Полный текст (1 747 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري وَكَانَ أَخَاهُ من الرضَاعَة ثمَّ عزل بعد ذَلِك أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن الْبَصْرَة وَولى عَلَيْهَا عبد الله بن عَامر بن كريز وَهُوَ ابْن خَاله واستكتب مَرْوَان بن الحكم بن أبي الْعَاصِ وَهُوَ ابْن عَمه كل ذَلِك كَانَ لمصْلحَة اقتضاها الْحَال وَضم حمص وقنسرين وفلسطين وَغَيرهَا من بِلَاد الشَّام إِلَى مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان أَمِير دمشق وَمضى ﵁ على سنَن عمر فِي الْجِهَاد وتجهيز الجيوش وتكتيب الْكَتَائِب حَتَّى اتسعت خطة الْإِسْلَام اتساعا أعظم مِنْهُ فِي خلَافَة عمر ﵁ وَكَانَ لأوّل خلَافَة عُثْمَان قد انْتقض بعض الثغور والجهات مثل الْإسْكَنْدَريَّة وَبَعض بِلَاد الْعَجم وَفَارِس وَنَحْو ذَلِك فتلاقاها بالغزو والبعوث حَتَّى عَادَتْ إِلَى الطَّاعَة وَأَدت مَا كَانَت تُؤَدِّيه أَيَّام عمر أَو أَكثر وَفتح عَلَيْهِ بِلَاد أرمينية مثل تفليس وقاليقلا وخلاط والسيرجان وعدة حصون وانْتهى الْفَتْح إِلَى مَدِينَة الْبَاب وَكَانَ ذَلِك على يَد سُلَيْمَان بن ربيعَة الْبَاهِلِيّ سنة أَربع وَعشْرين وغزا مُعَاوِيَة صَاحب الشَّام أَيْضا بِلَاد الرّوم حَتَّى بلغ عمورية وَوجد مَا بَين أنطاكية وطرطوس من حصون الرّوم خَالِيا فَجمع فِيهَا العساكر حَتَّى رَجَعَ وخربها وَكَذَا استتم الْمُسلمُونَ فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ فتح مدن خُرَاسَان والجوزجان والطالقان وطخارستان وَمَا وَرَاء النَّهر إِلَى فرغانة فِي الشرق وانْتهى الْفَتْح أَيْضا إِلَى كابل وزابلستان وَهِي بِلَاد غزنة من ثغور الْهِنْد فِي الْجنُوب
стр. 37
فتح أفريقية
وَفتح فِي خلَافَة عُثْمَان ﵁ إفريقية أَيْضا من بِلَاد الْمغرب وَكَانَ من خَبَرهَا أَنه لما كَانَت سنة سِتّ وَعشْرين من الْهِجْرَة عزل عُثْمَان ﵁ عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ عَن خراج مصر وَاسْتعْمل مَكَانَهُ عبد الله بن سعد بن أبي سرح ﵁ فَلَمَّا قدم ابْن أبي سرح مصر كَانَ على خراجها وَعَمْرو بن الْعَاصِ على حربها فَكتب ابْن أبي سرح إِلَى عُثْمَان يشكو عمرا فاستقدمه عُثْمَان واستقل ابْن أبي سرح بالخراج وَالْحَرب مَعًا ثمَّ أمره عُثْمَان بغزو إفريقية بعد أَن كَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ اسْتَشَارَ عمر ﵁ فِي غزوها فَمَنعه من ذَلِك وَقَالَ لَهُ تِلْكَ المفرقة وَلَيْسَت بإفريقية أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَلما أَمر عُثْمَان بن أبي سرح بغزوها قَالَ لَهُ إِن فتح الله عَلَيْك فلك خمس الْخمس من الْغَنَائِم ثمَّ عقد عُثْمَان لعبد الله بن نَافِع بن عبد الْقَيْس على جند ولعَبْد الله بن نَافِع بن الْحَارِث على آخر وسرحهما فَخَرجُوا إِلَى أفريقية فِي عشرَة آلَاف وصالحهم أَهلهَا على مَال يؤدونه وَلم يقدروا على التوغل فِيهَا لِكَثْرَة أَهلهَا ثمَّ إِن ابْن أبي سرح اسْتَأْذن عُثْمَان فِي ذَلِك واستمده فَاسْتَشَارَ عُثْمَان الصَّحَابَة ﵃ فأشاروا بِهِ فَجهز العساكر من الْمَدِينَة وَفِيهِمْ جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَابْن عَمْرو بن الْعَاصِ وَابْن جَعْفَر وَالْحسن وَالْحُسَيْن ﵃ وَسَارُوا مَعَ ابْن أبي سرح سنة سِتّ وَعشْرين ولقيهم عقبَة بن نَافِع فِيمَن مَعَه من الْمُسلمين ببرقة ثمَّ سَارُوا إِلَى طرابلس فنهبوا
стр. 38
الرّوم عِنْدهَا ثمَّ سَارُوا إِلَى إفريقية وبثوا السَّرَايَا فِي كل نَاحيَة وَكَانَ ملكهم جرجير يملك مَا بَين طرابلس وطنجة تَحت ولَايَة هِرقل وَيحمل إِلَيْهِ الْخراج فَلَمَّا بلغه الْخَبَر جمع مائَة وَعشْرين ألفا من العساكر ولقيهم على يَوْم وَلَيْلَة من سبيطلة دَار ملكهم وَأَقَامُوا يقتتلون وَدعوهُ إِلَى الْإِسْلَام أَو الْجِزْيَة فاستكبر ولحقهم عبد الله بن الزبير مدَدا بَعثه عُثْمَان لما أَبْطَأت أخبارهم وَسمع جرجير بوصول المدد ففت فِي عضده وَشهد ابْن الزبير مَعَهم الْقِتَال وَقد غَابَ ابْن أبي سرح فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل إِنَّه سمع مُنَادِي جرجير يَقُول من قتل ابْن أبي سرح فَلهُ مائَة ألف دِينَار وأزوجه ابْنَتي فخاف وَتَأَخر عَن شُهُود الْقِتَال فَقَالَ لَهُ ابْن الزبير تنادي أَنْت بِأَن من قتل جرجير نفلته مائَة ألف وَزَوجته ابْنَته واستعملته على بِلَاده فخاف جرجير أَشد مِنْهُ ثمَّ قَالَ عبد الله بن الزبير لِابْنِ أبي سرح الرَّأْي أَن تتْرك جمَاعَة من أبطال الْمُسلمين الْمَشَاهِير متأهبين للحرب وتقاتل الرّوم بباقي الْعَسْكَر إِلَى أَن يضجروا فتركبهم بالآخرين على غرَّة لَعَلَّ الله ينصرنا عَلَيْهِم وَوَافَقَ على ذَلِك أَعْيَان الصَّحَابَة فَفَعَلُوا ذَلِك وركبوا من الْغَد إِلَى الزَّوَال وألحوا عَلَيْهِم حَتَّى أتعبوهم ثمَّ افْتَرَقُوا وأركب عبد الله الْفَرِيق الَّذين كَانُوا مستريحين فكبروا وحملوا حَملَة رجل وَاحِد حَتَّى غشوا الرّوم فِي خيامهم فَانْهَزَمُوا وَقتل كثير مِنْهُم وَقتل ابْن الزبير جرجير وَأخذت ابْنَته سبية فنفلها ابْن أبي سرح ابْن الزبير ثمَّ حاصر ابْن أبي سرح سبيطلة حَتَّى فتحهَا وَكَانَ سهم الْفَارِس فِيهَا ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَسَهْم الراجل ألفا وَبث جيوشه فِي الْبِلَاد إِلَى قفصه فَسبوا وغنموا وَبعث عسكرا إِلَى حصن الأجم وَقد اجْتمع بِهِ أهل الْبِلَاد فحاصره وفتحه على الْأمان ثمَّ صَالحه أهل أفريقية على ألفي ألف وَخَمْسمِائة ألف دِينَار وَأرْسل عبد الله بن أبي سرح عبد الله بن الزبير بِخَبَر الْفَتْح وبالخمس إِلَى عُثْمَان ﵁ فَاشْتَرَاهُ مَرْوَان بن الحكم بِخَمْسِمِائَة ألف دِينَار ثمَّ وَضعهَا عَنهُ عُثْمَان وَأعْطى ابْن أبي سرح خمس الْخمس من الْغَزْوَة الأولى ثمَّ بعد تَمام الصُّلْح رَجَعَ عبد الله بن أبي سرح
стр. 39
إِلَى مصر بعد مقَامه بأفريقية سنة وَثَلَاثَة أشهر وَيُقَال إِنَّه لما فتح إفريقية أَمر عُثْمَان ﵁ عبد الله بن نَافِع أَن يسير إِلَى جِهَة الأندلس فغزا تِلْكَ الْجِهَة وَعَاد إِلَى أفريقية فَأَقَامَ بهَا واليا من قبل عُثْمَان وَرجع ابْن أبي سرح إِلَى مصر وَالله أعلم
وَفِي سنة ثَمَان وَعشْرين اسْتَأْذن مُعَاوِيَة عُثْمَان فِي غَزْو الْبَحْر فَأذن لَهُ وَقد كَانَ مُعَاوِيَة وَهُوَ بحمص أَيَّام عمر ﵁ كتب إِلَيْهِ فِي شَأْن جَزِيرَة قبرص يَقُول إِن قَرْيَة من قرى حمص يسمع أَهلهَا نباح كلاب قبرص وصياح ديوكهم فَكتب عمر إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ يَقُول صف لي الْبَحْر وراكبه فَكتب إِلَيْهِ عَمْرو يَقُول هُوَ خلق كَبِير يركبه خلق صَغِير لَيْسَ إِلَّا السَّمَاء وَالْمَاء إِن ركد أقلق الْقُلُوب وَإِن تحرّك أزاغ الْعُقُول يزْدَاد فِيهِ الْيَقِين قلَّة وَالشَّكّ كَثْرَة وراكبه دود على عود إِن مَال غرق وَإِن نجا فرق فَكتب عمر إِلَى مُعَاوِيَة وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَا أحمل فِيهِ مُسلما أبدا وَقد بَلغنِي أَن بَحر الشَّام يشرف على أطول جبل بِالْأَرْضِ فيستأذن الله كل يَوْم وَلَيْلَة فِي أَن يغرق الأَرْض فَكيف أحمل الْجنُود على هَذَا الْبَحْر الْكَافِر وَبِاللَّهِ لمُسلم وَاحِد أحب إِلَيّ مِمَّا حوت الرّوم فإياك أَن تعرض لي فِي ذَلِك فقد علمت مَا لَقِي الْعَلَاء مني ثمَّ لما كَانَت خلَافَة عُثْمَان ألح مُعَاوِيَة عَلَيْهِ فِي غَزْو الْبَحْر فَأَجَابَهُ على خِيَار النَّاس وطوعهم فَاخْتَارَ الْغَزْو جمَاعَة من الصَّحَابَة فيهم أَبُو ذَر وَأَبُو الدَّرْدَاء وَشَدَّاد بن أَوْس وَعبادَة بن الصَّامِت وزوجه أم حرَام بنت ملْحَان وَاسْتعْمل عَلَيْهِم عبد الله بن قيس حَلِيف بني فَزَارَة وَسَارُوا إِلَى قبرص وَجَاء عبد الله بن أبي سرح من مصر فَاجْتمعُوا عَلَيْهَا وصالحهم أَهلهَا على سَبْعَة آلَاف دِينَار لكل سنة ويؤدون مثلهَا للروم وَلَا مَنْعَة لَهُم على الْمُسلمين مِمَّن أَرَادَهُم من سواهُم وعَلى أَن يَكُونُوا عينا للْمُسلمين على عدوهم وَيكون طَرِيق الْغَزْو للْمُسلمين عَلَيْهِم وَكَانَت هَذِه
стр. 40
الْغُزَاة سنة ثَمَان وَعشْرين كَمَا قدمنَا وَقيل غير ذَلِك وفيهَا توفيت أم حرَام بنت ملْحَان سَقَطت عَن دابتها حِين خرجت من الْبَحْر وَكَانَ النَّبِي ﷺ أخْبرهَا بذلك وَهُوَ نَائِم عِنْدهَا كَمَا فِي الصَّحِيح وَأقَام عبد الله بن قيس على الْبَحْر فغزا خمسين غَزْوَة لم ينكب فِيهَا أحد إِلَى أَن نزل فِي بعض الْأَيَّام فِي سَاحل المرفأ من أَرض الرّوم فثاروا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَنَجَا الملاح وَكَانَ اسْتخْلف سُفْيَان بن عَوْف الْأَزْدِيّ على السفن فجَاء إِلَى أهل المرفأ وَقَاتلهمْ حَتَّى قتل وَقتل مَعَه جمَاعَة من الْمُسلمين
وَفِي سنة ثَلَاثِينَ جمع عُثْمَان الْقُرْآن الْجمع الثَّانِي فِي الْمَصَاحِف وفيهَا هلك يزدجرد كسْرَى فَارًّا من جيوش الْمُسلمين بِمَدِينَة مرو من خُرَاسَان وَهُوَ آخر الأكاسرة وبموته انقرضت دولة آل ساسان وَكَانَ من خبر جمع الْقُرْآن مَا أخرجه البُخَارِيّ عَن ابْن شهَاب أَن أنس بن مَالك حَدثهُ أَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قدم على عُثْمَان وَكَانَ يغازي أهل الشَّام فِي فتح أرمينية وأذربيجان مَعَ أهل الْعرَاق فأفزع حُذَيْفَة اخْتلَافهمْ فِي الْقِرَاءَة فَقَالَ حُذَيْفَة لعُثْمَان يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أدْرك هَذِه الْأمة قبل أَن يَخْتَلِفُوا فِي الْكتاب اخْتِلَاف الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَأرْسل عُثْمَان إِلَى حَفْصَة أَن أرسلي إِلَيْنَا بالصحف ننسخها فِي الْمَصَاحِف ثمَّ نردها إِلَيْك فَأرْسلت بهَا حَفْصَة إِلَى عُثْمَان فَأمر زيد بن ثَابت وَعبد الله بن الزبير وَسَعِيد بن الْعَاصِ وَعبد الرَّحْمَن بن الْحَارِث بن هِشَام فنسخوها فِي الْمَصَاحِف وَقَالَ عُثْمَان للرهط القرشيين الثَّلَاثَة إِذا اختلفتم أَنْتُم وَزيد بن ثَابت فِي شَيْء من الْقُرْآن فاكتبوه بِلِسَان قُرَيْش فَإِنَّمَا نزل بلسانهم فَفَعَلُوا حَتَّى إِذا نسخوا الصُّحُف فِي الْمَصَاحِف رد عُثْمَان الصُّحُف إِلَى حَفْصَة فَأرْسل إِلَى كل أفق بمصحف مِمَّا نسخوا وَأمر بِمَا سواهُ من الْقُرْآن فِي كل صحيفَة أَو مصحف أَن يحرق قَالَ ابْن شهَاب وَأَخْبرنِي خَارِجَة بن زيد بن ثَابت أَنه سمع أَبَاهُ زيد بن ثَابت قَالَ فقدت آيَة من الْأَحْزَاب حِين نسخنا الْمُصحف قد كنت أسمع رَسُول الله ﷺ يقْرَأ بهَا فالتمسناها فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَة بن ثَابت الْأنْصَارِيّ ﴿من الْمُؤمنِينَ رجال صدقُوا مَا﴾
стр. 41
عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ) فألحقناها فِي سورتها فِي الْمُصحف
وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ تكلم جمَاعَة من أهل الْكُوفَة فِي عُثْمَان بِأَنَّهُ ولى جمَاعَة من أهل بَيته لَا يصلحون للولاية ونقموا عَلَيْهِ أمورا أخر لَا حَاجَة بِنَا إِلَى ذكرهَا مَعَ أَنه كَانَ فِيهَا مُجْتَهدا وَذَلِكَ أَن عُثْمَان ﵁ كَانَ فِيهِ مزِيد حَيَاء ورأفة وبرور بأقاربه وَكَانَ عمر ﵁ مرهوب الْجَانِب عِنْد الْخَاصَّة والعامة لَهُ عين كالئة على الرّعية بَصيرًا بِمَا يأْتونَ ويذرون مُحدثا فِي ذَلِك كَمَا أخبر عَنهُ ﷺ وَكَانَ من الحزم والضبط على مَا وَصفته عَائِشَة ﵂ إِذْ قَالَت رحم الله عمر كَانَ أحوذ بِهِ نَسِيج وَحده قد أعد للأمور أقرانها فَكَانَ عُثْمَان أَلين جانبا من عمر فتوسع النَّاس فِي زَمَانه فِي أُمُور الدُّنْيَا أَكثر مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زمَان عمر واستعملوا النفيس من الملبس والمسكن والمطعم واقتنوا الضّيَاع والآثاث
قَالَ المَسْعُودِيّ فِي مروج الذَّهَب وَفِي أَيَّام عُثْمَان اقتنى الصَّحَابَة الضّيَاع وَالْمَال فَكَانَ لَهُ يَوْم قتل عِنْد خازنه خَمْسُونَ وَمِائَة ألف دِينَار وَألف ألف دِرْهَم وَقِيمَة ضيَاعه بوادي الْقرى وحنين وَغَيرهمَا مائَة ألف دِينَار وَخلف إبِلا وخيلا كَثِيرَة وَبلغ الثّمن الْوَاحِد من مَتْرُوك الزبير بعد وَفَاته خمسين ألف دِينَار وَخلف ألف فرس وَألف أمة وَكَانَت غلَّة إِلَى طَلْحَة من الْعرَاق ألف دِينَار كل يَوْم وَمن نَاحيَة السراة أَكثر من ذَلِك وَكَانَ على مربط عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ألف فرس وَله ألف بعير وَعشرَة آلَاف من الْغنم وَبلغ الرّبع من متروكه بعد وَفَاته أَرْبَعَة وَثَمَانُونَ ألفا وَخلف زيد بن ثَابت من الْفضة وَالذَّهَب مَا كَانَ يكسر بالفؤوس غير مَا خلف من الْأَمْوَال والضياع بِمِائَة ألف دِينَار وَبنى الزبير دَاره بِالْبَصْرَةِ وَكَذَلِكَ بنى بِمصْر والإسكندرية والكوفة وَكَذَلِكَ بنى طَلْحَة دَاره بِالْكُوفَةِ وشيد دَاره بِالْمَدِينَةِ وبناها بالجص والآجر والساج وَبنى سعد بن أبي وَقاص دَاره بالعقيق وَرفع سمكها وأوسع فضاءها وَجعل على أَعْلَاهَا شرفات وَبنى الْمِقْدَاد دَاره بِالْمَدِينَةِ وَجعلهَا مجصصة الظَّاهِر وَالْبَاطِن وَخلف يعلى بن منية خمسين ألف دِينَار وَغير
стр. 42
ذَلِك مِمَّا قِيمَته ثَلَاثمِائَة ألف دِرْهَم اه كَلَام المَسْعُودِيّ فاستحالت الْأَحْوَال فِي زمَان عُثْمَان كَمَا ترى وَلما رأى ذَلِك بعض النَّاس مِمَّن لم يكن لَهُ رسوخ فِي الْفِقْه وَالدّين وَلَا هُوَ من أهل السَّابِقَة من فضلاء الصَّحَابَة وَالْمُسْلِمين صَارُوا ينقمون على عُثْمَان بِأَنَّهُ أهمل أَمر الرّعية وَخَالف سيرة العمرين مَعَ مَا أنضاف إِلَى ذَلِك من تَوْلِيَة أَقَاربه وحاشاه من ذَلِك ﵁ فَإِن الرجل كَانَ مُجْتَهدا وَهُوَ أهل للِاجْتِهَاد وَمَا تخيلوه من إهماله أَمر الرّعية حَتَّى اسْتَحَالَ أمرهَا إِلَى مَا ذكر تخيل بَاطِل إِذْ لَيْسَ فِي طوقه وَلَا بِسَبَبِهِ وَإِنَّمَا طبيعة الْعمرَان البشري تَقْتَضِي ذَلِك بِسَبَب مَا فتح على الْمُسلمين من الأقاليم والممالك والأقطار والنواحي والأمصار وترادف الجبايات الفائقة الْحصْر وانثيال كنوز كسْرَى وَقَيْصَر وَغَيرهم من مُلُوك الأَرْض عَلَيْهِم فَأنى يبْقى الْأَمر على حَاله مَعَ هَذَا الْفَتْح العجيب والنصر الْغَرِيب وَقد قيل دوَام الْحَال من الْمحَال وَالنَّاس لَيْسُوا على قدم وَاحِد فِي الزّهْد فِي الدُّنْيَا فَالْحق الَّذِي لَا عوج فِيهِ وَلَا أمت أَن عُثْمَان ﵁ كَانَ على الْحق حَتَّى لَقِي ربه وَمَا يعتدون بِهِ عَلَيْهِ من مُخَالفَة الشَّيْخَيْنِ ﵄ إِن صَحَّ فمحله الِاجْتِهَاد كَمَا قُلْنَا وَمَعْلُوم أَن أَحْكَام الشَّرْع تَدور مَعَ الْمصَالح والمفاسد وتختلف باخْتلَاف الْأَزْمَان وَالْأَحْوَال كَمَا لَا يخفى على من لَهُ أدنى مَسِيس بالفقه
قَالَ ابْن خلدون اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ إِنَّمَا يَقع فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة وينشأ عَن الِاجْتِهَاد فِي الْأَدِلَّة الصَّحِيحَة والمدارك الْمُعْتَبرَة والمجتهدون إِذا اخْتلفُوا فَإِن قُلْنَا إِن الْحق فِي الْمسَائِل الاجتهادية فِي وَاحِد من الطَّرفَيْنِ وَمن لم يصادفه فَهُوَ مُخطئ فَإِن جِهَته لَا تتَعَيَّن بِإِجْمَاع فَيبقى الْكل على احْتِمَال الْإِصَابَة والتأثيم مَدْفُوع عَن الْكل إِجْمَاعًا وَإِن قُلْنَا إِن الْكل حق وَإِن كل مُجْتَهد مُصِيب فأحرى بِنَفْي الْخَطَأ والتأثيم ثمَّ اسْتمرّ أُولَئِكَ الناقمون على عُثْمَان ﵁ وتمادوا فِي طعنهم وتشغيبهم حَتَّى تفاقم الْأَمر وشرى الدَّاء وأعوز الدَّوَاء وَاخْتَلَطَ المرعى بالهمل
стр. 43
(وَكَانَ مَا كَانَ مِمَّا لست أذكرهُ ... فَظن خيرا وَلَا تسْأَل عَن الْخَبَر)
وَآخر الْأَمر أَنه لما كَانَت سنة خمس وَثَلَاثِينَ قدم من مصر جمع قيل ألف وَقيل سَبْعمِائة وَقدم من الْكُوفَة جمع آخر وَمن الْبَصْرَة كَذَلِك وحاصروا عُثْمَان ﵁ فِي دَاره وَكَانَت خطوب وَقَطعُوا عَنهُ المَاء وَاسْتمرّ الْحصار نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ تسور عَلَيْهِ جمَاعَة من أهل مصر دَاره فَقَتَلُوهُ وسال دَمه على الْمُصحف يُقَال أَن الَّذِي تولى قَتله كنَانَة بن بشر التجِيبِي وطعنه عَمْرو بن الْحمق طعنات وَجَاء عُمَيْر بن ضابئ البرجمي وَكَانَ أَبوهُ قد مَاتَ فِي سجن عُثْمَان فَوَثَبَ عَلَيْهِ حَتَّى كسر ضلعا من أضلاعه وَكَانَ قَتله لثمان عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته اثْنَتَيْ عشرَة سنة إِلَّا اثْنَي عشر يَوْمًا وَقيل أَنه قتل صَبِيحَة عيد الْأَضْحَى من السّنة الْمَذْكُورَة وَهُوَ الَّذِي عِنْد ابْن الْخَطِيب فِي رقم الْحلَل وَابْن بدرون فِي شرح العبدونية وَيُؤَيِّدهُ قَول حسان بن ثَابت يرثيه
(ضحوا بأشمط عنوان السُّجُود بِهِ ... يقطع اللَّيْل تسبيحا وقرآنا)
لتسمعن وشيكا فِي دِيَارهمْ ... الله أكبر يَا ثَارَاتِ عثمانا)
وَقَول الفرزدق بعده
(عُثْمَان إِذْ قَتَلُوهُ وانتهكوا ... دَمه صَبِيحَة لَيْلَة النَّحْر)
رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ ونفعنا بِهِ
стр. 44
خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁
هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي طَالب واسْمه عبد منَاف بن عبد الْمطلب جد النَّبِي ﷺ واسْمه شيبَة وَفِيه يجْتَمع مَعَ النَّبِي ﷺ بُويِعَ بعد مقتل عُثْمَان ﵁ بِاتِّفَاق من يعْتَبر أهل الْحل وَالْعقد بعد امْتِنَاعه من ذَلِك
قَالَ ابْن خلدون لما قتل عُثْمَان اجْتمع طَلْحَة وَالزُّبَيْر والمهاجرون وَالْأَنْصَار وَأتوا عليا يبايعونه فَأبى وَقَالَ أكون وزيرا لكم خير من أَن أكون أَمِيرا وَمن اخترتم رضيته فألحوا عَلَيْهِ وَقَالُوا لَا نعلم أَحَق مِنْك وَلَا نَخْتَار غَيْرك حَتَّى غلبوه فِي ذَلِك فَخرج إِلَى الْمَسْجِد وَبَايَعُوهُ وَأول من بَايعه طَلْحَة ثمَّ الزبير بعد أَن خيرهما وَيُقَال أَنَّهُمَا ادّعَيَا الْإِكْرَاه بعد ذَلِك بأَرْبعَة أشهر وتخلف عَن بيعَة عَليّ ﵁ نَاس من الصَّحَابَة وَغَيرهم فَلم يبغضهم وَقَالَ أُولَئِكَ قوم قعدوا عَن الْحق وَلم يقومُوا مَعَ الْبَاطِل وَلما ولي الْخلَافَة ﵁ أحيى السّنة وأمات الْبِدْعَة وأوضح منار الْحق وأخمد نَار الْبَاطِل وَلم تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم
وَلما دخلت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ فرق عماله على النواحي فَبعث إِلَى الْكُوفَة عمَارَة بن شهَاب وَكَانَ من الْمُهَاجِرين وَولى على الْبَصْرَة عُثْمَان بن حنيف الْأنْصَارِيّ وعَلى الْيمن عبيد الله بن عَبَّاس وَكَانَ من الأجواد وعَلى مصر قيس بن سعد بن عبَادَة الْأنْصَارِيّ وَكَانَ من أهل الْجُود والشجاعة والرأي وعَلى الشَّام سهل بن حنيف الْأنْصَارِيّ فَلَمَّا وصل سهل إِلَى تَبُوك لَقيته خيل فَقَالُوا من أَنْت قَالَ أَمِير على الشَّام فَقَالُوا إِن كَانَ بَعثك غير عُثْمَان فَارْجِع فَرجع إِلَى عَليّ وَمضى قيس بن سعد إِلَى مصر فوليها واعتزلت عَنهُ فرقة كَانُوا عثمانية وأبوا أَن يدخلُوا فِي طَاعَة عَليّ حَتَّى يقتل قتلة عُثْمَان وَمضى عُثْمَان بن حنيف إِلَى الْبَصْرَة فَدَخلَهَا واتبعته فرقة وخالفته اخرى وَمضى عمَارَة بن شهَاب إِلَى الْكُوفَة فَلَقِيَهُ طَلْحَة بن خويلد الْأَسدي الَّذِي
стр. 45
كَانَ ادّعى النُّبُوَّة زمَان الرِّدَّة فَقَالَ لَهُ إِن أهل الْكُوفَة لَا يستبدلون بأميرهم أحدا وَكَانَ عَلَيْهَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ من قبل عُثْمَان رَحمَه الله تَعَالَى فَرجع عمَارَة إِلَى عَليّ وَمضى عبيد الله بن عَبَّاس إِلَى الْيمن فوليها وَكَانَ الْعَامِل بهَا من قبل عُثْمَان يعلى بن منية فَأخذ مَا كَانَ بهَا من المَال وَلحق بِمَكَّة وَمَعَهُ سِتّمائَة بعير وَصَارَ مَعَ عَائِشَة ﵂ وَذَلِكَ أَن عَائِشَة كَانَت خرجت إِلَى مَكَّة زمَان حِصَار عُثْمَان فقضت نسكها وانقلبت تُرِيدُ الْمَدِينَة فلقيها الْخَبَر بمقتل عُثْمَان فأعظمت ذَلِك ودعت إِلَى الطّلب بدمه وَلحق بهَا طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعبد الله بن عمر وَجَمَاعَة من بني أُميَّة وَاتفقَ رَأْيهمْ على الْمُضِيّ إِلَى الْبَصْرَة للاستيلاء عَلَيْهَا وَكَانَ عبد الله بن عمر قد قدم مَكَّة من الْمَدِينَة فَدَعوهُ إِلَى الْمسير مَعَهم فَأبى وَأعْطى يعلى بن منية عَائِشَة الْجمل الْمُسَمّى بعسكر وَكَانَ اشْتَرَاهُ بِمِائَة دِينَار فركبته وَسَارُوا فَمروا فِي طريقهم بِمَاء يُقَال لَهُ الحوأب فنبحتهم كلابه فَقَالَت عَائِشَة أَي مَاء هَذَا فَقيل مَاء الحوأب فصرخت بِأَعْلَى صَوتهَا وَقَالَت إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول وَعِنْده نساؤه لَيْت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ثمَّ ضربت عضد الْجمل فأناخته وَقَالَت ردوني أَنا وَالله صَاحِبَة مَاء الحوأب وَقَامَت بهم يَوْمًا وَلَيْلَة إِلَى أَن قيل النَّجَاء فقد أدرككم عَليّ بن أبي طَالب وغلبوها على رأيها فارتحلوا نَحْو الْبَصْرَة فاستولوا عَلَيْهَا بعد قتال مَعَ أميرها عُثْمَان بن حنيف وَلما بلغ عليا ﵁ مسير عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر إِلَى الْبَصْرَة سَار نحوهم فِي أَرْبَعَة آلَاف من أهل الْمَدِينَة فيهم أَرْبَعمِائَة مِمَّن بَايع تَحت الشَّجَرَة وَثَمَانمِائَة من الْأَنْصَار وَكَانَت رايته مَعَ ابْنه مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة وعَلى ميمنته الْحسن وعَلى ميسرته الْحُسَيْن وعَلى الْخَيل عمار بن يَاسر وعَلى الرجالة مُحَمَّد بن أبي بكر الصّديق وعَلى مقدمته عبد الله بن الْعَبَّاس وَكَانَ مسيره فِي ربيع الآخر سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ
وَلما وصل عَليّ إِلَى ذِي قار لقِيه أَمِير الْبَصْرَة عُثْمَان بن حنيف وَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ عَليّ إِن النَّاس وليهم قبلي رجلَانِ فعملا بِالْكتاب وَالسّنة ثمَّ
стр. 46
وليهم ثَالِث فَقَالُوا فِي حَقه وفعلوا ثمَّ بايعوني وبايعني طَلْحَة وَالزُّبَيْر ثمَّ نَكثا وَمن الْعجب انقيادهما لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وخلافهما عَليّ وَالله إنَّهُمَا ليعلمان أَنِّي لست بِدُونِ رجل مِمَّن تقدم ثمَّ سَار عَليّ يؤم الْبَصْرَة فِيمَن مَعَه من أهل الْمَدِينَة وَأهل الْكُوفَة وانضم إِلَى عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر جمع آخر والتقوا بمَكَان يُقَال لَهُ الخريبة عِنْد مَوضِع قصر عبيد الله بن زِيَاد يَوْم الْخَمِيس النّصْف من جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ خرج طَلْحَة وَالزُّبَيْر وجاءهم عَليّ حَتَّى اخْتلفت أَعْنَاق دوابهم فَقَالَ عَليّ لقد أعددتما سِلَاحا وخيلا ورجالا إِن كنتما أعددتما عِنْد الله عذرا ألم أكن أخاكما فِي دينكما تحرمان دمي وَأحرم دمكما فَهَل من حدث أحل لَكمَا دمي قَالَ طَلْحَة ألبت على عُثْمَان قَالَ عَليّ ﴿يَوْمئِذٍ يوفيهم الله دينهم الْحق﴾ فلعن الله قتلة عُثْمَان يَا طَلْحَة أما بايعتني قَالَ وَالسيف على عنقِي ثمَّ قَالَ الزبير أَتَذكر يَوْم قَالَ لَك رَسُول الله ﷺ (لَتُقَاتِلنَّهُ وَأَنت لَهُ ظَالِم) قَالَ اللَّهُمَّ نعم وَلَو ذكرت ذَلِك قبل مسيري مَا سرت وَوَاللَّه لَا أقاتلنك أبدا وافترقوا وَكَانَ عَليّ ﵁ قد بعث إِلَيْهِم قبل اللِّقَاء الْقَعْقَاع بن عَمْرو التَّمِيمِي وَأمره أَن يُشِير بِالصُّلْحِ مَا اسْتَطَاعَ فَقدم الْقَعْقَاع على عَائِشَة أَولا وَقَالَ أَي أُمَّاهُ مَا أشخصك قَالَت أُرِيد الْإِصْلَاح بَين النَّاس قَالَ فابعثي إِلَى طَلْحَة وَالزُّبَيْر فاسمعي مني ومنهما فَبعثت إِلَيْهِمَا فجاءا فَقَالَ لَهما القعقعاع إِنِّي سَأَلت أم الْمُؤمنِينَ مَا أقدمها فَقَالَت الْإِصْلَاح فَقَالَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر كَذَلِك هُوَ قَالَ الْقَعْقَاع فأخبراني مَا هُوَ قَالَا قتلة عُثْمَان فَإِن تَركهم ترك لِلْقُرْآنِ قَالَ فقد قتلتم مِنْهُم عددا من أهل الْبَصْرَة يَعْنِي حِين قتلوا أميرها عُثْمَان بن حنيف قَالَ وَغَضب لَهُم سِتَّة آلَاف واعتزلوكم وطلبتم حرقوص بن زُهَيْر فَمَنعه سِتَّة آلَاف فَإِن قاتلتم هَؤُلَاءِ كلهم اجْتمع ربيعَة وَمُضر على حربكم فَأَيْنَ الْإِصْلَاح قَالَت عَائِشَة فَمَاذَا تَقول أَنْت قَالَ هَذَا الْأَمر دواؤه التسكين فَإِذا سكن الْأَمر اختلجوا أَي أخذُوا على غرَّة فَقَالُوا قد أصبت وأحسنت فَارْجِع إِلَى عَليّ فَإِن كَانَ على مثل رَأْيك
стр. 47
صلح الْأَمر فَرجع الْقَعْقَاع إِلَى عَليّ فأعجبه وأشرف الْقَوْم على الصُّلْح وَعلم بذلك جمَاعَة مِمَّن كَانَ سعى فِي قتل عُثْمَان أَو رَضِي بِهِ فَقَالُوا إِن يصطلح هَؤُلَاءِ فعلى دمائنا يصطلحون ثمَّ تعاقدوا على أَنهم إِذا الْتَقَوْا بِجَيْش عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر أنشبوا الْقِتَال حَتَّى يشْتَغل النَّاس عَمَّا عزموا عَلَيْهِ من الصُّلْح فَكَانَ كَذَلِك فَإِنَّهُ لما كَانَت صَبِيحَة اللَّيْلَة الَّتِي اجْتمع فِيهَا عَليّ بطلحة وَالزُّبَيْر علس أُولَئِكَ المتعاهدون على إنشاب الْحَرْب وَمَا يشْعر بهم أحد وصمدت مِنْهُم مضرإلى مُضر وَرَبِيعَة إِلَى ربيعَة واليمن إِلَى الْيمن فوضعوا فيهم السِّلَاح على حِين غَفلَة فثار النَّاس وتسابقوا إِلَى خيولهم وزحف الْبَعْض إِلَى الْبَعْض واشتبكت الْحَرْب فَكَانَت الْوَقْعَة الْعُظْمَى الْمَعْرُوفَة بوقعة الْجمل يَوْم الْخَمِيس لعشر بَقينَ من الشَّهْر الْمَذْكُور أَعنِي جُمَادَى الْأَخِيرَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَقتل طَلْحَة فِي المعركة وَالزُّبَيْر وَهُوَ رَاجع إِلَى الْمَدِينَة وعقر الْجمل الَّذِي كَانَت عَلَيْهِ عَائِشَة وَأمر عَليّ ﵁ بِنَقْل هودجها إِلَى دَار عبد الله بن خلف الْخُزَاعِيّ ونادى مُنَادِي عَليّ يَوْم الْجمل وَكَذَا يَوْم صفّين الْآتِي أَن لَا تتبعوا مُدبرا وَلَا تجهزوا على جريح وَلَا تدْخلُوا الدّور ثمَّ صلى على الْقَتْلَى من الْجَانِبَيْنِ وَأمر بالأطراف فدفنت فِي قبر عَظِيم وَجمع مَا كَانَ فِي الْعَسْكَر من الأثاث وَبعث بِهِ إِلَى مَسْجِد الْبَصْرَة وَقَالَ من عرف شَيْئا فليأخذه إِلَّا سِلَاحا عَلَيْهِ ميسم السُّلْطَان وأحصى الْقَتْلَى من الْجَانِبَيْنِ فَكَانُوا عشرَة آلَاف مِنْهُم من ضبة ألف رجل وَبلغ عليا أَن بعض الغوغاء عرض لعَائِشَة ﵂ بالْقَوْل السىء فأحضر الْبَعْض مِنْهُم وأوجعهم ضربا ثمَّ جهزها إِلَى الْمَدِينَة بِمَا احْتَاجَت إِلَيْهِ وَبعث مَعهَا أخاها مُحَمَّد بن أبي بكر فِي أَرْبَعِينَ امْرَأَة من نسَاء الْبَصْرَة اختارهن لمرافقتها وَجَاء يَوْم ارتحالها فودعها واستعتب لَهَا واستعتبت لَهُ وَمَشى مَعهَا أميالا وشيعها بنوه مَسَافَة يَوْم وَذَلِكَ غرَّة رَجَب فَذَهَبت إِلَى مَكَّة وأقامت بهَا حَتَّى حجت تِلْكَ السّنة ثمَّ رجعت إِلَى الْمَدِينَة وَاسْتعْمل عَليّ ﵁ على الْبَصْرَة عبد الله بن عَبَّاس وَسَار إِلَى الْكُوفَة فَنزل بهَا وانتظم لَهُ الْأَمر بالعراق ومصر
стр. 48
واليمن والحرمين وَفَارِس وخراسان وَلم يبْق خَارِجا عَن طَاعَته إِلَّا أهل الشَّام وأميرهم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان فَبعث إِلَيْهِ عَليّ ﵁ جرير بن عبد الله البَجلِيّ يَأْمُرهُ بِالدُّخُولِ فِيمَا دخل فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار فَلَمَّا قدم جرير على مُعَاوِيَة ماطله حَتَّى قدم عَلَيْهِ عَمْرو بن الْعَاصِ من فلسطين فَاسْتَشَارَهُ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بترك الْبيعَة والطلب بِدَم عُثْمَان وَأَن يُقَاتل مَعَه على أَنه ظفر ولاه مصر فاجابه مُعَاوِيَة إِلَى ذَلِك وَرجع جرير إِلَى عَليّ ﵁ بالْخبر فَسَار عَليّ من الْكُوفَة قَاصِدا مُعَاوِيَة وَمن مَعَه بِالشَّام وَقدم عَلَيْهِ عبد الله بن عَبَّاس وَمن مَعَه من أهل الْبَصْرَة فَقَالَ عَليّ ﵁
(لأصبحن الْعَاصِ وَابْن الْعَاصِ ... سبعين ألفا عاقدي النواصي)
(مجنبين الْخَيل بالقلاص ... مستحقبين حلق الدلاص)
وَسَار مُعَاوِيَة وَمَعَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ وَأهل الشَّام من دمشق يُرِيد عليا وتأنى مُعَاوِيَة فِي مسيره
стр. 49
حَرْب صفّين
وَخرجت سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَدخلت سنة سبع بعْدهَا فَاجْتمع الجيشان بصفين وتراسوا وتداعوا إِلَى الصُّلْح فَلم يقْض الله بذلك وَكَانَت حَرْب يسيرَة بِالنِّسْبَةِ لما بعْدهَا وَلما دخل صفر وَقع بَينهمَا الْقِتَال فَكَانَت وقعات كَثِيرَة بصفين يُقَال إِنَّهَا تسعون وقْعَة وَكَانَت مُدَّة مقامهم على الْحَرْب مائَة يَوْم وَعشرَة أَيَّام وَعدد الْقَتْلَى بصفين من أهل الشَّام خَمْسَة وَأَرْبَعُونَ ألفا وَمن أهل الْعرَاق خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا مِنْهُم سِتَّة وَعِشْرُونَ من أهل بدر وَكَانَ عَليّ ﵁ قد تقدم إِلَى أَصْحَابه أَن لَا يقاتلوهم حَتَّى يبدؤوهم بِالْقِتَالِ وَأَن لَا يقتلُوا مُدبرا وَلَا يكشفوا عَورَة وَلَا يأخذو من أَمْوَالهم شَيْئا وَقَاتل عمار بن يَاسر ﵁ مَعَ عَليّ قتالا عَظِيما وَكَانَ عمره قد نَيف على تسعين سنة وَكَانَت الحربة فِي يَده وَيَده ترتعد فَقَالَ هَذِه راية قَاتَلت بهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ثَلَاث مَرَّات وَهَذِه الرَّابِعَة ودعا بقدح من لبن فَشرب مِنْهُ ثمَّ قَالَ صدق الله وَرَسُوله الْيَوْم ألْقى الْأَحِبَّة مُحَمَّدًا وَحزبه قَالَ لي رَسُول الله ﷺ إِن آخر رِزْقِي من الدُّنْيَا ضيحة لبن وَرُوِيَ أَنه كَانَ يرتجز
(نَحن قتلناكم على تَأْوِيله ... كَمَا قتلناكم على تَنْزِيله)
(ضربا يزِيل الْهَام عَن مقِيله ... وَيذْهل الْخَلِيل عَن خَلِيله)
وَلم يزل عمار يُقَاتل ذَلِك الْيَوْم حَتَّى اسْتشْهد ﵁
وَفِي الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ (وَيْح عمار تقتله الفئة الباغية) وَبعد قتل عمار ﵁ انتخب عَليّ اثْنَي عشر ألفا بعد أَن روى لَهُم حَدِيث عمار وَحمل بهم على عَسْكَر مُعَاوِيَة فَلم يبْق لأهل الشَّام صف إِلَّا انتفض ثمَّ نَادَى يَا مُعَاوِيَة على مَا نقْتل النَّاس بَيْننَا هَلُمَّ
стр. 50
أحاكمك إِلَى الله فأينا قتل صَاحبه استقام لَهُ الْأَمر فَقَالَ لَهُ عَمْرو بن الْعَاصِ أنصفك فَقَالَ مُعَاوِيَة لكنك مَا أنصفت ثمَّ تقاتلوا لَيْلَة الهرير شبهت بليلة الْقَادِسِيَّة وَكَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة وَاسْتمرّ الْقِتَال إِلَى الصَّباح وَكَانَ عَليّ يسير بَين الصُّفُوف ويحرض كل كَتِيبَة على التَّقَدُّم حَتَّى أصبح والمعركة كلهَا خلف ظَهره
وَرُوِيَ أَنه كبر تِلْكَ اللَّيْلَة سَبْعمِائة تَكْبِيرَة وَكَانَت عَادَته أَنه كلما قتل قَتِيلا كبر ودام الْقِتَال إِلَى ضحى يَوْم الْجُمُعَة وَقَاتل الأشتر النَّخعِيّ قتالا عَظِيما حَتَّى انْتهى إِلَى معسكرهم وَقتل صَاحب رايتهم وأمده عَليّ بِالرِّجَالِ فَلَمَّا رأى عَمْرو شدَّة الْأَمر قَالَ لمعاوية مر النَّاس يرفعون الْمَصَاحِف على الرماح وَيَقُولُونَ كتاب الله بَيْننَا وَبَيْنكُم فَإِن قبلوا ذَلِك ارْتَفع عَنَّا الْقِتَال وَإِن أَبى بَعضهم وجدنَا فِي افتراقهم رَاحَة فَفَعَلُوا ذَلِك فَقَالَ النَّاس نجيب إِلَى كتاب الله فَقَالَ عَليّ يَا عباد الله امضوا على حقكم فِي قتال عَدوكُمْ فَإِن عمرا وَمُعَاوِيَة وَابْن أبي معيط وَابْن أبي سرح وَالضَّحَّاك بن قيس لَيْسُوا بأصحاب دين وَلَا قُرْآن وَأَنا أعرف بهم مِنْكُم وَيحكم وَالله مَا رفعوها إِلَّا خديعة ومكيدة فَقَالُوا لَا يسعنا أَن ندعى إِلَى كتاب الله فَلَا نقبل فَقَالَ عَليّ إِنَّمَا قاتلناهم ليدينوا بِكِتَاب الله فَإِنَّهُم نبذوه فَقَالَ جمَاعَة من الْقُرَّاء الَّذين صَارُوا خوارج يَا عَليّ أجب إِلَى كتاب الله وَإِلَّا دفعناك برمتك إِلَى الْقَوْم أَو فعلنَا بك مَا فعلنَا بِابْن عَفَّان فَقَالَ عَليّ ﵁ إِن تطيعوني فَقَاتلُوا وَإِن تعصوني فافعلوا مَا بدا لكم وَآخر الْأَمر إِنَّهُم اتَّفقُوا على أَن يحكموا رجلَيْنِ من الْجَانِبَيْنِ وَمَا حكما بِهِ عَلَيْهِم صَارُوا إِلَيْهِ فَاخْتَارَ أهل الشَّام عَمْرو بن الْعَاصِ داهية الْعَرَب وَاخْتَارَ أهل الْعرَاق أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ بعد مراجعات وَقعت بَين عَليّ وَبينهمْ وَاجْتمعَ الحكمان عِنْد عَليّ لتكتب الْقَضِيَّة بِحُضُورِهِ فَكَتَبُوا بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم هَذَا مَا تقاضى عَلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ إِنَّمَا هُوَ أميركم وَلَيْسَ بأميرنا فَقَالَ الْأَحْنَف لَا تمحوا اسْم أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقَالَ
стр. 51
الْأَشْعَث امحها فَقَالَ عَليّ الله أكبر سنة بِسنة وَالله إِنِّي لكاتب الْقَضِيَّة يَوْم الْحُدَيْبِيَة فَكتبت مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ فَقَالَت قُرَيْش لست برَسُول الله وَلَكِن اكْتُبْ اسْمك وَاسم أَبِيك فَأمرنِي رَسُول الله ﷺ بمحوه فَقلت لَا أَسْتَطِيع قَالَ فأرنيه فأريته فمحاه بِيَدِهِ فَقَالَ لي إِنَّك ستدعى إِلَى مثلهَا فتجيب ثمَّ كتب الْكتاب هَذَا مَا تقاضى عَلَيْهِ عَليّ بن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قاضى عَليّ على أهل الْكُوفَة وَمن مَعَهم وقاضى مُعَاوِيَة على أهل الشَّام وَمن مَعَهم إِنَّا ننزل عِنْد حكم الله وَكتابه وَأَن لَا يجمع بَيْننَا غَيره وَإِن كتاب الله بَيْننَا من فاتحته إِلَى خاتمته نحيي مَا أحيى ونميت مَا أمات فَمَا وجد الحكمان فِي كتاب الله وهما أَبُو مُوسَى عبد الله بن قيس وَعَمْرو بن الْعَاصِ عملا بِهِ وَمَا لم يجدا فِي كتاب الله فَالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة وَأخذ الحكمان من عَليّ وَمُعَاوِيَة وَمن الجندين العهود والمواثيق إنَّهُمَا آمنان على أَنفسهمَا وأهلهما وَالْأمة لَهما أنصار على الَّذِي يتقاضيان عَلَيْهِ وعَلى عبد الله بن قيس وَعَمْرو بن الْعَاصِ عهد الله وميثاقه أَن يحكما بَين هَذِه الْأمة وَلَا يورداها فِي حَرْب وَلَا فرقة وأجلا الْقَضَاء إِلَى رَمَضَان من السّنة وَإِن أحبا أَن يؤخرا ذَلِك أخراه وَإِن مَكَان قضيتهما مَكَان عدل بَين أهل الْكُوفَة وَأهل الشَّام وَشهد رجال من أهل الْعرَاق وَرِجَال من أهل الشَّام وَوَضَعُوا خطوطهم فِي الصَّحِيفَة ودعي الأشتر النَّخعِيّ ليشهد فَقَالَ لَا صحبتني يَمِيني وَلَا نفعتني بعْدهَا شمَالي إِن وضع لي فِيهَا اسْم وَكتب الْكتاب فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وعينوا مَوضِع الحكم بدومة الجندل فَوَقع الِاجْتِمَاع للأجل الْمَذْكُور
وَحَاصِل مَا كَانَ من ذَلِك أَن الْحكمَيْنِ اتفقَا على خلع عَليّ وَمُعَاوِيَة وَيكون الْأَمر شُورَى بَين النَّاس حَتَّى يختاروا من يقدمونه لِلْأَمْرِ وَقدم عَمْرو بن الْعَاصِ أَبَا مُوسَى على نَفسه فِي الْكَلَام فَتكلم أَبُو مُوسَى على رُؤُوس النَّاس بِمَا اتفقَا عَلَيْهِ من خلع عَليّ وَمُعَاوِيَة حَتَّى ينظر النَّاس لأَنْفُسِهِمْ فَلَمَّا سكت أَبُو مُوسَى قَامَ عَمْرو فَقَالَ أَيهَا النَّاس إِن هَذَا قد خلع
стр. 52
صَاحبه وَقد خلعته كَمَا خلعه وَأثبت مُعَاوِيَة فَهُوَ ولي ابْن عَفَّان وأحق النَّاس بمقامه فكذبه أَبُو مُوسَى وتنازعا وتشاتما ومرج أَمر النَّاس وَلم يحصلوا على طائل وانسل أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ إِلَى مَكَّة فَأَقَامَ بهَا وَلم يرجع إِلَى عَليّ حَيَاء مِنْهُ وَمضى عَمْرو بن الْعَاصِ فِي أهل الشَّام فَسَلمُوا على مُعَاوِيَة بالخلافة وَلَام عَليّ أَصْحَابه فِيمَا كَانَ مِنْهُم من عصيانه أَولا وانخداعهم لأهل الشَّام آخرا وَقَالَ فِيمَا قَالَ كَأَنِّي وَإِيَّاكُم كَمَا قَالَ أَخُو جشم
(أَمرتهم أَمْرِي بمنعرج اللوا ... فَلم يستبينوا الرشد إِلَّا ضحى الْغَد)
وَقَالَ إِن هذَيْن الْحكمَيْنِ اللَّذين اخترتموهما تركا حكم الله وَحكما بهوى النَّفس وَاخْتلفَا فِي حكمهمَا فَلم يرشدهما الله فتأهبوا للْجِهَاد واستعدوا للسير وَأصْبح عَليّ ﵁ غاديا يُرِيد الشَّام فِي ثَمَانِيَة وَسبعين ألفا
وَكَانَت الْخَوَارِج قد خَرجُوا عَلَيْهِ واعتزلوه وَقَالُوا حكمت الرِّجَال فِي دين الله وَلَا حكم إِلَّا لله وبلغه أَن الْخَوَارِج قد اجْتَمعُوا بالنهروان وتعاهدوا على حَرْب الْمُسلمين ثمَّ بلغه أَن الْخَوَارِج الْبَصْرَة لقوا عبد الله بن خباب صَاحب رَسُول الله ﷺ قَرِيبا من النهروان فعرفهم بِنَفسِهِ فَسَأَلُوهُ عَن أبي بكر وَعمر فَأثْنى خيرا ثمَّ عَن عُثْمَان فِي أول خِلَافَته وَآخِرهَا فَقَالَ كَانَ محقا فِي الأول وَالْآخر فَسَأَلُوهُ عَن عَليّ قبل التَّحْكِيم وَبعده فَقَالَ هُوَ أعلم بِاللَّه وَأَشد توقيا على دينه فَقَالُوا إِنَّك توالي الرِّجَال على أسمائها ثمَّ ذبحوه وبقروا بطن امْرَأَته وَقتلُوا مَعَهُمَا ثَلَاث نسْوَة من طَيء وَمن عَجِيب أَمرهم أَنهم لقوا مُسلما ونصرانيا فَقتلُوا الْمُسلم وَقَالُوا احْفَظُوا ذمَّة نَبِيكُم فِي النَّصْرَانِي فَسَار إِلَيْهِم عَليّ ﵁ وَأرْسل إِلَيْهِم أَن ادفعوا قتلة إِخْوَاننَا مِنْكُم فنكف عَنْكُم حَتَّى نلقى أهل الْمغرب فَلَعَلَّ الله يردكم إِلَى خير فأرسلوا إِلَيْهِ كلنا قد قَتلهمْ وكلنَا يسْتَحل دماءكم فَأَتَاهُم عَليّ رَضِي الله عَنهُ
стр. 53
فَقَالَ أيتها الْعصبَة الَّتِي أخرجهَا المراء من الْحق إِلَى الْبَاطِل وأصبحت فِي اللّبْس والخطب الْعَظِيم إِنِّي نَذِير لكم أَن تصبحوا تلقاكم الْأمة غَدا صرعى بأثناء هَذَا النَّهر بِغَيْر بَيِّنَة مِنْكُم وَلَا برهَان ألم تعلمُوا أَنِّي قد نَهَيْتُكُمْ عَن الْحُكُومَة إِلَيّ وأخبرتكم أَن الْقَوْم إِنَّمَا طلبوها خديعة فعصيتموني وحملتموني على أَن حكمت وَلما حكمت شرطت وَأخذت على الْحكمَيْنِ أَن يحيى يَا مَا أَحْيَا الْقُرْآن ويميتا مَا أمات فانقلبا وَحكما بِغَيْر حكم الْكتاب فنبذنا أَمرهمَا وَنحن على أمرنَا الأول فَمَا الَّذِي أَصَابَكُم وَمن أَيْن أتيتم قَالُوا حكمنَا وَكُنَّا بذلك كَافِرين وَقد تبنا فَإِن تبت كَمَا تبنا فَنحْن قَوْمك وَإِلَّا فاعتزلنا وَنحن ننابذك على سَوَاء إِن الله لَا يحب الخائنين فَقَالَ عَليّ ﵁ صبحكم صَاحب وَلَا بَقِي مِنْكُم وَافد أبعد إيماني برَسُول الله ﷺ وجهادي فِي سَبِيل الله وهجرتي مَعَ رَسُول الله أشهد على نَفسِي بالْكفْر ﴿قد ضللت إِذا وَمَا أَنا من المهتدين﴾ وَرُوِيَ أَنه لما كَلمهمْ وَاحْتج عَلَيْهِم تنادوا لَا تخاطبوهم وَلَا تكلموهم وتهيؤوا للقاء الرب الرواح الرواح إِلَى الْجنَّة فَخرج عَليّ ﵁ فعبأ النَّاس ميمنة وميسرة ووقف هُوَ فِي الْقلب فِي مُضر وَجعل على الْخَيل ابا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ وعَلى أهل الْمَدِينَة وَكَانُوا سَبْعمِائة قيس بن سعد بن عبَادَة وعبأت الْخَوَارِج على نَحْو هَذِه التعبية وَرفع عَليّ ﵁ مَعَ أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ راية الْأمان فَنَادَى أَبُو أَيُّوب من أَتَى هَذِه الرَّايَة وَلم يُقَاتل وَلم يستعرض فَهُوَ آمن وَمن انْصَرف إِلَى الْكُوفَة أَو الْمَدَائِن فَهُوَ آمن وَمن انْصَرف عَن هَذِه الْجَمَاعَة فَهُوَ آمن فاعتزل فَرْوَة بن نَوْفَل الْأَشْجَعِيّ فِي خَمْسمِائَة وَقَالَ أعتزل حَتَّى يَتَّضِح لي الْأَمر فِي قتال عَليّ فَنزل الدسكرة وَخرج آخَرُونَ إِلَى الْكُوفَة وَرجع آخَرُونَ إِلَى عَليّ ﵁ وَكَانُوا أَرْبَعَة آلَاف فَبَقيَ مِنْهُم ألف وَثَمَانمِائَة فَحمل عَلَيْهِم عَليّ وَالنَّاس وزحفوا هم إِلَى عَليّ ﵁ ينادون الرواح الرواح إِلَى الْجنَّة فَاسْتَقْبَلَهُمْ الرُّمَاة وعطفت عَلَيْهِم الْخَيل من المجنبتين ونهض إِلَيْهِم الرِّجَال بِالسِّلَاحِ فهلكوا
стр. 54
كلهم فِي سَاعَة وَاحِدَة كَأَنَّمَا قيل لَهُم موتوا فماتوا وَكَانَ جملَة من قتل من أَصْحَاب عَليّ ﵁ سَبْعَة نفر فَطلب عَليّ ﵁ المخدج فِي الْقَتْلَى فَلم يُوجد فَقَامَ ﵁ وَعَلِيهِ أثر الْحزن لفقده فَانْتهى إِلَى قَتْلَى بَعضهم فَوق بعض فَقَالَ أفرجوا ففرجوا يَمِينا وَشمَالًا فاستخرجوه فَقَالَ الله أكبر وَالله مَا كذبت على رَسُول الله ﷺ وَإنَّهُ لناقص الْيَد مَا فِيهَا عظم طرفها مثل ثدي الْمَرْأَة عَلَيْهَا خمس شَعرَات أَو سبع رؤوسها معقفة ثمَّ قَالَ أئتوني بِهِ فَنظر إِلَى مَنْكِبه فَإِذا اللَّحْم مُجْتَمع على مَنْكِبه كثدي الْمَرْأَة عَلَيْهَا شَعرَات سود إِذا مدت اللحمة امتدت حَتَّى تحاذي بطن يَده الْأُخْرَى ثمَّ تتْرك فتعود إِلَى مَنْكِبه فَقَالَ أَصْحَاب عَليّ رَضِي لله عَنهُ قد قطع الله دابرهم آخر الدَّهْر فَقَالَ عَليّ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهُم لفي أصلاب الرِّجَال وأرحام النِّسَاء لَا تخرج خَارِجَة إِلَّا خرجت بعْدهَا مثلهَا حَتَّى تخرج خَارِجَة بَين الْفُرَات ودجلة يُقَال لَهُم الشمط فَيخرج إِلَيْهِم رجل منا أهل الْبَيْت فيقتلهم فَلَا تخرج لَهُم بعْدهَا خَارِجَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
وَفِي الصَّحِيح عَن سُوَيْد بن غَفلَة قَالَ قَالَ عَليّ ﵁ إِذا حدثتكم عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيثا فوَاللَّه لِأَن أخر من السَّمَاء أحب إِلَيّ من أَن أكذب عَلَيْهِ وَإِذا حدثتكم فِيمَا بيني وَبَيْنكُم فَإِن الْحَرْب خدعة وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (سيخرج قوم فِي آخر الزَّمَان أَحْدَاث الْأَسْنَان سُفَهَاء الأحلام يَقُولُونَ من خير قَول الْبَريَّة لَا يُجَاوز إِيمَانهم حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فَإِن فِي قَتلهمْ أجرا لمن قَتلهمْ
ثمَّ إِن عليا ﵁ ندب أَصْحَابه إِلَى غَزْو الشَّام فتثاقلوا عَلَيْهِ وَلما وصلوا إِلَى الْكُوفَة تسللوا إِلَى بُيُوتهم وَتركُوا المعسكر خَالِيا وَلما رأى عَليّ ذَلِك دخل الْكُوفَة ثمَّ ندبهم ثَانِيًا فَلم ينفروا ثمَّ ثَالِثا فَلم ينشط مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل فخطبهم وَأَغْلظ فِي عتابهم وأعلمهم بِمَا لَهُ عَلَيْهِم من الطَّاعَة فِي الْحق والنصح فتثاقلوا وسكتوا وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى أَن اسْتَأْثر بِهِ ربه وأراحه من
стр. 55
شغبهم وَقَبضه إِلَيْهِ وَنَقله إِلَى كرامته وجنته سَابق مضمار الْإِيمَان وَالْهجْرَة والنصرة والنجدة والصهر والقربى والقناعة وَالْجهَاد وَالْعلم والزهد ﵁
وَكَانَ من خبر وَفَاته أَن ثَلَاثَة من الْخَوَارِج مِمَّن نجا من وقْعَة النهروان وهم عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي وَعَمْرو بن بكر التَّمِيمِي السَّعْدِيّ وَالْحجاج بن عبد الله التَّمِيمِي الصريمي ويلقب بالبرك اجْتَمعُوا بِمَكَّة فَذكرُوا إخْوَانهمْ الَّذين قتلوا بالنهروان وَقَالُوا مَا نصْنَع بِالْبَقَاءِ بعدهمْ فَلَو شرينا أَنْفُسنَا وقتلنا أَئِمَّة الضلال وَأَرِحْنَا مِنْهُم النَّاس فَقَالَ ابْن ملجم وَكَانَ من مصر أَنا أكفيكم عليا وَقَالَ البرك أَنا أكفيكم مُعَاوِيَة وَقَالَ عَمْرو بن بكر أَنا أكفيكم عَمْرو بن الْعَاصِ وتعاهدوا أَن لَا يرجع أحد مِنْهُم عَن صَاحبه حَتَّى يقْتله أَو يَمُوت دونه وتواعدوا سبع عشرَة لَيْلَة تمْضِي من رَمَضَان من هَذِه السّنة أَعنِي سنة أَرْبَعِينَ وَانْطَلَقُوا فلقي ابْن ملجم أَصْحَابه بِالْكُوفَةِ فطوى خَبره عَنْهُم إِلَّا أَنه جَاءَ إِلَى شبيب بن شَجَرَة الْأَشْجَعِيّ وَدعَاهُ إِلَى الْمُوَافقَة على شَأْنه فَقَالَ شبيب ثكلتك أمك فَكيف تقدر على قَتله فَقَالَ أكمن لَهُ فِي الْمَسْجِد عِنْد صَلَاة الْغَدَاة فَإِن قَتَلْنَاهُ وَإِلَّا فَهِيَ الشَّهَادَة قَالَ وَيحك لَا أجدني أنشرح لقَتله مَعَ سابقته وفضله قَالَ ألم يقتل الْعباد الصَّالِحين أَصْحَاب النهروان قَالَ بلَى قَالَ فنقتله بِمن قَتله مِنْهُم فَأَجَابَهُ ثمَّ لَقِي امْرَأَة من تيم الربَاب فائقة الْجمال اسْمهَا قطام قتل أَبوهَا وأخوها يَوْم النهروان فَخَطَبَهَا ابْن ملجم فشرطت عَلَيْهِ ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم وعبدا وقنية وَأَن يقتل عليا وَقَالَت فَإِن قتلته شفيت النُّفُوس وَإِلَّا فَهِيَ الشَّهَادَة قَالَ وَالله مَا جِئْت إِلَّا لذَلِك وَلَك مَا سَأَلت وَفِي ذَلِك قيل
(ثَلَاثَة آلَاف وَعبد وقنية ... وَضرب عَليّ بالحسام المسمم)
(فَلَا مهر أغْلى من عَليّ وَإِن غلا ... وَلَا فتك إِلَّا دون ابْن ملجم)
ثمَّ قَالَت سأبعث مَعَك من يشد ظهرك ويساعدك وَبعثت مَعَه رجلا من قَومهَا اسْمه وردان
стр. 56
فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الَّتِي وَاعد ابْن ملجم أَصْحَابه فِيهَا وَكَانَت لَيْلَة الْجُمُعَة جَاءَ إِلَى الْمَسْجِد وَمَعَهُ شبيب ووردان وجلسوا قبالة السدة الَّتِي يخرج مِنْهَا عَليّ للصَّلَاة فَلَمَّا خرج ونادى للصَّلَاة علاهُ شبيب بِالسَّيْفِ فَوَقع فِي عضادة الْبَاب وضربه ابْن ملجم على مقدم رَأسه وَقَالَ الحكم لله يَا عَليّ لَا لَك وَلَا لأصحابك وهرب وردان إِلَى منزله وهرب شبيب مغلسا وَنَجَا فِي غمار النَّاس وَقبض على ابْن ملجم فجيء بِهِ مكتوفا إِلَى عَليّ وَقد حمل إِلَى بَيته فَقَالَ أَي عَدو الله مَا حملك على هَذَا ثمَّ قَالَ إِن هَلَكت فَاقْتُلُوهُ كَمَا قتلني وَإِن بقيت رَأَيْت فِيهِ رَأْيِي يَا بني عبد الْمطلب لَا تحرضوا على دِمَاء الْمُسلمين وَتَقولُوا قتل أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تقتلُوا إِلَّا قاتلي يَا حسن إِن أَنا مت من ضربتي هَذِه فَاضْرِبْهُ بِسَيْفِهِ وَلَا تمثلن بِالرجلِ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إيَّاكُمْ الْمثلَة) وَقَالَ لَهُ جُنْدُب بن عبد الله أنبايع الْحسن إِن فقدناك فَقَالَ مَا آمركُم بِهِ وَلَا أنهاكم عَنهُ أَنْتُم أبْصر وَلما حَضرته الْوَفَاة كتب وَصيته الْعَامَّة ثمَّ لم ينْطق إِلَّا بِلَا إِلَه إِلَّا الله حَتَّى قبض ﵁
وَلما قبض أخرج عبد الرَّحْمَن بن ملجم من السجْن فَقطع عبد الله بن جَعْفَر يَده ثمَّ رجله ثمَّ لِسَانه وكحلت عَيناهُ بمسمار محمى وأحرق لَعنه الله وَأما البرك فَوَثَبَ على مُعَاوِيَة تِلْكَ اللَّيْلَة وضربه بِالسَّيْفِ فَوَقع فِي إليته وَأخذ البرك فَقَالَ لمعاوية عِنْدِي بشرى أتنفعني إِن أَنا أَخْبَرتك بهَا قَالَ نعم قَالَ إِن أَخا لي قتل عليا هَذِه اللَّيْلَة فَقَالَ مُعَاوِيَة لَعَلَّه لم يقدر عَلَيْهِ فَقَالَ بلَى إِن عليا لَيْسَ مَعَه من يحرصه فَقتله مُعَاوِيَة وَقيل قطع يَده وَرجله وَأقَام إِلَى أَيَّام زِيَاد فَقتله بِالْبَصْرَةِ وَأما عَمْرو بن بكر التَّمِيمِي فَإِنَّهُ جلس تِلْكَ اللَّيْلَة لعَمْرو بن الْعَاصِ فَلم يخرج عَمْرو إِلَى الصَّلَاة لمَرض أَصَابَهُ واستناب خَارِجَة بن حذافة الْعَدوي فِي الصَّلَاة فَشد عَلَيْهِ عَمْرو بن بكر وَهُوَ يظنّ أَنه عَمْرو بن الْعَاصِ فَقتله فَلَمَّا أَخَذُوهُ وأدخلوه على عَمْرو قَالَ فَمن قتلت إِذا قَالُوا قتلت خَارِجَة بن حذافة فَقَالَ أردْت عمرا وَأَرَادَ الله خَارِجَة فأرسلها
стр. 57
مثلا وَأمر بِهِ عَمْرو فَقتل وَيرْحَم الله ابْن عبدون إِذْ يَقُول
(وليتها إِذْ فدت عمرا بخارجة ... فدت عليا بِمَا شَاءَت من الْبشر)
وَكَانَت وَفَاة عَليّ ﵁ صَبِيحَة الْجُمُعَة لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من رَمَضَان سنة أَرْبَعِينَ كَمَا ذكرنَا وَكَانَت مُدَّة خِلَافَته خمس سِنِين إِلَّا ثَلَاثَة أشهر وَاخْتلف فِي مَوضِع قَبره فَقيل دفن مِمَّا يَلِي قبْلَة الْمَسْجِد بِالْكُوفَةِ وَقيل عِنْد قصر الْإِمَارَة بهَا وَقيل نَقله ابْنه الْحسن إِلَى الْمَدِينَة وَدَفنه بِالبَقِيعِ عِنْد زوجه فَاطِمَة ﵂
قَالَ أَبُو الْفِدَاء وَالأَصَح وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ ابْن الْأَثِير وَغَيره إِن قَبره هُوَ الْمَشْهُور بالنجف وَهُوَ الَّذِي يزار الْيَوْم
وفضائل عَليّ ﵁ ومناقبه فِي الْعدْل وَحسن السِّيرَة أجل من أَن يحاط بهَا من ذَلِك مشاهده الْمَشْهُورَة بَين يَدي رَسُول الله ﷺ ومؤاخاته لَهُ وَسبق إِسْلَامه وَقَول رَسُول الله ﷺ (من كنت مَوْلَاهُ فعلي مَوْلَاهُ) وَقَوله ﷺ يَوْم خَيْبَر (لَأَبْعَثَن الرَّايَة غَدا مَعَ رجل يحب الله وَرَسُوله وَيُحِبهُ الله وَرَسُوله) وَقَوله ﷺ لَهُ (أما ترْضى ان تكون مني بِمَنْزِلَة هَارُون من مُوسَى) وَقَالَ ﷺ (أقضاكم عَليّ) وَالْقَضَاء يَسْتَدْعِي معرفَة أَبْوَاب الْفِقْه كلهَا بِخِلَاف قَوْله ﵇ (أفرضكم زيد وأقرأكم أبي) وَلم يضع ﵁ لبنة على لبنة حَتَّى لَقِي الله وَكَانَ يقسم مَا فِي بَيت المَال كل جُمُعَة حَتَّى لَا يتْرك فِيهِ شَيْئا وَدخل مرّة بَيت المَال فَوجدَ الذَّهَب وَالْفِضَّة فَقَالَ يَا صفراء اصفري وَيَا بَيْضَاء ابيضي وغري غَيْرِي لَا حَاجَة لي فِيك
وَرُوِيَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب بِسَنَدِهِ إِلَى مجمع التَّمِيمِي أَن عليا ﵁ قسم مَا فِي بَيت المَال بَين الْمُسلمين ثمَّ أَمر بِهِ فكنس ثمَّ صلى فِيهِ رَجَاء أَن يشْهد لَهُ يَوْم الْقِيَامَة
وروى أَيْضا بِسَنَدِهِ عَن عَاصِم بن كُلَيْب عَن أَبِيه قَالَ قدم على عَليّ مَال من أَصْبَهَان فَقَسمهُ سَبْعَة اسباع وَوجد فِيهِ رغيفا فَقَسمهُ سبع كسر وَجعل على
стр. 58
كل جُزْء كسرة ثمَّ أَقرع بَينهم أَيهمْ يُعْطي أَولا قَالَ ابْن عبد الْبر وأخباره ﵁ فِي مل هَذَا من سيرته لَا يحيى ط بهَا كتاب وَيرْحَم الله من قَالَ
(أحسن من عود وَمن ضَارب ... وَمن فتاة ناهد كاعب)
(وَمن مدام فِي قواريرها ... يسْعَى بهَا سَاق إِلَى شَارِب)
(وَمن جِيَاد الْخَيل فِي مهمه ... وضارب يَسْطُو على ضَارب)
(أحسن من ذَاك وَهَذَا وَذَا ... حب عَليّ بن أبي طَالب)
(لَو فتشوا قلبِي لألفوا بِهِ ... سطرين قد خطا بِلَا كَاتب)
(الْعلم والتوحيد فِي جَانب ... وَحب آل الْبَيْت فِي جَانب)
(إِن كنت فِيمَا قلته كَاذِبًا ... فلعنه الله على الْكَاذِب)
وَلما توفّي عَليّ ﵁ بَايع النَّاس ابْنه الْحسن ﵁ وَأول من بَايعه قيس بن سعد بن عبَادَة قَالَ لَهُ ابْسُطْ يدك على كتاب الله وَسنة رَسُوله وقتال الْمُلْحِدِينَ فَقَالَ الْحسن على كتاب الله وَسنة رَسُوله ويأتيان على كل شَرط ثمَّ بعد ذَلِك نزل لمعاوية عَن الْأَمر فِي خبر طَوِيل نذْكر مِنْهُ مَا فِي الصَّحِيح فَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ قَالَ اسْتقْبل وَالله الْحسن بن عَليّ مُعَاوِيَة بكتائب أَمْثَال الْجبَال فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ إِنِّي لأرى كتائب لَا تولي حَتَّى تقتل أقرانها فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة وَكَانَ وَالله خير الرجلَيْن أَي عَمْرو إِن قتل هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء هَؤُلَاءِ فَمن لي بِأُمُور النَّاس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم فَبعث إِلَيْهِ رجلَيْنِ من قُرَيْش من بني عبد شمس عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة وَعبد الله بن عَامر بن كريز فَقَالَ اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرجل فاعرضا عَلَيْهِ وقولا لَهُ واطلبا إِلَيْهِ فَأتيَاهُ فدخلا عَلَيْهِ فتكلما وَقَالا لَهُ وطلبا إِلَيْهِ فَقَالَ لَهما الْحسن بن عَليّ ﵄ إِنَّا بني عبد الْمطلب قد أصبْنَا من هَذَا المَال وَإِن هَذِه الْأمة قد عاثت فِي دمائها قَالَا فَإِنَّهُ يعرض عَلَيْك كَذَا وَكَذَا وَيطْلب إِلَيْك ويسألك قَالَ فَمن لي بِهَذَا قَالَا نَحن لَك بِهِ فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئا إِلَّا قَالَا نَحن لَك بِهِ فَصَالحه قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ ﵀ وَلَقَد سَمِعت أَبَا بكرَة يَقُول رَأَيْت
стр. 59
رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر وَالْحسن بن عَليّ إِلَى جنبه وَهُوَ يقبل على النَّاس مرّة وَعَلِيهِ أُخْرَى وَيَقُول (إِن ابْني هَذَا سيد وَلَعَلَّ الله أَن يصلح بِهِ بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين)
وَهَا هُنَا فَائِدَتَانِ الأولى هَذِه الحروب الَّتِي وَقعت بَين الصَّحَابَة ﵃ محملها الإجتهاد كَمَا قدمنَا والذب عَن الدّين وَكَانَ النَّاس من السذاجة فِي الدّين والتمسك بِهِ على مَا عهد مِنْهُم فَكَانُوا إِذا رَأَوْا مَا يَظُنُّونَهُ مُنْكرا غيروه وَلَو بِإِتْلَاف مهجهم إِلَّا أَنهم كَانَ مِنْهُم الْمُجْتَهد الْمُصِيب وَهُوَ ذُو الأجرين كَمَا فِي الحَدِيث وَمِنْهُم الْمُجْتَهد المخطىء وَهُوَ ذُو الْأجر الْوَاحِد كَمَا فِي الحَدِيث أَيْضا وَكَانَ عَليّ ﵁ مصيبا فِي جَمِيع أمره من أَوله إِلَى آخِره فعلى الْعَاقِل المحتاط لدينِهِ أَن يظنّ بصحابة رَسُول الله ﷺ الظَّن الْجَمِيل وَيعْمل بوصيته فيهم إِذْ قَالَ ﵊ (الله الله فِي أَصْحَابِي لَا تتخذوهم غَرضا بعدِي فَمن أحبهم فبحبي أحبهم وَمن أبْغضهُم فببغضي أبْغضهُم) الحَدِيث وإياي وإياه أَن يجرح من زكاهم الله تَعَالَى بقوله ﴿كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس تأمرون بِالْمَعْرُوفِ وتنهون عَن الْمُنكر وتؤمنون بِاللَّه﴾ وزكاهم رَسُول الله ﷺ زمرتهم وأمتنا على سنتهمْ وطريقتهم يَا أكْرم الأكرمين وَيَا أرْحم الرَّاحِمِينَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم
الْفَائِدَة الثَّانِيَة أطبق السّلف على أَن تَرْتِيب الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة ﵃ فِي الْفضل على حسب ترتيبهم فِي الْخلَافَة وَذهب بعض السّلف إِلَى تَقْدِيم عَليّ على عُثْمَان وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ سُفْيَان الثَّوْريّ لَكِن قيل إِنَّه رَجَعَ عَنهُ وَقَالَت الشِّيعَة وَكثير من الْمُعْتَزلَة الْأَفْضَل بعد النَّبِي ﷺ عَليّ بن أبي طَالب وَالْحق هُوَ القَوْل الأول وَهل التَّفْضِيل بَين الْخُلَفَاء قَطْعِيّ أَو ظَنِّي فَالَّذِي مَال إِلَيْهِ الْأَشْعَرِيّ هُوَ الأول وَالَّذِي مَال إِلَيْهِ القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني وَاخْتَارَهُ
стр. 60
إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَاد هُوَ الثَّانِي وَعبارَته لم يقم عندنَا دَلِيل قَاطع على تَفْضِيل بعض الْأَئِمَّة على بعض إِذْ الْعقل لَا يدل على ذَلِك وَالْأَخْبَار الورادة فِي فضائلهم متعارضة وَلَكِن الْغَالِب على الظَّن أَن أَبَا بكر أفضل الْخَلَائق بعد الرَّسُول ﷺ ثمَّ عمر أفضلهم بعده وتتعارض الظنون فِي عُثْمَان وَعلي
وَهَا هُنَا انْتهى بِنَا القَوْل فِيمَا قصدناه من التَّبَرُّك بِذكر رَسُول الله ﷺ وَذكر خلفائه الْأَرْبَعَة ﵃ ولنرجع إِلَى مَا نَحن بصدده من ذكر أَخْبَار الْمغرب الْأَقْصَى مقدمين القَوْل أَولا فِي نسب البربر وَبَيَان حَالهم قبل الْإِسْلَام وَبعده على الْجُمْلَة لنتخلص بعده للمقصود وَالله تَعَالَى يعصمنا من الزلل بمنه وَكَرمه
стр. 61
القَوْل فِي نسب البربر وَبَيَان أصلهم
أعلم أَن النَّاس اخْتلفُوا فِي تَحْقِيق نسب البربر وَإِلَى أَي اصل من أصُول الخليقة يرجعُونَ فَذكر صَاحب كتاب الجمان فِي أَخْبَار الزَّمَان وَنَقله عَن أهل الْعلم بالسير أَن بني حام تنازعوا مَعَ بني سَام فَانْهَزَمَ بَنو حام أمامهم إِلَى الْمغرب وتناسلوا بِهِ واتصلت شعوبهم من أَرض مصر إِلَى آخر الْمغرب إِلَى تخوم السودَان وَكَانَ بسواحل الْمغرب الأفارقة والإفرنج فَكَانَت ذُرِّيَّة حام فِي المداشر والخيام والأعاجم الأول فِي الْبلدَانِ وَبَقِي أَكثر أَوْلَاد حام فِي بِلَاد فلسطين من أَرض الشَّام إِلَى زمن دَاوُد ﵊ وَكَانَ ملكهم يُسمى جالوت فَلَمَّا قتل دَاوُد جالوت وآتاه الله الْملك وَالْحكمَة وَعلمه مِمَّا يَشَاء أَمر بإجلائهم من بِلَاد كنعان وفلسطين إِلَى أَرض الْمغرب فَسَارُوا نَحْو إفريقية والزاب وانتشروا هُنَالك حَتَّى ضَاقَتْ بهم تِلْكَ الْبِلَاد وامتلأت مِنْهُم الْجبَال والكهوف والرمال وصاروا يتبعُون مواقع الْقطر بِالْإِبِلِ وبيوت الشّعْر وَلم تقدر الفرنج على ردهم ودفاعهم فانحازت الْأَعَاجِم للمدن وَبَقِي البربر فِيمَا عدى المدن وهم مَعَ ذَلِك على أَدْيَان مُخْتَلفَة يدين كل وَاحِد مِنْهُم بِمَا شَاءَ من الْأَدْيَان الْفَاسِدَة فَمنهمْ من تمجس وَمِنْهُم من تهود وَمِنْهُم من تنصر واستمروا على ذَلِك إِلَى زمَان الْإِسْلَام وَكَانَ فيهم رُؤَسَاء وملوك وكهان وَلَهُم حروب وملاحم عِظَام مَعَ من قارعهم من الْأُمَم
وَقَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيره إِن البربر أخلاط من كنعان والعماليق وَغَيرهم فَلَمَّا قتل دَاوُد جالوت تفَرقُوا فِي الْبِلَاد
وَقَالَ الْكَلْبِيّ اخْتلف النَّاس فِيمَن أخرج البربر من الشَّام فَقيل دَاوُد بِالْوَحْي قيل يَا دَاوُد أخرج البربر من الشَّام فَإِنَّهُم جذام الأَرْض وَقيل يُوشَع بن نون ﵇ وَقيل إفريقش الْحِمْيَرِي وَاخْتلف فِي إفريقش هَذَا فَقَالَ المَسْعُودِيّ هُوَ إفريقش بن أَبْرَهَة ذِي الْمنَار أحد التبابعة الْمَشْهُورين
стр. 62
وَقَالَ ابْن حزم هُوَ إفريقش بن قيس بن صَيْفِي أَخُو الْحَارِث الرائش مِنْهُم وَهُوَ الَّذِي ذهب بقبائل الْعَرَب إِلَى إفريقية وَبِه سميت وسَاق البربر إِلَيْهَا من أَرض كنعان مر بهَا عِنْدَمَا غلبهم يُوشَع بن نون وقتلهم فَاحْتمل الفل مِنْهُم وساقهم إِلَى إفريقية فأنزلهم بهَا وَقتل ملكهَا جرجير وَيُقَال إِنَّه الَّذِي سمى البربر بِهَذَا الإسم لِأَنَّهُ لما فتح الْمغرب وَسمع رطانتهم قَالَ مَا أَكثر بربرتهم فسموا البربر والبربرة فِي لُغَة الْعَرَب اخْتِلَاط أصوات غير مَفْهُومه وَمِنْه بربرة الْأسد وينسبون إِلَيْهِ فِي ذَلِك شعرًا وَهُوَ قَوْله
(بربرت كنعان لما سقتها ... من بِلَاد الضنك للخصب العجيب)
(اي أَرض سكنوها وَلَقَد ... فازت البربر بالعيش الخصيب)
وَلما قفل إفريقش من غَزْو الْمغرب ترك هُنَالك حامية من قبائل حمير صنهاجة وكتامة فهما بهَا إِلَى الْآن وَلَيْسوا نم نسب البربر قَالَه الطَّبَرِيّ والجرجاني والمسعودي وَابْن الْكَلْبِيّ والسهيلي وَجَمِيع النسابين من الْعَرَب
وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي كتاب التَّمْهِيد لَهُ اخْتلف النَّاس فِي نسب البربر اخْتِلَافا كثيرا وأنسب مَا قيل فيهم أَنهم من ولد قبط بن حام وَأَنه لما نزل مصر خرج بنوه يُرِيدُونَ الْمغرب فسكنوا من آخر عمالة مصر وَذَلِكَ فِيمَا وَرَاء برقة إِلَى الْبَحْر الْأَخْضَر مَعَ بَحر الأندلس إِلَى مُنْقَطع الرمل متصلين السودَان وَقيل إِن البربر صنفان البرانس والبتر وَأَن البتر مِنْهُم من ولد بر بن قيس بن عيلان بن مُضر وَاخْتلفُوا فِي تَوْجِيه ذَلِك فَقَالَ الطَّبَرِيّ خرج بر بن قيس بن عيلان ينشد ضَالَّة لَهُ بأحياء البربر فَرَأى جَارِيَة مِنْهُم فَخَطَبَهَا من أَبِيهَا وَتَزَوجهَا فَولدت لَهُ
وَقَالَ فِي كتاب الجمان وَأما تسميتهم بالبربر فَإِنَّهُ لما صَار ملك مُضر لقيس بن عيلان كَانَ لَهُ ولد اسْمه بر فَخرج مغاضبا لِأَبِيهِ وَإِخْوَته إِلَى جِهَة الْمغرب فَقَالَ النَّاس بربر أَي توحش فِي البراري فسموا بربرا وَنقل ابْن
стр. 63
أبي زرع وَابْن خلدون عَن النسابين من البربر وَحَكَاهُ أَيْضا الْبكْرِيّ وَغَيره أَنه كَانَ لمضر بن نزار ولدان إلْيَاس وعيلان أمهما الربَاب بنت حيدة بن عَمْرو بن معد بن عدنان فولد عيلان بن مُضر وَلدين وهما قيس ودهمان ابْنا عيلان أما دهمان فولده قَلِيل وهم أهل بَيت من قيس يُقَال لَهُم بَنو أُمَامَة وَأما قيس بن عيلان فولد أَرْبَعَة بَنِينَ وَجَارِيَة وهم سعد وَعَمْرو وخصفة أمّهم مزنة بنت أَسد بن ربيعَة بن نزار ثمَّ بر وَأُخْته تماضر أمهما تمريغ بنت يجدول بن غمار بن مصمود الْبَرْبَرِي اليجدولي
وَكَانَت قبائل البربر إِذْ ذَاك يسكنون الشَّام ويجاورون الْعَرَب فِي المساكن والأسواق والمساعي ويشاركونهم فِي الْمِيَاه والمسارح والمراعي ويصاهر بَعضهم بَعْضًا وَكَانَت الْبَهَاء بنت دهمان بن عيلان بن مُضر من أجمل نسَاء زمانها وأكملهن ظرفا وأدبا فَكثر خطابها من سَائِر قبائل الْعَرَب فَقَالَ بَنو عَمها وهم عَمْرو وَسعد وخصفة وبر لَا يتَزَوَّج ابْنة عمنَا إِلَّا أَحَدنَا وَلَا تخرج منا إِلَى غَيرنَا فخيروها فِيمَن شَاءَت مِنْهُم فَاخْتَارَتْ برا وَكَانَ أَصْغَرهم سنا وأكملهم شبَابًا فَتَزَوجهَا دون اخوته فحسدوه عَلَيْهَا وهموا بقتْله من أجلهَا وَكَانَت أمه تمريغ من دهاة النِّسَاء فَبعثت إِلَى أَبِيهَا دهمان وأعلمته الْخَبَر وواطأته على الْخُرُوج بِوَلَدِهَا إِلَى أَرض قَومهَا من البربر حَيْثُ تأمن عَلَيْهِ ثمَّ بعثت إِلَى قَومهَا فأتوها سرا فارتحلت مَعَهم هِيَ وَوَلدهَا بر وكنتها الْبَهَاء بنت دهمان فَلَحقُوا بِبِلَاد البربر وهم يَوْمئِذٍ مستوطنون فلسطين وأكناف الشَّام فَنزل بر على أَخْوَاله واعتز بهم وَبنى بابنة عَمه الْبَهَاء فَولدت لَهُ هُنَاكَ وَلدين علوان ومادغيس ابْني بر بن قيس بن عيلان فَأَما علوان فَمَاتَ صَغِيرا وَلم يعقب وَأما مادغيس فَكَانَ يلقب الأبتر وَهُوَ أَبُو البتر من البربر وَإِلَيْهِ يرفعون أنسابهم وَمن وَلَده جَمِيع زناته كَمَا سَيَأْتِي ويزعمون أَن تماضر أُخْت بر بكته بعد فرقته بِشعر تَقول فِيهِ
(لتبك كل باكية أخاها ... كَمَا أبْكِي على بر بن قيس)
(تحمل عَن عشيرته فأضحى ... وَدون لِقَائِه انضاء عنس)
стр. 64
وَمِمَّا ينْسب إِلَيْهَا أَيْضا قَوْلهَا
(وشطت ببر دَاره عَن بِلَادنَا ... وطوح بر نَفسه حَيْثُ يمما)
(وأزرت ببر لكنة أَعْجَمِيَّة ... وَمَا كَانَ بر فِي الْحجاز بأعجما)
(كأنا وَبرا لم نقف بجيادنا ... بِنَجْد وَلم نقسم نهابا ومغنما)
وَأنْشد عُلَمَاء البربر لعبيدة بن قيس الْعقيلِيّ
(أَلا أَيهَا السَّاعِي لفرقة بَيْننَا ... توقف هداك الله سبل الأطايب)
(فأقسم أَنا والبرابر إخْوَة ... تناولنا جد كريم الْمُنَاسب)
(أَبونَا أبوهم قيس عيلان فِي الذرى ... لَهُ حومة تشفي غليل الْمُحَارب)
(وبر بن قيس عصبَة مضرية ... وَفِي الْفَرْع من أحسابها والذوائب)
(فَنحْن وهم ركن منيع وإخوة ... على رغم أَعدَاء لئام المناقب)
فِي أَبْيَات غير هَذِه وينشد أَيْضا ليزِيد بن خَالِد يمدح البربر قَوْله
(أَيهَا السَّائِل عَنَّا أصلنَا ... قيس عيلان بَنو الغر الأول)
(نَحن مَا نَحن بَنو بر الندى ... طارد الأزمة نحار الْإِبِل)
(قد بنى الْمجد فأورى زنده ... وكفانا كل خطب ذِي جلل)
(إِن قيسا يعتزي بر لَهُ ... ولبر يعتزي قيس الْأَجَل)
(فلنا الْفَخر بقيس إِنَّه ... جدنا الْأَكْبَر فكاك الكبل)
(إِن قيسا قيس عيلان هم ... مَعْدن الْخَيْر على الْخَيْر دلل)
(حسبي البربر قومِي إِنَّهُم ... ملكوا الأَرْض بأطراف الأسل)
فِي أَبْيَات أخر
وَاعْلَم أَن الْخلاف فِي نسب البربر طَوِيل وَقد تركنَا جله اختصارا وأشبه هَذِه الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ مَا نَقَلْنَاهُ أَولا مِمَّا يدل على أَن جيل البربر من ولد حام وَأَنَّهُمْ جيل قديم قد سكنوا الْمغرب عِنْدَمَا تناسلت ذُرِّيَّة نوح عَلَيْهِ
стр. 65
السَّلَام وانتشرت الخليقة على وَجه الأَرْض ثمَّ تلاحقت بهم بَقِيَّة بني كنعان من الشَّام عِنْدَمَا أجلاهم يُوشَع بن نون ﵇ أَولا ثمَّ دَاوُد ﵇ ثَانِيًا
قَالَ ابْن خلدون بعد تزييف القَوْل بِأَن البربر من ولد جالوت بالخصوص أَو من الْعَرَب مَا نَصه وَالْحق الَّذِي لَا يَنْبَغِي التعويل على غَيره فِي شَأْنهمْ أَنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح ﵇ وَأَن اسْم أَبِيهِم مازيغ اه
وَمِمَّا يستملح من النَّوَادِر المقولة فِي نسب البربر قَول خلف بن فرج السميسير من شعراء الأندلس يهجو البربر
(رَأَيْت آدم فِي نومي فَقلت لَهُ ... أَبَا الْبَريَّة إِن النَّاس قد حكمُوا)
(إِن البرابر نسل مِنْك قَالَ إِذا ... حَوَّاء طَالِق إِن كَانَ الَّذِي زَعَمُوا)
وَهَذَا من ملح الشُّعَرَاء وشيطنتهم وَإِلَّا فالبربر جيل مَعْرُوف من أعظم الأجيال وأعزها وَلَهُم الْفَخر الَّذِي لَا يجهل وَالذكر الَّذِي لَا يهمل وَقد تعدّدت فيهم الدول وَكَثُرت فيهم الْمُلُوك الْعِظَام وَكَانَ لَهُم الْقدَم الراسخ فِي الْإِسْلَام وَالْيَد الْبَيْضَاء فِي الْجِهَاد وَمِنْهُم الْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء والأولياء وَالشعرَاء وَأهل المزايا والفضائل وستقف على كثير من ذَلِك عَن قريب إِن شَاءَ الله
القَوْل فِي تَقْسِيم شعوب البربر على الْجُمْلَة
اعْلَم أَن أمة البربر أمة عَظِيمَة قد مَلَأت مَا بَين برقة وَالْبَحْر الْمُحِيط شرقا وغربا وَمَا بَين بِلَاد السودَان وَالْبَحْر الرُّومِي جنوبا وَشمَالًا وَمَعَ عظمها فيجمعها شعْبَان عظيمان بِحَيْثُ لَا يخرج بربري عَنْهُمَا
قَالَ ابْن خلدون عُلَمَاء النّسَب متفقون على أَن البربر يجمعهُمْ جدان عظيمان وهما برنس ومادغيس ويلقب مادغيس بالأبتر فَلذَلِك يُقَال لشعوبه البتر وَيُقَال لشعوب برنس البرانس وَبَين النسابين خلاف هَل هما لأَب وَاحِد أم لَا فَعِنْدَ ابْن حزم أَنَّهُمَا لأَب وَاحِد والجميع من نسل كنعان بن
стр. 66
حام وَقَالَ سَابق بن سُلَيْمَان المطماطي وَغَيره من نساب البربر إِن البرانس فَقَط من نسل كنعان وَأما البتر فهم بَنو بر بن قيس بن عيلان بن مُضر وَهَذَا القَوْل قد تقدم مَا فِيهِ فَالْحق أَن الشعبين مَعًا عريقان فِي البربرية وَأَن الْجَمِيع من ولد مزيغ ومازيغ هُوَ من ولد كنعان بن حام كَمَا مر
فَأَما البرانس فتنقسم إِلَى سبع قبائل أوربة وصنهاجة وكامة ومصمودة وعجيسه وأوريغة وأرداجة وَيُقَال ورداجة بِالْوَاو بدل الْهمزَة وَزَاد سَابق المطماطي وَغَيره ثَلَاث قبائل أخر وهم لمطة وهسكورة وجزولة فَتكون عشرا فَأَما أوربة فَكَانَ مِنْهُم كسيلة بن أغز الأوربي قَاتل عقبَة بن نَافِع ﵁ زمَان الْفَتْح وَمِنْهُم إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن عبد الحميد الأوربي الْقَائِم بدعوة إِدْرِيس بن عبد الله ﵁ وَأما صنهاجة فهم أكبر قبائل البربر حَتَّى زعم كثير من النَّاس أَنهم مِقْدَار الثُّلُث مِنْهُم وَكَانَ مِنْهُم بَنو زيرى بن مُنَاد مُلُوك إفريقية والملثمون مُلُوك مراكش والأندلس وَأما كتامة فهم القائمون بدعوة العبيديين بإفريقية ومصر وَأما المصامدة فَمنهمْ غمارة وَكَانَ مِنْهُم يليان النَّصْرَانِي صَاحب سبتة وطنجة أَيَّام دُخُول عقبَة بن نَافِع للمغرب الْأَقْصَى وهم القائمون أَيْضا بدعوة بني إِدْرِيس فِي دولتهم الثَّانِيَة بعد بني أبي الْعَافِيَة وَمن المصامدة أَيْضا برغواطة أهل تامسنا وَمَا اتَّصل بهَا وَمِنْهُم أهل جبل درن القائمون بدعوة مُحَمَّد بن تومرت مهْدي الْمُوَحِّدين
وَأما بَاقِي قبائل البرانس فَلم يكن لَهُم ملك يذكر وَقد تقدم لنا أَن النسابين من الْعَرَب يَقُولُونَ إِن صنهاجة وكتامة من حمير وَأَن إفريقش الْحِمْيَرِي تَركهم حامية بإفريقية فتناسلوا بهَا واستحال لسانهم إِلَى البربرية لَكِن الْمُحَقِّقُونَ من نساب البربر كسابق المطماطي وَغَيره يُنكرُونَ ذَلِك ويجزمون بِأَنَّهُمَا قبيلتان عريقتان فِي البربر وَأما البتر وهم بَنو مادغيس الأبتر فينقسم شِعْبهمْ إِلَى أَربع قبائل وهم ضريسة ونفوسة وأداسة وَبَنُو لوي وهم لواتة فَأَما ضريسة فَمنهمْ مكناسة وَمن مكناسة بَنو مدرار مُلُوك سجلماسة وَبَنُو أبي الْعَافِيَة مُلُوك فاس وَمن
стр. 67
ضريسة أَيْضا زناتة كلهَا ومبن زناتة جرواة قوم الكاهنة داهيا صَاحِبَة جبل أوراس الَّتِي أوقعت بِحسان بن النُّعْمَان عَامل الْخَلِيفَة عبد الْملك بن مَرْوَان وَمن زناتة أَيْضا بَنو خزر المغراويون مُلُوك تلمسان وَالْمغْرب الْأَوْسَط وَمِنْهُم مغرواة مُلُوك فاس وَبَنُو يفرن مُلُوك سلا وتادلا وَمِنْهُم بَنو زيان مُلُوك تلمسان وَبَنُو مرين مُلُوك فاس أَيْضا فَهَؤُلَاءِ كلهم من زناتة وزناتة هُوَ زانا بن يحيى بن ضرى بن زجيك بن مادغيس الأبتر
وَأما نفوسة وأداسة ولواتة فَلم يكن لَهُم ملك يذكر
وَأعلم أَن كل قَبيلَة من هَذِه الْقَبَائِل الْأَرْبَع عشرَة تشْتَمل على عمائر وبطون وأفخاذ وفصائل لَا حصر لَهَا وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
الْخَبَر عَن حَال البربر قبل الْإِسْلَام وَذكر بعض أَمْصَار الْمغرب الْقَدِيمَة وَمَا قيل فِي ذَلِك
قد تقدم لنا أَن البربر أمة قديمَة سكنوا أَرض الْمغرب فِي قديم الزَّمَان وَأَنَّهُمْ لما عمروا بِلَاده وملؤوا أكنافه انْحَازَتْ الفرنج عَنْهُم إِلَى السواحل والثغور وَبَقِي البربر فِيمَا سوى ذَلِك من الضواحي وَالْجِبَال والكهوف وهم مَعَ ذَلِك على أَدْيَان مُخْتَلفَة يدين كل وَاحِد مِنْهُم بِمَا شَاءَ من الْأَدْيَان الْفَاسِدَة إِلَى آخر مَا مر فَهَذَا كَانَ حَالهم على الْجُمْلَة
وَقَالَ ابْن خلدون لم تزل بِلَاد الْمغرب إِلَى طرابلس بل وَإِلَى الْإسْكَنْدَريَّة عامرة بِهَذَا الجيل مَا بَين الْبَحْر الرُّومِي وبلاد السودَان مُنْذُ أزمنة لَا يعرف أَولهَا وَلَا مَا قبلهَا وَكَانَ دينهم دين الْمَجُوسِيَّة شَأْن الْأَعَاجِم كلهَا بالمشرق وَالْمغْرب إِلَّا فِي بعض الْأَحَايِين يدينون بدين من غلب عَلَيْهِم من الْأُمَم فَإِن الْأُمَم أهل الدول الْعَظِيمَة كَانُوا يتغلبون عَلَيْهِم فقد غزتهم مُلُوك الْيمن من قراهم مرَارًا على مَا ذكر مؤرخوهم فاستكانوا لغلبهم ودانوا بدينهم ذكر ابْن الْكَلْبِيّ أَن حميرا أَبَا الْقَبَائِل اليمانية ملك الْمغرب مائَة سنة
стр. 68
وانه الَّذِي ابتنى مدائنه مثل إفريقية وصقلية وَاتفقَ المؤرخون من الْعَرَب على غَزْو إفريقش الْحِمْيَرِي من التبابعة أَرض الْمغرب اه وَمَا نَقله عَن ابْن الْكَلْبِيّ من غَزْو حمير أَرض الْمغرب قد نقل أَيْضا إِنْكَاره عَن الحافظين أبي عمر بن عبد الْبر وَأبي مُحَمَّد بن حزم وأنهما قَالَا مَا كَانَ لحمير طَرِيق إِلَى بِلَاد البربر إِلَّا فِي تكاذيب مؤرخي الْيمن ثمَّ ذكر أَن الْبَعْض من البربر كَانُوا قد دانوا بدين الْيَهُودِيَّة وأخذوه عَن بني إِسْرَائِيل عِنْد استفحال ملكهم لقرب الشَّام وسلطانه مِنْهُم كَمَا كَانَ جراوة أهل جبل أوراس قَبيلَة الكاهنة وكما كَانَت نفوسة من برابرة إفريقية وفندلاوة ومديونة وبهلولة وغياثة وَبَنُو فازاز من برابرة الْمغرب الْأَقْصَى حَتَّى محا إِدْرِيس الْأَكْبَر جَمِيع مَا كَانَ فِي نواحيه من بقايا الْأَدْيَان والملل
وَقَالَ غير وَاحِد من المؤرخين كَانَ أهل الْمغرب الْأَقْصَى يضرون بِأَهْل الأندلس لاتصال الأَرْض بَينهم ويلقون مِنْهُم الْجهد الجهيد فِي كل وَقت إِلَى أَن أجتاز بهم الْإِسْكَنْدَر فشكوا حَالهم إِلَيْهِ فأحضر المهندسين وأتى إِلَى الزقاق يَعْنِي زقاق سبتة فَأَمرهمْ بِوَزْن سطح المَاء من الْبَحْر الْمُحِيط وَالْبَحْر الرُّومِي فوجدوا الْمُحِيط يَعْلُو الرُّومِي بِشَيْء يسير فَأمر بِرَفْع الْبِلَاد الَّتِي على سَاحل الْبَحْر الرُّومِي ونقلها من الحضيض إِلَى الْأَعْلَى ثمَّ أَمر بِحَفر مَا بَين طنجة وبلاد الأندلس من الأَرْض فحفرت حَتَّى ظَهرت الْجبَال السفلية وَبنى عَلَيْهَا رصيفا بِالْحجرِ والجيار بِنَاء محكما وَجعل طوله اثنى عشر ميلًا وَهِي الْمسَافَة الَّتِي كَانَت بَين الْبَحْرين وَبنى رصيفا آخر يُقَابله من نَاحيَة طنجة وَجعل بَين الرصيفين سَعَة سِتَّة أَمْيَال فَلَمَّا كمل الرصيفان حفر
стр. 69
من جِهَة الْبَحْر الْأَعْظَم وَأطلق فَم المَاء بَين الرصيفين فَدخل فِي الْبَحْر الرُّومِي ثمَّ ارْتَفع المَاء فأغرق مدنا كَثِيرَة وَأهْلك أمما عَظِيمَة كَانَت على الشطين وطما المَاء على الرصيفين بِإِحْدَى عشرَة قامة فَأَما الرصيف الَّذِي يَلِي بِلَاد الأندلس فَإِنَّهُ يظْهر فِي بعض الْأَوْقَات إِذا نقص المَاء ظهورا بَينا مُسْتَقِيمًا على خطّ وَاحِد وَأهل الجزيرة يسمونه القنظرة وَأما الرصيف الَّذِي يَلِي جِهَة العدوة فَإِن المَاء حمله فِي صَدره واحتفر مَا خَلفه من الأَرْض بِنَحْوِ اثْنَي عشر ميلًا وعَلى طرفه من جِهَة الْمغرب قصر الْمجَاز وسبتة وطنجة وعَلى طرفه من النَّاحِيَة الْأُخْرَى جبل طَارق بن زِيَاد وجزيرة طريف بن مَالك والجزيرة الخضراء وَمَا يين سبتة والخضراء هُوَ عرض الْبَحْر الْمُسَمّى بالزقاق والبوغاز أَيْضا اه
وَمَا ذَكرُوهُ من أَن أَرض الْمغرب كَانَت مُتَّصِلَة بِأَرْض الأندلس نَحوه فِي تواريخ الفرنج الْقَدِيمَة غير أَنهم يسمون الْملك الَّذِي فتح الباغاز هِرقل الْجَبَّار وَعند ابْن سعيد أَنه كَانَ فِيمَا بَين قصر الْمجَاز وطريف قنطرة عَظِيمَة قد وصلت مَا بَين البرين يزْعم النَّاس أَن الْإِسْكَنْدَر بناها ليعبر عَلَيْهَا من بر الأندلس إِلَى بر العدوة وَالله تَعَالَى أعلم بِحَقِيقَة الْأَمر
وَفِي تواريخ الفرنج الْمَقْطُوع بِصِحَّتِهَا عِنْدهم أَن مُلُوك الرّوم الأولى حَاربُوا القرطاجنيين من أهل إفريقية وَالْمغْرب وغلبوهم على الْبِلَاد وهدموا فِي بعض تِلْكَ الحروب مَدِينَة قرطاجنة الشهيرة الذّكر قَالَ الشَّيْخ رِفَاعَة فِي بداية القدماء مَا نَصه قرطاجنة مَدِينَة بِأَرْض إفريقية هِيَ إِحْدَى مدن الدُّنْيَا الشهيرة وَقد هدمها الرّوم قبل مِيلَاد الْمَسِيح ﵇ بِمِائَة وست وَأَرْبَعين سنة ثمَّ أسست ثَانِيَة وخربها الْعَرَب حَتَّى إِنَّه لَا يرى الْآن شَيْء من آثارها إِلَّا بغاية الْجهد وبقرب موضعهَا مَدِينَة تونس اه
وَقَالَ ابْن خلدون فِي كتاب طبيعة الْعمرَان حِين تكلم على قيادة الأساطيل مَا نَصه وَقد كَانَت الرّوم والإفرنجية والقوط بالعدوة الشمالية من هَذَا الْبَحْر الرُّومِي وَكَانَ أَكثر حروبهم ومتاجرهم فِي السفن فَكَانُوا مهرَة
стр. 70
إِيقَاع يحيى بن يغمور بِأَهْل لبلة وإسرافه فِي ذَلِك
لما كَانَت سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة فتح الموحدون مَدِينَة لبلة
وَكَانَ الْمُتَوَلِي لفتحها بحيى بن يغمور وَالِي قرطبة وإشبيلية حاصرها مُدَّة ثمَّ فتحهَا عنْوَة وَقبض على أَهلهَا فَخرج بهم إِلَى ظَاهر الْمَدِينَة وَصفهم فِي صَعِيد وَاحِد ثمَّ عرضهمْ على السَّيْف أَجْمَعِينَ حَتَّى خلص الْقَتْل مِنْهُم إِلَى الْفَقِيه الْمُحدث أبي الْحُكَّام بن بطال والفقيه الصَّالح أبي عَامر بن الْجد
وَكَانَ عدد من قتل من أهل لبلة فِي ذَلِك الصَّعِيد ثَمَانِيَة آلَاف وَقتل بأحوازها نَحْو
стр. 71
بِلَادهمْ ورعاياهم وَكَانَ الفرنج مجاورين للبربر فِي الْمغرب الْأَدْنَى والقوط مجاورين لَهُم فِي الْأَقْصَى لَيْسَ بَينهم وَبينهمْ إِلَّا خليج الْبَحْر فحملوا أهل السواحل مِنْهُم على الْأَخْذ بذلك الدّين فدانوا بِهِ أَيْضا وَنظر القياصرة يَوْمئِذٍ منسحب عَن الْجَمِيع وَأمرهمْ نَافِذ فِي الْكل وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك حَتَّى جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ وأظهره على الدّين كُله فدانت بِهِ البربر على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله فَلهَذَا السَّبَب كَانَ كسيلة الأوربي ويليان الغماري وَغَيرهمَا من كبار البربر نَصَارَى
وَقَالَ ابْن خلدون كَانَ للبربر فِي الضواحي وَرَاء ملك الْأَمْصَار المرهوبة الحامية مَا شَاءَ الله من قُوَّة وعدة وَعدد وملوك ورؤساء وأقيال وأمراء لَا يرامون بذل وَلَا تنالهم الرّوم والفرنج فِي ضواحيهم تِلْكَ بمسخطة وَلَا إساءة ثمَّ قَالَ وَكَانُوا يؤدون الجباية لهرقل ملك الْقُسْطَنْطِينِيَّة كَمَا كَانَ الْمُقَوْقس صَاحب مصر والإسكندرية وبرقة يُؤَدِّي الجباية لَهُ وكما كَانَ صَاحب طرابلس ولبدة وصبرة وَصَاحب صقلية وَصَاحب الأندلس من القوط لما كَانَ الرّوم قد غلبوا على هَؤُلَاءِ الْأُمَم أجمع وعنهم أخذُوا دين النَّصْرَانِيَّة وَكَانَ الفرنجة هم الَّذين ولوا أَمر إفريقية وَلم تكن للروم فِيهَا ولَايَة وَإِنَّمَا كَانَ كل من كَانَ مِنْهُم بهَا جند للفرنج وَمن حشودهم وَمَا يسمع فِي كتب الْفَتْح من ذكر الرّوم فِي فتح أفريقية فَمن بَاب التغليب لِأَن الْعَرَب يَوْمئِذٍ لم يَكُونُوا يعْرفُونَ الفرنج وَمَا قَاتلُوا فِي الشَّام إِلَّا الرّوم فظنوا أَنهم هم الغالبون على أُمَم النَّصْرَانِيَّة فَإِن هِرقل هُوَ ملك النَّصْرَانِيَّة كلهَا فغلبوا اسْم الرّوم على جَمِيع أُمَم النَّصْرَانِيَّة ونقلت الْأَخْبَار عَن الْعَرَب كَمَا هِيَ فجرجير الْمَقْتُول عِنْد الْفَتْح من الفرنج وَلَيْسَ من الرّوم وَكَذَا الْأمة الَّذين مَاتُوا بإفريقية غَالِبين على البربر ونازلين بمدنها وحصونها كَانُوا من الفرنجة اه
стр. 72
القَوْل فِي تَحْدِيد الْمغرب وَذكر حَال البربر بعد الْإِسْلَام
اعْلَم أَن لفظ الْمغرب يُطلق فِي عرف أَهله على نَاحيَة من الأَرْض مَعْرُوفَة بِعَينهَا حَدهَا من جِهَة مغرب الشَّمْس الْبَحْر الْمُحِيط الْمَعْرُوف بالكبير وَمن جِهَة مشرق الشَّمْس بِلَاد برقة وَمَا خلفهَا إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة ومصر فبرقة خَارِجَة عَن بِلَاد الْمغرب بِهَذَا الِاعْتِبَار وبلاد طرابلس وَمَا دونهَا إِلَى جِهَة الْبَحْر الْمُحِيط دَاخِلَة فِيهِ وَحدهَا من جِهَة الشمَال الْبَحْر الرُّومِي المفرع عَن الْمُحِيط وَيعرف هَذَا الرُّومِي بالصغير وَمن جِهَة الْجنُوب جبال الرمل الفاصلة بَين بِلَاد السودَان وبلاد البربر وتعرف عِنْد الْعَرَب الرحالة هُنَالك بالعرق
ثمَّ هَذَا الْمغرب يشْتَمل على ثَلَاث ممالك مملكة إفريقية وَهِي الْمغرب الْأَدْنَى وقاعدتها فِي صدر الْإِسْلَام مَدِينَة القيروان وَفِي هَذَا الْعَصْر مَدِينَة تونس وَسمي أدنى لِأَنَّهُ أقرب إِلَى بِلَاد الْعَرَب وَدَار الْخلَافَة بالحجاز ثمَّ بعد إفريقية مملكة الْمغرب الْأَوْسَط وقاعدتها تلمسان وجزائر بني مزغنة وَهَذِه المملكة الْيَوْم فِي يَد فرنج إفرانسة ملكوها فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَألف وَأَهْلهَا مُسلمُونَ ثمَّ بعد ذَلِك مملكة الْمغرب الْأَقْصَى وَسمي الْأَقْصَى لِأَنَّهُ أبعد الممالك الثَّلَاث عَن دَار الْخلَافَة فِي صدر الْإِسْلَام وحد هَذَا الْأَقْصَى من جِهَة الْمغرب الْبَحْر الْمُحِيط وَمن جِهَة الْمشرق وَادي ملوية مَعَ جبال تازا وَمن جِهَة الشمَال الْبَحْر الرُّومِي وَمن جِهَة الْجنُوب جبل درن قَالَه ابْن خلدون
وَفِي تَقْسِيم الفرنج أَن الْمغرب الْأَقْصَى يشْتَمل على خمس عمالات عمالة فاس وعمالة مراكش وعمالة السوس وعمالة درعة وعمالة تافيلالت وَدَار الْملك بِهِ تَارَة فاس وَتارَة مراكش وَهُوَ فِي الْأَغْلَب ديار المصامدة
стр. 73
من البربر ويساكنهم فِيهِ عوالم من صنهاجة ومضغرة وأوربة وَغَيرهم لكِنهمْ قَلِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى المصامدة ويساكنهم فِيهِ أَيْضا عَالم من الْعَرَب أهل الْخيام انتقلوا من جَزِيرَة الْعَرَب إِلَى إفريقية ثمَّ من إفريقية إِلَيْهِ أَوَاخِر الْمِائَة السَّادِسَة أَيَّام الْخَلِيفَة يَعْقُوب الْمَنْصُور الموحدي وهم الْيَوْم قبائل عديدة يرجعُونَ فِي نسبهم إِلَى ريَاح وجشم فَأَما ريَاح فهم من بني هِلَال بن عَامر بن صعصعة وَأما جشم فهم بَنو جشم بن مُعَاوِيَة بن بكر وَكلهمْ يَنْتَهِي نسبهم إِلَى مُضر ويضاف إِلَيْهِم قبائل أخر نحقق الْكَلَام فيهم بعد هَذَا إِن شَاءَ الله
ثمَّ قد علمت أَن كلامنا بِالْقَصْدِ الأول فِي هَذَا الْكتاب إِنَّمَا هُوَ على الْمغرب الْأَقْصَى لَكنا نتكلم أَولا على أَخْبَار الْمغرب مُطلقًا وَنَذْكُر أمراءه الموجهين من قبل الْخُلَفَاء بالمشرق على التَّفْصِيل مَا دَامَ نظرهم منسحبا عَلَيْهِ وظلهم ممتدا إِلَيْهِ إِذْ كَانَ أَمر الْخلَافَة فِي صدر الْإِسْلَام متحدا وَحكمهَا مجتمعا وكلمتها نَافِذَة فِي جَمِيع ممالك الْإِسْلَام شرقا وغربا بِحَيْثُ لَا يخرج قطر من الأقطار وَلَا مصر من الْأَمْصَار فِيمَا بعد أَو دنا عَن الأَرْض عَن نظر الْخَلِيفَة الْأَعْظَم وَقد كَانَ ذَلِك دينا مُتبعا وَحكما مجمعا عَلَيْهِ وَلَا تصح لأحد إِمَارَة أَو ولَايَة إِلَّا بالإستناد إِلَيْهِ حَتَّى إِذا طَال الْعَهْد وَضعف أَمر الْخلَافَة وتقلص ظلها من القاصية تَفَرَّقت ممالك الْإِسْلَام الْبَعِيدَة عَن دارها وتوزعتها الثوار من بني هَاشم وَغَيرهم واستبد الْأُمَرَاء النازحون عَنْهَا كل بِمَا غلب عَلَيْهِ وَسَار أَمر الْوحدَة إِلَى الْكَثْرَة وَحكم الإجتماع إِلَى الْفرْقَة فَلهَذَا نتكلم الْآن على أَخْبَار الْمغرب مُطلقًا وَنَذْكُر ولاته الموجهين إِلَيْهِ من قبل الْخُلَفَاء وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَى زمن إِدْرِيس بن عبد الله المستبد بِملك الْمغرب الْأَقْصَى والمقتطع لَهُ عَمَّا عداهُ من الممالك الإسلامية فَحِينَئِذٍ نفرد الْكَلَام عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ على مَا شرطناه فَأَما الْآن فَلَا يمكننا الْكَلَام عَلَيْهِ وَحده لِأَنَّهُ وَالْحَالة هَذِه مندرج فِي غَيره من ممالك الْمغرب إِذْ الْوَالِي الموجه من قبل الْخَلِيفَة فِي صدر الْإِسْلَام كَانَ يكون واليا على إفريقية وَمَا بعْدهَا من بِلَاد الْمغرب إِلَى الْبَحْر الْمُحِيط وَقد تُضَاف إِلَى نظره الأندلس بل كَانَ الْوَالِي
стр. 74
بِمصْر قد يكون نظره شَامِلًا لجَمِيع بِلَاد الْمغرب حَسْبَمَا نقف عَلَيْهِ فاعرف هَذِه الْجُمْلَة ولتكن مِنْك على بَال
وَأما حَال البربر بعد الْإِسْلَام فَيعرف من أَخْبَار الْوُلَاة الَّتِي نسردها الْآن وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
ولَايَة عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ وفتحه برقة وطرابلس
لما كَانَت خلَافَة أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ وَفتح عَمْرو بن الْعَاصِ مصر والإسكندرية وَفرغ مِنْهَا سَار فِي سنة إِحْدَى وَعشْرين من الْهِجْرَة إِلَى برقة وَكَانَت تسمى فِي الْقَدِيم إنطابلس فَصَالحه أَهلهَا على الْجِزْيَة ثمَّ سَار بعْدهَا إِلَى طرابلس فحاصرها شهرا وَكَانَت مكشوفة السُّور من جَانب الْبَحْر وسفن الرّوم فِي مرْسَاها فحسر المَاء فِي بعض الْأَيَّام وانكشف أمرهَا لبَعض الْمُسلمين المحاصرين لَهَا فاقتحموا الْبَلَد فِيمَا بَين الْبَحْر والبيوت فَلم يكن للروم ملْجأ إِلَّا سفنهم وارتفع الصياح فَأقبل عَمْرو بعساكره فَدخل الْمَدِينَة وَلم يفلت الرّوم إِلَّا بِمَا خف فِي المراكب ثمَّ عطف عَمْرو ﵁ على مَدِينَة صبرَة وَكَانُوا قد أمنُوا بمنعة طرابلس واشتغال الْمُسلمين بحصارها فصبحهم فِي جَيش الْمُسلمين واقتحمها عَلَيْهِم عنْوَة وكمل الْفَتْح وَرجع عَمْرو إِلَى برقة فَصَالحه أَهلهَا على ثَلَاثَة عشر ألف دِينَار جِزْيَة وَكَانَ أَكثر أهل برقة لواته وهم بَنو لوي الْأَكْبَر وَأكْثر أهل طرابلس وصبرة نفوسة وكلتا القبيلتين من البتر
وَلما فرغ عَمْرو ﵁ من أَمر طرابلس وَمَا مَعهَا اسْتَأْذن عمر بن
стр. 75
الْخطاب ﵁ فِي التَّقَدُّم إِلَى إفريقية فَمَنعه وَقَالَ تِلْكَ المفرقة وَلَيْسَت بإفريقية أَو كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ فامتثل وَعَاد إِلَى مصر فَكَانَ عَمْرو بن الْعَاصِ أول أَمِير للْمُسلمين وطِئت خيله أَرض الْمغرب لكنه لم يصل إِلَى إفريقية وَلَا كَانَ من البرابر إِسْلَام غير أَن صَاحب كتاب الجمان نقل أَنه لما كَانَت خلَافَة عمر بن الْخطاب ﵁ واستفتحت مَدِينَة مصر وَكَانَ عَلَيْهَا عَمْرو بن الْعَاصِ قدم عَلَيْهِ سِتَّة نفر من البربر مُحَلِّقِينَ الرؤوس واللحى فَقَالَ لَهُم عَمْرو من أَنْتُم وَمَا الَّذِي جَاءَ بكم قَالُوا رغبنا فِي الْإِسْلَام فَجِئْنَا لَهُ لِأَن جدودنا قد أوصونا بذلك فوجههم عَمْرو إِلَى عمر ﵁ وَكتب إِلَيْهِ بخبرهم فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ وهم لَا يعْرفُونَ لِسَان الْعَرَب كَلمهمْ الترجمان على لِسَان عمر فَقَالَ لَهُم من أَنْتُم قَالُوا نَحن بَنو مازيغ فَقَالَ عمر لجلسائه هَل سَمِعْتُمْ قطّ بهؤلاء فَقَالَ شيخ من قُرَيْش يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَؤُلَاءِ البربر من ذُرِّيَّة بر بن قيس بن عيلان خرج مغاضبا لِأَبِيهِ وَإِخْوَته فَقَالُوا بر بر أَي أَخذ الْبَريَّة فَقَالَ لَهُم عمر ﵁ مَا علامتكم فِي بِلَادكُمْ قَالُوا نكرم الْخَيل ونهين النِّسَاء فَقَالَ لَهُم عمر ألكم مَدَائِن قَالُوا لَا قَالَ ألكم أَعْلَام تهتدون بهَا قَالُوا لَا قَالَ عمر وَالله لقد كنت مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي بعض مغازيه فَنَظَرت إِلَى قلَّة الْجَيْش وبكيت فَقَالَ لي رَسُول الله ﷺ (يَا عمر لَا تحزن فَإِن الله سيعز هَذَا الدّين بِقوم من الْمغرب لَيْسَ لَهُم مَدَائِن وَلَا حصون وَلَا أسواق وَلَا عَلَامَات يَهْتَدُونَ بهَا فِي الطّرق) ثمَّ قَالَ عمر فَالْحَمْد لله الَّذِي من عَليّ برؤيتهم ثمَّ أكْرمهم ووصلهم وَقَدَّمَهُمْ على من سواهُم من الجيوش القادمة عَلَيْهِ وَكتب إِلَى عَمْرو بن الْعَاصِ أَن يجعلهم على مُقَدّمَة الْمُسلمين وَكَانُوا من أفخاذ شَتَّى اه وَالله أعلم
следующие страницы →