَانْحَدَرَ إِلَى الْبَصْرَة إِلَى الشَّيْخ أبي مُحَمَّد بن عبدون وَرَأى غَيره من الشُّيُوخ. وَقَرَأَ الْفِقْه وَالْخلاف وَالْأَدب، وَصَارَ شيخ الشُّيُوخ بِبَغْدَاد، وَكَانَ لَهُ فِي الْوَعْظ نفس مبارك، أنْشد يَوْمًا على الْكُرْسِيّ وَإِن كَانَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر قد أنْشد ذَلِك قبله: (لَا تَسْقِنِي وحدي فَمَا عودتني ... إِنِّي أشح بهَا على جلاسي) (أَنْت الْكَرِيم وَلَا يَلِيق تكرما ... أَن يعبر الندماء دور الكاس) فتواجد النَّاس لذَلِك وَقطعت شُعُور كَثِيرَة وَتَابَ جمع كثير، وَله تآليف حَسَنَة مِنْهَا عوارف المعارف. وَمن شعره: (تصرمت وَحْشَة اللَّيَالِي ... وَأَقْبَلت دولة الْوِصَال) (وَصَارَ بالوصل لي حسوداً ... من كَانَ فِي هجركم رثي لي) (وحقكم بعد إِذْ حصلتم ... بِكُل مَا فَاتَ لَا أُبَالِي) (تقاصرت عَنْكُم قُلُوب ... فيا لَهُ مورداً حلالي) (عَليّ مَا للورى حرَام ... وحبكم فِي الحشا جلالي) (تشربت أعظمي هواكم ... فَمَا لغير الْهوى وَمَالِي) (وَمَا على عادم أجاجا ... وَعِنْده أعين الزلَال) قَالَ ابْن خلكان: حكى لي من حضر مَجْلِسه ذَلِك كُله، قَالَ: وَرَأَيْت جمَاعَة مِمَّن حَضَرُوا مَجْلِسه وقعدوا فِي حَضرته وتسليكه كجاري عادي الصُّوفِيَّة وَكَانُوا يحكون غرائب مَا يجْرِي لَهُم من الْأَحْوَال وَمَا يطْرَأ عَلَيْهِم من الخارقات، وَكَانَ كثير الْحَج وَرُبمَا جاور فِي بعض حججه. وَكَانَ مَشَايِخ عصره يَكْتُبُونَ إِلَيْهِ من الْبِلَاد فَتَاوَى يسألونه عَن شَيْء من أَحْوَالهم، كتب إِلَيْهِ بَعضهم: يَا سَيِّدي إِن تركت الْعَمَل أخلدت إِلَى البطالة وَإِن عملت داخلني الْعجب.

стр. 525

فَكتب جَوَابه اعْمَلْ واستغفر الله تَعَالَى من الْعجب وَله من هَذَا شَيْء كثير وكراماته مَجْمُوعَة. وَأما عَمه الشَّيْخ أَبُو النجيب عبد القاهر فَكَانَ شيخ وقته بالعراق، ولد بسهرورد سنة تسعين وَأَرْبَعمِائَة تَقْرِيبًا، وَقدم بَغْدَاد وتفقه بالنظامية على اِسْعَدْ الميهني وَغَيره. ثمَّ سلك طَرِيق الصُّوفِيَّة وَانْقطع عَن النَّاس مُدَّة مديدة، وبذل الْجهد فِي الْعَمَل، ثمَّ رَجَعَ ودعا النَّاس إِلَى الله فَرجع بِسَبَبِهِ خلق كثير إِلَى الله تَعَالَى، وَبنى رِبَاطًا على الشط من الْجَانِب الغربي بِبَغْدَاد، وسكنه جمَاعَة من أَصْحَابه، ثمَّ ندب إِلَى التدريس بالنظامية سنة خَمْسَة وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فِي الْمحرم فَأجَاب وَظَهَرت بركته على تلامذته، ثمَّ تَركهَا سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، وَقدم الْموصل مجتازاً إِلَى الْقُدس سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة، وَعقد بالجامع الْعَتِيق مجَالِس الْوَعْظ، ثمَّ وصل دمشق وَلم يتَّفق لَهُ الزِّيَارَة لانفساخ الْهُدْنَة مَعَ الفرنج خذلهم الله تَعَالَى فَأكْرم الْعَادِل نور الدّين مورده وَعقد بِدِمَشْق مجْلِس الْوَعْظ، وَعَاد إِلَى بَغْدَاد، وَتُوفِّي بهَا يَوْم الْجُمُعَة وَقت الْعَصْر سَابِع عشر جمادي الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة وكراماته مَشْهُورَة مَجْمُوعَة وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة: فِيهَا سَار النَّاصِر دَاوُد من الكرك إِلَى بَغْدَاد إِلَى الْخَلِيفَة الْمُسْتَنْصر خوفًا من عَمه الْكَامِل وَقدم لَهُ تحفاً وجواهر نفيسة فَأكْرمه الْمُسْتَنْصر وخلع عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه. وَكَانَ يظنّ أَن الْخَلِيفَة يستحضره فِي الْمَلأ، كَمَا استحضر مظفر الدّين صَاحب إربل، والح فِي ذَلِك فَلم يجبهُ، فمدح الْمُسْتَنْصر بِقَصْدِهِ وَعرض بذلك مِنْهَا: (فَأَنت الإِمَام الْعدْل والمعرق الَّذِي ... بِهِ شرفت أنسابه ومناصبه) (أيحسن فِي شرع الْمَعَالِي ودينها ... وَأَنت الَّذِي تعزى إِلَيْك مذاهبه) (بِأَنِّي أخوض الدو والدو مقفر ... سباريته مغبرة وسباسبه) (وَقد رصد الْأَعْدَاء لي كل مرصد ... فكلهم نحوي تدب عقاربه) (وتسمح لي بِالْمَالِ والجاه بغيتي ... وَمَا الجاه إِلَّا بعض مَا أَنْت واهبه) (ويأتيك غَيْرِي من بِلَاد قريبَة ... لَهُ الْأَمْن فِيهَا صَاحب لَا يجانبه) (فَيلقى دنواً مِنْك لم ألق مثله ... ويحظى وَمَا أحظى بِمَا أَنَّك طَالبه) (وَينظر من لألاء قدسك نظرة ... فَيرجع والنور الإمامي صَاحبه) (وَلَو كَانَ يعلوني بِنَفس ورتبة ... وَصدق وَلَاء لست فِيهِ أصاقبه) (لَكُنْت أسلي النَّفس عَمَّا أرومه ... وَكنت أذود الْعين عَمَّا أراقبه) (وَلكنه مثلي وَلَو قلت إِنَّنِي ... أَزِيد عَلَيْهِ لم يعب ذَاك عائبه) (وَمَا أَنا مِمَّن يمْلَأ المَال عينه ... وَلَا بسوى التَّقْرِيب تقضي مآربه) وَكَانَ الْخَلِيفَة متوقفاً عَن استحضاره رِعَايَة للْملك الْكَامِل فَجمع بَين المصلحتين واستحضره لَيْلًا ثمَّ عَاد إِلَى الكرك.

стр. 526

وفيهَا سَار الْكَامِل من مصر واسترجع حران والرها من يَد كيقباذ، وَأرْسل نواب كيقباذ مقيدين إِلَى مصر، فاستقبح ذَلِك مِنْهُ ثمَّ قدم دمشق وَأقَام عِنْد أَخِيه الْأَشْرَف حَتَّى خرجت السّنة. وفيهَا: توفّي شرف الدّين مُحَمَّد بن نصر بن عنين الزرعي شَاعِر مفلق، هجاء لَهُ مقراض الْأَعْرَاض مَا سلم بِدِمَشْق مِنْهُ كَبِير، ونفاه صَلَاح الدّين إِلَى الْيمن فمدح صَاحبهَا طغتكين بن أَيُّوب فَحصل لَهُ مِنْهُ أَمْوَال إتجر بهَا إِلَى مصر وصاحبها الْعَزِيز عُثْمَان بن صَلَاح الدّين وَأخذت بهَا زَكَاة تِجَارَته فَقَالَ: (مَا كل من يُسمى بالعزيز لَهَا ... أَهلا وَلَا كل برق سحبه غدق) (بَين العزيزين بون فِي فعالهما ... هذاك يعْطى وَهَذَا يَأْخُذ الصَّدَقَة) قلت: وَطَاف ابْن عنين بِلَاد الشَّام وَالْعراق والجزيرة وأذربيجان وخراسان وغزنة وخوارزم وَمَا وَرَاء النَّهر واليمن والهند. وَكتب من الْهِنْد إِلَى أَخِيه بِدِمَشْق هذَيْن الْبَيْتَيْنِ، وَالثَّانِي مِنْهُمَا لأبي الْعَلَاء المعري: (سامحت كتبك فِي القطيعة عَالما ... أَن الصَّحِيفَة لم تَجِد من حَامِل) (وعذرت طيفك فِي الْجفَاء لِأَنَّهُ ... يسري فَيُصْبِح دُوننَا بمراحل) وَمَات صَلَاح الدّين وَملك الْعَادِل دمشق فِي عيبته فَقدم دمشق وَكتب إِلَى الْعَادِل يَسْتَأْذِنهُ فِي دُخُولهَا: (مَاذَا على طيف الْأَحِبَّة لَو سرى ... وَعَلَيْهِم لَو سامحوني بالكرى) وَوصف منتزهات دمشق ثمَّ قَالَ: (فارقتها لَا عَن رضى وهجرتها ... لَا عَن قلى ورحلت لَا متحيرا) (أسعى لرزق فِي الْبِلَاد مشتت ... وَمن الْعَجَائِب أَن يكون مقتراً) (وأصون وَجه مدائحي متقنعاً ... وأكف ذيل مطامعي متستراً) (أَشْكُو إِلَيْك نوى تَمَادى عمرها ... حَتَّى حسبت الْيَوْم مِنْهَا أشهراً) (لَا عيشتي تصفو وَلَا رسم الْهوى ... يعْفُو وَلَا جفني يصافحه الْكرَى) (وَمن الْعَجَائِب أَن يقتل بظلكم ... كل الورى ونبذت وحدي بالعرا) وَولي الوزارة بِدِمَشْق فِي آخر دولة الْمُعظم، وَمُدَّة ولَايَة ابْنه النَّاصِر وَلما ملكهَا الْأَشْرَف انْفَصل وَلم يُبَاشر بعْدهَا خدمَة، وَدفن بِمَسْجِد أنشأه بِأَرْض المزة بِكَسْر الْمِيم، وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة: فِيهَا عَاد الْكَامِل إِلَى مصر. وفيهَا: فِي ربيع الأول توفّي الْملك الْعَزِيز مُحَمَّد بن الظَّاهِر غَازِي بن صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بحلب وعمره ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة وشهور وَملك بعده ابْنه النَّاصِر يُوسُف، وعمره نَحْو سبع سِنِين، وَدبره شمس الدّين لُؤْلُؤ وَعز الدّين عمر بن مجلى وجمال الدولة اقبال الخاتوني والمرجع إِلَى أم الْعَزِيز ضيفة خاتون بنت الْعَادِل.

стр. 527

وفيهَا توفّي كيقباذ: عَلَاء الدّين بن كيخسرو صَاحب الرّوم وَملك بعده ابْنه غياث الدّين كيخسرو بن كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن مَسْعُود بن قلج أرسلان بن سُلَيْمَان بن قطلمش بن أرسلان بن سلجوق. وفيهَا: دخل النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك مصر، وَصَارَ مَعَ الْكَامِل على مُلُوك الشَّام فجدد عقده على ابْنَته مطلقته عَاشُورَاء، وأركبه بصناجق سلطانية، ووعده بِدِمَشْق، وَحمل الْعَادِل أَبُو بكر بن الْكَامِل الغاشية بَين يَدَيْهِ وَبَالغ فِي إكرامه. وفيهَا: حاصر توران شاه عَم الْعَزِيز بعسكر حلب بغراس وَقد عمرتها الداودية بعد تخريب صَلَاح الدّين لَهَا، ثمَّ رحلوا عَنْهَا بِسَبَب الْهُدْنَة مَعَ صَاحب أنطاكية، ثمَّ أغار الفرنج على ربض دير ساك وَهُوَ بحلب، وَقَاتلهمْ الْعَسْكَر، فانكسر الفرنج وَأسر وَقتل فيهم، وَعَاد الْعَسْكَر بالأسرى والرؤوس وَكَانَت وقْعَة عَظِيمَة. وفيهَا: استخدم الصَّالح أَيُّوب بن الْكَامِل وَهُوَ بالشرق يَنُوب عَن أَبِيه الخوارزمية عَسْكَر جلال الدّين منكرتي فَإِنَّهُم بعد قتل جلال الدّين خدموا كيقباذ وَفِيهِمْ مقدمون مثل بَركت خَان وكشلو خَان وصارو خَان وفرخ خَان ويزدي خَان، فَلَمَّا تولى كيخسرو بن كيقباذ قبض على كَبِيرهمْ بَركت خَان ففارقه الخوارزمية وَسَارُوا عَن الرّوم ونهبوا مَا على طريقهم فاستمالهم الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْكَامِل واستخدمهم بِإِذن أَبِيه. ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة: فِيهَا توفّي الْملك الْأَشْرَف مظفر الدّين مُوسَى بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب بالذرب فِي الْمحرم، وَملك دمشق أَخُوهُ الصَّالح إِسْمَاعِيل بِعَهْد مِنْهُ، وَمُدَّة ملكه ثَمَان سِنِين وشهور لم ينهزم قطّ، وَاتفقَ لَهُ أَشْيَاء خارقة لِلْعَقْلِ فِي السَّعَادَة. وَكَانَ سخياً حسن العقيدة وَبنى بِدِمَشْق قصوراً ومنتزهات حَسَنَة وأقلع لما مرض عَن اللَّذَّات والأغاني، وَأَقْبل على الإستغفار وَدفن بتربته بِجَانِب الْجَامِع وَترك بِنْتا وَاحِدَة تزَوجهَا الْملك الْجواد يُونُس بن مودود بن الْملك الْعَادِل، وَبلغ الْكَامِل بِمصْر وَفَاة أَخِيه الْأَشْرَف فَسَار إِلَى دمشق وَمَعَهُ النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك والناصر لَا يشك أَن الْكَامِل يُعْطِيهِ دمشق لما تقرر بَينهمَا، واستعد الصَّالح إِسْمَاعِيل للحصار وأنجد من حلب وحمص، ونازل الْكَامِل دمشق فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا وأحرق الصَّالح بالتفاطين مَا بالعقيبة من خانات وأسواق وَغَيرهَا، وَوصل من حمص نجدة رجالة خَمْسُونَ رجلا فظفر بهم الْكَامِل وشنقهم بَين الْبَسَاتِين، وَأرْسل للمظفر صَاحب حماه توقيعاً بسلمية لانتمائه إِلَيْهِ. وَسلم الصَّالح دمشق إِلَى أَخِيه الْكَامِل لإحدى عشرَة بقيت من جُمَادَى الأولى وتعوض عَنْهَا بعلبك وَالْبِقَاع مُضَافا إِلَى بصرى. ثمَّ لم يلبث الْكَامِل غير أَيَّام وَمرض بالزكام فَدخل الْحمام وصب مَاء شَدِيدَة الْحَرَارَة فاندفعت النزلة إِلَى معدته فتورمت وَنَهَاهُ الْأَطِبَّاء عَن الْقَيْء فتقيأ فَمَاتَ لوقته وعمره نَحْو

стр. 528

سِتِّينَ سنة لتسْع بَقينَ من رَجَب مِنْهَا، وَحكم بِمصْر نَائِبا وملكاً نَحْو أَرْبَعِينَ سنة. وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَة حكم فِي الشَّام نَائِبا نَحْو عشْرين وملكاً نَحْو عشْرين، وَكَانَ مهيباً مُدبرا يُبَاشر بِنَفسِهِ، واستوزر أول ملكه وَزِير أَبِيه صفي الدّين بن شكر وَمَات فَلم يستوزر أحدا بعده، وَأكْثر سَماع الحَدِيث. وَبني للشَّيْخ عمر بن دحْيَة دَار الحَدِيث بَين القصرين فِي الْجَانِب الغربي، ونفق عِنْده الْأَدَب وَالْعلم، وامتحن الْفُضَلَاء بمسائل غربية. وَكَانَ الْأَمِير فَخر الدّين وَإِخْوَته عماد الدّين وَكَمَال الدّين ومعين الدّين من أكَابِر دولته فَإِنَّهُم حازوا فَضِيلَة السَّيْف والقلم يُبَاشر أحدهم التدريس ويتقدم على الْجَيْش، ثمَّ اتّفق الْأُمَرَاء على تَحْلِيف الْعَسْكَر للْملك الْعَادِل أبي بكر بن الْكَامِل وَهُوَ حِينَئِذٍ نَائِب أَبِيه بِمصْر، فَحلف لَهُ الْعَسْكَر وَأَقَامُوا فِي دمشق الْجواد بن يُونُس بن مودود بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب نَائِبا عَن الْعَادِل أبي بكر بن الْكَامِل وهدد الْأُمَرَاء النَّاصِر دَاوُد حَتَّى رَحل إِلَى الكرك. وَبلغ شيركوه صَاحب حمص وَفَاة الْكَامِل، وَكَانَ الْكَامِل على نِيَّة قِتَاله، فلعب بالكرة بِخِلَاف الْعَادة وَهُوَ فِي عشر التسعين وحزن المظفر بحماه لذَلِك عَظِيما وارتجع صَاحب حمص سلمية من المظفر، وَقطع قناتها عَن حماه فيبست بساتينها ثمَّ عزم على قطع النَّهر عَن حماه فسد مخرجه من بحيرة قدس بِظَاهِر حمص فبطلت نواعير حماه والطواحين، وَذهب مَاء العَاصِي فِي أَوديَة بجوانب الْبحيرَة، ثمَّ لما لم يجد المَاء مسلكاً هدم السد وَجرى كَمَا كَانَ. وَبلغ الحلبيين موت الْكَامِل فجهزوا عسكراً لنزع المعرة من يَد المظفر وحاصروا قلعتها وملكوها، وَخرج عَسْكَر المعرة حِينَئِذٍ إِلَى حلب، ثمَّ سَار عَسْكَر حلب ومقدمهم الْمُعظم توران شاه بن صَلَاح الدّين إِلَى حماه وحاصروها حَتَّى خرجت السّنة. وفيهَا: عقد عقد غياث الدّين كيخسرو بن كيقباذ سُلْطَان الرّوم على غَازِيَة خاتون بنت الْعَزِيز صَاحب حلب وَهِي صَغِيرَة وَقبل عَن كيخسرو قَاضِي دوقات، ثمَّ عقد عقد الْملك النَّاصِر يُوسُف بن الْعَزِيز صَاحب حلب على ملكة خاتون أُخْت كيخسرو وَأم ملكة خاتون بنت الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب، وزجها الْمُعظم عِيسَى صَاحب دمشق بكيقباذ، وخطب لغياث الدّين كيخسرو بحلب. وفيهَا: خرجت الخوارزمية عَن طَاعَة الصَّالح أَيُّوب بعد موت أَبِيه الْكَامِل ونهبوا الْبِلَاد. وفيهَا: حاصر لُؤْلُؤ صَاحب الْموصل الصَّالح أَيُّوب بن الْكَامِل بسنجار فبذل الصَّالح للخوارزمية حران والرها، فعادوا إِلَى طَاعَته وتقاتلوا فَانْهَزَمَ لُؤْلُؤ هزيمَة قبيحة، وغنم عَسْكَر الصَّالح مِنْهُم شَيْئا كثيرا.

стр. 529

وفيهَا: جرى بَين النَّاصِر دَاوُد صَاحب الكرك وَبَين الْملك الْجواد يُونُس المستولي على دمشق قتال بَين جَنِين ونابلس، فانتصر الْجواد وَقَوي بِهَذِهِ الْوَقْعَة وَتمكن من دمشق وَنهب عَسْكَر النَّاصِر وأثقاله. وَفِي آخرهَا: ولد وَالِد الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ بن المظفر صَاحب حماه. ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة: فِيهَا رَحل عَسْكَر حلب عَن حِصَار حماه بعد مولد الْملك الْأَفْضَل، بعد طول الْحصار أَذِنت لَهُ ضيفة خاتون صَاحِبَة حلب بنت الْعَادِل بالرحيل عَنْهَا فرحلوا، واستمرت المعرة للحلبيين، وسلمية لصَاحب حمص، فهدم المظفر قلعة بارين إِلَى الأَرْض خوفًا من خُرُوجهَا عَنهُ. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة استولى الصَّالح أَيُّوب بن الْكَامِل على دمشق وأعمالها، وَعوض الْجواد عَنْهَا سنجار والرقة وعانة، وَسَببه أَن الْعَادِل بن الْكَامِل صَاحب مصر أرسل إِلَى الْجواد عماد الدّين بن الشَّيْخ لينزع دمشق مِنْهُ ويعوضه أقطاعاً بِمصْر، فسلمها الْجواد إِلَى الصَّالح وجهز على ابْن الشَّيْخ من وقف لَهُ بقصه وضربه بسكين فَقتله، وَوصل مَعَ الصَّالح إِلَى دمشق المظفر صَاحب حماه يعاضده، وَكَانَ لاقاه فِي أثْنَاء الطَّرِيق، وَاسْتقر الصَّالح فِي ملك دمشق وَسَار الْجواد فتسلم الْبِلَاد الشرقية. ثمَّ وَردت إِلَى الصَّالح كتب المصريين يستدعونه ليملكها، وَسَأَلَهُ المظفر أَخذ حمص من شيركوه فبرز إِلَى الثَّنية. وَكَانَ قد نازلت الخوارزمية وَصَاحب حماه حمص فَفرق شيركوه أَمْوَالًا فِي الخوارزمية فقصدوا الشرق وَتركُوا حمص. ورحل صَاحب حماه إِلَى حماه، ثمَّ عَاد الصَّالح طَالبا مصر فوصل إِلَيْهِ بخربة اللُّصُوص عَسْكَر مجهز من مصر، وَلما خرج الصَّالح من دمشق استناب فِيهَا ابْنه الْملك المغيث فتح الدّين عمر وَبَقِي الصَّالح إِسْمَاعِيل صَاحب بعلبك يجامل الصَّالح ابْن أَخِيه وَيعْمل بَاطِنا على دمشق. وَكَانَ النَّاصِر صَاحب الكرك قد سَار إِلَى مصر، وَاتفقَ مَعَه الْعَادِل بن الْكَامِل على قتال الصَّالح أَيُّوب، وَوصل فِي هَذِه السّنة محيي الدّين بن ابْن الْجَوْزِيّ رَسُول الْخَلِيفَة ليصلح بَين الْأَخَوَيْنِ الْعَادِل بِمصْر، والصالح بِدِمَشْق وَهُوَ الَّذِي حضر ليصلح بَين الْكَامِل والأشرف، فاتفق أَنه مَاتَ فِي حُضُوره فِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة أَرْبَعَة من السلاطين العظماء، وهم الْكَامِل صَاحب مصر، وَأَخُوهُ الْأَشْرَف صَاحب دمشق، والعزيز صَاحب حلب وكيقباذ صَاحب الرّوم فَقَالَ فِي ذَلِك ابْن المسجف أحد شعراء دمشق: (يَا إِمَام الْهدى أَبَا جَعْفَر الْمَنْصُور ... من لَهُ الفخار الأثيل) (مَا جرى من رَسُولك الْآن محيي ... الدّين فِي هَذِه الْبِلَاد قَلِيل)

стр. 530

(جَاءَ وَالْأَرْض بالسلاطين تزهو ... وَغدا والديار مِنْهُم طلول) (أقفر الرّوم وَالشَّام ومصر ... أَفَهَذَا مغسل أم رَسُول) ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة: فِيهَا فِي صفر سَار الصَّالح إِسْمَاعِيل صَاحب بعلبك وشيركوه صَاحب حمص، وهاجما دمشق وحصرا قلعتها وتسلمها الصَّالح إِسْمَاعِيل، وَقبض على المغيث فتح الدّين عمر بن الصَّالح أَيُّوب، وَكَانَ الصَّالح أَيُّوب بنابلس لقصد ملك مصر وبلغه سعي عَمه إِسْمَاعِيل فِي الْبَاطِن، وَكَانَ للصالح أَيُّوب طَبِيب يَثِق بِهِ يُقَال لَهُ الْحَكِيم سعد الدّين الدِّمَشْقِي فَأرْسل مَعَه الصَّالح أَيُّوب إِلَى بعلبك قفص حمام نابلس ليطالعه بأخبار الصَّالح صَاحب بعلبك، فَاسْتَحْضر صَاحب بعلبك الْحَكِيم وأكرمه، وسرق الْحمام الَّتِي لنابلس، وَجعل موضعهَا حمام بعلبك فَصَارَ الطَّبِيب يكْتب أَن عمك إِسْمَاعِيل فِي قصد دمشق ويبطق فيقعد الطَّائِر ببعلبك فَيَأْخُذ إِسْمَاعِيل البطاقة ويزور على الْحَكِيم أَن عمك إِسْمَاعِيل قد جمع ليعاضدك وَهُوَ وَاصل إِلَيْك ويسرحه على حمام نابلس فيعتمد الصَّالح أَيُّوب على بطاقة الْحَكِيم وَيتْرك مَا يسمع من أَخْبَار غَيره. وَاتفقَ أَن المظفر صَاحب حماه علم سعي الصَّالح إِسْمَاعِيل صَاحب بعلبك فِي أَخذ دمشق مَعَ خلوها عَن حَافظ، فَجهز نَائِبه سيف الدّين عَليّ بن أبي عَليّ فِي عَسْكَر من حماه وَغَيرهَا وسلاحاً ومالاً ليحفظ دمشق لصَاحِبهَا. وَأظْهر الْملك المظفر وَابْن أبي عَليّ أَنَّهُمَا قد اخْتَصمَا وَأَن ابْن أبي عَليّ قد غضب وَفَارق صَاحب حماه لِأَنَّهُ يُرِيد تَسْلِيم حماه للفرنج لِئَلَّا يمنعهُ شيركوه فَفطن شيركوه للحيلة، وَلما وصل ابْن أبي عَليّ إِلَى بحيرة حمص استدعى شيركوه ابْن أبي عَليّ وَأَصْحَابه ليضيفهم. ثمَّ قبض على ابْن أبي عَليّ وَمن حضر الضِّيَافَة من أَصْحَابه وعذبهم واستصفى كل مَا مَعَهم، وَمَات ابْن أبي عَليّ وَغَيره فِي حَبسه بحمص فضعف المظفر بحماه لذَلِك كثيرا. وَأما الصَّالح أَيُّوب فَلَمَّا بلغه قصد عَمه إِسْمَاعِيل دمشق رَحل من نابلس إِلَى الْغَوْر فَبَلغهُ اسْتِيلَاء عَمه على قلعة دمشق واعتقال وَلَده المغيث عمر ففسدت نيات عسكره عَلَيْهِ وَتَفَرَّقُوا فَلم يبْق عِنْد الصَّالح أَيُّوب بالغور غير ممالكيه وأستاذ دَاره حسام الدّين أبي عَليّ فَقدم الصَّالح أَيُّوب نابلس بِمن بَقِي مَعَه، وَبلغ النَّاصِر دَاوُد ذَلِك. وَكَانَ قد وصل من مصر إِلَى الكرك فَنزل بعسكره وَأمْسك الصَّالح أَيُّوب واعتقله بهَا، وَأمر بكفايته فَتفرق عَنهُ أَصْحَابه إِلَّا نَفرا يَسِيرا. ثمَّ أرسل أَخُو الصَّالح الْملك الْعَادِل أَبُو بكر صَاحب مصر يَطْلُبهُ من النَّاصِر دَاوُد فَأتى فتهدده الْعَادِل بِأخذ بِلَاده فَمَا أَفَادَ. وفيهَا: بعد اعتقال الصَّالح بالكرك قصد النَّاصِر دَاوُد الْقُدس وَقد عمر الفرنج قلعتها بعد موت الْملك الْكَامِل فحاصرها وَفتحهَا وَخرب القلعة وبرج دَاوُد الَّذِي لم يخرب لما خرب الْقُدس أَولا.
следующие страницы →