Полный текст (79 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
أَخْبَار مُلُوك بني عبيد وسيرتهم لأبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن حَمَّاد
стр. 2
المخطوط الْحَمد لله
قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه الأعلم الأعرف الأوحد الْعَالم القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن حَمَّاد
стр. 3
الْحَمد لله الَّذِي لَا يزَال ملكه وَلَا ينْتَقل ملكه وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد الَّذِي نسخت مِلَّته الْملَل وفسخت دولة مِلَّته الدول
فَهَذِهِ جملَة من أَخْبَار بني عبيد الله قيدتها فِي هَذَا التَّأْلِيف فبعضها التقطته من مفرقات التواليف وَبَعضهَا عرفني بِهِ من وثقت مِنْهُ بالتعريف وَدَعَانِي إِلَى هَذَا التَّأْلِيف مَا دَعَا المؤلفين المؤرخين إِلَى أَمْثَاله وَمَا من شَيْء إِلَّا وَقد أفرغ فِي قالبه ونسج على منواله وَللَّه الْحَمد من قبل وَمن بعد وَمِنْه يسْأَل العون وَالْقَصْد
стр. 4
عبيد الله
اخْتلف النَّاس فِي نسبه إِلَى الْحُسَيْن بن على ﵉ فَمن مُسلمين مَا ادَّعَاهُ ومقرين بِمَا حَكَاهُ وَمن دافعين وَمَا نعين مَا انتحله وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم الله فَالَّذِي ادَّعَاهُ هُوَ أَنه عبيد الله بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر ابْن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي طَالب رضى الله عَنْهُم وَالَّذِي ادَّعَاهُ النَّاس لَا برهَان عَلَيْهِ فَلَا حَاجَة لي إِلَيْهِ
ولد عبيد الله بسلمية من بِلَاد الشَّام وَقيل بِبَغْدَاد
стр. 5
سنة ٢٦٠ وَوصل إِلَى مصر فِي زِيّ التُّجَّار وَهُوَ يطْلب الْأُمُور الْكِبَار سنة ٢٨٩ والطلب عَلَيْهِ من بني الْعَبَّاس حثيث والكتب تنفذ إِلَى سَائِر الْأَمْصَار وَعَامة الأقطار باسمه وَصفته وزيه وهيئته وَبِأَن يقبض عَلَيْهِ مَتى عرف وَأَن يثقف مَتى ثقف فَلم يزل بِكُل بلد تذكى عَلَيْهِ الْعُيُون وتظن بأشياعه الظنون ويخلص من أَيدي الْحُكَّام وولاة الْأَحْكَام خلاص الْأَمْن من نسج المرام إِلَى أَن وصل إِلَى سجلماسة إِمَّا بِعلم سبق وَإِمَّا بِشَيْء اتّفق
فَظهر بهَا فِي يَوْم الْأَحَد السَّابِع من ذِي الْحجَّة سنة ٢٩٦ فَأخذ هُوَ وَابْنه أَبُو الْقَاسِم واعتقل وَقيد كِلَاهُمَا بالحديد وأثقل وَفِي خلال هَذَا أَقَامَ أَبُو عبد الله هُوَ وَالْحُسَيْن بن أَحْمد بن مُحَمَّد وَيعرف بالمحتسب يُقَال إِنَّه كَانَ محتسبا بسوق الْغَزل بِالْبَصْرَةِ وَيُقَال إِن
стр. 6
الْمَعْرُوف بالمحتسب هُوَ أَخُوهُ أَبُو الْعَبَّاس وَيعرف أَبُو الْعَبَّاس بالمخطوم أَيْضا وَيعرف أَيْضا أَبُو عبد الله بالمعلم لِأَنَّهُ كَانَ يعلم النَّاس مَذْهَب الإمامية الباطنية وَفِيهِمْ ألف الإِمَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ كتاب المستظهري بِأَمْر المستظهر صَاحب بَغْدَاد
فَلَمَّا تمّ لأبي عبيد الله مَا أَرَادَ قاد الأجناد والأنجاد واستفتح المدن وَملك الْبِلَاد وَبنى بِموضع يعرف بإيكجان على مقربة من قسنطينة مَدِينَة وسماها دَار الْهِجْرَة وسمى أَتْبَاعه وأشياعه من
стр. 7
كتامة وَغَيرهم الْمُؤمنِينَ وَإِذا ركب نَادَى مناديه فِي الْجَيْش يَا خيل الله اركبوا وَكتب على أفخاذ الْخَيل الْملك لله وَكتب فِي بنوده سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر وآيات كَثِيرَة من الْقُرْآن وَنقش فِي خَاتمه الَّذِي يخْتم بِهِ فتوكل على الله إِنَّك على الْحق الْمُبين وَفِي خَاتمه الَّذِي يخْتم بِهِ على السجلات تمت كلمة رَبك صدقا وعدلا لَا مبدل لكلماته وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم
ثمَّ وطئ إفريقية وملكها عنْوَة وَكَانَ زِيَادَة الله آخر مُلُوك بني الْأَغْلَب من عُمَّال بني الْعَبَّاس فِيهَا وأمرائهم عَلَيْهَا فَلَمَّا فل الشيعي على ملك بني الْأَغْلَب جموعه وَملك عَلَيْهِ ملكه جَمِيعه شمر أذياله وَضم أثقاله وَاتخذ اللَّيْل جملا وَسَار من رقادة
стр. 8
قبيلا متحملا وَكَانَت رقادة دَار ملك بنى الْأَغْلَب وَتوجه إِلَى الشرق متخلصا بحريعة الذقن فِي سنة ٢٩٦ هـ
وَأَقْبل الشيعي إِلَى رقادة فِي سَبْعَة عَسَاكِر فِيهَا ثَلَاثمِائَة ألف بَين فَارس وراجل فَدخل رقادة وَبَين يَدَيْهِ رجل يقْرَأ ﴿هُوَ الَّذِي أخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر﴾ الْآيَة و ﴿كم تركُوا من جنَّات وعيون﴾ الْآيَة
فَنزل بِالْقصرِ الْمَعْرُوف بقصر الصحن وَأمر بقتل السودَان من موَالِي بني الْأَغْلَب فَقتلُوا عَن آخِرهم وكبوا على مناخرهم
стр. 9
وَوجه إِلَى طرابلس فأوتي مِنْهَا بأَخيه أبي الْعَبَّاس المخطوم وَكَانَ مَحْبُوسًا بهَا وبأم أبي عبيد الله وَكَانَت هُنَاكَ مَعَ الحوزان
ثمَّ توجه بملء الأَرْض من الْخَيل وَالرِّجَال إِلَى سجلماسة فِي سنة ٢٩٦ الْمَذْكُورَة واستخلف على إفريقية أَخَاهُ أبارك تَمام بن معارك فوصل إِلَى سجلماسة وأحاط بهَا وحازها وافتتحها واستنقذ عبيد الله وَابْنه أَبَا الْقَاسِم وقاد لَهُ فرسا عتيقا فَرَكبهُ وَخرج من الْموضع الَّذِي اعتقل فِيهِ وَقد لبس ثيابًا نفيسة فاخرة وتردى
стр. 10
برداء سرب وانتعل نعلا عَرَبِيَّة وَكَانَ ملبسه أبدا سريا وطيبه كثيرا وَسلم عَلَيْهِ بِالْإِمَامَةِ فِي شهر ربيع الآخر سنة ٢٩٧
وَتوجه إِلَى إفريقية فَنزل رقادة وَأقَام بهَا إِلَى أَن بنى المهدية ونسبها بالمهدية إِلَى نَفسه وَكَانَت تسمى حمة وجزيرة القار وَكَانَ لَهُ بصر بِعلم النُّجُوم فاختطها بطالع الْأسد لِأَنَّهُ برج ثَابت وَلذَلِك ثبتَتْ وَلِأَنَّهُ بَيت الشَّمْس الَّذِي هُوَ دَلِيل الْمُلُوك وَلذَلِك كَانَ الْملك فِيهَا وَعَاد بعد استيطانه القيروان إِلَيْهَا بِإِذن الله وعَلى رَأْي أهل الصناعات النجومية وَفِي وَضعهَا ببرج الْأسد يَقُول أَبُو عبيد الله بن حبوس الفاسي فِي سيدنَا الْخَلِيفَة الإِمَام الأول أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵃ ... بطالع الْأسد اختط الْبناء بهَا ... لكنك الْأسد الدامي الأظافير ...
стр. 11
وَبنى بهَا قصره الْمَعْرُوف بِهِ وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْآن وَبنى قصرا لأبنه أبي الْقَاسِم وَبنى دَار الصِّنَاعَة الْمَوْجُودَة فِيهَا إِلَى الْيَوْم وَأمر بهدم قُصُور بني الْأَغْلَب بِجَمِيعِ بِلَاد إفريقية وتخريبها وطمس معالمها ومحو آثارها ورسومها وَجعل للمهدية أبراجا من جِهَة الْبر وَهِي الْجِهَة الغربية وَلَيْسَ الْبر مِنْهَا إِلَّا من هَذِه الْجِهَة وَجعل لَهَا بَابَيْنِ من حَدِيد صرف وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن حبوس من القصيدة الْمَذْكُورَة ... بَاب حَدِيد وأبراج ثَمَانِيَة ... تسخر الْعقل فِيهِ أَي تسخير ...
وَرمى عبيد الله بِسَهْم من الْبَاب إِلَى مَوضِع الْمصلى وَقَالَ إِلَى هَا هُنَا يبلغ صَاحب الْحمار يَعْنِي أَبَا يزِيد مخلد بن كيداد الأباضي الْخَارِج عَلَيْهِم فِي أَيَّام أبي الْقَاسِم الْقَائِم بن عبيد الله وَقَالَ أَنا بنيتها لصيانة ألف رياضة فِيهَا وَلَو سَاعَة من نَهَار يَعْنِي
стр. 12
سَاعَة وُصُول أبي يزِيد مخلد بن كيداد إِلَى الْمصلى وانحياش النَّاس مِنْهُ فِي المهدية وَكَذَلِكَ كَانَ الْأَمر بلغ إِلَى الْمصلى ثمَّ انهزم وَلم يزل مُنْهَزِمًا من جِهَة إِلَى جِهَة وَالنَّاس كلهم لَهُ حَرْب إِلَى أَن نقض وانقرض على مَا يَأْتِي ذكره فِي أَيَّام إِسْمَاعِيل الْمَنْصُور
وَاسْتقر عبيد الله بالمهدية سنة ٣٨ وَقتل أَبَا عبيد الله الدَّاعِي وأخاه أَبَا الْعَبَّاس بن زنادة يَوْم الثُّلَاثَاء سنة ٢٩٨ ببستان فِي الْقصر وَأمر بهما فغسلا وكفنا وَصلى عَلَيْهِمَا وَأَقْبل على أبي عبد الله فَقَالَ رَحِمك الله أَبَا عبد الله وجزاك الله فِي الْآخِرَة بِتَقْدِيم سعيك والتفت إِلَى أبي الْعَبَّاس فَقَالَ وَلَا رَحِمك الله يَا أَبَا الْعَبَّاس فَإنَّك صددته عَن السَّبِيل وأوردته موارد الْهَلَاك ثمَّ قَرَأَ ﴿وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا﴾ الْآيَة وَأمر بدفنهما فِي موضعهما الَّذِي قتلا فِيهِ من الْبُسْتَان ثمَّ قتل جَمِيع من والاهما من شُيُوخ كتامة وَقيل لِأَنَّهُمَا ارتدا عَلَيْهِ وَقَالا لكتامة إِنَّا غلطنا فِيهِ وَأَن الإِمَام الَّذِي دَعونَا إِلَيْهِ لَهُ عَلَامَات وَيَأْتِي بآيَات ويطبع بِخَاتمِهِ فِي الْحجر كَمَا يطبع فِي الشمع
وخلص لِعبيد الله الْأَمر وَصفا لَهُ الْملك فَملك إفريقية كلهَا
стр. 13
وَالْمغْرب بأسره وأطرابلس وجربة وصقلية وَوجه ابْنه وَولي عَهده أَبَا الْقَاسِم إِلَى ديار مصر دفعتين الأولى مِنْهُمَا فِي سنة ٣٠١ فَملك الأسكندرية والفيوم وجبى خراجهما وخراج بعض عُمَّال الصَّعِيد وَالثَّانيَِة فِي سنة ٣٠٦
وَكَانَ المقتدر بن المعتضد بن الْمُوفق المتَوَكل صَاحب بَغْدَاد
стр. 14
قد وَجه لمدافعته ومحاربته فِي الدفعتين مؤنسا الْخَادِم الَّذِي يعرف بالفحل ويدعى المظفر وَكَانَت بَينه وَبَين حسابة بن يُوسُف الكتامى وَهُوَ أحد قواد كتامة حروب ووقائع كَثِيرَة مبيدة مبيرة وَكَانَ جَيش أبي الْقَاسِم فِي الدفعة الْأَخِيرَة خَمْسمِائَة ألف فعرضه عِنْد رجعته فَوَجَدَهُ خَمْسَة عشر ألفا أفناهم الْقَتْل والجوع والوباء وَخرج أَبُو الْقَاسِم إِلَى الْمغرب فِي جَيش عَظِيم لتسْع لَيَال مضين من صفر سنة ٣١٥ وَقد كَانَ مُحَمَّد بن خزر الزناتي من زعمائهم وكبرائهم وعظمائهم قبل ذَلِك أوقع بعسكر كتامة عَلَيْهِ أَبُو عروس وَإِسْحَاق بن خَليفَة قائدان مِنْهُم وَعظم الْخطب فِي الْمغرب وتفاقم الْأَمر مَعَ مَا تقدم قبل ذَلِك لَهُ من قتل مصالة بن حبوس وَغَيره من قوادهم أَيْضا فَلَمَّا وصل أَبُو الْقَاسِم إِلَى الْمغرب توغل أَبُو خزر فِي الصَّحَارِي على المهاري وهدن أَبُو الْقَاسِم الْمغرب وَقضى مِنْهَا المأرب وَانْصَرف وَفِي انْصِرَافه هَذَا مر بوادي سهر فاختط مَدِينَة المسيلة رسمها برمحه
стр. 15
وَهُوَ رَاكب على فرسه وَأمر على بن حمدون الجذامي الْمَعْرُوف بِابْن الاندلسية أَن يبنيها ويحصنها ويحسنها وسماها المحمدية باسمه
وَهَذَا يدل على أَن اسْمه مُحَمَّد بِخِلَاف من يَقُول أَن اسْمه عبد الرَّحْمَن فبناها وَجعل لَهَا بَابَيْنِ وسمى أَحدهمَا بَاب القاسمية منسوبة إِلَى أبي الْقَاسِم وسمى الثَّانِي بَاب الْأُمُور ووصلت هَذِه الْمَدِينَة من الْعِمَارَة والحضارة وَملك عَليّ بن حمدون فِيهَا وابناه جَعْفَر وَيحيى إِلَى الْغَايَة القصوى والأمد الْأَقْصَى وَأمر أَن يدّخر فِيهَا الأقوات وأنواع المأكولات وكل مَا تنضم إِلَيْهِ الضَّرُورَة فَفعل وَزَاد فاحتفل وَكَانَ إِذا ارْتَفَعت الأسعار وأغبت الأمطار يكْتب إِلَى أبي الْقَاسِم وَهُوَ ولي عهد أَبِيه وَبعد إفضاء الْأَمر إِلَيْهِ يَسْتَأْذِنهُ فِي البيع ويعلمه بِمَا فِي ذَلِك من الزِّيَادَة والنفع فيأباه وينهاه ويأمره بالاستكثار والادخار ويعلمه أَنه سيحتاج إِلَيْهِ ويضطر نَحوه فَلم تزل تِلْكَ الْأَطْعِمَة مصونة مختزنة
стр. 16
إِلَى فتْنَة أبي يزِيد وَخرج إِسْمَاعِيل الْمَنْصُور إِلَيْهِ وَأَتْبَاعه فَكَانَت عونا لَهُ ولأنجاده وإمداده عِنْد وُصُوله إِلَى جبل كياتة وحصره أَبُو يزِيد فِيهَا وَبَين المسيلة والجبل الَّذِي حصره فِيهِ وَهُوَ المطل على القلعة وَسَيَأْتِي ذكره بعد هَذَا اثْنَا عشر ميلًا فَكَانَت ميرتهم مِنْهَا وارتفاعهم بهَا وَلم يكن فِي تِلْكَ الْجِهَات إِذْ ذَاك مَدِينَة غَيرهَا
وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم يركب بالمظلة فِي أَيَّام أَبِيه وباسمه كَانَت تنفذ الْكتب والعهود وَإِلَيْهِ ترفع الْمسَائِل وَعَلِيهِ تفد الْوُفُود وَكَانَ أَبوهُ كلفا بِهِ شَدِيد الْمحبَّة لَهُ متيمنا لكل مَا عَسى أَن يَفْعَله وَكَذَلِكَ هُوَ كَانَ لِأَبِيهِ بارا بِهِ ممتثلا لأَمره مغتنما لمرضاته والمظلة الَّتِي اختصوا بهَا من دون سَائِر الْمُلُوك شبه درقة فِي رَأس
стр. 17
رمح محكمَة الصَّنْعَة رائقة المنظر ظرف من الصِّنَاعَة فِي الصياغة ونظم الْأَحْجَار الغالية مَا يروق مرآه ويدهش من رَآهُ يمْسِكهَا فَارس من الفرسان يعرف بهَا فَيُقَال صَاحب المظلة وَكَانَت عِنْدهم خطة يتداولها من يؤهل لَهَا فيحاذى بهَا الْملك من حَيْثُ كَانَت الشَّمْس يَقِيه حرهَا بظلها وَفِيه يَقُول مُحَمَّد بن هَانِئ الأندلسي من قصيدة يمدح بهَا معد الْمعز الَّذِي يَأْتِي ذكره ... وعَلى أَمِير الْمُؤمنِينَ غمامة ... نشأت تظلل تاجه تظليلا
نهضت بِمثل الدرْع ضوعف نسجه ... وَجَرت عَلَيْهِ عسجدا محلولا ...
وَلَا يعلم أحد من الْمُلُوك اتخذ هَذِه المظلة إِلَّا بَنو عبيد خَاصَّة
стр. 18
ثمَّ ملك الرّوم بصقلية وَحسب أَنهم أهدوها إِلَيْهِ فِي بعض هداياهم وَكَأَنِّي سَمِعت هَذَا
وَتوفى عبيد الله يَوْم الِاثْنَيْنِ الرَّابِع عشر من شهر ربيع الأول سنة ٣٢٢ وكسف الْقَمَر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة كسوفا كليا وَكَانَ عمره اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة أَو ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة وَكَانَت وَفَاته من دَوَاء سقَاهُ إِيَّاه ابْن الجزار يُقَال إِنَّه حب السورنجان لنقرس كَانَ يشكوه وَكَانَ إِسْحَاق الإسرائيلي نَهَاهُ عَنهُ
стр. 19
وأعلمه أَنه يجد على أَثَره إفاقة ثمَّ يشْتَد عَلَيْهِ وَقد يهلكه فَلم يقبل قَوْله لشدَّة مَا يجده فَوجدَ تِلْكَ الْإِفَاقَة ثمَّ مَاتَ
وكتم أَبُو الْقَاسِم مَوته شهرا وَقيل عَاما كَامِلا حَتَّى نفذ جَيْشًا لبرقة ليشغل الْمشرق وجيشا إِلَى تاهرت ليشغل الْمغرب ثمَّ أذاع مَوته وَأظْهر وَفَاته وَوجد عَلَيْهِ وجدا شَدِيدا وحزن حزنا ظَاهرا وَأمر بالبكاء عَلَيْهِ بالقيروان وَغَيرهَا من الْأَمْصَار وَلم يركب دَابَّة بالمهدية مُنْذُ مَاتَ إِلَى أَن توفى هُوَ حزنا وَبرا وتكرمة لتربة دفن فِيهَا
وَكَانَ مِمَّا أحدث عبيد الله أَن قطع صَلَاة التَّرَاوِيح فِي شهر رَمَضَان وَأمر بصيام يَوْمَيْنِ قبله وقنت فِي صَلَاة الْجُمُعَة قبل الرُّكُوع وجهر بالبسملة فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَأسْقط من أَذَان صَلَاة الصُّبْح الصَّلَاة خير من النّوم وَزَاد حَيّ على خير الْعَمَل مُحَمَّد وعَلى خير الْبشر وَنَصّ الْأَذَان طول مُدَّة بني عبيد بعد التَّكْبِير والتشهدين حَيّ على الصَّلَاة وَحي على الْفَلاح مرَّتَيْنِ حَيّ على خير الْعَمَل مُحَمَّد وعَلى خير الْبشر مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ لَا إِلَه إِلَّا الله مرّة ثمَّ يَقُول
أحياك الله يَا مَوْلَانَا حَافظ نظام الدُّنْيَا وَالدّين جَامع شَمل
стр. 20
الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وأعز بسلطانك جَانب الْمُوَحِّدين وأباد بسيوفك كَافَّة الْمُلْحِدِينَ وَصلى عَلَيْك وعَلى آبَائِك الطاهرين وأبنائك الأكرمين صَلَاة دائمة إِلَى يَوْم الدّين وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين
وَفِي أَيَّام بني عبيد فِي سنة ١٧ بَطل الْحَج وَأخذ الْحجر الْأسود وَذَلِكَ أَن أَبَا طَاهِر سُلَيْمَان بن الْحسن القرمطي دخل مَكَّة حرسها الله تَعَالَى يَوْم التَّرويَة فَقتل الْحجَّاج قتلا ذريعا وَرمى الْقَتْلَى فِي زَمْزَم وَأخذ الْحجر الْأسود من الْكَعْبَة وَقلع بَابهَا وبقى الْحجر عِنْدهم اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة إِلَّا شهرا ثمَّ ردُّوهُ لخمس خلون من ذِي الْقعدَة سنة ٣٩
وَفِي أَيَّام عبيد الله قتل المقتدر بِبَغْدَاد فِي الْحَرْب الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين مؤنس الْخَادِم وَأظْهر عبيد الله عِنْدَمَا بلغه الْخَبَر أَن
стр. 21
دعاته قتلته بأَمْره وَجلسَ لذَلِك مَجْلِسا هنئ فِيهِ وَيُشبه أَن يكون ذَلِك صَحِيحا وَالله سُبْحَانَهُ أعلم لِأَن الَّذِي قَتله كَانَ بربريا وَلم يكن من أهل الْمشرق وَذكر الصولي أَن الَّذِي قَتله رجل من أهل الْمغرب بربري يُقَال لَهُ غلبون الصنهاجي رَمَاه بِحَرْبَة وَهُوَ على فرسه يصلح بَين الْجند فِي ظَهره فَخرجت من صَدره فَوَقع مَيتا
وَكَانَت بالمهدية قبَّة مديدة بنيت ببنيانها وَسَقَطت عِنْد انْقِرَاض دولة بني عبيد
وَخلف عبيد الله سَبْعَة ذُكُور وهم مُحَمَّد أَبُو الْقَاسِم وَأحمد وَأَبُو عَليّ وَأَبُو طَالب مُحَمَّد وَقيل اسْمه أَبُو عبيد الله الْحُسَيْن وَأَبُو الْحُسَيْن عقيل الْأَعْمَى وَأَبُو سلمَان وثماني بَنَات وَكَانَ قُضَاته أَبُو جَعْفَر الْمروزِي وَإِسْحَاق بن الْمنْهَال وَمُحَمّد بن مَحْفُوظ القمودي وَمُحَمّد بن عمرَان النفطي تداولوا الْقَضَاء ثمَّ عَاد الْقَضَاء إِلَى إِسْحَاق وحاجبه جَعْفَر بن عَليّ وحامل مظلته مَسْعُود الْفَتى ثمَّ غرس الْفَتى ومتولي بَيت المَال أَبُو عَليّ أَحْمد بن الْحُسَيْن ثمَّ ابْنه أَبُو الْحسن
стр. 22
مُحَمَّد الْقَائِم
كنيته أَبُو الْقَاسِم بن عبد الله ولد بسلمة من بِلَاد الشَّام سنة ٣٠٨ هـ وبويع يَوْم مَاتَ أَبوهُ عبيد الله وعمره إِذْ ذَاك اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة وَقَامَ عَلَيْهِ أَبُو يزِيد مخلد بن كيداد فِي سنة ٣٣٢ وَهُوَ الَّذِي كَانَ أنذر بِهِ أَبُو عبيد الله على مَا تقدم وَهُوَ من بني جَعْفَر من بني جانا الَّذِي تَقول لَهُ البربر أجانا وأجانا هُوَ بِنَفسِهِ زنات الَّذِي تنْسب إِلَيْهِ زناتة وَكَانَ كيداد وَالِد أبي يزِيد من سكان تقيوس من بِلَاد قصطيلية وَكَانَ يخْتَلف فِي التُّجَّار إِلَى بِلَاد السودَان فَاشْترى بتادمكت أمة تسمى سبيكة فَحملت مِنْهُ وَولدت أَبَا يزِيد وَهُوَ أعرج وَفِي لِسَانه شامة فَذهب بِهِ أَبوهُ كيداد
стр. 23
إِلَى عراف بِمَدِينَة كوكو فَأرَاهُ فَقَالَ لَهُ لَيَكُونن لَهُ شَأْن وليملكن ثمَّ رَجَعَ كيداد إِلَى تقيوس فَمَاتَ وَقيل إِن أَبَا يزِيد نَشأ بتوزر بدرب الغلامسسيين بِقرب توزر فَلَمَّا كبر وشب قَرَأَ مَذْهَب الأباضية ففقه فِيهِ وَمهر فِي الجدل عَلَيْهِ ثمَّ سَار إِلَى مَدِينَة توزر فَكَانَ يعلم الصّبيان الْقُرْآن وَيَدْعُو من وثق إِلَيْهِ وَقدر عَلَيْهِ إِلَى الْقيام على أبي الْقَاسِم بن عبيد الله
وينكر مَا هُوَ عَلَيْهِ حَتَّى اسْتَجَابَ لَهُ نَحْو ثَلَاثمِائَة رجل واتصل ذَلِك بِابْن فركان مقدم توزر فاستدعاه وتهدده فَأنْكر مَا رمى بِهِ وتبرأ مِنْهُ فخلى عَنهُ وَخَافَ أَصْحَابه الَّذين أجابوه فَتَفَرَّقُوا عَنهُ وهجروا مَجْلِسه وَتركُوا الْحُضُور فِيهِ وَمَعَهُ فَخرج من بِلَاد قصطيلية كلهَا وَسَار إِلَى جبل أوراس وَفِيه قوم من هوارة
стр. 24
يُقَال لَهُم بَنو كملان من أهل مذْهبه فَقَامَ فيهم وَقَوي بهم واشتدت شوكته واستفحل أمره وعمره إِذْ ذَاك سِتُّونَ سنة وَبِه علل كَثِيرَة وَصَحبه رجل يُقَال لَهُ أَبُو عمار بن عبد الله الْحميدِي الحجري وَكَانَ مقدما فِي الأباضية وَكَانَ يَقُول أَبُو يزِيد لأهل القيروان إِذا دَخلهَا لم لَا تجاهدوا بني عبيدها هَا أَنا رجل أعرج وصاحبي أَبُو عمار أعمى وَقد عذره الله سُبْحَانَهُ وَرفع عَنهُ حرج الْقِتَال وَالْجهَاد فَلم نعز أَنْفُسنَا وَكَانَت لَهُ امْرَأَة تسمى تاخيريت على مذْهبه ورأيه وبنون أَرْبَعَة يزِيد الَّذِي يكنى بِهِ وَيُونُس وَأَيوب وَفضل وَكَانَ يقدمهم على الجيوش ويخرجهم فِي السَّرَايَا وَأَيوب هزم جَيْشًا كَانَ أميره وقائده عَليّ بن حمدون صَاحب المسيلة وَكَانَ لقِيه بفحص على وَادي وجرة وَمَعَ عَليّ بن حمدون أَبُو الْفضل بن أبي سلاس قائدا أَيْضا فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا وَانْهَزَمَ عَليّ بن حمدون فِي الطَّرِيق جهلا بِهِ مِنْهُ فأوى إِلَى مَوضِع وعر لَيْلًا وَمَعَهُ ابْن أبي سلاس قائدا أَيْضا فانحل وثاق فرس من خيولهم فَوَثَبَ على فرس آخر فتضاربا وصهلا فَوَثَبَ الْقَوْم بعد أَن هجعوا وظنوا أَن أَيُّوب غشيهم فَرَكبُوا الْخَيل فِي ظلام اللَّيْل وتبددوا
стр. 25
فِي تِلْكَ الأوعار فَسقط على بن حمدون من جوب عَال فَانْكَسَرت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وظهره وَأكْثر عِظَامه
وَكَانَ أَبُو يزِيد فِي أول أمره يلبس خشين الصُّوف ويمسك الْعَصَا وَيُسمى شيخ الْمُسلمين ثمَّ انْتقل عَن ذَلِك وَركب عتاق الْخَيل وَلبس الديباج وَكَانَ يرى الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِملك الْيَمين ويستبيح نسَاء الْمُسلمين فِيمَن خَالفه ويسفك الدِّمَاء وَكَانَ أَصْحَابه البربر يقتلُون كل من ظفروا بِهِ من النَّاس كَائِنا من كَانَ غبنا وعبثا خَاصَّة من خرج من المهدية عِنْد حصارهم إِيَّاهَا فِرَارًا من الْجُوع والحصار ويشقون بطونهم أَحْيَانًا فتشا على المَال وتوهما أَنهم ابتلعوه ويشقون بطُون الْحَوَامِل وَاسْتولى أَبُو يزِيد على إفريقية كلهَا إِلَّا المهدية وَدخل القيروان وَوصل إِلَى مصلى الْعِيدَيْنِ فِي أَيَّام الْمَنْصُور ثمَّ انهزم كَمَا ذكر عبيد الله
стр. 26
وَلم يثبت لَهُ قدم وَلَا نصر لَهُ علم حَتَّى هلك وذرى أَيَّة سلك وَكَانَ قد سمى من بَايعه وَأقَام بِهِ العزابة وَمن بَايعه وَانْصَرف عَنهُ عدَّة الْمُسلمين وَكَانَ كثير الانتزاع لآي الْقُرْآن عِنْد المناظرة والمحاورة مثل انْتِزَاعه لما عوتب على لبس الْحَرِير بعد الصُّوف وركوب الْخَيل بعد الْحمير بقوله تَعَالَى ﴿وَأَعدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم من قُوَّة وَمن رِبَاط الْخَيل﴾ وَكَانَ كثير التَّمْثِيل بِآيَة الشّعْر كَقَوْلِه وَقد شكا إِلَيْهِ أهل إفريقية مَا نالهم مِنْهُ وَمن جنده وَأَصْحَابه ... إِذا أبقت الدُّنْيَا على الْمَرْء دينه ... فَمَا فَاتَهُ مِنْهَا فَلَيْسَ بضائر ...
وَفِي شهر رَمَضَان من سنة ٣٣٤ هـ ولي أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل ولي عَهده وفوض إِلَيْهِ أمره وَأدْخل جمَاعَة من وُجُوه كتامة وَرُؤَسَائِهِمْ إِلَى نَفسه فَقَالَ هَذَا مولاكم وَهُوَ ولي عهدي والخليفة من بعدِي وَهُوَ صَاحب هَذَا الْفَاسِق وقاتله يَعْنِي أَبَا يزِيد
وَتوفى أَبُو يزِيد يَوْم الْأَحَد الثَّالِث عشر من شَوَّال سنة ٣٣٤ وسترت أَيْضا وَفَاته وأخفيت فَكَانَت خِلَافَته اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَسَبْعَة أشهر وعمره خمس وَخَمْسُونَ سنة وَخلف من الْوَلَد أَبَا الطَّاهِر
стр. 27
إِسْمَاعِيل ولي عَهده وَأمه أم ولد تسمى كَرِيمَة وَكَانَ ترشح لولاية عهد أَبِيه حَاجِبه جَعْفَر بن عَليّ قُضَاته إِسْحَاق بن الْمنْهَال إِلَى أَن مَاتَ وَأحمد بن يحيى وَأحمد بن الْوَلِيد ولته الْعَامَّة فأقره صَاحب بَيت مَاله أَبُو الْحسن بن عَليّ الدَّاعِي
стр. 28
الْمَنْصُور
هُوَ أَبُو الْعَبَّاس إِسْمَاعِيل بن أبي الْقَاسِم ولد بالمهدية سنة ٢٩٩ وَقيل سنة ٣٠٢ وَولى وَله اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة وَلم يكن فِي بني عبيد مثله وَكَانَ بطلا شجاعا بليغا فصيحا يخترع الْخطْبَة لوقته وخطب فِي عيد الْأَضْحَى بالمهدية فَقَالَ فِي خطبَته اللَّهُمَّ إِنَّك قلدتني أَمر عِبَادك فِي بلادك اللَّهُمَّ فأصلحني لَهُم وأصلحهم لي وارزقني حج بَيْتك الْحَرَام ثمَّ ذكر مَنَاسِك الْحَج فَانْصَرف فَأمر للنَّاس بِالطَّعَامِ فَأَكَلُوا وَانْصَرفُوا ونفذت كتبه بسلامة الْعِيد وكماله وَتَمام النِّعْمَة فِيهِ وَتلك سنتهمْ لم يزَالُوا عَلَيْهَا إِلَى أَن انقرضوا وَقد رَأَيْت بعض كتبهمْ بذلك وَكَانَ فِي هَذَا الْعِيد قد أنهض من أهل القيروان ألف شيخ وَألف حدث فَلَمَّا وصلوا خَيرهمْ فِي التعييد مَعَه أَو الِانْصِرَاف فعيد الْبَعْض وَانْصَرف الْبَعْض وَعِيد عيد الْفطر وَهُوَ مُجَاهِد لأبي يزِيد بقلعة كياتة وخطب فَقَالَ فِي خطبَته اللَّهُمَّ إِنَّك أخرجتني من المهاد والوساد وجنبتني الرقاد وحالفتني السهاد وسلكت بِي مفاوز الْبِلَاد اللَّهُمَّ احكم لي على مخلد بن كيداد ﴿وَفرْعَوْن ذِي الْأَوْتَاد الَّذين طغوا فِي الْبِلَاد فَأَكْثرُوا﴾ اللَّهُمَّ أنزلهم بالمرصاد اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم أَنِّي سلالة نبيك وَابْن رَسُولك وَبضْعَة من لَحْمه ونقطة من دَمه مَا قلت فغرا وَلَا لددا اللَّهُمَّ
стр. 29
إِنَّك تعلم من أَيْن أَقبلت وَإِلَى أَيْن انْتَهَيْت وَمَا فِيك لاقيت اللَّهُمَّ إِنِّي بذلت مهجتي وَنَفْسِي فِي سَبِيلك مُجَاهدًا لعدوك طَالبا الثأر لنبيك وابتغاء مرضاتك حَتَّى تعبد فِي الأَرْض حق عبادتك وَيحكم فِيهَا بحكمك إِنَّك أهل الْمَنّ والطول ثمَّ انْصَرف إِلَى مَنَازِله وَأمر للنَّاس بِالطَّعَامِ
وَكَانَ فِي أَيَّام حروبه مَعَ أبي يزِيد وَقد انهزم عَنهُ النَّاس وَبَقِي مَعَه صبَابَة فَقَالَ لَهُم صبرَة يَا عبيد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَسمى ذَلِك الْموضع صبرَة وَكَانَ يعرف بصلب الْجمل وَهُوَ فِيمَا بَين الْقبْلَة والغرب من القيروان
وَفِي سنة ٣٣٤ بني صبرَة وَهِي مَدِينَة بناها بقربها سَمَّاهَا
стр. 30
باسمه المنصورية فاستمر عَلَيْهَا الاسمان إِلَى الْآن وصبرة أشهر وَكَانَت دَار ملكهم وَملك من بعدهمْ إِلَى أَن أَتَى عَلَيْهَا الزَّمَان ونال مِنْهَا الْحدثَان وَذَهَبت كَمَا ذهب الْأَبدَان وغمدان وَبنى سورها بالطوابي وَجعل لَهَا أَرْبَعَة أَبْوَاب بَاب قبلي وَبَاب شَرْقي سَمَّاهُ بَاب زويلة وَبَاب جوفي سَمَّاهُ بَاب كتامة وَبَاب غربي سَمَّاهُ بَاب الْفتُوح وَمِنْهَا كَانَ يخرج للحروب وَنصب عَلَيْهَا أبوابا ملبسة بالحديد وَلم يبن فِيهَا غير ذَلِك إِلَّا بعد الْفَرَاغ من أَمر أبي يزِيد ثمَّ بنيت فِيهَا بعد ذَلِك الْقُصُور الشامخات والأبنية الرفيعة وغرست فِيهَا الْغَرْس البديعة وجلبت إِلَيْهَا الْمِيَاه المنيعة وَمن قُصُورهَا الإيوان بناه الْمعز لِابْنِهِ الَّذِي يَأْتِي ذكره ومجلس الكافور وحجرة التَّاج ومجلس الريحان وحجرة الْفضة وَقصر الْخلَافَة والخورنق وقصور بَين ذَلِك كَثِيرَة ومصانع صَنِيعَة كَبِيرَة
стр. 31
وَلما أَتَى أَبُو يزِيد إِلَى الْمصلى بالمهدية نزل بهَا وَصلى فِيهَا ثمَّ انهزم وَلم يزل إِذْ ذَاك فِي حروب أَكْثَرهَا عَلَيْهِ لِأَن جلّ أَتْبَاعه قد خلوا بِهِ وخذلوه كَمَا ذكر عبيد الله وعَلى مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله وَكَانَت هزيمته فِي أَيَّام الْقَائِم أبي الْقَاسِم كَمَا ذكر فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ فِي ثَلَاث خلون من جُمَادَى الْأَخِيرَة سنة ٣٣٣ هـ وَتوفى أَبُو الْقَاسِم فِي سنة ٣٣٤ كَمَا تقدم وَخرج إِسْمَاعِيل الْمَنْصُور بعد ذَلِك من المهدية إِلَى سوسة فَلم يلقه بهَا أهل القيروان وسألهم عَن تأخرهم وَمَا مَنعهم من لِقَائِه بسوسة فَقيل لَهُ الْخَوْف فَتَبَسَّمَ وَقَالَ إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ اختارني لهَذَا الْأَمر وكلفني بمحاربة هَذَا الْقَوْم وَدفع إِلَى سيف جدي ذَا الفقار وأومى إِلَيْهِ وَهُوَ إِلَى جنبه وَأَمرَنِي بِالْعَفو عَن النَّاس كَافَّة وَعَن أهل القيروان إِلَّا أَصْحَاب الْخُصُوص
وَتوجه من سوسة إِلَى القيروان فاستخلف بالقيروان مداما وَأمره أَلا يقطع دون القَاضِي مُحَمَّد بن أبي المنظور
стр. 32
وَتوجه إِلَى الْمغرب لأَرْبَع بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة ٣٣٥ فَنزل على ساقية ممس وأدركه هُنَاكَ عَسْكَر قدم عَلَيْهِ من برقة من آله فِيهِ جمَاعَة من وُجُوه كتامة وَفِيه بعض أهل الْمشرق فِي ألف فَارس وَمَعَهُمْ هَدِيَّة نجب وبخت وخيل وَغير ذَلِك
ونادى مُنَادِي إِسْمَاعِيل تِلْكَ اللَّيْلَة أَن لَا يَصْحَبهُ الزمني وَلَا الْجُبَنَاء فَانْصَرف جمَاعَة مِنْهُم تِلْكَ اللَّيْلَة من القيروان وَدفع عَن ساقية ممس وجعفر بن عَليّ الْحَاجِب على طلائعه فَنزل بوادي الرمل ورحل مِنْهُ إِلَى بِلَاد سبيبة فَفرق فِيهَا الأرزاق ورحل مِنْهَا إِلَى برنامجة وَمِنْهَا إِلَى ملاق ثمَّ توجه إِلَى
стр. 33
باغية فَلَمَّا قرب مِنْهَا ركب نجيبا وَتقدم إِلَيْهَا مَعَ طلائع عسكره فَخرج إِلَيْهِ أَهلهَا فهنوه ودعوا لَهُ وَكَانُوا قد أغلقوا أَبْوَاب مدينتهم فِي وَجه أبي يزِيد عِنْد انهزامه ومروره عَلَيْهِم فشكرهم على ذَلِك وَفرق فِي ضعفائهم دَرَاهِم كَثِيرَة وأنشده أَبُو يعلي الْمروزِي ... لقد تاهت بطلعتك الْغُرُوب ... كَمَا ابتهجت بدولتك الْقُلُوب
لقد زهت الْخلَافَة إِذْ حذاها ... نجيب رَاح يحملهُ النجيب ...
وَسَار إِسْمَاعِيل فَنزل بِموضع يُقَال لَهُ أَبُو حميل وَمِنْه إِلَى فحص طَاقَة وَمِنْه إِلَى مَدِينَة بلزمة وَمِنْه إِلَى مَدِينَة نقاوس وَإِلَى طبنة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا كَثِيرَة وَورد عَلَيْهِ كتاب
стр. 34
جَعْفَر بن عَليّ بن حمدون صَاحب المسيلة والزاب يخبر بمحبوس عِنْده ثأر بجبل أوراس وَاجْتمعت عَلَيْهِ قبائل كَثِيرَة من زواوة وصنهاجة وعجيسة فَأعْطى بطبنة الأرزاق ووسع على الرِّجَال وَأسْقط جمَاعَة من الزمني وَمن لم يرض صحبته وَرجع من طبنة فَأَتَاهُ جَعْفَر بن حمدون بهدية مِنْهَا خَمْسَة وَعِشْرُونَ فرسا وَمثلهَا نجباء وَأَرْبَعَة من النجباء وفارة شريفة موجهة
وَأَتَاهُ بالثائر الْمَذْكُور وَكَانَ غُلَاما أمردا جميلا مُقَيّدا رَاكِبًا جملا وعَلى رَأسه طرطور مشهر وَكَانَ من أهل القيروان من أَبنَاء الصاغة وَكَانَ ينظر كتب الصُّوفِيَّة ويقرؤها وَمَعَهُ أَرْبَعَة نفر مقيدين وجدهم جَعْفَر فِي بعض الْحُصُون الْمُجَاورَة لأوراس بِمن اتبع هَذَا الْغُلَام وَزعم أَنه الإِمَام الْقَائِم بِالْحَقِّ فَأمر إِسْمَاعِيل بسلخه حَيا وحشا جلده قطنا وَجعله فِي تَابُوت وَكَانَ يصلبه فِي كل مَوضِع يحل بِهِ وَكَذَلِكَ كَانَ يفعل بأمثاله
стр. 35
مِمَّن يُبَالغ فِي الانتقام مِنْهُ حَتَّى سمي السلاخ وَقطع أَيدي أَصْحَابه وأرجلهم وصلبهم وَقَالَ فِي ذَلِك أَبُو يعلى الْمروزِي ... يَا خير من وهب العهود بعهده ... وَحكى لنا بالعهد سيرة جده
عجبا لمعتوه حدثته نَفسه ... بوساوس فِيهَا شقاوة جده
عاداك وانسلخ الشقي من الْهدى ... حَتَّى أمرت بسلخه من جلده ...
وَسَار إِسْمَاعِيل فَنزل بسكرة ودخلها وانتقمها مرَارًا وَقتل قوما من اهلها وَفرق فِيهَا الأرزاق ورحل مِنْهَا إِلَى مقرة وحشد أَبُو يزِيد من بني زروال قبائل جبل سالات عددا كثيرا وجندا كَبِيرا وَجَاءَت لإسماعيل الْقَبَائِل من كل جِهَة واستنفرهم من كل وجهة واستمالهم بِالطَّعَامِ والكسي ووسع على كل
стр. 36
من جَاءَهُ وَأحسن إِلَى كل من أطاعه وَكَاتب زيري بن مُنَاد وماكسن بن سعد وَبعث إِلَيْهِمَا أَمْوَالًا جمة وثيابا جملَة وَمن الذَّهَب وَالْعين واللجين وَمن التحف والطرف مَا استمال بِهِ النُّفُوس واستلان بِهِ الْقُلُوب فَأَجَابَهُ وحشدا الجم الْغَفِير من صنهاجة وعجيسة ووصلا إِلَيْهِ بِكُل مَا قدرا عَلَيْهِ
وَنزل إِسْمَاعِيل المسيلة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا تعدل أعواما بِمَا فرق فِيهَا من الْأَمْوَال وسدد من الْأَحْوَال وجند من الْجنُود وعبأ من العساكر وجهز من الجيوش وَكتب إِلَى هوارة الَّذين كَانُوا بالغدير يَأْمُرهُم بِأخذ أبي عمار الْأَعْمَى وَأَصْحَابه وَكَانَت
стр. 37
قبل ذَلِك على أبي يزِيد هزيمَة عَظِيمَة بِموضع يعرف بِعَين السودَان بَين جبل كياتة فَانْهَزَمَ أَبُو يزِيد وتبدد أَصْحَابه فَأخذ يزِيد نَحْو صحراء مَدِينَة بني خزر وَأخذ أَبُو عمار الْأَعْمَى وَأَبُو مدكول الْأَعْمَى صَاحب آخر لَهُ نَحْو الغدير وَوجه مُحَمَّد بن خزر ابْنه يَعْقُوب إِلَى إِسْمَاعِيل وَهُوَ بالمسيلة فَأكْرمه وَحمله على فرس من مراكبه بسرج من سروجه ولجام من لجومه وَوَصله بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَتوجه إِسْمَاعِيل من المسيلة فِي طلب أبي يزِيد وَقد بلغه أَنه بجبل سالات وَهُوَ جبل وعر شامخ دونه قفر ومفاوز ورمال ودكادك لم يدخلهَا جَيش قطّ فَمشى أحد عشر يَوْمًا فِي تِلْكَ القفار والأوعار ثمَّ نزل بسفح الْجَبَل الْمَذْكُور وَأَتَاهُ أهل الْجَبَل مهطعين طائعين فَسَأَلَهُمْ عَن أبي يزِيد فَلم يجد عِنْدهم خَبرا عَنهُ فَأَمرهمْ إِن مر بهم رَاجعا أَن يأخذوه وَوَعدهمْ على ذَلِك بأموال ووصلهم فِي الْحَال وكر رَاجعا يُرِيد بِلَاد صنهاجة فَبَاتَ ليلته تِلْكَ هُوَ وَأَصْحَابه ودوابهم بِغَيْر علف وَلَيْسوا على مَاء وَلَا مَعَهم مَاء وَبَلغت الجرة تِلْكَ اللَّيْلَة ثَلَاثَة دَرَاهِم وشربة مَاء كَذَلِك وَمَات كثير من أَصْحَابه جوعا وعطشا وتراءت لَهُم نَار فِي سفح الْجَبَل
стр. 38
فَوجه من يتعرف خَبَرهَا فَإِذا هِيَ نَار أبي يزِيد وَأَصْحَابه فعزم أَن يصحبهم فَلَمَّا كَانَ الْغَد افترق عَنهُ أَصْحَابه وَاخْتلفت عَلَيْهِ كلمتهم فَقَالَ لَهُ جمهورهم يَا مَوْلَانَا أعظم الْفَتْح وَأجل الْغَنِيمَة التَّخَلُّص مِمَّا نَحن فِيهِ فَرَحل يُرِيد صنهاجة وأصابهم مطر عَظِيم من ثلج كَبِير فَمَنعهُمْ ذَلِك من ضرب الأخبية وَنصب الْأَبْنِيَة واشتعال النيرَان
وَنزل إِسْمَاعِيل فِي طرف صنهاجة فِي خباء لطارق الْفَتى ثمَّ توجه إِلَى حَائِط حَمْزَة هُنَاكَ وَفرق الأرزاق وأجزل العطايا وَوصل إِلَيْهِ زيري بن مُنَاد فِي عَسَاكِر صنهاجة فوصله وفضله وخلع عَلَيْهِ ثيابًا كَثِيرَة من لِبَاسه وَأَعْطَاهُ من الطّيب والطرائف الملوكية مَا لَا يُحِيط بِهِ الْوَصْف وَلَا يعمه الْحصْر وَحمله وَحمله وَحمل أولاه وَإِخْوَته وَبني عَمه ووجوه أَصْحَابه على الْخَيل الْعتاق بالسروج واللجم المحلاة بِالذَّهَب وَالْفِضَّة وأفاض عَلَيْهِم وعَلى كَافَّة صنهاجة الواصلين مَعَه الْأَمْوَال إفَاضَة استسلم بهَا قُلُوبهم واستخلص عيونهم فصفت نياتهم وخلصت طوياتهم وَحسنت فِيهِ معتقداتهم ورحل من حَائِط حَمْزَة فَنزل على وَادي لعلع فِي شعار كَذَلِك فَمَرض بِهِ نَحْو شَهْرَيْن وعميت عَلَيْهِ
стр. 39
أَخْبَار أبي يزِيد وعزم على الْمسير إِلَى تاهرت فَتوجه إِلَيْهَا وَبلغ أَبَا يزِيد ذَلِك فخالفه إِلَى المسيلة فحصرها واتصل الْخَبَر إِلَى إِسْمَاعِيل وكر رَاجعا فأغذ السّير وطوى المراحل وَوصل إِلَى الإدلاج والتأويب بالإنشاد فَلَمَّا قرب من أبي يزِيد ارْتَفع إِلَى جبل عقار وكياتة وَدخل إِسْمَاعِيل المسيلة فَأَقَامَ بهَا وَوجه مَسْرُورا إِلَى سطيف لاستنفار كتامة وَوجه خَفِيفا الْفَتى إِلَى مَيْلَة لمثل ذَلِك وَقتل هبتون بن مُحَمَّد الْكَاتِب وَكَانَ خرج مَعَ شِفَاء الْفَتى فبغى عَلَيْهِ وجاءه رَسُول الْخَيْر بن مُحَمَّد بن خزر الزناتي فِي نَحْو مائَة فَارس يُقَال إِنَّه أَقَامَ عودته بِمَدِينَة الأغواط وَغَيرهَا من عمله وَسَأَلَهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ بِالْخطْبَةِ وَالسِّكَّة ليضربها على اسْمه فَأكْرم رسله ووصلهم وجاوبه وَبعث إِلَيْهِ بِمَا طلب وَأمر أَن يَأْمر رفاق زناتة بالاختلاف إِلَى المسيلة والقيروان بالأطعمة والمرافق
стр. 40
وَكتب إِلَى مدام الْفَتى يَأْمُرهُ بِحِفْظ من وصل إِلَيْهِ من زناتة وَلَا يمنعهُم من شِرَاء السِّلَاح وَلَا يكلفهم قبالة وَلَا مغرما وَصَارَ أَبُو يزِيد محصورا فِي جبل كياته غير أَن الطَّعَام كَانَ عِنْده رخيصا كَانَت الرفاق تَأتيه بِهِ من سدراته وبطيوس وَهِي من بِلَاد بسكرة فَكتب إِسْمَاعِيل إِلَى رناتة يَأْمُرهُم بالإغارة على سدراتة والاستئصال لَهُم فَفَعَلُوا ذَلِك وقتلوهم وَسبوا حريمهم وانتهبوا أَمْوَالهم فتوقف النَّاس عَن الْمسير إِلَى أبي يزِيد بالأطعمة وَكَانَت بَين أبي يزِيد وَإِسْمَاعِيل وقْعَة بفحص باتنة وباتنة اسْمهَا الْقَدِيم باذنه مَدِينَة عَظِيمَة خربَتْ بَينهَا وَبَين المسيلة أثنا عشر ميلًا قتل فِيهَا من أَصْحَاب أبي يزِيد نَحْو عشرَة آلَاف بَين راجل وراكب أَكْثَرهم من بني كملان وزناته وَيعرف يَوْم هَذِه الْوَقْعَة بِيَوْم الرؤوس وَانْهَزَمَ أَبُو يزِيد وعقر فرسه وَسقط إِلَى الأَرْض فَقرب لَهُ أَصْحَابه فرسا آخر فَرَكبهُ فعقره تَحْتَهُ أَيْضا زيري بن مُنَاد وَسقط إِلَى الأَرْض فترجل إِلَيْهِ يُونُس ابْنه وَابْن أُخْت لَهُ وَجَمَاعَة من قرَابَته وَأَصْحَابه وجرح بَين كَتفيهِ وَبَين وركيه واستنقذه سَائِر أَصْحَابه عَن جهد جهيد وَبعد قتال شَدِيد وَكتب إِسْمَاعِيل إِلَى مدام بذلك كتابا فَقَرَأَ كِتَابه بالقيروان وَذكر فِي كِتَابه أَن رَسُول مُحَمَّد بن عَليّ بن الْجراح وَفضل بن الْعَبَّاس وصل إِلَيْهِ بكتابيهما وأنهما قاما بدعوته بالعراق
وَلحق أَبُو يزِيد بكياتة ورحل إِسْمَاعِيل من المسيلة غرَّة
следующие страницы →