← История

История · id 6625

أخبار بني عبيد

الصنهاجي

Полный текст (79 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من جَاءَهُ وَأحسن إِلَى كل من أطاعه وَكَاتب زيري بن مُنَاد وماكسن بن سعد وَبعث إِلَيْهِمَا أَمْوَالًا جمة وثيابا جملَة وَمن الذَّهَب وَالْعين واللجين وَمن التحف والطرف مَا استمال بِهِ النُّفُوس واستلان بِهِ الْقُلُوب فَأَجَابَهُ وحشدا الجم الْغَفِير من صنهاجة وعجيسة ووصلا إِلَيْهِ بِكُل مَا قدرا عَلَيْهِ وَنزل إِسْمَاعِيل المسيلة فَأَقَامَ بهَا أَيَّامًا تعدل أعواما بِمَا فرق فِيهَا من الْأَمْوَال وسدد من الْأَحْوَال وجند من الْجنُود وعبأ من العساكر وجهز من الجيوش وَكتب إِلَى هوارة الَّذين كَانُوا بالغدير يَأْمُرهُم بِأخذ أبي عمار الْأَعْمَى وَأَصْحَابه وَكَانَت

стр. 37

قبل ذَلِك على أبي يزِيد هزيمَة عَظِيمَة بِموضع يعرف بِعَين السودَان بَين جبل كياتة فَانْهَزَمَ أَبُو يزِيد وتبدد أَصْحَابه فَأخذ يزِيد نَحْو صحراء مَدِينَة بني خزر وَأخذ أَبُو عمار الْأَعْمَى وَأَبُو مدكول الْأَعْمَى صَاحب آخر لَهُ نَحْو الغدير وَوجه مُحَمَّد بن خزر ابْنه يَعْقُوب إِلَى إِسْمَاعِيل وَهُوَ بالمسيلة فَأكْرمه وَحمله على فرس من مراكبه بسرج من سروجه ولجام من لجومه وَوَصله بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَتوجه إِسْمَاعِيل من المسيلة فِي طلب أبي يزِيد وَقد بلغه أَنه بجبل سالات وَهُوَ جبل وعر شامخ دونه قفر ومفاوز ورمال ودكادك لم يدخلهَا جَيش قطّ فَمشى أحد عشر يَوْمًا فِي تِلْكَ القفار والأوعار ثمَّ نزل بسفح الْجَبَل الْمَذْكُور وَأَتَاهُ أهل الْجَبَل مهطعين طائعين فَسَأَلَهُمْ عَن أبي يزِيد فَلم يجد عِنْدهم خَبرا عَنهُ فَأَمرهمْ إِن مر بهم رَاجعا أَن يأخذوه وَوَعدهمْ على ذَلِك بأموال ووصلهم فِي الْحَال وكر رَاجعا يُرِيد بِلَاد صنهاجة فَبَاتَ ليلته تِلْكَ هُوَ وَأَصْحَابه ودوابهم بِغَيْر علف وَلَيْسوا على مَاء وَلَا مَعَهم مَاء وَبَلغت الجرة تِلْكَ اللَّيْلَة ثَلَاثَة دَرَاهِم وشربة مَاء كَذَلِك وَمَات كثير من أَصْحَابه جوعا وعطشا وتراءت لَهُم نَار فِي سفح الْجَبَل

стр. 38

فَوجه من يتعرف خَبَرهَا فَإِذا هِيَ نَار أبي يزِيد وَأَصْحَابه فعزم أَن يصحبهم فَلَمَّا كَانَ الْغَد افترق عَنهُ أَصْحَابه وَاخْتلفت عَلَيْهِ كلمتهم فَقَالَ لَهُ جمهورهم يَا مَوْلَانَا أعظم الْفَتْح وَأجل الْغَنِيمَة التَّخَلُّص مِمَّا نَحن فِيهِ فَرَحل يُرِيد صنهاجة وأصابهم مطر عَظِيم من ثلج كَبِير فَمَنعهُمْ ذَلِك من ضرب الأخبية وَنصب الْأَبْنِيَة واشتعال النيرَان وَنزل إِسْمَاعِيل فِي طرف صنهاجة فِي خباء لطارق الْفَتى ثمَّ توجه إِلَى حَائِط حَمْزَة هُنَاكَ وَفرق الأرزاق وأجزل العطايا وَوصل إِلَيْهِ زيري بن مُنَاد فِي عَسَاكِر صنهاجة فوصله وفضله وخلع عَلَيْهِ ثيابًا كَثِيرَة من لِبَاسه وَأَعْطَاهُ من الطّيب والطرائف الملوكية مَا لَا يُحِيط بِهِ الْوَصْف وَلَا يعمه الْحصْر وَحمله وَحمله وَحمل أولاه وَإِخْوَته وَبني عَمه ووجوه أَصْحَابه على الْخَيل الْعتاق بالسروج واللجم المحلاة بِالذَّهَب وَالْفِضَّة وأفاض عَلَيْهِم وعَلى كَافَّة صنهاجة الواصلين مَعَه الْأَمْوَال إفَاضَة استسلم بهَا قُلُوبهم واستخلص عيونهم فصفت نياتهم وخلصت طوياتهم وَحسنت فِيهِ معتقداتهم ورحل من حَائِط حَمْزَة فَنزل على وَادي لعلع فِي شعار كَذَلِك فَمَرض بِهِ نَحْو شَهْرَيْن وعميت عَلَيْهِ

стр. 39

أَخْبَار أبي يزِيد وعزم على الْمسير إِلَى تاهرت فَتوجه إِلَيْهَا وَبلغ أَبَا يزِيد ذَلِك فخالفه إِلَى المسيلة فحصرها واتصل الْخَبَر إِلَى إِسْمَاعِيل وكر رَاجعا فأغذ السّير وطوى المراحل وَوصل إِلَى الإدلاج والتأويب بالإنشاد فَلَمَّا قرب من أبي يزِيد ارْتَفع إِلَى جبل عقار وكياتة وَدخل إِسْمَاعِيل المسيلة فَأَقَامَ بهَا وَوجه مَسْرُورا إِلَى سطيف لاستنفار كتامة وَوجه خَفِيفا الْفَتى إِلَى مَيْلَة لمثل ذَلِك وَقتل هبتون بن مُحَمَّد الْكَاتِب وَكَانَ خرج مَعَ شِفَاء الْفَتى فبغى عَلَيْهِ وجاءه رَسُول الْخَيْر بن مُحَمَّد بن خزر الزناتي فِي نَحْو مائَة فَارس يُقَال إِنَّه أَقَامَ عودته بِمَدِينَة الأغواط وَغَيرهَا من عمله وَسَأَلَهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ بِالْخطْبَةِ وَالسِّكَّة ليضربها على اسْمه فَأكْرم رسله ووصلهم وجاوبه وَبعث إِلَيْهِ بِمَا طلب وَأمر أَن يَأْمر رفاق زناتة بالاختلاف إِلَى المسيلة والقيروان بالأطعمة والمرافق

стр. 40

وَكتب إِلَى مدام الْفَتى يَأْمُرهُ بِحِفْظ من وصل إِلَيْهِ من زناتة وَلَا يمنعهُم من شِرَاء السِّلَاح وَلَا يكلفهم قبالة وَلَا مغرما وَصَارَ أَبُو يزِيد محصورا فِي جبل كياته غير أَن الطَّعَام كَانَ عِنْده رخيصا كَانَت الرفاق تَأتيه بِهِ من سدراته وبطيوس وَهِي من بِلَاد بسكرة فَكتب إِسْمَاعِيل إِلَى رناتة يَأْمُرهُم بالإغارة على سدراتة والاستئصال لَهُم فَفَعَلُوا ذَلِك وقتلوهم وَسبوا حريمهم وانتهبوا أَمْوَالهم فتوقف النَّاس عَن الْمسير إِلَى أبي يزِيد بالأطعمة وَكَانَت بَين أبي يزِيد وَإِسْمَاعِيل وقْعَة بفحص باتنة وباتنة اسْمهَا الْقَدِيم باذنه مَدِينَة عَظِيمَة خربَتْ بَينهَا وَبَين المسيلة أثنا عشر ميلًا قتل فِيهَا من أَصْحَاب أبي يزِيد نَحْو عشرَة آلَاف بَين راجل وراكب أَكْثَرهم من بني كملان وزناته وَيعرف يَوْم هَذِه الْوَقْعَة بِيَوْم الرؤوس وَانْهَزَمَ أَبُو يزِيد وعقر فرسه وَسقط إِلَى الأَرْض فَقرب لَهُ أَصْحَابه فرسا آخر فَرَكبهُ فعقره تَحْتَهُ أَيْضا زيري بن مُنَاد وَسقط إِلَى الأَرْض فترجل إِلَيْهِ يُونُس ابْنه وَابْن أُخْت لَهُ وَجَمَاعَة من قرَابَته وَأَصْحَابه وجرح بَين كَتفيهِ وَبَين وركيه واستنقذه سَائِر أَصْحَابه عَن جهد جهيد وَبعد قتال شَدِيد وَكتب إِسْمَاعِيل إِلَى مدام بذلك كتابا فَقَرَأَ كِتَابه بالقيروان وَذكر فِي كِتَابه أَن رَسُول مُحَمَّد بن عَليّ بن الْجراح وَفضل بن الْعَبَّاس وصل إِلَيْهِ بكتابيهما وأنهما قاما بدعوته بالعراق وَلحق أَبُو يزِيد بكياتة ورحل إِسْمَاعِيل من المسيلة غرَّة

стр. 41

شهر رَمَضَان يَوْم الْجُمُعَة سنة ٣٣٥ فَنزل بِموضع يعرف بالناظور وَهُوَ مَوضِع مَعْرُوف بأروسن من جنَّات القلعة محاصرا لأبي يزِيد ثمَّ صعد يَوْم السبت الثَّانِي من رَمَضَان إِلَى جبل كياتة وَصعد فِي وعر بَين صخور وَمَشى فِيهَا رَاجِلا فِي أَمَاكِن كَثِيرَة فَكَانَت بَينه وَبَين أبي يزِيد وقْعَة عَظِيمَة تعرف بوقعة الْحَرِيق وأحرق فِيهَا إِسْمَاعِيل أخصاصا كَثِيرَة لأَصْحَاب أبي يزِيد وَقتل مِنْهُم عددا كثيرا ثمَّ انْهَزمُوا فِي آخر النَّهَار وسبى إِسْمَاعِيل نِسَاءَهُمْ وذراريهم وَأخذ لَهُم من الْخَيل وَالْجمال وصنوف الْحَيَوَان مَا يفوت الإحصاء ويستغرق الِاسْتِقْصَاء وارتفع أَبُو يزِيد وَدخل قلعة كياتة وَهِي تاقربوست المطلة على قلعة حَمَّاد

стр. 42

وَرجع إِسْمَاعِيل على الناظور وَبعث قَيْصر الْفَتى وزيري بن مُنَاد الصنهاجي فِي جمع كثير إِلَى أهل غديروان وَهِي الْمُتَقَدّمَة ذكرهَا وَهِي على نَحْو الْخَمْسَة عشر ميلًا من القلعة من الْجِهَة الشرقية وَكَانَ بناها وسورها لبني حَمَّاد مَمْلُوك لَهُم رومي يُقَال لَهُ بونياس فَقَتلهُمْ وَسبي ذَرَارِيهمْ وأحرق دِيَارهمْ وَأَظنهُ نقم عَلَيْهِم أَبَا عمار الْأَعْمَى وَأَصْحَابه ثمَّ سَار قَيْصر إِلَى قلعة المري وَهِي قلعة كياتة بجبل القلعة وجبل القلعة مَعْرُوف وَهَذَا الِاسْم لَهُ كَالْعلمِ الْمَوْقُوف وسمتها البربر المري وَإِنَّمَا هُوَ الْمرْآة كَانَت مَنْصُوبَة عَلَيْهَا فِي الزَّمَان الأول فَنزل إِلَيْهِ أَهلهَا بِأَمَان ثمَّ توجه إِلَى أوسجيت وَهِي بسفح جبل القلعة وَهِي من جِهَة الشمَال مِمَّا يَلِي بِلَاد عجيسة فَهَرَبُوا مِنْهُ وصاروا مَعَ أبي يزِيد ثمَّ توجه إِلَى بني عَوْسَجَة وَهِي من عجيسة فَقَاتلهُمْ فِي وعر شَدِيد وجبال متمنعة حَتَّى تغلب عَلَيْهِم وَتمكن مِنْهُم وَحَارب قلعة تناكر وَتقول البربر للموضع الْآن شيكر فاستأمنوا إِلَيْهِ ثمَّ نَهَضَ إِلَى كياتة فَكَانَ قَيْصر هَذَا يقاتلها من جِهَة غربها وَإِسْمَاعِيل يقاتلها من جِهَة شرقها وَجَاء الْفطر فصلى إِسْمَاعِيل وخطب على مَا تقدم وَتَمَادَى على حِصَار أبي يزِيد وحفر خَنْدَقًا حول

стр. 43

مُعَسْكَره بِأَسْفَل جبل كياتة وَهُوَ الَّذِي يُسمى الْآن خَنْدَق الديباج لأخبية ديباج كَانَ إِسْمَاعِيل ظهر بهَا فِي ذَلِك الْمَكَان وَبنى تنورا كَبِيرا وأضرمه نَارا وعلق عَلَيْهِ بكرَة فَإِذا أَخذ أحدا من البربر علقَة برجليه إِلَى البكرة ثمَّ مالاه فِي التَّنور إِلَى مَوضِع يَنَالهُ حر النَّار فِيهِ فَإِذا أشرف على الْمَوْت روح شَيْئا فَإِذا رجعت إِلَيْهِ نَفسه أَعَادَهُ حَتَّى يَمُوت وَعمل ففصا من خشب وَأدْخل فِيهِ قردين ذكرا وَأُنْثَى وَقَالَ لأَصْحَابه لَا بُد من مخلد بن كيداد من دُخُول هَذَا القفص ومقارنته فِيهِ مَعَ هذَيْن القردين ونصبه قبالة أبي يزِيد فَقَالَ مُحَمَّد بن الْمُنِيب فِي ذَلِك ... حل الْبلَاء بمخلد ... وَجَمِيع شيعته النواكر أَمْسَى بِأَرْض كياتة ... قد بَان مِنْهُ كل نَاظر يرنو بِطرف خاشع ... نظر المحاصر للمحاصر يرنو إِلَى عدد الْحَصَى ... والرمل من تِلْكَ العساكر يَا مخلد ابْن سبيكة ... يَا شَرّ بَيت فِي العشائر ذُقْ مَا جنته يداك قبل ... من الْكَبَائِر والصغائر ذُقْ هول شقك للبطون ... وَمَا ارتكبت من الجرائر ياشر من بكياتة ... وكياتة شَرّ البرابر انْظُر إِلَى القفص الَّذِي ... لَا بُد فِيهِ أَنْت صائر ...

стр. 44

.. وَانْظُر إِلَى أيديك فِيهِ ... ومؤنسيك وَمن تجاور قد طَال شوقهما إِلَيْك ... فزرهما ياشر زائر ... وَكتب إِسْمَاعِيل إِلَى أبي يَعْقُوب بن خَلِيل فَأَتَاهُ بِخَمْسَة وَعشْرين مركبا وَوصل بهَا إِلَى مُوسَى الدَّجَاج وَتَمَادَى على حِصَار أبي يزِيد ومحاربته وَكَانَ يَقُول دَار ملكي منزلتي ومحاربتي أَيْن مَا كنت من الْبِلَاد حَتَّى يقطع الحابي الْفساد وزحف إِلَى قلعة كياتة يَوْم الْأَحَد من الْمحرم سنة ٣٣٦ وصعدت العساكر بَين يَدَيْهِ من الزريليين وَغَيرهم فأحاطت بِأبي يزِيد وَأَصْحَابه وَكَانَت بَينهم حروب كَبِيرَة عَظِيمَة من أول النَّهَار إِلَى آخِره فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل أشعل إِسْمَاعِيل النيرَان وَتَمَادَى على الْحَرْب فَخرج أَبُو يزِيد وَمن مَعَه فحملوا حَملَة رجل وَاحِد فَقتل أَكْثَرهم وتخلص أَبُو يزِيد بحرحين على جَبهته وترقوته إِلَى أَسْفَل الْجَبَل وأحاط إِسْمَاعِيل بالقلعة وتغلب عَلَيْهَا ودخلها وألفى بهَا عمار الْأَعْمَى وَجَمَاعَة من وُجُوه النكار فَضرب أَعْنَاقهم تِلْكَ اللَّيْلَة وَلما أصبح يَوْم الْأَحَد أَمر بِطَلَب أبي يزِيد فَلم يُوجد واغتم بذلك وَأمر بِطَلَبِهِ فَأَصَابَهُ قوم من الزويليين فِي بعض شعاب الْجَبَل الْمُسَمّى بِهِ الَّذِي تقدم ذكره فأرادوا قَتله فَلم يعرفوه فعرفهم بِنَفسِهِ فَأَعْطَاهُمْ مَالا كثيرا كَانَ مَعَه وخاتمه وثيابه فَتَرَكُوهُ

стр. 45

ووجده آخَرُونَ فَأتوا بِأبي يزِيد إِلَى إِسْمَاعِيل فَأَعْطَاهُمْ ألف دِينَار وَأعْطى جمَاعَة آخَرين ادعوا أَخذه عشْرين مِثْقَالا فَقَالَ لأبي يزِيد مَا حملك على مَا فعلت فَقَالَ أردْت أمرا فأباه الله فَكَسَاهُ وَأمر بمداراته وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ طَمَعا أَن يصل بِهِ إِلَى القيروان فَكَانَ عِنْد جَعْفَر الْحَاجِب إِلَى أَن مَاتَ من جراحه يَوْم الْخَمِيس لليلة بقيت من محرم وَقيل إِن الدَّم نزفه وَهُوَ يكلم إِسْمَاعِيل فَمَاتَ بَين يَدَيْهِ فَأمر إِسْمَاعِيل بسلخه وحشو جلده قطنا وخيطت وصاله حَتَّى تمت جثته وَصَارَ كَأَنَّهُ نَائِم وقدد لَحْمه وملح وَأمر بِحمْل جَمِيع ذَلِك وَبعث برؤس الْقَتْلَى وبكتاب إِلَى مدام الْفَتى فَقَرَأَ الْكتاب على الْمِنْبَر وطوفت الرؤس بالقيروان وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي سلخ أبي يزِيد ... أما النِّفَاق فقد نسخ ... وَأَبُو الْكَبَائِر قد سلخ كَانَ الفويسق مخلد ... فَردا وَلَكِن قد مسخ لَو قد رَأَيْت مَحَله ... وَبَنُو الحداية تسطرخ لرأيت مَا عقد اللعين ... بلطف رَبك قد فسخ ...

стр. 46

وَقَالَ من قصيدة ... فسلخته من جلده ... وحشوته حَشْو المزاود وضربته مثلا يسير ... فِي الْأَقَارِب والأباعد وَردت بِهِ أطماعه ... وظنونه شَرّ الْمَوَارِد ... ثمَّ انْصَرف إِسْمَاعِيل إِلَى المسيلة وَتوجه مِنْهَا إِلَى تاهرت يَوْم الثُّلَاثَاء لست بَقينَ من صفر من هَذِه السّنة فَلَمَّا وصل إِلَيْهَا أَمر بنبش عِظَام مصالة وَفضل بن حبوس وأحرقها بالنَّار وأحرق مِنْبَر جَامعهَا لكَونه خطب عَلَيْهِ لعبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَأقَام بهَا أَيَّامًا وَولى عَلَيْهَا وَانْصَرف إِلَى القيروان بعد أَن كتب كتابا قرئَ بالقيروان أَن وَالِده الْقَائِم بِأَمْر الله كَانَ توفّي فِي شَوَّال سنة ٣٣٤ وَأَنه ستر ذَلِك من أجل الْحَرْب وَلِئَلَّا يسر بذلك الدَّجَّال اللعين مخلد ابْن كيداد وَأمر أَن يُسمى هُوَ الْمَنْصُور بِأَمْر الله وَأَن يكْتب ذَلِك فِي الطرز ثمَّ وصل إِلَى إفريقية وَوصل كِتَابه إِلَى قرطاجنة يَوْم السبت لسبع بَقينَ من جُمَادَى الْأَخِيرَة يخبر بقدومه فقرئ على الْمِنْبَر

стр. 47

وأخرجت إِلَيْهِ الطبول والبنود والنجائب فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْخَمِيس لليلتين بَقِيَتَا من هَذَا الشَّهْر خرج القَاضِي مُحَمَّد بن أبي المنظور فِي جمَاعَة من وُجُوه القيروان فتلقوه وسلموا عَلَيْهِ وهنوه بِالْفَتْح وَوصل إِلَى قصره بصبرة وَصلى صَلَاة الظّهْر من هَذَا الْيَوْم وَدخل من بَاب الْفتُوح وَعَلِيهِ ثوب ديباج سفر جلي مصمت فَلَمَّا انْتهى إِلَى مَجْلِسه وَنزل سجد لله وَلما كَانَ يَوْم الْجُمُعَة يَوْم وُصُوله جلس فِي مَجْلِسه وَدخل عَلَيْهِ القَاضِي فأدناه وقربه وَأَجْلسهُ وَأذن للنَّاس كَافَّة فَدَخَلُوا عَلَيْهِ أَفْوَاجًا وسلموا عَلَيْهِ وهنوه بالقدوم وَالْفَتْح ونهض من مَجْلِسه فحجب النَّاس وَصعد إِلَى قبَّة مشرفة فَجَلَسَ فِيهَا مَعَ خاصته وَأمر بِأبي يزِيد فَأخْرج من تَابُوت كَانَ فِيهِ وألبس قَمِيصًا وقلنسوة بَيْضَاء وأركب جملا وَأَرْدَفَ خَلفه من يمسِكهُ وألصق إِلَى جنبه عودان وربط إِلَيْهِمَا وَجعل عَلَيْهِمَا قردان قد علما فَكَانَا يصفعانه ويعبثان بلحيته وَأخرج من صبرَة من الْبَاب الشَّرْقِي فطوف بالقيروان وبصبرة

стр. 48

ثمَّ صرف إِلَى التابوت وَفِي هَذَا الْيَوْم قدم عَلَيْهِ صَاحب القستطينية مَعَ السرد عوس فِي نَحْو ثَلَاثمِائَة رجل وظفر بِفضل بن أبي يزِيد وَقد حشد واحتفل فَخرج إِلَيْهِ إِسْمَاعِيل فَهَزَمَهُ وهد رُكْنه وهدمه وَرجع وَدخل صبرَة وَبَنوهُ واخوته يَمْشُونَ بَين يَدَيْهِ وَقرب إِلَيْهِ ولد صَغِير فَأَخذه من الْفَتى وَجعله فِي السرج قدامه حَتَّى دخل عَلَيْهِ من بَاب وَعَلِيهِ ثوب فرفري أَبيض بصنائف عراض وعَلى كمية مثل ذَلِك وَهُوَ متوشح بخز أَحْمَر وَبِيَدِهِ الْيُسْرَى رمح وَهُوَ يسلم على النَّاس بِالْيَمِينِ وَبعد ذَلِك توجه إِلَى المهدية بأَهْله وَإِخْوَته وَأطلق من الْحَبْس عشْرين رجلا من بقايا بني الْأَغْلَب وَوصل كلا مِنْهُم بِعشْرين مِثْقَالا ونفاهم إِلَى مصر وَفِي يَوْم السبت لثلاث عشرَة بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة ٣٣٦ طيف بالقيروان بِرَأْس الْفضل بن أبي يزِيد

стр. 49

بعث بِهِ باطيط بن يعلى الزناتي مَعَ وَلَده وَكَانَ قَتله إِيَّاه غدرا بجوار باغية فَأعْطى ولد باطيط ألف مِثْقَال وَوَصله وَحمله وَوصل أَصْحَابه وَبعث بِرَأْس فضل وجثة أَبِيه أبي يزِيد إِلَى صقيلية مَعَ حُسَيْن بن عَليّ بن أبي الْحُسَيْن فَعَطب الموكب وَذهب رَأس فضل وطفت جثة أبي يزِيد على المَاء فَردَّتْ إِلَى المهدية وصلبت على مجْرى الخابية وَفِي هَذِه السّنة مَاتَ القَاضِي مُحَمَّد بن أبي الْمَنْصُور بن حسان الأندلسي الْأنْصَارِيّ وفيهَا انْصَرف إِسْمَاعِيل من المهدية إِلَى صبرَة فاستوطنها وسماها المنصورية وَاسْتقر إِسْمَاعِيل بالقيروان فصلى بهم رَكْعَة ثمَّ كبر وَقَامَ إِلَى الثَّانِيَة فَكبر خمْسا ثمَّ صعد إِلَى الْمِنْبَر فحول رِدَاءَهُ وحول وَجهه إِلَى الْقبْلَة وَكبر مائَة تَكْبِيرَة ثمَّ حول وَجهه إِلَى الْيَمين فسبح مائَة تَسْبِيحَة ثمَّ حول وَجهه إِلَى الْيَسَار فهلل مائَة تَهْلِيلَة ثمَّ استدبر

стр. 50

الْقبْلَة فَخَطب خطبتين فَجَلَسَ بَينهمَا ودعا وَانْصَرف وَذكر أَنَّهَا صَلَاة أهل الْبَيْت ﵈ وَفِي سنة ٣٣٣ زحف يزِيد بن أبي يزِيد إِلَى باغية مُحَاربًا لَهَا وَانْهَزَمَ عَنْهَا وفيهَا قتل أَيُّوب بن أبي يزِيد بعد انْصِرَافه من الأندلس وَكَانَ وَفد على عبد الرحمان ابْن مُحَمَّد فَقتله عبد الله بن بكار غيلَة وفيهَا استأ من بَنو كملان بِإِسْمَاعِيل فَأَمنَهُمْ على سُكْنى عِيَالهمْ بالقيروان وَفِي سنة ٣٤٠ توفّي أَبُو كنَانَة بن أبي الْقَاسِم بن عبد الله وفيهَا طهر إِسْمَاعِيل أَوْلَاده وطهر مَعَهم ألف صبي من أهل القيروان من أبنائهم وكساهم وَأَعْطَاهُمْ مَا يُنْفقُونَ وَأمر كتامة أَن يطهروا أَوْلَادهم وَتُوفِّي إِسْمَاعِيل يَوْم الْجُمُعَة سلخ شَوَّال سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلاثمائة أَو سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَكَانَت ولَايَته سبع سِنِين وَسَبْعَة عشر

стр. 51

يَوْمًا مرض بإسهال من فرحة كبده وَخلف خَمْسَة ذُكُور وحاجبه جَعْفَر بن عَليّ وقضاته أَحْمد بن الْوَلِيد ثمَّ مُحَمَّد بن أبي المنظور ثمَّ عبد الله بن هَاشم

стр. 52

الْمعز هُوَ معد بن تَمِيم ولد بالمهدية يَوْم الِاثْنَيْنِ فِي رَمَضَان سنة ٣١٩ وَولي وَله اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سنة وَكَانَ هوارة هم الَّذين قَامُوا بِأبي يزِيد وَلم يزَالُوا قائلين لأبي عبيد مقيمين على حربهم وَالْخلاف فَخرج الْمعز فِي جَيش عَظِيم إِلَى جبل أوراس فَلَمَّا سمعُوا بِخُرُوجِهِ جمعُوا لَهُ بسفح غزالة على مقربة من مَدِينَة باغية فَلَمَّا وصل الأوراس جهز بلكين بن زيري بن مُنَاد وَوَجهه إِلَيْهِم وَرجع هُوَ إِلَى القيروان فَهَزَمَهُمْ بلكين وَفرق جموعهم وشتتهم فتمزقوا أيادي سبأ وتبددوا فِي بِلَاد الزاب وَغَيرهَا وَمِنْهُم من وصل إِلَى بِلَاد السودَان فَأَقَامَ بهَا فَمَا التقى رائح مِنْهُم بمبتكر وَتُوفِّي كافور

стр. 53

الإخشيدي بِمصْر سنة ٣٥٦ وَقدم الْمعز الْقَائِد أَبَا الْحسن جوهرا الْكَاتِب مولى أَبِيه إِسْمَاعِيل الْمَنْصُور إِلَى مصر وجوهر هَذَا رومي جلبه خَادِم يعرف بصابر ثمَّ انْتقل إِلَى خَادِم يعرف بجزان ثمَّ انْتقل إِلَى الْخَادِم خَفِيف فوهبه إِلَى الْمَنْصُور فَتوجه إِلَى مصر فافتتحها وَكَانَ فَتحه لَهَا يَوْم الثُّلَاثَاء لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من شعْبَان سنة ٣٥٨ وهرب أَعْيَان الإخشيدية من مصر إِلَى الشَّام قبل وُصُول جَوْهَر وأقيمت الدعْوَة للمعز فِي يَوْم الْجُمُعَة لعشرين من شعْبَان بالجامع الْعَتِيق ودعا لَهُ أَبُو مُسلم الْعلوِي بِالْمَدِينَةِ وَسَار جَعْفَر بن فلاح إِلَى الشَّام فَقبض على الْحُسَيْن بن عبيد الله وأنفذه إِلَى جَوْهَر ثمَّ أنفذه جَوْهَر مَعَ جمَاعَة من الإخشيدية بقوا بِمصْر إِلَى الْمعز مَعَ وَلَده جَعْفَر وَمَعَهُ هَدِيَّة فِي سنة ٣٥٩ وَفِي يَوْم الْجُمُعَة الثَّانِي من جُمَادَى الأولى سنة ٣٥٩ رَاح الْقَائِد جَوْهَر إِلَى جَامع ابْن طولون وَأذن المؤذنون وخطب عبد السَّمِيع العباسي وقنت

стр. 54

عبد السَّمِيع قبل الرُّكُوع وَسجد وَنسي الرُّكُوع فصاح على ابْن الْوَلِيد قَاضِي عَسْكَر جَوْهَر بطلت الصَّلَاة أعد ظهرا أَرْبعا ثمَّ أذن بحي على خير الْعَمَل بالجامع الْعَتِيق لأَرْبَع بَقينَ من جُمَادَى الأولى وجهر فِي الصَّلَاة بالبسملة وَكتب جَوْهَر إِلَى أهل الرِّيف والصعيد بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من عبد أَمِير الْمُؤمنِينَ جَوْهَر لجَماعَة أهل الرِّيف والصعيد هَذَا أَمَان لكم على أَنفسكُم وَأَمْوَالكُمْ وَأَوْلَادكُمْ من أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمعز لدين الله لتقرؤه وتقفوا على مَا فِيهِ من جميل رَأْي أَمِير الْمُؤمنِينَ لكم وَحسن نظره إِلَيْكُم وتحمدوا الله تَعَالَى على أَمْوَالكُم وتشكروه وتسارعوا إِلَى الطَّاعَة العاصمة لكم العائدة بالسعادة المفضية إِلَى السَّلامَة بكم وَلم يرد بِإِخْرَاج هَذِه العساكر المنصورة والجيوش المظفورة الإمامية إِلَّا إعزازكم وحمايتكم وَالْجهَاد عَنْكُم إِذْ تخطفتكم الْأَيْدِي واستمال عَلَيْكُم من طمعت نَفسه الاقتدار عَلَيْكُم فَشَمَلَ الْمُسلمين الذل واتصل عِنْدهم الْخَوْف وَكَثُرت استغاثتهم وَعلا صراخهم وأبكى عينه مَا نالهم وأسهرها مَا حل بهم ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ يَرْجُو من الله بفضله عَلَيْهِ وإحسانه الْجَمِيل إِلَيْهِ وَمَا عوده وأجراه عَلَيْهِ استنقاذهم من الذل الْمُقِيم وَالْعَذَاب الْأَلِيم وَأَن يُؤمن

стр. 55

من استولى عَلَيْهِ الوهل ويفرج فزع من لم يزل فِي خوف ووجل وإجراء إِقَامَة الْحَج الَّذِي تعطل وإهمال الْعباد فروضه وحقوقه للخوف المستولى عَلَيْهِم إِذْ لَا يأمنون على أنفسهم وَلَا على أَمْوَالهم واعتماده لإِصْلَاح الطرقات وَنفي الْفساد مِنْهَا وَقطع عَبث العابثين فِيهَا لينصرف النَّاس آمِنين وينبسطوا مُطْمَئِنين وليتخلفوا إِلَى مَدِينَة مصر بالأطعمة والأقوات إِذْ كَانَ قد انْتهى إِلَيْهِ إِفْسَاد القرامطة لعنهم الله فِي الأَرْض وبغيهم بِغَيْر الْحق وَلم يقم للْمُسلمين نَاصِر وَلَا أعانهم قاهر على من أذلّهم وَإِذ لَا زاجر للمتعدين وَلَا قامع للظالمين وَقد أَمر بتحويل السِّكَّة وردهَا إِلَى الْعيار الَّذِي عَلَيْهِ السِّكَّة الميمونة الْمُبَارَكَة وَقطع الْغِشّ مِنْهَا ثمَّ مَا عهد بِهِ سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ من نشر الْعدْل وَبسط الْحق وَرفع الظُّلم وَقطع الْعدوان وَنفي الْأَذَى والمساواة فِي الْحق وإعانة الْمَظْلُوم وقمع الظَّالِم وَأَن أحكم فِي الْمَوَارِيث على كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ وَأَمرَنِي أَن أَضَع مَا كَانَ يُؤْخَذ

стр. 56

من تَرِكَة مَوْتَاكُم لبيت المَال من غير وَصِيَّة للمتوفى وَلَا استتحقاق وتصييرها إِلَى بَيت المَال وَأَن أتقدم فِي رسم مَسَاجِدكُمْ وتنزيهها وتزيينها بالفرش وَإِعْطَاء مؤذنيها وقومتها وَمن يؤم فِيهَا أَرْزَاقهم وإدرارها عَلَيْهِم وَلَا أقطعها عَنْهُم وَلَا أدفعها إِلَى بَيت المَال وَإِقَامَة من شَاءَ على مِلَّته إِذْ كَانَ الْإِسْلَام سنة وَاحِدَة وَشَرِيعَة متبعة وَأَن تبقوا على مَا كُنْتُم عَلَيْهِ من أَدَاء الْفُرُوض فِي الْعلم والاجتماع عَلَيْهِ فِي جوامعكم ومساجدكم على مَا كَانَ عَلَيْهِ سالف الْأمة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بعدهمْ وفقهاء الْأَمْصَار الَّذين جرت الْأَحْكَام بمذاهبهم وَأَن تجْرِي فروض الْأَذَان وَالصَّلَاة وَالصِّيَام لشهر رَمَضَان وفطره وَالزَّكَاة وَالْحج وَالْجهَاد على أَمر الله فِي كِتَابه وَسنة نبيه ﷺ وإجراء أهل الذِّمَّة على مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَلكم أَمَان الله التَّام الْعَام الدَّائِم الْمُتَّصِل الشَّامِل الْكَامِل المتجدد المديد على مُرُور اللَّيَالِي وَالْأَيَّام وتكرر الأعوام فِي أَنفسكُم وأهليكم ونعمكم وَأَمْوَالكُمْ ورباعكم وضياعكم وقليلكم وكثيركم لَا يتَعَرَّض عَلَيْكُم متعرض وَلَا يتعقب عَلَيْكُم متعقب وعَلى أَنكُمْ تحرسون ويذب عَنْكُم وَيمْنَع مِنْكُم من يُرِيد أذاكم وَلَا يسامح أحد فِي الاعتداء عَلَيْكُم وَلَا يتْرك إِلَى الاستطالة على قُلُوبكُمْ مظلا على ضعيفكم وَلَا أَزَال مُجْتَهدا فِيمَا يعمكم صَلَاحه ويشملكم نَفعه ويتصل بكم خَيره وتتعرفون بركته وتغتبطون بِطَاعَة سيدنَا ومولانا أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 57

وَعَلَيْكُم الْوَفَاء مَا ألزمته نَفسِي وأعطيكم بِهِ عهد الله وغليظ ميثاقه وذمته وَذمَّة نَبينَا مُحَمَّد مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا ﷺ وَرُسُله وَذمَّة الْأَئِمَّة موالينا أُمَرَاء الْمُؤمنِينَ فَدس الله أَرْوَاحهم وَذمَّة مَوْلَانَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه الله تَعَالَى فتخرجون إِلَيّ وتسلمون عَليّ وتكونون بَين يَدي إِلَى أَن أعبر الجسر وَأنزل فِي المناخ الْمُبَارك وتحافظون على الطَّاعَة وتبادرون وتسارعون إِلَى فروضها وَلَا تخذلوا وليا بمولانا وَسَيِّدنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَا تنصرُوا لَهُ عدوا وتقيمون على مَا عهدتم عَلَيْهِ وفقكم الله وأرشدكم أَجْمَعِينَ وَكتب هَذَا الْأمان فِي شعْبَان سنة ٣٥٨ وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا قَالَ جَوْهَر الْكَاتِب مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمعز لدين الله كتبت هَذَا الْأمان على مَا نفذ بِهِ أَمر مَوْلَانَا وَسَيِّدنَا أَمِير الْمُؤمنِينَ على الْوَفَاء بِجَمِيعِهِ لمن أجَاب من أهل الْبَلَد وَغَيرهم إِلَى مَا شَرط فِيهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَكتب جَوْهَر الْمَذْكُور فِيهِ وَأشْهد فِيهِ الشُّهُود وَبنى جَوْهَر الْقَاهِرَة وسماها بِهَذَا الِاسْم وَوصل الْمعز إِلَى الأسكندرية لست بَقينَ من شعْبَان سنة ٣٦٢ هـ وَتوجه إِلَيْهِ من مصر القَاضِي وَالشُّهُود والأعيان وَاسْتقر بقصره بِالْقَاهِرَةِ يَوْم الثُّلَاثَاء السَّابِع من شهر رَمَضَان سنة ٣٦٣ هـ

стр. 58

وَكَانَ جَوْهَر قد هيأ لَهُ هَدِيَّة وتلقاه بهَا وَهِي أَرْبَعَة أقفاص منحوتة من عود محكمَة الصَّنْعَة بحلية من فضَّة بمسامير فضَّة يحمل كل قفص مِنْهَا أَرْبَعَة رجال فِيهَا أواني ذهب وَفِضة وَيتبع ذَلِك أَرْبَعَة خدم يحمل كل وَاحِد مِنْهُم خَمْسَة أسياف بحمائل إبريسم محلاة بِالذَّهَب وخادمان بأيدهما أدراج فضَّة فِيهَا خَوَاتِم فضَّة فصوصها يَوَاقِيت وجوهر كثير وَغُلَام يحمل غلاف خيزران فِيهِ تَاج مرصع والمعز أول من تتوج مِنْهُم وَفِيه يَقُول ابْن الأندلسي ... وَعند ذِي التَّاج بيض المكرمات وَمَا ... عِنْدِي لَهُ غير تمجيد وتحميد ... وتسع من النوق عَلَيْهَا أجلة ديباج ملونة وَثَلَاثُونَ قبَّة على ثَلَاثِينَ نَاقَة بمناطقها ولبها ومقاودها وأثفارها فضَّة على كل نَاقَة مِنْهَا حلتان من ديباج وَمِنْهَا خمس عشرَة نَاقَة قبابها مذهبَة مرصعة

стр. 59

بالزجاج وَخَمْسمِائة رفاص على يَد كل وَاحِد مِنْهُم سفطان أَو تختان من خَز الْعرَاق وَمن كل نوع من أَنْوَاع الْأَمْتِعَة وَأَرْبَعَة أَفْرَاس بسروجها ولجمها ومقاودها حَرِير تجتنب إِلَى كل مِنْهَا نَاقَة بسرج ذهب مفرغ ولجام ذهب مرصع بالياقوت وَفرس عَلَيْهِ سرج ذهب مرصع بالعنبر وَأَرْبع بغلات بسروجها ولجمها وَلها مقاود من هَذَا النَّوْع وست وَثَلَاثُونَ بغلة بأجلة ديباج وبراقع ديباج ملونة وَمِائَة وَثَلَاثُونَ بغلا بالأكف وَخَلفهَا من الْجمال والنجيب فَوق الْخَمْسمِائَةِ وَمن الْعين سِتّمائَة ألف دِينَار وجربان فيهمَا فرشان أَقَامَ الصناع فِي عملهما سنتَيْن وَأنْفق عَلَيْهِمَا فِي الْأُجْرَة عشرَة آلَاف دِينَار وَكَانَ الْحُسَيْن بن أَحْمد القرمطي قد وصل إِلَى دمشق وتغلب عَلَيْهَا وَقتل جَعْفَر بن فلاح وَاسْتولى القرامطة على الْبِلَاد وصاروا إِلَى الرملة فَخرج الْمعز إِلَيْهِم وَكَانَت بَينهم الْوَقْعَة الْمَشْهُورَة فِي الْيَوْم الْأَحْمَر فَانْهَزَمَ القرمطي وَقتل من أَصْحَابه خلق كثير وَأسر مِنْهُم فَوق الْألف وَرجع الْمعز إِلَى مصر وأقيمت الدعْوَة

стр. 60

فِي مصر وديارها وَالشَّام والحجاز مَعَ إفريقية كلهَا وَالْمغْرب باسمه وَلما استوثق لَهُ الْأَمر بِهَذِهِ الأقاليم تمّ الْأَمر وَجَاء الَّذِي لابد مِنْهُ وَلَا محيص عَنهُ فَأَصَابَهُ مرض نفساني كَانَ سَببه الخولادة رَسُول ملك الرّوم بالقسطنطينة فَحم مِنْهُ وَتُوفِّي فِي الْقَاهِرَة فِي يَوْم الْجُمُعَة الْحَادِي عشر من شهر ربيع الْأَخير سنة ٣٦٥ وَكَانَت ولَايَته ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَخَمْسَة اشهر وَأَرْبَعَة أَيَّام وَكَانَت ولَايَة جَوْهَر بِمصْر أَربع سِنِين وَسَبْعَة عشر يَوْمًا وَفِي فتح مصر يَقُول مُحَمَّد بن هَانِئ الأندلسي ... تجهز إِلَى بَغْدَاد قد فتحت مصر وأنجز صرف الدَّهْر مَا وعد الدَّهْر وَقد جَاوز الْإسْكَنْدَريَّة جَوْهَر تطالعه الْبُشْرَى ويقدمه النَّصْر وَقد أوفدت مصر إِلَيْهِ وفودها وَزيد إِلَى الْمَعْقُود من جسر هاجسر ... وَهُوَ الَّذِي بنى الإيوان بالمنصورية وَبنى المعزية بهَا وَبنى

стр. 61

قناطر فِي المَاء عَلَيْهَا وَله آثَار وأخبار أغناني عَنْهَا الاشتهار وَأَن مقصودي الِاخْتِصَار وَالْملك لله الْوَاحِد القهار أبناؤه نزار الْعَزِيز ولي عَهده والخليفة من بعده وَعبد الله وَتَمِيم وَهُوَ تَمِيم بن الْمعز الشَّاعِر وَالَّذِي يُحَاذِي أَبَا الْعَبَّاس عبد الله بن المعتز المتَوَكل فِي التشبهات والتوجيهات ويحاذيه فِي سلوك أَلْفَاظ الْمُلُوك وَكَانَ أَبوهُ قد ولاه الْعَهْد ثمَّ خلعه لِأَنَّهُ كَانَ لَا يُولد لَهُ وَكَانُوا لَا يولون الْخلَافَة إِلَّا ابْن خَليفَة وَعقيل وَسبع بَنَات حَاجِبه جَعْفَر بن عَليّ ثمَّ عمار وحامل مظلته شَفِيع الْفَتى نقش خَاتِمَة (تَوْحِيد الْإِلَه الصَّمد) دعى الْأَمِير معد والأمير بإفريقية وَالْمغْرب بلكين بن زين بن مُنَاد الصناجي وَكَانَ قد سَمَّاهُ يُوسُف وكناه أَبَا الْفتُوح ولقبه عدَّة الْعَزِيز بِاللَّه يَعْنِي ابْنه

стр. 62

الْعَزِيز هُوَ نزار أَبُو الْمَنْصُور ولد بالمهدية يَوْم الْخَمِيس الرَّابِع عشر من محرم سنة ٣٤٤ وَولى الْعَهْد بِمصْر يَوْم الْخَمِيس الْعَاشِر من ربيع الْأَخير ٣٦٦ وَولى الْخلَافَة فِي الْحَادِي عشر من هَذَا الشَّهْر وسترت وَفَاة الْمعز إِلَى يَوْم النَّحْر من هَذِه السّنة فَسلم عَلَيْهِ بأمير الْمُؤمنِينَ وَركب إِلَى الْمصلى وَصلى بِالنَّاسِ فِي الْمصلى وخطب فقرن نَفسه وَجَمِيع النَّاس وَرجع إِلَى قصره فَدخل عَلَيْهِ عَمه حيدرة وهَاشِم وَعم أَبِيه أَبُو الْفُرَات وَكَانَ نزار هَذَا أسمر طَويلا أصهب غير سفاك للدماء جيد الْبَصَر بِالْخَيْلِ والجوارح والجوهر والتبر محبا للصَّيْد وَالرُّكُوب حسن الْخلق وَسَار إِلَى مَدِينَة الرملة وظفر بأنتك التركي غُلَام معز الدولة الديلمي وَزِير صَاحب بَغْدَاد فِي محرم سنة ٣٦٨ بعد أَن كَانَت لَهُ وقائع وَأنْفق عَلَيْهِ أَمْوَالًا وَعَفا عَنهُ واصطنعه

стр. 63

قَالَ إِبْرَاهِيم بن أبي الْقَاسِم الْكَاتِب الْمَعْرُوف بِابْن الرَّقِيق فِي أَخْبَار إفريقية توفّي الْعَزِيز ببلبيس وَكَانَ بهَا مبارزا للروم فِي جَمِيع عساكره وجيوشه وَكَانَت بِهِ عِلّة الْحَصَى وَكَانَ الطَّبِيب يطب لَهُ دُخُول الْحمام فيجد لَهُ رَاحَة فدخله يَوْم الثُّلَاثَاء لثلاث بَقينَ من شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة وَعمل لَهُ دَوَاء وشربه فِي حَوْض الْحمام فأدركه أَجله فَمَاتَ من سَاعَته وَلَيْسَ مَعَه من الرِّجَال إِلَّا ابْن النصير النَّصْرَانِي الطَّبِيب وَغُلَامه ابْن جوان الْخَادِم فَأخْرج من الْحمام مَيتا وَحمل إِلَى الْقَاهِرَة فَدفن بهَا وَقَالَ القَاضِي مؤلف الشهَاب فِي تَارِيخه توفّي وَهُوَ مبارز بعد الظّهْر يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّامِن وَالْعِشْرين من رَمَضَان سنة ٣٨٦ وَله اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة فَكَانَت ولَايَته خمْسا وَعشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وَخَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا قَالَ القَاضِي وَلم يلقب فِي خِلَافَته كلهَا إِلَّا أَرْبَعَة الْعَزِيز يَعْقُوب بن كلس وبلكين ابْن زيري سيف الْعَزِيز بِاللَّه والمنصور عدَّة الْعَزِيز بِاللَّه وَابْنه باديس نَاصِر الدولة نقش خَاتمه بنصر الْعَزِيز الْجَبَّار ينصر الإِمَام نزار الْحَاكِم هُوَ أَبُو عَليّ مَنْصُور بن الْعَزِيز بِاللَّه ولد عِنْد آخر اللَّيْل بِمصْر لَيْلَة الْخَمِيس الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول سنة ٣٧٥ وولاه أَبوهُ الْعَهْد سنة ٣٨٣ وَولى الْخلَافَة يَوْم الْخَمِيس سلخ شهر

стр. 64

رَمَضَان سنة ٣٨٦ وعمره إِحْدَى عشرَة سنة وَسِتَّة أشهر فَلم يزل خَليفَة إِلَى شَوَّال سنة ٤١١ فَخرج لَيْلَة الِاثْنَيْنِ السَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال فَطَافَ لَيْلَة كلهَا على رسمه فَقيل إِنَّه كَانَ يَخْلُو بِنَفسِهِ فِي الْجَبَل المقطم لاستنزال الروحانية وزحل وَكَانَ صَاحب نُجُوم ورصد لَهُ الزنطجا الحاكمي الْمَعْرُوف وحَدثني الشَّيْخ الْفَقِيه الشَّيْخ المعمر أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عُثْمَان التَّمِيمِي القلعي رَحمَه الله تَعَالَى أَنه رأى بِمصْر الْآلَة الَّتِي رصد بهَا مَرْفُوعَة على برجين اثْنَيْنِ بنيا لَهَا آلَة من نُحَاس على هَيْئَة الإسطرلاب قَالَ فقست بشبري فِي أحد بيُوت البروج الأثنى عشر وَهُوَ برج الْحُوت ثَلَاثَة أشبار فَطَافَ الْحَاكِم ليلته كلهَا ثمَّ أصبح عِنْد قبر الفقاعي ثمَّ توجه إِلَى شَرْقي حلوان وَمَعَهُ ركيبان فَأَعَادَ إِحْدَاهمَا مَعَ تِسْعَة من الْعَرَب السويديين إِلَى بَيت المَال لأخذ جَائِزَة أَمْوَالهم فضال ثمَّ أعَاد الراكبي الآخر فَذكر هَذَا الراكبي أَنه خَلفه عِنْد الْقَبْر والمقصبة وبقى النَّاس على رسلهم يخرجُون فِي كل يَوْم يَلْتَمِسُونَ رُجُوعه وَيخرجُونَ مَعَهم فرسا مسروجا مُلجمًا مبرقعا من مراكبه ينتظرونه وَلم يزل هَذَا رسمهم إِلَى آخر أَيَّام بني عبيد وَكَانُوا يسمون هَذَا

стр. 65

الْفرس النّوبَة وَهَذَا الرَّسْم من خُرُوج المركوب غدْوَة كل يَوْم هُوَ الَّذِي اتبعهُ مُلُوك صنهاجة بإفريقية وبالقلعة وبجاية وَكَانُوا يسمونه تسايست أَي استايست إِلَى آخر أيامهم يخرج الْقَائِد كل يَوْم بالجيش عَن الْبَلَد فَيَمْشِي مَسَافَة مَعْلُومَة إِلَى مَوضِع مَعْلُوم فيقف بُرْهَة ثمَّ يرجع إِلَى بَاب السُّلْطَان فيقف إِلَى أَن يُؤذن لَهُ فِي الِانْصِرَاف فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْم الْأَحَد الثَّالِث من ذِي الْقعدَة خرج مظفر صَاحب المظلة وحضى الْفَتى ونسيم مُتَوَلِّي السِّرّ وَابْن سنكين التركي صَاحب الرمْح وَجَمَاعَة من الْأَوْلِيَاء الكاتميين وهم الْخَاصَّة فبلغوا دير الْقصير ثمَّ الْموضع الْمَعْرُوف ببسلان ثمَّ أَمْعَنُوا فِي الدُّخُول إِلَى الْجَبَل فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ بصروا بالحمار الَّذِي كَانَ رَاكِبًا عَلَيْهِ على قنة من الْجَبَل فوجدوه قد ضربت يَدَاهُ بِالسَّيْفِ فأثر السَّيْف فيهمَا وَعَلِيهِ سَرْجه ولجامه فتتبع الْأَثر فَإِذا أثر الْحمار فِي الأَرْض وَأثر رجل خَلفه وَرجل قدامه فَلم يزَالُوا يقصون هَذَا الْأَثر حَتَّى انْتَهوا إِلَى الْبركَة الَّتِي فِي شَرْقي حلوان فنزلها رجل من الرِّجَال فَوجدَ فِيهَا ثِيَابه وَهِي سبع جباب صوف وَوجدت مزرة لم يحل أزرارها وفيهَا أثر السكاكين فَأَخذهَا ماضي وَجَاء بهَا إِلَى الْقصر فَلم يشك فِي قَتله هَذَا قَول الْقُضَاعِي فِي مَقْتَله وَقَالَ غَيره إِن شبانا من أهل القيروان والأندلس كمنوا لَهُ فِي الْجَبَل فَلَمَّا ظفروا بِهِ قَتَلُوهُ وألقوه فِي النّيل وَقيل إِنَّهُم كَانُوا من المصادمة

стр. 66

وَالله سُبْحَانَهُ أعلم أَي ذَلِك وَكَيف كَانَ وَإِن كَانَ كَمَا قيل يسْتَنْزل كيوان فَلَمَّا غفل عَنهُ كيوان يقضون بِالْأَمر عَنْهَا وَهِي غافلة مَا دَار فِي فلك مِنْهَا وَلَا فِي قطب وَكَانَ عمره يَوْمئِذٍ سِتا وَثَلَاثِينَ سنة وَسَبْعَة أشهر وَكَانَت ولَايَته خمْسا وَعشْرين سنة وشهرا وَاحِدًا وَكَانَ ولي عَهده عبد الرَّحْمَن بن إلْيَاس بن أَحْمد بن عبيد الله فَلَمَّا قتل الْحَاكِم قبض عَلَيْهِ وَقتل وَكَانَ الْحَاكِم جوادا بِالْمَالِ سفاكا للدماء قتل عددا كثيرا من أماثل أهل دولته وَغَيرهم صبرا وَكَانَت سيرته من أعجب السّير وَبنى الْجَامِع براشدة وَالْجَامِع بِظَاهِر الْقَاهِرَة المعزية وَأَنْشَأَ عدَّة مَسَاجِد بالقرافة وَغَيرهَا وَحمل إِلَى الْجَامِع من الْمَصَاحِف وآلات الْفضة والستور وَحصر السمار مَاله قيمَة طائلة وَجَرت فِي أَيَّامه أُمُور كَثِيرَة عَجِيبَة مِنْهَا أَنه كَانَ فِي صدر خِلَافَته أَمر بكتب سبّ الصَّحَابَة على حيطان الْجَوَامِع والقياسير والشوارع والطرقات وَكتب السجلات إِلَى سَائِر الْأَعْمَال بالسب وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ٣٩٥ ثمَّ أَمر بقلع ذَلِك وَنهى عَنهُ وَعَن فعله فِي سنة ٣٩٧ وَتقدم بعد ذَلِك بِمدَّة فَضرب من يسب الصَّحَابَة وشهره وَكَانَ فِي شهر رَمَضَان من سنة ٣٩٩ يمْنَع النَّاس من صَلَاة التَّرَاوِيح وَاجْتمعَ النَّاس فِي الْجَامِع وتخوف من سوء الْعَاقِبَة فَلم يصل التَّرَاوِيح وَتقدم أَبُو الْحسن بن جد الدقاق فصلى بِالنَّاسِ الشَّهْر كُله أجمع وَقتل بعد ذَلِك فِي الْيَوْم الثَّانِي من ذِي الْقعدَة فِي

стр. 67

السّنة وَلم تصل التَّرَاوِيح إِلَى سنة ثَمَان وَأَرْبَعمِائَة فَخرج الْمعز فِي هَذِه السّنة بِالْأَمر فِيهَا وَقرر بالمساجد والجوامع بِمصْر والقاهرة وَمن يُصَلِّي فِيهَا وَلم يزَالُوا يصلونَ التَّرَاوِيح إِلَى آخر خِلَافَته وَكَانَ أَمر بقتل الْكلاب فِي سنة ٣٩٥ فَلم يكن يرى كلب فِي الشوارع والأزقة إِلَّا قتل وَكَانَ نهى عَن بيع الفقاع والملوخيا وكبب الترمس المتخذة والجرجير والسمك الَّذِي لَا قشر لَهُ وَأمر بِالتَّشْدِيدِ فِي ذَلِك وَالْمُبَالغَة فِي تَأْدِيب من يتَعَرَّض لبيع شَيْء مِنْهُ وَظهر على جمَاعَة أَنهم باعوا شَيْئا من ذَلِك فضربهم بالسياط وطيف بهم وَضربت أَعْنَاقهم وَفِي سنة ٤٠٢ منع من بيع الزَّبِيب قَلِيله وَكَثِيره على سَائِر أَنْوَاعه وأصنافه ذكر أَن مبلغه ألف وَثَمَانمِائَة قِطْعَة وأحرق جَمِيعهَا بِظَاهِر الجرا على شاطئ النّيل وَذكر أَن مِقْدَار النَّفَقَة على إحراقها خَمْسمِائَة دِينَار وَفِي هَذِه السّنة منع بيع الْعِنَب وأنفذ الشُّهُود إِلَى الجزيرة حَتَّى قطع كثيرا من كرمها وشيدت بِالْمِصْرِ وَجمع مَا كَانَ فِي المخازن من جرار الْعَسَل ذكر أَنَّهَا كَانَت خَمْسَة آلَاف قِطْعَة

стр. 68

وحملت فِي محرم سنة ٤٠٣ بِمحضر الشُّهُود إِلَى وسط الجسر وَكسرت وقلبت فِي الْبَحْر وَفِي هَذِه السّنة رفعت المكوس على جَمِيع الغلات الْوَارِدَة إِلَى السواحل والأسواق ثمَّ رفعت بعد ذَلِك مكوس الرطب وَدَار الصابون وَالْحَرِير والشرطتين وعدة مَوَاضِع وَفِي هَذِه السّنة أَمر النَّصَارَى وَالْيَهُود إِلَّا الحبابرة بِلبْس العمائم السود والطيالسة السود وَأَن تحمل النَّصَارَى فِي أَعْنَاقهم من الصلبان مَا يكون طوله ذِرَاعا ووزنه خَمْسَة أَرْطَال وَأَن تحمل الْيَهُود فِي أَعْنَاقهم قَرَائِن الْخشب على مثل الْوَزْن الْمَذْكُور وَأَن لايركبوا شيا من المراكب المحلاة وَلَا يستخدموا أحدا من الْمُسلمين وَأَن لَا يركبُوا حمارا إِلَّا أَن كَانَ مُسلم وَلَا سفينة يؤتيها مُسلم وَأَن يَكُونُوا فِي النَّصَارَى إِذا دخلُوا الْحمام الصَّلِيب وَفِي أَعْنَاق الْيَهُود الجلاجل ليتميزوا بهَا عَن الْمُسلمين ثمَّ أفردت الحمامات للْيَهُود وَالنَّصَارَى عَن حمامات الْمُسلمين وَخط على حمامات النَّصَارَى صور الصلبان وعَلى حمامات الْيَهُود صور القرامين وَنهى عَن تَقْبِيل الأَرْض لأمير الْمُؤمنِينَ وَعَن الدُّعَاء لَهُ بِالصَّلَاةِ فِي

стр. 69

الْخطب عَلَيْهِ وَأَن يَجْعَل عوض ذَلِك السَّلَام على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَنهى عَن التَّكَلُّم فِي علم النَّجْم وَمنع النِّسَاء من الْخُرُوج إِلَى الطرقات والحمامات مُدَّة سبع سِنِين إِلَى خلَافَة الظَّاهِر هَذَا كُله قَول الْقُضَاعِي فِي تَارِيخه وَهَذَا التطور والتغير والتأثر لم كَانَ وَالله سُبْحَانَهُ أعلم بجبلات الإستنزالات والسخافات الموجودات فِي تِلْكَ الخرافات وَلَو صَحَّ بعض ذَلِك لعصمه الله من المهالك وهيهات هَيْهَات الْأَمر كُله لرب السَّمَاوَات وَيُقَال إِن الَّذِي وجد فِي خَزَائِن بني عبيد عِنْد انْقِرَاض دولتهم واستواء الْمعز على مملكتهم من الْأَمْوَال والذخائر والأعلاق والجواهر لم يُوجد مثله عِنْد القياصرة والكياسرة ثمَّ إِن الْجند كَانُوا يقتسمون الْجَوَاهِر النفيسة بالمكايل والكبار مثل اللوبيا وَنَحْوه وَكَانُوا يقطعون

стр. 70

العنبر والكافور بالفرس من الجرارات البادهنجات وَيَقُول أصل هَذِه الْأَمْوَال لَا يَفِي بهَا خراج الْمَعْمُور من الْمَعْمُور على مر الدهور على مَا كَانُوا يخرجونه من تجهيز الجيوش وَعمارَة المدن وَإِقَامَة الرَّسْم وَحفظ الهمم وإجراء الأرزاق وَإِنَّمَا هِيَ من الْكُنُوز الَّتِي استخرجها الْحَاكِم من أَرض مصر الَّتِي هِيَ مَحل الهياكل الْقَدِيمَة والمدائن الْعَظِيمَة وَإنَّهُ مِمَّا أَفَاء من تِلْكَ الألحاد وَذكر أَن رجلا اسْتَأْذن عَلَيْهِ فَلَمَّا دخل وَمثل بَين يَدَيْهِ إِذْ هُوَ قد تغير وَجهه وشحب لَونه وَهُوَ أَشْعَث أغبر وَعَلِيهِ أثر السّفر فَلَمَّا سلم أمره بِالْجُلُوسِ وَتَركه حَتَّى سكن وتأنس وَرجعت إِلَيْهِ نَفسه ثمَّ قَالَ لَهُ من يكون الرجل فَقَالَ لَهُ أَنا رجل من أهل حوران وَكنت خرجت من بلادي فَوَقَعت البجا فَكنت عِنْد رجل مِنْهُم وَلِلْقَوْمِ جمال يتراهنون بهَا ويتسابقون عَلَيْهَا وتعلمت ركُوب تِلْكَ الْجمال والمسابقة عَلَيْهَا فَكَانَ الرجل الَّذِي كنت عِنْده يَأْمُرنِي بالمسابقة عَلَيْهَا فركبت يَوْمًا فَلَمَّا استويت على ظَهره ضَربته فَانْدفع بِي كَأَنَّهُ الْبَرْق فَمَا علمت هَل أَنا فِي بر أَو فِي بَحر وَلم أقدر على إِمْسَاكه فَلَمَّا كَانَ آخر النَّهَار برك بِي على عين تجْرِي فَنزلت وشربت من مَائِهَا وَإِذا حَصى الْعين ياقوت أَحْمَر وَأَنا لَا أَدْرِي فِي أَي مَوضِع أَنا من بِلَاد الله فَبت بذلك الْموضع فَلَمَّا أَصبَحت مَلَأت مخلاة

стр. 71

كَانَت معي كنت لَا أفارقها لأسباب كَانَت فِيهَا فأزلت الْأَسْبَاب وملأت المخلاة من ذَلِك الْيَاقُوت وَركبت الْجمل وسرت بِهِ بَين مشي وجري طول النَّهَار وَلم أزل على ذَلِك شهرا أقتات بنبات الأَرْض وأرعى الْجمل مِنْهُ إِلَى أَن وصلت مدن عدن فدخلتها وبعت من ذَلِك الْيَاقُوت بِمِائَة دِينَار وسرت مَعَ أهل الْيمن إِلَى الْحجاز وقدمت الْآن من الْحجاز وَأخرج لَهُ المخلاة فَإِذا فِيهَا أَحْجَار ياقوت نفيسة كَثِيرَة فَأرْسل إِلَى الجوهريين وأراهم ذَلِك وَذكر لَهُم الْمَسْأَلَة فَقَالَ لَهُ رجل مِنْهُم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عِنْدِي خبر تِلْكَ الْعين وَهِي فِي أقْصَى بِلَادهمْ الْمُجَاورَة لأرض الْهِنْد وَقَلِيل من رأى تِلْكَ الْعين فوصل الْحَاكِم الرجل وَأحسن إِلَيْهِ وَأَجَازَهُ وخيره فِي الِانْصِرَاف أَو الْإِقَامَة بِمصْر فَاخْتَارَ الْإِقَامَة فَأمر لَهُ بدار سَرِيَّة وَمن الفروش مَا يَلِيق بهَا وأجرى عَلَيْهِ مَا يَلِيق بِهِ ذكر الوسائط فِي أَيَّامه كَانَ أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن عَليّ الجرجرائي يخْدم فِي بعض الدَّوَاوِين فنقم عَلَيْهِ الْحَاكِم شيأ فَأمر بِقطع يَدَيْهِ مَعًا فَمَا التاع وَلَا ارتاع مِمَّا أَصَابَهُ وَلَا هلع وَلَا جزع وَعصب يَدَيْهِ إِثْر قطعهَا ثمَّ انْصَرف من وقته إِلَى مَوْضِعه من الدِّيوَان فَجَلَسَ لخدمته على عَادَته فَلَمَّا رأى النَّاس يعْجبُونَ وَلَا يصرفون أَبْصَارهم قَالَ لَهُم إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لم يعزلني وَإِنَّمَا عاقبني لخيانتي فَلَمَّا بلغ ذَلِك الْحَاكِم استعظمه وَشرف لَدَيْهِ وَرفع بِهِ إِلَى الوزارة فوزره هُوَ وَابْنه الظَّاهِر وَابْنه الْمُسْتَنْصر نَحْو ثَمَانِي سِنِين وَكَانَت سيرته محمودة وآثاره

стр. 72

مأثورة وَمَات سنة ٤٨٦ هـ وَهُوَ الَّذِي أَدخل الْعَرَب إِلَى إفريقية عِنْدَمَا خلع الْمعز بن باديس الصنهاجي لبني عبيد على مَا ذكر الْقُضَاة فِي أَيَّامه ابْن النُّعْمَان وَزَاد قَضَاء الشَّام وَسَائِر أَعماله إِلَى دمشق وَبَيت الْمُقَدّس إِلَى الشريف أبي طَالب الْحسن بن جَعْفَر الْمَعْرُوف بِابْن بنت زيري وَكَانَ الْحَاكِم هَذَا ولي عَهده عبد الرَّحْمَن بن إلْيَاس بن عبيد الله فَلَمَّا فقد الْحَاكِم قبض على عبد الرَّحْمَن وَقتل وَولى على ابْن الْحَاكِم الظَّاهِر هُوَ أَبُو الْحسن وَقَالَ أَبُو حزم هُوَ أَبُو الأشبال عَليّ بن مَنْصُور الْحَاكِم ولد بِمصْر يَوْم الْأَرْبَعَاء سنة ٣٩٥ وبويع لَهُ بالخلافة يَوْم عيد النَّحْر سنة ٤١١ وكفلته عمته سيدة الْملك وَكَانَت المؤيدة للْملك والقائمة بِهِ وَمَات لَيْلَة النّصْف من شعْبَان سنة ٤٢٧ وَله من الْعُمر اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سنة إِلَّا أَيَّام وَكَانَت ولَايَته خمس عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر وَخَمْسَة أَيَّام وَكَانَ وزيره وَالْغَالِب على أمره الجرجرائي الأقطع الَّذِي تقدم ذكره وجرجريا بالعراق وَخرج على الظَّاهِر رجل من بني أُميَّة وَهُوَ الْوَلِيد بن يزِيد زعم أَنه من ولد هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَكَانَ يعرف بِأبي ركوة وَكَانَ القائمون بِهِ بني مرّة غلب على كثير من بِلَاد فزان فِي سنة ٤١٥ وَدخل مَدِينَة لَك وَسلم عَلَيْهِ بالخلافة وَكتب إِلَى بني هُذَيْل يَدعُوهُم إِلَى كسر مِنْبَر بني أبي عبيد ولعنتهم وخطب لَهُ على مِنْبَر لَك وترحم على آبَائِهِ

стр. 73

بني أُميَّة وضيق على مصر فَصَالح صَاحب مصر بني مرّة بالأموال الْكَثِيرَة وخسر لأميرهم ماضي بن مقرب عشرَة آلَاف دِينَار وَعشْرين تختا من رفيع الثِّيَاب فَوَثَبُوا على الْأمَوِي وأوثقوه وَحَمَلُوهُ على جمل فَلَمَّا رأى ذَلِك شرب الزرنيخ فَمَاتَ فَحَمَلُوهُ مَيتا إِلَى مصر وصلب على شاطئ النّيل الْمُسْتَنْصر لما مَاتَ الظَّاهِر نصب الجرجرائي مَكَانَهُ ابْنه معدا طفْلا صَغِيرا أسمر اللَّوْن يُسمى معدا مثل جده أَخذ الْمعز وكناه أَبَا تَمِيم لكنيته ولقبه الْمُسْتَنْصر بِاللَّه ودبر سُلْطَانه الجرجرائي وَكَانَ مَوْصُوفا بالسياسة وَجَمِيل الْمَذْهَب وَكَثْرَة الْعَفو وَفِي أَيَّامه خلع الْمعز ابْن باديس الصنهاجي صَاحب إفريقية لبني عبيد ودعا لبني الْعَبَّاس فَقَالَ الجرجرائي لَا تكلّف لَهُ وَلَا تجهز لَهُ جندا ودبر إجَازَة الْعَرَب النّيل إِلَى إفريقية فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهَا ودخلوها كَانَ ذَلِك سَبَب خرابها وَذَهَاب ملك صنهاجة مِنْهَا إِلَّا مَا تُدْرِكهُ حَسْبَمَا هُوَ مَذْكُور فِي تَارِيخ إفريقية وَلم يملك من بني عبيد من بني الْمُسْتَنْصر

стр. 74

ملك وَفِي سنة ٤٦٤ من ملكه كَانَت بِمصْر وقْعَة كوم الريش بَين الأتراك والمغاربة فَمَاتَ فِيهَا فِي يَوْم وَاحِد بَين الْفَرِيقَيْنِ اثْنَا عشر ألفا وَقَامَت الْفِتْنَة بَينهم أَربع سِنِين وَامْتنع النَّاس من الْحَرْث والعمارة وغلت الأسعار وفقد الطَّعَام بِمصْر فَمَاتَ أَكثر النَّاس جوعا وَلم ير بِمصْر جوع مثله من زمن يُوسُف الصّديق ﵇ وَهَذَا الَّذِي وجدت من أخباره فِيمَا ذكر ابْن حَيَّان المستعلي هُوَ ابْن الْمُسْتَنْصر على مَا يُقَال وَلم أجد لَهُ خَبرا وَلم ألحق لَهُ اسْما وَقيل إِن اسْمه أَحْمد وَرَأَيْت كتابا عَنهُ وَفِيه علامته وَهِي الْحَمد لله على آلائه الْآمِر لم أعرف لَهُ أَيْضا اسْما وَلَا وجدت لَهُ خَبرا إِلَّا مَا حَدثنِي الْفَقِيه القَاضِي أَبُو المكارم هبة الله الْمصْرِيّ رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ اجْتمع عشرَة من الحشيشية ودخلوا فرن خباز على طَرِيق الْأَمر فِي يَوْم خرج فِيهِ إِلَى بعض نزهه فَأَكَلُوا فِي الفرن خبْزًا بِعَسَل وتباطؤا إِلَى أَن مر بهم رَاجعا من منزهه وَقد حصل فِي طَرِيق ضيق عِنْد الفرن وَصَارَ رِجَاله الَّذين بَين يَدَيْهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد لضيق الطَّرِيق فَوَثَبُوا على الْخَلِيفَة بسكاكين وَصَارَ أحدهم خَلفه على كفل مركوبه فأنفذوا مقاتله وَقتل مِنْهُم تِسْعَة وَوصل إِلَى قصره وَبِه رَمق الْحَيَاة ثمَّ مَاتَ من يَوْمه

стр. 75

الْحَافِظ عبد الْمجِيد كَانَ الْحَافِظ من بَيت الْخلَافَة وَلم يكن ابْن خَليفَة وَكَانَ ابْن رئيسهم ومذهبهم أَلا يولوا الْخلَافَة إِلَّا ابْن خَليفَة فَمَاتَ الْأَمِير وَلَا ولد لَهُ إِلَّا مَا يتَوَهَّم فِي الْبُطُون وَلذَلِك بِالْحَافِظِ فَلَمَّا لم يظْهر حمل قَالَ عبد الْمجِيد الْحَافِظ لداعيه وَهُوَ الَّذِي يَأْخُذ لَهُم الْبيعَة وَيقوم بالدعوة بَايع لي فَأبى وَامْتنع وخلى عَنهُ وَدفع فعزلوه وَقدمُوا دَاعيا آخر فَبَايع لَهُ وَهَذَا أَيْضا حَدثنِي بِهِ أَبُو المكارم رَحمَه الله تَعَالَى وَلَيْسَ عِنْدِي سواهُ الظافر وَهُوَ يُوسُف بن عبد الْمجِيد الْحَافِظ كَانَ وزيره الْمَعْرُوف بالعادل وَكَانَ ابْن الْعَادِل حسن المنظر بديع الْجمال وَكَانَ الظافر إِلَيْهِ مائلا وَكَانَ يتنكر وَيَمْشي مَعَه فِي اللَّيْل أَزِقَّة مصر فرميت للعادل بطائق فِي الظافر وَفِي ابْنه ينزونه بِهِ فَذكر ذَلِك لِابْنِهِ وَقد خرج لَيْلَة على عَادَتهمَا ويصرفون سِهَام الْمَكْر إِلَيْهِمَا فَلَمَّا قرب من
следующие страницы →