← История

История · id 6624

تاريخ ابن الوردي

ابن الوردي الجد، زين الدين

Полный текст (708 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

(مَاتَ جود وسخاء ... وَعَطَاء كَانَ غمراً) (مَاتَ صدر الشَّام لَكِن ... لايهاب الْمَوْت صَدرا) (كَانَ بالعافين برا ... وَلمن يرجوه بحراً) وَفِيه: قتل الشَّيْخ الصَّالح النَّحْوِيّ ضِيَاء الدّين عبد الله الصُّوفِي تَحت القلعة ظَاهر الْقَاهِرَة وَذَلِكَ أَنه صعد إِلَى القلعة بِسيف مَشْهُور فَضرب بِهِ وَجه نَصْرَانِيّ بالقلعة فَدخل بِهِ إِلَى السُّلْطَان فَظَنهُ جاسوساً فَضربت عُنُقه غَلطا رَحمَه الله تَعَالَى. وفيهَا: فِي ربيع الآخر توفّي شهَاب الدّين أَحْمد بن قطينة الزرعي التَّاجِر الْمَشْهُور بلغت زَكَاة مَاله سنة قازان خَمْسَة وَعشْرين ألفا وَالله أعلم بِمَا تجدّد لَهُ بعد ذَلِك. وَفِيه: تولى القَاضِي جمال الدّين إِبْرَاهِيم الْأَذْرَعِيّ قَضَاء دمشق عوضا عَن ابْن صصرى. وَفِيه: ورد الْخَبَر بِالْقَبْضِ على كريم الدّين وَكيل السُّلْطَان والحوطة على أَمْوَاله وأملاكه، كَانَ قد بلغ من الترقي والسعادة وَالتَّصَرُّف فِي المملكة مَا لَا مزِيد عَلَيْهِ، وَبنى جَوَامِع وَله على النَّاس مَكَارِم. ولعمري مَا أنصف فِيهِ الْقَائِل: (اللّعب بالدينين يقبح بالفتى ... والرأي صدق الْقلب وَالتَّسْلِيم) (هَذَا كريم الدّين لَوْلَا نَصره ... دين النَّصَارَى مَاتَ وَهُوَ كريم) ثمَّ وصل الْخَبَر بِالْقَبْضِ على كريم الدّين الصَّغِير نَاظر الدَّوَاوِين وَأخذ أَمْوَاله فأظهرت الْعَامَّة السرُور بذلك ودعوا للسُّلْطَان. وَفِيه: تولى أَمِين الْملك الوزارة بِالْقَاهِرَةِ، وَكَانَ مُقيما بالقدس، فسر النَّاس بِهِ. وفيهَا: فِي يَوْم الْجُمُعَة منتصف شهر رَمَضَان الْمُعظم توفّي وَالِدي بالمعرة وَحكى لي من حضر غسله أَنه ﵀ لما أَجْلِس على المغتسل وَارْتَفَعت عَنهُ الْأَيْدِي جلس على المغتسل مُسْتقِلّا سَاعَة وفاحت رَائِحَة طيبَة ظَاهِرَة جدا فتواجد الْحَاضِرُونَ وَعَلَيْهِم الْبكاء، نسبته رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ من ولد عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر. وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي الْفَقِيه شرف الدّين مُحَمَّد بن سعد الدّين سعد الله فِي وَادي بني سَالم، وَحمل على أَعْنَاق الرِّجَال إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة، وَصلى عَلَيْهِ بالروضة الشَّرِيفَة، وَدفن بِالبَقِيعِ شَرْقي قبَّة عقيل بن أبي طَالب ﵁، وَكَانَ فَقِيها صَالحا، تفقه على ابْن تَيْمِية وخدمه وَتوجه مَعَه إِلَى الديار المصرية. ثمَّ دخلت سنة أَربع وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِي ربيع الأول مِنْهَا حمل كريم الدّين الَّذِي كَانَ وَكيل السُّلْطَان من الْقُدس إِلَى الديار المصرية فحبس وَأخذت بَقِيَّة أَمْوَاله وذخائره وَحمل إِلَى الصَّعِيد إِلَى قوص.

стр. 632

وفيهَا: فِي ربيع الآخر ورد مرسوم السُّلْطَان بِإِطْلَاق مكس الْغلَّة بالبلاد الشامية. وَفِيه: عزل القَاضِي جمال الدّين إِبْرَاهِيم الْأَذْرَعِيّ عَن الحكم بِدِمَشْق، وَعرض على شَيخنَا برهَان الدّين بن الشَّيْخ تَاج الدّين الْفَزارِيّ فَامْتنعَ. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة بَاشر القَاضِي جلال الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقزْوِينِي الحكم بِدِمَشْق. وَفِيه: رسم السُّلْطَان لِلْأُمَرَاءِ والأجناد بِحَفر خليج من رَأس الخور إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي إِلَى سرياقوس بِسَبَب مَا أنشأه السُّلْطَان من الْبُسْتَان وَالْقصر بِالْمَكَانِ الْمَذْكُور وَأنْفق عَلَيْهِ مَا لَا يُحْصى. وفيهَا: فِي أول رَجَب قدم الْملك شرف الدّين مُوسَى بن أبي بكر ملك التكرور لِلْحَجِّ وصحبته أَكثر من عشرَة آلَاف تكروري، ومملكته متسعة، قيل سعتها ثَلَاث سِنِين، وَتَحْت يَده أَرْبَعَة عشر ملكا، وَحضر بَين يَدي السُّلْطَان لتقبيل يَده فَأمر بتقبيل الأَرْض فَامْتنعَ فأكره عَليّ ذَلِك وَلم يُمكن من الْجُلُوس وَبعث إِلَى السُّلْطَان نَحوا من أَرْبَعِينَ ألف دِينَار وَإِلَى النَّاس عشرَة آلَاف دِينَار، وَلما خرج من عِنْد السُّلْطَان قدم لَهُ حصان أَشهب وخلع عَلَيْهِ خلعة سنية وهيأ لَهُ السُّلْطَان من الهجن والآلات لِلْحَجِّ أَشْيَاء كَثِيرَة، وَكَذَلِكَ نَائِب السلطنة وَأنزل بالقرافة الْكُبْرَى. وفيهَا: فِي تَاسِع عشر شهر رَجَب توفّي قَاضِي الْقُضَاة زين الدّين عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر الشَّافِعِي الخليلي قَاضِي حلب بهَا، وَدفن فِي الْمقَام وبنيت عَلَيْهِ بِمَالِه تربة بوقف أَمر بهَا السُّلْطَان لعدم الْوَارِث لَهُ. كَانَ ﵀ حسن السمت طَوِيل الصمت، عقله أَكثر من علمه، صافياً جاهه، مُسَددًا فِي حكمه، حج مرَارًا، ونظم فِي مدح النَّبِي ﷺ َ - أشعاراً، وَمَا أرق قَوْله: (لَا تسْأَل يَا حبيب قلبِي ... مَا تمّ عَليّ فِي هواكا) (الْعرض فقد صلوت عَنهُ ... وَالنَّفس جَعلتهَا فداكا) وَقَوله دو بَيت: (يَا عصر شَبَابِي المفدي أَرَأَيْت ... مَا أسْرع مَا بَعدت عني ونأيت) (قد كنت مساعدي على كَيْت وَكَيْت ... وَالْيَوْم فَلَو أَبْصرت حَالي لبكيت) سَأَلَهُ بعض الْجَمَاعَة عَن قَوْله: كَيْت وَكَيْت مَا هُوَ؟ فَقَالَ ضَاحِكا وَالله بالوالي مَا أقوله لَك، وَكَانَ ينشد من شعر وَالِده قَاضِي الْخَلِيل بَيْتَيْنِ بديعين هما: (وعد الْغُصْن بِأَن يَحْكِي تثنيه فأخلف ... وَأَرَادَ الْبَدْر أَن يَحْكِي سناه فتكلف) وَسُئِلَ ﵀ عَن كرامات الْأَوْلِيَاء من خرق العوائد كالمشي فِي الْهَوَاء وَمَا أشبه ذَلِك أَحَق هِيَ؟

стр. 633

فَأجَاب بِخَطِّهِ: كرامات الصَّالِحين حق أُؤْمِن بذلك من صميم قلبِي وأعتقده اعتقاداً جَازِمًا بِتَوْفِيق الله وهدايته وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَعَلِيهِ جَمَاهِير الْأمة المكرمة سلفا وخلفاً، ومصنفات الْأَئِمَّة الْأَعْلَام الموثوق بنقلهم، المرجوع إِلَى قلولهم مشحونة بذلك، ودلائله من الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة النَّبَوِيَّة كَثِيرَة، وَمن لَهُ صُحْبَة مَعَ الْقَوْم يرى من عجائب أَحْوَالهم وغرائب أَقْوَالهم وأفعالهم بِحَسب استعداد مَا يثلج سويداء فُؤَاده. وَلَقَد من الله عَليّ بِصُحْبَة بَعضهم فعاينت من الكرامات فِي أَقْوَاله وأفعاله شَيْئا كثيرا مَعَ فرط قصوري وبعدي عَن هَذَا الْمقَام، فيا خيبة مُنكر ذَلِك وَيَا بعده عَن أقصد المسالك، وأنى يرى ضوء الشَّمْس فَاقِد الْبَصَر أَو يُشَاهد الْأَعْشَى نور الْقَمَر فَمَا فِي صَلَاح مُنكر ذَلِك مطمع، فليصور نَفسه بَين يَدَيْهِ وليكبر عَلَيْهَا أَربع، كتبه عبد الله بن مُحَمَّد الشَّافِعِي. وفيهَا: فِي شعْبَان وَفِي النّيل ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَتِسْعَة عشر إصبعاً وغرقت الأقصاب والسواقي وانهدم من الْبَسَاتِين والدور كثير وَوصل كتاب الشَّيْخ أبي بكر الرحي أَن للديار المصرية مائَة وَثَلَاثِينَ سنة وَمَا بلغ النّيل الْحَد الَّذِي بلغ هَذِه السّنة وَأَنه ثَبت على الْبِلَاد ثَلَاثَة أشهر وَنصفا. وَفِيه: استناب القَاضِي جلال الدّين الْقزْوِينِي فِي الحكم عِنْد بِدِمَشْق الْعَلامَة جمال الدّين يُوسُف بن جملَة وفخر الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الْمصْرِيّ. وَفِيه: وصل الْبَرِيد إِلَى دمشق بتقليد كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن الزملكاني بِقَضَاء الْقُضَاة بحلب وأعمالها فَامْتنعَ وَسَأَلَ نَائِب السُّلْطَان الْمُرَاجَعَة فِي أمره فَأجَاب سُؤَاله فَعَاد الْجَواب بإمضاء الْولَايَة وامتثال مرسوم السُّلْطَان فتجهز إِلَى حلب مكرماً، وَوصل إِلَى حلب فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ الْخَامِس وَالْعِشْرين من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة، ثمَّ عمل درساً بِالْمَدْرَسَةِ السُّلْطَانِيَّة الَّتِي تَحت القلعة فأجاد وَأفَاد بِمَا لم يسمع بِمثلِهِ، ومدح يَوْمئِذٍ بمدائح، وعظمه الحلبيون وهابوه وأحبوه فِي أول أمره ثمَّ تغير ذَلِك. قلت: (طَالب الدُّنْيَا معنى ... باعوجاج واستقامة) (أمرنَا فِيهَا عَجِيب ... نسْأَل الله السَّلامَة) وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي الشَّيْخ شرف الدّين مُحَمَّد بن زين الدّين أَحْمد بن المنجا الْحَنْبَلِيّ الْمَذْهَب الدِّمَشْقِي المنشأ المعري الأَصْل أفتى ودرس وَصَحب ابْن تَيْمِية زَمَانا وَأقَام بِمصْر لما حبس ابْن تَيْمِية وَعَاد مَعَه. وَفِيه: وصل كريم الدّين الصَّغِير إِلَى دمشق على نظر الدَّوَاوِين عوضا عَن الصاحب شمس الدّين غبريال. وَفِيه: توفّي كريم الدّين هبة الله المتشرف بِالْإِسْلَامِ بأسوان وجد مشنوقاً بعمامته.

стр. 634

وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة وصلت هَدَايَا عَظِيمَة وتحف إِلَى السُّلْطَان من ملك التتر. وفيهَا: ناول جوبان نَائِب السلطنة عَن أبي سعيد الْأَمِير مُحَمَّد حُسَيْنًا قدحاً ليشربه فَلَمَّا صَار فِي يَده وجده خمرًا فَامْتنعَ من شربه، فَقَالَ جوبان: إِن لم تشربه تُؤدِّي ثَلَاثِينَ تومانا من الذَّهَب، فَقَالَ: أَنا أؤدي ذَلِك فرسم عَلَيْهِ بالمبلغ فَمضى إِلَى الْأَمِير يُلَبِّي وَهُوَ ذُو مَال طائل فعامله على ذَلِك بِرِبْح عشرَة تومانات وَكتب عَلَيْهِ حجَّة فَلَمَّا علم جوبان ذَلِك أحضر مُحَمَّدًا حُسَيْنًا وَقَالَ: تغرم أَرْبَعِينَ توماناً من الذَّهَب وَلَا تشرب قدح خمر قَالَ: نعم فأعجبه ذَلِك وخلع عَلَيْهِ ملبوسه جَمِيعه ومزق الْحجَّة وقربه. قلت: (فَازَ حُسَيْنًا بالثنا والهنا ... بصبره عَن قدح الْخمر) (بلَى فَعُوفِيَ وَاتَّقَى فارتقى ... وَهَذِه عَاقِبَة الصَّبْر) وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي الشَّيْخ الإِمَام بَقِيَّة السّلف عَلَاء الدّين بن الْمُوفق إِبْرَاهِيم بن دَاوُد بن الْعَطَّار بدار الحَدِيث النورية بِدِمَشْق، تفقه على الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ وخدمه وَعرف بِصُحْبَتِهِ، ثمَّ أَنه مرض بالفالج حَتَّى مَاتَ ﵀. ثمَّ دخلت سنة خمس وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِي جُمَادَى الأولى مِنْهَا وَقع بِالْقَاهِرَةِ مطر كثير قل أَن يَقع مثله، وَجَاء سيل إِلَى النّيل فَتغير وَزَاد أَربع أَصَابِع. وَفِيه: وَقع الْغَرق بِبَغْدَاد ودام أَرْبَعَة أَيَّام وَزَاد الشط عَظِيما وغرق دائر الْبَلَد وَمنع النَّاس من الْخُرُوج من الْبَلَد وانحصروا وَلم يبْق حَاكم وَلَا قَاض وَلَا كَبِير وَلَا صَغِير إِلَّا نقل التُّرَاب وساعد فِي عمل السكور لمنع المَاء عَن الْبَلَد وَبقيت بَغْدَاد كلهَا جَزِيرَة فِي وسط المَاء وَدخل المَاء إِلَى الخَنْدَق وغرق كل شَيْء حول الْبَلَد وَخَربَتْ أَمَاكِن كَثِيرَة وَجَمِيع الترب والبساتين والدكاكين والمصلى وَوَقعت مدرسة الجعفرية ومدرسة عبيد الله وغرقت خزانَة الْكتب الَّتِي بهَا وَكَانَت تَسَاوِي أَكثر من عشرَة آلَاف دِينَار، وَصَارَ الرجل إِذا وقف على سور الْبَلَد لَا يرى مد الْبَصَر إِلَّا سَمَاء وَمَاء وغرق خلق وَاشْتَدَّ الْخطب وَامْتنع النّوم من الضجات وَخَوف الْغَرق، وَدَار النَّاس فِي الْأَسْوَاق مكشفة رؤوسهم وعمائهم فِي رقابهم والربعة الشَّرِيفَة على رؤوسهم وهم يَتلون ويستغيثون ويودع بَعضهم بَعْضًا خَائِفين وجلين أَن يخرق المَاء من الخَنْدَق مِقْدَار خرم إبرة فيهلكون، وغلت الأسعار لذَلِك أَيَّامًا. وَمن الْعجب أَن مَقْبرَة الإِمَام أَحْمد تهدمت قبورها وَلم يتَغَيَّر قبر الإِمَام أَحْمد وَسلم من الْغَرق واشتهر ذَلِك واستفاض. ثمَّ ورد كتاب أَن المَاء حمل خشباً عَظِيما وزنت مِنْهُ خَشَبَة فَكَانَت سِتّمائَة رَطْل بالبغدادي، وَجَاء على الْخشب حيات كبار خَلقهنَّ غَرِيب مِنْهَا مَا قتل وَمِنْهَا مَا صعد فِي النّخل وَالشَّجر وَمن الْحَيَّات كثير ميت وَلما نضب المَاء نبت الأَرْض صُورَة بطيخ شكله

стр. 635

على قدر الْخِيَار وَفِي طعمه فجوجة وَأَشْيَاء أخر من النَّبَات غَرِيبَة الشكل وَمَا يُحْصى مَا خرب من الْجَانِبَيْنِ إِلَّا الله تَعَالَى. وفيهَا: أفتى قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن الزملكاني بِتَحْرِيم الِاجْتِمَاع بمشهد روحين ودير الزربة وأشباههما، وَمَعَ من شدّ الرّحال إِلَيْهِ وَنُودِيَ بذلك فِي المملكة الحلبية فَإِنَّهُ كَانَ يشْتَمل على مُنكرَات وبدع وعملت فِي تَحْرِيم ذَلِك المقامة المشهدية وَهِي طَوِيلَة ومشهورة. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة فتح السُّلْطَان الْملك النَّاصِر الخانقاه الَّتِي أَنْشَأَهَا جوَار الْقصر الَّذِي انشأه بسرياقوس وحضره الصُّوفِيَّة والقضاة ومشايخ الْبَلَد، وَسمع السُّلْطَان هُنَاكَ على القَاضِي بدر الدّين بن جمَاعَة عشْرين حَدِيثا من تساعياته بِقِرَاءَة وَلَده عز الدّين عبد الْعَزِيز وخلع عَلَيْهِ خلعة سنية وأكرمه وَعمل السُّلْطَان فِي الخانقاه الْمَذْكُورَة وَلِيمَة عَظِيمَة ورتب فِيهَا الشَّيْخ مجد الدّين الأقصراوي وصوفية وخلع على قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين وعَلى جمَاعَة من الشُّيُوخ وَفرق من الذَّهَب وَالْفِضَّة على الْمَشَايِخ نَحْو ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم. وفيهَا: فِي رَجَب توفّي بحلب الشَّيْخ علم الدّين طَلْحَة بن يُوسُف كَانَ ﵀ فَاضلا فِي النَّحْو والتصريف والقراءات، حسن الْوَجْه والخلق وَالصَّوْت مشاركاً فِي عُلُوم، وَكَانَ إِلَيْهِ تدريس الْمدرسَة الرواحية بحلب. ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِي ربيع الأول مِنْهَا ضربت رَقَبَة نَاصِر بن الهيتي بسوق الْخَيل ظَاهر دمشق بِحكم القَاضِي الْمَالِكِي بِكُفْرِهِ وزندقته وتلاعبه بدين الْإِسْلَام صحب النَّجْم بن خلكان المحلول عَن دين الْإِسْلَام الْمُفطر فِي رَمَضَان الشَّارِب الْخمر عِنْد أهل الْكتاب حفظ ابْن الهيتي فِي أول أمره التَّنْبِيه وَالْقُرْآن، فانسلخ من ذَلِك وهرب من الدماشقة سِنِين، ثمَّ حضر إِلَى حلب وَبهَا القَاضِي كَمَال الدّين بن الزملكاني رَحمَه الله تَعَالَى. وَكَانَ القَاضِي الْمَذْكُور قد رأى تِلْكَ اللَّيْلَة فِي نَومه كَأَن عقرباً رَأسه أسود ولون جسده عسلياً يدب على كم النَّبِي ﷺ َ - فجَاء نقيب الحكم بدر الدّين مُحَمَّد بن نجم الدّين إِسْحَاق وأزاح الْعَقْرَب عَن كم النَّبِي ﷺ َ - فَأصْبح القَاضِي كَمَال الدّين متحيراً متخوفاً من ذَلِك، ثمَّ أَن ابْن الهيتمي فِي الْيَقَظَة جَاءَ إِلَى بَاب القَاضِي وَاسْتَأْذَنَ فِي الدُّخُول فَأذن لَهُ فَلَمَّا وَقع نظر القَاضِي عَلَيْهِ وعرفه وَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بك إِلَيّ يَا كَافِر وَنظر إِلَى لِبَاسه فَإِذا على رَأسه مئزر صوف أسود وَهُوَ لابس دلفاً عسلياً فَلَمَّا سمع النَّقِيب الْمَذْكُور قَول القَاضِي لَهُ يَا كَافِر أَخَذته زَمعَة وَوجد وَحمل ابْن الهيتي بِلَا أَمر من القَاضِي وأودعه السجْن بالخندق الَّذِي للقلعة وَهَذَا الْمَنَام من الْآيَات العجيبة، ثمَّ أَن القَاضِي جهزه إِلَى دمشق محترزاً عَلَيْهِ فَضربت عُنُقه وَالْحَمْد لله على إعزاز الدّين. وَفِيه: توفّي جمال الدّين حسن بن المطهر الْحلَبِي بالحلة من شُيُوخ الشِّيعَة وَلما

стр. 636

ترفض خربنده أحضر إِلَيْهِ وَأكْرم وَجعل لَهُ أرزاقاً كَثِيرَة بلغت مصنفاته فِي الْأُصُول وَفقه الإمامية والمنطق مائَة وَعشْرين مجلداً. وَفِيه: شاع بِدِمَشْق أَن الشَّمْس تكسف بعد الظّهْر فِي السَّاعَة السَّابِعَة من يَوْم الْخَمِيس الثَّامِن وَالْعِشْرين من ربيع الآخر، وَذكروا أَن ذَلِك فِي جَمِيع التقاويم، وَأَن هَذَا حِسَاب لَا يخرم فتهيأ النَّاس للصَّلَاة فَلم تكسف فانكسف المنجمون لذَلِك وَللَّه الْحَمد. وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى قتل الراهب توماً وَكَانَ أسلم وَصَارَ عِنْده حرص على الدّين وَلكنه ارْتَدَّ إِلَى النَّصْرَانِيَّة وَسبق عَلَيْهِ الشَّقَاء فِي أم الْكتاب، نسْأَل الله الْوَفَاة على الْإِسْلَام. وفيهَا: فِي شعْبَان اعتقل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية بقلعة دمشق مكرماً رَاكِبًا وَفِي خدمته مشد الْأَوْقَاف والحاجب ابْن الخطير وأخليت لَهُ قاعة ورتب لَهُ مَا يقوم بكفايته، ورسم السُّلْطَان بِمَنْعه من الْفتيا وَسبب ذَلِك فتيا وجدت بِخَطِّهِ فِي الْمَنْع من السّفر وَمن أَعمال الْمطِي إِلَى زِيَارَة قُبُور الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَحبس جمَاعَة من أَصْحَابه وعزر جمَاعَة ثمَّ أطْلقُوا سوى شمس الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر إِمَام الجوزية فَإِنَّهُ حبس بالقلعة أَيْضا. وَفِيه: وَردت الْأَخْبَار إِلَى الشَّام أَنه أجريت عين باران إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى كَانَ الْعِرَاقِيُّونَ قد شرعوا فِيهَا من أول السّنة وَالْمَاء الْيَوْم بِمَكَّة مثل الْمَدِينَة الضَّعِيف وَالْقَوِي فِيهِ سَوَاء بِحَمْد الله تَعَالَى. قلت: (هَل لي إِلَى مَكَّة من عودة ... فأبلغ السؤل وأقضي الدُّيُون) (غير عَجِيب جري عين بهَا ... فقد جرت شوقاً إِلَيْهَا الْعُيُون) وَفِيه: أبطل السَّيِّد عطيفة مقَام الزيدية، وَأخرج إِمَام الزيدية إخراجاً عنيفاً، ونادى بِالْعَدْلِ فِي الْبِلَاد بمرسوم السُّلْطَان، فسر الْمُسلمُونَ بذلك عَظِيما. وفيهَا: ورد كتاب من بَغْدَاد إِلَى شمس الدّين بن منتاب بِدِمَشْق يتَضَمَّن أَن خياطاً مضى إِلَى الرِّبَاط الَّذِي عمره مُحَمَّد أغا وَقَالَ للصوفية اربطوا سراويلي واختموا وارصدوني فَإِنِّي أُرِيد أعمل أربعينية لَا أَذُوق فِيهَا شَيْئا وَلَا أبول وَلَا أتغوط، فختم سراويله بعض نواب مُحَمَّد أغا وَغَيره عدَّة ختوم وَأقَام بَينهم أحد وَأَرْبَعين يَوْمًا. ثمَّ جَاءَ إِلَيْهِ سعد الدّين وَقَالَ لَهُ: أما أحملك إِلَيّ بَيْتِي وأقم عِنْدِي عشرَة أَيَّام أخر، فَقَالَ لَهُ الْخياط: وَإِن شِئْت صبرت أَرْبَعِينَ أُخْرَى فَحَمله سعد الدّين الْمَذْكُور إِلَى دَاره وقفل عَلَيْهِ الْبَاب وَأخذ الْمِفْتَاح وَدخل عَلَيْهِ بعد سِتَّة أَيَّام فَإِذا الْخياط جَالس شبعان رَيَّان كَأَنَّهُ أَسد فتعجب من ذَلِك، وَكَانَ مَعَ سعد الدّين جمَاعَة من الْعلمَاء تكلمُوا مَعَ الْخياط فوجدوه خَالِيا من الْعُلُوم، وَقَالَ: أَنا لَا أحفظ الْقُرْآن وَلَكِن فِي هَذِه السَّاعَة إنشق الْحَائِط وَخرج لي مِنْهُ

стр. 637

رجلَانِ ومعهما أَربع رمانات فَأَكَلتهَا، فَقيل لَهُ: فالغائط كَيفَ تفعل بِهِ فاختلط فِي الْجَواب فَتَرَكُوهُ. وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة توفّي قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُسلم الْحَنْبَلِيّ الصَّالِحِي بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة وَدفن بِالبَقِيعِ جوَار قبَّة عقيل ﵁ مرض وَخَافَ أَن يَمُوت دون الْمَدِينَة فَأعْطَاهُ الله مناه حج ثَلَاث مَرَّات قبل ذَلِك، وَمُدَّة ولَايَته إِحْدَى عشرَة سنة عمر الْأَوْقَاف، وَقدم الْمُسْتَحقّين وَلم يغر لبسه وَلَا هَيئته وَلَا اتخذ مركوباً، كَانَ يدْخل من الصالحية إِلَى دمشق مَاشِيا، وَلم يضف إِلَى نَفسه مدرسة وَلَا نظرا بِمَعْلُوم ومناقبه كَثِيرَة رَحمَه الله تَعَالَى. قلت: (بَاشر بِالْعَدْلِ والسكينة ... والسيرة الْبرة الأمينة) (وَمن يَعش مثل عَيْش هَذَا ... يستأهل الْمَوْت بِالْمَدِينَةِ) وفيهَا: توفّي كَمَال الدّين عبد الْوَهَّاب بن قَاضِي شُهْبَة الْفَقِيه النَّحْوِيّ، كَانَ متقللاً وانتفع النَّاس بالاشتغال عَلَيْهِ، وَكَانَ يعْتَكف شهر رَمَضَان بِكَمَالِهِ فِي الْجَامِع ﵀. ثمَّ دخلت سنة سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِي آخر الْمحرم مِنْهَا طلب ملك الْأُمَرَاء عَلَاء الدّين الطنبغا الصَّالِحِي النَّائِب بحلب إِلَى الديار المصرية. وفيهَا: فِي صفر وصل الْأَمِير سيف الدّين أرغون الناصري إِلَى حلب نَائِبا بهَا وَكَانَ حج من الديار المصرية هُوَ وَأَتْبَاعه وَزَوْجَة ابْنه بنت السُّلْطَان فحين وصل إِلَى الْقَاهِرَة رسم لَهُ بنيابة حلب. وفيهَا: فِي ربيع الأول بَاشر الحكم بِدِمَشْق قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين مُحَمَّد بن قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين الْحَنْبَلِيّ عوضا عَن ابْن مُسلم، وباشر التدريس بِالْمَدْرَسَةِ الجوزبة. وَفِيه: حاصر الْأَمِير ودي بن جماز الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة سَبْعَة أَيَّام ودخلوها وأحرقوا بَاب السويقة. وفيهَا: فِي ربيع الْآخِرَة قدم نَائِب الشَّام من مصر إِلَى دمشق وصحبته الْأَمِير سيف الدّين قطلوبغا الفخري أَمِيرا بِدِمَشْق. وَفِيه: توفّي الشَّيْخ بدر الدّين مُحَمَّد بن أبي الْفَتْح الأطغاني بحلب أفتى زَمَانا وناب القَاضِي كَمَال الدّين مُحَمَّد بن الحلكاني بحلب، وَكَانَ متواضعاً حسن الِاعْتِقَاد مشاركاً فِي عُلُوم جمة رَحمَه الله تَعَالَى. وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى بَاشر القَاضِي برهَان الدّين الزرعي الْحَنْبَلِيّ الحكم نِيَابَة عَن قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين الْحَنْبَلِيّ. وفيهَا: فِي رَابِع عشر جُمَادَى الأولى توفّي الشَّيْخ الإِمَام شرف الدّين أَبُو مُحَمَّد

стр. 638

عبد الله بن عبد الْحَلِيم بن تَيْمِية الْحَرَّانِي الْحَنْبَلِيّ أَخُو الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَحضر جنَازَته عَالم عَظِيم، ومولده فِي حادي عشر الْمحرم سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بحران، ومناقبه جمة وعلومه كَثِيرَة، بارع فِي فنون عديدة من الْفِقْه والنحو وَالْأُصُول حسن الْعبارَة قوي فِي دينه مليح الْبَحْث صَحِيح الذِّهْن مستحضر لتراجم السّلف عَالم بالتواريخ ملازم لأنواع الْخَيْر وَتَعْلِيم الْعلم عَارِف بِالْحِسَابِ زاهد شرِيف النَّفس قَانِع بِالْقَلِيلِ شُجَاع مِقْدَام مُجَاهِد، كَانَ يخرج من بَيته لَيْلًا، ويأوي إِلَى بَيته لَيْلًا، ويأوي إِلَى المسجاد المهجورة، وَلَا يجلس فِي مَكَان معِين. وَفِيه: انتزاع القَاضِي كَمَال الدّين بن الزملكاني كَنِيسَة الْيَهُود الْمُجَاورَة للمدرسة العصرونية بحلب وبنيت بهَا مأذنة وَسميت الناصرية وَكتب بذلك مكاتيب وشق على الْيَهُود ذَلِك فِي أقطار الأَرْض وَللَّه الْحَمد. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة توجه إِلَى مصر قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْحَاكِم والخطيب بِدِمَشْق وباشر الحكم بالديار المصرية مَعَ تدريس الصالحية والناصرية وَدَار الحَدِيث الكاملية عوضا عَن قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة الْحَمَوِيّ فَإِنَّهُ استعفى من الْقَضَاء لكبر سنة وَضَعفه فَأُجِيب إِلَى ذَلِك ورتب لَهُ كل شهر ألف دِرْهَم وَعشرَة أرادب قَمح. وَفِيه: رسم بقتل الْكلاب بالديار المصرية. وفيهَا: فِي رَجَب وصل الْخَطِيب بدر الدّين مُحَمَّد بن قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين من الْقَاهِرَة إِلَى دمشق مُتَوَلِّيًا الخطابة بالجامع الْأمَوِي بِدِمَشْق، وتدريس الْمدرسَة الشامية الجوانية. وَفِيه: عمل عرس الْأَمِير سيف الدّين قوصون على بنت السُّلْطَان وَيطول شرح ذَلِك. وَفِيه: بالإسنكدرية جرت مخاصمة بَين مُسلم وإفرنجي فَضَربهُ بالمداس فعظمت الْفِتْنَة وَركب النَّائِب بهَا وأغلق بَاب الْبَلَد من الْعَصْر إِلَى بعض اللَّيْل وحصلت مقتلة وزحم النَّائِب وأحرق بَاب السُّلْطَان وَيُسمى بَاب الْيَهُود، وَوَقع بعض نهب فِي دور يلوذ أَهلهَا بالنائب فَكتب إِلَى السُّلْطَان بِمَا وَقع فَغَضب السُّلْطَان وَأمر بِالسَّيْفِ فِي الْإسْكَنْدَريَّة وهدها إِلَى الْبَحْر وَأخذ من التُّجَّار أَمْوَالًا عَظِيمَة ووسط نَحْو ثَلَاثِينَ رجلا وَقت صَلَاة الْجُمُعَة، ثمَّ عزل النَّائِب بعد ضربه وإهانته، وَقتل نَاس من الْفُقَهَاء والمدرسين الصَّالِحين لِأَن بَعضهم خرج وَقت الْفِتْنَة يستغيثون فِي الشوارع إنكاراً لذَلِك. وَلم يزل الْأَمر كَذَلِك حَتَّى قدم تَاج الدّين أَبُو إِسْحَاق وَكيل السُّلْطَان فسكن الْبَلَد، وَكَانُوا ممنوعين من الْخُرُوج وَالدُّخُول وَكَانَ سَبَب غضب السُّلْطَان أَنه ظن أَن الْبَاب الَّذِي أحرق هُوَ بَاب الْحَبْس الَّذِي فِيهِ جمَاعَة من الْأُمَرَاء وَلم يكن الْأَمر كَذَلِك، وَمن يَوْمئِذٍ صَار لَا يُولى بهَا إِلَّا قَاض شَافِعِيّ، وَكتب أَبُو يحيى زَكَرِيَّا الطرابلسي كتابا من الْإسْكَنْدَريَّة يَقُول

стр. 639

فِيهِ: إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون فِيمَا أصَاب الْمُسلمين بثغر الْإسْكَنْدَريَّة من الإحراق وَالضَّرْب وَأخذ الْأَمْوَال وَسَفك الدِّمَاء، فَالله يعظم لنا وَلكم الْأجر. قلت: (تبَارك الله ذُو الْجلَال لقد ... أدهش عَقْلِي زَمَاننَا الْفَاسِد) (مصادرات جرت وَسَفك دَمًا ... وَأَصلهَا ضرب كَافِر وَاحِد) وفيهَا: فِي شعْبَان توفّي قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين عَليّ بن الْوَكِيل الْحَنَفِيّ بِدِمَشْق، كَانَ كَبِير الْقدر صَاحب أَمْلَاك وثروة مكثراً من الْفِقْه وَمن ملح الْأَخْبَار ونكت الْأَشْعَار. وَفِيه: طلب من حلب القَاضِي كَمَال الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن الزملكاني على الْبَرِيد إِلَى حَضْرَة السُّلْطَان ليولى الْقَضَاء بِالشَّام، فَتوفي بِمَدِينَة بلبيس وَحمل إِلَى الْقَاهِرَة فَدفن بالقرافة. كَانَ ﵀ غزير الْعلم كثير الْفُنُون مُسَدّد الفتاوي دَقِيق الذِّهْن صَحِيح الْبَحْث حسن الْخلق جميل الْوَجْه طيب الصَّوْت بعيد الصيت جيد الْخط سخي النَّفس صَحِيح الِاعْتِقَاد بليغ النّظم والنثر. وَلَقَد رَأَيْت كبار مَشَايِخنَا لَا يعدلُونَ بِهِ عَالما فِي زَمَانه وَلَا يُشبههُ عِنْدهم أحد من أقرانه: (أَفِي الرَّأْي يشبه أم فِي السخاء ... أم فِي الشجَاعَة أم فِي الْأَدَب) (فلسنا نرى بعده مثله ... فيا ليته مَا تولى حلب) سُئِلَ رَحمَه الله تَعَالَى مَا الدَّلِيل على أَن الْمَرْأَة لَا يجوز أَن تكون قَاضِيا فَأجَاب الدَّلِيل على ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو من ينشأ فِي الْحِلْية وَهُوَ فِي الْخِصَام غير مُبين﴾ لِأَن من هُوَ فِي الْخِصَام لنَفسِهِ غير مُبين لَا يصلح لفصل خصومات غَيره بطرِيق الأولى، ووقفت لَهُ على مُكَاتبَة إِلَى شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين هبة الله بن الْبَارِزِيّ الْحَمَوِيّ يطْلب مِنْهُ التَّيْسِير الَّذِي وَضعه على الْحَاوِي، أَولهَا: (يَا وَاحِد الْعَصْر ثَانِي الشَّمْس فِي شرف ... وثالث العمرين السالفين هدى) (تيسيرك الشَّامِل الْحَاوِي الْبَسِيط لَهُ ... نِهَايَة لم تنلها غَايَة أبدا) (مُحَرر خص بِالْفَتْح الْعَزِيز فَفِي ... تهذيبه الْمَقْصد الْأَسْنَى لمن رشدا) (وَقد سمت همتي أَن اصطفيه لَهَا ... وَإِن أعلمهُ الأهلين والولدا) (فانعم بِهِ نُسْخَة صحت مُقَابلَة ... ولاح نورك فِي أَثْنَائِهَا وبدا) وَلما وقف شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين الْمَذْكُور على هَذِه الْمُكَاتبَة سر بهَا، وجهز لَهُ نُسْخَة بالتيسير الْمَطْلُوب، وَقَالَ سُبْحَانَ الله لقد كَانَ الشَّيْخ كَمَال الدّين أكبر المنكرين عَليّ فِي الاعتناء بالحاوي الصَّغِير ثمَّ لم ينتبه لقدوه إِلَّا وَقد صرت فِيهِ إِمَامًا. فَائِدَة: رَأَيْت بعض النَّاس اعْترض على الشَّيْخ كَمَال الدّين فِي هَذَا النّظم فِي قَوْله:

стр. 640

ثَانِي الشَّمْس بِكَوْن الْيَاء من ثَانِي وَهُوَ مُنَادِي مُضَاف من حَقه النصب وَفِي قَوْله: أَن اصطفيه لَهَا بِسُكُون الْيَاء أَيْضا، وَمن حَقه النصب بِأَن وَفِي قَوْله فانعم بِهِ نُسْخَة بوصل الْهمزَة وَمن حَقّهَا الْقطع لِأَنَّهُ فعل رباعي، وَهَذَا لقلَّة اطلَاع هَذَا الْمُعْتَرض على غَرِيب الْعَرَبيَّة فَإِن مثل ذَلِك كُله جَائِز فِي ضَرُورَة الشّعْر شَاهد الأول قَول الشَّاعِر: (يَا دَار هِنْد عفت إِلَّا أَنا فِيهَا (وَقَول الْعَرَب أعْط الْقوس باريها)) وَشَاهد الثَّانِي قَول الشَّاعِر: (حَتَّى لقد عفت أَن أرويه فِي الْكتب ... ) وَشَاهد الثَّالِث (قَول) الشَّاعِر: (أَلا ابلغ حاتماً وَأَبا عَليّ ... بِأَن عوَانَة الضبعِي فرا) وفيهَا: وصل فَخر الدّين عُثْمَان بن الْبَارِزِيّ الْحَمَوِيّ إِلَى حلب مُتَوَلِّيًا قَضَاء الْقُضَاة بهَا بعد الْعَلامَة كَمَال الدّين بن الزملكاني ﵀ وَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا يَوْم الْإِثْنَيْنِ فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة. وفيهَا: فِي رَمَضَان وصل إِلَى دمشق مائَة وَأَرْبَعُونَ أَسِيرًا من بِلَاد الفرنج وَذَلِكَ أَن قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين أشهد عَلَيْهِ أَنه جعل لكل من يحضر أَسِيرًا مبلغا عينه، وَكتب بذلك مَكْتُوبًا وَعرف الفرنج ذَلِك فَجعلُوا الأسرى من تجاراتهم وأحضروهم فأعطوا من وقف الأسرى سِتِّينَ ألف دِرْهَم وأطلقوا الأسرى بِحَمْد الله تَعَالَى. وفيهَا: وَفِي ذِي الْقعدَة تولى الشَّيْخ عَلَاء الدّين عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن يُوسُف القونوي الشَّافِعِي قَضَاء الْقُضَاة بِدِمَشْق المحروسة. وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة قرئَ مرسوم سلطاني بِجَامِع دمشق بالتوصية بالأوقاف وإيصالها إِلَى مستحقيها وعمارتها، وَاتِّبَاع شُرُوط واقفيها والتأكيد فِي ذَلِك. ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِيهَا بني فِي وسط الْمَسْعَى طَهَارَة فِيهَا بركَة وَبنى الجوبان نَائِب ملك التتر بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة حَماما حسنا. وفيهَا: فِي صفر وصل إِلَى الشَّام نَائِب الرّوم تمرتاش بن الجوبان، وَتَلَقَّتْهُ النواب وَهُوَ شَاب حسن، وَذَلِكَ أَن أَبَا سعيد لما قتل أَخَاهُ دمشق خواجه فِي شَوَّال من الْعَام الْمَاضِي أَرَادَ والدهما الجوبان محاربة أبي سعيد فَلم يتَّفق لَهُ ذَلِك فهرب تمرتاش بحشمه وأمواله وَلما وصل إِلَى الديار المصرية أَمر السُّلْطَان بإكرامه واحترامه. وَفِيه: وصل المَاء إِلَى الْقُدس بعد عمل طَرِيقه فِي سِتَّة أشهر. وفيهَا: فِي ربيع الأول جدد سطح الْكَعْبَة الشَّرِيفَة وأبوابها وبنيت طَهَارَة مِمَّا يَلِي بَاب بني شيبَة، وأجريت عين مَاء أُخْرَى تعرف بِعَين جبل بَقِيَّة مِمَّا يَلِي حراء على مجْرى الْعين الجوبانية، ووصلت إِلَى مَكَّة أنْفق عَلَيْهَا قدر يسير نَحْو خَمْسَة آلَاف دِرْهَم.

стр. 641

وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى كَانَ حريق عَظِيم بِدِمَشْق فِي سوق الفرانين والقيسارية الجديدة وَالْمَسْجِد وَذهب للنَّاس أَمْوَال عَظِيمَة. وفيهَا: فِي خَامِس جُمَادَى الْآخِرَة توفّي قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين بن الحريري الْحَنَفِيّ بالسكتة، ولي قَضَاء دمشق سِنِين ثمَّ صرف ثمَّ طلب إِلَى مصر فولي الْقَضَاء بهَا، وَكَانَت لَهُ همة عالية وناموس وهيبة وسطوة على الْأُمَرَاء والمتجوهين وأوراد رَحمَه الله تَعَالَى، وَولي مَكَانَهُ الشَّيْخ برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن قَاضِي حصن الأكراد وأكرمه السُّلْطَان وسر بِهِ. وَفِيه: توفّي بالقدس شَيخنَا الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن جبارَة المرداوي الْحَنْبَلِيّ الزَّاهِد الْفَقِيه الأصولي الْمقري النَّحْوِيّ أَقَامَ ﵀ بِمصْر دهراً وجاور بِمَكَّة، ثمَّ قدم دمشق واشتغل النَّاس عَلَيْهِ بهَا مُدَّة، ثمَّ أَقَامَ بحلب وَاشْتَغَلْنَا عَلَيْهِ ثمَّ بالقدس. وَكَانَ صَالحا صَادِقا زاهداً قانعاً، وَله مصنفات مِنْهَا شرح الشاطبية أَربع مجلدات. وفيهَا: فِي شعْبَان قبض على تمرتاش بن جوبان ثمَّ مَاتَ فِي شَوَّال. وفيهَا: فِي لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة توفّي شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمُفْتِي شهَاب الدّين عبد الْحَلِيم بن شيخ الْإِسْلَام مجد الدّين أبي البركات عبد السَّلَام بن عبد الله بن أبي الْقَاسِم بن تَيْمِية الْحَرَّانِي الْحَنْبَلِيّ معتقلاً بقلعة دمشق وَغسل وكفن وَأخرج وَصلى عَلَيْهِ أَولا بالقلعة الشَّيْخ مُحَمَّد بن تَمام، ثمَّ بِجَامِع دمشق بعد الظّهْر وَأخرج من بَاب الْفرج وَاشْتَدَّ الزحام فِي سوق الْخَيل، وَتقدم عَلَيْهِ فِي الصَّلَاة هُنَاكَ أَخُوهُ، وَألقى النَّاس عَلَيْهِم مناديلهم وعمائمهم للتبرك، وتراص النَّاس تَحت نعشه، وحزرت النِّسَاء بِخَمْسَة عشر ألفا، وَأما الرِّجَال فَقيل: كَانُوا مِائَتي ألف وَكثر الْبكاء عَلَيْهِ وختمت لَهُ عدَّة ختم وَتردد النَّاس إِلَى زِيَارَة قَبره أَيَّامًا، ورؤيت لَهُ منامات صَالِحَة ورثاء جمَاعَة. قلت: ورثيته أَنا بمرثية على حرف الطَّاء فشاعت واشتهرت وطلبها مني الْفُضَلَاء وَالْعُلَمَاء من الْبِلَاد وَهِي: (عثا فِي عرضه قوم سلاط ... لَهُم من نثر جوهره الْتِقَاط) (تَقِيّ الدّين أَحْمد خير حبر ... خروف المعضلات بِهِ تخاط) (توفّي وَهُوَ مَحْبُوس فريد ... وَلَيْسَ لَهُ إِلَى الدُّنْيَا انبساط) (وَلَو حَضَرُوهُ حِين قضى لألفوا ... مَلَائِكَة النَّعيم بِهِ أحاطوا) (قضى نحباً وَلَيْسَ لَهُ قرين ... وَلَا لنظيره لف القماط) (فَتى فِي علمه أضحى فريداً ... وَحل المشكلات بِهِ يناط) (وَكَانَ إِلَى النقى يَدْعُو البرايا ... وَيُنْهِي فرقة فسقوا ولاطوا) (وَكَانَ الْجِنّ تفرق من سطاء ... بوعظ للقلوب هُوَ السِّيَاط) (فيا لله مَا قد ضم لحد ... وَيَا لله مَا غطى البلاط)

стр. 642

(هم حسدوه لما لم ينالوا ... مناقبه فقد مكروا وشاطوا) (وَكَانُوا عَن طرائفه كسَالَى ... وَلَكِن فِي أَذَاهُ لَهُم نشاط) (وَحبس الدّرّ فِي الأصداف فَخر ... وَعند الشَّيْخ بالسجن اغتباط) (بآل الْهَاشِمِي لَهُ اقْتِدَاء ... فقد ذاقوا الْمنون وَلم يواطوا) (بَنو تَيْمِية كَانُوا فبانوا ... نُجُوم الْعلم أدْركهَا انهباط) (وَلَكِن يَا ندامة حابسيه ... فَشك الشّرك كَانَ بِهِ يماط) (وَيَا فَرح الْيَهُود بِمَا فَعلْتُمْ ... فَإِن الضِّدّ يُعجبهُ الخباط) (ألم يَك فِيكُم رجل رشيد ... يرى سجن الإِمَام فيستشاط) (إِمَام لَا ولَايَة كَانَ يَرْجُو ... وَلَا وقف عَلَيْهِ وَلَا رِبَاط) (وَلَا جاراكم فِي كسب مَال ... وَلم يعْهَد لَهُ بكم اخْتِلَاط) (فَفِيمَ سجنتموه وغظتموه ... أما لجزا أذيته اشْتِرَاط) (وسجن الشَّيْخ لَا يرضاه مثلي ... فَفِيهِ لقدر مثلكُمْ انحطاط) (أما وَالله لَوْلَا كتم سري ... وَخَوف الشَّرّ لانحل الرِّبَاط) (وَكنت أَقُول مَا عِنْد وَلَكِن ... بِأَهْل الْعلم مَا حسن اشتطاط) (فَمَا أحد إِلَى الْإِنْصَاف يَدْعُو ... وكل فِي هَوَاهُ لَهُ انخراط) (سَيظْهر قصدكم يَا حابسيه ... وننبئكم إِذا نصب الصِّرَاط) (فها هُوَ مَاتَ عَنْكُم وَاسْتَرَحْتُمْ ... فعاطوا مَا أردتم أَن أتعاطوا) (وحلوا واعقدوا من غير رد ... عَلَيْكُم وانطوى ذَاك الْبسَاط) وَكنت اجْتمعت بِهِ رَحمَه الله تَعَالَى بِدِمَشْق سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة بمسجده بالقصاعين وبحثت بَين يَدَيْهِ فِي فقه وَتَفْسِير وَنَحْو فأعجبه كَلَامي وَقبل وَجْهي واني لأرجو بركَة ذَلِك، وَحكى لي عَن واقعته الْمَشْهُورَة فِي جبل كسروان وسهرت عِنْده لَيْلَة فَرَأَيْت من فتوته ومروءته ومحبته لأهل الْعلم وَلَا سِيمَا الغرباء مِنْهُم أمرا كثيرا، وَصليت خَلفه التَّرَاوِيح فِي رَمَضَان فَرَأَيْت على قِرَاءَته خشوعا وَرَأَيْت على صلَاته رقة حَاشِيَة تَأْخُذ بِمَجَامِع الْقُلُوب. مولده ﵀ ورحمنا بِهِ بحران يَوْم الْإِثْنَيْنِ عَاشر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة، هَاجر وَالِده بِهِ وبأخوته إِلَى الشَّام من جور التتر، وعنى الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بِالْحَدِيثِ، وَنسخ جملَة وَتعلم الْخط والحساب فِي الْمكتب وَحفظ الْقُرْآن ثمَّ أقبل على الْفِقْه وَقَرَأَ أَيَّامًا فِي الْعَرَبيَّة على ابْن عبد القوى، ثمَّ فهمها وَأخذ يتَأَمَّل كتاب سِيبَوَيْهٍ حَتَّى فهمه، وبرع فِي النَّحْو وَأَقْبل على التَّفْسِير إقبالاً كلياً حَتَّى سبق فِيهِ، وَأحكم أصُول الْفِقْه كل هَذَا وَهُوَ ابْن بضع عشرَة سنة فانبهر الْفُضَلَاء من فرط ذكائه وسيلان ذهنه وَقُوَّة حافظته وإدراكه، وَنَشَأ فِي تصون تَامّ وعفاف وَتعبد واقتصاد فِي الملبس والمأكل. وَكَانَ يحضر الْمدَارِس والمحافل فِي صغره فيناظر ويفحم الْكِبَار وَيَأْتِي بِمَا يتحيرون

стр. 643

مِنْهُ، وَأفْتى وَله أقل من تسع عشرَة سنة، وَشرع فِي الْجمع والتأليف وَمَات وَالِده وَله إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وَبعد صيته فِي الْعَالم فطبق ذكره الْآفَاق وَأخذ فِي تَفْسِير الْكتاب الْعَزِيز أَيَّام الْجمع على كرْسِي من حفظه فَكَانَ يُورد الْمجْلس وَلَا يتلعثم، وَكَذَلِكَ الدَّرْس بتؤدة وَصَوت جَهورِي فصيح يَقُول فِي الْمجْلس أَزِيد من كراسين، وَيكْتب على الْفَتْوَى فِي الْحَال عدَّة أوصال بِخَط سريع فِي غَايَة التَّعْلِيق والإغلاق. قَالَ الشَّيْخ الْعَلامَة كَمَال الدّين بن الزملكاني علم الشَّافِعِيَّة فِي خطّ كتبه فِي حق ابْن تَيْمِية كَانَ إِذا سُئِلَ عَن فن من الْعلم ظن الرَّائِي وَالسَّامِع أَنه لَا يغْرف غير ذَلِك الْفَنّ، وَحكم بِأَن لَا يعرفهُ أحد مثله، وَكَانَت الْفُقَهَاء من سَائِر الطوائف إِذا جالسوه استفادوا فِي مذاهبهم مِنْهُ أَشْيَاء، قَالَ: وَلَا يعرف أَنه نَاظر أحدا فَانْقَطع مَعَه وَلَا تكلم فِي علم من الْعُلُوم سَوَاء كَانَ عُلُوم الشَّرْع أَو غَيرهَا إِلَّا فاق فِيهِ أَهله، وَاجْتمعت فِيهِ شُرُوط الِاجْتِهَاد على وَجههَا، انْتهى كَلَامه. وَكَانَت لَهُ خبْرَة تَامَّة بِالرِّجَالِ وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم وَمَعْرِفَة بفنون الحَدِيث وبالعالي والنازل وَالصَّحِيح والسقيم مَعَ حفظه لمتونه الَّذِي انْفَرد بِهِ وَهُوَ عَجِيب فِي استحضاره واستخراج الْحجَج مِنْهُ وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي عزوه إِلَى الْكتب السِّتَّة والمسند بِحَيْثُ تصدق عَلَيْهِ أَن يُقَال كل حَدِيث لَا يعرفهُ ابْن تَيْمِية فَلَيْسَ بِحَدِيث وَلَكِن الْإِحَاطَة لله غير أَنه يغترف فِيهِ من بَحر وَغَيره من الْأَئِمَّة يَغْتَرِفُونَ من السواقي. وَأما التَّفْسِير فَسلم إِلَيْهِ، وَله فِي استحضار الْآيَات للإستدلال قُوَّة عَجِيبَة ولفرط إِمَامَته فِي التَّفْسِير وعظمة اطِّلَاعه بَين خطأ كثيرا من أَقْوَال الْمُفَسّرين، وَيكْتب فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة من التَّفْسِير أَو من الْفِقْه أَو من الْأَصْلَيْنِ أَو من الرَّد على الفلاسفة والأوائل نَحوا من أَرْبَعَة كراريس، قَالَ وَمَا يبعد أَن تصانيفه إِلَى الْآن تبلغ خَمْسمِائَة مُجَلد. وَله فِي غير مَسْأَلَة مُصَنف مُفْرد كَمَسْأَلَة التَّحْلِيل وَغَيرهَا، وَله مُصَنف فِي الرَّد على ابْن مطهر الْعَالم الْحلِيّ فِي ثَلَاث مجلدات كبار وتصنيف فِي الرَّد على تأسيس التَّقْدِيس للرازي فِي سبع مجلدات، وَكتاب فِي الرَّد على الْمنطق وَكتاب فِي الْمُوَافقَة بَين المقعول وَالْمَنْقُول فِي مجلدين وَقد جمع أَصْحَابه من فَتَاوِيهِ سِتّ مجلدات كبار. وَله بَاعَ طَوِيل فِي معرفَة مَذَاهِب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ قل أَن يتَكَلَّم فِي مَسْأَلَة إِلَّا وَيذكر فِيهَا الْمذَاهب الْأَرْبَعَة، وَقد خَالف الْأَرْبَعَة فِي مسَائِل مَعْرُوفَة، وصنف فِيهَا وَاحْتج لَهَا بِالْكتاب وَالسّنة. وَله مُصَنف سَمَّاهُ السياسة الشَّرْعِيَّة فِي إصْلَاح الرَّاعِي والرعية، وَكتاب رفع الملام عَن الْأَئِمَّة الْأَعْلَام وَبَقِي عدَّة سِنِين لَا يُفْتِي بِمذهب معِين بل بِمَا قَامَ الدَّلِيل عَلَيْهِ عِنْده، وَلَقَد نصر السّنة الْمَحْضَة والطريقة السلفية، وَاحْتج لَهَا ببراهين ومقدمات وَأُمُور لم يسْبق إِلَيْهَا، وأطبق عِبَارَات أحجم عَنْهَا الْأَولونَ وَالْآخرُونَ وهابوا وجسر هُوَ عَلَيْهَا حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ خلق

стр. 644

من عُلَمَاء مصر وَالشَّام قيَاما لَا مزِيد عَلَيْهِ وبدعوه وناظروه وكابروه وَهُوَ ثَابت لَا يداهن وَلَا يحابي بل يَقُول الْحق المر الَّذِي أدّى إِلَيْهِ اجْتِهَاده وحدة ذهنه وسعة دائرته فِي السّنَن والأقوال وَجرى بَينه وَبينهمْ حملات حربية ووقعات شامية ومصرية، كَانَ مُعظما لحرمات الله دَائِم الابتهال كثير الِاسْتِعَانَة قوي التَّوَكُّل ثَابت الجأش، لَهُ أوراد وأذكار يديمها، وَله من الطّرف الآخر محبون من الْعلمَاء والصلحاء والجند والأمراء والتجار والكبراء وَسَائِر الْعَامَّة تحبه بشجاعته تضرب الْأَمْثَال وببعضها يتشبه أكَابِر الْأَبْطَال وَلَقَد أَقَامَهُ الله فِي نوبَة غازان والتقى أعباء الْأَمر بِنَفسِهِ وَاجْتمعَ بِالْملكِ مرَّتَيْنِ وبخطلو شاه وبولان، وَكَانَ قبجق يتعجب من إقدامه وجرأته على المغول. قَالَ القَاضِي المنشى شهَاب الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن فضل الله فِي تَرْجَمته: جلس الشَّيْخ إِلَى السُّلْطَان مَحْمُود غازان حَيْثُ تجم الْأسد فِي آجامها وَتسقط الْقُلُوب دواخل أجسامها وتجد النَّار فتوراً فِي ضرمها وَالسُّيُوف فرقا فِي قرمها خوفًا من ذَلِك السَّبع المغتال والنمرود الْمُحْتَال وَالْأَجَل الَّذِي لَا يدْفع بحيلة محتال فَجَلَسَ إِلَيْهِ وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى صَدره وواجهه وَدَرَأَ فِي نَحره وَطلب مِنْهُ الدُّعَاء فَرفع يَدَيْهِ ودعا دُعَاء منصف أَكْثَره عَلَيْهِ وغازان يُؤمن على دُعَائِهِ، وَكتب ابْن الزملكاني على بعض تصانيف ابْن تَيْمِية هَذِه الأبيات (مَاذَا يَقُول الواصفون لَهُ ... وَصِفَاته جلت عَن الْحصْر) (هُوَ حجَّة لله قاهرة ... هُوَ بَيْننَا أعجوبة الْعَصْر) (هُوَ آيَة فِي الْخلق ظَاهِرَة ... أنوارها أربت على الْفجْر) وَلما سَافر ابْن تَيْمِية على الْبَرِيد إِلَى الْقَاهِرَة سنة سَبْعمِائة وحض على الْجِهَاد رتب لَهُ مُرَتّب فِي كل يَوْم وَهُوَ دِينَار وتحفه وجاءته بقجة قماش فَلم يقبل من ذَلِك شَيْئا. وَقَالَ القَاضِي أَبُو الْفَتْح ابْن دَقِيق الْعِيد: لما أجتمعت بِابْن تَيْمِية رَأَيْت رجلا كل الْعُلُوم بَين عَيْنَيْهِ يَأْخُذ مَا يُرِيد ويدع مَا يُرِيد وَحضر عِنْده شيخ النُّحَاة أَبُو حَيَّان وَقَالَ مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مثله. وَقَالَ فِيهِ على البديهة أبياتاً مِنْهَا: (قَامَ ابْن تَيْمِية فِي نصر شرعتنا ... مقَام سيد تيم إِذْ عَصَتْ مُضر) (فأظهر الْحق إِذْ آثاره درست ... وأخمد الشَّرّ إِذْ طارت لَهُ الشرر) (كُنَّا نُحدث عَن حبر يَجِيء فها ... أَنْت الإِمَام الَّذِي قد كَانَ ينْتَظر) وَلما جَاءَ السُّلْطَان إِلَى شقحب والخليفة لأقاهما إِلَى قرن الْحرَّة وَجعل يثبتهما فَلَمَّا رأى السُّلْطَان كَثْرَة التتر قَالَ: يَا خَالِد بن الْوَلِيد، قَالَ: قل يَا مَالك يَوْم الدّين إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين، وَقَالَ للسُّلْطَان: اثْبتْ فَأَنت مَنْصُور فَقَالَ لَهُ بعض الْأُمَرَاء: قل إِن شَاءَ الله فَقَالَ: إِن شَاءَ الله تَحْقِيقا لَا تَعْلِيقا، فَكَانَ كَمَا قَالَ، انْتهى مُلَخصا. وَهُوَ أكبر من أَن يُنَبه مثلي على نعوته فَلَو حَلَفت بَين الرُّكْن وَالْمقَام لحلفت إِنِّي مَا

стр. 645

رَأَيْت بعيني مثله وَلَا رأى هُوَ مثل نَفسه فِي الْعَالم، وَكَانَ فِيهِ قلَّة مداراة وَعدم تؤدة غَالِبا وَلم يكن من رجال الدول وَلَا يسْلك مَعَهم تِلْكَ النواميس وأعان أعداءه على نَفسه بِدُخُولِهِ فِي مسَائِل كبار لَا حتملها عقول أَبنَاء زَمَاننَا وَلَا علومهم كَمَسْأَلَة التَّكْفِير فِي الْحلف بِالطَّلَاق وَمَسْأَلَة أَن الطَّلَاق بِالثلَاثِ لَا يَقع إِلَّا بِوَاحِدَة وَأَن الطَّلَاق فِي الْحيض لَا يَقع وساس نَفسه سياسة عَجِيبَة فحبس مَرَّات بِمصْر ودمشق والإسكندرية، وارتفع وانخفض واستبد بِرَأْيهِ وَعَسَى أَن يكون ذَلِك كَفَّارَة لَهُ، وَكم وَقع فِي صَعب بِقُوَّة نَفسه وخلصه الله. وَله نظم وسط وَلم يتَزَوَّج وَلَا تسرى وَلَا كَانَ لَهُ من الْعُلُوم إِلَّا شَيْء قَلِيل وَكَانَ أَخُوهُ يقوم بمصالحة، وَكَانَ لَا يطْلب مِنْهُم غداء وَلَا عشَاء غَالِبا وَمَا كَانَت الدُّنْيَا مِنْهُ على بَال. وَكَانَ يَقُول فِي كثير من أَحْوَال الْمَشَايِخ إِنَّهَا شيطانية أَو نفسانية فَينْظر فِي مُتَابعَة الشَّيْخ الْكتاب وَالسّنة فَإِن كَانَ كَذَلِك فحاله صَحِيح وكشفه رحماني غَالِبا وَمَا هُوَ بالمعصوم، وَله فِي ذَلِك عدَّة تصانيف تبلغ مجلدات من أعجب الْعجب، وَكم عوفي من الصراع الجني إِنْسَان بِمُجَرَّد تهديده للجني، وَجَرت لَهُ فِي ذَلِك فُصُول وَلم يفعل أَكثر من أَن يَتْلُو آيَات وَيَقُول: إِن لم تَنْقَطِع عَن هَذَا المصروع وَإِلَّا علمنَا مَعَك حكم الشَّرْع وَإِلَّا عَملنَا مَعَك مَا يُرْضِي الله وَرَسُوله، وَفِي آخر الْأَمر ظفروا لَهُ بِمَسْأَلَة السّفر لزيارة قُبُور النَّبِيين وَأَن السّفر وَشد الرّحال لذَلِك مَنْهِيّ عَنهُ لقَوْله ﷺ َ -: لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد مَعَ اعترافه بِأَن الزِّيَارَة بِلَا شدّ رَحل قربَة فشنعوا عَلَيْهِ بهَا، وَكتب فِيهَا جمَاعَة بِأَنَّهُ يلْزم من مَنعه شَائِبَة تنقيص للنبوة فيكفر بذلك. وَأفْتى عدَّة بِأَنَّهُ مُخطئ بذلك خطأ الْمُجْتَهدين المغفور لَهُم وَوَافَقَهُ جمَاعَة وَكَبرت الْقَضِيَّة فأعيد إِلَى قاعة بالقلعة فَبَقيَ بضعَة وَعشْرين شهرا، وَآل الْأَمر إِلَى أَن منع من الْكِتَابَة والمطالعة وَمَا تركُوا عِنْده كراساً وَلَا دَوَاة، وَبَقِي أشهراً على ذَلِك، فَأقبل على التِّلَاوَة والتهجد وَالْعِبَادَة حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِين فَلم يفجأ النَّاس إِلَّا نعيه وَمَا علمُوا بمرضه فازدحم الْخلق عِنْد بَاب القلعة وبالجامع زحمة صَلَاة الْجُمُعَة وأرجح، وشيعه الْخلق من أَرْبَعَة أَبْوَاب الْبَلَد وَحمل على الرؤوس وعاش سبعا وَسِتِّينَ سنة وأشهراً، وَكَانَ أسود الرَّأْس قَلِيل شيب اللِّحْيَة ربعَة جَهورِي الصَّوْت أَبيض أعين. قلت: تنقص مرّة بعض النَّاس من ابْن تَيْمِية عِنْد قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين بن الزملكاني وَهُوَ بحلب وَأَنا حَاضر فَقَالَ كَمَال الدّين: وَمن يكون مثل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي زهده وَصَبره وشجاعته وَكَرمه وعلومه، وَالله لَوْلَا تعرضه للسلف لزاحمهم بالمناكب. وَهَذِه نبذة من تَرْجَمَة الشَّيْخ مختصرة أَكْثَرهَا من الدرة اليتيمية فِي السِّيرَة التيمية للْإِمَام الْحَافِظ شمس الدّين مُحَمَّد الذَّهَبِيّ وَالله أعلم. وفيهَا: اشْتهر موت الْأَمِير شمس الدّين قرا سنقر الجوكندار المنصوري بَاشر النِّيَابَة

стр. 646

بِمصْر وبدمشق وبحلب، وَعمر جَوَامِع ومساجد، وَكَانَ ذَا فهم ودهاء وهرب إِلَى التتر فَأَقَامَ عِنْدهم محتماً، وأقطعوه مراغة وَجَاوَزَ التسعين. وفيهَا: مَاتَ الْأَمِير سيف الدّين أيجية الأبوبكري وَكَانَ فِيهِ خير. وفيهَا: أخرج من سجن قلعة دمشق الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر الزرعي إِمَام الجوزية بِشَرْط أَن لَا يدْخل فِي فَتْوَى. وفيهَا: يَوْم عَرَفَة أخرج علم الدّين الجاولي من الْحَبْس. وفيهَا: جَاءَ سيل عَظِيم على عجلون خرب سوق التُّجَّار والمارستان والدباغة وَبَعض الْجَامِع، وَهلك جمَاعَة وعدمت أَمْوَال قدرت بِمِائَتي ألف وَسبعين ألفا. ثمَّ دخلت سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة: فِي الْمحرم مِنْهَا توجه القَاضِي محيي الدّين بن فضل الله إِلَى مصر وَكتب السِّرّ للسُّلْطَان لفالج أصَاب كَاتب السِّرّ عَلَاء الدّين بن الْأَثِير المعري الأَصْل، وَكتب السِّرّ بِدِمَشْق القَاضِي شرف الدّين بن الشهَاب مَحْمُود. وفيهَا: حضر مَعَ الركب الْعِرَاقِيّ فِي تَابُوت جوبان وَولده، وَأَرَادُوا دفنهما فِي الجوبانية غربي الْحُجْرَة النَّبَوِيَّة وَهِي فِي غَايَة الْحسن فَأخر دفنهما حَتَّى يَأْتِي مرسوم السُّلْطَان بذلك. وفيهَا: فِي الْمحرم مَاتَ بِمصْر الْمُفْتِي الزَّاهِد نجم الدّين مُحَمَّد بن عقيل البالسي الشَّافِعِي، نَاب عَن ابْن دَقِيق الْعِيد وَولي قَضَاء دمياط، وَكَانَ من عُلَمَاء مصر. وفيهَا: فِي صفر مَاتَ عَامل بَيت المَال بِدِمَشْق، وَكَانَ أَولا سامرياً اسْمه نَفِيس فَسُمي مُحَمَّدًا، وَحفظ الْقُرْآن، وَكَانَ يقْرَأ فِي السَّبع بِالْحَائِطِ الشمالي. وَفِيه: مَاتَ الْفَقِيه الصَّالح شهَاب الدّين أَحْمد بن هِلَال الزرعي الْحَنْبَلِيّ وَالِد القَاضِي برهَان الدّين بِدِمَشْق. وَفِيه: كمل ترخيم الْحَائِط القبلي بِجَامِع دمشق وزخرفته. وفيهَا: فِي ربيع الأول توفّي الْأَمِير قطلبك الرُّومِي بِدِمَشْق وَكَانَ حاجباً وَهُوَ الَّذِي ولي عمَارَة قناة الْقُدس. وَفِيه: ظهر بِالْقَاهِرَةِ ابْن سَالم والمخدوم وَلَهُمَا أَتبَاع حرامية كَانُوا يخطفون العمائم فأمسكوا وسم بَعضهم. وفيهَا: فِي ربيع الآخر قدم أَوْلَاد قرا سنقر المنصوري دمشق وأعطوا أملاكهم بهَا وَأمر كَبِيرهمْ عَلَاء الدّين بهَا. وَفِيه: مَاتَ الصَّدْر الْكَبِير نجم الدّين عَليّ بن هِلَال الْأَزْدِيّ بِدِمَشْق كتب الطباق فَأكْثر وَأوصى أَن يكْتب على قَبره ﴿يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله﴾

стр. 647

وَفِيه دفن جوبان وَابْنه بِالبَقِيعِ وَلم يمكنا من الدّفن فِي الجوبانية. وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى توفّي شَيخنَا الشَّيْخ برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن الشَّيْخ تَاج الدّين عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن سِبَاع الْفَزارِيّ بالباذرانية وَدفن عقيب الْجُمُعَة بِالْبَابِ الصَّغِير وشيعه الْخلق، ومولده ربيع الأول سنة سِتِّينَ درس بالباذرانية، وَله حَلقَة بالجامع جمع بَين حسن الْخلق وَالْكَرم وَقَضَاء الْحُقُوق ولين العريكة والصيانة والديانة، وَعرضت عَلَيْهِ بالمناصب الْكِبَار وألح عَلَيْهِ فِيهَا كالقضاء والخطابة بِدِمَشْق فتمنع. وساد فِي معرفَة الْمَذْهَب وَله تأليف فِي الْفَرَائِض، وَله تعليقة على التَّنْبِيه نَحْو عشْرين مجلداً تنبئ عَن اطلَاع عَظِيم وَتَحْقِيق. وَله يَد فِي الْأُصُول وَلَا سِيمَا مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب وَفِي الْمنطق وَكَانَ كثير الدّيانَة والورع والتقشف، أفتى فِي شبيبته وَنزل عَن الخطابة بعد أَن وَليهَا، وتصدى للاشتغال وَالْفَتْوَى، وَكَانَ متحرزاً فِي نَقله وفتاويه يقف مَعَ النَّقْل فِي الْفَتَاوَى تديناً متقللاً من الدُّنْيَا رَحمَه الله تَعَالَى. قَالَ لي يَوْمًا قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين مُحَمَّد بن النَّقِيب الشَّافِعِي أحسن الله عاقبته: لقد تصدى الشَّيْخ تَاج الدّين وَولده برهَان الدّين لنفع هَذِه الْأمة ثَمَانِينَ سنة. قلت: (قد كَانَ أعظمهم زهداً وأرفعهم ... مجداً وأسهرهم فِي الْعلم أجفاناً) (مَا أودع الله من فضل لوالده ... إِلَّا وَنحن نرَاهُ فِي ابْنه الآنا) (إِنِّي لأصغر نَفسِي لَازِما أدبي ... من أَن أقيم على الْبُرْهَان برهاناً) وَفِيه: مَاتَ بِدِمَشْق شيخ الْحَنَابِلَة مجد الدّين إِسْمَاعِيل الْحَرَّانِي ومولده سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة بحران. كَانَ يقرئ الْكَافِي وَالْمقنع، ويحفظ أَحَادِيث الْأَحْكَام بلفظها معزوة، يُقَال أَنه قَرَأَ الْمقنع مائَة مرّة. وَكَانَ خيرا لَا يغتاب أحدا وَلَا يخالط وَلَا يتَكَلَّف فِي ملبس وَلَا تودد، وَمن كَلَامه: مَا وَقع فِي قلبِي الترفع على أحد فَإِنِّي خَبِير بنفسي وَلست أعرف أَحْوَال النَّاس. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة مَاتَ بِمصْر الْعَالم البارع معِين الدّين هبة الله بن حشيش نَاظر الْجَيْش فَاضل ذكي أديب حسن المحاضرة كثير الِاشْتِغَال عَارِف بِالْحِسَابِ متواضع. وَفِيه: تولى شهَاب الدّين أَحْمد بن جهيل تدريس الباذرانية مَوضِع شَيخنَا برهَان الدّين. وَفِيه: توفّي الصاحب شرف الدّين يَعْقُوب بن جلال الدّين عبد الْكَرِيم بِمَدِينَة حماه، وَدفن بتربة اسندمر بَاشر نظر المماليك بِدِمَشْق وحجابة الدِّيوَان بحلب وَنظر الْجَيْش بهَا

стр. 648

وَنظر طرابلس وَغير ذَلِك، وَكَانَ وَاسع الصَّدْر كثير المكارم رَحمَه الله تَعَالَى. وفيهَا: فِي رَجَب مَاتَ الشَّيْخ عبد الله أيبك الموله عَتيق الحريري فَجْأَة بِالْقَاهِرَةِ وشيعه خلائق كَانَ لَا يكلم أحدا وَلَا يستر عَوْرَته وَيَأْكُل فِي رَمَضَان. وفيهَا: فِي شعْبَان مَاتَ حسام الدّين الْخَوَارِزْمِيّ حَاجِب الشَّام، وَكَانَ شَيخا مهيباً يُرْسل إِلَى الْمغرب وَدفن بتربته بالقبيبات. وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي قَاضِي الْقُضَاة شيخ الشُّيُوخ عَلَاء الدّين عَليّ بن يُوسُف التبريزي ثمَّ القونوي الشَّافِعِي وَدفن بسفح قاسيون كَانَ مَحْمُود السِّيرَة فِي قَضَائِهِ متفنناً ومحاسنة جمة وتواضعه وآدابه وافرة وطاب الثَّنَاء عَلَيْهِ وَشرح الْحَاوِي فِي مجلدات، وَلما بلغ السُّلْطَان وَفَاته تعجب وَقَالَ: سُبْحَانَ الله الْعَظِيم كَانَ القَاضِي بدر الدّين ابْن جمَاعَة عمره قَاضِيا وَمَات صوفياً وَكَانَ القونوي عمره صوفياً وَمَات قَاضِيا. قلت: (إِن رمت تذكر فِي زَمَانك عَالِيا ... متواضعاً فابدأ بِذكر القونوي) (ولي الْقَضَاء وَصَارَ شيخ شيوخهم ... وَالْقلب مِنْهُ على التصوف منطوي) (زادوه تَعْظِيمًا فَزَاد تواضعاً ... الله أكبر هَكَذَا الْبشر السنوي) وَفِيه: رسم ملك الْأُمَرَاء سيف الدّين تنكز بتوسعة الطّرق بِدِمَشْق كسوق السِّلَاح وَبَاب الْبَرِيد وسوق مَسْجِد الْقصب وخارج بَاب الْجَابِيَة وَأصْلح قنى دمشق وَخَربَتْ أَمْلَاك النَّاس وخسرت عَلَيْهَا أَمْوَال حَتَّى عَادَتْ. قلت فَقيل فِي ذَلِك: (يَا جلق الفيحاء لَا تفرحي ... بِمَا جرى من سَعَة الطّرق) (قد كَانَ فِي طرقك ضيق وَقد ... أصبح مَنْقُولًا إِلَى الرزق) وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة مَاتَ الصاحب الْكَبِير عز الدّين حَمْزَة بن عَليّ بن القلانسي الدِّمَشْقِي وَدفن بتربتهم بالصالحية ولي الوزارة، وَكَانَ رَئِيس زَمَانه بِدِمَشْق. وَفِيه: أخرجت كلاب دمشق وألقيت فِي الخَنْدَق وَفصل بَين الْإِنَاث والذكور بحائط لِئَلَّا تتوالد قيل كَانَت خَمْسَة آلَاف كلب. قلت: لَا يغتر أحد بقول النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة يكره قتل الْكَلْب الَّذِي لَيْسَ بعقور كَرَاهَة تَنْزِيه فَإِن المصنفين مصرحون بِالتَّحْرِيمِ حَتَّى النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب قَالَ وَقَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْأَمر بقتل الْكلاب مَنْسُوخ، وَقد صَحَّ أَنه ﷺ َ - أَمر بقتل الْكلاب مرّة، ثمَّ صَحَّ أَنه نهى عَن قَتلهَا، قَالَ: وَاسْتقر الشَّرْع عَلَيْهِ على التَّفْصِيل الْمَعْرُوف فَأمر بقتل الْأسود إِلَيْهِم، وَكَانَ هَذَا فِي الإبتداء وَهُوَ الْآن مَنْسُوخ، هَذَا كَلَام إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَلَا مزِيد على تَحْقِيقه وَالله أعلم .

стр. 649

ثمَّ دخلت سنة ثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي الْمحرم توفّي القَاضِي عَلَاء الدّين عَليّ بن الْأَثِير كَانَ كَاتب السِّرّ بِمصْر ثمَّ فلج وَانْقطع فولي مَكَانَهُ القَاضِي مُحي الدّين بن فضل الله. وَفِيه: مَاتَ الشَّيْخ فتح الدّين بن قرناص الْحَمَوِيّ ولي نظر جَامع حماه، وَله نظم. وَفِيه: قدم قَاضِي الْقُضَاة علم الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر الأخناني صُحْبَة نَائِب الشَّام عوضا عَن القونوي. فِيهِ: توفّي الْوَزير الزَّاهِد الْعَالم أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن الْوَزير الْأَزْدِيّ الغرناطي بِالْقَاهِرَةِ قَافِلًا من الْحَج بلغ من الجاه بِبَلَدِهِ إِلَى أَنه كَانَ يولي فِي الْملك ويعزل، وَكَانَ ورعاً شرِيف النَّفس عَاقِلا أوصى أَن تبَاع ثِيَابه وَكتبه وَيتَصَدَّق بهَا. وفيهَا: فِي صفر مَاتَ بِدِمَشْق سيف الدّين بهادر المنصوري بداره شيعه النَّائِب والأعيان. وَفِيه: مَاتَ مُسْند الْعَصْر شهَاب الدّين أَحْمد بن أبي طَالب الصَّالِحِي الحجار ابْن شحنة الصالحية توفّي بعد السماع عَلَيْهِ بِنَحْوِ من ساعتين كَانَ ذَا دين وهمة وعقل وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِي الثَّبَات وَعدم النعاس، وحصلت لَهُ للرواية خلع ودراهم وَذهب وإكرام، وشيعه الْخلق والقضاة وَنزل النَّاس بِمَوْتِهِ دَرَجَة. وَفِيه: توفّي قَاضِي الْقُضَاة فَخر الدّين عُثْمَان بن كَمَال الدّين مُحَمَّد ابْن الْبَارِزِيّ الْحَمَوِيّ الْجُهَنِيّ قَاضِي حلب فَجْأَة بعد أَن تَوَضَّأ وَجلسَ بِمَجْلِس الحكم ينْتَظر إِقَامَة الْعَصْر، حج غير مرّة، وَكَانَ يعرف الْحَاوِي فِي الْفِقْه وَشَرحه فِي سِتّ مجلدات، وَكَانَ يعرف الحاجبية والتصريف، وَكَانَ فِيهِ دين وصداقة رَحمَه الله تَعَالَى. وَفِيه فِي ربيع الآخر: تولى قَضَاء الْقَضَاء بحلب القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن النَّقِيب نقل من طرابلس وَولي طرابلس بعده شمس الدّين مُحَمَّد بن الْمجد عِيسَى البعلي سَار من دمشق إِلَيْهَا. وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى أنشأ الْأَمِير الْعَالم سيف الدّين مغلطاي النَّاصِر مدرسة حنفية بِالْقَاهِرَةِ ومكتب أَيْتَام. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة مَاتَ الْأَمِير الْعَالم سيف الدّين أَبُو بكر مُحَمَّد بن صَلَاح الدّين بن صَاحب الكرك بِالْجَبَلِ وَكَانَ فَاضلا شَاعِرًا. وَفِيه: وصل الْخَبَر بعافية السُّلْطَان من كسر يَده فزينت دمشق وخلع على الْأُمَرَاء والأطباء. وَفِيه: مَاتَ بِمَكَّة قاضيها الإِمَام نجم الدّين أَبُو حَامِد. وَفِيه: مَاتَ الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الهدمة، وَله كرامات وشهرة. وَفِيه: حضرت رسل الفرنج يطْلبُونَ بعض الْبِلَاد فَقَالَ السُّلْطَان: لَوْلَا أَن الرُّسُل لَا يقتلُون أَعْنَاقكُم ثمَّ سفروا.

стр. 650

وفيهَا: فِي رَجَب مَاتَت زَوْجَة تنكز وَعمل لَهَا تربة حَسَنَة قرب بَاب الخوصين ورباطاً. وفيهَا: فِي رَمَضَان مَاتَ قَاضِي طرابلس شمس الدّين مُحَمَّد بن مجد الدّين عِيسَى الشَّافِعِي البعلي، وَكَانَ صَاحب فنون. قلت: (لقد عَاشَ دهراً يخْدم الْعلم جهده ... وَكَانَ قَلِيل الْمثل فِي الْعلم والود) (فَلَمَّا تولى الحكم مَا عَاشَ طائلاً ... فَمَا هنئ ابْن الْمجد وَالله بالمجد) وَفِيه: أنشأ الْأَمِير سيف الدّين قوصون الناصري جَامعا عِنْد جَامع طولون عِنْد دَار قتال السَّبع، فَخَطب بِهِ أول يَوْم قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين بِحُضُور السُّلْطَان، وَقرر لخطابته القَاضِي فَخر الدّين مُحَمَّد بن شَاكر. وفيهَا: فِي شَوَّال مَاتَ رَئِيس الكحالين نور الدّين عَليّ بِمصْر. وَفِيه: احترقت الْكَنِيسَة الْمُعَلقَة بِمصْر وَبقيت كوماً. وَفِيه: قدم رَسُول صَاحب الْيمن بهدية فقيد وسجن لِأَن صَاحب الْهِنْد بعث إِلَى السُّلْطَان بِهَدَايَا فَأَخذهَا صَاحب الْيمن وَقتل بعض من كَانَ مَعهَا وَحبس بَعضهم. وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة مَاتَ الْأَمِير عَلَاء الدّين قلبرس بن الْأَمِير عَلَاء الدّين طبرس بِدِمَشْق بِالسَّهْمِ وَكَانَ مقدم ألف، وَله مَعْرُوف وَخلف أَمْوَالًا، وَمَات الْأَمِير سيف الدّين كوليجار بالمحمدي. وفيهَا: بِدِمَشْق فِي ذِي الْحجَّة مَاتَ المعمر الْمسند زين الدّين أَيُّوب بن نعْمَة، وَكَانَت لحيته شَعرَات يسيرَة، وَكَانَ كحالاً وَمَات بهَا أَيْضا الصَّالح الزَّاهِد الشَّيْخ حسن الْمُؤَذّن بالمأذنة بالشرقية بالجامع، وَكَانَ مجاوراً بِهِ وَمَات بدر الدّين مُحَمَّد بن الْمُوفق إِبْرَاهِيم بن دواد بن الْعَطَّار أَخُو الشَّيْخ عَلَاء الدّين ببستانه وَصَلَاح الدّين يُوسُف بن شيخ السلامية صهر الصاحب وشيعه الْخلق وفجع بِهِ أَبَوَاهُ، وَكَانَ شَابًّا متميزا من أَبنَاء الدُّنْيَا المتنعمين. ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فِيهَا: وَردت كتب الْحجَّاج بِمَا جرى بِمَكَّة شرفها الله تَعَالَى حول الْبَيْت من ثورة عبيد مَكَّة سَاعَة الْجُمُعَة بالوفد من النهب والجراحة، وَقتل جمَاعَة من الْحجَّاج، وَقتل أَمِير مصري وَهُوَ أيدمر أَمِير جندار وَابْنه، وَلما بلغ السُّلْطَان ذَلِك غضب وجرد جَيْشًا من مصر وَالشَّام للانتقام من فاعلي ذَلِك. وفيهَا: فِي الْمحرم أَيْضا مَاتَ الْأَمِير الْكَبِير شهَاب الدّين طغان بن مقدم الجيوش سنقر الْأَشْقَر وَدفن بالقرافة جَاوز السِّتين، وَكَانَ حسن الشكل، وَمَات الصَّالح كَمَال الدّين مُحَمَّد بن الشَّيْخ تَاج الدّين الْقُسْطَلَانِيّ بِمصْر سمع ابْن الدهان وَابْن علاق والنجيب وَحدث، وَكَانَ صوفياً.

стр. 651

وفيهَا: فِي صفر مَاتَ قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين مُحَمَّد بن قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين سُلَيْمَان بن حَمْزَة الْحَنْبَلِيّ بِدِمَشْق بالدير ومولده فِي ربيع الآخر سنة خمس وَسِتِّينَ سمع من الشَّيْخ وَابْن النجارية وَأبي بكر الْهَرَوِيّ وَطَائِفَة، وَأَجَازَ لَهُ ابْن عبد الدَّائِم، وَكَانَ عَاقِلا ولي الْقَضَاء بعد ابْن مُسلم وَحج ثَلَاث مَرَّات. وَمَاتَتْ: أم الْحسن فَاطِمَة بنت الشَّيْخ علم الدّين البرزالي سَمِعت الْكثير من خلق وَحدثت وكتبت ربعَة وَأَحْكَام ابْن تَيْمِية وَالصَّحِيح وحجت وَكَانَت تجتهد يَوْم الْحمام أَن لَا تدخل حَتَّى تصلي الظّهْر وتحرص فِي الْخُرُوج لإدراك الْعَصْر رَحمهَا الله تَعَالَى. وفيهَا: فِي صفر أَيْضا وصل نهر الساجور إِلَى نهر قويق وانصبا إِلَى حلب بعد غَرَامَة أَمْوَال عَظِيمَة، وتعب من الْعَسْكَر والرعايا بتولية الْأَمِير فَخر الدّين طمان. وفيهَا: فِي ربيع الأول مَاتَ بحلب الْأَمِير سيف الدّين أرغون الناصري نائبها، وَخرجت جنَازَته بِلَا تَابُوت وعَلى النعش كسَاء بالفقيري من غير ندب وَلَا نياحة وَلَا قطع شعر وَلَا لبس جلّ وَلَا تَحْويل سرج حَسْبَمَا أوصى بِهِ وَدفن بسوق الْخَيل تَحت القلعة وعملت عَلَيْهِ تربة حَسَنَة وَلم يَجْعَل على قَبره سقف وَلَا حجرَة بل التُّرَاب لَا غير. وَكَانَ متقناً لحفظ الْقُرْآن مواظباً على التلاوت، عِنْده فقه وَعلم، وَيرد أَحْكَام النَّاس إِلَى الشَّرْع الشريف حَتَّى كَانَ بعض الْجُهَّال يُنكر عَلَيْهِ ذَلِك، وَكتب صَحِيح البُخَارِيّ بِخَطِّهِ بعد مَا سَمعه من الْحجاز، واقتنى كبتاً نفيسة وَكَانَ عَاقِلا وَفِيه ديانَة ﵀. وفيهَا: فِي صفر أَيْضا ولي قَضَاء الْحَنَابِلَة بِدِمَشْق الشَّيْخ شرف الدّين بن الْحَافِظ واستناب ابْن أَخِيه القَاضِي تَقِيّ الدّين عبد الله بن أَحْمد وَمَات القَاضِي الْفَقِيه الأديب ضِيَاء الدّين عَليّ بن سليم بن ربيعَة الْأَذْرَعِيّ الشَّافِعِي بالرملة نَاب عَن القَاضِي عز الدّين بن الصَّائِغ وناب بِدِمَشْق عَن القونوي، ونظم التَّنْبِيه فِي الْفِقْه فِي سِتَّة عشر الف بَيت وشعره كثير. وَمَات: الرئيس زين الدّين يُوسُف بن مُحَمَّد بن النصيبي بحلب سمع من شيخ الشُّيُوخ عز الدّين مُسْند الْعشْرَة وَحدث قَارب الثَّمَانِينَ. وفيهَا: فِي ربيع الآخر مَاتَ الْأَمِير سيف الدّين طرشي الناصري بِمصْر أَمِير مائَة حج غير مرّة، وَفِيه ديانَة، وَمَات الشَّيْخ عَلَاء الدّين بن صَاحب الجزيرة الْملك الْمُجَاهِد إِسْحَاق بن صَاحب الْموصل لُؤْلُؤ بِمصْر سمع جُزْء بن عَرَفَة من النجيب الوجمعة من ابْن علاق. وَكَانَ جندياً لَهُ ميرة وَمَات بحلب نور الدّين حسن بن الشَّيْخ الْمقري جمال الدّين الفاضلي، روى عَن زَيْنَب بنت مكي، وَكَانَ كَاتبا بحلب، وَمَات الْأَمِير علم الدّين سنجر البرواني بِمصْر فَجْأَة، كَانَ أَمِير خمسين من الشجعان، وَمَات الصَّالح الْمسند شرف الدّين أَحْمد بن عبد المحسن بن الرّفْعَة الْعَدوي سمع وَحدث وَمَات لَيْلَة الْجُمُعَة تَاسِع وَعشْرين

стр. 652

ربيع الآخر، وَمَات بدر الدّين مُحَمَّد بن ناهض أَمَام الفردوس بحلب سمع عوالي الغيلانيات الْكَبِير على القطب ابْن عصرون وَحدث وَله نظم، وَمَات رَئِيس المؤذنين بِجَامِع الْحَاكِم نجم الدّين أَيُّوب بن عَليّ الصُّوفِي وَكَانَ بارعاً فِي فنه، لَهُ أوضاع عَجِيبَة وآلات غَرِيبَة. وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى عَاد الْأَمِير عَلَاء الدّين الطنبغا إِلَى نِيَابَة حلب وَفَرح النَّاس بِهِ وأظهروا السرُور. وفيهَا: حضر بِمَكَّة الْأَمِير رميثة بن أبي نمى الحسني وَقُرِئَ تَقْلِيده، وَلبس الخلعة بِولَايَة مَكَّة، وَحلف مقدم الْعَسْكَر الَّذين وصلوا إِلَيْهِ والأمراء لَهُ بِالْكَعْبَةِ الشَّرِيفَة، وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وَكَانَ وُصُول الْجَيْش إِلَى مَكَّة سَابِع عشر ربيع الآخر. وَفِيه: مَاتَ الإِمَام الْوَرع موفق الدّين أَبُو الْفَتْح الْجَعْفَرِي الْمَالِكِي وشيعه خلق إِلَى القرافة، وقارب السّبْعين وَلم يحدث، وَمَات الْعدْل المعمر برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن عبد الْكَرِيم الْعَنْبَري، بَاشر الصَّدقَات والأيتام والمساجد، وَهُوَ خَال ابْن الزملكاني، وَمَات القَاضِي تَاج الدّين بن النظام الْمَالِكِي بِالْقَاهِرَةِ، وَمَات " أَبُو دبوس " المغربي بِمصْر قيل أَنه ولي مملكة قابس ثمَّ أخذت مِنْهُ فترح فَأعْطِي إقطاعاً فِي الْحلقَة. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة مَاتَ القَاضِي التَّاج أَبُو إِسْحَاق عبد الْوَهَّاب بن عبد الْكَرِيم وَكيل السُّلْطَان وناظر الْخَواص بِمصْر. وَفِيه: وصل إِلَى دمشق الْعَسْكَر الْمُجَرّد إِلَى مَكَّة ومقدمهم الجي بغا غَابُوا خَمْسَة أشهر سوى أَرْبَعَة أَيَّام وَأَقَامُوا بِمَكَّة شهرا وَيَوْما وَحصل بهم الرعب فِي قُلُوب الْعَرَب وهرب من بَين أَيْديهم عظيفة والأشراف بأهلهم وثقلهم، وَعوض عَن عطيفة بأَخيه رميثة وَقرر مَكَانَهُ. وَمَات الْأَمِير حسام الدّين طرنطاي العادلي الدواتدار بِمصْر، وَكَانَ دينا وَله سَماع، وَمَات الْمجد بن اللفنية نَاظر الدَّوَاوِين بِالْقَاهِرَةِ، وَمَات الرئيس تَاج الدّين بن الدماملي كَبِير الكرامية بِمصْر قيل ترك مائَة ألف دِينَار وَوصل الْحَاج عمر بن جَامع السلَامِي إِلَى دمشق من إصْلَاح عين تَبُوك جمع لَهَا من التُّجَّار دون عشْرين ألفا وأحكمت. وفيهَا: فِي رَجَب مَاتَ بِمصْر الْعَلامَة فَخر الدّين عُثْمَان بن إِبْرَاهِيم التركماني سمع من الأبرقوهي وَشرح الْجَامِع الْكَبِير وألقاه فِي المنصورية دروساً، وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق. فصيحاً ودرس بهَا بعده ابْنه. وَمَات: بِمصْر القَاضِي جمال الدّين بن عمر البوزنجي الْمَالِكِي معيد المنصورية. وفيهَا: فِي شعْبَان كَانَ بِدِمَشْق ريح عَاصِفَة حطمت الْأَشْجَار، ثمَّ وَقع فِي تاسعه برد عَظِيم قدر البندق.

стр. 653

وَفِيه: جَاءَ من الكرك الْملك أَحْمد بن مَوْلَانَا السُّلْطَان الْملك النَّاصِر وختن بعد ذَلِك بأيام وأنفذ إِلَى الكرك أَخ لَهُ اسْمه إِبْرَاهِيم. وَمَات سيف الدّين قشتمر الطباخي الناصري بِمصْر كهلاً تفقه لأبي حنيفَة، وَكَانَ دينا، وأحدثت بِالْمَدْرَسَةِ المعزية على شاطئ النّيل الْخطْبَة وخطب عز الدّين عبد الرَّحِيم بن الْفُرَات حَنَفِيّ رتب ذَلِك سيف الدّين طقز دمر أَمِير الْجَيْش. وفيهَا: فِي رَمَضَان قدم دمشق الْعَلامَة تَاج الدّين عمر بن عَليّ اللَّخْمِيّ بن الْفَاكِهَانِيّ الْمَالِكِي من الْإسْكَنْدَريَّة لزيارة الْقُدس وَالْحج فَحدث بِبَعْض تصانيفه، وَسمع الشِّفَاء وجامع التِّرْمِذِيّ من ابْن طرخان وصنف جُزْءا فِي أَن عمل المولد فِي ربيع الأول بِدعَة. وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة مَاتَ الصاحب تَقِيّ الدّين بن السلعوس بِالْقَاهِرَةِ فَجْأَة حج وَسمع من القارون. وَمَات القَاضِي جمال الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن القلانسي التَّمِيمِي، ودرس بالأمينية والظاهرية وَعمل الْإِنْشَاء بِدِمَشْق. وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة مَاتَ الْأَمِير نجم الدّين البطاحي ولي أستاذ دارية السلطنة، وَمَات أَمِين الدّين بن البض، أنْفق أَمْوَالًا فِي بِنَاء خَان المزيرب وَفِي بِنَاء مَسْجِد الذُّبَاب والمأذنة قيل أنْفق فِي وُجُوه الْبر مِائَتي ألف وَخمسين ألفا وَمَات بِدِمَشْق الْأَمِير ركن الدّين عمر بن بهادر، وَكَانَ مليح الشكل وَجَاء التَّقْلِيد بمناصب جمال الدّين بن القلانسي لِأَخِيهِ. ثمَّ دخلت سنة إثنتين وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة: فِي الْمحرم مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الْكَبِير العابد الْمقري أَبُو عبد الرَّحْمَن بن أبي مُحَمَّد بن سُلْطَان القرامزي الْحَنْبَلِيّ بجوبر وَدفن بتربة لَهُ جوَار قبَّة القلندرية بِدِمَشْق. وَكَانَ مَشْهُورا بالمشيخة يتَرَدَّد إِلَيْهِ النَّاس سمع من ابْن أبي الْيُسْر وَابْن عَسَاكِر وَحدث بِدِمَشْق ومصر، وَقَرَأَ بالروايات على الشَّيْخ حسن الصّقليّ. وَمَات الْأَمِير الْكَبِير علم الدّين الدميثري ولي نِيَابَة قلعة دمشق مُدَّة وَحصل بحمص سيل عَظِيم هلك بِهِ خلائق وَمَات بحمام تنكز بهَا نَحْو مِائَتي إمرأة وصغير وصغيرة وَجَمَاعَة رجال دخلُوا ليخلصوا النِّسَاء وَهلك بعض المتفرجين بالجزيرة وانهدمت دَار المستوفي وَهلك ابْنه وصاروا يخرجُون الْمَوْتَى من بواليع الْحمام والقمين وَكَانَ بالحمام عروس فَلهَذَا كثر النِّسَاء بالحمام، وَمَات بِمصْر الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاي الجمالي وزر بِمصْر وَحج بالمصريين. وَمَات: السُّلْطَان الْملك الْمُؤَيد إِسْمَاعِيل بن الْملك الْأَفْضَل على صَاحب حماه، وَله تصانيف حَسَنَة مَشْهُورَة مِنْهَا أصل هَذَا الْكتاب ونظم الْحَاوِي وَشَرحه شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين بن الْبَارِزِيّ شرحاً حسنا، وَله كتاب تَقْوِيم الْبلدَانِ وَهُوَ حسن فِي بَابه، تسلطن بحماه فِي أول سنة عشْرين بعد نيابتها رَحمَه الله تَعَالَى.

стр. 654

وَكَانَ سخياً محباً للْعلم وَالْعُلَمَاء، متقناً يعرف علوماً، وَلَقَد رَأَيْت جمَاعَة من ذَوي الْفضل يَزْعمُونَ أَنه لَيْسَ فِي الْمُلُوك بعد الْمَأْمُون أفضل مِنْهُ رَحمَه الله تَعَالَى. وفيهَا: فِي صفر مَاتَ قَاضِي الجزيرة شمس الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن نصر الشَّافِعِي، وَكَانَ لَهُ تعالق بالدولة ومكاتبة من بَلَده، ثمَّ تحول إِلَى دمشق. وَفِيه: تملك حماه " السُّلْطَان الْملك الْأَفْضَل " نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الْملك الْمُؤَيد على قَاعِدَة أَبِيه وَهُوَ ابْن عشْرين سنة. وفيهَا فِي ربيع الأول مَاتَ بِالْقَاهِرَةِ القَاضِي الإِمَام الْمُحدث تَاج الدّين أَبُو الْقَاسِم عبد الْغفار بن مُحَمَّد بن عبد الْكَافِي بن عوض السَّعْدِيّ سعد خدام الشَّافِعِي، ولد سنة خمسين وسِتمِائَة تفقه وَقَرَأَ النَّحْر على الْأمين الْمحلي وَسمع من ابْن عزوة وَابْن عَلان وَجَمَاعَة وارتحل فلقي بالثغر عُثْمَان بن عَوْف وَعمل مُعْجَمه فِي ثَلَاث مجلدات، وَأَجَازَ لَهُ ابْن عبد الدَّائِم، وروى الْكثير وَخرج أَرْبَعِينَ تساعيات وَأَرْبَعين مسلسلات. وَكَانَ حسن الْخط والضبط متقناً، ولي مشيخة الحَدِيث بالصاحبية وَأفْتى، وَذكر أَنه كتب بِخَطِّهِ أَزِيد من خَمْسمِائَة مُجَلد، وَمَات بِدِمَشْق الْعَلامَة رَضِي الدّين إِبْرَاهِيم بن سُلَيْمَان الرُّومِي الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بالمنطقي بِدِمَشْق بالنورية، وَكَانَ دينا متواضعاً محسناً إِلَى تلامذته حج سبع مَرَّات، وَمَات الْأَمِير عَلَاء الدّين طنبغا السلحدار عمل نِيَابَة حمص ثمَّ نِيَابَة غَزَّة وَبهَا مَاتَ وَحج بالشاميين سنة إِحْدَى عشرَة وَسَبْعمائة. وَمَات بِمَكَّة خطيبها الإِمَام بهاء الدّين مُحَمَّد بن الْخَطِيب تَقِيّ الدّين عبد الله بن الشَّيْخ الْمُحب الطَّبَرِيّ لَهُ نظم ونثر وخطب، وَفِيه كرم ومروءة وفصاحة وخطب بعده أَخُوهُ التَّاج عَليّ. وفيهَا: فِي ربيع الآخر ركب بشعار السلطنة الْملك الْأَفْضَل الْحَمَوِيّ بِالْقَاهِرَةِ وَبَين يَدَيْهِ الغاشية، ونشرت العصائب السُّلْطَانِيَّة والخليفية على رَأسه وَبَين يَدَيْهِ الْحجاب وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء وفرسه بِالرَّقَبَةِ بالشبابة وَصعد القلعة هَكَذَا. وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى مَاتَ قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق شرف الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الإِمَام شرف الدّين حسن بن الْحَافِظ أبي مُوسَى بن الْحَافِظ الْكَبِير عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ فَجْأَة، كَانَ شَيخا مُبَارَكًا. وَمَات فَخر الدّين عَليّ بن سُلَيْمَان طَالب بن كثيرات بِدِمَشْق وَمَات بالإسكندرية الصَّالح الْقدْوَة الشَّيْخ ياقوت الحبشي الإسكندري الشاذلي، وَكَانَت جنَازَته مَشْهُودَة، وَقد جَاوز الثَّمَانِينَ، كَانَ من أَصْحَاب أبي الْعَبَّاس المرسي. وفيهَا: فِي رَجَب مَاتَ الإِمَام الصَّالح عز الدّين عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ الْعِزّ إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن أبي عمر الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ سمع أَبَاهُ وَابْن عبد الدَّائِم وَجَمَاعَة، وَكَانَ خيرا بشوشاً رَأْسا فِي الْفَرَائِض.

стр. 655

وَمَات بِدِمَشْق الناصح مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن قَاسم الدِّمَشْقِي النَّقِيب الجنائزي، كَانَ خَبِيرا بألقاب النَّاس يحصل الدَّرَاهِم وَالْخلْع ويتقيه النَّاس عفى الله عَنهُ. وَمَات بِمصْر فَخر الدّين بن مُحَمَّد بن فضل الله كَاتب المماليك نَاظر الجيوش المصرية، كَانَ لَهُ بر وَعَدَمه النَّاس وَعرفُوا قدره بوفاته فَإِنَّهُ كَانَ يُشِير على السُّلْطَان بالخيرات وَيرد عَن النَّاس أموراً معظمات. قلت: (وَكم أُمُور حدثت بعده ... حَتَّى بَكت حزنا عَلَيْهِ الرتوت) (لَو لم يمت مَا عرفُوا قدره ... مَا يعرف الْإِنْسَان حَتَّى يَمُوت) سمع من ابْن الأبرقوهي واحتيط على حواصله وَمَات شيخ الْقُرَّاء شهَاب الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحي بن أبي الحزم سبط السلعوس النابلسي ثمَّ الدِّمَشْقِي ببستانه بِبَيْت لهيا، وَكَانَ سَاكِنا وقوراً. وَمَات بِمصْر الْأَمِير سيف الدّين إيجية الدواتدار الناصرية الْفَقِيه الْحَنَفِيّ كهلاً، وَولي المنصب بعده الْأَمِير صَلَاح الدّين يُوسُف بن الأسعد، ثمَّ عزل بعد مُدَّة. وفيهَا: فِي شعْبَان كَانَ عرس الْملك مُحَمَّد بن السُّلْطَان على زَوجته بنت بكتمر الساقي وسوارها ألف ألف دِينَار مصرية، وَذبح خيل وجمال وبقر وغنم وأوز ودجاج فَوق عشْرين ألف رَأس وَحمل لَهُ ألف قِنْطَار شمع وَعقد لَهُ ثَمَانِيَة عشر ألف قِنْطَار حلوى سكرية وَأنْفق على هَذَا الْعرس أَشْيَاء لَا تحصى. وَمَات: بِالْقَاهِرَةِ جمال الدّين مُحَمَّد بن بدر الدّين مُحَمَّد بن جمال الدّين مُحَمَّد بن مَالك الطَّائِي الجياني بلغ الْخمسين، وَسمع من ابْن النجاري جرأ خرجه لَهُ عَمه، وَله نظم جيد وَله يحدث. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين ساطي صهر سلار من الْعُقَلَاء وَفِيه ديانَة وَله حُرْمَة وافرة وَمَات بِدِمَشْق أَمِين الدّين سُلَيْمَان بن دَاوُد الطَّبِيب تلميذ الْعِمَاد الدنيسري كَانَ سعيداً فِي علاجه وَحصل أَمْوَالًا. قلت: (مَاتَ سُلَيْمَان الطَّبِيب الَّذِي ... أعده النَّاس لسوء المزاج) (لم يفده طب وَلم يغنه ... علم وَلم يَنْفَعهُ حسن العلاج) كَانَ مقدما على المداواة ودرس بالدخوارية مُدَّة وعاش نَحْو سبعين سنة. وَفِيه: طَغى مَاء الْفُرَات وارتفع وَوصل إِلَى الرحبة وَتَلفت زروع، وانكسر السكر بدير بسير كسرا ذرعه اثْنَان وَسَبْعُونَ ذِرَاعا وَحصل تألم عَظِيم وَعمِلُوا السكر فَلَمَّا قَارب الْفَرَاغ انْكَسَرَ مِنْهُ جَانب وغلت الأسعار بِهَذَا السَّبَب وتعب النَّاس بصعوبة هَذَا الْعَمَل.

стр. 656

وفيهَا: فِي رَمَضَان أَمر بِدِمَشْق الْأَمِير عَليّ بن نَائِب دمشق سيف الدّين تنكز وَلبس الخلعة عِنْد قبر نور الدّين الشَّهِيد الْمَشْهُور بإجابة الدُّعَاء عِنْده، وَمَشى الْأُمَرَاء فِي خدمته إِلَى العتبة السُّلْطَانِيَّة فقبلها. وَفِيه: نقل من دمشق إِلَى كِتَابَة السِّرّ بالأبواب السُّلْطَانِيَّة القَاضِي شرف الدّين أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن الشَّيْخ شهَاب الدّين مَحْمُود، وَنقل إِلَى دمشق القَاضِي محيي الدّين بن فضل الله وَولده وَمَات بِدِمَشْق فَجْأَة الْأَمِير سيف الدّين بلبان العنقاوي الزراق السَّاكِن بالسبعة، وَقد جَاوز السّبْعين من أُمَرَاء الْأَرْبَعين وَمَات شيخ الْقُرَّاء ذُو الْفُنُون برهَان الدّين أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عمر الجعبري الشَّافِعِي بالخليل ومولده سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة، وتصانيفه كَثِيرَة إشتغل بِبَغْدَاد، وَقَرَأَ التَّعْجِيز على مُصَنفه بالموصل وَأقَام شَيخا أَرْبَعِينَ سنة. وَمَات: بِمصْر الْأَمِير سيف الدّين سلامش الظَّاهِرِيّ أَمِير خمسين وَقد قَارب التسعين، وَكَانَ دينا صَالحا. وفيهَا: فِي شَوَّال توجه السُّلْطَان لِلْحَجِّ بأَهْله ومعظم أمرائه فِي حشمة عَظِيمَة، وَمَات الإِمَام شهَاب الدّين أَبُو أَحْمد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَسْكَر الْمَالِكِي مدرس المستنصرية بِبَغْدَاد وَله مصنفات فِي الْفِقْه، وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق ولد فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين بِبَاب الأزج. وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة مَاتَ قَاضِي الْقُضَاة علم الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن عِيسَى بن بدران السَّعْدِيّ الْمصْرِيّ بن الأخنائي بالعادلية بِدِمَشْق وَدفن بسفح قاسيون، كَانَ من شُهُود الخزانة بِمصْر ثمَّ جعل حَاكما بالإسكندرية ثمَّ بِدِمَشْق وَكتب الحكم لِابْنِ دَقِيق الْعِيد ولازم الدمياطي مُدَّة وَسمع من أبي بكر بن الْأنمَاطِي وَجَمَاعَة ومولده عَاشر رَجَب سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة. وَكَانَ عفيفاً فَاضلا عَاقِلا نزهاً متديناً محباً للْحَدِيث وَالْعلم، شرح بعض كتاب البُخَارِيّ. وَفِيه: وَفِي النّيل قبل النيروز بِثَلَاثَة وَعشْرين يَوْمًا وَبلغ أحد عشر من تِسْعَة عشر وَهَذَا لم يعْهَد من سِتِّينَ سنة وغرق أَمَاكِن وأتلف للنَّاس من الْقصب مَا يزِيد على ألف ألف دِينَار وَثَبت على الْبِلَاد أَرْبَعَة أشهر. وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة مَاتَ قطب الدّين مُوسَى بن أَحْمد بن حسان ابْن الشَّيْخ السلامية. وَكَانَ نَاظر الْجَيْش الشَّامي وَمرَّة الْمصْرِيّ، وَدفن بتربة أَنْشَأَهَا بِجنب جَامع الأفرم وعاش اثْنَتَيْنِ وَسبعين ورثاه عَلَاء الدّين بن غَانِم. وَمَات الشَّيْخ الصَّالح الْمقري شمس الدّين مُحَمَّد بن النَّجْم أبي تغلب بن أَحْمد بن أبي تغلب الفاروثي وَيعرف بالمربي، جَاوز الثَّمَانِينَ، كَانَ معلما فِي صَنْعَة الأقباع ويقرئ

стр. 657

صبيانه وَيَتْلُو كثيرا، قَرَأَ بالسبع على الْكَمَال الْمحلي قَدِيما، وَمَات الْعَلامَة الْخَطِيب جمال الدّين يُوسُف بن مُحَمَّد بن مظفر بن حَمَّاد الْحَمَوِيّ الشَّافِعِي خطيب جَامع حماه كَانَ عَالما دينا سمع جُزْء الْأنْصَارِيّ من مؤهل البالسي والمقدار الْقَيْسِي وَحدث واشتغل وَأفْتى، وَكَانَ على قدم من الْعَادة والإفادة رَحمَه الله تَعَالَى. وَمَات الْعَلامَة شمس الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن قَاضِي الْقُضَاة الْحَافِظ سعد الدّين مَسْعُود بن أَحْمد الْحَارِثِيّ بِالْقَاهِرَةِ تصدر للأقراء وَحج مَرَّات وجاور وَسمع من الْعِزّ الْحَرَّانِي وَجَمَاعَة. وَكَانَ ذَا تعبد وتصون وجلالة، قَرَأَ النَّحْو على ابْن النّحاس وَالْأُصُول على ابْن دَقِيق الْعِيد، ومولده سنة إِحْدَى وَسبعين وسِتمِائَة، وَولي بعده تدريس المنصورية قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين. وَمَات كَبِير الْأُمَرَاء سيف الدّين بكتمر الناصري الساقي بعد قَضَاء حجه وَابْنه الْأَمِير أَحْمد أَيْضا وَخلف مَا لَا يُحْصى كَثْرَة، مَاتَا بعيون الْقصب بطرِيق مَكَّة ونقلا إِلَى تربَتهَا بالقرافة. ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي الْمحرم أطلق الصاحب شمس الدّين غبريال بعد مصادرة كَثِيرَة. وَمَات بِدِمَشْق نقيب الْأَشْرَاف شرف الدّين عدنان الْحُسَيْنِي ولي النقابة على الْأَشْرَاف بعد موت أَبِيه وَاسْتمرّ بهَا تسع عشرَة سنة وهم بَيت تشيع. وفيهَا: فِي صفر وصل الْخَبَر بِمَوْت مُحدث بَغْدَاد تَقِيّ الدّين مَحْمُود بن عَليّ بن مَحْمُود بن مقبل الدقوقي كَانَ يحضر مَجْلِسه خلق كثير لفصاحته وَحسن آدابه، وَله نظم وَولى مشيخة المستنصرية وَحدث عَن الشَّيْخ عبد الصَّمد وَجَمَاعَة وَكَانَ يعظ وَحمل نعشه على الرؤس وَمَا خلف درهما. وَفِيه: قدم أَمِين الْملك عبد الله الصاحب على نظر دمشق وَهُوَ سبط السديد الشَّاعِر. وَمَات: بِدِمَشْق الشَّيْخ كَمَال الدّين عمر بن إلْيَاس المراغي، كَانَ عَالما عابداً سمع منهاج الْبَيْضَاوِيّ من مُصَنفه. وفيهَا: فِي ربيع الأول ولي الْقَضَاء بِدِمَشْق الْعَلامَة جمال الدّين يُوسُف بن جملَة بعد الأخنائي. وفيهَا: فِي ربيع الآخر توجه القَاضِي محيي الدّين بن فضل الله وَابْنه إِلَى الْبَاب الشريف وتحول إِلَى مَوْضِعه بِدِمَشْق القَاضِي شرف الدّين أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن الشهَاب مَحْمُود وَولي نقابة الْأَشْرَاف بِدِمَشْق عماد الدّين مُوسَى بن عدنان، وَفِي خَامِس عشر شعْبَان من سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة دخل الْأَمِير بدر الدّين لُؤْلُؤ القندشي إِلَى حلب شاداً على المملكة وعَلى يَده تَذَاكر وصادر المباشرين وَغَيرهم.

стр. 658

وَمِنْهُم النَّقِيب بدر الدّين مُحَمَّد بن زهرَة الْحُسَيْنِي وَالْقَاضِي جمال الدّين سُلَيْمَان بن رَيَّان نَاظر الْجَيْش وناظر الدّين مُحَمَّد بن قرناص عَامل الْجَيْش وَعَمه المحبي عبد الْقَادِر عَامل المحلولات والحاج وَإِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن العزازي والحاج عَليّ بن السقا وَغَيرهم، وَاشْتَدَّ بِهِ الْخطب وانزعج بِهِ النَّاس كلهم حَتَّى البريؤن وقنت النَّاس فِي الصَّلَوَات وَقلت فِي ذَلِك: (قلبِي لعمر الله مَعْلُول ... بِمَا جرى للنَّاس مَعَ لولو) (يَا رب قد شرد عَنَّا الْكرَى ... سيف على الْعَالم مسلول) (وَمَا لهَذَا السَّيْف من مغمد ... سواك يَا من لطفه السول) كَانَ لُؤْلُؤ هَذَا مَمْلُوكا لقندش ضَامِن المكوس بحلب ثمَّ ضمن هُوَ بعد أستاذه الْمَذْكُور ثمَّ صَار ضَامِن الْعداد ثمَّ صَار أَمِير عشرَة، ثمَّ أَمِير طبلخانات ثمَّ صَار مِنْهُ مَا صَار ثمَّ أَنه عزل وَنقل إِلَى مصر وأراح الله أهل حلب مِنْهُ فَعمل بِمصْر أقبح من عمله بحلب وَتمكن وعاقب حَتَّى نسَاء مخدرات وصادر خلقا. وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى مَاتَ عز الْقُضَاة فَخر الدّين بن الْمُنِير الْمَالِكِي من الْعلمَاء ذَوي النّظم والنثر، وَألف تَفْسِيرا وأرجوزة فِي السَّبع، وَمَات قَاضِي المجدل بدر الدّين مُحَمَّد بن تَاج الدّين الجعبري. وَمَات قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة الْكِنَانِي الْحَمَوِيّ بِمصْر لَهُ معرفَة بفنون وعدة مصنفات حسن الْمَجْمُوع كَانَ ينطوي على دين وَتعبد وتصون وتصوف وعقل ووقار وجلالة وتواضع، درس بِدِمَشْق ثمَّ ولي قَضَاء الْقُدس ثمَّ قَضَاء الديار المصرية ثمَّ قَضَاء الشَّام ثمَّ قَضَاء مصر، وَولي مشيخة الحَدِيث بالكاملية ومشيخة الشُّيُوخ وحمدت سيرته ورزق الْقبُول من الْخَاص وَالْعَام وَحج مَرَّات وتنزه عَن مَعْلُوم الْقَضَاء لغناه مُدَّة وَقل سَمعه فِي الآخر قَلِيلا فعزل نَفسه ومحاسنه كَثِيرَة. وَمن شعره: (لم أطلب الْعلم للدنيا الَّتِي ابْتَغَيْت ... من المناصب أَو للجاه وَالْمَال) (لَكِن مُتَابعَة الأسلاف فِيهِ كَمَا ... كَانُوا فَقدر مَا قد كَانَ من حَالي) وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة مَاتَ الرئيس تَاج الدّين طالوت بن نصير الدّين بن الْوَجِيه بن سُوَيْد بِدِمَشْق حدث عَن عمر القواس، وعاش خمسين سنة وَهُوَ سبط الصاحب جمال الدّين بن صصرى، وَكَانَ فِيهِ دين وبر وَله أَمْوَال، وَمَات الْعَلامَة مفتي الْمُسلمين شهَاب بن أَحْمد بن جهبل الشَّافِعِي بِدِمَشْق، درس بالصلاحية، وَولي مشيخة الظَّاهِرِيَّة ثمَّ تدريس الباذرانية، وَله محَاسِن وفضائل وَمَات الْأَمِير علم الدّين طرقشي المشد بِدِمَشْق. وفيهَا: فِي رَجَب مَاتَ الشَّيْخ الإِمَام الْقدْوَة تَاج الدّين بن مَحْمُود الفارقي بِدِمَشْق عَاشَ ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سنة، وَكَانَ عابداً عَاقِلا فَقِيها عفيف النَّفس كَبِير الْقدر، ملازماً للجامع

стр. 659

عالج الصّرْف مُدَّة، ثمَّ ترك وأتجر فِي البضائع وَحدث عَن عمر بن القواس وَغَيره، وَمَات صاحبنا الْأَمِير شهَاب الدّين أَحْمد بن بدر حسن بن المرواني إِلَى نَائِب بعلبك، ثمَّ وَالِي الْبر بِدِمَشْق، وَكَانَ فِيهِ دين كثير التِّلَاوَة محباً للفضل والفضلاء، ولي وَالِده النِّيَابَة بقصير أنطاكية طَويلا وَبهَا مَاتَ. وفيهَا: فِي شعْبَان مَاتَ الْخَطِيب بالجامع الْأَزْهَر عَلَاء الدّين بن عبد المحسن بن قَاضِي الْعَسْكَر الْمدرس بالظاهرية والأشرفية بالديار المصرية. وَفِيه: دخل القَاضِي تَاج الدّين مُحَمَّد بن الزين حلب مُتَوَلِّيًا كِتَابَة السِّرّ وَلبس الخلعة وباشر وَأَبَان عَن تعفف عَن هَدَايَا النَّاس. وفيهَا: فِي رَمَضَان مَاتَ بِدِمَشْق الْأَمِير عَلَاء الدّين أوران الْحَاجِب وَكَانَ ينطوي على ظلم من أَوْلَاد الأكراد. وَمَات: بحماه زين الدّين عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن الْبَارِزِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الْوَلِيّ، كَانَ وَكيل بَيت المَال بهَا، وَبنى بهَا جَامعا وَكَانَت لَهُ مكانة مُرُوءَة ومنزلة عِنْد صَاحب حماه. وَمَات مُسْند الشَّام المعمر تَاج الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمُحدث تَقِيّ الدّين إِدْرِيس، كَانَ فِيهِ خير وديانة. وَمَات: بحماه شيخ الشُّيُوخ فَخر الدّين عبد الله بن التَّاج كَانَ صواماً عابداً ذَا سكينَة سمع من وَالِده. وَمَات الإِمَام المؤرخ شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الْوَهَّاب الشَّافِعِي بِالْقَاهِرَةِ، وَله تَارِيخ فِي ثَلَاثِينَ مجلداً كَانَ ينْسَخ فِي الْيَوْم ثَلَاثَة كراريس وفضيلته تَامَّة عَاشَ خمسين سنة. وَمَات الإِمَام جمال الدّين حُسَيْن بن مَحْمُود الربعِي البالسي بِالْقَاهِرَةِ قَرَأَ بالروايات، وَكَانَ شيخ الْقُرَّاء، وَله وظائف كَثِيرَة أَو بالشجاعي ثمَّ أم بالسلطان نيفاً وَثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ عَالما كثير التَّهَجُّد. وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة أَخذ حَاجِب الْعَرَب بِدِمَشْق عَليّ بن مقلد فَضرب وَحبس وَأخذ مَاله وَقطع لِسَانه وعزل نَاصِر الدّين الدواتدار وَضرب وصودر وأخد مِنْهُ مَال جزيل وَأبْعد إِلَى الْقُدس ثمَّ قطع لِسَان ابْن مقلد مرّة ثَانِيَة فَمَاتَ آخر الْيَوْم. قلت: (أوصيك فَإِن قبلت مني ... أفلحت ونلت مَا تحب) (لَا تدن من الْمُلُوك يَوْمًا ... فالبعد من الْمُلُوك قرب) وَمَات: بحلب أَمِين الدّين عبد الرَّحْمَن الْفَقِيه الشَّافِعِي المواقيتي سبط الْأَبْهَرِيّ، وَكَانَ لَهُ يَد طولى فِي الرياضي وَالْوَقْت والعمليات ومشاركة فِي فنون، وَكَانَ عِنْده لعب فنفق عِنْد

стр. 660

الْملك الْمُؤَيد بحماه، وَتقدم ثمَّ بعده تَأَخّر وتحول إِلَى حلب وَمَات بهَا. قلت: وَأهل حماه يطعنون فِي عقيدته ويعجبني بيتان الثَّانِي مِنْهُمَا مضمن لَا لِكَوْنِهِمَا فِيهِ فَإِن سَرِيرَته عِنْد الله بل لحسن صناعتهما وهما: (إِلَى حلب خُذ عَن حماه رِسَالَة ... أَرَاك قبلت الْأَبْهَرِيّ المنجما) (فَقولِي لَهُ ارحل لَا تقيمن عندنَا ... وَإِلَّا فَكُن فِي السِّرّ والجهر مُسلما) وَمَات: الزَّاهِد الْوَلِيّ أَبُو الْحسن الوسطي العابد محرما ببدر قيل أَنه حج، وَله ثَمَان عشرَة سنة، ثمَّ لَازم الْحَج، وجاور مَرَّات، وَكَانَ عَظِيم الْقدر منقبضاً عَن النَّاس. وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة مَاتَ الْأَمِير الْكَبِير مغلطاي، كَانَ مقدم ألف بِدِمَشْق وَمَاتَتْ الشيخة المسندة الجليلة أم مُحَمَّد أَسمَاء بنت مُحَمَّد بن صصري أُخْت قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين سَمِعت وَحدثت وَكَانَت مباركة كَثِيرَة الْبر وحجت مَرَّات، وَكَانَت تتلو فِي الْمُصحف وتتعبد. قلت: (كَذَلِك فلتكن أُخْت ابْن صصري ... تفوق على النِّسَاء صبي وشيبا) (طراز الْقَوْم انثى مثل هذي ... وَمَا التَّأْنِيث لاسم الشَّمْس عَيْبا) وَمَات أَيْضا بِدِمَشْق عز الدّين إِبْرَاهِيم بن القواس بالعقيبة، ووقف دَاره مدرسة وَأمْسك حَاجِب مصر سيف الدّين الماس أَخُوهُ قُرَّة تمر وَوجد لَهما مَال عَظِيم. ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة: فِي أول الْمحرم مِنْهَا أفرج عَن الْأَمِير بدر الدّين القرماني والأمير سيف الدّين إِسْلَام وأخيه وخلع عَلَيْهِم. وَتُوفِّي بالقدس خَطِيبه وقاضيه الشَّيْخ عماد الدّين عمر النابلسي. وفيهَا: فِي صفر مَاتَ قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان الْأَذْرَعِيّ الشَّافِعِي، ويكنى أَبَا دَاوُد أَيْضا بالسكتة، ولي الْقَضَاء بِمصْر ثمَّ بِالشَّام مُدَّة، وَكَانَ عَلَيْهِ سكينَة ووقار، وأحضر نَاصِر الدّين الدواتدار إِلَى مخدومه سيف الدّين تنكز فَضرب وأهين وكمل عَلَيْهِ مَال يقوم بِهِ وحصلت صعقة أتلفت الكروم والخضروات بغوطة دمشق. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين صلعنة الناصري، وَكَانَ دينا يبْدَأ النَّاس بِالسَّلَامِ فِي الطرقات. وَمَات بطرابلس نائبها الْأَمِير شهَاب الدّين قرطاي المنصوري من كبار الْأُمَرَاء، حج وَأنْفق كثيرا فِي سبل الْخَيْر رَحمَه الله تَعَالَى. وَمَات: بحماه قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين أَبُو الْقَاسِم عمر بن الصاحب كَمَال الدّين الْعقيلِيّ الْحَنَفِيّ الْمَعْرُوف بِابْن العديم، وَكَانَ لَهُ فنون وأدب وَخط وَشعر ومروءة غزيرة، وعصبية لم تحفظ عَلَيْهِ أَنه شتم أحدا مُدَّة ولَايَته وَلَا خيب قاصده.

стр. 661

قلت: (قد كَانَ نجم الدّين شمساً أشرقت ... بحماه للداني بهَا وَالْقَاضِي) (عدمت ضِيَاء ابْن العديم فأنشدت ... مَاتَ الْمُطِيع فيا هَلَاك العَاصِي) وفيهَا: فِي ربيع الأول توفّي الْأَمِير سيف الدّين طرنا الناصري أَمِير مائَة ألف مقدم بِدِمَشْق. وَمَات: جمال الدّين فرج بن شمس الدّين قرا سنقر المنصوري ورسم تنكز نَائِب السلطنة بعمارة بَاب توما وإصلاحه فعمر عمَارَة حَسَنَة وَرفع نَحْو عشرَة أَذْرع ووسع وجدد بَابه. وفيهَا: فِي ربيع الآخر وصل جمال الدّين أقوش نَائِب الكرك إِلَى طرابلس نَائِبا بهَا عوضا عَن طرطاي رَحمَه الله تَعَالَى، وَوصل سيل إِلَى ظَاهر دمشق هدم بعض المساكن وَخَافَ النَّاس مِنْهُ، ثمَّ نقص يَوْمه ولطف الله تَعَالَى. وَتوفيت أم الْخَيْر خَدِيجَة المدعوة ضوء الصَّباح، وَكَانَت تكْتب تخطها فِي الإجازات ودفنت بالقرافة. وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى توفّي الْفَاضِل بدر الدّين مُحَمَّد بن شرف الدّين أبي بكر الْحَمَوِيّ الْمَعْرُوف بِابْن السمين بحماه، وَكَانَ أَبوهُ من فصحاء الْقُرَّاء رحمهمَا الله تَعَالَى. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي بحلب شرف الدّين أَبُو طَالب عبد الرَّحْمَن بن القَاضِي عماد الدّين بن العجمي سمع الشمايل على وَالِده وَحدث وَأقَام مَعَ وَالِده بِمَكَّة فِي صباه أَربع سِنِين. وَكَانَ شَيخا مُحْتَرما من أَعْيَان الْعُدُول وَعِنْده سَلامَة صدر رَحمَه الله تَعَالَى. وَمَات الْأَمِير شمس الدّين مُحَمَّد بن الصَّيْمَرِيّ بن وَاقِف المارستان بالصالحية. وفيهَا: فِي رَجَب وصل كتاب من الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة يذكر فِيهِ أَن وَادي العقيق سَالَ من صفر وَإِلَى الْآن، وَدخل السَّيْل قبَّة حَمْزَة ﵁ وَبَقِي النَّاس عشْرين يَوْمًا مَا يصلونَ إِلَى الْقبَّة وَأخذ نخلا كثيرا وَخرب أَمَاكِن، وَمَات الْأَمِير عز الدّين نقيب العساكر المصرية وَدفن بالقرافة، وَمَات الْأمين نَاصِر الدّين بن سُوَيْد التكريتي سمع على جمَاعَة من أَصْحَاب ابْن طبرزد وَحدث وَكَانَ لَهُ بر وصدقات وَحج مَرَّات وجاور بِمَكَّة، وَمَات الشَّيْخ الْعَالم الرباني الزَّاهِد بَقِيَّة السّلف نجم الدّين اللَّخْمِيّ (القبائي) الْحَنْبَلِيّ بحماه وَكَانَت جنَازَته عَظِيمَة وَحمل على الرؤوس سمع مُسْند الدَّارمِيّ وَحدث. وَكَانَ فَاضلا فَقِيها فرضياً جليل الْقدر وفضائله وتقلله من الدُّنْيَا وزهده مَعْرُوف نفعنا الله ببركته والقباب الْمَنْسُوب إِلَيْهَا قَرْيَة من قرى أشوم الرُّمَّان مُتَّصِلَة بثغر دمياط. قلت: وَقدم مرّة إِلَى الفوعة وأنابها فَسَأَلَنِي عَن الأكدرية إِذا كَانَ بدل الْأُخْت خُنْثَى

стр. 662

فأجبت أَنَّهَا بِتَقْدِير الْأُنُوثَة تصح من سَبْعَة وَعشْرين وَبِتَقْدِير الذُّكُورَة تصح من سِتّ وَالْأُنُوثَة تضر الزَّوْج وَالأُم، والذكورة تضر الْجد وَالْأُخْت وَبَين الْمَسْأَلَتَيْنِ مُوَافقَة بِالثُّلثِ فَيضْرب ثلث السَّبْعَة وَالْعِشْرين وَهُوَ تِسْعَة فِي السِّتَّة تبلغ أَرْبَعَة وَخمسين وَمِنْهَا تصح المسألتان المزوج ثَمَانِيَة عشر وَالأُم اثْنَي عشر وللجد تِسْعَة وَلَا يصرف إِلَى الْخُنْثَى شَيْء وَالْمَوْقُوف خَمْسَة عشر وَفِي طريقها طول لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه فأعجب الشَّيْخ رَحمَه الله تَعَالَى ذَلِك. وفيهَا: فِي شعْبَان مَاتَ فَجْأَة الإِمَام الْحَافِظ أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن سيد النَّاس الْيَعْمرِي أَخذ علم الحَدِيث عَن ابْن دَقِيق الْعِيد والدمياطي وَكَانَ أحد الأذكياء الْحفاظ لَهُ النّظم والنثر والبلاغة والتصانيف المتقنة وَكَانَ شيخ الظَّاهِرِيَّة وخطيب جَامع الخَنْدَق. وفيهَا: يَوْم الْجُمُعَة التَّاسِع وَالْعِشْرين من شهر رَمَضَان انْفَصل القَاضِي جمال الدّين يُوسُف بن جملَة الحجي الشَّافِعِي من قَضَاء دمشق وَعقد لَهُ مجْلِس عِنْد نَائِب السلطنة تنكز وَحكم بعزله لكَونه غزر الشَّيْخ الظهير الرُّومِي فجاوز فِي تعزيره الْحَد ورسم على القَاضِي الْمَذْكُور بالعذراوية، ثمَّ نقل إِلَى القلعة فَأن القَاضِي الْمَالِكِي حكم بحبسه وطولع السُّلْطَان بذلك فَأمر بتنفيذه. قلت: وأعجب بعض النَّاس حَبسه أَولا، ثمَّ رَجَعَ النَّاس إِلَى أنفسهم فأكبروا مثل ذَلِك. وَمِمَّا (قلت) فِيهِ: (دمشق لَا زَالَ ربعهَا خضر ... بعدلها الْيَوْم يضْرب الْمثل) (فضا من المكس مُطلق فَرح ... فِيهَا وقاضي الْقُضَاة معتقل) وَنفي الشَّيْخ الظهير إِلَى بِلَاد الْمشرق، وَكَانَت مُدَّة ولَايَة القَاضِي الْمَذْكُور سنة وَنصفا سوى أَيَّام فَكَانَ النَّاس يرَوْنَ أَن حادثه القَاضِي وحبسه بالقلعة بقيامه على ابْن تَيْمِية جَزَاء وفَاقا. وَمَات الشَّيْخ سيف الدّين يحيى بن أَحْمد بن أبي نصر مُحَمَّد بن عبد الرَّزَّاق الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلي بحماه. وَكَانَ شهماً سخياً رَحمَه الله تَعَالَى، وَفِي منتصف الشَّهْر وجد بِالْقَاهِرَةِ يَهُودِيّ مَعَ مسلمة من بَنَات التّرْك فرجم الْيَهُودِيّ وَأحرقهُ وَأخذ مَاله كُله، وَكَانَ متمولاً وحبست الْمَرْأَة. قلت: (هَذَا تعدى طوره ... فناله مَا ناله) (فأعدموه عرضه ... وروحه وَمَاله)

стр. 663

وَحكى لي عدل أَنه أَخذ مِنْهُ ألف ألف دِرْهَم وَثَلَاث صواني زمرد. وعزل الْأَمِير سيف الدّين بلبان عَن ثغر دمياط وَأخذ مِنْهُ مَال وَحبس. وفيهَا: فِي شَوَّال توفّي الصاحب شمس الدّين غبريال وَكَانَ قد أَخذ مِنْهُ ألفا ألف دِرْهَم، وَكَانَ حسن التَّدْبِير فِي الدنيويات وَأسلم سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة هُوَ وَأمين الْملك مَعًا. وَفِيه: بِالْقَاهِرَةِ خصي عبد أسود كَانَ يتَعَرَّض إِلَى أَوْلَاد النَّاس فَمَاتَ. قلت: (يُعجبنِي وَفَاة من ... فِيهِ فَسَاد وأذى) (لَا حبذا حَيَاته ... وَإِن يمت فحبذا) وَمَات الإِمَام شمس الدّين مُحَمَّد بن عُثْمَان الْأَصْفَهَانِي الْمَعْرُوف بِابْن العجمي الْحَنَفِيّ، كَانَ مدرساً بالإقبالية وَحدث بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة، ودرس أَيْضا بِالْمَدْرَسَةِ الشَّرِيفَة النَّبَوِيَّة وَحدث بِدِمَشْق وَكَانَ فَاضلا وَجمع منسكاً على الْمذَاهب. وَمَات الشَّيْخ الزَّاهِد نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الشّرف صَالح بحماه أَقَامَ أَكثر من ثَلَاثِينَ سنة لَا يَأْكُل الْفَاكِهَة وَلَا اللَّحْم، وَكَانَ ملازماً للصَّوْم لَا يقبل من أحد شَيْئا. قلت: (زرته مرَّتَيْنِ وَالْحَمْد لله ... فعاينت خير تِلْكَ الزِّيَارَة) (كَانَ فِيهِ تواضع وَسُكُون ... وَصَلَاح باد وَحسن عبارَة) وَفِيه: كتب بِدِمَشْق محْضر بِأَن الصاحب غبريال كَانَ احتاط على بَيت المَال وَاشْترى أملاكاً ووقفها وَلَيْسَ لَهُ ذَلِك فَشهد بذلك جمَاعَة مِنْهُم ابْن الشِّيرَازِيّ وَابْن أَخِيه عماد الدّين وَابْن مراجل وَأثبت عِنْد برهَان الدّين الرزمي ونفذه وَامْتنع الْمُحْتَسب عز الدّين بن القلانسي من الشَّهَادَة بذلك فرسم عَلَيْهِ وعزل من الْحِسْبَة. قلت: (فديت أمرا قد راقب الله ربه ... وأفسد دُنْيَاهُ لإِصْلَاح دينه) (وعزل الْفَتى فِي الله أكبر منصب ... يَقِيه الَّذِي يخْشَى بِحسن يقينه) وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة تولى قَضَاء قُضَاة الشَّافِعِيَّة بِدِمَشْق شهَاب الدّين مُحَمَّد بن الْمجد عبد الله بن الْحُسَيْن، درس وَأفْتى قَدِيما وضاهى الْكِبَار وتنقلت بِهِ الْأَحْوَال وَهُوَ على مَا فِيهِ غزير الْمُرُوءَة سخي النَّفس متطلع إِلَى قَضَاء حوائج النَّاس، وَاسْتمرّ قَاضِيا إِلَى أَن كَانَ مَا سَيذكرُ. توجه مهنا بن عِيسَى أَمِير الْعَرَب إِلَى طَاعَة السُّلْطَان بعد النفرة الْعَظِيمَة عَنهُ سِنِين وَمَعَهُ صَاحب حماه الْملك الْأَفْضَل فَأقبل السُّلْطَان على مهنا وخلع عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه مائَة وَسِتِّينَ خلعة ورسم لَهُ بِمَال كثير من الذَّهَب وَالْفِضَّة والقماش وأقطعه عدَّة قرى وَعَاد إِلَى أَهله مكرماً.

стр. 664

وفيهَا مَاتَ: المجود الأديب بدر الدّين حسن بن عَليّ بن عدنان الحمداني ابْن الْمُحدث. وفيهَا: أَظن فِي ذِي الْحجَّة مَاتَ القَاضِي مجد الدّين حرمي بن قَاسم الفاقوسي لشافعي وَكيل بَيت المَال ومدرس قبَّة الشَّافِعِي. وَكَانَ معمراً وألزمت النَّصَارَى وَالْيَهُود بِبَغْدَاد بالغيار ثمَّ نقضت كنائسهم ودياراتهم وَأسلم مِنْهُم وَمن أعيانهم خلق كثير مِنْهُم سديد الدولة وَكَانَ ركنا للْيَهُود عمر فِي زمن يَهُودِيَّته مدفناً لَهُ خسر عَلَيْهِ مَالا طائلاً فخرب مَعَ الْكَنَائِس وَجعل بعض الْكَنَائِس معبدًا للْمُسلمين، وَشرع فِي عمَارَة جَامع بدرب دِينَار، وَكَانَت بيعَة كَبِيرَة جدا واشتهر عَن جمَاعَة من الْعَوام فِي قَرْيَة بتي بالعراق أَنهم دخلُوا على مَرِيض مِنْهُم فَجعل يَصِيح أَخَذَنِي المغول خلصوني مِنْهُم وَكرر ذَلِك فاختلس من بَينهم حَيا فَكَانَ آخر عَهدهم بِهِ. وَكَانَ الرجل من فُقَهَاء الْقرْيَة يتَوَلَّى عُقُود أنكحتهم إِن فِي ذَلِك لعبرة، وَأطلق بِبَغْدَاد مكس الْغَزل وَضَمان الْخمر والفاحشة وَأعْطيت الْمَوَارِيث لِذَوي الْأَرْحَام دون بَيت المَال وخفف كثير من المكوس وَللَّه الْحَمد. ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة: فِي الْمحرم مِنْهَا رجح حسام الدّين مهنا من مصر مكرماً. وَمَات الْأَمِير بدر الدّين كيكلدي عَتيق شمس الدّين الأعسر بِدِمَشْق وَخلف أَوْلَادًا وأملاكاً. وَمَات الْأَمِير بكتمر الحسامي بِمصْر، جدد جَامع قلعة مصر. وَمَات الْملك الْعَزِيز بن الْملك المغيث بن السُّلْطَان الْملك الْعَادِل بن الْكَامِل كتب الْكثير وَعمر. وفيهَا: فِي صفر وصل إِلَى دمشق كَاتب السِّرّ القَاضِي جمال الدّين عبد الله بن القَاضِي كَمَال الدّين بن الْأَثِير صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء بَدَلا عَن شرف الدّين حفيد الشهَاب مَحْمُود. وَمَات شيخ المؤذنين وأنداهم صَوتا برهَان الدّين إِبْرَاهِيم الواني سمع من ابْن عبد الدَّائِم وَجَمَاعَة وَحدث. وَمَات: بِدِمَشْق الْمسند المعمر بدر الدّين عبد الله بن أبي الْعَيْش الشَّاهِد وَقد جَاوز التسعين سمع من مسكي بن قيس بن عَلان، وَكَانَ يطْلب على السماع وَتفرد بأَشْيَاء. وَمَات: بِدِمَشْق تَقِيّ الدّين عبد الرَّحْمَن بن الفويرة الْحَنَفِيّ. وفيهَا: فِي صفر أَمر السُّلْطَان بتسمير رجل سَاحر اسْمه إِبْرَاهِيم. وفيهَا: فِي ربيع الأول مَاتَ الشَّيْخ أَبُو بكر بن غَانِم بالقدس، وَكَانَ لَهُ مَكَارِم، ونظم

стр. 665

وَمَات الْمُحدث أَمِين الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الواني روى عَن الشّرف ابْن عَسَاكِر وَغَيره، وَكَانَ ذَا همة ورحلة وَحج ومجاورة وَكَانَت جنَازَته مَشْهُودَة وطاب الثَّنَاء عَلَيْهِ. وَمَات نظام الدّين حسن ابْن عَم الْعَلامَة كَمَال الدّين بن الزملكاني وَقد جَاوز الْخمسين، وَكَانَ مليح الشكل لطيف الْكَلَام نَاظرا بديوان الْبر. وَمَات كَبِير المجودين وَدين الْخَطِيب بهاء الدّين مَحْمُود بن خطيب بعلبك السّلمِيّ بِالْعقبَةِ، وتأسف النَّاس عَلَيْهِ لدينِهِ وتواضعه وَحسن شكله وبراعة خطه وعفته وتصونه كتب عَلَيْهِ خلق، وَكتب صَحِيح البُخَارِيّ بِخَطِّهِ. وَعمر الْأَمِير حَمْزَة بِدِمَشْق حَماما عِنْد القنوات وأدير فِيهِ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ جزناً وأوجر كل يَوْم بِأَرْبَعِينَ درهما، وَعظم حَمْزَة وَأَقْبل عَلَيْهِ تنكز بعد الدواتدار، ثمَّ طَغى وتجبر وظلم وَعظم الْخطب بِهِ فَضَربهُ تنكز وحبسه، وَنقل إِلَى القلعة ثمَّ حبس بِحَبْس بَاب الصَّغِير، ثمَّ أطلق أَيَّامًا وصودر، ثمَّ أهلك سرا بالبقاع قيل غرق وَقطع لِسَانه من أَصله وَهُوَ الَّذِي أتلف أَمر الدواتدار وَابْن مقلد وَابْن جملَة، وَله حكايات فِي ظلمه وَرفع فِيهِ يَوْم أمسك تِسْعمائَة قصَّة وبولغ فِي ضربه وَرمي بالبندق فِي جسده وَمَا رق عَلَيْهِ أحد. قلت: (لَو تفطن العاتي الْمَظْلُوم لحاله ... لبكى عَلَيْهَا فَهِيَ بئس الْحَال) (يَكْفِيهِ شُؤْم وَفَاته وقبيح مَا ... يثنى عَلَيْهِ وَبعد ذَا أهوال) وفيهَا: فِي ربيع الآخر توفّي الْفَقِير الصَّالح اللَّازِم لمجالس الحَدِيث أَبُو بكر بن هَارُون الشَّيْبَانِيّ الْجَزرِي، روى عَن ابْن النخاري. وَقدم عَليّ نِيَابَة طرابلس سيف الدّين طينال الناصري عوضا عَن أقوش الكركي، وَحبس الكركي بقلعة دمشق ثمَّ نقل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة. وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى مَاتَ عَلَاء الدّين عَليّ بن السلعوس التنوخي وَقد بَاشر صحابة الدِّيوَان بِدِمَشْق، ثمَّ ترك واحتيط بِمصْر على دَار الْأَمِير بكتمر الْحَاجِب الحسامي ونبشت فَأخذ مِنْهَا شَيْء عَظِيم. وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة مَاتَ مشد دَار الطّراز سيف الدّين عَليّ بن عمر بن قزل سبط الْملك الْحَافِظ ووقف على كرْسِي وسيع بالجامع. وَمَات: ببعلبك الْفَقِيه أَبُو طَاهِر سمع من التَّاج عبد الْخَالِق وعدة وَكتب وَحدث وَعمل ستر ديباج منقوش على الْمُصحف العثماني بِدِمَشْق بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم وَخَمْسمِائة. قلت: (ستروا المكرم بالحرير وستره ... بالدر والياقوت غير كثير) (ستروه وَهُوَ من الغواية سترنا ... عجي لهَذَا السَّاتِر المستور)

стр. 666

وَمَات فَجْأَة التَّاجِر عَلَاء الدّين عَليّ السنجاري بِالْقَاهِرَةِ، وَهُوَ الَّذِي أنشأ دَار الْقُرْآن بياب الناطفانيين. قلت: (مَا مَاتَ من هذي صِفَاته ... فوفاة ذَا عِنْدِي حَيَاته) (إِن مَاتَ هَذَا صُورَة ... أحيته معنى سالفاته) وَمَات بِمصْر الْوَاعِظ شمس الدّين حُسَيْن وَهُوَ آخر أَصْحَاب الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ سمع من جمَاعَة، وَكَانَ عَالما حسن الشكل. وَمَات الْفَاضِل الأديب زكي الدّين الْمَأْمُون الْحِمْيَرِي الْمصْرِيّ الْمَالِكِي بِمصْر ولي نظر الكرك والشوبك وَعمر نَحْو تسعين سنة. وفيهَا: فِي رَجَب مَاتَ الْفَقِيه مُحَمَّد بن محيي الدّين مُحَمَّد بن القَاضِي شمس الدّين بن الزكي العثماني شَابًّا درس مُدَّة بِدِمَشْق. وَمَات الْحَافِظ قطب الدّين الْكَلْبِيّ بالحسينية حفظ الألفية والشاطبية وَسمع من القَاضِي شمس الدّين بن الْعِمَاد وَغَيره، وَحج مَرَّات وصنف وَكَانَ كيساً حسن الْأَخْلَاق مطرحاً للتكلف طَاهِر اللِّسَان مضبوط الْأَوْقَات شرح مُعظم البُخَارِيّ وَعمل تَارِيخا لمصر لم يتمه، ودرس الحَدِيث بِجَامِع الْحَاكِم، وَخلف تِسْعَة أَوْلَاد، وَدفن عِنْد خَاله الشَّيْخ نصر المنبجي وَفِيه: أخرج السُّلْطَان من حبس الْإسْكَنْدَريَّة ثَلَاثَة عشر نَفرا مِنْهُم تمر الساقي الَّذِي نَاب طرابلس وبيبرس الْحَاجِب وخلع على الْجَمِيع. وَفِيه: طلب قَاضِي الْإسْكَنْدَريَّة فَخر الدّين بن سكين وعزل بِسَبَب إفرنجي. وفيهَا: فِي شعْبَان مَاتَ الْمُفْتِي بدر الدّين مُحَمَّد بن الفويرة الْحَنَفِيّ سمع وَحدث. وَمَات: القَاضِي زين الدّين عبد الْكَافِي بن عَليّ بن تَمام روى عَن الْأنمَاطِي وَأخذ عَنهُ ابْن رَافع وَغَيره. وَمَات عز الدّين يُوسُف الْحَنَفِيّ بِمصْر حدث عَن إِبْرَاهِيم وناب فِي الحكم. وفيهَا: فِي رَمَضَان مَاتَ صاحبنا شمس الدّين مُحَمَّد بن يُوسُف التدمري خطيب حمص، كَانَ يُفْتِي ويدرس، وَتَوَلَّى قَضَاء الْإسْكَنْدَريَّة الْعِمَاد مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصُّوفِي. وفيهَا: فِي شَوَّال قدم عَسْكَر حلب والنائب من غزَاة بلد سيس، وَقد خربوا فِي بلد أدنة وطرسوس وأحرقوا الزروع واستقاوا الْمَوَاشِي وَأتوا بمائتين وَأَرْبَعين أَسِيرًا، وَمَا عدم من الْمُسلمين سوى شخص وَاحِد غرق فِي النَّهر وَكَانَ الْعَسْكَر عشرَة آلَاف سوى من تَبِعَهُمْ فَلَمَّا علم أهل أياس بذلك أحاطوا بِمن عِنْدهم من الْمُسلمين التُّجَّار وَغَيرهم وحبسوهم فِي خَان ثمَّ أحرقوه فَقل من نجى فعلوا ذَلِك بِنَحْوِ ألفي رجل من التُّجَّار البغاددة وَغَيرهم فِي يَوْم عيد الْفطر فَللَّه الْأَمر، وَاحْتَرَقَ فِي حماه مِائَتَان وَخَمْسُونَ حانوتاً، وَذَهَبت الْأَمْوَال واهتم الْملك بعمارة ذَلِك، وَكَانَ الْحَرِيق عِنْد الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس.

стр. 667

وَذكر أَن شخصا رأى مَلَائِكَة يسوقون النَّار فَجعل يُنَادي أَمْسكُوا يَا عباد الله لَا تُرْسِلُوا فَقَالُوا: بِهَذَا أمرنَا، ثمَّ أَن الرجل توفّي لساعته، وناب بِدِمَشْق فِي الْقَضَاء شهَاب الدّين أَحْمد بن شرف الزرعي الشَّافِعِي قَاضِي حصن الأكراد، وَورد الْخَبَر بحريق أنطاكية قبل رُجُوع الْعَسْكَر فَلم يبْق بهَا إِلَّا قَلِيل وَلم يعلم سَبَب ذَلِك. وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة توفيت زَيْنَب بنت الْخَطِيب يحيى بن الإِمَام عز الدّين بن عبد السَّلَام السّلمِيّ سَمِعت من جمَاعَة، وَكَانَ فِيهَا عبَادَة وَخير وَحدثت. وَمَات الطَّبِيب جمال الدّين عبد الله بن عبد السَّيِّد وَدفن فِي قبر أعده لنَفسِهِ، وَكَانَ من أطباء المارستان النوري بِدِمَشْق، وَأسلم مَعَ وَالِده الذبان سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة. وَمَات حسام الدّين مهنا بن عِيسَى أَمِير الْعَرَب وحزن عَلَيْهِ آله وَأَقَامُوا مأتماً بليغاً ولبسوا السوَاد أناف على الثَّمَانِينَ، وَله مَعْرُوف من ذَلِك مارستان جيد بسرمين وَلَقَد أحسن بِرُجُوعِهِ إِلَى طَاعَة سُلْطَان الْإِسْلَام قبل وَفَاته، وَكَانَت وَفَاته بِالْقربِ من سلمية. وَمَات الْمُحدث الرئيس الْعَام شمس الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن طرخان الْحَنْبَلِيّ سمع من ابْن عبد الدَّائِم وَغَيره، وَكَانَ بديع الْخط وَكتب الطباق، وَله نظم. وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة مَاتَ الْفَقِيه الزَّاهِد شرف الدّين فضل بن عِيسَى بن قنديل العجلوني الْحَنْبَلِيّ بالمسمارية، كَانَ لَهُ اشْتِغَال وَفهم وَيَد فِي التَّعْبِير، وتعفف وَقُوَّة نفس، عرض عَلَيْهِ حزن الْمُصحف العثماني فَامْتنعَ رَحمَه الله تَعَالَى. وفيهَا: وصل الْأَمِير سيف الدّين أَبُو بكر الباشري إِلَى حلب وَصَحب مَعَه مِنْهَا الرِّجَال والصناع وَتوجه إِلَى قلعة جعبر وَشرع فِي عمارتها وَكَانَت خراباً من زمن هولاكو وَهِي من أمنح القلاع تسبب فِي عمارتها الْأَمِير سيف الدّين تنكز نَائِب الشَّام وَلحق المملكة الحلبية وَغَيرهَا بِسَبَب عمارتها ونفوذ مَاء الْفُرَات إِلَى أَسْفَل مِنْهَا كلفة كَثِيرَة. ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي الْمحرم بَاشر السَّيِّد النَّقِيب الشريف بدر الدّين مُحَمَّد بن السَّيِّد شمس الدّين بن زهرَة الْحُسَيْنِي وكَالَة بَيت المَال بحلب مَكَان شَيخنَا القَاضِي فَخر الدّين أبي عمر وَعُثْمَان بن الْخَطِيب زين الدّين عَليّ الجبريني. وفيهَا: فِي الْمحرم نزل نَائِب الشَّام الْأَمِير سيف الدّين تنكز بعسكر الشَّام إِلَى قلعة جعبر وتفقدها وَقرر قواعدها وتصيد حولهَا، ثمَّ رَحل فَنزل بمرج بزاعا، وَمد لَهُ نَائِب حلب الْأَمِير عَلَاء الدّين الطنبغا بِهِ سماطاً ثمَّ سَافر إِلَى جِهَة دمشق. وفيهَا: فِي صفر طلب من الْبِلَاد الحلبية رجال للْعَمَل فِي نهر قلعة جعبر ورسم أَن يخرج من كل قَرْيَة نصف أَهلهَا وجلا كثير من الضّيَاع بِسَبَب ذَلِك ثمَّ طلب من أسواق حلب أَيْضا رجال واستخرجت أَمْوَال وَتوجه النَّائِب بحلب إِلَى قلعة جعبر بِمن حصل من الرِّجَال وهم نَحْو عشْرين ألفا.

стр. 668

وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة وصل الْبَرِيد إِلَى حلب بعزل القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن بدر الدّين أبي بكر بن إِبْرَاهِيم بن النَّقِيب عَن الْقَضَاء بالمملكة الحلبية وبتولية شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة فَخر الدّين أبي عَمْرو عُثْمَان بن خطيب جبرين مَكَانَهُ وَلبس الخلعة وَحكم من سَاعَته واستعفيته من مُبَاشرَة الحكم بِالْبرِّ فِي الْحَال فأعفاني وَكَذَلِكَ أخي بعد مُدَّة فَأَنْشَدته ارتجالاً: (جنبتني وَأخي تكاليف القضا ... وكفيتنا مرضين مُخْتَلفين) (يَا حَيّ عالمنا لقد أنصفتنا ... فلك التَّصَرُّف فِي دم الْأَخَوَيْنِ) وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توجه الْأَمِير عز الدّين أزدمر النوري نَائِب بهسني لمحاصرة قلعة درنده بِمن عِنْده من الْأُمَرَاء والتركمان وَفتحت بالأمان فِي منتصف الْمحرم سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة. وفيهَا: أَعنِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة توفّي الشَّيْخ الْعَارِف الزَّاهِد مهنا بن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن الْقدْوَة مهنا الفوعي بالفوعة فِي خَامِس عشر شَوَّال ورثيته بقصيدة أَولهَا: (أسأَل الفوعة الشَّدِيدَة حزنا ... عَن مهنا هَيْهَات أَيْن مهنا) (أَيْن من كَانَ أبهج النَّاس وَجها ... فَهُوَ أسمى من البدور وأسنى) وَمِنْهَا: (أَيْن شَيْخي وقدوتي وصديقي ... وحبيبي وكل مَا أَتَمَنَّى) (كَيفَ لَا يعظم الْمُصَاب لصدر ... نَحن مِنْهُ مَوَدَّة وَهُوَ منا) (جعفري السلوك والوضع حَتَّى ... قَالَ عبس عَنهُ مهنا مهنا) (أَي قلب بِهِ وَلَو كَانَ صخراً ... لَيْسَ يحْكى الخنساء نوحًا وحزناً) (أذكرتنا وَفَاته بِأَبِيهِ ... وأخيه أَيَّام كَانُوا وَكُنَّا) وَهِي طَوِيلَة كَانَ جده مهنا الْكَبِير من عباد الْأمة وَترك أكل اللَّحْم زَمَانا طَويلا لما رأى من اخْتِلَاط الْحَيَوَانَات فِي أَيَّام هولاكو لعنة الله وَكَانَ قومه على غير السّنة فهدى الله الشَّيْخ مهنا من بَينهم وَأقَام مَعَ التركمان رَاعيا ببرية حران فبورك للتركمان فِي مَوَاشِيهمْ ببركته، وَعرفُوا بركته وَحصل لَهُ نصيب من الشَّيْخ حَيَاة بن قيس بحران وَهُوَ فِي قَبره، وَجَرت لَهُ مَعَه كرامات فَرجع مهنا إِلَى الفوعة وَصَحب شَيخنَا تَاج الدّين جعفرا السراج الْحلَبِي وتلمذ لَهُ وانتفع بِهِ وَصَرفه مهنا فِي مَاله وَخَلفه على لسجادة بعد وَفَاته ودعا إِلَى الله تَعَالَى، وَجَرت لَهُ وقائع مَعَ أَهله وقاسى مَعَهم شَدَائِد وَبعد صيته وَقصد بالزيارة من الْبعد وجارو بِمَكَّة شرفها الله تَعَالَى سِنِين ثمَّ بِالْمَدِينَةِ على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَجَرت لَهُ هُنَاكَ كرامات مَشْهُورَة بَين أَصْحَابه وَغَيرهم مِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ َ - رد ﵇ من الْحُجْرَة وَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام يَا مهنا، ثمَّ عَاد إِلَى الفوعة وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْمحرم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة .

стр. 669

وَجلسَ بعده على سجادته ابْنه الشَّيْخ إِبْرَاهِيم فَسَار أحسن سير ودعا إِلَى الله تَعَالَى على قَاعِدَة وَالِده وَرجع من أهل بلد سرمين خلق إِلَى السّنة وقاسى من أَهله شَدَائِد وَسَببه قتل ملك الْأُمَرَاء بحلب يَوْمئِذٍ سيف الدّين قبجق الشَّيْخ الزنديق منصوراً من تار وَجَرت بِسَبَب قَتله فتن فِي بلد سرمين، وَلم يزل الشَّيْخ إِبْرَاهِيم على أحسن سيرة وأصدق سريرة إِلَى أَن توفّي إِلَى رَحمَه الله تَعَالَى فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة. وَجلسَ بعده على سجادته ابْنه الشَّيْخ الصَّالح إِسْمَاعِيل بن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن الْقدْوَة مهنا فَسَار أحسن سير وقاسى من الشِّيعَة غبوناً وَلم يزل على أحسن طَريقَة إِلَى أَن توفّي إِلَى رَحمَه الله تَعَالَى فِي ثامن صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَجلسَ بعده على السجادة أَخُوهُ لِأَبَوَيْهِ الشَّيْخ الصَّالح مهنا بن إِبْرَاهِيم بن مهنا إِلَى أَن توفّي فِي خَامِس عشر شَوَّال سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة كَمَا مر، وتأسف النَّاس لمَوْته فَإِنَّهُ كَانَ كثير الْعِبَادَة حسن الطَّرِيقَة عَارِفًا. وَجلسَ بعده على السجادة أَخُوهُ لِأَبِيهِ الشَّيْخ حسن، وَكَانَ شَيخنَا عبس يحب مهنا هَذَا محبَّة عَظِيمَة ويعظمه وَيَقُول عَنهُ: مهنا مهنا يَعْنِي أَنه يشبه فِي الصّلاح وَالْخَيْر جده وهم الْيَوْم وَللَّه الْحَمد بالفوعة جمَاعَة كَثِيرَة وَكلهمْ على خير وديانة، وَقد أجزل الله عَلَيْهِم الْمِنَّة وجعلهم بِتِلْكَ الأَرْض ملْجأ لأهل السّنة وَلَو ذكرت تفاصيل سيرة الشَّيْخ مهنا الْكَبِير وَأَوْلَاده وَأَصْحَابه وكراماتهم لطال القَوْل وَالله تَعَالَى أعلم. وفيهَا: مَاتَ القان أَبُو سعيد بن خزبنده بن أرغون بن أبغا بن هولاكو صَاحب الشرق، وَدفن بِالْمَدِينَةِ السُّلْطَانِيَّة وَله بضع وَثَلَاثُونَ سنة، وَكَانَت دولته عشْرين سنة، وَكَانَ فِيهِ دين وعقل وَعدل، وَكتب خطا مَنْسُوبا وأجاد ضرب الْعود، باشتغال التتر بوفاته تمَكنا من عمَارَة قلعة جعبر بعد أَن كَانَت هِيَ وبلدها دَائِرَة من أَيَّام هولاكو فَللَّه الْحَمد. وفيهَا: توفّي بِدِمَشْق الإمامان مدرس الناصرية كَمَال الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن الشِّيرَازِيّ وَله سِتّ وَسِتُّونَ سنة وَقد ذكر لقَضَاء دمشق ومدرس الأمينية قَاضِي الْعَسْكَر عَلَاء الدّين عَليّ بن مُحَمَّد بن القلانسي وَله ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وناظر الخزانة عز الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الْعقيلِيّ بن القلانسي الْمُحْتَسب بهَا. ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي ربيع الأول توفّي الْأَمِير الشَّاب الْحسن جمال الدّين خضر بن ملك الْأُمَرَاء عَلَاء الدّين الطنبغا بحلب وَدفن بالْمقَام ثمَّ عمل لَهُ وَالِده تربة حَسَنَة عِنْد جَامِعَة خَارج حلب وَنقل إِلَيْهَا وَكَانَ حسن السِّيرَة لَيْسَ من إعجاب أَوْلَاد النواب فِي شَيْء. (وَمِمَّا قلت فِيهِ تضميناً) (أيبست أَفْئِدَة بالحزن يَا خضر ... فالدمع يسقيك إِن لم يسقك الْمَطَر) (مِنْهَا خلقت فَلم يسمع زَمَانك أَن ... يشين حسنك فِيهِ الشيب وَالْكبر) (فَإِن رددت فَمَا فِي الرَّد منقصة ... عَلَيْك قد رد مُوسَى قبل وَالْخضر)

стр. 670

وَإِن كَانَ يتَضَمَّن هَذَا التَّضْمِين القَوْل بِمَوْت الْخضر ﵇. وَفِيه: بَاشر تَاج الدّين مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم أَخُو الصاحب شرف الدّين يَعْقُوب نظر الجيوش المنصورة بحلب فَمَا هنى بذلك واعترته الْأَمْرَاض حَتَّى مَاتَ ﵀ فِي سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة. قلت: (مَا الدَّهْر إِلَّا عجب فَاعْتبر ... أسرار تصريفاته واعجب) (كم باذل فِي منصب مَاله ... مَاتَ وَمَا هنى بالمنصب) وباشر مَكَانَهُ فِي شعْبَان مِنْهَا القَاضِي جمال الدّين سُلَيْمَان بن رَيَّان. وفيهَا: فِي رَمَضَان الْمُعظم وصل إِلَى حلب من مصر عَسْكَر حسن الْهَيْئَة مقدمه الْحَاج أرقطاي وعسكر من دمشق مقدمهم قطلبغا الفخري وعسكر من طرابلس مقدمه بهادر عبد الله وعسكر من حماه مقدمه الْأَمِير صارم الدّين أزبك والمقدم على الْكل ملك الْأُمَرَاء بحلب عَلَاء الدّين الطنبغا ورحل بهم إِلَى بِلَاد الأرمن فِي ثَانِي شَوَّال مِنْهَا وَنزل على ميناء أياس وحاصرها ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ قدم رَسُول الأرمن من دمشق وَمَعَهُ كتاب نَائِب الشَّام بالكف عَنْهُم على أَن يسلمُوا الْبِلَاد والقلاع الَّتِي شَرْقي نهر جهان فتسلموا مِنْهُم ذَلِك وَهُوَ ملك كَبِير وبلاد كَثِيرَة كالمصيصة وكويرا والهارونية وسرفندكار وأياس وباناس وبخيمة والنقير الَّتِي تقدم ذكر تخريبها وَغير ذَلِك، فخرب الْمُسلمُونَ برج أياس الَّذِي فِي الْبَحْر، واسنتابوا بالبلاد الْمَذْكُورَة نواباً، وعادوا فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا وَالْحَمْد لله. قلت: وَهَذَا فتح اشْتَمَل على فتوح ترك ملك الأرمن جسداً بِلَا روح خَائفًا على مَا بَقِي بِيَدِهِ على الْإِطْلَاق وَكَيف لَا وَمن خَصَائِص ديننَا سرَايَة الْأَعْنَاق فيا لَهُ فتحا كسر صلب الصَّلِيب وَقطع يَد الزنار وَحكم على كَبِير أناسهم المزمل فِي بجاده بالخفض على الْجوَار وَالله أعلم. وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي الْأَمِير العابد الزَّاهِد صارم الدّين أزبك المنصوري الْحَمَوِيّ بِمَنْزِلَة نزلها مَعَ الْعَسْكَر عِنْد أياس، وَحمل إِلَى حماه فَدفن بتربته كَانَ من المعمرين فِي الْإِمَارَة وَمن ذَوي الْعِبَادَة وَالْمَعْرُوف وَبنى خَانا للسبيل بمعرة النُّعْمَان شرقيها، وَعمل عِنْد مَسْجِدا وسبيلاً للْمَاء وَله غير ذَلِك ﵀ ذكر لي جمَاعَة بحلب وَهُوَ مُسَافر إِلَى بِلَاد الأرمن إِنَّه رُؤِيَ لَهُ بحماه مَنَام يدل على مَوته فِي الْجِهَاد وَحمله إِلَى حماه وَحَوله الْمَلَائِكَة. قلت: وَلَقَد تجمل لهَذَا الْجِهَاد وَتحمل وتكلف لمهمه وتكفل حَتَّى كَأَنَّهُ توهم فَتْرَة سلاحه عَن الكفاح فرسم أَن تحد السيوف وتعتقل الرماح فلاح على حركاته الْفَلاح وسيحمد سراه عِنْد الصَّباح وَالله أعلم. وفيهَا: وقف الْأَمِير الْفَاضِل صَلَاح الدّين يُوسُف بن الأسعد الدواتدار دَاره النفيسة بحلب الْمَعْرُوف أَولا بدار ابْن العديم مدرسة على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَشرط أَن يكون
следующие страницы →