Полный текст (708 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
المظفر وَالْأَفْضَل فِي خدمته إِلَى المشهد، ثمَّ إِلَى الْحمام والزرقا بالبرية فصاد كثيرا.
وَأما العساكر فسارت على السِّكَّة إِلَى حلب وَوصل السُّلْطَان إِلَى حلب وَتوجه مِنْهَا إِلَى قلعة الرّوم ونازلها فِي الْعشْر الأول من جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا وضايقها وَشهد الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى ذَلِك، وَنصب المجانيق ودام الْحصار حَتَّى فتحت بِالسَّيْفِ يَوْم السبت حادي عشر رَجَب مِنْهَا وَقتل أَهلهَا وَنهب ذَرَارِيهمْ، واعتصم كتبا غيلوس خَليفَة الأرمن الْمُقِيم بهَا وَغَيره فِي القلعة، ثمَّ طلبُوا الْأمان فَأَمنَهُمْ على أَرْوَاحهم خَاصَّة وَأَن يَكُونُوا أسرى عَن آخِرهم.
ورتب السُّلْطَان الشجاعي علم الدّين سنجر لتحصينها وإصلاحها وَعَاد فصَام وَعِيد بِدِمَشْق وَسَار إِلَى مصر.
قلت: وفيهَا مَاتَ صَاحب ماردين الْملك المظفر قره أرسلان بن إيلغازي ودولته ثَلَاث وَثَلَاثُونَ سنة وَله ذكاء ونباهة وَالله أعلم.
وفيهَا: هرب حسام الدّين لاجين الَّذِي كَانَ نَائِب دمشق لما وصل السُّلْطَان عَائِدًا من قلعة الرّوم، وَكَانَ قد اعتقله على حِصَار عكا، ثمَّ أفرج عَنهُ فِي أَوَائِل هَذِه السّنة وَعَاد مَعَ السُّلْطَان من قلعة الرّوم إِلَى دمشق، فاستوحش فهرب إِلَى الْعَرَب فقبضوه وأحضروه إِلَى السُّلْطَان فَبعث بِهِ فحبس فِي قلعة الْجَبَل.
وفيهَا: استناب السُّلْطَان بِدِمَشْق عز الدّين أيبك الْحَمَوِيّ وعزل الشجاعي.
وفيهَا: عِنْد عوده من قلعة الرّوم عزل بحلب نائبها قره سنقر المنصوري وَصَحبه مَعَه وولاها سيف الدّين بلبان الطباخي، وَكَانَ نَائِب الفتوحات ومقامه بحصن الأكراد فولى بهَا مَكَانَهُ طغرل بك الإيغاني ثمَّ عَزله بعد مُدَّة وولاها عز الدّين أيبك الخزينة دَار المنصوري وَلما وصل مصر قبض على سنقر الْأَشْقَر وجرمك وَكَانَ قبض طقصو بِدِمَشْق فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.
قلت: وفيهَا الْملك الْأَشْرَف نَازل على معرة النُّعْمَان مُتَوَجها إِلَى قلعة الرّوم كَانَ مولدِي، وَاتفقَ أَن أهل المعرة رفعوا قصصاً إِلَى السُّلْطَان الْأَشْرَف يسألونه إبِْطَال الخمارة بهَا فَأمر بإبطالها وَخَربَتْ فِي تِلْكَ السَّاعَة أحسن الله الْعَاقِبَة وَختم بِخَير آمين وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وسِتمِائَة: فِيهَا طلب الْملك الْأَشْرَف المظفر صَاحب حماه وَالْملك الْأَفْضَل عليا إِلَى مصر على الْبَرِيد فوصلا مصر ثامن يَوْم خروجهما وجلين فأنعم عَلَيْهِمَا، ثمَّ سَار وهما صحبته على الهجين إِلَى جِهَة الكرك والعساكر سائرة على الطَّرِيق إِلَى دمشق، ثمَّ قدم دمشق ثمَّ سَار على الْبَريَّة متصيداً وَوصل الفرقلس وَهُوَ جفار فِي طرف حمص مشرقاً فَحَضَرَ إِلَيْهِ هُنَاكَ مهنا بن عِيسَى أَمِير الْعَرَب وَأَخُوهُ مُحَمَّد وَفضل ومُوسَى بن مهنا فَقبض على الْجَمِيع وأرسلهم فحبسوا بِمصْر فِي قلعة الْجَبَل وَعَاد السُّلْطَان إِلَى مصر.
стр. 597
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة سَار الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ بن المظفر مَحْمُود بن الْمَنْصُور مُحَمَّد بن المظفر تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب من حلب إِلَى دمشق، وَتُوفِّي بهَا فِي أَوَائِل ذِي الْحجَّة مِنْهَا، ومولده أَوَاخِر سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة، وَسبب مسيرَة أَن الْأَفْضَل أعجب الْأَشْرَف خبرته فِي الفهود وَالصَّيْد وهم على الكرك، فَلَمَّا سَار المظفر وَالْأَفْضَل إِلَى حلب وَمَعَهَا بعض الْعَسْكَر الْمصْرِيّ لإرهاب الْعَدو بِأَمْر الْأَشْرَف وصل مرسوم الْملك الْأَشْرَف بِطَلَب الْأَفْضَل ليصبه فِي الصَّيْد، فَسَار وَلم يستصحب أحدا من أَوْلَاده، وَكَانُوا ثَلَاثَة مجردين بحلب مَعَ المظفر فَمَرض وَتُوفِّي بِدِمَشْق وَنقل إِلَى حماه واشتمل المظفر على أَوْلَاده وَأحسن إِلَيْهِم.
وفيهَا: أفرج الْملك الْأَشْرَف عَن بدر الدّين البيسري بعد اعتقال نَحْو ثَلَاث عشرَة سنة، وَعَن حسام الدّين لاجين المنصوري.
وفيهَا: أَعْطَيْت العساكر الدستور، وَأعْطى الْملك المظفر صَاحب حماه ابْن عمَّة الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى إمرة طبلخانات وَأَرْبَعين فَارِسًا.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَتِسْعين وسِتمِائَة: فِيهَا فِي أَوَائِل الْمحرم قتل الْملك الْأَشْرَف صَلَاح الدّين خَلِيل بن السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور قلاوون وَذَلِكَ أَنه وصل إِلَى تروجة للصَّيْد وَنصب الدهليز عَلَيْهَا وَركب فِي نفر يسير فقصده مماليك أَبِيه وهم بيدرا نَائِب السلطنة ولاجين الَّذِي عَزله عَن نِيَابَة دمشق وقرا سنقر الَّذِي عَزله من حلب وبهادر رَأس النّوبَة وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء، وَلما قاربوا السُّلْطَان أرسل إِلَيْهِم كرد أَمِير آخور ليكشف خبرهم فأمسكوه وخاضوا المخاضة ووصلوا إِلَى السُّلْطَان فَأول من ضربه بِالسَّيْفِ بيدرا ثمَّ لاجين حَتَّى فَارق وتركوه على الأَرْض فَحَمله أيدمر الفخري وَالِي تروجة إِلَى الْقَاهِرَة فَدفن فِي تربته رَحمَه الله تَعَالَى، ثمَّ اتّفق القاتلون لَهُ على سلطنة بيدرا وتقلب بالقاهر.
وَسَار ليملك قلعة الْجَبَل فانضم مماليك الْأَشْرَف إِلَى زين الدّين كتبغا المنصوري وركبوا أثر بيدرا وَمن مَعَه فلحقوهم على الطرانة فِي نصف الْمحرم مِنْهَا واقتتلوا وَانْهَزَمَ بيدرا وَأَصْحَابه وتقرفوا فتبعوا بيدرا وقتلوه وَرفعُوا رَأسه على رمح واختفى لاجين وقرا سنقر.
وَوصل زين الدّين كتبغا والمماليك السُّلْطَانِيَّة إِلَى قلعة الْجَبَل ونائبها علم الدّين سنجر الشجاعي، فاتفقوا على سلطنة مَوْلَانَا السُّلْطَان الْأَعْظَم الْملك النَّاصِر بن السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور فَأَجْلَسُوهُ على سَرِير الْملك فِي بَاقِي الْعشْر الْأَوْسَط من الْمحرم مِنْهَا، وتقرر كتبغا نَائِبا والشجاعي وزيراً وركن الدّين بيبرس الْبُرْجِي الجاشنكير أستاذ الدَّار وتتبعوا غُرَمَاء الْملك الْأَشْرَف فظفروا ببهادر رَأس النّوبَة وأقوش الْموصِلِي الْحَاجِب فَضربت رقابهما وأحرقت جثثهما.
ثمَّ ظفروا بطرنطاي الساقي والناق ونغية وأروس السلحدارية وَمُحَمّد خواجا والطنبغا الجمدار وأقسنقر الحسامي فاعتقوا بخزانة البنود أَيَّامًا ثمَّ قطعت أَيْديهم وأرجلهم وصلبوا
стр. 598
على الْجمال وطيف بهم وأيديهم معلقَة فِي أَعْنَاقهم جَزَاء بِمَا كسبوا ثمَّ وَقع قجقار الساقي فشنق.
قلت: وفيهَا مَاتَ قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق شهَاب الدّين مُحَمَّد بن قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أَحْمد بن الْخَلِيل الخويي الشَّافِعِي وَله سبع وَسِتُّونَ سنة، كَانَ ﵀ أحد الْأَعْلَام وَالله أعلم.
وفيهَا: قبض كتبغا والشجاعي على شمس الدّين مُحَمَّد بن السلعوس وَزِير الْملك الْأَشْرَف، وَتَوَلَّى عُقُوبَته الشجاعي، فاستصفى مَاله وَقَتله وَكَانَ مُتَمَكنًا عِنْد الْأَشْرَف وأحضر أَهله وأقاربه من دمشق إِلَى مصر لما تمكن إِلَّا وَاحِدًا اسْتمرّ بِدِمَشْق وَكتب إِلَيْهِ:
(تنبه يَا وَزِير الأَرْض وَاعْلَم ... بأنك قد وطِئت على الأفاعي)
(وَكن بِاللَّه معتصماً فَأَنِّي ... أَخَاف عَلَيْك من نهش الشجاعي)
(قلت) وَذكرت بِهَذَا قولي:
(صديق لي بلي بِحَكِيم سوء ... كَذَا السلعوس يبْلى بالشجاعي)
(فجس وَقَالَ حمى مَعَ صداع ... فَقُلْنَا يَا حَكِيم بِلَا صداع)
وَالله أعلم.
وفيهَا: قتل كتبغا النَّائِب الشجاعي الْوَزير وطيف بِرَأْسِهِ وفيهَا ظهر حسام الدّين لاجين وقرا سنقر المنصوري من الاستتار وَأخذ لَهما خشداشهما كتبغا الْأمان من السُّلْطَان وأقطع لَهما وأعز جَانبهَا.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة: يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع الْمحرم مِنْهَا جلس زين الدّين كتبغا المنصوري على سَرِير الْملك، وتلقب بالعادل، واستحلف النَّاس، وخطب لَهُ بِمصْر وَالشَّام، وَضرب السِّكَّة باسمه وَجعل حسام الدّين لاجين نَائِبه.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر قتل كيختو بن أبغا بن هولاكو ملك بعد موت أرغون فِي ربيع الأول سنة تسعين وسِتمِائَة فملكه نَحْو أَربع سِنِين أفحش كيختو بِالْفِسْقِ واللواط فاتفق الْملك مَعَ ابْن عَمه بيدو بن طرغبة بن هولاكو على قَتله وهرب فتبعوه بسلاسلار من أَعمال موغان وقتلوه بهَا.
وَملك بعده ابْن عَمه يَبْدُو وَجلسَ على السرير فِي جمادي الأولى مِنْهَا وَبلغ قازان بخراسان ذَلِك فَجمع نيروز على قازان من أطاعه من المغول وَأهل تِلْكَ الْبِلَاد وَسَار إِلَى قتال بيدو وَسَار بيدو إِلَيْهِ فَلَمَّا تقاربوا علم قازان أَنه لَا طَاقَة لَهُ ببيدو فراسله واصطلحا وَعَاد قازان إِلَى خُرَاسَان وَأمر بيدو نيروز أتابك قازان أَن يُقيم عِنْده خوفًا من أَن تَجْتَمِع المغول على قازان ثَانِيًا، وَأخذ نيروز يفْسد المغول على بيدو فِي الْبَاطِن، واستوثق مِنْهُم وَكتب إِلَى قازان يَأْمُرهُ بالحركة فَتحَرك وَبلغ ذَلِك بيدو فَتحدث مَعَ نيروز فِيهِ، فَقَالَ نيروز: أَرْسلنِي إِلَى قازان لأفرق جمعه وأرسله إِلَيْك مربوطاً، فاستحلفه وأرسله، فَسَار نيروز إِلَى قازان وأعلمه
стр. 599
بِمن مَعَه من المغول، وَعمد نيروز إِلَى قدر فِي جولق وربطه وأرسله إِلَى بيدو، وَقَالَ: وفيت بيميني ربطت قازان وبعثته إِلَيْك، وقازان اسْم الْقدر بالتتري، فَجمع بيدو عساكره والتقى الْجَمْعَانِ بنواحي هَمدَان فَصَارَ أَصْحَاب بيدو مَعَ قازان، فهرب بيدو وأدركه عَسْكَر قازان عَن قريب بنواحي هَمدَان وقتلوه فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا فملكه نَحْو ثَمَانِينَ أشهر.
وَاسْتقر قازان بن أرغون بن أبغا بن هولاكو فِي المملكة فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا، وَجعل نيروز أتابكة ورتب أَخَاهُ خربندة بن أرغون بخراسان.
قلت: وفيهَا أسلم قازان ملك التتر وتلفظ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِإِشَارَة نَائِبه نيروز ونثر الذَّهَب على الْخلق، وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً.
ثمَّ لقنه نيروز شَيْئا من الْقُرْآن، وَدخل رَمَضَان فصامه، وفشى الْإِسْلَام فِي التتر.
وفيهَا: توفّي خطيب دمشق شرف الدّين أَحْمد بن أَحْمد الْمَقْدِسِي وَقد نَيف على السّبْعين. كَانَ من كبار الْمُفْتِينَ حسن الْخط، وَشَيخ الْمَشَايِخ عز الدّين أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الوَاسِطِيّ الفاروثي الْمقري الْمُفَسّر الْوَاعِظ الْخَطِيب فِي ذِي الْحجَّة بواسط وَله ثَمَانُون سنة، وَشَيخ الْحرم الْحَافِظ الْفَقِيه محب الدّين أَحْمد بن عبد الله الطَّبَرِيّ مُصَنف الْأَحْكَام وَله تسع وَسَبْعُونَ سنة، وسلطان إفريقية الْمُسْتَنْصر بِاللَّه عمر بن يحيى بن عبد الْوَاحِد الهنتائي وَملكه إِحْدَى عشرَة سنة وَالشَّيْخ الصَّالح أَبُو الرِّجَال المنيني صَاحب الكشوف وَالْأَحْوَال عَن نَيف وَثَمَانِينَ سنة، وَكَانَ لَهُ عَظمَة فِي النُّفُوس، وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي صَاحب الْيمن الْملك المظفر شمس الدّين يُوسُف بن الْملك الْمَنْصُور عمر بن عَليّ بن رَسُول التركماني بقلعة تعز فملكه نَحْو سبع وَأَرْبَعين سنة وَملك بعده أكبر أبنائه الْأَشْرَف عمر، وعمره لما تملك سَبْعُونَ سنة، وَكَانَ الْمُؤَيد دَاوُد بن يُوسُف عِنْد موت وَالِده بالشحر كَانَ أَبوهُ قد أعطَاهُ إِيَّاهَا وأبعده إِلَيْهَا، وَلما بلغه موت وَالِده تحرّك، وَسَار فاستولى على عدن فَأرْسل أَخُوهُ الْأَشْرَف عسكراً قَاتلُوهُ فكسروا الْمُؤَيد دَاوُد وأحضروه أَسِيرًا فاعتقله الْأَشْرَف وَأقَام الْأَشْرَف فِي الْملك عشْرين شهرا وَتُوفِّي فَأخْرج الْمُؤَيد من الاعتقال وَملك الْيمن إِلَى سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة.
وفيهَا: أرسل الْعَادِل كتبغا وَقبض على خوشداشة عز الدّين أيبك الخزينة دَار، وعزله عَن الْحُصُون والسواحل بِالشَّام، ثمَّ أفرج عَنهُ. واستناب مَوْضِعه عز الدّين أيبك الْموصِلِي.
وفيهَا: قصر النّيل عَظِيما وَتَبعهُ غلاء وأعقبه وباء وفناء عَظِيم.
وفيهَا: فِي أوائلها لما ملك كتبغا أفرج عَن مهنا بن عِيسَى وأخويه وأعادهم إِلَى مَنْزِلَتهمْ.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين وسِتمِائَة: فِيهَا قدم من التتر نَحْو عشرَة آلَاف وافدين خوفًا من قازان ومقدمهم طرغية من أكبر المغول زَوجته بنت منكوتمر بن هولاكو الَّذِي
стр. 600
انْكَسَرَ جَيْشه على حمص، وَيُسمى هَؤُلَاءِ الوافدين العويراتبة، كَانَ طرغية اتّفق مَعَ بيدو على قتل كيختو بن أبغا فَلَمَّا ملك قازان قصد قتل طرغية أخذا بثأر عَمه كيختو فهرب مِنْهُ وَأكْرمهمْ الْعَادِل كتبغا وأنزلهم بالسَّاحل قرب قاقون وأدر عَلَيْهِم الأرزاق وأحضر كبراءهم إِلَى مصر وأقطعهم جَلِيلًا وخلع عَلَيْهِم وَقَدَّمَهُمْ على غَيرهم.
وفيهَا: فِي شَوَّال خرج الْعَادِل كتبغا من مصر وَوصل دمشق ثمَّ حمص ثمَّ جوسيه متصيداً.
وَكَانَ قد اشْتَرَاهَا خراباً وعمرها فرآها وَعَاد إِلَى دمشق وعزل عز الدّين أيبك الْحَمَوِيّ عَن نِيَابَة الشَّام وَولى مَوْضِعه سيف الدّين غرلو مَمْلُوك الْعَادِل كتبغا وَخرجت السّنة والعادل بِدِمَشْق.
قلت: وفيهَا توفّي قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين عبد الرَّحْمَن بن قَاضِي الْقُضَاة تَاج الدّين عبد الْوَهَّاب بن بنت الْأَعَز بِمصْر كهلاً، وَشَيخ الْحَنَفِيَّة الصاحب الْعَلامَة محيي الدّين مُحَمَّد بن يَعْقُوب بن النّحاس الْأَسدي الْحلَبِي بالمزة، وَله إِحْدَى وَثَمَانُونَ سنة، وَشَيخ الْحَنَابِلَة الْعَلامَة زين الدّين المنجا بن عُثْمَان بن المنجا التنوخي المعري، وَله أَربع وَسِتُّونَ سنة، والزاهد الشَّيْخ شرف الدّين مُحَمَّد بن عبد الْملك بن عمر الأرزوي التونيني بِبَيْت لهيا، كَانَ مَقْصُودا بالزيارة والتبرك وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة: فِي أوائلها سَار كتبغا من دمشق إِلَى مصر فَلَمَّا اسْتَقر بدهليزه على نهر العوجاء وتفرق مماليكه وَغَيرهم إِلَى خيامهم ركب حسام الدّين لاجين المنصوري نَائِبه بصنجق ونقارة وانضم إِلَيْهِ البيسري وقرا سنقر وقبجق المنصوريان والحاج بهادر الظَّاهِرِيّ وَغَيرهم وبغتوا الْعَادِل الظّهْر فِي دهليزه فَمَا لحق يجمع أَصْحَابه وَركب فِي نفر قَلِيل فَحمل عَلَيْهِ نَائِبه لاجين وَقتل بكتوت الْأَزْرَق وبتخاص أكبر المماليك العادلية فهرب الْعَادِل إِلَى دمشق لِأَن فِيهَا مَمْلُوكه غرلو فَتَلقاهُ غرلو وَدخل قلعة دمشق وتأهب لقِتَال لاجين فَلم يُوَافقهُ عَسْكَر دمشق فَخلع نَفسه وَقعد بقلعة دمشق وَأرْسل يطْلب من لاجين الْأمان وموضعاً يؤويه فَأعْطَاهُ صرخد، فاستقر الْعَادِل بهَا إِلَى أَن كَانَ مَا سَيذكرُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَأما لاجين فَلَمَّا هزم الْعَادِل نزل بدهليزه على نهر العوجاء وَشرط عَلَيْهِ الْأُمَرَاء الَّذين وافقوه شُرُوطًا التزمها.
مِنْهَا: أَن لَا ينْفَرد عَنْهُم بِرَأْي وَلَا يُسَلط مماليكه عَلَيْهِم كَمَا فعل كتبغا وَحلف لَهُم ثمَّ حلفوا لَهُ وَبَايَعُوهُ بالسلطنة.
وتلقب بِالْملكِ الْمَنْصُور حسام الدّين لاجين فِي الْمحرم مِنْهَا، ثمَّ وصل العساكر إِلَى مصر، وَاسْتقر بقلعة الْجَبَل، وَجعل سيف الدّين قبجق المنصوري نَائِب الشَّام.
стр. 601
وفيهَا: أرسل الْمَنْصُور لاجين الْملك النَّاصِر من القاعة الَّتِي كَانَ فِيهَا بقلعة الْجَبَل إِلَى الكرك وَسَار مَعَه سلار حَتَّى أدخلهُ إِلَيْهَا وَعَاد إِلَى لاجين.
وفيهَا: أفرج لاجين عَن بيبرس الجاشنكير وعدة أُمَرَاء قبض عَلَيْهِم الْعَادِل لما ملك.
وفيهَا: أعْطى الْمَنْصُور لاجين جمَاعَة من مماليكه إمرة طبلخانات مثل منكوتمر وأيدغدي شقير وبهادر المعزى.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَتِسْعين وسِتمِائَة: فِيهَا جرد الْملك الْمَنْصُور لاجين جَيْشًا كثيفاً مَعَ بدر الدّين بكتاش الفخري أَمِير سلَاح وَعلم الدّين سنجر الدواتداري وشمس الدّين كريته ولاجين الرُّومِي الْمَعْرُوف بالحسام أستاذ دَار فَسَارُوا إِلَى الشَّام ورسم بمسير عَسَاكِر الشَّام، فَسَار البكي الظَّاهِرِيّ نَائِب صفد ثمَّ سيف الدّين قبجق نَائِب الشَّام، وَأقَام قبجق بِبَعْض العساكر بحمص، وَسَار المظفر صَاحب حماه وَوصل المذكورون حلب يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثَالِث وَعشْرين جمادي الْآخِرَة سَابِع نيسان، ثمَّ سَارُوا إِلَى بِلَاد سيس فَعبر صَاحب حماه والدواتداري من دربندمري وَالْبَاقُونَ من بغراس، واجتمعوا على نهر جيحان وشنوا الغارات فِي أواسط رَجَب وكبسوا وغنموا وعادوا إِلَى مرج أنطاكية فِي حادي وَعشْرين رَجَب، وَسَار صَاحب حماه إِلَى جِهَة حماه، وَوصل قصطون فورد مرسوم لاجين باجتماع العساكر بحلب ودخولهم إِلَى سيس ثَانِيًا.
قَالَ الْمُؤلف ﵀: فعدنا إِلَى حلب ثمَّ إِلَى بِلَاد سيس ونزلنا على حموص يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع رَمَضَان مِنْهَا، وَأقَام أَمِير سلَاح وَصَاحب حماه وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِمَا من عَسْكَر دمشق على حموص وحصرناها وَنزل بَاقِي الْعَسْكَر أَسْفَل مِنْهَا فِي الْوَطْأَة، وأشتد على الْعَالم الْكثير الَّذين بهَا الْعَطش، فَهَلَك غالبهم، فَلَمَّا اشْتَدَّ بهم الْحَال أخرجُوا فِي السَّابِع عشر من نزولنا نَحْو ألف وَمِائَتَيْنِ من النِّسَاء والأطفال فاقتسمهم الْعَسْكَر وَاسْتمرّ الْحَال كَذَلِك حَتَّى كَانَ مَا يذكر.
فتح حموص وَغَيرهَا
تقدم فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة أسر ليفون بن هيتوم لما دخل الْعَسْكَر صُحْبَة الْمَنْصُور صَاحب حماه فِي أَيَّام الظَّاهِر بيبرس، وَكَيف فدَاه أَبوهُ، وَملك ليفون بعد أَبِيه مُدَّة، وَمَات عَن بَنِينَ أكبرهم هيتوم بن تروس ثمَّ سنباط ثمَّ دندين ثمَّ أوشين، فَلَمَّا مَاتَ ليفون ملك ابْنه الْأَكْبَر هيتوم مُدَّة فَجمع أَخُوهُ سنباط ووثب عَلَيْهِ وَقَبضه وسمله فعميت عينه الْوَاحِدَة.
وَاسْتمرّ فِي الْحَبْس وَقبض على تروس ثمَّ قَتله وَخلف تروس ابْنا صَغِيرا، وَاسْتقر سنباط فِي الْملك، وَاتفقَ دُخُول الْعَسْكَر ومنازلة حموص فِي أَيَّام سنباط فضاقت على الأرمن الأَرْض لِكَثْرَة مَا غنم مِنْهُم، وَقتل ونسبوا ذَلِك إِلَى سوء تَدْبِير سنباط وَعدم مصانعته الْمُسلمين.
стр. 602
وقصدوا إِقَامَة أَخِيه دندين وَالْقَبْض على سنباط، فهرب إِلَى جِهَة قسطنطينية وتملك دندين وَتسَمى كسيندين أَيْضا، وبذل للعساكر الطَّاعَة والإجابة إِلَى مرسوم سُلْطَان الْإِسْلَام وَأَنه نَائِبه، فتسلموا مِنْهُ كل مَا هُوَ جنوبي نهر جيحان من الْحُصُون والبلاد، وَمِنْهَا: حموص وتل حمدون وكويرا والنفير وَحجر شغلان وسرفند كار ومرعش وَكلهَا حصون منيعة مَا ترام.
وَكَذَلِكَ سلم غَيرهَا من الْبِلَاد، وَكَانَ تَسْلِيم حموص فِي يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع عشر شَوَّال مِنْهَا، وَأمر لاجين باستمرار عمَارَة هَذِه الْبِلَاد وَمَا كَانَ مصلحَة فَإِن الأرمن ملكوها سنة قازان، وَولى عَلَيْهَا لاجين نَائِبا ثمَّ عَزله، وولاها سيف الدّين اسندمر مَعَ عَسْكَر فَأَقَامَ بتل حمدون وعادت العساكر إِلَى حلب تَاسِع ذِي الْقعدَة عَاشر آب مِنْهَا فورد مرسوم لاجين إِلَى سيف الدّين بلبان الطباخي بِالْقَبْضِ على جمَاعَة من أُمَرَاء الْعَسْكَر وَعَلمُوا ذَلِك وقبجق على حمص مستشعر من لاجين فهرب من حلب فَارس الدّين البكي نَائِب صفد وبكتمر السلحدار وبوزلار وعزاز إِلَى حمص، وَاتَّفَقُوا مَعَ قبجق على الْعِصْيَان.
(وَفِي أوائلها) : قبل تَجْرِيد الْعَسْكَر قبض لاجين على نَائِبه، وَاسْتقر واعتقله، واستناب مَمْلُوكه منكوتمر الحسامي، فتكبر وتحامق بِمَا غير بِهِ الخواطر على أستاذه.
وَكَذَلِكَ قبض لاجين على البيسري وَعز الدّين أيبك الْحَمَوِيّ والحاج بهادر أَمِير حَاجِب وَغَيرهم.
وفيهَا: اتهمَ قازان أتابكه نيروز بمكاتبة الْمُسلمين وَقَتله، ورتب مَوْضِعه قطلو شاه.
وفيهَا: وَفد سلامش وَهُوَ مقدم ثَمَان من المغول؛ كَانَ بالروم وبلغه أَن قازان يُرِيد قَتله فَأكْرمه لاجين وأنجده بعسكر مقدمهم سيف الدّين بكتمر الجلمي وطمع سلامش باجتماع أهل الرّوم عَلَيْهِ وَسَارُوا حَتَّى جاوزوا بلد سيس فَخرجت التتر واقتتلوا فَقتل الجلمي وَجَمَاعَة من الْعَسْكَر وهرب الْبَاقُونَ واعتصم سلامش فِي قلعة هُنَاكَ ثمَّ استتر لَهُ قازان وَقَتله شَرّ قتلة.
وفيهَا: اتّفق لاجين ونائبه منكوتمر وراكا الإقطاعات بالبلاد المصرية، وَفرقت المثالات فقبلها أَرْبَابهَا طَوْعًا وَكرها.
وفيهَا: توفّي عز الدّين أيبك الْموصِلِي نَائِب الفتوحات، وولاها سيف الدّين كرد أَمِير آخور.
وفيهَا: فِي آخر ذِي الْقعدَة هرب قبجق والبكي وبكتمر السلحدار وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِم من حمص وسَاق خَلفهم أيدغدي شقير مَمْلُوك لاجين من حلب فِي جمَاعَة من الْعَسْكَر المجردين ليقطعوا عَلَيْهِم الطَّرِيق ففاتوهم وعبروا الْفُرَات واتصلوا بقازان وَأكْرمهمْ حَتَّى كَانَ مَا سَيذكرُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
стр. 603
وفيهَا: عَاد الْمَنْصُور صَاحب حماه من حلب إِلَى حماه بِأَمْر لاجين واستمرت العساكر بحلب حَتَّى خرجت السّنة.
وفيهَا: فِي ثامن وَعشْرين شَوَّال توفّي القَاضِي بحماه جمال الدّين مُحَمَّد بن سَالم بن وَاصل الشَّافِعِي، ومولده سنة أَربع وسِتمِائَة، كَانَ مبرزاً فِي عُلُوم كَثِيرَة مثل الْمنطق والهندسة والأصولين والهيئة والتاريخ.
وَله مفرج الكروب فِي إِخْبَار بني أَيُّوب، وَله الأنبروزية فِي الْمنطق صنفها للأنبروز ملك الفرنج صَاحب صقلية لما أرْسلهُ إِلَيْهِ الْملك الظَّاهِر بيبرس وَاخْتصرَ الأغاني اختصارا حسنا وَله غير ذَلِك.
وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمُؤلف شَرحه لعروض ابْن الْحَاجِب، وَكَانَ يعرض على القَاضِي مَا لم يحله من أشكال كتاب إقليدس ويستفيد مِنْهُ وَصحح عَلَيْهِ أَسمَاء من لَهُ تَرْجَمَة فِي كتاب الأغاني.
قَالَ الْمُؤلف ﵀: قَالَ القَاضِي جمال الدّين الْمَذْكُور ووالد الإمبراطور الَّذِي رَأَيْته اسْمه فردريك كَانَ مصافياً للْملك الْكَامِل، وَمَات سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة، وَملك صقلية وَغَيرهَا من الْبر الطَّوِيل بعده ابْنه كرا ثمَّ مَاتَ كرا وَملك أَخُوهُ منفريذا وكل من ملك مِنْهُم يُسمى إمبراطوراً وَمَعْنَاهُ بالفرنجية ملك الْأُمَرَاء قَالَ: وَلما وصلت إِلَيْهِ أَقمت عِنْده فِي مَدِينَة من الْبر الطَّوِيل الْمُتَّصِل بالأندلس من مَدَائِن أنبولية.
وَكَانَ يحفظ عشر مقالات من كتاب إقليدس وبالقرب من الْبَلَد الَّذِي كنت فِيهِ مَدِينَة لَو حارة كلهَا مُسلمُونَ من جَزِيرَة صقلية يعلن فِيهَا بشعار الْإِسْلَام وَالْأَذَان، وأكبر أَصْحَاب الإمبراطور منفريذا مُسلمُونَ ويعلن فِي مُعَسْكَره بِالْأَذَانِ وَالصَّلَاة وَبَين ذَلِك الْبَلَد وَبَين رُومِية خَمْسَة أَيَّام.
قَالَ: وَبعد تَوَجُّهِي من عِنْده اتّفق البابا خَليفَة الفرنج ورندافرنس على قِتَاله، وَكَانَ البابا قد حرمه لميل الإمبرطور إِلَى الْمُسلمين.
وَكَذَلِكَ كَانَ أَخُوهُ وَأَبوهُ محرمين لميلهم إِلَى الْمُسلمين، قَالَ: وَحكى لي أَن مرتبَة الإمبراطور كَانَت قبل فردريك لوالده وَلما مَاتَ كَانَ فردريك شَابًّا وطمع فِي الإمبراطورية جمَاعَة من مُلُوك الفرنج.
وَكَانَ فردريك شَابًّا مَاكِرًا وجنسه من الألمانية، فَاجْتمع بِكُل وَاحِد من الْمُلُوك الطامعين فِي الإمبراطورية بِانْفِرَادِهِ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي لَا أصلح لهَذِهِ الْمرتبَة فَإِذا اجْتَمَعنَا عِنْد البابا فَقل يَنْبَغِي أَن يتقلد الحَدِيث فِي هَذَا الْأَمر ابْن الإمبراطور المتوفي وَمن رَضِي بِهِ فَأَنا رَاض بِهِ فَإِن البابا إِذا رد الِاخْتِيَار إِلَيّ اخْتَرْتُك وقصدي أنتمي إِلَيْك فاعتقدوا صَدَقَة فِي ذَلِك فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْد البابا برومية قَالَ البابا للملوك: مَا تُرِيدُونَ وَمن هُوَ الأحق بِهَذِهِ الْمرتبَة؟ وَوضع تَاج الْملك بَين أَيْديهم فَكل مِنْهُم قَالَ: حكمت فردريك فِي ذَلِك فَإِنَّهُ ولد الإمبراطور فَقَامَ
стр. 604
فردريك وَقَالَ أَنا أَحَق بتاج أبي ومرتبته وَالْجَمَاعَة قد رَضوا بِي، وَوضع التَّاج على رَأسه فأبلسوا كلهم وَخرج مسرعاً وَقد حصل جمَاعَة من الألمانية الشجعان راكبين، وَسَار بهم على حمية إِلَى بِلَاده.
وَاسْتمرّ منفريذا بن فردريك فِي مَمْلَكَته حَتَّى قَصده البابا ورندافرنس بجموعهما فقاتلوه وهزموه وقبضوا عَلَيْهِ وَأمر البابا فذبح منفريذا وَملك بِلَاده بعده رندافرنس سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وسِتمِائَة ظنا.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة فِيهَا: قتل الْملك الْمَنْصُور حسام الدّين لاجين: وثب عَلَيْهِ مماليك صبيان اصطفاهم لَيْلَة الْجُمُعَة حادي عشر ربيع الآخر أول اللَّيْل فَقَتَلُوهُ وَهُوَ يلْعَب بالشطرنج، وَأول ضَارب لَهُ بِالسَّيْفِ كرجي وقصدوا قتل مَمْلُوكه نائبة منكوتمر فأجاره سيف الدّين طغجي الأشرفي مقدم القاتلين، وحبسه فِي الْجب، ثمَّ أخرجه كرجي وَذبح على رَأس الْجب وَعند الصُّبْح جلس طغجي فِي مضع النِّيَابَة وَأمر وَنهى.
وَهُنَاكَ أُمَرَاء أكبر مِنْهُ مثل الحسام استاذ دَار وسلار وبيبرس الجاشنكير فاتفقوا على الوقيعة بطغجي وإعادة ملك مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك النَّاصِر الْمُقِيم بالكرك وَاتفقَ بعد ذَلِك وُصُول الْعَسْكَر المجردين على حلب أَمِير سلَاح وَغَيره، وَأَشَارَ الْأُمَرَاء على طغجي بتلقي أَمِير سلَاح فَامْتنعَ وعاودوه فَأجَاب وَركب من قلعة الْجَبَل واستناب بهَا كرجي قَاتل لاجين فَلَمَّا اجْتمع الْأُمَرَاء لتلقي أَمِير سلَاح تحدثُوا فِي قتل الصّبيان السُّلْطَان وأنكروا مثل ذَلِك ونسبوا ذَلِك إِلَى طغجي وحطوا عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فهرب وأدركوه فَقَتَلُوهُ وقصدوا كرجي بقلعة الْجَبَل فهرب وتبعوه فَقَتَلُوهُ فِي ربيع الآخر مِنْهَا، وَمُدَّة ملك لاجين سنتَانِ وَثَلَاثَة أشهر.
وفيهَا: عَاد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر بن السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور قلاوون إِلَى مَمْلَكَته فَإِنَّهُ بعد مَا ذكرنَا اتّفقت الْأُمَرَاء على ذَلِك، فَتوجه سيف الدّين آل ملك وَعلم الدّين الجاولي إِلَى الكرك وحضرا فِي خدمته وَصعد قلعة الْجَبَل وَاسْتقر على سَرِير ملكه يَوْم السبت رَابِع عشر جمادي الأولى مِنْهَا وَهِي سلطنته الثَّانِيَة، واستناب سلار وَجعل بيبرس الجاشنكير استاذ الدَّار وبكتمر الجوكندار أَمِير خزينة دَار وجمال الدّين أقوش الأفرم نَائِب الشَّام وأفرجوا عَن قرا سنقر من الاعتقال بعد نَحْو سنة وشهرين ثمَّ بعثوا بِهِ إِلَى الصبيبة وجهز تَقْلِيد صَاحب حماه المظفر على عَادَته فِي جمادي الأولى مِنْهَا.
وفيهَا: فِي رَمَضَان الْمُوَافق لحزيران جرد المظفر عَسْكَر حماه إِلَى حلب لتحرك التتر إِلَى الشَّام، وَورد كتاب بلبان الطباخي بتراخي الْأَخْبَار فعادوا من المعرة إِلَى حماه، ثمَّ ورد كِتَابه بطلبهم فاعيدوا يَوْم وصولهم سَابِع عشر رَمَضَان وحزيران.
وفيهَا: يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشر ذِي الْقعدَة توفّي السُّلْطَان الْملك المظفر صَاحب حماه وَتقدم مولده، فعمره إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سنة وَعشرَة أشهر وَسَبْعَة أَيَّام، وَملك حماه خمس عشرَة سنة وشهراً وَيَوْما، قصد جبل علارور المطل على قسطون فِي شدَّة الْحر ليرمي النسْر
стр. 605
من طوير الْوَاجِب، وَعمل كوخاً وَقتل حمارا وانتظر نزُول النسْر على جيفته وَهُوَ بالكوخ، فاتفق نزُول النسْر وَلم يقدر لَهُ رميه، وأنتنت الجيفة فَمَرض، وَمرض الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى.
وَاتفقَ حُضُور الْأَمِير صارم الدّين أزبك المنصوري من التَّجْرِيد بحلب لمَرض زَوجته فلحق السُّلْطَان قبل وَفَاته.
وَاشْتَدَّ بالمظفر الْمَرَض بحمى محرقة حَتَّى توفّي فِي التَّارِيخ رَحمَه الله تَعَالَى، وَحضر بعد وَفَاته إِلَى حماه من حلب أَخُو الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى أَسد الدّين عمر وَبدر الدّين حسن ابْنا الْملك الْأَفْضَل، وَاخْتلفُوا فِيمَن يكون صَاحب حماه فَلم يَنْتَظِم فِي ذَلِك حَال.
ثمَّ إِن قرا سنقر وَهُوَ بالصبية تضور إِلَى الْحُكَّام بِمصْر من الْمقَام بالصبيبة وَقد اتّفق موت صَاحب حماه فَأعْطى قرا سنقر النِّيَابَة بحماه وَوَصلهَا فِي أَوَائِل ذِي الْحجَّة مِنْهَا وَنزل بدار المظفر صَاحب حماه.
قَالَ الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى: وَأخذ من تَرِكَة صَاحب حماه وَمنا أَشْيَاء كَثِيرَة حَتَّى أجحف بِنَا، ووصلت المناشير من مصر باستمرارنا، وغيرنا على مَا بِأَيْدِينَا.
وفيهَا: أرسل بلبان الطباخي عسكراً نهبوا ربض ماردين حَتَّى الْجَامِع وَعمِلُوا الْأَعْمَال الشنيعة الَّتِي احْتج بهَا قازان فِي قصد الشَّام.
وفيهَا: توفّي بدر الدّين بيسري فِي محبسه من حِين حَبسه لاجين.
وفيهَا: سَار مَوْلَانَا السُّلْطَان بعساكر مصر، فَأَقَامَ بِبِلَاد غَزَّة حَتَّى خرجت السّنة.
وفيهَا: توفّي شمس الدّين كريته أحد المقدمين الَّذين دخلُوا بلد سبس وفتحوا مَا ذَكرْنَاهُ.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة: فِيهَا سَار قازان بن أرغون بجموع عَظِيمَة من مغول وكرج ومزندة وَغَيرهم، وَعبر الْفُرَات وَسَار إِلَى حلب ثمَّ إِلَى حماه، ثمَّ نزل وَادي مجمع المروج وَسَار مَوْلَانَا السُّلْطَان بالعساكر وَنزل ظَاهر حمص ثمَّ سَارُوا إِلَى جِهَة الْمجمع.
وَكَانَ سلار والجاشنكير هما المتغلبين على المملكة فطمع الْأُمَرَاء وَلم يكملوا عدَّة جندهم، الْتَقَوْا الْعَصْر من نَهَار الْأَرْبَعَاء سَابِع وَعشْرين ربيع الأول مِنْهَا الْمُوَافق لثالث وَعشْرين كانون الأول قرب مجمع المروج شَرْقي حمص على نصف مرحلة مِنْهَا فَوَلَّتْ ميمنة الْمُسلمين ثمَّ الميسرة وَثَبت الْقلب واحتاطت بِهِ التتر وَجرى قتال عَظِيم وَتَأَخر السُّلْطَان إِلَى جِهَة حمص حَتَّى أدْركهُ اللَّيْل، وتمت الْهَزِيمَة بالعساكر الإسلامية إِلَى مصر وتبعهم التتر واستولوا على دمشق وَسَاقُوا إِلَى غَزَّة والقدس وبلاد الكرك وغنموا من الجفال شَيْئا عَظِيما.
стр. 606
ذكر المتجددات بعد الكسرة
كَانَ قبجق وبكتمر السلحدار والبكي مَعَ قازان مُنْذُ هربوا فَلَمَّا استولى قازان على دمشق أَخذ قبجق لأَهْلهَا ولغيرهم الْأمان من قازان، وَأمر قازان فحوصرت قلعتها والنائب بهَا سيف الدّين أرحواش المنصوري فَصَبر واجتهد وأحرق الدّور والمدارس الَّتِي تَحت القلعة وَدَار السَّعَادَة وأماكن جليلة، وَلما وصل عَسْكَر مصر أنفقت فيهم أَمْوَال جليلة وتأبهوا بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاح.
وَأقَام قازان بمرج الزنبقية ثمَّ عَاد إِلَى الشرق، وَقرر فِي دمشق قبجق فِي عدَّة من المغول، فَلَمَّا بلغ العساكر بِمصْر عود قازان خَرجُوا من مصر فِي الْعشْر الأول من رَجَب مِنْهَا، وَخرج السُّلْطَان إِلَى الصالحية ثمَّ اتَّفقُوا على مقَام السُّلْطَان بالديار المصرية ومسير سلار بيبرس بالعساكر إِلَى الشَّام.
وَكَانَ قبجق وبكتمر السلحدار والألبكي قد كاتبوا الْمُسلمين فِي الْبَاطِن وصاروا مَعَهم، فَلَمَّا خرجت العساكر هرب قبجق وَمن مَعَه وفارقوا التتر إِلَى جِهَة مصر، وَبلغ ذَلِك التتر المجردين بِدِمَشْق فقصدوا الْبِلَاد الشرقية، وَوصل قبجق والألبكي وبكتمر السلحدار إِلَى السُّلْطَان بِمصْر فَأحْسن إِلَيْهِم وَوصل سلار والجاشنكير إِلَى دمشق ورتبا فِي نِيَابَة الشَّام الْأَمِير جمال الدّين أقوش الأفرم على عَادَته ورتبا قرا سنقر بحلب بعد عزل بلبان الطباخي عَنْهَا وإعطائه إقطاعاً بِمصْر ورتباً قطلو بك فِي نِيَابَة السَّاحِل عوض سيف الدّين كرد فَإِنَّهُ اسْتشْهد فِي الْوَقْعَة، ورتبا فِي حماه زين الدّين كتبغا المخلوع الَّذِي كَانَ أعطي صرخد حَتَّى استولى قازان على الشَّام، ثمَّ سَار إِلَى مصر والتتر بِالشَّام.
ثمَّ سَار مَعَ سلار والجاشنكير إِلَى الشَّام فرتباه فِي نِيَابَة حماه فوصل كتبغا حماه فِي رَابِع وَعشْرين شعْبَان مِنْهَا وَأقَام بدار صَاحب حماه المظفر، وَعَاد سلار والجاشنكير إِلَى مصر. وفيهَا: والتتر بِالشَّام استولى على حماه عُثْمَان السبتاري من رجالة القلعة بهَا وَحكم فِي الْبَلَد والقلعة، واستباح الْحَرِيم وأموال أهل حماه وَسَفك دم جمَاعَة مِنْهُم الْفَارِس إرلند مشد حماه وَبَعض أهل الْبَاب الغربي وشارك عُثْمَان فِي الحكم رَفِيقه إِسْمَاعِيل ثمَّ غدر بِهِ فَقتله.
وَانْفَرَدَ عُثْمَان بِحكم حماه، وَقيل أَنه تلقب بِالْملكِ الرَّحِيم وَبَقِي إِلَى أَن طلعت العساكر الإسلامية من مصر وَأَرْسلُوا الصارم أزبك الْحَمَوِيّ إِلَى حماه يكون فِيهَا إِلَى أَن يصل كتبغا فعصى عُثْمَان بالقلعة ثمَّ تخلى عَنهُ أَصْحَابه وَأمْسك واعتقل، وَكَانَ من خزينة دارية قرا سنقر فَلَمَّا وصل قرا سنقر إِلَى حماه مُتَوَجها إِلَى حلب أطلق عُثْمَان وشكى إِلَيْهِ وَهُوَ بتل صفرون أهل حماه مَا فعل عُثْمَان فيهم، فارتشى قرا سنقر من عُثْمَان مَا حصله
стр. 607
وَصَحبه إِلَى حلب وَمَا مكن مِنْهُ أحدا بعد أَن حكم القَاضِي بسفك دم عُثْمَان، وَبَقِي عِنْد قرا سنقر مكرماً إِلَى أَن هرب قرا سنقر إِلَى التتر فاختفى عُثْمَان.
فَلَمَّا ملك الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى حماه تتبع عُثْمَان وَطَلَبه من نَائِب الشَّام الْمقر السيفي يُنكر فأمسكه من بِلَاد عجلون وَأَصله من بلد الشوبك وأرسله إِلَيْهِ معتقلاً فَضرب عُنُقه فِي سوق الْخَيل بِحَضْرَة الْعَسْكَر رَابِع عشر شعْبَان سنة سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة.
وفيهَا: لما وصل قازان إِلَى الشَّام طمع الأرمن فِي الْبِلَاد الَّتِي فتحهَا الْمُسلمُونَ مِنْهُم، وَعجز الْمُسلمُونَ عَن حفظهَا فاحتلها الرجالة والعسكر فارتجعها الأرمن وَهِي حموص وتل حمدون وكويرة وسرفند كار والنقير وَغَيرهَا وَلم يسلم مِنْهَا للْمُسلمين غير حجر شغلان.
وفيهَا: أَو الَّتِي قبلهَا لما ملك دندين بلد الأرمن أفرج عَن أَخِيه هيتوم وَجعله الْملك وَهُوَ بَين يَدَيْهِ، وهيتوم أَعور من حِين سمله أَخُوهُ سنباط وَبعد مُدَّة غدر هيتوم بدندين وجازاه أقبح جَزَاء وَقصد إِمْسَاكه فهرب إِلَى قسطنطينية، وَلما اسْتَقر هيتوم فِي مملكة سيس كَانَ لِأَخِيهِ تروس الَّذِي قَتله سنباط ابْن صَغِير فَأَقَامَ هيتوم هَذَا الصَّغِير ابْن تروس ملكا وَصَارَ أتابكا للصَّغِير وبقيا كَذَلِك حَتَّى قَتلهمَا يرلغي مقدم المغول بالروم.
ثمَّ دخلت سنة سَبْعمِائة فِيهَا: عَادَتْ التتر إِلَى الشَّام وعبروا الْفُرَات فِي ربيع الآخر، وخلت بِلَاد حلب وَسَار قرا سنقر بعسكر حلب إِلَى حماه، وبرز كتبغا وعسكر حماه إِلَى ظَاهر حماه فِي ثَانِي وَعشْرين ربيع الآخر مِنْهَا سادس كانون الأول ووصلت العساكر من دمشق واجتمعوا بحماه وأقامت التتر بِبِلَاد يبرين وسرمين والمعرة وَغَيرهَا ينهبون وَيقْتلُونَ.
وَوصل السُّلْطَان بالعساكر إِلَى العوجاء واشتدت الأمطار والوحل حَتَّى انْقَطَعت الطرقات وتعذرت الأقوات وعجزت العساكرعن الْمقَام على تِلْكَ الْحَال فَعَاد السُّلْطَان إِلَى الديار المصرية، وتنقلت التتر بِبِلَاد حلب نَحْو ثَلَاثَة أشهر ورد الله التتر على أَعْقَابهم بقدرته إِلَى بِلَادهمْ، وعدوا الْفُرَات فِي أَوَاخِر جمادي الْآخِرَة مِنْهَا الْمُوَافق لأوائل آذار، وَعَاد قرا سنقر بعسكر حلب إِلَيْهَا وتراجعت الجفال.
وفيهَا: لما وَردت الْأَخْبَار بِعُود التتر إِلَى الشَّام إستخرج من غَالب الإغنياء بِمصْر وَالشَّام ثلث أَمْوَالهم لاستخدام الْمُقَاتلَة.
وفيهَا: لما خرجت العساكر من مصر توفّي سيف الدّين بلبان الطباخي وَدفن بِأَرْض الرملة وَورثه السُّلْطَان بِالْوَلَاءِ.
وَقلت: وَكَانَ شهماً وأنكى فِي التتر لما انْكَسَرَ الْمُسلمُونَ سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَالله أعلم.
وفيهَا: عزل كراي المنصوري عَن السواحل وَصَارَ بِدِمَشْق أكبر الْأُمَرَاء وَولى السواحل أسندمر الكرجي.
стр. 608
وفيهَا: ألزمت الْيَهُود بِلبْس العمائم الصفر، وَالنَّصَارَى العمائم الزرق، والسامرة الْحمر.
وفيهَا: وصلت رسل قازان برسالة مضمونها الْوَعيد والتهديد فَأَعَادُوا الْجَواب كَذَلِك.
وفيهَا: ولي البكي الظَّاهِرِيّ الَّذِي عَاد من تقفيزه نِيَابَة حمص، وَأعْطِي قبجق الشوبك إقطاعاً وَأقَام بهَا.
وفيهَا: قتل جكا بن بغنة أَخَاهُ تكا.
وفيهَا: جرى بَين جكا ونائبه طيفور قتال، فانتصر طيفور ثمَّ استنجد طيفور بطقطغا فهرب جكا إِلَى الأولاق قوم بِتِلْكَ الْبِلَاد لصهر بَينه وَبينهمْ فغدر بِهِ ملك الأولاق واعتقله بقلعة طربو ثمَّ قَتله وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى القرم وَصَارَت مملكة بغنة لطقطغا.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة: فِيهَا توفّي " الْخَلِيفَة الْحَاكِم بِأَمْر الله " أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد، " قلت ": وَدفن عِنْد السيدة نفيسة، وَكَانَت جنَازَته عَظِيمَة مَشْهُودَة حضرها عَامَّة الدولة وَالنَّاس، وَلم يركب أحد، وخلافته أَرْبَعُونَ سنة وَأشهر وَالله أعلم، وَقرر فِي الْخلَافَة بعده ابْنه أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان المستكفي بِاللَّه.
وفيهَا: جرد من مصر بدر الدّين بكتاش أَمِير سلَاح وأيبك الخزينة دَار بالعساكر فوصلوا حماه وَورد الْأَمر إِلَى كتبغا نَائِب حماه أَن يسير بهم إِلَى بِلَاد سيس فَخرج فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من شَوَّال والعساكر صحبته ودخلوا حلب مستهل ذِي الْقعدَة، ورحلوا ثَالِثَة ودخلوا دربند بغراس سَابِع ذِي الْقعدَة، وانتشروا فِي بِلَاد سيس فأحرقوا الزَّرْع ونهبوا ونزلوا على سيس وزحفوا عَلَيْهَا. قَالَ الْمُؤلف ﵀: وأخذنا من سفح قلعتها شَيْئا كثيرا من جفال الأرمن وعدنا ووصلنا حلب تَاسِع عشر ذِي الْقعدَة مِنْهَا وَدخل زين الدّين كتبغا حماه فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من الشَّهْر وَقد ابْتَدَأَ بِهِ الْمَرَض.
وفيهَا: مَاتَ قبجي بن اردنو بن دوشي خَان بن جنكيز خَان صَاحب غزنة وباميان وَغَيرهمَا، وَترك بنيه بَيَان وكبلك وطقتمر وبغاتمر ومنغطاي وحاصي، فَاخْتَلَفُوا بعده واقتتلوا، ثمَّ انتصر بَيَان بن قبجي، وَاسْتقر فِي ملك غزنة.
وفيهَا: توفّي صَاحب مَكَّة أَبُو نمى مُحَمَّد بن أبي سعد بن عَليّ بن قَتَادَة بن إِدْرِيس بن مطاعن بن عبد الْكَرِيم بن عِيسَى بن حُسَيْن بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن الْحسن بن عَليّ ﵃، وَاخْتلف بنوه وهم رميثة وحميضة وَأَبُو الْغَيْث وعطيفة، فتغلب رميثة وحميضة على مَكَّة شرفها الله تَعَالَى.
ثمَّ قبض بيبرس الجاشنكير على رميثة وحميضة فِي هَذِه السّنة لما حج وتولاها أَبُو الْغَيْث، وَبعد سِنِين أطلق رميثة وحميضة فغلبا على مَكَّة وهرب عَنْهَا أَبُو الْغَيْث، ثمَّ اقتتل رميثة وحميضة، فانتصر حميضة وَاسْتقر فِي مَكَّة، ثمَّ كَانَ مِنْهُ مَا سَيذكرُ.
стр. 609
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسَبْعمائة: فِي الْمحرم مِنْهَا (فتحت جَزِيرَة أرواد) فِي بَحر الرّوم قبالة أنظرسوس قَرِيبا من السَّاحِل اجْتمع فِيهَا كثير من الفرنج وبنوا فِيهَا سوراً تحَصَّنُوا وصاروا يطلعون مِنْهَا ويقطعون الطَّرِيق على المترددين فِي ذَلِك السَّاحِل والنائب بالسَّاحل إِذْ ذَاك استدمر الكرجي فَسَأَلَهُ إرْسَال أسطول إِلَيْهَا فعمرت الشواني وسارت إِلَيْهَا من الديار المصرية فِي بَحر الرّوم ووصلتها فِي الْمحرم، وَجرى قتال شَدِيد وَنصر الله الْمُسلمين وملكوا الجزيرة وَقتلُوا وأسروا جَمِيع أَهلهَا وخربوا أسوارها وعادوا بالأسرى والمغنم.
وفيهَا: عَادَتْ التتر إِلَى قصد الشَّام ونزلوا أزوار الْفُرَات مُدَّة وَسَار مِنْهُم نَحْو عشرَة آلَاف وأغاروا على القرينين ونواحيها، وَكَانَت العساكر قد اجْتمعت بحماه عِنْد كتبغا نائبها وَهُوَ مَرِيض من عوده من سيس مسترخى الْأَعْضَاء فَأرْسل كتبغا جمَاعَة من الْعَسْكَر إِلَى التتر الَّذين أَغَارُوا على القرينين وَمِنْهُم اسندمر نَائِب السَّاحِل وَجَمَاعَة من عَسْكَر حلب وحماه، وَمِنْهُم الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى، وَذَلِكَ فِي سَابِع شعْبَان مِنْهَا.
وَاتَّفَقُوا مَعَ التتر على الكوم قريب عرض يَوْم السبت عَاشر شعْبَان سلخ آذار وصبر الْفَرِيقَانِ ثمَّ انهزم التتر وترجل مِنْهُم جمَاعَة كَثِيرَة وأحاط الْمُسلمُونَ بهم بعد فرَاغ الْوَقْعَة وبذلوا لَهُم الْأمان فَلم يقبلُوا وقاتلوا بالنشاب وَعمِلُوا السُّرُوج ستائر وناوشهم الْعَسْكَر الْقِتَال من الضُّحَى إِلَى انفراك الظّهْر ثمَّ حملُوا فَقَتَلُوهُمْ عَن آخِرهم وَكَانَ هَذَا عنوان النَّصْر الثَّانِي، وعادوا منصورين فوصلوا حماه يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشر شعْبَان ثَانِي نيسان.
وفيهَا: بعد كسرة التتر على الكوم سَارَتْ جموع التتر الْعَظِيمَة صُحْبَة قطلو شاه نَائِب قازان ووصلوا حماه واندفع كتبغا فِي محفة والعساكر الَّذين كَانُوا بحماه بَين أَيْديهم، وَأخر الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى لكشف التتر فوصل التتر حماه يَوْم الْجُمُعَة الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان وشاهدهم الْمُؤلف بِظَاهِر حماه فَسَار وَأعلم كتبغا على القطيفة بِالْحَال، فسارت العساكر الإسلامية إِلَى دمشق ووصلت أَوَائِل المصريين صُحْبَة بيبرس الجاشنكير وَاجْتمعت بمرج الزنبقية ظَاهر دمشق ثمَّ سَارُوا إِلَى مرج الصفر لما قاربهم التتر، وَانْتَظرُوا وُصُول السُّلْطَان وَعبر التتر على دمشق طَالِبين للعسكر ووصلوا إِلَيْهِم عِنْد شقحب بِطرف مرج الصفر وَسَاعَة وُصُول التتر إِلَى الْجَيْش وصل السُّلْطَان بباقي العساكر والتقى الْجَمْعَانِ بعد الْعَصْر نَهَار السبت ثَانِي رَمَضَان مِنْهَا فِي الْعشْرين من نيسان وَاشْتَدَّ الْقِتَال وتكردست التتر على الميمنة اسْتشْهد من الْمُسلمين خلق مِنْهُم رَأس الميمنة الحسام أستاذ الدَّار، وَكَانَ بِرَأْس الميمنة أَيْضا قبجق فَانْدفع هُوَ وَبَاقِي الميمنة بَين أَيدي التتر وَأنزل الله نَصره على الْقلب والميسرة، فهزموا التتر وَكثر الْقَتْل فيهم فولى بعض التتر مَعَ توليه منهزمين، وَتَأَخر بَعضهم مَعَ جوبان، وَحَال اللَّيْل بَين الْفَرِيقَيْنِ فَنزل التتر على جبل بِطرف مرج الصفر وأوقدوا النيرَان وأحاط الْمُسلمُونَ بهم.
وَعند الصَّباح ابتدر التتر الْهَرَب من الْجَبَل وتبعهم الْمُسلمُونَ فَقتلُوا مِنْهُم مقتلة
стр. 610
عَظِيمَة، وتوحل فِي موحلة فِي طريقهم عَالم عَظِيم مِنْهُم، فَأسر بَعضهم وَقتل بَعضهم، وسَاق سلار فِي جمع كثير فِي أسرهم إِلَى القرينين، ووصلوا الْفُرَات وَهُوَ فِي غَايَة الزِّيَادَة فَالَّذِي عبر هلك، وَسَارُوا على جَانب الْفُرَات إِلَى جِهَة بَغْدَاد فَانْقَطع أَكْثَرهم وَمَات جوعا على شاطئ الْفُرَات وَأخذت الْعَرَب مِنْهُم خلقا وَهَذِه بِتِلْكَ وعادت العساكر إِلَى أماكنها.
وفيهَا: لَيْلَة الْجُمُعَة عَاشر ذِي الْحجَّة توفّي زين الدّين " كتبغا " نَائِب حماه من مماليك السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قلاوون الصَّالِحِي رقي حَتَّى تسلطن وتلقب بالعادل وَملك مصر وَالشَّام سنة أَربع وَتِسْعين، ثمَّ خلع وَأعْطِي صرخد سنة سِتّ وَتِسْعين وسِتمِائَة وَجرى لَهُ مَا قدمْنَاهُ عَاد من مرج الصفر إِلَى حماه وَتُوفِّي بعد مُدَّة يسيرَة.
وجهز الْمُؤلف ﵀ يلْتَمس من السُّلْطَان ملك حماه كأهله فَوجدَ قاصده الْأَمر قد فَاتَ وقررت لقبجق الْمُقِيم بالشوبك ووعد الْمُؤلف بحماه وَحصل الِاعْتِذَار بوصول قاصده بعد انْفِصَال الْأَمر فِيهَا.
وفيهَا: توفّي فَارس الدّين البلي الظَّاهِرِيّ النَّائِب بحمص.
وفيهَا: توفّي القَاضِي تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن دَقِيق الْعِيد قَاضِي الْقُضَاة الشَّافِعِيَّة بالديار المصرية إِمَام فَاضل زاهد متقشف، وَولي مَوْضِعه القَاضِي بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة الْحَمَوِيّ.
قلت: وَمَا أحسن قَول ابْن دَقِيق الْعِيد:
(أَتعبت نَفسك بَين ذلة كَادِح ... طلب الْحَيَاة وَبَين حرص مُؤَمل)
(وأضعت عمرك لَا مَسَرَّة ماجن ... حصلت فِيهِ وَلَا وقار مُجمل)
(وَتركت حَظّ النَّفس فِي الدُّنْيَا وَفِي ... الْأُخْرَى ورحت عَن الْجَمِيع بمعزل)
وَقَوله:
(كم لَيْلَة فِيك وصلنا السرى ... لَا نَعْرِف الغمض وَلَا نستريح)
(وَاخْتلف الْأَصْحَاب مَاذَا الَّذِي ... يزِيل عَنْهُم تعباً أَو يرِيح)
(فَقيل تعريسهم سَاعَة ... وَقيل بل ذكراك وَهُوَ الصَّحِيح)
وَقَوله:
(وكافات الشتَاء تعد سبعا ... وَمَالِي طَاقَة بلقاء سبع)
(إِذا ظَفرت بكاف الْكيس كفى ... فَذَلِك مُفْرد يَأْتِي بِجمع)
وَالله أعلم.
وفيهَا: زلزلت الْبِلَاد فانهدم بعض سور قلعة حماه وَغَيرهَا، وَمَات تَحت ردمها بالديار المصرية خلق كثير، وَخَربَتْ من أسوار الْإسْكَنْدَريَّة سِتا وَأَرْبَعين بَدَنَة.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسَبْعمائة: فِيهَا توفّي " قازان " بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن
стр. 611
طلو من جنكيز خَان بنواحي الرّيّ فِي أَوَاخِر السّنة وَملك سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة فملكه نَحْو ثَمَان سِنِين وَعشرَة أشهر، غمه كسر عسكره فَلحقه حمى حادة وَمَات مكموداً.
وَملك بعده أَخُوهُ خربنده وَجلسَ فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة، وتلقب الجايتو سُلْطَان.
قدوم قبجق إِلَى حماه
لما أعْطى قبجق حماه ارتجعت مِنْهُ الشوبك وَكَانَ مُقيما بهَا، وَدخل حماه صَبِيحَة يَوْم السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين من صفر، وَنزل بدار الْملك المظفر واستقرت قدمه بحماه.
وفيهَا: يَوْم الْأَحَد خَامِس جمادي الأولى توفيت عَمه الْمُؤلف رحمهمَا الله تَعَالَى مؤنسة خاتون بنت الْملك المظفر مَحْمُود بن الْمَنْصُور مُحَمَّد بن المظفر تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب وَأمّهَا غازنة خاتون بنت السُّلْطَان الْملك الْكَامِل، ومولد مؤنسة سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة.
عملت بحماه الْمدرسَة الخاتونية بوقف جليل، وَهِي آخر من بَقِي من أَوْلَاد الْملك المظفر.
قلت: وفيهَا فِي الْمحرم توفّي الإِمَام الْقدْوَة الزَّاهِد ولي الله الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن أَحْمد الرقي بِدِمَشْق، وَكَانَت جنَازَته مَشْهُورَة وَحمل على الرؤوس وعاش بضعاً وَخمسين.
كَانَ صَابِرًا على مر الْعَيْش، عَارِفًا بالتفسير والْحَدِيث والأصلين، حسن الْعبارَة، وَله خطب وأشعار فِي الزّهْد، ومولده بالرقة سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة.
وفيهَا: توفّي فِي صفر خطيب دمشق شيخ دَار الحَدِيث زين الدّين عبد الله بن مَرْوَان الفارقي وَله سَبْعُونَ سنة وَالله أعلم.
وفيهَا: خلا غَالب الإصطبلات لمَوْت الْخَيل.
وفيهَا: توجه الْمُؤلف ﵀ لحجة الْإِسْلَام وَحج من مصر سلار وَكثير من الْأُمَرَاء وقفُوا الْإِثْنَيْنِ وَالثُّلَاثَاء احْتِيَاطًا.
وَفِي أواخرها: جرد عَسْكَر مصر وقبجق وقرا سنقر بعسكره حماه وحلب إِلَى بِلَاد سيس، وفتحوا تل حمدون بالأمان وهدموها، وَكَانَ الْمُؤلف بالحجاز.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسَبْعمائة: فِيهَا وصل من الْمغرب كثير صحبتهم رَسُول أبي يَعْقُوب يُوسُف بن يَعْقُوب المريني ملك الْمغرب إِلَى مصر بهدية عَظِيمَة خيل وبغال نَحْو خَمْسمِائَة بسروج ولجم ملبسة بِالذَّهَب الْمصْرِيّ.
وفيهَا: وصل إِلَى مصر صَاحب دنقلة أياي الْأسود بهدية عَظِيمَة رَقِيق وهجن وأبقار ونمور وشب وسباذج، وَطلب نجدة من السُّلْطَان فَجرد مَعَه عسكراً مقدمهم طقصبا نَائِب قوص.
стр. 612
وفيهَا: أُعِيد رميثة وحميضة ابْنا أبي نمى إِلَى ملك مَكَّة.
وفيهَا: توفّي جماز بن شيحة صَاحب الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وملكها بعده ابْنه مَنْصُور.
وفيهَا: وصل الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى حماه فِي عَاشر صفر من الْحَج بعد زِيَارَة الْقُدس الشريف والخليل ﷺ َ -.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَسَبْعمائة: فِي الْمحرم مِنْهَا أرسل قرا سنقر نَائِب حلب مَعَ مَمْلُوكه قشتمر عسكراً إِلَى سيس.
وَكَانَ قشتمر ضَعِيف الْعقل مشتغلاً بِالْخمرِ فاستهان بالعدو فَجمع صَاحب سيس سنباط من الأرمن والفرنج والتتر ووصلوا إِلَى غَزَّة وقاتلوهم قرب إِيَاس فَانْهَزَمَ الحلبيون يبتدرون الطَّرِيق وَقتل مِنْهُم وَأسر غالبهم واختفى من سلم فِي تِلْكَ الْجبَال وَلم يصل إِلَى حلب مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل عُرَاة رجالة.
وفيهَا: قطع خبر بدر الدّين بكتاش أَمِير سلَاح لكبره.
وفيهَا: أفرج عَن الْحَاج بهادر الظَّاهِرِيّ اعتقله لاجين.
قلت: وفيهَا فِي شَوَّال توفّي خطيب دمشق ومحدثها الشَّيْخ شرف الدّين أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن سِبَاع أَخُو الفركاح الْفَزارِيّ وَالله أعلم.
وفيهَا: عصى أهل كيلان فَسَار قطلوشاه نَائِب خربنده لقتالهم، فكبسوه وقتلوه وَجَمَاعَة من المغول.
وفيهَا: أحاطت عَسَاكِر الشَّام بجبال الظنينين المنيعة، وَكَانُوا عصاة مارقين، وترجلوا عَن الْخَيل وصعدوا فِي تِلْكَ الْجبَال من كل جَانب، وَقتلُوا وأسروا جَمِيع من بهَا من النصيرية والظنينين، وَأمنت الطّرق بعدهمْ وَكَانُوا يتخطفون الْمُسلمين ويبيعونهم من الْكفَّار، وَكَانَ الَّذِي أفتى بذلك ابْن تَيْمِية وَتوجه مَعَ الْعَسْكَر.
وفيهَا: استدعي الشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية من دمشق إِلَى مصر وَعقد لَهُ مجْلِس واعتقل بِمَا نسب إِلَيْهِ من التجسيم.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسَبْعمائة: ذكر من ملك فِيهَا من بني مرين، فِيهَا: قتل أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق بن محيو بن حمامة المريني ملك الْمغرب وَهُوَ محاصر تلمسان من سِنِين كَثِيرَة فَلم يبْق عِنْدهم قوت شهر فَفرج الله عَنْهُم بقتْله، وَذَلِكَ أَنه اتهمَ وزيره بحرمه، واتهم زمامه عنبراً بمواطأة الْوَزير على ذَلِك وَأمر بِقَتْلِهِمَا، ومروا بعنبر على الخدام فَقَالَ لَهُم: قد أَمر بقتلي، وسيقتلكم كلكُمْ بعدِي، فهجم بعض الخدام بسكين على أبي يَعْقُوب وَقد خضب لحيته بحناء ونام على قَفاهُ فَضَربهُ فِي جَوْفه وهرب وأغلق الْبَاب عَلَيْهِ فصاحت إمرأة بخدمه فلحقوه وَبِه رَمق فأوصى إِلَى ابْنه أبي سَالم وَمَات.
وَلما جلس سَالم قَصده ابْن عَمه أَبُو ثَابت عَامر بن عبد الله بن يَعْقُوب بن عبد
стр. 613
الْحق، وَقيل أَن أَبَا ثَابت هُوَ عَامر بن عبد الله بن يُوسُف بن أبي يَعْقُوب فَيكون ابْن أخي أبي سَالم لَا ابْن عَمه.
وانضم مَعَ أبي ثَابت يحيى بن يَعْقُوب عَم أبي سَالم فهرب أَبُو سَالم مِنْهُمَا فأرسلا من تبعه وَقَتله وَجَاء بِرَأْسِهِ.
وَملك أَبُو ثَابت منتصف هَذِه السّنة وَأمر بقتل الْخَادِم قَاتل عَمه فَقتل ثمَّ قتل الخدام بأسرهم وألقوا فِي النَّار وأباد كل خَادِم فِي مَمْلَكَته.
ثمَّ وثب أَبُو ثَابت على عَمه يحيى فَقتله ثَانِي يَوْم استقراره ثمَّ سَار إِلَى فاس وَأرْسل مستحفظاً من بني عَمه اسْمه يُوسُف بن أبي عباد إِلَى مراكش ثمَّ خلع يُوسُف الْمَذْكُور طَاعَة أبي ثَابت عَامر الْمَذْكُور وَكَانَ مِنْهُ مَا سَيذكرُ.
وفيهَا: توفّي بدر الدّين بكتاش الفخري أَمِير سلَاح بَين قطع خَبره ووفاته أَرْبَعَة أشهر.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسَبْعمائة: فِي أواخرها بطنجة توفّي أَبُو ثَابت عَامر بن عبد الله بن يُوسُف أبي يَعْقُوب بن يَعْقُوب بن عبد الْحق بن محيو بن حمامة ملك الغرب وَملكه سنة وكسرا. وَملك بعده ابْن عَمه عَليّ بن يُوسُف ثمَّ خلعه الْوَزير وَجَمَاعَة بعد يَوْمَيْنِ، وملكوا سُلَيْمَان بن عبد الله بن يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق بن محيو، فَأعْطى وَأنْفق، وَأطلق المكوس واعتقل عَليّ بن يُوسُف المخلوع بطنجة، وَاسْتقر ملكه.
وفيهَا: قتل يرلغي أحد مقدمي المغول المقيمين بِبِلَاد الرّوم صَاحب سيس هيتوم بن ليفون بن هيتوم بعد أَن ذبح ابْن أَخِيه بروس الصَّغِير على صَدره وَملك بعده أوسين أَخُو هيتوم وَمضى الناق أَخُو هيتوم صُحْبَة يرلغي إِلَى خربنده وشكاه فَأمر خربنده يرلغي فَقتل بِالسَّيْفِ.
قلت: وفيهَا فِي الْخَامِس وَالْعِشْرين من شهر جمادي الأولى توفّي شَيخنَا الْعَارِف الْقُدْرَة ذُو الكرامات عبس بن عِيسَى بن عَليّ بن علوان السرحاوي العليمي وفيهَا نزل كراي المنصوري عَن إقطاعه وَعَن الإمرة وَبَقِي بطالاً حَتَّى أقطعه السُّلْطَان فِيمَا بعد واستنابه بِدِمَشْق.
وفيهَا: توفّي ركن الدّين بيبرس العجمي الصَّالِحِي الجالق آخر البحرية وَقد أسن.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسَبْعمائة: فِيهَا يَوْم السبت الْخَامِس وَالْعِشْرين من رَمَضَان خرج السُّلْطَان من مصر مُتَوَجها إِلَى الْحجاز الشريف وَمَعَهُ أُمَرَاء مِنْهُم عز الدّين أيدمر الخطيري وحسام الدّين قرا لاجين وَسيف الدّين آل ملك وَعِيد بالصالحية، ثمَّ سَار وَوصل الكرك عَاشر شَوَّال ونائبها جمال الدّين أقوش الأشرفي، فاحتفل بسماط وَعبر السُّلْطَان على جسر القلعة والأمراء ماشون بَين يَدَيْهِ والمماليك حول فرسه وَخَلفه فَسقط بهم جسر القلعة
стр. 614
وَقد حصلت يَد فرس السُّلْطَان وَهُوَ رَاكِبه دَاخل عتبَة الْبَاب، وأحس الْفرس بِسُقُوط الجسر فأسرع حَتَّى كَاد يدوس الْأُمَرَاء بَين يَدَيْهِ وَسقط من مماليك السُّلْطَان خَمْسَة وَثَلَاثُونَ وَغَيرهم من أهل الكرك وَلم يهْلك غير مَمْلُوك وَاحِد لَيْسَ من الْخَواص، وَنزل فِي الْوَقْت السُّلْطَان عِنْد الْبَاب وأحضر الجنوبات والحبال وَرفعُوا الَّذين سقطوا وداووهم فصلحوا قَرِيبا وسعادة السُّلْطَان وَللَّه الْحَمد خارقة للعوائد فَإِن هَذَا الجسر يُقَارب ارتفاعه خمسين ذِرَاعا.
وَلما اسْتَقر السُّلْطَان بالكرك أَمر أقوش نائبها والأمراء الَّذين حَضَرُوا مَعَه بِالْمَسِيرِ إِلَى مصر واعلمهم إِنَّه جعل الْحجاز وَسِيلَة إِلَى الْمقَام بالكرك وَسَببه اسْتِيلَاء سلار وبيبرس الجاشنكير على المملكة وَالْأَمْوَال ومحاصرتهما لَهُ بالقلعة وَغير ذَلِك ووصلت الْأُمَرَاء مصر وأعلموا من بهَا بذلك فاتفقوا على سلطنة بيبرس ونيابة سلار كَمَا كَانَ وَركب بيبرس بشعار السلطنة إِلَى الإيوان الْكَبِير بقلة قلعة الْجَبَل وَجلسَ على سَرِير الْملك يَوْم السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال مِنْهَا وتلقب بالمظفر ركن الدّين بيبرس المنصوري وَأرْسل إِلَى الشَّام خلف النواب.
وفيهَا: ملكت الاستبار جَزِيرَة رودس من الأشكري صَاحب قسطنطينية، فصعب على التُّجَّار الْوُصُول فِي الْبَحْر إِلَى هَذِه الْبِلَاد لمنع الاستبار من يصل بِلَاد الْإِسْلَام.
وفيهَا: مَاتَ الْأَمِير خضر بن الْملك الظَّاهِر بيبرس بِبَاب القنطرة جهزه الْأَشْرَف وأخاه إِلَى قسطنطينية فَبَقيَ مُدَّة وَتُوفِّي سلامش هُنَاكَ ثمَّ عَاد خضر وَأقَام بِالْقَاهِرَةِ حَتَّى توفّي.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَسَبْعمائة: فِيهَا وصل من مصر جمال الدّين أقوش الْموصِلِي قتال السَّبع مَمْلُوك لُؤْلُؤ صَاحب الْموصل ولاجين الجاشنكير الزيرتاج فِي ألفي فَارس من مصر وجرد قبجق الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى فِي جمَاعَة من عَسْكَر حماه فَدَخَلُوا حلب يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشر ربيع الآخر الْخَامِس وَالْعِشْرين من أيلول، وَكَانَ النَّائِب بحلب قرا سنقر، وَوصل الْحَاج بهادر الظَّاهِرِيّ فِي جمَاعَة من عَسْكَر دمشق فاستمال قرا سنقر النَّاس إِلَى طَاعَة مَوْلَانَا السُّلْطَان بَاطِنا وَأخذ يقبح عِنْدهم طَاعَة الْملك المظفر بيبرس.
وفيهَا: سَار جمَاعَة من المماليك على حمية إِلَى الكرك وأعلموا السُّلْطَان بِمَا النَّاس عَلَيْهِ من طَاعَته ومحبته فَأَعَادَ خطبَته بالكرك، ووصلته مكاتبات عَسْكَر دمشق يستدعونه، وَكَذَلِكَ مكاتبات حلب فَسَار بِمن مَعَه من الكرك فِي جمادي الْآخِرَة مِنْهَا، وَوصل إِلَى حمان قَرْيَة قربية من رَأس المَال فَعمل أقوش الأفرم عَلَيْهِ وَأرْسل قرا بغا مَمْلُوك قرا سنقر إِلَيْهِ برسالة كذب عَن قرا سنقر وَكَانَ قرا بغا قد وصل إِلَى الأفرم بمكتابة تتَعَلَّق بِهِ خَاصَّة فَأرْسلهُ الأفرم إِلَى السُّلْطَان فَسَار من دمشق ولاقى السُّلْطَان بحماه وأنهى إِلَى السُّلْطَان مَا حمله الأفرم من الْكَذِب الْمُقْتَضِي رُجُوع السُّلْطَان فَظَنهُ السُّلْطَان حَقًا وَرجع إِلَى الكرك فاستدعته العساكر ثَانِيًا وانحلت دولة بيبرس وجوهر بِالْخِلَافِ، وَبلغ ذَلِك العساكر المقيمين بحلب فَسَارُوا بِغَيْر دستور.
стр. 615
وَسَار الْمُؤلف بِمن مَعَه من عَسْكَر حماه بعدهمْ وَلما تحقق السُّلْطَان صدق الطَّاعَة خرج من الكرك ثَانِيًا وسَاق وَخرجت عَسَاكِر دمشق لطاعته وَتَلَقَّتْهُ وهرب الأفرم نَائِب دمشق وَوصل السُّلْطَان دمشق يَوْم الثُّلَاثَاء ثامن عشر شعْبَان مِنْهَا الْمُوَافق لعشرين كانون وهيئت لَهُ قلعة دمشق فَلم ينزل بهَا وَنزل بِالْقصرِ الأبلق وَأرْسل الأفرم يطْلب الْأمان من السُّلْطَان فَأَمنهُ وَقدم إِلَى طَاعَته، وَسَار قبجق من حماه بالعسكر الْحَمَوِيّ واسندمر بعسكر السَّاحِل ووصلوا دمشق وَقدم الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى تقدمة مِنْهَا مَمْلُوكه طقز تمر فقبلها ووعده بحماه وَوصل قبلهم بكتمو أَمِير جندار من صفد، وَلما تكاملت العساكر الشامية عِنْد السُّلْطَان أحضر إِلَى دمشق حواصل الكرك وَأنْفق فِي الْعَسْكَر وَسَار بهم من دمشق يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع رَمَضَان عَاشر شباط، وَبلغ بيبرس نَائِبه سلار ذَلِك فجردا عسكراً ضخماً مَعَ برلغي وَغَيره فَسَارُوا إِلَى الصالحية واقاموا بهَا وبرلغي من أكبر أَصْحَاب بيبرس وَكَانَ الشَّاعِر أَرَادَهُ بقوله:
(فَكَانَ الَّذِي استنصحت أول خائن ... وَكَانَ الَّذِي استصفيت من أعظم العدى)
وَسَار السُّلْطَان بالعساكر والفصل شتاء وَالْخَوْف شَدِيد من الأمطار والوحل فَقدر الله الصحو والدفء حَتَّى وصلوا غَزَّة يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع عشر رَمَضَان فَقدم إِلَى طَاعَته عَسْكَر مصر شَيْئا فَشَيْئًا برلغي وَغَيره بعدة كَثِيرَة من الْعَسْكَر ثمَّ تَتَابَعَت الأطلاب من الْأُمَرَاء والمماليك والأجناد يقبلُونَ الأَرْض ويسيرون صحبته وَلما تحقق بيبرس ذَلِك خلع نَفسه من السلطنة، وَأرْسل بيبرس الدواتدارا وبهادر يطْلب الْأمان وَأَن يُعْطِيهِ أما الكرك أَو حماه أَو صهيون وَأَن يكون مَعَه من مماليكه ثَلَاثمِائَة فَأُجِيب إِلَى مائَة مَمْلُوك وَإِلَى صهيون، وهرب الجاشنكير من قلعة الْجَبَل إِلَى جِهَة الصَّعِيد، وَخرج سلار إِلَى طَاعَة السُّلْطَان، وتلقاه يَوْم الِاثْنَيْنِ التَّاسِع وَالْعِشْرين من رَمَضَان قَاطع بركَة الْحجَّاج وَقبل الأَرْض وَضرب للسُّلْطَان الدهليز بِالْبركَةِ فِي النَّهَار الْمَذْكُور، وَأقَام بهَا يَوْم الثُّلَاثَاء سلخ رَمَضَان وَعِيد يَوْم الْأَرْبَعَاء بِالْبركَةِ، ورحل السُّلْطَان فِي نَهَاره والعساكر المصرية والشامية فِي خدمته وعَلى رَأسه الجتر وَوصل وَصعد قلعة الْجَبَل وَاسْتقر على سَرِير ملكه بعد الْعَصْر من نَهَار الْأَرْبَعَاء مستهل شَوَّال مِنْهَا رَابِع آذار وَهِي سلطنته الثَّالِثَة.
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث شَوَّال الثَّالِث من وُصُول السُّلْطَان سَار سلار من قلعة الْجَبَل إِلَى الشوبك أنعم بهَا عَلَيْهِ وَقطع خَبره من الديار المصرية واستناب السُّلْطَان قبجق بحلب وارتجع مِنْهُ حماه، وَسَار قبجق من مصر يَوْم الْخَمِيس تَاسِع شَوَّال، ورسم لعسكر حماه بِالْمَسِيرِ مَعَه، وَاعْتذر السُّلْطَان للمؤلف ﵀ بِأَنَّهُ إِنَّمَا أخر تَمْلِيكه حماه لمهمات وإشغال تعوقه وَأَنه لَا بُد من إنجاز وعده فَعَاد مَعَ قبجق إِلَى الشَّام، ثمَّ رسم السُّلْطَان للافرم بصرخد فَسَار إِلَيْهَا واستناب قرا سنقر بِالشَّام وَالْحج بهادر الظَّاهِرِيّ بحماه، ثمَّ ارتجعها مِنْهُ وَقَررهُ بنيابة الفتوحات والحصون بعد عزل اسندمر عَنْهَا.
وَكَانَ قد حصل بَين الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى وَبَين اسندمر عَدَاوَة مستحكمة لميله إِلَى
стр. 616
أَخِيه الْأَمِير بدر الدّين حسن، وَقصد ان يعدل بحماه عَنهُ إِلَيْهِ فَلم يُوَافقهُ السُّلْطَان على ذَلِك، فَلَمَّا رأى أَن السُّلْطَان يُعْطي الْمُؤلف تغمده الله برحمته حماه طلبَهَا اسندمر لنَفسِهِ فَمَا أمكن السُّلْطَان مَنعه مِنْهَا، فرسم لَهُ بحماه، وَتَأَخر حُضُوره لأمور اقْتَضَت ذَلِك.
واستناب السُّلْطَان سيف الدّين بكتمر الجوكندار بالديار المصرية وَلما هرب بيبرس الجاشنكير أَخذ مَعَه أَمْوَالًا وخيولاً وَتوجه إِلَى جِهَة الصَّعِيد، وَلما اسْتَقر السُّلْطَان أرسل فارتجع مِنْهُ مَا أَخذ من الخزائن بِغَيْر حق.
ثمَّ قصد بيبرس الْمسير إِلَى صهيون فبرز من أطفيح إِلَى السويس وَسَار إِلَى الصالحية ثمَّ إِلَى العنصر قرب الداروم وَوصل إِلَى قرا سنقر وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى نِيَابَة الشَّام المرسوم بِالْقَبْضِ على بيبرس فَركب قرا سنقر وكبسه وَقبض عَلَيْهِ بِالْمَكَانِ الْمَذْكُور وَعَاد بِهِ إِلَى الحظارة فوصل من عِنْد السُّلْطَان اسندمر الكرجي وتسلمه وَعَاد قرا سنقر إِلَى الشَّام وأوصل اسندمر بيبرس إِلَى قلعة الْجَبَل واعتقل يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر ذِي الْقعدَة مِنْهَا فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ وَمُدَّة ملكه أحد عشر شهرا.
(تفاني الرِّجَال على حبها ... وَمَا يحصلون على طائل)
(قلت) : وَأما سلار فَاشْتَدَّ خَوفه ووجله بالشوبك فنزح إِلَى الْبَريَّة ثمَّ خذل وَأرْسل يطْلب أَمَانًا ليقيم بالقدس فَأُجِيب وَسَاقه حتفه إِلَى الْقَاهِرَة فَأحْضرهُ السُّلْطَان وعاتبه ثمَّ اعتقل وَمنع من الزَّاد حَتَّى مَاتَ جوعا وَفِي أهرائه نَحْو مِائَتي ألف أردب، وَقيل وجد وَقد أكل خفه، وَكَانَ من التتار العويرامية وَمَات فِي جمادي الأولى سنة عشر وَسَبْعمائة، ووقفت على مسودة بِمَا وجد فِي دَاره من صناديق ضمنهَا جَوَاهِر وفصوص مَاس ولآلىء كبار ومصاغ وعقود وقناطير مقنطرة ذَهَبا وَفِضة وسروج مزركشة وأقمشة وَعدد وخيل وجمال وَغير ذَلِك مِمَّا يفوت الْحصْر وَالله أعلم.
وفيهَا: غلب بَيَان بن قبجي على مملكة أَخِيه كتلك وَاتفقَ موت كتلك عقيب ذَلِك فاستنجد ابْنه قشتمر وطرد عَمه ببان وَاسْتقر فِي ملك أَبِيه كتلك، وَقيل أَن الَّذِي طرد ببان هُوَ أَخُوهُ منغطاي بن قبجي.
وفيهَا: وَردت الْأَخْبَار أَن الفرنج قصدُوا نصر بن مُحَمَّد بن الْأَحْمَر ملك غرناطة بالأندلس فاستنجد بِسُلَيْمَان المريني صَاحب مراكش واقتتلوا قرب غرناطة فَقتل من الْفَرِيقَيْنِ عَالم عَظِيم ثمَّ هزم الله الفرنج.
وفيهَا: تزوج خربنده ملك التتر بنت الْملك الْمَنْصُور غَازِي بن قرا أرسلان صَاحب ماردين وحملت إِلَى الأردو.
قلت: وَهَذَا آخر مَا وقف عَلَيْهِ الْمُؤلف رَحمَه الله تَعَالَى فِيمَا علمت، وَمن هُنَا شرعت فِي التذييل عَلَيْهِ فَقلت: وفيهَا أعَاد السُّلْطَان قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين سُلَيْمَان بن حَمْزَة
стр. 617
الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ إِلَى الْقَضَاء بِدِمَشْق وخلع عَلَيْهِ وَكَانَ قد عَزله الجاشنكير من نَحْو ثَلَاثَة أشهر بشهاب الدّين بن الْحَافِظ.
وفيهَا: هَاجَتْ القيسية واليمانية بحوران على عَادَتهم وحشدوا وَبَلغت المقتلة قرب السويدا نَحْو ألف نفس. وفيهَا: توفّي شمس الدّين سنقر الأعسر من أَعْيَان الْأُمَرَاء ذَوي السطوة ولي الشد بِالشَّام والوزارة بِمصْر.
ثمَّ دخلت سنة عشر وَسَبْعمائة: فِيهَا وصل أسندمر إِلَى حماه نَائِبا عَلَيْهَا وعَلى المعرة وَتعرض إِلَى أَمْوَال النَّاس.
وفيهَا: صرف ابْن جمَاعَة عَن قَضَاء الديار المصرية، وَولي مَكَانَهُ جمال الدّين الزرعي، وَصرف شمس الدّين السرُوجِي، وَطلب القَاضِي شمس الدّين بن الحريري فولي قَضَاء الْحَنَفِيَّة بالديار المصرية فَتوفي السرُوجِي الْمَذْكُور بعد أَيَّام قَليلَة.
وفيهَا: مَاتَ بطرابلس نائبها الْحَاج بهادر الْحَمَوِيّ وَقد كبر وَمَات بحلب نائبها سيف الدّين قبجق المنصوري بالإسهال وَنقل إِلَى تربته بحماه ثمَّ نَاب بحلب أسندمر فَسَار فِي حلب بسترته فِي حماه.
وفيهَا: استناب السُّلْطَان بحماه عماد الدّين إِسْمَاعِيل بن الْملك الْأَفْضَل عَليّ بن المظفر مَحْمُود صَاحب حماه.
قلت:
(وفاز الْمُؤَيد فِي يَوْمه ... بِمَا كَانَ يرجوه فِي أمسه)
(وَكم قد شكى الحيف من دهره ... فأنصفه الدَّهْر من نَفسه)
وفيهَا: تحول الأفرم من صرخد إِلَى نِيَابَة طرابلس.
وفيهَا: فِي رَمَضَان توفّي بتبريز الشَّيْخ قطب الدّين مَحْمُود بن مَسْعُود الشِّيرَازِيّ صَاحب التصانيف وَهُوَ فِي عشر الثَّمَانِينَ، كَانَ غزير الْعلم وَاسع الصَّدْر، حسن الْأَخْلَاق وجيهاً عِنْد التتر وَغَيرهم.
قلت:
(لقد عدم الْإِسْلَام حبرًا مبرزاً ... كريم السجايا فِيهِ مَعَ بعده قرب)
(عجبت وَقد دارت رَحا الْعلم بعده ... وَهل للرحا دور وَقد عدم القطب)
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى عشرَة وَسَبْعمائة: فِي أَولهَا نقل قرا سنقر من دمشق إِلَى نِيَابَة حلب وَولي نِيَابَة دمشق كراي المنصوري.
وَكَانَ شَيخنَا صدر الدّين بن الْوَكِيل قد انْتقل من دمشق إِلَى حلب خوفًا من قرا سنقر فَلَمَّا وصل قرا سنقر إِلَى الْعين الْمُبَارَكَة بِالْقربِ من حلب خرجنَا مَعَ الشَّيْخ للقاء قرا سنقر
стр. 618
فَأقبل عَلَيْهِ، وشكى إِلَى صدر الدّين من الدماشقة، فَقَالَ صدر الدّين: أَنا رجل لست من دمشق وَإِنَّمَا أَنا من أهل الْمغرب وهنأه الشَّيْخ صدر الدّين بقصيدة جَيِّدَة أَولهَا:
(هَب النسيم فَعَاشَ من نفحاته ... وسرى سمير الْبَرْق فِي لمحاته)
(يطوي إِلَى حلب الفلا والشوق ... كل رِدَائه والوجد بعض حداته)
(مَا لَاحَ برق بالعواصم سَاطِع ... إِلَّا حَكَاهُ الْقلب فِي خفقاته)
(حَيا الحيا حَيا بمنعرج اللوى ... بانوا فَبَان الصَّبْر عَن باناته)
(حيوا على الْوَادي فأحيوا مَيتا ... مضنى قَتِيل ظبائه وظباته)
(يَا سعد ساعدني وَكن لي مخبرا ... فَالْخَبَر عز عَن الكئيب بِذَاتِهِ)
(هاتيك للساري تشب على الغضا ... أم ذَاك نور لَاحَ فِي مشكاته)
(أم هَذِه حلب بنائبها أشرقت ... شمس الممالك من سما بصفاته)
(شمس سما فَوق السماك مَحَله ... وسبى سناه الْبَدْر فِي هالاته)
(بِالسَّيْفِ والقلم ارْتقى فمضاء ذَا ... لعداته وَمضى ذَا لعداته)
(مَا الْبَحْر من نظرائه وكفاته ... بل ذَاك من وكفاته وكفاته)
(فالعلم بَين بَيَانه وبنانه ... والحلم من أدواته ودواته)
(وَحَدِيث كل الْجُود عِنْد مُسْند ... متواتر قد صَحَّ عِنْد وَرُوَاته)
(يروي فيروي كل ظمآن الحشا ... فَالنَّاس بَين رُوَاته وَرُوَاته)
(يَا مَالك الْأُمَرَاء بل يَا شمسهم ... يَا من أَضَاء الْكَوْن من بهجاته)
(قد كَانَ فِي حلب وَفِي سكانها ... شَرق إِلَيْك يشب فِي لفحاته)
(يبكي لغيبتك السَّحَاب وروضها ... يَرْجُو اللقا فافتر ثغر نَبَاته)
(وتمايلت أَغْصَانهَا طَربا وَقد ... غنى الْحمام ورن فِي باناته)
(وأتيتها بِالْعَدْلِ تشرق ربعهَا ... وتزيل ظلما زَاد فِي ظلماته)
(فتباشرت سكانها وربوعها ... ودعوا لمَالِكهَا على عوداته)
(النَّاصِر الْمَالِك الَّذِي خجل الحيا ... من جوده وَاللَّيْث من سطواته)
(إسكندر الدُّنْيَا وكسرى عصره ... لَو عَاشَ تبع مَاتَ من تبعاته)
(من اطد الدُّنْيَا وَسكن بِيَدِهَا ... أَو ضم بَيت الْملك بعد شتاته)
(تشتاقه بَغْدَاد وَهِي عروسه ... خطبَته واشتاقت إِلَى خطباته)
(فَالله ينصره ويحرس ملكه ... ويمتع الدُّنْيَا بطول حَيَاته)
وفيهَا: فِي ربيع الآخر أُعِيد ابْن جمَاعَة إِلَى قَضَاء الديار المصرية وتقرر المزرعي المصروف قَضَاء الْعَسْكَر.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى عزل كراي عَن نِيَابَة دمشق وَقيد وَحبس هُوَ وقطلو بك نَائِب صفد بالكرك وَقبض قبلهمَا على أسندمر من حلب، وسجن بالكرك وَفَرح النَّاس بنكبته فَرحا شَدِيدا ثمَّ نَاب بِدِمَشْق جمال الدّين أقوش الأشرفي الَّذِي يعرف بنائب الكرك.
стр. 619
وفيهَا: توفّي الْحَافِظ البارع قَاضِي الْقَضَاء سعد الدّين مَسْعُود بن أَحْمد الْحَارِثِيّ الْحَنْبَلِيّ بِمصْر.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْ وَعشرَة وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي أَولهَا تسحب من دمشق عز الدّين الزردكاش وبلبان الدِّمَشْقِي وأمير ثَالِث إِلَى الأفرم نَائِب طرابلس ثمَّ ساقوا بمماليكهم إِلَى قرا سنقر المنصوري وَكَانَ قد سبقهمْ وَأقَام بالبرية فِي ذمام مهنا بن عِيسَى ملك الْعَرَب فاحتيط على أَمْوَالهم وأملاكم ثمَّ عبروا الْفُرَات إِلَى خربنده ملك التتر فاحترمهم وَأَقْبل عَلَيْهِم.
وفيهَا: مَاتَ صَاحب ماردين الْملك الْمَنْصُور غَازِي بن المظفر قرا أرسلان الأرتقي فِي عشر السّبْعين ودولته نَحْو عشْرين سنة.
ملك بعده ابْنه عَليّ، فَعَاشَ بعده سَبْعَة عشرَة يَوْمًا وَمَات، فَملك أَخُوهُ الْملك الصَّالح.
وفيهَا: أمسك من حمص نائبها بيبرس العلائي، وَمن دمشق بيبرس الْمَجْنُون وبيبرس التاجي وطوغان وَسيف الدّين كشلي والبرواني وحبسوا بالكرك وَأمْسك بِمصْر جمَاعَة.
وفيهَا: فِي ربيع الأول طلب إِلَى مصر أقوش الكركي نَائِب دمشق.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر قدم ملك أُمَرَاء سيف الدّين تنكز الناصري نَائِبا بِالشَّام وَحضر يَوْم الْجُمُعَة بالجامع الْأمَوِي وأوقد لَهُ الشمع، وَولي نِيَابَة مصر بعده سيف الدّين أرغون الدواتدار الناصري.
وفيهَا: فِي أَوَائِل رَمَضَان قويت أراجيف مَجِيء التتر وأجفل النَّاس ونازل خربنده بجيوشه الرحبة فحاصروها ثَلَاثُونَ يَوْمًا ورموها بالمجانيق وَأخذُوا فِي النقوب، ثمَّ أَشَارَ رشيد الدولة على خربنده بِالْعَفو عَن أَهلهَا وَأَشَارَ عَلَيْهِم بالنزول إِلَى خدمَة الْملك فَنزل قاضيها وَجَمَاعَة وأهدوا لخربنده خَمْسَة أَفْرَاس وَعشرَة أباليج سكر، فحلفهم على الطَّاعَة لَهُ ورحل عَنْهُم.
واما أهل الشَّام فجفلوا من كل جَانب لتأخر الجيوش المنصورة عَنْهُم يَسِيرا لأجل ربيع خيلهم، ثمَّ جَاءَت الْأَخْبَار فِي آخر رَمَضَان برحيل التتر وَحصل الْأَمْن وَضربت البشائر وَأما السُّلْطَان فَأَنَّهُ عيد سَار فوصل دمشق فِي الثَّالِث وَالْعِشْرين من شَوَّال، وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وَنزل بالقلعة ثمَّ بِالْقصرِ وَصلى الْجُمُعَة وَعمل دَار الْعدْل بِحُضُور الْقُضَاة وَكثر الدُّعَاء لَهُ، وَفِي ذِي الْعقْدَة توجه السُّلْطَان إِلَى الْحَج.
وفيهَا: مَاتَ طقطقاي ملك القفجاق وَله ثَلَاثُونَ سنة وَجلسَ على السرير وَهُوَ ابْن سبع سِنِين مَاتَ كَافِرًا يعبد الْأَصْنَام، وَكَانَ يحب أهل الْخَيْر من كل مِلَّة ويرجح الْمُسلمين وَيُحب الْحُكَمَاء وجيوشه كَثِيرَة جدا وَقع بَينه وَبَين أَعدَاء لَهُ حَرْب فَجرد من كل عشرَة وأحداً فبلغت عدَّة المجردين مِائَتي ألف فَارس وَخمسين ألف فَارس.
стр. 620
وَكَانَ لَهُ ابْن بديع الْحسن، وَنوى إِن ملك الْبِلَاد أَن لَا يتْرك فِي مَمْلَكَته غير الْإِسْلَام فَمَاتَ فِي حَيَاة وَالِده وَترك ولدا وعهد إِلَيْهِ جده فَلم يتم أمره، وَملك بعده أزبك خَان ابْن أَخِيه وَهُوَ شَاب مُسلم شُجَاع متسع المملكة مسيرتها سِتَّة أشهر لَكِن مدائنها قَليلَة.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة: فِيهَا وصل السُّلْطَان من الْحجاز فِي حادي عشر الْمحرم وَصلى بِجَامِع دمشق جمعتين ثمَّ سَار إِلَى مصر.
وفيهَا: كَانَ روك اقطاعات الجيوش المنصورة.
وفيهَا: توفّي بحلب المعمر عَلَاء الدّين بيبرس التركي العديمي، وَقد نَيف على السّبْعين.
ثمَّ دخلت سنة أَربع عشرَة وَسَبْعمائة: فِي رَجَب مِنْهَا توفّي بحلب نائبها سيف الدّين سودى، وَكَانَ مشكور السِّيرَة وَدفن بالْمقَام وبنيت عَلَيْهِ تربة ورتب عَلَيْهِ قراء وَمَا يَلِيق بِهِ.
وَفِيه: توفّي بهاء الدّين عَليّ بن أبي سوَادَة صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء بحلب وَله نظم ونثر متوسط وينسب إِلَى التَّشَيُّع.
وَفِيه: توفّي محيي الدّين مُحَمَّد بن أبي حَامِد بن الْمُهَذّب المعري نَاظر بَيت المَال بحلب فَجْأَة وبيتهم بالمعرة بَيت كَبِير خرج مِنْهُم فضلاء وقراء وعلماء ومؤرخون وشعراء، وَكَانَ جدهم الْمُهَذّب بن مُحَمَّد بَدَلا من الأبدال فِيمَا يذكر.
وفيهَا: ولى بحلب بعد سودى الْأَمِير عَلَاء الدّين الطنبغا الصَّالِحِي الْحَاجِب، فانتفعت بِهِ حلب وبلادها، وَعمر جَامعه بالميدان الْأسود، وَنقل إِلَيْهِ أعمدة عَظِيمَة من قورس، وعمرت بِسَبَب هَذَا الْجَامِع أَمَاكِن كَثِيرَة حوله.
وفيهَا: فِي رَجَب مَاتَ بِمصْر شيخ الْحَنَفِيَّة رشيد الدّين إِسْمَاعِيل بن عُثْمَان بن الْمعلم وَقد كَانَ عرض عَلَيْهِ قَضَاء دمشق فَامْتنعَ. قلت:
(أَقْسَمت بِاللَّه لقد كَانَ فِي ... ترك الرشيد الحكم رَأس سديد)
(ففاز من حجر عَظِيم وَهل ... يرضى بِضَرْب الْحجر وَهُوَ الرشيد)
وفيهَا: قدم سُلْطَان جيلان شمس الدّين دوباح ليحج فَمَاتَ بقباقب من نَاحيَة تدمر وَنقل فَدفن بقاسيون، وعملت لَهُ تربة حَسَنَة وعاش أَرْبعا وَخمسين سنة، وَهُوَ الَّذِي رمى خطلو شاهبسهم فَقتله وَانْهَزَمَ التتر وَهلك خطلو شاه على كفره وَهُوَ مقدم الْعَدو فِي ملحمة شقحب.
ثمَّ دخلت سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي أَولهَا سَار ملك الْأُمَرَاء سيف الدّين تنكز بِجَيْش دمشق وتقدمه سِتَّة آلَاف من عَسْكَر مصر إِلَى حلب ثمَّ سَار من حلب لغزو ملطية فصبحوها يَوْم الْحَادِي وَالْعِشْرين من الْمحرم وَإِذا أهل ملطية قد تهيؤا للحصار وَالدَّفْع
стр. 621
عَن أنفسهم فَلَمَّا عاينوا كَثْرَة الجيوش المحمدية خرج القَاضِي والوالي فِي جمَاعَة يطْلبُونَ الْأمان على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ فَأَمنَهُمْ ملك الْأُمَرَاء دون النَّصَارَى.
ثمَّ دخل الْعَسْكَر ملطية، وَقتلُوا بهَا خلقا من النَّصَارَى، وَسبوا ونهبوا، وتعدى الْأَذَى من أوباش الْجَيْش إِلَى الْمُسلمين، ثمَّ إلقيت فِيهَا النَّار وَخرب من سورها، ثمَّ سَارُوا بعد ثَلَاث بالغنائم، وَقَطعُوا الدربند، وَضربت البشائر وزينت الْبِلَاد.
وفيهَا: فِي الْمحرم مَاتَ بالموصل عَالم تِلْكَ الأَرْض السَّيِّد ركن الدّين حسن بن مُحَمَّد بن شرفشاه الْحُسَيْنِي الإستراباذي صَاحب التصانيف وَكَانَ ابْن سبعين سنة.
وفيهَا: فِي شعْبَان سَار شطر جَيش حلب لحصار قلعة عرقينة من أَعمال آمد فتسلموها بالأمان بِلَا كلفة، وَقتلُوا بهَا طَائِفَة، وسلخ أَخُو مندوه وعلق على القلعة وأغار الْعَسْكَر على قوى الأرمن والأكراد وَرَجَعُوا سَالِمين بالمكاسب.
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة وَكنت مُقيما بِدِمَشْق توفّي فَجْأَة قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين سُلَيْمَان بن حَمْزَة الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ وَله ثَمَان وَثَمَانُونَ سنة، وَكَانَ مُسْند الشَّام فِي وقته، حسن الْوَجْه مَحْبُوب الشكل طيب الأَصْل رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: فِي سادس جمادي الْآخِرَة توفّي بهاء الدّين عبد السَّيِّد كَانَ ديان الْيَهُود بِدِمَشْق فَأسلم هُوَ وَأَوْلَاده وَحسن إِسْلَامه.
قلت:
(وَعمر إِسْلَامه بَيته ... وَخرب أَبْيَات أخصامه)
(وأحزن ذَلِك حزانهم ... وأفرح مُوسَى باسلامه)
ثمَّ دخلت سنة سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة: فِي الْمحرم مِنْهَا تكملت تَفْرِقَة المثالات بالإقطاعات بعد الروك وأبطل السُّلْطَان بعض المكوس بالديار المصرية.
وفيهَا: فِي ثَانِي عشر الْمحرم توفّي الشَّيْخ نَاصِر الدّين أَبُو بكر الْمَعْرُوف بِابْن السلار فَاضل شَاعِر حسن الْعبارَة من بَيت إِمَارَة.
وفيهَا: فِي سادس عشر صفر قرئَ تَقْلِيد الإِمَام الزَّاهِد قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن مُسلم بِقَضَاء الْحَنَابِلَة بِدِمَشْق بعد وَفَاة القَاضِي تَقِيّ الدّين بِنصْف شهر واستناب شرف الدّين بن الْحَافِظ الْمَقْدِسِي.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر قدم الْأَمِير فضل بن عِيسَى أَخُو مهنا إِلَى دمشق وَمَعَهُ مرسوم ان يكون عوضا عَن أَخِيه مهنا فِي إمرة الْعَرَب بِسَبَب دُخُول مهنا مَعَ قرا سنقر إِلَى بِلَاد التتر.
وفيهَا: فِي آخر ربيع الآخر بَاشر قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين بن صصري مشيخة الشُّيُوخ بِدِمَشْق عِنْد الصُّوفِيَّة بالسميساطية اخْتَارَهُ الصُّوفِيَّة وسألوا تَوليته عَلَيْهِم.
стр. 622
وفيهَا: فِي رَمَضَان توفّي الشَّيْخ الإِمَام محب الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن تَقِيّ الدّين أبي الْفَتْح مُحَمَّد بن مجد الدّين عَليّ بن وهب الْمَعْرُوف بِابْن دَقِيق الْعِيد بِالْقَاهِرَةِ، وَدفن عِنْد وَالِده بالقرافة وَهُوَ زوج ابْنه الإِمَام الْحَاكِم بِأَمْر الله أَمِير الْمُؤمنِينَ رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: فِي شَوَّال توفيت وَالِدَة الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية، وَهِي سِتّ النعم بنت عَبدُوس الحرانية، ولدت تِسْعَة بَنِينَ وَلم ترزق بِنْتا وَكَانَت صَالِحَة خيرة.
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة وصل بكتمر الْحَاجِب منعماً عَلَيْهِ بعد السجْن وَتوجه إِلَى نِيَابَة صفد وَنقل قَاضِي صفد حسام الدّين القرمي إِلَى قَضَاء طرابلس وَتَوَلَّى قَضَاء صفد شرف الدّين بن جلال الدّين النهاوندي.
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة وصلت الْأَخْبَار " بِمَوْت خربنده " واسْمه خربنده مُحَمَّد بن أرغون بن أبغا بن هولاكو، ملك الْعرَاق وخراسان وعراق الْعَجم وَالروم وأذربيجان والبلاد الأراثية وديار بكر، وَجَاوَزَ الثَّلَاثِينَ من الْعُمر، وَكَانَ مغرى بالهو وَالْكَرم والعمارة، أَقَامَ سنة فِي أول ملكه سنياً ثمَّ ترفض إِلَى أَن مَاتَ وَجَرت فتن فِي بِلَاده بِسَبَب ذَلِك وَدفن فِي مدينته الَّتِي أَنْشَأَهَا السُّلْطَانِيَّة الغياثية.
وفيهَا: فِي ذِي الْعقْدَة أَيْضا توفّي بِدِمَشْق نجم الدّين بن البصيص الْمُقدم فِي الْكِتَابَة كتب النَّاس نَحْو خمسين سنة وَله شهر وأخلاق حميدة.
وفيهَا: وصلت الْأَخْبَار باستقرار أبي سعيد بن خربنده فِي مملكة وَالِده وعمره إِحْدَى عشرَة سنة ران أَرْبَاب دولتهم مصادرون مطلوبون بالأموال، وَأَن خربنده سم وَقتل جمَاعَة مِمَّن اتهمَ بذلك من الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَتَوَلَّى تَدْبِير الدولة والجيوش الْأَمِير جوبان، وَاسْتمرّ فِي الوزارة عَليّ شاه التبريزي وَوصل الْخَبَر فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور أَن الْأَمِير حميضة بن أبي نمى الحسني الْمَكِّيّ كَانَ قد لحق بخربنده وَأقَام فِي بِلَاده أشهراً وَطلب مِنْهُ جَيْشًا يَغْزُو بهم مَكَّة وساعده جمَاعَة من الرافضة على ذَلِك فجهزوا لَهُ جَيْشًا من خُرَاسَان واهتموا بذلك فَقدر الله موت خربنده وَبَطل ذَلِك وَفَرح الْمُسلمُونَ بِمَوْتِهِ وبإهانة ... فِي بِلَاده، وعادت الْخطب يذكر الشَّيْخَيْنِ ... فَلَقَد كَانَ أهل السّنة بِهِ فِي غم شَدِيد، وَجَرت فتن وحروب بِسَبَب ذَلِك بأصفهان وبغداد وإربل وَغَيرهَا.
ثمَّ أَن مُحَمَّد بن عِيسَى أَخا مهنا وَقع على حميضة فقهره وَأخذ مَا مَعَه من الْأَمْوَال والأغنام وَغَيرهَا، ودشر حميضة وَمن كَانَ مَعَه من أَعْيَان دولة التتر وَكَانَ مُحَمَّد بن عِيسَى بِبِلَاد التتر خَارِجا عَن طَاعَة السُّلْطَان فابيض وَجهه بِهَذِهِ الْوَاقِعَة وَحضر فَأكْرمه السُّلْطَان.
وفيهَا: فِي أواخرها توفّي شَيخنَا صدر الدّين مُحَمَّد بن زين الدّين عُثْمَان وَكيل بَيت المَال العثماني بِالْقَاهِرَةِ شيخ الْفُنُون والعلوم وبحر المنثور والمنظوم كَانَ حسن الشكل وافر الْفضل وَمَعَ فضائله التَّامَّة قَرِيبا إِلَى الْعَامَّة، إِن تكلم فِي الْفِقْه فبحر زاخر أَو فِي الطِّبّ فطبيب ماهر أَو فِي النَّحْو أَحْيَا سِيبَوَيْهٍ، أَو فِي الحَدِيث فالمعول عَلَيْهِ أَو فِي الْأُصُول فَهُوَ
стр. 623
الإِمَام أَو فِي الْأَدَب فالحارث بن همام، أَو فِي الْجد أسَال المدامع أَو الْهزْل أذهل السَّامع حفظ المقامات فِي مُدَّة قَصِيرَة وديوان المتنبي فِي أَيَّام يسيرَة، وحرص على الْعلم وتعب وخلط جدا بلعب، ثمَّ هجر الأوطان واتصل بالسلطان وأكب فِي آخر عمره على تَحْقِيق الْعُلُوم وَتَعْلِيمهَا والأعمال بخواتيمهما، وَله موشحات مأثورة وأشعار مَشْهُورَة.
مِنْهَا:
(أَعنِي على مَا دهاني أَعنِي ... فَإِنِّي بليت بِظَبْيٍ أغن)
(جنى إِذْ جنيت جنا وجنتيه ... فباللحظ يجني وباللحظ أجني)
(إِذا قلت ثغرك صن باللثام ... يَقُول سيحميه صارم جفني)
(وَإِن قلت قد عَاد سيف الجفون ... كليلاً يَقُول عِذَارَيْ مني)
ثمَّ دخلت سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة: فِي الْمحرم مِنْهَا توفّي الشَّيْخ عَليّ الختني الشَّافِعِي الْمُحدث الصَّالح، كَانَ كثير الِاشْتِغَال والفضيلة رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: فِي صفر شرع فِي عمَارَة جَامع ظَاهر دمشق خَارج بَاب النَّصْر قبالة حكر السماق بمرسوم السُّلْطَان وَحضر الْقُضَاة لتحرير قبلته.
وفيهَا: فِي صفر كَانَ سيل ببعلبك خرب سور الْبَلَد وحائط الْجَامِع وَذَلِكَ مَعَ رعد عَظِيم، وَخرب فَوق ثلث الْبَلَد وَعدم تَحت الرَّدْم خلق كثير وَعظم النّدب والعويل فِي أقطار الْبَلَد وَمن لطف الله تَعَالَى مَجِيئه نَهَارا، وَوجد الشَّيْخ عَليّ بن مُحَمَّد بن الشَّيْخ عَليّ الحريري غريقاً فِي الْجَامِع مَعَ خلق وَكَانَ يَوْمًا عَظِيما وَلَقَد أخبر الثقاة أَنه نزل من السَّمَاء عَمُود عَظِيم من نَار أَوَائِل السَّيْل ورؤي من الدُّخان وَسمع من الصرخان فِي الأكوان أَمر عَظِيم كَاد يشق الْقُلُوب.
قلت:
(سيل طَغى فِي بعلبك وراعد ... ولهيب نَار ثار للتعذيب)
(فلئن تركب ثمَّ مازج سورها ... فلبعلبك المزج فِي التَّرْكِيب)
وفيهَا: فِي ربيع الأول توفّي الْفَقِيه الْمقري شهَاب الدّين أَحْمد الرُّومِي أَمَام الْحَنَفِيَّة بِجَامِع دمشق بنى على الشّرف زَاوِيَة حَسَنَة نزهة، وَكَانَ فِيهِ حسن تلقي وأعانة للضعيف.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة خلص بهادر من سجن الكرك وَحمل إِلَى الْقَاهِرَة مكرماً ففرح النَّاس بِهِ فَإِنَّهُ كثير الصَّدقَات وافر الْعقل.
وَفِيه: توفّي بدر الدّين أَبُو الْقَاسِم أَخُو الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية، وَكَانَ فَقِيها سَاكِنا قَلِيل الشَّرّ رَحمَه الله تَعَالَى.
وَفِيه: توفّي قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق جمال الدّين أَبُو عبد الله الزواوي الْمَالِكِي.
وفيهَا: أبطلت الْخُمُور وَالْفَوَاحِش بالسواحل وأبطلت مكوس كَثِيرَة ففرح الْمُسلمُونَ بذلك وتوفرت الْأَدْعِيَة للسُّلْطَان أعز الله نَصره.
стр. 624
وفيهَا: رسم السُّلْطَان أَن يعمر بِبِلَاد النصيرية فِي كل قَرْيَة مَسْجِدا ويمنعوا من الْخطاب.
وفيهَا: اجْتمع إِلَى ماردين قفل كَبِير تجار وجفال من الغلا وقصدوا الشَّام فَلَمَّا وصلوا إِلَى خَان التَّاجِر أدركتهم فرقة من التتر من أُمَرَاء سوتاي النَّائِب بديار بكر إِلَى حُدُود الْعرَاق وَاحْتَجُّوا عَلَيْهِم بحجج وصاروا كلما أَمْسكُوا مِنْهُم جمَاعَة أبعدوا بهم وقتلوهم فَأكْثر الْبَاقُونَ الصُّرَاخ فَمَال التتر عَلَيْهِم بالنشاب حَتَّى قتلوا الْجَمِيع وَبَقِي من أَوْلَاد الجفال نَحْو سبعين صَبيا فَقَالُوا: من يقتل هَؤُلَاءِ منا فَقَتلهُمْ تترى وَأَعْطوهُ عَن كل صبي دِينَارا وَبلغ الْقَتْلَى تِسْعمائَة رجال وَنسَاء وصبيان وتألم النَّاس لذَلِك، ثمَّ أَن سوتاي أمسك من الحرامية وحبسهم وأوصل بعض المَال إِلَى مستحقيه بعد غَرَامَة مَا بَين النّصْف إِلَى الثُّلُث.
وفيهَا: خرج جمَاعَة من النصيرية عَن الطَّاعَة وَأَقَامُوا شخصا زَعَمُوا أَنه الْمهْدي وقاتلوا الْمُسلمين وَادعوا أَنهم كفرة فكسرهم عَسْكَر الْمُسلمين وَقتل مقدمهم وخلقاً مِنْهُم ومزقهم الله كل ممزق فَللَّه الْحَمد.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة: فِيهَا كَانَ بديار بكر والموصل وإربل وماردين والجزيرة وميافارقين غلاء وجلاء حَتَّى بِيعَتْ الْأَوْلَاد وأكلت الْميتَة، وَكَانَ الشَّخْص إِذا امْتنع من شِرَاء أَوْلَاد الْمُسلمين تجْعَل الْمَرْأَة نَفسهَا نَصْرَانِيَّة ليرغب فِي الشِّرَاء نسْأَل الله الْعَافِيَة ونعوذ بِاللَّه من الْجُوع فَإِنَّهُ بئس الضجيع ونزح من إربل جمَاعَة إِلَى جِهَة مراغة فأهلكهم الثَّلج فِي الطَّرِيق وَكَانَ سَبَب الغلاء جَرَادًا وَعدم الْمَطَر سنتَيْن وجور التتر لمَوْت خربنده وَتغَير الدول والغارات، فسبحان الفعال لما يُرِيد.
وفيهَا: فِي صفر وصل كريم الدّين إِلَى دمشق وَأمر بِبِنَاء جَامع بالقبيبات وَتوجه إِلَى الْقُدس وَعَاد إِلَى الْقَاهِرَة وَشرع فِي بِنَاء الْجَامِع.
فِيهِ: ثارت ريح عَاصِفَة من جِهَة الْبَحْر على بيُوت التركمان عِنْد قَرْيَة المعيصرة من الجون من عمر طرابلس فتكونت عموداً أغبر صُورَة تنين مُتَّصِل بالسحاب فَمَا تركت شَيْئا من الْبيُوت والأثاث وأهلكت جمَاعَة وخطفت جملين وَارْتَفَعت بهما فِي الجو مِقْدَار عشرَة أرماح وطوت الرّيح قدور النّحاس والصاجات وَصَارَت قطعا، وَكَانَ إِلَى جانبهم عرب فخطفت لَهُم أَرْبَعَة أجمال إِلَى الجو فتقطعت الْجمال قطعا، وأهلكت دَوَاب كَثِيرَة، وَوَقع بعْدهَا مطر برد كبار الْبردَة ثَلَاث أَوَاقٍ ودونها كأشطاف الْحِجَارَة مِنْهَا مثلث ومربع وَأصَاب ذَلِك أَرْبعا وَعشْرين قَوِيَّة، وَكتب بذلك محْضر وَثَبت عِنْد قَاضِي طرابلس فنسأل الله الْعَافِيَة.
وَفِيه: توفّي الشَّيْخ الْقدْوَة الْعَالم بَقِيَّة السّلف مُحَمَّد بن أبي بكر بن قوام البالسي بزاويته بالصالحية.
قلت: وَمن الله عَليّ بزيارته حَيا ثمَّ بعد وَفَاته أَخْبرنِي الشَّيْخ الْمقري الصَّالح مُحَمَّد بن شامة السَّاكِن بِالْبَابِ قَالَ: صَحِبت الشَّيْخ مُحَمَّد الْمَذْكُور من دمشق قَاصِدين بَاب
стр. 625
بزاعا فَلَمَّا كُنَّا تَحت جبل لبنان وَقد انقطعنا عَن الرّفْقَة قَلِيلا قلت للشَّيْخ: يَا سَيِّدي يَقُولُونَ إِن فِي هَذَا الْجَبَل أَوْلِيَاء لله تَعَالَى؟ فَقَالَ: نعم فَقلت يَا سَيِّدي لَو أريتني مِنْهُم أحدا؟ وَإِذا رجل فِي الْهَوَاء أسمع صَوته وَلَا أرى شخصه يَقُول: السَّلَام عَلَيْك يَا شيخ مُحَمَّد فَرد الشَّيْخ ﵇، ثمَّ نظر إِلَيّ وَقَالَ: سَمِعت فَقلت: نعم ثمَّ سَأَلته عَن شكله؟ فَقَالَ: قد خطّ عذاره وَأَخْبرنِي غير وَاحِد من أهل الْبَاب مِمَّن أصدقه أَن الشَّيْخ لما قدم إِلَى الْبَاب وَدخل على الْجَبانَة قَالَ لمن مَعَه هَذَا رجل قد قَامَ إِلَيّ من قَبره وَعَلِيهِ جُبَّة صوف وَله سِتّ أَصَابِع على كل كف فَسَأَلته الْجَمَاعَة أَن يُرِيهم قَبره فَمَال بهم إِلَى قبر وَقَالَ: هَذَا ففحصوا عَن صَاحب الْقَبْر فَإِذا هُوَ كَمَا وصف، وَأخْبر من رَآهُ حَيا أَنه كَانَ لَهُ سِتّ أَصَابِع على كل كف.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة ورد مرسوم السُّلْطَان بِمَنْع الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية من الْفَتْوَى فِي مَسْأَلَة الْحلف بِالطَّلَاق وَعقد لذَلِك مجْلِس وَنُودِيَ بِهِ فِي الْبَلَد.
قلت: وَبعد هَذَا الْمَنْع والنداء أحضر إِلَيّ رجل فَتْوَى من مضمونها إِنَّه إِذا طلق الرجل امْرَأَته ثَلَاثًا جملَة بِكَلِمَة أَو بِكَلِمَات فِي طهر أَو أطهار قبل أَن يرتجعها أَو تقضي الْعدة فَهَذَا فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء أظهرهمَا أَنه لَا يلْزمه إِلَّا طَلْقَة وَاحِدَة وَلَو طَلقهَا الطَّلقَة بعد أَن يرجعها أَو يَتَزَوَّجهَا بِعقد جَدِيد وَكَانَ الطَّلَاق مُبَاحا فَإِنَّهُ يلْزمه، وَكَذَلِكَ الطَّلقَة الثَّالِثَة إِذا كَانَت بعد رَجْعَة أَو عقد جَدِيد وَهِي مُبَاحَة فَأَنَّهَا تلْزمهُ وَلَا تحل لَهُ بعد ذَلِك إِلَّا بِنِكَاح شَرْعِي لَا بِنِكَاح تَحْلِيل وَالله أعلم. وَقد كتب الشَّيْخ بِخَطِّهِ تَحت ذَلِك مَا صورته: هَذَا مَنْقُول من كَلَامي، كتبه أَحْمد بن تَيْمِية، وَله فِي الطَّلَاق رخص غير هَذِه أَيْضا لَا يلْتَفت الْعلمَاء إِلَيْهَا وَلَا يعرجون عَلَيْهَا.
وفيهَا: قتل رشيد الدولة طَبِيب خربنده اتهمه جوبان بِأَنَّهُ غش خربنده فِي المداواة وَقطع رَأسه إِلَى تبريز وأحرقت جثته واستأصلوا أملاكه وأمواله وجواهره، وَاخْتلف فِي طويته فَقَالَ الشَّيْخ تَاج الدّين الأفضلي التريزي: قتل الرشيد أعظم من قتل مائَة ألف من النَّصَارَى، وَقَالَ قَاضِي الرحبة رَأَيْت مِنْهُ شَفَقَة على أهل الرحبة: وسعياً فِي حقن دِمَائِهِمْ يَعْنِي أَيَّام حصارها وَإِنَّمَا كَانَ يتبع أعداءه صالحين كَانُوا أَو فسقة.
وفيهَا: فِي رَجَب توفّي الشَّيْخ الإِمَام الزَّاهِد بَقِيَّة السّلف أَبُو الْوَلِيد إِمَام الْمَالِكِيَّة، وَفِي آخر الشَّهْر ورد الْخَبَر أَنه كَانَ بِظَاهِر حمص سيل خرب حَائِط الميدان وَبَعض خَان السَّبِيل.
وفيهَا: فِي شعْبَان شرع فِي بِنَاء الْجَامِع ظَاهر بَاب الشَّرْقِي أَمر بعمارته الصاحب شمس الدّين غبريال نَاظر دمشق.
وَفِيه: أُقِيمَت الْجُمُعَة بالجامع الَّذِي أَمر نَائِب الشَّام ببنائه خَارج بَاب النَّصْر وخطب فِيهِ الشَّيْخ كريم الدّين الفجقيري.
وَفِيه: أَيْضا كمل بِنَاء الْجَامِع بالقبيات، وخطب فِيهِ الشَّيْخ شمس الدّين بن الرزين.
وَفِيه: توفّي الشَّيْخ مجد الدّين التّونسِيّ الأصولي الْمقري النَّحْوِيّ بِدِمَشْق.
стр. 626
وفيهَا: نهي المنجمون بِدِمَشْق أَن يكتبوا على التقاويم النجومية أحاكماً.
ثمَّ دخلت سنة تسع عشرَة وَسَبْعمائة فِيهَا فِي صفر استسقى بِالنَّاسِ وخطبهم القَاضِي الصَّالح صدر الدّين سُلَيْمَان الْجَعْفَرِي وَخرج النَّائِب والأمراء والعالم خاضعين وتبركوا بِهِ فسقوا ثَانِي يَوْم.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر توفّي الشَّيْخ الْقدْوَة نصر المنبجي بالحسينية، وَكَانَت لَهُ عبادات كَثِيرَة وَصَلَاة ذكر وَحج ومجاورة وأوقات مُعينَة نَحْو نصف السّنة لَا يجْتَمع فِيهَا بِأحد، وَكَانَ لَا يخرج من زاويته إِلَّا لصَلَاة الْجُمُعَة خَاصَّة، وَسمع الحَدِيث وَقَرَأَ الْقُرْآن بالروايات وتفقه وقصده الْعلمَاء والوزراء والأمراء ﵀.
وفيهَا: فِي رَجَب اخْتلف التتر وَقتل مِنْهُم نَحْو ثَلَاثِينَ ألفا وَأكْثر حَتَّى كَاد يَزُول ملكهم واستحالوا على مقدم جيوشهم جوبان نَائِب السلطنة لأبي سعيد وكرهوا نيابته.
ثمَّ دخلت سنة عشْرين وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي أَولهَا ركب الْملك الْمُؤَيد صَاحب حماه بشعار السُّلْطَان على حماه وبلادها وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً.
وفيهَا: فِي ثَالِث الْمحرم توفيت والدتي رَحمهَا الله تَعَالَى وَكَانَت من الصَّالِحَات، جدها ولي الله الشَّيْخ نصير من رجال شط الْفُرَات وينتسب إِلَى أويس الْقَرنِي ﵁.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر عقد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر على بنت الْملك الَّتِي حملت إِلَيْهِ من بِلَاد القفجاق، وفيهَا عانت عَسَاكِر الْمُسلمين فِي بِلَاد سيس سَبْعَة عشر يَوْمًا، وَقَطعُوا الْأَشْجَار وحرقوا وغرق من عَسْكَر الشَّام فِي نهر جهان نَحْو ألف فَارس.
وفيهَا: نفي فحليس الْعَرَب مهنا وَأَوْلَاده وَمن مَعَهم من الشَّام، وَمنعُوا الْميرَة.
وفيهَا: فِي جمادي الأولى توفّي جمال الدّين إِبْرَاهِيم بن القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن أبي بكر بن حرز الله الإربدي، وَوَقع عقب الْجِنَازَة مطر كثير فِي وسط حزيران.
وفيهَا: فِي جمادي الْآخِرَة قتل الْأَمِير عز الدّين حميضة بن الْأَمِير الشريف أبي نمى صَاحب مَكَّة، وَكَانَ قد خرج عَن طَاعَة السُّلْطَان، وَولى السُّلْطَان بِمَكَّة أَخَاهُ سيف الدّين عطيفة.
وفيهَا: توجه قرطاي نَائِب طرابلس وعسكر من مصر إِلَى بِلَاد الأرمن وَكَانُوا فَوق عشْرين ألفا وغرق جمَاعَة بجهان وَأَرْبَعَة أُمَرَاء وحاصروا سيس وأحرقوا دَار الْملك وَقَطعُوا الْأَشْجَار وعاثوا بِالْمصِّيصَةِ وخربوا أسوار أدنة، وعاثوا بطرسوس وأخرقوا الزروع وَرَجَعُوا فَلم يعْدم مِنْهُم بجهان سوى شخص وَاحِد، وَعند جهان بَلغهُمْ موت صَاحب سيس وَهُوَ الَّذِي تملك بعد وَالِده الَّذِي حضر إِلَى دمشق سنة قازان ووصلوا حلب وَسَاقُوا خلف مهنا وَأَوْلَاده وَأَتْبَاعه وأمرائه وعدتهم اثْنَان وَسَبْعُونَ أَمِيرا ووصلوا إِلَى عانة والحديثة وعادوا،
стр. 627
وَبعد ذَلِك دخل الحلبيون إِلَى بلد الأرمن مَرَّات وغنموا، وَفِي الْمرة الرَّابِعَة كمن لَهُم الفرنج والأرمن وَخَرجُوا عَلَيْهِم فَقتلُوا من الْمُسلمين وأسروا.
وفيهَا: وصل كتاب إِلَى الْقَاهِرَة ثمَّ إِلَى دمشق بغزوة عَظِيمَة وَقعت فِي الْمغرب فِي الْعَام الْمَاضِي وَذَلِكَ أَن جَيْشًا من الرّوم يعسر إحصاؤه وَيبعد استقصاؤه حشد عَلَيْهِم وَأَقْبل إِلَيْهِم، وناهيك من جَيش اشْتَمَل على خَمْسَة وَعشْرين سُلْطَانا ووصلوا إِلَى غرناطة قَرِيبا من جبل البيرة فملأوا الْبَسِيط وَالله من ورائهم مُحِيط، وَلما استقروا هُنَاكَ أَيقَن الْمُسلمُونَ بِالْهَلَاكِ، ثمَّ أغارت سَرِيَّة من الْجَيْش على ضَيْعَة فَخرج إِلَيْهِم جملَة من فرسَان الأندلس الرُّمَاة ومنعوهم وتبعوهم اللَّيْل كُله فاستأصلوهم بِالْقَتْلِ والأسر، وَكَانَ ذَلِك أول النَّصْر، وَأصْبح النَّاس يَوْم الِاثْنَيْنِ الْمُبَارك على الْمُسلمين وعزموا على الْخُرُوج لأعداء الله يَوْم عيدهم وَكَانَ الرَّابِع وَالْعِشْرين من حزيران فَلَو علم وَزِير سلطانهم بذلك حذرهم غضب السُّلْطَان عَلَيْهِم بالتشعيث عَلَيْهِ فِي عيده فَنزل الْمُسلمُونَ عَن خيلهم متضرعين إِلَى الله عالية أَصْوَاتهم بِالدُّعَاءِ والضجيج.
وَعند ذَلِك ركب الرّوم جمعا ومالوا على الْمُسلمين مَيْلَة شنعاء فَمَا رَاع الْمُسلمين بِحَمْد الله حَالهم ﴿وَإِذ يوحي رَبك إِلَى الْمَلَائِكَة أَنِّي مَعكُمْ فثبتوا الَّذين آمنُوا سألقي فِي قُلُوب الَّذين كفرُوا الرعب﴾ فَلَمَّا رأى أَعدَاء الله الْمُسلمين قد ثبتوا توقفوا وبهتوا وَخرج من الْفَرِيقَيْنِ فرسَان ثمَّ مَال الْمُسلمُونَ على أَعدَاء الله يقتلُون فيهم كَيفَ شاؤا من السَّاعَة السَّابِعَة إِلَى الْغُرُوب، وَفِي اللَّيْل ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض وهرب بَعضهم من بعض وَغَابَ الْمُسلمُونَ فِي تقتيلهم ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ داموا شهرا ينتهبونهم بِالْقَتْلِ والأسر، وَخرج أهل غرناطة إِلَيْهِم فغنموا مَا لَا يُحْصى وأسروا الجم الْغَفِير من رجال وَنسَاء وَأَوْلَاد وَبَقِي الْمُسلمُونَ يجيؤن مَوَاضِع الْجَيْش نَحوا من عشرَة أَيَّام ويحمدون الله على هَذَا النَّصْر الَّذِي مَا طمعوا بِبَعْضِه وحزر الحذاق عدَّة الْقَتْلَى بِخَمْسِينَ ألفا أَو سِتِّينَ ألفا، ووقعوا فِي وَاد فَقتل مِنْهُم مثل ذَلِك ومزقوا كل ممزق، وَوجد الْمُلُوك الْخَمْسَة وَالْعشْرُونَ وَمِنْهُم الْملك الْكَبِير مقتولين بالمحلة فلعب النَّاس بجيفهم وعلقوا على بَاب غرناطة، وَكَانَ قوت الأسرى الَّذين أَسرُّوا مِنْهُم كل يَوْم بِخَمْسَة آلَاف دِرْهَم، وَزعم النَّاس أَن الْفَيْء من الذَّهَب وَالْفِضَّة كَانَ سبعين قِنْطَارًا، وَأما الدَّوَابّ وَالْعدَد فشيء لَا يُوصف، وَبَقِي البيع فِي الْأُسَارَى وَالدَّوَاب سِتَّة أشهر ومل النَّاس من طول البيع وَجُمْلَة فرسَان الْمُسلمين فِي ذَلِك الْيَوْم أَلفَانِ وَخَمْسمِائة فَارس لم يستشهد مِنْهُم سوى أحد عشر رجلا فَلَا يجزع جَيش من قلَّة وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله.
وفيهَا: وَقع بالديار المصرية مرض كثير قل أَن سلمت مِنْهُ دَار وغلت الْأَدْوِيَة وَكَانَ الْمَوْت قَلِيلا.
وفيهَا: فِي رَجَب عقد لِابْنِ تَيْمِية بِدِمَشْق مجْلِس بدار السَّعَادَة وعاتبوه بِمَسْأَلَة الطَّلَاق وحبسوه بالقلعة.
стр. 628
وفيهَا: فِي شعْبَان توفّي الشَّيْخ الأديب شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سِبَاع الصَّائِغ، كَانَ فَاضلا يقرى الْأَدَب فِي دكانة، شرح الدريدية جيدا وَشرح ملحمة الْإِعْرَاب وقصيدة ابْن الْحَاجِب فِي الْعرُوض، وَله قصيدة تائية ألفا بَيت ذكر فِيهَا الْعُلُوم والصنائع.
وَمَا أحسن قَوْله:
(يَا ذَا الَّذِي لولاه مَا حركت ... يَد الْهوى من باطني سَاكِنا)
(رفقا بقلب لم يزل خافقاً ... وَأَنت مَا زلت بِهِ سَاكِنا)
وفيهَا: أمسك علم الدّين الجاولي بغزة وَحمل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَكَانَ قد تهَيَّأ لِلْحَجِّ وهيأ طَعَاما كثيرا وَغَيره.
وَفِيه: أريقت الْخُمُور فِي خَنْدَق قلعة الْمَدِينَة السُّلْطَانِيَّة وأحرقت الظروف وَذَلِكَ أَنه وَقع ثمَّ برد كبار وزن الْبردَة ثَمَانِيَة عشرَة درهما مواشي وأعقبه سيل مخوف فَسَأَلَ أَبُو سعيد الْفُقَهَاء عَن سَببه فَقَالُوا من الظُّلم وَالْفَوَاحِش فَأبْطل الحانات فِي مَمْلَكَته وأبطل مسك الْغلَّة.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين عمر بن العديم وَدفن بالْمقَام، وَنقل ابْنه قَاضِي الْقُضَاة نَاصِر الدّين مُحَمَّد من قَضَاء حماه إِلَى حلب عوضا عَنهُ.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِيهَا أهْدى أَبُو سعيد إِلَى السُّلْطَان صناديق ودقيقاً وجمالاً وتحفاً.
وفيهَا: أخرج الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية من القلعة بعد الْعَصْر بمرسوم السُّلْطَان وَمُدَّة إِقَامَته فِي القلعة خَمْسَة أشهر وَثَمَانِية عشر يَوْمًا.
وفيهَا: فِي شهر ربيع الآخر حفر السُّلْطَان حفيراً قرب بَحر النّيل، وَكَانَ جواره كَنِيسَة فَأَرَادَ هدمها فَلَمَّا شرعوا فِي هدمها قَامَ الصَّوْت فِي الْقَاهِرَة ومصر بهدم الْكَنَائِس فَلم يبْق بِمصْر والقاهرة كَنِيسَة حَتَّى حاصروها، مِنْهَا مَا هدم، وَمِنْهَا مَا نهب وَمِنْهَا مَا لم يصلوا إِلَيْهِ فَغَضب السُّلْطَان، واستفتى الْقُضَاة فأفتوه بتعزيزهم فَأخذ جمَاعَة من الْحَبْس فشنق وَقطع أيديا وخزم حَتَّى سكنوا، واختفى النَّصَارَى أَيَّامًا، وَجرى ذَلِك فِي الفيوم وأحرقوا الْأَمْوَات المدفونين فِي كنائسها.
وَفِيه: أمسك سيف الدّين جوبان أحد أُمَرَاء دمشق وَحمل إِلَى الْقَاهِرَة لسوء مُرَاجعَته للنائب وَعُوتِبَ بِالْقَاهِرَةِ وَأعْطِي خَبرا يَلِيق بِهِ.
وَفِيه: وَقع بِالْقَاهِرَةِ حريق عَظِيم أتلف أملاكاً وأتعب النَّاس حَتَّى أطفئ ثمَّ فِي الْغَد وَقع حريق أعظم مِنْهُ فِي وضع آخر وَقرب من دَار كريم الدّين فَنزل الْأُمَرَاء والنائب من القلعة خوفًا على دَار كريم الدّين لكَونهَا خزانَة الْمُسلمين وأحرقوا بهَا حَتَّى أطفئت وتوالى الْحَرِيق بِالْقَاهِرَةِ وتحير السُّلْطَان والرعية لَهُ، وتتبع ذَلِك فَقيل: أَنه وجد بعض النَّصَارَى وَمَعَهُ آلَة الْحَرِيق كالنفط وَغَيره، فَأخذُوا وعرضوا على السُّلْطَان فَذكر بَعضهم أَن القسيسين
стр. 629
اتَّفقُوا على هَذَا بِسَبَب مَا حصل من التَّعَرُّض إِلَى كنائسهم وَأَنَّهُمْ رتبوا أَرْبَعِينَ نفسا من النَّصَارَى يلقون النَّار فِي بيُوت المسليمن ومساجدهم فَحرق بَعضهم.
ثمَّ أَن جمعا قصدُوا كريم الدّين وهجموا عَلَيْهِ بِالْحِجَارَةِ فهرب مِنْهُم فَأمْسك السُّلْطَان جمَاعَة من الْمُسلمين وَقطع أَيدي أَرْبَعَة وَقيد جمَاعَة، ثمَّ نُودي على النَّصَارَى أَن يخرجُوا بالثياب الزرق والعمائم الزرق وَأَن يَجْعَل الجرس فِي أَعْنَاقهم فِي الْحمام ويركبوا عرضا وَلَا يستخدموا فِي ديوَان، فَعِنْدَ ذَلِك خف الإحراق بعد أَن كَانَ أمرا عَظِيما، وَكم سقط بِهِ دَار وَكم خرج مِنْهُ حَرِيم مكشفات حَتَّى قنت النَّاس لَهُ فِي الصَّلَوَات، وَأَعدُّوا الدنان مملؤءة مَاء فِي الْأَسْوَاق فَالله يهْلك أَعدَاء الْإِسْلَام.
وَأخْبر ابْن الأيدمري أَن لَهُ ربعا وَقعت فِيهِ النَّار تسعا وَعشْرين مرّة، وَنسب ذَلِك إِلَى النَّصَارَى فَأمْسك مِنْهُم جمَاعَة فأقروا بذلك فَأحرق مِنْهُم خَمْسَة وَضرب عنق سادس وَأسلم مِنْهُم جمَاعَة، وَسَار كل نَصْرَانِيّ يظْهر بِالْقَاهِرَةِ يضْرب وَرُبمَا قتل والحريق لم يَنْقَطِع بِالْكُلِّيَّةِ.
وَفِي ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة أمسك نصرانيان من الْغُرَمَاء وصلباً وسمرا وطيف بهما على جملين بِالْقَاهِرَةِ ومصر.
قلت:
(عدمتكم نَصَارَى مصر كفوا ... فكم آذيتمونا من طَرِيق)
(حريق النَّار قد عجلتموه ... فأجلنا لكم نَار الْحَرِيق)
وفيهَا: فِي آخر جُمَادَى الْآخِرَة ورد كتاب من بَغْدَاد مؤرخ بالحادي وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة، وَفِيه إِنَّه جرى بِبَغْدَاد شَيْء مَا جرى من زمَان الْخَلِيفَة إِلَى الْآن وَذَلِكَ أَنهم خربوا البازار من أَوله إِلَى آخِره وَمَا يعلم مَا غرموا عَلَيْهِ إِلَّا الله تَعَالَى مَا تركُوا بِالْبَلَدِ خاطئة إِلَّا توبوها وزوجوها وارقوا الشَّرَاب وَمنعُوا النَّاس من الْعصير وَنُودِيَ أَن من تخلف عِنْده شَيْء من الشَّرَاب حل مَاله وَدَمه للسُّلْطَان فطلع بعد ذَلِك عِنْد شخص جرة فَقَتَلُوهُ، وَعند آخر جرتان فَقطعُوا رَأسه وَعَلمُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى بالعلائم وَأسلم جمَاعَة، وَفِي كل يَوْم جُمُعَة يسلم جمع وَللَّه الْحَمد.
وفيهَا: فِي تَاسِع عشْرين رَجَب خربَتْ الْكَنِيسَة الْمَعْرُوفَة بالقرايين من الْيَهُود بِدِمَشْق، واجتهد الْمُسلمُونَ فِي هدمها وَالْيَهُود فِي إبقائها، وَأثبت الْيَهُود عِنْد بعض الْقُضَاة أَنَّهَا قديمَة، وَأثبت الْمُسلمُونَ أَنَّهَا محدثة وتألم الْمُسلمُونَ فَأَعَانَ الله وَأذن بهدمها، وَكَانَ مبدؤها بَيْتا صَغِيرا فوسعت وَكَانَت فِي دَاخل درب الفواخير غَالب أهل الْيَهُود.
وفيهَا: فِي رَمَضَان أُقِيمَت الْجُمُعَة بالجامع الكريمي بالقابون، وحضرها الْقُضَاة الْأَرْبَعَة.
وفيهَا: أغار نَائِب الرّوم تمرتاش بن جوبان على بِلَاد سيس فخرب وَحرق وَنهب
стр. 630
وَنقل من خطب بدر الدّين العزازي أَن كلبة ولدت بِالْقَاهِرَةِ فِي هَذِه السّنة ثَلَاثِينَ جرواً وَأَنَّهَا أحضرت بَين يَدي السُّلْطَان فَعجب مِنْهَا وَسَأَلَ المنجمين عَن ذَلِك فَلم يكن عِنْدهم علم من ذَلِك.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي ربيع الآخر جَاءَت الْبُشْرَى بِفَتْح آياس وَبعدهَا نصب المنجنيق على حصنها الأطلس الَّذِي فِي الْبَحْر فَلَمَّا رأى الأرمن ذَلِك نقلوا أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ فِي المراكب وعملت الأكلال وَمَشى النَّاس عَلَيْهَا، وَكَانَ طول الجسر الَّذِي عمل بالأكلال ثَلَاثمِائَة ذِرَاع وَكَانَت ثَلَاثَة أبرجة فِي الْبَحْر الأطلس والشمعة والآياس فَلَمَّا تعرضوا لسب النَّبِي ﷺ َ - ألْقى الله فِي قُلُوبهم الرعب وَهَزَمَهُمْ.
قلت:
(مَا ذكرُوا الْمُصْطَفى بِسوء ... إِلَّا وسيق البلا إِلَيْهِم)
(فحبه رَحْمَة علينا ... وسبه نقمة عَلَيْهِم)
وقاسى الْعَسْكَر فِي هدم الأبراج مشقة فَإِنَّهَا كَانَت مكلبة بحديد ورصاص وَعرض السُّور ذِرَاعا بالنجاري، ونقبت الأبراج من أَسْفَل وعلقت بالأخشاب وَأُلْقِي عَلَيْهَا الْحَطب وَحب الْقطن وَالزَّيْت وأحرقت فتساقطت جَمِيعهَا، ثمَّ نصب على جهان عشرَة مراكب وَعبر الْجند وَغَيرهم عَلَيْهَا فَقتلُوا من الأرمن طَائِفَة كَثِيرَة وأسروا جمَاعَة وأحضر من الْقَتْلَى نَحْو مِائَتي رَأس رموا عِنْد بَاب قلعة كبرا ثمَّ تَفَرَّقت الإغارات فِي بلد سيس وعادوا سَالِمين.
وفيهَا: فِي شعْبَان عقد عقد الْأَمِير أبي بكر بن أرغون النَّائِب على ابْنة السُّلْطَان، وختن يَوْمئِذٍ جمَاعَة من أَوْلَاد الْأُمَرَاء بِحُضُور السُّلْطَان وَمد سماطاً عَظِيما ونثر عَلَيْهِم مَال كثير.
وَفِيه: ورد كتاب من الْقَاهِرَة أَن السُّلْطَان الْملك النَّاصِر نَصره الله أبطل مكس الْمَأْكُول بِمَكَّة زَادهَا الله شرفاً، وَعوض عطيفة صَاحب مَكَّة بِثُلثي بلد دمامين من صَعِيد مصر.
وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي شمس الدّين مُحَمَّد المغربي وَهُوَ الَّذِي بنى بالصنمين خَانا للسبيل وَحصل للنَّاس بِهِ نفع عَظِيم.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي ربيع الأول توفّي قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين أَحْمد بن صصرى الشَّافِعِي التغلبي بِدِمَشْق فَجْأَة ببستانه بِالسَّهْمِ، كَانَ ﵀ وجزاه عَنَّا خيرا سريع الْحِفْظ حُلْو اللَّفْظ عَليّ الهمة وافر النِّعْمَة يبْذل فِي إعزاز الشَّرْع نفائس مَاله، وَيُقَاتل عَن أَصْحَابه ويذب عَن عماله وَكَانَ بِدِمَشْق فِي زَمَانه من الْعلمَاء رُؤُوس، فَكَانَ يكاثر
بِسُرْعَة حفظه وذكائه ويشيد الدُّرُوس، وَلَقَد كَانَ يعم بإحسانه الْآفَاق حَتَّى قيل مَاتَ بِمَوْتِهِ مَكَارِم الْأَخْلَاق.
قلت:
(مَاتَ وَالله ابْن صصرى ... رحم الله ابْن صصرى)
стр. 631
(مَاتَ جود وسخاء ... وَعَطَاء كَانَ غمراً)
(مَاتَ صدر الشَّام لَكِن ... لايهاب الْمَوْت صَدرا)
(كَانَ بالعافين برا ... وَلمن يرجوه بحراً)
وَفِيه: قتل الشَّيْخ الصَّالح النَّحْوِيّ ضِيَاء الدّين عبد الله الصُّوفِي تَحت القلعة ظَاهر الْقَاهِرَة وَذَلِكَ أَنه صعد إِلَى القلعة بِسيف مَشْهُور فَضرب بِهِ وَجه نَصْرَانِيّ بالقلعة فَدخل بِهِ إِلَى السُّلْطَان فَظَنهُ جاسوساً فَضربت عُنُقه غَلطا رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر توفّي شهَاب الدّين أَحْمد بن قطينة الزرعي التَّاجِر الْمَشْهُور بلغت زَكَاة مَاله سنة قازان خَمْسَة وَعشْرين ألفا وَالله أعلم بِمَا تجدّد لَهُ بعد ذَلِك.
وَفِيه: تولى القَاضِي جمال الدّين إِبْرَاهِيم الْأَذْرَعِيّ قَضَاء دمشق عوضا عَن ابْن صصرى.
وَفِيه: ورد الْخَبَر بِالْقَبْضِ على كريم الدّين وَكيل السُّلْطَان والحوطة على أَمْوَاله وأملاكه، كَانَ قد بلغ من الترقي والسعادة وَالتَّصَرُّف فِي المملكة مَا لَا مزِيد عَلَيْهِ، وَبنى جَوَامِع وَله على النَّاس مَكَارِم.
ولعمري مَا أنصف فِيهِ الْقَائِل:
(اللّعب بالدينين يقبح بالفتى ... والرأي صدق الْقلب وَالتَّسْلِيم)
(هَذَا كريم الدّين لَوْلَا نَصره ... دين النَّصَارَى مَاتَ وَهُوَ كريم)
ثمَّ وصل الْخَبَر بِالْقَبْضِ على كريم الدّين الصَّغِير نَاظر الدَّوَاوِين وَأخذ أَمْوَاله فأظهرت الْعَامَّة السرُور بذلك ودعوا للسُّلْطَان.
وَفِيه: تولى أَمِين الْملك الوزارة بِالْقَاهِرَةِ، وَكَانَ مُقيما بالقدس، فسر النَّاس بِهِ.
وفيهَا: فِي يَوْم الْجُمُعَة منتصف شهر رَمَضَان الْمُعظم توفّي وَالِدي بالمعرة وَحكى لي من حضر غسله أَنه ﵀ لما أَجْلِس على المغتسل وَارْتَفَعت عَنهُ الْأَيْدِي جلس على المغتسل مُسْتقِلّا سَاعَة وفاحت رَائِحَة طيبَة ظَاهِرَة جدا فتواجد الْحَاضِرُونَ وَعَلَيْهِم الْبكاء، نسبته رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ من ولد عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي الْفَقِيه شرف الدّين مُحَمَّد بن سعد الدّين سعد الله فِي وَادي بني سَالم، وَحمل على أَعْنَاق الرِّجَال إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة، وَصلى عَلَيْهِ بالروضة الشَّرِيفَة، وَدفن بِالبَقِيعِ شَرْقي قبَّة عقيل بن أبي طَالب ﵁، وَكَانَ فَقِيها صَالحا، تفقه على ابْن تَيْمِية وخدمه وَتوجه مَعَه إِلَى الديار المصرية.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِي ربيع الأول مِنْهَا حمل كريم الدّين الَّذِي كَانَ وَكيل السُّلْطَان من الْقُدس إِلَى الديار المصرية فحبس وَأخذت بَقِيَّة أَمْوَاله وذخائره وَحمل إِلَى الصَّعِيد إِلَى قوص.
стр. 632
وفيهَا: فِي ربيع الآخر ورد مرسوم السُّلْطَان بِإِطْلَاق مكس الْغلَّة بالبلاد الشامية.
وَفِيه: عزل القَاضِي جمال الدّين إِبْرَاهِيم الْأَذْرَعِيّ عَن الحكم بِدِمَشْق، وَعرض على شَيخنَا برهَان الدّين بن الشَّيْخ تَاج الدّين الْفَزارِيّ فَامْتنعَ.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة بَاشر القَاضِي جلال الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقزْوِينِي الحكم بِدِمَشْق.
وَفِيه: رسم السُّلْطَان لِلْأُمَرَاءِ والأجناد بِحَفر خليج من رَأس الخور إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي إِلَى سرياقوس بِسَبَب مَا أنشأه السُّلْطَان من الْبُسْتَان وَالْقصر بِالْمَكَانِ الْمَذْكُور وَأنْفق عَلَيْهِ مَا لَا يُحْصى.
وفيهَا: فِي أول رَجَب قدم الْملك شرف الدّين مُوسَى بن أبي بكر ملك التكرور لِلْحَجِّ وصحبته أَكثر من عشرَة آلَاف تكروري، ومملكته متسعة، قيل سعتها ثَلَاث سِنِين، وَتَحْت يَده أَرْبَعَة عشر ملكا، وَحضر بَين يَدي السُّلْطَان لتقبيل يَده فَأمر بتقبيل الأَرْض فَامْتنعَ فأكره عَليّ ذَلِك وَلم يُمكن من الْجُلُوس وَبعث إِلَى السُّلْطَان نَحوا من أَرْبَعِينَ ألف دِينَار وَإِلَى النَّاس عشرَة آلَاف دِينَار، وَلما خرج من عِنْد السُّلْطَان قدم لَهُ حصان أَشهب وخلع عَلَيْهِ خلعة سنية وهيأ لَهُ السُّلْطَان من الهجن والآلات لِلْحَجِّ أَشْيَاء كَثِيرَة، وَكَذَلِكَ نَائِب السلطنة وَأنزل بالقرافة الْكُبْرَى.
وفيهَا: فِي تَاسِع عشر شهر رَجَب توفّي قَاضِي الْقُضَاة زين الدّين عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر الشَّافِعِي الخليلي قَاضِي حلب بهَا، وَدفن فِي الْمقَام وبنيت عَلَيْهِ بِمَالِه تربة بوقف أَمر بهَا السُّلْطَان لعدم الْوَارِث لَهُ.
كَانَ ﵀ حسن السمت طَوِيل الصمت، عقله أَكثر من علمه، صافياً جاهه، مُسَددًا فِي حكمه، حج مرَارًا، ونظم فِي مدح النَّبِي ﷺ َ - أشعاراً، وَمَا أرق قَوْله:
(لَا تسْأَل يَا حبيب قلبِي ... مَا تمّ عَليّ فِي هواكا)
(الْعرض فقد صلوت عَنهُ ... وَالنَّفس جَعلتهَا فداكا)
وَقَوله دو بَيت:
(يَا عصر شَبَابِي المفدي أَرَأَيْت ... مَا أسْرع مَا بَعدت عني ونأيت)
(قد كنت مساعدي على كَيْت وَكَيْت ... وَالْيَوْم فَلَو أَبْصرت حَالي لبكيت)
سَأَلَهُ بعض الْجَمَاعَة عَن قَوْله: كَيْت وَكَيْت مَا هُوَ؟ فَقَالَ ضَاحِكا وَالله بالوالي مَا أقوله لَك، وَكَانَ ينشد من شعر وَالِده قَاضِي الْخَلِيل بَيْتَيْنِ بديعين هما:
(وعد الْغُصْن بِأَن يَحْكِي تثنيه فأخلف ... وَأَرَادَ الْبَدْر أَن يَحْكِي سناه فتكلف)
وَسُئِلَ ﵀ عَن كرامات الْأَوْلِيَاء من خرق العوائد كالمشي فِي الْهَوَاء وَمَا أشبه ذَلِك أَحَق هِيَ؟
стр. 633
فَأجَاب بِخَطِّهِ: كرامات الصَّالِحين حق أُؤْمِن بذلك من صميم قلبِي وأعتقده اعتقاداً جَازِمًا بِتَوْفِيق الله وهدايته وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَعَلِيهِ جَمَاهِير الْأمة المكرمة سلفا وخلفاً، ومصنفات الْأَئِمَّة الْأَعْلَام الموثوق بنقلهم، المرجوع إِلَى قلولهم مشحونة بذلك، ودلائله من الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة النَّبَوِيَّة كَثِيرَة، وَمن لَهُ صُحْبَة مَعَ الْقَوْم يرى من عجائب أَحْوَالهم وغرائب أَقْوَالهم وأفعالهم بِحَسب استعداد مَا يثلج سويداء فُؤَاده.
وَلَقَد من الله عَليّ بِصُحْبَة بَعضهم فعاينت من الكرامات فِي أَقْوَاله وأفعاله شَيْئا كثيرا مَعَ فرط قصوري وبعدي عَن هَذَا الْمقَام، فيا خيبة مُنكر ذَلِك وَيَا بعده عَن أقصد المسالك، وأنى يرى ضوء الشَّمْس فَاقِد الْبَصَر أَو يُشَاهد الْأَعْشَى نور الْقَمَر فَمَا فِي صَلَاح مُنكر ذَلِك مطمع، فليصور نَفسه بَين يَدَيْهِ وليكبر عَلَيْهَا أَربع، كتبه عبد الله بن مُحَمَّد الشَّافِعِي.
وفيهَا: فِي شعْبَان وَفِي النّيل ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَتِسْعَة عشر إصبعاً وغرقت الأقصاب والسواقي وانهدم من الْبَسَاتِين والدور كثير وَوصل كتاب الشَّيْخ أبي بكر الرحي أَن للديار المصرية مائَة وَثَلَاثِينَ سنة وَمَا بلغ النّيل الْحَد الَّذِي بلغ هَذِه السّنة وَأَنه ثَبت على الْبِلَاد ثَلَاثَة أشهر وَنصفا.
وَفِيه: استناب القَاضِي جلال الدّين الْقزْوِينِي فِي الحكم عِنْد بِدِمَشْق الْعَلامَة جمال الدّين يُوسُف بن جملَة وفخر الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الْمصْرِيّ.
وَفِيه: وصل الْبَرِيد إِلَى دمشق بتقليد كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن الزملكاني بِقَضَاء الْقُضَاة بحلب وأعمالها فَامْتنعَ وَسَأَلَ نَائِب السُّلْطَان الْمُرَاجَعَة فِي أمره فَأجَاب سُؤَاله فَعَاد الْجَواب بإمضاء الْولَايَة وامتثال مرسوم السُّلْطَان فتجهز إِلَى حلب مكرماً، وَوصل إِلَى حلب فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ الْخَامِس وَالْعِشْرين من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة، ثمَّ عمل درساً بِالْمَدْرَسَةِ السُّلْطَانِيَّة الَّتِي تَحت القلعة فأجاد وَأفَاد بِمَا لم يسمع بِمثلِهِ، ومدح يَوْمئِذٍ بمدائح، وعظمه الحلبيون وهابوه وأحبوه فِي أول أمره ثمَّ تغير ذَلِك.
قلت:
(طَالب الدُّنْيَا معنى ... باعوجاج واستقامة)
(أمرنَا فِيهَا عَجِيب ... نسْأَل الله السَّلامَة)
وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي الشَّيْخ شرف الدّين مُحَمَّد بن زين الدّين أَحْمد بن المنجا الْحَنْبَلِيّ الْمَذْهَب الدِّمَشْقِي المنشأ المعري الأَصْل أفتى ودرس وَصَحب ابْن تَيْمِية زَمَانا وَأقَام بِمصْر لما حبس ابْن تَيْمِية وَعَاد مَعَه.
وَفِيه: وصل كريم الدّين الصَّغِير إِلَى دمشق على نظر الدَّوَاوِين عوضا عَن الصاحب شمس الدّين غبريال. وَفِيه: توفّي كريم الدّين هبة الله المتشرف بِالْإِسْلَامِ بأسوان وجد مشنوقاً بعمامته.
стр. 634
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة وصلت هَدَايَا عَظِيمَة وتحف إِلَى السُّلْطَان من ملك التتر.
وفيهَا: ناول جوبان نَائِب السلطنة عَن أبي سعيد الْأَمِير مُحَمَّد حُسَيْنًا قدحاً ليشربه فَلَمَّا صَار فِي يَده وجده خمرًا فَامْتنعَ من شربه، فَقَالَ جوبان: إِن لم تشربه تُؤدِّي ثَلَاثِينَ تومانا من الذَّهَب، فَقَالَ: أَنا أؤدي ذَلِك فرسم عَلَيْهِ بالمبلغ فَمضى إِلَى الْأَمِير يُلَبِّي وَهُوَ ذُو مَال طائل فعامله على ذَلِك بِرِبْح عشرَة تومانات وَكتب عَلَيْهِ حجَّة فَلَمَّا علم جوبان ذَلِك أحضر مُحَمَّدًا حُسَيْنًا وَقَالَ: تغرم أَرْبَعِينَ توماناً من الذَّهَب وَلَا تشرب قدح خمر قَالَ: نعم فأعجبه ذَلِك وخلع عَلَيْهِ ملبوسه جَمِيعه ومزق الْحجَّة وقربه.
قلت:
(فَازَ حُسَيْنًا بالثنا والهنا ... بصبره عَن قدح الْخمر)
(بلَى فَعُوفِيَ وَاتَّقَى فارتقى ... وَهَذِه عَاقِبَة الصَّبْر)
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي الشَّيْخ الإِمَام بَقِيَّة السّلف عَلَاء الدّين بن الْمُوفق إِبْرَاهِيم بن دَاوُد بن الْعَطَّار بدار الحَدِيث النورية بِدِمَشْق، تفقه على الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ وخدمه وَعرف بِصُحْبَتِهِ، ثمَّ أَنه مرض بالفالج حَتَّى مَاتَ ﵀.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا وَقع بِالْقَاهِرَةِ مطر كثير قل أَن يَقع مثله، وَجَاء سيل إِلَى النّيل فَتغير وَزَاد أَربع أَصَابِع.
وَفِيه: وَقع الْغَرق بِبَغْدَاد ودام أَرْبَعَة أَيَّام وَزَاد الشط عَظِيما وغرق دائر الْبَلَد وَمنع النَّاس من الْخُرُوج من الْبَلَد وانحصروا وَلم يبْق حَاكم وَلَا قَاض وَلَا كَبِير وَلَا صَغِير إِلَّا نقل التُّرَاب وساعد فِي عمل السكور لمنع المَاء عَن الْبَلَد وَبقيت بَغْدَاد كلهَا جَزِيرَة فِي وسط المَاء وَدخل المَاء إِلَى الخَنْدَق وغرق كل شَيْء حول الْبَلَد وَخَربَتْ أَمَاكِن كَثِيرَة وَجَمِيع الترب والبساتين والدكاكين والمصلى وَوَقعت مدرسة الجعفرية ومدرسة عبيد الله وغرقت خزانَة الْكتب الَّتِي بهَا وَكَانَت تَسَاوِي أَكثر من عشرَة آلَاف دِينَار، وَصَارَ الرجل إِذا وقف على سور الْبَلَد لَا يرى مد الْبَصَر إِلَّا سَمَاء وَمَاء وغرق خلق وَاشْتَدَّ الْخطب وَامْتنع النّوم من الضجات وَخَوف الْغَرق، وَدَار النَّاس فِي الْأَسْوَاق مكشفة رؤوسهم وعمائهم فِي رقابهم والربعة الشَّرِيفَة على رؤوسهم وهم يَتلون ويستغيثون ويودع بَعضهم بَعْضًا خَائِفين وجلين أَن يخرق المَاء من الخَنْدَق مِقْدَار خرم إبرة فيهلكون، وغلت الأسعار لذَلِك أَيَّامًا.
وَمن الْعجب أَن مَقْبرَة الإِمَام أَحْمد تهدمت قبورها وَلم يتَغَيَّر قبر الإِمَام أَحْمد وَسلم من الْغَرق واشتهر ذَلِك واستفاض.
ثمَّ ورد كتاب أَن المَاء حمل خشباً عَظِيما وزنت مِنْهُ خَشَبَة فَكَانَت سِتّمائَة رَطْل بالبغدادي، وَجَاء على الْخشب حيات كبار خَلقهنَّ غَرِيب مِنْهَا مَا قتل وَمِنْهَا مَا صعد فِي النّخل وَالشَّجر وَمن الْحَيَّات كثير ميت وَلما نضب المَاء نبت الأَرْض صُورَة بطيخ شكله
стр. 635
على قدر الْخِيَار وَفِي طعمه فجوجة وَأَشْيَاء أخر من النَّبَات غَرِيبَة الشكل وَمَا يُحْصى مَا خرب من الْجَانِبَيْنِ إِلَّا الله تَعَالَى.
وفيهَا: أفتى قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن الزملكاني بِتَحْرِيم الِاجْتِمَاع بمشهد روحين ودير الزربة وأشباههما، وَمَعَ من شدّ الرّحال إِلَيْهِ وَنُودِيَ بذلك فِي المملكة الحلبية فَإِنَّهُ كَانَ يشْتَمل على مُنكرَات وبدع وعملت فِي تَحْرِيم ذَلِك المقامة المشهدية وَهِي طَوِيلَة ومشهورة.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة فتح السُّلْطَان الْملك النَّاصِر الخانقاه الَّتِي أَنْشَأَهَا جوَار الْقصر الَّذِي انشأه بسرياقوس وحضره الصُّوفِيَّة والقضاة ومشايخ الْبَلَد، وَسمع السُّلْطَان هُنَاكَ على القَاضِي بدر الدّين بن جمَاعَة عشْرين حَدِيثا من تساعياته بِقِرَاءَة وَلَده عز الدّين عبد الْعَزِيز وخلع عَلَيْهِ خلعة سنية وأكرمه وَعمل السُّلْطَان فِي الخانقاه الْمَذْكُورَة وَلِيمَة عَظِيمَة ورتب فِيهَا الشَّيْخ مجد الدّين الأقصراوي وصوفية وخلع على قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين وعَلى جمَاعَة من الشُّيُوخ وَفرق من الذَّهَب وَالْفِضَّة على الْمَشَايِخ نَحْو ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم.
وفيهَا: فِي رَجَب توفّي بحلب الشَّيْخ علم الدّين طَلْحَة بن يُوسُف كَانَ ﵀ فَاضلا فِي النَّحْو والتصريف والقراءات، حسن الْوَجْه والخلق وَالصَّوْت مشاركاً فِي عُلُوم، وَكَانَ إِلَيْهِ تدريس الْمدرسَة الرواحية بحلب.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِي ربيع الأول مِنْهَا ضربت رَقَبَة نَاصِر بن الهيتي بسوق الْخَيل ظَاهر دمشق بِحكم القَاضِي الْمَالِكِي بِكُفْرِهِ وزندقته وتلاعبه بدين الْإِسْلَام صحب النَّجْم بن خلكان المحلول عَن دين الْإِسْلَام الْمُفطر فِي رَمَضَان الشَّارِب الْخمر عِنْد أهل الْكتاب حفظ ابْن الهيتي فِي أول أمره التَّنْبِيه وَالْقُرْآن، فانسلخ من ذَلِك وهرب من الدماشقة سِنِين، ثمَّ حضر إِلَى حلب وَبهَا القَاضِي كَمَال الدّين بن الزملكاني رَحمَه الله تَعَالَى.
وَكَانَ القَاضِي الْمَذْكُور قد رأى تِلْكَ اللَّيْلَة فِي نَومه كَأَن عقرباً رَأسه أسود ولون جسده عسلياً يدب على كم النَّبِي ﷺ َ - فجَاء نقيب الحكم بدر الدّين مُحَمَّد بن نجم الدّين إِسْحَاق وأزاح الْعَقْرَب عَن كم النَّبِي ﷺ َ - فَأصْبح القَاضِي كَمَال الدّين متحيراً متخوفاً من ذَلِك، ثمَّ أَن ابْن الهيتمي فِي الْيَقَظَة جَاءَ إِلَى بَاب القَاضِي وَاسْتَأْذَنَ فِي الدُّخُول فَأذن لَهُ فَلَمَّا وَقع نظر القَاضِي عَلَيْهِ وعرفه وَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بك إِلَيّ يَا كَافِر وَنظر إِلَى لِبَاسه فَإِذا على رَأسه مئزر صوف أسود وَهُوَ لابس دلفاً عسلياً فَلَمَّا سمع النَّقِيب الْمَذْكُور قَول القَاضِي لَهُ يَا كَافِر أَخَذته زَمعَة وَوجد وَحمل ابْن الهيتي بِلَا أَمر من القَاضِي وأودعه السجْن بالخندق الَّذِي للقلعة وَهَذَا الْمَنَام من الْآيَات العجيبة، ثمَّ أَن القَاضِي جهزه إِلَى دمشق محترزاً عَلَيْهِ فَضربت عُنُقه وَالْحَمْد لله على إعزاز الدّين.
وَفِيه: توفّي جمال الدّين حسن بن المطهر الْحلَبِي بالحلة من شُيُوخ الشِّيعَة وَلما
следующие страницы →