Полный текст (708 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وَمَات فَجْأَة التَّاجِر عَلَاء الدّين عَليّ السنجاري بِالْقَاهِرَةِ، وَهُوَ الَّذِي أنشأ دَار الْقُرْآن بياب الناطفانيين.
قلت:
(مَا مَاتَ من هذي صِفَاته ... فوفاة ذَا عِنْدِي حَيَاته)
(إِن مَاتَ هَذَا صُورَة ... أحيته معنى سالفاته)
وَمَات بِمصْر الْوَاعِظ شمس الدّين حُسَيْن وَهُوَ آخر أَصْحَاب الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ سمع من جمَاعَة، وَكَانَ عَالما حسن الشكل.
وَمَات الْفَاضِل الأديب زكي الدّين الْمَأْمُون الْحِمْيَرِي الْمصْرِيّ الْمَالِكِي بِمصْر ولي نظر الكرك والشوبك وَعمر نَحْو تسعين سنة. وفيهَا: فِي رَجَب مَاتَ الْفَقِيه مُحَمَّد بن محيي الدّين مُحَمَّد بن القَاضِي شمس الدّين بن الزكي العثماني شَابًّا درس مُدَّة بِدِمَشْق.
وَمَات الْحَافِظ قطب الدّين الْكَلْبِيّ بالحسينية حفظ الألفية والشاطبية وَسمع من القَاضِي شمس الدّين بن الْعِمَاد وَغَيره، وَحج مَرَّات وصنف وَكَانَ كيساً حسن الْأَخْلَاق مطرحاً للتكلف طَاهِر اللِّسَان مضبوط الْأَوْقَات شرح مُعظم البُخَارِيّ وَعمل تَارِيخا لمصر لم يتمه، ودرس الحَدِيث بِجَامِع الْحَاكِم، وَخلف تِسْعَة أَوْلَاد، وَدفن عِنْد خَاله الشَّيْخ نصر المنبجي
وَفِيه: أخرج السُّلْطَان من حبس الْإسْكَنْدَريَّة ثَلَاثَة عشر نَفرا مِنْهُم تمر الساقي الَّذِي نَاب طرابلس وبيبرس الْحَاجِب وخلع على الْجَمِيع.
وَفِيه: طلب قَاضِي الْإسْكَنْدَريَّة فَخر الدّين بن سكين وعزل بِسَبَب إفرنجي.
وفيهَا: فِي شعْبَان مَاتَ الْمُفْتِي بدر الدّين مُحَمَّد بن الفويرة الْحَنَفِيّ سمع وَحدث.
وَمَات: القَاضِي زين الدّين عبد الْكَافِي بن عَليّ بن تَمام روى عَن الْأنمَاطِي وَأخذ عَنهُ ابْن رَافع وَغَيره.
وَمَات عز الدّين يُوسُف الْحَنَفِيّ بِمصْر حدث عَن إِبْرَاهِيم وناب فِي الحكم.
وفيهَا: فِي رَمَضَان مَاتَ صاحبنا شمس الدّين مُحَمَّد بن يُوسُف التدمري خطيب حمص، كَانَ يُفْتِي ويدرس، وَتَوَلَّى قَضَاء الْإسْكَنْدَريَّة الْعِمَاد مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصُّوفِي.
وفيهَا: فِي شَوَّال قدم عَسْكَر حلب والنائب من غزَاة بلد سيس، وَقد خربوا فِي بلد أدنة وطرسوس وأحرقوا الزروع واستقاوا الْمَوَاشِي وَأتوا بمائتين وَأَرْبَعين أَسِيرًا، وَمَا عدم من الْمُسلمين سوى شخص وَاحِد غرق فِي النَّهر وَكَانَ الْعَسْكَر عشرَة آلَاف سوى من تَبِعَهُمْ فَلَمَّا علم أهل أياس بذلك أحاطوا بِمن عِنْدهم من الْمُسلمين التُّجَّار وَغَيرهم وحبسوهم فِي خَان ثمَّ أحرقوه فَقل من نجى فعلوا ذَلِك بِنَحْوِ ألفي رجل من التُّجَّار البغاددة وَغَيرهم فِي يَوْم عيد الْفطر فَللَّه الْأَمر، وَاحْتَرَقَ فِي حماه مِائَتَان وَخَمْسُونَ حانوتاً، وَذَهَبت الْأَمْوَال واهتم الْملك بعمارة ذَلِك، وَكَانَ الْحَرِيق عِنْد الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس.
стр. 667
وَذكر أَن شخصا رأى مَلَائِكَة يسوقون النَّار فَجعل يُنَادي أَمْسكُوا يَا عباد الله لَا تُرْسِلُوا فَقَالُوا: بِهَذَا أمرنَا، ثمَّ أَن الرجل توفّي لساعته، وناب بِدِمَشْق فِي الْقَضَاء شهَاب الدّين أَحْمد بن شرف الزرعي الشَّافِعِي قَاضِي حصن الأكراد، وَورد الْخَبَر بحريق أنطاكية قبل رُجُوع الْعَسْكَر فَلم يبْق بهَا إِلَّا قَلِيل وَلم يعلم سَبَب ذَلِك.
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة توفيت زَيْنَب بنت الْخَطِيب يحيى بن الإِمَام عز الدّين بن عبد السَّلَام السّلمِيّ سَمِعت من جمَاعَة، وَكَانَ فِيهَا عبَادَة وَخير وَحدثت.
وَمَات الطَّبِيب جمال الدّين عبد الله بن عبد السَّيِّد وَدفن فِي قبر أعده لنَفسِهِ، وَكَانَ من أطباء المارستان النوري بِدِمَشْق، وَأسلم مَعَ وَالِده الذبان سنة إِحْدَى وَسَبْعمائة.
وَمَات حسام الدّين مهنا بن عِيسَى أَمِير الْعَرَب وحزن عَلَيْهِ آله وَأَقَامُوا مأتماً بليغاً ولبسوا السوَاد أناف على الثَّمَانِينَ، وَله مَعْرُوف من ذَلِك مارستان جيد بسرمين وَلَقَد أحسن بِرُجُوعِهِ إِلَى طَاعَة سُلْطَان الْإِسْلَام قبل وَفَاته، وَكَانَت وَفَاته بِالْقربِ من سلمية.
وَمَات الْمُحدث الرئيس الْعَام شمس الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن طرخان الْحَنْبَلِيّ سمع من ابْن عبد الدَّائِم وَغَيره، وَكَانَ بديع الْخط وَكتب الطباق، وَله نظم.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة مَاتَ الْفَقِيه الزَّاهِد شرف الدّين فضل بن عِيسَى بن قنديل العجلوني الْحَنْبَلِيّ بالمسمارية، كَانَ لَهُ اشْتِغَال وَفهم وَيَد فِي التَّعْبِير، وتعفف وَقُوَّة نفس، عرض عَلَيْهِ حزن الْمُصحف العثماني فَامْتنعَ رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: وصل الْأَمِير سيف الدّين أَبُو بكر الباشري إِلَى حلب وَصَحب مَعَه مِنْهَا الرِّجَال والصناع وَتوجه إِلَى قلعة جعبر وَشرع فِي عمارتها وَكَانَت خراباً من زمن هولاكو وَهِي من أمنح القلاع تسبب فِي عمارتها الْأَمِير سيف الدّين تنكز نَائِب الشَّام وَلحق المملكة الحلبية وَغَيرهَا بِسَبَب عمارتها ونفوذ مَاء الْفُرَات إِلَى أَسْفَل مِنْهَا كلفة كَثِيرَة.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي الْمحرم بَاشر السَّيِّد النَّقِيب الشريف بدر الدّين مُحَمَّد بن السَّيِّد شمس الدّين بن زهرَة الْحُسَيْنِي وكَالَة بَيت المَال بحلب مَكَان شَيخنَا القَاضِي فَخر الدّين أبي عمر وَعُثْمَان بن الْخَطِيب زين الدّين عَليّ الجبريني.
وفيهَا: فِي الْمحرم نزل نَائِب الشَّام الْأَمِير سيف الدّين تنكز بعسكر الشَّام إِلَى قلعة جعبر وتفقدها وَقرر قواعدها وتصيد حولهَا، ثمَّ رَحل فَنزل بمرج بزاعا، وَمد لَهُ نَائِب حلب الْأَمِير عَلَاء الدّين الطنبغا بِهِ سماطاً ثمَّ سَافر إِلَى جِهَة دمشق.
وفيهَا: فِي صفر طلب من الْبِلَاد الحلبية رجال للْعَمَل فِي نهر قلعة جعبر ورسم أَن يخرج من كل قَرْيَة نصف أَهلهَا وجلا كثير من الضّيَاع بِسَبَب ذَلِك ثمَّ طلب من أسواق حلب أَيْضا رجال واستخرجت أَمْوَال وَتوجه النَّائِب بحلب إِلَى قلعة جعبر بِمن حصل من الرِّجَال وهم نَحْو عشْرين ألفا.
стр. 668
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة وصل الْبَرِيد إِلَى حلب بعزل القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن بدر الدّين أبي بكر بن إِبْرَاهِيم بن النَّقِيب عَن الْقَضَاء بالمملكة الحلبية وبتولية شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة فَخر الدّين أبي عَمْرو عُثْمَان بن خطيب جبرين مَكَانَهُ وَلبس الخلعة وَحكم من سَاعَته واستعفيته من مُبَاشرَة الحكم بِالْبرِّ فِي الْحَال فأعفاني وَكَذَلِكَ أخي بعد مُدَّة فَأَنْشَدته ارتجالاً:
(جنبتني وَأخي تكاليف القضا ... وكفيتنا مرضين مُخْتَلفين)
(يَا حَيّ عالمنا لقد أنصفتنا ... فلك التَّصَرُّف فِي دم الْأَخَوَيْنِ)
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توجه الْأَمِير عز الدّين أزدمر النوري نَائِب بهسني لمحاصرة قلعة درنده بِمن عِنْده من الْأُمَرَاء والتركمان وَفتحت بالأمان فِي منتصف الْمحرم سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة.
وفيهَا: أَعنِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة توفّي الشَّيْخ الْعَارِف الزَّاهِد مهنا بن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن الْقدْوَة مهنا الفوعي بالفوعة فِي خَامِس عشر شَوَّال ورثيته بقصيدة أَولهَا:
(أسأَل الفوعة الشَّدِيدَة حزنا ... عَن مهنا هَيْهَات أَيْن مهنا)
(أَيْن من كَانَ أبهج النَّاس وَجها ... فَهُوَ أسمى من البدور وأسنى)
وَمِنْهَا:
(أَيْن شَيْخي وقدوتي وصديقي ... وحبيبي وكل مَا أَتَمَنَّى)
(كَيفَ لَا يعظم الْمُصَاب لصدر ... نَحن مِنْهُ مَوَدَّة وَهُوَ منا)
(جعفري السلوك والوضع حَتَّى ... قَالَ عبس عَنهُ مهنا مهنا)
(أَي قلب بِهِ وَلَو كَانَ صخراً ... لَيْسَ يحْكى الخنساء نوحًا وحزناً)
(أذكرتنا وَفَاته بِأَبِيهِ ... وأخيه أَيَّام كَانُوا وَكُنَّا)
وَهِي طَوِيلَة كَانَ جده مهنا الْكَبِير من عباد الْأمة وَترك أكل اللَّحْم زَمَانا طَويلا لما رأى من اخْتِلَاط الْحَيَوَانَات فِي أَيَّام هولاكو لعنة الله وَكَانَ قومه على غير السّنة فهدى الله الشَّيْخ مهنا من بَينهم وَأقَام مَعَ التركمان رَاعيا ببرية حران فبورك للتركمان فِي مَوَاشِيهمْ ببركته، وَعرفُوا بركته وَحصل لَهُ نصيب من الشَّيْخ حَيَاة بن قيس بحران وَهُوَ فِي قَبره، وَجَرت لَهُ مَعَه كرامات فَرجع مهنا إِلَى الفوعة وَصَحب شَيخنَا تَاج الدّين جعفرا السراج الْحلَبِي وتلمذ لَهُ وانتفع بِهِ وَصَرفه مهنا فِي مَاله وَخَلفه على لسجادة بعد وَفَاته ودعا إِلَى الله تَعَالَى، وَجَرت لَهُ وقائع مَعَ أَهله وقاسى مَعَهم شَدَائِد وَبعد صيته وَقصد بالزيارة من الْبعد وجارو بِمَكَّة شرفها الله تَعَالَى سِنِين ثمَّ بِالْمَدِينَةِ على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وَجَرت لَهُ هُنَاكَ كرامات مَشْهُورَة بَين أَصْحَابه وَغَيرهم مِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ َ - رد ﵇ من الْحُجْرَة وَقَالَ: وَعَلَيْك السَّلَام يَا مهنا، ثمَّ عَاد إِلَى الفوعة وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْمحرم سنة أَربع وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة .
стр. 669
وَجلسَ بعده على سجادته ابْنه الشَّيْخ إِبْرَاهِيم فَسَار أحسن سير ودعا إِلَى الله تَعَالَى على قَاعِدَة وَالِده وَرجع من أهل بلد سرمين خلق إِلَى السّنة وقاسى من أَهله شَدَائِد وَسَببه قتل ملك الْأُمَرَاء بحلب يَوْمئِذٍ سيف الدّين قبجق الشَّيْخ الزنديق منصوراً من تار وَجَرت بِسَبَب قَتله فتن فِي بلد سرمين، وَلم يزل الشَّيْخ إِبْرَاهِيم على أحسن سيرة وأصدق سريرة إِلَى أَن توفّي إِلَى رَحمَه الله تَعَالَى فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ عشرَة وَسَبْعمائة.
وَجلسَ بعده على سجادته ابْنه الشَّيْخ الصَّالح إِسْمَاعِيل بن الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن الْقدْوَة مهنا فَسَار أحسن سير وقاسى من الشِّيعَة غبوناً وَلم يزل على أحسن طَريقَة إِلَى أَن توفّي إِلَى رَحمَه الله تَعَالَى فِي ثامن صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَجلسَ بعده على السجادة أَخُوهُ لِأَبَوَيْهِ الشَّيْخ الصَّالح مهنا بن إِبْرَاهِيم بن مهنا إِلَى أَن توفّي فِي خَامِس عشر شَوَّال سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة كَمَا مر، وتأسف النَّاس لمَوْته فَإِنَّهُ كَانَ كثير الْعِبَادَة حسن الطَّرِيقَة عَارِفًا.
وَجلسَ بعده على السجادة أَخُوهُ لِأَبِيهِ الشَّيْخ حسن، وَكَانَ شَيخنَا عبس يحب مهنا هَذَا محبَّة عَظِيمَة ويعظمه وَيَقُول عَنهُ: مهنا مهنا يَعْنِي أَنه يشبه فِي الصّلاح وَالْخَيْر جده وهم الْيَوْم وَللَّه الْحَمد بالفوعة جمَاعَة كَثِيرَة وَكلهمْ على خير وديانة، وَقد أجزل الله عَلَيْهِم الْمِنَّة وجعلهم بِتِلْكَ الأَرْض ملْجأ لأهل السّنة وَلَو ذكرت تفاصيل سيرة الشَّيْخ مهنا الْكَبِير وَأَوْلَاده وَأَصْحَابه وكراماتهم لطال القَوْل وَالله تَعَالَى أعلم.
وفيهَا: مَاتَ القان أَبُو سعيد بن خزبنده بن أرغون بن أبغا بن هولاكو صَاحب الشرق، وَدفن بِالْمَدِينَةِ السُّلْطَانِيَّة وَله بضع وَثَلَاثُونَ سنة، وَكَانَت دولته عشْرين سنة، وَكَانَ فِيهِ دين وعقل وَعدل، وَكتب خطا مَنْسُوبا وأجاد ضرب الْعود، باشتغال التتر بوفاته تمَكنا من عمَارَة قلعة جعبر بعد أَن كَانَت هِيَ وبلدها دَائِرَة من أَيَّام هولاكو فَللَّه الْحَمد.
وفيهَا: توفّي بِدِمَشْق الإمامان مدرس الناصرية كَمَال الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن الشِّيرَازِيّ وَله سِتّ وَسِتُّونَ سنة وَقد ذكر لقَضَاء دمشق ومدرس الأمينية قَاضِي الْعَسْكَر عَلَاء الدّين عَليّ بن مُحَمَّد بن القلانسي وَله ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وناظر الخزانة عز الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الْعقيلِيّ بن القلانسي الْمُحْتَسب بهَا.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي ربيع الأول توفّي الْأَمِير الشَّاب الْحسن جمال الدّين خضر بن ملك الْأُمَرَاء عَلَاء الدّين الطنبغا بحلب وَدفن بالْمقَام ثمَّ عمل لَهُ وَالِده تربة حَسَنَة عِنْد جَامِعَة خَارج حلب وَنقل إِلَيْهَا وَكَانَ حسن السِّيرَة لَيْسَ من إعجاب أَوْلَاد النواب فِي شَيْء. (وَمِمَّا قلت فِيهِ تضميناً)
(أيبست أَفْئِدَة بالحزن يَا خضر ... فالدمع يسقيك إِن لم يسقك الْمَطَر)
(مِنْهَا خلقت فَلم يسمع زَمَانك أَن ... يشين حسنك فِيهِ الشيب وَالْكبر)
(فَإِن رددت فَمَا فِي الرَّد منقصة ... عَلَيْك قد رد مُوسَى قبل وَالْخضر)
стр. 670
وَإِن كَانَ يتَضَمَّن هَذَا التَّضْمِين القَوْل بِمَوْت الْخضر ﵇.
وَفِيه: بَاشر تَاج الدّين مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم أَخُو الصاحب شرف الدّين يَعْقُوب نظر الجيوش المنصورة بحلب فَمَا هنى بذلك واعترته الْأَمْرَاض حَتَّى مَاتَ ﵀ فِي سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة.
قلت:
(مَا الدَّهْر إِلَّا عجب فَاعْتبر ... أسرار تصريفاته واعجب)
(كم باذل فِي منصب مَاله ... مَاتَ وَمَا هنى بالمنصب)
وباشر مَكَانَهُ فِي شعْبَان مِنْهَا القَاضِي جمال الدّين سُلَيْمَان بن رَيَّان.
وفيهَا: فِي رَمَضَان الْمُعظم وصل إِلَى حلب من مصر عَسْكَر حسن الْهَيْئَة مقدمه الْحَاج أرقطاي وعسكر من دمشق مقدمهم قطلبغا الفخري وعسكر من طرابلس مقدمه بهادر عبد الله وعسكر من حماه مقدمه الْأَمِير صارم الدّين أزبك والمقدم على الْكل ملك الْأُمَرَاء بحلب عَلَاء الدّين الطنبغا ورحل بهم إِلَى بِلَاد الأرمن فِي ثَانِي شَوَّال مِنْهَا وَنزل على ميناء أياس وحاصرها ثَلَاثَة أَيَّام، ثمَّ قدم رَسُول الأرمن من دمشق وَمَعَهُ كتاب نَائِب الشَّام بالكف عَنْهُم على أَن يسلمُوا الْبِلَاد والقلاع الَّتِي شَرْقي نهر جهان فتسلموا مِنْهُم ذَلِك وَهُوَ ملك كَبِير وبلاد كَثِيرَة كالمصيصة وكويرا والهارونية وسرفندكار وأياس وباناس وبخيمة والنقير الَّتِي تقدم ذكر تخريبها وَغير ذَلِك، فخرب الْمُسلمُونَ برج أياس الَّذِي فِي الْبَحْر، واسنتابوا بالبلاد الْمَذْكُورَة نواباً، وعادوا فِي ذِي الْحجَّة مِنْهَا وَالْحَمْد لله.
قلت: وَهَذَا فتح اشْتَمَل على فتوح ترك ملك الأرمن جسداً بِلَا روح خَائفًا على مَا بَقِي بِيَدِهِ على الْإِطْلَاق وَكَيف لَا وَمن خَصَائِص ديننَا سرَايَة الْأَعْنَاق فيا لَهُ فتحا كسر صلب الصَّلِيب وَقطع يَد الزنار وَحكم على كَبِير أناسهم المزمل فِي بجاده بالخفض على الْجوَار وَالله أعلم.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي الْأَمِير العابد الزَّاهِد صارم الدّين أزبك المنصوري الْحَمَوِيّ بِمَنْزِلَة نزلها مَعَ الْعَسْكَر عِنْد أياس، وَحمل إِلَى حماه فَدفن بتربته كَانَ من المعمرين فِي الْإِمَارَة وَمن ذَوي الْعِبَادَة وَالْمَعْرُوف وَبنى خَانا للسبيل بمعرة النُّعْمَان شرقيها، وَعمل عِنْد مَسْجِدا وسبيلاً للْمَاء وَله غير ذَلِك ﵀ ذكر لي جمَاعَة بحلب وَهُوَ مُسَافر إِلَى بِلَاد الأرمن إِنَّه رُؤِيَ لَهُ بحماه مَنَام يدل على مَوته فِي الْجِهَاد وَحمله إِلَى حماه وَحَوله الْمَلَائِكَة.
قلت: وَلَقَد تجمل لهَذَا الْجِهَاد وَتحمل وتكلف لمهمه وتكفل حَتَّى كَأَنَّهُ توهم فَتْرَة سلاحه عَن الكفاح فرسم أَن تحد السيوف وتعتقل الرماح فلاح على حركاته الْفَلاح وسيحمد سراه عِنْد الصَّباح وَالله أعلم.
وفيهَا: وقف الْأَمِير الْفَاضِل صَلَاح الدّين يُوسُف بن الأسعد الدواتدار دَاره النفيسة بحلب الْمَعْرُوف أَولا بدار ابْن العديم مدرسة على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَشرط أَن يكون
стр. 671
القَاضِي الشَّافِعِي وَالْقَاضِي الْحَنَفِيّ بحلب مدرسيها، وَذَلِكَ عِنْد عوده من بلد سيس صُحْبَة الْعَسْكَر متصرفاً إِلَى منزله بطرابلس.
قلت: وَلَقَد كَانَت الدَّار الْمَذْكُورَة باكية لعدم بني العديم فَصَارَت راضية بِالْحَدِيثِ عَن الْقَدِيم نزع الله عَنْهَا لِبَاس الْبَأْس ولحزن وعوضها بحلة يُوسُف عَن شقة الْكَفَن فكمل رخامها وذهبها وَجعل ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل مكتبها وكملها بالفروع الموصلة وَالْأُصُول المفرغة وجمله بالمرابع المذهبة والمذاهب الْأَرْبَعَة وَبِالْجُمْلَةِ فقد كتبهَا صَلَاح الدُّنْيَا فِي ديوَان صَلَاح الدّين إِلَى يَوْم الْعرض وتلا لِسَان حسنها اليوسفي، وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الأَرْض، وَلما وقف الْأَمِير صَلَاح الدّين الْمَذْكُور على هَذِه التَّرْجَمَة تهلل وَجهه، وَقَالَ: مَا مَعْنَاهُ يَا ليتك زدتنا من هَذَا.
وفيهَا: توفّي الشَّيْخ الْكَبِير الشهير المتزهد مُحَمَّد بن عبد الله بن الْمجد المرشدي بقريته من عمل مصر لَهُ أَحْوَال وَطَعَام يتَجَاوَز الْوَصْف وَيُقَال أَنه كَانَ مخدوماً قيل أَنه انفق فِي ثَلَاث لَيَال مَا يُسَاوِي خَمْسَة وَعشْرين ألفا رَحمَه الله تَعَالَى ونفعنا بِهِ.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي الْمحرم توفّي نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن مجد الدّين مُحَمَّد بن قرناص دخل بِلَاد سيس لكشف الفتوحات الجهانية فَتوفي هُنَاكَ رَحمَه الله تَعَالَى وَدفن بتربة هُنَاكَ للْمُسلمين.
وفيهَا: فِي صفر توفّي بدر الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الدقاق الدِّمَشْقِي نَاظر الْوَقْف بحلب.
وَفِي أَيَّام نظره فتح الْبَاب المسدود الَّذِي بالجامع بحلب شَرق الْمِحْرَاب الْكَبِير لِأَنَّهُ سمع أَن بِالْمَكَانِ الْمَذْكُور رأٍس زَكَرِيَّا النَّبِي ﷺ َ - نَبينَا وَعَلِيهِ وَسلم فارتاب فِي ذَلِك فأقدم على فتح الْبَاب الْمَذْكُور بعد أَن نهي عَن ذَلِك فَوجدَ بَابا عَلَيْهِ تأزير رُخَام أَبيض، وَوجد فِي ذَلِك تَابُوت رُخَام أَبيض فَوْقه رخامة تبيضاء مربعة فَرفعت الرخامة عَن التابوت فَإِذا فِيهَا بعض جمجمة فهرب الْحَاضِرُونَ هَيْبَة لَهَا، ثمَّ رد التابوت وَعَلِيهِ غطاؤه إِلَى مَوْضِعه وسد عَلَيْهِ الْبَاب وَوضعت خزانَة الْمُصحف الْعَزِيز على الْبَاب، وَمَا أنجح النَّاظر الْمَذْكُور بعد هَذِه الْحَرَكَة وابتلي بالصرع إِلَى أَن عض لِسَانه فَقَطعه وَمَات، نسْأَل الله أَن يلهمنا حسن الْأَدَب.
وفيهَا: فِي أَوَاخِر ربيع الأول قدم إِلَى حلب الْعَلامَة القَاضِي فَخر الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الْمصْرِيّ الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بِابْن كَاتب قطلوبك واحتفل بِهِ الحلبيون وَحصل لنا فِي الْبَحْث مَعَه فَوَائِد مِنْهَا قَوْلهم إِذا طلب الشَّافِعِي من القَاضِي الْحَنَفِيّ شُفْعَة الْجَار لم يمْنَع على الصَّحِيح لِأَن حكم الْحَاكِم يرفع الْخلاف قَالَ وَهَذَا مُشكل فَإِن حم الْحَاكِم ينفذ ظَاهرا بِدَلِيل قَوْله ﷺ َ -: " فَإِنَّمَا أقطع لَهُ قِطْعَة من نَار " وَأما كَون القَاضِي لَا ينْقض هَذَا الحكم فَتلك سياسة حكمِيَّة.
стр. 672
وَمِنْهَا قَوْلهم يقْضِي الشَّافِعِي الصَّلَاة إِذا اقْتدى بالحنفي علم أَنه ترك وَاجِبا كالبسملة يَعْنِي على الصَّحِيح وَلَا يقْضِي الْمُقْتَدِي بحنفي افتصد وَلم يتَوَضَّأ قَالَ: وَهَذَا مُشكل فَإِن الْحَنَفِيّ إِذا افتصد وَلم يتَوَضَّأ وَصلى فَهُوَ متلاعب على اعْتِقَاده فَيَنْبَغِي أَن يقْضِي الشَّافِعِي الْمُقْتَدِي بِهِ وَإِذا ترك الْبَسْمَلَة فَصلَاته صَحِيحَة عِنْده فَيَنْبَغِي أَن لَا يقْضِي الشَّافِعِي الْمُقْتَدِي بِهِ وَفِيه نظر.
وَمِنْهَا قَوْلهم فِي الصَدَاق أَن قيمَة النّصْف غير نصف الْقيمَة هَذَا مَعْرُوف وَلكنه قَالَ قَول الرَّافِعِيّ وَغَيره أَن الزَّوْج فِي مسَائِل التشطير يغمها نصف الْقيمَة النّصْف مُشكل.
وَكَانُوا بِدِمَشْق لَا يساعدونني على استشكاله حَتَّى رَأَيْته لإِمَام الْحَرَمَيْنِ وَذَلِكَ لِأَن الْقيمَة خلف لما تلف وَإِنَّمَا يسْتَحق نصف الصَدَاق فليغرمها قيمَة النّصْف لَا نصف الْقيمَة.
وَمِنْهَا: أَنه ذكر أَن الشَّيْخ صدر الدّين لما قدم من مصر قَالَ: لقد سَأَلَني ابْن دَقِيق الْعِيد عَن مَسْأَلَة أسهرته لَيْلَتَيْنِ وَصورتهَا رجل قَالَ لزوجته: إِن طننت بِي كَذَا فَأَنت طَالِق، فظنت بِهِ ذَلِك قَالُوا: تطلق، وَمَعْلُوم أَن الظني لَا ينْتج قَطْعِيا فَكيف أنتج هُنَا الْقطعِي؟ قَالَ الْعَلامَة فَخر الدّين: وَكنت يَوْمئِذٍ صَبيا فَقلت لَيْسَ هَذَا من ذَلِك فَإِن الْمَعْنى إِن حصل لَك الظَّن بِكَذَا فَأَنت طَالِق والحصول قَطْعِيّ فينتج قَطْعِيا، فَقَالَ صدر الدّين بِهَذَا أَجَبْته.
وَمِنْهَا: قَوْلهم إِذا ادّعى على امْرَأَة فِي حبالة رجل أَنَّهَا زَوجته فَقَالَت: " طلقتني تجْعَل زَوجته وَيحلف أَنه لم يُطلق رآى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مَا يرَاهُ شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين بن الْبَارِزِيّ وَهُوَ أَن المُرَاد بذلك امْرَأَة مُبْهمَة الْحَال.
وَمِنْهَا: إِنَّمَا انْعَقَد السّلم بِجَمِيعِ أَلْفَاظ البيع وَلم ينْعَقد البيع بِلَفْظ السّلم لِأَن البيع يَشْمَل بيع الْأَعْيَان وَبيع مَا فِي الذِّمَّة، فَصدق البيع عَلَيْهِمَا صدق الْحَيَوَان على الْإِنْسَان وَالْفرس، فَإِذا الْحَيَوَان جنس لهذين النَّوْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ البيع جنس لهذين النَّوْعَيْنِ بِخِلَاف السّلم فَإِنَّهُ بيع مَا فِي الذِّمَّة فَلَا يصدق على بيع الْعين كالنوع لَا يصدق على الْجِنْس وَلذَلِك تسمعهم يَقُولُونَ الْجِنْس يصدق على النَّوْع وَلَا عكس.
وَمِنْهَا: قَوْلهم يسْجد للسَّهْو بِنَقْل ركن ذكري إِن أُرِيد بِهِ أَنه ترك الْفَاتِحَة مثلا فِي الْقيام وَقرأَهَا فِي التَّشَهُّد سَهوا فَهَذَا يطْرَح غير المنظوم وَإِن فعل ذَلِك عمدا بطلت صلَاته وَإِن أُرِيد غير ذَلِك فَمَا صورته؟
فَأجَاب: إِن صُورَة الْمَسْأَلَة أَن يقْرَأ الْفَاتِحَة فِي الْقيام ثمَّ يَقْرَأها فِي التَّشَهُّد مثلا فَوَافَقَ ذَلِك جَوَابنَا فِيهَا.
وَمِنْهَا: أَنهم قَالُوا خمس رَضعَات تحرم بِشَرْط كَون اللَّبن المحلوب فِي خمس مَرَّات على الصَّحِيح، ثمَّ ذكرُوا قَطْرَة اللَّبن تقع فِي الْحبّ وَهَذَا تنَاقض فَقَالَ لَا تنَاقض فَالْمُرَاد بقطرة اللَّبن فِي الْحبّ إِذا وَقعت تَتِمَّة لما قبلهَا وَهَذَا حسن مُهِمّ فَإِن شَيخنَا لفراره من مثل ذَلِك شَرط أَن يكون اللَّبن المغلوب بِمَا شيب بِهِ قدرا يُمكن أَن يسْقِي مِنْهُ خمس دفعات لَو
стр. 673
انْفَرد عَن الخليط، وَلَا شكّ أَن هَذَا قَول ضَعِيف وَالصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ إِن هَذَا لَا يشْتَرط والناقض ينْدَفع بِمَا تقدم من جَوَاب الْعَلامَة فَخر الدّين.
وفيهَا: وَأَظنهُ فِي ربيع الآخر ورد الْخَبَر إِلَى حلب بِأَن نَائِب الشَّام تنكز قبض على علم الدّين كَاتب السِّرّ القبطي الأَصْل بِدِمَشْق، وَولى مَوْضِعه القَاضِي شهَاب الدّين يحيى بن القَاضِي عماد الدّين إِسْمَاعِيل بن القيسراني الخالدي وعذب النَّائِب الْعلم الْمَذْكُور وعاقبه وصادره وَبَينه وَبَين الْعَلامَة فَخر الدّين الْمصْرِيّ قرَابَة فَلحقه شؤمه ولفحه سمومه وسافر من حلب خَائفًا من نَائِب الشَّام فَلَمَّا وصل دمشق رسم عَلَيْهِ مُدَّة وعزل عَن مدارسه وجهاته ثمَّ فك الترسيم عَنهُ وَبعد موت تنكز عَادَتْ إِلَيْهِ جهاته وَحسنت حَاله وَللَّه الْحَمد.
وفيهَا: فِي رَجَب ورد الْخَبَر بوفاة القَاضِي شهَاب الدّين مُحَمَّد بن الْمجد عبد الله قَاضِي الْقُضَاة الشَّافِعِي بِدِمَشْق صدمت بغلته بِهِ حَائِطا فَمَاتَ بعد أَيَّام وَخلق النَّاس مَوضِع الصدمة من ذَلِك الْحَائِط بالخلوق وَمن لطف الله بِهِ أَن السُّلْطَان عَزله بِمصْر يَوْم مَوته بِدِمَشْق، وعزل القَاضِي جلال الدّين مُحَمَّد الْقزْوِينِي عَن قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِمصْر وَنَقله إِلَى الْقَضَاء بِالشَّام مَوضِع ابْن الْمجد ورسم بمصادرة ابْن الْمجد فَلَمَّا مَاتَ صودر أَهله وَكَانَ ابْن الْمجد فِيهِ خير وَشر ودهاء ومروءة.
قلت:
(لَا ييأس مخلط ... من ﵀ الْعَفو)
(دَلِيل هَذَا قَوْله ... وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا)
وَولي بعد جلال الدّين قَضَاء الديار المصرية قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين عبد الْعَزِيز ابْن قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة وَأحسن السِّيرَة وعزل القَاضِي برهَان الدّين بن عبد الْحق أَيْضا عَن قَضَاء الْحَنَفِيَّة بالديار المصرية وَولى مَكَانَهُ القَاضِي حسام الدّين الغوري قَاضِي الْقُضَاة بِبَغْدَاد كَانَ الْوَافِد إِلَى مصر عقيب الْفِتَن الكائنة بالمشرق لمَوْت أبي سعيد.
وفيهَا: فِي رَجَب أَيْضا بَاشر القَاضِي بهاء الدّين حسن بن القَاضِي جمال الدّين سلمَان بن رَيَّان مَكَان وَالِده نظر الجيوش بحلب فِي حَيَاة وَالِده وبسعيه لَهُ.
وفيهَا: فِي رَجَب مَاتَ بحلب فَاضل الْحَنَفِيَّة بهَا الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد ابْن الْبُرْهَان إِبْرَاهِيم بن دَاوُد ولى قَضَاء عزاز ثمَّ نِيَابَة الْقَضَاء بحلب مُدَّة ثمَّ انْقَطع إِلَى الْعلم وَله مصنفات وَولي إبنه دَاوُد جهاته.
وفيهَا: فِي رَمَضَان توفّي القَاضِي مُحي الدّين يحيى بن فضل الله كَاتب السِّرّ بِمصْر وَقد ناف على التسعين وَله نظم ونثر.
وفيهَا: أخرج الْخَلِيفَة أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان المستكفي بِاللَّه من مَكَانَهُ بِمصْر عنفاً إِلَى قوص، وَقلت فِي ذَلِك مضمناً من القصيدة الْمَشْهُورَة لأبي الْعَلَاء بَيْتا وَبَعض بَيت:
(أخرجوكم إِلَى الصَّعِيد لعذر ... غير مجد فِي ملتي واعتقادي)
стр. 674
(لَا يغيركم الصَّعِيد وَكُونُوا ... فِي مثل السيوف فِي الأغماد)
وفيهَا: فِي رَمَضَان أَيْضا ورد الْخَبَر إِلَى حلب بوفاة الْعَلامَة زين الدّين مُحَمَّد بن أخي الشَّيْخ صدر الدّين بن الْوَكِيل الْمَعْرُوف بِابْن المرحل من أكَابِر الْفُقَهَاء المفننين المدرسين الْأَعْيَان المتأهلين للْقَضَاء بِدِمَشْق.
(أدينه تندب أم سمته ... أم عقله الوافر أم علمه)
(فاق على الأقران فِي جده ... فَمن رَآهُ خَاله عَمه)
وَتَوَلَّى تدريس الشامية البرانية مَكَانَهُ القَاضِي جمال الدّين يُوسُف بن جملَة فَمَاتَ ابْن جملَة قيل أَنه مَا ألْقى فِيهَا إِلَّا درساً أَو درسين لاشتغاله بِالْمرضِ، وولاها بعده القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن النَّقِيب بعد أَن نزل عَن العادلية.
وفيهَا: فِي ثَالِث شَوَّال ورد الْخَبَر بوفاة الْعَلامَة شيخ الْإِسْلَام زين الدّين مُحَمَّد بن الْكِنَانِي علم الشَّافِعِيَّة بِمصْر وَصلى عَلَيْهِ بحلب صَلَاة الْغَائِب، كَانَ مقدما فِي الْفِقْه وَالْأُصُول مُعظما فِي المحافل متضلعاً من الْمَنْقُول وَلَوْلَا إنجذابه عَن عُلَمَاء عصره وتيهه على فضلاء دهره لبكي على فَقده أعلامهم وَكسرت لَهُ محابرهم وأقلامهم وَلَكِن طول لِسَانه عَلَيْهِم هون فَقده لديهم.
(قلت: فجعت بكثبانها مصر ... فبمثله لَا يسمح الدَّهْر)
(يَا زين مذْهبه كفى أسفا ... أَن الصُّدُور بموتك انسروا)
(مَا كَانَ من بَأْس لَو أَنَّك ... بالعلماء برأيها الْبَحْر)
وفيهَا: فِي شَوَّال أَيْضا رسم ملك الْأُمَرَاء بحلب الطنبغا بتوسيع الطّرق الَّتِي فِي الْأَسْوَاق إقتداء بنائب الشَّام تنكز فِيمَا فعله فِي أسواق دمشق كَمَا مر، ولعمري قد توقعت عَزله عَن حلب لما فعل ذَلِك فَقلت حِينَئِذٍ:
(رأى حَلبًا بَلَدا داثراً ... فَزَاد لإصلاحها وحرصه)
(وقاد الجيوش لفتح الْبِلَاد ... ودق لقهر العدى فحصه)
(وَمَا بعد هَذَا سوى عَزله ... إِذا تمّ أَمر بدى نَقصه)
وفيهَا: فِي عَاشر شَوَّال ورد الْخَبَر بوفاة الْفَاضِل الْمُفْتِي الشَّيْخ بدر الدّين مُحَمَّد بن قَاضِي بارين الشَّافِعِي بحماه.
كَانَ عَارِفًا بالحاوي الصَّغِير وَيعرف نَحوا وأصولاً وَعِنْده ديانَة وتقشف وبيني وَبَينه صُحْبَة قديمَة فِي الِاشْتِغَال على شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين بن الْبَارِزِيّ وسافر مرّة إِلَى الْيمن ﵀ ونفعنا ببركته (قلت) :
(فَجمعت حماة ببدرها بل صدرها ... بل بحرها بل حبرها الغواص)
(الله أكبر كَيفَ حَال مَدِينَة ... مَاتَ الْمُطِيع بهَا وَيبقى العَاصِي)
стр. 675
وَفِيه: ولى قَضَاء الْحَنَفِيَّة بحماه جمال الدّين عبد الله بن القَاضِي نجم الدّين عمر بن العديم شَابًّا أَمر بعد عزل القَاضِي تَقِيّ الدّين بن الْحَكِيم فَإِن صَاحب حماه آثر أَن لَا يَنْقَطِع هَذَا الْأَمر من هَذَا الْبَيْت بحماه لما حصل لأهل حماه من التأسف على وَالِده القَاضِي نجم الدّين وفضائله وعفته وَحسن سيرته رَحمَه الله تَعَالَى وجهز قَاضِي الْقُضَاة نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن قَاضِي الْقُضَاة كَمَال الدّين عمر بن العديم صاحبنا شهَاب الدّين أَحْمد بن المُهَاجر إِلَى حماه نَائِبا عَن القَاضِي جمال الدّين الْمَذْكُور إِلَى حِين يسْتَقلّ بِالْأَحْكَامِ وخلع صَاحب حماه عَلَيْهِمَا فِي يَوْم وَاحِد.
وَفِيه: ورد الْخَبَر أَن الْأَمِير سيف الدّين أَبَا بكر النابيري قدم من الديار المصرية على ولَايَة بر دمشق.
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة توفّي بِدِمَشْق الْعَلامَة القَاضِي جمال الدّين يُوسُف بن جملَة الشَّافِعِي معزولا عَن الحكم من سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة، كَانَ جم الْفَضَائِل غزير الْمَادَّة صَحِيح الإعتقاد عِنْده صداقة فِي الْأَحْكَام وَتَقْدِيم للمستحقين وَكَانَ قد عطف عَلَيْهِ النَّائِب وولاه تدريس مدارس بِدِمَشْق.
قلت:
(بَكت الْمجَالِس والمدارس جملَة ... لَك يَا ابْن جملَة حِين فاجأك الردى)
(فاصعد إِلَى درج العلى واسعد فَمن ... خدم الْعُلُوم جَزَاؤُهُ أَن يصعدا)
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة توفّي شَيْخي المحسن إِلَيّ ومعلمي المتفضل على قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن قاضى الْقُضَاة نجم الدّين أبي مُحَمَّد عبد الرَّحِيم بن قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أبي الطَّاهِر إِبْرَاهِيم بن هبة الله بن الْمُسلم ابْن هبة الله بن حسان بن مُحَمَّد بن مَنْصُور بن أَحْمد بالبارزي الْجُهَنِيّ الْحَمَوِيّ الشَّافِعِي علم الْأَئِمَّة وعلامة الْأمة تعين عَلَيْهِ الْقَضَاء بحماه فَقبله، وتورع لذَلِك عَن مَعْلُوم الحكم من بَيت المَال فَمَا أكله بل فرش خَدّه لخدمة النَّاس وَوَضعه وَلم يتَّخذ عمره درة وَلَا مهما زاولا مقرعة وَلَا عزّر أحد بِضَرْب وَلَا إخراق وَلَا أسقط شَاهدا على الْإِطْلَاق، هَذَا مَعَ نُفُوذ أَحْكَامه وَقبُول كَلَامه والمهابة الوافرة وَالْجَلالَة الظَّاهِرَة وَالْوَجْه الْبَهِي الْأَبْيَض المشرب بحمرة واللحية الْحَسَنَة الَّتِي تملأ صَدره والقامة التَّامَّة والمكارم الْعَامَّة والمحبة الْعَظِيمَة للصالحين والتواضع الزَّائِد للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين، أفنى شبيبته فِي الْمُجَاهِد والتقشف والأوراد، وَأنْفق كهولته فِي تَحْقِيق الْعُلُوم والإرشاد، وَقضى شيخوخته فِي تضنيف الْكتب الْجِيَاد وخطب مَرَّات لقَضَاء الديار المصرية فَأبى وقنع بمصره، وَاجْتمعَ لَهُ من الْكتب مَا لم يجْتَمع لأهل عصره، كف بَصَره فِي آخر عمره فولى ابْن ابْنه مَكَانَهُ، وتفرغ للعلوم والتصوف والديانة وَصَارَ كلما علت سنه لطف فكره وجاد ذهنه وشدت الرّحال إِلَيْهِ وَصَارَ الْمعول فِي الْفَتَاوَى عَلَيْهِ واشتهرت مصنفاته فِي حَيَاته بِخِلَاف الْعَادة، ورزق فِي تصانيفه وتآليفه السَّعَادَة.
стр. 676
فَمِنْهَا: فِي التَّفْسِير كتاب الْبُسْتَان فِي تَفْسِير الْقُرْآن مجلدان، وَكتاب روضات جنَّات المحبين اثنى عشر مجلداً.
وَمِنْهَا: فِي الحَدِيث كتاب الْمُجْتَبى مُخْتَصر جَامع الْأُصُول وَكتاب المحتبى وَكتاب الوفا فِي أَحَادِيث الْمُصْطَفى، وَكتاب الْمُجَرّد من السَّنَد وَكتاب المنضد شرح المجر أَربع مجلدات.
وَمِنْهَا: فِي الْفِقْه كتاب شرح الْحَاوِي الْمُسَمّى بِإِظْهَار الْفَتَاوَى من اعوار الْحَاوِي، وَكتاب تيسير الْفَتَاوَى من تَحْرِير الْحَاوِي وهما أشهر تصانيفه، وَكتاب شرح نظم الْحَاوِي أَربع مجلدات، وَكتاب الْمُغنِي مُخْتَصر التَّنْبِيه وَكتاب تَمْيِيز التَّعْجِيز.
وَمِنْهَا: فِي غير ذَلِك كتاب تَوْثِيق عرى الْأَيْمَان فِي تَفْضِيل حبيب الرَّحْمَن والسرعة فِي قراءات السَّبْعَة والدراية لأحكام الرِّعَايَة للمحاسبي وَغير ذَلِك حَدثنِي رَحمَه الله تَعَالَى فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث عشرَة وَسَبْعمائة قَالَ رَأَيْت الشَّيْخ مُحي الدّين النَّوَوِيّ بعد مَوته فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ: مَا تخْتَار فِي صَوْم الدَّهْر؟ فَقَالَ فِيهِ اثنى عشر قولا للْعُلَمَاء فَظهر لشَيْخِنَا أَن الْأَمر كَمَا قَالَ وَإِن لم تكن الْأَقْوَال مَجْمُوعَة فِي كتاب وَاحِد وَذَلِكَ أَن فِي صَوْم الدَّهْر فِي حق من لم ينذر وَلم يتَضَرَّر بِهِ أَرْبَعَة أَقْوَال الِاسْتِحْبَاب هُوَ إختيار الْغَزالِيّ وَأكْثر الْأَصْحَاب وَالْكَرَاهَة وَهُوَ إختيار الْبَغَوِيّ صَاحب التَّهْذِيب وَالْإِبَاحَة وَهُوَ ظَاهر نَص الشَّافِعِي لِأَنَّهُ قَالَ لَا بَأْس بِهِ، وَالتَّحْرِيم وَهُوَ إختيار أهل الظَّاهِر حملا لقَوْله ﷺ َ - فِيمَن صَامَ الدَّهْر لَا صَامَ وَلَا أفطر على أَنه دُعَاء عَلَيْهِ وَفِي حق من نذور وَلم يتَضَرَّر خَمْسَة أَقْوَال الْوُجُوب وَهُوَ إختيار أَكثر الأصاحب وَالْإِبَاحَة وَالْكَرَاهَة وَالتَّحْرِيم وَفِي حق من يتَضَرَّر بِأَن تفوته السّنَن أَو الِاجْتِمَاع بالأهل ثَلَاثَة أَقْوَال التَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة وَالْإِبَاحَة وَلَا يَجِيء الْوُجُوب وَلَا الإستحباب فَهَذِهِ إثنى عشر قولا فِي صَوْم الدَّهْر وَهَذَا الْمَنَام من كرامات الشَّيْخ مُحي الدّين وَالْقَاضِي شرف الدّين ﵄ وَالله أعلم.
وَأَخْبرنِي حِين أجازني أَنه أَخذ الْفِقْه من طَرِيق الْعِرَاقِيّين عَن وَالِده وجده أبي الطَّاهِر إِبْرَاهِيم وَهُوَ عَن القَاضِي عبد الله بن إِبْرَاهِيم الْحَمَوِيّ عَن القاشي أبي سعد بن أبي عصرون الْموصِلِي عَن القَاضِي أبي عَليّ الفارقي عَن الشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ عَن القَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ عَن أبي الْحسن الماسرجسي عَن أبي الْحسن الْمروزِي وَمن طَرِيق الخراسانيين عَن جده الْمَذْكُور عَن الشَّيْخ فَخر الدّين عبد الرحمان بن عَسَاكِر الدِّمَشْقِي عَن الشَّيْخ قطب الدّين مَسْعُود النَّيْسَابُورِي عَن عمر ابْن سهل الدَّامغَانِي عَن حجَّة الْإِسْلَام أبي حَامِد الْغَزالِيّ عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ عَن وَالِده أبي مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ عَن الإِمَام أبي بكر الْقفال الْمروزِي عَن أبي إِسْحَاق الْمروزِي الْمَذْكُور عَن القَاضِي أبي الْعَبَّاس بن شُرَيْح عَن أبي الْقَاسِم الْأنمَاطِي عَن أبي إِسْمَاعِيل الْمُزنِيّ وَالربيع الْمرَادِي كِلَاهُمَا عَن الإِمَام الْأَعْظَم أبي عبد الله مُحَمَّد بن أدريس الشَّافِعِي وَهُوَ أَخذ عَن إِمَام حرم
стр. 677
الله مُسلم بن خَالِد الزنْجِي عَن ابْن جريح عَن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس ﵃ وَعَن إِمَام حرم سَوَّلَ الله ﷺ َ - مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر ﵃ عَن نَبينَا سيد الْمُرْسلين مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب ﷺ َ - وَأَصْحَابه أفضل صلواته عدد معلوماته، وَله نظم قَلِيل فَمِنْهُ مَا كتب بِهِ إِلَى صَاحب حماه يَدعُوهُ إِلَى وَلِيمَة:
(طَعَام الْعرس مَنْدُوب إِلَيْهِ ... وَبَعض النَّاس صرح بِالْوُجُوب)
(فجبرا بالتناول مِنْهُ جَريا ... على الْمَعْهُود فِي جبر الْقُلُوب)
وَمن نثره الَّذِي يقْرَأ طرداً وعسكاً قَوْله:
سور حماه بربها محروس.
وَلما بَلغنِي خبر وَفَاته كتبت كتابا إِلَى ابْنه القَاضِي نجم الدّين عبد الرَّحِيم بن القَاضِي شمس الدّين إِبْرَاهِيم بن قَاضِي الْقُضَاة شرف الدّين الْمَذْكُور.
صورته: وَينْهى أَنه بلغ الْمَمْلُوك وَفَاة الحبر الراسخ بل انهداد الطود الشامخ وَزَوَال الْجَبَل الباذخ الَّذِي بكته السَّمَاء وَالْأَرْض وقابلت فِيهِ الْمَكْرُوه بالندب وَذَلِكَ فرض فشرقت أجفان الْمَمْلُوك بالدموع وَاحْتَرَقَ قلبه بَين الضلوع، وساواه فِي الْحزن الصَّادِر الْوَارِد وَاجْتمعت الْقُلُوب لما تمّ لمأتم وَاحِد فالعلوم تبكيه والمحاسن تعزى فِيهِ وَالْحكم ينعاه وَالْبر يتفداه والأقلام تمشي على الرؤس لفقده والمصنفات تلبس حداد المداد من بعده، وَلما صلي عَلَيْهِ يَوْم الْجُمُعَة صَلَاة الْغَائِب بحلب اشْتَدَّ الضجيج وارتفع النشيج وعلت الْأَصْوَات فَلَا خَاص إِلَّا حزن قلبه وَلَا عَام إِلَّا طَار لبه فَإِنَّهُ مثاب زلزل الأَرْض وَهدم الْكَرم الْمَحْض وسلب الْأَبدَان قواها وَمنع عُيُون الْأَعْيَان كراها، وَلَكِن عزى النَّاس لفقده كَون مَوْلَانَا الْخَلِيفَة من بعده فَإِنَّهُ بِحَمْد الله خلف عَظِيم لسلف كريم، وَهُوَ أولى من قَابل هَذَا الفادح القادح بالرضى وَسلم إِلَى الله سُبْحَانَهُ فِيمَا قضى فَإِنَّهُ سُبْحَانَ يحيى مَا كَانَت الْحَيَاة أصلح وَيُمِيت إِذا كَانَت الْوَفَاة أروح.
وَقد نظم الْمَمْلُوك فِيهِ مرثية أعجزه عَن تحريرها اضطرام صَدره وَحمله على تسطيرها انتهاب صبره، وَهَا هِيَ:
(برغمي أَن بَيتكُمْ يضام ... وَيبعد عَنْكُم القَاضِي الإِمَام)
(سراج للعلوم إضاء دهراً ... على الدُّنْيَا لغيبته ظلام)
(تعطلت المكارم والمعالي ... وَمَات الْعلم وارتفع الطغام)
(عجبت لفكرتي سمحت بنظم ... أيسعدني على شَيْخي نظام)
(وأرثيه رثاء مُسْتَقِيمًا ... ويمكنني القوافي وَالْكَلَام)
(وَلَو أنصفنه لقضيت نحبي ... فَفِي عنقِي لَهُ نعم جسام)
(حَشا أُذُنِي درا ساقطته ... عيوني يَوْم حم لَهُ الْحمام)
(لقد لؤم الْحمام فَإِن رَضِينَا ... بِمَا يجنى فَنحْن إِذا لئام)
стр. 678
(أَلا يَا عامنا لَا كنت عَاما ... فمثلك مَا مضى فِي الدَّهْر عَام)
(أتفجعنا بكناني مصر ... وَكَانَ بِهِ لساكنها اعتصام)
(وتفتك بِابْن جملَة فِي دمشق ... وبعلوها لمصرعه القتام)
(وَكَانَ ابْن المرحل حِين يبكي ... لخوف الله تبتسم الشَّام)
(وَحبر حماة تَجْعَلهُ ختاماً ... أذاب قُلُوبنَا هَذَا الختام)
(وَلما قَامَ ناعيه استطارت ... عقول النَّاس واضطرب الْأَنَام)
(وَلَو يبْقى سلونا من سواهُ ... فَإِن بِمَوْتِهِ مَاتَ الْكِرَام)
(أألهو بعدهمْ وَأقر عينا ... حَلَال اللَّهْو بعدهمْ حرَام)
(فيا قَاضِي الْقُضَاة دُعَاء صب ... برغمي أَن يغيرك الرغام)
(وَيَا شرف الْفَتَاوَى والدعاوى ... على الدُّنْيَا لغيبتك السَّلَام)
(وَيَا ابْن الْبَارِزِيّ إِذا بَرَزْنَا ... بِثَوْب الْحزن فِيك فَلَا نلام)
(سقى قبراً حللت بِهِ غمام ... من الأجفان إِن بخل الْغَمَام)
(إِلَى من ترحل الطلاب يَوْمًا ... وَهل يُرْجَى لذِي نقص تَمام)
(وَمن للمشكلات وللفتاوى ... وَفضل الْأَمْرَانِ عظم الْخِصَام)
(وَكَانَ خَليفَة فِي كل فن ... وعينا للخليفة لَا تنام)
(أَلا يَا بَابه لَا زَالَت قصدا ... لأهل الْعلم يغشاك الزحام)
(فَإِن حفيد شيخ الْعَصْر بَاقٍ ... يقل بِهِ على الدَّهْر الملام)
(أنجم الدّين مثلك من تسلى ... إِذا فدحت من النوب الْعِظَام)
(وَفِي بقياك عَن ماضٍ عزاء ... قيامك بعده نعم الْقيام)
(إِذا ولى لبيتكم إِمَام ... عديم الْمثل يخلفه إِمَام)
(وَفِي خير الْأَنَام لكم عزاء ... وَلَيْسَ لساكن الدُّنْيَا دوَام)
(أَنا تلميذ بَيتكُمْ قَدِيما ... بكم فخري إِذا افتخر الْأَنَام)
(وَإِن كُنْتُم بِخَير كنت فِيهِ ... ويرضيني رضاكم وَالسَّلَام)
(لكم مني الدُّعَاء بِكُل أَرض ... وَنشر الذّكر مَا ناح الْحمام)
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي الْمحرم توفّي بِمصْر شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة فَخر الدّين عُثْمَان بن زين الدّين عَليّ بن عُثْمَان الْمَعْرُوف بِابْن خطيب جبرين قَاضِي حلب وَابْنه كَمَال الدّين مُحَمَّد وَذَلِكَ أَن الشناعات كثرت عَلَيْهِ فَطَلَبه السُّلْطَان على الْبَرِيد إِلَيْهِ فَحَضَرَ عِنْده وَقد طَار لبه وَخرج وَقد انْقَطع قلبه وتمرض بِمصْر مُدَّة وأراحه الله بِالْمَوْتِ من تِلْكَ الشدَّة وَحسب المنايا أَن يكن أمانياً وَلَقَد كَانَ ﵀ فَاضلا فِي الْفِقْه وَالْأُصُول والنحو والتصريف والقراءآت مشاركاً فِي الْمنطق وَالْبَيَان وَغَيرهمَا، وَله الشَّرْح الشَّامِل الصَّغِير وَيدل حلّه إِيَّاه على ذكاء مفرط، وَله شرح مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب فِي الْأُصُول وَشرح البديع لِابْنِ الساعاتي فِي الْأُصُول أَيْضا وفرائض نظم وفرائض نثر ومجموع صَغِير فِي اللُّغَة
стр. 679
وَغير ذَلِك، كَانَ ﵀ سريع الْغَضَب سريع الرضى كثير الذّكر لله تَعَالَى.
قلت:
(من هُوَ فَخر الدّين عُثْمَان فِي ... مراحم الله وإحسانه)
(مَاتَ غَرِيبا خَائفًا نازحاً ... عَن أنس أهليه وأوطانه)
(وَبَعض هذي فِيهِ مَا يرتجى ... لَهُ بِهِ رَحْمَة ديانه)
(فَقل لشانيه ترفق فَفِي ... شَأْنك مَا يُغْنِيك عَن شَأْنه)
وَرَأَيْت مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ هَذِه الْكَلِمَات وَكنت سَمعتهَا من لَفظه قبل ذَلِك وَهِي الِالْتِفَات إِلَى الْأَسْبَاب شرك فِي التَّوْحِيد والإعراض عَن الْأَسْبَاب بِالْكُلِّيَّةِ قدح فِي الشَّرْع ومحو الْأَسْبَاب أَن تكون أسباباً نقص فِي الْعقل فَمن جعل السَّبَب مُوجبا فقد أَخطَأ وَمن محاه وَلم يَجْعَل لَهُ أثرا فقد أَخطَأ وَمن جعل السَّبَب سَببا والمسبب هُوَ الْفَاعِل فقد أصَاب، ومولده ﵀ بِمصْر فِي الْعشْر الْأَوَاخِر من شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة.
وفيهَا: فِي الْعشْر الْأَوْسَط من ربيع الآخر توفّي السَّيِّد الشريف بدر الدّين مُحَمَّد بن زهرَة الْحُسَيْنِي نقيب الْأَشْرَاف وَكيل بَيت المَال بحلب وَمن الِاتِّفَاق إِنَّه مَاتَ يَوْم وُرُود الْخَبَر بعزل ملك الْأُمَرَاء عَلَاء الدّين الطنبغا عَن نِيَابَة حلب وَكَانَ بَينهمَا شَحْنَاء فِي الْبَاطِن.
قلت:
(قد كَانَ كل مِنْهُمَا ... يَرْجُو شفا أضغانه)
(فَصَارَ كل وَاحِد ... مشتغلاً بشانه)
كَانَ السَّيِّد ﵀ حسن الشكل وافر النِّعْمَة مُعظما عِنْد النَّاس شهماً ذكياً، وجده الشريف أَبُو إِبْرَاهِيم هُوَ ممدوح أبي الْعَلَاء المعري كتب إِلَى أبي الْعَلَاء القصيدة الَّتِي أَولهَا:
(غير مستحصل وصال الغواني ... بعد سِتِّينَ حجَّة وثماني)
وَمِنْهَا:
(كل علم مفرق فِي البرايا ... جمعته معرة النُّعْمَان)
فَأَجَابَهُ أَبُو الْعَلَاء بالقصيدة الَّتِي أَولهَا:
(عللاني فَإِن بيض الْأَمَانِي ... فنيت والظلام لَيْسَ بفاني)
وَمِنْهَا:
(يَا أَبَا إِبْرَاهِيم قصر عَنْك ... الشّعْر لما وصفت بِالْقُرْآنِ)
وفيهَا: فِي الْعشْر الأول من جُمَادَى الأولى قدم الْأَمِير سيف الدّين طرغاي إِلَى حلب نَائِبا بهَا وسر النَّاس بقدومه وأظهروا الزِّينَة وصحبته القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن العطب كَاتب السِّرّ مَكَان تَاج الدّين بن الزين خضر المتوجه إِلَى مصر صُحْبَة الْأَمِير عَلَاء الدّين الطنبغا، وَكَانَ رنك الْمُنْفَصِل جوكانين ورنك الْمُتَّصِل خونجا فَقَالَ بعض النَّاس فِي ذَلِك:
стр. 680
(كم أَتَى الدَّهْر بطرد ... وبعكس وببدع)
(رَاح عَنَّا رنك ضرب ... وأتانا رنك بلع)
وفيهَا: فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى ورد الْخَبَر إِلَى حلب بوفاة قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقزْوِينِي قَاضِي دمشق بهَا كَانَ ﵀ إمامأً فِي علم الْمعَانِي وَالْبَيَان لَهُ فِيهِ مصنفات جَامِعَة متقنة وَله يَد فِي الأصولين وَيحل الْحَاوِي.
وَكَانَ كَبِير الْقدر وَاسع الصَّدْر ولي أَولا خطابة دمشق ثمَّ قضاءها ثمَّ قَضَاء مصر ثمَّ قَضَاء دمشق حَتَّى مَاتَ بهَا سامحه الله تَعَالَى، وَبَلغنِي أَن بَينه وَبَين الإِمَام الرَّافِعِيّ قرَابَة وَقرب الْعَهْد بسيرته يُغني عَن الإطالة، وَبنى على النّيل دَارا قيل بِمَا يزِيد على ألف ألف دِرْهَم فَأخذت مِنْهُ، ثمَّ أخرج إِلَى دمشق قَاضِيا كَمَا تقدم.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة ورد الْخَبَر إِلَى حلب بوفاة الشَّيْخ بدر الدّين أبي الْيُسْر مُحَمَّد بن القَاضِي عز الدّين مُحَمَّد بن الصَّائِغ الدِّمَشْقِي بهَا كَانَ نفعنا الله بِهِ عَالما فَاضلا متقللاً من الدُّنْيَا زاهداً جَاءَتْهُ الخلعة والتقليد بِقَضَاء دمشق فَامْتنعَ أتم امْتنَاع واستعفى بِصدق إِلَى أَن أعفى فَمن يَوْمئِذٍ حسن ظن النَّاس بِهِ وفطن أهل الْقَلَم وَأهل السَّيْف لجلالة قدره
قلت:
(مَا قَضَاء الشَّام إِلَّا شرف ... وَلمن يتْركهُ أَعلَى شرف)
(يَا أَبَا الْيُسْر لقد أذكرنا ... فعلك المشكور أَفعَال السّلف)
وَفِيه: ورد الْخَبَر أَن الْأَمِير عَلَاء الدّين الطنبغا وصل من مصر إِلَى غَزَّة نَائِبا بهَا فسبحان من يرفع وَيَضَع أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر جرت بَينه وَبَين نَائِب الشَّام الْأَمِير سيف الدّين تنكز شَحْنَاء اقْتَضَت نقلته من حلب وتوليته بعْدهَا غَزَّة فَإِن نَائِب الشَّام مُتَمَكن عِنْد السُّلْطَان رفيع الْمنزلَة.
وفيهَا: فِي أَوَائِل رَجَب توفّي بمعرة النُّعْمَان ابْن شَيخنَا العابد إِبْرَاهِيم بن عِيسَى بن عبد السَّلَام.
وَكَانَ من عباد الْأمة وَيعرف الشاطبية والقراءات، وَله يَد طولى فِي التَّفْسِير وزهادته مَشْهُورَة، كَانَ أَولا يحترف بالنساجة ثمَّ تَركهَا وَأَقْبل على الْعِبَادَة وَالصِّيَام وَالْقِيَام وَنسخ كتب الرَّقَائِق وَغَيرهَا فَأكْثر ووقف كتبه على زَوَايَا وأماكن وَهُوَ من أَصْحَاب الشَّيْخ الْقدْوَة مهنا الفوعي نفعنا الله ببركتهما، وَكَانَ دَاعيا إِلَى السّنة بِتِلْكَ الْبِلَاد وَتُوفِّي بعده بأيام الشّرف حُسَيْن بن دَاوُد بن يَعْقُوب الفوعي بالفوعة، وَكَانَ دَاعيا إِلَى التَّشَيُّع بِتِلْكَ الْبِلَاد.
قلت:
(وَقَامَ لنصر مذْهبه عَظِيما ... وحدد ظفره وَأطَال نابه)
(تبَارك من أراح الدّين مِنْهُ ... وخلص مِنْهُ أَعْرَاض الصَّحَابَة)
وَفِيه: ورد الْخَبَر بوفاة الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن المُهَاجر
стр. 681
الْحَنَفِيّ بحماه نَائِبا عَن قاضيها جمال الدّين عبد الله بن العديم حَسْبَمَا تقدم ذكره.
كَانَ فَاضلا فِي النَّحْو وَالْعرُوض، وَله نظم حسن ولهج فِي آخر وقته بمدائح الرَّسُول ﷺ َ -. وَفِيه: ورد الْخَبَر إِلَى حلب أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدّين عَليّ بن السُّبْكِيّ تولى قَضَاء الْقُضَاة الشَّافِعِيَّة بِدِمَشْق المحروسة بعد أَن حدث الْخَطِيب بدر الدّين مُحَمَّد بن القَاضِي جلال الدّين نَفسه بذلك وَجزم بِهِ وَقبل الهناء فَقَالَ فِيهِ بعض أهل دمشق:
(قد سبك السُّبْكِيّ قلب الْخَطِيب ... فعيشه من بعْدهَا مَا يطيب)
وَفِيه " طلب القَاضِي جمال الدّين سُلَيْمَان بن رَيَّان عَليّ البردي من حلب إِلَى دمشق لمباشرة نظر الجيوش بِالشَّام وَاسْتمرّ بِدِمَشْق إِلَى أَن نكب تنكز كَمَا سَيَأْتِي فعزل بالتاج إِسْحَاق ثمَّ حضر إِلَى حلب وَأقَام بداره بالْمقَام.
وفيهَا: فِي شعْبَان قدم الْأَمِير الْفَاضِل صَلَاح الدّين يُوسُف الدواتدار شادا بالمملكة الحلبية.
وفيهَا: فِي رَمَضَان ورد الْخَبَر أَن الْأَمِير سيف الدّين أَبَا بكر البانيري بَاشر النِّيَابَة بقلعة الرحبة، وَهُوَ الَّذِي كَانَ تولى تَجْدِيد عمَارَة جعبر كَمَا تقدم فَقَالَ فِيهِ بعض النَّاس:
(يَا باذلاً فِي جعبر جهده ... مَا خيب السُّلْطَان مسعاكاً)
(عوضك الرحبة عَن ضيق مَا ... قاسيت قد أفرحنا ذاكاً)
(فضاجع البق وناموسها ... لَوْلَا ضجيعاك لزرناكا)
وَفِيه: شرع نَائِب الشَّام تنكز فِي الرُّجُوع من متصيدة بالمملكة الحلبية وَكَانَ قد حضر إِلَيْهَا فِي شعْبَان وَمَعَهُ صَاحب حماه الْملك الْأَفْضَل وحريم وحظايا وحشم وحمام وَلحق الفلاحين والرعية بذلك كلفة وضرر كَبِير وَاجْتمعَ نَائِب الشَّام وَصَاحب حماه على إِعَادَة بدر الدّين مُحَمَّد بن عَليّ الْمَعْرُوف بِابْن الحمص رامي البندق الْمَشْهُور إِلَى مَنْزِلَته من الرماية بعد أَن كَانَ قد أسقط على عَادَتهم وأسقطوا من كَانَ أسْقطه، وَاجْتمعت أَنا بِابْن الحمص الْمَذْكُور بحلب فَسَأَلته أَن يريني شَيْئا من حذفة فِي البندق فَرمى إِلَى حَائِط فَكتب عَلَيْهِ بالبندق مَا صورته مُحَمَّد بن عَليّ بِخَط جيد ثمَّ أَمر غُلَامه فَصَارَ الْغُلَام يَرْمِي بندقاً إِلَى الجو وَهُوَ يتلقاه فَيُصِيبهُ فِي سرعَة على التوالي فجَاء من ذَلِك بالعجب العجيب.
وَفِيه: نَادَى مُنَاد فِي جَامع حلب وأسواقها وقدامه شاد الْوَقْف بدر الدّين يتليك الأسندمري من أُمَرَاء العشرات بِمَا صورته معاشر الْفُقَهَاء والمدرسين والمؤذنين وأرباب وظائف الدّين قد برز المرسوم العالي أَن كل من انْقَطع مِنْكُم عَن وظيفته وغمز عَلَيْهِ يستأهل مَا يجْرِي عَلَيْهِ، فَانْكَسَرت لذَلِك قُلُوب الْخَاص وَالْعَام وَعظم بِهِ تألم الْأَنَام وَظهر مشد الْوَقْف الْمَذْكُور عَن بغض وعناد لأهل الْعلم وَالدّين فَوَقع مِنْهُ يَوْم عيد الْفطر كلمة قبيحة أَقَامَت عَلَيْهِ النَّاس أَجْمَعِينَ وَعقد لَهُ بدار الْعدْل يَوْم الْعِيد مجْلِس مشهود وأفتينا بتجديد
стр. 682
إِسْلَامه وعزله وضربه وَهُوَ مَمْدُود وَنُودِيَ عَلَيْهِ فِي الْمَلأ جَزَاء وفَاقا، وقطعنا أَن لُحُوم الْعلمَاء مَسْمُومَة اتِّفَاقًا وَلَوْلَا شَفَاعَة الشَّافِعِي فِيهِ لدخل نَار مَالك بِمَا خرج من فِيهِ، وَلَو كَانَ برا لما خَاص هَذَا الْبَحْر ولجمع قلبه ومذبحه بَين الْفطر والنحر وَبِالْجُمْلَةِ فقد ذاق مرَارَة الْقَهْر والقسر فَإِن نداءه الَّذِي انْكَسَرَ بِهِ الْقلب بِهِ الْكسر.
وفيهَا: فِي تَاسِع شَوَّال وصل إِلَى حلب قَاضِي الْقُضَاة زين الدّين عمر بن شرف الدّين مُحَمَّد بن البلفيائي الْمصْرِيّ الشَّافِعِي وباشر الحكم من يَوْمه وَخرج النَّائِب والأكابر لتلقيه وسر بِهِ النَّاس لما سمعُوا من ديانته بعد شغور المنصب نَحْو عشرَة أشهر من حَاكم شَافِعِيّ.
وفيهَا: حج الْأَمِير سيف الدّين بشتك الناصري من مصر وَأنْفق فِي الْحَج أَمْوَالًا عَظِيمَة، وَكَانَ صحبته على مَا بلغنَا سِتّمائَة راوية وَتكلم النَّاس فِي الْقَبْض عَلَيْهِ عِنْد عوده بِمَدِينَة الكرك فَمَا أمكن ذَلِك وَدخل مصر وَصعد القلعة فَتَلقاهُ السُّلْطَان بِالْحُسْنَى.
ثمَّ دخلت سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي الْمحرم ورد الْخَبَر بوفاة الشَّيْخ علم الدّين أبي مُحَمَّد الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن يُوسُف البرز إِلَى الْمُحدث الدِّمَشْقِي بخليص مرِيدا لِلْحَجِّ رَحمَه الله تَعَالَى.
كَانَ حسن الْأَخْلَاق كثير الموافاة للنَّاس محبوباً إِلَيْهِم، وَله تصانيف فِي الحَدِيث والتاريخ والشروط، وَكَانَ حسن الْأَدَاء كثير الْبكاء فِي حَال قِرَاءَة الحَدِيث فصيحاً رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: فِي الْمحرم بلغنَا شنق ابْن الْمُؤَيد شرف الدّين أبي بكر الْوَاعِظ الْمُحْتَسب نَائِب الْوكَالَة باللاذقية خَافُوا بطرابلس من طول لِسَانه واتصاله بأعيان المصريين وَقَامَت عَلَيْهِ بَيِّنَة بِأَلْفَاظ تَقْتَضِي إنحلال العقيدة، فحملوا عبد الْعَزِيز الْمَالِكِي قَاضِي القدموس على الحكم بقتْله، وشارك فِي واقعته القَاضِي جلال الدّين عبد الْحق الْمَالِكِي قَاضِي اللاذقية فتعب القاضيان بجريرته وقاسياً شَدَائِد.
وفيهَا: فِي صفر وَردت الْبشَارَة بِقَبض الْملك النَّاصِر على النشو شرف الدّين القبطي الأَصْل، وَإنَّهُ وأخاه رزق الله تَحت الْعقُوبَة، ثمَّ قتل أَخُوهُ نَفسه وَأوقدت لهلاكهما الشموع بِالْقَاهِرَةِ، كَانَ النشو قد قهر أهل الْقَاهِرَة وَبَالغ فِي الطرح والمصادرة، فعظمت بِهِ الْمُصِيبَة وَقتل خلقا تَحت الْعقُوبَة فَأتى النَّاس فِي هَلَاكه بيُوت الْمَسْأَلَة من أَبْوَابهَا، وَبنت الْأَوْتَاد نظم الدَّعْوَات على أَسبَابهَا وطلبوا لبحر ظلمه المديد من الله خبْنا وبتراً فدارت الدَّوَائِر عَلَيْهِ بِهَذِهِ الفاصلة الْكُبْرَى.
قلت:
(النشو لَا عدل وَلَا معرفَة ... قد آن للأقدار أَن تصرفه)
стр. 683
(من أتلف النَّاس وَأَمْوَالهمْ ... يحِق للسُّلْطَان أَن يتلفه)
وَفِيه: قدم الْأَمِير المكاص الغشوم المشوم (لُؤْلُؤ القندشي) إِلَى حلب منفياً من مصر بِلَا إقطاع.
وَفِيه: عزل قَاضِي الْقُضَاة بحلب زين الدّين عمر البلفيائي عَنْهَا لوحشه جرت بَينه وَبَين طرغاي نَائِب حلب فكاتب فِيهِ فعزل وَهُوَ فَقِيه كَبِير متقصد فِي المأكل والملبس.
قلت:
(كَانَ وَالله عفيفاً نزهاً ... وَله عرض عريض مَا اتهمَ)
(وَهُوَ لَا يدْرِي مداراة الورى ... ومداردا الورى أَمر مُهِمّ)
وفيهَا: فِي ربيع الأول عزل الْأَمِير صَلَاح الدّين يُوسُف بن الأسعد الدواتدار عَن الشد على المَال وَالْوَقْف بحلب وَنقل إِلَى طرابلس ضَاقَ طرغاي من جيرته فَعمل عَلَيْهِ، وَكَانَ قد عزم على تَحْرِير الْأَوْقَاف بحلب فَمَا قدر.
قلت:
(لقد قَالَت لنا حلب مقَالا ... وَقد عزم المشد على الرواح)
(إِذا عَم الْفساد جَمِيع وقفي ... فَكيف أكون قَابِلَة الصّلاح)
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة ولي القَاضِي برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن خَلِيل بن إِبْرَاهِيم الرَّسْعَنِي قَضَاء الشَّافِعِيَّة بحلب بذل لطوغاي نائبها مَالا، فكاتب فِي ولَايَته وَهُوَ أول من بذل فِي زَمَاننَا على الْقَضَاء بحلب، وَكَانَ الْقُضَاة قبله يخطبون ويعطون من بَيت المَال حَتَّى يلوا وَلذَلِك لم يُصَادف رَاحَة فِي ولَايَته.
ويعجبني قَول الْقَائِل:
(فلَان لَا تحزن إِذا ... نكبت واعرف مَا السَّبَب)
(فَمَا تولى حَاكم ... بِفِضَّة إِلَّا ذهب)
وفيهَا: توفّي طقتمر الخازن نَائِب قلعة حلب، كَانَت تصدر مِنْهُ فِي الدّين أَلْفَاظ مُنكرَة وَاشْترى قبل وَفَاته دَارا عِنْد مدرسة الشاذبخت وَعمل فِيهَا تصاوير وَكثر الطعْن عَلَيْهِ بِسَبَبِهَا
قلت:
(مَا حل فِيهَا زحل ... إِلَّا لنحس المُشْتَرِي)
(فانعدمت صورته ... من شُؤْم تِلْكَ الصُّور)
وَخلف مَالا طائلاً.
وفيهَا: فِي شعْبَان توفّي الْخَلِيفَة أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان المستكفي بِاللَّه فِي قوص، وَقد تقدم إِنَّه أخرج إِلَى الصَّعِيد سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وخلافته تسع وَثَلَاثُونَ سنة وَللَّه قولي على لِسَانه مثلي يعِيش بِالْمَوْتِ ويبلغ المنى بالفوت إِلَى كم لَهُم العيشة الرّطبَة ولي مُجَرّد الْخطْبَة فَلهم الْملك الصَّرِيح ولسليمان الرّيح.
стр. 684
(أَحْمد الله الَّذِي جنبني ... كلف الْملك وأمراً صعباً)
(لم أجد للْملك مَاء صافياً ... فَتَيَمَّمت صَعِيدا طيبا)
وفيهَا: بعد موت المستكفي بوبع بالخلافة أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم ابْن أَخ المستكفي.
وفيهَا: كَانَ الْحَرِيق بِدِمَشْق وَذَهَبت فِيهِ أَمْوَال ونفوس واحترقت المنارة الشرقية والدهشة وقيسارية القواسين وتكرر وأقرت طَائِفَة من النَّصَارَى بِدِمَشْق بِفِعْلِهِ فصلب تنكز مِنْهُم أحد عشر رجلا ثمَّ وسطوا بعد أَن أَخذ مِنْهُم ألف ألف دِرْهَم وَأسلم نَاس مِنْهُم وبيعت بنت الملين بِمَال كثير فاشتراها تنكز وعملت المقامة الدمشقية فِي هَذَا الْمَعْنى، وسميتها صفو الرَّحِيق فِي وصف الْحَرِيق، وختمتها بِقَوْلِي:
(وعادت دمشق فَوق مَا كَانَ حسنها ... وأمست عروساً فِي جمال مُجَدد)
(وَقَالَت لأهل الْكفْر موتوا بغيطكم ... فَمَا أَنا إِلَّا للنَّبِي مُحَمَّد)
(وَلَا تَذكرُوا عِنْدِي معابد دينكُمْ ... فَمَا قصبات السَّبق إِلَّا لمعبد)
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة بَاشر القَاضِي نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الصاحب شرف الدّين يَعْقُوب كِتَابَة السِّرّ بحلب وسررنا بِهِ.
وَفِيه قبض على تنكز نَائِب الشَّام وَأهْلك بِمصْر رسم السُّلْطَان لطشتمر حمص أَخْضَر وَكَانَ نَائِبا بصفد أَن يَأْتِيهِ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَيقبض عَلَيْهِ وَمَا أشبه تمكنه عِنْد السُّلْطَان الْملك النَّاصِر إِلَّا بِجَعْفَر عِنْد الرشيد والرشيد أضمر إهلاك جَعْفَر سِتّ سِنِين حَتَّى قَتله وَالْملك النَّاصِر أضمر إهلاك تنكز عشر سِنِين وَهُوَ يخوله ويعظمه وينعم عَلَيْهِ وَفِي قلبه لَهُ مَا فِيهِ حَتَّى قبض عَلَيْهِ.
وَكَانَ تنكز عَظِيم السطو شَدِيد الْغَضَب قتل خلقا مِنْهُم عماد الدّين إِسْمَاعِيل بن مزروع الفوعي نَائِب فحليس بِدِمَشْق وَعلي بن مقلد حَاجِب الْعَرَب والأمير حَمْزَة رَمَاه بالبندق ثمَّ أهلكه سرا وَغَيرهم.
وَله بِدِمَشْق والقدس وَغَيرهمَا آثَار حَسَنَة وأوقاف، وَقتل أَكثر الْكلاب بِدِمَشْق ثمَّ حبس الْبَاقِي، وَحَال بَين أناثها وذكورها، وَلما استوحش من السُّلْطَان عزم على نكثه من جِهَة التتر وَأخذ السُّلْطَان من أَمْوَاله مَا يفوت الْحصْر، زعم بَعضهم أَنه يُقَارب مَال قَارون وَكَانَ قبل ذَلِك قد تبرم من نقيق الضفادع فأخرجها من المَاء، فَقَالَ بعض النَّاس فِيهِ:
(تنكر تنكز بِدِمَشْق تيهاً ... وَذَلِكَ قد يدل على الذّهاب)
(وَقَالُوا للضفادع ألف بشرى ... بميتته فَقلت وللكلاب)
" تولى دمشق بعده الطنبغا " الْحَاجِب الصَّالِحِي، كَانَ تنكز قد سعى عَلَيْهِ حَتَّى نقل من نِيَابَة حلب إِلَى نِيَابَة غَزَّة فأورثه الله أرضه ودياره.
وفيهَا: بعد حاديثة تنكز عُوقِبَ أَمِين الْملك عبد الله الصاحب بِدِمَشْق، واستصفى مَاله وَمَات تَحت الْعقُوبَة، قبْطِي الأَصْل، وَكَانَ فِيهِ خير وَشر ووزر بِمصْر ثَلَاث مَرَّات.
وَفِيه يَقُول صاحبنا الشَّيْخ جمال الدّين بن نباتة الْمصْرِيّ:
стр. 685
(لله كم حَال أمرئ مقتر ... قضيت فِي الْقُدس بتنفيسه)
(كم دِرْهَم ولي وَلكنه ... قد أَخذ الْأجر على كيسه)
وَقَالَ فِيهِ أَيْضا:
(رَوَت عَنْك أَخْبَار الْمَعَالِي محَاسِن ... كفت بِلِسَان الْحَال عَن لسن الْحَمد)
(فوجهك عَن بشر وكفك عَن عطا ... وخلقك عَن سهل ورأيك عَن سعد)
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي الْمحرم وسط بِدِمَشْق (طغية وجنغية) من أَصْحَاب تنكز وَكَانَا ظالمين.
وفيهَا: عزل طرغاي، عَن حلب وَكَانَ على طمعه يُصَلِّي وَيَتْلُو كثيرا.
وفيهَا: توفّي الشَّيْخ مُحَمَّد بن أَحْمد بن تَمام زاهد الْوَقْت بِدِمَشْق.
وَتُوفِّي الْملك أنوك بن الْملك النَّاصِر وَكَانَ عَظِيم الشكل.
وفيهَا: ضربت رَقَبَة عُثْمَان الزنديق بِدِمَشْق على الألحاد والباجر بَقِيَّة سمع مِنْهُ من الزندقة مَا لم يسمع من غَيره لَعنه الله.
وَتُوفِّي الْأَمِير صَلَاح الدّين يُوسُف بن الْملك الأوحد، وَكَانَ من أكَابِر أُمَرَاء دمشق وَمن بقايا أجواد بني شيركوه، وَكَانَ تنكز على شممه بِدِمَشْق ينزل إِلَى ضيافته كل سنة فينفق على ضِيَافَة تنكز نَحْو سِتِّينَ ألف دِرْهَم.
وفيهَا توفّي السُّلْطَان الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن الْملك الْمَنْصُور قلاوون الصَّالِحِي رَحمَه الله تَعَالَى وَله سِتُّونَ سنة بعد أَن خطب لَهُ بِبَغْدَاد وَالْعراق وديار بكر والموصل وَالروم، وَضرب الدِّينَار وَالدِّرْهَم هُنَاكَ باسمه كَمَا يضْرب لَهُ بِالشَّام ومصر، وَحج مَرَّات وَحصل لقلوب النَّاس بوفاته ألم عَظِيم فَإِنَّهُ أبطل مكوساً، وَكَانَ يستحيي أَن يخيب قاصديه، وأيامه أَمن وسكينة وَبنى جَوَامِع وَغَيرهَا لَوْلَا تسليط لُؤْلُؤ والنشو على النَّاس فِي آخر وقته وعهد لوَلَده السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور أبي بكر فَجَلَسَ على الْكُرْسِيّ قبل موت وَالِده، وَضربت لَهُ البشائر فِي الْبِلَاد.
ولي من تهنئة وتعزية فِي ذَلِك.
(مَا أَسَاءَ الدَّهْر حَتَّى أحسنا ... رق فاستدرك حزنا بهنا)
(بَيْنَمَا البأساء غمت من هُنَا ... وَإِذا النعماء عَمت من هُنَا)
(فَبِحَق أَن يُسمى محزنا ... وبصدق حِين يدعى محسنا)
(فلئن أوحشنا بدر السما ... فَلَقَد آنسنا شمس السنا)
(علما أبدله من علم ... ظَاهر الْأَعْرَاب مَرْفُوع الْبَنَّا)
(فجزى الله بِخَير من نأى ... وَوُقِيَ من كل ضير من دنا)
أجل وَالله لقد الدَّهْر وَأحسن وأهزل وأسمن وأحزن وسر وعق وبر إِذْ أصبح الْملك وَبَاعه بفقد النَّاصِر قَاصِر قد ضعف أَرْكَانه وَمَات سُلْطَانه فَمَا لَهُ من قُوَّة وَلَا نَاصِر فأمسى
стр. 686
بِحَمْد الله وَقد مَلأ الْقُصُور بالمنصور سُرُورًا وأطاعه الدَّهْر وَأَهله فَلَا يسرف فِي الْقَتْل إِنَّه كَانَ منصوراً.
وفيهَا: ورد إِلَى حلب زَائِرًا صاحبنا (التَّاج الْيَمَانِيّ) عبد الْبَاقِي بن عبد الْمجِيد بن عبد الله النَّحْوِيّ اللّغَوِيّ الْكَاتِب الْعَرُوضِي الشَّاعِر المنشي وَجَرت مَعَه بحوث مِنْهَا مَسْأَلَة نفيسة وَهِي مَا لَو قَالَ لَهُ عِنْدِي اثنى عشر درهما وسدساً كم يلْزمه؟ فاستبهمت هَذِه الْمَسْأَلَة على الْجَمَاعَة فيسر الله لي حلهَا فَقلت: يلْزمه سَبْعَة دَرَاهِم إِذْ الْمَعْنى اثنى عشر درهما وأسداساً فَيكون النّصْف دَرَاهِم وَهِي سِتَّة دَرَاهِم وَالنّصف أسداساً وَهِي سِتَّة أَسْدَاس بدرهم فَهَذِهِ سَبْعَة، وَلَو قَالَ اثْنَي عشر درهما وربعاً لزمَه سَبْعَة وَنصف، وَلَو قَالَ اثْنَي عشر درهما وَثلثا لزمَه ثَمَانِيَة أَو وَنصفا فتسعة وَهَكَذَا.
وَمِمَّا أَنْشدني لنَفسِهِ قَوْله:
(تجنب أَن تذم بك اللَّيَالِي ... وحاول أَن يذم لَك الزَّمَان)
(وَلَا تحفل إِذا كلمت ذاتاً ... أصبت الْعِزّ أم حصل الهوان)
وَقَوله:
(بخلت لواحظ من أَتَانَا مُقبلا ... بسلامها ورموزهن سَلام)
(فعذرت نرجس مقليته لِأَنَّهَا ... تخشى العذار فَإِنَّهُ نمام)
وفيهَا: نقل طشتمر حمص أَخْضَر من نِيَابَة صفد إِلَى نِيَابَة حلب.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة وصل إِلَى حلب الْفِيل والزرافة جهزهما الْملك النَّاصِر قبل وَفَاته لصَاحب ماردين.
وفيهَا: فتح الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدغدي الزراق وَمَعَهُ بعض عَسْكَر حلب قلعة خندروس من الرّوم كَانَت عاصية وَبهَا أرمن وتتر يقطعون الطرقات.
وفيهَا: صليت بحلب صَلَاة الْغَائِب على الشَّيْخ عز الدّين عبد الْمُؤمن بن قطب الدّين عبد الرَّحْمَن بن العجمي الْحلَبِي توفّي بِمصْر، وَكَانَ عِنْده تزهد وَكتب الْمَنْسُوب.
وفيهَا: توفّي بأياس نائبها الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاي الغزى، تقدّمت لَهُ نكاية فِي الأرمن وَنقل إِلَى تربته بحلب.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: فِي الْمحرم مِنْهَا بَايع السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور أَبُو بكر بن الْملك النَّاصِر (الْخَلِيفَة الْحَاكِم بِأَمْر الله) أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن المستكفي بِاللَّه أبي الرّبيع سُلَيْمَان، كَانَ قد عهد إِلَيْهِ وَالِده بالخلافة فَلم يُبَايع فِي حَيَاة الْملك النَّاصِر فَلَمَّا ولى الْمَنْصُور بَايعه وَجلسَ مَعَه على كرْسِي الْملك وَبَايَعَهُ الْقُضَاة وَغَيرهم.
وفيهَا: فِي صفر توفّي شيخ الْإِسْلَام الْحَافِظ جمال الدّين يُوسُف بن الزكي عبد
стр. 687
الرَّحْمَن بن الْمزي الدِّمَشْقِي بهَا مُنْقَطع القرين فِي معرفَة أَسمَاء الرِّجَال مشاركاً فِي عُلُوم، وَتَوَلَّى مشيخة دَار الحَدِيث بعده قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ.
وفيهَا: فِي صفر خلع السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور أَبُو بكر بن الْملك احْتج عَلَيْهِ قوصون الناصري ولي نعْمَة أَبِيه بحجج وَنسب إِلَيْهِ أموراً وَأخرجه إِلَى قوص إِلَى الدَّار الَّتِي أخرج الْملك النَّاصِر وَالِده الْخَلِيفَة المستكفي إِلَيْهَا جَزَاء وفَاقا، ثمَّ أَمر قوصون وَالِي قوص بهَا وَأقَام فِي الْملك أَخَاهُ الْملك الْأَشْرَف كجك وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين.
فَقلت فِي ذَلِك:
(سلطاننا الْيَوْم طِفْل والأكابر فِي ... خلف وَبينهمْ الشَّيْطَان قد نزغا)
(وَكَيف يطْمع من مسته مظْلمَة ... أَن يبلغ السؤل وَالسُّلْطَان مَا بلغا)
وفيهَا: فِي جُمَادَى الآخر جهز قوصون مَعَ الْأَمِير قطلبغا الفخري والناصري عسكراً لحصار السُّلْطَان أَحْمد بن الْملك النَّاصِر بالكرك، وَسَار الطنبغا نَائِب دمشق والحاج أرقطاي نَائِب طرابلس باشارة قوصون إِلَى قتال طشتمر بحلب لكَون طشتمر أنكر على قوصون مَا اعْتَمدهُ فِي حق أَخِيه الْمَنْصُور أبي بكر وَنهب الطنبغا بحلب مَال طشتمر وهرب طشتمر إِلَى الرّوم وأجتمع بِصَاحِب الرّوم ارتنا ثمَّ أَن الفخري عَاد عَن الكرك إِلَى دمشق بعد محاصرة أَحْمد بهَا أَيَّامًا وَبعد أَن استمال النَّاصِر أَحْمد الفخري فَبَايعهُ وَلما وصل الفخري إِلَى دمشق بَايع للناصر من بَقِي من عَسْكَر دمشق الْمُتَأَخِّرين عَن الْمُضِيّ إِلَى حلب صُحْبَة الطنبغا هَذَا كُله والطنبغا وَمن مَعَه بالمملكة الحلبية، ثمَّ سَار الفخري إِلَى ثنية الْعقَاب وَأخذ من مخزن الْأَيْتَام بِدِمَشْق أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم، وَكَانَ الطنبغا قد اسْتَدَانَ مِنْهُ مِائَتي ألف دِرْهَم، وَهُوَ الَّذِي فتح هَذَا الْبَاب.
وَلما بلغ الطنبغا مَا جرى بِدِمَشْق رَجَعَ على عقبه فَلَمَّا قرب من دمشق أرسل الفخري إِلَيْهِ الْقُضَاة وَطلب الْكَفّ عَن الْقِتَال فِي رَجَب فَقَوِيت نفس الطنبغا وَأبي ذَلِك وَطَالَ الْأَمر على الْعَسْكَر فَلَمَّا تقاربوا بَعضهم من بعض لحقت ميسرَة الطنبغا بالفخري ثمَّ الميمنة وَبَقِي الطنبغا والحاج أرقطاي والمرقبي وَابْن الأبي بكر فِي قَلِيل من الْعَسْكَر فهرب الطنبغا وَهَؤُلَاء إِلَى جِهَة مصر فَجهز الفخري وَأعلم النَّاصِر بالكرك، وخطب للناصر أَحْمد بِدِمَشْق وغزة والقدس فَلَمَّا وصل الطنبغا مصر وَهُوَ قوي النَّفس بقوصون قدر الله سُبْحَانَهُ تغير أَمر قوصون وَكَانَ قد غلب على الْأَمر لصِغَر الْأَشْرَف.
فاتفق إيدغمش الناصري أَمِير آخور ويلبغا الناصري وَغَيرهمَا وقبضوا على قوصون ونهبت دياره واختطفت الحرافيش وَغَيرهم من دياره وخزائنه من الذَّهَب وَالْفِضَّة والجواهر والزركش والحشر والسروج والآلات مَا لَا يُحْصى لِأَن قوصون كَانَ قد انتقى عُيُون ذخائر بَيت المَال وَاسْتغْنى من دَار قوصون خلق كثير وَقتل على ذَلِك خلق وَأَرْسلُوا قوصون إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَأهْلك بهَا وقضوا على الطنبغا وحبسوه بِمصْر وَلما بلغ طشتمر بالروم مَا جرى
стр. 688
رَجَعَ من الرّوم إِلَى دمشق فَتَلقاهُ الفخري والقضاة ثمَّ رَحل الفخري وطشتمر إِلَى مصر بِمن مَعَهُمَا.
وفيهَا: فِي شهر رَمَضَان سَافر الْملك النَّاصِر أَحْمد من الكرك فوصل مصر وَعمل أعزية لوالده وأخيه وَأمر بتسمير وَالِي قوص لقَتله الْمَنْصُور.
وخلع الْأَشْرَف كجك الصَّغِير وَجلسَ النَّاصِر على الْكُرْسِيّ هُوَ والخليفة، وَعقد بيعَته قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين السُّبْكِيّ، ثمَّ أعدم الطنبغا والمرقبي؟
وفيهَا: كسر حسن بن تمرتاش بن جوبان من التتر طغاي بن سوتاي فِي الشرق وَتَبعهُ إِلَى بلد قلعة الرّوم فاستشعر النَّاس لذَلِك.
وفيهَا: عزل الْملك الْأَفْضَل مُحَمَّد بن السُّلْطَان الْملك الْمُؤَيد صَاحب حماه والمعرة وبارين وبلادهن وَنقل إِلَى دمشق من جهلة أمرائها تَغَيَّرت سيرة الْأَفْضَل حَتَّى مَاتَ وَقطعت أَشجَار بستانه وَظهر فِي اللَّيْل من بعض أعقاب أَشجَار الْبُسْتَان الَّتِي قطعت نور فَمَا أَفْلح بعد ذَلِك.
" وَتَوَلَّى نِيَابَة حماه " بعده مَمْلُوك أَبِيه سيف الدّين طقز تمر.
وفيهَا: عزل عَن قَضَاء الْحَنَفِيَّة بحماه القَاضِي جمال الدّين عبد الله بن القَاضِي نجم الدّين العديم، وَتَوَلَّى مَكَانَهُ القَاضِي تَقِيّ الدّين مَحْمُود بن الحكم.
وفيهَا: أهلك طاجار الدواتدار وَكَانَ مُسْرِفًا على نَفسه.
وفيهَا: توفّي الْأَفْضَل صَاحب حماه معزولا، وَنقل إِلَى تربته بحماه فَخرج نائبها للقاء تابوته وحزن عَلَيْهِ وَحلف أَنه مَا تولى حماه إِلَّا رَجَاء أَن يردهَا إِلَى الْأَفْضَل مُكَافَأَة لاحسان أَبِيه.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى (توفّي القَاضِي برهَان الدّين) إِبْرَاهِيم الرَّسْعَنِي قَاضِي الشَّافِعِيَّة بحلب، وَكَانَ متعففاً وَيعرف فَرَائض رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى أَيْضا (عُوقِبَ لُؤْلُؤ القندشي) بدار الْعدْل بحلب حَتَّى مَاتَ واستصفى مَاله وشمت بِهِ النَّاس.
قلت:
(ألؤلؤ قد طلمت النَّاس لَكِن ... بِقدر طلوعك اتّفق النُّزُول)
(كَبرت فَكنت فِي تَاج فَلَمَّا ... صغرت سحقت سنة كل لولو)
وفيهَا: توفّي الْأَمِير بدر الدّين مُحَمَّد بن الْحَاج أبي بكر أحد الإمراء بحلب، كَانَ من رجال الدِّينَا، وَله مارستان بطرابلس وأرتفع بِهِ الدَّهْر وانخفض وَدفن بتربة فِي جَامع أنشأه بحلب بِبَاب اتطاكية.
وفيهَا: توفّي الْخَطِيب بدر الدّين مُحَمَّد بن القَاضِي جلال الدّين الْقزْوِينِي خطيب دمشق، وَتَوَلَّى السُّبْكِيّ الخطابة وَجرى بَينه وَبَين تَاج الدّين عبد الرَّحِيم أخي الْخَطِيب المتوفي.
стр. 689
وقائع، وَفِي آخر الْأَمر تعصبت الدماشقة مَعَ تَاج الدّين فاستمر خَطِيبًا.
وفيهَا: فِي شهر رَمَضَان وصل القَاضِي عَلَاء الدّين عَليّ بن عُثْمَان الزرعي الْمَعْرُوف بالقرع إِلَى حلب قَاضِي الْقُضَاة ولاه الطاغية الفخري بالبذل فَاجْتمع النَّاس وحملوا الْمُصحف وتضرروا من ولَايَة مثله فَرفعت يَده عَن الحكم فسافر أَيَّامًا ثمَّ عَاد بكتب فَمَا التفتوا إِلَيْهَا فسافر إِلَى مصر وحلب خَالِيَة عَن قَاض شَافِعِيّ.
وفيهَا: فِي شَوَّال عَم الشَّام ومصر جَراد عَظِيم وَكَانَ أَذَاهُ قَلِيلا.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة وصل إيدغمش الناصري إِلَى حلب نَائِبا بهَا فِي حشمة عَظِيمَة وَأحسن وَعدل وخلع كثير من النَّاس وَأقَام بحلب إِلَى صفر ثمَّ نقل إِلَى نِيَابَة دمشق وتأسف الحلبيون لانتقاله عَنْهُم.
قلت:
(يعرف من تقبله أَرْضنَا ... من لزم الْأَوْسَط من فعله)
(لَا تقبل المسرف فِي جوره ... كلا وَلَا المسرف فِي عدله)
وَنقل: طقزتمر من حماه إِلَى حلب مَكَان إيدغمش ودخلها فِي عشرى صفر، وَتَوَلَّى نِيَابَة حماه مَكَانَهُ الْأَمِير الْعَالم علم الدّين الجاولي، ثمَّ نقل الجاولي إِلَى نِيَابَة غَزَّة، وَولي نِيَابَة حماه مَكَان آل ملك، ثمَّ بعد الطنبغا المارداني كل هَذَا فِي مُدَّة يسيرَة وَجرى فِي هَذِه السّنة من تقلبات الْمُلُوك والنواب واضطرابهم مَا لم يجر فِي مئات من السنين.
قلت: ...
(عجائب عامنا عظمت وجلت ... أعاماً كَانَ أم مِائَتَيْنِ عَاما)
(تصول على الْمُلُوك صيال قَاض ... قَلِيل الدّين فِي مَال الْيَتَامَى)
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة وصل إِلَى حلب القَاضِي حسام الدّين الغوري قَاضِي الْحَنَفِيَّة بِمصْر الْوَافِد إِلَيْهَا من قَضَاء بَغْدَاد منفياً من الْقَاهِرَة لما اعتقده فِي الْأَحْكَام ولمعاضدته لقوصون ولسوء سيرته فَإِنَّهُ قَاضِي تتر.
ولي بيتان فِي ذمّ حمام هما:
(حمامكم فِي كل أَوْصَافه ... يشبه شخصا غير مَذْكُور)
(شَدِيد برد وسخ موحش ... قَلِيل مَاء فَاقِد النُّور)
فغيرهما بعض النَّاس فَجعل الْبَيْت الأول كَذَا:
(حمامكم فِي كل أَوْصَافه ... يشبه وَجه الْحَاكِم الغوري)
وتمته بِالْبَيْتِ الثَّانِي على حَاله.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة سَافر السُّلْطَان النَّاصِر أَحْمد إِلَى الكرك وَأخذ من ذخائر بَيت المَال بِمصْر مَا لَا يُحْصى وَصَحب طشتمر والفخري مقيدين فَقَتَلَهُمَا بالكرك قتلة شنيعة
стр. 690
وَيطول الشَّرْح فِي وصف جرْأَة الفخري وإقدامه على الْفَوَاحِش حَتَّى فِي رَمَضَان ومصادرته للنَّاس حَتَّى أَنه جهز من صادر أهل حلب فأراح الله الْعَالم مِنْهُ، وحصن النَّاصِر الكرك وأتخذها مقَاما لَهُ.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي الْمحرم انْقَلب عَسْكَر الشَّام على الْملك النَّاصِر أَحْمد وَهُوَ بالكرك وكاتبوا إِلَى مصر (فَخلع النَّاصِر وأجلس أَخُوهُ السُّلْطَان الْملك إِسْمَاعِيل) على الْكُرْسِيّ بقلعة الْجَبَل واستناب إِلَى ملك.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر حوصر السُّلْطَان أَحْمد بالكرك، وَاحْتج عَلَيْهِ أَخُوهُ الصَّالح بِمَا أَخذ من أَمْوَال بَيت المَال وَحصل بنواحي الكرك غلاء لذَلِك.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة توفّي نَائِب دمشق إيدغمش وَدفن بالقبيبات، وَيُقَال أَن دمشق لم يمت بهَا من قديم الزَّمَان إِلَى الْآن نَائِب سواهُ، وتولاها مَكَانَهُ طقز تمر نَائِب حلب.
وفيهَا: فِي رَجَب وصل الْأَمِير عَلَاء الدّين الطنبغا المارداني نَائِبا إِلَى حلب.
وفيهَا: فِي شهر رَمَضَان توفّي الشَّيْخ تَاج الدّين عبد الْبَاقِي الْيَمَانِيّ الأديب وَقد أناف على السِّتين وَتقدم ذكر وفوده إِلَى حلب رَحمَه الله تَعَالَى وزر بِالْيمن وتنقلت بِهِ الْأَحْوَال، وَله نظم ونثر كثير وتصانيف.
وفيهَا: فِي شَوَّال خرج الْأَمِير ركن الدّين بيبرس الأحمدي من مصر بعسكر لحصار الكرك وَكَذَلِكَ من دمشق فحاصروا النَّاصِر بهَا بالنفظ والمجانيق وَبلغ الْخَبَر أُوقِيَّة بدرهم وغلت دمشق لذَلِك حَتَّى أكلُوا خبز الشّعير.
وفيهَا: وصل عَلَاء الدّين القرع إِلَى حلب قَاضِيا للشَّافِعِيَّة وَأول درس أَلْقَاهُ بِالْمَدْرَسَةِ قَالَ فِيهِ: كتاب الطَّهَارَة بَاب الميات فأبدل الْهَاء بِالتَّاءِ فَقلت أَنا للحاضرين: لَو كَانَ بَاب الميات لما وصل القرع إِلَيْهِ وَلكنه بَاب الألوف ثمَّ قَالَ: قَالَ الله تَعَالَى وَجعلهَا كلمة بَاقِيَة فِي عُنُقه مَكَان فِي عقبه فَقلت أَنا: لَا وَالله وَلكنهَا فِي عنق الَّذِي ولاه، فاشتهرت عني هَاتَانِ التنديدتان فِي الْآفَاق.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر عزل الْأَمِير سُلَيْمَان بن مهنا بن عِيسَى عَن إِمَارَة الْعَرَب وولاها مَكَانَهُ الْأَمِير عِيسَى بن فضل بن عِيسَى وَذَلِكَ بعد الْقَبْض على فياض بن مهنا بِمصْر، وَكَانَ سُلَيْمَان قد ظلم وصادر أهل سرمين وربط بعض النِّسَاء فِي الزناجير وهجم عبيده على المخدرات فأغاثهم الله فِي وسط الشدَّة ثمَّ أُعِيد بعد مُدَّة قريبَة إِلَى الْإِمَارَة.
وفيهَا: توفّي بحلب الْأَمِير الطاعن خَفِي السن سيف الدّين يلبصطي التركماني الأَصْل رَأس الميمنة بهَا، وَكَانَ قَلِيل الْأَذَى مَجْمُوع الخاطر.
وفيهَا: توفّي بحلب طنبغا حجى كَانَ جهزه الفخري إِلَيْهَا نَائِبا عَنهُ فِي أَيَّام خُرُوجه
стр. 691
بِدِمَشْق، وَهُوَ الَّذِي جبى أَمْوَالًا من أهل حلب وَحملهَا إِلَى الفخري وَأخذ لنَفسِهِ بَعْضهَا وباء بإثم ذَلِك.
وفيهَا: توفّي بحلب الشَّيْخ كَمَال الدّين المهمازي، كَانَ لَهُ قبُول عِنْد الْملك النَّاصِر مُحَمَّد ووقف عَلَيْهِ حمام السُّلْطَان بحلب وَسلم إِلَيْهِ تربة ابْن قرا سنقر بهَا، وَكَانَ عِنْده تصون ومروءة.
قلت:
(لوفاة الْكَمَال فِي الْعَجم وَهن ... فَلَقَد أَكْثرُوا عَلَيْهِ التعازي)
(قل لَهُم لَو يكون فِيكُم جواد ... كَانَ فِي غنية عَن المهمازي)
وفيهَا: فِي رَجَب اعتقل القرع بقلعة حلب معزولا، ثمَّ فك عَنهُ الترسيم وسافر إِلَى جِهَة مصر. وفيهَا: فِي رَجَب توفّي بطرابلس نائبها ملك تمر الْحِجَازِي ووليها مَكَانَهُ طرغاي وَفِيه تولى نِيَابَة حماه يلبغا التجباوي.
وفيهَا: فِي شعْبَان وصل القَاضِي بدر الدّين إِبْرَاهِيم بن الخشاب على قَضَاء الشَّافِعِيَّة بحلب فَأحْسن السِّيرَة.
وفيهَا: توفّي بحلب الْحَاج عَليّ بن معتوق الدبيسري وَهُوَ الَّذِي عمر الْجَامِع بِطرف بانقوسا وَدفن بتربته بِجَانِب الْجَامِع.
وفيهَا: توفّي بهادر التُّمُرْتَاشِيّ بِالْقَاهِرَةِ وَكَانَ بعد وَفَاة الْملك النَّاصِر من الْأُمَرَاء الغالبين على الْأَمر.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: فِيهَا أغارت التركمان مَرَّات على بِلَاد سيس فَقتلُوا ونهبوا وأسروا وشفوا الغليل بِمَا فتكت الأرمن بِبِلَاد قرمان.
وفيهَا: فِي شهر صفر توفّي الْأَمِير عَلَاء الدّين الطنبغا المارداني نَائِب حلب، وَدفن خَارج بَاب الْمقَام، وَله بِمصْر جَامع عَظِيم، وَكَانَ شَابًّا حسنا عَاقِلا ذَا سكينَة.
وفيهَا: مزقنا كتاب فصوص الحكم بِالْمَدْرَسَةِ العصروينة بحلب عقيب الدَّرْس وغسلناه وَهُوَ من تصانيف ابْن عَرَبِيّ تَنْبِيها على تَحْرِيم قنيته ومطالعته.
قلت فِيهِ:
(هذي فصوص لم تكن ... بنفيسة فِي نَفسهَا)
(أَنا قد قَرَأت نقوشها ... فصوابها فِي عكسها)
وفيهَا: توفّي بحلب الْأَمِير سيف الدّين بهادر الْمَعْرُوف بحلاوة أحد الْأُمَرَاء بهَا، وَله أثر عَظِيم فِي الْقَبْض على تنكز، وَكَانَ عِنْده ظلم وتوعد أهل حلب بشر كَبِير فأراحهم الله مِنْهُ.
стр. 692
قلت:
(حلاوة مر فَمَا ... أملحه أَن يدفنا)
(إِلَى البلى مسيرًا ... وَفِي الثرى مكفنا)
وفيهَا: فِي صفر بلغنَا أَنه توفّي الشَّيْخ شهَاب الدّين أَحْمد بن المرحل النَّحْوِيّ الْحَرَّانِي الأَصْل الْمصْرِيّ الدَّار والوفاة، كَانَ متضلعاً من الْعَرَبيَّة وَعِنْده تواضع وديانة، نقلت لَهُ مرّة وَهُوَ بحلب أَن أَبَا الْعَبَّاس ثعلباً أجَاز الضَّم فِي الْمُنَادِي الْمُضَاف والشبيه بِهِ الصَّالِحين للألف وَاللَّام فاستغرب ذَلِك وَأنْكرهُ جدا، ثمَّ طالع كتبه فَرَآهُ كَمَا نقلت، فاستحيا من إِنْكَار ذَلِك مَعَ دَعْوَاهُ كَثْرَة الِاطِّلَاع.
فَقلت:
(من بعد يَوْمك هَذَا ... لَا تنقل النَّقْل تغلب)
(لَو أَنَّك ابْن خروف ... مَا كنت عِنْدِي كثعلب)
وفيهَا: فِي ربيع الأول وصل يلبغا التجباوي إِلَى حلب نَائِبا وَهُوَ شَاب حسن، كَانَ الْملك النَّاصِر يمِيل إِلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مرّة أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم، وَمرَّة مائَة فرس مسومة وغالب مَال تنكز، وَتَوَلَّى نِيَابَة حماه مَكَانَهُ سيف الدّين طقز تمر الأحمدي وَعِنْده عقل وَعدل وَعند يلبغا عفاف عَن مَال الرّعية وسطوة وَحسن أَخْلَاق فِي الْخلْوَة.
وَفِيه: سَافر قَاضِي الْقُضَاة بحلب بدر الدّين إِبْرَاهِيم بن الخشاب إِلَى مصر ذَاهِبًا بِنَفسِهِ عَن مُسَاوَاة القرع وَذَلِكَ حِين بلغه تطلب القرع بحلب، ولاين الخشاب يَد طولى فِي الْأَحْكَام وفن الْقَضَاء متوسط الْفِقْه.
وَفِيه: توفّي سُلَيْمَان بن مهنا أَمِير الْعَرَب، وَفَرح أهل إقطاعه بوفاته وَالْقَاضِي شرف الدّين أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن الشهَاب مَحْمُود الْحلَبِي كَانَت السِّرّ وَكيل بَيت المَال بِدِمَشْق توفّي بالقدس الشريف، كتب السِّرّ بِالْقَاهِرَةِ للْملك النَّاصِر مُحَمَّد أَولا.
وَفِيه: وصل عسكران من حماه وطرابلس للدخول إِلَى بِلَاد سيس لتمرد صَاحبهَا كندا صطبل الفرنجي ولمنعه الْحمل ومقدم عَسْكَر طرابلس الْأَمِير صَلَاح الدّين يُوسُف الداوندار أَنْشدني بحلب فِي سفرته هَذِه الْبَيْتَيْنِ للْإِمَام الشَّافِعِي قيل أَنَّهُمَا تنفعان لحفظ الْبَصَر:
(يَا ناظري بِيَعْقُوب أُعِيذكُمَا ... بِمَا استعاذ بِهِ إِذْ خانه الْبَصَر)
(قَمِيص يُوسُف أَلْقَاهُ على بَصرِي ... بشير يُوسُف فَاذْهَبْ أَيهَا الضَّرَر)
فأنشدت بَيْتَيْنِ لي ينفعان إِن شَاءَ الله تَعَالَى لحفظ النَّفس وَالدّين والأهل وَالْمَال، وهما:
(أمررت كفا سبحت فِيهَا الْحَصَى ... وروت الركب بِمَاء طَاهِر)
(على معاشي ومعادي وعَلى ... ذريتي وباطني وظاهري)
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى عَاد الْعَسْكَر المجهز إِلَى بلد سيس وَمَا ظفروا بطائل وَكَانُوا
стр. 693
قد أشرفوا على أَخذ أُذُنه وفيهَا خلق عَظِيم وأموال عَظِيمَة وجفال من الأرمن فتبرطل أقسنقر مقدم عَسْكَر حلب من الأرمن وثبط الْجَيْش عَن فتحهَا، وَاحْتج بِأَن السُّلْطَان مَا رسم بأخذها، وَتُوفِّي اقسنقر الْمَذْكُور بعد مُدَّة يسيرَة بحلب مذموماً وَأبي الله أَن يتوفاه بِبِلَاد سيس مغازياً.
وفيهَا: نقلت جثة تنكز من ديار مصر إِلَى تربته بِدِمَشْق وتلقاها النَّاس لَيْلًا بالشمع والمصاحف والبكاء، ورقوا لَهُ وَوَقع بِدِمَشْق عقيب ذَلِك مطر فعدوا ذَلِك من بركَة الْقدوم بجثته.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى توفّي بِدِمَشْق الإِمَام الْعَلامَة شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الْهَادِي، كَانَ بحراً زاخراً فِي الْعلم.
وَفِيه: قتل الزنديق إِبْرَاهِيم بن يُوسُف المقصاتي بِدِمَشْق لسبه الصَّحَابَة وقذفه عَائِشَة ﵃ ووقوعه فِي حق جِبْرِيل ﷺ َ -.
وفيهَا: فِي الْعشْرين من شهر رَجَب توفّي بجبرين الشَّيْخ مُحَمَّد بن الشَّيْخ نَبهَان كَانَ لَهُ الْقبُول التَّام عِنْد الْخَاص وَالْعَام، وناهيك أَن طشتمر حمص أَخْضَر على قُوَّة نَفسه وشممه وقف على زاويته بجبرين حِصَّة من قَرْيَة حريثان لَهَا مغل جيد وَبِالْجُمْلَةِ فَكَأَنَّمَا مَاتَت بِمَوْتِهِ مَكَارِم الْأَخْلَاق، وَكَاد الشَّام يَخْلُو من الْمَشْهُورين على الاطلاق.
قلت:
(وَكنت إِذا قابلت جبرين زَائِرًا ... يكون لقلبي بالمقابلة الْجَبْر)
(كَأَن بني نَبهَان يَوْم وَفَاته ... نُجُوم سَمَاء خر من بَينهَا الْبَدْر)
زرته قبل وَفَاته ﵀ فحكي لي قَالَ: حضرت عِنْد الشَّيْخ عبس السرجاوي وَأَنا شَاب وَهُوَ لَا يعرفنِي فحين رَآنِي دَمَعَتْ عينه وَقَالَ: مرْحَبًا بشعار نَبهَان. (وَأنْشد) :
(وَمَا أَنْت إِلَّا من سليمى لأنني ... أرى شبها مِنْهَا عَلَيْك يلوح)
وَحكى لي مرّة أُخْرَى قَالَ: حضرت بالفوعة غسل الشَّيْخ إِبْرَاهِيم بن الشَّيْخ مهنا لما مَاتَ وقرأنا عِنْده سُورَة الْبَقَرَة وَهُوَ يغسل فَلَمَّا وصلنا إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ رفعنَا أَيْدِينَا للدُّعَاء فَرفع الشَّيْخ إِبْرَاهِيم يَدَيْهِ مَعنا للدُّعَاء وَهُوَ ميت على المغتسل ومحاسن الشَّيْخ مُحَمَّد وتلقيه للنَّاس وتواضعه ومناقبه ومكاشفاته كَثِيرَة مَشْهُورَة ﵀ ورحمنا بِهِ آمين.
وفيهَا: فِي منتصف شعْبَان (وَقعت الزلزلة) الْعَظِيمَة وَخَربَتْ بحلب بلادها أَمَاكِن وَلَا سِيمَا منبج فَإِنَّهَا أقلت ساكنها وأزالت محاسنها وَكَذَلِكَ قلعة الراواندان وعملت أَنا فِي ذَلِك " رِسَالَة " أَولهَا نَعُوذ بِاللَّه من شَرّ مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا يخرج مِنْهَا، ونستعينه فِي طيب الْإِقَامَة بهَا وَحسن الرحلة عَنْهَا، نعم نستعيذ بِاللَّه ونستعين من سم هَذِه السّنة فَهِيَ أم أَرْبَعَة وَأَرْبَعين وختمتها بِقَوْلِي:
(منبج أَهلهَا حكوا دود قَز ... عِنْدهم تجْعَل الْبيُوت قبوراً)
стр. 694
(رب نعمهم فقد ألفوا من ... شجر التوت حنة وَحَرِيرًا)
وَالله أعلم.
وَصَارَت الزلازل تعاود حلب وَغَيرهَا سنة وَبَعض أُخْرَى، وَفِي الحَدِيث أَن كَثْرَة الزلازل من أَشْرَاط السَّاعَة.
وَفِيه: توفّي طرغاي نَائِب طرابلس.
وَفِيه: بلغنَا أَن أرتنا صَاحب الرّوم كسر سُلَيْمَان خَان ملك التتر قَصده بالتتار إِلَى الرّوم فانكسر كسرة شنيعة، ثمَّ بلغنَا أَن الشَّيْخ حسن بن تمرتاش بن جوبان قتل وَهَذَا من سَعَادَة الْإِسْلَام فَإِن الْمَذْكُور كَانَ فَاسد النِّيَّة لكَون الْملك النَّاصِر مُحَمَّد قتل أَبَاهُ وَأخذ مَاله كَمَا تقدم.
وفيهَا: قطع خبز فياض بن مهنا بن عِيسَى فَقطع الطّرق وَنهب.
وفيهَا: فِي شهر رَمَضَان وصل إِلَى حلب قَاضِي الْقُضَاة نور الدّين مُحَمَّد بن الصَّائِغ على قَضَاء الشَّافِعِيَّة وَهُوَ قَاض عفيف حسن السِّيرَة عَابِد.
وفيهَا: فِي شَوَّال حاصر يلبغا النَّائِب بحلب زين الدّين قراجا بن دلغادر التركماني بجبل الدلْدل وَهُوَ عسر إِلَى جَانب جيحان فاعتصم مِنْهُ بِالْجَبَلِ وَقتل فِي الْعَسْكَر وَأسر وجرح وَمَا نالوا مِنْهُ طائلا فَكبر قدره بذلك واشتهر اسْمه وَعظم على النَّاس شَره، وَكَانَت هَذِه حَرَكَة رَدِيئَة من يلبغا.
وفيهَا: توفّي كَمَال الدّين عمر بن شهَاب الدّين مُحَمَّد بن العجمي الْحلَبِي، كَانَ قد تفنن وَعرف أصولاً وفقهاً، وَبحث على شرح الشافية الكافية فِي النَّحْو مرّة وَبَعض أُخْرَى، وَدفن ببستانه ﵀، وَمَا خرج من بني العجمي مثله.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: فِيهَا فِي صفر حوصرت الكرك ونقبت وَأخذ الْملك النَّاصِر أَحْمد وَحمل إِلَى أَخِيه الْملك الصَّالح بِمصْر فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.
وفيهَا: وصل إِلَى بن دلغادر أَمَان من السُّلْطَان وَأَفْرج عَن حريمه وَكن بحلب وَاسْتقر فِي الابلستين.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر بلغنَا وَفَاة الشَّيْخ أثير الدّين " أبي حَيَّان " النَّحْوِيّ المغربي بِالْقَاهِرَةِ، كَانَ بحراً زاخراً فِي النَّحْو وَهُوَ فِيهِ ظاهري، وَكَانَ يستهزئ بالفضلاء من أهل الْقَاهِرَة ويحتملونه لحقوق اشتغالهم عَلَيْهِ وَكَانَ يَقُول عَن نَفسه أَنا أَبُو حيات بِالتَّاءِ يَعْنِي بذلك تلاميذه.
وَله مصنفات جليلة مِنْهَا تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم وَشرح التسهيل وارتشاف الضَّرْب من أَلْسِنَة الْعَرَب مُجَلد كَبِير جَامع، ومختصرات فِي النَّحْو، وَله نظم لَيْسَ على قدر فضيلته.
فَمن أحْسنه قَوْله:
стр. 695
(وقابلني فِي الدَّرْس أَبيض ناعم ... وأسمر لدن أورثا جسمي الردى)
(فَذا هز من عطفيه رمحاً مثقفاً ... وَذَا سل من جفنيه عضباً مهندا)
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى توفّي بحلب الْحَاج مُحَمَّد بن سلمَان الْحلَبِي الْعَزْم، كَانَ عِنْده ديانَة وإيثار وَله مَعَ المصروعين وقائع وعجائب.
وَفِيه: توفّي بطرابلس الْأَمِير الْفَاضِل صَلَاح الدّين يُوسُف بن الأسعد الدواتدار أحد الْأُمَرَاء بطرابلس وَهُوَ وَاقِف الْمدرسَة الصلاحية بحلب كَمَا تقدم وَكَانَ من أكمل الْأُمَرَاء ذكياً فطنا مُعظما لرَسُول الله ﷺ َ - حسن الخظ، وَله نظم، كَانَ كَاتبا ثمَّ صَار داوندار قبجق بحماه ثمَّ شاد الدَّوَاوِين بحلب ثمَّ حاجباً بهَا ثمَّ دواتدار الْملك النَّاصِر ثمَّ نَائِبا بالإسكندرية ثمَّ أَمِيرا بحلب وشاد المَال وَالْوَقْف ثمَّ أَمِيرا بطرابلس رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: فِي شعْبَان بلغنَا وَفَاة الشَّيْخ نجم الدّين القحفيزي بِدِمَشْق، فَاضل فِي الْعَرَبيَّة والأصلين ظريف حسن الْأَخْلَاق، وَمن ذَلِك أَنه أنْشد مرّة قَول الشَّاعِر:
(أيا نخلتي سلمى ... إِلَخ)
فَقَالَ لَهُ بعض التلاميذ: يَا سَيِّدي وَمَا تَيْس المَاء؟ فَقَالَ الشَّيْخ إِن شِئْت أَن تنظره فَانْظُر فِي الخابية تره.
وفيهَا: توفّي بِدِمَشْق قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين الْحَنَفِيّ الأطروش.
وفيهَا: توفّي الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدعدي الزراق أتابك عَسْكَر حلب مسناً وَله سَماع وَحكى لي أَنه حر الأَصْل من أَوْلَاد الْمُسلمين وَهُوَ فاتح قلعة خندروس كَمَا تقدم، وَتُوفِّي كندغدي الْعمريّ نَائِب البيرة مسناً عزل عَنْهَا قبل مَوته بأيام وعزموا على الْكَشْف عَلَيْهِ فستره الله بالوفاة ببركة محبته للْعُلَمَاء والفقراء وَسيف الدّين بلبان جركس نَائِب قلعة الْمُسلمين طَال مقَامه بهَا وَخلف مَالا كثيرا لبيت المَال.
وفيهَا: فِي شهر رَمَضَان اتّفق سيل عَظِيم بطرابلس هلك فِيهِ خلق مِنْهُم ابْنا القَاضِي تَاج الدّين مُحَمَّد بن البارنباري كَاتب سرها، وَكَانَ أحد الِابْنَيْنِ الغريقين نَاظر الْجَيْش والاخر موقع الدست ورق النَّاس لأَبِيهَا فَقلت وَفِيه تضمين واهتدام:
(وارحمتاه لَهُ فَإِن مصابه ... بِابْن يبرحه فَكيف ابْنَانِ)
(مَا أنصفته الحادثان رمينه ... بمود عين وَمَا لَهُ قلبان)
وَزَاد نهر حماه وغرق دوراً كَثِيرَة وَلَطم العَاصِي خرطلة شيزر فَأَخذهَا وَتَلفت بساتين الْبَلَد لذَلِك وَيحْتَاج إِعَادَتهَا إِلَى كلفة كَبِيرَة.
وفيهَا: فِي ذِي الْقعدَة توفّي بِدِمَشْق القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن النَّقِيب الشَّافِعِي وَتَوَلَّى تدريس الشامية مكانة تَاج الدّين عبد الْوَهَّاب بن السُّبْكِيّ ثمَّ تولاها السُّبْكِيّ بِنَفسِهِ خوفًا عَلَيْهَا، وَكَانَ ابْن النَّقِيب بَقِيَّة النَّاس وَمن أهل الإيثار وَأقَام حُرْمَة المنصب لما كَانَ
стр. 696
قَاضِي حلب، فَقِيها كَبِيرا مُحدثا أصولياً متواضعاً مَعَ الضُّعَفَاء شَدِيدا على النواب.
قَالَ ﵀: دخلت وَأَنا صبي اشْتغل على الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ فَقَالَ لي: أَهلا بقاضي الْقُضَاة فَنَظَرت فَلم أجد عِنْده أحدا غَيْرِي فَقَالَ: اجْلِسْ يَا مدرس الشامية وَهَذَا من جملَة كشف الشَّيْخ محيي الدّين وَابْن النَّقِيب حكى هَذَا بحلب قبل تَوليته الشامية وَحكى لي يَوْمًا وَإِن كنت قد وقفت عَلَيْهِ فِي مَوَاضِع من الْكتب أَنه رفع إِلَى أبي يُوسُف صَاحب أبي حنيفَة ﵄ مُسلم قتل فَحكم عَلَيْهِ بالقود فَأَتَاهُ رجل برقعة أَلْقَاهَا إِلَيْهِ فِيهَا:
(يَا قَاتل الْمُسلم بالكافر ... جرت وَمَا الْعَادِل كالجائر)
(يَا من بِبَغْدَاد وأعمالها ... من عُلَمَاء النَّاس أَو شَاعِر)
(استرجعوا وابكوا على دينكُمْ ... واصطبروا فالأجر للصابر)
فَبلغ الرشيد ذَلِك فَقَالَ لأبي يُوسُف تدارك هَذَا الْأَمر بحيلة لِئَلَّا تكون فتْنَة فطالب أَبُو يُوسُف أَصْحَاب الدَّم بِبَيِّنَة على صِحَة الذِّمَّة وثبوتها فَلم يَأْتُوا بهَا، فأسقط الْقود، وَحكى لنا يَوْمًا فِي بعض دروسه بحلب أَن مَسْأَلَة ألقيت على المدرسين وَالْفُقَهَاء بِدِمَشْق فَمَا حلهَا إِلَّا عَامل الْمدرسَة وَهِي رجل صلى الْخمس بِخَمْسَة وضوءات، وَبعد ذَلِك علم أَنه ترك مسح الرَّأْس فِي أحد الوضوءات فَتَوَضَّأ خمس وضوءات وَصلى الْخمس، ثمَّ تَيَقّن أَيْضا أَنه ترك مسح الرَّأْس فِي أحد الوضوءات.
الْجَواب: يتَوَضَّأ وَيُصلي الْعشَاء فَيخرج عَن الْعهْدَة بِيَقِين لِأَن الصَّلَاة المتروكة الْمسْح أَولا إِن كَانَت الْعشَاء فقد صحت الصَّلَوَات الْأَرْبَع قبلهَا، وَهَذِه الْعشَاء الْمَأْمُور بِفِعْلِهَا خَاتِمَة الْخمس وَإِن كَانَت غير الْعشَاء، فالعشاء الأولى والصلوات الْخمس الْمُعَادَة وَالْعشَاء الثَّالِثَة صَحِيحَة وغايته ترك مسح فِي تَجْدِيد وضوء لهَذَا يجب أَن يشْتَرط عدم الْحَدث إِلَى أَن يُصَلِّي الْخمس ثَانِيًا.
قلت: التَّحْقِيق أَن الْوضُوء ثَانِيًا كل يُغْنِيه عَنهُ مسح الرَّأْس وَغسل الرجلَيْن لِأَن الشَّرْط أَنه لم يحدث إِلَى أَن يُصَلِّي الْخمس ثَانِيًا وَكَذَلِكَ كَانَ يَنْبَغِي للعجيب أَن يَقُول لَهُ: إِن كنت لم تحدث إِلَى الْآن فامسح رَأسك واغسل رجليك وصل الْعشَاء إِذْ الْجَدِيد عدم وجوب التَّتَابُع وَإِن كنت مُحدثا الْآن فَلَا بُد من الْوضُوء كَمَا قَالَ.
وفيهَا: اسْترْجع السُّلْطَان الْملك الصَّالح مَا بَاعه الْملك الْمُؤَيد وَابْنه الْأَفْضَل بحماه والمعرة وبلادهما من أَمْلَاك بَيت المَال وَهُوَ بأموال عَظِيمَة وَكَانَ غَالب الْملك قد طرح على النَّاس غصبا وَقد اشْتريت بِهِ تقادم إِلَى الْملك النَّاصِر فَقَالَ بعض المعربين فِي ذَلِك:
(طرحوا علينا الْملك طرح مصَادر ... ثمَّ استردوده بِلَا أَثمَان)
(وَإِذا يَد السُّلْطَان طَالَتْ واعتدت ... فيد الْإِلَه على يَد السُّلْطَان)
وكأنما كاشف هَذَا الْقَائِل فَإِن مُدَّة السُّلْطَان لم تطل بعد ذَلِك.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: والتتر مُخْتَلفُونَ مقتتلون من جين مَاتَ القان
стр. 697
أَبُو سعيد وبلاد الشرق والعجم فِي غلاء وَنهب وجور بِسَبَب الْخلف من حِين وَفَاته إِلَى هَذِه السّنة.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر توفّي السُّلْطَان الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد بن قلاوون بوجع المفاصل والقولنج.
وَكَانَ فِيهِ ديانَة، وَيقْرَأ الْقُرْآن، وَفِي آخر يَوْم مَوته جلس مَكَانَهُ أَخُوهُ السُّلْطَان الْملك الْكَامِل شعْبَان، وَأخرج آل ملك نَائِب أَخِيه إِلَى نِيَابَة صفد وقماري إِلَى نِيَابَة طرابلس.
وفيهَا: فِي ربيع الآخر نقل يلبغا الناصري من نِيَابَة حلب إِلَى نِيَابَة دمشق مَكَان طقز تمر، وسافر طقز تمر إِلَى مصر بعد الْمُبَالغَة فِي امْتِنَاعه من النقلَة من دمشق فَمَا أُجِيب إِلَى ذَلِك، وَتُوفِّي طقز تمر بِمصْر بعد مُدَّة يسيرَة وَكَانَ عِنْده ديانَة.
وَفِيه: وصل الْأَمِير سيف الدّين أرقطاي إِلَى حلب نَائِبا وأبطل الْخُمُور والفجور بعد اشتهارها، وَرفع عَن الْقرى الطرح وَكَثِيرًا من الْمَظَالِم وَرخّص السّعر وسررنا بِهِ.
وفيهَا: عزل سيف بن فضل بن عِيسَى عَن إِمَارَة الْعَرَب ووليها أَحْمد بن مهنا وأعيد إقطاع فياض بن مهنا إِلَيْهِ وَرَضي عَنهُ واستعيد من أَيدي الْعَرَب من الإقطاعات وَالْملك شَيْء كثير وَجعل خَاصّا لبيت المَال.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى صليت بحلب صَلَاة الْغَائِب على القَاضِي عز الدّين بن المنجا الْحَنْبَلِيّ قَاضِي دمشق وَهُوَ معري الأَصْل.
وفيهَا: فِي شهر رَمَضَان وصل القَاضِي بهاء الدّين حسن بن جمال الدّين سُلَيْمَان بن رَيَّان إِلَى حلب نَاظرا على الْجَيْش على عَادَته عوضا عَن القَاضِي بدر الدّين مُحَمَّد بن الشهَاب مَحْمُود الْحلَبِي، ثمَّ مَا مضى شهر حَتَّى أُعِيد بدر الدّين عوضا عَن بهاء الدّين، وَهَكَذَا صَارَت المناصب كلهَا بحلب قَصِيرَة الْمدَّة كَثِيرَة الكلفة.
قلت:
(سَاكِني مصر أَيْن ذَاك التأني ... والتأني وَمَا لكم عَنهُ عذر)
(يخسر الشَّخْص مَاله ويقاسي ... تَعب الدَّهْر وَالْولَايَة شهر)
وفيهَا: كتب على بَاب قلعة حلب وَغَيرهَا من القلاع نقراً فِي الْحجر مَا مضمونه مُسَامَحَة الْجند بِمَا كَانَ يُؤْخَذ مِنْهُم لبيت المَال بعد وَفَاة الجندي والأمير وَذَلِكَ أحد عشر يَوْمًا وَبَعض يَوْم فِي كل سنة وَهَذَا الْقدر هُوَ التَّفَاوُت بَين السّنة الشمسية والقمرية وَهَذِه مُسَامَحَة بِمَال عَظِيم.
وفيهَا: قتلت الأرمن ملكهَا كند اصطبل الفرنجي كَانَ علجاً لَا يُدَارِي الْمُسلمين فخربت بِلَادهمْ وملكوا مَكَانَهُ.
стр. 698
وفيهَا: فِي أواخرها ملكت التركمان قلعة كابان وربضها بالحيلة وَهِي من أمنع قلاع سيس مِمَّا يَلِي الرّوم وَقتلُوا رجالها وَسبوا النِّسَاء والأطفال، فبادر صَاحب سيس الْجَدِيد لاستنقاذها فصادفه ابْن دلغادر فأوقع بالأرمن وَقتل مِنْهُم خلقا وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ.
قلت:
(صَاحب سيس الْجَدِيد نَادَى ... كابان عِنْدِي عديل روحي)
(قُلْنَا تأهب لغير هَذَا ... فَذا فتوح على الْفتُوح)
وَبعد فتحهَا قصد النَّائِب بحلب أَن يَسْتَنِيب فِيهَا من جِهَة السُّلْطَان فعتا ابْن دلغادر عَن ذَلِك فجهزوا عسكراً لهدمها ثمَّ أَخَذتهَا الأرمن مِنْهُ بشؤم مُخَالفَته لوَلِيّ الْأَمر وَذَلِكَ فِي رَجَب سنة سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة قبض على قماري الناصري نَائِب طرابلس وعَلى آل ملك نَائِب صفد، وَولي طرابلس بيدمر البدري، وصفد أرغون الناصري.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: والتتر مُخْتَلفُونَ كَمَا كَانُوا.
وفيهَا: فِي الْمحرم طلب الْحَاج أرقطاي نَائِب حلب إِلَى مصر، وتكن فِي مصر وارتفع شَأْنه وَصَارَ رَأس مشورة مَكَان حسنكلي بن البابا فَإِنَّهُ توفّي قبل ذَلِك بأيام.
وَفِيه: أقبل إِلَى حلب وبلادها من جِهَة الشرق جَراد عَظِيم فَكَانَ أَذَاهُ قَلِيلا بِحَمْد الله.
قلت:
(رجل جَراد صدها ... عَن الْفساد الصَّمد)
(فكم وَكم للطفه ... فِي هَذِه الرجل يَد)
وفيهَا: فِي ربيع الأول وصل إِلَى حلب الْأَمِير سيف الدّين طقتمر الأحمدي نَائِبا نقل إِلَيْهَا من حماه مَكَانَهُ أسندمر الْعمريّ. وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى سَافر القَاضِي نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الصاحب شرف الدّين يَعْقُوب وَولي كِتَابه السِّرّ بِدِمَشْق وَتَوَلَّى كِتَابَة السِّرّ بحلب مَكَانَهُ القَاضِي جمال الدّين إِبْرَاهِيم بن الشهَاب مَحْمُود الْحلَبِي.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى بلغنَا أَن نَائِب الشَّام يلبغا خرج إِلَى ظَاهر دمشق خوفًا من الْقَبْض عَلَيْهِ وشق الْعَصَا وعاضد أُمَرَاء مصر حَتَّى خلع السُّلْطَان الْملك الْكَامِل شعْبَان وأجلسوا مَكَانَهُ أَخَاهُ السُّلْطَان الْملك المظفر أَمِير حَاج وسلموا إِلَيْهِ أَخَاهُ الْكَامِل فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ، وناب عَن المظفر بِمصْر الْحَاج أرقطاي المنصوري، وَلما تمّ هَذَا الْأَمر تصدق يلبغا فِي المملكة الحلبية وَغَيرهَا بِمَال كثير ذهب وَفِضة شكرا لله تَعَالَى، وَكَانَ هَذَا الْملك الْكَامِل سيء التَّصَرُّف يولي المناصب غير أَهلهَا بالبذل ويعزلهم عَن قريب ببذل غَيرهم، وَكَانَ يَقُول عَن نَفسه: أَنا ثعبان لَا شعْبَان.
стр. 699
وفيهَا: فِي رَجَب توفّي بحلب الْأَمِير شهَاب الدّين قرطاي الأسندمري من مقدمي الألوف أَمِير عفيف الذيل متصون.
وفيهَا: فِي مستهل رَجَب سَافر طقتمر الأحمدي نَائِب حلب إِلَى الديار المصرية وَسَببه وَحْشَة بَينه وَبَين نَائِب الشَّام فَإِنَّهُ مَا ساعده على خلع الْكَامِل وَحفظ أيمانه.
وفيهَا: وَقع الوباء بِبِلَاد أزبك وخلت قرى ومدن من النَّاس، ثمَّ اتَّصل الوباء بالقرم حَتَّى صَار يخرج مِنْهَا فِي الْيَوْم ألف جَنَازَة أَو نَحْو ذَلِك حكى لي ذَلِك من أَثِق بِهِ من التُّجَّار، ثمَّ اتَّصل الوباء بالروم وَهلك مِنْهُم خلق وَأَخْبرنِي تَاجر من أهل بلدنا قدم من تِلْكَ الْبِلَاد أَن قَاضِي القرم قَالَ: أحصينا من مَاتَ بالوباء فَكَانُوا خَمْسَة وَثَمَانِينَ ألفا غير من لَا نعرفه، والوباء الْيَوْم بقبرس والغلاء الْعَظِيم أَيْضا.
وفيهَا: فِي شعْبَان وصل إِلَى حلب الْأَمِير سيف الدّين (بيدمر البدري) نقل إِلَيْهَا من طرابلس وَولي طرابلس مَكَانَهُ، والبدري هَذَا عِنْده حِدة وَفِيه بدرة وَيكْتب على كثير من الْقَصَص بِخَطِّهِ وَهُوَ خطّ قوي.
وفيهَا: توفّي بطرابلس قاضيها شهَاب الدّين أَحْمد بن شرف الزرعي، وَتَوَلَّى مَكَانَهُ القَاضِي شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد اللَّطِيف الْحَمَوِيّ.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة صدرت بحلب وَاقعَة غَرِيبَة وَهِي أَن بِنْتا بكرا من أَوْلَاد أَوْلَاد عَمْرو التيزيني كرهت زَوجهَا ابْن المقصوص فلقنت كلمة الْكفْر لينفسخ نِكَاحهَا قبل الدُّخُول فقالتها وَهِي لَا تعلم مَعْنَاهَا فأحضرها البدري بدار الْعدْل بحلب وَأمر فَقطعت أذناها وشعرها وعلق ذَلِك فِي عُنُقهَا وشق أنفها وطيف بهَا على دَابَّة بحلب وبتيزين وَهِي من أجمل الْبَنَات وأحياهن فشق ذَلِك على النَّاس وَعمل النِّسَاء عَلَيْهَا عزاء فِي كل نَاحيَة بحلب حَتَّى نسَاء الْيَهُود وَأنْكرت الْقُلُوب قبح ذَلِك، وَمَا أَفْلح البدري بعْدهَا.
قلت:
(وضج النَّاس من بدر مُنِير ... يطوف مشرعاً بَين الرِّجَال)
(ذكرت وَلَا سَوَاء بهَا السبايا ... وَقد طافوا بِهن على الْجمال)
وَفِيه: ورد الْبَرِيد بتوليه السَّيِّد عَلَاء الدّين عَليّ بن زهرَة الْحُسَيْنِي نقابة الْأَشْرَاف بحلب مَكَان ابْن عَمه الْأَمِير شمس الدّين حسن بن السَّيِّد بدر الدّين مُحَمَّد بن زهرَة وَأعْطِي هَذَا إِمَارَة طلخانات بحلب.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: والتتر مُخْتَلفُونَ.
وفيهَا: فِي ثَالِث الْمحرم وصل إِلَى حلب القَاضِي شهَاب الدّين بن أَحْمد بن الريَاحي على قَضَاء الْمَالِكِيَّة بحلب، وَهُوَ أول مالكي استقضى بحلب وَلَا بُد لَهَا من قَاض حنبلي
стр. 700
بعد مُدَّة لتكمل بِهِ الْعدة أُسْوَة بِمصْر ودمشق، وَفِي السّنة الَّتِي قبلهَا تجدّد بطرابلس قَاض حَنَفِيّ مَعَ الشَّافِعِي.
وفيهَا: فِي الْمحرم صليت بحلب صَلَاة الْغَائِب على القَاضِي شرف الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن ظافر الْهَمدَانِي الْمَالِكِي قَاضِي الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق وَقد أناف على الثَّمَانِينَ، كَانَ دينا خيرا متجملاً فِي الملبس وَهُوَ الَّذِي عاضد تنكز على نكبة قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين يُوسُف بن جملَة وَهَا هم قد الْتَقَوْا عِنْد الله تَعَالَى.
وَفِيه: ظهر بَين منبج وَالْبَاب جَراد عَظِيم صَغِير من بزر السّنة الْمَاضِيَة فَخرج عكسر من حلب وَخلق من فلاحي النواحي الحلبية نَحْو أَرْبَعَة آلَاف نفس لقَتله وَدَفنه وَقَامَت عِنْدهم أسواق وصرفت عَلَيْهِم من الرّعية أَمْوَال، وَهَذِه سنة ابْتَدَأَ بهَا الطنبغا الْحَاجِب من قبلهم.
قلت:
(قصد الشَّام جَراد ... سنّ للغلات سنا)
(فتصالحنا عَلَيْهِ ... وحفرنا ودفنا)
وفيهَا: فِي الْمحرم سَافر الْأَمِير نَاصِر الدّين بن المحسني بعكسر من حلب لتسكين فتْنَة بِبَلَد شيرز بَين الْعَرَب والأكراد قتل فِيهَا من الأكراد نَحْو خَمْسمِائَة نفس ونهبت أَمْوَال ودواب.
وفيهَا: فِي الْمحرم عزمت الأرمن على نكبة لأياس فأوقع بهم أَمِير أياس حسام الدّين مَحْمُود بن دَاوُد الشَّيْبَانِيّ وَقتل من الأرمن خلقا وَأسر خلقا وأحضرت الرؤوس والأسرى إِلَى حلب فِي يَوْم مشهود فَللَّه الْحَمد.
وفيهَا: منتصف ربيع الأول سَافر بيدمر البدري نَائِب حلب إِلَى مصر معزولاً أَنْكَرُوا عَلَيْهِ مَا اعْتَمدهُ فِي حق الْبِنْت من تيزين الْمُقدم ذكرهَا وَنَدم على ذَلِك حَيْثُ لَا يَنْفَعهُ النَّدَم.
وَفِيه: وصل إِلَى حلب نائبها أرغون شاه الناصري فِي حشمة عَظِيمَة نقل إِلَيْهَا من صفد.
وَفِيه: قطعت الطّرق وأخيفت السبل بِسَبَب الْفِتْنَة بَين الْعَرَب لخُرُوج إمرة الْعَرَب عَن أَحْمد بن مهنا إِلَى سيف بن فضل بن عِيسَى.
قلت:
(نُرِيد لأهل مصر كل خير ... وقصدهم لنا حتف وحيف)
(وَهل يسمو لأهل الشَّام رمح ... إِذا استولى على العربان سيف)
وفيهَا: فِي ربيع الآخر قدم على كركر ولختا وَمَا يَليهَا عصافير كالجراد الْمُنْتَشِر فَتَنَازَعَ النَّاس إِلَى شيل الغلات بدارا وَهَذَا مِمَّا لم يسمع بِمثلِهِ.
وَفِيه: وصل تَقْلِيد القَاضِي شرف الدّين مُوسَى بن فياض الْحَنْبَلِيّ بِقَضَاء الْحَنَابِلَة
стр. 701
بحلب فَصَارَ الْقُضَاة أَرْبَعَة، وَلما بلغ بعض الظرفاء أَن حلب تجدّد بهَا قاضيان مالكي وحنبلي أنْشد قَول الحريري فِي الملحة:
(ثمَّ كلا النَّوْعَيْنِ جَاءَ فَضله ... مُنْكرا بعد تَمام الْجُمْلَة)
وفيهَا: فِي جُمَادَى الأولى هرب يلبغا من دمشق بأمواله وذخائره الَّتِي تكَاد تفوت الْحصْر خشيَة من الْقَبْض عَلَيْهِ، وَقصد الْبر فخافه الدَّلِيل وخذله أَصْحَابه وتناوبته العربان من كل جَانب وألزمه أَصْحَابه قهرا بِقصد حماه ملقياً للسلاح فَلَقِيَهُ نَائِب حماه مستشعراً مِنْهُ وَأدْخلهُ حماه ثمَّ حضر من تسلمه من جِهَة السُّلْطَان وَسَارُوا بِهِ إِلَى جِهَة مصر فَقَتَلُوهُ بقاقون وَدفن بهَا وَهَذَا من لطف الله بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَو دخل بِلَاد التتار أتعب النَّاس ورسم السُّلْطَان بإكمال جَامِعَة الَّذِي أنشأه بِدِمَشْق وَأطلق لَهُ مَا وَقفه عَلَيْهِ وَهُوَ جَامع حسن بوقف كثير، وَكَانَ يلبغا خيرا للنَّاس من حَاشِيَته بِكَثِير.
وَكَانَ عفيفاً عَن أَمْوَال الرّعية، وَمَا علمنَا أَن أحدا من التّرْك ببلادنا حصل لَهُ مَا حصل ليلبغا، جمع شَمله بِأَبِيهِ وَأمه وأخوته وكل مِنْهُم أَمِير إِلَى أَن قضى نحبه رَحمَه الله تَعَالَى.
وفيهَا: فِي جُمَادَى الْآخِرَة نقل أرغون شاه من نِيَابَة حلب إِلَى نِيَابَة دمشق فسافر عَاشر الشَّهْر، وبلغنا أَن وسط فِي طَرِيقه مُسلمين وَهَذَا أرغون شاه فِي غَايَة السطوة مقدم على سفك الدَّم بِلَا تثبت، قتل بحلب خلقا ووسط وَسمر وَقطع بدوياً سبع قطع بِمُجَرَّد الظَّن بِحَضْرَتِهِ، وَغَضب على فرس لَهُ قيمَة كَثِيرَة مرح بالعلافة فَضَربهُ حَتَّى سقط ثمَّ قَامَ فَضَربهُ حَتَّى سقط وَهَكَذَا مَرَّات حَتَّى عجز عَن الْقيام فَبكى الْحَاضِرُونَ على هَذَا الْفرس.
فَقيل لَهُ:
(عقلت طرفك حَتَّى ... أظهرت للنَّاس عقلك)
(لَا كَانَ دهر يولي ... على بني النَّاس مثلك)
وَفِيه: اقتتل سيف بن فضل أَمِير الْعَرَب وَأَتْبَاعه أَحْمد وفياض فِي جمع عَظِيم قرب سلمية فانكسر سيف ونهبت جماله وَمَاله ونجى بعد اللتيا واللتي فِي عشْرين فَارِسًا،، وَجرى على بلد المعرة وحماه وَغَيرهَا فِي هَذِه السّنة بل فِي هَذَا الشَّهْر من الْعَرَب أَصْحَاب سيف وَأحمد وفيض من النهب وَقطع الطّرق، ورعى الكروم والزروع والقطن والمقائي مَا لَا يُوصف.
وَفِيه: انْكَسَرَ الْملك الأستر بن تمر تاش بِبِلَاد الشرق كسرة شنيعة ثمَّ شربوا من نهر مَسْمُوم فَمَاتَ أَكْثَرهم ومزقهم الله كل ممزق، وَكَانَ هَذَا الْمَذْكُور رَدِيء النِّيَّة موتوراً فذاق وبال أمره.
وفيهَا: فِي أواخرها وصل إِلَى حلب نَائِبا فَخر الدّين أياز نقل إِلَيْهَا من صفد.
وفيهَا: فِي رَمَضَان قتل السُّلْطَان الْملك المظفر أَمِير حَاج بن الْملك النَّاصِر بن قلاوون بِمصْر وأقيم مَكَانَهُ أَخُوهُ السُّلْطَان الْمَالِك النَّاصِر حسن كَانَ الْملك المظفر قد أعدم أَخَاهُ الْأَشْرَف كجك وفتك بالأمراء وَقتل من أعيانهم نَحْو أَرْبَعِينَ أَمِيرا مثل بيدمر البدري نَائِب حلب ويلبغا نَائِب الشَّام
стр. 702
وطقتمر النجمي الدواتدار وأقسنقر الَّذِي كَانَ نَائِب طرابلس، ثمَّ صَار الْغَالِب على الْأَمر بِمصْر أرغون العلائي والكتمر الْحِجَازِي وتتمش عبد الْغَنِيّ أَمِير مائَة مقدم ألف وشجاع الدبن غرلو وَهُوَ أظلمهم وَنجم الدّين مَحْمُود بن شروين وَزِير بَغْدَاد ثمَّ وَزِير مصر وَهُوَ أجودهم وَأَكْثَرهم برا ومعروفاً، وَحكي لنا ان النُّور شوهد على قَبره بغزة وَكَانَ المظفر قد رسم لعبد أسود صُورَة بِأَن يَأْخُذ على كل رَأس غنم تبَاع بحلب وحماه ودمشق نصف دِرْهَم، فَيوم وُصُول الْأسود إِلَى حلب وصل الْخَبَر بقتل السُّلْطَان فسر النَّاس بخيبة الْأسود.
وفيهَا: فِي شَوَّال طلب السُّلْطَان فَخر الدّين أياز نَائِب حلب إِلَى مصر وخافت الْأُمَرَاء أَن يهرب فَرَكبُوا من أول اللَّيْل وَأَحَاطُوا بِهِ فَخرج من دَار الْعدْل وَسلم نَفسه إِلَيْهِم فأودعوه القلعة، ثمَّ حمل إِلَى مصر فحبس وَهُوَ أحد الساعين فِي نكبة يلبغا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ من الجركس وهم أضداد لجنس التتر بِمصْر، وَكَانَ المظفر قد مَال عَن جنس التتر إِلَى الجركس وَنَحْوهم فَكَانَ ذَلِك أحد ذنُوبه عِنْدهم فَانْظُر إِلَى هَذِه الدول الْقصار الَّتِي مَا سمع بِمِثْلِهَا فِي الْأَعْصَار.
قلت:
(هذي أُمُور عِظَام ... من بَعْضهَا الْقلب ذائب)
(مَا حَال قطر يَلِيهِ ... فِي كل شَهْرَيْن نَائِب)
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة وصل إِلَى حلب الْحَاج أرقطاي نَائِبا بعد أَن خطبوه إِلَى السلطنة وَالْجُلُوس على الْكُرْسِيّ بِمصْر فَأبى وخطبوا قبله إِلَى ذَلِك الْخَلِيفَة الْحَاكِم بِأَمْر الله فَامْتنعَ كل هَذَا خوفًا من الْقَتْل فَلَمَّا جلس الْملك النَّاصِر حسن على الْكُرْسِيّ طلب الْحَاج أرقطاري مِنْهُ نِيَابَة حلب فَأُجِيب وأعفى النَّاس من زِينَة الْأَسْوَاق بحلب لِأَنَّهَا تَكَرَّرت حَتَّى سمجت.
قلت:
(فكم ملك جَاءَ وَكم نَائِب ... يَا زِينَة الْأَسْوَاق حَتَّى مَتى)
(قد كرروا الزِّينَة حَتَّى اللحى ... مَا بقيت تلْحق أَن تنبتا)
وَفِيه: بلغنَا أَن السُّلْطَان أَبَا الْحسن المريني صَاحب الْمغرب انْتقل من الغرب الجواني من قَاس إِلَى مَدِينَة تونس وَهِي أقرب إِلَيْنَا من فاس بِثَلَاثَة أشهر وَذَلِكَ بعد موت ملكهَا أبي بكر من الحفصيين بالفالج وَبعد ان أَجْلِس أَبُو الْحسن ابْنه على الْكُرْسِيّ بالغرب الجواني وَقد أوجس المصريون من ذَلِك خيفة فَإِن بعض الْأُمَرَاء المصريين الأذكياء أَخْبرنِي أَن الْملك النَّاصِر مُحَمَّد كَانَ يَقُول: رَأَيْت فِي بعض الْمَلَاحِم أَن المغاربة تملك مصر وتبيع أَوْلَاد التّرْك فِي سويقه مَازِن وَهَذَا السُّلْطَان أَبُو الْحسن ملك عَالم مُجَاهِد عَادل، كتب من مُدَّة قريبَة بخطة ثَلَاثَة مصاحف ووقفها على الْحَرَمَيْنِ وعَلى حرم الْقُدس وجهز مَعهَا عشرَة آلَاف دِينَار اشْترى بهَا أملاكاً بِالشَّام ووقفت على الْقُرَّاء والخزنة للمصاحف الْمَذْكُورَة، ووقفت على نُسْخَة توقيع بمساحة الْأَوْقَاف الْمَذْكُورَة بمؤن وكلف وأحكار أنشأه صاحبنا الشَّيْخ جمال الدّين بن نَبَاته الْمصْرِيّ أحد الموقعين الْآن بِدِمَشْق أَوله الْحَمد لله الَّذِي أرهف لعزائم الْمُوَحِّدين غرباً وأطلعهم بهممهم حَتَّى فِي مطالع الغرب شهباً، وَعرف بَين قُلُوب الْمُؤمنِينَ
стр. 703
حَتَّى كَانَ الْبعد قرباً، وَكَانَ القلبان قلباً وأيد بولاء هَذَا الْبَيْت الناصري مُلُوك الأَرْض وَعبيد الْحق سلما وحرباً وعضد بِبَقَائِهِ كل ملك إِذا نزل الْبر أَنْبَتَهُ يَوْم الكفاح أسلاً وَيَوْم السماح عشباً وَإِذا ركب الْبَحْر لنهب الْأَعْدَاء كَانَ وَرَاءَهُمْ ملك يَأْخُذ كل سفينة غصبا وَإِذا بعث هداياه المتنوعة كَانَت عراباً تصْحَب عربا ورياضاً تسحب سحباً.
وَإِذا وقف أوقاف الْبر سَمِعت الْآفَاق من خطّ يَده قُرْآنًا عجبا واهتزت بذكراه عجبا.
وفيهَا: وَذُو الْوَلَاء قريب وَإِن نأت دَاره ودان بالمحبة وَإِن شط شط بحره ومزاره وَهُوَ بأخباره النيرة مَحْبُوب كالجنة قبل أَن ترى مَوْصُوف كوصف الْمشَاهد وَإِن حَالَتْ عَن الأكتحال بطلعته أَمْيَال السرى وَلما كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْحسن سر الله بِبَقَائِهِ الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين، وسره بِمَا كتب من اسْمه فِي أَصْحَاب الْيَمين ﴿وَمَا أَدْرَاك مَا أَصْحَاب الْيَمين﴾ هُوَ الَّذِي مد الْيَمين بِالسَّيْفِ والقلم فَكتب فِي أَصْحَابهَا وسطر الختمات الشَّرِيفَة فنصر الله حزبه بِمَا سطر من أحزابها وَمد الرماح أرشية فاشتقت من قُلُوب الْأَعْدَاء قليباً والأقلام أروية فشفت ضعف البصائر وحسبك بِالذكر الْحَكِيم طَبِيبا.
وفيهَا: ثمَّ وصلت ختمات شريفة كتبهَا بقلمه الْمجِيد المجدي وَخط سطورها بالعربي وطالما خطّ فِي صُفُوف الْأَعْدَاء بالهندي.
وفيهَا: وَأمر بترتيب خَزَنَة وقراء على مطالع أفقها ووقف أوقافها تجرى أَقْلَام الْحَسَنَات فِي إِطْلَاقهَا وَطَلقهَا، وَحبس أملاكاً شامية تحدث بنعم الْأَمْلَاك الَّتِي سرت من مغرب الشَّمْس إِلَى مشرقها، وَرغب فِي الْمُسَامحَة على تِلْكَ الْأَمْلَاك من أحكار ومؤونات وأوضاع ديوانية وضع بهَا خطّ الْمُسَامحَة فِي دواوين الْحَسَنَات المسطرات فَأُجِيب على الْبعد داعيه وقوبل بالإسعاف والإسعاد وَقفه ومساعيه، وختمها بقوله: وَالله تَعَالَى يمتع من وقف هَذِه الْجِهَات بِمَا سطر لَهُ فِي أكْرم الصحائف، وينفع الْجَالِس مكن وُلَاة الْأُمُور فِي تقريرها ويتقبل من الْوَاقِف.
وَفِيه: صليت بحلب صَلَاة الْغَائِب على الشَّيْخ شمس الدّين بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن عُثْمَان بن قايماز الذَّهَبِيّ الدِّمَشْقِي مُنْقَطع القرين فِي معرفَة أَسمَاء الرِّجَال مُحدث كَبِير ومؤرخ من مصنفاته كتاب تَارِيخ الْإِسْلَام وَكتاب الْمَوْت وَمَا بعده وَغير ذَلِك، وكف بَصَره فِي آخر عمره.
ومولده سنة ثَلَاث وَسبعين وسِتمِائَة، واستعجل قبل مَوته فترجم فِي تواريخه الْأَحْيَاء الْمَشْهُورين بِدِمَشْق وَغَيرهَا، وَاعْتمد فِي ذكر سير النَّاس على أحدث يَجْتَمعُونَ بِهِ وَكَانَ فِي أنفسهم من النَّاس فآذى بِهَذَا السَّبَب فِي مصنفاته أَعْرَاض خلق من الْمَشْهُورين.
وفيهَا: كَانَ الغلاء بِمصْر ودمشق وحلب وبلادهن، وَالْأَمر بِدِمَشْق أَشد حَتَّى انكشفت فِيهِ أَحْوَال خلق، وجلى كَثِيرُونَ مِنْهَا إِلَى حلب وَغَيرهَا.
وَأَخْبرنِي بعض بني تَيْمِية أَن الغرارة وصلت بِدِمَشْق إِلَى ثَلَاثمِائَة، وَبيع الْبيض كل خمس بيضات بدرهم، وَاللَّحم رَطْل بِخَمْسَة وَأكْثر، وَالزَّيْت رَطْل بِسِتَّة أَو سَبْعَة.
стр. 704
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة قيد الْأَمر شهَاب الدّين أَحْمد بن الْحَاج مغلطاي القرا سنقري وَحمل إِلَى دمشق فسجن بالقلعة.
وَكَانَ مشد الْوَقْف بحلب وحاجباً، وَكَانَ قبل هَذِه الْحَادِثَة قد سعى فِي بعض الْقُضَاة وَقصد لَهُ إهانة بدار الْعدْل فَسلم الله القَاضِي، وَأُصِيب السَّاعِي الْمَذْكُور، وَرُبمَا كَانَ طلبه من مصر يَوْم سَعْيه فِي القَاضِي ثمَّ خلص بعد ذَلِك وأعيد إِلَى حلب وَصلح حَاله.
وفيهَا: توفّي بِدِمَشْق ابْن علوي أوصى بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم تفرق صَدَقَة وبمائتي ألف وَخمسين ألفا تشتري بهَا أَمْلَاك وَتوقف على الْبر فَاجْتمع خلق من الحرافيش والضعفاء لتفريق الثَّلَاثِينَ ألفا ونهبوا خبْزًا من قُدَّام الخبازين فَقطع أرغون شاه نَائِب دمشق مِنْهُم أَيدي خلق وَسمر خلقا بِسَبَب ذَلِك فَخرج مِنْهُم خلق من دمشق وَتَفَرَّقُوا بِبِلَاد الشمَال.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة ضرب نيروز بالنُّون نَائِب قلعة الْمُسلمين قاضيها برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن مَمْدُود واعتقله ظلما وتجبراً، فَبعد أَيَّام قَليلَة طلب النَّائِب إِلَى مصر معزولاً، ويغلب على ظَنِّي أَنه طلب يَوْم تعرضه للْقَاضِي فسبحان رب الأَرْض وَالسَّمَاء الَّذِي لَا يهمل من استطال على الْعلمَاء.
قلت:
(قلت لأهل الجاه مهما ... رمتم عزا وَطَاعَة)
(لَا تهينوا أهل علم ... فَإِذا هم سم سَاعَة)
وَفِيه: فِي الْعشْر الْأَوْسَط من آذار وَقع بحلب وبلادها ثلج عَظِيم، وتكرر أغاث الله بِهِ الْبِلَاد، واطمأنت بِهِ قُلُوب الْعباد، وَجَاء عقيب غلاء أسعار وَقلة أمطار.
قلت:
(ثلج بآذار أم الكافور فِي ... مزاجه ولونه والمطعم)
(لولاه سَالَتْ بالغلا دماؤنا ... من عَادَة الكافور إمْسَاك الدَّم)
وفيهَا جَاءَت ريح عَظِيمَة قلعت أشجاراً كَثِيرَة، وَكَانَت مراكب للفرنج قد لججت للوثوب على سواحل الْمُسلمين فغرقت بِهَذِهِ الرّيح، وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال.
قلت:
(قل للفرنج تأدبوا وتجنبوا ... فالريح جند نَبينَا إِجْمَاعًا)
(إِن قلعت فِي الْبر أشجاراً فكم ... فِي الْبَحْر يَوْمًا شجرت أقلاعاً)
وفيهَا: توفّي الشَّيْخ الْحَاج إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن العزازي بعزاز، كَانَ لَهُ منزلَة عِنْد الطنبغا الْحَاجِب نَائِب حلب، وَبنى بعزاز مدرسة حَسَنَة، وسَاق إِلَيْهَا الْقَنَاة الحلوة وانتفع الْجَامِع وَكثير من الْمَسَاجِد بِهَذِهِ الْقَنَاة، وَله آثَار حَسَنَة غير ذَلِك رَحمَه الله تَعَالَى.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة: وقراجا بن لغادر التركماني وجمائعه قد شغبوا واستطالوا ونهبوا، وَتسَمى بِالْملكِ القاهر وَأَبَان عَن فجور وحمق ظَاهر وَدَلاهُ بغروره
стр. 705
الشَّيْطَان حَتَّى طلب من صَاحب سيس الْحمل الَّذِي يحمل إِلَى السُّلْطَان.
وفيهَا: فِي شهر رَجَب وصل الوباء إِلَى حلب كفانا الله شَره، وَهَذَا الوباء قيل لنا أَنه ابْتَدَأَ من الظُّلُمَات من خمس عشرَة سنة مُتَقَدّمَة على تَارِيخه وعملت فِيهِ رِسَالَة سميتها النبأ عَن الوباء.
فَمِنْهَا: اللَّهُمَّ صل على سيدنَا مُحَمَّد وَسلم ونجنا بجاهه من طغيان الطَّاعُون وَسلم الطَّاعُون روع وأمات وابتدأ خَبره من الظُّلُمَات فواها لَهُ من زائر من خمس عشرَة سنة دائر مَا صين عَنهُ الصين وَلَا منع مِنْهُ حصن حُصَيْن سل هنديا فِي الْهِنْد وَاشْتَدَّ على السَّنَد وَقبض بكفيه وَشَبك على بِلَاد أزبك وَكم قَصم من ظهر فِيمَا وَرَاء النَّهر، ثمَّ ارْتَفع وَنجم وهجم على الْعَجم وأوسع الخطا إِلَى أَرض الخطا وقرم القرم وَرمى الرّوم بجمر مضطرم وجر الجرائر إِلَى قبرص والجزائر ثمَّ قهر خلقا بِالْقَاهِرَةِ وتنبهت عينه لمصر فأذاهم بالساهرة وأسكن حَرَكَة الْإسْكَنْدَريَّة فَعمل شغل الْفُقَرَاء مَعَ الحريرية.
(إسكندرية ذَا الوبا ... سبع يمد إِلَيْك ضبعه)
(صبرا لقسمته الَّتِي ... تركت من السّبْعين سبعه)
ثمَّ تيَمّم الصَّعِيد الطّيب وأبرق على برقة مِنْهُ صيب، ثمَّ غزى غَزَّة وهز عسقلان هزة، وعك إِلَى عكا، وَاسْتشْهدَ بالقدس، وزكى فلحق من الهاربين الْأَقْصَى بقلب كالصخرة، وَلَوْلَا فتح بَاب الرَّحْمَة لقامت الْقِيَامَة فِي مرّة، ثمَّ طوى المراحل وَنوى أَن يلْحق السَّاحِل، فصاد صيدا، وبغت بيروت كيداً، ثمَّ سدد الرشق إِلَى جِهَة دمشق، فتربع ثمَّ وتميد وفتك كل يَوْم بِأَلف وأزيد فَأَقل الْكَثْرَة وَقتل خلقا ببثرة.
وَمِنْهَا:
(أصلح الله دمشقاً ... وحماها عَن مسبه)
(نَفسهَا خست إِلَى أَن ... تقتل النَّفس بحبه)
ثمَّ أَمر المزة وبرز إِلَى بَرزَة وَركب تركيب مزج على بعلبك وَأنْشد فِي قارة قفانبك وَرمى حمص بجلل وصرفها مَعَ علمه أَن فِيهَا ثَلَاث علل ثمَّ طلق الكنه فِي حماه فبردت أَطْرَاف عاصيها من حماه:
(يَا أَيهَا الطَّاعُون أَن حماه من ... خير الْبِلَاد وَمن أعز حصونها)
(لَا كنت حِين شممتها فسممتها ... ولتمت فاها آخِذا بقرونها)
ثمَّ دخل معرة النُّعْمَان فَقَالَ لَهَا: أَنْت مني فِي أَمَان، حماه تكفيك فَلَا حَاجَة لي فِيك.
(رأى المعرة عينا زانها حور ... لَكِن حاجبها بالجور مقرون)
(مَاذَا الَّذِي يصنع الطَّاعُون فِي بلد ... فِي كل يَوْم لَهُ بالظلم طاعون)
ثمَّ سرى إِلَى سرمين والفوعة فشعث على السّنة والشيعة، فسن للسّنة اسنته شرعا
следующие страницы →