← История

История · id 6626

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط النجف

مجير الدين العليمي

Полный текст (810 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثم يدلي اللوح إلى إسرافيل فيكون بين عينيه ثم ينتهي الوحي إلى جبريل ﵇ وهو أقرب من إسرافيل ومن وراء البيت المعمور ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى وفي السماء السابعة البحر المسجور. وأما ملك الموت عزرائيل فسكنه في سماء الدنيا وقد خلق الله له عيوناً بعدد من يذوق طعم الموت رجلاه في تخوم الأرض ورأسه في السماء العليا عند آخر الحجب ووجهه مقابل اللوح المحفوظ وهو ينظر إليه وكل الخلق بين عينيه ولا يقبض روح مخلوق إلا بعد أن يستوفي رزقه وينقضي أجله. (خلق الشمس والقمر) ثم خلق الله الشمس والقمر فالشمس من نور عرشه والقمر من نور حجابه الذي يليه وأثنى الله تعالى عليهما فقال (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) ثم وكل بهما جمعاً من الملائكة يرسلونهما بمقدار ويقبضونهما بمقدار فذلك قوله تعالى (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) فما نقص من أحدهما زاد في الآخر. وقال أهل التوراة ابتدأ الله تعالى الخلق في يوم الأحد انتهى في السبت فاستوى على العرش فيه فاتخذوا السبت عيداً. وقالت النصارى وقع الابتداء في يوم الاثنين والانتهاء في الأحد ثم استوى على العرش فيه فاتخذوا الأحد عيداً. قال ابن عباس ﵄ كان الابتداء في السبت والانتهاء يوم الجمعة سيد الأيام وهو عند الله أعظم من يوم الفطر ويوم الأضحية وفيه ستة فضائل فيه خلق الله آدم ﵇ وفيه نفخ الروح فيه وفيه تاب الله عليه وفيه توفاه وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئاً إلا أعطاه الله إياه ما لم يكن حراماً وفيه تقوم الساعة. (ذكر الجنة والنار وما فيهما) ثم خلق الله الجنة وهي ثمان جنات أولها دار الجلال من اللؤلؤ الأبيض

стр. 37

ثم دار السلام وهي من الياقوت الأحمر ثم جنة المأوى وهي من الزبرجد الأخضر جنة الخلد وهي من المرجان الأصفر ثم جنة النعيم وهي من الفضة البيضاء ثم الفردوس وهي من الذهب الأحمر ثم جنة دار القرار وهي من المسك ثم جنة عدن من الدر وهي مشرفة على الجنان لها بابان من ذهب بين كل مصراع كما بين السماء والأرض وبناؤها لبنة من ذهب ولبنة من فضة بلاطها المسك وترابها العنبر ريشها الزعفران وقصورها اللؤلؤ وغرفها الياقوت وأبوابها الجوهر وفيها أنهار نهر الرحمة ونهر الكوثر وهو لنبينا ﷺ ونهر الكافور ثم التسنيم السلسبيل ثم الرحيق وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى وللجنان ثمانية أبواب فيها من الحور العين ما لا يقدر على وصفهن إلا الذي خلقهن. وأما جهنم فلها سبع أبواب أولها جهنم والثاني لظى والثالث الحطمة والرابع السعير والخامس سقر والسادس الجحيم والسابع الهاوية ولها سبع طباق أشجار من النار شوكها كأمثال الرماح الطوال تتلظى بالنيران وعليها ثمار نار في كل ثمرة حية تأخذ بأجفان عين الكافر وشفته تسقط لحمه إلى قدميه عقارب وأسود وذئاب وكلاب من نار وزبانية بأيديهم مقامع من نار وعليها تسعة عشر من الملائكة كما قال الله تعالى (لواحة للبشر … عليها تسعة عشر) وقال تعالى (عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون). (ذكر الجن والجان وما كان من ابتداء أمرهم وعبادة إبليس) روي عن وهب قال خلق الله نار السموم وهي نار لا حر لها ولا دخان ثم خلق الله منها الجان فذلك قوله تعالى (والجان خلقناه من قبل من نار السموم) وخلق الله خلقاً عظيماً وسماه مارجاً وخلق منه زوجه وسماها مرجة فواقعها ولدت الجان وولد للجان ولد فسماه الجن فمنه تفرغت قبائل الجن ومنهم إبليس جن وكان يلد من الجان الذكر والأنثى ومن الجن كذلك توأمين فصاروا سبعين

стр. 38

ألفاً وتوالدوا حتى بلغوا عدد الرمل فتزوج إبليس امرأة من ولد الجان فكثر أولاده وانتشروا حتى امتلأت الأقطار منهم ثم أسكن الله الجان في الهواء وإبليس وأولاده في سماء الدنيا وأمرهم بالعباد والطاعة فكانت السماء تفتخر على الأرض بأن الله رفعها وجعل فيها ما لم يكن في الأرض. فشكت الأرض إلى خالقها الوحشة إذ ليس على ظهرها خلق يذكرون الله فنوديت الأرض اسكني فإني خالق من أديمك صورة لا مثل لها في الجن وأرزقها العقل واللسان وأعلمها من علمي وأنزل عليها من كلامي فأملأ منها بطنك وظهرك وشرقك وغربك على مزاج ترتبك في الألوان والخيرية والشرية فافتخري يا أرض على السماء بذلك فاستقرت الأرض وهي مع ذلك بيضاء نقية كأنها الفضة البيضاء فأشرفت الجان على الأرض وقالت ربنا أهبطنا إلى الأرض فأذن الله لهم بذلك على أن يعبدون ولا يعصوه فأعطوه العهود على ذلك ونزلوا وهم ألوف فعبدوا الله حق عبادته دهراً طويلاً. ثم أخذوا في المعاصي وسفك الدماء حتى استغاثت الأرض منهم وقالت إن خلوي يا رب أحب إلي من أن يكون على ظهري من يعصيك فأوحى الله إليها أن اسكني فإني باعث إليهم رسلي. قال كعب الأحبار فأول نبي بعثه الله من الجان نبياً منهم يقال له عامر بن عمير بن الجان فقتلوه ثم بعث لهم من بعد عامر صاعق بن ماعق بن مارد بن الجان فقتلوه حتى بعث الله إليهم ثمانمائة نبي في ثمانمائة سنة في كل سنة نبياً وهم يقتلونهم فلما كذبوا الرسل أوحى الله إلى أولاد الجن في السماء أن أنزلوا إلى الأرض وقاتلوا من فيها من أولاد الجان وعليهم إبليس اللعين فقاتلهم إبليس اللعين هو ومن كان معه حتى أدخلهم إلى بقعة من الأرض فاجتمعوا فيها فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقهم وسكن إبليس الأرض مع الجن وعبد الله حق عبادته فكانت عبادته أكثر من عباداتهم كلهم ثم رفعه الله تعالى إلى سماء الدنيا لكثرة عبادته فعبد الله فيها ألف سنة حتى سمي فيها

стр. 39

العابد، ثم رفعه الله تعالى إلى السماء الثانية فعبد الله فيها ألف سنة ثم رفعه إلى مائة فعبد الله كذلك حتى رفعه إلى السماء السابعة فيقال إنه في يوم السبت يكون الأولى ويوم الأحد في الثانية حتى إذا كان يوم الجمعة يكون في السماء السابعة الله في كل سماء يوماً. وكان إبليس لعنة الله بمنزلة عظيمة بحيث إذا مر به جبريل أو ميكائيل أو أحدهما من الملائكة يقول بعضهم لبعض لقد أعطى الله هذا العابد من القوة على طاعة ما لم يعط أحداً من الملائكة فلما كان بعد ذلك بدهر طويل أمر الله تعالى جبريل ﵇ أن يهبط إلى الأرض ويقبض قبضة من شرقها وغربها ووعرها وسهلها ليخلق منها خلقاً جديداً ليجعله أفضل الخلائق فعرف ذلك إبليس فهبط الأرض حتى وقف في وسطها وقال لها إني جئتك ناصحاً فقالت وما نصحك بابن العابدين وإمام الزاهدين؟ فقال لها إن الله يريد أن يخلق منك خلقاً يفضله من جميع خلقه وأخاف منه أن يعصيه فيعذبه وقد أرسل الله إليك جبريل فإذا جاءك فسمى عليه أن لا يقبض منك شيئاً. فلما هبط جبريل ﵇ نادته الأرض وقالت يا جبريل بحق من أرسلك أَّلا تقبض مني شيئاً فإني أخاف أن يخلق الله مني خلقاً فيعصيه ذلك الخلق عذبه بالنار فارتعد جبريل من هذا القسم فرجع ولم يأخذ منها شيئاً فأخبر جبريل ربه بذلك فبعث الله ميكائيل ليأتيه بالقبضة فكانت حالته كحال جبريل بعث الله ملك الموت فلما هم أن يقبض ما أمره ربه أقسمت عليه أيضاً فقال ملك الموت ﵇ وعزة ربي لا أعصي له أمراً فقبض منها قبضة من جميع أنواعها عذبها ومالحها وحلوها ومرها وطيبها وخبثها وكل ابن آدم مخلوق من تلك قبضة فلما رجع ملك الموت بالقبضة وقف في موقفه أربعين عاماً لا ينطق. ثم أتاه النداء يا ملك الموت ما الذي صنعته؟ - وهو أعلم - فأخبره بقسمه

стр. 40

وقسم الأرض عليه فقال تعالى وعزتي وجلالي لأخلقن مما أتيت به خلقاً ولأسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك بهم فجعل نصف تلك القبضة في الجنة ونصفها في النار وقال أنا الله الذي لا إله إلا أنا أقضي ولا يقضي علي. (ذكر آدم ﵇ قال النبي ﷺ إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأسود والأبيض وما بين ذلك ومنهم الحزن والسهل وبين ذلك وإنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض. ولما خلق الله جسد آدم تركه أربعين ليلة وقيل أربعين سنة ملقى بغير روح (وقال الله تعالى للملائكة إذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فلما نفخ فيه الروح سجد له الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبي واستكبر وكان من الكافرين) ولم يسجد كبراً وبغياً فأوقع الله تعالى على إبليس اللعنة والأياس من رحمته وجعله شيطاناً رجيماً وأخرجه من الجنة بعد أن كان ملكاً على سماء الدنيا والأرض وخازناً من خزنة الجنة. واسكن الله تعالى آدم الجنة ثم خلق الله تعالى من ضلع آدم حواء زوجته سميت بذلك لأنها خلقت من شيء حي فأوحى الله تعالى إليه (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) ثم أراد إبليس عليه اللعنة أن يدخل الجنة ليوسوس لآدم وحواء فمنعه الخزنة فعرض نفسه على دواب الأرض أن تحمله حتى يدخل الجنة ليكلم آدم وزوجته فكل الدواب أبت ذلك إلا الحية فإنها أدخلته الجنة بين نابيها وكانت إذ ذاك على غير شكلها الآن فلما دخل إبليس الجنة وسوس لآدم وحواء وحسن عندهما الأكل من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عنها وهي الحنطة في قول وقرر عندهما بعد أن حلف لهما إنهما إن أكلا منها خلدا ولم يموتا (فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما) أي ظهرت لهما

стр. 41

عوراتهما، وكانا لا يريان ذلك. فقال الله تعالى (اهبطوا بعضكم لبعض عدو) وهم آدم وحواء وإبليس الحية فأهبطهم الله من الجنة إلى الأرض وسلب عن آدم وحواء كل ما كانا فيه من نعمة والكرامة فهبط آدم بسر نديب من أرض الهند على جبل يقال له نود وحواء بجدة وإبليس بايلة والحية بأصفهان فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا فسمي ذلك اليوم عرفة والموضع عرفات وكان هبوط آدم من باب التوبة وهبوط حواء من باب الرحمة وإبليس من باب اللعنة والحية من باب السخط وكان في وقت العصر. وكان بين هبوط آدم والهجرة النبوية ستة آلاف سنة ومائتان وستة عشر سنة على حكم التوراة اليونانية وهي المعتمدة عند المحققين من المؤرخين وفي ذلك خلاف لا فائدة أذكره خشية الإطالة وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عصرنا هذا تسعمائة سنة كاملة فيكون الماضي من هبوط آدم إلى آخر سنة تسعمائة من الهجرة الشريفة سبعة آلاف سنة ومائة وستة عشر سنة وهو المعتمد عند المؤرخين. ولما هبط آدم إلى الأرض كان له ولدان هابيل وقابيل فقربا قرباناً فتقبل من هابيل ولم يتقبل قربان قابيل فحسده على ذلك وكان لقابيل أخت توأمة وكانت حسن من توأمة هابيل وكان آدم أراد أن يزوج توأمه قابيل بهابيل وعكسه فلم يطب لقابيل ذلك ورأى قربان أخيه قد تقبل دون قربانه فقتل أخاه هابيل وأخذ قابيل توأمته وهرب بها وعاش آدم ﵇ تسعمائة وثلاثين سنة وذلك باتفاق المؤرخين وكان آدم رجلاً طويلاً كأنه نخلة سحوق كثير شعر الرأس قد بلغ عدد ولده لصلبه وولد ولده لما توفى أربعين ألفاً ونزل عليه جبريل ﵇ أثني عشر مرة وقد تقدم ذكر الخلاف في إنه أول من بنى مسجد بيت المقدس. وقد اختلف في مدفنه فقيل أن قبره في مغارة بين القدس ومسجد إبراهيم رجلاه عند الصخرة ورأسه عند مسجد إبراهيم ﵇ والخلاف في ذلك كثير.

стр. 42

ثم بعد قتل هابيل لآدم شيث ﵇ وهو وصيه وتفسير شيث هبة الله عاش تسعمائة سنة وأثنى عشر سنة ومات لمضي ألف ومائة واثنين وأربعين سنة لهبوط آدم والي شيث تنتهي أنساب بني آدم كلهم. ثم ولد لشيث أنوش عاش تسعمائة سنة وخمسين سنة ثم ولد لأنوش قينان عاش تسعمائة وعشرين سنة ثم ولد لقينان مهلاييل عاش ثمانمائة وخمساً وتسعين سنة. ثم ولد لمهلاييل يود - بالدال المهملة - عاش تسعمائة واثنين وستين سنة ثم ولد ليود حنوخ - بخاء مهملة ونون وواو وخاء معجمة - وهو إدريس ﵇ وأدرك إدريس من حياة شيث جد جده عشرين سنة ولما صار له من العمر ثلاثمائة وخمس وستون سنة رفعه الله إلى السماء وكان قد نبأه الله وانكشف له الأسرار السماوية ونزل عليه جبريل ﵇ أربع مرات وله صحف (منها) لا تروموا أن تحيطوا بالله خبره فإنه أعظم وأعلى من أن تدركه فطن المخلوقين إلا من أثره ثم ولد لحنوخ متوشلح - بتاء مثناة من فوق وآخره حاء مهملة - عاش تسعمائة وتسعاً وستين سنة ثم ولد لمنوشلح لامخ ولما صار له من العمر مائة وثمان وثمانون سنة ولد له نوح. (ذكر نوح ﵇ واسمه عبد الغفار ولد بعد أن مضى ألف وستمائة وثنتان وأربعون سنة من هبوط آدم ﵇ وكان بعد رفع إدريس إلى السماء بمائة وخمس وسبعين سنة ويقال أن دمشق كانت دار نوح ﵇ وأرسله الله تعالى إلى قومه وكانوا أهل أوثان فصار يدعوهم إلى طاعة الله وهم لا يلتفتون إليه وكانوا يخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وكانوا يضربونه حتى يظنوا إنه مات فإذا أفاق اغتسل وأقبل عليهم وهو يدعوهم إلى الله تعالى. فلما طال ذلك شكاهم إلى الله تعالى فأوحى الله إليه إنه لن يؤمن من قومك

стр. 43

إلا قد آمن فلما آيس منهم دعا عليهم فقال (رب لا تذر على الأرض من بن دياراً) فأوحى الله إليه أن اصنع السفينة فصنعها من خشب الساج. فلما أقبل على عمل الفلك جعل يقطع الخشب ويضرب الحديد وكان قومه عليه وهو في عمله فيسخرون منه ويقولون يا نوح قد صرت نجاراً بعد النبوة ويضحكون عليه فقال لهم (إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم إذا عاينتم عذاب الله كما تسخرون) واتخذ السفينة وكان طولها ثلاثمائة ذراعاً وعرضها خمسين ذراعاً وطولها ثلاثين ذراعاً وقيل غير ذلك. فلما فار التنور وكان هو الآية بين نوح وبين ربه حمل نوح من أمره الله من أهله وغيرهم سوى ولده كنعان فإنه كان كافراً ثم ادخل في السفينة ما أمره من الدواب واختلف في موضع التنور فقيل كان بالكوفة وقيل بالشام غير ذلك. فلما دخل نوح ومن معه السفينة فتح الله عيون الماء ففارت الأرض من البحار وأمطر الله من السماء ماء فارتفع الماء وجعلت الفلك تجري بهم كموج كالجبال وعلا الماء على رؤوس الجبال أربعين ذراعاً فهلك كل من على وجه الأرض من حيوان ونبات سوى عوج ابن عناق - نسبة لأمه عناق بنت آدم - وهي أول نبت على وجه الأرض وعمت الفجور وعملت السحر وجاهرت بالمعاصي وولدت الجبار ولم يغرقه الطوفان ولا بلغ بعض جسده وطلب السفينة ليغرقها وكان ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع بالهاشمي وكان بالسحاب ويشرب منه وبتناول الحوت من قرار البحر ويشويه في عين حتى يرفعه إليها ثم يأكله. وعاش ثلاثة آلاف سنة وعمر إلى زمان فرعون وقطع صخرة على قدر عسكر ﵇ ليطرحها عليهم وكان المعسكر فرسخاً في فرسخ فأرسل الله فنقر الصخرة فنزلت من رأسه إلى عنقه ومنعته الحركة فوثب موسى وكانت

стр. 44

وثبته عشرة أذرع وطوله مثل ذلك وطول عصاه مثل ذلك ولم يلحق سوى عرقوبه فقتله وتركه بموضعه وردم عليه بالصخر والرمل فكان كالجبل العظيم في صحراء مصر وقيل غير ذلك. وكان بين أن أرسل الله ماء الطوفان وبين أن غاض ستة أشهر وعشر ليال وكان ركوب نوح في السفينة في مستهل شهر رجب وقيل لعشر ليال مضت من رجب وكان أيضاً لعشر ليال خلت من آب وخرج من السفينة يوم عاشوراء من المحرم وكان استقرار السفينة على الجودي وهو جبل من أرض الموصل. وقد ورد حديث أن السفينة طافت بالبيت الحرام أسبوعاً ثم طافت ببيت المقدس أسبوعاً ولسنوات على الجودي وروي أن السفينة سارت حتى بلغت بيت المقدس فوقفت ونطقت بإذن الله تعالى وقالت يا نوح هذا موضع بيت المقدس الذي يسكنه الأنبياء من أولادك وكان الطوفان بعد هبوط آدم بألفي سنة ومائتين واثنين وأربعين سنة وكان لستمائة سنة مضت من عمر نوح وبين الطوفان والهجرة الشريفة ثلاثة آلاف وتسعمائة وأربع وسبعون سنة وقد مضي من الهجرة إلى عصرنا تسعمائة سنة كاملة فيكون الماضي من الطوفان إلى سنة تسعمائة من الهجرة أربعة آلاف وثمانمائة وأربعاً وسبعين سنة والله أعلم. ولما مضت ثلاثمائة وخمسون سنة للطوفان توفى نوح ﵇ وله من العمر تسعمائة وخمسون سنة هكذا وقع في كلام المؤرخين أن نوحاً عاش القدر المذكور فقط وظاهر الآية الشريفة يخالفه لأنه يدل على أنه لبث القدر المذكور في قومه بعد إرساله إليهم ينذرهم وأن الطوفان وقع بعد ذلك وقيل أن عمر نوح ألف وأربعمائة وخمسون سنة وهو موافق للآية قال الله تعالى (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان وهو ظالمون) وظاهر الآية الشريفة أنه عاش أكثر مما ذكره المؤرخون والله أعلم. ونزل عليه جبريل ﵇ خمسين مرة وقبره بكرك نوح ومن أولاده

стр. 45

سام ولد قبل الطوفان بمائة سنة وعاش ستمائة سنة ووفاته بعد الطوفان بخمسمائة سنة العرب وفارس والروم وكان هو القيم بعد نوح في الأرض ومن ذريته كلهم عربهم وعجمهم وجعل الله في ذريته النبوة والكتاب ونزل بنوه سرة وهو الذي اختط مدينة القدس وأسس مسجدها وكان ملكاً عليها كما زحام أبو السودان ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج والإفرنج والقبط فوط بن حام. ولما خرج نوح من السفينة قسم الأرض بين أولاده الثلاث فأعطى سام اليمن والشام والجزيرة وأعطى حام الغرب وأعطى يافث الشرق وولد ولد سماه أرفخشد عاش أربعمائة وخمساً وستين سنة ثم ولد لأرفخشد ولد لقمان عاش أربعمائة وثلاثين سنة وولد لقيان شالح عاش أربعمائة وستين وولد لشالح غابر عاش أربعمائة وأربعاً وستين سنة ثم ولد لغابر فالغ عاش تسعاً وثلاثين سنة ثم ولد لفالغ رعون عاش ثلاثمائة وتسعاً وثلاثين سنة ولد رعون تبلبلت الألسن وتقسمت الأرض وتفرق بنو نوح وذلك لمضي سبعين سنة للطوفان ثم ولد لرعون شاروع واسمه في التوراة سرور عاش مائتين وثلاثين سنة ثم ولد لشاروع ناحور عاش مائتين وثماني وستين سنة ثم حور ولد اسمه تارخ وهو آزر عاش مائتين وخمس سنين وهو أبو إبراهيم ﵇. (ذكر هود وصالح ﵉ وهما نبيان أرسلا بعد نوح وقبل إبراهيم الخليل وأرسل الله هوداً إلى عاد أهل أصنام وكان عاد وثمود جبارين طوال القامة فدعا هود قوم عاد ومنهم إلا القليل فأهلك الله الذين لم يؤمنوا بريح سخرها عليهم سبع ليال وأيام حسوماً - والحسوم الدائم - فلم تدع غير هود والمؤمنين معه فإنهم اعتزلوا

стр. 46

في حضرموت وبقي هود كذلك حتى مات وقبره بحضرموت وقيل بالحجر من مكة وقيل أن هوداً هو غابر المتقدم ذكره والذي صححه جماعة من أكابر العلماء أن هوداً هو ابن عبد الله بن رباح وليس هو غابر والله أعلم. ويروي أنه كان من عاد شخص اسمه لقمان وهو غير لقمان الحكيم الذي كان على عهد سيدنا داود ﵇. (وأما صالح) فهو ابن آسف أرسله الله إلى ثمود فدعاهم إلى التوحيد وكان مسكنهم بالحجر وهي مدينة بين المدينة الشريفة والشام فلم يؤمن به إلا قليل مستضعفون ثم أن كفارهم عاهدوه على أنه أن أتاهم بما يقترحونه عليه آمنوا واقترحوا عليه أن يخرج لهم من صخرة معينة ناقة فسأل الله تعالى في ذلك فخرج من تلك الصخرة ناقة وولدت فصيلا فلم يؤمنوا وعقروا الناقة فأهلكهم الله تعالى بعد ثلاثة أيام بصيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة فتقطعت قلوبهم فأصبحوا في دارهم جاثمين. وسار صالح إلى فلسطين ثم انتقل إلى الحجاز يعبد الله إلى أن مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة وورد إنه توفي في فلسطين وأقام بها بعد أن هلك قومه ويقال أن قبره بالمغارة التي بالجامع الأبيض بالرملة والله أعلم. (ذكر سيدنا إبراهيم الخليل وأبنائه الكرام عليهم الصلاة والسلام) أقول وبالله التوفيق إبراهيم خليل الرحمن وهو أبو الأنبياء الكرام من أولي العزم من المرسلين روي أنه أنزل الله عليه عشر صحف وكانت كلها أمثالاً وجعل له لسان صدق في الآخرين أي ثناء حسناً فليس أحد من الأمم إلا يحبه وأكرمه الله تعالى بالخلة وجعل أكثر الأنبياء من ذريته وختم ذلك بسيد المرسلين محمد المصطفى ﷺ وشرف وكرم وإبراهيم هو ابن تارخ وهو آزر. ولما أراد الله أن يبعث السيد إبراهيم ﵇ حجة على قومه

стр. 47

ورسولا إلى عباده رأى النمرود في منامه كأن كوكباً قد طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع لذلك فزعاً شديداً وجمع السحرة والكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا له هو مولود يولد في ناحيتك هذه السنة ويكون هلاكك وذهاب ملكك على يده ويقال إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء ﵈ وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض أربعة مؤمنان وهما سليمان بن داود وذو القرنين وكافران وهما نمروذ وبخت نصر. فنمروذ هو ابن كنعان بن كوش بن سام بن نوح وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض ودعا الناس إلى عبادته فلما أخبر نمروذ بذلك أمر بذبح كل غلام بولد في تلك الناحية تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل حامل أميناً فكانت الحامل إذا وضعت حملها فإن كان ذكراً ذبحه وقيل إنه حبس جميع الحوامل إلا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم حملها وعميت عنها الأبصار وخرج نمروذ يجمع الرجال إلى المعسكر ونحاهم عن النساء كل ذلك تخوفاً من ذلك المولود الذي أخبر به. وقيل أن نمروذ لما خرج بعسكره بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها أحداً من قومه سوى آزر وذلك قبل حمل أم إبراهيم به فبعث إلى آزر وأسر له حاجته وقال له أما إني لم أبعثك إلا لثقتي بك فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك فقال آزر أنا أشح على ديني منك ثم دخل آزر المدينة وقضى حاجته ثم بدا له الدخول على أهله لرؤية حالهم واصلاح شانهم فلما دخل الدار واجتمع بأهله حكم عليه نفوذ القدر فنسي ما التزم به للنمروذ فواقع زوجته وأسمها نونا وقيل غير ذلك فحملت بإبراهيم ﵇ فلما استقر في بطنها تنكست الأصنام وظهر نجم إبراهيم ﵇ وله طرفان أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب فلما رأى نمروذ ذلك النجم تحير وازداد خوفه. ولما تم حمل إبراهيم وجاء لأمه الطلق أرسل الله تعالى إليها ملكاً على أحسن

стр. 48

صورة وأجمل وجه من بني آدم فآنسها وسكن روعها وبشرها بولد يكون له شأن عظيم وهو خليل رب العالمين فلما ثقل عليها الحال قال لها انهضي معي فقامت معه وتبعته فتوجه بها حتى أدخلها غاراً هناك معمي عن الخلق فلما دخلت الغار وجدت فيه جميع ما تحتاجه وخفف الله تعالى عنها الطلق فوضعت إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ليلة الجمعة وكانت ليلة عاشوراء. وكان مولده لمضي ألف وإحدى وثمانين سنة من الطوفان وكان الطوفان بعد هبوط آدم ﵇ بألفين ومائتين واثنين وأربعين سنة وبين مولد إبراهيم الخليل ﵇ والهجرة الشريفة النبوية ألفان وثمانمائة وثلاث وتسعون سنة على اختيار المؤرخين وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عامنا هذا تسعمائة سنة كاملة فيكون الماضي من مولد سيدنا إبراهيم الخليل إلى آخر تسعمائة من الهجرة الشريفة ثلاثة آلاف وسبعمائة وثلاث وتسعون سنة والاختلاف في ذلك كثير. فلما سقط إلى الأرض نزل جبريل ﵇ وقطع سرته وأذن في أذنه وكساه ثوباً أبيض ثم عاد بأمه الملك إلى مكانها وتركت ولدها في الغار. ولما طالت غيبة نمروذ عن أرضه وبلاده عاد إلى تدبير ما كان قد أهمه فبينما هو جالس ذات يوم على سريره وإذا هو بالسرير قد انتفض من تحته انتفاضاً شديداً فسمع نمروذ هاتفاً يقول تعس من كفر بآله إبراهيم فقال لآزر هل سمعت ما سمعت؟ قال نعم قال فمن هو إبراهيم؟ قال آزر إني لا أعرفه فأرسل للسحرة والكهنة يدلوك عليه فأرسل نمروذ خلف السحرة والكهنة وسألهم عن ذلك فلم يخبروه بشيء مع علمهم به وكان ذلك في يوم ولادته ثم توالت على نمروذ الهواتف حتى نطقت الوحوش والطيور بمثل ذلك فكان نمروذ لا يمر بمكان إلا ويسمع قائلاً يقول تعس من كفر بآله إبراهيم فازداد همه ورأى رؤيا هائلة في منامه وذلك إنه رأى القمر قد طلع من ضلع آزر وبقى نوره كالعمود الممدود بين السماء والأرض وسمع قائلاً يقول قد جاء الحق وزهق الباطل فنظر إلى الأصنام فوجدها كلها منكسة

стр. 49

على رؤسها فاستيقظ النمروذ من منامه فزعا خائفا مرعوبا فقص رؤياه على آزر فخاف آزر على نفسه منه وقال إنما ذلك لكثرة عبادتي لها. وكان نمروذ بليدا جبانا فرضى بقول آزر وسكت ثم بدا له الدخول إلى البلد فلما دخلها دخل آزر على الأصنام وكان هو القيم لها فلما وقع نظره عليها تساقطت عن كراسيها فسجد آزر حين رأى ذلك وأنطقها الله تعالى وقالت يا آزر جاء الحق وزهق الباطل ووافي نمروذ ما كان يحذره فدخل آزر بيته وكان قد توهم في زوجته إنها حامل فلما رآها وهي نشطة سألها عن حالها فقالت إن الذي كان ببطني لم يكن ولدا وإنما كان ريحا وقد تصرف عني فصدقها على ذلك وألقى الله تعالى على نمروذ النسيان لأمر إبراهيم فكانت أمه تتوجه إلى الغار في كل ثلاثة أيام مرة لترى حال ولدها فتراه في أحسن هيئة فتوجهت إليه مرة فرأت الوحوش والطيور على باب المغارة فخافت واضطربت وظنت أن ولدها قد هلك فلما دخلت عليه وجدته بخير وعافية وهو جالس على فراش من السندس وهو مدهون مكحول بأحسن حال فلما رأت ذلك منه ازدادت فيه محبة وعظمته وعلمت إن له شانا عظيما وان له ربا يحرسه ويتولاه فنظرت إليه فوجدته يمص في أصابعه فوجدت يخرج له من إصبع لبن ومن إصبع عسل ومن إصبع سمن ومن إصبع ماء صلوات الله وسلامه عليه وكان يشب شبا لا يشبه أحدا من الغلمان يومه كالشهر وشهره كالسنة. ولم يمكث في الغار سوى خمسة عشر شهرا وتكلم فقال لامه يوما يا أماه من ربي؟ قالت أنا فقال لها ومن ربك؟ فقالت له أبوك قال فمن رب أبى؟ قالت نمروذ قال فمن رب نمروذ؟ فلطمته لطمة وقالت له اسكت فسكت ورجعت إلى زوجها وقالت له يا آزر أرأيت الغلام الذي يتحدث به أنه يغير دين أهل الأرض؟ قال لا قالت أنه هو ابنك ثم أخبرته بأمره وبمكانه فاتاه أبوه ونظره وفرح به وقال له أنت ولدي؟ فقال إبراهيم نعم يا أبت ثم قال إبراهيم يا أبتاه من ربي؟ قال أمك قال فمن رب أمي؟ قال أنا قال فمن ربك؟ قال نمروذ

стр. 50

قال فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة كادت أن تخرج عينيه وقال له اسكت وذلك قوله تعالى (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين). ثم إن إبراهيم قال لامه يوما أخرجيني من الغار فأخرجته عشاء فلما خرج نظر وتفكر في خلق السماوات والأرض ثم قال إن الذي خلقني ورزقني ويطعمني ويسقيني لربي ما لي إله غيره ثم نظر إلى السماء فرأى كواكبها ورأى كوكبا فقال هذا ربي ثم اتبعه بصره حتى غاب وهو ينظر إليه فلما غاب قال لا أحب الآفلين وهذا يدل على كمال عقله وعلمه إذ الآفل لا يجوز أن يكون إلهاً ثم رأى القمر بازغا قال هذا ربي فاتبعه بصره حتى غاب فسئمه وقال أن لا أحب الآفلين ورجع بفكره متوجها إلى ربه وقال (لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين) ومعنى قوله ﷺ لئن لم يهدني ربي أن الهداية والتوفيق بيده سبحانه ثم طلعت الشمس فقال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت سئمها وتوجه إلى ربه بقلب سليم ووجه وجهه للحق بالصدق واليقين ونادى على قومه بالشرك المبين (وقال يا قوم إني بري مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين) فنقله الله تعالى من علم اليقين إلى عين اليقين. ثم إن أباه ضمه إليه فشب شبابا حسنا ولم يزل ﷺ مجملا في جميع أحواله حتى أكرمه الله تعالى بما أكرمه من الآيات البينات والكرامات الباهرات ثم ألبسه خلعة الخلة وجعله من أولي العزم من الرسل وجعله أبا الأنبياء وتاج الأصفياء ونصرة أهل الأرض وشرف أهل السماء. وكان مولده ﵇ بكوثا من إقليم بابل من ارض العراق على أرجح الأقوال وكان آزر أبو إبراهيم يصنع الأصنام ويغطيها لإبراهيم لبيعها فكان إبراهيم يقول من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر فصوب فيه رؤسها وقال لها اشربي استهزاء بقومه وبما هم فيه من الضلالة حتى فشا استهزاؤه بها في قومه وأهل قريته فحاجه قومه في دينه فقال لهم:

стр. 51

أتحاجوني في الله وقد هداني للتوحيد والحق ولا أخاف ما تشركون به وذلك أنهم قالوا له احذر الأصنام فأنا نخاف إن تمسك بسوء من خبل أو جنون لسبك إياها فقال لهم لا أخاف ما تشركون به إلا إن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أي أحاط علمه بكل شيء أفلا تتذكرون. ثم لما أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ إن يدعو قومه إلى التوحيد دعا أباه فلم يجبه ودعا قومه وفشا أمره واتصلت أخباره بنمروذ وهو ملك تلك البلاد ثم جاهد إبراهيم قومه بالبراءة مما كانوا يعبدون واظهر دينه وقال (أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العلمين) فقالوا له فمن تعبد أنت قال رب العالمين قالوا نحن ربنا نمروذ قال (أنا عبد الله الذي خلقني فهو يهديني والذي هو يطعمني ويسقيني وإذا مرضت فهو يشفيني والذي يميتني ثم يحييني والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما والحقني بالصالحين واجعل لي لسان صدق في الآخرين واجعلني من ورثة جنة النعيم واغفر لأبى إنه كان من الضالمين ولا تخزني يوم يبعثون يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). قال ففشا ذلك الخبر في الناس حتى بلغ النمروذ فدعاه إليه وقال يا إبراهيم أرأيت الملك الذي بعثك وتدعو الناس إلى عبادته وتذكر عظيم قدرته ما هو فقال له إبراهيم هو ربي الذي يحيي ويميت فقال نمروذ أنا أحيي وأميت قال إبراهيم كيف تحيي وتميت قال أخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي فاقتل أحدهما فأكون قد أمته ثم أعفو عن الأخر فاتركه فأكون قد أحييته قال فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى أعجز فان حجته كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء أحياء الميت فكان له إن يقول فأحي من أمت إن كنت صادقا فانتقل إلى حجة أخري أوضح من الأولي (فقال إبراهيم إن الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب فبهت الذي كفر) أي تحير واندهش وانقطعت حجته.

стр. 52

ولما أراد إبراهيم ﵇ ان يرى قومه ضعف الذي كانوا عليه وضعف الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى وعجزها إلزاما للحجة عليهم فجعل ينتظر لذلك فرصة إلى أن حضر عيد لهم وكان لهم في كل سنة عيد يخرجون إليه ويجتمعون فيه وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فيسجدون لها ثم يعودون إلى منازلهم. فلما كان ذلك العيد قال آزر أبو إبراهيم لإبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا فخرج معهم فلما كان في بعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم فقعد ومضوا وهو صريع فلما مضوا نادى في أخرهم وقد بقي ضعفاء الناس (تالله لأكيدن أصنامكم بعد إن تولوا مدبرين) فسمعوا كلامه ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه بين أيدي الآلهة وقالوا إذا رجعنا تكون قد باركت الآلهة في طعامنا فنأكله. فلما نظر إبراهيم ﵇ إلى الأصنام والى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء (ألا تأكلون)؟ فلم يجبه أحد منهم فقال لهم (مالكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين) وجعل يكسرهم بفاس في يده حتى لم يبق منهم إلا الصنم الكبير فعلق الفأس في عنقه ثم خرج فذلك قوله تعالى (فجعلهم جذاذاً إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون). فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتم ورأوا أصنامهم جذاذا إلا كبيرا لهم (قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) أي المجرمين قال الذين سمعوا كلام إبراهيم حيث قال وتالله لأكيدن أصنامكم بعد إن تولوا مدبرين سمعنا فتى يذكرهم يعيبهم ويسبهم يقال له إبراهيم وهو الذي نظن أنه فعل هذا بآلهتنا فبلغ ذلك نمروذ الجبار وأشراف قومه قالوا (فأتوا به على أعين الناس أي ظاهرا لعلهم يشهدون) عليه انه الذي فعله كرهوا أن يأخذوه بغير بينة فلما أتوا به (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا)

стр. 53

غضب من أن تعبدوا معه هؤلاء الصغار وهو أكبر منهم فكسرهم وأراد إبراهيم ﵇ بذلك إقامة الحجة عليهم فذلك قوله تعالى (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) حتى يخبروا من فعل بهم ذلك. روى أبو هريرة ﵁ ان رسول الله ﷺ قال لم يكذب إبراهيم ﷺ إلا ثلاث كاذبات ثنتان منهن في ذات الله قوله إني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا وقوله لسارة هذه أختي وليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله وإنما إطلاق الكذب علي هذا تجوز ويجوز أن يكون الله تعالى قد أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبخهم والاحتجاج عليم كما إذن ليوسف ﵇ حيث أمر مناديه فقال لأخوته (أيتها العير إنكم لسارقون) ولم يكونوا سرقوا فرجعوا إلى أنفسهم أي تفكروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم فقالوا ما نراه إلا كما قال إنكم أنتم الظالمون يعني بعبادتكم من لا يتكلم ثم نكسوا على رؤسهم أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم (وقالوا لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) فكيف نسألهم؟. فلما اتجهت الحجة عليهم لإبراهيم ﵇ قال (أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا) إن عبد تموه ولا يضركم أن تركتم عبادته (أف لكم أي نتناً لكم وقذرا لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب (قالوا احرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين) أي إن كنتم ناصرين لها. فلما جمع نمروذ قومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنيانا كالحضيرة قيل طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملؤه من الحطب وأوقدوا فيه النار ليطرحوه فيه فلم يطيقوا لشدة حر النار ان يقربوها ولا علموا كيف يلقوه فيها فجاء إبليس وعلمهم عمل المنجنيق فعملوه ثم عمدوا إلى إبراهيم الخليل ﵊ فرفعوه على رأس البنيان وقيدوه ثم وضعوه في المنجنيق

стр. 54

مقيداً مغلولا والقوة في النار فكانت عليه بردا وسلاما. ولما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه وقال يا إبراهيم أن أردت أن أخمد لك النار أخمدتها فقال لا ثم أتاه خازن الرياح وقال له إن شئت طيرت لك النار في الهواء فقال إبراهيم ﵇ لا حاجة لي بكم حسبي الله ونعم الوكيل. ولما القي في النار كان ابن ستة عشر سنة وقد مدحه الله في كتابه العزيز بقوله تعالى (وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) والكلمات التي ابتلاه الله بها من أجل شرائع الإسلام وأعز ما امتحن به أهل الإيمان ولذلك مدحه الله تعالى بقوله (وإبراهيم الذي وفى) ومعنى النوفية هو الإتمام لما طلب به في دينه وماله ونفسه وولده فأتم الجميع على الوجه المطلوب ولما صنع له نمروذ المنجنيق وألقاه في النار ظهر تحقيق الابتلاء وصدق الولاء وذلك أنه لما نزل به من عدوه ما نزل ووضع في المنجنيق استغاثت الملائكة قائلة يا رب هذا خليلك قد نزل به من عدوك ما أنت اعلم به فقال الله تعالى لجبريل اذهب إليه فان استغاث بك فأغثه وإلا فاتركني وخليلي فتعرض له جبريل وهو يقذف به في لجة الهواء إلى النار وقال له هل لك من حاجة فقال أما إليك فلا وأما إلى الله فبلي قال جبريل فسل ربك فقال إبراهيم حسبي من سؤالي علمه بحالي. ولم يستعن بغير الله ولا جنحت همته لما سوى الله تعالى بل استسلم لحكمه مكتفياً بتدبيره عن تدبير نفسه فأثنى الله تعالى عليه بقوله (وإبراهيم الذي وفى) فقال الله تعالى للنار كوني بردا وسلاماً على إبراهيم ونجاه من النار. قال كعب الأحبار ﵁ فجعل كل شي يطفئ عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ في النار قال الثعلبي رضي الله فلذلك أمر النبي ﷺ بقتلها وسماها فويسقة. وعن علي ﵁ أنه قال: أن البغال كانت تتناسل وكانت

стр. 55

أسرع الدواب في نقل الحطب لنار إبراهيم فدعا عليها إبراهيم فقطع الله نسلها وقال بعض العلماء لو لم يقل الله سبحانه «وسلاماً» لأهلكه بردها انه لم يبق في ذلك الوقت نار تشتعل بمشارق الأرض ولا بمغاربها إلا خمدت إنها المعنية بالخطاب. وكان إبراهيم حين وضع في المنجنيق ورمي به جردت عنه ثيابه ولم يترك روى السراويل فقصد بعض السفهاء أن ينزع السراويل عنه فشلت يداه وكان بقيود فتلقاه جبريل ﵇ ولم يضره ألم الهوى فلما استقر علي الأرض إذ ذاك جمر احمر تتلهب وتتوقد فلم يؤثر فيه شي من حرارتها وظهر للناظرين الأرض التي سقط عليها مخضرة مونقة وجليسه جليس صالح حسن الوجه كأحسن ما رآه راء ثم ألبسه قميصاً من ثياب الجنة وفك قيده وآنسه جليسه ربك يقرئك السلام ويقول لك أما علمت إن النار لا تضر أحبابي؟ لخليل ﵇ حسبي الله ونعم الوكيل. وكان ﵇ أول من جرد ثيابه في سبيل الله تعالى فلذلك كساه الله المحل قميصاً من الجنة وادخر له كسوة يكتسي بها أول الخلق يوم القيامة لك وهو بمشهد من الخلق ينظرون إليه فلما رآه قومه وقد أكرمه الله بما به آمن بالله جمع كثير في السر خوفاً من نمروذ. وخرج إبراهيم من مكانه وهو يمشي وفارقه جبريل ﵇ فأقبل نحو فأرسل إليه نمروذ يسأله عن كسوته وعن رفيقه فقال له انه ملك أرسله في وقص عليه قصته فقال له نمروذ إن إلهك الذي تعبده لا له عظيم مقرب قربانا إليه وذلك لما رأيت من عزته وقدرته فيما صنع بك حين أبيت عبادته فقرب أربعة آلاف بقرة ثم احترم إبراهيم بعد ذلك وكف عنه. وقد عذب الله النمروذ بإرسال البعوض عليه وعلى حاشيته وجيوشه فأكلت ولم وشربت دماءهم وتركتهم عظاماً ودخلت واحدة منها في منخر الملك نمروذ

стр. 56

فلبثت في منخره أربعمائة سنة عذب الله تعالى فكان رأسه بالمرازب في تلك المدة كلها حتى أهلكه الله تعالى بها وسلط الله على مدينة كوثا الزلازل حتى خربت. قال الثعلبي ﵁ لما حاجة إبراهيم في قال نمروذ إن كان ما تقوله حقاً فلا انتهي حتى اعلم ما في السماوات فبني صرحاً عظيماَ ببابل ورام الصعود منه إلى السماء لينظر إلى إله إبراهيم ﵇. واختلف في طول الصرح في السماء فقيل خمسة آلاف ذراع وقيل فرسخان. ثم عمد إلى أربعة أفراخ من النسور فأطعمها اللحم والخبز حتى كبرت ثم قعد في تابوت ومعه غلام له قد حمل القوس والنشاب معه وجعل لذلك التابوت باباً من أعلاه وباباً من أسفله ثم ربط التابوت بأرجل النسور وغلق اللحم علي عصى فوق التابوت ثم خلى عن النسور فطارت النسور طمعاً في اللحم حتى أبعدت في الهواء وحالت الريح بينها وبين الطيران فقال لغلامه افتح الباب الأعلى فانظر ففتحه فإذا السماء كهيئتها وفتح الباب الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة ونودي أيها الطاغي أين تريد فعند ذلك أمر غلامه فرمى سهماً فعاد السهم إليه وهو ملطخ بالدم فقال كفيت شر إله السماء. واختلف في ذلك السهم بأي شي تلطخ فقيل سمكة في السماء من بحر معلق في الهواء وقيل أصاب طيرا من الطيور فتلطخ بدمه. ثم أمر نمروذ غلامه إن يصوب العصي وينكس اللحم ففعل ذلك فهبطت النسور بالتابوت فسمعت الجبال خفقان هبوط التابوت والنسور ففزعت وظنت انه قد حدث في السماء حادث أو إن الساعة قد قامت فذلك قوله تعالى (وان كان مكرهم لتزول منه الجبال). ثم أرسل الله تعالى على صرح نمروذ ريحاً فألقت رأسه في البحر وانكفأت بيوتهم وأخذت نمروذ الرجفة وتبلبلت ألسن الناس حين سقط الصرح من الفزع فتكلموا بثلاث وسبعين لساناً فلذلك سميت بابل لتبلبل الألسنة بها.

стр. 57

واستجاب لإبراهيم ﵇ جماعة من قومه حين رأوا صنع الله من برد النار وغير ذلك من المعجزات فآمن به لوط وهو ابن أخيه وآمنت به سارة زوجته وقد ذكر المؤرخون والمفسرون قصة إبراهيم ﵇ مع نمروذ وأخباره وما وقع له بأبسط من هذا والغرض في هذا الكتاب الاختصار والله المستعان. (ذكر هجرة إبراهيم الخليل ﵇ لما نجى الله تعالى خليله من نار النمروذ الجبار استجاب له رجال وآمن معه قوم على خوف من نمروذ وملأه ثم أن إبراهيم ومن كان آمن معه من أصحابه اجمعوا على فراق نمروذ وقومهم (فقالوا لقومهم أنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده) ورحل هو وأهله ومن معه من قومه ونزلوا بالرها ثم سار إلى مصر ويقال إلى بعلبك وصاحبها يومئذ فرعون فذكر لفرعون حسن سارة وجمالها زوجة الخليل ﵇ وهي ابنة عمه هاران فسئل إبراهيم عنها فقال هذه أختي يعني في الإسلام خوفاً أن يقتله فقال له زينها وأرسلها إلى. فأقبلت سارة إلى الجبار وقام إبراهيم يصلي فلما دخلت عليه وراها أهوى إليها أراد أن تناولها بيده فأيبس الله يده وجله فلما تخلى عنها أطلق الله يده ورجله فعاد إليها فصار له كالأولى حتى صار له ذلك مراراً وكان هذا تكرمة منه تعالى قال فأطلقها ووهبها هاجر. وفي بعض الأخبار أن الله تعالى رفع الحجاب بين إبراهيم وبين سارة حتى ينظر إليها من وقت خروجها من عنده إلى وقت انصرافها كرامة لها وتطييباً لقلب إبراهيم ﵇.

стр. 58

ثم سار إبراهيم من مصر إلى شام، وأقام بين الرملة وإيليا فهو أول من هاجر من وطنه في ذات الله تعالى حفظا لايمانه. ولما نزل بالموضع الذي يعرف بوادي السبع وهو شاب لا مال له، فأقام حتى كثر ماله وشاخ وضاق على أهل البلد مواضعهم من كثرة ماله ومواشيه. فقالوا له: يا شيخ ارحل عنا فقد آذيتنا بمالك أيها الشيخ الصالح - وكانوا يسمونه بذلك -. فقال لهم: نعم ارحل عنكم. فلما هم بالرحيل قال بعضهم لبعض: انه جاء عندنا وهو فقير وقد جمع عندنا هذا المال كله فلو قلنا له أعطنا شطر مالك وخذ الشطر. فقالوا له ذلك، فقال لهم: يا قوم صدقتم جئتكم وكنت شابا واليوم صرت شيخنا فردوا علي شبابي وخذوا ما شئتم من مالي. فضصمهم ورحل عنهم. فلما كان وقت ورد الغنم الماء جاؤوا يستقون فإذا الآبار قد جفت، فقال بعضهم لبعض: ألحقوا الشيخ الصالح الذي كنتم في بركته واسألوه الرجوع فإنه إن لم يرجع هلكنا وهلكت مواشينا. فلحقوه فوجدوه في الموضع المسمى بالغار وسألوه الرجوع، فقال: إني لست براجع ودفع لهم سبع شياه من غنمه وقال لهم: اذهبوا بها معكم فإنكم إذا أوردتموها البئر ظهر لكم الماء حتى يكون عينا تجري فاملؤا واشربوا واسقوا مواشيكم ولا يقربها امرأة حائض. فرجعوا بالأغنام، فلما وقفت على البئر ظهر لهم الماء فكانوا يشربون منها وهي على حالها لم تنقص أبدا، واستمرت على تلك الحالة حتى أتت امرأة حائض واغترفت منها فغاض ماؤها. ورحل إبراهيم ﵇ ونزل اللجون وأقام بها ما شاء الله تعالى. ثم أوحى الله إليه أن أنزل حبرى. فنزل بها، ونزل عليه جبريل وميكائيل ﵉ بحبرى وهما يريدان قوم لوط ﵇. فخرج إبراهيم عليهم ليذبح لهم عجلا فانفلت العجل منه ولم يزل حتى دخل مغارة حبرون فنودي يا إبراهيم سلم على عظام أبيك آدم ﵇. فوقع ذلك في نفس إبراهيم ﵇ ثم إنه ذبح العجل

стр. 59

وقربه إليهم وكان من شأنه ما نص الله في كتابه العزيز وسنذكر ملخص القصة عند ذكر سيدنا إسحاق ﵇. فمضى إبراهيم معهم إلى قرب ديار قوم لوط فقالوا له أقعدها هنا فقعد وسمع صوت الديكة في السماء فقال هذا هو الحق اليقين فأيقن بهلاك القوم فسمى ذلك الموضع مسجد اليقين وهو على نحو فرسخ من بلد سيدنا إبراهيم الخليل ثم رجع إبراهيم الخليل ﵇. وسيأتي ذكر القصة عند سيدنا لوط ﵇. (قصة بناء الكعبة المشرفة وذكر سيدنا إسماعيل ﵇ قد تقدم أن إبراهيم الخليل ﵇ لما سار إلى مصر ومعه زوجته سارة ووهبها فرعون مصر هاجر فلما قدم إلى الشام وأقام بين الرملة وإيليا وكانت سارة لا تحبل وهبت هاجر لإبراهيم ﵇ فواقعها فحملت وولدت إسماعيل ﵇ ومعنى إسماعيل بالعبرانية مطيع الله وكانت ولادته لمضي ست وثمانين سنة من عمر إبراهيم ﵇. فغارت سارة وحزنت لذلك فوهبها الله تعالى إسحاق ولدته ولها تسعون سنة ثم غارت سارة من هاجر ومن ولدها إسماعيل وطلبت من إبراهيم إن يخرجهما عنها فأخذهما إبراهيم وسار بهما إلى ارض الحجاز وتركهما بمكة وذلك كله بإذن الله تعالى وليس بمكة يومئذ أحد ولا بها ماء فوضع هاجر وإسماعيل ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفل إبراهيم ﵇ منطلقاً. فنهضت أم إسماعيل خلفه وقالت يا إبراهيم إلى أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شي وقالت له ذلك مراراً فلم يلتفت إليها فقالت له الله أمرك بهذا فقال نعم فقالت إذا لا يضيعنا ربنا ثم رجعت.

стр. 60

وانطلق إبراهيم ﵇ حتى إذا كان عند الثنية حيث أنهما لا يرونه استقبل القبلة بوجهه ودعا بهذه الدعوات ورفع يديه (فقال رب إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون). وأما أم إسماعيل فجعلت ترضع إسماعيل ﵇ وتشرب من ذلك الماء حتى نفد ما في السقاء فعطشت وعطش ولدها فجعلت تنظر إليه وهو يتلوى من شدة العطش فانطلقت كراهة ان تنظر إليه وهو على تلك الحالة فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض إليها فقالت عليه ثم استقبلت الوادي وجعلت تنظر إليه لعلها تنظر أحداً فلم تنظر أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سمعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي وهي تنظر لخالقها ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس ﵄ قال النبي ﷺ فذلك سعي الناس بينهما. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت مه - تريد نفسها - ثم تسمعت فسمعت الصوت ثانياً فقالت قد سمعت إن كان عندك غوث فأغث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تحوطه وتقول بيديها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تقول بعدما تغرف زم زم قال ابن عباس قال النبي ﷺ رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم أو قال لو لم تغرف من الماء لكان زمزم عيناً معيناً. قال فشربت وأرضعت ابنها فقال لها الملك لا تخافي الضيعة فان هاهنا بيت الله الحرام وسيبنيه هذا الغلام وأبوه وان الله لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله. ثم نزل هناك أبيات من جرهم وشب إسماعيل ﵇ وتعلم العربية

стр. 61

منهم فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أمه هاجر فجاء إبراهيم ﵇ فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته فقالت خرج يبتغي لنا الصيد ثم سألها عن عيشهم فقالت نحن بشر وشكت إليه بعلها فقال لها إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل أخبرته بما كان قال ذلك أبي أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك فطلقها وتزوج بأخرى منهم. فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله تعالى ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده فسأل امرأته فقالت خرج يبتغي لنا صيداً فقال لها كيف أنتم فقالت نحن بسعة وبخير من الله تعالى وأثنت على بعلها خيراً وشكرت الله تعالى فقال لهما طعامكم؟ قالت اللحم قال فما شرابكم؟ قالت الماء فقال اللهم بارك لهم في اللجم والماء ثم قال لها إذا جاء زوجك فأقرئي عليه مني السلام وأمريه أن يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل أخبرته بما قال فقال ذلك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك. ثم إنه لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وكان إسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريباً من زمزم فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم شرعا في بناء الكعبة. وقد اختلف في أول من بنى الكعبة فقيل الملائكة بإذن الله تعالى وقيل آدم ﵇ ولكن اندرس في زمان الطوفان ثم أظهره الله تعالى لإبراهيم ﵇ حتى بناه وقصة بناء إبراهيم ﵇ مشهورة وملخصها أن إبراهيم ﵇ لما سار من الشام وقدم مكة قال يا إسماعيل إن الله أمرني أن ابني له بيتاً هاهنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها فقال إسماعيل السمع والطاعة لما قال ربنا قال إبراهيم وقد أمرك أن تعينني فقال إسماعيل إذا افعل فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة فكانا كلما بنيا دعوا فقالا (ربنا تقبل منا

стр. 62

إنك أنت السميع العليم) وكان وقوف إبراهيم علي حجر وهو يبني وذلك الموضع هو مقام إبراهيم. واستمر البيت على ما بناه إبراهيم إلى أن هدمته قريش سنة خمس وثلاثين من مولد رسول الله ﷺ وبنوه وكان بناء الكعبة بعد مضي مائة سنة من مولد إبراهيم ﵇ فيكون بالتقريب بين بناء الكعبة وبين الهجرة الشريفة ألفان وسبعمائة وثلاث وتسعون سنة وقد مضى من الهجرة الشريفة إلى عصرنا هذا تسعمائة سنة كاملة فيكون الماضي من بناء إبراهيم الخليل الكعبة الشريفة إلى آخر تسعمائة سنة من الهجرة النبوية ثلاثة آلاف وستمائة وثلاث وتسعين سنة والله أعلم. وسيأتي ذكر ما وقع في الكعبة الشريفة من الهدم والبناء في السيرة الشريفة المحمدية وفي ذكر بناء عبد الملك بن مروان لمسجد بيت المقدس إن شاء الله تعالى. (ذكر قصة الذبيح) ثم أمر الله إبراهيم ﵇ أن يذبح ولده وفداه الله تعالى بكبش وقد اختلف في الذبيح هل هو إسحاق أم إسماعيل فالكنعانيون يقولون إنه إسحاق وهو قول علي وابن مسعود وكعب ومقاتل وقتادة وعكرمة والسدي. وقال ابن عباس ﵄ هو إسماعيل وهو قول سعيد بن المسيب والشعبي والحسن ومجاهد وكلا القولين يروى عن رسول الله ﷺ فمن قال إن الذبيح إسحاق فقد احتج بقوله (فبشرناه بغلام حليم) فلما بلغ معه السعي أمره بذبح من بشر به وليس في القران انه بشر بولد غير إسحاق. ومن قال إن الذبيح إسماعيل احتج له بما قيل إن ذكر البشرى بإسحاق بعد الفراغ من قصة المذبوح فقال تعالى (وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين) فدل على أن المذبوح غيره.

стр. 63

وأما قصة الذبيح فقال البغوي قال السدي لما دعا إبراهيم ﵇ وقال (رب هب لي من الصالحين) وبشر به فقال هو إذاً ذبيح فلما ولد وبلغ معه السعي قال له أوف بنذرك هذا هو السبب في أمر الله تعالى إياه بذبح ابنه فعند ذلك قال لابنه انطلق بنا لنقرب قرباناً لله فأخذ سكيناً وحبلاً وانطلق معه حتى ذهب بين الجبال فقال له الغلام يا أبت أين قربانك فقال (يا بني إني آري في المنام إني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر فلما أسلما - أي انقادا لأمر الله تعالى وخضعا وتله للجبين) أي صرعه على الأرض فقال له ابنه الذي أراد ذبحه يا أبت اشدد رباطي حتى لا اضطرب واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن علي واستحد شفرتك وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون علي فان الموت شديد وإذا أتيت أمي فاقرئ ﵍ مني وان رأيت أن ترد قميصي على أمي فعسى أنه يكون اسلاء لها عني فقال له إبراهيم نعم العون أنت يا بني على أمر الله تعالى. قال ففعل إبراهيم ما أمره الغلام وقبله بين عينيه وقد ربطه وهو يبكي ثم وضع السكين على حلقه وجعل يجرها على حلقه فلا تقطع فقال الابن عند ذلك يا أبت كبني على وجهي فإنك إذا نظرت إلى وجهي رحمتني وأدركتك الرأفة فتحول بيني وبينك وبين أمر الله تعالى وأنا لا انظر الشفرة فأجزع ففعل إبراهيم ذلك ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فنظر إبراهيم فإذا هو بجبريل ﵇ ومعه كبش أملح أقرن وقال هذا فداء ابنك فاذبحه دونه فكبر جبريل ﵇ وكبر الكبش وكبر إبراهيم ﵇ وكبر ابنه فأخذ إبراهيم الكبش وأتى به المنحز من منى فذبحه وكان ذلك الذبيح كبشاً رعى في الجنة أربعين خريفاً. قال القرطبي سئل عمر بن عبد العزيز ﵁ رجلا كان من علماء اليهود اسلم وحسن إسلامه أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال إسماعيل.

стр. 64

ثم قال يا أمير المؤمنين ان اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معاشر العرب على أن يكون أبوكم هو الذبيح ويزعمون انه إسحاق أبوهم. وروى الثعلبي عن الصهاجي قال كنا عند معاوية فذكروا إسماعيل الذبيح أو إسحاق فقال على الخبير سقطتم كنت عند رسول الله ﷺ فجاء رجل وقال له ابن الذبيحين فضحك رسول الله ﷺ فقال له يا أمير المؤمنين وما الذبيحان فقال ان عبد المطلب لما حفر زمزم نذر لئن سهل الله له أمرها ليذبحن أحد أولاده فخرج السهم على ولده عبد الله فمنعه أخواله من ذلك وقالوا له بل أفد ولدك بمائة من الإبل ففداه والثاني إسماعيل ﵇. ومن زعم أن الذبيح إسحاق فيقول كان موضع الذبح بالشام على ميلين من إيليا وهي بيت المقدس وزعمت اليهود انه كان على صخرة بيت المقدس ومن يقول إن الذبيح إسماعيل فيقول ان ذلك كان بمكة المشرفة. وأرسل الله إسماعيل إلى قبائل اليمن والى العماليق وزوج إسماعيل ابنته من ابن أخيه العيص بن إسحاق وعاش إسماعيل مائة وسبعاً وثلاثين سنة ومات بمكة ودفن عند قبر أمه هاجر بالحجر فكانت وفاته بعد وفاة أبيه إبراهيم ﵇ بثمان وأربعين سنة. ولما ماتت سارة بعد وفاة هاجر تزوج إبراهيم الخليل ﵇ امرأة من الكنعانيين وولدت منه ستة وهم يقشان وزمران ومدان ومديان ويشق وشرخ. ثم تزوج امرأة أخري فولدت له خمسة بنين فكان جميع أولاد إبراهيم ثلاثة عشر ولد مع إسماعيل وإسحاق فكان إسماعيل أكبر أولاده فآثر إسماعيل ارض الحجاز وإسحاق ارض الشام وفرق سائر ولده في البلاد والله أعلم.

стр. 65

(ذكر شراء المغارة) عن كعب الأحبار ﵁ قال أول من مات ودفن في حبرون سارة لك إنها لما ماتت خرج الخليل ﵇ يطلب موضعاً ليقبرها فيه ورجا ان ون موضعاً بقرب حبري فمضى إلى عفرون وكان ملك الموضع وكان مسكنه فقال له إبراهيم بعني موضعاً أقبر فيه من مات من أهلي فقال له عفرون لك قد أبحتك فادفن موتاك حيث شئت من أرضي فقال إبراهيم ﵇ لا أحب ذلك إلا بالثمن فقال له أيها الشيخ الصالح ادفن حيث شئت. فأبى عليه. وطلب منه المغارة فقال له أبيعكما بأربعة آلاف درهم كل درهم وزن دراهم وكل مائة درهم ضرب ملك أراد بذلك التشديد عليه كي لا يجد من ذلك فيرجع إلى قوله فخرج إبراهيم الخليل من عنده فإذا جبريل ﵇ واقف فقال له يا إبراهيم إن الله قد سمع مقالة الجبار لك وهذه دراهم ادفعها إليه فإنها كما طلب قال فأخذ إبراهيم ﵇ الدراهم ودفعها إلى الجبار فقال له من أين لك هذه الدراهم؟ فقال له من عند إلهي وخالقي وأرزاقي فأخذها منه. وحمل إبراهيم ﵇ سارة ودفنها في المغارة فكانت أول من دفن فيها وتوفيت ولها من العمر مائة وسبعة عشر سنة وقيل مائة وسبع وعشرون سنة ثم لما توفي الخليل ﵇ دفن بحذائها من جهة الغرب وسنذكر تاريخ وفاته فيما بعد إن شاء الله تعالى ثم توفيت ريقة زوجة إسحاق فدفنت بها بحذاء سارة من جهة القبلة ثم توفي إسحاق ﵇ فدفن بحذاء زوجته من جهة الغرب. ثم توفي يعقوب ﵇ فدفن عند باب المغارة وهو بحذاء قبر الخليل

стр. 66

﵊ من جهة الشمال ثم توفيت ليقا زوجته فدفنت بحذائه من جهة الشرق فاجتمع أولاد يعقوب والعيص وأخوته وقالوا ندع باب المغارة مفتوحاً وكل من مات منا دفناه فيها فتشاجروا فرفع واحد من أخوة العيص يده ولطم العيص لطمة فسقط رأسه في المغارة وقيل كان الضارب للعيص واحد من أولاد يعقوب ولما سقط رأسه في المغارة حملوا جثته ودفنوها بغير رأس وبقي الرأس في المغارة وحوطوا عليها حائطاً وعملوا فيها علامات القبور في كل موضع وكتبوا عليه هذا قبر إبراهيم وهذا قبر زوجته سارة وهذا قبر إسحاق وهذا قبر زوجته ريقة وهذا قبر يعقوب وهذا قبر زوجته ليقا. وخرجوا وطبقوا الباب وكل من جاء إليه يطوف به ولا يصل إليه أحد حتى جاءت الروم بعد ذلك ففتحوا له باباً ودخلوا إليه وبنوا فيه كنيسة ثم أظهر الله الإسلام بعد ذلك وملك المسلمون تلك الديار وهدموا الكنيسة وبالقرب من مدينة سيدنا إبراهيم الخليل ﵇ قرية تسمى سعير وهي الفاضلة بين أعمال القدس والخليل بها قبر بداخل مسجدها يقال إنه قبر العيص ﵇ وقد اشتهر ذلك عند الناس وصاروا يقصدونه للزيارة والله أعلم. وروى عن وهب بن منبه إنه قال أصبت على قبر إبراهيم الخليل ﵇ مكتوباً حلقة في حجر: غر جهولاً أمله يموت من جا أجله لن تغني عنه حيلة زاد بعض أهل العلم: والمرء لا يصحبه … في القبر إلا عمله وحدث محمد بن بكران بن محمد خطيب مسجد الخليل ﵇ قال سمعت محمد بن إسحاق النحوي يقول خرجت مع القاضي أبي عمرو عثمان بن جعفر بن شاذان إلى قبر إبراهيم الخليل ﵇ فأقمنا به ثلاثة أيام فلما كان في اليوم الرابع جاء إلى النقش المقابل لقبر ريقة زوجة إسحاق ﵇ فأمر بغسله حتى

стр. 67

كتابة وتقدم إلي بأن انقل ما هو مكتوب في الحجر إلى درج كان معنا تمثيل فنقلته ورجعنا إلى الرملة فأحضر أهل كل لسان ليقرأه عليه فلم يكن أحد يقرأه ولكنهم اجمعوا على أن هذا بلسان اليوناني القديم وإنهم لا يعلمون أحد يقرأه غير شيخ كبير بحلب فعمدوا إلى إحضاره فلما حضر عنده فإني فإذا هو شيخ كبير فأملي على الشيخ المحضر من حلب ما نقلته في الدرج وتمثيل أوله بسم إلهي إله العرش القاهر الهادي الشديد البطش العليم الذي في هذا قبر إبراهيم الخليل ﷺ والعلم الذي بحذائه من جهة قبر زوجته سارة والعلم الأقصى الموازي لقبر إبراهيم الخليل قبر يعقوب الذي يليه من الشرق قبر إيليا زوجته صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين العيص بخطه واسم زوجة يعقوب إليا وفي بعض الكتب ليا والمشهور والله أعلم. وهذا الحجر المنقوش موجود إلى يومنا هذا وقد اشتهر عند الناس مكانه آدم ويقال إنه عند رأس آدم ﵇. قال الحافظ بن عساكر قرأت في بعض كتب أصحاب الحديث ونقلت منها محمد بن بكران بن محمد خطيب مسجد إبراهيم الخليل ﵇ وكان قاضياً في أيام الراضي بالله في سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة وما بعدها وله رواية حديث سمع من جماعة وحدث عن جماعة من أهل العلم - قال سمعت محمد بن ابن علي بن جعفر الأنباري يقول سمعت أبا بكر الإسكافي يقول صح عندي إبراهيم ﵇ في الموضع الذي هو الآن فيه لما رأيت وعانيت وذلك توفقت على السدنة وعل الموضع أوقافاً كثيرة تقرب من نحو أربعة آلاف رجاء ثواب الله وطلبت أن أعلم صحة ذلك حتى ملكت قلوبهم بما عملت معهم من الجميل والكرامة والملاطفة والإحسان إليهم وأطلب بذلك أن لي ما يصح وحاك في صدري فقلت لهم يوماً من الأيام - وقد جمعتهم عندي

стр. 68

بأجمعهم - أسألكم أن توصلوني إلى باب المغارة كي أنزل إلى حضرة الأنبياء صلوات الله عليهم وأشاهدهم. فقالوا قد أحببناك إلى ذلك لأن لك علينا حقاً واجباً ولكن لا يمكن في هذا الوقت لأن الطارق علينا كثير ولكن حتى يدخل الشتاء فلما دخل كانون الثاني خرجت إليهم فقالوا أقم عندنا حتى يقع الثلج فأقمت عندهم حتى وقع الثلج وانقطع الطارق عنهم فجاؤوا إلى صخرة ما بين قبر إبراهيم الخليل وقبر إسحاق ﵉ وقلعوا البلاطة ونزل رجل منهم يقال له صعلوك - وكان رجلا صالحاً فيه خير ولين فنزلت أنا معه فمشى وأنا من ورائه فنزلنا اثنتين وسبعين درجة فإذا عن يميني دكان عظيمة من حجر أسود وإذا عليه شيخ خفيف العارضين طويل اللحية ملقى على ظهره وعليه ثوب أخضر فقال لي صعلوك هذا إسحاق ﵇. ثم سرنا غير بعيد وإذا بد كان أكبر من الأولى وعليها شيخ ملقى على ظهره وله شيبة قد أخذت ما بين منكبيه أبيض الرأس واللحية والحاجبين وأشفار العينيين وتحت شيبته ثوب أخضر قد جلل بدنه والرياح تلعب بشيبته يميناً وشمالاً فقال لي صعلوك هذا إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم فسقطت على وجهي ودعوت الله بما فتح علي. ثم سرنا وإذا بد كان لطيفة وعليها شيخ لطيف آدم شديد الأدمة كث اللحية وتحت منكبيه ثوب أخضر قد جلله فقال لي صعلوك هذا يعقوب النبي ثم إننا عدلنا يساراً لننظر إلى الحرم فحلف أبو بكر الإسكافي ما أن غمت الحديث. قال فقمت من عنده في الوقت الذي حدثني فيه من وقتي إلى مسجد إبراهيم ﵇ فلما وصلت إلى المسجد سألت عن صعلوك فقيل لي الساعة يحضر فلما جاء قمت إليه وجلست عنده وطارحته بعض الحديث فنظر إلي بعين منكر للحديث الذي سمعه فأومأت إليه بلطف تخلصت به من الإثم ثم قلت له إن أبا بكر الإسكافي عمي فأنس عند ذلك فقلت يا صعلوك بالله عليك لما عدلتما

стр. 69

نحو الحرم ماذا كان وما الذي رأيتما؟ فقال ما حدثك أبو بكر فقلت أريد منك أيضاً. فقال سمعنا من نحو الحرم صائحاً يصيح وهو يقول تجنبوا الحرم رحمكم معنا مغشياً علينا ثم أفقنا وقد أيسنا من الحياة وأيست الجماعة منا قال الشيخ وعاش أبو بكر الإسكافي بعد ما حدثني زماناً يسيراً ومات صعلوك رحمهما الله تعالى. روى الحسن بن عبد الواحد بن رزق الرازي قال قدم أبو زرعة القاضي إلى مسجد إبراهيم ﵇ فجئت لأسلم عليه وقد قعد عند قبر سارة صلاة فدخل شيخ فدعاه وقال له يا شيخ أيما هو قبر إبراهيم بين هؤلاء؟ مسح الشيخ بيده إلى قبر إبراهيم ﵇ ثم مضى الشيخ وجاء شاب فدعاه ومضى ثم جاء صبي فدعاه وقال له مثل فسار إلى قبر إبراهيم ﵇ فقال أبو زرعة أشهد أن هذا قبر الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام لا شك فيه ولا خفاء نقله الخلف عن ما قال مالك بن أنس ﵁ إن نقل الخلف عن السلف أصح الحديث ريث ربما يقع فيه الخطأ والنقل لا يقع فيه خطأ ولا يطعن فيه إلا صاحب حالف ثم قام ودخل إلى داخل فصلى الظهر ثم رحل من الغد. وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء المقدسي في كباب البدائع في مملك الإسلام حبري هي قي إبراهيم الخليل ﵇ فيها حصن عمون إنه من بناء الجن من حجارة عظيمة منقوشة ووسطه فيه حجارة على قبر إبراهيم ﵇ وقبر إسحاق قدام في المغطى وقبر يعقوب عند كل نبي امرأته وقد جعل الحصن مسجداً وبنى حوله دور من به واتصلت العمارة به من كل جانب ولهم قناة ماء ضعيفة وبهذه القرية من مرحلة من كل جانب قرى وكروم وأعناب وتفاح وعامتها تحمل إلى مصر

стр. 70

وفي هذه القرية ضيافة دائمة وطباخ وخباز وخدام مرتبون وهم يقدمون العدس بالزيت لكل من يأتي ويحضر عندهم من الفقراء ويدفع إلى الأغنياء إذا أخذوا. وحكي الملك المؤيد إسماعيل صاحب حماة في تاريخه في وقائع سنة ثلاثة عشر وخمسمائة إن في تلك السنة ظهر قبر إبراهيم ﵇ وقبر ولديه إسحاق ويعقوب ﵉ أيضاً بالقرب من بيت المقدس ورآهم كثير من الناس لم تبل أجسادهم وعندهم في المغارة قناديل من ذهب وفضة ولم يذكر كيف كان ظهور ذلك. وفيه أشكال لأن في التاريخ المذكور كان بيت المقدس وبلد سيدنا الخليل ﵇ في يد الإفرنج وليس للمسلمين عليها تكلم ولا أعلم هل كانت الإفرنج يمكن المسلمين من البلاد حين استيلائهم عليها؟ والله أعلم بحقيقة الحال. (ذكر ختانه وتسروله ﵇ وشيبته) روى عن النبي ﷺ إنه قال اختتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم - وهو بالتخفيف والتشديد. - وروى عن النبي ﷺ إنه قال ربط إبراهيم ﵇ غرلته وجمعها إليه وحد قدومه وضرب عليه بعمود كان معه فندرت بين يديه بلا ألم ولا دم وختن إسماعيل ﵇ وهو ابن ثلاث عشرة سنة وختن إسحاق وهو ابن سبعة أيام. وعن عكرمة إنه اخنتن إبراهيم ﵇ وهو ابن ثمانين سنة فأوحى الله تعالى إليه إنك قد أكملت إيمانك إلا بضعة من جسدك فالقها فختن نفسه بالفأس، وسبب ختانه إنه أمر بقتال العمالقة فقاتلهم فقتل خلق كثير من الفريقين فلم يعرف إبراهيم أصحابه ليدفنهم فأمر بالختان ليكون علامة للمسلم وختن نفسه بالقدوم.

стр. 71

قال ابن عباس ﵄ كان إبراهيم أول من لبس السراويل وذلك كان ﵇ كثير الحياء وكان من حيائه يستحي أن ترى الأرض مذاكيره فاشتكى إلى الله فأوحى الله إلى جبريل ﵇ فهبط عليه بخرقة من الحنة ففصلها جبريل ﵇ سراويل وقال له ادفعها إلى سارة - وكان اسمها سارة - وأمرها أن تخيطه فلما خاطته ولبسه إبراهيم قال ما أحسن هذا وما أستره يا جبريل؟ فإنه نعم الستر للمؤمن فكان إبراهيم ﵇ أول من لبس السراويل وأول من فصل جبريل وأول من خالطه سارة بعد إدريس ﵇. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال كان الرجل يبلغ الهرم ولم يشب وكان الرجل يأتي القوم وفيهم الوالد والولد فيقول أيكم الأب ومن الأبن؟ فقال إبراهيم رب اجعل لي شيئاً أعرف به فلا صبح رأسه ولحيته أبيضين وروى عن ابن عباس ﵄ إنه قال أول من سمانا المسلمين إبراهيم ﵇ وهو أول من ضرب بالسيف من الأنبياء وكسر الأصنام واختتن ولبس السراويل والنعلين ورفع يديه في الصلاة فيك كل خفض ورفع وصلى أول النهار أربع ركعات جعلهن على نفسه فسماه الله وفياً فقال تعالى (وإبراهيم الذي أوف) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هي الأربع في أول النهار وهو أول من أضاف الضيف وثرد الثريد وفرق الشعر واستنجى بالماء وقلم الظفر وقص الشارب ونتف الإبط وهو أول من استاك وتمضض واستنشق بالماء وحلق العانة وأول من صافح وعانق وقبل بين العينين موضع السجود وأول من شاب فقال ما هذا؟ فقال الله تعالى هذا وقار فقال إبراهيم يا رب زدني وقاراً فما برح حتى ابيضت جميع لحيته. وأول من جر الذيل هاجر امرأته فصارت سنة في النساء فغارت منها سارة وحلفت إنها تملأ يدها من دمها فقال إبراهيم ﵇ خذيها واختنيها كي تكون ذلك سنة بعد كما وتخلصي من يمينك ففعلت فكانت هاجر أول من اختتن

стр. 72

من النساء وإبراهيم أول من اختتن من الرجال. (ذكر رأفته بهذه الأمة ﷺ روي عن النبي ﷺ إنه قال لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال لي يا محمد أقرى أمتك مني السلام وقل لهم إن الجنة طيبة التربة عذب الماء وإنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر وفي رواية فرأيت إبراهيم الخليل فرحب بي سهل ثم قال لي مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسع فقال وما غراس الجنة؟ فقال لا حول ولا قوة إلا بالله وفي رواية فقال أبي إبراهيم مرحباً بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لامته يا نبي إنك لاق ربك الليلة وأن أمتك هي آخر الأمم وأضعفها فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل. (ذكر ضيافة وإكرامه للضيف وأخلاقه الكريمة) ورو أن إبراهيم ﵇ كان إذا أراد أن يأكل خرج ميلا أو ميلين يلتمس من يأكل معه وكان يكنى بأبي الضيفان ولصدق نيته في الضيافة دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا فلا ينقصني يوم ولا ليلة إلا ويأكل عنده جماعة. وحكي إن رجلاً شريف القدر من أهل دمشق ذا وجاهة كان يزور الخليل ﵇ في كل حين وكان يؤتى بالضيافة التي جرت العادة بها لزواره فيردها ولا يأكل منها شيئاً فجاء مرة وهو ملهوف وجعل يطلبها ويجد في طلبها حتى قيل إنه كان يتتبع ما بقي في القصع ويلتقط ما يجد من لباب الخبز وفتاته فيأكله فقيل له في ذلك فقال رأيت الخليل ﷺ فقال لي: ما أكلت ضيافتنا فنحن ما قبلنا منك زيارتك. روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال إن الله تعالى وسع على إبراهيم

стр. 73

الخليل ﵇ في المال والخدم فاتخذ بيتاً لضيافته وجعل له بابين يدخل الغريب أن أحدهما ويخرج من الآخر ووضع فيذلك البيت كسوة للشتاء وكسوة للصيف مائدة منصوبة عليها طعام فيأكل الضيف ويلبس أن كان عرياناً وإبراهيم يجدد كل حين مثل ذلك. وروي إن إبراهيم الخليل ﵇ لما قرب العجل إلى الضيوف ورأى أيديهم لا تصل إليه قال لم لا تأكلون؟ قالوا لا نأكل طعاماً إلا بثمنه قال ليسمعكم ثمنه؟ قالوا وأني لنا ثمنه؟ قال تسمون الله تبارك وتعال إذا أكلتم تحمدونه وإذا فرغتم قالوا سبحان الله لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً من خلقه لاتخذك يا أبا إبراهيم خليلاً فاتخذ الله تعالى إبراهيم خليلاً. وقيل إن الملائكة لما رأت ازدياد إبراهيم في الخير وإقبال الدنيا عليه ولم يشغله له عن الله طرفه عين تعجبت من ذلك وقالت إن ظاهره حسن وإنه لا يؤثر على ربه شيئاً فهل هو في قلبه هكذا؟ فعلم الله ذلك منهم قبل تكلموا به فأمر الله ملكين من إجلاء الملائكة - وقيل إنهما جبريل وميكائل ﵉ إن ينزلا عليه ويستضيفاه ويذكراه بربه ويرفعا صوتهما عنده بالتسبيح لتقديس الله تعالى فنزلا على صورة بني آدم فسألاه الأذن لهما في المبيت عنده إذن لهما وأكرم نزلهما ورفع محلهما. فلما كان في بعض الليل - وهو يسامرهما في الكلام - إذ رفع أحدهما صوته قال سبحان ذي الملك والملكوت ثم رفع الآخر صوته وقال سبحان الملك القدوس - بصوت لم يسمع مثله - قال فأغمي على إبراهيم ﵇ ولم يملك نفسه من الوجد والطرب ثم أفاق بعد ساعة وقال لهما أعيدا على ذكركما فقالا أنا لم نفعل حتى تجعل لنا شيئاً معلوماً فقال لهما خذا ما تختارا من مالي إلا له أعطنا ما شئت فقال لكما جميع مالي من الغنم - وكامن شيئاً كثيراً - ورضيا بذلك ثم رفعا صوتهما وقالا كالأولى فأغمي عليه فلما أفاق وعلم إنهما

стр. 74

لا يقولان شيئاً إلا بمعلوم قال لكما جميع مالي من البقر فرضينا أعادا ولم يزالا يكرران عليه الذكر ويتحلى به وهو يستغرق في لذاته حتى أعطاهما جميع مجوداته من ماله وأهله ولم يبق إلا نفسه فباعها لهما ورضي أن يكون في رقهما وجعل في عنقه شداداً وسلمهما نفسه وقال لهما لعلكما أن تجودا علي بالذكر مرة أخرى. فلما رأيا منه ذلك قالا له بحق لك أن يتخذك الله خليلا ثم حكيا له ما كان من الملائكة فتبسم وقال حسبي الله ونعم الوكيل ثم قالا له أمسك عليك مالك بارك الله لك وعليك وعلى ذريتك. فمن الله عليه سبحانه بإبقاء ذريته وسماطه وزاده بركة وخيراً سماطه ممدوداً من يومه إلى يومنا هذا جعله الله دائماً إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى. وأما أخلاقه الكريمة فقد سماه الله تعالى حليماً أواهاً منيباً والحليم الرشيد الذي يملك نفسه عند الغضب والأواه الذي يكثر التأوه من الذنوب والمنيب المقبل على ربه في شأنه كله. روى الثعلبي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذري الغفاري ﵁ قال قلت لرسول الله ﷺ يا رسول الله كم منة كتاب انزل الله ؟ قال رسول الله انزل الله تعالى مائة كتاب وأربعة كتب انزل تعالى على دم ﵇ عشر صحائف وعلى إبراهيم الخليل عشر صحائف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة وأنزل الله تعالى التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. قال قلت يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؟ قال كانت أمثالاً «أيها الملك المغرور المبتلي إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكن بعثتك لتنصر دعوة المظلوم فإني لا أردها وأن كانت من كافر» وكان فيها أمثال كثير (منها) وعل العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه ويتفكر في صنع الله وساعة يحاسب نفسه فيما قدم وأخر

стр. 75

وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال لا من الحرام في المطعوم والمشروب وغيرهما على العاقل أن يكون بصيراً بزمانه على شأنه حافظاً للسانه ومن علم أن علامة من عمله قل كلامه إلا فيما يعينه والله أعلم. (معنى الخلة) أصل الخلة الاستصفاء وسمي إبراهيم خليل الله لأنه يوالي في الله ويعادي الله وخلة الله له نصره وجعله إماماً لمن بعده والخليل أصله الفقير المحتاج ينقطع مأخوذ من الخلة وهي الحاجة سمي بها لأنه قصر حاجته على ربه وانقطع به بهمته ولم يجعل له ولياً غيره حيث قال له جبريل ﵇ وهو في المنجنيق ورمى به في النار - ألك حاجة؟ فقال أما إليك فلا. روى عن النبي ﷺ إنه قال لجبريل يا جبريل لم أتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال لا طعامه الطعام. وفي الصحيحين إنه ﷺ قال أيها الناس إن الله تعالى قد اتخذني ليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً واختلف في تفسير الخلة واشتقاقها فقيل الخليل ينقطعه إلى الله تعالى الذي ليس له في انقطاعه إليه ومحبته له اختلال واختلف أيضاً من الخلة والمحبة بمعنى واحد؟ أو أحدهما أرفع من الأخرى؟ فقيل هما بمعنى أحد والحبيب خليل وعكسه ولكن خص إبراهيم بالخلة ومحمد بالمحبة وقيل الخلة أرفع للحديث الوارد عنه ﷺ فلم يتخذ أبا بكر خليلاً وأطلق على نفسه شريفة المحبة له ولعائشة ولفاطمة وابنيها وأسامة وغيرهم. والأكثر على المحبة أرفع لأن درجة نبينا الحبيب ﷺ أرفع من درجة إبراهيم الخليل ﷺ وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق محبوب وهذا فيمن يتأتى منه الميل وهي درجة المخلوقين وأما الخالق ﷻ فمنزه
следующие страницы →