Полный текст (810 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وأما طليحة الأسدي فإنه ادع النبوة وتبعه وقوى أمره وقاتله خالد بن الوليد في الردة ثم أسلم وخرج نحو مكة معتمراً في خلافة أبي بكر (رض) وقاتل في الفتوحات فقتل يوم وقعة نهاوند مع الأعاجم في سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر ﵁.
(فضل الصلاة على رسول الله ﷺ وكيفيتها)
روي عن رسول الله ﷺ إنه قال إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة لا تنبغي إلا لعبد واحد وأرجو أن أكون أنا فمن سأل الوسيلة حلت له الشفاعة.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شئ حتى تصل على نبيك محمد ﷺ فإذا فعلت أخرقت الحجب ودخل الدعاء وإن لم تفعل ذلك رجع الدعاء.
وعنه ﷺ إنه قال إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم علي صلاة وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال حدثني رسول الله ﷺ وعدهن في يدي قال عدهن في يدي جبريل ﵇ وقال جبريل هكذا أنزلت بهن من عند رب العزة اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك أنت حميد مجيد اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
стр. 247
وعن أبي بكر ﵁ إنه قال الصلاة على النبي ﷺ أمحق للذنوب من الماء البارد للنار والسلام عليه أفضل من عتق الرقاب.
قال ابن الفاكهاني قلت إنما كان أفضل من عتق الرقاب - والله أعلم - لأن عتق الرقاب في مقابلة العتق من النار ودخول الجنة والسلام عليه في مقابلة سلام الله تعالى وسلام من الله أفضل من مائة ألف جنة فناهيك بها من فنسأل الله تعالى أن يرزقنا مرافقته في الجنة بمنه وكرمه وجوده وإحسانه آمين.
(ذكر آداب زيارة النبي ﷺ
وما يستجب أن يفعله الزائر ويدعو به
يستحب لمن قدم المدينة الشريفة أن يغتسل قبل دخوله إليها ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويدخل بسكينة ووقار ويقول بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ويكره له الركوب في أزقتها إلا لعذر فإذا وصل إلى أحد أبواب المسجد الشريف قال اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد وأغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وكف عني أبواب سخطك الحمد لله الذي بلغني هذا الموضع الشريف وجعلني أهلا لحضور هذا المسجد العظيم وزيارة قبر رسوله الكريم فالحمد لله على ذلك عدد نعمه التي لا تحصى وأفضاله الذي لا يستقصي ولا يفنى.
ثم يقدم رجله اليمنى قللا ويقول بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ومن الله والي الله وفي سبيل الله وعل ملة رسول الله ﷺ رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً وكذا يتلو إذا خرج ويصلي على النبي ﷺ .
ثم يأتي المنبر مستديماً للذكر والثناء والصلاة على رسول الله ﷺ فيصلي عنده ركعتين تحية المسجد ويتحرى لصلاته جانب المنبر تجاه صندوق
стр. 248
المصاحف ويجعل عمود المنبر حذاء منكبه الأيمن ويستقبل السارية التي إلى جانبها الصندوق وتكون الدائرة التي في قبلة المسجد بين عينيه فذلك موقف النبي ﷺ الذي كان يؤم الناس فيه.
ثم يقول بعد فراغهما الحمد لله الذي بلغني هذا المكان ووفقني لاتيانه وأوصلنيه في يسر وعافية اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام والطول والأنعام فلك الحمد ملئ السماوات والأرض وملئ ما شئت من شيء بعد.
ويأتي القبر الشريف من باب المقصورة القبل فإذا وصل المقصورة استقبل وجهه الكريم ﷺ وذلك بأن يستدير القبلة ويستقبل جدار القبر الشريف على نحو أربعة أذرع من السارية التي في زاوية المقصورة ويجعل القنديل على رأسه ولا يمس الجدار بيده ولا بشيء من بدنه ويقف متأدباً بين يديه كما لو كان حياً مظهراً لاحترامه ويستحضر في نفسه أن رسول الله ﷺ عالم بحضوره وقيامه تجاهه وسلامه عليه وإنه يجيب من سلم عليه من بعيد فكيف من قريب ويسلم على رسول الله ﷺ ويصلي عليه.
وقد ورد أشياء كثيرة في صفة السلام عليه فأيها فعل أجزاءه.
ثم يتقدم يسيراً فيقف ويسلم على خليفته سيدنا أبي بكر الصديق ﵁.
ثم يتقدم يسيراً فيسلم على أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب ﵁.
ثم يأتي الروضة فيصلي فيها ما يسر الله له ويصلي عند المنبر أيضاً ثم يدعو عند انصرافه فيقول اللهم إني أتيت قبر نبيك ﷺ متقرباً إليك بزيارته متوسلاً لديك به وأنت قلت وقولك الحق ولا تخلف الميعاد (ولو إنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما) اللهم أجعلها زيارة مقبول وسعياً مشكوراً وعملاً منقبلا مبروراً ودعاء تدخلنا به جنتك وتسبغ علينا رجمتك اللهم اجعل سيدنا محمداً انجح السائلين
стр. 249
وأكرم الأولين والآخرين اللهم كما آمنا به ولم نره وصدقناه ولم نلقه فأدخلنا مدخله واحشرنا محشره وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه مشرباً روياً سائغاً هنياً لا نظمأ بعدها أبدا.
ويستحب له زيارة البقيع فيبدأ بقبر سيدنا إبراهيم بن رسول الله ﷺ فيزوره ويزور قبر العباس وعثمان بن عفان والحسن بن علي وبنات رسول الله ﷺ وغيرهم ويستحب زيارة ما بتلك الأرض الشريفة من الأماكن المشهورة.
ثم إذا قصد الذهاب إلى وطنه اغتسل ولبس أحسن ثيابه وأتى المسجد الشريف مكرراً للصلاة على رسول الله ﷺ ويأتي القبر الشريف ويسلم على رسول الله ﷺ وعلى ضجيعيه ويكثر من الصلاة عليه وعليهما ويدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.
ثم يخرج غير مستدبر القبر الشريف ويبدأ برجله اليسرى قائلاً اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد وافتح لي أبواب فضلك وحط عني أوزاري بزيارة نبيك وأحسن منقلبي إلى أهلي ووطني ببركته ﷺ يا رب العالمين يا أرحم الراحمين أدخلنا في شفاعته أجمعين.
(ذكر فضائل المسجد الأقصى الشريف وما ورد في ذلك)
من الآيات والأحاديث
قد تقدم في أول الكتاب الكلام على أول سورة الإسراء فلو لم يكن له من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافية فيه لأنه إذا بورك حوله فالبركة فيه مضاعفة وقال الله تعالى - أخبار عن نبيه موسى ﵇ (وغذ قال موسى لقومه يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة) أي المطهرة والتقديس هو التطهير وسم بيت المقدس مقدساً لأنه يتطهر فيه من الذنوب، وتقدم ذلك عند أسماء بيت المقدس
стр. 250
قال ابن عباس بيت المقدس عليه الطل والمطر مذ خلق الله السنين والأيام وروي في قوله تعالى (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) قال هي الأرض المقدسة بارك الله فيها للعالمين لأن كل ماء في الأرض عذب يخرج منها من أصل الصخرة الشريفة ثم يتفرق في الأرض.
وقال تعالى (إن الأرض يرثها عبادي الصالحون) قيل في أحد الأقوال إنها الأرض المقدسة يرثها أمة محمد ﷺ .
وقال تعالى (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) قال ابن عباس هي بيت المقدس وهو قول قتادة وكعب.
وقال كعب هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً يعني لأن الربوة المكان المرتفع من الأرض.
وقال تعالى (واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب) المنادي هو إسرافيل ﵇ ينادي من صخرة بيت المقدس بالحشر وهي وسط الأرض وروي أن المكان القريب هو صخرة بيت المقدس.
وقال تعالى (قي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) يعني به بيت المقدس.
وقال تعالى (فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب) يعني بين المؤمنين والمنافقين وهو حائط بين الجنة والنار له - أي لذلك السور - باب فيه الرحمة وهي الجنة وظاهره - أي من خارج ذلك السور - من قبله - أي من قبل ذلك الظاهر العذاب -.
وعن أبي العوام قال سمعت عبد الله بن عمر يقول إن السور الذي ذكره الله في القرآن بقوله (فضرب بينهم بسور له باب) هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه الرحمة المسجد وظاهره من قبلة العذاب وادي جهنم.
ورو الإمام أحمد ﵁ في مسنده من حديث أمامه قال قال
стр. 251
رسول الله ﷺ لا يزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوكم قاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من اللأواء حتى يأتيهم أنمر الله وهم كذلك قالوا يا رسول الله وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس.
وعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أربع من مدائن الجنة مكة والمدينة ودمشق وبيت المقدس.
وعن معاذ ﵁ قال قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى يا شام أنت صفوتي من بلادي وأنا سائق إليك صفوتي من عبادي من كان مولده فيك فاختار عليك غيرك فبذنب يصيبه ومن كان مولده في غيرك فاختارك فبرحمة مني يا شام اتسعي لأهلك بالرزق كما يتسع الرحم للولد وعيني عليك بالطل والمطر مذ خلقت السنين والأيام من يعدم فيك المال لا يعدم فيك الخير يا أورشلم أنت مقدسة بنوري وفيك المحشر والمنشر أزفك يوم القيام كما تزف العروس إلى بعلها ومن دخلك استغن عن الزيت والقمح.
وعن معاذ قال قال رسول الله ﷺ يا معاذ أن الله سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة فمن اختار منكم ساحلا من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة.
وعن كعب الأحبار قال قال تعالى لبيت المقدس أنت جنتي وقدسي وصفوتي من بلادي من يسكنك فبرحمة مني ومن خرج منك فبسخط مني عليه.
(فضل الصلاة في بيت المقدس)
روي عن النبي ﷺ إنه قال إن سليمان ﵇ سأل ربه ثلاثاً فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة سأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله أيما
стр. 252
رجل من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه فنحن نرجو أن يكون قد أعطاه إياه.
وعن مكحول قال من خرج إلى بيت المقدس لغير حاج إلا الصلاة فصلى فيه خمس صلوات صبحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاء خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه.
وعن كعب قال شكا بيت المقدس إلى ربه الخراب فأوح الله إليه لأملأنك خدوداً سجداً يزفون إليك زفيف النسور إلى أوكارها ويحنون إليك حنين الحمام إلى بيضها فقال رجل اتق الله يا كعب وإن له لساناً؟ قال نعم وقلباً كقلب أحدكم.
وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من زار بيت المقدس محتسباً أعطاه الله أجر ألف شهيد.
وعنه ﷺ من زار عالماً فكأنما زار بيت المقدس ومن من صلى في بيت المقدس غفوت ذنوبه كلها.
وعن كعب الأحبار: من أتى بيت المقدس فصلى عن يمين الصخرة وعن شمالها ودعا عند موضع السلسلة وتصدق بما قل أو كثر استجيب له دعاؤه وكشف الله حزنه وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وإن سأل الله الشهادة أعطاه الله إياها والله أعلم.
(مضاعفة الصلاة في مسجد بيت المقدس)
روي عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال فضلت الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلا وفي مسجدي بألف صلاة
стр. 253
وفي مسجد بيت المقدس بخمسمائة صلاة رواه الإمام أحمد ﵁.
(مضاعفة الحسنات والسيئات في مسجد بيت المقدس)
روي عن جرير بن عثمان وصفوان بن عمرو أنهما قالا الحسنة في بيت المقدس بألف والسيئة بألف.
وعن الليث بن سعد عن نافع قال قال لي ابن عمر - ونحن ببيت المقدس - يا نافع اخرج بنا من هذا البيت فإن السيئات تضاعف فيه كما تضاعف الحسنات وأحرم وخرج من بيت المقدس.
قال العلماء معنى ذلك أن عقوبة من اقترف ذنباً في أحد المساجد الثلاثة أعظم عقوبة ممن اقترفه في غيرها لشرف هذه المساجد وفضلها والذنب الواحد في أحدها أعظم من ذنوب كثيرة في غيرها من المواضع ولذلك تضاعف فيه السيئات ومعناه تغليظ عقوبتها لا أن الإنسان يعمل ذنباً واحداً فيكتب عليه عشرة ذنوب والله تعالى يقول في كتابه العزيز (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) فقد غلظت الدية على من قتل في الحرم أو الإحرام أو في الأشهر الحرم أو قتل ذا رحم محرم لحرمة هذه الأشياء وعظم محلها فالتعدد في المعنى من حيث إنه انتهك حرمة بيوت الله وقد قال الله تعالى (في بيوت إذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تليهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما علموا ويزيدهم من فضله) وقد ارتكب المعصية فيها فهذا معنى التضعيف.
(شد الرحال إليه)
عن أبي سعيد الخدري ﵁ إن رسول الله ﷺ
стр. 254
قال لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا.
(كراهية استقبال الصخرة ببول أو غائط)
روى أبو داود ﵀ في سننه إن رسول الله ﷺ نهى أن يستقبل القبلتان ببول أو غائط.
وعن نافع ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ لا تستقبلوا واحدة من القبلتين ببول أو غائط وروي تحريم ذلك عن الشعبي.
(فضل الإهلال بالحج والعمر من بيت المقدس)
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنه سمعت رسول الله ﷺ يقول من أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى الشريف إلى المسجد الحرام غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة.
وقد أحرم منه عمر بن الخطاب ﵁ ثم قال لوددت إني ما جئت بيت المقدس وأحرم منه ابنه عبد الله ﵁ أيضاً.
والماء والرياح يخرجان من تحت صخرة بيت المقدس روي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ إنه قال المياه العذبة والرياح اللواقح تخرج من تحت صخر بيت المقدس.
وعن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﵌ الأنهار أربعة سيحان وجيحان والنيل والفرات فأما سيحان فنهر بلخ وأما جيحان فدجلة وأما النيل مصر وأما الفرات ففرات الكوفة وكل ماء يشربه ابن دم فهو من هذه الأربعة ويخرج من تحت صخرة بيت المقدس وقد نقل في فضل ماء بيت المقدس.
وما فيه من المنفعة وإن من أراد
стр. 255
إن يشرب ماء في جوف الليل فليقل يا ماء ماء بيت القدس يقرئك السلام ثم يشرب فإنه أمان بإذن الله .
(بيت المقدس أرض المحشر والمنشر)
عن أبي ذر ﵁ قال قلت يا رسول الله الصلاة في مسجدك أفضل من الصلاة في بيت المقدس؟ قال الصلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه ولنعم هو أرض المحشر والمنشر.
وعن كعب قال إن الكعب بميزان البيت المعمور في السماء السابعة الذي تحجه ملائكة الله تعالى لو وقعت منه أحجار لوقعت على أحجار البيت الحرام وإن الجنة في السماء السابع بميزان بيت المقدس لو وقع منها حجر لوقع على الصخرة الشريفة ولذلك دعيت أورشلم ودعيت الجنة دار السلام.
وقال مقاتل بن سليمان عن بيت المقدس ما فيه موضع شبر إلا وقد صلى عليه نبي مرسل أو قام عليه ملك مقرب.
وقال وهب بن منبه أهل بيت المقدس جيران الله وحق على الله أن لا يعذب جيرانه.
وعن عبد الله بن عمر إنه قال إن الحرم لمحرم في السماوات السبع بمقداره في الأرض وأن بيت المقدس في السماوات السبع بمقداره في الأرض.
(توكل الملائكة بالمسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى)
عن ابن مسعود عن النبي ﷺ إنه قال ثلاث أملاك ملك موكل بالكعب وملك موكل بمسجدي وملك موكل بالمسجد الأقصى فأما الموكل بالكعب فينادي في كل يوم من ترك فرائض الله خرج من أمان الله وأما الموكل بمسجدي هذا فينادي في كل يوم من ترك سنة رسول الله صلى الله ﷺ وأما الملك الموكل بالمسجد الأقصى فينادي
стр. 256
في كل يوم من كانت طعمته جواماً عمله مضروباً به وجهه.
(فضل أسراج ببيت المقدس الشريف عند العجز عن الوصول إليه)
فإنه يقوم مقام الصلاة فيه وفضل عمارته
روي عن ميمونة بنت سعد مولا رسول الله ﷺ إنها قالت يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس فقال أرض المحشر والمنشر ائتون فصلوا فيه فإن كل صلاة فيه كألف صلاة قلنا يا رسول الله فمن لم يستطيع أن يصل إليه؟ قال فمن لم يستطيع أن يأتيه فليهد إليه زيتاً يسرج في قناديله فإن من أهد إليه زيتاً كان كمن أتاه.
وقال ﷺ من أسرج في بيت المقدس سراجاً لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام ضوؤه في المسجد.
وفي نبوة يحيى ﵇ من بني في بيت المقدس بناء أو أثر فيه أثراً حسناً أو عمر فيه شيئاً زاد الله في عمره خمسة عشر سنة وراد الله له من المال والولد وإن كان ملكاً ملكه الله إياها - يعني الأرض:
(صفة الدجال قاتله الله - الدجال لا يدخل بيت المقدس)
روي عن الضحاك إنه قال الدجال ليس له لحية وافر الشارب طول وجهه ذراعان وقامته في السماء ثمانون ذراعاً وعرض ما بين منكبيه ثلاثون ذراعاً ثيابه وخفاه وسرجه ولجامه بالذهب والجواهر على رأسه تاج مرصع بالذهب والجوهر في يده طبرزن هيئته المجوس ترسه فارسية وكلامه الفارسية تطو له الأرض ولأصحابه طياً طياً يطأ مجامعها ويرد مناهلها غلا المساجد الأربع مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس ومسجد الطور.
وعن عبد الله بن مسعود قال يدخل الدجال الأرض كلها إلا أربعة مساجد وأربع قرى مكة والمدينة وبيت المقدس وطور سيناء.
стр. 257
وروي نحوه عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وروى ثور عن خالد بن صفوان قال عصمة المؤمنين من المسيح الدجال بيت المقدس.
وعن ربيعة بن زيد قال قال رسول الله ﷺ لا تزالون تقاتلون الكفار حتى تقاتل بقيتكم جنود الدجال ببطن الأردن بينكم النهر أنتم غريبة وهم شرقية قال ربيعة فقال المحدث من أصحاب رسول الله ﷺ فما سمعت بنهر الأردن إلا من رسول الله ﷺ .
وروي إن نبي عيسى ﵇ يأخذ من حجارة بيت المقدس ثلاثة أحجار الأول منها يقول بسم إله إبراهيم والثاني يقول بسم إله إسحاق والثالث يقول بسم إله يعقوب ثم يخرج بمن معه من المسلمين إلى الدجال فإذا رآه انهزم عنه فيدركه عند باب لد فيرميه بأول حجر فيصيبه بين عينيه ثم الثاني ثم الثالث فيقع فيضربه سيدنا عيس ﵇ فيقتله ويقتل اليهود حتى إن الحجر والشجر ليقولان يا مؤمن تحتي يهودي فأته فاقتله.
قال ﷺ يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم إماماً مقسطاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير.
(فضل الأذان في بيت المقدس)
روي عن جابر ﵁ إن رجلاً قال يا رسول الله أي الخلق أول دخولاً إلى الجنة؟ قال الأنبياء قال ثم من؟ قال الشهداء قال ثم قال مؤذنو بيت المقدس قال ثم من؟ قال مؤذن المسجد الحرام قال ثم من؟ قال مؤذنو مسجدي قال ثم من؟ قال سائر المؤذنين.
وعن العلاء بن هارون قال بلغني أن الشهداء يسمعون أذان مؤذني بيت المقدس لصلاة الغداة يوم الجمعة.
стр. 258
وعن كعب قال لم يستشهد عبد قط في بر ولا بحر إلا وهو يسمع أذان مؤذني بيت المقدس وإنه يسمع أذان مؤذني بيت المقدس من السماء.
(فضل الصدقة في بيت المقدس)
روي عن الحسن البصري رضيالله عنه إنه قال من تصدق في بيت المقدس بدرهم كان له براءة من النار ومن تصدق برغيف كان كمن تصدق بجبال الأرض ذهباً.
(فضل الصيام فيه والاستغفار)
روي عن كعب إنه قال من صام يوماً ببيت المقدس أعطاه الله براء من النار ومن استغفر للمؤمنين والمؤمنات في بيت المقدس ثلاث مرات كتب له مثل جميع حسنات المؤمنين والمؤمنات ودخل على كل مؤمن ومؤمنة من دعائه في كل يوم وليلة سبعون مغفرة.
(فضل الدفن في بيت المقدس)
قد سأل موسى ﵇ ربه أن يدينه من الأرض المقدسة رمية حجر وتقدم ذكر ذلك عند ذكره ﵇.
وعن كعب أن ببيت المقدس ألف قبر من قبور الأنبياء ﵈.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ إنه قال من مات ببيت المقدس فكأنما مات في السماء.
(فضل الصخرة)
روي عن ابن عباس ﵄ إنه قال صخرة بيت المقدس من صخور الجنة.
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال قال رسول الله ﷺ :
стр. 259
صخرة بيت المقدس على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة آسية امرأة فرعون ومريم ابن عمران ينظمان سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول سيد البقاع بيت المقدس وسيد الصخور صخرة بيت المقدس.
وعن أم عبد الله ابنة خالد بن سعدان عن أبيها لا تقوم الساعة حتى تزف الكعبة إلى الصخرة فيتعلق بها جميع من حجها واعتمرها فإذا رأتها الصخرة قالت مرحباً بالزائرة والمزورة.
وروي إن الله يجعل الصخرة يوم القيامة مرجانه بيضاء ثم يبسطها عرض السماء والأرض.
(فضل الصلاة عن يمين الصخرة)
عن أبي هريرة ﵁ عن أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ صليت ليلة أسري بي إلى بيت المقدس عن يمين الصخرة.
قال المشرف ولم يختلف اثنان إنه عرج به من عند القبة التي يقال لها قبة المعراج.
(البلاطة السوداء)
(وهي التي من داخل الباب الشامي من أبواب الصخرة ويعرف هذا الباب بباب الجنة) حكي إنه رؤي الخضر ﵇ يصلي هناك والله أعلم ويقال إن قبر سليمان ﵇ بهذا الباب وتقدم عند ذكر وفاته ما قيل إن قبره ببيت المقدس عند الجيسمانية وإنه هو وأبوه داود في قبر واحد.
(اليمين عند الصخرة)
حكي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ إنه أمر أن يحمل عمال سليمان بن
стр. 260
عبد الملك يستخلفون عند الصخرة فحلفوا إلا رجلاً واحداً أفدى يمينه بألف دينار يقال لله أهيب بن جندب فما حال عليهم الحول حتى ماتوا والله أعلم.
(فضل الصخرة ليلة الرجفة)
روى أبو عمير عن جندب عن رستم الفارس يقال أتت الرجفة فقيل لي قم فإذن فاستهنت بذلك ثم أتت الثانية فقيل لي قم فإذن فاستهنت بذلك ثم أتت الثالثة فانتهزت انتهاز شديدة وقيل لي قم فإذن فأتيت المسجد فإذا الدور قد تهدمت قال فخرج لي بعض حراس الصخرة فقال لي إذهب فأتني بخير أهلي وتعال حتى أخبرك بالعجب قال فأتيت منزله فإذا هو قد هدم فرجعت فأعلمته فقال لي لما كان من الأمر ما كان أتي إليها فحملت حتى ى نظرنا إلى السماء والنجوم ثم أعيدت فسمعناهم يقولون ساووها عدلوها حتى أعيدت على حالها.
ورواه عبيد الله بن محمد القرماني عن ضمرة عن رستم بنحوه وفيه أنا لذي خرج إليه رجل متن حراس الصخرة الشريفة وكان على كل باب عشرة وفيه لما أخيره عن أهله قال لم نعلم في أول الليل إلا وقد قلعت القبة من موضعها حتى بدت لنا الكواكب فلما كان قبل مجيئك سمعنا حفيفاً وحبكة ثم سمعنا قائلاً يقول ساووها عدلوها ثلاث مرات فأعيدت على حالها.
وروى الوليد بن حماد عن عبد الرحمان بن محمد بن منصور بن ثابت قال حدثني أبي عن أبيه عن جده أن أبا عثمان الأنصاري كان يحيي الليل بعد انصرافه من القيام في شهر رمضان على البلاطة السوداء قال فبينما هو قائم في الصلاة حتى سمع صوت الهد في المدينة وصراخ الناس واستغاثتهم وكانت ليلة باردة مظلمة كثيرة الرياح والأمطار قال سمعت قائلاً يقول - اسمع الصوت ولا أرى الشخص - ارفعوها رويداً بسم الله فقلعت القبة علياً حتى تبدي لنا بياض السماء والنجوم
стр. 261
فأصاب وجهه من رش المطر حتى أذن رستم الفارسي فسمع قائلاً يقول ردوها رويداً بسم الله ساووها عدلوها فردت القبة على ما كانت عليه وكان هذا في الرجفة الأولى وكانت هذه الرجفة في شهر رمضان سن ثلاثين ومائة والله أعلم.
(نبذة مما ذكر من فضائل بيت المقدس الشريف المعظم)
قد تقدم ما رواه أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ إنه قال أربع من مدائن الجنة مكة والمدينة ودمشق وبيت المقدس.
وروى المشرف بسنده عن عمران بن الحصين قال قلت يا رسول الله ما أحسن المدينة قال لو رأيت بيت المقدس قال قلت أهي أحسن منها؟ فقال كيف لا تكون أحسن منها وكل من فيها يزار ولا يزور وتهدي إليه الأرواح ولا يهدي روح بيت المقدس لغيرها إلا أن الله أكرم المدينة الشريفة وطيبها بي وأنا فيها حي وأنا فيها ميت ولولا ذلك ما هاجرت من مكة فإني ما رأيت القمر في بلاد قط إلا وهو بمكة أحسن.
وروي أن موسى ﵇ نظر وهو ببيت المقدس إلى نور رب العزة ينزل ويصعد إلى بيت المقدس.
وعن كعب قال باب مفتوح من السماء من أبواب الجنة ينزل منه النور والرحمة على بيت المقدس كل صباح حتى تقوم الساعة والطل الذي على بيت المقدس شفاء من كل داء لأنه من الجنة.
وعن مقاتل بن سليمان إن كل ليلة ينزل سبعون ألف ملك من السماء إلى مسجد بيت المقدس يهللون الله ويسبحون ويقدسونه ويحمدونه لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة.
وعن ابن عباس ﵄ إنه قال قال رسول الله ﷺ :
стр. 262
من أراد أن ينظر إلى بقعة من بقع الجنة فلينظر إلى بيت المقدس.
وقال كعب إن الله ينظر إلى بيت المقدس كل يوم مرتين.
وقال أنس بن مالك ﵁ إن الجنة لتحن شوقاً إلى بيت المقدس وبيت المقدس من جنة الفردوس والفردوس بالسريانية البستان وقيل الكرم وعن خالد بن معدان إن حذو بيت المقدس باب من السماء يهبط منه كل يوم سبعون ألف ملك يستغفرون لمن يجدونه يصلي فيه.
وقال عبد الله بن عمر ﵄ بيت المقدس بنته الأنبياء وعمرته وما فيه موضع شبر إلا وقد سجد عليه نبي أو قام عليه ملك.
وقال مقاتل إن الله تعالى تكفل لمن سكن بيت المقدس بالرزق إن فاته المال ومن مات مقيماً محتسباً في بيت المقدس فكأنما مات في السماء ومن مات حول بيت المقدس فكأنما مات في بيت المقدس وأول أرض بارك الله فيها بيت المقدس والأرض المقدسة التي ذكرها الله في القرآن فقال (إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) هي أرض بيت المقدس.
وكلم الله موسى في أرض بيت المقدس.
وتاب الله على داود وسليمان ﵉ في أرض بيت المقدس.
ورد الله على سليمان ملكه في بيت المقدس.
وبشر الله زكريا بيحيى في بيت المقدس.
وسخر الله لداود الجبال والطير في بيت المقدس.
وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يقربون القرابين ببيت المقدس.
وتتغلب يأجوج على الأرض كلها غير بيت المقدس ويهلكهم الله في أرض بيت المقدس.
وينظر الله كل يوم بخير إلى بيت المقدس.
وأوصى إبراهيم وإسحاق ﵉ لما ماتا أن يدفنا بأرض بيت المقدس.
стр. 263
وأوصى آدم ﵇ لما مات بأرض الهند إن يدفن ببيت المقدس.
وأوتيت مريم ﵍ فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء في بيت المقدس.
وولد عيسى ﵇ وتكلم في المهد في بيت المقدس أنزلت عليه المائدة في أرض بيت المقدس ورفعه الله إلي السماء من بيت المقدس. وينزل من السماء إلى الأرض ببيت المقدس.
وماتت مريم ﵍ ببيت المقدس.
وهاجر إبراهيم ﵇ من كوثا إلى بيت المقدس
وصلى النبي ﷺ زماناً إلى بيت المقدس وأسري به إلى بيت المقدس.
وتكون الهجرة في آخر الزمان إلى بيت المقدس والمحشر والمنشر إلى بيت المقدس والحساب يوم القيامة إلى بيت المقدس وينصب الصراط على جهنم إلي الجنة ببيت المقدس وينفخ إسرافيل في الصور ببيت المقدس.
والحوت الذي الأرضون على ظهره رأسه في مطلع الشمس وذنبه بالمغرب ووسطه تحت بيت المقدس.
ومن صلى في بيت المقدس فكأنما صلى في سماء الدنيا.
وتخرب الأرض كلها وتعمر بيت المقدس.
ومن صبر في بيت المقدس سنة على لأوائها وشدتها جاءه الله برزقه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن تحته ومن فوقه يأكل رغداً ويدخل الجنة إن شاء الله تعالى.
وأول بقعة بنيت من الأرض كلها موضع صخرة بيت المقدس.
وتظهر عين موسى في آخر الزمان ببيت المقدس.
وقال النبي ﷺ إن خيار أمتي من هاجر هجرة بعد هجرة إلى بيت المقدس ومن ببيت المقدس بعد أن توضأ وأسبغ الوضوء ركعتين
стр. 264
أو أربعاً غفر لهما كان قبل ذلك.
وقال النبي ﷺ لأبي عبيدة بن الجراح ﵁ النجاء النجاء إلى بيت المقدس إذا ظهرت الفتن قال يا رسول الله فإن لم أدرك بيت المقدس قال فابذل أحرز دينك وفي لفظ آخر فابذل مالك واحرز دينك.
وقال علي ﵁ لصعصعة نعم المسكن عند ظهور الفتن بيت المقدس القائم فيه كالمجاهد في سبيل الله وليأتين على الناس زمان يقول أحدهم ليتني تبنة في لبنة من لبنات بيت المقدس أحب الشام إلى الله تعالى بيت المقدس أحب جبالها إليه الصخرة وهي خر الأرض خراباً بأربعين عاماً قال وهي روضة من رياض الجنة.
وروي عن يحي بن أبي عمرو الشيباني إنه قال لا تقوم الساعة حتى يضرب على بيت المقدس سبعة أحياط حائط من فضة وحائط من ذهب وحائط من لؤلؤ وحائط من ياقوت وحائط من زمرد وحائط من غمام.
وأما ما يقال أن بيت المقدس طشت من ذهب مملوء عقارب وإنه كأجمة الأسد فداخله أما أن يسلم وأما أن يدركه العطب فقد حمل ذلك على زمان بني إسرائيل الذين كانوا يعملون فيه بمعاصي الله تعالى فإن اللفظ المذكور قيل إنه مكتوب في التوراة قال بعض العلماء وظاهر الخطاب يدل على إنهم - يعني العقارب - كانوا موجودين في ذلك الوقت ولو أراد قوماً من هذه الأمة قال املؤها عقارب حتى يكون للمستقبل والله أعلم وأما اليوم فالحمد له فإنما وبأفنائه الطائفة المنصورة - كما تقدم.
وعن أبي عمرو الشيباني قال ليس يعد من الخلفاء إلا من ملك المسجدين المسجد الحرام ومسجد بيت المقدس الشريف وقد أجمعت الطوائف كلها على تعظيم بيت المقدس ما عدا السامرة فإنهم يقولون إن القدس جبل نابلس وخالفوا جميع الأمم في ذلك.
وقد كان بنو إسرائيل إذا نزل بهم خوف من عدو أو أجدبوا صوروا القدس
стр. 265
وجعلوه هيكلاً وصوروا أبوابه ومحاربيه واستقبلوا به العدو فيهزمه الله تعالى وكذلك في الجدب إذا صوروه واستقبلوا به فلا تزال السماء تمطر عليهم حتى يرفعوا الهيكل وكانوا يفعلون ذلك في كل أمر مهم يدهمهم والله أعلم.
(ذكر ما يستحب أن يدعى به عند دخول المسجد الشريف)
والصخرة الشريف وآداب دخولها ومن أي باب يدخلها
يستحب لمن أراد دخول المسجد أن يبدأ برجله اليمن ويؤخر اليسرى ويقول اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على النبي ﷺ وقال اللهم أغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك.
ويستحب لمن أراد الدخول للصخرة الشريفة أن يجعلها عن يمينه حتى يكون بخلاف الطواف حول البيت الحرام ويقدم النية ويعقد التوبة بالإخلاص مع الله تعالى وإن أحب أن ينزل تحت الصخرة الشريفة في المغارة فليفعل فإذا نزل يكون بأدب وخشوع ويصلي ما بدا له ويدعو بدعاء سليمان ﵇ الذي دعا به لما فرغ من بنائه وقرب القربان وهو قوله اللهم من أتاه من ذي ذنب فاغفر ذنبه أو ذي ضر فاكشف ضره ثم يدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة ويجتهد في الدعاء تحت الصخرة فإن الدعاء في ذلك الموضع مقطوع له بالإجابة إن شاء الله تعالى.
وحكي جماعة من العلماء إن الأدعية التي يدعي بها ليس فيها خصوصية بهذا الموضع فإن الإنسان مأمور بالدعاء موعود عليه بالاستجابة لقوله تعالى (وقال ربكم أدعوني استجيب لكم) وقوله تعالى (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) والمراد من الأدعية ما وردت به السنة الشريفة النبوية.
فمن ذلك ما رواه أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ إنه قال لأبي عياش زيد بن الصامت الزرقي حين رآه يصلي ويقول اللهم إني
стр. 266
أسألك يا ذا الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرضي إذا الجلال والإكرام فقال رسول الله ﷺ لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
ومن ذلك ما رواه عبيد الله بن زيد عن أبيه أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم تولد ولم يكن لك كفواً أحد فقال رسول الله ﷺ لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب.
ومن ذلك ما روي عنه ﷺ إنه كان يدعو به ويقول إنه لن يدعو به ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد صالح إلا كان من الدعاء المستجاب اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحيني ما علمت أن الحياة خير لي وتوفني ما علمت أن الوفاة خير لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى أسألك نعيماً لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وبرد العيش بعد الموت أسألك النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.
وروي أن إدريس النبي ﷺ كان يدعو بهذه الدعوة ويأمر أن لا يعلموها السفهاء فيدعوا بها فكان يقول يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول لا إله إلا أنت ظهر اللاجئين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقياً أو محروماً أو مقتراً علي في رزقي فامح اللهم فضلك شقاوتي وحرماني وإقتار رزقي وأثبتني عندك في أم الكتاب سعيداً مرزوقاً موفقاً للخيرات مستوراً مكفياً مؤنة من يؤذيني إنك قلت وقولك الحق في كتابك المنزل على لسان نبيك المرسل (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب).
وقد رأيت منقولا إنه يستجيب الدعاء بهذا في ليلة النصف من شعبان وقد
стр. 267
ورد في الأخبار والأحاديث غير ذلك والمراد هنا الاختصار والله الموفق المهدى للصواب.
(ذكر الفتح العمري)
الذي يسره تعالى على يد أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وعمارة المسجد الأقصى الشريف على يده
روي عوف بن مالك قال قال رسول الله ﷺ أعدد ستاً بين يدي الساعة موتي قال فوجمت عندها وجمة قال قل إحدى ثم فتح بيت المقدس ثم موتان يكون فيكم كقصاع الغنم واستفاضة المال فيكم حتى يعطي الرجل مائة دينار فيظل لها ساخطاً ثم تكون فيكم فتنة فلا يبقى بيت من بيوت العرب إلا دخلته ثم هدنة تكون بين بني الأصفر فيغدرون بكم ثم يأتونكم في ثمانين غاية كل غاية اثنا عشر ألفاً.
قوله فوجمت وجمة قال الجوهري الرجم الذي اشتد حزنه حتى أمسك عن الكلام والموتان - بضم الميم وسكون الواو - وهو الموت الكثير السريع وقوعه ولذلك شبهه النبي ﷺ بقعاص الغنم فهو داء يأخذها لا يلبثها أن تموت والقعص عن يضرب الإنسان فيموت مكانه سريعاً فقيل لهذا الداء قعاص لسرعة الموت ثم شبه به الموتان.
وعن عوف قال أتيت ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فقال لي يا عوف أعدد ستاً بين يدي الساعة موتى ثم فتح بيت المقدس وروى إنه ﷺ قال لشداد بن أوس ألا أن الشام ستفتح وبيت المقدس سيفتح إن شاء الله تعالى وتكون أنت وولدك من بعدك أئمة بها إن شاء الله تعالى.
ثم إن الست المذكورة قد وقع بعضها فموته ﷺ وفتح
стр. 268
بيت المقدس قد وجد ووقع الطاعون وهم بالجابية ويقال إنه الطاعون عموس الواقع في سنة ثمانية عشر من الهجرة الشريفة ثم استفاض المال في خلافة عثمان ابن عفان ﵁ قال الوليد بن مسلم قال سعيد بن عبد العزيز زاد عثمان للناس عامة الديوان مائة دينار بزيادة دينار في عطائهم وكانت الفتنة وهي قتل الوليد وما وقع بين الناس بالشام والعراق وخراسان من الفرقة والعصبة ولا تزال متتابعة حتى تقع هدنة الروم.
ولما توفي رسول الله ﷺ استقر الإمام أبو بكر الصديق ﵁ بعده في الخلافة واسمه عبد الله ولقبه عتيق الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التميمي يلتقي مع رسول الله ﷺ في مرة بن كعب بن لؤي ابن غالب القرشي.
وهو أول خليفة في الإسلام وكان يدعى خليفة رسول الله ﷺ له المواقف الرفيعة في الإسلام.
ثم ختم ذلك بمهم من أحسن مناقبه وأجل فضائله وهو استخلافه على المسلمين عمر بن الخطاب ﵁ فمهد به الإسلام وأعز به الدين وذلك أنه لما حضرته الوفاة شاور الصحابة في ذلك فأشاروا به ثم دعا أبو بكر عثمان ابن عفان ﵄ فقال اكتب باسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عاهد عليه أبو بكر بن أبي قحافة في خر عهده بالدنيا خارجاً منها وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها حين يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب إن مستخلف عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت ولا أعلم الغيب (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ثم أمره فختم الكتاب وخرج بها إلى الناس فبايعوا عمر ورضوا به.
стр. 269
ولما أراد أبو بكر أن يقلد عمر الخلافة قال له عمر اعفني يا خليفة رسول الله فإني غني عنها قال بل هي فقيرة إليك قال ليس لي بها حاجة قال هي محتاجة إليك فقلده الخلافة على كره منه ثم أوصاه بما أوصاه.
فلما خرج رفع أبو بكر يديه وقال اللهم إني لم أرد بذلك إلا إصلاحهم وخفت عليهم الفتنة فوليت عليهم خيارهم وقد حضرني من أمرك ما حضرني فاخلفني فيهم عبادك ونواصيهم في يدك وأصلح لهم ولاتهم واجعله من خلفائك الراشدين يتبع هدى نبي الرحمة وأصلح له رعيته.
ثم توفي أبو بكر الصديق ﵁ ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان ليال بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاثة عشر من الهجرة الشريفة وله ثلاث وستون سنة ودفن عند رسول الله ﷺ وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليالي.
وبويع عمر بن الخطاب (رض) بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبو بكر (رض) وهو أول من سمي بأمير المؤمنين وأما نسبه فهو أبو حفص عمر بن الخطاب ابن نفيل بن عبد العز بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رواح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب وفي كعب نسبه مع نسب رسول الله ﷺ القرشي العدوي.
وأول خطبة خطبها قال يا أيها الناس والله ما فيكم أحد أقوى من الضعيف عندي حتى خذ الحق له ولا أضعف عندي من القوي حتى خذ الحق منه.
ثم أول شيء أمر به أن عزل خالد بن الوليد عن الإمرة وولى أبا عبيدة ابن الجراح على الجيش والشام وأرسل بذلك إليهما فإنهما كانا قبل وفاة أبي بكر ﵁ في وقعة اليرموك وفرغا منها وقصدا دمشق.
فلما ورد عليهما كتاب عمر بن الخطاب ﵁ سار أبو عبيدة ونزل دمشق الشام من جهة باب الجابية ونزل خالد بن الوليد من جهة الباب الشرقي
стр. 270
ونزل عمرو بن العاص من جهة باب توما ويزيد بن أبي سفيان من جهة الباب الصغير إلى باب كيسان وحاصروها قريباً من سبعين ليلة وفتح خالد ما يليه بالسيف فخرج أهل دمشق وبذلوا الصلح لأبي عبيدة من الجانب الآخر وفتحوا له الباب فأمنهم ودخل والتقى مع خالد في وسط البلد.
وبعث أبو عبيدة بالفتح إلى عمر ثم بعد دمشق بيسير فتح حمص بعد حصار طويل ثم فتح حماه صلحاً وكذلك المعرة ثم فتح اللاذقية عنوة وفتح جبلة والطرطوس ثم فتح حلب وإنطاكية وفتح بلاداً أخر منها قيساوية وسبسطية ويقال أن قبر يحيى وزكرياء ونابلس ولد ويافا وتلك البلاد جميعاً حتى دخلت سنة خمسة عشر من الهجرة الشريفة.
ثم سار أبو عبيدة بن الجراح ﵁ حتى أتى الأردن فعسكر بها وبعث الرسل إلى أهل إيليا وكتب إليهم بسم الله الرحمن الرحيم من أبي عبيدة ابن الجراح إلى بطارقة أهل إيليا وسكانها سلام على من اتبع الهد وآمن بالله وبالرسول وأما بعد فأنا ندعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فإن شهدتم بذلك حرمت علينا دماؤكم وأموالكم وذراريكم وكنت لنا إخواناً وإن أبيتم فأقروا لنا بأداء الجزية عن يد وأنتم صاغرون وإن أبيتم سرت إليكم يقوم هم أشد حباً للموت منكم لشرب الخمر وأكل لحم الخنزير ثم لا أرجع عنكم إن شاء الله تعالى أبداً حتى اقتل مقاتليكم وأسبي ذراريكم.
وكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ بسم الله الحمن الرحيم لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبي عبيدة بن الجراح سلام عليك فإني أحمد الله تعالى إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذي أهلك المشركين ونصر المسلمين وقد نما ما تولى الله أمرهم وأظهر فلاحهم وأعز دعوتهم فتبارك الله رب العالمين أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله أنا لقينا الروم وهم جموع لم تلق العرب مثلها جموعاً
стр. 271
فأتونا وهم يرون لا غالب لهم من الناس أحد فقاتلوا المسلمين قتالاً شديداً ما قوتل المسلمون مثله في موطن قط ورزق الله المؤمنين النصر وأنزل عليهم الصبر فقتلهم الله تعالى في كل قرية وفي كل شعب وواد وجبل وسهل وغنم الله المسلمين عسكرهم وما كان فيهم من أموالهم ومتاعهم ثم إني تبعتهم بالمسلمين حتى بلغت أقصى بلاد الشام وقد بعثت إلى أهل الشام عمالي وقد بعثت إلى أهل إيليا أدعوهم إلى الإسلام فإن قبلوا وإلا فليؤدوا الجزية إلينا عن يد وهم صاغرون فإن أبوا سرت إليهم حتى أنزل بهم ثم لا ازيلهم حتى يفتح الله تعالى على المسلمين إن شاء الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فكتب إليه عمر بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح سلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد: فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من اهلاك الله المشركون ونصره المؤمنين وما صنع بأوليائه وأهل طاعته والحمد لله على حسن صنيعه إلينا وسيتم الله تعالى ذلك بشكره، ثم اعلموا أنكم لم تظهروا على عدوكم بعدد ولا قوة ولا حول ولكن بعون الله ونصره ومنه وفضله فلله الطول والمنة والفضل العظيم فتبارك الله أحسن الخالقين والحمد لله رب العالمين والسلام عليك.
ثم إن أبا عبيدة انتظر أهل إيليا، فأبوا أن يأتوه وأن يصالحوه. فأقبل سائرا إليهم حتى نزل بهم وحاصرهم حصارا شديدا وضيق عليهم فخرجوا إليه ذات يوم فقاتلوا المسلمين ساعة، ثم إن المسلمين شدوا عليهم من كل جانب ومكان فقاتلوهم ساعة ثم انهزموا فدخلوا حصنهم.
وكان الذي ولي قتالهم يومئذ خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان كل رجل منهما بجانب.
فبلغ ذلك سعيد بن زيد وهو على أهل دمشق فكتب إلى أبي عبيدة ابن الجراح: بسم الله الرحمن، الرحيم إلى أبي عبيدة ابن الجراح من سعيد بن زيد
стр. 272
سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو إليك، أما بعد: فإني لعمري ما كنت لأوثرك وأصحابك بالجهاد على نفسي وعلى ما يدنيني من مرضاة ربي أتاك كتابي هذا فابعث إلى عملك من هو ارغب فيه فليله ما بدا لك فإني قادم إليك وشيكا إن شاء الله تعالى والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فقال أبو عبيدة - حين جاءه الكتاب - ليتركنها خلوفاً ثم دعا يزيد بن أبي سفيان وقال اكفني دمشق فقال له يزيد أكفيكها إن شاء الله تعالى وسار إليها فولاها له.
ولما حصر أبو عبيدة أهل إيليا وأوجب على نفسه إنه غير مقلع ولم يجدوا لهم طاقة بحرية قالوا نصالحك قال وإني قابل منكم قالوا فأرسل إلى خليفتكم فيكون هو الذي يعطينا هذا العهد ويكتب لنا الأمان فقبل أبو عبيدة ذلك وهو أن يكتب.
وكان أبو عبيدة ﵁ قد بعث معاذ بن جبل على الأردن ولم يكن سار فقال معاذ لأبي عبيدة أتكتب لأمير المؤمنين تأمره بالقدوم عليك فلعله يقدم ثم يأتي هؤلاء الصلح فيكون مجيئه فضلا وعناء فلا تكتب حتى يوثقوا إليك واستحلفهم بالإيمان المغلظة والمواثيق المؤكدة إن أنت بعثت إلى أمير المؤمنين فقدم عليهم وأعطاهم أماناً على أنفسهم وأموالهم وكتب عليهم بذلك كتاباً ليقبلن وليؤدن الجزية وليدخلن فيما دخل فيه أهل الشام.
فبعث بذلك إليهم أبو عبيدة فأجابوه إليه.
فلما فعلوا ذلك كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب ﵁ بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله عمر أمير المؤمنين من أبي عبيدة بن الجراح سلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد فأنا أقمنا على أهل إيليا فظنوا إن لهم في مطاولتهم فرجا فلم يزدهم الله بهذا إلا ضيقاً ونقصاً وهزالاً وذلا فلما رأوا ذلك سألوا أن يقدم عليهم أمير المؤمنين فيكون هو الموثوق لهم والكاتب
стр. 273
فخشينا أن يقدم أمير المؤمنين فيغدر القوم ويرجعوا فيكون مسيرك - أصلحك الله - عناء وفضلا فأخذنا عليهم المواثيق المغلظة بإيمانهم ليقبلن وليؤدن الجزية وليدخلن فيما دخل فيه أهل الذمة ففعلوا فإن رأيت أن يقدم فافعل فإن في مسيرك أجراً وصلاحاً آتاك الله رشدك ويسر أمرك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وبعث المسلمون إليه وفداً وبعث الروم وفداً مع المسلمين حتى أتوا المدينة فجعلوا يسألون عن أمير المؤمنين فقال الروم لترجمانهم عمن يسألون فقال عن أمير المؤمنين فاشتد عليهم وقالوا هذا الذي غلب فارس والروم وأخذ كنوز كسرى وقيصر ليس له مكان معروف بهذا غلب الأمم فوجدوه وقد ألقى نفسه حين أصابه الحر نائماً فازدادوا تعجباً.
فلما قدم الكتاب على عمر ﵁ دعا برؤساء المسلمين إليه وقرأ عليهم كتاب أبي عبيدة ﵁ واستشارهم في الذي كتب إليه فقال له عثمان ﵁ إن الله تعالى قد أذلهم وحصرهم وضيق عليهم وهو في كل يوم يزدادون نقصاً وهزالا وضعفاً ورعباً فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم رأوا إنك بأمرهم مستخف ولشأنهم حاقر غير معظم فلا يلبثون إلا قليلاً حتى ينزلوا على الحكم ويعطوا الجزية فقال عمر ما ترون هل عند أحدكم رأي غير هذا؟ فقال علي ابن أبي طالب ﵁ نعم عندي غير هذا الرأي قال ما هو؟ قال إنهم قد سألوا المنزلة التي فيها الذل الصغار وهو على المسلمين فتح ولهم فيه عز وهم يعطونكها الآن في العاجل في عافية ليس بينك وبين ذلك إلا أن تقدم عليهم ولك في القدوم عليهم الأجر في كل ظمأ ومخمصة وفي قطع كل واد وفي كل نفقة حتى تقدم عليهم فإذا قدمت عليهم كان الأمن والعافية والصلاح والفتح ولست آمن إن أيسوا من قبولك الصلح منهم أن يتمسكوا بحصنهم فيأتيهم عدو لنا ويأتيهم منهم مدد فيدخل على المسلمين بلاء ويطول بهم حصار فيصيب المسلمين من الجهد والجوع ما يصيبهم ولعل المسلمين يدنون من حصنهم فيرشقونهم بالنشاب
стр. 274
أو يقذفونهم بالمناجيق فإن أصاب بعض المسلمين تمنيتم إنكم افتديتم قتل رجل من المسلمين بمشرك إلى منقطع التراب وكان المسلم لذلك من إخوانه أهلا.
فقال عمر ﵁ قد أحسن عثمان النظر في مكيدة العدو وأحسن علي بن أبي طالب النظر لأهل الإسلام سيروا على اسم الله فإني سائر.
فخرج فعسكر خارج المدينة ونودي في الناس بالعسكر والمسير فعسكر العباس بن عبد المطلب بأصحاب النبي ﷺ ووجوه قريش والأنصار والعرب ﵃.
حتى إذا تكامل عنده الناس استخلف على المدينة علي بن أبي طالب ﵁ وسار فقل غدا إلا وهو يقبل على المسلمين بوجهه ويقول الحمد الذي أعزنا بالإسلام وأكرمنا بالإيمان ورحمنا بنبيه محمد ﷺ فهدانا به من الضلالة وجمعنا به من بعد الشتات وألف بين قلوبنا ونضرنا به على الأعداء ومكن لنا في البلاد وجعلنا إخواناً متحابين فاحمدوا الله عباد الله على هذه النعمة واسألوه المزيد منها والشكر عليها وتمام ما أصبحتم متقلبين فيه منها فإن الله يزيد المزيدين من الراغبين ويتم نعمته على الشاكرين وكان لا يدع هذا القول في كل غداة في سفره كله.
فلما دنا من الشام عسكر حتى قدم إليه من تخلف من العسكر فما هو إلا أن طلعت الشمس فإذا الرايات والرماح والجنود قد اقبلوا على الخيول يستقبلون عمر بن الخطاب ﵁.
قال الراوي فكان أول مقنب لقينا من الناس سألنا عن المدينة وأخبرناه بصلاح الناس فنادوا هل لكم بأمير المؤمنين من علم؟ فسكنا ومضوا فأقبل مقنب آخر فسلموا ثم سألوا عن أمير المؤمنين هل لنا به علم فقال لنا ألا تخبرون القوم عن صاحبكم؟ فقلنا هذا أمير المؤمنين فذهبوا يرجعون ويقتحمون
стр. 275
عن خيولهم فناداهم عمر ﵁ لا تفعلوا ورجع الآخرون الذين مضوا فساروا معنا.
وأقبل المسلمون يصفون الخيل ويشرعون الرماح في طريق عمر حتى طلع أبو عبيد في عظيم الناس فإذا هو على قلوص أكفها بعباءة خطامها من شعر لابس سلاحه متنكب قوسه فلما نظر إلى أمير المؤمنين أناخ قوصه وأناخ أمير المؤمنين بعيره فنزل أبو عبيد وأقبل إلى عمر واقبل إلى أبي عبيدة.
فلما دنا عمر من أبي عبيد مد أبو عبيد يده إلى عمر ليصافحه فمد عمر يده فأخذها أبو عبيد وأهو ليقبلها يريد أن يعظمه في العام فأهو عمر إلى رجل أبي عبيدة ليقبلها فقال أبو عبيدة مه يا أمير المؤمنين تنحى فقال عمر مه يا أبا عبيدة فتعانق الشيخان ثم ركبا يتسامران وسارا وسار الناس أمامهما.
وحكي إنهم تلقوا عمر بيرذون وثياب بيض وكلموه أن يركب البرذون ليراه العدو فهو أهيب له عندهم وأن يلبس الثياب البيض ويطرح الفروة عنه فأبى ثم لجوا عليه فركب البرذون بفروته وثيابه فهملج به البرذون وخطام ناقته بيده بعد فنزل وركب راحلته وقال لقد غيرني هذا حتى خفت أن أتكبر وأنكر نفسي فعليكم يا معشر المسلمين فالقصد وإنما أعزكم الله به.
وروي عن طارق بن شهاب قال لما قدم عمر الشام عرضت له مخاض فنزل عن بعيره ونزع جرموقيه فأمسكها بيده وخاض الماء ومعه بعيره فقال أبو عبيدة لقد صنعت اليوم صنعاً عظيماً عند أهل الأرض فصكه عمر في صدره وقال له لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة أنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم الله بالإسلام ومهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله تعالى.
وروي إنه لما قدم عمر من المدين ناهضوهم القتال بعد قدومه فظهر المسلمون على أماكن لم يكونوا ظهوراً عليها قبل ذلك وظهروا يومئذ على كرم كان
стр. 276
في أيديهم لرجل من النصارى له ذمة مع المسلمين في كرمه عنب فجعلوا يأكلونه فأت الذمي عمر بن الخطاب ﵁ فقال له يا أمير المؤمنين كرمي كان في أيديهم فلم يستبيحوه ولم يتعرضوا لي وأنا رجل ذمة مع المسلمين فلما ظهر عليه المسلمون وقعوا فيه.
فدعا عمر ﵁ ببرذون له فركبه عرياناً من العجلة ثم خرج يركض في أعراض المسلمين فكان أول من لقيه أبو هريرة يحمل فوق رأسه عنباً فقال له أنت أيضاً يا أبا هريرة فقال يا أمير المؤمنين أصابتنا مخمصة شديدة فكان أحق من أكلنا من ماله من قاتلنا فتركه عمر ثم أتى الكرم فنظره فإذا هو قد أسرعت الناس فيه فدعا عمر ﵁ الذمي فقال له كم كنت ترجو من غلة كرمك هذا؟ فقال له شيئاً قال فخل سبيله ثم أخرج عمر ﵁ ثمنه الذي قال له فأعطاه إياه ثم أباحه للمسلمين.
وعن سيف عن أبي حازم وأبي عثمان عن خالد وعبادة قالا صالح عمر بن الخطاب ﵁ أهل إيليا بالجابية وكتب لهم فيها الصلح لكل كورة كتاباً واحداً ما خلا أهل إيليا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعط عبد الله أمير المؤمنين عمر أهل إيليا من الأمان أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم ولصلبانهم ومقيمها وبريها وسائر ملتها إنها لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حدها ولا من صليبهم ولا شئ من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود وعل أهل إيليا أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن وعلى أن يخرجوا منها الروم واللصوص فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم ومن أقام منهم آمن وعليه مثل ما على أهل إيليا من الجزية ومن أحب من أهل إيليا أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعتهم وصليبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعتهم وصليبهم حتى يبلغوا مأمنهم ومن كان فيها من أهل الأرض فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيليا من
стр. 277
الجزية ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع إلى أرضه فإنه لا يؤخذ منه شئ حتى يحصد حصادهم وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمته وذمة رسول الله ﷺ وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية شهد على ذلك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان.
وعن عبد الرحمن بن غنم قال كتب لعمر بن الخطاب ﵁ حين صالح نصار أهل الشام بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من نصار مدينة كذا كذا إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا نحيي منها ما كان في خطط المسلمين ولا نمنع كنائسها أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال نطعمهم ولا نواري في كنائسنا ولا في منازلنا جاسوساً ولا نكتم غشاً للمسلمين ولا نعلم أولادنا القران ولا نظهر شركاً ولا ندعو إليه أحداً ولا نمنع أحدا من ذوي قرابتنا الدخول في الإسلام أن أراده وأن نوقر المسلمين ونقوم لهم من مجالسنا إذا أرادوا الجلوس ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا نتكلم بكلامهم ولا نتكي بكناهم ولا نركب السروج ولا نتقلد السيوف ولا نتخذ شيئاً من السلاح ولا نحمله معنا ولا ننقش على خواتمنا بالعربية ولا نبيع الخمور وأن نجز مقادم رؤسا وأن نلزم زينا حيثما ما كنا وأن نشد زنانير على أوساطنا ولا نظهر الصليب على كنائسنا ولا نظهر صلباننا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا في أسواقهم ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضرباً خفيفاً ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نتخذ من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين ولا نطلع عليهم في منازلهم.
стр. 278
قال فلما أتيت عمر بن الخطاب ﵁ بالكتاب زاد فيه ولا نضر بأحد من المسلمين شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا وقبلنا عليه الأمان فإن نحن خالفنا شيئاً مما شرطناه لكم وضمناه لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما حل من أهل المعاندة والشقاق.
رواه الإمام البيهقي وغيره وقد اعتمد أئمة الإسلام هذه الشروط وعمل بها الخلفاء الراشدون.
وروي أن عمر ﵁ أمر في أهل الذمة أن تجز نواصيهم وأن يركبوا على الأكف عرضاً ولا يركبوا كما يركب المسلمون وأن يوثقوا المناطق أي الزنانير.
ولما قدم عمر بن الخطاب ﵁ ببيت المقدس نزل على الجبل الشرقي وهو طور زيتا وأتى رسول - بطريقها إليه - بالترحيب وقال أنا سنعطي بحضورك ما لم نكن نعطيه لا حد دونك وسأله أن يقبل منه الصلح والجزية وأن يعطيه الأمان على دمائهم وأموالهم وكنائسهم فأنعم له عمر بذلك فسأله الرسول الأمان لصاحبه ليتول مصالحته ومكاتبته فأنعم وخرج إليه بطريقها في جماعة فصالحهم وأشهد على ذلك.
والبطريق هو الأمير وأما البطرك فهو الكاهن وكان اسم البطرك يوم ذلك صقريوس وكان قد أخبر النصارى أن الله يفتح باب المقدس على يد عمر من غير قتال.
فلما فرغ عمر من كتاب الصلح بينه وبين أهل بيت المقدس قال لبطريقها دلني على مسجد داود قال نعم وخرج عمر مقلداً بسيفه في أربعة آلاف من الصحابة الذين قدموا معه متقلدين بسيوفهم وطائفة ممن كان عليها ليس عليهم من السلاح إلا السيوف والبطريق بين يدي عمر في أصحابه حتى دخلوا بيت المقدس فأدخلهم الكنيسة التي يقال لها القيامة وقال هذا مسجد داود فنظر عمر وتأمل وقال له كذبت ولقد وصف رسول الله ﷺ مسجد داود بصفة
стр. 279
ما هي هذه فمضى به إلى كنيسة يقال لها صهيون وقال له هذا مسجد داود فقال له كذبت فمضى به إلى مسجد بيت المقدس حتى انته به غل الباب الذي يقال له باب محمد ﷺ وقد انحدر ما في المسجد من الزبالة على درج الباب حتى خرج إلى الزقاق الذي فيه الباب وكثر على الدرج حتى كاد أن يلصق بسقف الرواق فقال له لا نقدر أن ندخل إلا حبوا فقال عمر ولو حبواً فحبا بين يدي عمر وحبا عمر ومن معه خلفه حتى ظهروا إلى صحنه واستووا فيه قياماً فنظر عمر وتأمل ملياً ونظر يميناً وشمالاً ثم قال الله أكبر هذا والذي نفسي بيده مسجد داود ﵇ الذي أخبرنا رسول الله ﷺ إنه أسري به إليه ووجد على الصخرة زبلا كثيراً مما طرحته الروم غيظاً لبني إسرائيل فبسط عمر رداءه وجعل يكنس ذلك الزبل وجعل المسلمون يكنسون معه الزبل ومضى نحو محراب داود وهو الذي على باب البلد في القلعة فصلى فيه ثم قرأ سورة ص ومسجد.
وروي إنه لما جلا المزبلة عن الصخرة قال لا تصلوا فيها حتى يصيبها ثلاث مطرات.
وروي إنه لما فتح عمر ﵁ بيت المقدس قال لكعب يا أبا إسحاق أتعرف موضع الصخرة؟ فقال أذرع من الحائط الذي يلي وادي جهنم كذا وكذا ذراعاً ثم احفر فإنك تجدها وكانت يومئذ مزبلة فحفروا فظهرت لهم فقال عمر لكعب أين تر أن نجعل المسجد - أو قال القبلة -؟ فقال اجعله خلف الصخرة فتجمع القبلتان قبلة موسى وقبلة محمد ﷺ فقال له ضاهيت اليهودية يا أبا إسحاق خير الساجد مقدمها فبناها في مقدم المسجد.
وروي أن عمر قال لكعب أين تر نجعل المصلى؟ قال إلى الصخرة فقال ضاهيت والله يا كعب اليهودية بل نجعل قبلته صدره كما جعل رسول الله ﷺ قبلة مساجدنا صدورها اذهب إليك فأنا لم نؤمر بالصخرة ولكن أمرنا بالكعبة.
стр. 280
ولما فرغ عمر من فتح إيليا وعزل الصخرة من القمامة وأبق النصارى على حالهم بأداء الجزية فسمى المسلمون كنيسة النصارى العظم عندهم قمامة تشبيهاً بالمزابل وتعظيماً للصخرة الشريفة ثم ارتحل من القدس إلى الأرض فلسطين.
وكان هذا الفتح في سنة خمسة عشر من الهجرة الشريف قاله ابن الجوزي وغيره من المؤرخين وقيل كان في سنة ستة عشر في ربيع الأول وقيل لخمس خلون من ذي القعدة والله أعلم.
ووجد على رأس بعض التصاوير التي كانت في المسجد الأقصى عقب ما استنقذه المسلمون منهم هذه الأبيات - ويقال إنها لابن ضامر الضبعي بعكا -:
أدمى الكنائس أن تكن عبث بكم … أيدي الحوادث أو تغير حال
فلطالما سجدت لكن شماس … شم الأنوف ضراغم أبطال
بعداً على هذا المصاب لأنه … يوم بيوم والحروب سجال
وروي أن أمير المؤمنين عمر لما فتح بيت المقدس وكتب كتاب الأمان والصلح وقبضوا كتابهم وأمنوا دخل الناس بعضهم في بعض وأقام عمر أياماً ثم قال لأبي عبيدة لم يبق أمير من الأمراء الأجناد غيرك إلا استزارني فقال أبو عبيدة يا أمير المؤمنين إني أخاف أن استزيرك فتعصب عينيك في بيتي قال فزرني.
فلما أتاه عمر في بيته فإذا ليس فيه شيء إلا لبد فرسه وإذا هو فراشه وسرجه وإذا هو وسادته وإذا كسر يابسة في كوة بيته فجاء بها فوضعها على الأرض بين يديه وأتاه بملح جريش وكوز خزف فيه ماء فلما نظر عمر إلى ذلك بكى ثم التزمه وقال أنت أخي وما من أحد من صحابي إلا وقد نال من الدنيا ونالت منه غيرك فقال له أبو عبيدة ألم أخبرك إنك ستعصب عينيك.
ثم إن عمر قام في الناس فحمد الله واثن عليه بما هو أهله وصلى على النبي ﷺ ثم قال يا أهل الإسلام إن الله تعالى قد صدقكم الوعد
стр. 281
ونصركم على الأعداء وأورثكم البلاد ومكن لكم في الأرض فلا يكون جزاؤه منكم إلا الشكر وإياكم والعمل بالمعاصي فإن العمل بالمعاصي كفر للنعم وقلما كفر قوم بما أنعم الله عليهم ثم لم يفزعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم وسلط عليهم عدوهم ثم نزل وحضرت الصلاة فقال يا بلال ألا تؤذن لنا رحمك الله قال بلال يا أمير المؤمنين والله ما أردت أن أؤذن لأحد بعد رسول الله ﷺ ولكن سأطيعك إذا أمرتني في هذه الصلاة وحدها.
فلما أذن بلال وسمعت الصحابة صوته ذكروا نبيهم ﷺ فبكوا بكاء شديداً ولم يكن من المسلمين يومئذ أطول بكاء من أبي عبيدة ومعاذ ابن جبل حتى قال لهما عمر حسبكما رحمكما الله فلما قضى صلاته انصرف أمير المؤمنين راجعاً إلى المدينة واجتهد فيما هو بصدده من إقامة شعائر الإسلام والنظر في مصالح المسلمين والجهاد في سبيل الله ولم يزل كذلك حتى توفي ﵁ ونفعنا به وجمع بيننا وبينه في دار كرامته إنه ولي الحسنات وغافر السيئات عنه وكرمه.
وقد حكى المصنفون لفضائل بيت المقدس قصة الفتح من طرق كثيرة بروايات وألفاظ مختلفة فأحسن ما رأيته منها ما نقتله هنا والله الموفق.
(ذكر وفاة عمر ﵁
روي أنه خرج لصلاة الصبح في جماعه فضر به أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لما وقف يصلي بخنجر برأسين وطعنه ثلاث طعنات إحداهما تحت سرته وهي التي قتلته وطعن اثن عشر رجلاً من أهل المسجد فمات منهم ستة ثم نحر نفسه بخنجره فمات لعنة الله.
ولما طعنه أبو لؤلؤة وقع على الأرض ثم قال أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا نعم قال مروه يصل بالناسي وقال لولده عبد الله انظر من الذي
стр. 282
قتلني فقال يا أمير المؤمنين ذلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة فقال الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يد رجل سجد الله سجدة واحدة.
ثم بعث ابنه عبد الله عائشة ﵂ فقال قل لها يقرأ عليك عمر السلام - ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم أمير المؤمنين - ويقول لك إنه لاحق بربه أفتأذنين له أن يدفن مع صاحبيه فجاء عبد الله إلى عائشة فأستأذن عليها فأذنت له فبلغها رسالة أمير المؤمنين عمر ﵁ فتأوهت وبكت وقالت لقد كنت أشم رائحة رسول الله ﷺ في أبي بكر فلما مات أبو بكر كنت أشم رائحته في أمير المؤمنين عمر ما لي والدنيا أفقد فيها الأحباب واحداً بعد واحد ثم قالت له بلغ أمير المؤمنين مني السلام وقل له ألا إنها كانت قد أدخرت ذلك لنفسها ولكنها آثرتك اليوم على نفسها.
فلما رجع عبد الله قال له عمر ما وراءك يا عبد الله؟ قال الذي تحب قد أذنت لك عائشة قال الحمد لله ما كان شيء أهم إلي من ذلك فإذا أنا قبضت فارجع إلي عائشة فاستأذنها ثانياً فربما تكون استحيت مني وأنا حي فلا تستحي مني وأنا ميت وأوصاهم أن يقتصروا في كنفه ولا يتغالوا.
وتوفي يوم السبت سلخ ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة الشريفة ودفن يوم الأحد هلال المحرم سنة أربع وعشرين وغسله ابنه عبد الله وحمل على سرير رسول الله ﷺ وصلي عليه في مسجده وصلي بهم عليه صهيب وكبر عليه أربعاً ونزله في قبره ابنه عبد الله وعثمان بن عفان وسعيد ابن زيد وعبد الرحمن بن عوف.
وكانت خلافته ﵁ عشر سنين وستة أشهر وثمانية أيام وتوفي وهو ابن ثلاث وستين على الصحيح المشهور.
والصحيح أن رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب ﵁ وعمر وعلي وعائشة ثلاث وستون سنة.
стр. 283
وكان عمر ﵁ طويلاً أصلع أبيض تعلوه حمرة وقيل كان دم شديد الآدمة كث اللحية وعليه أكثر أهل العلم وفضائله أشهر من أن تذكر وأكثر من أن تحصر جاهد في الله حق جهاده فجيش الجيوش وفتح البلاد ومصر الأمصار وأعز الإسلام وأذل الكفر وأجل اليهود والنصارى من بلاد الحجاز وفي أيامه فتح العراق والموصل ومصر والإسكندرية وغيرها وهو الذي اختط الكوفة ووسع في المسجد الحرام وعمر مسجد رسول الله ﷺ والمسجد الأقصى وهو أول من جمع الناس لصلاة التراويح وأول من كتب التاريخ وأرخ من السنة التي هاجر فيها رسول الله ﷺ وأول من عس بالليل وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد وأول من جمع الناس في صلاة الجنازة على أربع تكبيرات وكانوا يكبرون أربعاً وخمساً وستاً وأول من حمل الدرة وضرب بها ودون الدواوين ولو لم يكن من فضائله إلا فتح هذا البيت المقدس وتطهيره من الشرك لكفاه ﵁ ونفعنا ببركته وبركات علومه في الدنيا والآخرة.
وأما من دخل بيت المقدس من الصحابة ﵃ فهم خلق كثير لا يحصيهم إلا الله سبحانه وتعال ولنذكر جماعة من أعيانهم تبركاً بذكرهم ونجعل ترتيب أسمائهم على الوفيات من غير استقصاء في ذكر تراجمهم فأقول - وبالله التوفيق -:
أبو عبيدة بن الجراح واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح توفي في طاعون عمواس سنة ثمانية عشر من الهجرة الشريفة وقبره في قرية يقال لها عثمان تحت جبل عجلون بين فقارس والعادلية بزاوية دير علا من الغور الغربي ووفاته في خلافة عمر وله ثمان وخمسون سنة.
معاذ بن جبل الأنصاري ﵁ استخلفه أبو عبيدة على الناس عند موته فمات أيضاً بالطاعون بناحية الأردن في سنة ثمان عشرة وله ثمان وثلاثون
стр. 284
سنة وقيل ثلاثون وثلاثون سنة وقبره بالقصر الذي من الغور.
ومات من العسكر في هذا الطاعون خمسة وعشرون ألف نفس وطال مكثه شهراً وطمع العدو في المسلمين.
بلال بن رباح مول أبي بكر الصديق وهو مؤذن رسول الله ﷺ شهد فتح بيت المقدس مع عمر بن الخطاب ﵁ ولم يؤذن بعد رسول الله ﷺ سوى مرة واحدة لما أمر عمر بالأذان بعد الفتح - كما تقدم - توفي بدمشق في سنة تسعة عشر من الهجرة ودفن عند الباب الصغير وهو ابن بضع وستين سنة وقيل مات بحلب سنة عشرين وقيل ثمانية عشر والله أعلم.
عياض بن غنم ﵁ ابن عم أبي عبيدة دخل بيت المقدس وبن فيها حماماً وله رواية عن النبي ﷺ وتوفي في سنة عشرين مكن الهجرة.
خالد بن الوليد ﵁ سيف الله المسلول توفي سنة إحدى وعشرين من الهجرة الشريفة واختلف في موضع قبره فقيل بحمص وقيل بالمدينة.
أبو ذو الغفاري واسمه جندب بن جنادة دخل بيت المقدس وكانت وفاته بالربذة في سنة اثنتين وثلاثين والله أعلم.
أبو الدرداء عويمر ﵁ توفي بدمشق في سنة اثنتين وثلاثين وقيل إحدى وثلاثين في خلافة عثمان ﵁.
عبادة بن الصامت الأنصاري ﵁ وجهه عمر إلى الشام قاضياً ومعلماً وأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين وهو أول ولي قضاها سكن بيت المقدس ومات بفلسطين ودفن ببيت المقدس وقيل بالرملة والأول أشهر وكانت وفاته في سنة أربع وثلاثين للهجرة والآن قبره لا يعرف ببيت المقدس ولا بالرملة واندرس لاستيلاء الإفرنج على تلك الناحية.
سليمان الفارسي توفي سنة ست وثلاثين من الهجرة ودفن بالمدائن عن مائتين وخمسين سنة ويقال أكثر ذكره النووي في التهذيب والكرماني
стр. 285
وابن الجوزي في صفوة الصفوة قال أهل العلم بالسير كان سليمان من المعمرين أدرك وصي عيسى بن مريم ورد بعض العلماء هذا القول وقال إنه لم يبلغ المائة والله أعلم.
أبو مسعود الأنصاري عقبة بن عمرو البدري سكن بدراً ولم يشهدها على الراجح وتوفي في سنة تسع وثلاثين من الهجرة وقيل سنة أربعين.
تميم الداري بن أوس ﵁ وفدهو وأخوه نعيم على رسول الله ﷺ سنة تسع وأسلما صحب تميم رسول الله ﷺ وغزا معه ورو عنه ولم يزل بالمدينة حتى تحول إلى الشام بعد قتل عثمان وكان أميراً على بيت المقدس وهو الذي اقطعه النبي ﷺ أرض حبرون وسنذكر نسخة الإقطاع فيما بعد عند ذكر بلد سيدنا الخليل ﵊ إن شاء الله تعالى وتوفي سنة أربعين من الهجرة الشريفة.
عمرو بن العاص السهمي توفي سنة ثلاث وأربعين من الهجرة في خلافة معاوية.
عبد الله بن سلام أبو الحارث الإمام الحبر الإسرائيلي المشهود له بالجنة قدم بيت المقدس من خواص الصحابة كان اسمه الحصين فغيره النبي ﷺ بعبد الله شهد فتح بيت المقدس توفي سنة ثلاث وأربعين من الهجرة.
سعيد بن زيد أحد العشرة المشهود لهم بالجنة قدم بيت المقدس زمن الفتح توفي سنة إحدى وخمسين من الهجرة بالعقيق وقيل بالكوفة وله بضع وسبعون سنة.
أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص اسمه مالك بن وهب ﵁ قدم بيت المقدس وأحرم منه بعمرة إحدى العشرة المشهود لهم بالجنة مات في قصره بالعقيق على أميال من المدينة فحمل إلى المدينة وصلت عليه أزواج النبي ﷺ في حجرهن ودفن بالبقيع في سنة خمس - وقيل ست - وخمسين من الهجرة وهو ابن بضع وسبعين سنة.
следующие страницы →