Полный текст (810 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
تقديم وتعريف
بين يدي القراء الأعزاء في هذه المرة كتاب يتضمن تاريخ مدينة نعيش مأساتها هذا اليوم، ونتجرع مرارة العار والذل من أجل خسارتنا لها.
يعرض هذا الكتاب تاريخ مدينة القدس، ومدينة الخليل مثوى سيدنا إبراهيم الخليل ﷺ . ولقد طبع - للمرة الأولى - قبل قرن واحد ونفذ من الأسواق.
وحامل الأخ الناشر أن يحرك الضمير الإنساني المسلم، ليتذكر أمجاده الشامخة في هذه المدينة المقدسة تتمرغ الآن تحت أقدام الصهاينة المجرمين.
وعسى أن نقرأ في هذا الكتاب - بطبعة الثانية - تاريخ أمتنا الخالدة وفتوحات القادة العظام، وتضحيات المسلمين الجسمية في سبيل رفعة الإسلام. فتبعث فينا روح الثأر والكرامة لنعيد مجدا قد سلب وشرفا قد أهين.
وان غدًا لناظره قريب
محمد بحر العلوم
стр. 2
- ١ -
نصت المصادر على أن اسم مؤلف هذا الكتاب:
هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد العليمي (١) المقدسي الحنبلي أبو اليمن مجير الدين العمري المنتهي نسبه إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب (٢).
ولد بالقدس عام ٨٦٠ هـ وما أن بلغ مرحلة التعلم حتى تعهده أبوه بالرعاية والتوجيه حيث تنص الرواية بأنه تفقه على والده وأخذ عنه جملة من العلوم (٣).
واختلف على جماعة من أهل الفضل والعلم للاستفادة والتحصيل أشار إليهم في كتابه هذا «الأنس الجليل» وهم
١ - الشيخ تقي الدين عبد الله بن إسماعيل القرقشندي (٤).
قال مجير الدين «وقد عرضت عليه ملحة الأعراب في ثاني جمادى الأولى سنة ست وستين وثمانمائة بمنزله بجوار المدرسة الصلاحية ولي دون ست سنين وهو أول شيخ عرضت عليه وتشرفت بالجلوس بين يديه وأجازني بالملحة بسنده
_________
(١) العليمي نسبة إلى جده سيدي علي بن عليل المشهور بعلي بن عليم.
(٢) مختصر طبقات الحنابلة - محمد جميل الشطي ٧٣/ ط دمشق الترقي ١٣٣٩ هـ.
(٣) نفس المصدر والصفحة.
(٤) شيخ الإسلام تقي الدين أبو بكر عبد الله بن شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الشيخ تقي الدين إسماعيل القرقشندي المقدسي الشافعي سبط الحافظ أبي سعيد العلائي ولد بالقدس عام ٧٨٣ هـ واشتغل في صغره على والده وغيره وسمع المشائخ وأجاز جمع من العلماء والحفاظ ثم أفتى ودرس وحدث وسمع عليه جمع كبير انتهت إليه الرياسة بالقدس وعظم عند المسؤولين توفى سنة ٨٦٧ هـ راجع ترجمته في هذا الكتاب: ١٨٩ - ١٩٠/ ٢.
стр. 3
المتصل إلى المصنف وبغيرها من كتب الحديث الشريف وما يجوز روايته وكتب والدي الإجازة بخطه وكتب الشيخ خطه الكريم عليها» (١).
٢ - الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عمر العميري (٢).
قال مجير الدين «وقد عرضت عليه في حياة الوالد قطعة من كتاب المقنع في الفقه وأجازني في شهور سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة ثم لما توفي الوالد لازمته للاشتغال فكنت اقرأ عليه في المقنع واحضر مجلس وعظه ودرسه بالمسجد الأقصى وحصلت الإجارة منه غير مرة خاصة وعامة» (٣).
٣ - الفقيه علاء الدين علي بن عبد الله بن محمد الغزي المقري الحنفي (٤).
قال مجير الدين «وقد قرأت عليه القرآن - ولي نحو عشر سنين - بمكتب باب الناظرة فأقرأني من سورة الأنبياء إلى الفاتحة ثم كررت ختم القرآن عليه مرات كثيرة وقرأت بعضه عليه برواية عاصم وأحضرني مجلس شيخنا ابن عمران
_________
(١) هذا الكتاب ١٨٩/ ٢.
(٢) الحافظ العلامة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن القاضي زين الدين عمر العميري الشافعي ولد سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة بالقدس اشتغل ودأب وحصل وأخذ الحديث عن الحافظ ابن حجر ولقي جماعة من أهل العلم وأخذ عنهم وباشر الحكم بالقدس نيابة عن القاضي شهاب الدين قاضي الخليل وكان حافظاً فصيحاً له مشاركة في كثير من العلوم توفي عام ٨٩٠ هـ ودفن بالقدس.
راجع ترجمته في هذا الكتاب ٢٠٣/ ٢.
(٣) هذا الكتاب ٢٠٣/ ٢.
(٤) الفقيه علاء الدين علي بن محمد الغزي المقري الحنفي المعروف (بابن قاموا) ذكر أنه لما نزل الأشرف برسباي إلى آمد سنة ست وثلاثين وثمانمائة كان مراهقاً حفظ القرآن العظيم وتلي بالسبع على العلامة شمس الدين بن عمران وغيره أقام ببيت المقدس دهراً وأدب به الأطفال وسمع الحديث واقرأ القرآن وكان =
стр. 4
لسماع الحديث واعتنى بتحصيل الإجارة لي منه» (١).
٤ - الشيخ كمال الدين محمد بن محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف (٢).
قال مجير الدين «عرضت عليه في حياة الوالد ﵀ قطعة من كتاب المقنع في الفقه على مذهب الإمام أحمد ثم عرضت عليه مرة ثانية ما حفظت بعد العرض الأول وأجازني في شهور سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة وحضرت بعض مجالسه من الدروس والإملاء بالمدرسة الصلاحية وحضرت كثيراً من مجالسه بالمسجد الأقصى الشريف قبل رحلته إلى القاهرة وبعد قدومه إلى بيت المقدس
_________
= جيد الحفظ له سريع القراءة توفى عام تسعين وثمانمائة هـ بالقدس راجع ترجمته في هذا الكتاب ٢٣٧/ ٢.
(١) هذا الكتاب ٢/ ٢٣٧.
(٢) شيخ الإسلام كمال الدين أبو المعالي محمد بن الأمير ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف المقدسي الشافعي سبط قاضي القضاة شهاب الدين أبي العباس أحمد العمري المالكي المشهور (بابن عوجان) ولد سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة بمدينة القدس ونشأ بها ودرس في المدارس العلمية وحفظ القرآن وأذن له في التدريس سنة أربع وأربعين وثمانمائة ورحل إلى القاهرة في هذه السنة وأخذ عن العلماء هناك وكتب له ابن حجر إجازة ووصفه بالفاضل البارع الأوحد ومن سنة ٨٤٦ نظم وأنشأ ودرس وأفتى ودامت له الأمور وأصبح يشار له بالبنان في الأوساط العلمي وذكره المؤرخون إلى عام ٩٠ هـ وله شعر رقيق منه في بيت المقدس:
أحيي بقاع القدس ما هبت الصبا … فتلك رباع الأنس في زمن الصبا
وما زلت من شوقي إليها مواصلا … سلامي على تلك المعاهد والربا
راجع ترجمته في هذا الكتاب ٣٧٧ - ٣٨٢/ ٢.
стр. 5
وحصلت الإجازة منه غير مرة خاصة وعامة» (١).
٥ - قاضي القضاة نور الدين علي بن إبراهيم المالكي المصري (٢).
قال مجير الدين «وقد قرأت عليه قطعة من آخر كتاب الخرقي في فقه مذهب الإمام ﵁ قراءة بحث وفهم ثم قرأت عليه قطعة من أول المقنع قراءة بحث وفهم فكان يقرر العبارة تقريراً حسناً لعل كثيراً من أهل المذهب لا يقرره وقرأت عليه في النحو ولازمت مجالسه وترددت إليه كثيراً وحصل لي منه غاية الخير والنفع ولكن اخترقته المنية بسرعة قبل بلوغ المراد منه» (٣).
٦ - شمس الدين أبو مساعد محمد بن عبد الوهاب (٤).
قال مجير الدين «وقد عرضت عليه قطعة من كتاب المقنع في الفقه في سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة وأجازني» (٥).
_________
(١) هذا الكتاب ٣٨٢/ ٢.
(٢) قاضي القضاة نور الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم البدر شي البحري المالكي المصري من أهل العلم له معرفة تامة بالعربية وعلم الفرائض والحساب والحديث الشريف باشر نيابة الحكم بالقاهرة له مصنف في النحو وكان يحفظ القرآن حفظاً جيداً ويكثر من التلاوة نشر العلم وانتفع به الطلبة توفى عام ٨٧٨ هـ بالقدس.
راجع ترجمته في هذا الكتاب ٢٥١/ ٢.
(٣) هذا الكتاب ٢٥١/ ٢.
(٤) الشيخ العلامة المحقق شمس الدين أبو مساعد محمد بن عبد الوهاب الشافعي من أعيان علماء بيت المقدس وكان يستفيد به الناس فائدة عظيمة توفي عام ٨٧٣ هـ بالطاعون.
راجع ترجمته في هذا الكتاب ١٩١ - ١٩٢/ ٢.
(٥) هذا الكتاب ١٩٢/ ٢.
стр. 6
٧ - الشيخ برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن الأنصاري (١).
قال مجير الدين «وقد عرضت عليه قطعة من كتاب المقنع في الفقه بالزاوية الختنية سنة ٨٧٣ هـ وأجازني بما يجوز له روايته» (٢).
٨ - الشيخ المقري المحدث شمس الدين محمد بن موسى بن عمران الغزي الحنفي (٣).
قال مجير الدين «وقد سمعت عليه صحيح البخاري بقراءة القاضي
_________
(١) الشيخ برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن زين الدين عبد الرحمن الأنصاري الخليلي الشافعي ولد عام ٨١٩ هـ ببلدة الخليل لقي جماعة من أهل العلم والفضل وأخذ عنهم رحل إلى القاهرة وأخذ الحديث عن ابن حجر والفقه عن تقي الدين أبي بكر ابن قاضي شهبه وأذن له في الإفتاء والتدريس وباشر في نيابة الحكم عن القاضي برهان الدين بن جماعة ثم ترك الحكم وصار من أعيان علماء بيت المقدس وعاد من القاهرة عام ٨٨٨ إلى مسقط رأسه الخليل وأقام بها متصدياً لاشتغال الطلب إلى أن وافته المنية عام ثلاث وسبعين وثمانمائة هـ.
راجع ترجمته في هذا الكتاب ٢٠٦ - ٢٠٧/ ٢.
(٢) هذا الكتاب ٢٠٦/ ٢.
(٣) الشيخ العلامة المقري المحدث شمس الدين أبو عبد الله محمد بن موسى ابن عمران الغزي المقدسي الحنفي شيخ القراء بالقدس ولد عام ٧٩٤ بغزة سمع الحديث على الحافظ شمس الدين الجزري وأخذ عنه علم القراءات وأجازه وكان رجلاً صالحاً ملازماً لقراء القرآن انتفع به الناس وتخرج عليه جماعة وعرف هذا الفن معرفة جيدة وكان قنوعاً طارحاً التكلف ولم يبق في القدس شيخ متقن لفن القراءة سواه وكان شيخاً بهي المنظر توفى سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة.
راجع ترجمته في هذا الكتاب ٢٢٩ - ٢٣٠/ ٢.
стр. 7
شهاب الدين بن عبيد الشافعي في سنة ٨٧١ هـ وأجازني بروايته وبرواية غيره من الأحاديث العشارية والمسلسل بالأولية وما يجوز له وعنه روايته» (١).
٩ - الشيخ محمد بن محمد بن أبي بكر السعدي (٢).
قال الشطي «ورحل سن ٨٨٠ هـ إلى القاهرة وأقام بها عاكفاً على طلب لعلم ولزم قاضي الحنابلة بالديار المصرية بدر الدين محمد بن أبي بكر السعدي أقام تحت نظره وتفقه عليه ولقد أكرم مثواه ومكث بالديار المصرية نحو عشر سنين» (٣).
هؤلاء هم طليعة أساتذته وشيوخ أجازته وعلى هذا الضوء يمكن تقسيم مراحل تحصيله العلمي إلى قسمين:
قسم يختص بالقدس ونكاد نستفيد من مجموع ما قدمناه أن تلك المدة محدد لعام ٨٨٠ هـ وتحصيله بين المسجد الأقصى والمدرسة الصلاحية واختلف فيها على عدد من الأعلام ذكرنا أهمهم.
وقسم يختص بالقاهرة ويحدد بنحو عشر سنين حيث تنص المصادر على عودته إلى القدس عام ٨٨٩ هـ وكان أهم أساتذته هو ابن أبي بكر السعدي.
وبعد عودته من القاهرة ولى قضاء القدس ولعله بقي في مركزه حتى وفاته.
_________
(١) هذا الكتاب ٢/ ٢٣٠.
(٢) محمد بن محمد بن أبي بكر السعدي قاض من فقهاء الحنابلة من أهل القاهرة ولد عام ٨٣٦ هـ ودرس وولي قضاء القضاة بالديار المصرية وألف كتباً منها الجوهر المحصل في مناقب الإمام أحمد مخطوط قال السخاوي كتب بخطه من تصانيفه أشياء واستكتب كذلك توفى فجأة عام ٩٠٠ راجع ترجمته: (الضوء اللامع ٥٨/ ٩ وشذرات الذهب ٣٦٦/ ٧ والأعلام ٢٨١/ ٧).
(٣) مختصر طبقات الحنابلة ٧٣.
стр. 8
ولقد وصفته الرواية بأنه كان فطناً يحب العلم من صغره ذكي مجد … وإذا ما عدنا إلى ادعائه بأنه عرض على شيخه تقي الدين إسماعيل القرقشندي المقدسي ملحة الإعراب وهو دون الست سنين وأجازه الشيخ بالملحة لسنده المتصل إلى المصنف وبغيرها من كتب الحديث وما يجوز له روايته نستطيع أن نتأكد بأن هذا الإنسان كان يتمتع بقابلية خاصة ونضوج مبكر أهله كل ذلك لأن يكون موضع عناية أساتذته وهو صبي لم يتجاوز الحلم.
وكيفما كان فقد واصل تحصيله وتتبعه العلمي على يد أساتذة معروفين بالفضل والكمال بحيث عرف بالأوساط العلمية بمكانة مقدرة.
ولقد خلف نتاجاً يدل على فضل وسعه اطلاع وهو:
١ - فتح الرحمن في تفسير القرآن في مجلدين هكذا أسماه الزركلي (١). أما بقية المصادر فأشارت إلى أنه له تفسير جليل على القرآن العظيم يشبه القاضي البيضاوي (٢).
٢ - المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد قال جرجي زيدان توجد منه نسخة في الخزانة التيمورية في مجلدين عدد صفحاتها ٥٢٣ وهو مرتب على سني الوفاة (٣).
٣ - التاريخ المعتبر في أنباء من غبر ذكره الحاجي جلبي ووصفه الشطي بأنه تاريخ جليل ابتدأ فيه من سيدنا آدم إلى سنة ٨٩٦ هـ مرتباً على السنين ذاكراً فيه الحوادث العجيبة والوقائع الغريبة على وجه الاختصار (٤).
_________
(١) الأعلام ١٠٨/ ٤.
(٢) مختصر طبقات الحنابلة ٧٤.
(٣) مختصر طبقات الحنابلة ٧٤ والأعلام ١٠٨/ ٤ وتاريخ آداب اللغة العربية ١٩٨/ ٣.
(٤) كشف الظنون ٣٠٥/ ١ ومختصر طبقات الحنابلة ٧٤ والأعلام ١٠٨/ ٤.
стр. 9
٤ - إتحاف الزائر وأطواف المقيم المسافر ذكره البغدادي وقال الجلي «اتحاف الزائر وأطراف المقيم المسافر - للشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي البغدادي ثم الدمشقي المتوفي سنة ٦١٣ هـ» (١).
٥ - الإنس الجليل بتاريخ القدس والخليل وبعض المصادر تسميه الأنيس الجليل وهو الكتاب الذي يدور حديثنا حوله في الفصل الثالث من هذا البحث.
ولم تشر لنا المصادر المختصة بأن مؤلفاته قد طبعت عدى كتاب «الأنس الجليل».
وقد اختلف في تاريخ وفاته فالشطي لم يعثر على تاريخ وفاته ويقول «ولعله كان في أوائل القرن العاشر» بينما نرى أغلب المصادر التي تترجمه تذهب إلى أن وفاته كانت عام ٩٢٨ هـ وقسم قليل يرى أنها عام ٩٢٧ هـ (٢).
من مجموع ما قدمناه عن حياة المؤلف نستطيع أن نجزم بأن المؤلف من الأعلام الذين يتمتعون بمقدرة لائقة من الفضيلة والكمال.
_________
(١) هداية العارفين ٥٤٤/ ٧ ومعجم المؤلفين - لكحالة ١٧٧/ ٥ وكشف الظنون ٦/ ١.
(٢) مختصر طبقات الحنابلة ٧٤ ومعجم المطبوعات ٣٥٨ ومعجم المؤلفين ١٧٧/ ٥ وهداية العارفين ٥٤٤/ ١ وتاريخ آداب اللغة العربية ١٩٨/ ٣ والأعلام ١٠٨/ ٥.
стр. 10
- ٢ -
ولقد اجمع المترجمون لحياة مجير الدين العليمي بأن كتاب «الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل» من مؤلفاته وأنه في مقدمة ما دبجته يراعته ضمنه خلاصة تواريخ القدس الشريف وبلدة الخليل مثوى سيدنا إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
كما أضاف إليه نبذة من الحوادث والوفيات وما يتعلق به من ذكر الملوك والكبراء والقضاة والعلماء حتى عام ٩٠٠ هـ - كما سيمر علينا في عرض منهجه.
وقد تحدث المؤلف عن طبيعة مؤلفه بقوله:
«فهذا مختصر استخرت الله تعالى في جمعه وسألته المعونة لي بفضله في ترتيب وضعه …
عنَّ لي أن أجمعه من كتب المتقدمين وأهذب ألفاظه من فوائد المؤرخين وتراجم الأعيان على وجه الاختصار فاستعنت بالله سبحانه فيما قصدته» (١).
ولقد كتب عدد من الأعلام في تاريخ القدس الشريف ممن سبقوا مجير الدين فخلفوا من نتاجهم ثروة علمية كانت هي المنبع الرئيسي لكتاب «الأنس الجليل» كما قال هو ويمكننا أن نضع قائمة تقريبية لأولئك الذين كتبوا في هذا المضمار من جميع جوانبه واعتقادي أننا نستطيع أن نقيم الكتاب على ضوئها وهم حسب التسلسل الزمني:
١ - الواقدي أبو عبد الله محمد بن عمر (٢) فقد تحدث عن تاريخ القدس
_________
(١) هذا الكتاب ١ - ٢/ ط الثانية.
(٢) أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المعروف ب (الواقدي) ولد بالمدينة عام ١٣٠ هـ واتصل ببني العباس وأصبح قاضياً عندهم من أقدم مؤرخي =
стр. 11
وفتوحه في كتابه (فتوح الشام) الذي طبع عدة مرات.
٢ - اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب (١) الكاتب والمؤرخ المعروف أورد باكراً للقدس في كتابه المعروف ب (تاريخ اليعقوبي) المطبوع في المطبعة الحيدرية من النجف الأشرف وغيرها.
٣ - الطبري أبو جعفر محمد بن جرير (٢) المؤرخ والمفسر الشهير جاء من تاريخه (تاريخ الأمم والملوك) ذكر للقدس ومن تولاه وبناه.
_________
= الإسلام قال ابن النديم خلف الواقدي بعد وفاته ستمائة قمطر كتباً كل قمطر منها حمل رجلين وكان له غلامان مملوكان يكتبان الليل والنهار مات ببغداد عام ٢٠٧ هـ وله مؤلفات عديدة راجع ترجمته في (تذكر الحفاظ ٣١٧/ ١ ووفيات الأعيان ٥٠٦/ ١ وتاريخ بغداد ٣ - ٢١/ ٣ وميزان الاعتدال ١١٠/ ٣ وتهذي بالتهذيب ٣٦٣ - ٣٦٨/ ٩ والفهرست لابن النديم ٩٨/ ١ وأعيان الشيعة ١٧٠ - ١٧٨/ ٤٠).
(١) أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح الكاتب المعروف مؤرخ جغرافي كثير الأسفار من أهل بغداد صنف كتباً جيدة توفي عام ٢٨٤ هـ وخلف مؤلفات قيمة منها تاريخه المشهور وكتاب البلدان وغيرهما راجع ترجمته في (معجم الأدباء ٥/ ١٥٣ وإيضاح المكنون - للبغدادي ١/ ٢١٩ و ٢/ ٢٧٩ وأعيان الشيعة ٣٣٠ - ١٠/ ٣٦٦ ومعجم المطبوعات ١٩٤٨ والاعلام ٩٠ - ١/ ٩١ ومعجم المؤلفين ١/ ١٦١).
(٢) محمد بن جرير بن يزيد أبو جعفر الطبري مؤرخ شهير ومفسر جليل وفقيه ضليع ولد في آمل طبرستان عام ٢٢٤ هـ واستوطن بغداد وتوفى فيها عام ٣١٠ هـ قال ابن الأثير أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ وفي تفسيره ما يدل على علم غزير عرض عليه القضاء فامتنع له مؤلفات تدل على سعة اطلاع وغزارة علم راجع ترجمته في (تذكرة الحفاظ ٣٥١/ ٢ ووفيات الأعيان =
стр. 12
٤ - ابن البطريق سعيد بن البطريق (١) مؤرخ مسيحي أورد للقدس ذكراً في كتابه (نظم الجوهر - أو التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق في معرفة التواريخ) المطبوع في ليدن.
٥ - الإصطخري إبراهيم بن محمد الفارسي (٢) عالم جغرافي ورحالة تطرق لحديث القدس في كتابه (مسالك الممالك) المطبوع في ليدن.
٦ - المسعودي علي بن الحسين (٣) من مشاهير المؤرخين ذكر القدس وولاتها
_________
= ٤٥٦/ ١ وطبقات السبكي ١٣٥ - ١٤٠/ ٢ وروضات الجنات ١٦٣ - ١٦٥ ورجال المامقاني ٩٠ - ٩١/ ٢ وشذرات الذهب ٢٦٠/ ٢).
(١) سعيد بن البطريق طيب مؤرخ من أهل مصر ولد بالفسطاط عام ٢٦٣ هـ وأقيم بطريركاً في الإسكندرية توفى عام ٣٢٨ هـ وله مؤلفات عديدة راجع ترجمته في (طبقات الأطباء ٨٦/ ٢ وحسن المحاضرة - للسيوطي ١١٣/ ١ ومعجم المؤلفين ٢٢١/ ٤ وآداب اللغة العربية ٢٠٠/ ٢).
(٢) إبراهيم بن محمد الفارسي أبو إسحاق الإصطخري الكرخي نشأ بإصطخر (في إيران) وقام بسياحة طاف بها بلاد العرب وبعض بلاد الهند ووصفته المصادر بأنه جغرافي رحالة من العلماء لم تكن مصادر علم البلدان موفورة في عصره فألف كتابيه «صورة الأقاليم» و «مسالك الممالك» توفى عام ٣٤٦ هـ راجع ترجمته في (هداية العارفين ٦/ ١ ودائرة المعارف للبستاني ٧٤٤/ ٣ ودائرة المعارف الإسلامية ٢٥٦/ ٢ ومعجم المطبوعات ٤٥٣ والأعلام ٥٨/ ١).
(٣) علي بن الحسين بن علي أبو الحسن المسعودي من أعلام التاريخ ومن مشاهير الرحالين ومن الباحثين المقدرين من أهل بغداد أقام بمصر وتوفي فيها عام ٣٤٦ هـ له مؤلفات عديدة منها مروج الذهب وأخبار الزمان وغير ذلك من المؤلفات القيمة راجع ترجمته في (فوات الوفيات ٤٥/ ٢ ولسان =
стр. 13
في كتابه (التنبيه والإشراف) المطبوع.
٧ - المقدسي محمد بن أحمد (١) من مشاهير الرحلة والجغرافيين تناول ذكر القدس في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) المطبوع في ليدن.
٨ - ابن عساكر علي بن الحسن (٢) أورد فتوحات بيت المقدس وتعرض لتراجم بعض رجاله في كتابه (تاريخ ابن عساكر) طبع قسم منه.
٩ - أسامة بن منقذ (٣) من العلماء الشجعان والمؤرخين ذكر حروبه
_________
= الميزان ٢٢٤/ ٤ وطبقات الشافعية ٣٠٧/ ٢ والنجوم الزاهرة ٣١٥/ ٣ وتذكرة الحفاظ ٧٠/ ٣ والفهرست لابن النديم ١٥٤/ ١ وأعيان الشيعة ١٩٨، ٢١٣/ ٤١ والذريعة إلى تصانيف الشيعة ٣٤٧/ ٣).
(١) محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء البشاري الحنفي المقدسي شمس الدين أبو عبد الله ولد بالقدس عام ٣٦٦ هـ ولع في الاسفار فطاف أكثر بلاد الإسلام وعرفته المصادر بأنه رحالة جغرافي مات نحو سنة ٣٨٠ هـ وقالوا عنه إنه امتاز بكثرة ملاحظاته وسعة نظره له مؤلفات في فنه تدل على أهمية راجع ترجمته في (معجم المطبوعات ١٧٧٣ والأعلام ٢٠٣/ ٦).
(٢) علي بن الحسن بن هبة الله أبو القاسم ثقة الله ابن عساكر الدمشقي ولد بدمشق عام ٤٩٩ هـ كان محدث الديار الشامية ومن أعيان فقهاء الشافعية وقالت عنه الراوية بأنه مؤرخ حافظ رحالة توفي بدمشق عام ٥٧١ هـ له مؤلفات عديدة في مقدمتها تاريخه الكبير راجع ترجمته في (وفيات الأعيان ٣٣٥/ ١ والبداية والنهاية ٢٩٤/ ١٢ وطبقات الشافعية ٢٧٣/ ٤ وتاريخ ابن الوردي ٨٧/ ٢ ومرآة الزمان ١٠٠/ ١ ودائرة المعارف الإسلامية ٢٣٧/ ١ والأعلام ٨٢/ ٥).
(٣) أسامة بن مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني الكلبي الشيرازي أبو المظفر مؤيد الدولة ولد بشيراز عام ٤٨٨ هـ وسكن دمشق =
стр. 14
لبيت المقدس ومشاهداته فيها في كتابه (الاعتبار) المطبوع.
١٠ - العماد الأصبهاني محمد بن محمد (١) من أكابر الكتاب واعلام التاريخ ذكر تاريخ القدس وفتوحاته في كتابه (الفتح القسي في الفتح المقدسي) المطبوع.
١١ - ياقوت الحموي (٢) من المؤرخين المعروفين أورد للقدس ذكراً مفصلا في كتابه (معجم البلدان) المطبوع
_________
= وانتقل إلى مصر وقاد عدة حملات على الصليبيين في فلسطين من الأمراء ومن العلماء الشجعان له تصانيف في الأدب والتاريخ مات في دمشق عام ٥٨٤ هـ راجع ترجمته في «(تاريخ ابن عساكر ٤٠٠/ ٢ والبداية والنهاية ٣٣١/ ١٢ ووفيات الأعيان ٦٣/ ١ ومعجم الآباء ١٨٨ - ٢٤٥/ ٥ ودائرة المعارف الإسلامية ٧٩/ ٢ والإعلام ٢٨٢/ ١).
(١) محمد بن محمد صفي الدين ابن نفيس الدين حامد أبو عبد الله المعروف ب (عماد الدين الكاتب) الأصبهاني مؤرخ عالم بالأدب من أكابر الكتاب ولد بأصبهان عام ٥١٩ هـ وقدم إلى بغداد حدثاً فتأدب وتفقه فلمع اسمه في أوساطها وقلد عدة مناصب كبيرة في الدولة ثم رحل إلى دمشق فاستخدم عند السلطان نور الدين في ديوان الإنشاء وتنقل في مناصب بعدها بنى مدرسة عرفت باسمه «العمادية» وتوفي بها عام ٥٩٧ هـ راجع ترجمته في (وفيات الأعيان ٧٤/ ٢ ومرآة الزمان ٥٠٤/ ٨ وتاريخ ابن الوردي ١١٧/ ٢ والمختصر المحتاج ١٢٢ وحسن المحاضرة ٢٧٠/ ١ والروضتين ١٤٤/ ١).
(٢) ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي أبو عبد الله شهاب الدين مؤرخ من أئمة الجغرافية ومن أعلام اللغة والأدب أصله من الروم ولد عام ٥٧٤ هـ له مؤلفات عديدة في طليعتها معجم البلدان ومعجم الأدباء توفي عام ٦٢٦ هـ راجع ترجمته في (وفيات الأعيان ٢١٠/ ٢ ومرآة الجنان ٥٩ - ٦٣/ ٤ ومعجم المطبوعات ١٩٤١ وآداب اللغة العربية ٨٨/ ٢ والأعلام ١٥٧/ ٩).
стр. 15
١٢ - ابن الأثير علي بن محمد (١) المؤرخ الشهير تطرق لذكر تاريخ القدس وبنائه في كتابه (التاريخ الكامل) المطبوع.
١٣ - أبو شأمة عبد الرحمن بن إسماعيل (٢) مؤرخ محدث ذكر ولاة القدس في كتابه (الروضتين في أخبار الدولتين - النورية والصلاحية) المطبوع.
١٤ - ابن العبري أبو الفرج (٣) مؤرخ سرياني مستعرب أورد
_________
(١) علي بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري أبو الحسن عز الدين ابن الأثير المؤرخ الشهير من العلماء في النسب والأدب ولد ونشأ في جزيرة ابن عمر عام ٥٥٥ هـ وسكن الموصل وتجول في البلدان وعاد إلى الموصل فكان منزله مجمع الفضلاء والأدباء وتوفى بها عام ٦٣٠ هـ في مقدمة مؤلفاته تاريخه الكامل الذي طبع عد مرات راجع ترجمته في (وفيات الأعيان ٣٤٧/ ١ وطبقات الشافعية ١٢٧/ ٥ ومفتاح السعادة ٢٠٦/ ١ وتاريخ أبي الفداء ٨٥٤/ ٣).
(٢) عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي أبو القاسم شهاب الدين أبو شأمة مؤرخ محدث باحث أصله من القدس مولده في دمشق عام ٥٩٩ هـ وبها منشأه ووفاته عام ٦٦٥ هـ تولى مشيخة دار الحديث الأشرفية ودخل عليه اثنان في صورة مستفتين فضرباه ضرباً مبرحاً تمرض على أثره ومات معلولاً منها له مؤلفات عديدة منها (الروضتين في أخبار الدولتين - النورية والصلاحية) مطبوع راجع ترجمته في (فوات الوفيات ١: ٢٥٢ وبغية الوعاة ٣٩٧ والبداية والنهاية ١٣: ٢٥٠ وطبقات الشافعية ٦١: ٥ ونفح الطيب ٤٦: ١ ومعجم المطبوعات ٣١٧ والأعلام ٧٠: ٤).
(٣) غريغوريوس بن هارون بن توما الملطي أبو الفرج المعروف بابن العبري ولد في ملطية سنة ٦١٣ هـ وفر إلى أنطاكية مع أبيه مؤرخ سرياني مستعرب توفي سنة ٦٨٥ هـ ونقل إلى الموصل ودفن بها وقالت المصادر أنه خلف =
стр. 16
للقدس ذكراً في كتابه (تاريخ مختصر الدول) المطبوع.
١٥ - ابن فضل لله العمري (١) من المعروفين بخطوط الأقاليم والبلدان أورد ذكراً للقدس في كتابه) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) المطبوع.
١٦ - ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد (٢) ذكر فتوح القدس وأخباره وبناءه وولاته في كتابه (التاريخ الكبير - المسمى العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب -) المطبوع مرتين.
_________
= ٣٥ مصنفاً في علوم مختلفة راجع ترجمته في (دائرة المعارف الإسلامية ١٢٦: ١ واللؤلؤ المنثور ٤١١ - ٤٣٠ ومعجم المطبوعات ٣٣٩ والأعلام ٣٠٨ - ٣٠٩: ٥ ومعجم المؤلفين ٣٩ - ٤٠: ٨).
(١) أحمد بن يحيى بن فضل الله القرشي العدوي العمري شهاب الدين مؤرخ ضليع حجة في معرفة الممالك والمسالك وخطوط الأقاليم والبلدان عارف بأخبار رجال عصره وتراجمهم غزير المادة واسع الاطلاع ولد عام ٧٠٠ هـ بدمشق ونشأ بها وتوفى فيها عام ٧٤٩ هـ له مؤلفات متعددة قيمة راجع ترجمته في (فوات الوفيات ٧: ١ وتاريخ ابن الوردي ٣٥٤: ٢ والدرر الكامنة ٣٣١: ١ والنجوم الزاهرة ٣٣٤: ١٠ وشذرات الذهب ١٦٠: ٦ وحسن المحاضرة ٣٢٩: ١ ومعجم المؤلفين ٢٠٤: ٢).
(٢) عبد الرحمن بن محمد بن محمد ابن خلدون أبو زيد ولي الدين الحضري الإشبيلي الفيلسوف المؤرخ الاجتماعي البحاثة ولد بإشبيلية عام ٧٣٢ هـ تنقل في البلدان وتولى القضاء فيها في المذهب المالكي توفى بالقاهرة فجأة عام ٨٠٨ هـ له مؤلفات تدل على سع أفقه راجع ترجمته في (الضوء اللامع ١٤٥: ٤ والعبر ٣٧٩: ٧ ونفح الطيب ٤١٤: ٤ وشذرات الذهب ٨٣: ٤ ودائرة المعارف الإسلامية ١٥٢: ١ ومعجم المطبوعات ٩٥ - ٩٧ والأعلام ١٠٦: ٤)
стр. 17
١٧ - المقريزي أحمد بن علي (١) المؤرخ المصري المعروف تطرق لذكر هذا البيت المقدس وملوكه في كتابه (السلوك لمعرفة الملوك) وقد طبع.
١٨ - ابن شاهين غرس الدين خليل (٢) مؤرخ شهير من المماليك ذكر خطط القدس في كتابه (زبدة كشف الممالك) المطبوع في باريس.
١٩ - ابن تغري بردي (٣) من المؤرخين المشهورين أورد ذكراً لتاريخ
_________
(١) أحمد بن علي بن عبد القادر أبو العباس الحسيني العبيدي تقي الدين المقريزي مؤرخ الديار المصرية أصله من بعلبك ونسبته إلى حارة المقارزة ولد عام ٧٦٦ هـ ونشأ بها ونال مراتب مرموقة في الدولة وأصبح شخصي لامعة مات في القاهرة عام ٨٤٥ هـ وصفته المصادر بأنه عمدة المؤرخين وعين المحدثين مؤلفاته قيمة تدل على مقدرة علمية وتاريخية وسعة أفق راجع ترجمته في مقدمة كتاب النقود الإسلامية طبع النجف التبر المسبوك للسخاوي ٢١ وحسن المحاضرة ٢٦٦/ ١ والبدر الطالع ٧٩/ ١ وآداب اللغة العربية ١٧٥/ ٣ والأعلام ١٧٢/ ١).
(٢) غرس الدين خليل بن شاهين الظاهري المعروف بابن شاهين أمير من المماليك اشتهر بمصر كان من المولعين بالبحث وله تصانيف ونظم ولد ببيت المقدس عام ٨١٣ هـ وتعلم بالقاهرة وتولى مناصب رسمية فيها وتوفى بطرابلس سنة ٨٧٣ هـ ذكرت الرواية بأن له نحو ثلاثين مصنفاً راجع ترجمته في (الضوء اللامع ١٩٥/ ٣ وهداية العارفين ٣٥٣/ ١ والخطط التوفيقية ٦٨/ ٨ ومعجم المطبوعات ١٣٣ والأعلام ٣٦٧/ ٢).
(٣) يوسف بن تغرى بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي أبو المحاسن جمال الدين مؤرخ بحاثة مولده بالقاهرة عام ٨١٣ ووفاته فيها أيضاً عام ٨٧٤ هـ له مؤلفات تدل على تأدب وتفقه وولع بالتاريخ في طليعتها موسوعته التاريخية «النجوم الزاهرة» راجع ترجمته في (النجوم الزاهرة ٩ - ٢٨/ ١ =
стр. 18
القدس وولاته وفتحه في كتابه (النجوم الزاهرة في محاسن مصر والقاهرة) مطبوع.
٢٠ - شمس الدين السيوطي (١) خص ذكر القدس وأهمية هذا البيت الشريف بكتابه (إتحاف الاخصا بفضائل المسجد الأقصى) المطبوع.
٢١ - مجير الدين العليمي في كتابه (الأنس الجليل) والذي نحن بصدد تقديمه.
وعلى ضوء هذه القائمة التي قدمناها نستطيع أن نستنتج أمرين مهمين عن هذا الكتاب هما:
أولاً - أن هذه المنابع التي ذكرناها - وقد تكون هناك غيرها - لم تتناول موضوع القدس وما يتعلق به بصورة خاصة وإنما جاء الحديث عنه بصورة عامة وواحداً من المواضيع التي عالجتها تلك الكتب عدى كتاب «إتحاف الاخصا بفضائل المسجد الأقصى» وفيما يبدو لي أن الكتاب خاص بالموضوع نفسه ويؤسفني إني لم أطلع على الكتاب.
أما كتاب «الفتح القسي في الفتح القدسي» وإن لم يكن مخصصاً لهذا الموضوع فحسب غير أن حديث القدس وما يتصل به قد أخذ قسماً كبيراً منه وهنا تظهر مزية كتاب «الأنس الجليل» إذ أن الكتاب بجزئية قد كرس في الموضوع نفسه ولم يخرج عن الصدد.
ثانياً - أن كتاب «الأنس الجليل» جاء حصيلة هذه المجموع المجموعة القيمة
_________
والضوء اللامع ٣٠٥/ ١٠ وشذرات الذهب ٣١٧/ ٧ ودائرة المعارف الإسلامية ٣٩٦/ ١ وآداب اللغة العربية ١٨٠/ ٣ والأعلام ٢٩٥/ ٩)
(١) محمد بن شهاب الدين أحمد بن علي بن عبد الخالق المنهاجي المعروف ب (شمس الدين السيوطي) نبغ في حدود سنة ٨٧٥ هـ ولم نطلع على ترجمته بأكثر من هذا له كتاب وهو (إتحاف الاخصا بفضائل المسجد الأقصى) راجع (معجم المطبوعات ١٠٨٥ - ١٠٨٦).
стр. 19
من المصادر التي تناولت حديث القدس وتاريخه من جميع جوانبه مضافاً إلى أن مؤلفه هو من تلك المنطقة ومعلوماته مبتنية على الدراسة المعمقة والاطلاع شخصي والمعلومات التاريخية الشخصية وعلى أساس هذين الجانبين جاء الكتاب بعيداً عن كل شائبة وعن الزيادات المخلة وعن الاستنتاجات المرتجلة.
- ٣ -
وإذا عدنا إلى الكتاب نفسه لنلقي عليه أضواء تكشف لنا جوانبه الجديرة البحث والاهتمام نراها لا تتجاوز ما يلي:
١ - منهج المؤلف في عرض كتابه.
٢ - الأسباب والدوافع التي بعثته لوضع هذا الكتاب.
ومن هذين الجانبين نستطيع أن نقيم الكتاب ومدى أهميته.
أولاً - منهج المؤلف في عرض الكتاب:
ونستطيع أن نحدد منهج المؤلف في كتابه هذا بالنقاط التالية:
أولاً - عرض لتاريخ بيت المقدس يتضمن أسماء هذه المدينة وابتداء بنائها وما وقع فيها من الأخبار والأنباء حتى عام ٩٠٠ هـ.
ثانياً - ذكر الأنبياء والرسل الذين لهم أثر في هذا المسجد حتى رسول الإنسانية النبي الأعظم محمد ﷺ وما رافقته من أحداث هامة بالنسبة لهذا البيت المقدس أمثال الإسراء وتحويل القبلة.
ثالثاً - عرض لذكر الخلفاء والولاة الذين فتحوا أو أشادوا في هذا البلد من صدر الإسلام حتى نهاية التاريخ المحدد للكتاب وحوادث الإفرنج وحروبهم.
стр. 20
رابعاً - عرض لذكر أعيان التابعين والعلماء والزهاد ممن دخلوا بيت المقدس سواء كانوا زائرين أو مستوطنين.
خامساً - تقديم صورة موجزة عن تاريخ مدينة الخليل وما حولها من المشاهد والأماكن المعد للزيارة.
سادساً - ترجمة أعيان ملوك الإسلام الذين تولوا الحكم في البيت المقدس والخليل وما فعلوه من الخيرات والميراث.
سابعاً - ترجمة عدد من أعيان البلدتين من المذاهب الأربعة ومن ولي فيهما المناصب الحكمية والوظائف الدينية مضمناً هذه التراجم أهم الحوادث والأخبار التي ترافقها.
ثامناً - يختم الكتاب بترجمة الملك الأشرف أبي النصر قايتباي وأهم مشاريعه الثقافية وفي مقدمتها مدرسته ثم يتعرض لترجمة كمال الدين أبي المعالي محمد بن أبي شريف الشافعي - رئيس مشيختها - وهو أحد أساتذة المؤلف -.
ولسنا مبالغين إذا ادعينا أن هذا الكتاب بهذا المنهج الضخم يكاد يكون أوسع مؤلف كتب في تاريخ هذه المدينة المقدسة سواء من الكتب الخاصة أو المصادر التاريخية العامة التي تناولت تاريخ هاتين المدينتين.
خاصة وأن المؤلف هو ممن تلك الديار وممن تثقف في أوساطها وعانى بؤسها ونعيمها وتذوق حلوها ومرها لهذا كله فهو أمكن من غيره في إعطاء الصور الواضح المعالم عنها وأقدر على استخلاص النتائج والحقائق من بين ثنايا الحوادث والأخبار التي مر بها تاريخ البلدين.
وقد جاء هذا المنهج بأسلوب سهل وعرض جميل بعيداً عن التكلف والتعقيد مبوباً في أحسن تبويب.
стр. 21
ثانيا - الأسباب والدوافع لوضع الكتاب:
ولعل الأسباب والدوافع التي تحدث عنها المؤلف نفسه في تأليف هذا الكتاب معطياً هذا الجانب الهام فهو يقول:
«وإنما دعاني لذلك أن غالب بلاد الإسلام قد اعتنى بها الحفاظ وكتبوا بتاريخها مما يفيد أخبارها الواقع في الزمن السابق وبيت المقدس على شيء من ذلك الذي يختص به وإنما ذكروا في التواريخ أشياء في أماكن ورأيت الأنفس متشوق إلى شيء من هذا النمط الذي قصدت فعله العلماء كتب شيئاً يتعلق بالفضائل فقط وبعضهم تعرض لذكر الفتح وعمار بني أمي وبعضهم ذكر الفتح الصلاحي واقتصر عليه ولم يذكر بعده وبعضهم كتب تاريخاً تعرض فيه لذكر بعض جماع من أعيان مما ليس فيه كبير فائدة فأحببت ن أجمع بين ذكر البناء والفضائل وتراجم الأعيان وذكر بعض الحوادث المشهور ليكون تاريخاً كاملاً المسؤول وهو المسؤول أن يمن علي بتيسير إتمامه» (١).
ومع ضخامة الكتاب وتوسعه في تنوع مواضيعه فقد صرح المؤلف كتابه بأنه كان قد ابتدأ في جمعه في الخامس عشر من شهر ذي الحج ٩ هـ وفرغ من ترتبه وجمعه في دون أربع أشهر رغم العوارض التي صرفت عن الاستمرار في مشروعه مد شهر لم يكتب فيها شيئاً (٢).
_________
(١) هذا الكتاب ٥/ ١.
(٢) نفس المصدر ٣٨٣/ ٢.
стр. 22
وكان من المنتظر أن يكون الكتاب بهذه السرعة مرتجلاً خفيف الوزن ولكنه برغم ذلك كله فإنه كتاب قيم ممتع يدل على سع اطلاع وبعد في التاريخ ولذا فلا نخشى إن ادعينا أنه من المصادر القيمة في بابه.
ويؤكد هذا المعنى ما قاله بعض الكتاب عنه «وظني إنه لم يصنف في مثله مثله ولم يوجد في بابه نظيره» (١).
ورغم أن الكتاب طبع مرة واحدة في المطبعة الوهبية بمصر في عام ١٢٨٣ هـ في مجلدين عدد صفحاته ٧١٢ صفح بقطع الوسط فقد ترجم إلى الفرنسي - نظراً لأهميته - قام بترجمته الأستاذ هنري سوفار وطبع في باريس عام ١٨٧٦ م (٢).
وصرحت بعض المصادر بوجود نسخ مخطوط من هذا الكتاب في أكثر مكاتب أوروبا وكذلك توجد منه نسخ مخطوطة في دار الكتب المصرية تقع في ٤٤٠ صفح (٣).
ولقد مر على طبع الكتاب قرن واحد ونفذ من الأسواق في ظرف هذه المد الطويلة لهذا فكر الأخ الفاضل الشيخ محمد كاظم الكتبي أن يعيد طبعه ثاني في سلسل مطبوعات (مكتبة الحيدرية) وبصورة بسيطة ليوفره لدى المسلمين نظراً لما للكتاب من أهمية خاصة بالنسبة لمدينة القدس في الوقت الحاضر وهي تمر بدون خطير قد وضع الصهاينة الغاصبون يد الاحتلال على معالم هذه المدينة المقدسة قبلة المسلمين الأولى ومهبط الوحي ومثوى الأنبياء.
_________
(١) الفوائد البهية في تراجم الحنفية: ١٦٨/ هامش ١.
(٢) معجم المطبوعات: ٣٥٨.
(٣) تاريخ آداب اللغة العربية: ١٩٨/ ٣.
стр. 23
لقد شاء الأخ الناشر أن يعيد للأذهان المسلمة تاريخ هذه المدينة المقدسة بطبعه هذا الكتاب، وتداوله بين الناس، ويشعر الضمير الإنساني المسلم بأن المسلمين الذين يسكنون هذه البقعة الطاهرة هم الآن يرزحون تحت كابوس الاحتلال الصهيوني الغادر، فلا بد من أن يستيقظ العالم الإسلامي من غفوته، ويعمل على محو العار من عاتقه، وذلك بتحرير هذه البقعة الطاهرة من براثن اليهودية التي تضمر الحقد الأسود للإسلام والمسلمين من يوم «خيبر».
وليس من السهل على أمة تشعر بالكرامة أن تتناسي ماضيها الزاهر، وتتغاضى عن مجدها العظيم، وهي في قوتها وعزتها، فلا بد لها من جوله حاسمة لتطهر المدينة المقدسة من الأرجاس الصهاينة، لترابط حاضرها بماضيها، وتتم سجل التاريخ بالدم والتضحية، وما النصر إلا من عند الله.
وأخيرا أرجو أن يكون حسن الاختيار في طبع هذا الكتاب حليف الأخ الناشر، والله ولي التوفيق.
النجف الأشرف ١٤/ ١/ ١٣٨٨ - ١٢/ ٤/ ١٩٦٨ م
السيد محمد علي بحر العلوم
стр. 24
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المتفضل على خلقه بفتح أبواب الرحمة المحسن إلى أهل الملة الحنيفية بترادف الخير والنعمة الذي يسر لمن اختاره لنصرة دينه أسباب علو الهمة وأنعم على عبيده سكان البيت المقدس بما منحهم من الإقامة به وكشف عنهم الغمة أحمده سبحانه على ما من به علينا من المجاورة للمسجد الشريف الأقصى وأشكره على مننه التي كثرت فلا تعد ولا تحصى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الفعال لما يريد وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي نصر به دينه وقمع به كل جبار عنيد صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين أيد الله بهم الإسلام فمهدوا قواعد الدين من بعده وقاموا بنصرته أعظم قيام صلاة وسلاماً دائمين إلى أن نلقاه إن شاء الله بدار السلام.
(أما بعد) فهذا مختصر استخرت الله تعالى فيجمعه وسألته المعونة لي بفضله في ترتيب وضعه يتضمن تاريخ البيت المقدس الذي هو على التقوى مؤسس وقص السيد الجليل سيدنا إبراهيم الخليل وأبنائه السادة الكرام وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن لي أن أجمعه من كتب المتقدمين وأهذب ألفاظه من فوائد المؤرخين واذكر ما يتعلق ببيت المقدس من ابتداء أمره وبنائه وما وقع من أخباره وأبنائه ممن لدن آدم ﵇
стр. 25
إلى عصرنا هذا وهو آخر عام تسعمائة من هجرة النبي المصطفى خير الأنام وأضيف إلى ذلك نبذة ممن الحوادث والأخبار وتراجم الأعيان على وجه لاختصار فاستعنت بالله سبحانه فيما قصدته وتوكلت عليه في تيسير ما تصورته وشرعت في ذلك طالباً من الله التوفيق والمن بالهداية لأقوم طريق فأذكر ولا نبذة يسيرة من تفسير أول سورة الإسراء أو أسماء المسجد الأقصى وبيت المقدس وما ورد من الخلاف في ابتداء أمره ثم اذكر أول ما خلق الله من مخلوقاته إلى حين خلق آدم ثم اذكر سيدنا آدم ﵇ ومن بعده من الأنبياء إلى سيدنا إبراهيم ونبذة يسيرة من أخبارهم.
ثم اذكر قصة سيدنا إبراهيم الخليل ﵊ ومولده ونبوته نبذة من سيرته ومعجزاته وأولاده الكرام وهجرته وبناء الكعبة المشرفة وقصة لذبيح وشراء المغارة ووفاته وبناء السور السليماني المحيط بقبره وكونه صار مسجداً وذرعه طولاً وعرضاً واذكر صفة المسجد وما هو مشتمل عليه وترتيب قبور الأنبياء ﵈ ثم اذكر نبذة من أخبار السماط الكريم ونظامه ثم اذكر ما بعد إبراهيم من الأنبياء إلى سيدنا موسى وأخيه هارون ﵉ ثم اذكر السبب في ملك سيدنا داود ﵇ ونبذة يسيرة من سيرته واهتمامه بناء المسجد الأقصى الشريف بإذن الله تعالى ثم أذكر عمارة سيدنا سليمان ﵇ لمدينة القدس والمسجد الأقصى وما كان عليه من الصفات والعجائب نبذة من سيرة سيدنا سليمان ثم اذكر تخريبه على يد بخت نصر والسبب فيه ثم اذكر عمارته الثانية على يد كورش ملك الفرس واذكر من كان من الأنبياء من بعد سيدنا سليمان إلى سيدنا يونس ﵈ ثم اذكر مولد سيدنا زكريا ويحيى وعيسى بن مريم ﵈ ونزول المائدة على عيسى وصعوده إلى السماء ونبذة من سيرته ثم اذكر خراب بيت المقدس الثاني على يد طيطوش زوال دولة اليهود ثم اذكر عمارته الثالثة.
стр. 26
ثم اذكر مولد سيد الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين ونبذة من سيرته الشريفة وقصة المعراج وما وقع له ليلة الإسراء بالمسجد الأقصى الشريف وهجرته وبناء مسجده الشريف وتحويل القبلة من صخرة بيت المقدس إلى المسجد الحرام ونبذة من أخباره وغزواته ووفاته ﷺ ثم اذكر نبذة من فضائل المسجد الأقصى وما ورد فيه ثم اذكر الفتح العمري الذي يسره الله تعالى على يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمارته على يديه ومن دخله من أعيان الصحابة واستوطنه واذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان بالقدس الشريف ثم اذكر بناء عبد الملك بن مروان لقبة الصخرة الشريفة وبناء المسجد الأقصى وما وقع في ذلك واذكر طرفاً من أخبار عبد الله بن الزبير ﵁ وما وقع له مع الحجاج بن يوسف بأمر عبد الملك وهدم الكعبة وبناءها مرة بعد أخرى ونبذة من أخبارها وذرع المسجد الحرام طولاً وعرضاً وعدد أبوابه ومنابره ثم اذكر جماعة من أعيان التابعين والعلماء والزهاد ممن دخل بيت المقدس زائراً ومستوطناً قبل استيلاء الإفرنج عليه ثم اذكر تغلب الإفرنج واستيلائهم على بيت المقدس بعد ذلك لضعف دولة الفاطميين وسوء تدبيرهم ثم اذكر الفتح الصلاحي الذي يسره الله تعالى على يد السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب تغمده الله برحمته وما وقع له من الغزوات ونبذة من سيرته ووفاته ثم اذكر ما وقع بعده من تسليم القدس للإفرنج وانتزاعه منهم مرة بعد أخرى لوقوع الخلف بين ملوك بني أيوب.
ثم اذكر صفة المسجد الأقصى وما هو عليه في عصرنا وذرعه طولا وعرضا وكذلك صحن الصخرة الشريفة وارتفاع القبة ثم اذكر غالب ما في بيت المقدس من المدارس والمشاهد مما هو مجاور لسور المسجد الأقصى وغيره وأسماء من عرفته من الواقفين للمدارس وما اطلعت عليه من تواريخ أوقافهم ثم أذكر ما بظاهر بيت المقدس من عين سلوان وعين المقذوفات وبئر أيوب وطول زيتا وقبر مريم
стр. 27
والساهرة وبيت لحم ورملة فلسطين ولد وغير ذلك.
ثم أذكر نبذة من أخبار مدينة سيدنا إبراهيم الخليل ﵊ وما فيها وما حولها مما اشتهر من المشاهد والأماكن المقصودة للزيارة وأذكر الاقطاع التميمي ثم أذكر جماعة من أعيان ملوك الإسلام ممن تولى على بيت المقدس وبلد سيدنا الخليل ﵇ وفعل فيهما الخير من أنواع البر والعمارة ثم أذكر ما تيسر من أعيان علماء البلدتين من المذاهب الأربع ومن ولى فيهما لمناصب الحكمية والوظائف الدينية ومن عرف منهم بالزهد والصلاح وأذكر من تراجمهم نبذة مما اطلعت عليه من الحوادث والأخبار مما لا يخلو من فائدة إن شاء الله تعالى ثم أختم الكتاب بذكر ترجمة ملك العصر والزمان مولانا السلطان الملك لأشرف أبو النصر قايتباي نصره الله تعالى وأذكر مدرسته الشريفة الشريفة وأنها من محاسن بيت المقدس لا سيما كونها في المسجد الأقصى الشريف وهي آخر مدرسة بنيت فيه واذكر ابتداء ولايته السلطنة وأحوال بيت المقدس وأحوال بلد سيدنا الخليل ﵊ في أيامه واذكر سبب بناء مدرسته وتولية مشيختها شيخ الإسلام الشيخ كمال الدين أبي المعالي محمد بن أبي شريف الشافعي أدام الله نفع بعلومه وأذكر تاريخ مولده وأسماء مصنفاته وما تيسر من ترجمته واجتهد في إيجاز لفظ هذا الكتاب حسب الإمكان طالباً للاختصار.
(وسميته بالأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل) وإذا من الله بإكماله كان تاريخاً للقدس والخليل خاصة ولغيرهما عامة فإنه يكون فيه تاريخ المساجد ثلاثة وغيرها فالكعبة المشرفة ذكرها بالنسبة إلى ذكر قصة سيدنا الخليل ﵊ ومسجد النبي ﷺ ذكره بالنسبة إلى ذكره الشريف غير ذلك من الحوادث بالنسبة لارتباط الأخبار بعضها ببعض وحين عزمي على رفعه لم أقصد ذلك وإنما قصدت ذكره ما يتعلق بالقدس والخليل فقط فتأملت ما قصدت معه فرأيت الحال يتطرق إلى ذكر جميع ذلك لأمور لا يخفى على من تأمل.
стр. 28
والله يعلم إني لم أقصد بذلك الفخر ولا أن يقال إني من جملة المصنفين لعلمي بحقيقة حالي في التقصير وأن بضاعتي في العلم مزجاة وإنما دعاني لذلك أن غالب بلاد الإسلام قد اعتنى بها الحفاظ وكتبوا ما يتعلق بتاريخها مما يفيد أخبارها الواقعة في الزمن السابق وبيت المقدس لم أطلع له على شيء من ذلك يختص به وإنما ذكروا في التواريخ أشياء في أماكن متفرقة ورأيت الأنفس متشوقة إلى شيء من هذا النمط الذي قصدت فعله فإن بعض العلماء كتب شيئاً يتعلق بالفضائل فقط وبعضهم تعرض لذكر الفتح العمري وعمارة بني أمية وبعضهم ذكر الفتح الصلاحي واقتصر عليه ولم يذكر ما وقع بعده وبعضهم كتب تاريخاً تعرض فيه لذكر بعض جماعة من أعيان بيت المقدس مما ليس فيه كبير فائدة فأحببت أن أجمع بين ذكر البناء والفضائل والفتوحات وتراجم الأعيان وذكر بعض الحوادث المشهورة ليكون تاريخاً كاملاً والله المسؤول وهو المأمول أن يمن علي بتيسير إتمامه وكما وفقني لبدايته يعينني على إكماله وختامه وأن ينفعني والمسلمين بما فيه أنه قريب مجيب وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
(نبذة يسيرة من تفسير أول سورة الإسراء وذكر أسماء المسجد الأقصى)
قال الله تعالى في كتابه العزيز - بعد قوله تعالى وهو أصدق القائلين - بسم الله الرحمن الرحيم (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا أنه هو السميع البصير) قال المفسرون رضي الله تعالى عنهم سبحان هي تنزيه الله تعالى عن كل سوء ووصفه بالبراءة من كل نقص وتكون سبحان بمعنى التعجب أسرى بعبده ليلاً أي سيره والعبد هو محمد ﷺ لم يختلف في ذلك أحد من الأمة من المسجد الحرام يعني مكة إلى المسجد الأقصى هو مسجد بيت المقدس الذي باركنا حوله يعني بالأنهار والأشجار والأثمار.
стр. 29
وعن ابن عباس ﵁ في قوله باركنا حوله فلسطين والأردن ويأتي ذكر فلسطين فيما بعد أن شاء الله تعالى وأما الأردن فهو نهر الشريعة المذكور في قوله تعالى (أن الله مبتليكم منبهر) وهو بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال المهملة وتشديد النون.
وقال أبو القاسم السهيلي قوله الذي باركنا حوله يعني الشام والشام بالسريانية الطيب سميت بذلك لطيبها وخصبها وقيل باركنا حوله بمقابر الأنبياء وقيل غير ذلك وقيل سماه مباركاً لأنه مقر الأنبياء وقبلتهم ومهبط الملائكة والوحي وفيه يحشر الناس يوم القيامة وسمي الأقصى لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام وقيل كان هذا أبعد مسجد عن أهل مكة في الأرض يعظم للزيارة مكة في الأرض يعظم للزيارة وقيل لبعده عن الأقذار والخبائث وروي أنه سمي الأقصى لأنه وسط الدنيا لا يزيد شيئاً ولا ينقص.
وقوله تعالى (والتين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين) روي عن أبي هريرة ﵁ قال أقسم ربنا ﷻ بأربعة أجبل فقال والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين قال التين طور سيناء مسجد دمشق والزيتون طور زيتا مسجد بيت القدس وطور سينين حيث كلم الله موسى ﵇ وهذا البلد الأمين جبل مكة.
ومن أسماء بيت المقدس أيليا بهمزة مكسورة ثم ياء آخر الحروف ساكنة ثم لام مكسورة ثم ياء آخر الحروف ثم ألف ممدودة ككبرياء وحكى فيها القصر ومعناه بيت الله المقدس وبيت المقدس بفتح الميم وسكون القاف أي المكان المطهر من الذنوب واشتقاقه من القدس وهي الطهارة والبركة فمعنى بيت المقدس المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب ويقال المرتفع المنزه عن الشرك والبيت المقدس بضم الميم وفتح الدال المشددة أي المطهر وتطهيره إخلاؤه من الأصنام وبيت القدس بضم الدال وسكونها لغتان.
стр. 30
ومن أسماء بيت المقدس ورشلم بشين معجمة وتشديد اللام ويروى بالمهملة وكسر اللام ويروى شلم ومعناه بالعبرانية بيت السلام وصهيون بكسر الصاد المهملة ويقال لمسجد بيت المقدس الزيتون ولا يقال له الحرم.
وقد اختلف في أول من بنى مسجد بيت المقدس قبل داود ﵇ فروى بعض العلماء أن أول من بناه الملائكة بأمر الله تعالى ويقال أن الذي بناه إسرافيل ﵇.
وقد روى المحدثون عن أبي ذر ﵁ أنه قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ قال المسجد الحرام قال قلت ثم أي؟ قال المسجد الأقصى قلت كم بينهما؟ قال أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصلاة فصل فإن الفضل فيه وقد روى أن الملائكة بنوا المسجد الحرام قبل خلق آدم بألفي عام فكانوا يحجونه قال الإمام أبو العباس القرطبي يجوز أن يكون بناه يعني مسجد بيت المقدس الملائكة بعد بنائها البيت المعمور بإذن الله تعالى وظاهر الحديث يدل على ذلك والله أعلم.
ومن العلماء من قال بني مسجد بيت المقدس آدم ﵇ ومنهم من قال أسسه سام بن نوح ﵉ ومنهم من قال أول من بناه وأرى موضعه يعقوب بن إسحاق ﵉ روى أن أباه إسحاق أمره أن لا ينكح امرأة من الكنعانيين وأمره أن ينكح من بنات خاله فلما توجه إلى خاله لينكح ابنته أدركه الليل في بعض الطريق فبات متوسداً حجراً فرأى فيما يرى النائم أن سلماً منصوباً إلى باب من أبواب السماء والملائكة تعرج فيه وتنزل فأوحى الله إليه إني أنا الله لا إله إلا أنا وقد ورثتك هذه الأرض المقدسة وذريتك من بعدك ثم أنا معك أحفظك حتى أدرك إلى هذا المكان فأجعله بيتاً تعبدني فيه فهو بيت المقدس وقد تأول بعض العلماء معنى الحديث الشريف الوارد أن بناء المسجد الأقصى كان بعد بناء المسجد الحرام بأربعين سنة على أن المراد به بناء يعقوب ﵇ لمسجد بيت المقدس بعد بناء إبراهيم الخليل ﵊ الكعبة الشريفة والله أعلم.
стр. 31
والحديث الشريف المتقدم وهذه الأقوال تدل على أن بناء داود وسليمان ﵉ إياه لما كان على أساس قديم لا إنهما المؤسسان له بل هما مجددان وكل قول الأقوال الواردة في بناء المسجد الأقصى لا ينافي الآخر فإنه يحتمل أن يكون الملائكة أولاً ثم جدده آدم ﵇ ثم سام بن نوح ﵉ ثم يعقوب بن إسحاق ﵉ ثم داود وسليمان ﵉ فإن كل نبي منهم بينه وبين الآخر مدة أن يجدد فيها البناء المتقدم قبله والقول بأن سام نوح أسسه ظاهر فإن سام بن نوح هو الذي اختط مدينة بيت المقدس وبناها وكان ملكاً عليها فلا يبعد أن يكون في المسجد حين بنائه المدينة ولكن يحمل على تجديده للبناء القديم لا تأسيسه والله أعلم.
وأما مدينة القدس فكانت أرضها في ابتداء الزمان صحراء بين أودية وجبال خالية لا بناء فيها ولا عمارة فأول من بناها واختطها سام بن نوح ﵉ وكان ملكاً عليها وكان يلقب مليكيصادق بفتح الميم وسكون اللام وكسر الكاف وسكون الياء المثناة من تحتها وفتح الصاد المهملة وبعدها ألف ثم دال مهملة مكسورة فيها قاف ومعناه بالعبرانية ملك الصدق.
ومما حكي في أمر بناء القدس في تواريخ الأمم السالفة أن مليكيصادق نزل في بيت المقدس وقطن بكهف من جبالها يتعبد فيه واشتهر أمره حتى بلغ ملوك الأرض من هم بالقرب من أرض بيت المقدس وبالشام وسدوم وغيرهما وعدتهم اثنا عشر فحضروا إليه فلما رأوه وسمعوا كلامه اعتقدوه وأحبوه حباً شديداً ودفعوا مالاً ليعمر به مدينة القدس فاختطها وعمرها وسميت بروشليم وتقدم أن معناه عمرانية بيت السلام فلما انتهت عمارتها اتفقت الملوك كلهم أن يكون مليكيصادق عليها وكنوه بأبي الملوك وكانوا بأجمعهم تحت طاعته واستمر حتى مات بها يأتي ذكر مولده ووفاته عند ذكر والده نوح إن شاء الله تعالى.
ولما بنيت مدينة بيت المقدس كان محل المسجد في وسطها وهو صعيد واحد صخرة الشريفة قائمة في وسطه حتى بناه داود ثم سليمان كما سنذكر إن شاء الله تعالى.
стр. 32
(ذكر أول ما خلق الله
قال ابن عباس ﵄ أول ما خلق الله تعالى اللوح المحفوظ فحفظه بما كتب الله فيه مما كان ويكون لا يعلم ما فيه إلا الله وهو من درة بيضاء دفتاه ياقوتتان حمراوان وهو في عظم لا يوصف.
وخلق الله قلماً من جوهرة طولها مسيرة خمسمائة عام مشقوق السن ينبع منه النور كما ينبع من أقلام أهل الدنيا المداد ثم نودي القلم أن اكتب فاضطرب من هول النداء حتى صار له ترجيع كترجيع الرعد ثم جرى في اللوح بما هو كائن وما هو فاعله في الوقت الذي يفعله إلي يوم القيامة فامتلأ اللوح وجف القلم سعد من سعد وشقي من شقي.
وخلق الله الماء ثم خلق الله من بعد ذلك درة بيضاء في عظم السماوات والأرضين ثم نادها الرب فاضطربت وذابت من هول النداء حتى صارت ماء يموج بعضها في بعض ثم نودي أن أسكن فاستقر وهو ماء صافي لا كدر فيه ولا موج ولا زبد.
(خلق العرش والكرسي والريح)
ثم خلق الله تعالى العرش والكرسي من جوهرتين عظيمتين ووضعهما على تيار الماء قال الله تعالى (وكان عرشه على الماء).
قال ابن عباس ﵄ كل صانع بني الأساس فإذا تم يتخذ عليه السقف وإن الله تعالى خلق السقف أولا ثم خلق الأساس لأنه خلق العرش قبل السماوات والأرضين ثم خلق الله الريح وجعل لها أجنحة لا يعلم كثرتها إلا الله وأمرها أن تحتمل هذا الماء وكان العرش على الماء والماء على الريح ثم خلق الله حملة العرش وهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله بأربعة أخر فذلك قوله
стр. 33
تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) وهم في عظم لا يوصفون ثم خلق الله حول العرش حية محدقة به رأسها من درة بيضاء وجسدها من ذهب وعيناها قوتتان لا يعلم عظم تلك الحية إلا الله تعالى فالعرش عرش العظمة والكبرياء الكرسي كرسي الجلال أو البهاء لأن الله تعالى لا حاجة له إليهما فقد كان قبل تكوينهما لا على مكان.
(خلق الأرضين والجبال والبحار)
لما أراد الله خلق الأرضين أمر الريح أن تضرب الماء بعضه في بعض فلما اضطرب أزبدا وارتفعت أمواجه وعلا بخاره فأمر الله الزبد أن يجمد فصار يابساً فهو الأرض فدحاها على وجه الماء في يومين فذلك قوله تعالى (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) ثم أمر تلك الأمواج فسكنت فهي الجبال فجعلها عماد الأرض وذلك قوله تعالى (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم فلولاها لماجت الأرض بأهلها) وعروق هذه الجبال متصلة بعروق جبل قاف وهو الجبل المحيط بالأرض ثم خلق الله تعالى سبعة أبحر فأولها محيط بالأرض وراء جبل قاف وكل بحر منها محيط بالبحر الذي تقدمه.
وأما هذه البحار التي على وجه الأرض فإنها بمنزلة الخليج لها وفي تلك البحار من الخلائق والدواب ما لا يعلم عدد إلا الله تعالى وخلق الله تعالى هذه البحار وما فيها من الدواب في اليوم الثالث ثم خلق الله تعالى أرزاقها وقدرها في اليوم الرابع وذلك قوله تعالى (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين) وهي سبع أرضين كل أرض تلي الأخرى وكانت الأرض تموج بأهلها كالسفينة تذهب وتجيء لأنه لم يكن لها قرار فأهبط الله ملكاً ذا بهاء عظيم وقوة وأمره الله أن يدخل تحتها فيحملها على منكبه فأخرج الله له يداً في المشرق ويداً في المغرب فقبض على أطراف الأرض وأمسكها.
стр. 34
ثم لم يكن لقدميه قرار فخلق الله له صخرة مرتفعة من ياقوتة خضراء وأمرها حتى دخلت تحت قدمي الملك فاستقرت أقدام الملك عليها.
ثم لم يكن للصخرة قرار فخلق الله للصخرة ثوراً عظيماً صفته لا يحيط بها إلا الله تعالى لعظمها وأمره أن يدخل تحتها فحملها على ظهره وقيل على قرونه
ثم لم يكن للثور قرار فخلق الله له حوتاً عظيماً لا يقدر أحد أن ينظر إليه لعظمه ولبروق عينيه وأمره الله تعالى أن يصير تحت قوائم الثور واسم هذا الحوت بهموت ثم جعل قراره على الماء وتحت الماء والهواء الظلمة والأرضون كلها على منكبي الملك والملك على الصخرة والصخرة على الثور والثور على الحوت والحوت على الماء والماء على الهواء والهواء على الظلمة ثم انقطع علم الخلائق بما تحت الظلمة.
(العقل)
ثم خلق الله تعالى العقل فقال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر ثم قال له وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إلي منك بك آخذ وبك أعطي وعليك أنيب وبك أعاقب.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال العاقل هو الصادق الطويل صمته الذي يسلم الناس من شره فإن الله تعالى يدخله الجنة وإن الله تعالى ليعاقب العاقل يوم القيامة بما لا يعاقب به الجاهل وإن الجاهل هو الكاذب بلسانه الخائض فيما لا يعنيه وإن كان قارئاً أو كاتباً ثم قال ما تزين العبد بزينة أحسن من العقل وما من شيء أقبح من الجهل فالعقل ما يحصل به التمييز وهو بعض العلوم الضرورية وهو غريزة نص عليه الإمام أحمد ﵁ والمشهور عنه إنه في الدماغ وفاقاً للحنفية وعند أصحاب أحمد والشافعي والأطباء أن محله القلب وله اتصال بالدماغ قال أصحاب أحمد العقل يختلف فعقل بعض الناس أكثر.
стр. 35
(خلق الله السماوات وسكانها وصفة الملائكة وخلق الشمس والقمر)
قال ابن عباس ﵄ أمر الله تعالى البخار الذي علا من الماء أن الهواء فخلق الله تعالى منه السماء في يومين فكانت أرضاً واحدة في يومين واحدة في يومين وما بينهما في يومين أيام ثم تفتقت السماء والأرض خوفاً من صارت سبع سماوات وسبع أرضين وذلك قوله تعالى (أو لم يرى الذين كفروا السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما ثم قال فقضاهن سبع سماوات في يومين من في كل سماء أمرها.
فالسماء الأولى من زبرجدة خضراء وسكانها ملائكة على صورة البقر.
والسماء الثانية من ياقوتة حمراء وسكانها ملائكة على صورة العقبان.
والسماء الثالثة من ياقوتة صفراء وسكانها ملائكة على صورة النسور.
والسماء الرابعة من فضة بيضاء وسكانها ملائكة على صورة الخيل.
والسماء الخامسة من ذهب وسكانها ملائكة على صورة الحور العين.
والسماء السادسة من درة بيضاء وسكانها ملائكة على صورة الولدان.
والسماء السابعة من نور يتلألأ وسكانها ملائكة على صورة بني آدم وهؤلاء ملائكة لا يفترون عن التسبيح فذلك قوله تعالى (يسبحون الليل والنهار) فأفضلهم جبريل وهو الروح الأمين له ستة أجنحة في كل جناح مائة روح وله وراء ذلك جناحان أخضران ينشرهما ليلة القدر وجناحان ينشرهما عند ذو القرى والأجنحة كلها من أنواع الجواهر.
ويليه إسرافيل وهو ملك عظيم الشأن وله أربعة أجنحة جناح يسد به المشرق جناح يسد به المغرب والثالث يسد به ما بين السماء والأرض والرابع قد إلتثم به تحت الأرض السابعة ورأسه قد انتهى إلى أركان قوائم العرش وبين عينيه من جوهرة فإذا أراد الله أن يحدث في عباده أمراً أمر القلم أن يخط في اللوح
стр. 36
ثم يدلي اللوح إلى إسرافيل فيكون بين عينيه ثم ينتهي الوحي إلى جبريل ﵇ وهو أقرب من إسرافيل ومن وراء البيت المعمور ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى وفي السماء السابعة البحر المسجور.
وأما ملك الموت عزرائيل فسكنه في سماء الدنيا وقد خلق الله له عيوناً بعدد من يذوق طعم الموت رجلاه في تخوم الأرض ورأسه في السماء العليا عند آخر الحجب ووجهه مقابل اللوح المحفوظ وهو ينظر إليه وكل الخلق بين عينيه ولا يقبض روح مخلوق إلا بعد أن يستوفي رزقه وينقضي أجله.
(خلق الشمس والقمر)
ثم خلق الله الشمس والقمر فالشمس من نور عرشه والقمر من نور حجابه الذي يليه وأثنى الله تعالى عليهما فقال (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) ثم وكل بهما جمعاً من الملائكة يرسلونهما بمقدار ويقبضونهما بمقدار فذلك قوله تعالى (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) فما نقص من أحدهما زاد في الآخر.
وقال أهل التوراة ابتدأ الله تعالى الخلق في يوم الأحد انتهى في السبت فاستوى على العرش فيه فاتخذوا السبت عيداً.
وقالت النصارى وقع الابتداء في يوم الاثنين والانتهاء في الأحد ثم استوى على العرش فيه فاتخذوا الأحد عيداً.
قال ابن عباس ﵄ كان الابتداء في السبت والانتهاء يوم الجمعة سيد الأيام وهو عند الله أعظم من يوم الفطر ويوم الأضحية وفيه ستة فضائل فيه خلق الله آدم ﵇ وفيه نفخ الروح فيه وفيه تاب الله عليه وفيه توفاه وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطاه الله إياه ما لم يكن حراماً وفيه تقوم الساعة.
(ذكر الجنة والنار وما فيهما)
ثم خلق الله الجنة وهي ثمان جنات أولها دار الجلال من اللؤلؤ الأبيض
стр. 37
ثم دار السلام وهي من الياقوت الأحمر ثم جنة المأوى وهي من الزبرجد الأخضر جنة الخلد وهي من المرجان الأصفر ثم جنة النعيم وهي من الفضة البيضاء ثم الفردوس وهي من الذهب الأحمر ثم جنة دار القرار وهي من المسك ثم جنة عدن من الدر وهي مشرفة على الجنان لها بابان من ذهب بين كل مصراع كما بين السماء والأرض وبناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة بلاطها المسك وترابها العنبر ريشها الزعفران وقصورها اللؤلؤ وغرفها الياقوت وأبوابها الجوهر وفيها أنهار نهر الرحمة ونهر الكوثر وهو لنبينا ﷺ ونهر الكافور ثم التسنيم السلسبيل ثم الرحيق وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى وللجنان ثمانية أبواب فيها من الحور العين ما لا يقدر على وصفهن إلا الذي خلقهن.
وأما جهنم فلها سبع أبواب أولها جهنم والثاني لظى والثالث الحطمة والرابع السعير والخامس سقر والسادس الجحيم والسابع الهاوية ولها سبع طباق أشجار من النار شوكها كأمثال الرماح الطوال تتلظى بالنيران وعليها ثمار نار في كل ثمرة حية تأخذ بأجفان عين الكافر وشفته تسقط لحمه إلى قدميه عقارب وأسود وذئاب وكلاب من نار وزبانية بأيديهم مقامع من نار وعليها تسعة عشر من الملائكة كما قال الله تعالى (لواحة للبشر … عليها تسعة عشر) وقال تعالى (عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون).
(ذكر الجن والجان وما كان من ابتداء أمرهم وعبادة إبليس)
روي عن وهب قال خلق الله نار السموم وهي نار لا حر لها ولا دخان ثم خلق الله منها الجان فذلك قوله تعالى (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) وخلق الله خلقاً عظيماً وسماه مارجاً وخلق منه زوجه وسماها مرجة فواقعها ولدت الجان وولد للجان ولد فسماه الجن فمنه تفرغت قبائل الجن ومنهم إبليس جن وكان يلد من الجان الذكر والأنثى ومن الجن كذلك توأمين فصاروا سبعين
стр. 38
ألفاً وتوالدوا حتى بلغوا عدد الرمل فتزوج إبليس امرأة من ولد الجان فكثر أولاده وانتشروا حتى امتلأت الأقطار منهم ثم أسكن الله الجان في الهواء وإبليس وأولاده في سماء الدنيا وأمرهم بالعباد والطاعة فكانت السماء تفتخر على الأرض بأن الله رفعها وجعل فيها ما لم يكن في الأرض.
فشكت الأرض إلى خالقها الوحشة إذ ليس على ظهرها خلق يذكرون الله فنوديت الأرض اسكني فإني خالق من أديمك صورة لا مثل لها في الجن وأرزقها العقل واللسان وأعلمها من علمي وأنزل عليها من كلامي فأملأ منها بطنك وظهرك وشرقك وغربك على مزاج ترتبك في الألوان والخيرية والشرية فافتخري يا أرض على السماء بذلك فاستقرت الأرض وهي مع ذلك بيضاء نقية كأنها الفضة البيضاء فأشرفت الجان على الأرض وقالت ربنا أهبطنا إلى الأرض فأذن الله لهم بذلك على أن يعبدون ولا يعصوه فأعطوه العهود على ذلك ونزلوا وهم ألوف فعبدوا الله حق عبادته دهراً طويلاً.
ثم أخذوا في المعاصي وسفك الدماء حتى استغاثت الأرض منهم وقالت إن خلوي يا رب أحب إلي من أن يكون على ظهري من يعصيك فأوحى الله إليها أن اسكني فإني باعث إليهم رسلي.
قال كعب الأحبار فأول نبي بعثه الله من الجان نبياً منهم يقال له عامر بن عمير بن الجان فقتلوه ثم بعث لهم من بعد عامر صاعق بن ماعق بن مارد بن الجان فقتلوه حتى بعث الله إليهم ثمانمائة نبي في ثمانمائة سنة في كل سنة نبياً وهم يقتلونهم فلما كذبوا الرسل أوحى الله إلى أولاد الجن في السماء أن أنزلوا إلى الأرض وقاتلوا من فيها من أولاد الجان وعليهم إبليس اللعين فقاتلهم إبليس اللعين هو ومن كان معه حتى أدخلهم إلى بقعة من الأرض فاجتمعوا فيها فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقهم وسكن إبليس الأرض مع الجن وعبد الله حق عبادته فكانت عبادته أكثر من عباداتهم كلهم ثم رفعه الله تعالى إلى سماء الدنيا لكثرة عبادته فعبد الله فيها ألف سنة حتى سمي فيها
стр. 39
العابد، ثم رفعه الله تعالى إلى السماء الثانية فعبد الله فيها ألف سنة ثم رفعه إلى مائة فعبد الله كذلك حتى رفعه إلى السماء السابعة فيقال إنه في يوم السبت يكون الأولى ويوم الأحد في الثانية حتى إذا كان يوم الجمعة يكون في السماء السابعة الله في كل سماء يوماً.
وكان إبليس لعنة الله بمنزلة عظيمة بحيث إذا مر به جبريل أو ميكائيل أو أحدهما من الملائكة يقول بعضهم لبعض لقد أعطى الله هذا العابد من القوة على طاعة ما لم يعط أحداً من الملائكة فلما كان بعد ذلك بدهر طويل أمر الله تعالى جبريل ﵇ أن يهبط إلى الأرض ويقبض قبضة من شرقها وغربها ووعرها وسهلها ليخلق منها خلقاً جديداً ليجعله أفضل الخلائق فعرف ذلك إبليس فهبط الأرض حتى وقف في وسطها وقال لها إني جئتك ناصحاً فقالت وما نصحك بابن العابدين وإمام الزاهدين؟ فقال لها إن الله يريد أن يخلق منك خلقاً يفضله من جميع خلقه وأخاف منه أن يعصيه فيعذبه وقد أرسل الله إليك جبريل فإذا جاءك فسمى عليه أن لا يقبض منك شيئاً.
فلما هبط جبريل ﵇ نادته الأرض وقالت يا جبريل بحق من أرسلك أَّلا تقبض مني شيئاً فإني أخاف أن يخلق الله مني خلقاً فيعصيه ذلك الخلق عذبه بالنار فارتعد جبريل من هذا القسم فرجع ولم يأخذ منها شيئاً فأخبر جبريل ربه بذلك فبعث الله ميكائيل ليأتيه بالقبضة فكانت حالته كحال جبريل بعث الله ملك الموت فلما هم أن يقبض ما أمره ربه أقسمت عليه أيضاً فقال ملك الموت ﵇ وعزة ربي لا أعصي له أمراً فقبض منها قبضة من جميع أنواعها عذبها ومالحها وحلوها ومرها وطيبها وخبثها وكل ابن آدم مخلوق من تلك قبضة فلما رجع ملك الموت بالقبضة وقف في موقفه أربعين عاماً لا ينطق.
ثم أتاه النداء يا ملك الموت ما الذي صنعته؟ - وهو أعلم - فأخبره بقسمه
стр. 40
وقسم الأرض عليه فقال تعالى وعزتي وجلالي لأخلقن مما أتيت به خلقاً ولأسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك بهم فجعل نصف تلك القبضة في الجنة ونصفها في النار وقال أنا الله الذي لا إله إلا أنا أقضي ولا يقضي علي.
(ذكر آدم ﵇
قال النبي ﷺ إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأسود والأبيض وما بين ذلك ومنهم الحزن والسهل وبين ذلك وإنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض.
ولما خلق الله جسد آدم تركه أربعين ليلة وقيل أربعين سنة ملقى بغير روح (وقال الله تعالى للملائكة إذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فلما نفخ فيه الروح سجد له الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبي واستكبر وكان من الكافرين) ولم يسجد كبراً وبغياً فأوقع الله تعالى على إبليس اللعنة والأياس من رحمته وجعله شيطاناً رجيماً وأخرجه من الجنة بعد أن كان ملكاً على سماء الدنيا والأرض وخازناً من خزنة الجنة.
واسكن الله تعالى آدم الجنة ثم خلق الله تعالى من ضلع آدم حواء زوجته سميت بذلك لأنها خلقت من شيء حي فأوحى الله تعالى إليه (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) ثم أراد إبليس عليه اللعنة أن يدخل الجنة ليوسوس لآدم وحواء فمنعه الخزنة فعرض نفسه على دواب الأرض أن تحمله حتى يدخل الجنة ليكلم آدم وزوجته فكل الدواب أبت ذلك إلا الحية فإنها أدخلته الجنة بين نابيها وكانت إذ ذاك على غير شكلها الآن فلما دخل إبليس الجنة وسوس لآدم وحواء وحسن عندهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عنها وهي الحنطة في قول وقرر عندهما بعد أن حلف لهما إنهما إن أكلا منها خلدا ولم يموتا (فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما) أي ظهرت لهما
следующие страницы →