← История

История · id 6626

الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل - ط النجف

مجير الدين العليمي

Полный текст (810 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ما مروز ومعناه حساب الشهور والأيام فعربوا الكلمة فقالوا مؤرخ ثم جعلوا اسمه التاريخ واستعملوه ثم طلبوه يجعلونه أولاً لتاريخ دولة الاسلام واتفقوا علي أن يكون المبدأ سنة هذه الهجرة فكانت هذه الهجرة من مكة إلى المدينة شرفها الله تعالى وقد تصرم من شهور هذه السنة وأيامها المحرم وصفر وثمانية أيم من ربيع الأول. فلما عزموا على تأسيس الهجرة رجعوا القهقري ثمانية وستين يوماً وجعلوا مبدأ التاريخ أول المحرم من هذه السنة ثم أحصوا من أول يوم المحرم إلي أخر يوم من عمر النبي ﷺ فكان سنين وشهرين وأياماً وإذا حسب عمره من الهجرة فيكون قد عاش بعدها تسع سنين واحد عشر شهراً واثنين وعشرين يومًا. وأما التواريخ القديم فكانت الأمم السالفة تؤرخ بالأحداث العظام وتملك الملوك فأرخوا بهبوط آدم ثم بعث نوح ثم بالطوفان وأرخ بنو إسحاق بنار إبراهيم إلى يوسف ومن يوسف إلى مبعث موسى إلى ملك سليمان بن داود ثم بما كان من الكوائن ومنهم من أرخ بوفاة يعقوب ﵇ ثم بخروج موسى من مصر ببني إسرائيل ثم بخراب بيت المقدس وأما بنو إسماعيل فأرخوا ببناء الكعبة ولم يزالوا يؤرخون بذلك حتى تفرقوا وكان كل من خرج منهم من تهامة يؤرخ بخروجه ثم أرخوا بعام الفيل ثم أرخوا بأيام الحروب. وكانت حمير يؤرخون بملوكهم التبابعة وأما اليونان والروم فأرخوا بظهور الإسكندر وأما النبط فكانوا يؤرخون بملك بخت نصر وأما المجوس فكانوا يؤرخون بقتل دارا وظهور الإسكندر ثم بظهور اردشير ثم بملك يزدجرد. وولد سيدنا محمد ﷺ والعرب تؤرخ بعام الفيل. ولم يزل التاريخ كذلك إلى أن ولي عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة فقرر الأمر أن يؤرخوا بهجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة فجعلوا التاريخ من المحرم أول عام الهجرة.

стр. 212

وقد ورد في حديث المعراج الشريف أن جبريل قال للنبي ﷺ حين أسرى به أنزل فصل هنا ففعل فقال أتدري أين صليت صليت بطيبة وإليها الهجرة. وأما ما كان من حديث الهجرة فإن رسول الله ﷺ هاجر إلى المدينة في شهر ربيع الأول وأمر أصحابه بالمهاجر إلى المدينة فخرج جماعة وتتابع الصحابة ثم هاجر عمر بن الخطاب ﵁ وأقام النبي ﷺ بمكة ينتظر ما يؤمر به وتخلف معه أبو بكر وعلي ﵄. وأجمعت قريش على مكيدة يفعلونها مع رسول الله ﷺ فنجاه الله من مكرهم وأنزل عليه في ذلك (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الآية وأمره بالهجرة. فأمر علياً أن يتخلف عنه ويؤدي ما عنده من الودائع لأربابها ثم خرج هو وأبو بكر إلى غار ثور - وهو جبل أسفل مكة فأقاما فيه ثم خرجا بعد ثلاثة أيام وتوجها إلى المدينة وقدماها لاثني عشر ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وكان يوم لاثنين الظهر فنزل بقباء وأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء وأسس مسجد قباء وهو الذي نزل فيه (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال). ثم خرج من قباء يوم الجمعة وأدركته الجمعة في بني عمرو بن عوف فصلاها في المسجد الذي ببطن الوادي وكانت أول جمعة صلاها بالمدينة. فولد ﷺ يوم الاثنين وهاجر يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين. واختلف العلماء في مقامه بمكة بعد أن أوحى إليه فقيل عشر سنين وقيل ثلاث عشر سنة وهو الصحيح ولعل الذي قال عشر سنين أراد بعد إظهار الدعوة فإنه بقي ثلاث سنين يسرها والله أعلم.

стр. 213

(ذكر بناء المسجد الشريف النبوي) (على صاحبه أفضل الصلاة والسلام) ثم أن رسول الله صلى عليه وسلم رحل من قباء يريد المدينة فما مر على دار من دور الأنصار إلا قالوا هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة ويعترضون ناقته فيقول خلوا سبيلها فإنها مأمورة حتى انتهت إلي موضع مسجد النبي ﷺ فبركت هناك فنزل عنها النبي ﷺ وأخذ أبو أيوب الأنصاري الناقة إلى بيته. وكان موضع المسجد مربداً للتمر لسهل وسهيل ابني عمرو - يتيمين في حجر أسعد بن زرارة - فقال رسول الله ﷺ حين بركت ناقته هذا إن شاء الله المنزل ثم دعا الغلامين فساومهما المربد ليتخذه مسجداً فقال لا بل نهبه لك يا رسول الله فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجداً وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنائه. وقيل بل كان الموضع لبني النجار وكان فيه قبور المشركين وخرب ونخل فأراد النبي ﷺ أن يشتريه من بني النجار فقال لهم يا بني النجار ثامنوني حائطكم فأقلوا لا نطلب ثمنه إلا إلى الله فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطع قال فصفوا النخيل قبل المسجد وجعلوا عضاديته حجارة وجعلوا ينقلون ذلك الصخر وهم يرتجزون ورسول الله ﷺ يقول: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة … فانصر الأنصار والمهاجرة وأقام رسول الله ﷺ عند أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه وكان قبله يصلي حيث أدركته الصلاة وبناه هو والمهاجرون والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين. وكان المسجد الشريف على عهد رسول الله ﷺ مبنياً باللبن

стр. 214

وسقفه الجريد وعمده خشب النخل فلم يزد أبو بكر فيه شيئاً وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله ﷺ باللبن والجريد وأعاد عمده خشباً. ثم غيره عثمان بن عفان ﵁ في خلافته فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج. ثم صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك - الذي عمر مسجد دمشق - استعمل على المدينة عمر بن عبد العزيز ﵁ وكتب إليه في سنة سبع وثمانين من الهجرة الشريف يأمره بهدم مسجد رسول الله ﷺ وهدم بيوت أزواج النبي ﷺ ورضى عنهن وأن يدخل البيوت في المسجد بحيث تصير مساحة المسجد مائتي ذراع في مائتي ذراع وأن يضع أثمان البيوت من بيت المال فأجابه أهل المدينة إلى ذلك وقدم الصناع من عند الوليد لعمارة المسجد وتجرد لذلك عمر بن عبد العزيز وشيد رسول الله ﷺ وأدخل فيه ما حوله من المنازل. ثم لما صارت الخلافة لبني العباس ووليها المهدي - أبو عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور - وسع المسجد الشريف وزاد فيه وحمل إليه العمد الرخام ورفع سقفه وألبس خارج القبر الشريف الرخام وذلك في سنة سبع وستين ومائة وأمر بتقصير المنابر في البلاد وجعلها بمقدار منبر رسول الله ﷺ . وقد عمر في المسجد الشريف جماعة من ملوك الاسلام من الخلفاء والسلاطين وجددوا فيه أشياء من المحاسن. وكان قد احترق المسجد الشريف في زمن الملك الظاهر بببرس ﵀ فاهتم بعمارته ووضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة وعمل فيه منبراً وسقفه بالذهب. ثم في عصرنا جرى حادثة وهي في ليلة الثالث عشر من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثمانمائة وقعت صاعقة بالليل في المدينة الشريفة احترق منها المسجد الشريف النبوي والحجرة الشريفة وجميع ما بالمسجد الشريف من المصاحف والكتب

стр. 215

وغير ذلك. ووردت الأخبار بذلك إلى السلطان الملك الأشرف قايتباى وكتب لأهل المدينة الشريفة محضراً بما وقع وجهزوه إلى القاهرة في أسرع وقت وجزع الناس لذلك ثم اهتم السلطان بعمارته وأقام في ذلك أعظم قيام وأنشأه وجدد عمارته فجاءت في غاية الحسن ولله الحمد والمنة. وأما المسجد الشريف فله أربعة أبواب من جهتي المشرق والمغرب فمن جهة المشرق باب جبريل وباب النساء ومن جهة المغرب باب السلام وباب الرحمة وعليه خمس منابر أربعة قديمة والخامسة مستجدة بمدرسة السلطان الملك الأشرف قايتباي. وقد وقف السلطان المشار إليه على المدينة الشريفة أوقافاً كبيرة أكثرها عقارات بالقاهرة ورتب قمحاً يحمل إليها في كل سنة يصرف لأهلها والواردين إليها وكان ذلك في سنة ثمان وثمانين وثمانمائة عند انتهاء المسجد الشريف. وإنما ذكرت هذه الحوادث هنا استطراداً على وجه الاختصار لتعلقها بالمسجد الشريف. ولنرجع إلى ذكر أخبار الهجرة الشريفة فأقول - وبالله التوفيق -: ولما أقام النبي ﷺ بالمدينة الشريفة ففي السنة الأولى من هجرته ﷺ بنى بعائشة ﵂ في شهر ذي القعدة وهي بنت تسع سنين. وفيها كانت المؤاخاة بين المسلمين آخى بينهم رسول الله ﷺ فاتخذ هو علي بن أبي طالب ﵁ أخاً وصار أبو بكر وخارجة بن زيد بن أبي زهير الأنصاري أخوين وتواخى أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك وسعيد بن زيد وأبي بن كعب الأنصاري ﵃. وفيها كانت غزوة الأبواء وهي أول غزواته ثم غزوة بواط ثم غزوة العشيرة ثم دخلت السنة الثانية من الهجر الشريف على صاحبها أفضل الصلاة والسلام،

стр. 216

وكان تحويل القبلة من صخرة بيت المقدس الشريف إلي المسجد الحرام قال الله تعالى (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره). وروى الليث عن يونس عن الزهري قال لم يبعث الله منذ هبط دم إلى الأرض نبياً إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس. وعن ابن عباس ﵄ قال إن أول ما نسخ من القرآن القبلة وذلك أن محمداً رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة فلما هاجر إلى المدينة أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته في التوراة فصلى بعد الهجرة الشريفة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم ﵇ فأنزل الله عليه الآية وأمره باستقبال الكعبة. ولما حولت القبلة كان النبي ﷺ في مسجد القبلتين في بني سلمة وكان يصلي فيه الظهر إلى بيت المقدس وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين. وعن البراء أن النبي ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن تكون قبلته البيت؟ فإنه ﷺ أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلوا معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة فداروا كلهم وجوههم قبل البيت. وكانت اليهود قد أيعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس ولما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك.

стр. 217

وقال البراء في حديثه هذا إنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما تقول فيهم فأنزل الله (وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤف رحيم). وكان تحويل القبل في يوم الثلاثاء منتصف شهر شعبان وقيل في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين من السنة الثانية من الهجرة الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وفيها - أعني في السنة الثانية - في شعبان فرض صوم شهر رمضان وأمر الناس بإخراج زكاة الفطر قبل الفطر بيوم أو يومين فصام ﷺ تسع رمضانات إجماعاً وفيها رأى عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري صورة الأذان في النوم وورد به الوحي. وفيها تزوج علي ﵁ بفاطمة بنت الرسول ﷺ وقال إن الله سبحانه وتعال عقد عقد فاطمة لعلي في السماء فنزل الوحي بذلك فجمع الصحابة لذلك وأرسل وراء علي بن أبي طالب وأخبره بالخبر فعقد النبي ﷺ عقد علي على فاطمة فقيل لعلي أو لم يا علي فنزل بدرعه يبيعه فعرفه عبد الرحمن فاشتراه بألف درهم ودفعها لعلي ثم أوهبه الدرع. وفيها كانت غزوة بدر الكبرى التي اظهر الله بها الدين وسببها قتل عمرو ابن الحضري وإقبال أبي سفيان بن حرب في عير لقريش عظيمة من الشام وفيها أموال كثيرة فانتدب المسلمون بأمر النبي ﷺ وخرجوا إليهم فبلغ أبا سفيان ذلك فبعث إلى مكة وأعلم قريشاً بذلك. فخرج المشركون من مكة وكان عدتهم تسعمائة وخمسين رجلاً فيهم مائة فرس. وخرج رسول الله ﷺ من المدينة ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً لم يكن فيهم إلا فارسان وكانت الإبل سبعين يتعاقبون عليها ونزل في بدر وبني له عريش وجلس فيه ومعه أبو بكر.

стр. 218

أقبلت قريش لما رآهم رسول الله ﷺ قال اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني به ولم يزل كذلك والتقى الصفان وتزاحف القوم ورسول الله ﷺ معه أبو بكر في العريش وهو يدعو ويقول اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض اللهم أنجز لي ما وعدتني به ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه فوضعه أبو بكر عليه وخفق رسول الله ﷺ ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر فقد أتى نصر الله. ثم خرج رسول الله ﷺ من العريش يحرض المسلمين على القتال وأخذ حفنة من الحصا ورمى بها قريشاً وقال شاهت الوجوه وقال لأصحابه شدوا عليهم فكانت الهزيمة على المشركين. وكانت الوقعة صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان. وحمل عبد الله بن مسعود رأس أبي جهل بن هشام إلى النبي ﷺ فسجد شكراً لله تعالى. ونصر الله نبيه بالملائكة قال تعالى (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدد بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عبد الله إن الله عزيز حكيم). وكان عدة قتل بدر من المشركين سبعين رجلاً والأسرى كذلك وكان من جملة الأسرى العباس عم رسول الله ﷺ . ولما انقضى القتال أمر النبي ﷺ بسحب القتلى إلى القليب وكانوا أربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فقذفوا فيه وجميع من استشهد من المسلمين أربعة عشر رجلاً. وعاد النبي ﷺ إلى المدينة وكانت غيبته تسعة عشر يوماً وماتت ابنته رقية - زوجة عثمان - في غيبته وكان عثمان تخلف في المدينة بأمره ﷺ لسببها.

стр. 219

وفيها هلك أبو لهب ثم كانت غزوة بني قينقاع - من اليهود - وأمر بإجلائهم ثم كانت غزوة السويق ثم كانت غزوة وقرقرة الكدر وقرقرة الكدر ماء مما يلي جادة العراق إلى مكة وقتل كعب بن الأشرف اليهودي بأمر النبي ﷺ . ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة الشريفة وفيها كانت غزوة بني النضير - من اليهود - وكانت على رأس ستة أشهر من بدر فأجلاهم النبي ﷺ وحرق نخيلهم. وفيها كانت غزوة أحد وسببها وقعة بدر فاجتمع المشركون وكانوا ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة دارع ومائتا فارس وقائدهم أبو سفيان وساروا من مكة حتى نزلوا ذا الحليفة مقابل المدينة يوم الأربعاء لأربع مضين من شوال. وخرج النبي ﷺ في ألف من الصحابة إلى صار بين المدينة وأحد ونزل الشعب من أحد. ثم كانت الوقعة يوم السبت لسبع مضين من شوال وعدة أصحاب رسول الله ﷺ سبعمائة وفيهم مائة دارع ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين والتقى الناس ودنا بعضهم من بعض وقامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وضربن بالدفوف خلف الرجال يحرضن المشركين على القتال وحرب المسلمين. وقاتل حمزة عم النبي هـ ﷺ يومئذ قتالا شديداً إلى أن قتل. ضربه وحشي - عبد جبير بن مطعم وكان حبشيًا - بحربة فقتله. وقاتل مصعب حامل لواء رسول الله ﷺ وقد ظن قاتله إنه رسول الله ﷺ فقال لقريش إني قتلت محمداً. ولما قتل مصعب أعط النبي ﷺ الراية لعلي بن أبي طالب ﵁ وانهزم المشركون فطمعت الرماة بالغنيمة وفارقوا المكان الذي أمرهم النبي ﷺ بملازمته ووقع الصراخ أن محمداً قتل وانكشف المسلمون وأصاب منهم العدو.

стр. 220

وكان يوم بلاء على المسلمين وكان عدة الشهداء منهم سبعين رجلاً وعدة قتل المشركين اثنتين وعشرين رجلاً. ووصل العدو إلى رسول الله ﷺ وأصابه حجارتهم حتى وقع وأصيبت رباعيته وشج وجهه وجعل الدم يسيل على وجهه وهو يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعو إلى ربهم فنزل في ذلك قوله تعالى (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) ودخلت حلقتان من المغفرة في وجهه الشريف من الشجة ونزع أبو عبيدة بن الجراح أحد الحلقتين من وجهه فسقطت ثنيته الواحدة ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى. ومثلت هند وصواحبها بالقتل من الصحابة فجد عن الآذان والأنوف وبقرت هند عن كبد حمزة ولاكتها. وصعد زوجها أبو سفيان الجبل وصرخ بأعلى صوته الحرب سجال يوم بيوم بدر أعل هبل - أي اظهر دينك - فأجابه المسلمون الله أعلى وأجل وناد إن موعدكم بدر العام القابل فقال النبي ﷺ لواحد قل هو بيننا وبينكم. ثم التمس رسول الله ﷺ عمه حمزة فوجده وقد بقر بطنه وجدع أنفه وأذناه فقال لئن أظهرني الله على قريش لأمثلهن بثلاثين منهم وجاءه جبريل فأخبره إن حمزة مكتوب من أهل السماوات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله ثم أمر النبي ﷺ به فسجي ببردة ثم صلى عليه وكبر سبع تكبيرات. ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى حمزة فصل عليهم وعليه اثنتين وسبعين صلاة وهذا دليل لأبي حنيفة فإنه يرى الصلاة على الشهيد خلافاً للشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى. ثم أمر بحمزة فدفن واحتمل أناس من المسلمين إلى المدينة فدفنوا بها ثم نهاهم رسول الله ﷺ وقال ادفنوهم حيث صرعوا.

стр. 221

وأصيبت عين قتادة فردها رسول الله ﷺ بيده وكانت أحسن عينيه واستشهد أنس بن النضر عم أنس بن مالك وقد بلى بلاء حسناً وفيه نزلت (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه .. ) الآية. وفيها تزوج النبي ﷺ حفصة بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وبنى بها وكانت تحت خنيس بن حذافة السهمي. ثم دخلت السنة الرابعة من الهجرة الشريفة وفيها كانت غزوة بدر الثانية وهي في شعبان وفيها خرج النبي ﷺ إلى بدر لميعاد أبي سفيان وخرج أبو سفيان في أهل مكة ثم رجع ورجعت قريش معه وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة. ثم دخلت السنة الخامسة من الهجرة الشريفة وفيها كانت غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب وكانت في شوال وسببها أن نفراً من اليهود حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ وقدموا على قريش بمكة يدعونهم إلى حربه فلما بلغ النبي ﷺ ذلك أمر بحفر الخندق حول المدينة وعمل فيه بنفسه وفرغ من الخندق. وأقبلت قريش ومن تبعها من بني قريظة واشتد البلاء حتى ظن المؤمنون كل الظن وأقام رسول الله ﷺ والمشركون بضعاً وعشرين ليلة لم يكن بين القوم حرب إلا الرمي ثم نصر الله نبيه ﷺ على المشركين وخذلهم واختلفت كلمتهم وأهب الله ريح الصبا كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها) فجعلت الريح تقلب أبنيتهم وتكفأ قدورهم وانقلبوا خاسرين. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال الآن نغزوهم ولا يغزونا وكتان كذلك حتى فتح مكة. وفيها - أي في ذي القعدة - كانت غزوة بني قريظة عقب عود النبي ﷺ

стр. 222

إلى المدينة من غزوة الخندق بوحي من الله تعالى نزل على نبيه محمد ﷺ فسار إليهم وحاصرهم خمساً وعشرين ليلة وقذف في قلوبهم الرعب ونزلوا على حكم رسول الله ﷺ فرد الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ فحكم بقتل المقاتلة وسبي الذرية والنساء وقسم الأموال. ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة وضرب أعناقهم وكانوا ستمائة أو تسعمائة وقيل ما بين الثمانمائة والسبعمائة ثم قسم الأموال والسبايا واصطفى لنفسه ريحانة بنت شمعون فكانت في ملكه حتى مات. ولم يستشهد في هذه الغزوة سوى خلاد بن زيد بن ثعلبة ألقت عليه امرأة من بني قريظة رحاً شدخت رأسه فقال رسول الله ﷺ له أجر شهيدين وقتلها به. ثم دخلت السنة السادسة من الهجرة الشريفة وفيها في شعبان كانت غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع وكان في جملة السي جويرية بنت الحارث كان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ جويرية وكانت إحدى أزواجه. وفيها كانت قصة الإفك فرميت السيدة أم المؤمنين عائشة ﵂ بالإفك مع صفوان بن المعطل وكان صفوان حصوراً لا يأتي النساء والقصة مشهورة في الحديث الشريف. وفيها نزلت آية التيمم. وفيها كانت غزوة الحديبية وهي إن رسول الله ﷺ خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست معتمراً يريد حرباً وساق الهدي وأحرم بالعمرة وسار حتى وصل إلى ثنية الزمار مهبط الحديبية أسفل مكة والحديبية بئر. ووقع من معجزاته نبع الماء في ذلك المكان. وتأهبت قريش للقتال وبعثوا رسولهم إلى النبي ﷺ فبعث رسول الله ﷺ عثمان بن عفان إليهم يعلمهم إنه لم يأت لحب وإنما جاء زائراً

стр. 223

ومعظماً لهذا البيت فلما وصل إليهم أمسكوه وحبسوه. وبلغ رسول الله ﷺ قتله فدعا الناس إلى البيعة فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة فبايع الناس على الموت ثم أتاه الخبر إن عثمان لم يقتل. ثم وقع الصلح بين رسول الله ﷺ وبين قريش فإنهم بعثوا سهيل بن عمرو في الصلح فأجاب النبي ﷺ ثم دعا علي بن أبي طالب فقال اكتب باسمك اللهم. فقال رسول الله ﷺ اكتب باسمك اللهم ثم قال اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله فقال سهيل لو شهدت إنك رسول الله لم أقاتلك ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله ﷺ اكتب - هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عن الناس عشر سنين وإنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه وأشهدوا في ذلك الكتاب على الصلح رجالاً من المسلمين والمشركين. ولما فرغ رسول الله ﷺ من ذلك نحر هدية وحلق رأسه وفعل الناس كذلك ثم عاد إلى المدينة حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح (أنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيما). ودخل في الإسلام في هذه السنة مثل ما دخل فيه قبل ذلك وأكثر والقصة مبسوطة مشهورة ولكن المراد هنا الاختصار. ثم دخلت السنة السابعة من الهجرة الشريفة وفيها كانت غزوة ذي قرد وذو قرد موضع على ميلين من المدينة على طريق خيبر وهي الغزو التي أغاروا فيها على لقاح النبي ﷺ قبل خبير بثلاث. وفيها كانت غزوة خيبر في منتصف المحرم سار النبي ﷺ

стр. 224

إلى خبير وهي على ثمان برد من المدينة فأشرف عليها وقال لأصحابه قفوا ثم قال اللهم رب السماوات وما أضللن ورب الرياح وما ذرين فسألك خير هذه القرية وخير أهلها ونعوذ بك من شرها ومن شر أهلها وشر ما فيها أقدموا بسم الله. ونزل على خيبر ليلاً ولم يعلم أهلها فلما أصبحوا خرجوا إلى أعمالهم فلما رأوه عادوا وقالوا محمد والخميس - يعنون الجيش - فقال النبي ﷺ الله أكبر خربت خيبر أنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين. ثم حاصرهم وضيق عليهم وأخذ أموال وفتح الحصون وأصاب سبايا منهن صفي بنت حس فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه وتزوجها وجعل عتقها صداقها. وهذا مذهب الإمام أحمد رضي الله عته وهو من مفردات مذهبه. وكان علي بن أبي طالب ﵁ قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه فلما أصبحوا جاء علي فتفل النبي صلى الله عليه في عينيه فما اشتكى رمداً بعدها. ثم أعطاه الراية فنهض بها وأتى خيبر فأشرف عليه رجل من يهود خيبر وقال من أنت؟ قال أنا علي بن أبي طالب فقال اليهودي غلبتم يا معشر اليهود. فخرج مرحب من الحصن وعليه مغفر يماني وعل رأسه بيضة عادي وهو يقول: قد علمت خيبر إني مرحب … شاكي السلاح بطل مجرب أطعن أحياناً وحيناً أضرب … إذا الليوث أقبلت تلتهب فخرج إليه علي ﵁ وهو يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدره … أكبلكم بالسيف كبل السندرة ليث بغايات شديد قسوره واختلف بينهما ضربتان فسبقه علي ﵁ فقد البيضة والمغفر ورأسه فسقط عدو الله ميتاً وكان فتح خيبر في صفر على يد علي ﵁.

стр. 225

ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى وادي القرى فحاصره ليل وفتحه عنوة. ثم سار إلى المدينة وكان قد كتب إلى النجاشي يطلب منه بقية المهاجرين ويخطب أم حبيبة بنت أبي سفيان فزوجها للنبي ﷺ ابن عمها خالد بن سعيد وأصدقها النجاشي عن النبي ﷺ أربعمائة دينار. وفي غزوة خيبر أهديت للنبي ﷺ الشاة المسمومة فأخذ منها قطعة ولاكها ثم لفظها وقال تخبرني هذه الشاة إنها مسمومة. ثم بعد غزوة خيبر كانت غزوة ذات الرقاع فتفارق الناس ولم يكن بينهم حرب قال أبو موسى سميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق. وفي هذه السنة أرسل النبي ﷺ إلى ملوك الأرض وأرسل إلى كسرى فمزق كتاب النبي ﷺ فلما بلغه ذلك قال مزق الله ملكه فسلط الله عليه ابنه برويز فقتله. وأرسل إلى قيصر - وهو هرقل - وكان إذ ذاك ببيت المقدس فإنه مشى ممن حمص إلى إيليا شكراً لما كشف الله عنه جنود فارس. وكان على الصخرة الشريفة مزبلة قد حاذت محراب داود مما ألقته النصارى عليها مضارة لليهود حتى كانت المرأة تبعث بخرق حيضها من رومية فتلقى عليها. فلما قرأ قيصر كتاب رسول الله ﷺ قال إنكم يا معشر الروم لحقيق أن تقتلوا على هذه المزبلة بما انتهكتم من حرمة هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا ﵉ فأمر بكشفها فأخذوا في ذلك فقدم المسلمون الشام ولم يكشفوا منها إلا ثلثها. فلما قدم عمر بن الخطاب ﵁ إلى بيت المقدس وفتحه ورأى ما عليها من المزبلة أعظم ذلك فأمر بكشفها وسخر لها أنباط فلسطين. وأكرم هرقل قاصد رسول الله ﷺ وهو دحية الكلبي،

стр. 226

ووضع كتاب النبي ﷺ على فخذه وقصد أن يسلم فمنعه بطارقته فخاف على نفسه واعتذر ورد دحية رداً جميلاً. وأرسل إلى المقوقس - صاحب مصر - فأكرم القاصد وقبل كتاب النبي ﷺ وأهدى إليه أربع جواري إحداهن مارية أم ولده إبراهيم وأهدى إليه بغلته دلدل وحماره يعفور وكسوة. وارسل إلى النجاشي بالحبشة فقبل كتاب النبي ﷺ ومن به واتبعه وأسلم وأرسل إلى الحارث الغساني بدمشق فلما قرأ الكتاب قال ها أنا سائر إليه فلما بلغ رسول الله ﷺ قال باد ملكه. وأرسل إلى هوذة ملك اليمام وكان نصرانياً فقال إن جعل الأمر لي من بعده سرت إليه وأسلمت ونصرته وإلا قصدت حربه فقال النبي ﷺ لا ول كرامة اللهم اكفنيه فمات بعد قليل. وأرسل إلى المنذر ملك البحرين فأس لم وأسلم جميع العرب بالبحرين. (عمرة القضاء) ثم خرج رسول الله ﷺ في ذي القعدة ستة سبع معتمراً عمرة القضاء وساق معه سبعين بدنة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام فلما كتبوا الكتاب كتبوا هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ﷺ قالوا لا نقر بهذا لو نعلم إنك رسول الله ما منعناك شيئاً ولكن أنت محمد بن عبد الله فقال أنا رسول الله وأنا محمد ابن عبد الله. ثم قال لعلي امح رسول الله فقال علي والله لا أمحوك أبداً فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب - وليس يحسن أن يكتب - فكتب هذا ما قاضى محمد بن عبد الله لا يدخل مكة السلاح إلا السيف في القراب وإنه لا يخرج

стр. 227

أهلها بأحد إن أراد أن يتبعه وأن لا يمنع من أصحابه أحداً إن أراد ن يقيم بها. فلما دخل المسجد اضطبع بردائه ورمل في أربعة أشواط من الطواف ثم خرج إلى الصفا والمروة فسعى بينهما وتزوج في سفره هذا ميمونة بنت الحارث - وهو محرم - وهذا من خصائصه ﷺ وهي أخر امرأة تزوجها وأقام بمكة ثلاثاً فأرسل المشركون إليه مع علي بن أبي طالب ليخرج عنهم فخرج بميمونة وانصرف إلى المدينة ﷺ . ثم دخلت السنة الثامنة من الهجرة الشريفة فيها أسلم عمرو بن العاص وخالد بن الوليد ﵄. وفيه كانت غزوة مؤتة وهي أول الغزوات بين المسلمين والروم ومؤتة من أرض الشام وهي قبل الكرك وفيها اتخذ لرسول الله ﷺ المنبر وكان يخطب إلى جذع نخلة فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر فأن الجذع الذي كان يقوم عليه أنين الصبي فقال رسول الله ﷺ إن هذا بك لما فقده من الذكر فنزل يمسحه بيده حتى سكن. فلما هدم المسجد وتغير أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان عنده في داره حتى بلى. (نقض الصلح وفتح مكة) وسمى ذلك أن نبي بكر بن عبد مناف عدت على خزانة وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له الوثير وكانت خزاعة في عهد رسول الله ﷺ وبنو بكر في عهد قريش في صلح الحديبية وكانت بينهم حروب في الجاهلية فكلمت بنو بكر أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح فوعدوهم ووافوهم متنكرين فبيتوا خزاعة ليلا فقتلوا منهم عشرين ثم ندمت قريش على ما فعلوا وعلموا أن هذا نقض للعهد الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ

стр. 228

وخرج عمرو بن سالم الخزاعي في طائفة من قومه فقدموا على رسول الله ﷺ مستغيثين به فوقف عمرو عليه وهو جالس في المسجد وأنشده أبياتاً يسأله أن ينصره فقال رسول الله ﷺ نصرت يا عمرو بن سالم. ثم قدم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة على النبي ﷺ فقال كأنكم بأبي سفيان قد جاء يشد العقد ويزيد في المدة فكان كذلك. ثم قدم أبو سفيان المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة أو المؤمنين زوج رسول الله ﷺ فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه فقال ما أدري أرغبت لي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك نجس قال والله لقد أصابك بعدي يا بني شر. ثم خرج وأتى النبي ﷺ فكلمه فلم يرد عليه شيئاً فذهب إلى أبي بكر ثم إلى عمر ثم إلى علي رضوان الله عليهم أجمعين على أن يكلموا النبي ﷺ في فمره وتشفع بهم فلم يفعلوا لعلي يا أبا الحسن إني أر الأمور قد اشتدت علي فانصحني فقال والله لا أعلم شيئاً يغني عنك ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس والحق بأرضك قال أو تر ذلك يغني عني شيئاً؟ قال لا والله ما أظنه ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره وانطلق فلما قدم على قريش قالوا له ما وراءك؟ فقص شأنه وإنه قد أجار بين الناس قالوا فهل أجاز محمد ذلك؟ قال لا قالوا والله إن زاد الرجل على أن لعب بك. ثم أمر رسول الله ﷺ بالجهاد وأمر أهله أن يجهزوه ثم علم الناس بأنه يريد مكة وقال اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتهم

стр. 229

في بلادهم ثم مض رسول الله ﷺ لسفره واستخلف على المدينة كلثوم بن الحصين الغفاري. وخرج رسول الله ﷺ لعشر مضين من رمضان ومعه المهاجرون والأنصار وطوائف من العرب فكان جيشه عشرة آلاف فصام وصام الناس معه حتى إذا كان بالكايد - وهو الماء الذي بين قديد وعسفان - أفطر. وبلغ ذلك قريشاً فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار. وكان العباس ﵁ أسلم قديماً وكان يكتم اسلامه فخرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار وكان العباس ﵁ أسلم قديماً وكان يكتم إسلامه فخرج بعياله مهاجراً فلق رسول الله ﷺ بالجحفة وقيل بذي الحليفة. ثم حضر أبو سفيان بن حرب على يد العباس إلي النبي ﷺ بعد أن استأمن له فأسلم وأسلم معه حكيم بن حزام وبديل بن زرقاء وممن أسلم يومئذ معاوية بن أبي سفيان وأخوه يزيد وأمه هند بنت عتبة وكان معاوية يقول إنه اسلم يوم الحديبية فكتم إسلامه عن أبيه وأمه. وقال العباس يا رسول الله إن أبا العباس يحب الفخر فاجعل له شيئاً يكون في قومه فقال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل المسجد فهو من ومن أغلق عليه بابه فهو من ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن. وكان فيمن خرج ولقى رسول الله ﷺ ببعض الطرق أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية بن المغيرة بالأبواء فأعرض عنهما فجاء إليه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله فقبلا وجهه فقال رسول الله ﷺ (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) وقبل منهما إسلامهما فأنشده أبو سفيان معتذراً إليه أبياتاً فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال أنت طردتني كل طرد. وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حسن إسلامه ويقال إنه ما رفع رأسه

стр. 230

إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياء منه وكان رسول الله ﷺ يحبه ويشهد له بالجن ويقول أرجو أن يكون خلفاً من حمزة. ثم أمر النبي ﷺ أن تركز راية سعد بن عباد بالحجون لما بلغه إنه قال اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة فقال كذب سعد ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة ويوم تكسي فيه الكعبة. وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلا مكة من كداء في بعض الناس وكل هؤلاء الجنود لم يقاتلوا لأن النبي ﷺ نهى عن القتال إلا أن خالد بن الوليد لقيه جماعة من قريش فرموه بالنبل ومنعوه من الدخول فقاتلهم خالد فقتل من المشركين ثمانية وعشرين رجلاً فلما ظهر النبي ﷺ على ذلك قال ألم أنهكم عن القتال؟ فقالوا له إن خالداً قوتل فقاتل وقتل من المسلمين رجلان. ودخل النبي ﷺ من كدا وهو على ناقته يقرأ سورة الفتح ويرجع وكان فتح مكة يوم الجمع لعشر بقين من رمضان ودخل رسول الله ﷺ مكة وملكها عنوة بالسيف وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه وهو الصحيح من مذهب أحمد ﵁ وقال أبو حنيف والشافعي ﵄ إنها فتحت صلحاً والله أعلم. ولما دخل رسول الله ﷺ مكة كان على الكعبة ثلاثمائة وستون صنما قد شد لهم إبليس أقدامها برصاص فجاء ومعه قضيب فجعل يومي إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) حتى مر عليها كلها. وأتى النبي ﷺ وحشي بن حرب - قاتل حمزة ﵁ وهو يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقال رسول الله ﷺ أوحشي؟ قال نعم قال أخبرني كيف قتلت عمي؟ فأخبره فبكى وقال غيب وجهك عني.

стр. 231

ولما دخل رسول الله ﷺ مكة كانت عليه عمامة سوداء فوقف على باب الكعب وقال لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم قال يا معشر قريش ما ترون إني فاعل بكم؟ قالوا خيراً أخ كريم وابن أخ كريم قال اذهبوا فأنتم الطلقاء فأعتقهم رسول الله ﷺ وكان الله تعالى قد أمكنه منهم فكانوا له فيئاً فبذلك سمي أهل مكة الطلقاء. ولما اطمأن الناس خرج رسول الله ﷺ إلى الطواف فطاف بالبيت سبعاً على راحلته واستلم الركن بمحجن كان في يده ودخل الكعبة ورأى فيها الشخوص على صورة الملائكة وصورة إبراهيم وفي يده الأزلام يستقيم بها فقال قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقيم بالأزلام ما شأن إبراهيم والأزلام ثم أمر بتلك الصورة فطمست وصل في البيت ثم جلس ﷺ على الصفا واجتمع الناس لبيعته على الإسلام فكان يبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله فبايع الرجال ثم النساء. ولما جاء وقت الظهر يوم الفتح إذن بلال على ظهر الكعبة فقال الحارث ابن هشام ليتني مت قبل هذا وقال خالد بن أسيد لقد أكرم الله أبي فلم ير هذا اليوم فخرج عليهما رسول الله ﷺ ثم ذكر لهما ما قالاه فقال الحارث ابن هشام أشهد إنك رسول الله ما أطلع على هذا أحد فنقول أخبرك. وقام علي ﵁ ومفتاح الكعبة في يده فقال يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية فقال رسول الله ﷺ أين عثمان بن طلحة؟ فدعي له فقال هاك مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء وقال خذوها تالدة خالدة لا ينزعها منكم إلا الظالم يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف. وذكر إن فضالة ابن عمير أراد قتل النبي ﷺ وهو يطوف بالبيت عام الفتح فلما دنا منه قال رسول الله ﷺ أفضالة؟ قال نعم فضالة

стр. 232

يا رسول الله ثم قال ما كنت تحدث به نفسك؟ قال لا شيء كنت أذكر الله تعالى فضحك النبي ﷺ ثم قال استغفر الله ووضع يده على صدره فمكن قلبه قال فضالة والله ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله تعالى شيئاً أحب إلي منه. وبعث النبي ﷺ السرايا إلى الأصنام التي حول مكة فسروها وناد مناديه بمكة من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنماً إلا كسره. ولما بعث السرايا حول الكعبة إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام ولم يأمرهم بقتال وكان من السرايا سرية خالد بن الوليد فنزل على ماء لبني خزيمة فأقبلوا بالسلاح فقال لهم خالد ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا فوضعوه فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا فقتل منهم من قتل فلما بلغ ذلك النبي ﷺ رفع يديه وقال اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد - مرتين -. ثم أرسل علي بن أبي طالب (رض) بمال وأمره أن يؤدي لهم الدماء والأموال ففعل ذلك ثم سألهم هل بقي لكم دم أو مال؟ فقالوا لا وكان قد فضل مع علي ﵁ قليل مال فدفعه إليهم زيادة تطيب لقلوبهم وأخبر النبي ﷺ بذلك فأعجبه. وفيها كانت غزوة حنين وهوازن وكانت في شوال سنة ثمان من الهجرة الشريفة وحنين واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال. ولما فتحت مكة تجمعت هوازن بخيولهم وأموالهم لحب رسول الله ﷺ ومقدمهم مالك بن عوف النضري وانضمت إليه ثقيف وهم أهل الطائف وبنو سعد وهم الذين كان النبي ﷺ مرتضعاً عندهم فلما سمع النبي ﷺ باجتماعهم خرج من مكة لست خلون من شوال وخرج معه اثنا عشر ألفاً ألفان من أهل مكة وعشرة لاف كانت معه وحضرها جماعة كثيرة من المشركين وهم

стр. 233

مع رسول الله ﷺ وانتهى إلى حنين وركب بغلته الدلدل. وقال رجل من المسلمين - لما رأى كثرة من مع رسول الله ﷺ لن يغلب هؤلاء من قلة وفي ذلك نزل قوله تعالى (ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً). ولما التقوا انهزم المسلمون لا يلوي أحد على أحد وإنجاز رسول الله ﷺ في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته واستمر رسول الله ﷺ ثابتاً وتراجع المسلمون واقتتلوا قتالاً شديداً وقال النبي ﷺ لبغلته البدي فوضعت بطنها على الأرض وأخذ حفنة من تراب فرمى بها في وحجه المشركين فكانت الهزيمة عليهم ونصر الله المسلمين واتبع المسلمون المشركين يقتلونهم ويأسرونهم. ولما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش لغزوة أوطاس فاستشهد ﵁ وانهزمت ثقيف إلى الطائف وأغلقوا باب مدينتهم فسار النبي ﷺ وحاصرهم نيفاً وعشرين يوماً وقاتلهم بالمنجنيق وأمر بقطع أعناقهم ثم رحل عنهم فنزل بالجعرانة وأتى إليه بعض هوزان ودخلوا عليه فرد عليهم نصيبه ونصيب بني عبد المطلب ورد الناس أبناءهم ونساءهم ثم لحق مالك بن عوف - مقدم هوزان - برسول الله ﷺ وأسلم وحسن إسلامه واستعمله رسول الله ﷺ على قومه وعل من أسلم من تلك القبائل. وكان عدة السبي الذي أطلقه ستة آلاف ثم قسم الأموال وكانت عدة الإبل أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أكثر من أربعين ألف شاة ومن الفضة أربعة آلاف أوقية وأعطى المؤلفة قلوبهم مثل أبي سفيان وأبنيته يزيد ومعاوية وسهل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام أخي أبي جهل وصفوان ابن أمية وهؤلاء من قريش وأعط الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن ومالك بن عوف - مقدم هوازن - وأمثالهم فأعطى لكل من الأشراف مائة

стр. 234

من الإبل وأعط الآخرين أربعين أربعين وأعطى العباس بن مرادس السلمي أباعر لم يرضها وقال في ذلك أبياتاً: فأصبح نهبي ونهب العبي … بين عينية والأقرع وما كان حصن ولا حابس … يفوقان مرادس في مجمع وما كنت دون امرئ منهما … ومن تضع اليوم لم يرفع فروى أن النبي ﷺ قال اقطعوا عني لسانه فأعطي حتى رضي. ولما فرق رسول الله ﷺ الغنائم لم يعط الأنصار شيئاً فوجدوا في أنفسهم فدعاهم رسول الله ﷺ فقال إن قريشاً حديث عهد بجاهلية ومصبئة وإني أردت أن أحبوهم أتألفهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ قالوا بلى قال والله لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار. ثم اعتمر رسول الله ﷺ وعاد إلى المدينة واستخلف على مكة عتاب بن أسيد وهو شاب لم يبلغ عشرين سنة وترك معه معاذ بن جبل يفقه الناس. وحج بالناس في هذه السنة عتاب بن أسيد على ما كانت تحج عليه العرب وفي ذي الحجة سنة ثمان ولد إبراهيم بن النبي ﷺ من مارية القطبية وفي السنة المذكورة مات حاتم الطائي وكان يضرب بجودة وكرمه المثل وكان من الشعراء المجيدين. ثم دخلت السنة التاسعة من الهجرة الشريفة فيها فرض الله الحج على الصحيح وفيها ترادفت وفود العرب على رسول الله ﷺ ووفد كعب بن زهير بن أبي سلم بعد أن كان النبي ﷺ أهدر دمه ومدحه بقصيدته المشهورة وهي: بانت سعاد فقلبي اليوم متبول …

стр. 235

وأعطاه النبي ﷺ بردته فلما كان زمن معاوية أرسل إلى كعب إن بعنا بردة رسول الله ﷺ فقال ما كنت لأوثر بثوب رسول الله ﷺ أحداً فلما مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرة آلاف درهم. ونقل الملك صاحب حماة في تاريخه إنه اشتراها بأربعين ألف درهم ثم توارثها الخلفاء الأمويون والعباسيون حتى أخذها التتر. وفيها كانت غزوة تبوك وهي العسرة لوقوعها في زمن الحر والبلاد مجدبة والناس في عسرة فانفق أبو بكر جميع ماله وأنفق عثمان نفقة عظيمة. وسار النبي ﷺ إلى تبوك واستخلف علياً ﵁ فقال علي أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال ألا ترض أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا إنه ليس نبي بعدي. وتخلف عبد الله بن أبي المنافق ومن تبعه من أهل النفاق وتخلف ثلاثة من الصحابة وهم كعب بن مالك ومرارة بن ربيع وهلال بن أمية ولم يكن لهم عذر. ثم رجع النبي ﷺ إلى المدينة بعد أن أقام بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها وكتان إذا قدم من سفره بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى. ثم جاء كعب وكانت تقدمه مرارة وهلال فسألهم عن سبب تخلفهم فاعترفوا أن لا عذر لهم فأمرهم بالمضي حتى يقضي الله فيهم ونهى النبي ﷺ المسلمين عن كلامهم من بين من تخلف عنه فاجتنبهم الناس فلبثوا على ذلك خمسين ليلة. ولما مضت أربعون ليلة من الخمسين أمرهم النبي ﷺ باعتزال نسائهم.

стр. 236

وجاءت امرأة هلال إلى النبي ﷺ تستأذنه في خدمته فأذن لها من غير أن يقربها. فلما كملت لهم خمسون ليلة من حين نهي رسول الله ﷺ عن كلامهم أذن رسول الله ﷺ بتوبة الله عليهم وذهب الناس يبشرونهم وجاء كعب إلى النبي ﷺ وسلم عليه فقال له - وهو يبرق وجهه من السرور - أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك فقال أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال لا بل من عند الله. وأنزل الله على نبيه ﷺ (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد تزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين). قال كعب فوالله ما أنعم الله علي بنعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال ﵎ (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن الله لا يرض عن القوم الفاسقين). وفي ذي القعدة من سنة تسع هلك رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول والله أعلم.

стр. 237

(حج أبى بكر الصديق ﵁ بالناس) بعث النبي ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ في سنة تسع ليحج بالناس ومعه عشرون بدنة لرسول الله ﷺ ومعه ثلاثمائة رجل فلما كان بذي الحليفة أرسل النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ وأمره بقراءة آيات من أول سورة براءة على الناس وأن ينادي إن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. فسار أبو بكر ﵁ أميراً على الموسم وعلي بن أبي طالب ﵁ يؤذن ببراءة يوم الأضحى وأن لا يحج مشرك ولا يطوف عريان. ثم دخلت السنة العاشرة من الهجرة الشريفة وفيها كان قدوم الوفد على رسول الله ﷺ بالمدينة وجاءته وفود العرب قاطبة ودخل الناس في الدين أفواجاً كما قال الله تعالى (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) فقدم عليه وفد بني تميم ووفد عبد القيس ووفد بني حنيفة وغيرهم وفشا الإسلام في جميع القبائل. وفيها توفي إبراهيم بن رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء لعشر ليال خلت من ربيع الأول. (حجة الوداع) خرج النبي ﷺ حاجاً لخمس بقين من ذي العدة وقد اختلف في حجة هل كان قراناً أم تمتعاً أم أفرادا قال صاحب حماه والأظهر الذي اشتهر إنه كان قارناً وحج رسول الله ﷺ بالناس ولقى علي بن أبي طالب ﵁ محرماً فقال حل أصحابك فقال إني أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ فبقي على إحرامه ونحر رسول الله ﷺ الهد عنه وعلم

стр. 238

رسول الله ﷺ الناس مناسك الحج والسنن ونزل قوله تعالى (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً). فبكى أبو بكر ﵁ لما سمعها وكأنه استشعر بأن ليس بعد الكمال إلا النقصان وإنه قد نعيت إلي رسول الله ﷺ نفسه. وخطب رسول الله ﷺ للناس بعرفة خطبة بين فيها الأحكام ومنها أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض وإن عد الشهور عند الله اثنا عشر شهراً وتمم حجة وسميت حجة الوداع لأنه لم يحج بعدها ولم يحج من المدينة إلى مكة غير حجة الوداع. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة وأقام بها حتى خرجت السنة. وكانت غزواته ﷺ تسعة عشر غزوة قاتل في تسع منها وهذه الغزوات غير السرايا. ثم دخلت السنة الحادية عشر من الهجرة الشريفة والنبي ﷺ بالمدينة وكان قد قدم من حجة الوداع فأقام بها حتى خرجت سنة عشر والمحرم ومعظم صفر من سنة إحدى عشرة والله سبحانه وتعال أعلم (ذكر وفاته ﷺ قال تعالى (إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) وعن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ يقول في مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم. بدأ برسول الله ﷺ مرضه الذي مات يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بيت ميمونة ثم انتقل حين اشتد وجعه إلى

стр. 239

بيت عائشة ﵂. وعن ابن عباس قال لما احتضر رسول الله ﷺ وفي البيت رجال فقال النبي ﷺ هلموا اكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً فقال بعضهم إن رسول الله ﷺ قد ثقل عليه الوجع وعندكم القرن حسبنا كتاب الله ثم اختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا له يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً ومنهم من بقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله ﷺ قوموا. فكان ابن عباس يقول إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم. وعن عائشة ﵂ قالت دعا النبي ﷺ فاطمة ﵍ في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشئ فبكت ثم دعاها فسارها بشيء فضحكت فسألناها عن ذلك فقالت سارني النبي ﷺ إنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكت ثم سارني فأخبرني إني أول أهله لحوقاً به فضحكت. ولما ثقل وجع النبي ﷺ جاءه بلال يؤذنه بالصلاة فقال مروا أبا بكر أن يصلي الناس فقالت عائشة ﵂ يا رسول الله أن أبا بكر رجل أسيف وإنه مت يقوم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر فقال مروا أبا بكر أن يصلي بالناس فقالت عائشة لحفصة قولي له إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر قال إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصلي بالناس فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله ﷺ في نفسه خفة فقام يتهادى بين رجلين ورجلاه يخطان في الأرض حتى دخل المسجد فلما سمع أبو بكر ﵁ حسنه ذهب أبو بكر يتأخر فأومأ إليه رسول الله ﷺ فجاء إلى رسول الله ﷺ حتى جلس عن يساره فكان أبو بكر يصلي قائماً وكان رسول الله (يصلي قاعداً يقتدي

стр. 240

يقتدي أبو بكر ﵁ بصلاة رسول الله ﷺ والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ﵁. وعن عائشة ﵂ كانت تقول إن من نعم الله علي إن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وبين سحري ونحري وإن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته دخل عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله ﷺ فرأيته ينظر إليه وعرفت إنه يحب السواك فقلت آخذه لك فأشار برأسه أن نعم فناولته له فاشتد عليه فقلت ألينه لك فأشار برأسه أن نعم فلينته وبين يديه ركوة أو علبة وفيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول لا إله إلا الله أن للموت سكرات ثم نصب يده الكريمة فجعل يقول في الرفيق الأعلى حتى قبض ومالت يده. وعن عائشة ﵂ قالت كان النبي ﷺ يقول - وهو صحيح - إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقامه في الجن ثم يخير فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال اللهم الرفيق الأعلى فقلت إذاً لا يختارنا فعرفت إنه الحديث الذي كان يحدثنا به وهو صحيح قالت وكان آخر كلم تكلم بها اللهم الرفيق الأعلى. وتوفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة. ونزل عليه جبريل ﵇ أربعاً وعشرين ألف مرة. وتوفي ودرعه مرهون عند يهودي على ثلاثين وسقاً من شعير. ولما مات قالت فاطمة ﵂ وا أبتاه أجاب رباً دعاه وا أبتاه من جنة الفردوس مأواه وا أبتاه أتى جبريل ينعاه فلما دفن قالت يا أنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على نبيكم التراب. ولما توفي دهش الناس وطاشت عقولهم واختلفت أحوالهم في ذلك فقال عمر بن الخطاب ﵁ من قال إن رسول الله ﷺ مات

стр. 241

علوت برأسه بسيفي هذا وإنما ارتفع إلى السماء فقرأ أبو بكر ﵁ (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين). فرجع القوم إلى قوله وبادروا إلى سقيفة بني ساعدة فبايع عمر أبا بكر ثم بايعه الناس خلا جماعة. وغسله ﷺ علي والعباس وابناه الفضل وقثم وغسلوه وعليه قميصه لم ينزع وكان علي بن أبي طالب يحضنه إلى صدره والعباس يصب الماء وكفن في ثلاث أثواب بيض سحولية وصلى عليه المسلمون أفراداً لم يؤمهم أحد وحفر له أبو طلح الأنصاري ودفن في الموضع الذي توفاه الله فيه. وكانت وفاته يوم الاثنين وفرغ من جهازه يوم الثلاثاء ودفن في ليلة الأربعاء في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشر من الهجرة الشريفة وكان مرضه ثلاثة عشر ليلة. قال أنس بن مالك ﵁ لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ يعني المدينة - أضاء منها كل شئ فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شئ. ورثاه جماعة منهم أبو بكر وعلي وفاطمة وعمته صفية ﵃ أجمعين والله أعلم. (ذكر صفاته ﷺ ونبذة من معجزاته) كان ﷺ مليح الوجه حسن الخلق معتدل القامة ليس القصير ولا بالطويل أبيض اللون مشربً بحمرة يتلألأ وجهه كتلألؤ القمر ليلة البدر كث اللحية واسع الجبين بعيد ما بين المنكبين لم يبلغ الشيب في رأسه ولحيته عشرين شعرة إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه

стр. 242

البهاء أجمل الناس وأبهاهم من بعيد وأحلاهم وأحسنهم من قريب بين كتفيه خاتم النبوة ريح عره أطيب من ريح المسك الأذفر يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله. وأما معجزاته ﷺ فأفضلها القرن الكريم الذي أعجز الفصحاء وأخرس البلغاء ومنها انشقاق الصدر والتئامه ومنها انشقاق القمر فرقتين ومنها نبع الماء من بين أصابعه وتكثر الطعام ببركته وكلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته وسلام الحجر والشجر عليه وجنين الجذع إليه وتسبيح الحصا في كفه وغير ذلك. مما لا يعد ولا يحص ولا يحاط به ولا يستقصي ومن ذا يحيط بالبحر الزاخر ولو أجهد نفسه إناء الليل وأطراف النهار. وكان ﷺ لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها وإلا أن تنتهك حرمات الله تعالى فينتقم لله. وكان أحسن الناس خلقاً وأرجحهم علماً وأعظمهم عفواً وأسخاهم كفاً أوسعهم صدراً وأصدقهم لهجة وكان أشد حياء من العذراء في خدرها وإذا كره شيئاً عرف في وجهه ولا يجزي بالسيئة السيئ ولكن يعفو ويصفح. وكان يخصف النعل ويرقع الثوب ويخدم في مهنة أهله ويجيب الدعوة ويقبل الهدي ويكافئ عليها ويأكل منها ولا يأكل الصدقة ويعود المريض ويشهد الجنائز متواضعاً يمزح ولا يقول إلا حقاً يضحك من غير قهقه وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه أثم أو قطيع رحم فيكون أبعد الناس عن ذلك. مولده بمكة هجرته بطيبة وملكه بالشام أرأف وخيرهم ولا ترتفع في مجلسه الأصوات، إذا قام من مجلسه قال سبحانه اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك طويل الصمت لا يتكلم في غير حاج وأحب الطعام إليه ما كثرت عليه الأيدي وإذا وضعت المائدة قال بسم الله اللهم

стр. 243

اجعلها نعمة مشكورة نصل بها نعيم الجنة وإذا فرغ قال اللهم لك الحمد أطعمت وأسقيت وأريت لك الحمد غير مكفور ولا مد ودع ولا مستغنى عنه ربنا. وكان يشرب في ثلاث دفعات له فيها ثلاث تسميات وفي آخرها ثلاث تحميدات وكان يعجبه الثياب الخضر وأكثر ثيابه البياض ويقول ألبسوها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم وكان ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه وكان زاهداً في الدنيا مات ولم يخلف ديناراً ولا درهماً ولا شاة ولا بعيراً وعرض عليه أن تجعل له بطحاء مكة ذهباً فقال لا يا رب أجوع يوماً وأشبع يوماً فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك وكان ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين وتاه الله علم الأولين والآخرين وفضله على سائر الخلق أجمعين ولا يحص أحد مناقبه من العالمين ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين وعل أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين صلاة دائمة إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين. (ذكر أزواجه ﷺ أول من تزوج خديجة بنت خويلد ﵂ ثم سودة بنت زمعة ثم عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵄ ثم زينب بنت خزيمة وكانت تدعى أم المساكين لرأفتها بهم ومكثت عنده ثمانية أشهر وتوفيت وقد بلغت ثلاثين سنة ودفنت بالبقيع. ولم يمت من أزواجه في حياته إلا هي وخديجة ﵄. ثم أم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة ثم زينب بنت جحش وكان اسمها بره فسماها النبي ﷺ زينب وكانت قبله عند زيد بن حارثه مولاه فطلقها فلما زوجها الله تعالى إياه من السماء وهي التي قال الله تعالى فيها (فلما قضي زيد منها وطرأ زوجناكها) وأولم عليها وأطعم المساكين خبزاً ولحماً.

стр. 244

وفيها نزلت آية الحجاب وكانت كثيرة الصدقة والإيثار ﵂ ثم جويرية بنت الحارث وكان اسمها بره فسماها جويرية ثم أم حبيب واسمها رملة بنت أبي سفيان أصدقها عنه النجاشي - كما تقدم - ثم صفية بنت حي من سبي خبير اصطفاها لنفسه وتزوجها وجعل عتقها صداقها - كما تقدم - ثم ميمون بنت الحارث وكان اسمها برة فسماها ميمونة وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ . فهؤلاء نساؤه المدخول بهن إحدى عشرة امرأة ومات عن تسع منهن وتزوج وخطب ﷺ نساء غير هؤلاء ولكن لم يدخل بهن. فمنهن أسماء بنت النعمان الجونية تزوج بها ثم فارقها فقيل إن سبب فراقها إنه لما دخلت عليه قالت أعوذ بالله منك فقال لها قد عذت بعظيم أو بمعاذ إلحقي بأهلك وطلقها فكانت تسمى نفسها بالشقية وقيل إن صاحبة هذه القصة امرأة غير أسماء هذه. وخولة بنت الهذيل زوجها رسول الله ﷺ فماتت في الطريق قبل وصولها إليه وأم شريك هي عرفة بنت دودان تزوجها ولم يدخل بها وصفية بنت هشام العبدية وشراف الكلبية أخت دحية والعالية الكلابية روي إنها مكثت عند رسول الله ﷺ ما شاء الله ثم طلقها وسبا السلمي ماتت قبل أن يصل إليها وقتيلة بنت قيس الكندية قبض رسول الله ﷺ قبل خروجها إليه من اليمن وعمرة بنت يزيد الكلابية طلقها وضباعة بنت عامر القسيرية خطبها ثم أمسك وليلى بنت الحطيم الأوسية تخطت منكبه وهو غافل فقال من هذه أكلها الأسد؟ فقالت أنا ليلى بنت الحطيم بن مطعم الطير قد جئتك أعرض عليك نفسي فقال قد قبلتك فرجعت إلى أهلها فقالوا إن رسول الله ﷺ كثير الضرائر وأنت امرأة غيورة ولسنا نأمن أن تغيظه فيدعوا عليك فاستقيليه فأتته فأقالها فدخلت بعد ذلك حيطان المدينة فشد عليها الأسد فأكلها.

стр. 245

وأما سراريه فكن أربعاً مارية بنت شمعون القبطية أهداها له المقوقس صاحب مصر وريحانة بنت شمعون النضيرية وأخرى جميلة أصابها في السبي وجارية وهبتها له زينب بنت جحش. وتقدم ذكر أولاده ﷺ . (ذكر الأسود العنسي ومسيلمة وسجاح وطليحة وما جرى منهم) أما الأسود فاسمه عبهلة وهو ممن ارتد وتنبأ وكان من الكذابين وكان باليمن وادعى النبوة قبل وفاة النبي ﷺ بأربعة أشهر فلما بلغه ﷺ ذلك أرسل إلى نفر من اليمن يأمرهم بقتله فقتلوه وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ بخبره فسبق خبر السماء فأخبر الناس بذلك قبل وفاته بقليل ووصل الكتاب الأسود في خلافة أبي بكر ﵁ فكان كما أخبر به ﷺ . وكان قتله قبل وفاة النبي ﷺ بيوم وليلة. وأما مسيلمة فإنه على رسول الله ﷺ في وفد بني حنيفة ثم ارتد وادعى النبوة وتسمى رحمان اليمامة وخاف أن لا يتم له مراده فقال إن محمداً قد أشركني معه وشرع يسجع لقومه ويضاهي القرآن وذلك في حياة النبي ﷺ وكانت له فتنة فاحشة. وقتله أبو بكر ﵁ في خلافته وكان وحشي قاتله بالحربة التي قتل بها حمزة عم النبي ﷺ وشاركه في قتله رجل من الأنصار. وأما سجاح بنت الحارث التميمية كانت قد ادعت النبوة في الردة وتبعها جماعة وقصدت قتال أبي بكر ثم ذهبت إلى اليمامة واجتمعت بمسيلمة وتزوجت به. وتنقلت بها الأحوال إلى زمن معاوية فأسلمت وحسن إسلامها وانتقلت إلى البصرة وماتت بها.

стр. 246

وأما طليحة الأسدي فإنه ادع النبوة وتبعه وقوى أمره وقاتله خالد بن الوليد في الردة ثم أسلم وخرج نحو مكة معتمراً في خلافة أبي بكر (رض) وقاتل في الفتوحات فقتل يوم وقعة نهاوند مع الأعاجم في سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر ﵁. (فضل الصلاة على رسول الله ﷺ وكيفيتها) روي عن رسول الله ﷺ إنه قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة لا تنبغي إلا لعبد واحد وأرجو أن أكون أنا فمن سأل الوسيلة حلت له الشفاعة. وقال عمر بن الخطاب ﵁ إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شئ حتى تصل على نبيك محمد ﷺ فإذا فعلت أخرقت الحجب ودخل الدعاء وإن لم تفعل ذلك رجع الدعاء. وعنه ﷺ إنه قال إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم علي صلاة وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال حدثني رسول الله ﷺ وعدهن في يدي قال عدهن في يدي جبريل ﵇ وقال جبريل هكذا أنزلت بهن من عند رب العزة اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك أنت حميد مجيد اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

стр. 247

وعن أبي بكر ﵁ إنه قال الصلاة على النبي ﷺ أمحق للذنوب من الماء البارد للنار والسلام عليه أفضل من عتق الرقاب. قال ابن الفاكهاني قلت إنما كان أفضل من عتق الرقاب - والله أعلم - لأن عتق الرقاب في مقابلة العتق من النار ودخول الجنة والسلام عليه في مقابلة سلام الله تعالى وسلام من الله أفضل من مائة ألف جنة فناهيك بها من فنسأل الله تعالى أن يرزقنا مرافقته في الجنة بمنه وكرمه وجوده وإحسانه آمين. (ذكر آداب زيارة النبي ﷺ وما يستجب أن يفعله الزائر ويدعو به يستحب لمن قدم المدينة الشريفة أن يغتسل قبل دخوله إليها ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويدخل بسكينة ووقار ويقول بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ويكره له الركوب في أزقتها إلا لعذر فإذا وصل إلى أحد أبواب المسجد الشريف قال اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد وأغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وكف عني أبواب سخطك الحمد لله الذي بلغني هذا الموضع الشريف وجعلني أهلا لحضور هذا المسجد العظيم وزيارة قبر رسوله الكريم فالحمد لله على ذلك عدد نعمه التي لا تحصى وأفضاله الذي لا يستقصي ولا يفنى. ثم يقدم رجله اليمنى قللا ويقول بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ومن الله والي الله وفي سبيل الله وعل ملة رسول الله ﷺ رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً وكذا يتلو إذا خرج ويصلي على النبي ﷺ . ثم يأتي المنبر مستديماً للذكر والثناء والصلاة على رسول الله ﷺ فيصلي عنده ركعتين تحية المسجد ويتحرى لصلاته جانب المنبر تجاه صندوق

стр. 248

المصاحف ويجعل عمود المنبر حذاء منكبه الأيمن ويستقبل السارية التي إلى جانبها الصندوق وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه فذلك موقف النبي ﷺ الذي كان يؤم الناس فيه. ثم يقول بعد فراغهما الحمد لله الذي بلغني هذا المكان ووفقني لاتيانه وأوصلنيه في يسر وعافية اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام والطول والأنعام فلك الحمد ملئ السماوات والأرض وملئ ما شئت من شيء بعد. ويأتي القبر الشريف من باب المقصورة القبل فإذا وصل المقصورة استقبل وجهه الكريم ﷺ وذلك بأن يستدير القبلة ويستقبل جدار القبر الشريف على نحو أربعة أذرع من السارية التي في زاوية المقصورة ويجعل القنديل على رأسه ولا يمس الجدار بيده ولا بشيء من بدنه ويقف متأدباً بين يديه كما لو كان حياً مظهراً لاحترامه ويستحضر في نفسه أن رسول الله ﷺ عالم بحضوره وقيامه تجاهه وسلامه عليه وإنه يجيب من سلم عليه من بعيد فكيف من قريب ويسلم على رسول الله ﷺ ويصلي عليه. وقد ورد أشياء كثيرة في صفة السلام عليه فأيها فعل أجزاءه. ثم يتقدم يسيراً فيقف ويسلم على خليفته سيدنا أبي بكر الصديق ﵁. ثم يتقدم يسيراً فيسلم على أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب ﵁. ثم يأتي الروضة فيصلي فيها ما يسر الله له ويصلي عند المنبر أيضاً ثم يدعو عند انصرافه فيقول اللهم إني أتيت قبر نبيك ﷺ متقرباً إليك بزيارته متوسلاً لديك به وأنت قلت وقولك الحق ولا تخلف الميعاد (ولو إنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما) اللهم أجعلها زيارة مقبول وسعياً مشكوراً وعملاً منقبلا مبروراً ودعاء تدخلنا به جنتك وتسبغ علينا رجمتك اللهم اجعل سيدنا محمداً انجح السائلين

стр. 249

وأكرم الأولين والآخرين اللهم كما آمنا به ولم نره وصدقناه ولم نلقه فأدخلنا مدخله واحشرنا محشره وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشرباً روياً سائغاً هنياً لا نظمأ بعدها أبدا. ويستحب له زيارة البقيع فيبدأ بقبر سيدنا إبراهيم بن رسول الله ﷺ فيزوره ويزور قبر العباس وعثمان بن عفان والحسن بن علي وبنات رسول الله ﷺ وغيرهم ويستحب زيارة ما بتلك الأرض الشريفة من الأماكن المشهورة. ثم إذا قصد الذهاب إلى وطنه اغتسل ولبس أحسن ثيابه وأتى المسجد الشريف مكرراً للصلاة على رسول الله ﷺ ويأتي القبر الشريف ويسلم على رسول الله ﷺ وعلى ضجيعيه ويكثر من الصلاة عليه وعليهما ويدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة. ثم يخرج غير مستدبر القبر الشريف ويبدأ برجله اليسرى قائلاً اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد وافتح لي أبواب فضلك وحط عني أوزاري بزيارة نبيك وأحسن منقلبي إلى أهلي ووطني ببركته ﷺ يا رب العالمين يا أرحم الراحمين أدخلنا في شفاعته أجمعين. (ذكر فضائل المسجد الأقصى الشريف وما ورد في ذلك) من الآيات والأحاديث قد تقدم في أول الكتاب الكلام على أول سورة الإسراء فلو لم يكن له من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية فيه لأنه إذا بورك حوله فالبركة فيه مضاعفة وقال الله تعالى - أخبار عن نبيه موسى ﵇ (وغذ قال موسى لقومه يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة) أي المطهرة والتقديس هو التطهير وسم بيت المقدس مقدساً لأنه يتطهر فيه من الذنوب، وتقدم ذلك عند أسماء بيت المقدس

стр. 250

قال ابن عباس بيت المقدس عليه الطل والمطر مذ خلق الله السنين والأيام وروي في قوله تعالى (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) قال هي الأرض المقدسة بارك الله فيها للعالمين لأن كل ماء في الأرض عذب يخرج منها من أصل الصخرة الشريفة ثم يتفرق في الأرض. وقال تعالى (إن الأرض يرثها عبادي الصالحون) قيل في أحد الأقوال إنها الأرض المقدسة يرثها أمة محمد ﷺ . وقال تعالى (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) قال ابن عباس هي بيت المقدس وهو قول قتادة وكعب. وقال كعب هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً يعني لأن الربوة المكان المرتفع من الأرض. وقال تعالى (واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب) المنادي هو إسرافيل ﵇ ينادي من صخرة بيت المقدس بالحشر وهي وسط الأرض وروي أن المكان القريب هو صخرة بيت المقدس. وقال تعالى (قي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) يعني به بيت المقدس. وقال تعالى (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) يعني بين المؤمنين والمنافقين وهو حائط بين الجنة والنار له - أي لذلك السور - باب فيه الرحمة وهي الجنة وظاهره - أي من خارج ذلك السور - من قبله - أي من قبل ذلك الظاهر العذاب -. وعن أبي العوام قال سمعت عبد الله بن عمر يقول إن السور الذي ذكره الله في القرآن بقوله (فضرب بينهم بسور له باب) هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه الرحمة المسجد وظاهره من قبلة العذاب وادي جهنم. ورو الإمام أحمد ﵁ في مسنده من حديث أمامه قال قال
следующие страницы →