Полный текст (708 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وَأما الزنجبيلي فهرب نَحْو الشَّام وَأرْسل أَمْوَاله فِي الْبَحْر فصادفتهم مراكب فِيهَا أَصْحَاب ظغتكين فَأَخَذُوهَا وصفت الْيمن لسيف الْإِسْلَام طغتكين، وفيهَا نزل صَلَاح الدّين قرب طبرية، وَشن الغارات على مثل بيسان وجينين والغور من بِلَاد الفرنج فغنم وَقتل، ثمَّ عَاد إِلَى دمشق، ثمَّ حصر بيروت وأغار ثمَّ عَاد ثمَّ عبر الْفُرَات من البيرة فَصَارَ مَعَه مظفر الدّين كوك بوري بن عَليّ بن بكتكين صَاحب حران.
واستمال صَلَاح الدّين مُلُوك الْأَطْرَاف فَصَارَ مَعَه نور الدّين مُحَمَّد بن قَرَأَ أرسلان صَاحب حصن كيفا، وحاصر الرها وملكها وَسلمهَا إِلَى كوك بوري ثمَّ أَخذ الرقة من نيال بن حسان المنبجي، فَسَار نيال إِلَى مَسْعُود صَاحب الْموصل ثمَّ ملك صَلَاح الدّين قرقيسيا وماكسين وعرابان والخابور جَمِيعًا، ثمَّ ملك نَصِيبين ثمَّ قلعتها وأقطعها لأبي الهيجاء السمين، ثمَّ حصر الْموصل وَبهَا صَاحبهَا عز الدّين مَسْعُود وَمُجاهد الدّين قيماز، وَقد شحنت رجَالًا وسلاحاً وَأقَام منجنيقاً فأقاموا من دَاخل تِسْعَة مجانيق وضايقها، وَنزل السُّلْطَان قبالة بَاب كِنْدَة وَصَاحب حصن كيفا على بَاب الجسر وبوري عَليّ بَاب الْعِمَادِيّ فِي رَجَب مِنْهَا، وَجرى الْقِتَال فَرَأى فِي الْأَمر طولا، فَرَحل وحاصر سنجار وملكها، واستناب بهَا سعد الدّين بن معِين الدّين أنز من أحسن الْأُمَرَاء صُورَة وَمعنى، ثمَّ قصد حران وعزل فِي طَرِيقه أَبَا الهيجاء السمين عَن نَصِيبين.
وفيهَا: سير الْبُرْنُس صَاحب الكرك أسطولاً فِي بَحر أَيْلَة فرْقَتَيْن فرقة حصرت حصن أيله، وَفرْقَة نَحْو عيذاب يفسدون فِي السواحل بَغْتَة، وَلم يعْهَد بِهَذَا الْبَحْر فرنج قطّ، فعمر الْعَادِل أَبُو بكر نَائِب النَّاصِر بِمصْر أسطولاً فِي بَحر عيذاب، وأرسله مَعَ حسام الدّين لُؤْلُؤ الْحَاجِب مُتَوَلِّي الأسطول بِمصْر فأوقع لُؤْلُؤ بمحاصري أَيْلَة فَقتل وَأسر، ثمَّ طلب الْفرْقَة الثَّانِيَة وَقد عزموا على دُخُول الْمَدِينَة وَمَكَّة حرسهما الله تَعَالَى فَبلغ رابغ فأدركهم بساحل الْحَوْرَاء وَقَاتلهمْ أَشد قتال فَقتل أَكْثَرهم وَأسر البَاقِينَ وَأرْسل بَعضهم إِلَى منى لينحروا بهَا وَعَاد بالباقين فَقتلُوا عَن آخِرهم بِمصْر.
قلت:
(لقد طمع الْبُرْنُس بمستحيل ... فجر لِقَوْمِهِ سفك الدِّمَاء)
(وَلَو ترك النَّبِي بِلَا دفاع ... لدافع عَنهُ أَمْلَاك السَّمَاء)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي عز الدّين فرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب صَاحب بعلبك وَكَانَ شجاعاً شَاعِرًا وَبلغ صَلَاح الدّين وَهُوَ بالجزيرة مَوته، فَأرْسل شمس الدّين مُحَمَّد بن الْمُقدم ليَكُون بِدِمَشْق وَأقر بعلبك على بهْرَام شاه بن فرخشاه.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْعَبَّاس الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن الرِّفَاعِي من سَواد وَاسِط، وَكَانَ صَالحا ذَا قبُول عَظِيم عِنْد النَّاس، وَله من التلامذة مَا لَا يُحْصى.
стр. 457
قلت: وَمن كَلَامه لَو تكلم الرجل فِي الذَّات وَالصِّفَات، كَانَ سُكُوته أفضل وَلَو خطى من قَاف إِلَى قَاف كَانَ جُلُوسه أفضل، وَلَو أكل مَلأ الْبَيْت طَعَاما ثمَّ تنفس عَلَيْهِ فأحرقه، كَانَ جوعه أفضل.
قَالَ ابْن خلكان: كَانَ الشَّيْخ أَحْمد فَقِيها شافعياً، أَصله من الْمغرب، ولأتباعه أَحْوَال عَجِيبَة من أكل الْحَيَّات وَهِي حَيَّة وَالنُّزُول إِلَى التنانير وَهِي تتضرم بالنَّار فيطفؤنها.
وَيُقَال: إِنَّهُم فِي بِلَادهمْ يركبون الْأسود وَلم يعقب وَإِنَّمَا الْعقب لِأَخِيهِ وكراماته مَشْهُورَة وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي بقرطبة خلف بن عبد الْملك بن مَسْعُود بن بشكوال الخزرجي الْأنْصَارِيّ من عُلَمَاء الأندلس، لَهُ تصانيف مفيدة، ومولده سنة أَربع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة.
وفيهَا: توفّي بِدِمَشْق قطب الدّين مَسْعُود بن مُحَمَّد بن مَسْعُود النَّيْسَابُورِي الْفَقِيه الشَّافِعِي، إِمَام فِي الْعُلُوم الدِّينِيَّة صنف عقيدة لصلاح الدّين فاقرأها أَوْلَاده الصغار.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا ملك صَلَاح الدّين آمد وَسلمهَا إِلَى نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان بن دَاوُد بن سقمان بن أرتق صَاحب حصن كيفا، ثمَّ ملك تل خَالِد من عمل حلب، ثمَّ عينتاب سلمهَا إِلَيْهِ صَاحبهَا نَاصِر الدّين مُحَمَّد أَخُو الشَّيْخ إِسْمَاعِيل النوري فأقره عَلَيْهَا وَبَقِي مَعَه وَمن أمرائه وتسلم بعد المحاصرة حلب من زنكي فِي صفر، وعوضه عَنْهَا بسنجار ونصيبين، والخابور والرقة وسروج.
وَكَانَ زنكي قد ضجر من اقتراحات أُمَرَاء حلب عَلَيْهِ فناداه السفلة بحلب: يَا حمَار بِعْت حلب بسنجار.
وَمن عَجِيب الِاتِّفَاق: أَن مُحي الدّين بن الزكي قَاضِي دمشق مدح السُّلْطَان بقصيدة مِنْهَا:
(وفتحكم حَلبًا بِالسَّيْفِ فِي صفر ... مُبشر بفتوح الْقُدس فِي رَجَب)
فَفتح الْقُدس فِي رَجَب سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة.
وَمِمَّنْ قتل على حِصَار حلب تَاج الدّين بوري أَخُو السُّلْطَان الْأَصْغَر وَعمل عماد الدّين زنكي للسُّلْطَان دَعْوَة حافلة فَبينا هُوَ فِيهَا إِذْ أسره شخص بِمَوْت أَخِيه بوري فَأمر بتجهيزه سرا وَلم يظْهر ذَلِك لِئَلَّا ينكد عَلَيْهِم وَكَانَ يَقُول مَا وَقعت حلب علينا رخيصة بِمَوْت بوري، ووثب أهل قلعة حارم على سرخك نَائِب الصَّالح بهَا، وقبضوا عَلَيْهِ وسلموها للسُّلْطَان بعد امْتِنَاعه عَن التَّسْلِيم ومكاتبة الفرنج، وَقرر صَلَاح الدّين بِلَاد حلب وأقطع عزازاً لِسُلَيْمَان بن حيدر.
وفيهَا: قبض مَسْعُود صَاحب الْموصل على قيماز نَائِبه.
وفيهَا قرر السُّلْطَان ابْنه الْملك الظَّاهِر غَازِي بحلب، ثمَّ سَار وتجهز من دمشق
стр. 458
فَأحرق بيسان، وَشن الإغارات على تِلْكَ النواحي، وَأرْسل إِلَى نَائِبه أَخِيه الْعَادِل بِمصْر أَن يلاقيه إِلَى الكرك، فاجتمعا عَلَيْهَا وحصراها، ثمَّ رحلا عَنْهَا، وَأرْسل ابْن أَخِيه المظفر عمر نَائِبا إِلَى مصر مَوضِع الْعَادِل، وَوصل دمشق وَأعْطى الْعَادِل حلب وقلعتها وأعمالها فِي رَمَضَان مِنْهَا، وأحضر الظَّاهِر مِنْهَا.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي مُحَمَّد بن بختيار بن عبد الله الشَّاعِر الْمَعْرُوف بالأبله.
وفيهَا: توفّي شاهر بن سكمان بن ظهير الدّين إِبْرَاهِيم بن سكمان القطبي صَاحب خلاط وعمره أَربع وَسِتُّونَ سنة وملكها بعده بكتمر مَمْلُوك أَبِيه صَاحب ميافارقين اخْتَارَهُ أَكثر أهل خلاط وكاتبوه فَحَضَرَ وَملك.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فِيهَا: سَار أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن عبد الْمُؤمن فِي جمع عَظِيم وَحصر شنترين وَمرض فَمَاتَ فِي ربيع الأول وَحمل إِلَى أشبيلية وَمُدَّة ملكه اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وشهور، استقام ملكه لتدبيره الْجيد، وبويع بعده ابْنه يَعْقُوب، وكنيته أَبُو يُوسُف يَوْم وَفَاة أَبِيه لقربهم من الْعَدو، فَأَقَامَ راية الْجِهَاد.
وفيهَا: غزا صَلَاح الدّين الكرك، وأحضر عَسَاكِر مصر مَعَه، وَملك ربضها، فَاجْتمع الفرنج وقصدوه، فَخرج عَنْهَا بالعسكر ليتلقاهم فَوَجَدَهُمْ فِي وعر، فَسَار وأحرق نابلس، وَنهب تِلْكَ النواحي، وَأسر وَقتل وسبى فَأكْثر ثمَّ اسْتَنْفَذَ مَا فِي سبصطية الَّتِي بهَا مشْهد زَكَرِيَّا من أسرى الْمُسلمين ثمَّ سَار إِلَى جينين ثمَّ إِلَى دمشق.
وفيهَا: مَاتَ قطب الدّين إيلغازي بن نجم الدّين البي بن تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق صَاحب ماردين، وَقَامَ بعده ابْنه حسام الدّين بولق أرسلان وَكَانَ هُوَ وأخوته صغَارًا وَدبره مَمْلُوك أَبِيه نظام الدّين البقش حَتَّى كبر وَكَانَ بِهِ هوج فَمَاتَ بولق وَأقَام البقش بعده أَخَاهُ الْأَصْغَر نَاصِر الدّين أرتق أرسلان بن إيلغازي صُورَة، وَكَانَ لُؤْلُؤ مَمْلُوك البقش قد تغلب عَلَيْهِ إِلَى سنة إِحْدَى وسِتمِائَة فَمَرض البقش وَأَتَاهُ نَاصِر الدّين يعودهُ، فَلَمَّا خرج خرج مَعَه لُؤْلُؤ فَقتله نَاصِر الدّين بسكين، ثمَّ عَاد إِلَى البقش فَقتله وَهُوَ مَرِيض وَاسْتقر بماردين بِلَا مُنَازع.
وفيهَا: توفّي شيخ الشُّيُوخ صدر الدّين عبد الرَّحِيم بن إِسْمَاعِيل بن أبي سعيد أَحْمد سَار برسالة الْخَلِيفَة وَمَعَهُ شهَاب الدّين بشير ليصلحا بَين صَلَاح الدّين وَبَين عز الدّين مَسْعُود صَاحب الْموصل، فَلم يَنْتَظِم حَالهمَا ومرضا بِدِمَشْق، ثمَّ سارا إِلَى الْعرَاق فِي الْحر، فَمَاتَ بشير فِي السبخة، وَمَات شيخ الشُّيُوخ فِي الرحبة، وَدفن بمشهد البوق، وَكَانَ أوحد عصره، جمع بَين رياسة الدّين وَالدُّنْيَا.
وفيهَا: فِي الْمحرم أطلق مَسْعُود صَاحب الْموصل مُجَاهِد الدّين قيماز من الْحَبْس وَأحسن إِلَيْهِ.
стр. 459
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا حصر السُّلْطَان الْموصل ثَانِيًا فَأرْسل إِلَيْهِ عز الدّين مَسْعُود والدته وَابْنَة عَمه نور الدّين وَجَمَاعَة من النِّسَاء يطْلبُونَ مِنْهُ ترك الْموصل وَمَا بِأَيْدِيهِم فردهم واستقبح مِنْهُ ذَلِك، وحاصرها، وبلغه وَفَاة شاه أرمن صَاحب خلاط فِي ربيع الآخر مِنْهَا، فَسَار إِلَيْهَا باستدعاء أَهلهَا ليملكها.
وفيهَا: توفّي نور الدّين مُحَمَّد بن قرا أرسلان بن دَاوُد صَاحب الْحصن وآمد، وَملك بعده إبنه قطب الدّين سقمان صَغِيرا وَدبره القوام بن سماقا الأسعدي، وَحضر سقمان إِلَى صَلَاح الدّين وَهُوَ عَليّ ميافارقين فأقره وَأقَام مَعَه أَمِيرا من أَصْحَاب أبي سقمان وحاصر ميافارقين وَكَانَت لصَاحب ماردين المتوفي، وَبهَا من يحفظها من جِهَة شَاة أرمن صَاحب خلاط المتوفي، وملكها صَلَاح الدّين فِي جُمَادَى الأولى ثمَّ رَجَعَ عَن قصد خلاط إِلَى الْموصل فَجَاءَتْهُ رسل مَسْعُود فِي الصُّلْح، وَاتفقَ مرض السُّلْطَان فَسَار من كفر زمار عَائِدًا إِلَى حران، فلحقته رسل الْموصل بالإجابة إِلَى مَا طلب وَهُوَ أَن تسلم إِلَيْهِ شهرزور وأعمالها وَولَايَة الْقرى بل وَمَا وَرَاء الزاب، ويخطب لَهُ وتضرب لَهُ السِّكَّة باسمه، وتسلم السُّلْطَان ذَلِك وَتمّ الصُّلْح وَوصل إِلَى حران مَرِيضا حَتَّى أيس مِنْهُ ثمَّ عوفي وَعَاد إِلَى دمشق فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: لَيْلَة عيد الْأَضْحَى شرب بحمص صَاحبهَا نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه فَأصْبح مَيتا، قيل دس السُّلْطَان عَلَيْهِ سما لمكاتبته أهل دمشق فِي مَرضه وَأقر السُّلْطَان مَوْضِعه إبنه شيركوه وعمره اثْنَتَا عشرَة سنة.
وفيهَا: توفّي الْحَافِظ مُحَمَّد بن عمر بن أَحْمد الْأَصْفَهَانِي الْمَدِينِيّ إِمَام فِي الْحِفْظ والمعرفة مؤلف فِي عُلُوم الحَدِيث لَهُ المغيث تَكْمِلَة غريبي الْهَرَوِيّ واستدرك عَلَيْهِ ومولده سنة إِحْدَى وَخَمْسمِائة.
قلت: وفيهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي الشَّيْخ حَيَاة بن قيس الْحَرَّانِي وَهُوَ أحد الْأَرْبَعَة الَّذين يتصرفون فِي قُبُورهم كتصرف الْأَحْيَاء وَقد تقدم ذكرهم جَاءَهُ الشَّيْخ رغيب الرَّحبِي زَائِرًا فوافاه بعد الصُّبْح جَالِسا وَبَين يَدَيْهِ معزى لَهُ فَسلم عَلَيْهِ وَجلسَ على دكة بإزائه وَبَينهمَا أَكثر من عشرَة أَذْرع فَلم يكلمهُ فَقَالَ فِي نَفسه جِئْت إِلَيْهِ من الرحبة، واشتغل عني بمعزى فَقَالَ: يَا رغيب قد أمرت أَن أعطب فِيك شَيْئا بِسَبَب إعتراضك فاختر إِمَّا من ظاهرك وَإِمَّا من باطنك فَقَالَ لَا يَا سَيِّدي بل من ظاهري فَمد الشَّيْخ حَيَاة إصبعه يَسِيرا فسالت عين الشَّيْخ رغيب على خُذْهُ فَقَامَ وَقبل الأَرْض وَعَاد إِلَى الرحبة ثمَّ رَأَوْهُ بعد سِنِين بِمَكَّة صَحِيح الْعَينَيْنِ فَسَأَلَ فَقَالَ: كنت فِي فِي سَماع ببلدنا وَفِيه رجل من مريدي الشَّيْخ حَيَاة فَوضع يَده على عَيْني فَردَّتْ صَحِيحَة كَمَا ترى وَلما أَشَارَ الشَّيْخ بإصبعه إِلَى عَيْني وسالت على خدي انفتحت فِي قلبِي عين شاهدت بهَا أسراراً، وَقد زَادَت عجائب من آيَات الله تَعَالَى وَبنى بِنَجْرَان مَسْجِدا وَحضر الشَّيْخ رغيب قبلته فنازعه المهندس فِي الْقبْلَة، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ: انْظُر ترى
стр. 460
الْكَعْبَة بإزائك فَنظر فَإِذا الْكَعْبَة لَيْسَ بَينه وَبَينهَا شَيْء يَحْجُبهُ فَخر مغشياً عَلَيْهِ.
وَمن كَلَامه: قيمَة القشور بلبابها وَقِيمَة الْقُصُور ببنائها وَقِيمَة الرِّجَال بألبابها، وَعز العبيد بأربابها وفخر الْأَحِبَّة بأحبابها.
وَمن إنشاده:
(وَإِذا الرِّيَاح مَعَ الْعشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيوراً)
(وأمتن ذَا بِوُجُود وجد دَائِم ... وأقمن ذَا وكشفن عَنهُ ستوراً)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا أحضر السُّلْطَان ابْنه الْأَفْضَل من مصر وأقطعه دمشق، ثمَّ استدعى تَقِيّ الدّين من مصر وزاده على حماه منبج والمعرة وَكفر طَابَ وميارفارقين، وَجعل الْعَادِل والعزيز عُثْمَان ابْنه بِمصْر، وأقطع الْعَادِل عوض حلب حران والرها.
وفيهَا: فِي أَولهَا توفّي البهلوان مُحَمَّد بن إيلدكز صَاحب الْجَبَل وهمدان والري وأصبهان وأذربيجان وَغَيرهَا، وَكَانَ حسن السِّيرَة، وَملك بعده أَخُوهُ عُثْمَان قزل أرسلان، وَكَانَ السُّلْطَان طغرل بك السلجوقي مَعَ البهلوان، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْخطْبَة، فَتمكن بِمَوْتِهِ، وَاسْتولى على بعض الْبِلَاد، وَجَرت بَينه وَبَين قزل حروب.
وفيهَا: غدر الْبُرْنُس صَاحب الكرك وَأسر قافلة من الْمُسلمين فطلبهم السُّلْطَان بِحكم الْهُدْنَة فَأبى فَنَذر السُّلْطَان قَتله بِيَدِهِ.
وفيهَا: توفّي أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي الْوَحْش بري بن عبد الْجَبَّار بن بري الْمصْرِيّ بِمصْر، إِمَام فِي اللُّغَة والنحو، قَرَأَ عَلَيْهِ الْجُزُولِيّ وَغَيره، ومولده بِمصْر سنة تسع وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا ضايق السُّلْطَان الكرك خوفًا على الْحجَّاج من الْبُرْنُس وأغار بعض عسكره على بلد عكا وغنموا، ثمَّ حصر مَدِينَة طبرية وَفتحهَا بِالسَّيْفِ وَكَانَت للقومس صَاحب طرابلس، وَكَانَ مهادن السُّلْطَان فَاجْتمع إِلَى الفرنج للحرب.
وقْعَة حطين
وَلما فتحت طبرية اجْتمعت مُلُوك الفرنج فَارِسًا وراجلاً وَسَارُوا إِلَى السُّلْطَان فَركب إِلَيْهِم من عِنْد طبرية لخمس بَقينَ من ربيع الآخر، والتقى الْجَمْعَانِ، وَرَأى القرمس شدَّة الْأَمر فَحمل على من قدامه، وَهُنَاكَ تَقِيّ الدّين صَاحب حماه فَفرج لَهُ وَعطف عَلَيْهِم، فنجى القومس إِلَى طرابلس وَمَات بعد قَلِيل غيظاً وَنصر الله الْمُسلمين، وَأَحْدَقُوا بالفرنج وأبادوهم قتلا وأسراً، وَأسر ملكهم الْكَبِير، والبرنس أرباط صَاحب الكرك وَصَاحب جبيل
стр. 461
وَابْن الهنفري ومقدم الداوية وَجَمَاعَة من الاسبتارية، وَمَا أصيبوا مُنْذُ خَرجُوا إِلَى الشَّام سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة بِمِثْلِهَا، وَلما انْقَضى المصاف جلس السُّلْطَان فِي خيمته وأجلس ملك الفرنج إِلَى جَانِبه وَقد اشْتَدَّ عطشه فَسَقَاهُ السُّلْطَان مَاء مثلوجاً، فسقى مِنْهُ الْبُرْنُس صَاحب الكرك، فَقَالَ السُّلْطَان: إِن هَذَا الملعون لم يشرب بإذني فَيكون أَمَانًا لَهُ ثمَّ ذكر السُّلْطَان الْبُرْنُس بِقَصْدِهِ الْحَرَمَيْنِ الشريفين، وَقَامَ السُّلْطَان بِنَفسِهِ فَضرب عُنُقه فارتعد ملك الفرنج فسكنه السُّلْطَان.
ثمَّ عَاد وَفتح قلعة طبرية بالأمان وعكا بالأمان، وَفتح عسكره الناصرة، وقيسارية وهيفا وصفورية وفعليثا والغولة وَغَيرهَا بِالسَّيْفِ، ونابلس وقلعتها بالأمان، وَفتح الْعَادِل بعد ذَلِك يافا عنْوَة.
ثمَّ فتح السُّلْطَان تبنين بالأمان، وتسلم صيدا خَالِيَة، ثمَّ بيروت بعد حِصَار فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى بالأمان، وَكَانَ من جملَة الأسرى صَاحب جبيل، فبذل جبيلاً فَأطلق، وَكَانَ عدوا شَدِيدا على الْمُسلمين وَمَا حمدت عَاقِبَة إِطْلَاقه.
وفيهَا: حضر المركيس فِي سفينة إِلَى عكا وَهِي للْمُسلمين وَلم يعلم بذلك وَاتفقَ عدم هبوب الْهَوَاء فراسل الْملك الْأَفْضَل بعكا مرَارًا ينْتَظر هبوب الرّيح، إِلَى أَن هبت فأقلع إِلَى صور، وَاجْتمعَ عَلَيْهِ الفرنج الَّذين بهَا، وَملك صور، وَكَانَ وُصُول المركيس إِلَى صور وَإِطْلَاق الفرنج الَّذين أَخذ السُّلْطَان بِلَادهمْ بالأمان وَحَملهمْ إِلَى صور من أعظم أَسبَاب الضَّرَر وَقُوَّة الفرنج ورواح عكا، ثمَّ حاصر السُّلْطَان عسقلان أَرْبَعَة عشر يَوْمًا وتسلمها بالأمان سلخ جُمَادَى الْآخِرَة، ثمَّ فتح عسكره الرملة والداروم وغزة وَبَيت لحم وَبَيت جِبْرِيل والنطرون وَغَيرهَا، ثمَّ نَازل السُّلْطَان الْقُدس وَبِه من النَّصَارَى عدد لَا يُحْصى، وضايقه بالنقابين وَاشْتَدَّ الْقِتَال وعلق السُّور وَطلب الفرنج الْأمان، فَقَالَ: آخذها مثل مَا أخذت من الْمُسلمين بِالسَّيْفِ فعاودوه فَأجَاب بِشَرْط أَن يُؤَدِّي كل رجل عشرَة دَنَانِير، وكل امْرَأَة خَمْسَة، وكل طِفْل دينارين، وَمن عجز أسر، وتسلم الْمَدِينَة يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من رَجَب.
قلت: قَالَ ابْن خلكان وَلَيْلَته لَيْلَة الْمِعْرَاج الْمَنْصُوص عَلَيْهَا فِي الْقُرْآن وَشهد فَتحه كثير من أَرْبَاب الْخرق والزهد وَالْعُلَمَاء من مصر وَالشَّام بِحَيْثُ لم يتَخَلَّف مِنْهُم أحد، وَالله أعلم.
وَرفعت الْأَعْلَام الإسلامية على أسواره، ورتب على أبوابه من يقبض المَال الْمَشْرُوط، فخان المرتبون وَلم يحملوا مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل.
وَكَانَ على رَأس قبَّة الصَّخْرَة صَلِيب كَبِير مَذْهَب فَقلع فَضَجَّ الْمُسلمُونَ فَرحا وسروراً، وضج الْكفَّار حزنا وثبوراً.
стр. 462
وَكَانَ الفرنج قد عمِلُوا فِي غربي الْمَسْجِد الْأَقْصَى هرياً ومستراحاً فأزيل ذَلِك وأعيد إِلَى التبجيل والتعظيم.
وَكَانَ السُّلْطَان نور الدّين مَحْمُود قد عمل منبراً بحلب وتعب عَلَيْهِ وَقَالَ: هَذَا لأجل الْقُدس فأحضر السُّلْطَان الْمِنْبَر للجامع الْأَقْصَى، وَأقَام بعد فَتحه بِظَاهِرِهِ إِلَى الْخَامِس وَالْعِشْرين من شعْبَان ورتب أَحْوَاله وَتقدم بِعَمَل الرَّبْط والمدارس الشَّافِعِيَّة.
قلت: وَصليت فِيهِ الْجُمُعَة يَوْم فَتحه، وخطب يَوْمئِذٍ بِالنَّاسِ القَاضِي محيي الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن مُحَمَّد بن يحيى بن عَليّ بن عبد الْعَزِيز عَليّ بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن عبد الْعَزِيز بن أبان بن عُثْمَان بن عَفَّان ﵃ الْقرشِي الْمَعْرُوف بِابْن الزكي قَاضِي دمشق، خطب بِالْخطْبَةِ البديعة من تصنيفه الْمَعْرُوفَة بالقدسية.
وَكتب لَهُ القَاضِي الْفَاضِل إِلَى الإِمَام النَّاصِر لدين الله أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن المستضيء رِسَالَة تَتَضَمَّن الْفتُوح طَوِيلَة.
مِنْهَا: وَقد صَارَت أُمُور الْإِسْلَام إِلَى أحسن مصائرها، وأسست عقائد أَهله على أحسن بصائرها، وتقلص ظلّ الْكَافِر الْمَبْسُوط وَصدق الله أهل دينه، فَلَمَّا وَقع الشَّرْط وَقع الْمَشْرُوط وَكَانَ الدّين غَرِيبا فَهُوَ الْآن فِي وَطنه، والفوز معروضاً، فقد بذلت الْأَنْفس فِي ثمنه، واسترد الْمُسلمُونَ تراثاً كَانَ عَنْهُم آبقاً وظفروا يقظة بِمَا لم يصدقُوا أَنهم يظفرون بِهِ طبقًا على النأي طَارِقًا واستقرت على الْأَعْلَى أَقْدَامهم، وخفقت على الْأَقْصَى أعلامهم وتلاقت على الصَّخْرَة قبلهم وشفيت بهَا وَإِن كَانَت صَخْرَة كَمَا يشفى بِالْمَاءِ غليلهم.
وَلما قدم الدّين عَلَيْهَا عرف سويداء قلبه، وهنى كفؤها الْحجر الْأسود بَيت عصمتها من الْكَافِر بحزبه.
وَكَانَ الْخَادِم لَا يسْعَى سَعْيه إِلَّا لهَذِهِ العظمة، وَلَا يقاسي تِلْكَ الْبُؤْس إِلَّا رَجَاء هَذِه النِّعْمَة.
وأقيمت الْخطْبَة يَوْم الْجمع فَكَادَتْ السَّمَوَات يتفطرن للسُّجُود لَا للوجوم وَالْكَوَاكِب مِنْهَا تنثر للطرب لَا للرجوم، وَرفعت إِلَى الله كلمة التَّوْحِيد وَكَانَت طريقها مسدودة، وطهرت قُبُور الْأَنْبِيَاء، وَكَانَت بالنجاسات مكدودة، وأقيمت الْخمس، وَكَانَ التَّثْلِيث يقعدها، وجهرت الْأَلْسِنَة بِاللَّه أكبر، وَكَانَ سحر الْكفْر يعقدها وَالله أعلم.
ثمَّ أَن السُّلْطَان ﵀ حاصر صور تَاسِع رَمَضَان وَطلب الأسطول فوصل إِلَيْهِ فِي عشر شوان، فكبسهم الفرنج فِي الشواني، وَأخذُوا خمس شوان وَلم يسلم من الْمُسلمين إِلَّا من سبح وَطَالَ حصارها، فَرَحل عَنْهَا فِي آخر شَوَّال أول كانون وَأقَام بعكا، وَأعْطى العساكر الدستور فقصدوا أوطانهم، وَبَقِي بحلقته فِي عكا وَأرْسل فَفتح هونين بالأمان.
стр. 463
وفيهَا: سَار شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْملك بن الْمُقدم أَمِيرا على الْحَج ليجمع بَين الْغُزَاة وزيارة الْقُدس والخليل وَالْحج فِي سنة فَوقف بِعَرَفَات، أَرَادَ طاشتكين أَمِير الْحَاج الْعِرَاقِيّ مَنعه من الْإِفَاضَة قبله، فاتفقوا مَعَ الشاميين فَقتل بَينهم جمَاعَة وَابْن الْمُقدم يمْنَع جماعته من الْقِتَال وَلَو مكنهم لَا نتصفوا فجرح وَمَات شَهِيدا وَدفن بمقبرة الْمُعَلَّى رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: ملك السُّلْطَان طغرل بك بن أرسلان شاه السلجوقي كثيرا من الْبِلَاد، وَأرْسل قزل بن إيلدكز إِلَى الْخَلِيفَة يستنجده ويخوفه عَاقِبَة أَمر طغرل بك.
وفيهَا: غزا شهَاب الدّين الغوري الْهِنْد.
وفيهَا: قتل الْخَلِيفَة النَّاصِر أستاذ دَاره مجد الدّين أَبَا الْفضل بن الصاحب وَلم يكن للخليفة مَعَه حكم، وَظهر لَهُ أَمْوَال عَظِيمَة أخذت كلهَا.
وفيهَا: استوزر الْخَلِيفَة النَّاصِر أَبَا المطهر عبيد الله بن يُونُس ولقبه جلال الدّين، وَمَشى أَرْبَاب الدولة فِي ركابه حَتَّى قَاضِي الْقُضَاة، وَكَانَ يمشي وَيَقُول: لعن الله طول الْعُمر.
وفيهَا: توفّي قَاضِي الْقُضَاة الدَّامغَانِي ولي الْقَضَاء للمقتفي.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا شَتَّى السُّلْطَان بعكا، ثمَّ سَار وَجعل قيماز النجمي يحاصر كَوْكَب، وَدخل دمشق ففرح النَّاس بِهِ وَسَار فِي نصف ربيع الأول وَنزل على بحيرة قدس، وَثمّ نزل تَحت حصن الأكراد ثمَّ أنطرسوس فَوَجَدَهَا خَالِيَة ثمَّ مرقية كَذَلِك، ثمَّ نزل تَحت المرقب فَوَجَدَهُ لَا يرام فوصل جبلة فِي ثامن جُمَادَى الأولى، وتسلمها جعل فِيهَا سَابق الدّين عُثْمَان بن الداية يحفظها، ثمَّ حصر قلعتي اللاذقية وملكها وَسلمهَا إِلَى ابْن أَخِيه المظفر تَقِيّ الدّين عمر فحصنها ثمَّ حاصر صهيون وتسلمها بالأمان وَسلمهَا إِلَى الْأَمِير منكورس صَاحب أبي قبيس من أَصْحَابه.
ثمَّ ملك عسكره بلاطنس خَالِيا من الفرنج وحصن الْعِيد وحصن الجماهرتين ثمَّ سَار السُّلْطَان عَن صهيون ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة وَحصر الشغر وبكاس خَالِيَة.
وتسلم الشغر بالأمان سادس جُمَادَى الْآخِرَة، وَحصر ابْنه الظَّاهِر غَازِي سرمينية وَأنزل أَهلهَا على قطيعة، وَهدم الْحصن فعفى أَثَره، واطلق من هَذِه الْحُصُون أسرى الْمُسلمين وَأَعْطَاهُمْ كسْوَة وَنَفَقَة.
ثمَّ ملك السُّلْطَان برزية زحفاً بِالسَّيْفِ فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى وسبى وَأسر وَقتل، وَحكى ابْن الْأَثِير هَذَا كُله عَن مُشَاهدَة، ثمَّ نزل السُّلْطَان جسر الْحَدِيد أَيَّامًا.
ثمَّ حاصر دير بساك وأمنهم بثيابهم فَقَط، وتسلمها تَاسِع عشر رَجَب ثمَّ تسلم بغراس بالأمان مثل دير بساك، وَأرْسل بيمند صَاحب أنطاكية يطْلب مِنْهُ الْهُدْنَة وَيُطلق كل أَسِير عِنْده
стр. 464
فَأَجَابَهُ وَصَالَحَهُ ثَمَانِيَة أشهر، ثمَّ دخل السُّلْطَان حلب ثَالِث شعْبَان، وَثمّ دخل دمشق وَأعْطى زنكي بن مودود دستوراً وَغَيره من المشارقة، وزار السُّلْطَان فِي طَرِيقه من حلب قبر عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ بدير سمْعَان من النقيرة، وزار الشَّيْخ الصَّالح أَبَا زَكَرِيَّا المغربي الْمُقِيم هُنَاكَ، وَله كرامات، وَكَانَ مَعَ السُّلْطَان أَبُو فليته قَاسم بن مهنى الْحُسَيْنِي صَاحب مَدِينَة الرَّسُول ﷺ َ -، وَحضر مَعَه فتوحاته، وَكَانَ يرجع إِلَى قَوْله تبركاُ بِصُحْبَتِهِ، وَدخل السُّلْطَان دمشق فِي رَمَضَان الْمُعظم، فأشير عَلَيْهِ بتفريق العساكر ليريحوا ويستريحوا، فَقَالَ: إِن الْعُمر قصير، وَالْأَجَل غير مَأْمُون، وَكَانَ لما سَار إِلَى الشمَال قد ترك على الكرك وَغَيرهَا من يحصرها وَأَخُوهُ بِتِلْكَ الْجِهَات يُبَاشر ذَلِك فتسلم الكرك بالأمان والشوبك، وَمَا بِتِلْكَ الْجِهَات من الْبِلَاد، ثمَّ سَار من دمشق فحصر صفد، وتسلمها بالأمان ثمَّ كَوْكَب وَعَلَيْهَا قيماز النجمي فتسلمها بالأمان فِي منتصف ذِي الْقعدَة، سير أَهلهَا إِلَى صور وَمَا كَانَ مصلحَة ثمَّ عيد الْأَضْحَى بالقدس ثمَّ أَقَامَ بعكا إِلَى سلخ السّنة.
وفيهَا: أرسل قزل بن إيلدكز يستنجد الإِمَام النَّاصِر على طغرل بك السلجوقي ويحذره عاقبته، فَأرْسل الْخَلِيفَة عسكراً إِلَيْهِ والتقوا ثامن ربيع الأول مِنْهَا قرب هَمدَان فانكسر عَسْكَر الْخَلِيفَة وغنم طغرل بك مِنْهُم وَأسر مقدم الْعَسْكَر جلال الدّين عبيد الله وَزِير الْخَلِيفَة.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاتِب ابْن التعاويذي الشَّاعِر، وَله وَقد صودرت جمَاعَة من الْكتاب بِبَغْدَاد من قصيدة:
(يَا قَاصِدا بَغْدَاد جز عَن بَلْدَة ... للجور فِيهَا زخرة وعباب)
(إِن كنت طَالب حَاجَة فَارْجِع فقد ... سدت على الراجي بهَا الْأَبْوَاب)
(وَالنَّاس قد قَامَت قيامتهم فَلَا ... أَنْسَاب بَينهم وَلَا أَسبَاب)
(والمرء يُسلمهُ أَبوهُ وعرسه ... ويخونه الْقُرَبَاء والأحباب)
(لَا شَافِع تغني شَفَاعَته وَلَا ... جَان لَهُ مِمَّا جناه متاب)
(شهدُوا معادهم فَعَاد مُصدقا ... من كَانَ قبل ببعثه يرتاب)
(حشر وميزان وَعرض جرائد ... وصحائف منشورة وحساب)
(مَا فاتهم من يَوْم مَا وعدوا بِهِ ... فِي الْحَشْر إِلَّا رَاحِم وهاب)
قلت وَمَا أحسن قَوْله:
(مَا لإنسانيتي شَاهد ... عِنْدِي سوى أَنِّي فِي خسر)
وَكتب إِلَى صَاحبه الْعِمَاد الْأَصْفَهَانِي رِسَالَة وقصيدة يطْلب مِنْهُ فَرْوَة مِنْهَا قد كلف مكارمه وَإِن لم يكن للجود عَلَيْهَا كلفه وأتحفه بِمَا وَجهه إِلَيْهِ من أمله وَهُوَ لعمر الله تحفه إهداء فَرْوَة دمشقية سَرِيَّة نقية يلين لمسها ويزين لبسهَا، دباغتها نظيفة وخياطتها لَطِيفَة طَوِيلَة
стр. 465
كَطُولِهِ سابغه كأنعمه حَالية كذكرها جميلَة كَفِعْلِهِ وَاسِعَة كصدره نقية كعرضه رفيعة كقدره.
وَأول القصيدة:
(بِأبي من ذبت فِي الْحبّ لَهُ شوقاً وصبوة ... )
وَالله أعلم.
ومولده ابْن التعاويذي سنة تسع عشرَة وَخَمْسمِائة.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا نزل السُّلْطَان بمرج عُيُون وَحضر إِلَيْهِ صَاحب شقيف أريون فخادعه ثمَّ أمْسكهُ وحبسه فِي دمشق.
حِصَار عكا
اجْتمع بصور أهل الْبِلَاد الَّتِي أَخذهَا السُّلْطَان بالأمان فَكثر جمعهم حَتَّى صَارُوا لَا يُحصونَ، وَأَرْسلُوا إِلَى الْبَحْر يَبْكُونَ ويستنجدون وصوروا صُورَة الْمَسِيح وَصُورَة عَرَبِيّ يضْرب الْمَسِيح وَقد أدماه، وَقَالُوا هَذَا نَبِي الْعَرَب يضْرب الْمَسِيح فَخرجت النِّسَاء من بُيُوتهنَّ وَوصل فِي الْبَحْر إفرنج لَا يُحصونَ كَثْرَة، ونازلوا عكا فِي منتصف رَجَب مِنْهَا وَأَحَاطُوا بهَا من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر وَلم يبْق للْمُسلمين إِلَيْهَا طَرِيق فَسَار السُّلْطَان وقاربهم وَقَاتلهمْ فِي مستهل شعْبَان وَبَاتُوا على ذَلِك، وَأَصْبحُوا، فَحمل تَقِيّ الدّين صَاحب حماه من ميمنة السُّلْطَان فأزالهم عَن موقفهم والتصق بالسور، وَانْفَتح الطَّرِيق إِلَى الْمَدِينَة يدْخل الْمُسلمُونَ وَيخرجُونَ وَأدْخل السُّلْطَان إِلَى عكا عسكراً نجدة مِنْهُم أَبُو الهيجاء السمين، وعاودوا الْقِتَال وراوحوه إِلَى الْعشْرين من شعْبَان، ثمَّ كَانَت الْوَقْعَة الْعَظِيمَة، وَحمل الفرنج على الْقلب فأزالوه وَقتلُوا حَتَّى بلغُوا خيمة السُّلْطَان، وانحاز السُّلْطَان إِلَى جَانب وانضاف إِلَيْهِ جمَاعَة، وَانْقطع مدد الفرنج، وَاشْتَغلُوا بِقِتَال الميمنة فَحمل السُّلْطَان الَّذين خرقوا الْقلب وانعطف عَلَيْهِم الْعَسْكَر فأفنوهم، فَكَانَت قتلاهم نَحْو عشرَة آلَاف إفرنجي، وَوصل المنهزمون من الْمُسلمين إِلَى طبرية وَإِلَى دمشق، وجافت الأَرْض بعد هَذِه الْوَقْعَة، وَمرض السُّلْطَان، وَحدث لَهُ قولنج، فانتقل من ذَلِك الْموضع، ورحل عَن عكا رَابِع عشر رَمَضَان إِلَى الخروبة فانبسط الفرنج فِي تِلْكَ الأَرْض وتمكنوا من عكا، وَوصل اسطول الْمُسلمين فِي الْبَحْر مَعَ حسام الدّين لُؤْلُؤ فَأخذ بطسة كَبِيرَة للفرنج، فَقَوِيت الْقُلُوب وَدخل بهَا عكا وَوصل الْعَادِل بعسكر مصر فازدادت الْقُلُوب قُوَّة.
وفيهَا: توفّي بالخروبة الفقية عِيسَى من أَعْيَان عَسْكَر السُّلْطَان؛ فَقِيه جندي شُجَاع من أَصْحَاب الشَّيْخ أبي الْقَاسِم البرزي.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن فَايِد موفق الدّين الإربلي الشَّاعِر من أعلم النَّاس بالعروض والعربية وَنقد الشّعْر وَحل كتاب إقليدس، وَهُوَ شيخ أبي البركات بن المستوفي صَاحب تَارِيخ إربل، أَقَامَ بِشَهْر زور، ثمَّ بِدِمَشْق، ومدح صَلَاح الدّين، ومدح زين الدّين يُوسُف صَاحب إربل بقوله من قصيدة:
стр. 466
(رب دَار بالحمى طَال بلادها ... عكف الركب عَلَيْهَا فبكاها)
(كَانَ لي فِيهَا زمَان وانقضى ... فسقى الله زماني وسقاها)
(قل لجيران مواثيقهم ... كلما احكمثها رثت قواها)
(كنت مشغوفاً بكم إِذْ كُنْتُم ... شَجرا لَا يبلغ الطير ذراها)
(فَإِذا مَا طمع أغري بكم ... عرض الْيَأْس لنَفْسي فثناها)
(فصبابات الْهوى أَولهَا ... طمع النَّفس وَهَذَا مُنْتَهَاهَا)
(لَا تظنوا لي إِلَيْكُم رَجْعَة ... كشف التجريب عَن عَيْني غطاها)
(إِن زين الدّين أولاني يدا ... لم تدع لي رَغْبَة فِيمَا سواهَا)
وَكَانَ أَبوهُ يتجر فِي اللآلىء من مغاص الْبَحْرين.
وفيهَا: توفّي مَحْمُود بن عَليّ بن أبي طَالب بن عبد الله الْأَصْبَهَانِيّ الْمَعْرُوف بِالْقَاضِي صَاحب الطَّرِيقَة فِي الْخلاف لَهُ التعليقة فِي الْخلاف عُمْدَة وَمن لم يدرس مِنْهَا فلقصوره عَنْهَا، وَكَانَ متفنناً واعظاً حسنا.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا فِي صفر عَاد السُّلْطَان عَن الخروبة إِلَى قتال الفرنج على عكا، وَقد عمِلُوا قرب سورها ثَلَاثَة أبرجة طولهَا سِتُّونَ ذِرَاعا، خشبها من جزائر الْبَحْر عملوها طَبَقَات مشحونة رجَالًا وسلاحاً، ولبسوها الْجُلُود والطين وبالخل خوف النَّار فَأحرق الْمُسلمُونَ البرج الأول بِمن فِيهِ ثمَّ الثَّانِي وَالثَّالِث، فانبسطت نفوس الْمُسلمين بعد الكآبة وَجَاءَت العساكر الإسلامية من الْبِلَاد، وَخرج الْملك الألمان من وَرَاء الْقُسْطَنْطِينِيَّة بِمِائَة ألف مقَاتل فأيس الْمُسلمُونَ من الشَّام فَسلط على الألمان الغلاء والوباء فَهَلَك أَكْثَرهم فِي الطَّرِيق، وَنزل ملكهم يغْتَسل فِي نهر بِبَلَد الأرمن فعرق وَأَقَامُوا ابْنه مقَامه فرجه مِنْهُم طَائِفَة وَطَائِفَة اخْتَارَتْ أَخا الْملك وَرَجَعُوا أَيْضا، وَوصل مَعَ ابْن ملك الألمان إِلَى عكا تَقْديرا ألف فَارس وَكفى الله شرهم، وَبَقِي السُّلْطَان والفرنج يتناوشون الْقِتَال إِلَى الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة، فَخرجت الفرنج من خنادقهم بالفارس والراجل، وأزالوا الْعَادِل عَن مَوْضِعه، وَمَعَهُ عَسْكَر مصر، فعطف الْمُسلمُونَ وَقتلُوا من الفرنج خلقا، فعادوا إِلَى خنادقهم، وَانْقطع السُّلْطَان لغص حصل لَهُ، ولولاه لكَانَتْ الفيصلة.
وفيهَا: لما قوي الشتَاء وَالرِّيح أرْسلت الفرنج المحاصرة لعكا مراكبهم إِلَى صور خوف الرّيح، فانفتحت الطَّرِيق إِلَى عكا فِي الْبَحْر، وَأرْسل السُّلْطَان الْبَدَل إِلَيْهَا لَكِن الخارجون مِنْهَا أَضْعَاف الداخلين فَوَقع تَفْرِيط.
وفيهَا: فِي ثامن شَوَّال توفّي زين الدّين يُوسُف بن زين الدّين على كوجك صَاحب إربل، وَكَانَ مَعَ السُّلْطَان بعسكره، فأقطع أَخَاهُ مظفر الدّين كوك بوري إربل، وأضاف إِلَيْهِ شهرزور وأعمالها، وارتجع مَا كَانَ بيد مظفر الدّين وَهُوَ حران والرها، وَسَار مظفر الدّين إِلَى إربل وملكها.
стр. 467
وفيهَا: حصر الْخَلِيفَة النَّاصِر حَدِيثَة عانة وَفتحهَا.
وفيهَا: أقطع السُّلْطَان مَا كَانَ بيد مظفر الدّين وَهُوَ حران والرها وسميساط والموزر الْملك المظفر تَقِيّ الدّين عمر زِيَادَة على ميافارقين وحماه والمعرة وسلمية ومنبج وقلعة نجم وجبلة واللاذقية وبلاطنس وبكراييل.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة:
ذكر اسْتِيلَاء الفرنج على عكا
وَاسْتمرّ حِصَار الفرنج عكا إِلَى هَذِه السّنة وَأَحَاطُوا بهَا من الْبَحْر إِلَى الْبَحْر وخندقوا عَلَيْهِم فَلم يتَمَكَّن السُّلْطَان من الْوُصُول إِلَيْهِم فَكَانُوا محاصرين وكالمحصورين فَإِن السُّلْطَان خارجهم. وَاشْتَدَّ حصارهم لعكا، وَطَالَ وَضعف من بهَا عَن حفظهَا وَعجز السُّلْطَان عَن الدّفع عَنْهَا، فَخرج الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن المشطوب، وَطلب الْأمان من الفرنج على مَال وَأسرى يقومُونَ بِهِ للفرنج فأجابوهم وصعدت أَعْلَام الفرنج على عكا يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا، واستولوا على الْبَلَد بِمَا فِيهِ، وحبسوا الْمُسلمين فِي أَمَاكِن، وَقَالُوا: إِنَّمَا نحبسهم ليقوموا بِالْمَالِ والأسرى وصليب الصلبوت، وَكَتَبُوا إِلَى السُّلْطَان بذلك، فَحصل مَا أمكن من ذَلِك، وَطلب إِطْلَاق الْمُسلمين فَأَبَوا، فَعلم غدرهم، وَاسْتمرّ أسرى الْمُسلمين بهَا، ثمَّ قتل الفرنج من الْمُسلمين خلقا، وحبسوا البَاقِينَ، وقرروا أمرهَا، ورحلوا نَحْو قيسارية، والمسلمون يسايرونهم ويتحفظون مِنْهُم، ثمَّ سَارُوا إِلَى أرسوف فَوَقع مصَاف أزالوا فِيهِ الْمُسلمين عَن موقفهم، ووصلوا إِلَى السُّوق فَقتلُوا من السوقية كثيرا، ثمَّ ملكوا يافا خَالِيَة من الْمُسلمين، وَسَار السُّلْطَان فخرب عسقلان لِئَلَّا يكون مثل عكا، ودكها إِلَى الأَرْض، وَثَانِي رَمَضَان رَحل عَنْهَا إِلَى الرملة، فخرب حصنها، وَخرب كَنِيسَة لد وَسَار إِلَى الْقُدس وَقرر أمره وَعَاد إِلَى مخيمه بالنطرون ثامن رَمَضَان، وتراسل الفرنج وَالسُّلْطَان فِي الصُّلْح على أَن يتَزَوَّج الْعَادِل أُخْت ملك الإنكلنار، وَيكون لَهُ الْقُدس ولزوجته عكا فَأنْكر القسيسون ذَلِك إِلَّا إِن ينتصر الْعَادِل، فَلم يتَّفق حَال.
ثمَّ رَحل الفرنج من يافا إِلَى الرملة ثَالِث ذِي الْقعدَة، وَصَارَ يَقع كل يَوْم بَين الْمُسلمين وَبينهمْ مناوشات، ولقوا من ذَلِك شدَّة شَدِيدَة، وَأَقْبل الشتَاء وحالت الأوحال وضجرت العساكر، فَأَعْطَاهُمْ الدستور وَسَار إِلَى الْقُدس لسبع بَقينَ من ذِي الْقعدَة، وَنزل دَاخل الْبَلَد وحصنه وعمره وَنقل الْحِجَارَة بِنَفسِهِ ليقتدى بِهِ فَكَانَ كَذَلِك.
وَفَاة الْملك المظفر
كَانَ المظفر تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب سَار إِلَى الْبِلَاد المرتجعة من كوك بوري وَرَاء الْفُرَات فامتد إِلَى مجاوريه، وَاسْتولى على الشويدا وجاني والتقى مَعَ يكتمر صَاحب خلاط فَكَسرهُ وحصره فِيهَا، وتملك مُعظم الْبِلَاد، ثمَّ نَازل ملازكرد وَهِي ليكتمر
стр. 468
وَفِي صحبته ابْنه الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد بن المظفر فَعرض للمظفر مرض وتزايد حَتَّى توفّي يَوْم الْجُمُعَة لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من رَمَضَان مِنْهَا فأخفى الْمَنْصُور وَفَاته وَوصل بِهِ حماه وَدَفنه بظاهرها، وَبنى إِلَى جَانب تربته مدرسة مَشْهُورَة.
وَكَانَ للمظفر بَأْس وأدب وَشعر حسن، وَتُوفِّي لَيْلَة وَفَاته حسام الدّين مُحَمَّد بن لاجين، وَأمه سِتّ الشَّام بنت أَيُّوب أُخْت السُّلْطَان.
ثمَّ قرر السُّلْطَان للمنصور حماه وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم، وأقطع الْبِلَاد الشرقية لِأَخِيهِ الْعَادِل، وَنزل الْعَادِل عَن إقطاعه بِالشَّام خلا الكرك والشوبك والصلت والبلقا وَنصف خاصه بِمصْر، وَالْتزم كل سنة ألف غرارة من الصَّلْت والبلقا للقدس.
وفيهَا: فِي شعْبَان قتل عُثْمَان قزل أرسلان بن إيلدكز، وَكَانَ قد تغلب واعتقل السُّلْطَان طغرل بك بن أرسلان، ثمَّ تعصب على الشَّافِعِيَّة بأصبهان وصلب من أعيانهم جمَاعَة، وَعَاد إِلَى هَمدَان، وخطب لنَفسِهِ فَقتله على فرَاشه من لم يعرف.
وفيهَا: قدم معز الدّين قَيْصر شاه بن قلج أرسلان صَاحب الرّوم إِلَى صَلَاح الدّين، وَسَببه أَن أَبَاهُ فرق مَمْلَكَته على أَوْلَاده وَأعْطى ابْنه هَذَا ملطية فألزم بعض إخْوَته أَبَاهُ باسترجاع ملطية فخاف من ذَلِك والتجأ إِلَى السُّلْطَان فَأكْرمه وزوجه بنت أَخِيه الْعَادِل وَعَاد معز الدّين إِلَى ملطية فَتمكن.
وفيهَا: قتل أَبُو الْفَتْح يحيى بن حَنش بن أميرك شهَاب الدّين السهروردي الفيلسوف بقلعة حلب، أَمر بخنقه الظَّاهِر غَازِي بِأَمْر وَالِده، قَرَأَ الأصولين وَالْحكمَة على مجد الدّين الجيلي شيخ الإِمَام فَخر الدّين.
وَكَانَ علمه أَكثر من عقله، فَأفْتى بِإِبَاحَة دَمه لسوء مذْهبه، وشدد عَلَيْهِ زين الدّين ومجد الدّين ابْنا جهبل.
قَالَ السَّيِّد الْآمِدِيّ: قَالَ لي السهروري: لَا بُد أَن أملك الأَرْض رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأبي شربت مَاء الْبَحْر فَقلت: لَعَلَّه اشتهار علمك.
وعاش ثمانياً وَثَلَاثِينَ سنة، وَله فِي الْحِكْمَة التلويحات والتنقيحات والمشارع والمطارحات والهياكل وَحِكْمَة الْإِشْرَاق، وَنسب إِلَى السيمياء.
وَمن شعره:
(أبدا تحن إِلَيْكُم الْأَرْوَاح ... ووصالكم ريحانها والراح)
(وَقُلُوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وَإِلَى لذيذ لقائكم ترتاح)
(وارحمتنا للعاشقين تكلفوا ... ستر الْمحبَّة والهوى فضاح)
(وَإِذا هم كتموا تحدث عَنْهُم ... عِنْد الوشاة المدمع السحاح)
(لَا ذَنْب للعشاق إِن غلب الْهوى ... كتمانهم فنما الغرام وباحوا)
стр. 469
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا شرع الفرنج فِي عمَارَة عسقلان وَالسُّلْطَان بالقدس.
وفيهَا: قتلت الباطنية المركيس صَاحب صور فِي زِيّ الرهبان.
عقد الْهُدْنَة مَعَ الفرنج
وَسبب ذَلِك أَن ملك الإنكلتار مرض طَويلا وَطَالَ عَلَيْهِ ذَلِك فكاتب الْعَادِل يسْأَله السَّعْي فِي الصُّلْح فَأبى السُّلْطَان ثمَّ أجَاب لضجر العساكر فتهادنوا ثامن عشر شعْبَان وتحالفوا ثَانِي وَعشْرين شعْبَان فَلم يحلف ملك الإنكلتار بل أعْطى يَده وَعَاهد وَاعْتذر بِأَن الْمُلُوك لَا يحلفُونَ وَحلف الكندهري ابْن أَخِيه وخليفته فِي السَّاحِل وَعُظَمَاء الفرنج، وَوصل ابْن الهنفري وباليان والمقدمون وَأخذُوا يَد السُّلْطَان واستحلفوا الْعَادِل أَخَاهُ، وَالْأَفْضَل وَالظَّاهِر ابنيه والمنصور والمجاهد شيركوه بن مُحَمَّد بن شيركوه صَاحب حمص، والأمجد بهْرَام شاه بن فرخ شاه صَاحب بعلبك، وَبدر الدّين دلدرم الياروقي صَاحب تل بَاشر، وَالسَّابِق عُثْمَان بن الداية صَاحب شيزر، وسيق الدّين على بن المشطوب وَغَيرهم من المقدمين الْكِبَار، وعقدت هدنة عَامَّة فِي الْبر وَالْبَحْر ثَلَاث سِنِين وَثَلَاثَة أشهر أَولهَا أيلول الْمُوَافق لحادي وَعشْرين شعْبَان على أَن يسْتَقرّ للفرنج يافا وقيسارية وحيفا وعكا وَتَكون عسقلان خراباً.
وَأدْخل السُّلْطَان بِلَاد الإسماعيلية فِي هدنته وَأدْخل الفرنج صَاحب أنطاكية وطرابلس فِي هدنتهم وتناصفوا لد والرملة.
ثمَّ تفقد السُّلْطَان الْقُدس وَأمر بتشييد أسواره، وَزَاد وقف مدرسته بالقدس، وتعرف قبل الْإِسْلَام بصند حنة قيل فِيهَا قبر حنة أم مَرْيَم، ثمَّ صَارَت فِي الْإِسْلَام دَار علم.
ثمَّ ملك الفرنج الْقُدس سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وأعادوها كَنِيسَة كَمَا كَانَت، ثمَّ أَعَادَهَا السُّلْطَان مدرسة وَولى القَاضِي بهاء الدّين بن شَدَّاد تدريسها ووقفها وعزم على الْحَج، ثمَّ خشِي غدر الفرنج عَن الْقُدس لخمس مضين من شَوَّال إِلَى نابلس، ثمَّ إِلَى بيسان، ثمَّ بَات بقلعة كَوْكَب، ثمَّ إِلَى طبرية ولقيه بهَا الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش الْأَسدي، وَقد خلص من الْأسر بعكا ثمَّ لحق بِمصْر ثمَّ سَار السُّلْطَان إِلَى بيروت فَجَاءَهُ بيمند صَاحب أنطاكية حادي عشر شَوَّال فَأكْرمه وفارقه فِي الْغَد وَدخل السُّلْطَان دمشق لخمس بَقينَ من شَوَّال، وَفَرح بِهِ النَّاس بعد غيبَة أَربع سِنِين، وَعدل وَأحسن وَأعْطى العساكر الدستور فودعه ابْنه الظَّاهِر وداعاً لَا لِقَاء بعده فِي الدُّنْيَا، وَسَار إِلَى حلب وبقى عِنْده بِدِمَشْق ابْنه الْأَفْضَل وَالْقَاضِي والفاضل.
وَيَوْم الْخَمِيس السَّادِس وَالْعِشْرين من شَوَّال مِنْهَا توفّي الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن المشطوب بنابلس إقطاعه فَوقف السُّلْطَان ثلث نابلس على مصَالح الْقُدس وأقطع الْبَاقِي لعماد الدّين أَحْمد بن المتوفي ولأميرين مَعَه.
стр. 470
وفيهَا: فِي منتصف شعْبَان توفّي السُّلْطَان قلج أرسلان بن مَسْعُود السلجوقي صَاحب الرّوم، وَملك سنة إِحْدَى وَخمسين وَخَمْسمِائة، كَانَ مهيباً عادلاً عَارِفًا، وَولي كل وَاحِد من بَينه الْعشْرَة قطراً من الرّوم وأكبرهم قطب الدّين ملك شاه، وَتُوفِّي بعد أَبِيه، فاستقر كيسخرو بن قلج أرسلان فِي ملك قونيه وَأثبت أَنه ولي عهد أَبِيه.
ثمَّ أَن ركن الدّين سُلَيْمَان أَخا كيخسرو قوي فَأخذ مِنْهُ قونية فهرب كيخسرو إِلَى الشَّام مستنجداً بِالْملكِ الظَّاهِر صَاحب حلب.
ثمَّ مَاتَ ركن الدّين سُلَيْمَان سنة سِتّمائَة، وَملك بعده ابْنه قلج أرسلان، فَرجع كيخسرو وَملك الرّوم جَمِيعًا إِلَى أَن قتل.
وَملك بعده: ابْنه عز الدّين كيكاوس ثمَّ توفّي كيكاوس وَملك بعده السُّلْطَان عَلَاء الدّين كيقباد بن كيخسرو.
وَتُوفِّي عَلَاء الدّين سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة، وَملك بعده ابْنه غياث الدّين كيخسرو بن عَلَاء الدّين وكسره التتر سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة، وتضعضع حِينَئِذٍ ملك السلاطين السلجوقية بالروم.
ثمَّ مَاتَ غياث الدّين كيخسرو بن عَلَاء الدّين كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن مَسْعُود بن قلج أرسلان بن سُلَيْمَان بن قطلومش بن أرسلان بن سلجوق، وانقرض بِمَوْتِهِ ملكهم فِي الْحَقِيقَة إِذْ لم يكن لمن بعدهمْ مِنْهُم سوى الِاسْم، وَخلف كيخسرو ابْنَيْنِ هما ركن الدّين وَعز الدّين فملكا مَعًا مديدة، ثمَّ انْفَرد ركن الدّين بالسلطنة، وهرب عز الدّين إِلَى قسطنطينية، وتغلب على ركن الدّين معِين الدّين البرواتاه، والبلاد فِي الْحَقِيقَة للتتر ثمَّ قتل البرواتاه ركن الدّين وَأقَام ابْنا لركن الدّين يخْطب لَهُ صُورَة:
وفيهَا: غزا شهَاب الدّين الغوري الْهِنْد فغنم وَقتل مَا لَا يُحْصى.
وفيهَا: خرج السُّلْطَان طغرل بك بن أرسلان من الْحَبْس بعد قتل قزل أرسلان بن إيلدكز.
وفيهَا: توفّي رَاشد الدّين سِنَان بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد أَبُو الْحسن صَاحب دَعْوَة الإسماعيلية بقلاع الشَّام وَأَصله من الْبَصْرَة.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة: فِيهَا لَيْلَة الْأَرْبَعَاء الرَّابِع وَالْعِشْرين من صفر توفّي السُّلْطَان صَلَاح الدّين وَحضر وَفَاته القَاضِي الْفَاضِل، وَوصل القَاضِي بهاء الدّين بن شَدَّاد بعد وَفَاته، وغسله الدولعي خطيب دمشق، وَأخرج بعد ظهر الْأَرْبَعَاء فِي تَابُوت مسجى بِثَوْب وكفنه الْفَاضِل من جِهَة حل، وَصلى عَلَيْهِ النَّاس وَغشيَ النَّاس لمَوْته حزن لَا يُوصف وبكاء لَا تمكن حكايته، وَدفن بقلعة دمشق فِي الدَّار الَّتِي مرض بهَا، وَكَانَ الْأَفْضَل عَليّ قد حلف لَهُ قبل وَفَاة وَالِده عِنْد شده مَرضه وَجلسَ للعزاء فِي القلعة، وَكتب
стр. 471
بوفاته إِلَى أَخِيه الْعَزِيز بِمصْر وَإِلَى عَمه الْعَادِل أبي بكر بالكرك وَإِلَى أَخِيه الظَّاهِر غَازِي بحلب.
قلت: وَكتب القَاضِي الْفَاضِل إِلَى الْملك الظَّاهِر غَازِي (بطاقة) بديعة فِي تِلْكَ الْحَال الَّتِي يذهل فِيهَا الْإِنْسَان عَن نَفسه مضمونها لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم.
كتبت إِلَى مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر أحسن الله عزاءه وجبر مصابه، وَجعل فِي الْخلف فِي السَّاعَة الْمَذْكُورَة، وَقد زلزل الْمُسلمُونَ زلزالاً شَدِيدا وَقد حفرت الدُّمُوع المحاجر، وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر، وَقد ودعت أَبَاك ومخدومي وداعاً لَا يلاقي بعده، وَقبلت وَجهه عني وعنك وأسلمته إِلَى الله تَعَالَى مغلوب الْحِيلَة ضَعِيف الْقُوَّة رَاضِيا عَن الله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، وبالباب من الْجنُود المجندة والأسلحة المغمدة مَا لم يدْفع الْبلَاء وَلَا ملك يرد الْقَضَاء وتدمع الْعين، ويخشع الْقلب، وَلَا نقُول إِلَّا مَا يرضى الرب وَإِنَّا عَلَيْك لَمَحْزُونُونَ.
يَا يُوسُف: وَأما الْوَصَايَا فَمَا نحتاج إِلَيْهَا، والآراء فقد شغلني الْمُصَاب عَنْهَا، وَأما لائح الْأَمر فَإِنَّهُ إِن وَقع الِاتِّفَاق فَمَا عدمتم إِلَّا شخصه الْكَرِيم وَإِن كَانَ غَيره، فالمصائب الْمُسْتَقْبلَة أهونها مَوته وَهُوَ الهول الْعَظِيم وَالسَّلَام، وَالله أعلم.
ثمَّ أَن الْملك الْأَفْضَل عمل تربة قرب الْجَامِع كَانَت دَارا لرجل صَالح وَنقل إِلَيْهَا السُّلْطَان يَوْم عَاشُورَاء سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة، وَمَشى الْأَفْضَل بَين يَدي تابوته وَأخرج من بَاب القلعة على دَار الحَدِيث إِلَى بَاب الْبَرِيد وَأدْخل الْجَامِع وَوضع قُدَّام النسْر وَصلى عَلَيْهِ القَاضِي محيي الدّين بن الزكي، ثمَّ دفن وَجلسَ الْأَفْضَل فِي الْجَامِع ثَلَاثَة أَيَّام للعزاء، وأنفقت سِتّ الشَّام بنت أَيُّوب أُخْت السُّلْطَان فِي هَذِه التَّوْبَة أَمْوَالًا عَظِيمَة.
ومولد صَلَاح الدّين بتكريت سنة اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة فعمره تَقْرِيبًا سبع وَخَمْسُونَ، وَملكه للديار المصرية نَحْو أَربع وَعشْرين سنة، وَملكه للشام نَحْو تسع عشرَة سنة، وَخلف سَبْعَة عشر ابْنا وبنتاً وَاحِدَة وأكبرهم الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ ولد بِمصْر سنة خمس وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة، والعزيز عُثْمَان أَصْغَر مِنْهُ بِنَحْوِ سنتَيْن، وَالظَّاهِر أَصْغَر مِنْهُمَا، وَبقيت الْبِنْت حَتَّى تزَوجهَا ابْن عَمها الْكَامِل صَاحب مصر، وَلم يخلف السُّلْطَان فِي خزانته غير سَبْعَة وَأَرْبَعين درهما، وجرم وَاحِد صوري وَلم يتْرك دَارا وَلَا عقارا أطلق فِي مقَامه بمرج عكا من خيل عراب وأكاديش اثْنَي عشر ألف رَأس غير ثمن مَا أُصِيب فِي الْقِتَال، وَلم يُؤَخر صَلَاة عَن وَقتهَا وَلَا صلى إِلَّا فِي جمَاعَة.
وَكَانَ متوكلاً على الله لَا يفضل فِي عزمه يَوْمًا على يَوْم، كثير سَماع الحَدِيث قَرَأَ فِي الْفِقْه مُخْتَصر سليم الرَّازِيّ.
وَكَانَ صبوراً كثير التغافل عَن ذنُوب أَصْحَابه، يسمع مَا يكره وَلَا يعلم بِهِ أحدا رمى
стр. 472
بعض مماليكه بَعْضًا بسر موزة فأخطأته وأخطأت السُّلْطَان، وَوَقعت قَرِيبا مِنْهُ فَالْتَفت إِلَى الْجِهَة الْأُخْرَى تغافلاً عَنْهَا.
وَكَانَ طَاهِر الْمجْلس طَاهِر اللِّسَان، وَقَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب: مَاتَ بِمَوْت الرِّجَال وَفَاتَ بفواته الأفضال، وغاضت الأيادي، وفاضت الأعادي وانقطعت الأرزاق وادلهمت الْآفَاق وفجع الزَّمَان بواحده وسلطانه، ورزء الْإِسْلَام بمشيد أَرْكَانه وَاسْتقر فِي ملك دمشق ومضافاتها ابْنه الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ، وبمصر الْملك الْعَزِيز عماد الدّين عُثْمَان، وبحلب الْملك الظَّاهِر غَازِي، وبالكرك والشوبك والبلاد الشرقية الْملك الْعَادِل سيف الدّين أَبُو بكر بن أَيُّوب، وبحماه والمعرة وسلمية ومنبج وقلعة نجم الْملك الْمَنْصُور نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن المظفر تَقِيّ الدّين عمر، وببعلبك الأمجد مجد الدّين بهْرَام شاه بن فرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب، وبحمص والرحبة وتدمر شيركوه بن مُحَمَّد بن شيركوه بن شادي، وببصرى الْملك الظافر بن صَلَاح الدّين وَهُوَ فِي خدمَة أَخِيه الْأَفْضَل.
وَأما أُمَرَاء الدولة فشيزر وَأَبُو قبيس بيد سَابق الدّين عُثْمَان بن الداية، وصهيون وبرزبه بيد نَاصِر الدّين منكورس بن حمَار تكين، وتل بَاشر بيد بدر الدّين دلدرم بن بهاء الدّين ياروق، وعجلون وكوكب بيد عز الدّين أُسَامَة، بارين وكفرطاب وأفامية بيد عز الدّين إِبْرَاهِيم بن شمس الدّين الْمُقدم.
وَالْأَفْضَل هُوَ أكبر أَوْلَاد السُّلْطَان وَهُوَ الْمَعْهُود إِلَيْهِ بالسلطنة، واستوزر ضِيَاء الدّين نصر الله بن مُحَمَّد بن الْأَثِير مُصَنف الْمثل السائر، وَهُوَ أَخُو عز الدّين بن الْأَثِير مؤلف الْكَامِل فِي التَّارِيخ فَحسن للأفضل طرد أُمَرَاء أَبِيه ففارقوه إِلَى أَخَوَيْهِ الْعَزِيز، وَالظَّاهِر قَالَ الْعِمَاد الْكَاتِب: وَتفرد الْوَزير بوزره، وَمد الْجَزرِي فِي جزره، وَحسنت الْأُمَرَاء للعزيز. الِانْفِرَاد بالسلطنة، ووقعوا فِي أَخِيه الْأَفْضَل، فَمَال إِلَى ذَلِك، وحصلت الوحشة بَين الْأَخَوَيْنِ.
وفيهَا: بعد موت السُّلْطَان قدم الْعَادِل من الكرك وَأقَام بِدِمَشْق وَظِيفَة العزاء على أَخِيه ثمَّ توجه إِلَى بِلَاده الَّتِي وَرَاء الْفُرَات.
وفيهَا: بعد موت السُّلْطَان كَاتب مَسْعُود بن مودود بن زنكي بن أقسنقر صَاحب الْموصل جِيرَانه الْمُلُوك يستنجدهم، وَاتفقَ مَعَ أَخِيه زنكي صَاحب سنجار وَسَار إِلَى جِهَة حران وَغَيرهَا فَلحقه إسهال فَترك الْعَسْكَر مَعَ أَخِيه زنكي وَعَاد إِلَى الْموصل وَصَحبه قيماز فخلف مَسْعُود الْعَسْكَر لِابْنِهِ أرسلان شاه، وَزَاد بِهِ الْمَرَض فَتوفي فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من شعْبَان من هَذِه السّنة، فَبين وَفَاته ووفاة السُّلْطَان نصف سنة، وَمُدَّة ملكه الْموصل ثَلَاث عشرَة سنة وَنصفا.
وَكَانَ خيرا محسناً أسمر مليح الْوَجْه خَفِيف العارضين يشبه جده عماد الدّين زنكي وَاسْتقر ابْنه فِي ملك الْموصل بتدبير قيماز.
стр. 473
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى قتل سيف الدّين بكتمر صَاحب خلاط بَينه وَبَين موت السُّلْطَان شَهْرَان.
وَكَانَ قد شمت بالسلطان ودق البشائر، وتلقب بالسلطان الْمُعظم صَلَاح الدّين وقلب اسْمه بكتمر إِلَى عبد الْعَزِيز، فَمَا أمْهل وَهُوَ من مماليك ظهير الدّين شاه أرمن.
وَكَانَ لَهُ خوشداش اسْمه هزار ديناري، تزوج بنت بكتمر عينا خاتون وجهز على بكتمر من قَتله طَمَعا فِي الْملك وَحصل لَهُ فَإِنَّهُ ملك خلاط وأعمالها، وَاسم هزار ديناري أقسنقر، ولقبه بدر الدّين، واعتقل ابْن بكتمر، وَابْنه السباعي الْعُمر بقلعة أرزاش تموش، وَاسْتمرّ فِي مملكة خلاط إِلَى أَن مَاتَ سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: شَتَّى شهَاب الدّين الغوري فِي يرشاوور، وجهز مَمْلُوكه ايبك إِلَى الْهِنْد فَفتح وغنم.
وفيهَا: توفّي سُلْطَان شاه بن أرسلان شاه بن أتسز بن مُحَمَّد بن انوشتكين وَكَانَ قد ملك مرو وخراسان فَانْفَرد أَخُوهُ تكش بالمملكة.
وفيهَا: مَاتَ دَاوُد بن عِيسَى بن مُحَمَّد بن أبي هَاشم أَمِير مَكَّة، وَمَا زَالَت مَكَّة لَهُ تَارَة، ولأخيه مكثر تَارَة حَتَّى مَاتَ.
ثمَّ دخلت سنة تسعين وَخَمْسمِائة:
قتل طغرل بك وَملك خوارزم شاه الرّيّ
كَانَ طغرل بك بن أرسلان السلجوقي قد حَبسه قزل أرسلان بن إيلدكز، وَخرج من بَاب الْحَبْس سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة، وَملك هَمدَان وَغَيرهَا وَجرى حَرْب بَينه وَبَين مظفر الدّين أزبك بن البهلوان مُحَمَّد بن إيلدكز، وَقيل بل هُوَ قطلغ إينانج أَخُو أزبك، فَانْهَزَمَ ابْن البهلوان ثمَّ استنجد بخوارزم شاه عَلَاء الدّين تكش وَخَافَ مِنْهُ فَلم يجْتَمع بخوارزم شاه، فَسَار خوارزم شاه تكش وَملك الرّيّ سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ، وَبلغ تكش أَن أَخَاهُ سُلْطَان شاه قصد خوارزم فَصَالح طغرل بك السلجوقي، وَعَاد إِلَى خوارزم، وَبَقِي الْأَمر كَذَلِك حَتَّى مَاتَ سُلْطَان شاه سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فتسلم تكش مملكة أَخِيه سُلْطَان شاه وخزائنه، وَولي مُحَمَّد بن تكش نيسابور، وملكشاه بن تكش الْأَكْبَر مرو.
وَفِي سنة تسعين حَارب تكش طغرل بك بِالْقربِ من الرّيّ وَحمل طغرل بك بِنَفسِهِ فَقتل فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من ربيع الأول من هَذِه السّنة، وَأرْسل تكش رَأسه إِلَى بَغْدَاد، وَسَار فَملك هَمدَان وَتلك الْبِلَاد، وَسلم بَعْضهَا إِلَى ابْن البهلوان وأقطع بَعْضهَا لمماليكه وَرجع إِلَى خوارزم.
وطغرل بك هَذَا هُوَ آخر مُلُوك الْعَجم السلجوقية، وَأول من أَزَال دولة بني بويه مِنْهُم طغرل بك بن مِيكَائِيل بن سلجوق ثمَّ ابْن أَخِيه ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل، ثمَّ ابْنه
стр. 474
ملكشاه بن ألب أرسلان ثمَّ ابْنه مَحْمُود بن ملكشاه وَكَانَ طفْلا تدبره أمه ترْكَان خاتون، وَمَات مَحْمُود وَهُوَ ابْن سبع سِنِين.
وَملك أَخُوهُ بركيا روق بن ملك شاه ثمَّ أَخُوهُ مُحَمَّد بن ملك شاه ثمَّ ابْنه مَحْمُود بن مُحَمَّد ثمَّ ابْنه دَاوُد بن مَحْمُود بن مُحَمَّد الْمَذْكُور مُدَّة يسيرَة، ثمَّ عَمه طغرل بك بن مُحَمَّد ثمَّ أَخُوهُ مَسْعُود بن مُحَمَّد ثمَّ ابْن أَخِيه ملكشاه بن مَحْمُود بن مُحَمَّد أَيَّامًا، ثمَّ أَخُوهُ مُحَمَّد بن مَحْمُود، وَبعد مُحَمَّد الْمَذْكُور اخْتلفُوا فَقَامَ من بني سلجوق ثَلَاثَة أحدهم ملشكاه بن مَحْمُود أَخُو مُحَمَّد الْمَذْكُور، وَالثَّانِي سُلَيْمَان شاه بن مُحَمَّد بن السُّلْطَان ملكشاه؛ وَهُوَ عَم مُحَمَّد الْمَذْكُور، وَالثَّالِث أرسلان شاه بن طغرل بك بن مُحَمَّد بن السُّلْطَان ملكشاه.
وَكَانَ إيلدكز متزوجاً أم أرسلان شاه فقوي عَلَيْهَا سُلَيْمَان شاه وَاسْتقر فِي هَمدَان سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة.
ثمَّ قتل سُلَيْمَان شاه، وَكَذَلِكَ سم ملكشاه بن مَحْمُود الْمَذْكُور، وَمَات بأصبهان سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة.
وَانْفَرَدَ بالسلطنة أرسلان شاه بن طغرل بك ربيب إيلدكز، ثمَّ ملك بعده ابْنه طغرل بك بن أرسلان شاه بن طغرل بك الْمَذْكُور سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة وَجرى لَهُ مَا ذَكرْنَاهُ حَتَّى قَتله تكش سنة تسعين وَخَمْسمِائة، وانقرضت دولتهم من تِلْكَ الْبِلَاد.
وفيهَا: أرسل الإِمَام النَّاصِر عسكراً مَعَ وزيره مؤيد الدّين مُحَمَّد بن القصاب إِلَى خوزستان بِلَاد ابْن شملة، وَقد مَاتَ ابْن شملة، وَاخْتلفت أَوْلَاده، فَملك عَسْكَر الْخَلِيفَة تستر سنة إِحْدَى وَتِسْعين، وَغَيرهَا، وقلعة الناطر، وقلعة كاكرد، وقلعة لاموج وَغَيرهَا من القلاع والحصون، وأنفذوا ابْني شملة إِلَى بَغْدَاد.
وفيهَا: حصر الْعَزِيز الْأَفْضَل أَخَاهُ بِدِمَشْق، فجَاء الْعَادِل وَالظَّاهِر والمنصور وَأَصْلحُوا بَينهمَا، وَرجع الْعَزِيز إِلَى مصر وكل إِلَى مَوْضِعه، وَأَقْبل الْأَفْضَل بِدِمَشْق على الشّرْب وَاللَّهْو، وفوض أَمر المملكة إِلَى رَأْي وزيره ضِيَاء الدّين بن الْأَثِير فدبرها بِرَأْيهِ الْفَاسِد، ثمَّ تَابَ الْأَفْضَل وواظب الصَّلَوَات وَشرع فِي نسخ مصحف بِيَدِهِ.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة: سَار ابْن القصاب بعد ملك خوزستان فَملك هَمدَان وَغَيرهَا من الْعَجم وَأخذ يستولي على الْبَلَد للخليفة فَتوفي فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: غزا ملك الْمغرب يَعْقُوب بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن الفرنج بالأندلس وَهَزَمَهُمْ من مصَاف عَظِيم وَقتل وغنم مَا يفوق الْحصْر.
وفيهَا: استولى سيف الدّين طغرل بك مَمْلُوك الْخَلِيفَة على أَصْبَهَان.
стр. 475
وفيهَا: قدم مماليك البهلوان عَلَيْهِم مَمْلُوكا اسْمه ككجا فَعظم ككجا وَاسْتولى على الرّيّ وهمدان.
وفيهَا: عَاد الْعَزِيز عُثْمَان صَاحب مصر إِلَى منازلة أَخِيه الْأَفْضَل وَنزل الْغَوْر من أَرض سَواد دمشق، ففارقه بعض الْأُمَرَاء الأَسدِية فبادر الْعَزِيز مصر بِمن بَقِي مَعَه.
وَكَانَ الْأَفْضَل قد استنجد بِعَمِّهِ الْعَادِل فَلَمَّا عَاد الْعَزِيز سَار الْأَفْضَل والعادل والأسدية المذكورون طَالِبين مصر فِي أثر الْعَزِيز حَتَّى نزلُوا بلبيس، وَقصد الْأَفْضَل مصر فَمَنعه عَمه الْعَادِل وَقَالَ: مصر لَك مَتى شِئْت.
وَكَاتب الْعَزِيز بَاطِنا وَأمره بإرسال القَاضِي الْفَاضِل للصلح، وَكَانَ الْفَاضِل قد اعتزلهم لفساد أَحْوَالهم فَسَأَلَهُ الْعَزِيز حَتَّى توجه فَاجْتمع بالعادل وأصلحا بَينهمَا وَأقَام الْعَادِل بِمصْر عبد الْعَزِيز ابْن أَخِيه ليقرر مَمْلَكَته وَعَاد الْأَفْضَل إِلَى دمشق.
وفيهَا: هزم يَعْقُوب بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن الفرنج بالأندلس فِي حروب.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا فتح شهَاب الدّين الغوري قلعة بهنكر الْعَظِيمَة بالأمان، وَصَالح أهل قلعة كواكير وَبَينهمَا خَمْسَة أَيَّام على مَال ثمَّ غنم وَأسر وَعَاد إِلَى غزنة.
وفيهَا: قتل سنقر الطَّوِيل شحنة أَصْبَهَان للخليفة صدر الدّين بن عبد اللَّطِيف بن مُحَمَّد الخجندي رَئِيس الشَّافِعِيَّة بأصبهان، وَهُوَ الَّذِي سلمهَا إِلَى الْخَلِيفَة لوحشة بَينهمَا.
انتزاع دمشق من الْأَفْضَل
بلغ الْعَادِل بِمصْر والعزيز اضْطِرَاب أُمُور الْأَفْضَل فسارا من مصر إِلَيْهِ فَأرْسل إِلَيْهِمَا فلك الدّين أحد أمْرَأَته أَخا الْعَادِل لأمه فَأكْرمه الْعَادِل وَأظْهر الْإِجَابَة إِلَى مَا طلب وسارا وَنزلا على دمشق، وَقد حصنها الْأَفْضَل فكاتبه بعض الْأُمَرَاء من دَاخل فِي تَسْلِيمهَا إِلَيْهِ فزحف الْعَادِل والعزيز ضحى الْأَرْبَعَاء السَّادِس وَالْعِشْرين من رَجَب مِنْهَا، فَدخل الْعَزِيز من بَاب الْفرج والعادل من بَاب توما فَسلم الْأَفْضَل القلعة وانتقل مِنْهَا وَأخرج وزيره ضِيَاء الدّين بن الْأَثِير فِي صندوق خوفًا عَلَيْهِ، وَكَانَ الظافر خضر بن صَلَاح الدّين صَاحب بصرى معاضداً للأفضل فَأخذت مِنْهُ بصرى فَأَقَامَ عِنْد الظَّاهِر بحلب وَأعْطى الْأَفْضَل صرخد فاستوطنها، وَدخل الْعَزِيز دمشق يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع شعْبَان.
ثمَّ سلمهَا إِلَى عَمه الْعَادِل ورحل الْعَزِيز مِنْهَا تَاسِع شعْبَان، فمدة ملك الْأَفْضَل لدمشق ثَلَاث سِنِين وَشهر، وَأبقى الْعَادِل السِّكَّة وَالْخطْبَة للعزيز، وَكتب الْأَفْضَل من صرخد إِلَى الإِمَام النَّاصِر يشكو عَمه أَبَا بكر وأخاه الْعَزِيز عُثْمَان وَأول الْكتاب:
(مولَايَ إِن أَبَا بكر وَصَاحبه ... عُثْمَان قد أخذا بِالسَّيْفِ حق عَليّ)
(فَانْظُر لي حَظّ هَذَا الِاسْم كَيفَ لقى ... من الْأَوَاخِر مَا لَاقَى من الأول)
стр. 476
فَكتب الإِمَام النَّاصِر جَوَابه:
(وافى كتابك يَا ابْن يُوسُف مُعْلنا ... بِالصّدقِ يخبر أَن أصلك طَاهِر)
(فاصبر فَإِن غَدا عَلَيْهِ حسابهم ... وَابْشَرْ فناصرك الإِمَام النَّاصِر)
قلت: وفيهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحِيم المغربي بقنا من صَعِيد مصر، وَله كرامات خارقة، وأنفاس صَادِقَة، أطنب صَاحب بهجة الْأَسْرَار فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ نفعنا الله بِهِ وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا توفّي ملكشاه بن تكش بنيسابور؛ جعل أَبوهُ لَهُ الحكم فِي تِلْكَ الْبِلَاد، وولاه عَهده، وَخلف ملكشاه ابْنا اسْمه هندوخان فَجعل تكش فِيهَا عوضه ابْنه الآخر قطب الدّين مُحَمَّد وَهُوَ الَّذِي ملك بعد أَبِيه، وَغير لقبه إِلَى عَلَاء الدّين، وَكَانَ بَين ملك شاه وَمُحَمّد عَدَاوَة مستحكمة.
وفيهَا: توفّي سيف الْإِسْلَام ظهير الدّين طغتكين بن أَيُّوب صَاحب الْيمن فَحَضَرَ ابْنه الْملك الْمعز إِسْمَاعِيل من السرين فَملك بِلَاده. وَكَانَ سيف الْإِسْلَام يضيق على التُّجَّار بِالْبيعِ وَالشِّرَاء حَتَّى جمع مَا لَا يُحْصى.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا توفّي زنكي بن مودود بن زنكي بن أقسنقر صَاحب سنجار والرقة والخابور، كَانَ يحب التَّوَاضُع وَالْعدْل وَالْعلم، وَعِنْده شح، وَملك بعد ابْنه قطب الدّين مُحَمَّد وَدبره مُجَاهِد الدّين برنقش مَمْلُوك أَبِيه.
وفيهَا: استولى نور الدّين أرسلان شاه بن مَسْعُود بن مودود بن زنكي صَاحب الْموصل على نَصِيبين من ابْن عَمه قطب الدّين مُحَمَّد بن زنكي فاستنجد مُحَمَّد بالعادل، فَسَار الْعَادِل إِلَى الجزيرة، فَعَاد أرسلان شاه عَن نَصِيبين إِلَى الْموصل فتسلم قطب الدّين مُحَمَّد نَصِيبين.
وفيهَا: حاصر خوارزم شاه تكش بخارا وملكها من الخطا، وَكَانَ أَعور فَأخذ أهل بخاراً كَلْبا أَعور فِي مُدَّة الْحصار وألبسوه قبَاء وَقَالُوا للخوارزمية: هَذَا سلطانكم. ورموه بالمنجنيق إِلَيْهِم فَلم يؤاخذهم بذلك.
وفيهَا: استولى الفرنج على قلعة بيروت فَنزل الْعَادِل تل العجول وأتته نجدة مصر وسنقر الْكَبِير صَاحب الْقُدس وَمَيْمُون القصري صَاحب نابلس، فَملك الْعَادِل يافا بِالسَّيْفِ، وَقتل الْمُقَاتلَة، وَهَذَا ثَالِث فتح لَهَا ونازلت الفرنج تبنين فَأرْسل الْعَادِل إِلَى الْعَزِيز صَاحب مصر فجَاء بِنَفسِهِ وبباقي عسكره، وَاجْتمعَ بالعادل على تبنين فَرَجَعت الفرنج إِلَى صور خائبين.
ثمَّ عَاد الْعَزِيز إِلَى مصر وَترك غَالب الْعَسْكَر مَعَ عَمه، وَجعل إِلَيْهِ الْحَرْب وَالصُّلْح، ومده فِي هَذِه الْمدَّة سنقر الْكَبِير، فَجعل الْعَزِيز أَمر الْقُدس إِلَى صارم الدّين قتلغ مَمْلُوك
стр. 477
فرخشاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب، وَفِي عود الْعَزِيز إِلَى مصر يَقُول القَاضِي ابْن سنا الْملك قصيدته الَّتِي مِنْهَا:
(قدمت بالنصر بالمغنم ... كَذَا قدوم الْملك الْمُقدم)
(قَمِيصك الْمَوْرُوث عَن يُوسُف ... مَا جَاءَ إِلَّا اصدقاً فِي الدَّم)
(أغثت تبنين وخلصتها ... فريسة من مَا ضغى ضيغم)
(شنشنة تعرف من يُوسُف ... فِي النَّصْر لَا تعرف من أخزم)
(مقدمه صَار جمادي بِهِ ... كَمثل ذِي الْحجَّة ذَا موسم)
ثمَّ طاول الْعَادِل الفرنج فطلبوا الْهُدْنَة ثَلَاث سِنِين وَعَاد الْعَادِل إِلَى دمشق ثمَّ إِلَى ماردين، وحصرها وصاحبها بولق أرسلان من بني أرتق، وَالْحكم كُله إِلَى مَمْلُوك أَبِيه البقش.
وفيهَا: توفّي بدر الدّين هزار ديناري فاستولى على خلاط بعده خشداشه قتلغ؛ أرمني الأَصْل من سناشة، ثمَّ قتل بعد سَبْعَة أَيَّام، وأحضر مُحَمَّد بن بكتمر من القلعة الَّتِي اعتقل بهَا وَهِي أزراش.
ولقب الْملك الْمَنْصُور وَملك خلاط وَقَامَ بتدبيره شُجَاع الدّين قتلغ الدواتدار القفجاقي، وَاسْتمرّ مُحَمَّد بن بكتمر إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة فَقبض على أتابكه قتلغ وقلته، فاتفق عز الدّين بلبان مَمْلُوك شاهر من مَعَ الْعَسْكَر وخنقوا مُحَمَّد بن بكتمر ورموه من القلعة، وَقَالُوا: وَقع. وَاسْتمرّ بلبان فِي ملك خلاط، وَقَتله قبل سنة بعض أَصْحَاب طغرل بك بن قلج أرسلان صَاحب ارزن، وَقصد طغرل بك تسلم خلاط فَلم يجبهُ أَهلهَا وعصوا فَعَاد إِلَى أرزن.
ثمَّ وصل الْملك الأوحد أَيُّوب بن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَملك خلاط نَحْو ثَمَان سِنِين.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا لَيْلَة السَّابِع وَالْعِشْرين من الْمحرم توفّي الْملك الْعَزِيز عماد الدّين عُثْمَان بن النَّاصِر تقطر فِي الصَّيْد خلف ذِئْب وحم فَعَاد إِلَى القاهر وَمَات باليرقان والقرحة، وَمُدَّة ملكه سِتّ سِنِين إِلَّا شهرا وعمره سبع وَعِشْرُونَ وَكسر.
وَكَانَ سَمحا محسناً، وَأقَام فَخر الدّين جهاركس فِي الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد بن الْعَزِيز، وَأَشَارَ القَاضِي الْفَاضِل بِتَمْلِيك الْأَفْضَل وَهُوَ بصرخد فاستدعوه وَخرج الْمَنْصُور بن الْعَزِيز لتلقيه، فترجل لَهُ الْأَفْضَل عَمه، وَلما وصل الْأَفْضَل إِلَى بلبيس تَلقاهُ الْعَسْكَر فتنكر مِنْهُ فَخر الدّين جهاركس، وَسَار فِي عدَّة من الْعَسْكَر إِلَى الشَّام وكاتبوا الْعَادِل وَهُوَ محاصر ماردين، وَأرْسل الظَّاهِر إِلَى أَخِيه الْأَفْضَل يُشِير عَلَيْهِ بِأخذ دمشق من عَمه الْعَادِل لاشتغاله بماردين فقصد دمشق، وَبلغ الْعَادِل ذَلِك فَترك على حِصَار ماردين ابْنه الْكَامِل وَسبق
стр. 478
الْأَفْضَل، وَدخل دمشق قبل الْأَفْضَل بيومين، وَنزل عَلَيْهَا الْأَفْضَل ثَالِث عشر شعْبَان مِنْهَا، وزحف من الْغَد وهجمها بعض عسكره فوصل بَاب الْبَرِيد وَلم يمدهُمْ الْعَسْكَر فأخرجوا ثمَّ تجَادل الْعَسْكَر فَتَأَخر الْأَفْضَل إِلَى ذيل عقبَة الْكسْوَة ثمَّ وصل إِلَيْهِ أَخُوهُ الظَّاهِر فَعَاد وحاصرها، وَقل الْقُوت بِدِمَشْق وأشرف على ملك دمشق وعزم الْعَادِل على تَسْلِيمهَا لَوْلَا اخْتِلَاف الْأَفْضَل وَالظَّاهِر، وَخرجت السّنة وهم كَذَلِك، ثمَّ كَانَ مَا سَيذكرُ.
وفيهَا: حاصر الْمَنْصُور صَاحب حماه بارين وَبهَا نواب عز الدّين إِبْرَاهِيم بن شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْملك بن الْمُقدم.
وَكَانَ ابْن الْمُقدم محصوراً مَعَ الْعَادِل بِدِمَشْق، وَنصب الْمَنْصُور عَلَيْهَا المنجانيق، وجرح فِي الزَّحْف، وَفتحهَا فِي التَّاسِع وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة وَأَصْلَحهَا وَعَاد.
وفيهَا: توفّي أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن يُوسُف بن عبد الْمُؤمن صَاحب الْمغرب والأندلس فِي سلا، وولايته خمس عشرَة سنة تظاهر بالظاهرية، وتلقب بالمنصور، وعاش ثمانياً وَأَرْبَعين سنة.
وَأقَام بعده ابْنه مُحَمَّد، وتلقب بالناصر، ومولد مُحَمَّد سنة سِتّ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة، وَعبد الْمُؤمن وَبَنوهُ تسموا بأمير الْمُؤمنِينَ.
وفيهَا: رَحل عَسْكَر الْعَادِل مَعَ ابْنه الْكَامِل عَن حِصَار ماردين.
وفيهَا: كَانَت فتْنَة عَظِيمَة فِي عَسْكَر غياث الدّين ملك الغورية وَهُوَ بفيروزكوه سَببهَا أَن فخرالدين الرَّازِيّ كَانَ قدم إِلَى غياث الدّين فَبَالغ فِي إكرامه، وَبنى لَهُ مدرسة بهراة، فَعظم ذَلِك على الكرامية وهم كَثِيرُونَ بهراة وخم مجسمون مشبهون.
وَكَانَ الغورية كرامية فكرهوا فَخر الدّين لمناقضته مَذْهَبهم وَحَضَرت الكرامية من الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة بفيروزكوه عِنْد غياث الدّين للمناظرة وَحضر الرَّازِيّ وَالْقَاضِي عبد الْمجِيد بن عمر بن الْقدْوَة وَهُوَ من الكرامية الهيصمية، وَمحله عَظِيم لعلمه وزهده.
وَتكلم الرَّازِيّ فَاعْترضَ عَلَيْهِ ابْن الْقدْوَة، وَطَالَ الْكَلَام، فَقَامَ غياث الدّين فاستطال الرَّازِيّ على ابْن الْقدْوَة وَشَتمه، وَابْن الْقُدْرَة يَقُول لَا يفعل مَوْلَانَا لَا وأخذك الله، فصعب على الْملك ضِيَاء الدّين ابْن عَم غياث الدّين وصهره وشكى من الرَّازِيّ إِلَى غياث الدّين، وذمه وَنسبه إِلَى التفلسف والزندقة فَلم يصغ غياث الدّين إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَد وعظ النَّاس ابْن عَم ابْن الْقدْوَة بالجامع وَقَالَ بعد حمد الله وَالصَّلَاة على نبيه مُحَمَّد ﷺ َ -: رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول، أَيهَا النَّاس: إِنَّا لَا نقُول إِلَّا مَا صَحَّ عندنَا عَن رَسُول الله ﷺ َ -، وَأما علم أرسطو وكفريات ابْن سينا وفلسفة الفارابي فَلَا نعلمها فلأي حَال يشْتم بالْأَمْس شيخ من شُيُوخ الْإِسْلَام يذب عَن دين الله وَسنة نبيه مُحَمَّد ﷺ َ -. وَبكى وَبكى الكرامية، فثار النَّاس
стр. 479
وامتلأ الْبَلَد فتْنَة فسكنوا ووعدوا بِإِخْرَاج الرَّازِيّ فَأَعَادَ السُّلْطَان الرَّازِيّ إِلَى هراة.
وفيهَا: فِي ربيع الأول توفّي مُجَاهِد الدّين قيماز بالموصل، وَكَانَ إِلَيْهِ الْأَمر فِي دولة أرسلان صَاحب الْموصل، وَكَانَ عَاقِلا، أديباً حنفياً فَاضلا بني جَوَامِع وربطاً ومدارس.
وفيهَا: صَار غياث الدّين ملك الغورية شافعياً وَكَانَ كرامياً.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن عبد الْملك بن زهر الأشبيلي طَبِيب أديب جده زهر - بِضَم الزَّاي - وَزِير فيلسوف، وَتُوفِّي زهر بقرطبة سنة خمس وَعشْرين وَخَمْسمِائة، وَقيل فِي ابْن زهر:
(قل للوبا أَنْت وَابْن زهر ... قد جزتما الْحَد فِي النكاية)
(ترفقا بالورى قَلِيلا ... فِي وَاحِد مِنْكُمَا كِفَايَة)
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة: وَالْأَفْضَل وَالظَّاهِر محاصران لدمشق وَاتفقَ وُقُوع الْخلف بَينهمَا بِسَبَب مَمْلُوك للظَّاهِر اسْمه أيبك يُحِبهُ ففقد فَأرْسل الْعَادِل يَقُول للظَّاهِر: إِن مَحْمُود بن السكرِي أفسد مملوكك وَحمله إِلَى أَخِيك الْأَفْضَل فَظهر الْمَمْلُوك عِنْد ابْن السكرِي فَتغير على أَخِيه الْأَفْضَل وَترك الْقِتَال وَظهر فشل الْعَسْكَر فَتَأَخر الْأَفْضَل وَالظَّاهِر عَن دمشق إِلَى مرج الصفر، ثمَّ سَار الْأَفْضَل إِلَى مصر وَالظَّاهِر إِلَى حلب، فتبع الْعَادِل من دمشق أثر الْأَفْضَل إِلَى مصر فَخرج الْأَفْضَل إِلَيْهِ وَقد تفرق أَكثر عسكره فِي الْبِلَاد للربيع، واقتتلا فَانْهَزَمَ الْأَفْضَل إِلَى الْقَاهِرَة، ونازله ثَمَانِيَة أَيَّام فسلمها الْأَفْضَل على أَن يعوض عَنْهَا ميافارقين وحانى وسميساط فَأَجَابَهُ وَلم يَفِ لَهُ بذلك، وَدخل الْعَادِل الْقَاهِرَة فِي الْحَادِي وَالْعِشْرين من ربيع الآخر مِنْهَا.
ثمَّ سَافر الْأَفْضَل إِلَى صرخد، وَأقَام الْعَادِل بِمصْر على أَنه أتابك الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد بن الْعَزِيز مديدة، ثمَّ اسْتَقل بالسلطنة فَأرْسل إِلَيْهِ الْمَنْصُور صَاحب حماه يعْتَذر عَمَّا وَقع مِنْهُ بِسَبَب أَخذ بارين من ابْن الْمُقدم وَنزل لِابْنِ الْمُقدم عَن منبج، وقلعة نجم عوضا عَن بارين. وَكَاتب الظَّاهِر عَمه الْعَادِل وَصَالَحَهُ، وخطب لَهُ بحلب وَضرب السِّكَّة باسمه وَالْتزم الظَّاهِر بِخَمْسِمِائَة فَارس فِي خدمَة الْعَادِل كلما خرج إِلَى البيكار.
وفيهَا: قصر النّيل فَلم يبلغ أَرْبَعَة عشر ذِرَاعا.
وفيهَا: توفّي القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم فِي سَابِع عشر ربيع الآخر، وَقيل أَن مولده سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة.
قلت: وَهُوَ مجير الدّين عبد الرَّحِيم بن القَاضِي الْأَشْرَف بهاء الدّين أبي الْمجد عَليّ ابْن القَاضِي السعيد أبي مُحَمَّد الْحسن الْعَسْقَلَانِي المولده؛ ذُو الْعلم وَالْبَيَان واللسن وَاللِّسَان والقريحة الوقادة والبصيرة النفاذة والبديهة المعجزة والبديعة المطرزة، كَانَ وَزِير صَلَاح
стр. 480
الدّين وتمسكن عِنْده، وَله من رِسَالَة فِي قلعة: هَذِه القلعة عِقَاب فِي عِقَاب، وَنجم فِي سَحَاب، وَهَامة لَهَا الغمامة عِمَامَة، وأنملة إِذا خضبها الْأَصِيل كَانَ الْهلَال لَهَا قلامة.
وَله رِسَالَة لَطِيفَة يشفع لخطيب عيذاب فِي تَوليته خطابة الكرك وَهِي: أدام الله سُلْطَان الْملك النَّاصِر، وثبته وَتقبل عمله بِقبُول صَالح وأثبته، وَأخذ عدوة قَائِلا أَو يبته، وأرغم أَنفه بِسَيْفِهِ، وكبته خدمَة الْمَمْلُوك هَذِه وَارِدَة على يَد خطيب عيذاب.
وَلما نبا بِهِ الْمنزل عَنْهَا وَقل عَلَيْهِ الْمرْفق فِيهَا وَمِنْهَا وَسمع بِهَذِهِ الفتوحات الَّتِي طبق الأَرْض ذكرهَا، وَوَجَب على أَهلهَا شكرها، هَاجر من هجير عيذاب وملحها سارياً فِي لَيْلَة أمل كلهَا نَهَار فَلَا يسْأَل عَن صبحها.
وَقد رغب فِي خطابة الكرك وَهُوَ خطيب، وتوسل بالمملوك فِي هَذَا الملتمس وَهُوَ قريب، وَنزع من مصر إِلَى الشَّام، وَمن عيذاب إِلَى الكرك وَهَذَا عَجِيب والفقر سائق عنيف وَالْمَذْكُور عائل ضَعِيف ولطف الله بالخلق مَوْجُود ومولانا لطيف وَمن شعره عِنْد الْفُرَات مَعَ صَلَاح الدّين:
(بِاللَّه قل للنيل عَن أنني ... لم أَرض عَنهُ بالفرات بديلاً)
(وسل الْفُؤَاد فَإِنَّهُ لي شَاهد ... إِن كَانَ جفني بالدموع بَخِيلًا)
(يَا قلب كم خلقت ثمَّ بثينة ... فأعيذ صبرك أَن يكون جميلاً)
وَالله أعلم.
وفيهَا: فِي رَمَضَان توفّي خوارزم شاه تكش بن أرسلان بن أتسز بن مُحَمَّد بن أنوش تكين صَاحب خوارزم وَبَعض خُرَاسَان والري وَغَيرهَا من الْبِلَاد الجبلية بشهرستان، وَولي بعده ابْنه مُحَمَّد، وتقلب بعلاء الدّين بعد قطب الدّين.
وَكَانَ تكش عادلاً فَقِيها حنفياً أصولياً، وَبلغ غياث الدّين الغوري مَوته، فَترك ضرب النّوبَة ثَلَاثَة أَيَّام وَجلسَ للعزاء مَعَ مَا كَانَ بَينهمَا من الْعَدَاوَة بِخِلَاف مَا فعل بكتمر من الشماتة بصلاح الدّين، وهرب ابْن أخي مُحَمَّد هندوخان بن ملك شاه إِلَى غياث الدّين ملك الغورية يستنصره على عَمه، فَأكْرمه ووعده النَّصْر.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة: وبمصر الْعَادِل وَابْنه الْكَامِل نَائِبه بهَا.
وَقد وجد الْملك الظَّاهِر فِي تحصين حلب خوفًا من عَمه الْعَادِل وبدمشق الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل نَائِب أَبِيه بهَا وبالشرف الفائز إِبْرَاهِيم بن الْعَادِل، وبميافارقين الأوحد نجم الدّين أَيُّوب بن الْعَادِل.
وفيهَا: توفّي عز الدّين إِبْرَاهِيم بن الْمُقدم، وَصَارَت منبج وقلعة نجم وأفامية وكفرطاب بعده لِأَخِيهِ شمس الدّين عبد الْملك فحصر الظَّاهِر منبج، وملكها وَأنزل عبد
стр. 481
الْملك من قلعتها بالأمان واعتقله، ثمَّ حضر قلعة نجم وملكها فِي آخر رَجَب مِنْهَا، وَأرْسل إِلَى الْمَنْصُور بحماه يبْذل لَهُ منبج، وقلعة نجم على أَن يصير مَعَه على الْعَادِل فَاعْتَذر بحلفه للعادل، فَسَار الظَّاهِر إِلَى المعرة وأقطع بلادها وَاسْتولى على كفر طَابَ وأفامية، وَكَانَت لِابْنِ الْمُقدم وأحضر عبد الْملك بن الْمُقدم وضربه قُدَّام نَائِبه قراقوش بافامية ليسلمها فَضرب قراقوش النقارات بالقلعة لِئَلَّا يسمع أهل الْبَلَد صراخه، وخاب الظَّاهِر فَرَحل عَنْهَا إِلَى حماه وحاصرها وجرح ثمَّ صَالح الْمَنْصُور على ثَلَاثِينَ ألف دِينَار صورية وَسَار فنازل دمشق وَبهَا الْمُعظم بن الْعَادِل وَمَعَ الظَّاهِر أَخُوهُ الْأَفْضَل وَمَيْمُون القصري صَاحب نابلس وَغَيره، فَخرج الْعَادِل بعساكر مصر وَأقَام بنابلس وَلم يَجْسُر على قتالهما وَتعلق النقابون بسور دمشق فَاخْتلف الظَّاهِر وَالْأَفْضَل على من يملك دمشق مِنْهَا وتخلى الْأَفْضَل عَن الْقِتَال فتخلت الْأُمَرَاء لتخليه فَرَحل الظَّاهِر عَن دمشق فِي أول محرم سنة ثَمَان وَتِسْعين وَسَار الْأَفْضَل إِلَى حمص.
وفيهَا: أَي سنة سبع وَتِسْعين توفّي عماد الدّين الْكَاتِب مُحَمَّد بن عبد الله بن حَامِد الاصفهاني فَاضل فِي الْفِقْه وَالْأَدب والتاريخ وَالنّظم والنثر كتب لنُور الدّين ولصلاح الدّين، وَله الْبَرْق الشَّامي وخريدة الْقصر وَغَيرهمَا، ومولده سنة تسع عشرَة وَخَمْسمِائة، فعمره نَيف وَسَبْعُونَ سنة.
قلت: وَبَينه وَبَين القَاضِي الْفَاضِل محاورات، لقِيه يَوْمًا رَاكِبًا فَقَالَ لَهُ: سر فَلَا كبا بك الْفرس. فَقَالَ الْفَاضِل: دَامَ علا الْعِمَاد - وَهَذَا يقْرَأ طرداً وعكساً - واجتمعا يَوْمًا فِي موكب السُّلْطَان وَقد سد الْغُبَار الفضاء فَأَنْشد الْعِمَاد:
(أما الْغُبَار فَإِنَّهُ ... مِمَّا أثارته السنابك)
(والجو مِنْهُ مظلم ... لَكِن أنارته السنابك)
(يَا دهر لي عبد الرَّحِيم ... فلست أخْشَى مس نابك)
وَتُوفِّي بِدِمَشْق وَكَانَ إِذا دخل عَلَيْهِ عَائِد ينشد:
(أَنا ضيف بربعكم ... أَيْن أَيْن المضيف)
(أنكرتني وُجُوهكُم ... مَاتَ من كنت أعرف)
وَالله أعلم.
وفيهَا: استولى غياث الدّين ملك الغورية على مَا كَانَ لخوارزم شاه بخراسان وَلما ملك غياث الدّين مرو سلمهَا إِلَى هندوخان بن ملك شاه بن خوارزم شاه تكش الَّذِي هرب من عَمه إِلَيْهِ وَلما اسْتَقَرَّتْ سرخس وطوس ونيسابور وَغَيرهَا لغياث الدّين عَاد إِلَى بِلَاده، وَكَانَ مَعَه أَخُوهُ شهَاب الدّين فَعَاد إِلَى الْهِنْد فَفتح وغنم وَفتح نهر والة الْعَظِيمَة.
وفيهَا: فِي رَمَضَان ملك ركن الدّين سُلَيْمَان بن قلج أرسلان ملطية وَكَانَت لِأَخِيهِ معز الدّين قَيْصر شاه، ثمَّ سَار ركن الدّين إِلَى أرزن الرّوم وَكَانَت لمُحَمد بن صلتق وَهُوَ
стр. 482
من بَيت قديم ملكوا أرزن الرّوم من مُدَّة طَوِيلَة فطلع صَاحبهَا ليصالحه فَقبض عَلَيْهِ وَأخذ الْبَلَد مِنْهُ وَكَانَ مُحَمَّد هَذَا آخر مُلُوك بَيته.
وفيهَا: توفّي سقمان بن مُحَمَّد بن قرا أرسلان بن دَاوُد بن سقمان بن أرتق صَاحب آمد وحصن كيفا سقط من سطح فَمَاتَ بهَا فاستولى مَمْلُوكه ولي عَهده أياس على بِلَاده، فكاتب الأكابر أَخَاهُ مَحْمُودًا وَكَانَ قد أبعده إِلَى حصن مَنْصُور بغضاً فِيهِ فَحَضَرَ وَملك بِلَاد أَخِيه سقمان.
وفيهَا: كَانَ نقص النّيل فغلت مصر شَدِيدا كثيرا.
وفيهَا: هدمت الزلزلة بالجزيرة والسواحل وَالشَّام مدناً كَثِيرَة.
وفيهَا: فِي رَمَضَان توفّي أَبُو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن الْجَوْزِيّ الْحَنْبَلِيّ الْوَاعِظ وتصانيفه مَشْهُورَة ومولده سنة عشر وَخَمْسمِائة.
قلت: ابْن الْجَوْزِيّ عبد الرَّحْمَن بن أبي الْحسن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبيد الله بن عبد الله بن حَمَّاد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْجَوْزِيّ بن عبد الله بن الْقَاسِم بن النَّضر بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق؛ الْفَقِيه الْوَاعِظ الملقب جمال الدّين عَلامَة وقته فِي الحَدِيث والوعظ، لَهُ زَاد الْمسير فِي علم التَّفْسِير، وَله فِي الحَدِيث تصانيف، وَله المنتظم فِي تَارِيخ الْمُلُوك والأمم، وَله الموضوعات وَغَيرهَا، وَقيل أَنه جمعت الكراريس الَّتِي كتبهَا وحسبت مُدَّة عمره فقسمت الكراريس على الْمدَّة فَكَانَ مَا خص كل يَوْم تِسْعَة كراريس، وَهَذَا شَيْء عَظِيم لَا يكَاد يقبله الْعقل، وجمعت براية أقلامه الَّتِي كتب بهَا الحَدِيث فَكَانَت شَيْئا كثيرا، وَأوصى أَن يسخن بِهِ مَاء غسله فَكفى وَفضل.
وَمن شعره:
(عذيري من فتيةبالعراق ... قُلُوبهم بالجفا قلب)
(يرَوْنَ العجيب كَلَام الْغَرِيب ... وَقَول الْقَرِيب فَلَا يعجب)
(ميازيبهم إِن تندت بِخَير ... إِلَى غير جيرانهم تقلب)
(وَعذرهمْ عِنْد توبيخهم ... مغنية الْحَيّ لَا تطرب)
سَأَلَهُ السّنة والشيعة من أفضل الْأمة بعد رَسُول الله ﷺ َ - أَبُو بكر أَو عَليّ ﵄؟ فَقَالَ: أفضلهما من كَانَت ابْنَته تَحْتَهُ فأرضى الطَّائِفَتَيْنِ وينتسب إِلَى مشرعة الْجَوْز من محَال بَغْدَاد وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة: فِيهَا خرب الظَّاهِر قلعة منبج خوفًا من انتزاعها مِنْهُ، وأقطعها عماد الدّين أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن المشطوب.
قلت: وَكَانَ ذَلِك بِوَاسِطَة وزيره بمنبج الْبُرْهَان بن أبي شيبَة، وَعمل مَوضِع القلعة
стр. 483
مارستاناً وحمامين متلاصقين وخان سَبِيل فَقَالَ أهل منبج عَنهُ: هتك الْحَرِيم وصان الْحمير، وَالله أعلم.
وفيهَا: وصل الْعَادِل حماه من دمشق فَقَامَ الْمَنْصُور بكلفه كلهَا وَبلغ الظَّاهِر بحلب أَن قَصده محاصرته فلاطفه وَأهْدى إِلَيْهِ، فَوَقع الصُّلْح وانتزعت مُفْردَة المعرة مِنْهُ وَهِي عشرُون ضَيْعَة مُعينَة من بلد المعرة، واستقرت للمنصور وَأخذت مِنْهُ أَيْضا قلعة نجم وسلمت إِلَى الْأَفْضَل، وَكَانَ لَهُ سروج وسميساط وَسلم الْعَادِل حران وَمَا مَعهَا لوَلَده الْأَشْرَف مُوسَى وسيره إِلَى الشرق، وَكَانَ بميافارقين الأوحد بن الْعَادِل، وبقلعة جعبر الْملك الْحَافِظ نور الدّين أرسلان شاه بن الْعَادِل، ثمَّ عَاد الْعَادِل وَأقَام بِدِمَشْق، وَقد انتظم لَهُ ملك الشَّام والشرق ومصر خطْبَة وسكة وَحكما.
وفيهَا: اسْترْجع خوارزم شاه مُحَمَّد بن تكش الْبِلَاد الَّتِي أَخذهَا الغورية من خُرَاسَان.
وفيهَا: توفّي هبة الله بن عَليّ بن مَسْعُود المنستيري - بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون - ومنستير بليدَة بإفريقية وَلم يكن فِي عصره فِي دَرَجَته فِي علو الْإِسْنَاد ثمَّ إِبْرَاهِيم الْأَسدي وَقصد من الْآفَاق لعلو إِسْنَاده قدم جده من منستير إِلَى بوصير فَعرف هبة الله بالبوصيري ومولده سنة سِتّ وَخَمْسمِائة.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة: والعادل بِدِمَشْق.
وفيهَا: فِي الْمحرم توفّي ملك الدّين سُلْطَان أَخُو الْعَادِل لأمه وتنسب إِلَيْهِ الْمدرسَة الفلكية بِدِمَشْق.
الْحَوَادِث بِالْيمن
كَانَ قد تملك الْيمن الْمعز إِسْمَاعِيل سيف الْإِسْلَام بن طغتكين بن أَيُّوب، وَكَانَ مخبطاً فَادّعى أَنه قرشي أموي وَلبس الخضرة وخطب لنَفسِهِ بالخلافة فقاتلته جمَاعَة من مماليك أَبِيه فانتصر، ثمَّ قَتَلُوهُ وَأَقَامُوا أَخَاهُ النَّاصِر صَغِيرا وَقَامَ بأتابكيته سيف الدّين سنقر مَمْلُوك أَبِيه.
ثمَّ مَاتَ سنقر بعد أَربع سِنِين، وَتزَوج الْأَمِير غَازِي بن جِبْرِيل أم النَّاصِر وَقَامَ بأتابكيته، ثمَّ سم النَّاصِر فِي فقاع وتملك الْيمن، ثمَّ قَتله جمَاعَة من الْعَرَب لقَتله النَّاصِر وخلت الْيمن عَن سُلْطَان فتغلبت أم النَّاصِر على زبيد وجمعت الْأَمْوَال إنتظاراً لوصول بعض بني أَيُّوب لتتزوج بِهِ وتملكه الْبِلَاد.
وَكَانَ للمظفر تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب ولد اسْمه سعد الدّين شاهنشاه، وَكَانَ لَهُ ولد اسْمه تمتكين فَخرج سُلَيْمَان بن شاهنشاه بن عمر فَقِيرا وَأرْسلت أم النَّاصِر بعض غلمانها إِلَى مَكَّة فِي موسم الْحَاج ليأتيها بأخبار مصر وَالشَّام فَوجدَ سُلَيْمَان فَأحْضرهُ إِلَى الْيمن فخلعت عَلَيْهِ، وملكته الْيمن، فَمَلَأ الْيمن جوراً وأطرحها وَلم يرعها، وَكتب إِلَى
стр. 484
السُّلْطَان الْعَادِل عَم جده كتابا أَوله: إِنَّه من سُلَيْمَان وَإنَّهُ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فاستقل عقله، ثمَّ كَانَ مِنْهُ مَا سَيذكرُ.
وفيهَا: حاصر الْملك الْأَشْرَف صَاحب ماردين بِأَمْر أَبِيه الْعَادِل ثمَّ صَالح الظَّاهِر بَينهمَا على أَن يحمل صَاحب ماردين مائَة ألف وَخمسين ألف دِينَار وعَلى السِّكَّة وَالْخطْبَة لَهُ ويجيبه مَتى طلبه.
وفيهَا: سَار الْمَنْصُور مُحَمَّد بن الْعَزِيز من مصر بِوَالِديهِ وَأَهله فَأَقَامَ بحلب عَنهُ عَمه الظَّاهِر بعد أَن أخرجه الْعَادِل من مصر.
وفيهَا: رابط الْمَنْصُور ببارين الفرنج وأنجده صَاحب بعلبك وَصَاحب حمص، وَاتَّفَقُوا فِي ثَالِث رَمَضَان فَانْهَزَمَ الفرنج فَقتل فيهم وَأسر، وَفِيه يَقُول بهاء الدّين أسعد بن يحيى السنجاري:
(مَا لَذَّة الْعَيْش إِلَّا صَوت معمعة ... ينَال فِيهَا المنى بالبيض والأسل)
(يَا أَيهَا الْملك الْمَنْصُور نصح فَتى ... لم يلوه عَن وَفَاء كَثْرَة العذل)
(اعزم فَلَا تتْرك الدُّنْيَا بِلَا ملك ... وجد فالملك مُحْتَاج إِلَى رجل)
ثمَّ اجْتمع الفرنج من حصن الأكراد والمرقب والسواحل والتقوا مَعَ الْملك الْمَنْصُور ببارين أَيْضا ثَانِيًا فانهزمت الفرنج هزيمَة شنيعة وَأسر فيهم وَقتل، وَفِيه يَقُول سَالم بن سَعَادَة الْحِمصِي:
(أَمر اللواحظ أَن تفوق أسهماً ... ريم برامة مَا رنا حَتَّى رما)
(فتانة بِالسحرِ بل قتالة ... مَا جَار قاضيهن حَتَّى حكما)
(أَصبَحت فِيهَا مغرماً بِمُحَمد ... لما غَدا بالأريحية مغرما)
وَمِنْهَا:
(وشننت منتقماً بساحل بحرها ... جَيْشًا حكى الْبَحْر الخضم عرمرما)
(أسدلت فِي الأفاق من هبواته ... لَيْلًا وأطلعت الأسنة أنجماً)
وفيهَا: ولد الْملك المظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود بن الْمَنْصُور مُحَمَّد صَاحب حماه من ملكة خاتون بنت الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَسمي عمر ثمَّ سمي مَحْمُودًا، ولد بقلعة حماه ظهر الثُّلَاثَاء رَابِع عشر رَمَضَان.
قلت: وفيهَا ماجت النُّجُوم بِبَغْدَاد، وتطايرت شبه الْجَرَاد، ودام ذَلِك إِلَى الْفجْر، وضج الْخلق بالابتهال إِلَى الله تَعَالَى؛ ذكره الذَّهَبِيّ، وَالله أعلم.
وفيهَا: انتزع الْعَادِل من الْأَفْضَل رَأس عين وسروج وقلعة نجم وَترك لَهُ سميساط فَقَط، فتوجهت أم الْأَفْضَل؛ وَمن حماه توجه مَعهَا القَاضِي زين الدّين بن هندي لتشفع فِي الْأَفْضَل عِنْد الْعَادِل فَعَادَت خائبة. قَالَ فِي الْكَامِل: عُوقِبَ الْبَيْت الصلاحي بِمَا فعله صَلَاح الدّين لما خرجت إِلَيْهِ نسَاء بَيت الأتابك وفيهن بنت نور الدّين يشفعن فِي إبْقَاء الْموصل
стр. 485
على عز الدّين مَسْعُود فخيبهن ثمَّ نَدم، فَجرى للأفضل بن صَلَاح الدّين مَعَ عَمه مثله، وَهَذِه بِتِلْكَ فَأَقَامَ الْأَفْضَل بسميساط، وَقطع خطْبَة عَمه الْعَادِل، وخطب للسُّلْطَان سُلَيْمَان بن قلج أرسلان السلجوقي صَاحب الرّوم.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى توفّي غياث الدّين أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن سَام بن الْحُسَيْن الغوري صَاحب غزنة وَغَيرهَا.
وَكَانَ أَخُوهُ شهَاب الدّين بطوس عَازِمًا على قصد خوارزم، وَلم يحسن شهَاب الدّين الْخلَافَة على مَحْمُود ابْن أَخِيه الَّذِي تلقب غياث الدّين بلقب أَبِيه وَلَا على غَيره من أَهله وَقبض على زَوْجَة أَخِيه غياث الدّين، وَكَانَت مغنية وضربها وصادرها وَلم تنهزم لغياث الدّين راية قطّ مَعَ الدهاء وَحسن العقيدة والخط، وَنسخ مصاحف بِخَطِّهِ لمدارسه وَصَارَ شافعياً.
وفيهَا: استولى الكرج على دوين من أذربيجان نهباً وقتلاً فوبخت الْأُمَرَاء أَبَا بكر بن البهلوان صَاحب أذربيجان على تَشَاغُله عَنْهَا بالشرب فَلم يلْتَفت.
وفيهَا: توفيت زمرد أم الإِمَام النَّاصِر وَكَانَت كَثِيرَة الْمَعْرُوف.
قلت: وفيهَا توفّي الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْقرشِي فِي السَّادِس من ذِي الْحجَّة وَدفن بجبانة ماملا ظَاهر بَيت الْمُقَدّس ومولده قريب من سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة بالأندلس، وَله كرامات خارقة وأنفاس صَادِقَة.
وَمن كَلَامه: من لم يراع حُقُوق الإخوان بترك حُقُوقه حرم بركَة الصُّحْبَة.
وَمِنْه: من لم يكن لَهُ مقَام فِي التَّوَكُّل كَانَ نَاقِصا فِي توحيده.
وَمِنْه: من ملك الْأَشْيَاء وَلم تملكه تصرف فِيهَا بالخلافة واسترقها بِالْحُرِّيَّةِ.
وَمِنْه: من عَلامَة الْوَلِيّ إِذا طَال عمره كثر عمله، وَإِذا كثر فقره زَاد سخاؤه، وَإِذا زَاد علمه كثر تواضعه.
وَمِنْه: الْفقر سر لَا يُعلمهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاء وَبَعض الصديقين.
وَمِنْه: من صدق بِهَذَا الْأَمر فَهُوَ ولي، وَمن أدْرك مِنْهُ مقَاما أَو نَالَ مِنْهُ حَالا فَهُوَ بدل.
عبر يَوْمًا على عَرصَة الْعِنَب فاتصل بِهِ أَنِين بعض الْأَحْمَال فَوقف وزايد فِي الْحمل وَدفع فِيهِ إِنْسَان أَكثر من قِيمَته، وَكَانَ يعصر الْخمر فَاشْتَرَاهُ الشَّيْخ وَدفع ثَوْبه فِي قِيمَته فسكن أنينه ومناقبه مَجْمُوعَة مَشْهُورَة، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سِتّمائَة: والعادل بِدِمَشْق.
وفيهَا: هادن صَاحب حماه الفرنج.
وفيهَا: نَازل ابْن الأون ملك الأرمن أنطاكية فَتحَرك الظَّاهِر بحلب إِلَى حارم فَرَحل اللعين على عقبه.
стр. 486
وفيهَا: خطب قطب الدّين مُحَمَّد بن زنكي بن مودود صَاحب سنجار للعادل ببلاده فصعب على ابْن عَمه أرسلان شاه بن مَسْعُود صَاحب الْموصل فاستولى على نَصِيبين وَهِي لقطب الدّين، فاسنتجد بالأشرف بن الْعَادِل فَسَار إِلَيْهِ وَاجْتمعَ مَعَه أَخُوهُ الْملك الأوحد صَاحب ميافارقين، والتقوا ببوشره، فَانْهَزَمَ صَاحب الْموصل وَدخل الْموصل بأَرْبعَة أنفس فَقَط، وَهَذِه الْوَقْعَة أول سَعَادَة الْأَشْرَف بن الْعَادِل فَلم تنهزم راية لَهُ بعْدهَا، واستقرت بِلَاد قطب الدّين عَلَيْهِ واصطلحوا أول سنة إِحْدَى وسِتمِائَة.
وفيهَا: قصد الفرنج بَيت الْمُقَدّس فَأَقَامَ الْعَادِل قبالتهم بِالطورِ إِلَى آخر السّنة.
وفيهَا: استولت الفرنج على قسطنطينية وَكَانَت بيد الرّوم من قديم ثمَّ استعادتها الرّوم من الفرنج سنة سِتِّينَ وسِتمِائَة.
وفيهَا: توفّي السُّلْطَان ركن الدّين سُلَيْمَان بن قلج أرسلان بن مَسْعُود السلجوقي سُلْطَان الرّوم وغدر بأَخيه صَاحب أنكورية - وَهِي أنقرة - قبل مَرضه بِخَمْسَة أَيَّام، وَكَانَ يحسن إِلَى الفلاسفة ويقدمهم، وَملك بعده ابْنه قلج أرسلان صَغِيرا فَم يستثبت أمره فَكَانَ مَا سَيذكرُ.
وفيهَا: كسر ملك الغورية شهَاب الدّين خوارزم شاه بن تكش فأنجدته الخطا فَهزمَ شهَاب الدّين، وشاع قتل شهَاب الدّين فاختلفت مَمْلَكَته ثمَّ ظهر وَوصل غزنة، فاستقرت الْأَحْوَال.
وفيهَا: قتل ككجا مَمْلُوك البهلوان ملك الرّيّ وهمدان والجبل، قَتله خوشداشه أيدغمش مَمْلُوكا لبهلوان وتملك مَوْضِعه وَأقَام أيدغمش ابْن استاذه أزبك بن البهلوان فِي الْملك صُورَة، وَالْحكم لأيدغمش.
وفيهَا: استولى رجل اسْمه مَحْمُود بن مُحَمَّد الْحِمْيَرِي على ظفار ومرباط وَغَيرهمَا من حضر موت.
وفيهَا: استولى أسطول الفرنج على فوة من ديار مصر فنهبوها خَمْسَة أَيَّام.
وفيهَا: زلزلت مصر وَالشَّام والجزيرة وَالروم وصقلية وقبرس وَالْعراق وَخَربَتْ صور.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وسِتمِائَة: فِيهَا هادن الْعَادِل الفرنج وَسلم إِلَيْهِم يافا، وَنزل عَن مناصفات لد والرملة، وَأعْطى العساكر دستوراً وَسَار إِلَى مصر وَأقَام بدار الوزارة.
وفيهَا: أغارت الفرنج ووصلوا إِلَى الرقيطا قرب حماه فامتلأوا كسباً وأسروا شهَاب الدّين بن البلاغي، وَكَانَ فَقِيها شجاعاً تولى بر حماه مرّة وسلمية أُخْرَى فهرب من طرابلس وَتعلق بجبال بعلبك وَوصل إِلَى حماه ثمَّ وَقعت الْهُدْنَة بَين الْمَنْصُور صَاحب حماه وَبَين الفرنج.
وفيهَا: بعد الْهُدْنَة توجه الْمَنْصُور إِلَى مصر مستشعراً من الْعَادِل فَأكْرمه شهوراً وخلع عَلَيْهِ وَعَاد.
стр. 487
وفيهَا: ملك السُّلْطَان غياث الدّين كيخسرو بن قلج أرسلان بِلَاد الرّوم، وَكَانَ لما تغلب أَخُوهُ ركن الدّين سُلَيْمَان على الْبِلَاد هرب كيخسرو إِلَى الظَّاهِر بحلب، ثمَّ سَار إِلَى قسطنطينية فاكرمه صَاحبهَا وَأقَام بهَا إِلَى أَن مَاتَ سُلَيْمَان، وَتَوَلَّى ابْنه أرسلان، فَجَاءَهُ كيخسرو وأزال ابْن أَخِيه وَملك وَاسْتقر وفيهَا كَانَت الْحَرْب بَين الْأَمِير قَتَادَة الْحُسَيْنِي أَمِير مَكَّة حرسها الله تَعَالَى وَبَين الْأَمِير سَالم بن قَاسم أَمِير الْمَدِينَة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام سجالاً.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة: والعادل بِمصْر.
ذكر قتل شهَاب الدّين ملك الغورية
وفيهَا: فِي أول شعْبَان قتل شهَاب الدّين أَبُو المظفر مُحَمَّد بن سَام بن الْحُسَيْن الغوري ملك غزنة وَبَعض خُرَاسَان بعد عوده من لهاوور بمنزل يُقَال لَهُ دميك قبل الْعشَاء وثب عَلَيْهِ فِي خركاهه جمَاعَة وَقد تفرق النَّاس لأماكنهم فَقَتَلُوهُ بالسكاكين قيل إسماعيلية وَقيل من الكوكر من الْجبَال - كَانَ قد فتك فيهم ثمَّ قتل الحرس أُولَئِكَ، وَكَانَ غازياً عادلاً، ثمَّ سَار صَاحب باميان بهاء الدّين سَام بن شمس الدّين مُحَمَّد بن مَسْعُود عَم غياث الدّين وشهاب الدّين ليتملك غزنة فَمَاتَ بهاء الدّين فِي الطَّرِيق فعهد إِلَى ابْنه عَلَاء الدّين مُحَمَّد، فَدَخلَهَا وَمَعَهُ أَخُوهُ جلال الدّين وتملكها فَسَار تَاج الدّين يلدز مقطع كرمان مَمْلُوك غياث الدّين وَهزمَ عَن غزنة عَلَاء الدّين مُحَمَّدًا وأخاه جلال الدّين وَاسْتولى يلذر عَلَيْهَا فَسَار عَلَاء الدّين وجلال الدّين ابْنا بهاء الدّين سَام إِلَى باميان وجمعا وعادا إِلَى غزنة وانتصرا وهزما يلدز إِلَى كرمان وَاسْتقر عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن سَام وَمَعَهُ بعض الْعَسْكَر فِي ملك غزنة، وَعَاد أَخُوهُ جلال الدّين بباقي الْعَسْكَر إِلَى باميان، ثمَّ إِن يلدز بلغه ذَلِك فَجمع من كرمان وَغَيرهَا وَسَار إِلَى غزنة، فاستنجد عَلَاء الدّين أَخَاهُ جلال الدّين وَحصر يلدز غزنة وَبهَا عَلَاء الدّين، وَسَار جلال الدّين فَلَمَّا قَارب غزنة لقِيه يلدز واقتتلا فَانْهَزَمَ عَسْكَر جلال الدّين وَأخذ أَسِيرًا فَأكْرمه يلدز واحترمه، وَعَاد فَحَضَرَ عَلَاء الدّين بغزنة وَعِنْده بغزنة هندوخان بن ملكشاه بن خوارزم شاه تكش فاستنزلهما يلدز بالأمان وتسلم غزنة.
وَأما غياث الدّين مَحْمُود بن غياث الدّين مُحَمَّد ملك الغورية فَإِنَّهُ لما قتل عَمه شهَاب الدّين كَانَ فِي بست فَسَار وتملك فيروزكوه وَجلسَ فِي دست أَبِيه وتلقب بألقابه فَأحْسن وَعدل، وَلما اسْتَقر يلدز بغزنة وَأسر جلال الدّين وعلاء الدّين كتب إِلَى غياث الدّين مَحْمُود بن غياث الدّين مُحَمَّد بن سَام بن الْحُسَيْن بِالْفَتْح وَأرْسل إِلَيْهِ الْأَعْلَام وَبَعض الأسرى.
وفيهَا: توفّي مجير الدّين طاشتكين أَمِير الْحَاج وَكَانَ قد ولاه الْخَلِيفَة خوزستان وَكَانَ خيرا صَالحا وَكَانَ يتشيع تشيعاً حسنا.
стр. 488
وفيهَا: تزوج أَبُو بكر بن البهلوان بنت ملك الكرج لاشتغاله باللهو عَن التَّدْبِير فَكف الكرج عَنهُ لذَلِك.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وسِتمِائَة: فِيهَا نَازل الْعَادِل فِي طَرِيقه إِلَى الشَّام عكا فَصَالحه أَهلهَا على إِطْلَاق الأسرى، ثمَّ وصل دمشق ثمَّ سَار وَنزل بِظَاهِر حمص على بحيرة قدس، وَجَاءَت العساكر من الْجِهَات، وَلما خرج رَمَضَان سَار ونازل حصن الأكراد وَفتح برج أعناز وَأخذ مِنْهُ سِلَاحا ومالاً وَخَمْسمِائة رجل ثمَّ نصب على طرابلس المجانيق، وعاث الْعَسْكَر فِي بلادها وَقطع قناتها، وَعَاد فِي آخر ذِي الْحجَّة إِلَى بحيرة قدس.
وفيهَا: أرسل غياث الدّين مَحْمُود بن غياث الدّين مُحَمَّد ملك الغورية يستميل يلدز مَمْلُوك أَبِيه المستولي على غزنة فَلم يجبهُ يلدز وَطلب يلدز من غياث الدّين أَن يعتقهُ فأحضر الشُّهُود وَأعْتقهُ وَأرْسل مَعَ عتاقته هَدِيَّة عَظِيمَة، وَكَذَلِكَ أعتق أيبك المستولي على الْهِنْد وَأهْدى لَهُ فَقبل كل مِنْهُمَا ذَلِك، وخطب لَهُ أيبك ببلاده من الْهِنْد دون يلدز وَخرج بعض العساكر عَن طَاعَة يلدز لعدم طَاعَته لغياث الدّين.
وفيهَا: فِي ثَالِث شعْبَان ملك غياث الدّين كيخسرو صَاحب الرّوم أنطالية - بِاللَّامِ - مَدِينَة للروم على سَاحل الْبَحْر.
وفيهَا: قبض عَسْكَر خلاط على صَاحبهَا ابْن بكتمر لكَونه قبض على أتابكه قتلغ، وملكوا بلبان مَمْلُوك شاهرمن بن سقمان صَاحب خلاط كَمَا مر سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وسِتمِائَة: والعادل على بحيرة قدس، ثمَّ هادن صَاحب طرابلس وَنزل إِلَى دمشق.
وفيهَا: ملك الأوحد أَيُّوب بن الْعَادِل خلاط من بلبان كَمَا مر سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة فَسَار الأوحد من ميافارقين وَملك موش، ثمَّ قَاتله بلبان فَانْهَزَمَ بلبان واستنجد بمغيث الدّين طغرل بك شاه بن قلج أرسلان السلجوقي صَاحب أرزن الرّوم فهزما الأوحد، ثمَّ غدر طغرل بك شاه ببلبان فَقتله ليملك بِلَاده فَلم يسلمُوا إِلَيْهِ خلاط وَلَا مناز كرد فَرجع إِلَى بِلَاده، وَكَاتب أهل خلاط الأوحد فَسَار إِلَيْهِم وملكها وبلادها بعد يأسه مِنْهَا، وَاسْتقر فِيهَا، وَلما اسْتَقر الْعَادِل بِدِمَشْق وصل إِلَيْهِ التشريف من الإِمَام النَّاصِر صُحْبَة الشَّيْخ شهَاب بن السهروردي فَبَالغ الْملك الْعَادِل فِي إكرام الشَّيْخ وتلقاه إِلَى القيصر وَوصل من صَاحِبي حماه وحلب ذهب لينشر على الْعَادِل إِذا لبس الخلعة فَكَانَ يَوْمًا مشهوداً والخلعة جُبَّة أطلس أسود بطراز مَذْهَب وعمامة سَوْدَاء بطراز مَذْهَب وطوق ذهب مجوهر يطوق بِهِ، وَسيف قرَابه ملبس ذَهَبا يُقَلّد بِهِ، وحصان أَشهب بركاب ذهب وَنشر على رَأسه علم أسود مَكْتُوب فِيهِ بالبياض اسْم الْخَلِيفَة، ثمَّ خلع رَسُول الْخَلِيفَة على كل وَاحِد من الْملك الْأَشْرَف والمعظم ابْني الْعَادِل وعَلى الْوَزير صفي الدّين بن شكر، وقرىء تَقْلِيده بالبلاد الَّتِي
стр. 489
تَحت حكمه، وخوطب الْملك الْعَادِل فِيهِ شاهنشاه ملك الْمُلُوك خَلِيل أَمِير الْمُؤمنِينَ، ثمَّ توجه الشَّيْخ شهَاب بِالْبرِّ إِلَى مصر، فَفعل نَظِير مَا فعل بِدِمَشْق من الاحتفال، ثمَّ عَاد الشَّيْخ إِلَى بَغْدَاد مكرماً مُعظما.
وفيهَا: اهتم الْعَادِل بعمارة قلعة دمشق، وألزم كلا من أهل بَيته ببرج مِنْهَا.
وفيهَا: كاتبت مُلُوك مَا وَرَاء النَّهر مثل ملك سَمَرْقَنْد وَملك بخارا خوارزم شاه يَشكونَ مَا يلقونه من الخطا ويبذلون لَهُ السِّكَّة وَالْخطْبَة فِي بِلَادهمْ إِن دفع الخطا فَعبر عَلَاء الدّين مُحَمَّد خوارزم شاه بن تكش نهر جيحون وَقَاتل الخطا دفعات وَالْحَرب سِجَال، وَاتفقَ فِي بعض الوقعات أَن عَسْكَر خوارزم انهزم وَأسر خوارزم شاه وَأسر مَعَه شخص اسْمه فلَان بن شهَاب الدّين مَسْعُود وَلم يعرفهما الخطائي الَّذِي أسرهما، فَقَالَ ابْن مَسْعُود لخوارزم شاه: دع الْملك وَقل إِنَّك غلامي واخدمني لتخلص فَفعل ذَلِك وَشرع بخدمه حَتَّى فِي نزع خفه فَسَأَلَ الخطائي ابْن مَسْعُود من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا فلَان فَقَالَ: لَوْلَا أَخَاف من الخطا أطلقتك، فَقَالَ ابْن مَسْعُود: أخْشَى أَن يَنْقَطِع خبري عَن أَهلِي وأشتهي أَن يعلمُوا بحياتي حَتَّى لَا يتقاسموا مَالِي، وأشتهي أبْعث بغلامي هَذَا مَعَ رَسُولك ليصدقوه، فَأجَاب إِلَى ذَلِك وَرَاح خوارزم شاه مَعَ ذَلِك الشَّخْص حَتَّى قرب من خوارزم، فَرجع الخطائي وَاسْتقر خوارزم شاه فِي ملكه، وتراجع إِلَيْهِ عسكره.
قلت: لقد كتم خوارزم شاه سره فكتم وخدم من هُوَ دونه، فخدم وأذل نَفسه فعز ودقق الْحِيلَة فِي المحز، شعر:
(ملك ويخدم سوقه ... عقلا ومكراً مفرطاً)
(لَوْلَا أَتبَاع صَوَابه ... مَا فَازَ من أسر الخطا)
وَالله أعلم.
وَكَانَ أَخُوهُ عَليّ شاه بن تكش نَائِبه بخراسان، فَلَمَّا بلغه عدم أَخِيه مَعَ الْخَطَأ طلب السلطنة وَجَرت بخراسان فتن، فَلَمَّا عَاد خوارزم شاه خَافَ أَخُوهُ عَليّ شاه فلحق بغياث الدّين مَحْمُود ملك الغورية فَأكْرمه وَجعله عِنْده بفيروزكوه.
قتل غياث الدّين مَحْمُود وَعلي شاه: وَلما بلغ خوارزم شاه فعل أَخِيه أرسل عسكراً لقِتَال غياث الدّين مَحْمُود الغوري إِلَى فيروزكوه ومقدمهم أَمِير ملك فَأرْسل مَحْمُود يبْذل الطَّاعَة فَأَمنهُ أَمِير ملك فَخرج إِلَيْهِ مَحْمُود وَمَعَهُ عَليّ شاه فَقبض عَلَيْهِمَا وَكتب إِلَى خوارزم شاه بذلك، فَأمره بِقَتْلِهِمَا فَقَتَلَهُمَا فِي يَوْم وَاحِد، واستقامت خُرَاسَان كلهَا لخوارزم شاه وَذَلِكَ فِي سنة خمس وسِتمِائَة.
ومحمود هَذَا آخر مُلُوك الغورية، كَانَ كَرِيمًا عادلاً ودولتهم من أحسن الدول، ثمَّ أَن خوارزم شاه عبر النَّهر إِلَى الخطا، وَكَانَت التتر وَرَاء الخطا فِي حُدُود الصين، وَكَانَ ملكهم
стр. 490
حِينَئِذٍ يُقَال لَهُ كشلي خَان وَبَينه وَبَين الخطا عَدَاوَة متحكمة فَأرْسل كل وَاحِد من كشلي خَان وَمن الخطا يسْأَل خوارزم شاه أَن يكون مَعَه على خَصمه فأجابهما بالمغلطة ينْتَظر مَا يكون مِنْهُمَا فَلَمَّا وَقع بَين كشلي خَان والخطا انتصر كشلي خَان وَقتل فيهم، وفتك فيهم أَيْضا خوارزم شاه فَلم يبْق من الخظا إِلَّا مستسلم أَو معتصم بالجبال.
ثمَّ دخلت سنة خمس وسِتمِائَة: والعادل وولداه الْأَشْرَف والمعظم بِدِمَشْق.
وفيهَا: توجه الْأَشْرَف مُوسَى بن الْعَادِل من دمشق إِلَى بِلَاده الشرقية وتلقاه بحلب صَاحبهَا الْملك الظَّاهِر وأنزله بالقلعة، وَبَالغ فِي إكرامه وإقاماته، وَقدم لَهُ من التحف والنقد وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْخلْع لَهُ ولأصحابه شَيْئا فرطا، ثمَّ سَار الْأَشْرَف إِلَى بِلَاده.
وفيهَا: أجْرى الْملك الظَّاهِر الْقَنَاة من جيلان إِلَى حلب بأموال عَظِيمَة وَبَقِي الْبَلَد يجْرِي المَاء فِيهِ.
وفيهَا: وصل غياث الدّين كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقي صَاحب الرّوم إِلَى مرعش لقصد بِلَاد ابْن الأون الأرمني وأنجده الظَّاهِر فعاث كيخسرو فِي بِلَاد الأرمن وَنهب وَفتح حصن قرقوس.
وفيهَا: قتل معز الدّين سنجر شاه بن غَازِي بن مودود بن زنكي بن أقسنقر صَاحب جَزِيرَة ابْن عمر؛ كَانَ ظَالِما قتالاً قطاعاً للأنوف والألسنة والآذان واللحى، وتعدى ظلمه إِلَى أَوْلَاده وحريمه وَحبس ابنيه مَحْمُودًا ومودوداً فِي قلعة وَحبس ابْنه غازياً بدار فِي الْمَدِينَة وبالدار هوَام فاصطاد غَازِي حَيَّة مِنْهَا وأرسلها إِلَى أَبِيه فِي منديل ليرق لَهُ فازداد قسوة، فاحتال غَازِي حَتَّى هرب وَله شخص يَخْدمه فقرر مَعَه أَن يُسَافر وَيظْهر إِنَّه غَازِي بن معز الدّين سنجر شاه ليأمنه أَبوهُ، فَمضى ذَلِك الشَّخْص إِلَى الْموصل فَأعْطى شَيْئا وسافر مِنْهَا واتصل الْخَبَر بسنجر شاه فاطمأن وتوصل غَازِي حَتَّى دخل دَار أَبِيه واختفى عِنْد بعض سراري أَبِيه وَعلم بِهِ جمَاعَة مِنْهُم وكتموه بغضاً فِي سنجر شاه فَشرب سنجر شاه يَوْمًا بِظَاهِر الْبَلَد واقترح على المغنين الْأَشْعَار الفراقية وَهُوَ يبكي، وَدخل دَاره سَكرَان إِلَى المحضية الَّتِي ابْنه مختف عِنْدهَا، وَدخل الخلا فهجم عَلَيْهِ ابْنه غَازِي فَضَربهُ بسكين أَربع عشر ضَرْبَة وذبحه وَتَركه وَدخل الْحمام وَقعد يلْعَب مَعَ الْجَوَارِي، فَلَو قدر الله أَنه أحضر الْجند واستحلفهم لوقته لتم أمره، وَلَكِن اطْمَأَن فَجمع أستاذ الدَّار النَّاس وهجم على غَازِي فَقتله وَحلف الْعَسْكَر لِأَخِيهِ مَحْمُود بن سنجر شاه، وتلقب معز الدّين بلقب أَبِيه، وَوصل معز الدّين مَحْمُود وَاسْتقر بالجزيرة وغرق جواري أَبِيه فِي دجلة ثمَّ قتل أَخَاهُ مودوداً.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وسِتمِائَة: فِيهَا سَار الْعَادِل من دمشق إِلَى حران وَوصل إِلَى بهَا الْملك الصَّالح مَحْمُود بن مُحَمَّد بن قرا أرسلان الأرتقي صَاحب آمد، وحصن كيفا وَسَار الْعَادِل فنازل سنجار وَبهَا صَاحبهَا قطب الدّين مُحَمَّد بن عماد الدّين زنكي بن مودود بن
стр. 491
زنكي فحاصرها طَويلا، وخامرت العساكر عَلَيْهِ وَنقض الظَّاهِر صَاحب حلب الصُّلْح مَعَه، فَرَحل عَن سنجار إِلَى حران وَاسْتولى على نَصِيبين والخابور.
وفيهَا: توفّي الْملك الْمُؤَيد نجم الدّين مَسْعُود بن صَلَاح الدّين.
وفيهَا: توفّي الإِمَام فَخر الدّين مُحَمَّد بن عمر خطيب الرّيّ ابْن الْحُسَيْن بن الْحسن بن عَليّ التَّيْمِيّ الْبكْرِيّ الطبرستاني الأَصْل الرَّازِيّ المولد الْفَقِيه الشَّافِعِي، صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة، ومولده سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، وَمَعَ فضائله كَانَت لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْوَعْظ بالعربي وبالعجمي، ويلحقه فِيهِ وجد وبكاء، وَكَانَ أوحد فِي المعقولات وَالْأُصُول، قصد الْكَمَال السَّمْعَانِيّ، ثمَّ عَاد إِلَى الرّيّ إِلَى الْمجد الجيلي واشتغل عَلَيْهِمَا وسافر إِلَى خوارزم وَمَا وَرَاء النَّهر، وَجَرت الْفِتْنَة الَّتِي ذكرت واتصل بشهاب الدّين الغوري صَاحب غزنة وَحصل لَهُ مِنْهُ مَال طائل ثمَّ حظي فِي خُرَاسَان عِنْد السُّلْطَان خوارزم شاه بن تكش، وشدت إِلَيْهِ الرّحال وقصده ابْن عنين ومدحه بقصائد.
وَمن شعره فَخر الدّين:
(نِهَايَة إقدام الْعُقُول عقال ... وَأكْثر سعي الْعَالمين ضلال)
(وأرواحنا فِي وَحْشَة من جسومنا ... وَحَاصِل دُنْيَانَا أَذَى ووبال)
(وَلم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أَن جَمعنَا فِيهِ قيل وَقَالُوا)
(وَكم قد رَأينَا من رجال ودولة ... فبادوا جَمِيعًا مُسْرِعين وزالوا)
(وَكم من جبال قد علت شرفاتها ... رجال فبادوا وَالْجِبَال جبال)
وفيهَا: فِي سلخ ذِي الْحجَّة توفّي مجد الدّين أَبُو السعادات الْمُبَارك بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الْمَعْرُوف بِابْن الْأَثِير أَخُو غز الدّين عَليّ مؤلف الْكَامِل فِي التَّارِيخ، وَكَانَ عَالما بالفقه والأصولين والنحو والْحَدِيث واللغة وكتابته مفلقة ومولده سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة.
وفيهَا: توفّي الْمجد الْمُطَرز النَّحْوِيّ الْخَوَارِزْمِيّ، لَهُ فِي النَّحْو تصانيف حَسَنَة.
ثمَّ دخلت سنة سبع وسِتمِائَة: فِيهَا عَاد الْعَادِل من الْبِلَاد الشرقية إِلَى دمشق.
وفيهَا: حصر الكرج الْملك الأوحد بن الْملك الْعَادِل بخلاط وَشرب ملك الكرج فَحسن لَهُ السكر التَّقَدُّم إِلَى خلاط فِي عشْرين فَارِسًا وَخرج الْمُسلمُونَ إِلَيْهِ فتقطر وَأسر فَرد على الأوحد عدَّة قلاع وبذل خَمْسَة آلَاف أَسِيرًا وَمِائَة ألف دِينَار وهادن ثَلَاثِينَ سنة وَشرط تَزْوِيج ابْنَته من الأوحد وَأطلق.
وفيهَا: توفّي نور الدّين أرسلان شاه بن عز الدّين مَسْعُود بن مودود بن زنكي صَاحب الْموصل فِي آخر رَجَب بِمَرَض طَوِيل، وَملك سبع عشرَة سنة وَأحد عشر شهرا.
стр. 492
وَكَانَ أسمر حسن الْوَجْه قد أسْرع إِلَيْهِ الشيب، شَدِيد الهيبة، قَلِيل الصَّبْر، وَملك بعده ابْنه الْملك القاهر عز الدّين مَسْعُود وَهُوَ ابْن عشر سِنِين وَدبره بدر الدّين لُؤْلُؤ مَمْلُوك أَبِيه وأستاذ دَاره، وَهُوَ الَّذِي ملك الْموصل، ولأرسلان شاه ولد آخر أَصْغَر من القاهر اسْمه زنكي ملكه أَبوهُ قلعتي الْعقر وسوس قرب الْموصل.
وفيهَا: وَردت رسل الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله إِلَى مُلُوك الْأَطْرَاف أَن يشْربُوا لَهُ كأس الفتوة، ويلبسوا لَهَا سراويلها وَأَن ينتسبوا إِلَيْهِ فِي رمي البندق ويجعلوه قدوتهم فِيهِ
قلت: وَكَانَ بعض الْفُضَلَاء قد استفتى فِي هَذِه الفتوة بِمصْر وَالشَّام، وَأخذ بتحريمها خطوط الْعلمَاء الْأَعْلَام، فَمنهمْ من أجَاب على جاري الْعَادة وَمِنْهُم من أجَاب بنثر أبدعه ونظم أجاده وأحضرها بعد ذَلِك إِلَيّ فامتنعت من الْكِتَابَة عَلَيْهَا لقصوري فألح عَليّ فَكتبت مَا صورته:
أما بعد: حمداً لله الَّذِي من اتبع مَا أنزلهُ قبل وَمن خَالف كِتَابه وَسنة نبيه خذل، وَالصَّلَاة على رَسُوله مُحَمَّد الَّذِي شَرِيعَته هِيَ الفتوة حَقًا، وطريقته هِيَ الْمُرُوءَة صدقا، وعَلى آله أهل الرأفة والإشفاق وَصَحبه الْمَأْخُوذ عَنْهُم مَكَارِم الْأَخْلَاق فقد غاضني حَتَّى هاضني وأحنقني حَتَّى خنقني مَا أحدثه أهل الْجَهْل والابتداع، وَسكت عَنهُ الْعلمَاء حَتَّى شاع فِي الرعاع وذاع، وَهِي الْبِدْعَة الَّتِي يجب إخفاء رسمها، والمنكرة الْمَعْرُوفَة بالفتوة وَهِي ضد اسْمهَا، وَكَيف لَا وَقد عكف عَلَيْهَا أَتبَاع الضَّلَالَة ودعا إِلَيْهَا الحمقى وَأهل البطالة يجمعُونَ لَهَا الجموع والأنباط، ويحضرها المرد وَأهل اللواط، فَمنهمْ من يتصابى على سنة وَمِنْهُم من يمشي على بَطْنه وَمِنْهُم قوم إِذا الشَّرّ أبدى ناجذيه طاروا إِلَيْهِ وَإِن تنحنح ذُو سطوة أجابوه بسكين وقرؤا التكاثر عَلَيْهِ إِن اضمرت كلمة الْحق ظَهَرُوا وَإِن بني علم الْإِيمَان على الْفَتْح استتروا مَا أحقهم بِنَفْي الْجِنْس وَمَا أولاهم بِالْكَسْرِ وجعلهم كأمس.
شعر:
(جنائز مَجْمُوعَة ... بعهم كَبيع الْمُفلس)
(لَا قبض فِي صرفهم ... مَا هم خِيَار الْمجْلس)
كَبِيرهمْ العَاصِي يزِيد تيها على ابْن الْفُرَات وَهُوَ عِنْد الشَّرِيعَة صَغِير ويتصدر - فيهم بِغَيْر علم وَلَا هدى وَلَا كتاب مُنِير يلْبِسهُمْ لِبَاس شَرّ ولباس التَّقْوَى ذَلِك خير، ويشد التكة بِيَدِهِ وَرُبمَا حل بِهِ عقيدة الْغَيْر خُصُوصا إِذا كَانَ اللابس نقي خد فَتلك راية فَرح الْجَمَاعَة وَالطَّرِيق إِلَى مَا قد يُوجب الْحَد ويسقيهم مَاء لَهُ بالملح مزاج بئس الشَّرَاب، وَلَو كَانَ عذباً فراتاً فَكيف وَهُوَ ملح أجاج يشقيهم بِمَا يسقيهم ويطغيهم بِمَا يعطيهم فيضلون بالبدعة جمعا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا ويمد لَهُم خوانًا يجمع فَاسِقًا، وخواناً جمع ثمنه من الششم والأنزروت والقرعة والقمار وَضرب التخوت والزبل والكنس والحجامة والدبغ والحوك والنجامة، وَمن الزفورية والطرقية وَسَائِر الْحَرْف الدنية بعدا لَهَا من بِدعَة سفلى
стр. 493
وَطَرِيقَة غير مثلى جمعهَا لكَونه لَا يعقل غير سَالم، وفاعلها وَإِن كَانَ فَاعِلا مجرور على وَجهه بِالْأَمر الْجَازِم مَا سمعنَا بِمِثْلِهَا فِي أمة وَلَا ساعد عَلَيْهَا أحد من الْأَئِمَّة.
شعر:
(وَمَا كفى مَا أَتَوْهُ ... من الضلال الْجَلِيّ)
(حَتَّى أضافوه جهلا ... إِلَى الإِمَام عَليّ)
أقسم بِاللَّه أغْلظ يَمِين إِن مبيحها يكذب وَيَمِين، الشَّيْطَان بغروره دلاه فَاشْترط شُرُوطًا لَيست فِي كتاب الله، فوقوف كَبِيرهمْ لعِلَّة لَا لله، ودعوته إِلَى الْبَاطِل فِي الْجُمْلَة حَيا كميت كَاذِبًا على آل الْبَيْت.
شعر:
(لَيْسَ الْفَتى كل الْفَتى عندنَا ... إِلَّا الَّذِي يُنْهِي عَن الْفُحْش)
(يَأْتِي إِلَى الْإِسْلَام من بَابه ... وَيتبع الْحق بِلَا غش)
لَيْسَ الْفَتى من ضرب بالسكين وَالسيف، الْفَتى من أطْعم الْمِسْكِين والضيف، لَيْسَ الْفَتى من عصب لأَصْحَابه وعشرائه، الْفَتى من جعل الْحق بَين عَيْنَيْهِ وَالْبَاطِل من وَرَائه، لَيْسَ الْفَتى من أَقَامَ الشنائع وَشهر على الْأمة السِّلَاح، الْفَتى من دقق الذرائع وسهر فِي جمع الْكَلِمَة والإصلاح، لَيْسَ الْفَتى من كَانَ من أهل اللياط، الْفَتى من أَخذ بالورع وَالِاحْتِيَاط، لَيْسَ الْفَتى من قَالَ بِالشَّاهِدِ، الْفَتى من يُحَاسب نَفسه ويجاهد فَإِن قَالَ أحدهم أَنا أَقْْضِي دين الْمَدِين وأجبر المكسور وأعين الْمِسْكِين وأحمل الثّقل وَأطلق الْمَحْبُوس وأفك المعتقل قُلْنَا خصصت بِهِ رفاقك وعشائرك وَتركت بَقِيَّة النَّاس وَرَاءَك، وَلَو سلم فقد أهملت وَاجِب الْمَنْدُوب وَأَنت بكذبك على عَليّ بن أبي طَالب مَطْلُوب.
شعر:
(كذبت على آل النَّبِي بجرأة ... ورحت لأفعال الْحَرَام موجها)
(وأبديت مَعْرُوفا تضمن مُنْكرا ... كمطعمة الْأَيْتَام من كد فرجهَا)
فَإِن احْتج للفتوة بأخذها عَن الْخَلِيفَة قُلْنَا: إِن صَحَّ فبدعة أحدثت كتقبيل العتبة الشَّرِيفَة، وَإِنَّمَا يَصح الِاقْتِدَاء بالخلفاء الرَّاشِدين الَّذين أَخذ عَنْهُم أَئِمَّة الدّين فَلَا تحرم نَفسك الْجنَّة بمخالفة الْكتاب وَالسّنة، وَتب إِلَى رَبك من هَذِه الْجَهَالَة فَإِن كل محدثة بِدعَة وكل بِدعَة ضَلَالَة.
أتزعم أَن الْإِسْلَام نَاقص وَهَذِه تَتِمَّة وَالله سُبْحَانَهُ قد أكمل لنا ديننَا وَأتم علينا النِّعْمَة.
فَالْوَاجِب علينا أَن تزجر وتهجر وَالْمُنكر عَلَيْك يُؤجر، والراضي بِهَذِهِ الْبِدْعَة كفاعلها أعاننا الله على إِزَالَة أزلها وَإِبْطَال باطلها، فَإِنَّهَا طَريقَة مذمومة وفعلة مُحرمَة مَسْمُومَة، كم أفتى بتحريمها عَالم، وكما قَالَ بضعفها ولي، وَلَو صحت عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ لكَانَتْ فِي الْقُوَّة كجلمود صَخْر حطه السَّيْل من علا وَلَوْلَا خوف التَّطْوِيل لذكرت مَا عَلَيْهَا من دَلِيل
стр. 494
سَمَّاهَا بعض شياطين الْإِنْس فتوة قصر الله عمره فَلَا حول وأضعفه فَلَا قُوَّة، وَالله أعلم.
وفيهَا: سَار الْعَادِل من مقَامه بِدِمَشْق إِلَى مصر.
وفيهَا: توفّي فَخر الدّين جهاركس كَبِير الصلاحية.
وفيهَا: توفّي الْملك الأوحد أَيُّوب بن الْعَادِل فَسَار أَخُوهُ الْأَشْرَف وَملك خلاط على مَا بِيَدِهِ من الشرق فَعظم ولقب شاهرمن.
وفيهَا: وَقتل غياث الدّين كيخسرو صَاحب الرّوم قَتله ملك الأشكري وَملك بعده ابْنه كيكاوس كَمَا مر.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وسِتمِائَة: فِيهَا قبض الْمُعظم عِيسَى بن الْعَادِل على عز الدّين أُسَامَة صَاحب قلعتي كَوْكَب وعجلون بِأَمْر أَبِيه وحبسه فِي الكرك إِلَى أَن مَاتَ بهَا، وتسلم الحصنين من غلْمَان أُسَامَة بحصار، وَخَربَتْ كَوْكَب، وَعفى أَثَرهَا، وانقرضت الصلاحية بأسامة هَذَا، وَملك الْمُعظم بِلَاد جهاركس وَهِي بانياس وَمَا مَعهَا لِأَخِيهِ شقيقه الْعَزِيز بن الْعَادِل، وَأعْطى صرخد مَمْلُوكه أيبك المعظمي.
وفيهَا: عَاد الْعَادِل إِلَى الشَّام وَأعْطى ابْنه المظفر غَازِي الرها مَعَ ميافارقين.
وفيهَا: أرسل الظَّاهِر القَاضِي بهاء الدّين بن شَدَّاد فاستعطف الْعَادِل وخطب ابْنَته ضيفة خاتون للظَّاهِر فَزَوجهَا مِنْهُ وتصافيا.
وفيهَا أظهر الكيا جلال الدّين حسن صَاحب الألموت من ولد الصَّباح شَعَائِر الْإِسْلَام وَكتب بِهِ إِلَى قلاع الإسماعيلية بالعجم وَالشَّام.
وفيهَا: توفّي أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن يُونُس بن مَنْعَة الْفَقِيه الشَّافِعِي بالموصل وَكَانَ إِمَامًا فَاضلا حسن الْأَخْلَاق.
قلت: وَله الْمُحِيط فِي الْجمع بَين الْمُهَذّب والوسيط وَشرح الْوَجِيز، وعقيدة وتعليقة فِي الْخلاف لم تتمّ، وَولي خطابة الْموصل مَعَ تدريس العزية والنورية والزينية والنقشية والعلائية، وَولي قَضَاء الْموصل ثمَّ انْفَصل عَنهُ وَتقدم عِنْد نور الدّين أرسلان شاه، وَسَار عَنهُ رَسُولا إِلَى بَغْدَاد مَرَّات وَإِلَى الْعَادِل، وناظر فِي ديوَان الْخلَافَة فِي شِرَاء الْكَافِر العَبْد الْمُسلم سنة سِتّ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة، وَنقل نور الدّين الْمَذْكُور من مَذْهَب أبي حنيفَة إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِي وَلَيْسَ فِي بَيت أتابك شَافِعِيّ سواهُ مَعَ كثرتهم وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي القَاضِي السعيد هبة الله بن جَعْفَر بن سنا الْملك السَّعْدِيّ الْمصْرِيّ فَاضل متنعم وافر السَّعَادَة، وَله نظم فائق مدح توران شاه أَخا السُّلْطَان صَلَاح الدّين بقصيدة مطْلعهَا:
(تقنعت لَكِن بالحبيب المعمم ... وَفَارَقت لَكِن كل عَيْش مذمم)
فهجن هَذَا المطلع وعيب.
стр. 495
وَله:
(لَا الْغُصْن يحكيك وَلَا الجؤذر ... حسنك مِمَّا أَكْثرُوا أَكثر)
(يَا باسماً أهْدى لنا ثغره ... عقدا وَلَكِن كُله جَوْهَر)
(قَالَ لي اللاحي أما تستمع ... فَقلت يَا لاحي أما تبصر)
قلت: وَأخذ الحَدِيث عَن السلَفِي، وَاخْتصرَ كتاب الْحَيَوَان للجاحظ وَسَماهُ روح الْحَيَوَان، وَله ديوَان شعر، وديوان موشحات سَمَّاهُ دَار الطّراز ورسائل. وَمَا أحسن قَوْله:
(وَلَو أبْصر النظام جَوْهَر ثغرها ... لما شكّ فِيهَا أَنه الْجَوْهَر الْفَرد)
(وَمن قَالَ أَن الخيزرانة قدها ... فَقولُوا لَهُ إياك أَن يسمع الْقد)
وَله من رِسَالَة فِي نقص النّيل بديعة: وَأما أَمر المَاء فَإِنَّهُ نضبت مشارعه وتقطعت أَصَابِعه وَتيَمّم العمود لصَلَاة الاسْتِسْقَاء، وهم المقياس من الضعْف بالاستلقاء، وَبلغ القَاضِي السعيد عَن أبي المكارم هبة الله بن وَزِير بن مقلد الْكَاتِب الشَّاعِر أَنه هجاه فَأحْضرهُ وأدبه وَشَتمه، فَكتب إِلَيْهِ نشو الْملك أَبُو الْحسن عَليّ بن مفرج المعري الأَصْل، الْمصْرِيّ الدَّار والوفاة، الْمَعْرُوف بِابْن المنجم الشَّاعِر الْمَشْهُور:
(قل للسعيد أدام الله نعْمَته ... صديقنا ابْن وَزِير كَيفَ تظلمه)
(صفعته إِذْ غَدا يهجوك منتقماً ... فَكيف من بعد هَذَا ظللت تشتمه)
(هجو بهجو وَهَذَا الصفع فِيهِ رَبًّا ... وَالشَّرْع مَا يَقْتَضِيهِ بل يحرمه)
(فَإِن تقل مَا لهجو عِنْده ألم ... فالصفع وَالله أَيْضا لَيْسَ يؤلمه)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة تسع وسِتمِائَة: فِيهَا فِي الْمحرم عقد الْملك الظَّاهِر على ضيفة خاتون بنت الْعَادِل، وَالصَّدَاق خَمْسُونَ ألف دِينَار، واحتفل الظَّاهِر لملتقاها بالنفائس. وفيهَا: عمر الْعَادِل قلعة الطّور
وفيهَا: حاصر طغرل بك شاه صَاحب أرزن ابْن أَخِيه سُلْطَان الرّوم كيكاوس بسيواس فاستنجد بالأشرف فخاف طغرل بك ورحل عَنهُ.
ثمَّ دخلت سنة عشر وسِتمِائَة: فِيهَا قتل كيكاوس عَمه طغرل بك شاه وَأخذ بِلَاده، وَذبح أَكثر أمرائه، وَقصد أَخِيه عَلَاء الدّين كيقباد فشفعوا فِيهِ فعفى عَنهُ.
وفيهَا: فِي رَمَضَان توفّي بحلب فَارس الدّين مَيْمُون القصري آخر الْأُمَرَاء الصلاحية، ينتسب إِلَى قصر الْخُلَفَاء بِمصْر أَخذه مِنْهُ صَلَاح الدّين.
وفيهَا: ولد للظَّاهِر من ضيفة خاتون بنت الْعَادِل ابْنه الْعَزِيز غياث الدّين مُحَمَّد.
وفيهَا: قتل منكلي من البهلوانية أيدغمش الْغَالِب على مملكة هَمدَان وَالْجِبَال، مَمْلُوك البهلوان أَيْضا هرب مِنْهُ أيدغمش إِلَى الْخَلِيفَة ثمَّ عَاد فَقتله وَملك مَكَانَهُ.
следующие страницы →