← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى]ـ المؤلف: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري الدرعي الجعفري السلاوي (المتوفى: ١٣١٥هـ) المحقق: جعفر الناصري/ محمد الناصري الناشر: دار الكتاب - الدار البيضاء سنة النشر: عدد الأجزاء: ٣ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمد لله الْملك المعبود الرؤوف الرَّحِيم الْوَدُود الْمخْرج لِلْخلقِ من ظلمَة الْعَدَم إِلَى نور الْوُجُود الفاتح عَلَيْهِم بمعرفته والتحقق بوحدانيته كل بَاب مسدود الدَّال لَهُم على باهر حكمته وعظيم قدرته بِالْمَعْنَى الْمَعْقُول والحس الْمَشْهُود فَلَا يرتاب فِي أَنه الْوَاحِد الْقَدِير الْعَلِيم الْخَبِير إِلَّا الكفور الكنود خلق الْعباد وَقدر آجالهم وأحصى أنفاسهم وأمالهم وأوقفهم من شَرعه على نهج سوي وحد مَحْدُود فَمن وقف عِنْده وأطاع فقد فَازَ من ثَمَرَة الإيجاد بِالْمَقْصُودِ وَمن حاد عَنهُ واستكبر فقد أورد نَفسه الردى وَبئسَ الْورْد المورود نحمده تَعَالَى على مَا أَسْبغ من النعم الْبيض وكسا من البرود وأزاح من الْعِلَل وَوقى من النوب السود ونشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ شَهَادَة نتبوأ بهَا من الْجنان السدر المخضود

стр. 3

والطلح المنضود والظل الْمَمْدُود ونشهد أَن سيدنَا وَنَبِينَا ومولانا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أكْرم مَبْعُوث وأشرف مَوْلُود صَاحب الْمقَام الْمَحْمُود واللواء الْمَعْقُود والحوض المورود صلى الله عَلَيْهِ وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين هم فِي محافل السّلم بدور وَفِي جحافل الْحَرْب أسود وَلَهُم فِي أَتْبَاعه ونصرته الْيَد الْبَيْضَاء والباع الْمَمْدُود وَالدُّعَاء لأمير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا الْحسن ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُؤمنِينَ مَوْلَانَا عبد الرَّحْمَن كَوْكَب السُّعُود ومنبع الْكَرم والجود والمنير بطلعته الغراء وإمامته الْبَيْضَاء الأغوار والنجود لَا زَالَت بِهِ مِلَّة الْإِسْلَام بحول الله فِي صعُود تردي الْكفْر وتنفي الْبَغي وتذود وتصول على الضلال وَتسود آمين وَبعد فَيَقُول مُؤَلفه أَحْمد بن خَالِد الناصري السلاوي عَفا الله عَنهُ هَذَا بعون الله كتاب الِاسْتِقْصَاء لأخبار دوَل الْمغرب الْأَقْصَى كتاب جمعته لنَفْسي وَلمن شَاءَ الله من أَبنَاء جنسي ذكرت فِيهِ دوَل هَذَا الْقطر المغربي من لدن الْفَتْح الإسلامي إِلَى وقتنا هَذَا الَّذِي هُوَ آخر الْقرن الثَّالِث عشر سالكا فِيمَا أنقله من ذَلِك سَبِيل الِاخْتِصَار آتِيَا مِنْهُ بِمَا تسمو إِلَيْهِ النُّفُوس من حوادث الْأَعْصَار ملما بِمَا لَا بُد مِنْهُ من وفيات بعض الْأَئِمَّة المقتدى بهم فِي الدّين متبركا أَولا بِذكر رَسُول الله ﷺ وخلفائه الرَّاشِدين متحريا من القَوْل أَصَحهَا وَمن الْعبارَات أفصحها وَالله تَعَالَى المسؤول فِي بُلُوغ المأمول فَمِنْهُ سُبْحَانَهُ الْمِنَّة والطول وَبِيَدِهِ تَعَالَى الْقُوَّة والحول

стр. 4

مُقَدّمَة فِي فضل علم التَّارِيخ اعْلَم أَن علم التَّارِيخ من أجل الْعُلُوم قدرا وأرفعها منزلَة وذكرا وأنفعها عَائِدَة وذخرا وَكَفاهُ شرفا أَن الله تَعَالَى شحن كِتَابه الْعَزِيز الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه من أَخْبَار الْأُمَم الْمَاضِيَة والقرون الخالية بِمَا أفحم بِهِ أكَابِر أهل الْكتاب وأتى من ذَلِك بِمَا لم يكن لَهُم فِي ظن وَلَا حِسَاب ثمَّ لم يكتف تَعَالَى بذلك حَتَّى امتن بِهِ على نبيه الْكَرِيم وَجعله من جملَة مَا أسداه إِلَيْهِ من الْخَيْر العميم فَقَالَ جلّ وَعلا ﴿تِلْكَ الْقرى نقص عَلَيْك من أنبائها﴾ وَقَالَ ﴿وكلا نقص عَلَيْك من أنباء الرُّسُل مَا نثبت بِهِ فُؤَادك﴾ وَقَالَ ﴿لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب﴾ وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ كثيرا مَا يحدث أَصْحَابه بأخبار الْأُمَم الَّذين قبلهم ويحكي من ذَلِك مَا يشْرَح بِهِ صُدُورهمْ وَيُقَوِّي إيماناهم ويؤكد فَضلهمْ وَكتاب بَدْء الْخلق من صَحِيح البُخَارِيّ ﵀ كَفِيل بِهَذَا الشَّأْن وَآت من الْقدر المهم مِنْهُ مَا يبرد غلَّة العطشان قَالَ بَعضهم احْتج الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن على أهل الْكِتَابَيْنِ بالتاريخ فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أهل الْكتاب لم تحاجون فِي إِبْرَاهِيم وَمَا أنزلت التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إِلَّا من بعده أَفلا تعقلون﴾ وَحكى بدر الدّين الْقَرَافِيّ ﵀ إِن الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ كَانَ يَقُول مَا مَعْنَاهُ دأبت فِي قِرَاءَة علم التَّارِيخ كَذَا وَكَذَا سنة وَمَا قرأته إِلَّا لأستعين بِهِ على الْفِقْه

стр. 5

قلت معنى كَلَام الشَّافِعِي هَذَا أَن علم التَّارِيخ لما كَانَ مطلعا على أَحْوَال الْأُمَم والأجيال ومفصحا عَن عوائد الْمُلُوك والأقيال ومبينا من أعراف النَّاس وأزيائهم ونحلهم وأديانهم مَا فِيهِ عِبْرَة لمن اعْتبر وَحِكْمَة بَالِغَة لمن تدبر وافتكر كَانَ معينا على الْفِقْه وَلَا بُد وَذَلِكَ أَن جلّ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة مَبْنِيّ على الْعرف وَمَا كَانَ مَبْنِيا على الْعرف لَا بُد أَن يطرد باطراده وينعكس بانعكاسه وَلِهَذَا ترى فتاوي الْفُقَهَاء تخْتَلف باخْتلَاف الْأَعْصَار والأقطار بل والأشخاص وَالْأَحْوَال وَهَذَا السَّبَب بِعَيْنِه هُوَ السِّرّ فِي اخْتِلَاف شرائع الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وتباينها حَتَّى جَاءَ مُوسَى بشرع وَعِيسَى بآخر وَمُحَمّد بسوى ذَلِك صلى الله على جَمِيعهم وَسلم تمّ فَائِدَة التَّارِيخ لَيست محصورة فِيمَا ذَكرْنَاهُ بل لَهُ فَوَائِد أخر جليلة لَو قيل بِعَدَمِ حصرها مَا بعد قَالَ الْجلَال السُّيُوطِيّ ﵀ من فَوَائِد التَّارِيخ وَاقعَة رَئِيس الرؤساء الْمَشْهُورَة مَعَ الْيَهُود بِبَغْدَاد وحاصلها أَنهم أظهرُوا رسما قَدِيما يتَضَمَّن أَن رَسُول الله ﷺ أَمر بِإِسْقَاط الْجِزْيَة عَن يهود خَيْبَر وَفِيه شَهَادَة جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم عَليّ بن أبي طَالب ﵁ فَرفع الرَّسْم إِلَى رَئِيس الرؤساء وعظمت حيرة النَّاس فِي شَأْنه ثمَّ عرض على الْحَافِظ أبي بكر الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فَتَأَمّله وَقَالَ هَذَا مزور فَقيل لَهُ بِمَ عَرفته قَالَ فِيهِ شَهَادَة مُعَاوِيَة وَهُوَ إِنَّمَا أسلم عَام الْفَتْح سنة ثَمَان من الْهِجْرَة وخيبر فتحت سنة سبع وَفِيه شَهَادَة سعد بن معَاذ وَهُوَ مَاتَ يَوْم بني قُرَيْظَة وَذَلِكَ قبل فتح خَيْبَر فسر النَّاس بذلك وزالت حيرتهم اه قَالَ الْعَلامَة القادري فِي الأزهار الندية وَفِي حُدُود صدر هَذِه الْمِائَة أَعنِي الْمِائَة الْحَادِيَة عشرَة ظهر نَحْو هَذَا الْكتاب المزور بِمَعْنَاهُ وَالرَّفْع على خطوطه بتاريخ سبع وَعشْرين وَسَبْعمائة

стр. 6

بِالْمُوَحَّدَةِ ثمَّ ظهر أَيْضا بتاريخ سِتّ وَثَمَانمِائَة ثمَّ تعدد ظُهُوره مرَارًا آخرهَا سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَألف مُسَمّى فِيهِ جمَاعَة مِمَّن شهرتهم بِالدّينِ وَالْعلم قاطعه بالتقول عَلَيْهِم فِي ذَلِك انْظُر بَقِيَّة كَلَامه قلت وَقد وقفت فِي بعض التقاييد المظنون بهَا الصِّحَّة على كَلَام للأديب أبي عبد الله اليفرني الْمَعْرُوف بالصغير فِي هَذَا الْمَعْنى قَالَ جرى بِمَجْلِس شَيخنَا قَاضِي الْجَمَاعَة فلَان الْفُلَانِيّ ذكر علم التَّارِيخ فَقَالَ إِن علم التَّارِيخ يضر جَهله وَتَنْفَع مَعْرفَته لَا كَمَا قيل إِنَّه علم لَا ينفع وجهالة لَا تضر قَالَ وَانْظُر مَا وَقع فِي هَذَا الْوَقْت فِي حُدُود عشر وَمِائَة ألف من أَن نَفرا من يهود فاس الْجَدِيد امْتَنعُوا من أَدَاء الْجِزْيَة وأخرجوا ظهيرا قَدِيما مضمنه أَن النَّبِي ﷺ عقد لمُوسَى بن حييّ بن أَخطب أخي صَفِيَّة ﵂ وَلأَهل بَيت صَفِيَّة الْأمان لَا يطَأ أَرضهم جَيش وَلَا عَلَيْهِم نزل وَلَهُم ربط العمائم فعلى من أحب الله وَرَسُوله أَن يؤمنهم وَكتب عَليّ بن أبي طَالب وَشهد عَتيق بن أبي قُحَافَة وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وتاريخ شَهَادَتهم فِي ذِي الْقعدَة سنة تسع من الْهِجْرَة قَالَ شَيخنَا فَظهر لي ولعلماء الْعَصْر أَن ذَلِك زور وافتراء لَا شكّ فِيهِ وَلَا امتراء لِأَن التَّارِيخ بِالْهِجْرَةِ إِنَّمَا حدث زمن عمر سنة سبع عشرَة لأسباب

стр. 7

اقْتَضَت ذَلِك كَمَا فِي ابْن حجر وَلِأَن أهل التَّارِيخ لم يذكرُوا لصفية أَخا اسْمه مُوسَى وَإِنَّمَا الْمَرْوِيّ فِي الْأَحَادِيث أَنه ﵊ قتل أَبَا صَفِيَّة وَزوجهَا وَلِأَن الظهير الَّذِي استظهروا بِهِ نُسْخَة من الأَصْل الَّذِي فِيهِ خطوط الصَّحَابَة وَقد أَرخُوا الاستنساخ من الأَصْل بِسنة ثَلَاث وَعشْرين وَسَبْعمائة فقد تَأَخّر خطّ الصَّحَابَة بزعمهم إِلَى الْمِائَة الثَّامِنَة وَكَيف يتَوَصَّل فِي الْمِائَة الثَّامِنَة إِلَى أَن ذَلِك خطّ الصَّحَابَة هَذَا خُلَاصَة مَا كتبه أهل فاس فِي إبِْطَال الظهير وَلما رفع ذَلِك إِلَى السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ عاقب الْيَهُود عقَابا شَدِيدا اه وَبِالْجُمْلَةِ ففضيلة علم التَّارِيخ شهيرة وَفَائِدَته جليلة خطيرة ومادحه مَحْمُود غير ملوم والْحَدِيث بفضله حَدِيث بِمَعْلُوم وَللَّه در ابْن الْخَطِيب إِذْ يَقُول (وَبعد فالتاريخ والإخبار ... فِيهِ لنَفس الْعَاقِل اعْتِبَار) (وَفِيه للمستبصر استبصار ... كَيفَ أَتَى الْقَوْم وَكَيف صَارُوا) (يجْرِي على الْحَاضِر حكم الْغَائِب ... فَيثبت الْحق بِسَهْم صائب) (وَينظر الدُّنْيَا بِعَين النبل ... وَيتْرك الْجَهْل لأهل الْجَهْل) وَقَالَ الآخر (لَيْسَ بِإِنْسَان وَلَا عَاقل ... من لَا يعي التَّارِيخ فِي صَدره) (وَمن روى أَخْبَار من قد مضى ... أضَاف أعمارا إِلَى عمره)

стр. 8

ذكر رَسُول الله ﷺ وخلفائه الْأَرْبَعَة ﵃ أما رَسُول الله ﷺ فَهُوَ أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كَعْب بن لؤَي بن غَالب بن فهر بن مَالك بن النَّضر بن كنَانَة بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن اليسع بن الهيميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ﵉ ابْن تارح وَهُوَ آزر بن ناحور بن ساروغ بن أرغو بن فالغ بن عَابِر بن شالخ بن أرفخشد بن سَام بن نوح ﵇ ابْن لامك بن متوشلخ بن حنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيت بن آدم ﵉ فَأَما مَا بَين رَسُول ﷺ وَبَين عدنان فمتفق عَلَيْهِ عِنْد عُلَمَاء الْإِسْلَام وَأما مَا بَين عدنان وَإِسْمَاعِيل فمختلف فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا مَا بَين سَبْعَة آبَاء إِلَى نَحْو الْأَرْبَعين وَالْمُخْتَار مَا ذَكرْنَاهُ تبعا لأبي الْفِدَاء وَأما مَا بَين إِسْمَاعِيل وآدَم ﵉ فمتفق عَلَيْهِ عِنْد أهل الْكتاب وَهِي أَسمَاء أَعْجَمِيَّة يكثر تغييرها لصعوبة النُّطْق بحروفها وَالله أعلم قَالَ ابْن خلدون ولد رَسُول الله ﷺ عَام الْفِيل لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة خلت من ربيع الأول لأربعين سنة من ملك كسْرَى أنو شرْوَان وَقيل لثمان وَأَرْبَعين ولثمانمائة واثنتين وَثَمَانِينَ سنة لذِي القرنين وَمَات أَبوهُ عبد الله وَأمه حَامِل بِهِ وكفله جده عبد الْمطلب واسترضع لَهُ امْرَأَة من بني

стр. 9

سعد بن بكر اسْمهَا حليمة بنت أبي ذُؤَيْب السعدية فَكَانَ عِنْدهَا نَحْو أَربع سِنِين وشق صَدره ﷺ وَهُوَ عِنْدهَا فِي السّنة الرَّابِعَة من مولده فخافت عَلَيْهِ وردته إِلَى أمه ثمَّ مَاتَت أمه عقب ذَلِك وَاسْتمرّ فِي كَفَالَة جده عبد الْمطلب إِلَى أَن توفّي أَيْضا لمضي ثَمَان سِنِين من مولده ﷺ فأوصى بِهِ عبد الْمطلب إِلَى ابْنه أبي طَالب فَكَفَلَهُ أَبُو طَالب أحس كَفَالَة وَقَامَ بِشَأْنِهِ أتم قيام وَنَشَأ ﷺ نشأة طيبَة يحفظه ربه ويكلؤه لما يُرِيد بِهِ من كرامته ويهيء لَهُ من نبوته ورسالته وَتزَوج خَدِيجَة بنت خويلد بن أَسد بن عبد الْعُزَّى بن قصي وَهُوَ ابْن خمس وَعشْرين سنة وَشهد بِنَاء الْكَعْبَة وَهُوَ ابْن خمس وَثَلَاثِينَ سنة وَوضع الْحجر الْأسود بِيَدِهِ الشَّرِيفَة فِي مَوْضِعه بعد أَن تراضت قبائل قُرَيْش عَلَيْهِ ثمَّ آتَاهُ الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة على رَأس أَرْبَعِينَ سنة من عمره ﷺ أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت أول مَا بدىء بِهِ رَسُول الله ﷺ من الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَة وَلمُسلم الصادقة فِي النّوم فَكَانَ لَا يرى رُؤْيا إِلَّا جَاءَت مثل فلق الصُّبْح ثمَّ حبب إِلَيْهِ الْخَلَاء فَكَانَ يَخْلُو بِغَار حراء يَتَحَنَّث فِيهِ والتحنث التَّعَبُّد اللَّيَالِي ذَوَات الْعدَد قبل أَن يرجع إِلَى أَهله ويتزود لذَلِك ثمَّ يرجع إِلَى خَدِيجَة فيتزود لمثلهَا حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْي وَفِي رِوَايَة حَتَّى فجئه الْحق وَهُوَ فِي غَار حراء فَجَاءَهُ الْملك فَقَالَ اقْرَأ فَقَالَ (مَا أَنا بقارىء قَالَ فأخذني فغطني حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ اقْرَأ قلت مَا أَنا بقاريء فأخذني فغطني الثَّانِيَة حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ ﴿اقْرَأ فَقلت مَا أَنا بقارىء فأخذني فغطني الثَّالِثَة حَتَّى بلغ مني الْجهد ثمَّ أَرْسلنِي فَقَالَ﴾ (اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم) فَرجع بهَا رَسُول الله ﷺ ترجف بوادره حَتَّى دخل على خَدِيجَة فال (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي) فزملوه حَتَّى ذهب عَنهُ الروع ثمَّ قَالَ لِخَدِيجَة (أَي خَدِيجَة مَالِي) وأخبرها الْخَبَر وَقَالَ (لقد خشيت على نَفسِي) قَالَت لَهُ خَدِيجَة كلا أبشر

стр. 10

فو الله لَا يخزيك الله أبدا إِنَّك لتصل الرَّحِم وَتصدق الحَدِيث وَتحمل الْكل وتكسب الْمَعْدُوم وتقري الضَّيْف وَتعين على نَوَائِب الْحق فَانْطَلَقت بِهِ خَدِيجَة حَتَّى أَتَت بِهِ ورقة بن نَوْفَل بن أَسد بن عبد الْعُزَّى وَهُوَ ابْن عَم خَدِيجَة وَكَانَ امراءا تنصر فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَ يكْتب الْكتاب العبراني فِي كتب من الْإِنْجِيل بالعبرانية مَا شَاءَ الله أَن يكْتب وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد عمى فَقَالَت لَهُ خَدِيجَة أَي ابْن عَم اسْمَع من ابْن أَخِيك فَقَالَ لَهُ ورقة يَا ابْن أخي مَاذَا ترى فَأخْبرهُ رَسُول الله ﷺ خبر مَا رأى فَقَالَ لَهُ ورقة هَذَا الناموس الَّذِي أنزل الله على مُوسَى يَا لَيْتَني فِيهَا جذعا لَيْتَني أكون حَيا إِذْ يخْرجك قَوْمك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (أَو مخرجي هم) قَالَ نعم لم يَأْتِ رجل قطّ بِمثل مَا جِئْت بِهِ إِلَّا عودي وَإِن يدركني يَوْمك أنصرك نصرا مؤزرا ثمَّ لم يلبث ورقة أَن توفّي وفتر الْوَحْي فَتْرَة حَتَّى حزن النَّبِي ﷺ فِيمَا بلغنَا حزنا غَدا مِنْهُ مرَارًا كي يتردى من رُؤُوس شَوَاهِق الْجبَال فَكلما أوفى بِذرْوَةِ جبل لكَي يلقِي نَفسه مِنْهُ تبدى لَهُ جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِنَّك رَسُول الله حَقًا فيسكن لذَلِك جأشه وتقر عينه فَيرجع فَإِذا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَة الْوَحْي غَدا لمثل ذَلِك فيتبدى لَهُ جِبْرِيل فَيَقُول لَهُ مثل ذَلِك ثمَّ نزل عَلَيْهِ بعد فَتْرَة الْوَحْي سُورَة المدثر قَالَ الْعلمَاء كَانَ رَسُول الله ﷺ بعد نزُول الْوَحْي عَلَيْهِ نَبيا فَقَط ثَلَاث سِنِين لم يُؤمر فِيهَا بإنذار ثمَّ أَتَاهُ جِبْرِيل ﵇ برسالة من ربه فَكَانَ فِيمَا أنزل عَلَيْهِ فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ روى مُحَمَّد بن إِسْحَاق بِسَنَدِهِ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ لما نزلت هَذِه الْآيَة على رَسُول الله ﷺ قَالَ (يَا عَليّ إِن الله أَمرنِي أَن أنذر عشيرتي الْأَقْرَبين فضقت بذلك ذرعا وَعرفت أَنِّي مَتى أباديهم بِهَذَا الْأَمر أرى مِنْهُم مَا أكره فَصمت عَلَيْهَا حَتَّى جَاءَنِي جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد إِن لَا تفعل مَا تُؤمر يعذبك رَبك فَاصْنَعْ لنا طَعَاما وَاجعَل لنا عَلَيْهِ رجل شَاة واملأ لنا عسا من لبن ثمَّ اجْمَعْ لي بني عبد الْمطلب حَتَّى أبلغهم مَا أمرت بِهِ) فَفعلت

стр. 11

مَا أَمرنِي بِهِ ثمَّ دعوتهم لَهُ وَكَانُوا يَوْمئِذٍ نَحْو أَرْبَعِينَ رجلا يزِيدُونَ رجلا أَو ينقصونه فيهم أَعْمَامه أَبُو طَالب وَحَمْزَة وَالْعَبَّاس وَأَبُو لَهب فَلَمَّا اجْتَمعُوا دَعَاني بِالطَّعَامِ الَّذِي صنعت فَجئْت بِهِ فَتَنَاول رَسُول الله ﷺ جذبه من اللَّحْم فَشَقهَا بِأَسْنَانِهِ ثمَّ أَلْقَاهَا فِي نواحي الصحفة ثمَّ قَالَ (كلوا باسم الله) فَأكل الْقَوْم حَتَّى مَا لَهُم بِشَيْء من حَاجَة وَايْم الله إِن كَانَ الرجل الْوَاحِد ليَأْكُل مثل مَا قدمت لجميعهم ثمَّ قَالَ (اسْقِ الْقَوْم) فجئتهم بذلك الْعس فَشَرِبُوا حَتَّى رووا جَمِيعًا وَايْم الله إِن كَانَ الرجل الْوَاحِد ليشْرب مثله فَلَمَّا أَرَادَ رَسُول الله ﷺ أَن يكلمهم بدره أَبُو لَهب فَقَالَ سحركم صَاحبكُم فَتفرق الْقَوْم وَلم يكلمهم رَسُول الله ﷺ (فَقَالَ الْغَد يَا عَليّ إِن هَذَا الرجل قد سبقني إِلَى مَا سَمِعت من القَوْل فَتفرق الْقَوْم قبل أَن أكلمهم فاعدد لنا من الطَّعَام مثل مَا صنعت ثمَّ أجمعهم) فَفعلت ثمَّ جمعتهم ثمَّ دَعَاني بِالطَّعَامِ فقربته فَفعل كَمَا فعل بالْأَمْس فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا ثمَّ تكلم رَسُول الله ﷺ فَقَالَ (يَا بني عبد الْمطلب إِنِّي قد جِئتُكُمْ بخيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَقد أَمرنِي الله أَن أدعوكم إِلَيْهِ فَأَيكُمْ يؤازرني على أَمْرِي هَذَا وَيكون أخي ووصيي وخليفتي فِيكُم) فأحجم الْقَوْم عَنْهَا جَمِيعًا وَأَنا أحدثهم سنا فَقلت يَا رَسُول الله أَنا أكون وزيرك عَلَيْهِ فَأخذ برقبتي ثمَّ قَالَ (هَذَا أخي ووصيي وخليفتي فِيكُم فا سمعُوا لَهُ وَأَطيعُوا) فَقَامَ الْقَوْم يَضْحَكُونَ وَيَقُولُونَ لأبي طَالب قد أَمرك أَن تسمع لعَلي وتطيع وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الْأَقْرَبين﴾ صعد النَّبِي ﷺ على الصَّفَا فَجعل يُنَادي (يَا بني فهر يَا بني عدي) لبطون قُرَيْش حَتَّى اجْتَمعُوا فَجعل الرجل إِذْ لم يسْتَطع أَن خرج أرسل رَسُولا لينْظر مَا هُوَ فجَاء أَبُو لَهب وقريش فَقَالَ (أَرَأَيْتكُم لَو أَخْبَرتكُم أَن خيلا بالوادي تُرِيدُ أَن تغير عَلَيْكُم أَكُنْتُم مصدقي) قَالُوا نعم مَا جربنَا عَلَيْك كذبا قَالَ (فَإِنِّي نَذِير لكم بَين يَدي عَذَاب شَدِيد) فَقَالَ أَبُو لَهب تَبًّا لَك سَائِر الْيَوْم أَلِهَذَا جمعتنَا فَنزلت ﴿تبت يدا أبي لَهب وَتب﴾

стр. 12

مَا أغْنى عَنهُ مَاله وَمَا كسب) ثمَّ مضى رَسُول الله ﷺ على أَمر ربه صَابِرًا محتسبا فِيمَا يَنَالهُ من المحن وضروب الْأَذَى مُعْلنا بالتذكير والإنذار دَاعيا إِلَى الله آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار وَأسلم مَعَه جمَاعَة من السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام كخديجة وَعلي وَأبي بكر وَزيد بن حَارِثَة وَعُثْمَان وَسَائِر الْعشْرَة سوى عمر بن الْخطاب فَإِن إِسْلَامه كَانَ قد تَأَخّر قَلِيلا ونصبت قُرَيْش الْعَدَاوَة لرَسُول الله ﷺ وافترقت كلمتهم عَلَيْهِ وانحاز بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب إِلَى أبي طَالب وتعاهدت قُرَيْش على أَن لَا يناكحوهم وَلَا يبايعوهم وَلَا ينفعوهم بِشَيْء ونال أَصْحَاب رَسُول الله الَّذِي آمنُوا مَعَه من الْأَذَى فَوق مَا يُوصف وَهَاجَر جمَاعَة مِنْهُم إِلَى النَّجَاشِيّ بِالْحَبَشَةِ فِرَارًا بدينهم من الْفِتْنَة وحدب على رَسُول الله ﷺ عَمه أَبُو طَالب وَقَامَ دونه وذب عَنهُ سُفَهَاء قُرَيْش وَمنعه مِنْهُم مَا اسْتَطَاعَ وَكَانَت خَدِيجَة ﵂ توازره على أمره وتسليه وتهون عَلَيْهِ مايلقاه من قومه فَكَانَ ﷺ يرتاح لذَلِك ويخف عَلَيْهِ بعض مَا يجد ثمَّ توفّي أَبُو طَالب فِي شَوَّال سنة عشر من النُّبُوَّة وَتوفيت خَدِيجَة بعد ذَلِك بِيَسِير وَكَانَت وفاتهما قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين فعظمت على رَسُول الله ﷺ الْمُصِيبَة وَتَتَابَعَتْ عَلَيْهِ المحن حَتَّى كَانَ يُسَمِّي ذَلِك الْعَام عَام الْحزن ونالت قُرَيْش مِنْهُ مَا لم تكن تطمع فِي نيله قبل ذَلِك فَكَانَ رَسُول الله ﷺ فِي تِلْكَ الثَّلَاث سِنِين إِذا حضر الْمَوْسِم خرج إِلَى قبائل الْعَرَب بمنى وَطَاف عَلَيْهِم قَبيلَة قَبيلَة يَدعُوهُم إِلَى الله تَعَالَى ويعرض عَلَيْهِم نَفسه ويسألهم النُّصْرَة لَهُ وَالْقِيَام مَعَه حَتَّى يبلغ رِسَالَة ربه فَإِن قُريْشًا قد عَتَتْ على الله وكذبت رَسُوله وَردت عَلَيْهِ كرامته وَيَقُول فِيمَا يَقُول (يَا بني فلَان إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم يَأْمُركُمْ أَن تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَأَن تخلعوا مَا تَعْبدُونَ من دونه من هَذِه الأنداد وَأَن تؤمنوا بِي وتصدقوني) وَلَقي ﷺ فِي هَذِه الْمدَّة من الشدائد مَا رفع الله بِهِ فِي عليين دَرَجَته وأجزل بِهِ كرامته وَشرف مَنْزِلَته وَحَازَ بِهِ فِي جوَار الله تَعَالَى أكْرم نزل

стр. 13

وَصَارَ إِمَام أولي الْعَزْم من الرُّسُل صلى الله على جَمِيعهم وَسلم وَلما أَرَادَ الله إِظْهَار دينه وإعزاز نبيه خرج ﷺ فِي بعض المواسم يعرض نَفسه على الْقَبَائِل كَمَا كَانَ يصنع فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْد الْعقبَة بمنى إِذْ لَقِي سِتَّة نفر من الْخَزْرَج من أهل مَدِينَة يثرب وَأَهْلهَا يَوْمئِذٍ قبيلتان الْأَوْس والخزرج ويجمعهم أَب وَاحِد وهم من عرب الْيمن والنفر السِّتَّة هم أَبُو أُمَامَة أسعد بن زُرَارَة وعَوْف بن الْحَارِث وَهُوَ ابْن عفراء وَرَافِع بن مَالك بن العجلان وَقُطْبَة بن عَامر بن حَدِيدَة وَعقبَة بن عَامر بن نابي وَجَابِر بن عبد الله ﵃ فَقَالَ لَهُم رَسُول الله ﷺ (من أَنْتُم) قَالُوا نفر من الْخَزْرَج قَالَ (أَمن موالى يهود) وَكَانُوا يحالفون قُرَيْظَة وَالنضير قَالُوا نعم قَالَ (أَفلا تجلسون حَتَّى أكلمكم) قَالُوا بلَى فجلسوا مَعَه فَدَعَاهُمْ إِلَى ألله وَعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام وتلا عَلَيْهِم الْقُرْآن قَالَ وَمِمَّا كَانَ صنع الله لَهُم فِي الْإِسْلَام أَن الْيَهُود كَانُوا مَعَهم ببلادهم وَكَانُوا أهل كتاب وَعلم وهم أهل أوثان وشرك وَكَانُوا إِذا كَانَ بَينهم شَيْء قَالُوا إِن نَبينَا الان مَبْعُوث قد أظل زَمَانه سنتبعه ونقتلكم مَعَه قتل عَاد وإرم فَلَمَّا كلم رَسُول الله ﷺ أُولَئِكَ النَّفر ودعاهم إِلَى الله قَالَ بَعضهم لبَعض يَا قوم تعلمُوا وَالله إِنَّه النَّبِي الَّذِي توعدكم بِهِ يهود فَلَا يسبقنكم إِلَيْهِ فَأَجَابُوهُ وَصَدقُوهُ وَأَسْلمُوا مَعَه وَقَالُوا إِنَّا قد تركنَا قَومنَا وَبينهمْ من الْعَدَاوَة وَالشَّر مَا بَينهم فَعَسَى الله أَن يجمعهُمْ بك وسنقدم عَلَيْهِم وندعوهم إِلَى أَمرك فَإِن يجمعهُمْ الله عَلَيْك فَلَا أحد أعز مِنْك ثمَّ انصرفوا عَن رَسُول الله ﷺ رَاجِعين إِلَى بِلَادهمْ فَلَمَّا قدمُوا الْمَدِينَة ذكرُوا لَهُم رَسُول الله ﷺ ودعوهم إِلَى الْإِسْلَام حَتَّى فَشَا فيهم فَلم تبْق دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا وفيهَا ذكر رَسُول الله ﷺ حَتَّى إِذا كَانَ الْعَام الْمقبل وافى الْمَوْسِم من الْأَنْصَار اثْنَا عشر رجلا مِنْهُم خَمْسَة من السِّتَّة الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ آنِفا عدى جَابر بن عبد الله فَإِنَّهُ لم يحضرها وَسَبْعَة من غَيرهم وهم معَاذ بن الْحَارِث أَخُو عَوْف بن الْحَارِث الْمَذْكُور وذكوان بن عبد الْقَيْس وَيزِيد بن ثَعْلَبَة البلوي وَعبادَة بن

стр. 14

الصَّامِت وَالْعَبَّاس بن عبَادَة بن نَضْلَة وَهَؤُلَاء الْعشْرَة من الْخَوَارِج وَمن الْأَوْس أَبُو الْهَيْثَم مَالك بن التيهَان وعويم بن سَاعِدَة فَلَقوا رَسُول الله ﷺ بِالْعقبَةِ فَبَايعُوهُ بيعَة النِّسَاء أَن لَا يشركوا بِاللَّه شَيْئا وَلَا يسرقوا وَلَا يزنوا وَلَا يقتلُوا أَوْلَادهم إِلَى آخر الْآيَة فَقَالَ ﷺ (فَإِن وفيتم فلكم الْجنَّة وَإِن غشيتم شَيْئا من ذَلِك فأخذتم بحده فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَة لكم وَإِن ستر عَلَيْكُم فأمركم إِلَى الله إِن شَاءَ الله عذبكم وَإِن شَاءَ غفر لكم) قَالَ وَذَلِكَ قبل أَن تفرض الْحَرْب فَلَمَّا انْصَرف الْقَوْم بعث مَعَهم رَسُول الله ﷺ مُصعب بن عُمَيْر بن هَاشم بن عبد منَاف بن عبد الدَّار بن قصي وَمَعَهُ عَمْرو بن أم مَكْتُوم الْأَعْمَى ليعلمهم الْقُرْآن وَشَرَائِع الْإِسْلَام ويفقهم فِي الدّين فَكَانَ مُصعب بِالْمَدِينَةِ يُسمى المقرىء وَكَانَ منزله على أسعد بن زُرَارَة فَأسلم على يَده كثير من الْأَوْس والخزرج مِنْهُم أسيد بن حضير وَسعد بن معَاذ سيدا الْأَوْس وَسعد هَذَا هُوَ الذ ي يَقُول فِيهِ حسان بن ثَابت ﵁ (وَمَا اهتز عرش الله من أجل هَالك ... سمعنَا بِهِ إِلَّا لسعد أبي عَمْرو) وَلم تبْق دَار من دور الْأَنْصَار إِلَّا وفيهَا رجال وَنسَاء مُسلمُونَ إِلَّا مَا كَانَ من دَار بني أُميَّة بن زيد وخطمة وَوَائِل وواقف بطُون من الْأَوْس وَكَانُوا فِي عوالي الْمَدِينَة وَكَانَ فيهم أَبُو قيس بن الأسلت الشَّاعِر سيدا مُطَاعًا فَوقف بهم عَن الْإِسْلَام حَتَّى هَاجر رَسُول الله ﷺ إِلَى الْمَدِينَة وَمضى بدر وَأحد وَالْخَنْدَق فأسلموا كلهم ثمَّ إِن مُصعب بن عُمَيْر رَجَعَ إِلَى مَكَّة من الْعَام الْمقبل وَذَلِكَ سنة ثَلَاث عشرَة من المبعث وَخرج مَعَه من الْأَنْصَار الَّذين أَسْلمُوا ثَلَاثَة وَسَبْعُونَ رجلا وَامْرَأَتَانِ بَعضهم من الْأَوْس وَبَعْضهمْ من الْخَزْرَج مَعَ حجاج قَومهمْ من أهل الشّرك فَلَمَّا وصلوا إِلَى مَكَّة واعدوا رَسُول الله ﷺ أَن يجتمعوا بِهِ لَيْلًا فِي أَوسط أَيَّام التَّشْرِيق بِالْعقبَةِ من منى وجاءهم رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ عَمه الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَهُوَ يَوْمئِذٍ على دين قومه إِلَّا أَنه أحب أَن يتوثق لِابْنِ أَخِيه فَقَالَ يَا معشر الْخَزْرَج إِن مُحَمَّدًا

стр. 15

منا حَيْثُ قد علمْتُم وَقد منعناه من قَومنَا مِمَّن هُوَ على مثل رَأينَا وَهُوَ فِي عز ومنعة من قومه وبلده وَأَنه قد أَبى إِلَّا الانحياز إِلَيْكُم واللحوق بكم فَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنكُمْ وافون لَهُ بِمَا دعوتموه إِلَيْهِ ومانعوه مِمَّن خَالفه فَأنْتم وَمَا تحملتم من ذَلِك وَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنكُمْ مسلموه وخاذلوه فَمن الْآن فَدَعوهُ فَقَالُوا قد سمعنَا مَا قلت فَتكلم يَا رَسُول الله وَخذ لنَفسك ولربك مَا شِئْت فَتكلم رَسُول الله ﷺ فَتلا الْقُرْآن ودعا إِلَى الله وَرغب فِي الْإِسْلَام ثمَّ قَالَ (أُبَايِعكُم على أَن تَمْنَعُونِي مِمَّا تمْنَعُونَ مِنْهُ أَنفسكُم ونساءكم وأبناءكم) قَالَ فَأخذ الْبَراء بن معْرور بِيَدِهِ ثمَّ قَالَ وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ نَبيا لنمنعنك مِمَّا نمْنَع مِنْهُ أزرنا فَبَايعْنَا يَا رَسُول الله فَنحْن أهل الْحَرْب وَأهل الْحلقَة ورثناهما كَابِرًا عَن كَابر فَاعْترضَ القَوْل والبراء يكلم رَسُول الله ﷺ أَبُو الْهَيْثَم بن التيهَان فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن بَيْننَا وَبَين النَّاس حِبَالًا يَعْنِي عهودا وَإِنَّا قَاطِعُوهَا فَهَل عَسَيْت أَن فعلنَا ذَلِك ثمَّ أظهرك الله أَن ترجع إِلَى قَوْمك وَتَدعنَا فَتَبَسَّمَ رَسُول الله ﷺ ثمَّ قَالَ (بل الدَّم الدَّم وَالْهدم الْهدم أَنْتُم مني وَأَنا مِنْكُم أُحَارب من حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ من سَالَمْتُمْ) وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (أخرجُوا إِلَيّ مِنْكُم اثْنَي عشر نَقِيبًا يكونُونَ كفلاء على قَومهمْ بِمَا فيهم ككفالة الحواريين لعيسى ابْن مَرْيَم فأخرجوا لَهُ اثنى عشر نَقِيبًا) وَتِسْعَة من الْخَزْرَج وَثَلَاثَة من الْأَوْس قَالَ عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة إِن الْقَوْم لما اجْتَمعُوا لبيعة رَسُول الله ﷺ قَالَ الْعَبَّاس بن عبَادَة بن نَضْلَة يَا معشر الْخَزْرَج هَل تَدْرُونَ على مَا تُبَايِعُونَ هَذَا الرجل إِنَّكُم تبايعونه على حَرْب الْأَحْمَر وَالْأسود فَإِن كُنْتُم ترَوْنَ أَنكُمْ إِذا نهكت أَمْوَالكُم مُصِيبَة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فَمن الْآن فَهُوَ وَالله خزي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِن كُنْتُم ترَوْنَ إِنَّكُم وافون لَهُ بِمَا دعوتموه إِلَيْهِ على نهكة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فَخُذُوهُ فَهُوَ وَالله خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالُوا فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فَمَا لنا بذلك يَا رَسُول الله إِن نَحن وَفينَا قَالَ (الْجنَّة) قَالُوا ابْسُطْ يدك فَبسط يَده فَبَايعُوهُ وَأول من

стр. 16

ضرب على يَده الْبَراء بن معْرور ثمَّ تتَابع الْقَوْم ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ (انْفَضُّوا إِلَى رحالكُمْ) فَقَالَ الْعَبَّاس بن عبَادَة بن نَضْلَة وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ لَئِن شِئْت لنميلن غَدا على أهل منى بأسيافنا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (إِنِّي لم أومر بذلك وَلَكِن ارْجعُوا إِلَى رحالكُمْ) ثمَّ انْصَرف الْقَوْم رَاجِعين إِلَى الْمَدِينَة وَأمر النَّبِي ﷺ أَصْحَابه بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَة فَخَرجُوا أَرْسَالًا وَأقَام رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة ينْتَظر الْإِذْن من ربه فِي الْهِجْرَة وَبَقِي مَعَه أَبُو بكر الصّديق وَعلي بن أبي طَالب إِلَى أَن أذن الله لنَبيه فِي الْهِجْرَة فَهَاجَرَ كَمَا هُوَ مَعْلُوم فِي كتب الحَدِيث وَالسير وَلما اسْتَقر رَسُول الله ﷺ بِالْمَدِينَةِ أظهر الْإِسْلَام وَشرع الْأَحْكَام وَبَين الْحَلَال وَالْحرَام وَنزل عَلَيْهِ من الْقُرْآن السَّبع الطول سوى سُورَة الْأَنْعَام فَإِنَّهَا نزلت بِمَكَّة وَنزل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى (أذن للَّذين يُقَاتلُون بِأَنَّهُم ظلمُوا وَإِن الله على نَصرهم لقدير الَّذين أخرجُوا من دِيَارهمْ بِغَيْر حق إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبنَا الله) فَكَانَت هَذِه أول آيَة نزلت بِالْإِذْنِ فِي الْقِتَال فَجَاهد رَسُول الله ﷺ فِي الله حق جهاده ونال من نصْرَة الدّين وإعلاء كلمة الله غَايَة مُرَاده وانثالت عَلَيْهِ وُفُود الْعَرَب من كل نَاحيَة ولبت دَعوته من أماكنها الدانية والقاصية وَضرب الْإِسْلَام بجرانه فِي جَزِيرَة الْعَرَب كلهَا وَأجْمع على التَّمَسُّك بِدِينِهِ أهل عقدهَا وحلها قَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀ فِي كتاب الشفا فتح على رَسُول الله ﷺ فِي حَيَاته بِلَاد الْحجاز واليمن وَجَمِيع جَزِيرَة الْعَرَب وَمَا دانى ذَلِك من الشَّام وَالْعراق وجبى إِلَيْهِ من أخماسها وجزيتها وصدقاتها مَا لَا يجبى للملوك إِلَّا بعضه وهادته جمَاعَة من مُلُوك الأقاليم فَمَا اسْتَأْثر بِشَيْء مِنْهُ وَلَا أمسك مِنْهُ درهما بل صرفه مصارفه وأغنى بِهِ غَيره وقوى بِهِ الْمُسلمين ﷺ وَلما حصل الْمَقْصُود من بعثته ﷺ وَأظْهر دينه على الدّين كُله أنزل الله تَعَالَى عَلَيْهِ ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي ورضيت لكم الْإِسْلَام دينا﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ نزلت هَذِه الْآيَة يَوْم الْجُمُعَة بعد الْعَصْر يَوْم عَرَفَة وَالنَّبِيّ ﷺ وَاقِف بِعَرَفَات على

стр. 17

نَاقَته العضباء فَكَادَتْ عضد النَّاقة تندق وبركت لثقل الْوَحْي وَذَلِكَ فِي حجَّة الْوَدَاع سنة عشر من الْهِجْرَة رُوِيَ أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة بَكَى عمر فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ (مَا يبكيك يَا عمر) فَقَالَ أبكاني أَنا كُنَّا فِي زِيَادَة من ديننَا فَأَما إِذا كمل فَإِنَّهُ لم يكمل شَيْء إِلَّا نقص قَالَ صدقت فَكَانَت هَذِه الْآيَة نعي رَسُول الله ﷺ عَاشَ بعْدهَا إِحْدَى وَثَمَانِينَ يَوْمًا وَمَات ﷺ يَوْم الِاثْنَيْنِ لليلتين خلتا من ربيع الأول وَقيل لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة قَالَ الخازن فِي تَفْسِيره وَهُوَ الْأَصَح سنة إِحْدَى عشرَة من الْهِجْرَة فمجموع عمره ﷺ ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة على الصَّحِيح أخرج البُخَارِيّ وَمُسلم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أنزل على رَسُول الله ﷺ وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة فَمَكثَ ثَلَاث عشرَة سنة يُوحى إِلَيْهِ ثمَّ أَمر بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة فَمَكثَ بهَا عشر سِنِين ثمَّ توفّي ﷺ وَهُوَ ابْن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين النَّوَوِيّ ورد فِي عمره ﷺ ثَلَاث رِوَايَات إِحْدَاهَا أَنه ﷺ توفّي وَهُوَ ابْن سِتِّينَ سنة الثَّانِيَة خمس وَسِتُّونَ سنة وَالثَّالِثَة ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة وَهِي أَصَحهَا وأشهرها اه وَفضل رَسُول الله ﷺ أشهر من أَن يشْرَح وَيبين فَهُوَ حجَّة الله فِي الأَرْض وشهيده على الْخلق ومصطفاه من الْبشر والمخصوص بمزية النُّبُوَّة وآدَم بَين المَاء والطين وَللَّه در ابْن الْخَطِيب إِذْ يَقُول (يَا مصطفى من قبل نشأة آدم ... والكون لم تفتح لَهُ أغلاق) (أيروم مَخْلُوق ثناءك بعد مَا ... أثنى على أخلاقك الخلاق)

стр. 18

خلَافَة أبي بكر الصّديق ﵁ هُوَ أَبُو بكر واسْمه عبد الله وَقيل عَتيق بن أبي قُحَافَة واسْمه عُثْمَان بن عَامر بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن كَعْب التَّيْمِيّ الْمَعْرُوف بِالصديقِ يجْتَمع مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي مرّة بن كَعْب ولي الْخلَافَة بعد رَسُول الله ﷺ بِإِجْمَاع من الصَّحَابَة وَمن تَأَخّر عَنْهَا أَولا رَجَعَ إِلَيْهَا ثَانِيًا إِلَّا مَا كَانَ من سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ فَإِنَّهُ توقف عَن بيعَته وَذَلِكَ أَنه لما توفّي رَسُول الله ﷺ اجْتمعت الْأَنْصَار فِي سَقِيفَة بني سَاعِدَة وهموا بمبايعة سعد بن عبَادَة سيد الْخَزْرَج لأَنهم كَانُوا يرَوْنَ أَنهم أَحَق بِالْأَمر لأَنهم الَّذين آووا ونصروا وتبوأوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبل الْمُهَاجِرين وَلما انْتهى الْخَبَر إِلَى أبي بكر وَعمر أفزعهما ذَلِك وبادرا إِلَى السَّقِيفَة ومعهما أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح فوجدوا الْأَنْصَار بهَا على مَا بَلغهُمْ من الْعَزْم على بيعَة سعد فحاجهم أَبُو بكر ﵁ وَقَالَ نَحن أَوْلِيَاء رَسُول الله ﷺ وعشيرته وأحق النَّاس بِالْأَمر بعده فَنحْن الْأُمَرَاء وَأَنْتُم الوزراء فَقَالَ الْحباب بن الْمُنْذر لَا وَالله لَا نَفْعل منا أَمِير ومنكم أَمِير وَإِن شِئْتُم أعدناها جَذَعَة أَنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب فَقَامَ بشير بن سعد الْأنْصَارِيّ فَقَالَ أَلا إِن مُحَمَّدًا ﷺ من قُرَيْش وَإِن قومه أَحَق وَأولى بِالْأَمر بعده وَنحن وَإِن كُنَّا أولي فضل فِي الْجِهَاد وسابقة فِي الدّين فَمَا أردنَا بذلك إِلَّا رضى الله وَطَاعَة نبيه فَلَا نبتغي بِهِ من الدُّنْيَا عوضا وَلَا نستطيل بِهِ على النَّاس ثمَّ أَشَارَ أَبُو بكر بِأَن يبايعوا أحد الرجلَيْن إِمَّا عمر بن الْخطاب وَإِمَّا أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح فكرها ذَلِك وَبَايِعًا أَبَا بكر وسبقهما إِلَيْهِ بشير بن سعد ثمَّ تناجى الْأَوْس فِيمَا بَينهم وَكَانَ فيهم أسيد بن حضير أحد النُّقَبَاء فكرهوا إِمَارَة الْخَزْرَج عَلَيْهِم ومالوا إِلَى بيعَة أبي بكر فَبَايعُوهُ وَأَقْبل النَّاس من كل جَانب يبايعون أَبَا بكر حَتَّى كَادُوا يطؤون سعد بن عبَادَة وَهُوَ مُضْطَجع بَينهم يوعك فَقَالَ رجل من أَصْحَابه قتلتم سعد بن عبَادَة فَقَالَ

стр. 19

عمر قَتله الله فَقَالَ أَبُو بكر مهلا يَا عمر الرِّفْق هُنَا أبلغ ثمَّ لحق سعد بِالشَّام فَلم يزل هُنَاكَ حَتَّى توفّي أَيَّام عمر رحم الله جَمِيعهم وَكَانَت بيعَة أبي بكر يَوْم الثُّلَاثَاء الثَّانِي من وَفَاة رَسُول الله ﷺ قبل دَفنه وَلما توفّي رَسُول الله ﷺ ارْتَدَّت عَامَّة الْعَرَب لِأَن كلمة الْإِسْلَام لم تكن رسخت فِي قُلُوبهم على مَا يَنْبَغِي وَمنع آخَرُونَ مِنْهُم الزَّكَاة وَقَالُوا نصلي وَلَا نُؤَدِّي الزَّكَاة ظنا مِنْهُم أَن ذَلِك كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِم فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ فَقَط واضطرب أَمر الْمُسلمين عِنْد وَفَاته ﷺ لقلتهم وَكَثْرَة عدوهم قَالَت عَائِشَة ﵂ لما توفّي رَسُول الله ﷺ ارْتَدَّت الْعَرَب وَنجم النِّفَاق واشرأبت الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَنزل بِأبي بكر مَا لَو نزل بالجبال الراسية لهاضها وَصَارَ الْمُسلمُونَ كالغنم الْمَطِيرَة فِي اللَّيْلَة الشَّاتِيَة لفقد نَبِيّهم وَقَالَ أَبُو بكر بن عَيَّاش سَمِعت أَبَا حُصَيْن يَقُول مَا ولد بعد النَّبِيين أفضل من أبي بكر الصّديق لقد قَامَ مقَام نَبِي من الْأَنْبِيَاء فِي قتال أهل الرِّدَّة وَفِي الصَّحِيح عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ لما توفّي رَسُول الله ﷺ واستخلف ابو بكر وَكفر من كفر من الْعَرَب قَالَ عمر يَا أَبَا بكر كَيفَ تقَاتل النَّاس وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ (أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فَمن قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله فقد عصم مني مَاله وَنَفسه إِلَّا بِحقِّهِ وحسابه على الله) قَالَ أَبُو بكر وَالله لأقاتلن من فرق بَين الصَّلَاة وَالزَّكَاة فَإِن الزَّكَاة حق المَال وَالله لَو مَنَعُونِي عنَاقًا كَانُوا يؤدونها إِلَى رَسُول الله ﷺ لقاتلتهم على منعهَا قَالَ عمر فو الله مَا هُوَ إِلَّا أَن رَأَيْت أَن قد شرح الله صدر أبي بكر لِلْقِتَالِ فَعرفت أَنه الْحق وَحكى ابْن خلدون أَن أَبَا بكر ﵁ لما عزم على قتال أهل الرِّدَّة اسْتخْلف أُسَامَة بن زيد بعد رُجُوعه من بَعثه الَّذِي كَانَ بَعثه رَسُول الله ﷺ فِيهِ قبل وَفَاته فَبَقيَ فِي الْمَدِينَة حَتَّى أنفذه أَبُو بكر بعد

стр. 20

وَفَاته ﷺ فَخرج أَبُو بكر فِي جمَاعَة من الْمُسلمين إِلَى ذِي حسي وَإِلَى ذِي الْقِصَّة موضِعين قرب الْمَدِينَة ثمَّ سَار حَتَّى نزل على أهل الربذَة بالإبريق وَبهَا عبس وذبيان وَبَنُو بكر بن عبد مَنَاة بن كنَانَة وثعلبة بن سعد وَغَيرهم فَقَاتلهُمْ أَبُو بكر وَهَزَمَهُمْ وَرجع إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ خرج إِلَى ذِي الْقِصَّة ثَانِيًا فعقد فِيهِ أحد عشر لِوَاء على أحد عشر جندا لقِتَال أهل الرِّدَّة وَأمر كل وَاحِد باستنفار من يَلِيهِ من الْمُسلمين من كل قَبيلَة وَعقد لِلْأُمَرَاءِ على تِلْكَ الأجناد مِنْهُم خَالِد بن الْوَلِيد وخَالِد بن سعيد بن الْعَاصِ وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَغَيرهم وَكتب لَهُم عهودهم بِنَصّ وَاحِد بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا عهد من أبي بكر خَليفَة رَسُول الله ﷺ لفُلَان حِين بَعثه فِيمَن بَعثه لقِتَال من رَجَعَ عَن الْإِسْلَام وعهد إِلَيْهِ أَن يَتَّقِي الله مَا اسْتَطَاعَ فِي أمره كُله سره وجهره وَأمره بالجد فِي أَمر الله ومجاهدة من تولى عَنهُ وَرجع عَن الْإِسْلَام إِلَى أماني الشَّيْطَان بعد أَن يعْذر إِلَيْهِم فيدعوهم بِدِعَايَةِ الْإِسْلَام فَإِن أجابوه أمسك عَنْهُم وَإِن لم يُجِيبُوهُ شن غارته عَلَيْهِم حَتَّى يقرُّوا لَهُ ثمَّ ينبئهم وَالَّذِي عَلَيْهِم وَلِذِي لَهُم فَيَأْخُذ مَا عَلَيْهِم ويعطيهم الَّذِي لَهُم لَا ينظرهم وَلَا يرد الْمُسلمين عَن قتال عدوهم فَإِن أجَاب إِلَى أَمر الله تَعَالَى وَأقر لَهُ قبل ذَلِك مِنْهُ وأعانه عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنَّمَا يُقَاتل من كفر بِاللَّه على الْإِقْرَار بِمَا جَاءَ من عِنْد الله فَإِذا أجَاب الدعْوَة لم يكن عَلَيْهِ سَبِيل كَانَ الله حسيبه بعد فِيمَا استسر بِهِ وَمن لم يجب إِلَى دَاعِيَة الله قوتل وَقتل حَيْثُ كَانَ وَحَيْثُ بلغ مراغمة لَا يقبل الله من أحد شَيْئا مِمَّا أعْطى إِلَّا الْإِسْلَام فَمن أَجَابَهُ وَأقر بِهِ قبل مِنْهُ وأعانه وَمن أَبى قَاتله فَإِن أظهره الله عَلَيْهِ قَتلهمْ فِيهِ كل قتلة بِالسِّلَاحِ والنيران ثمَّ قسم مَا أَفَاء الله عَلَيْهِ إِلَّا الْخمس فَإِنَّهُ يبلغناه وَيمْنَع أَصْحَابه العجلة وَالْفساد وَأَن لَا يدْخل فيهم حَشْوًا حَتَّى يعرفهُمْ وَيعلم مَا هم لِئَلَّا يَكُونُوا عيُونا وَلِئَلَّا يُؤْتى الْمُسلمُونَ من قبلهم وَأَن يقتصد بِالْمُسْلِمين ويرفق بهم فِي السّير والمنزل ويتفقدهم وَلَا يعجل بَعضهم عَن بعض ويستوصي بِالْمُسْلِمين فِي حسن الصُّحْبَة ولين القَوْل اه

стр. 21

وَكتب إِلَى كل من بعث إِلَيْهِ الْجنُود من الْمُرْتَدين كتابا وَاحِدًا أَيْضا وَجعله فِي نسخ مُتعَدِّدَة بيد رسل تقدمُوا أَمَام الْأُمَرَاء يَأْمُرهُم فِيهِ بالتمسك بِكَلِمَة الْإِسْلَام وينهاهم عَن الارتداد ويحذرهم عاقبته وَسُوء أَثَره تركنَا ذكره اختصارا وَكَانَ أول مَا بَدَأَ بِهِ خَالِد بن الْوَلِيد ﵀ من الْقِتَال قتال طليحة بن خويلد الْأَسدي أَسد خُزَيْمَة وَكَانَ كَاهِنًا وَادّعى النُّبُوَّة فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ وَتَبعهُ أفاريق من قومه بني أَسد وَمن غَيرهم فَوجه إِلَيْهِ رَسُول الله ﷺ ضرار بن الْأَزْوَر ليقاتله فَبَيْنَمَا ضرار يُرِيد مناجزته إِذْ ورد عَلَيْهِ الْخَبَر بوفاة رَسُول الله ﷺ ففت ذَلِك فِي عضد ضرار وانكفأ رَاجعا بِمن مَعَه من الْمُسلمين إِلَى الْمَدِينَة وَعظم أَمر طليحة حِينَئِذٍ واستطار شرره وانضمت إِلَيْهِ غطفان وَبَعض طييء وأخلاط من الْعَرَب على مَاء من مياه بني أَسد يُقَال لَهُ بزاخة فَسَار إِلَيْهِم خَالِد ﵀ فأوقع بهم وقْعَة شنعاء فل بهَا جمعهم وَقتل من قتل مِنْهُم وَنَجَا طليحة إِلَى الشَّام بِرَأْس طمرة ولجام وَبَقِي هُنَاكَ إِلَى أَن أسلم وَحسن إِسْلَامه وَكَانَت لَهُ فِي قتال فَارس وَالروم زمَان الْفَتْح الْيَد الْبَيْضَاء ثمَّ تتبع خَالِد ﵀ أهل الرِّدَّة قَبيلَة قَبيلَة وجمعا جمعا فَقتل وَحرق ورضخ بِالْحِجَارَةِ وَرمى من رُؤُوس الْجبَال وأبلغ فِي النكاية بِكُل وَجه فخشعت نفوس الْمُرْتَدين وخامر قُلُوبهم الرعب وَقوم اعواججهم الطعْن وَالضَّرْب حَتَّى راجعوا الْإِسْلَام كرها وَكَانَ من اعظمهم شَوْكَة وأشدهم قُوَّة بَنو حنيفَة قوم مُسَيْلمَة الْكذَّاب وَكَانَ موطنهم بِالْيَمَامَةِ وَهِي بِلَاد وَاسِعَة ذَات نخل وَزرع على أَرْبَعَة أَيَّام من مَكَّة وَكَانَ مُسَيْلمَة هَذَا قد قدم على النَّبِي ﷺ فيوفد بني حنيفَة فَأسلم ثمَّ ارْتَدَّ وَادّعى النُّبُوَّة اسْتِقْلَالا ثمَّ مُشَاركَة مَعَ النَّبِي ﷺ وَشهد لَهُ بذلك الرِّجَال بن عنفوة أحد أَشْرَاف بني حنيفَة وَكَانَ قد هَاجر إِلَى النَّبِي ﷺ وَأقَام عِنْده وَقَرَأَ الْقُرْآن وتفقه فِي الدّين فَلَمَّا ارْتَدَّ مُسَيْلمَة بَعثه النَّبِي ﷺ معلما لأهل الْيَمَامَة ومشغبا عَن مُسَيْلمَة فَكَانَ من أعظم الْفِتَن على بني حنيفَة فَإِنَّهُ شهد لمُسَيْلمَة بِالنُّبُوَّةِ وَاتبعهُ على شَأْنه وَصَارَ مُؤذنًا لَهُ يشْهد لَهُ بالرسالة بعد رَسُول الله ﷺ فَعظم شَأْنه

стр. 22

فيهم وَكَانَ مُسَيْلمَة يَنْتَهِي إِلَيْهِ رَأْيه وَكَانَ يَأْتِي بأسجاع كَثِيرَة يزْعم أَنَّهَا قُرْآن ينزل عَلَيْهِ وَيَأْتِي بمخارق من الشعبذة وَيَقُول إِنَّهَا معجزاته فَتَقَع على خلاف الْمَقْصُود إهانة من الله لَهُ فَنَهَضَ خَالِد ﵀ بعد الْفَرَاغ من طليحة وَغَيره من أهل الرِّدَّة إِلَى بني حنيفَة وهم يَوْمئِذٍ كثير يُقَال كَانُوا أَرْبَعِينَ ألف مقَاتل وَلما سمعُوا بدنو خَالِد مِنْهُم خَرجُوا وعسكروا فِي مُنْتَهى ريف الْيَمَامَة واستنفروا النَّاس فنفروا مَعَهم وَأَقْبل خَالِد وعَلى مقدمته شُرَحْبِيل بن حَسَنَة ونازل بني حنيفَة وَكَانَ الرِّجَال بن عنفوة على مُقَدّمَة مُسَيْلمَة فَالْتَقوا واقتتلوا واشتدت الْحَرْب وانكشف الْمُسلمُونَ حَتَّى دخل بَنو حنيفَة خباء خَالِد ثمَّ تراجع الْمُسلمُونَ وكروا على بني حنيفَة وَقَاتل ثَابت بن قيس بن شماس حَتَّى قتل ثمَّ زيد بن الْخطاب أَخُو عمر كَذَلِك ثمَّ أَبُو حُذَيْفَة بن عتبَة بن ربيعَة ثمَّ مَوْلَاهُ سَالم ثمَّ الْبَراء أَخُو أنس بن مَالك وَكَانَ تَأْخُذهُ عِنْد الْحَرْب رعدة حَتَّى ينتفض وَيقْعد عَلَيْهِ الرّحال حَتَّى يَبُول ثمَّ يثور كالأسد فقاتل ذَلِك الْيَوْم وَفعل الأفاعيل واستحر الْقَتْل فِي الْمُسلمين خُصُوصا قراء الْقُرْآن وَأهل السَّابِقَة قَالَ ابْن خلدون قتل يَوْم الْيَمَامَة من الْأَنْصَار مَا ينيف على الثلاثمائة وَسِتِّينَ وَمن الْمُهَاجِرين مثلهَا وَمن التَّابِعين لَهُم مثلهَا أَو يزِيدُونَ وفشت الْجِرَاحَات فِيمَن بَقِي ثمَّ هزم الله الْعَدو وألجأهم الْمُسلمُونَ إِلَى حديقة كَانَت هُنَاكَ وفيهَا مُسَيْلمَة فَقَالَ الْبَراء بن مَالك ألقوني عَلَيْهِم من أَعلَى الْجِدَار فاقتحم وَقَاتلهمْ على بَاب الحديقة حَتَّى دخل بعض الْمُسلمين عَلَيْهِم واقتحم الْبَاقُونَ من أَعلَى الْحِيطَان فَقتل من بني حنيفَة يَوْمئِذٍ سَبْعَة عشر ألف مقَاتل فسميت الحديقة حديقة الْمَوْت وَأما مُسَيْلمَة فَقتله وَحشِي بالحربة الَّتِي قتل بهَا حَمْزَة بن عبد الْمطلب يَوْم أحد وشاركه فِي قَتله رجل من الْأَنْصَار ثمَّ صَالح خَالِد بني حنيفَة فِي خبر طَوِيل وَهَذِه الْوَقْعَة من أعظم الوقعات الَّتِي كَانَت فِي زمن أبي بكر ﵁ وَهِي كَانَت السَّبَب الدَّاعِي إِلَى جمع الْقُرْآن فِي الْمُصحف وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى أَن جمعه عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ الْجمع الثَّانِي فِي الْمُصحف

стр. 23

فَفِي الصَّحِيح عَن زيد بن ثَابت ﵁ قَالَ أرسل إِلَى أَبُو بكر مقتل أهل الْيَمَامَة فَإِذا عمر بن الْخطاب عِنْده قَالَ أَبُو بكر ﵁ إِن عمر أتأني فَقَالَ إِن الْقَتْل قد استحر يَوْم الْيَمَامَة بقراء الْقُرْآن وَإِنِّي أخْشَى أَن يستحر الْقَتْل بالقراء فِي المواطن فَيذْهب كثير من الْقُرْآن وَإِنِّي أرى أَن تَأمر بِجمع الْقُرْآن قَالَ أَبُو بكر قلت لعمر كَيفَ أفعل شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله ﷺ فَقَالَ عمر هُوَ وَالله خير فَلم يزل عمر يراجعني فِيهِ حَتَّى شرح الله لذَلِك صَدْرِي وَرَأَيْت الَّذِي رأى عمر قَالَ زيد بن ثَابت وَعمر عِنْده جَالس لَا يتَكَلَّم فَقَالَ أَبُو بكر إِنَّك رجل شَاب عَاقل لَا نتهمك وَقد كنت تكْتب الْوَحْي لرَسُول الله ﷺ فتتبع الْقُرْآن فاجمعه فو الله لَو كلفوني نقل جبل من الْجبَال مَا كَانَ أثقل عَليّ مِمَّا أَمرنِي بِهِ من جمع الْقُرْآن قلت كَيفَ تفعلان شَيْئا لم يَفْعَله رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَبُو بكر هُوَ وَالله خير فَلم أزل أراجعهم حَتَّى شرح الله صَدْرِي للَّذي شرح لَهُ صدر أبي بكر وَعمر فَقُمْت فتتبعت الْقُرْآن أجمعه من الرّقاع والأكناف والعسف واللخاف وصدور الرِّجَال حَتَّى وجدت آخر سُورَة التَّوْبَة مَعَ أبي خُزَيْمَة الْأنْصَارِيّ لم أَجدهَا مَعَ أحد غَيره ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم﴾ حَتَّى خَاتِمَة بَرَاءَة فَكَانَت الصُّحُف عِنْد أبي بكر حَتَّى توفاه الله ثمَّ عِنْد عمر حَيَاته حَتَّى توفاه الله ثمَّ عِنْد حَفْصَة بنت عمر اه وَلما فرغ خَالِد من أَمر الْيَمَامَة بعث إِلَيْهِ أَبُو بكر فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْ عشرَة يَأْمُرهُ بالسير إِلَى الْعرَاق وَذَلِكَ عِنْدَمَا أَجمعت الْعَرَب على الْإِسْلَام وَاتَّفَقُوا على التَّمَسُّك بكلمته وَأَخْلصُوا الطَّاعَة لله ولخليفة رَسُول الله ﷺ فَسَمت لأبي بكر ﵁ همة فِي قتال فَارس وَالروم أهل الدولتين العظيمتين فِي الْعَالم يَوْمئِذٍ فَتوجه خَالِد ﵀ نَحْو فَارس وَكَانَ عذَابا من عَذَاب الله أرْسلهُ على أهل الْكفْر والضلال وَمَا مثله إِلَّا قَول المتنبي (وَمَا كَانَ إِلَّا النَّار فِي كل مَوضِع ... يثير غبارا فِي مَكَان دُخان)

стр. 24

فَتوجه خَالِد ﵀ وَفتح الْحيرَة وَمَا وَرَاءَهَا من أَعمال الْعرَاق وَفتح الأنبار وَعين التَّمْر وأوقع الوقائع الْعَظِيمَة بمسالح أهل فَارس وجيوشهم حَتَّى أَخَافهُم فِي بِلَادهمْ وهم بالاقتحام عَلَيْهِم ومقاتلتهم فِي عقر دَارهم وَكتب إِلَيْهِم بكتابين يتوعدهم ويتهددهم ثمَّ صرفه أَبُو بكر ﵁ إِلَى الشَّام فَشهد اليرموك مَعَ جيوش الْمُسلمين الَّذين كَانُوا هُنَاكَ فَفِي الأكنفاء عَن عبد الله بن أبي أوفى الْخُزَاعِيّ وَكَانَت لَهُ صُحْبَة قَالَ لما أَرَادَ أَبُو بكر أَن يُجهز الْجنُود إِلَى الشَّام دَعَا عمر وَعُثْمَان وَعلي بن أبي طَالب وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسعد بن أبي وَقاص وَأَبا عُبَيْدَة بن الْجراح ووجوه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار من أهل بدر وَغَيرهم فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَأَنا فيهم فَقَالَ إِن الله لَا تحصى نعمه وَلَا تبلغ جزاءها الْأَعْمَال فَلهُ الْحَمد كثيرا على مَا اصْطنع عنْدكُمْ ثمَّ جمع كلمتكم وَأصْلح ذَات بَيْنكُم وهداكم إِلَى الْإِسْلَام وَنفى عَنْكُم الشَّيْطَان فَلَيْسَ يطْمع أَن تُشْرِكُوا بِاللَّه وَلَا أَن تَتَّخِذُوا إِلَهًا غَيره فالعرب الْيَوْم بَنو أم وَأب وَقد رَأَيْت أَن أستنفرهم إِلَى الرّوم بِالشَّام فَمن هلك مِنْهُم هلك شَهِيدا وَمَا عِنْد الله خير للأبرار وَمن عَاشَ مِنْهُم عَاشَ مدافعا عَن الدّين مستوجبا على الله ثَوَاب الْمُجَاهدين هَذَا رَأْيِي الَّذِي رَأَيْت فليشر عَليّ امْرُؤ بمبلغ رَأْيه فَأجَاب كل من الْحَاضِرين باستصواب رَأْيه وتقوية عزمه فَجهز أَبُو بكر ﵁ جيوشا وَأمر عَلَيْهِم أُمَرَاء كخالد بن سعيد بن الْعَاصِ وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَعِكْرِمَة بن أبي جهل والوليد بن عقبَة وَيزِيد بن أبي سُفْيَان وَأمر أَبَا عُبَيْدَة بن الْجراح على جَمِيعهم وَعين لَهُ حمص وَأوصى كل وَاحِد مِنْهُم بِمَا تنبغي الْوَصِيَّة بِهِ فَكَانَ بِسَبَب تِلْكَ الجموع وقْعَة اليرموك بَين الْمُسلمين وَالروم فِي رَجَب سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة بعد وَفَاة أبي بكر ﵁ بِنَحْوِ شهر لِأَن وَفَاته ﵁ كَانَت مسَاء لَيْلَة الثُّلَاثَاء بَين العشاءين لثمان بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة من الْهِجْرَة فَكَانَت خِلَافَته سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر وَعشرَة لَيَال وعمره ثَلَاث وَسِتُّونَ سنة ﵁ ونفعنا بِهِ

стр. 25

خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ هُوَ أول من دعِي أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ أَبُو بكر قبله يدعى خَليفَة رَسُول الله وَهُوَ أَبُو حَفْص عمر بن الْخطاب بن نفَيْل مُصَغرًا بن عبد الْعُزَّى بن ريَاح بِكَسْر الرَّاء وَفتح الْمُثَنَّاة التَّحْتِيَّة بن عبد الله بن قرط بِضَم الْقَاف ابْن رزاح بِفَتْح الرَّاء بن عدي بن كَعْب بن لؤَي يجْتَمع مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي كَعْب بن لؤَي ولي الْخلَافَة بعد أبي بكر ﵁ بِعَهْد مِنْهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْن خلدون لما احْتضرَ أَبُو بكر عهد إِلَى عمر ﵄ الْأَمر من بعده بعد أَن شاور عَلَيْهِ طَلْحَة وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَغَيرهم وَأخْبرهمْ بِمَا يُرِيد فِيهِ فَأَثْنوا على رَأْيه فَأَشْرَف على النَّاس وَقَالَ إِنِّي قد اسْتخْلفت عمر وَلم آل لكم نصحا فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطيعُوا ودعا عُثْمَان فَأمره فَكتب بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا عهد بِهِ أَبُو بكرخليفة مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ عِنْد آخر عَهده بالدنيا وَأول عَهده بِالآخِرَة فِي الْحَال الَّتِي يُؤمن فِيهَا الْكَافِر وينيب فِيهَا الْفَاجِر إِنِّي اسْتعْملت عَلَيْكُم عمر بن الْخطاب وَلم آلكم خيرا فَإِن صَبر وَعدل فَذَلِك علمي بِهِ ورأيي فِيهِ وَإِن جَار وَبدل فَلَا علم لي بِالْغَيْبِ وَالْخَيْر أردْت وَلكُل امْرِئ مَا اكْتسب ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ فَكَانَ أول مَا أنفذه من الْأُمُور عزل خَالِد بن الْوَلِيد عَن إِمَارَة الجيوش بِالشَّام وتولية أبي عُبَيْدَة وَجَاء الْخَبَر بذلك والمسلمون مواقفون عدوهم باليرموك فكتم أَبُو عُبَيْدَة الْأَمر كُله حَتَّى انْقَضى أَمر اليرموك وَكَانَ فتح دمشق بعْدهَا فَحِينَئِذٍ أظهر أَبُو عُبَيْدَة إمارته وعزل خَالِد فَسمع خَالِد وأطاع وَقيل فِي هَذَا الْخَبَر غير هَذَا مِمَّا هُوَ مَبْسُوط فِي كتب الْفَتْح ثمَّ إِن عمر ﵁ سدد عزمه وأرهف حَده لغزو فَارس وَالروم فتابع عَلَيْهِم الْجنُود وَعين لكل أَمِير عمله وَعقد لأبي عبيد بن مَسْعُود الثَّقَفِيّ على جَيش من الْمُسلمين وَبَعثه نَحْو الْعرَاق فاستشهد أَبُو عبيد بِموضع يُقَال لَهُ قس الناطف على الْفُرَات فولى مَكَانَهُ الْمثنى بن حَارِثَة

стр. 26

الشَّيْبَانِيّ وَكَانَ بطلا من الْأَبْطَال نَظِير خَالِد بن الْوَلِيد فِي يمن النقيبة والجراءة على الْأَعْدَاء فأوقع بِأَهْل فَارس عدَّة وقعات مِنْهَا وقْعَة البويب قتل فِيهَا من الْفرس مائَة ألف أَو يزِيدُونَ ثمَّ إِن عمر ﵁ اسْتَأْنف الْجد لجهاد فَارس وَقَالَ وَالله لَأَضرِبَن مُلُوك الْعَجم بملوك الْعَرَب فَلم يدع رَئِيسا وَلَا ذَا رَأْي وَلَا خَطِيبًا وَلَا شَاعِرًا إِلَّا رماهم بِهِ فَرَمَاهُمْ بِوُجُوه النَّاس وَكتب إِلَى الْمثنى يَأْمُرهُ أَن يخرج بِالْمُسْلِمين من بَين الْعَجم ويتفرق بهم على الْمِيَاه بحيالهم وَأَن يَدْعُو الفرسان وَأهل النجدات من ربيعَة وَمُضر ويحضرهم طَوْعًا وَكرها ثمَّ حج عمر سنة ثَلَاث عشرَة وَرجع إِلَى الْمَدِينَة فوافته أَمْدَاد الْعَرَب بهَا فعقد عَلَيْهِم لسعد بن أبي وَقاص ﵁ وولاه حَرْب الْعرَاق وأوصاه وَقَالَ يَا سعد بن أم سعد لَا يغرنك من الله أَن يُقَال خَال رَسُول الله ﷺ فَإِن الله لَا يمحو السىء بالسىء وَلكنه يمحو السىء بالْحسنِ وَلَيْسَ بَين الله وَبَين أحد نسب إِلَّا بِطَاعَتِهِ فَالنَّاس فِي دين الله سَوَاء الله رَبهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون مَا عِنْده بِالطَّاعَةِ فَانْظُر الْأَمر الَّذِي رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يلْزمه فالزمه وَعَلَيْك بِالصبرِ ثمَّ سرحه فِي أَرْبَعَة آلَاف مِمَّن اجْتمع إِلَيْهِ فيهم وُجُوه الْعَرَب وأشرافها وانضاف إِلَيْهِ فِي طَريقَة جموع أخر فَكَانَت لَهُ فِي هَذَا الْوَجْه وقْعَة الْقَادِسِيَّة الْمَشْهُورَة دَامَت فِيهَا الْحَرْب بَين الْمُسلمين وَالْفرس أَرْبَعَة أَيَّام بلياليها وَقتل فِيهَا رستم زعيم الْفرس وَصَاحب حربها واستلحمت جُنُوده وَكَانَ الْفَتْح الَّذِي لم يكن لَهُ فِي الْإِسْلَام نَظِير وَذَلِكَ فِي الْمحرم سنة أَربع عشرَة وَقيل خمس عشرَة ثمَّ كَانَ بعْدهَا فتح الْمَدَائِن وجلولاء وَسَائِر بِلَاد الْعرَاق وَغَيرهَا من بِلَاد فَارس الْجَبَل وأرمينية وأذربيجان وسجستان وكرمان ومكران وخراسان وَغير ذَلِك مِمَّا يطول ذكره وَكَذَا استولى جيوش الْمُسلمين الَّذين بِالشَّام على بِلَاد الشَّام والجزيرة وأنطاكية

стр. 27

وَغَيرهَا من بِلَاد الرّوم ومصر والإسكندرية وبرقة وطرابلس الغرب وَغير ذَلِك وَفِي سنة أَربع عشرَة أَمر عمر ﵁ باختطاط الْبَصْرَة والكوفة بعراق الْعَرَب لما بلغه من وخامة الْبِلَاد وَأَن الْعَرَب قد تَغَيَّرت ألوانهم بالعراق فَأذن لَهُم فِي اختطاط المصرين وَأَن لَا يتجاوزوا فِي بنائهما السّنة وَيُقَال إِن اختطاط الْكُوفَة كَانَ فِي سنة سبع عشرَة وَفِي سنة خمس عشرَة وضع عمر الدِّيوَان وَفرض الْعَطاء للْمُسلمين وَلم يكن قبل ذَلِك وروى الزُّهْرِيّ عَن ابْن الْمسيب أَن ذَلِك كَانَ فِي الْمحرم سنة عشْرين قَالَ ابْن خلدون يُقَال وضع عمر الدِّيوَان لسَبَب مَال أَتَى بِهِ أَبُو هُرَيْرَة من الْبَحْرين فاستكثروه وتعبوا فِي قسْمَة فسموا إِلَى إحصاء الْأَمْوَال وَضبط الْعَطاء والحقوق فَأَشَارَ خَالِد بن الْوَلِيد بالديوان وَقَالَ رَأَيْت مُلُوك الشَّام يدونون فَقبل مِنْهُ عمر وَقيل بل أَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ الهرمزان لما رَآهُ يبْعَث الْبعُوث بِغَيْر ديوَان فَقَالَ لَهُ وَمن يعلم بغيبة من يغيب مِنْهُم فَإِن من تخلف أخل بمكانه وَإِنَّمَا يضْبط ذَلِك الْكتاب فَأثْبت لَهُم ديوانا فَأمر عمر ﵁ عقيل بن أبي طَالب ومخزمة بن نَوْفَل وَجبير بن مطعم وَكَانُوا من كتاب قُرَيْش فَكَتَبُوا ديوَان العساكر الإسلامية مُرَتبا على الْأَنْسَاب مُبْتَدأ فِيهِ بِقرَابَة رَسُول الله ﷺ الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب بعد أَن قَالَ عَليّ وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف لعمر ابدأ بِنَفْسِك فَقَالَ لَا بل بعم رَسُول الله ﷺ فَبَدَأَ بِالْعَبَّاسِ ثمَّ بالأقرب فَالْأَقْرَب من رَسُول الله ﷺ وَفرض لأهل بدر خَمْسَة آلَاف خَمْسَة آلَاف وَفرض لمن بعدهمْ إِلَى الْحُدَيْبِيَة أَرْبَعَة آلَاف أَرْبَعَة آلَاف ثمَّ لمن بعدهمْ ثَلَاثَة آلَاف ثَلَاثَة آلَاف ثمَّ أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة ثمَّ لأهل الْقَادِسِيَّة وَأهل الشَّام أَلفَيْنِ أَلفَيْنِ وَفرض لمن بعد الْقَادِسِيَّة واليرموك ألفا ألفا ولروادفهم خَمْسمِائَة خَمْسمِائَة ثمَّ ثَلَاثمِائَة ثمَّ مِائَتَيْنِ وَخمسين ثمَّ مِائَتَيْنِ وَأعْطى نسَاء النَّبِي ﷺ لكل وَاحِدَة عشرَة آلَاف وَفضل عَائِشَة بِأَلفَيْنِ وَجعل النِّسَاء على مَرَاتِب فلأهل بدر خَمْسمِائَة ثمَّ أَرْبَعمِائَة ثمَّ ثَلَاثمِائَة ثمَّ مِائَتَيْنِ وَالصبيان مائَة مائَة

стр. 28

وَالْمَسَاكِين جريبين فِي الشَّهْر وَلم يتْرك فِي بَيت المَال شَيْئا وَسُئِلَ فِي ذَلِك فَأبى وَقَالَ هِيَ فتْنَة لمن بعدِي ثمَّ سَأَلَ ﵁ الصَّحَابَة فِي قوته هُوَ من بَيت المَال فأذنوا لَهُ وسألوه فِي الزِّيَادَة على لِسَان ابْنَته حَفْصَة متكتمين عَنهُ فَغَضب وَامْتنع وَفِي سنة سِتّ عشرَة قدم جبلة بن الْأَيْهَم ملك غَسَّان على عمر ﵁ فِي جمَاعَة من أَصْحَابه مُسلمين فَتَلقاهُ الْمُسلمُونَ وَدخل فِي زِيّ حسن وَبَين يَدَيْهِ جنائب مقادة وعَلى أَصْحَابه الديباج حَتَّى تطاول النِّسَاء من خُدُورهنَّ لرُؤْيَته وَأكْرم عمر وفادته وَأحسن نزله وأجله بأرفع رتب الْمُهَاجِرين ثمَّ خرج عمر لِلْحَجِّ فِي هَذِه السّنة فحج مَعَه جبلة فَبَيْنَمَا جبلة يطوف بِالْبَيْتِ إِذا وطئ رجل من فَزَارَة فضل إزَاره فَلَطَمَهُ جبلة فهشم أَنفه فَأقبل الْفَزارِيّ إِلَى عمر وشكاه فَأحْضرهُ عمر وَقَالَ لَهُ افتد نَفسك وَإِلَّا أَمرته بلطمك فَقَالَ جبلة كَيفَ ذَلِك وَأَنا ملك وَهُوَ سوقة فَقَالَ عمر إِن الْإِسْلَام جمعكما وَسوى بَين الْملك والسوقة فِي الْحَد فَقَالَ جبلة كنت أَظن أَنِّي بِالْإِسْلَامِ أعز مني فِي الْجَاهِلِيَّة فَقَالَ عمر دع عَنْك هَذَا فَقَالَ جبلة إِنِّي أتنصر فَقَالَ عمر إِن تنصرت ضربت عُنُقك فَقَالَ لَهُ أَنْظرنِي لَيْلَتي هَذِه فأنظره فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْل سَار جبلة بخيلة وَرجله إِلَى الشَّام ثمَّ مِنْهَا إِلَى القسطنطينة وَتَبعهُ خَمْسمِائَة رجل من قومه فتنصروا عَن آخِرهم وَفَرح هِرقل بِهِ وأكرمه ثمَّ نَدم جبلة على فعلته تِلْكَ وَقَالَ (تنصرت الْأَشْرَاف من عَار لطمة ... وَمَا كَانَ فِيهَا لَو صبرت لَهَا ضَرَر) (تكنفني فِيهَا لجاج ونخوة ... وبعت لَهَا الْعين الصَّحِيحَة بالعور) (وَيَا لَيْتَني أرعى الْمَخَاض بقفرة ... وَكنت أَسِيرًا فِي ربيعَة أَو مُضر) (وَيَا لَيْت لي بِالشَّام أدنى معيشة ... أجالس قومِي ذَاهِب السّمع وَالْبَصَر) (أدين بِمَا دانوا بِهِ من شَرِيعَة ... وَقد يحبس العير الدجون على الدبر) وَكَانَ قد مضى رَسُول عمر إِلَى هِرقل وَشَاهد مَا هُوَ فِيهِ جبلة من النِّعْمَة

стр. 29

فَأرْسل جباة بِخَمْسِمِائَة دِينَار إِلَى حسان بن ثَابت وأمضاها لَهُ عمر فمدحه حسان بن ثَابت بِأَبْيَات مِنْهَا (إِن ابْن جَفْنَة من بَقِيَّة معشر ... لم يغذهم آباؤهم باللوم) (لم ينسني بِالشَّام إِذْ هُوَ رَبهَا ... كلا وَلَا متنصرا بالروم) (يُعْطي الجزيل وَلَا يرَاهُ عِنْده ... إِلَّا كبعض عَطِيَّة المذموم) وَفِي سنة سبع عشرَة جِيءَ إِلَى عمر بالهرمزان ملك الأهواز أَسِيرًا وَمَعَهُ وَفد فيهم أنس بن مَالك والأحنف بن قيس فَلَمَّا وصلوا بِهِ إِلَى الْمَدِينَة ألبسوه كسوته من الديباج الْمَذْهَب وَوَضَعُوا على رَأسه تاجه وَهُوَ مكلل بالياقوت ليراه عمر والمسلمون على هَيئته الَّتِي يكون عَلَيْهَا فِي ملكه فطلبوا عمر فَلم يجدوه فسألوا عَنهُ فَقيل هُوَ فِي الْمَسْجِد فَأتوهُ فَإِذا هُوَ نَائِم فجلسوا دونه فَقَالَ الهرمزان أَيْن هُوَ عمر قَالُوا هُوَ ذَا قَالَ فَأَيْنَ حرسه وحجابه قَالُوا لَيْسَ لَهُ حارس وَلَا حَاجِب فَنظر الهرمزان إِلَى عمر وَقَالَ عدلت فأمنت فَنمت واستيقظ عمر لجلبة النَّاس فَقَالَ الهرمزان قَالُوا نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الْحَمد لله الَّذِي أذلّ بِالْإِسْلَامِ هَذَا وأشباهه وَأمر بِنَزْع مَا عَلَيْهِ فَنَزَعُوهُ وألبسوه ثوبا ضيقا فَقَالَ عمر كَيفَ رَأَيْت عَاقِبَة أَمر الله فِيك فَقَالَ الهرمزان لما خلى الله بَيْننَا وَبَيْنكُم فِي الْجَاهِلِيَّة غلبناكم وَلما كَانَ الله الْآن مَعكُمْ غلبتمونا وَفِي سنة ثَمَان عشرَة كَانَت مجاعَة الرَّمَادَة وطاعون عمواس وَحلف عمر لَا يَذُوق السّمن وَاللَّبن حَتَّى يحيى النَّاس واستسقى عمر بِالْعَبَّاسِ عَم النَّبِي ﷺ فسقوا وَهلك بالطاعون أَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح ومعاذ بن جبل وَيزِيد ابْن أبي سُفْيَان والْحَارث بن هِشَام وَسُهيْل بن عَمْرو وَابْنه عتبَة فِي آخَرين أمثالهم وتفانى النَّاس بِالشَّام وبالبصرة أَيْضا وَلما فحش أثر الطَّاعُون بِالشَّام أجمع عمر الْمسير إِلَيْهِ ليقسم مَوَارِيث الْمُسلمين ويتطوف على الثغور فَفعل وَرجع وَكَانَت لَهُ خرجَة أُخْرَى قبل هَذَا لفتح بَيت الْمُقَدّس وَفِي سنة عشْرين فتح عَمْرو بن الْعَاصِ مصر والإسكندرية وَشهد الْفَتْح

стр. 30

مَعَه الزبير بن الْعَوام وَجَمَاعَة من كبار الصَّحَابَة وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سَار عَمْرو بن الْعَاصِ إِلَى برقة فَصَالحه أَهلهَا على الْجِزْيَة ثمَّ سَار إِلَى طرابلس الغرب فحاصرها وَفتحهَا عنْوَة وَفِي سنة ثَلَاث وَعشْرين كَانَت وَفَاة عمر ﵁ على مَا سَيَأْتِي وَفِي الصَّحِيح عَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ مَا زلنا أعزة مُنْذُ أسلم عمر وَعنهُ أَيْضا قَالَ لما أسلم عمر كَانَ الْإِسْلَام كَالرّجلِ الْمقبل لَا يزْدَاد إِلَّا قُوَّة وَلما مَاتَ عمر كَانَ الْإِسْلَام كَالرّجلِ الْمُدبر لَا يزْدَاد إِلَّا ضعفا وَعند ابْن أبي شيبَة ﵁ قَالَ كَانَ إِسْلَام عمر عزا وهجرته نصرا وإمارته رَحْمَة وَفِي الصَّحِيح أَيْضا عَن ابْن عمر وَأبي هُرَيْرَة ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (بَينا أَنا نَائِم رَأَيْتنِي على قليب وَعَلَيْهَا دلو فنزعت مِنْهَا مَا شَاءَ الله ثمَّ أَخذهَا ابْن أبي قُحَافَة فَنزع مِنْهَا ذنوبا أَو ذنوبين وَفِي نَزعه ضعف وَالله يغْفر لَهُ ثمَّ استحالت غربا فَأَخذهَا عمر بن الْخطاب فَلم أر عبقريا من النَّاس ينْزع نزع عمر وَفِي رِوَايَة فَلم أر عبقريا من النَّاس يفري فريه حَتَّى ضرب النَّاس بِعَطَن) قَالَ النَّوَوِيّ ﵀ قَالُوا هَذَا الْمَنَام مِثَال لما جرى للخليفتين من ظُهُور آثارهما الصَّالِحَة وانتفاع النَّاس بهما وكل ذَلِك مَأْخُوذ من النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ صَاحب الْأَمر فَقَامَ بِهِ أكمل قيام وَقرر قَوَاعِد الدّين ثمَّ خَلفه أَبُو بكر فقاتل أهل الرِّدَّة وَقطع دابرهم ثمَّ خَلفه عمر فطالت مُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين وَزِيَادَة واتسع الْإِسْلَام فِي زَمَانه فَشبه أَمر الْمُسلمين بقليب فِيهِ المَاء الَّذِي فِيهِ حياتهم وصلاحهم وأميرهم بالمستقي لَهُم مِنْهَا وسعته هِيَ قِيَامه بمصالحهم اه قلت من تَأمل أَمر عمر ﵁ علم أَنه كَانَ عجبا من الْعجب فَإِنَّهُ عمد إِلَى ثَلَاث دوَل هِيَ أعظم دوَل الْعَالم فِي ذَلِك الْوَقْت دولة الْفرس ودولة الرّوم ودولة القبط فحاربهم فِي نفس وَاحِد وَفرق جيوشه عَلَيْهِم مَعَ قلَّة الْمُسلمين إِذْ ذَاك وشظف عيشهم فَغَلَبَهُمْ على ممالكهم وأزال عزهم وَكسر كراسيهم وأمات نخوتهم بِحَيْثُ ضرب الْجِزْيَة على رقابهم طول أحقابهم

стр. 31

فَلم يطالبوا بعْدهَا بثأر وَلَا عَادوا إِلَى جماح ونفار بل أعْطوا القادة وَأَسْلمُوا أنفسهم للصغار ثمَّ لم يكتف بذلك حَتَّى أغزى خيل الْمُسلمين أَطْرَاف الْمَعْمُور من خُرَاسَان وَالتّرْك وبلاد النّوبَة وبلاد البربر ولعمري مَا أَمر الْإِسْكَنْدَر الَّذِي تضرب الْأُمَم بِهِ الْمثل فِي الْغَلَبَة والتمكن فِي الأَرْض إِلَّا دون أَمر عمر بِكَثِير فَإِن الْإِسْكَنْدَر كَانَ غازيا بِجَمِيعِ جَيْشه مُتَوَلِّيًا ذَلِك بِنَفسِهِ جوالا فِي الأَرْض غير مُقيم ووجهته فِي حروبه وجهة وَاحِدَة كلما فرغ من مملكة انْتقل إِلَى غَيرهَا تَارِكًا للَّتِي خلف وَرَاءه غير ملتفت إِلَيْهَا وَكَأَنَّهُ كَانَ لَا عرض لَهُ إِلَّا فِي إِظْهَار الْقُوَّة والبطش وَالْغَلَبَة على الْأُمَم دون مَا سوى ذَلِك من تصريف الممالك طوع الْأَمر وَالنَّهْي وَلذَا قَالَ حَمْزَة الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه تواريخ الْأُمَم وَمَا رَوَاهُ الْقصاص من إِن الْإِسْكَنْدَر بنى بِأَرْض إيران عدَّة مدن مِنْهَا أَصْبَهَان ومرو وهراة وسمرقند فَحَدِيث لَا أصل لَهُ لِأَن الرجل كَانَ مخربا لَا عَامِرًا اه فَأَما عمر ﵁ فَإِنَّهُ لما استولت جيوشه على أَكثر الْمَعْمُور صرف ممالكها طوع أمره حَتَّى جبي إِلَيْهِ خراجها وَثبتت استقامتها وَزَالَ اعوجاجها أقوى مَا كَانُوا شَوْكَة وَأَشد قُوَّة واكثر حامية وَلم يمت ﵀ حَتَّى انْتَهَت خيله فِي جِهَة الشرق إِلَى نهر بَلخ وَفِي جِهَة الشمَال إِلَى الْبَيْضَاء على مِائَتي فَرسَخ من بلنجر وَفِي جِهَة الْمغرب إِلَى تخوم الرّوم وبلاد برقة وطرابلس الغرب كل ذَلِك فِي مُدَّة يسيرَة لم يُجَاوز معظمها الثَّلَاث سِنِين وَهُوَ مَعَ ذَلِك فِي جَوف بَيته مُتَرَدّد فِيمَا بَين منزله ومسجده لم يسْتَعْمل لذَلِك كثير أَسبَاب وَلَا أجلب بِنَفسِهِ بخيل وَلَا ركاب إِنَّمَا هُوَ الرَّأْي الميمون والنصر الْمَضْمُون وَالْأَمر الْجَارِي بَين الْكَاف وَالنُّون والوعد الْمُنجز بقوله تَعَالَى ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾ فَأَما وَفَاة عمر ﵁ فروى ابْن سعد بِإِسْنَاد صَحِيح أَن عمر كَانَ لَا يَأْذَن لمن احْتَلَمَ من أَوْلَاد الْعَجم فِي دُخُول الْمَدِينَة حَتَّى كتب إِلَيْهِ الْمُغيرَة بن شُعْبَة وَهُوَ على الْكُوفَة فَذكر لَهُ أَن عِنْده غُلَاما صنعا وَهُوَ يَسْتَأْذِنهُ أَن يدْخلهُ الْمَدِينَة وَيَقُول إِن لَهُ أعمالا تَنْفَع

стр. 32

النَّاس إِنَّه حداد نقاش نجار فَأذن لَهُ عمر وَضرب عَلَيْهِ مَوْلَاهُ كل شهر مائَة فَشكى إِلَى عمر شدَّة الْخراج فَقَالَ لَهُ مَا خراجك بِكَثِير فِي جنب مَا تعْمل فَانْصَرف ساخطا فَلبث عمر ليَالِي فَمر بِهِ العَبْد فَقَالَ عمر ألم أحدث أَنَّك تَقول لَو شِئْت لصنعت رحى تطحن بِالرِّيحِ فَالْتَفت إِلَيْهِ عَابِسا فَقَالَ لأصنعن لَك رحى يتحدث النَّاس بهَا فَأقبل عمر على من مَعَه فَقَالَ توعدني العَبْد فَلبث ليَالِي ثمَّ اشْتَمَل على خنجر ذِي رَأْسَيْنِ نصابه فِي وَسطه فكمن فِي زَاوِيَة من زَوَايَا الْمَسْجِد فِي الْغَلَس حَتَّى خرج عمر يوقظ النَّاس للصَّلَاة وَكَانَ عمر يفعل ذَلِك فَلَمَّا دنا عمر وثب عَلَيْهِ فطعنه ثَلَاث طعنات إِحْدَاهُنَّ تَحت السُّرَّة قد خرقت الصفاق وَهِي الَّتِي قتلته وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عَمْرو بن مَيْمُون قَالَ رَأَيْت عمر بن الْخطاب ﵁ قبل أَن يصاب بأيام بِالْمَدِينَةِ وقف على حُذَيْفَة بن الْيَمَان وَعُثْمَان بن حنيف قَالَ كَيفَ فعلتما فِي أَرض السوَاد أتخافان أَن تَكُونَا قد حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق يَعْنِي من الْخراج قَالَا حملناها أمرا هِيَ لَهُ مطيقة مَا فِيهَا كَبِير فضل قَالَ انظرا أَن تَكُونَا حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق قَالَا لَا فَقَالَ عمر لَئِن سلمني الله تَعَالَى لأدعن أرامل أهل الْعرَاق لَا يحتجن إِلَى رجل بعدِي أبدا قَالَ فَمَا أَتَت عَلَيْهِ رَابِعَة حَتَّى أُصِيب قَالَ عَمْرو بن مَيْمُون إِنِّي لقائم مَا بيني وَبَينه إِلَّا عبد الله بن عَبَّاس غَدَاة أُصِيب وَكَانَ إِذا مر بَين الصفين قَالَ اسْتَووا حَتَّى إِذا لم ير فِيهِنَّ خللا تقدم فَكبر وَرُبمَا قَرَأَ سُورَة يُوسُف أَو النَّحْل أَو نَحْو ذَلِك فِي الرَّكْعَة الأولى حَتَّى يجْتَمع النَّاس فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كبر فَسَمعته يَقُول قتلني أَو أكلني الْكَلْب حِين طعنه أَبُو لؤلؤة واسْمه فَيْرُوز فطار العلج بسكين ذَات طرفين لَا يمر على أحد يَمِينا وَلَا شمالا إِلَّا طعنه حَتَّى طعن ثَلَاثَة عشر رجلا مَاتَ مِنْهُم سَبْعَة فَلَمَّا رأى ذَلِك رجل من الْمُسلمين واسْمه حطاب التَّمِيمِي الْيَرْبُوعي طرح عَلَيْهِ برنوسا فَلَمَّا ظن العلج أَنه مَأْخُوذ نحر نَفسه وَتَنَاول عمر يَد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فقدمه فَمن يَلِي عمر فقد رأى الَّذِي أرى وَأما نواحي الْمَسْجِد فَإِنَّهُم لَا

стр. 33

يَدْرُونَ غير أَنهم قد فقدوا صَوت عمر وهم يَقُولُونَ سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله فصلى بهم عبد الرَّحْمَن بن عَوْف صَلَاة خَفِيفَة فَلَمَّا انصرفوا قَالَ يَا ابْن عَبَّاس انْظُر من قتلني فجال سَاعَة ثمَّ جَاءَ فَقَالَ غُلَام الْمُغيرَة قَالَ الصنع قَالَ نعم قَالَ قَاتله الله لقد أمرت بِهِ مَعْرُوفا الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل ميتتي بيد رجل يَدعِي الْإِسْلَام قد كنت أَنْت وَأَبُوك تحبان أَن تكْثر العلوج بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ الْعَبَّاس أَكْثَرهم رَقِيقا قَالَ إِن شِئْت فعلنَا أَي إِن شِئْت قتلنَا قَالَ كذبت بَعْدَمَا تكلمُوا بلسانكم وصلوا إِلَى قبلتكم وحجوا حَجكُمْ فَاحْتمل إِلَى بَيته فَانْطَلَقْنَا مَعَه وَكَانَ النَّاس لم تصبهم مُصِيبَة قبل يَوْمئِذٍ فَقَائِل يَقُول لَا بَأْس وَقَائِل يَقُول أَخَاف عَلَيْهِ فَأتي بنبيذ فشربه فَخرج من جرحه ثمَّ أُتِي بِلَبن فشربه فَخرج من جرحه فَعَلمُوا أَنه ميت فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَجَاء النَّاس يثنون عَلَيْهِ وَجَاء رجل شَاب فَقَالَ أبشر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ببشرى الله لَك بِصُحْبَة رَسُول الله ﷺ وَقدم فِي الْإِسْلَام مَا قد علمت ثمَّ وليت فعدلت ثمَّ شَهَادَة قَالَ وددت أَن ذَلِك كفاف لَا عَليّ وَلَا لي فَلَمَّا أدبر الشَّاب إِذا إزَاره يمس الأَرْض قَالَ ردوا عَليّ الْغُلَام قَالَ يَا ابْن أخي ارْفَعْ ثَوْبك فَإِنَّهُ أنقى لثوبك وَأتقى لِرَبِّك يَا عبد الله بن عمر انْظُر مَاذَا عَليّ من الدّين فحسبوه فوجدوه سِتَّة وَثَمَانِينَ ألفا أَو نَحوه قَالَ إِن وفى لَهُ مَال آل عمر فأده من أَمْوَالهم وَإِلَّا فاسأل فِي بني عدي بن كَعْب فَإِن لم تف أَمْوَالهم فاسأل فِي قُرَيْش وَلَا تعدهم إِلَى غَيرهم فأد عني هَذَا المَال انْطلق إِلَى عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ فَقل يقْرَأ عَلَيْك عمر السَّلَام وَلَا تقل أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي لست الْيَوْم للْمُؤْمِنين أَمِيرا وَقل يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ فَسلم وَاسْتَأْذَنَ ثمَّ دخل عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَة تبْكي فَقَالَ يقْرَأ عَلَيْك عمر بن الْخطاب السَّلَام ويستأذن أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ فَقَالَت كنت أريده لنَفْسي ولأوثرنه بِهِ الْيَوْم على نَفسِي فَلَمَّا أقبل قيل هَذَا عبد الله بن عمر قد جَاءَ قَالَ ارفعوني فأسنده رجل إِلَيْهِ فَقَالَ مَا لديك قَالَ الَّذِي تحب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَذِنت قَالَ الْحَمد لله مَا كَانَ من شَيْء

стр. 34

أهم عَليّ من ذَلِك فَإِذا أَنا قضيت فاحملوني ثمَّ سلم فَقل يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب فَإِن أَذِنت لي فادخلوني وَإِن ردتني ردوني إِلَى مَقَابِر الْمُسلمين وَجَاءَت أم الْمُؤمنِينَ حَفْصَة وَالنِّسَاء تسير مَعهَا فَلَمَّا رأيناها قمنا فولجت عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْده سَاعَة وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَال فولجت دَاخِلا لَهُم فسمعنا بكاءها من الدَّاخِل فَقَالُوا أوص يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ اسْتخْلف قَالَ مَا أجد أحدا أَحَق بِهَذَا الْأَمر من هَؤُلَاءِ النَّفر أَو الرَّهْط الَّذين توفّي رَسُول الله ﷺ وَهُوَ عَنْهُم رَاض فَسمى عليا وَعُثْمَان وَالزُّبَيْر وَطَلْحَة وسعدا وَعبد الرَّحْمَن وَقَالَ يشهدكم عبد الله بن عمر وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء كهينة التَّعْزِيَة لَهُ فَإِن أَصَابَت الْإِمَارَة سَعْدا فَهُوَ ذَاك وَإِلَّا فليستعن بِهِ أَيّكُم مَا أَمر فَإِنِّي لم أعزله عَن عجز وَلَا خِيَانَة وَقَالَ أوصِي الْخَلِيفَة من بعدِي بالمهاجرين الْأَوَّلين أَن يعرف لَهُم حَقهم ويحفظ لَهُم حرمتهم وأوصيه بالأنصار الَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم أَن يقبل من محسنهم وَأَن يعفي عَن مسيئهم وأوصيه بالأنصار خيرا فَإِنَّهُم ردء الْإِسْلَام وجباة المَال وغيظ الْعَدو وَأَن لَا يُؤْخَذ مِنْهُم إِلَّا فَضلهمْ عَن رضاهم وأوصيه بالأعراب خيرا فَإِنَّهُم أصل الْعَرَب ومادة الْإِسْلَام أَن يُؤْخَذ من حَوَاشِي أَمْوَالهم وَترد على فقرائهم وأوصيه بِذِمَّة الله وَذمَّة رَسُوله أَن يُوفي لَهُم بعدهمْ وَأَن يُقَاتل من ورائهم وَلَا يكلفوا إِلَّا طاقتهم فَلَمَّا قبض خرجنَا بِهِ فَانْطَلَقْنَا نمشي فَسلم عبد الله بن عمر وَقَالَ يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب قَالَت أدخلوه فَأدْخل فَوضع هُنَالك مَعَ صَاحِبيهِ فَلَمَّا فرغ من دَفنه اجْتمع هَؤُلَاءِ الرَّهْط فَقَالَ عبد الرَّحْمَن اجعلوا أَمركُم إِلَى ثَلَاثَة مِنْكُم فَقَالَ الزبير قد جعلت أَمْرِي إِلَى عَليّ فَقَالَ طَلْحَة قد جعلت أَمْرِي إِلَى عُثْمَان وَقَالَ سعد قد جعلت أَمْرِي إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أيكما يتبرأ من هَذَا الْأَمر فنجعله إِلَيْهِ وَالله عَلَيْهِ وَالْإِسْلَام لينظرن أفضلهم فِي نَفسه فأسكت الشَّيْخَانِ فَقَالَ عبد الرَّحْمَن أفتجعلونه إِلَيّ وَالله على أَن لَا آلو عَن أفضلكم قَالَا نعم فَأخذ بيد أَحدهمَا فَقَالَ لَك

стр. 35

من قرَابَة رَسُول الله ﷺ والقدم مَا قد علمت فَالله عَلَيْك لَئِن أَمرتك لتعدلن وَلَئِن أمرت عُثْمَان لتسمعن ولتطيعن ثمَّ خلا بِالْآخرِ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك فَلَمَّا أَخذ الْمِيثَاق قَالَ ارْفَعْ يدك يَا عُثْمَان فَبَايعهُ وَبَايع لَهُ عَليّ وولج أهل الدَّار فَبَايعُوهُ اه وَكَانَت وَفَاة عمر ﵁ يَوْم السبت منسلخ ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين وَدفن يَوْم الْأَحَد هِلَال الْمحرم سنة أَربع وَعشْرين وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته عشر سِنِين وَسِتَّة أشهر وَثَمَانِية أَيَّام كَذَا لأبي الْفِدَاء وَفِي حَدِيث عَائِشَة مِمَّا أخرجه أَبُو عمر بن عبد الْبر ناحت الْجِنّ على عمر ﵁ قبل أَن يَمُوت بِثَلَاث فَقَالَت (أبعد قَتِيل بِالْمَدِينَةِ أظلمت ... لَهُ الأَرْض تهتز العضاه بأسوق) (جزى الله خيرا من إِمَام وباركت ... يَد الله فِي ذَاك الْأَدِيم الممزق) (فَمن يسع أَو يركب جنَاح نعَامَة ... ليدرك مَا قدمت بالْأَمْس يسْبق) (قضيت أمورا ثمَّ غادرت بعْدهَا ... بوائق من أكمامها لم تفتق) خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ هُوَ أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن عَفَّان بن أبي الْعَاصِ بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد منَاف بن قصي يجْتَمع مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي عبد منَاف ولي الْخلَافَة بعد عمر ﵁ بِاخْتِيَار أهل الشورى لَهُ وَقد تقدم خبر ذَلِك مُسْتَوفى وَلما بُويِعَ رقى الْمِنْبَر وَقَامَ خَطِيبًا فَحَمدَ الله وَتشهد ثمَّ ارتج عَلَيْهِ فَقَالَ إِن أول كل أَمر صَعب وَإِن أعش فستأتيكم الْخطب على وَجههَا إِن شَاءَ الله ثمَّ نزل وَأقر عُمَّال عمر كلهم إِلَّا مَا كَانَ من الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَمِير الْكُوفَة فَإِنَّهُ عَزله واستبدل بِهِ سعد بن أبي وَقاص لوَصِيَّة عمر بذلك ثمَّ بعد مُدَّة نَحْو سنة عزل من عزل من عُمَّال عمر واستبدل بهم آخَرين كَانَ فيهم من هُوَ من قرَابَته فعزل سعد بن أبي وَقاص عَن الْكُوفَة وَولى عَلَيْهَا الْوَلِيد بن عقبَة وَكَانَ أَخا عُثْمَان من أمه وعزل عَمْرو بن الْعَاصِ عَن مصر وَولى عَلَيْهَا

стр. 36

عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري وَكَانَ أَخَاهُ من الرضَاعَة ثمَّ عزل بعد ذَلِك أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن الْبَصْرَة وَولى عَلَيْهَا عبد الله بن عَامر بن كريز وَهُوَ ابْن خَاله واستكتب مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ وَهُوَ ابْن عَمه كل ذَلِك كَانَ لمصْلحَة اقتضاها الْحَال وَضم حمص وقنسرين وفلسطين وَغَيرهَا من بِلَاد الشَّام إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أَمِير دمشق وَمضى ﵁ على سنَن عمر فِي الْجِهَاد وتجهيز الجيوش وتكتيب الْكَتَائِب حَتَّى اتسعت خطة الْإِسْلَام اتساعا أعظم مِنْهُ فِي خلَافَة عمر ﵁ وَكَانَ لأوّل خلَافَة عُثْمَان قد انْتقض بعض الثغور والجهات مثل الْإسْكَنْدَريَّة وَبَعض بِلَاد الْعَجم وَفَارِس وَنَحْو ذَلِك فتلاقاها بالغزو والبعوث حَتَّى عَادَتْ إِلَى الطَّاعَة وَأَدت مَا كَانَت تُؤَدِّيه أَيَّام عمر أَو أَكثر وَفتح عَلَيْهِ بِلَاد أرمينية مثل تفليس وقاليقلا وخلاط والسيرجان وعدة حصون وانْتهى الْفَتْح إِلَى مَدِينَة الْبَاب وَكَانَ ذَلِك على يَد سُلَيْمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ سنة أَربع وَعشْرين وغزا مُعَاوِيَة صَاحب الشَّام أَيْضا بِلَاد الرّوم حَتَّى بلغ عمورية وَوجد مَا بَين أنطاكية وطرطوس من حصون الرّوم خَالِيا فَجمع فِيهَا العساكر حَتَّى رَجَعَ وخربها وَكَذَا استتم الْمُسلمُونَ فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ فتح مدن خُرَاسَان والجوزجان والطالقان وطخارستان وَمَا وَرَاء النَّهر إِلَى فرغانة فِي الشرق وانْتهى الْفَتْح أَيْضا إِلَى كابل وزابلستان وَهِي بِلَاد غزنة من ثغور الْهِنْد فِي الْجنُوب

стр. 37

فتح أفريقية وَفتح فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ إفريقية أَيْضا من بِلَاد الْمغرب وَكَانَ من خَبَرهَا أَنه لما كَانَت سنة سِتّ وَعشْرين من الْهِجْرَة عزل عُثْمَان ﵁ عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ عَن خراج مصر وَاسْتعْمل مَكَانَهُ عبد الله بن سعد بن أبي سرح ﵁ فَلَمَّا قدم ابْن أبي سرح مصر كَانَ على خراجها وَعَمْرو بن الْعَاصِ على حربها فَكتب ابْن أبي سرح إِلَى عُثْمَان يشكو عمرا فاستقدمه عُثْمَان واستقل ابْن أبي سرح بالخراج وَالْحَرب مَعًا ثمَّ أمره عُثْمَان بغزو إفريقية بعد أَن كَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ اسْتَشَارَ عمر ﵁ فِي غزوها فَمَنعه من ذَلِك وَقَالَ لَهُ تِلْكَ المفرقة وَلَيْسَت بإفريقية أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَلما أَمر عُثْمَان بن أبي سرح بغزوها قَالَ لَهُ إِن فتح الله عَلَيْك فلك خمس الْخمس من الْغَنَائِم ثمَّ عقد عُثْمَان لعبد الله بن نَافِع بن عبد الْقَيْس على جند ولعَبْد الله بن نَافِع بن الْحَارِث على آخر وسرحهما فَخَرجُوا إِلَى أفريقية فِي عشرَة آلَاف وصالحهم أَهلهَا على مَال يؤدونه وَلم يقدروا على التوغل فِيهَا لِكَثْرَة أَهلهَا ثمَّ إِن ابْن أبي سرح اسْتَأْذن عُثْمَان فِي ذَلِك واستمده فَاسْتَشَارَ عُثْمَان الصَّحَابَة ﵃ فأشاروا بِهِ فَجهز العساكر من الْمَدِينَة وَفِيهِمْ جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن عَمْرو بن الْعَاصِ وَابْن جَعْفَر وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ وَسَارُوا مَعَ ابْن أبي سرح سنة سِتّ وَعشْرين ولقيهم عقبَة بن نَافِع فِيمَن مَعَه من الْمُسلمين ببرقة ثمَّ سَارُوا إِلَى طرابلس فنهبوا

стр. 38

الرّوم عِنْدهَا ثمَّ سَارُوا إِلَى إفريقية وبثوا السَّرَايَا فِي كل نَاحيَة وَكَانَ ملكهم جرجير يملك مَا بَين طرابلس وطنجة تَحت ولَايَة هِرقل وَيحمل إِلَيْهِ الْخراج فَلَمَّا بلغه الْخَبَر جمع مائَة وَعشْرين ألفا من العساكر ولقيهم على يَوْم وَلَيْلَة من سبيطلة دَار ملكهم وَأَقَامُوا يقتتلون وَدعوهُ إِلَى الْإِسْلَام أَو الْجِزْيَة فاستكبر ولحقهم عبد الله بن الزبير مدَدا بَعثه عُثْمَان لما أَبْطَأت أخبارهم وَسمع جرجير بوصول المدد ففت فِي عضده وَشهد ابْن الزبير مَعَهم الْقِتَال وَقد غَابَ ابْن أبي سرح فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل إِنَّه سمع مُنَادِي جرجير يَقُول من قتل ابْن أبي سرح فَلهُ مائَة ألف دِينَار وأزوجه ابْنَتي فخاف وَتَأَخر عَن شُهُود الْقِتَال فَقَالَ لَهُ ابْن الزبير تنادي أَنْت بِأَن من قتل جرجير نفلته مائَة ألف وَزَوجته ابْنَته واستعملته على بِلَاده فخاف جرجير أَشد مِنْهُ ثمَّ قَالَ عبد الله بن الزبير لِابْنِ أبي سرح الرَّأْي أَن تتْرك جمَاعَة من أبطال الْمُسلمين الْمَشَاهِير متأهبين للحرب وتقاتل الرّوم بباقي الْعَسْكَر إِلَى أَن يضجروا فتركبهم بالآخرين على غرَّة لَعَلَّ الله ينصرنا عَلَيْهِم وَوَافَقَ على ذَلِك أَعْيَان الصَّحَابَة فَفَعَلُوا ذَلِك وركبوا من الْغَد إِلَى الزَّوَال وألحوا عَلَيْهِم حَتَّى أتعبوهم ثمَّ افْتَرَقُوا وأركب عبد الله الْفَرِيق الَّذين كَانُوا مستريحين فكبروا وحملوا حَملَة رجل وَاحِد حَتَّى غشوا الرّوم فِي خيامهم فَانْهَزَمُوا وَقتل كثير مِنْهُم وَقتل ابْن الزبير جرجير وَأخذت ابْنَته سبية فنفلها ابْن أبي سرح ابْن الزبير ثمَّ حاصر ابْن أبي سرح سبيطلة حَتَّى فتحهَا وَكَانَ سهم الْفَارِس فِيهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَسَهْم الراجل ألفا وَبث جيوشه فِي الْبِلَاد إِلَى قفصه فَسبوا وغنموا وَبعث عسكرا إِلَى حصن الأجم وَقد اجْتمع بِهِ أهل الْبِلَاد فحاصره وفتحه على الْأمان ثمَّ صَالحه أهل أفريقية على ألفي ألف وَخَمْسمِائة ألف دِينَار وَأرْسل عبد الله بن أبي سرح عبد الله بن الزبير بِخَبَر الْفَتْح وبالخمس إِلَى عُثْمَان ﵁ فَاشْتَرَاهُ مَرْوَان بن الحكم بِخَمْسِمِائَة ألف دِينَار ثمَّ وَضعهَا عَنهُ عُثْمَان وَأعْطى ابْن أبي سرح خمس الْخمس من الْغَزْوَة الأولى ثمَّ بعد تَمام الصُّلْح رَجَعَ عبد الله بن أبي سرح

стр. 39

إِلَى مصر بعد مقَامه بأفريقية سنة وَثَلَاثَة أشهر وَيُقَال إِنَّه لما فتح إفريقية أَمر عُثْمَان ﵁ عبد الله بن نَافِع أَن يسير إِلَى جِهَة الأندلس فغزا تِلْكَ الْجِهَة وَعَاد إِلَى أفريقية فَأَقَامَ بهَا واليا من قبل عُثْمَان وَرجع ابْن أبي سرح إِلَى مصر وَالله أعلم وَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين اسْتَأْذن مُعَاوِيَة عُثْمَان فِي غَزْو الْبَحْر فَأذن لَهُ وَقد كَانَ مُعَاوِيَة وَهُوَ بحمص أَيَّام عمر ﵁ كتب إِلَيْهِ فِي شَأْن جَزِيرَة قبرص يَقُول إِن قَرْيَة من قرى حمص يسمع أَهلهَا نباح كلاب قبرص وصياح ديوكهم فَكتب عمر إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول صف لي الْبَحْر وراكبه فَكتب إِلَيْهِ عَمْرو يَقُول هُوَ خلق كَبِير يركبه خلق صَغِير لَيْسَ إِلَّا السَّمَاء وَالْمَاء إِن ركد أقلق الْقُلُوب وَإِن تحرّك أزاغ الْعُقُول يزْدَاد فِيهِ الْيَقِين قلَّة وَالشَّكّ كَثْرَة وراكبه دود على عود إِن مَال غرق وَإِن نجا فرق فَكتب عمر إِلَى مُعَاوِيَة وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَا أحمل فِيهِ مُسلما أبدا وَقد بَلغنِي أَن بَحر الشَّام يشرف على أطول جبل بِالْأَرْضِ فيستأذن الله كل يَوْم وَلَيْلَة فِي أَن يغرق الأَرْض فَكيف أحمل الْجنُود على هَذَا الْبَحْر الْكَافِر وَبِاللَّهِ لمُسلم وَاحِد أحب إِلَيّ مِمَّا حوت الرّوم فإياك أَن تعرض لي فِي ذَلِك فقد علمت مَا لَقِي الْعَلَاء مني ثمَّ لما كَانَت خلَافَة عُثْمَان ألح مُعَاوِيَة عَلَيْهِ فِي غَزْو الْبَحْر فَأَجَابَهُ على خِيَار النَّاس وطوعهم فَاخْتَارَ الْغَزْو جمَاعَة من الصَّحَابَة فيهم أَبُو ذَر وَأَبُو الدَّرْدَاء وَشَدَّاد بن أَوْس وَعبادَة بن الصَّامِت وزوجه أم حرَام بنت ملْحَان وَاسْتعْمل عَلَيْهِم عبد الله بن قيس حَلِيف بني فَزَارَة وَسَارُوا إِلَى قبرص وَجَاء عبد الله بن أبي سرح من مصر فَاجْتمعُوا عَلَيْهَا وصالحهم أَهلهَا على سَبْعَة آلَاف دِينَار لكل سنة ويؤدون مثلهَا للروم وَلَا مَنْعَة لَهُم على الْمُسلمين مِمَّن أَرَادَهُم من سواهُم وعَلى أَن يَكُونُوا عينا للْمُسلمين على عدوهم وَيكون طَرِيق الْغَزْو للْمُسلمين عَلَيْهِم وَكَانَت هَذِه

стр. 40

الْغُزَاة سنة ثَمَان وَعشْرين كَمَا قدمنَا وَقيل غير ذَلِك وفيهَا توفيت أم حرَام بنت ملْحَان سَقَطت عَن دابتها حِين خرجت من الْبَحْر وَكَانَ النَّبِي ﷺ أخْبرهَا بذلك وَهُوَ نَائِم عِنْدهَا كَمَا فِي الصَّحِيح وَأقَام عبد الله بن قيس على الْبَحْر فغزا خمسين غَزْوَة لم ينكب فِيهَا أحد إِلَى أَن نزل فِي بعض الْأَيَّام فِي سَاحل المرفأ من أَرض الرّوم فثاروا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَنَجَا الملاح وَكَانَ اسْتخْلف سُفْيَان بن عَوْف الْأَزْدِيّ على السفن فجَاء إِلَى أهل المرفأ وَقَاتلهمْ حَتَّى قتل وَقتل مَعَه جمَاعَة من الْمُسلمين وَفِي سنة ثَلَاثِينَ جمع عُثْمَان الْقُرْآن الْجمع الثَّانِي فِي الْمَصَاحِف وفيهَا هلك يزدجرد كسْرَى فَارًّا من جيوش الْمُسلمين بِمَدِينَة مرو من خُرَاسَان وَهُوَ آخر الأكاسرة وبموته انقرضت دولة آل ساسان وَكَانَ من خبر جمع الْقُرْآن مَا أخرجه البُخَارِيّ عَن ابْن شهَاب أَن أنس بن مَالك حَدثهُ أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قدم على عُثْمَان وَكَانَ يغازي أهل الشَّام فِي فتح أرمينية وأذربيجان مَعَ أهل الْعرَاق فأفزع حُذَيْفَة اخْتلَافهمْ فِي الْقِرَاءَة فَقَالَ حُذَيْفَة لعُثْمَان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أدْرك هَذِه الْأمة قبل أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْكتاب اخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَأرْسل عُثْمَان إِلَى حَفْصَة أَن أرسلي إِلَيْنَا بالصحف ننسخها فِي الْمَصَاحِف ثمَّ نردها إِلَيْك فَأرْسلت بهَا حَفْصَة إِلَى عُثْمَان فَأمر زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام فنسخوها فِي الْمَصَاحِف وَقَالَ عُثْمَان للرهط القرشيين الثَّلَاثَة إِذا اختلفتم أَنْتُم وَزيد بن ثَابت فِي شَيْء من الْقُرْآن فاكتبوه بِلِسَان قُرَيْش فَإِنَّمَا نزل بلسانهم فَفَعَلُوا حَتَّى إِذا نسخوا الصُّحُف فِي الْمَصَاحِف رد عُثْمَان الصُّحُف إِلَى حَفْصَة فَأرْسل إِلَى كل أفق بمصحف مِمَّا نسخوا وَأمر بِمَا سواهُ من الْقُرْآن فِي كل صحيفَة أَو مصحف أَن يحرق قَالَ ابْن شهَاب وَأَخْبرنِي خَارِجَة بن زيد بن ثَابت أَنه سمع أَبَاهُ زيد بن ثَابت قَالَ فقدت آيَة من الْأَحْزَاب حِين نسخنا الْمُصحف قد كنت أسمع رَسُول الله ﷺ يقْرَأ بهَا فالتمسناها فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت الْأنْصَارِيّ ﴿من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا﴾
следующие страницы →