Полный текст (810 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
قال ابن عباس ﵄ كان إبراهيم أول من لبس السراويل وذلك كان ﵇ كثير الحياء وكان من حيائه يستحي أن ترى الأرض مذاكيره فاشتكى إلى الله فأوحى الله إلى جبريل ﵇ فهبط عليه بخرقة من الحنة ففصلها جبريل ﵇ سراويل وقال له ادفعها إلى سارة - وكان اسمها سارة - وأمرها أن تخيطه فلما خاطته ولبسه إبراهيم قال ما أحسن هذا وما أستره يا جبريل؟ فإنه نعم الستر للمؤمن فكان إبراهيم ﵇ أول من لبس السراويل وأول من فصل جبريل وأول من خالطه سارة بعد إدريس ﵇.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال كان الرجل يبلغ الهرم ولم يشب وكان الرجل يأتي القوم وفيهم الوالد والولد فيقول أيكم الأب ومن الأبن؟ فقال إبراهيم رب اجعل لي شيئاً أعرف به فلا صبح رأسه ولحيته أبيضين وروى عن ابن عباس ﵄ إنه قال أول من سمانا المسلمين إبراهيم ﵇ وهو أول من ضرب بالسيف من الأنبياء وكسر الأصنام واختتن ولبس السراويل والنعلين ورفع يديه في الصلاة فيك كل خفض ورفع وصلى أول النهار أربع ركعات جعلهن على نفسه فسماه الله وفياً فقال تعالى (وإبراهيم الذي أوف) قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هي الأربع في أول النهار وهو أول من أضاف الضيف وثرد الثريد وفرق الشعر واستنجى بالماء وقلم الظفر وقص الشارب ونتف الإبط وهو أول من استاك وتمضض واستنشق بالماء وحلق العانة وأول من صافح وعانق وقبل بين العينين موضع السجود وأول من شاب فقال ما هذا؟ فقال الله تعالى هذا وقار فقال إبراهيم يا رب زدني وقاراً فما برح حتى ابيضت جميع لحيته.
وأول من جر الذيل هاجر امرأته فصارت سنة في النساء فغارت منها سارة وحلفت إنها تملأ يدها من دمها فقال إبراهيم ﵇ خذيها واختنيها كي تكون ذلك سنة بعد كما وتخلصي من يمينك ففعلت فكانت هاجر أول من اختتن
стр. 72
من النساء وإبراهيم أول من اختتن من الرجال.
(ذكر رأفته بهذه الأمة ﷺ
روي عن النبي ﷺ إنه قال لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال لي يا محمد أقرى أمتك مني السلام وقل لهم إن الجنة طيبة التربة عذب الماء وإنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر وفي رواية فرأيت إبراهيم الخليل فرحب بي سهل ثم قال لي مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسع فقال وما غراس الجنة؟ فقال لا حول ولا قوة إلا بالله وفي رواية فقال أبي إبراهيم مرحباً بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لامته يا نبي إنك لاق ربك الليلة وأن أمتك هي آخر الأمم وأضعفها فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل.
(ذكر ضيافة وإكرامه للضيف وأخلاقه الكريمة)
ورو أن إبراهيم ﵇ كان إذا أراد أن يأكل خرج ميلا أو ميلين يلتمس من يأكل معه وكان يكنى بأبي الضيفان ولصدق نيته في الضيافة دامت ضيافته في مشهده إلى يومنا هذا فلا ينقصني يوم ولا ليلة إلا ويأكل عنده جماعة.
وحكي إن رجلاً شريف القدر من أهل دمشق ذا وجاهة كان يزور الخليل ﵇ في كل حين وكان يؤتى بالضيافة التي جرت العادة بها لزواره فيردها ولا يأكل منها شيئاً فجاء مرة وهو ملهوف وجعل يطلبها ويجد في طلبها حتى قيل إنه كان يتتبع ما بقي في القصع ويلتقط ما يجد من لباب الخبز وفتاته فيأكله فقيل له في ذلك فقال رأيت الخليل ﷺ فقال لي: ما أكلت ضيافتنا فنحن ما قبلنا منك زيارتك.
روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال إن الله تعالى وسع على إبراهيم
стр. 73
الخليل ﵇ في المال والخدم فاتخذ بيتاً لضيافته وجعل له بابين يدخل الغريب أن أحدهما ويخرج من الآخر ووضع فيذلك البيت كسوة للشتاء وكسوة للصيف مائدة منصوبة عليها طعام فيأكل الضيف ويلبس أن كان عرياناً وإبراهيم يجدد كل حين مثل ذلك.
وروي إن إبراهيم الخليل ﵇ لما قرب العجل إلى الضيوف ورأى أيديهم لا تصل إليه قال لم لا تأكلون؟ قالوا لا نأكل طعاماً إلا بثمنه قال ليسمعكم ثمنه؟ قالوا وأني لنا ثمنه؟ قال تسمون الله تبارك وتعال إذا أكلتم تحمدونه وإذا فرغتم قالوا سبحان الله لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً من خلقه لاتخذك يا أبا إبراهيم خليلاً فاتخذ الله تعالى إبراهيم خليلاً.
وقيل إن الملائكة لما رأت ازدياد إبراهيم في الخير وإقبال الدنيا عليه ولم يشغله له عن الله طرفه عين تعجبت من ذلك وقالت إن ظاهره حسن وإنه لا يؤثر على ربه شيئاً فهل هو في قلبه هكذا؟ فعلم الله ذلك منهم قبل تكلموا به فأمر الله ملكين من إجلاء الملائكة - وقيل إنهما جبريل وميكائل ﵉ إن ينزلا عليه ويستضيفاه ويذكراه بربه ويرفعا صوتهما عنده بالتسبيح لتقديس الله تعالى فنزلا على صورة بني آدم فسألاه الأذن لهما في المبيت عنده إذن لهما وأكرم نزلهما ورفع محلهما.
فلما كان في بعض الليل - وهو يسامرهما في الكلام - إذ رفع أحدهما صوته قال سبحان ذي الملك والملكوت ثم رفع الآخر صوته وقال سبحان الملك القدوس - بصوت لم يسمع مثله - قال فأغمي على إبراهيم ﵇ ولم يملك نفسه من الوجد والطرب ثم أفاق بعد ساعة وقال لهما أعيدا على ذكركما فقالا أنا لم نفعل حتى تجعل لنا شيئاً معلوماً فقال لهما خذا ما تختارا من مالي إلا له أعطنا ما شئت فقال لكما جميع مالي من الغنم - وكامن شيئاً كثيراً - ورضيا بذلك ثم رفعا صوتهما وقالا كالأولى فأغمي عليه فلما أفاق وعلم إنهما
стр. 74
لا يقولان شيئاً إلا بمعلوم قال لكما جميع مالي من البقر فرضينا أعادا ولم يزالا يكرران عليه الذكر ويتحلى به وهو يستغرق في لذاته حتى أعطاهما جميع مجوداته من ماله وأهله ولم يبق إلا نفسه فباعها لهما ورضي أن يكون في رقهما وجعل في عنقه شداداً وسلمهما نفسه وقال لهما لعلكما أن تجودا علي بالذكر مرة أخرى.
فلما رأيا منه ذلك قالا له بحق لك أن يتخذك الله خليلا ثم حكيا له ما كان من الملائكة فتبسم وقال حسبي الله ونعم الوكيل ثم قالا له أمسك عليك مالك بارك الله لك وعليك وعلى ذريتك.
فمن الله عليه سبحانه بإبقاء ذريته وسماطه وزاده بركة وخيراً سماطه ممدوداً من يومه إلى يومنا هذا جعله الله دائماً إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى.
وأما أخلاقه الكريمة فقد سماه الله تعالى حليماً أواهاً منيباً والحليم الرشيد الذي يملك نفسه عند الغضب والأواه الذي يكثر التأوه من الذنوب والمنيب المقبل على ربه في شأنه كله.
روى الثعلبي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذري الغفاري ﵁ قال قلت لرسول الله ﷺ يا رسول الله كم منة كتاب انزل الله ؟ قال رسول الله انزل الله تعالى مائة كتاب وأربعة كتب انزل تعالى على دم ﵇ عشر صحائف وعلى إبراهيم الخليل عشر صحائف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى إدريس ثلاثين صحيفة وأنزل الله تعالى التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.
قال قلت يا رسول الله ما كانت صحف إبراهيم؟ قال كانت أمثالاً «أيها الملك المغرور المبتلي إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض ولكن بعثتك لتنصر دعوة المظلوم فإني لا أردها وأن كانت من كافر» وكان فيها أمثال كثير (منها) وعل العاقل ما لم يكن مغلوباً على عقله أن يكون له ساعات ساعة يناجي فيها ربه ويتفكر في صنع الله وساعة يحاسب نفسه فيما قدم وأخر
стр. 75
وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال لا من الحرام في المطعوم والمشروب وغيرهما على العاقل أن يكون بصيراً بزمانه على شأنه حافظاً للسانه ومن علم أن علامة من عمله قل كلامه إلا فيما يعينه والله أعلم.
(معنى الخلة)
أصل الخلة الاستصفاء وسمي إبراهيم خليل الله لأنه يوالي في الله ويعادي الله وخلة الله له نصره وجعله إماماً لمن بعده والخليل أصله الفقير المحتاج ينقطع مأخوذ من الخلة وهي الحاجة سمي بها لأنه قصر حاجته على ربه وانقطع به بهمته ولم يجعل له ولياً غيره حيث قال له جبريل ﵇ وهو في المنجنيق ورمى به في النار - ألك حاجة؟ فقال أما إليك فلا.
روى عن النبي ﷺ إنه قال لجبريل يا جبريل لم أتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال لا طعامه الطعام.
وفي الصحيحين إنه ﷺ قال أيها الناس إن الله تعالى قد اتخذني ليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً واختلف في تفسير الخلة واشتقاقها فقيل الخليل ينقطعه إلى الله تعالى الذي ليس له في انقطاعه إليه ومحبته له اختلال واختلف أيضاً من الخلة والمحبة بمعنى واحد؟ أو أحدهما أرفع من الأخرى؟ فقيل هما بمعنى أحد والحبيب خليل وعكسه ولكن خص إبراهيم بالخلة ومحمد بالمحبة وقيل الخلة أرفع للحديث الوارد عنه ﷺ فلم يتخذ أبا بكر خليلاً وأطلق على نفسه شريفة المحبة له ولعائشة ولفاطمة وابنيها وأسامة وغيرهم.
والأكثر على المحبة أرفع لأن درجة نبينا الحبيب ﷺ أرفع من درجة إبراهيم الخليل ﷺ وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق محبوب وهذا فيمن يتأتى منه الميل وهي درجة المخلوقين وأما الخالق ﷻ فمنزه
стр. 76
عن ذلك فمحبته لعبده تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه لطاعته وأفاضة رحمته عليه .
(ذكر وفاته ﵇
قد تقدم إن بين الهجرة الشريفة النبوية المحمدية ومولده ﵇ ألفين وثمانمائة سنة وثلاثاً وتسعين سنة على اختيار المؤرخين واختلف فيعمره فقيل إن إبراهيم الخليل عاش مائة وخمساً وسبعين سنة وهو الذي ذكره الملك المؤيد صاحب حماه في تاريخه وقيل مائة وخمساً وتسعين وقيل مائتي سنة ونزل عليه جبريل ﵇ اثنتين وأربعين مرة.
قال أهل السير لما أراد الله قبض روح خليله إبراهيم ﵇ أرسل إليه ملك الموت في صورة رجل شيخ هرم قال الثعلبي قال السدي بإسناده قال كان إبراهيم كثير الإطعام يطعم الناس ويضيفهم فبينما هو يطعم الناس إذا هو بشيخ كبير يمشي في الحرة فبعث إليه رجلاً بحماره وأركبه حتى أتاه وأطعمه فجعل الشيخ يأخذ اللقمة ليدخلها فاه فيدخلها في عينه وتارة في أذنه ثم يدخلها فاه فإذا حصلت في جوفه خرجت من دبره - وكان إبراهيم قد سأل ربه إن لا يقبض روحه حتى يكون هو الذي يسأله الموت - فلما رأى حال الشيخ قال له يا شيخ مالك تصنع هكذا؟ قال يا إبراهيم من الكبر فقال ابن كم أنت يا شيخ؟ قال فزاد على عمر إبراهيم سنتين فقال إبراهيم أنا بيني وبينك سنتان فإذا بلغت ذلك سرت مثلك قال نعم فقال إبراهيم اللهم أقبضي إليك قبل ذلك فقام الشيخ وقبض روح إبراهيم وكان ملك الموت صلوات الله وسلامه عليهما وحكي غير ذلك.
فيكون بين وفاة الخليل ﵇ والهجرة النبوية على القول الأول فيعمره الذي ذكره صاحب حماه ألفان وسبعمائة وثمانية عشر سنة ومض من الهجرة الشريفة
стр. 77
النبوية إلى عصرنا هذا تسعمائة سنة فيكون الماضي من وفاة إبراهيم إلى سنة مائة من الهجرة الشريفة ثلاثة آلاف سنة وستمائة وثمان عشرة سنة وقيل ذلك.
وروي عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله صلى الله عليه أول من يكسي يوم القيامة إبراهيم الخليل ﵇ بخلته ثم أنا بصفوتي بن أبي طالب يزف بيني وبين إبراهيم الخليل زفاً إلى الجنة.
وفي الصحيحين عن أبن عباس ﵄ أنه قال قال رسول الله ﷺ إن يكسي من الخلائق يوم القيامة إبراهيم الخليل ﵇.
وروى يإنه قال يحشر يوم القيامة حفاة عراة عزلا فيقول الله تعالى يرى خليلي عرياناً فيكسي ثوباً أبيض فهو أول من يكسي يوم القيامة ﷺ .
(ذكر قصة الإسكندر)
(وكان في زمن إبراهيم الخليل ﵇
الإسكندر المشهور بذي القرنين الذي ذكره الله في القرآن هو من ذرية ﵇ ومما ورد في أمره إنه إنما سمي بذي القرنين لأنه كان عبداً بعثه الله إلى قومه ولم يكن نبياً فضربوه على قرنه فمات فأحياه على ثم بعثه مرة أخرى إليهم فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله فسمي قرنين وقيل غير ذلك.
وتوفي الإسكندر بناحية السواد في موضع يقال له شهر روز بعد أن عند حتى انتهى إلى البحر المحيط فهال ذلك ملوك الغرب فوفدت عليه رسلهم والطاعة ودخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي في بحر الشمس في أربعمائة من أصحابه يطلب عين الحياة فلم يصبها فسار فيه ثمانية عشر يوماً وبني اثني
стр. 78
عشر مدينة سماها كلها بالإسكندرية ولما مات عرض الملك بعده على أنه فأبى واختار النسك والعبادة.
وكانت مدة تملكه اثنتي عشر سنة وقيل ثلاثة عشر سنة وقيل أربعة عشر سنة وكان عمره ستاً وثلاثين سنة بالاتفاق والله أعلم.
(ذكر بناء سليمان ﵇ الحير الذي على المغارة بوحي من الله تعالى)
روي أن سليمان ﵇ لما فرغ من بناء بيت المقدس أوحي الله تعالى إليه يا بن داود ابن علي قبر خليل يحيراً حتى يكون لمن يأتي من بعدك لكي يعرف فخرج سليمان وبنو إسرائيل من بيت المقدس حتى قدم أرض كنعان وطاف فلم يصبه فرجع إلى بيت المقدس فأوحي الله تعالى إليه يا سليمان خالفت أمري فقال يا رب قد بعني الموضع فأوح الله إليه امض فإنك ترى نوراً من السماء إلى الأرض فإنه موضع قبر خليلي إبراهيم.
فخرج سليمان مرة ثانية فنظر وأمر الجن فبنوا في الموضع الذي يقال له الرامة وهو بالقرب من مدينة سيدنا الخليل ﵇ من جهة الشمال قبلي قرية حلحول التي بها قبر يونس ﵇ فأوحى الله تعالى إليه إن هذا ليس هو الموضع ولكن انظر إلى النور المتدلي من السماء إلى الأرض فابن فخرج سليمان ﵇ ونظر فإذا النور على بقعة من بقاع حبرون فعلم إن ذلك هو المقصود فبني الحير على البقعة.
وسنذكر وصف هذا البناء وذرعه طولاً وعرضاً بعد أن شاء الله تعالى ويأتي ذكر ما مضى من تاريخ بناء سليمان ﵇ مسجد بيت المقدس في علم منه تاريخ بناء الحير على مقام سيدنا الخليل ﵊.
стр. 79
(ذكر فضل سيدنا الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام وفضل زيارته)
قد نص الله تعالى في كتابه العزيز على فضله في قوله تعالى (واتخذ الله إبراهيم خليلا) إلى غير ذلك مما أنزل الله في حقه من الآيات المخصوصة به.
وعن أنس بن مالك ﵁ إنه قال جاء إلى النبي ﷺ فقال له يا خير الناس فقال النبي ﷺ ذلك إبراهيم ﵇ وفي رواية مسلم قال له يا خير البرية قال ذلك إبراهيم.
وروي عن النبي ﷺ أنهه قال لما أسري بي إلى بيت المقدس سر بي جبريل ﵇ على قبر إبراهيم ﵇ فقال لي انزل فصل ركعتين هاهنا فإن هاهنا قبر أبي إبراهيم الخليل ﵇.
وعنه ﷺ أنه قال من لم يمكنه زيارتي فليزر قبر أبي إبراهيم الخليل ﵇.
وعن كعب الأحبار ﵁ إنه قال أكثروا من الزيارة إلي قبر رسول الله ﷺ وأظهروا الصلاة عليه وعلى صاحبيه أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما قبل أن تمتعوا ذلك ويحال بينكم وبين ذلك بالفتن وفساد السبل فمن منع ذلك أو حيل بينه وبين الزيارة إلى قبر رسول الله ﷺ فليجعل رحلته وأتيانه إلى قبر إبراهيم الخليل ﵊ وليظهر الصلاة عليه وليكثر من الدعاء عنده فإن الدعاء عند قبر سيدنا إبراهيم الخليل مستجاب ولم يتوسل به أحد إلا الله في شيء إلا أجابه ولم يبرح من مكانه حتى يرى الإجابة في ذلك عاجلاً أو آجلاً.
(قلت) وهذا مما لا شك فيه فإني جربته في أمر وقع لي من أمور الدنيا فكنت أتوقع الهلاك منه فتوجهت من بيت المقدس إلى بلد سيدنا الخليل ﵇ في ضرورة اقتضت سفري فلما أن دخلت مسجده ودخلت إلى الضريح المشهور
стр. 80
بأنه قبر إبراهيم الخليل ﵇ تعلقت بأستاره ودعوت الله تعالى فيما كنت أرجوه فما كان بأسرع من أن فرج الله عني كربتي ولطف بي وأزال عني كلما أزعجني فلله الحمد سبحانه.
وحكي عن رجل من أهل بعلبك إنه قال زرنا قبر إبراهيم الخليل ﵇ وكان معنا رجل مغفل من أهل بعلبك فسمعناه وقد زار القبر وهو يبكي ويقول حبيبي إبراهيم ربك يكفيني فلاناً وفلاناً فإنهم يؤذينني ونحن نضحك منه ونتعجب ثم رجعنا بعد مد إلى يافه فوصل قارب من بيروت وفيه رجل من أهل بعلبك فأخبرنا أن الثلاثة الذين سماهم ماتوا.
(القول في آداب الزيارة)
يستحب لمن قصد زيارة إبراهيم الخليل ﵊ أن يقطع عن الذنوب وأن يتوب إلى الله توبة نصوحاً ثم ينوي زيارته ويتوجه نحوه بعزم ورغبة ويكثر في الطريق من الصلاة عليه وعلى سيدنا محمد ﷺ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
فإذا أتي باب المسجد وقف يسيراً ثم يقدم رجله اليمن ويدعو بما يستحب أن يدعي به إذا دخل المساجد ثم يقول بسم الله اللهم صلى على محمد وافتح لي أبواب رحمتك ثم يصلي ركعتين تحية المسجد ثم يقصد قبر سيدنا إبراهيم الخليل ﵇ فيقف على باب حجرته مطرقاً رأسه ثم يستغفر الله تعالى ويصلي على نبيه محمد ﷺ ثم يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله وإنك عبد الله ورسوله وخليله جزاك الله عنا خيراً كما هو أهله.
ثم يقول صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين من أهل السماوات وأهل الأرضيين عليك يا أبا الأنبياء
стр. 81
يا خليل الله وعلى ولدك السيد الكامل الفاتح الخاتم سيد الأولين والآخرين محمد في حبيب رب العالمين وعل آلكما وأصحابكما كما ذكر كما الذاكرون وغفل عن كما الغافلون ثم يدعو بما شاء من خيري الدنيا الآخرة.
ثم يلتفت نحو السيدة سارة ويقول السلام عليكم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ورحمة الله وبركاته ثم يقول (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ويطهر كم تطهيراً).
ثم يتوجه إلى قبر السيد إسحاق ﵇ ويقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ويدعو عنده بما شاء.
ثم يلتفت عن شماله ويسلم على زوجته السيدة الجليلة ربقة ويقول السلام على أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ورحمة الله وبركاته.
ثم يمضي بأدب وسكون ويقصد السيد الجليل نبي الله يعقوب ﵇ عنده كما فعل عند إسحاق أبيه وكذلك عند زوجته السيد ليقا.
ثم يقصد نبي الله يوسف الصديق ﵇ ويفعل كما فعل.
ثم يقصد شباك سيدنا إبراهيم الخليل ﵊ الذي تجاه قبر يعقوب ويقف برب القرب منه ويسلم ويدعو الله بما شاء فإن الدعاء هناك مستجاب.
ثم يتوجه إلى الله تعالى بجميع أنبيائه خصوصاً بسيد الأولين والآخرين وجهه ويمضي مسروراً مقبولاً إن شاء الله تعالى.
كل ما ذكره العلماء رضي الله تعالى عنهم في مناسكهم ممن آداب الزيارة لنبي ﷺ فهو سائغ في حق هذا النبي الكريم خليل الله إبراهيم عليه وعل جميع أولاده الأكرمين.
стр. 82
(فصل في حكم السور السليماني)
وهو البناء المنسوب لسيدنا سليمان ﵇ المحيط بقبر سيدنا إبراهيم ﵇ قد صار مسجداً وثبت له أحكام المساجد.
وقد روي عن ابن عمر ﵁ إنه قال إن آدم ﵇ رأسه عند الصخرة الشريف ورجلاه عند مسجد إبراهيم الخليل ﵇ فسماه مسجداً.
وفي رواية أن قبره في مغارة بيت المقدس ومسجداً إبراهيم الخليل رجلاه عند الصخرة ورأسه عند مسجد إبراهيم ﵇ وإذا كان مسجداً جاز الدخول إليه وسماه السبكي وكتب بخطه في آخر جزء حديث يسمى تحفة أهل الحديث في سماعه على الشيخ برهان الدين الجعبري وذكر جماعة سمعوه معه بالحرم.
ثم قال: وصح وثبت في يوم السبت ثامن عشر صفر سنة ثمان وسبعمائة بحرم الخليل ﵇ وأطلق على المشهد المذكور حرماً وكلامه صريح في إنه دخله هو والشيخ برهان الدين الجعبري والسامعون معه فدل على جواز دخوله وعمل الناس اليوم على دخوله وزيارتهم للقبور الشريفة والوقوف عند لإشارات التي عليها وصلاة الجماعة والجماعات هناك فإنه بني به محراب شريف ووضع إلى جانبه منبر وقد مضي على ذلك أزمنة متطاول والعلماء وأئمة الإسلام مطلعون على ذلك وقد أقره الخلفاء وملوك الإسلام ولم ينكره منكر فصار كالإجماع.
وإذا تقرر هذا ثبتت له أحكام المساجد من جواز الاعتكاف فيه وتحريم المكث على الحائض والجنب فيه وفعل التحية ولا يقال إنه مقبرة فإن الأنبياء الذين فيه صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أحياء في قبورهم وأما النساء فعلى خلاف فيه والله أعلم.
(ذكر ذرعه طولاً وعرضاً)
وهذا المقام الكريم الذي هو داخل السور السليماني طوله في سعته قبلة بشمال من صدر المحراب الذي عند المنبر إلى صدر المشهد الذي به ضريح سيدنا يعقوب عليه
стр. 83
السلام ثمانون ذراعاً بذراع العمل ينقص يسيراً نحو نصف ذراع أو ثلثي ذراع تقريباً وعرضه شرقاً بغرب من السور الذي به باب الدخول إلى صدر الرواق الغربي الذي به شباك يتوصل منه إلى ضريح سيدنا يوسف ﵇ أحد وأربعون ذراعاً ويزيد على ذلك يسيراً نحو ثلث ذراعه أو نصف ذراع تقريباً بذراع العمل المذكور وهو الذراع الذي تذرع به الأنبية في عصرنا هذا وسمك السور ثلاثة أذرع ونصف من كل جانب وعدة مداميكة في البناء خمسة عشر مدماكا من أعل الأماكن وهو الذي عند باب القلعة من جهة الغرب إلى القبلة وارتفاع البناء عن الأرض من المكان المذكور ست وعشرون ذراعاً بذراع العمل غير البناء الرومي الذي فوق السليماني ومن جمل الأحجار بالبناء السليماني حجر عند مكان الطبلخانه طوله أحد عشر ذراعاً بالعمل وعرض كل مدماك من البناء السليماني نحو ذراع وثلثي ذراع بالعملي وعل الصور المذكور منارتان إحداهما من جهة الشرق مما يلي القبلة والثاني من الغرب مما يلي الشمال وبناؤهما في غاية اللطف.
وأما صفة البناء الموجود بداخل السور على ما هو عليه في عصرنا وقد صار مسجدً كما تقدم القول فه فهو يشتمل على بناء معقود من داخل السور على نحو النصف من جهة القبلة إلى جهة الشمال والبناء من عهد الروم وهو ثلاثة أكوار الأوسط منها مرتفع عن الكورين الملاصقين له من جهة المشرق والمغرب والسقف مرتفع على أربعة أسوار محكمة البناء وبصدر هذا البناء المعقود تحت الكور الأعلى المحراب وإلى جانبه المنبر وهو من الخشب في غاية الإتقان والحسن وهذا المنبر عمل في زمن المستنصر بالله أبي تميم معد الفاطمي خليفة مصر بأمر بدر الجمالي مدبر دولته برسم مشهد عسقلان الذي زعمت الفاطمية أن به رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄.
وكان عمل المنبر في سنة أربع وثمانين وأربعمائة وعليه تاريخ عمله مكتوب بالكوفي والظاهر إن الذي نقله ووضعه بمسجد الخليل ﵇ الملك الناصر
стр. 84
صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ لما هدم عسقلان وهذا المنبر وجود إلى عصرنا هذا ويقابل ذلك دكة المؤذنين على عمد من رخام في غاية الحسن والرخام مستدير على حيطان المسجد من الجهات الأربع وهو من عمارة تنكر نائب الشام في سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة.
والقبور الشريفة بداخل السور منها تحت البناء المذكور قبر سيدنا إسحاق ﵇ إلى جانب السارية التي عند المنبر ويقابله قبر زوجته ربقة إلى جانب الساري الشرقية وهذا البناء له ثلاثة أبواب تنتهي إلى صحن المسجد أحدهما وهو الأوسط ينتهي إلى الحضرة الشريفة الخليلية وهو مكان معقود والرخام مستدير على حيطانه الأربعة وبه إلى جهة الغرب الحجرة الشريفة التي بداخلها القبر المنسوب لسيدنا إبراهيم الخليل ويقابله من جهة الشرق قبر زوجته سارة والباب الثاني من جهة الشرق عند باب السور السليمان يخلف قبر سارة والباب الثالث من جهة الغرب خلف قبر إبراهيم ﵇.
وإلى جانب محراب المالكية وينتهي هذا الباب إلى الرواق وفتح هذا الباب وعمر محراب المالكية الأمير شهاب الدين اليغموري ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة في دولة الملك الظاهر برقوق وفتح الشباك بالسور السليماني المتوصل منه إلى مقام السيد يوسف الصديق وعمر الاورقة مكان القلال التي كانت هناك ورتب قراءة سبع وشيخاً لقراءة البخاري ومسلم في الأشهر الثلاثة وذلك في شهر رمضان سن ست وتسعين وسبعمائة وبآخر الساحة التي بداخل السور السليماني من جهة الشمال الضريح المنسوب لسيدنا يعقوب وهو من جهة الغرب بحذاء قبر إبراهيم الخليل ﵇ ويقابله مكن جهة الشرق قبر زوجته ليقا.
وصحن المسجد المكشوف تحت السماء بين مقام الخليل ومقام يعقوب ﵉ والقباب المبنية على الأضرحة المنسوبة للخليل وزوجته سارة ويعقوب وزوجته ليقا أخبرت إنها من بناء بني أمية وجميع الأرض التي بداخل السور مما هو تحت
стр. 85
السقف وبالساحة السماوية مفروشة بالبلاط السليماني الذي رؤيته من العجائب لكبره وهيئته وبجوار قبر الخليل ﵇ من داخل البناء المعقود سفل الأرض مغارة تعرف بالسرادب بداخلها باب لطيف ينتهي إلى المنبر وقد نزل إليه بعض الخدام من مدة قريبة نحو السنة لسبب أوجب ذلك وهو إن شخصاً معتوه من الفقراء سقط فيه فنزل إليه جماعة من الخدام ودخلوا من هذا الباب فانتهى بهم الحال إلى المنبر تحت القبة التي على عمد الرخام بجوار بيت الخطابة وأخبرني الذي نزل أنه عاين سلماً من حجر عدته خمسة عشر درجة مبني عند آخر هذا المغارة من جهة القبلة وقد سد بالبناء من آخره فالظاهر إن هذا الباب كان عند المنبر منه يتوصل إلى السرداب.
وبظاهر السور السور السليماني من جهة الشرق مسجد في غاية الحسن وبين السور السليماني وهذا المسجد الدهليز وهو معقود مستطيل عليه الأبهة والوقار والذي عمر هذا الدهليز والمسجد الأمير أبو سعيد سنجر الجاولي ناظر الحرمين الشريفين ونائب السلطنة فعرف هذا المسجد بالجاولية وهو من العجائب قطع في جبل ويقال إنه كان مقبرة يهود على هذا الجبل فقطعه الجاولي وجوفه وبنى السقف عليه القبة وهو مرتفع على اثني عشر سارية قائمة فيوسطه وقرش أرض المسجد حيطانه وسواريه بالرخام وعمل شبابيك حديد على آخره من جهة الغرب وهذا لمسجد طوله من البلة بشام ثلاثة وأربعون ذراعاً وعرضه شرقاً بغرب خمسة وعشرون ذراعاً بذراع العمل وكان الابتداء في عمارة هذا المسجد في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وانتهت العمارة في ربيع الآخر سنة عشرين وسبعمائة في دولة الملك ناصر محمد بن قلاوون ومكتوب في حائطه أن سنجر عمر ذلك من خالص ماله ولم ينفق شيئاً من مال الحرمين الشريفين.
وبجوار المسجد الجاولي من جهة القبلة المطبخ الذي يعمل فيه الدشيشة
стр. 86
للمجاورين والواردين وعلى باب المطبخ تدق الطبلخانة في كل يوم بعد صلاة العصر عند تفرقة السماط الكريم.
وهذا السماط من عجائب الدنيا يأكل منه أهل البلد والواردين وهو خبز يعمل في كل يوم ويفرق في ثلاثة أوقات بكرة النهار وبعد الظهر لأهل المدينة وبعد العصر تفرقة عامة لأهل البلد والواردين، ومقدار ما يعمل فيه من الخبز كل يوم أربعة عشر ألف رغيف ويبلغ إلى خمسة عشر ألف رغيف في بعض الأوقات إذا كان عندهم زائر.
وأما سعة وقفه: فلا تكاد تنضبط. وأما سماطة الكريم فإنه لا يمنع منه أحد لا من الأغنياء ولا من الفقراء. وأما السبب في دق الطبلخانة كل يوم عند تفرقة السماط بعد العصر فيقال: ان الأصل في ذلك أن سيدنا إبراهيم ﵇ لما كانت تأتيه الضيوف ويصنع لهم ما يأكلون ويكونون جماعة متفرقين في المنازل التي أنزلهم فيها فإذا قصد اطعامهم دق لهم البطل ليعلموا أنه هيأ لهم الطعام فإذا سمعوا بادروا واجتمعوا لأكل سماطه. فصارت سنة بعده تعمل في كل يوم عند تفرقة السماط بحضرته الشريفة. وعلى باب المسجد الذي تدق عنده الطبلخانة المكان الذي يصنع فيه خبز السماط من الأفران والطواحين وهو مكان متسع يشتمل على ثلاثة أفران وستة أحجار للطحن، وعلو هذا المكان الحواصل التي يوضع فيها القمح والشعير ورؤية هذا المكان علوا وسفلا من العجائب فإنه يدخل إليه بالقمح فلا يخرج منه إلا وقد صار خبزا.
وأمام الاهتمام بعمل السماط من كثرة الرجال في تعاطي أسبابه من طحن القمح وعجنه وخبزه وتجهيز آلاته من الحطب وغيره والاعتناء بأمره فذلك من العجائب لا يكاد يوجد مثل ذلك عند ملوك الأرض. ولا يستكثر مثل ذلك في معجزات هذا النبي الكريم ﵊.
стр. 87
(ذكر إسحاق ﵇
هو إسحاق بن خليل النبي بن النبي بن النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وأمه سارة حملت به في الليلة التي خسف الله تعالى بقوم لوط وولدته ولها من العمر تسعون سنة ومن ولده الروم واليونان والأرمن ومن يجري مجراهم وبنو إسرائيل وكان إبراهيم ﵇ يضيف من نزل به وقد أوسع الله تعالى عليه وبسط له الرزق والمال والخدم.
ولما أراد الله تعالى هلاك قوم لوط أمر رسله من الملائكة إن ينزلوا بإبراهيم ويبشروه هو وسارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فلما نزلوا على إبراهيم ﵇ كان الضيف قد حبس عنه خمسة عشر يوماً حتى شق ذلك عليه وكان لا يأكل إلا مع الضيف ما أمكنه فلما رآهم على صورة الرجال سر بهم ورأى أضيافاً لم يضفه مثلهم حسناً وجمالاً فقال لا يخدم هؤلاء القوم إلا أنا فخرج إلى أهله فجاء بعجل سمين حينئذ وهو المشوي بالحجارة فلما رأى أيديهم لا تصل إليه - أي العجل - نكرهم وأوجس منهم خفية وذلك إنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف ولم يأكل من طعامهم ظنوا إنه لم يأتيهم بخير وإنما جاءهم بشر قالوا لا تخف يا إبراهيم إنا ملائكة الله تعالى أرسلنا إلى قوم لوط وكانت امرأته سارة قائمة من وراء الستر تسمع كلامهم وإبراهيم جالس معهم فضحكت لزوال الخوف عنهما قالوا لإبراهيم لا تخف وقيل ضحكت بالبشارة.
وقال ابن عباس ووهب ضحكت تعجباً من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها وعل هذا القول تكون الآية على التقديم والتأخير تقديره (وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فضحكت وقالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً) وكان سن إبراهيم ﵇ مائة وعشرين سنة في قول ابن إسحاق (إن لشيء عجيب قالوا - يعني الملائكة - أتعجبين من أمر الله
стр. 88
﵀ وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد).
وسنذكر ما تلكم به إبراهيم ﵇ مع الملائكة في أمر قوم لوط عند ذكره ﵇ ثم أن إسحاق ﵇ تزوج بنت عمه ربقة بنت تنويل - وكتان إسحاق ضريراً - وولدت له العيص ويعقوب ولم يمت إبراهيم ﵇ حتى بعث الله إسحاق ﵇ إلى أرض الشام وبعث يعقوب إلى أرض كنعان وإسماعيل إلى جرهم ولوطاً إلى سدوم فكانوا كلهم أنبياء على عهد إبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة ومات بالأرض المقدسة ودفن عند أبيه إبراهيم الخليل ﵉.
(ذكر سيدنا يعقوب ﵇
هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النبي بن النبي ابن أبي الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وهو الذي يسمى إسرائيل قيل معناه صفو الله وهو أخو العيص وسمي يعقوب لأنه كان هو والعيص توأمين فخرج من بطن أمه آخذاً بعقب أخيه العيص قيل وفيه نظر لأن هذا الاشتقاق عربي ويعقوب اسم أعجمي وكان مولده بعد مضي ستين سنة من عمر أبيه إسحاق ورزق يعقوب من زوجته ليا روبيل وهو أكبر أولاده ثم شمعون ولاوي ويهوذا ثم تزوج أختها راحيل فرزق منها يوسف ﵇ وبنيامين وولد له من سريتين ستة أولاد فكان بنو يعقوب اثنتي عشر رجلاً وهم الأسباط لاثني عشر وهم روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا ويساخر وزبلون ويوسف وبنيامين ودان ونفتالي وكاد وأشر.
وسمعوا الأسباط لأنه ولد لكل منهم جماعة وعاش لاوي بن يعقوب مائة
стр. 89
وسبعا وثلاثين سنة وولد له فاهت وعاش مائة وسبعاً وعشرين سنة ثم ولد لفاهت وعاش مائة وستاً وثلاثين سنة ثم ولد لعمران موسى ﵇ وسيأتي إن شاء الله تعالى.
وعاش يعقوب مائة وسبعاً وأربعين سنة ومات بمصر وأوصى أن يحمل إلى المقدسة ويدفن عند أبيه وجده فحمله أبنه يوسف ودفنه عندهما وسنذكر في قصة ولده يوسف إن شاء الله تعالى.
وتقدم ذكر الخلاف في أن يعقوب أول من بنى مسجد بيت المقدس وأري بوحي من الله تعالى وتقدم لفظ الأثر الوارد في ذلك ونقل بلفظ آخر تقدم وهو أن والده إسحاق أوص إليه أن لا ينكح امرأة من الكنعانيين ونكح من بنات خالة - وكان مسكن يعقوب القدس - فتوجه إلى خاله في الليل في الطريق فبات متوسداً حجراً فرأى فيما يرى النائم إن سلماً صاعداً إلى باب من أبواب السماء عند رأسه والملائكة تنزل عليه وتعرج منه.
فأوحى الله تعالى إليه إني إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسحاق وقد هذه الأرض المقدسة لك ولذريتك من بعدك وباركت فيك وفيهم وجعلت كتاب والحكم والنبوة ثم أنا معك أحفظك حتى أردك إلى هذا المكان بيتاً تعبدني فيه أنت وذريتك.
وقد حكى الحافظ أبو محمد هذا الأثر والأثر المتقدم قبله وليس في أحدهما وفي الآخر سوى اختلاف في بعض اللفظ.
(ذكر يوسف ﵇
هو يوسف الصديق بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم فهو نبي الله بن ابن نبي الله وخليله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولد يوسف ﵇ لما كان ليعقوب من العمر إحدى وتسعون سنة.
стр. 90
ولما صار ليوسف ثمانية عشر سنة كان فراقه ليعقوب وبقيا متفرقين إحدى وعشرين سنة ثم أجتمع يعقوب بيوسف في مصر وليعقوب من العمر مائة وثلاثون سنة وبقيا مجتمعين سبعة سنة وقيل غير ذلك.
وسبب فراق يوسف عن أبيه حسد أخوته فألقوه في الجب كما أخبر الله تعالى في كتابه العزيز واختلف في الجب فقال قتادة هو بيت المقدس وقال وهب في أرض الأردن وقال مقاتل هو على ثلاثة فراسخ من منزل أبيه يعقوب وكان بالجب ماء وبه صخرة فأوى إليها وأقام بالجب ثلاثة أيام فمرت به السيارة فأخرجوه وأخذوه فجاء أخوه يهوذا بطعام غل الجب ليوسف فلم يجده في الجب ورآه عند تلك السيارة فأخبر يهوذا بقية أخوته بذلك فأتوا إلى السيارة وقالوا هذا عبدنا أبق منا فاشتروه من أخوته بثمن بخس قيل عشرون درهماً قيل أربعون درهماً ثم ذهبوا إلى مصر فباعوه لأستاذهم الذي خزائن مصر واسمه العزيز.
وكان فرعون مصر حين ذلك الريان بن الوليد رجلاً من العماليق والعماليق هم ولد عملاق بن سام بن نوح فهويته امرأته راعيل وراودته عن نفسها فأبى وهرب فلحقته وأمسكته بقميصه فانقد ووصل أمرهما غل زوجها العزيز وابن عمها بتحقيق وبيان وظهر لهما براءة يوسف ثم بعد ذلك ما زالت تشكو إلى زوجها وتقول له إنه يقول للناس إني راودته عن نفسه وفضحني فحبسه زوجها سبع سنين ثم أخرجه فرعون مصر بسبب تعبير الرؤيا التي رآها.
ثم مات العزيز جعل فرعون مصر موضعه يوسف على خزائنه وجعل القضاء إليه ثم دعا يوسف الريان فرعون مصر إلى الإيمان فأمن به وبقي كذلك إلى أن مات الريان فرعون مصر وملكها وملك مصر بعده قابوس بن مصعب من العمالقة أيضاً ولم يؤمن.
وكان يوسف إذا سار في أزقة مصر يتلألأ نوره على الجدران وكان
стр. 91
من صفته ﵇ إنه أبيض اللون حسن الوجه جعد الشعر ضخم العينين مستوى غليظ الساعدين والعضدين والساقين أقني الأنف صغير السرة بخده الأيمن وكان ذلك الخال يزين وجهه وبين عينيه شامة تزيده حسناً وجمالاً كأنه البدر وكان إذا تبسم رأيت النور من ضواحكه وإذا تكلم رأيت نور يثور من بين ثناياه ﷺ .
وصل إلى يوسف أبوه يعقوب وإخوته جميعهم من كنعان وهي أرض وقد ذكر الله تعالى قصته في القرآن مبسوطة مفصلة ومات يعقوب وأوصى ولده أن يدفنه عند أبيه إسحاق فسار به إلى حبرون ودفنه عند أبيه وقبره بحذاء الخليل ﵇ من جهة الشمال وهو مشهور.
كان عمر يوسف لما توفي والده يعقوب ستاً وخمسين سنة ولما دفنه عاد وعاش يوسف مائة وعشرين سنة وبينه وبين سيدنا موسى ﵇ سنة ونزل عليه جبريل أربع مرات وتوفي بمصر ودفن بها حتى كان موسى ﵇ وفرعون.
وما سار موسى من مصر ببني إسرائيل إلى النية نبش على يوسف وحمله معه حتى مات موسى فلما قدم يوشع بن نون ببني إسرائيل إلى الشام دفنه في نابلس وقيل عند الخليل وهو المشهور عند الناس فإن قبره عند ممر مشهور وقد استفاض عند الناس فلم ينكر.
روي أن الله تعالى أوحي إلى موسى ﵇ إن أحمل يوسف إلى عند آبائه فلم يدر أين هو فسأل نبي إسرائيل فلم يعرف أحد منهم فقال له شيخ - عمره ثلاثمائة سنة - يا نبي الله ما يعرف قبر يوسف إلا فقال له موسى ﵇: قم معي إلى أمك.
قام معه إلى منزله فدخلا المنزل وأتاه بقفة وفيها والدته فقال لها موسى ﵇ بقبر يوسف؟ قالت نعم قال فدلني عليه قالت أدلك على قبره
стр. 92
بشرط أن تدعو الله أن يرد على شبابي إلى سبعة عشر سنة وأن يزيد لي في عمري مثل ما مض قال فدعا فقال لها موسى ﵇ كم عشت؟ فقالت تسعمائة سنة فعاشت ألفاً وثمانمائة سنة وأرت موسى ﵇ قبر يوسف ﵇ وكان في وسط نيل مصر في صندوق من رخام وذلك إنه لما مات تشاجر عليه الناس وكل أراد أن يدفن في محلته لما يرجو من بركته ﵇ فاختلف رأيهم في ذلك حتى أرادوا أن يقتتلوا فرأوا أن يدفن في النيل ليمر عليه الماء فتصل بركته إلى جميع مصر وما حولها فيكونون كلهم في بركته مشتركين ففعلوا ذلك.
ولما علم مكانه أخرجه وهو في التابوت وحمله على عجل من حديد إلى بيت المقدس وقبره في البقيع خلف الحير السليماني حذاء قبر يعقوب وجوار جديه إبراهيم وإسحاق ﵉.
وعن إبراهيم بن أحمد الخليجي إنه لما سألته جارية المقتدر - وكانت تعرف بالعجوز وكانت مقيمة ببيت المقدس - الخروج إلى موضع الذي روي أن قبر يوسف فيه إظهاره والبناء عليه قال فخرجت والعمال معي فكشف البقيع الذي روي إنه فيه خارج الحير حذاء قبر أبيه يعقوب ﵉.
قال فاشترى البقيع من صاحبه وأخذ في كشفه فخرج في الموضع الذي روي إنه فيه حجر عظيم فأمر بكسره فكسر منه قطعة قال وكنت معهم في الحفر فلما شالوا القطعة من الحجر وإذا هو يوسف ﵇ على الصفة بحسنه وجماله وصارت روائح الموضع مسكاً ثم جاء ريح عظيم فأطبق العمال الحجر على ما كان سابقاً ثم بني عليه القبة التي هي عليه الآن على صحة من رؤيته ﷺ وهو خارج السور السليماني من جهة الغرب بداخل مدرسة منسوبة للسلطان الملك الناصر حسن وتمسي الآن بالقلعة ويدخل إليه من عند باب المسجد الذي عند السوق تجاه عين الطواشي وهو موضع مأنوس وفيه الضريح.
ثم أن بعض النظار على وقف سيدنا الخليل ﵊ وهو
стр. 93
شهاب الدين أحمد اليغموري فتح باباً في السور السليماني من جهة الغرب بحذاء القبر المنسوب لسيدنا يوسف الصديق ﵇ وجعل فوق القبر السفلي إشارة تدل عليه كبقية الأضرحة الكائنة بمسجد سيدنا الخليل ﵇ وذلك في سلطنة السلطان الملك الظاهر برقوق.
وروي عن أبي هريرة ﵁ إنه قال قال رسول الله ﷺ إن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الداعي لأجبته.
وسئل رسول الله ﷺ من أكرم الناس؟ قال أتقاهم لله فقالوا ليس عن هذا نسألك قال فأكرم الناس يوسف الصديق نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله.
فهؤلاء الأنبياء الأربعة وهم إبراهيم الخليل وولده إسحاق وولده يعقوب وولده يوسف قبورهم في محل واحد وعليهم من الوقار والجلال ما لا يكاد يوصف صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
(ذكر لوط ﵇
هو لوط بن أخي إبراهيم الخليل ﵉ واسم أبيه هاران بن آزر قال الثعلبي وإنما سمي لوطاً لأن حبه ليط بقلب إبراهيم ﵇ أيتعلق ولصق وكان إبراهيم يحبه حباً شديداً وكان ممن آمن بعمه إبراهيم وهاجر معه إلى مصر حين هاجر من نمروذ وعاد معه إلى الشام.
فأرسله الله تعالى إلى أهل سدوم وكانوا أهل كفر وفاحشة ودام لوط يدعوهم إلى الله تعالى وينهاهم فلم يلنفتوا إليه وكانوا على ما أخبر الله عنهم في قوله تعالى (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر) وكانوا يقطعون الطريق وإذا مر بهم
стр. 94
أحد من المسافرين أمسكوه وفعلوا به اللواط وهو ينهاهم فلم ينتهوا فلم ينتهوا ولم يزدهم وعظه إلا تمادياً وظلالاً فسأل الله تعالى النصرة عليهم فأرسل الله الملائكة لقلب سدوم وقرأها المؤتفكات وهي خمس مدائن.
وكان الملائكة قد أعلموا إبراهيم الخليل بما أمرهم الله تعالى به من الخسف بقوم لوط حين قدموا عليه وبشروه بإسحاق - كما تقدم - فسال إبراهيم جبريل فيهم وقال له أرأيت إن كان فيهم خمسون رجلاً من المسلمين؟ فقال جبريل إن كان فيهم خمسون من المسلمين لا يعذبهم الله فقال إبراهيم وأربعون؟ قال جبريل أربعون قال إبراهيم ثلاثون؟ قال جبريل وثلاثون قال إبراهيم ولم أزل كذلك حتى قال لي جبريل عشرة قال إبراهيم قلت إن هناك لوطاً فقال جبريل والملائكة (نحن أعلم ممن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين).
قال ولما وصلت الملائكة إلى لوط هم قومه إن يلوطوا بهم لأن الملائكة جاؤوا إليه على صورة غلمان حسان الوجوه (فقال لهم لوط يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم) - يعني بالتزويج - فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي أليس منكم رجل رشيد؟ فلم يرضوا بقوله وقالوا (لقد علمت ما لنا في بناتك من حق) أيمن حاجة وشهوة وإنك لتعلم ما نريد من إتيان الرجال فعالجهم وناشدهم وهم على العناد والغي فأعماهم جبريل بجناحه وقالت الملائكة للوط (نحن رسل ربك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) إنه مصيبها ما أصابهم.
قال ولما خرج لوط بأهله قال للملائكة أهلكوهم الساعة فقالوا لم نؤمر غلا بالصبح (أليس الصبح بقريب).
فلما كان الصبح قلبت الملائكة سدوم وقرأها الخمس بمن فيها وكان فيها أربعمائة ألف وقيل أربعة آلاف ألف فرفعوا المدائن كلها حتى سمع أهل السماء
стр. 95
صياح الديكة ونباح الكلاب فلم يكفأ لهم إناء ولم ينتبه نائم، ثم قلبوها فجعلوا عاليها سافلها. فسمعت امرأة لوط الهدف فقالت واقوماه. فأدركها حجر فقتلها. وأمطر الله الحجارة على من لم يكن بالقرى فأهلكهم.
وأما قبر لوط ﵇ فهو في قرية تسمى كفر بربك تبعد عن مسجد الخليل ﵇ نحوا من فرسخ. ونقل ان في المغارة الغربية تحت المسجد العتيق ستين نبيا منهم عشرون مرسلا، فصار هذا المكان مشهورا يقصد للزيارة.
وعلى فرسخ من حبرون جبل صغير مشرف على بحيرة زعرو موضع قرى لوط. ثم مسجد بناه أبو بكر محمد بن إسماعيل الصياحي فيه مرقد إبراهيم ﵇ قد غاص في الصخر نحوا من ذراع. يقال إن إبراهيم لما رأي قرى لوط وهي طائرة في الهواء وقف. وقيل: رقد. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن هذا هو الحق اليقين. ولذلك سمي ذلك المسجد مسجد اليقين. وكان بناء ذلك المسجد في شهر شعبان سنة اثنين وخمسين وثلاثمائة. وبظاهر المسجد مغارة بها قبر فاطمة بنت الحسن ابن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين وعند قبرها رخامة مكتوب عليها بالسكوفي:
أسكنت من كان في الأحشاء مسكنه … بالرغم مني بيت الترب والحجر
أفديك فاطمة بنت ابن فاطمة … بنت الأئمة بنت الأنجم الزهر
(ذكر أيوب ﵇
هو رجل من أمة الروح لأنه من ولد العيص وهو أيوب بن موص بن واذح ابن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇. وكان له زوجة يقال لها: رحمه، وكان صاحب أموال عظيمة، وكانت له الثنية جميعها - من اعمال دمشق - ملكا. فابتلاه الله تعالى بأن أذهب أمواله فصار فقيرا. ثم ابتلاه في جسده حتى تفجر دما ودودا. وبقى مرميا على مزبلة لا يطيق أحد أن يشم رائحته، وزوجته
стр. 96
صابرة تخدمه. فترا آي لها إبليس اللعين وقال لها اسجدي لي وأنا أرد لكما مالكما. فاستأذنت أيوب فغضب وحلف ليضربنها مائة سوط.
ثم عافاه الله ورزقه ورد على امرأته حسنها وجمالها وشبابها وولدت له ستا وعشرين ولدا بعد إن عافاه الله تعالى مما ابتلاه به. فلما عوفي أمره الله تعالى أن يأخذ عرجونا من النخل فيه مائة شمراخ فيضرب به زوجته رحمه كي يبر يمينه. ففعل.
وكان أيوب نبيا في زمن يعقوب وعاش ثلاثا وتسعين سنة. ومن أولاد أيوب ابنه بشر.
وبعث الله بشرا بعد أيوب وسماه ذا الكفل. وكان مقامه بالشام، وقبره في قرية كفل حارس من أعمال نابلس.
(ذكر شعيب ﵇
وهو نبي بعثه الله إلى أصحاب الأيكة وأهل مدين. وقد اختلف في نسب شعيب فقيل: انه من أولاد إبراهيم. وقيل: من ولد بعض الذين آمنوا بإبراهيم. وكانت الأيكة من شجر ملتف فلم يؤمنوا به.
فأهلك الله أصحاب الأيكة بسحابة أمطرت عليهم نارا يوم الظلة، وذلك ابنهم رأوا حرا شديدا فدخلوا الأسراب فوجدوها أشد حرا، فخرجوا منها فرأوا سحابة فاستظلوا بها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا.
وأهلك الله أهل مدين بالزلزلة.
وجاء في الخبر: إن شعيبا كان خطيب الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام وكان ضرير البصر. وقبر شعيب بقرية يقال لها: حطين - من أعمال مدينة صفد - وهو بعيد عن بيت المقدس نحو ثلاثة أيام.
стр. 97
(ذكر سيدنا موسى الكليم عليه أفضل الصلاة والتسليم)
(وأخيه هارون ﵇
(أقول - وبالله التوفيق) موسى نبي الله وكليمه وهو ابن عمران بن لآوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل سلام الله عليهم.
ولد لمضي ألف وخمسمائة وست وستين من الطوفان واسم أمه يوحانذ بنت لأوي بن يعقب وكان فرعون مصر الوليد بن مصعب وكان قد تزوج آسية بن مزاحم.
وقد روي أن الله تعالى لما خلق الحور العين في نهاية الحسن والجمال قالت الملائكة إلهنا ومولانا وسيدنا هل خلقت خلقاً أحسن منهن؟ فجاءهم النداء العلي الأعلى إني خلقت سيدات نساء العالمين وفضلتهن على الحور العين كفضل الشمس على الكواكب وهن آسية بنت مزاحم ومريم ابنة عمران وخديجة بنت بلد وفاطمة بنت رسول الله ﷺ .
فلما وصفت آسية لفرعون أحب أن يتزوجها فتزوجها على كره منها ومن فيها لكنه بذل لهم أموالا جزيلة وزفت إليه ودخل عليها فلما هم بها أخذه الله فلم يقدر عليها وكان لك حاله معها وكان قد رضى منها بالنظر إليها فينما هو في قبتها إذ سمع هاتفاً يقول ويلك يا فرعون لقد قرب زوالك وزوال ملكك زيد نبي من نبي إسرائيل فقال فرعون لآسية سمعت هذا؟ قالت له سمعت أن هذا من عمل النساء.
ثم أن فرعون رأي عدة منامات أزعجته فاستدعى بالمعبرين وقص عليهم رآه فقال أحدهم هذه الرؤيا تدل على مولود يولد من نبي إسرائيل يسلبك ملكك ويزعم أنه رسول إله السماء والأرض يأتي إليك وسيكون هلاكك وهلاك قومك على يديه فلما فرعون ذلك لحقه غم شديد فجمع وزراء مملكته
стр. 98
واستشارهم فيذلك فأشاروا عليه أن يوكل على النساء الحبالى من يحملهن إلى داره حتى تكون ولادتهن عنده فإن كان المولود ذكراً قتله وإن كان أنثى تركها ففعل ذلك ولم يزل حتى قتل اثني عشر ألف مولود وكان يعذب النساء الحبالى حتى يسقطهن حملهن.
فضجت الملائكة من ذلك إلى ربهم فأوحى الله إليهم أن أسكنوا فإن له أجلاً ممدوداً إلى وقت محدود ثم بشرهم الله تعالى بمولود هو موسى ﵇ وحملت أمه به.
وكان فرعون قد منع وزراءه وكبراء مملكته من الاجتماع بأهلهم لأنه كان قد بلغه أن المولود يكون من أقرب الناس إليه وكان عمران من أقرب الناس إليه فكان شأنه أن لا يفارقه بينما عمران قاعد عند رأس فرعون إذ نظر إلى امرأته وقد حملت إليه على جناح ملك فلما نظر إليها فزع فزعاً شديداً وقام على قدميه وقال لها ما الذي جاء بك في مثل هذا الوقت؟ فقال له الملك إن الله يأمرك أن تواقع زوجتك على فراش فرعون ليكون ذلك هواناً له ثم جذب الملك فراش فرعون من تحته وألقاه لعمران وتوارى الملك فواقعها فحملت بموسى ﵇ ثم احتملها الملك إلى دارها هذا وكان على باب فرعون ألف من الحراس والأعوان فلما أصبح دخل عليه المنجمون والكهنة وقالوا لفرعون إن المولود الذي كنا نحذرك منه قد حملت به أمه في هذه الليلة وقد ظهر نجمه وعلا شعاعه قال فاشتد فزع فرعون وزاد اختباطه.
ولما مضت مدة الحمل أخذ أمه الطلق في نصف الليل ولم يكن عندها أحد إلا أختها فلما نظرت إلى نوره وهو يتلألأ ففرحت به إلا إنها مكروبة لخوفها عليه من فرعون وأعوانه فسألت الله تعالى أن يحفظه عليها وأن يرزقها الصبر فما استتمت دعاءها ونظرت إلى موسى فإذا هو قد استوى قاعداً وقال لها يا أمي لا تخافي ولا تحزني إن الله معنا.
стр. 99
وسمع فرعون في تلك الليلة هاتفاً في قصره وهو يقول ولد موسى وهلك فرعون فصار كل صنم في تلك الليلة منكساً فأصبح فرعون ممتلئاً وشدد على طلب المولودين تلك الليلة.
وكانت أم موسى إذا خرجت في حاجة تعمد إلى موسى وتضعه في مهده وتضعه في التنور وتغطيه فاتفق إنها خرجت يوماً من الأيام وكانت أختها قد عجنت عجيناً وأرادت أن تخبز فأمرت بسجر التنور فسجروه ولم تعلم أن فيه موسى وكان موسى في التنور وقد وقع في قلب هامان أن مولود في بيت عمران فكبس داره وقال هاهنا مولود فقالت أختها كيف يكون هاهنا مولود وعمران محبوس عندكم؟ فجعل هامان يفتش حتى جاء إلى التنور فوجدوه يسجر ناراً فانصرف وقال لا يكون مولود في النار.
ثم رجعت أم موسى وإذا بالأعوان والحراس قد خرجوا من دارها فلما رأتهم قد خرجوا من دارها كادت روحها أن تزهق من الهم والغم فدخلت وقالت هل نظر هامان إلى ولدي في التنور؟ قالوا لا ثم أسرعت أم موسى نحو التنور فإذا هو مسجور والنار تعلو منه فلطمت على وجهها وقالت ما نفعني الحذر وقد أحرقتم ولدي فنادها موسى لا تخافي علي يا أماه فإن الله تعالى قد منعني من النار وإن النار لا تحرقني فمدي يدك إلي فإن النار لا تصل إلينا ولا تحرقنا فأدخلت يدها في التنور وأخرجته ولم تمسها النار.
(قصة التابوت)
فلما كان بعد أربعين يوماً صنعت له تابوتاً - وكان عمران توفى قبل أن يتم موسى أربعون يوماً - فعمدت إلى ذلك التابوت وفرشته وأرضعت موسى وكحلته ودهنته وألقته في التابوت وأغلقت عليه بابه وهي تبكي ثم احتملت التابوت في نصف الليل ومعها أختها وجاءت إلى شاطئ النيل فألقته في اليم وبكت فسمعت النداء
стр. 100
من العلا (إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين).
وبقي التابوت في النيل أربعين يوماً وقيل ثلاثة أيام وقيل ليلة واحد وصعد فرعون إلى صرح له فجلس وهو مشرف على النيل فألقت الريح التابوت تحت قصره وكان له سبع بنات ليس منهن واحدة إلا وبها سائر الأمراض وكان في داره حوض يركد فيه الماء من النيل وهو حوض عظيم وكن البنات يغتسلن فيه فلم تزل الريح بأمر الله تعالى تسوق التابوت إلى أن دخل في ذلك الحوض وركد فبادرت البنت الكبيرة وأخذت التابوت وفتحته وإذا فيه موسى ﵇ وله شعاع ونور كشعاع الشمس فأخرجته فلما لمسته ذهب ما كان بها من البلاء فتناولته الثانية ولمسته فعوفيت ولم يزلن يتناولنه حتى عوفيت السبع بنات مما كن فيه من الأمراض وصرن صحاحاً من بلائهن ببركته فأخذنه ودخلن به إلى آسية وذكرن لها القصة فلما رأتهن قد عوفين أحبته ونظرت إليه وقبلته وحملته إلى فرعون.
فلما رآه فرعون فزع منه فقالت له أيها الملك لا تخف وذكرت له حديث التابوت وكيف عوفيت البنات ببركته فقال يا آسية إني أخاف أن يكون هذا عدوي وأنا لا بد لي من قتله (فقالت له قرة عين لي ولك لا تقتله عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً) وقالت له أيها الملك إنه في قبضتك وإنك من قتله متمكن في أي وقت شئت وأنت ليس لك ولد ذكر فأطعم الناس لأجله ولم تزل به حتى فعل ذلك فجاع الطفل فأتى إليه بالمراضع فلم يقبل موسى بثدي واحد منهن وذلك قوله تعالى (وحرمن عليه المراضع من قبل) معناه لا يرضع من غير أمه.
(ذكر قصة الرضاع)
ثم بلغ أمه وصول التابوت إلى قصر فرعون فقالت لبنتها كلثوم أخرجي فقصي أمره فجاءت قصر فرعون فإذا هو في حجر آسية فقالت لها (هل
стр. 101
أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) فلم تعلم آسية إنها أبنه عمها بالية ثيابها فقال فرعون من هؤلاء القوم؟ فقالت هم من آل إبراهيم أمر بإتيانهم فحضرت أم موسى فعرفتها آسية إنها امرأة عمها عمران فأعطتها الصبي فلما أخذته ضحك ورضع منها.
فقال لها فرعون إني أرى لبناً كثيراً فهل لك ولد؟ فقالت هل ترك أهلك وأعوانك ولداً ولم يقتلوه؟ فقال لها فرعون ويلك من قتل ولدك؟ قالت الملك أعلم بذلك - ولم يعلم فرعون إنها امرأة عمران - واستمرت عند آسية ترضعه سنة كاملة ثم انصرفت من عندها مسرورة مستبشرة.
فلما صار لموسى ثلاث سنين دعا به فرعون وأقعده في حجره وجعل يلاعبه فقبض موسى ﵇ بيده لحية فرعون ولطمه بالأخرى فقال فرعون في نفسه لا شك أن هذا الذي يكون عدوي فهم بقتله فأسرعت إليه آسية وقالت له إن صبيان لهم حركة ولع من غير معرف ولا عقل وأنا أريك إنه لا يعقل فأمرت إحضار طشت من فضة ووضعت فيه تمرة وجمرة وقدمته لموسى ﵇ وقالت ولدي خذ أيهما شئت فأراد موسى أن يمد يده ويأخذ التمرة فضرب جبريل يده على الجمرة فأخذ موسى بيده الجمرة ورفعها إلى فيه فاحترق لسانه فرماها من فيه وبكى بكاء شديداً.
فقالت له أرأيت لو كان له عقل أكان يؤثر الجمر على النمرة؟ فسكت فرعون بعد ذلك ثم أظهرا الله آياته وبانت معجزات موسى ﵇ أنبته الله نباتاً حسناً وأعطاه حكماً وعلماً في دينه ودين آبائه.
(فلما بلغ أشده واستوى) قال ابن عباس الأشد ما بين ثمان وعشرين إلى ثلاثين سنة واستوى إذ صار ابن أربعين سنة وكان يذكر لبني إسرائيل ما في فرعون ما هو عليه من الضلال وكان موسى يأمر فرعون بالمعروف وينهاه عن المنكر يعظه وينهاه عن الكفر حتى شاع ذلك في البلد وإنه مخالف رأي فرعون.
стр. 102
(قصة القبطي)
وقوله تعالى (ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه) وذلك أن موسى ﵇ وكان يمشي في بعض الأيام فوجد إسرائيلياً وقبطياً يختمان فاستغاثة الإسرائيلي فوكز موسى القبطي على صدره فمات فندم موسى بفعله وقال (رب إني ظلمت نفسي فأغفر لي) فذهب بعض القبط إلى فرعون وأعلمه بذلك فلم يصدق.
ثم أصبح موسى وهو خائف أن يؤخذ بدم القتيل فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه على آخر من القبط - والقبطي يقول قتل ابن عمي بالأمس - فقال يا موسى أعني على هذا القبطي فإنه يريد أن يحملني إلى فرعون فقال له موسى - كما أخبر الله تعالى - (إنك لغوي مبين) فحزن الفتى وعلم من كلامه أن موسى ندم على ما كان منه بالأمس.
ثم إن موسى لم يجد بداً من نصرته لأنه قد استغاث به فدنا موسى القبطي ونزع الإسرائيلي من يده فظن إنه يريد قتله فقال - كما أخبر الله تعالى - (يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين).
ثم دخل القبطي على فرعون وأخبره أن موسى قبل نفساً بالأمس فأرسل فرعون في طلبه وأذن لأولياء المقتول أن يقتلوه حيثما وجدوه فسمعه رجل مؤمن من آل فرعون فأقبل على موسى وأخبره وقال - كما قال الله تعالى - (يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج إني لك من الناصحين فخرج منها خائفاً يترقب).
стр. 103
(قصة أرض مدين)
فلم يزل موسى ﵇ يسير حتى صار في أرض مدين في اليوم السادس والسابع وبه جهد من الجوع والعطش وإذا بجماعة من أهل مدين على بئر لهم دون أغنامهم فنظر موسى امرأتين تذودان - أي تمنعان - أغنامهما عن الماء من الرعاة وهو ما بين العشر إلى الأربعين فقال موسى للمرأتين ما خطبكما؟ ما قصتكما - قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء - أي يصرفوا مواشيهم عن - لأننا امرأتان لا نطيق أن نسقي ولا نستطيع أن نزاحم الرجال وأبونا شيخ وهو شعيب نبي القوم وكلهم يحسدونه على ما تاه الله من الغنم وغيرها وقال لهما موسى وهذا الماء لهم خاصة؟ قالتا لا بل لجميع الخلق.
وكانوا إذا فرغوا عمدوا إلى حجر كبير عظيم يطبقونه على رأسا البئر لا يقدر على تنحيته.
فسكت موسى ﵇ حتى فرغ الناس من سقي أغنامهم فاجتمعوا وطبقوا وانصرفوا فقام موسى ﵇ وقال للمرأتين قربا أغنامكما إلى الحوض إنه تقدم إلى البئر وضرب الصخرة برجله فرماها أربعين ذراعاً ضعفه من الجوع وافرغ من سقي أغنامهما تولى إلى الظل وهي شجرة كانت هناك فقال (رب لما أنزلت إلي من خير فقير).
فانصرفت المرأتان إلى أبيها شعيب وأخبرتاه بما كان فقال لأحدهما فأتني به فأقبلت إلى موسى وأومأت إليه وقالت إن أبي يدعوك ليجزك أجر ما سقيت لنا فقام موسى ومرت المرأة بين يديه فكشف الريح عن ساقها فقال لها موسى تأخري خلفي ودليني على الطريق فتأخرت وكانت تقول يمينك عن شمالك خلفك وقدامك حتى وقف على باب شعيب فبادرت المرأة أبيها وأخبرته فأذن له بالدخول - وشعيب يومئذ شيخ كبير وقد كف بصره -.
стр. 104
فسلم موسى ﵇ فرد ﵇ وعانقه ثم أجلسه بين يديه وسأله عن حاله وقصته فأخبره بخبره وقص عليه قصته فقال لا تخف نجوت من القوم الظالمين وأتاه بطعام فقال بسم الله الرحمن الرحيم وأكل ولما فرغ من أكله حمد الله تعالى أثنى عليه بالجميل فقال بنت شعيب - واسمها صافورا - (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين).
فرغب شعيب فيه لقوته وأمانته فقال (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشراً فمن عندك فرضى موسى وقال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل) فرض شعيب وجمع المؤمنين من أهل مدين وزوجه ابنته صافورا ودخل موسى البيت وجعل يرعى الغنم فرعى غنم شعيب عشر حجج وهي عشر سنين.
(قصة رجوعه من أرض مدين)
ثم قصد موسى السير إلى أهله فبكى شعيب وقال يا موسى كيف تخرج عني وقد ضعفت وكبرت؟ فقال موسى قد طالت غيبتي عن أمي وخالتي وهارون أخي وأختي فإنهم في أسر فرعون فقام شعيب وبسط يديه إلى ربه وقال يا رب إبراهيم الخليل وإسماعيل الصفي وإسحاق الذبيح ويعقوب الكظيم ويوسف الصديق رد قوتي وبصري فأمن موسى على دعائه فرد الله عليه بصره وقوته ثم أوصاه بابنته.
وسار موسى وأهله وضرب خيمته على الوادي وأدخل أهله فيها وهطلت السماء بالمطر والثلج وكانت امرأته حاملاً فأخذها الطلق فأراد أن يقدح فلم يظهر له نار فاغتنم لذلك وإذا هو بنار من بعد (فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) فأتى نحو النار فلما دنا منها رأى نوراً ممتداً من السماء إلى شجرة عظيمة من الغوسج وقيل من العناب فتحير
стр. 105
وخاف فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن من الشجرة (إن يا موسى إني أنا الله ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) ثم قال (وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى) قال الله (ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى فلما رآها ولى مدبراً) ولم يعقب فسمع النداء هل يملك أحد الموت والحياة غير الله ؟ فرجع موسى إلى موضعه والحية على حالها فقال الله تعالى (خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) فأدخل يده في كمه ليأخذها فسمع النداء أرأيت لو أذنت لها أن تضربك أكان يغنيك كمك؟ فكشف يده وأدخلها في فمها فإذا هي عصا كما كانت.
قال (أضم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء) أي من غير برص آية أخرى مع العصا فعند ذلك أنس موسى وذهب عنه الخوف قال الله يا موسى أني اخترتك على الناس برسالاتي وبكلامي لأبعثك لعبد من عبيدي كفر بنعمتي وتسمى باسمي واستعبد عبيدي ولولا حلمي وكرمي لأهلكته ولكن هان علي وأنا مستغن عنه أمهله لأقيم عليه حجتي فبلغه رسالتي وادعه إلى عبادتي.
فقال موسى (رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي - يعني يعرفوا كلامي - واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) يعني يكون عوناً لي على الرسالة قال الله تعالى (قد أوتيت سؤلك يا موسى ثم تذكر ما كان منه من قتل النفس فخافهم (فقال رب إني قتلت منهم نفساً فأخاف أن يقتلون قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون) ثم قال (اذهبا - يعني هو وهارون - إلى فرعون أنه طغى *
стр. 106
- في القول والفعل - فقولا له ليناً لعله يتذكر أو يخشى … قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى … - فيقتلنا - قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى … فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل ربك فأرسل معنا بني إسرائيل .. ).
وهذه المخاطبة كانت له وحده والرسالة له ولأخيه هارون.
ومر موسى في المخاطبة مع ربه وزوجته صافورا بنت شعيب قد اشتد بها الطلق فسمع أنينها سكان ذلك الوادي فأتوا إليها أوقدوا عندها ناراً وجلسوا عندها ثم اقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلاً.
(قصة دخوله إلى مصر)
فأوحى الله تعالى إلى أخيه هارون بقدوم موسى إلى مصر وهارون كان يومئذ وزيراً من وزراء فرعون لا يفارقه ليلاً ولا نهاراً وكانت الأبواب مغلقة فاحتمله الملك إلى قارعة الطريق ثم قال له امض يا هارون واستقبل أخاك فقال له هارون وكيف أسلك الطريق في هذا الليل وأنا لا أعرفه فنزل عليه جبريل وبشره بالرسالة مع أخيه موسى إلى فرعون ثم احتمله الملك حتى أتى به إلى شاطئ النيل فالتقى بأخيه موسى وتعانقا وبشره بالرسالة ثم أقبلا يريدان أممهما فاجتمعا بها وأخبرها موسى بما كان من أمره ثم حمل جبريل هارون من عند أمه إلى منزل فرعون.
ثم خرج موسى متنكراً ينظر ما أحدثه فرعون بأرض مصر من البنيان ثم قصد الاجتماع بفرعون فحضر إلى بابه فمنهم من يعرفه ومنهم من ينكره ثم علم به فرعون فتغير لونه وارتعدت مفاصله ثم إن هامان أمسكه وحبسه وأخبر فرعون بأمره وإنه حبسه فدعا فرعون بالفراشين وزين قصره وأحضره.
فلما نظر فرعون إلي موسى عرفه ولكنه قال من أنت؟ قال أنا عبد الله ورسوله وكليمه فقال فرعون إنك عبدي وابن أمتي فقال موسى إن الله أعز من أن يكون له ند أو ضد فقال له فرعون يا موسى أنت رسول
стр. 107
إلي وحدي؟ فقال موسى إليك وإلى جميع أهل مصر فقال فرعون بماذا أنت؟ قال أن تقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن موسى عبده ورسوله قال له فرعون فما حجتك فإن لكل مع بين وبرهاناً فقال موسى بينتك بينة واحدة تؤمن بي؟ قال نعم قال موسى يا هارون انزل عن كرسي فنزل هارون ثم قال (يا فرعون أنا رسولا ربك إليك فأرسل معنا إسرائيل ولا تعذبهم - يعني بالبناء ونقل الأحجار - قد جئناك بآية من ربك).
قال فتحير فرعون لأن هارون كان عنده وهو يظن إنه يساعده على أخيه قصاصه به وقربه منه.
ثم قال فمن ربكما يا موسى؟ (قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم يميته) وكان هارون كلما تكلم أخوه موسى بشيء صدقه فيه وأعانه عليه فرعون على هارون فخلع ما كان عليه من اللباس حتى بقي هارون بالسراويل قام موسى ﵇ ونزع مدرعة مما عليه وألبسها لهارون ثم نزل البس ﵇ بقميص من الجنة فأفرغه على هارون.
فتحير فرعون في أمره ثم أمر هامان بحملها إلى داره ومداراتهما على أن يأمر إلى طاعته فلم يلتفتا إلى قوله فجاء هامان وأخبر فرعون إنهما لم يقبلا ولم يلتفتا إلى قوله.
فأحضرهما فرعال لموسى (ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من السنين وفعلت فعلتك التي فعلت - يعني القتل - قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين لست منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين) يعني إليك يا فرعون قال له (وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت نبي إسرائيل - يعني إنك جعلت إسرائيل عبيداً لك - تذبح أبناءهم وتستحي نساءهم) وكان فرعون متكئاً أي جالساً (فقال وما رب العالمين … قال موسى رب السماوات والأرض وما بينهما وكنتم موقنين … فالتفت فرعون إلى من حوله وقال ألا تسمعون … - يعني إلى
стр. 108
قول موسى - قال موسى ربكم ورب آبائكم الأولين … قال فرعون أن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون … قال موسى رب المشرق والمغرب ومل بينهما أن كنتم تعقلون … قال فرعون لموسى لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين … قال أولو جئنك بشيء مبين … - يعني بآية بينة - قال فأت بها إن كنت من الصادقين).
(قصة الحية واليد البيضاء)
فبينما هما في المجادلة إذا بالعصا قد اضطربت في كف موسى فناداه جبريل (ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى) أي ثعبان مبين والناس ينظرون إليه وقام على رجليه حتى أشرف على الحائط وجعل يقلع الصخور من قصر فرعون ويهدمها وجعلت تتنفس في البيوت والخزائن واشتعلت ناراً وجعلت تهيج كما يهيج الجمل ولها صوت كالرعد القاصف والناس يهربون منها وآسية تنظر وتتعجب من ذلك فلما نظر فرعون إلى ذلك وثب عن سريره وقد أحدث في ثيابه وأخذت الحية ذيل ثيابه حتى رمى بنفسه خلف السرير وقال يا موسى بحق التربية والرضاع وبحق آسية قال فلما سمع موسى بذكر آسية صاح بالحية فأقبلت نحوه كالكلب فأدخل يده في فيها وقبض على لسانها فإذا هي عصا كما كانت بقدر الله تعالى.
فلما نظر فرعون إلى ذلك قال يا موسى لقد حويت سحراً عظيماً هل عندك غير هذا؟ قال نعم فأدخل يده في جيبه ثم أخرجها وهي بيضاء ولها نور ثم ردها إلى جيبه وأخرجها وإذا هي على لونها الأول كما كانت.
فأقبل فرعون على قومه وقال (إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون).
(قصة السحرة)
ثم أقبل الملأ من قوم فرعون عليه وقالوا (أيها الملك إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما فأخرجهما وأبعث في المدائن حاشرين … يأتوك
стр. 109
بكل ساحر عليم) فأمر فرعون بذلك وأرسل قصاده إلى جميع البلاد فاجتمع إليه سبعون ألف ساحر وهم أحذق الخلق ثم بعث إلى موسى ودعاه وقال فرعون للسحرة اجتهدوا أن تغلبوا موسى.
ثم اجتمع الناس في صعيد واحد لينظروا من يكون الغالب وخرج فرعون بجنده فأقبل موسى وهارون وقد أحدقت بهم الملائكة وكان السحرة قد أخرجوا ثلاثمائة وقر منن الحبال والعصي وسحروا أعين الناس فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم إنها تسعى فامتلأ الوادي من العصي والحبال وجعلت تركض بعضها على بعض (فأوجس في نفسه خفية موسى فأوحى الله إليه لا تخف إنك أنت الأعلى والق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) فزال عن موسى الخوف وقال (ما جئتم به السحر أن الله سيبطله أن الله لا يصلح عمل المفسدين) ثم ألقى عصاه في وسط الوادي وبطل ما أظهروه من السحر وإذا هو حبال وعصي فصارت عصا موسى ثعباناً لها سبع رؤوس ثم أتت على حبالهم وعصيهم فابتلعها عن آخرها وجميع ما في الوادي من زينة فرعون ثم حملت على السحرة فولوا هاربين على وجوهم ثم اجتمعوا في موضع واحد وقالوا ما هذا سحر إنا آمنا بربنا ثم خرجوا بأجمعهم ساجدين.
فاغتم فرعون لذلك وقال للسحرة (آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فسوف تعلمون) فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وأمر بصلبهم أجمعين.
(قصة الصرح)
ثم أقبل فرعون على هامان وقال له (ابن لي صرحاً - يعني قصراً مشيداً - لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موس وإني لأظنه كاذباً) يعني في رسالته فجمع هامان خمسين ألف بناء وصانع وأخذ في ذلك ولم يزالوا حتى
стр. 110
بنوا الصرح وارتفع في الهواء ارتفاعاً لم يبلغه أحد من بني آدم.
قال واشتد ذلك على هارون وموسى لأن بني إسرائيل كانوا معذبين في بنائه فلما فرغوا من بنائه وارتفاعه ارتقى فرعون فوقه وأخذ سهماً ورمى به نحو السماء فرد إليه وهو ملطخ بالدم فقال الكلب قد قتلت إله موسى فأمر الله جبريل إن يهدم الصرح فجعل عاليه سافله ومات كل من كان فيه من الفعلة ممن كان على دين فرعون.
(قصة الآيات التسع)
ثم إن الله تعالى حبس عن قوم فرعون المطر فأجدبت الأرض عليهم وماتت المواشي وخرب الصرح وجاءهم الطوفان فدام عليهم ثمانية أيام بلياليها وبعث الله عليهم الجراد فأكل جميع ما عندهم ثم بعث الله القمل حتى أكل جميع ما على وجه الأرض ووقع في ثيابهم فقرضها وقرض أيديهم ثم أرسل الله عليهم الضفادع فكانت عليهم أشد من الكل لأنها كانت تقتحم في طعامهم وفي دورهم وفي ثيابهم ثم أوحى الله تعالى إلى موسى (إن أضرب بعصاك البحر) فصار دماً عبيطاً من وقته فاشتد بهم العطش.
وكان الفرعوني والإسرائيلي يعمدان إلى موضع واحد يستقيان فإذا أخذ الإسرائيلي يكون ماء وإذا أخذ الفرعوني يكون دماً فدام ذلك عليهم ثمانية أيام حتى أجهدهم العطش وكان بين كل آية أربعون يوماً فهذه الآيات التسع.
(قصة المسخ وقتل آسية)
ثم دعا عليهم موسى وأمن على دعائه هارون فمسخ الله كثيراً منهم حتى أصبح الرجال والنساء والصبيان حجارة.
ثم إن آسية أظهرت الإنكار على فرعون وواجهته بقبح القول فقتلها لعنة الله عليه.
ثم بعث الله الظلمة على أهل مصر ثلاثة أيام فلم يعرفوا الليل من النهار.
следующие страницы →