Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
رَأسه وعلق على سور مراكس فَبَقيَ مُعَلّقا هُنَالك مَعَ رُؤُوس جمَاعَة من أَصْحَابه نَحوا من اثْنَتَيْ عشرَة سنة وحملت جثته فدفنت بروضة الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس السبتي تَحت الْمكتب الْمُعَلق هُنَالك عِنْد الْمَسْجِد الْجَامِع وَزعم أَصْحَابه أَنه لم يمت وَلكنه تغيب
قَالَ اليفرني وحَدثني من أَثِق بِهِ من أهل وَادي الساورة أَن فيهم إِلَى الْآن من هُوَ على هَذَا الِاعْتِقَاد
وَذكر الشَّيْخ اليوسي فِي المحاضرات أَن أَبَا محلي كَانَ ذَات يَوْم عِنْد أستاذه ابْن مبارك فورد عَلَيْهِ وَارِد حَال فَتحَرك وَجعل يَقُول أَنا سُلْطَان أَنا سُلْطَان فَقَالَ لَهُ الْأُسْتَاذ يَا أَحْمد هَب أَنَّك تكون سُلْطَانا إِنَّك لن تخرق الأَرْض وَلنْ تبلغ الْجبَال طولا وَوَقع فِي يَوْم آخر للْفُقَرَاء سَماع فَتحَرك أَبُو محلي وَجعل يَقُول أَنا سُلْطَان أَنا سُلْطَان فَتحَرك فَقِيرا آخر وَجعل يَقُول ثَلَاث سِنِين غير ربع ثَلَاث سِنِين غير ربع قَالَ وَهَذِه هِيَ مُدَّة ملكه اه
وَيذكر انه لما طَاف بِالْبَيْتِ فِي وجهته الحجازية سمع وَهُوَ يَقُول يَا رب إِنَّك قلت وقولك الْحق ﴿وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس﴾ آل عمرَان ١٤٠ فَاجْعَلْ لي يَا رب دولة بَينهم قَالُوا وَلم يسْأَل حسن الْعَاقِبَة فرزق الدولة وَآل بِهِ الْأَمر إِلَى مَا أبرمته يَد الْقُدْرَة وَكَانَ أَبُو محلي ﵀ فَقِيها محصلا لَهُ قلم بليغ وَنَفس عَال وَله تآليف مِنْهَا الوضاح والقسطاس والأصليت والهودج ومنجنيق الصخور فِي الرَّد على أهل الْفُجُور وَجَوَاب الخروبي عَن رسَالَته الشهيرة لأبي عَمْرو القسطلي وَغير ذَلِك وَقد وَقعت بَينه وَبَين يحيى بن عبد الله مراسلات ومهاجيات نظما ونثرا كَقَوْلِه
(أيحيى الخسيس النذل مَالك تَدعِي ... بزور شعارا للفحول الْأَوَائِل)
(كدعواك فِي بَيت النُّبُوَّة نِسْبَة ... وَأَنت دنيء من أخس الْقَبَائِل)
(ووجهك وَجه القرد قبح صُورَة ... ورأسك رَأس الديك بَين الْمَزَابِل)
стр. 1087
ويزعمون أَن يحيى كَانَ معاشرا لأبي محلي أَيَّام الطّلب بِالْمَدْرَسَةِ بفاس قَالَ اليفرني وحَدثني صاحبنا القَاضِي أَبُو زيد السكتاني أَنه وقف على تأليف كَبِير مُشْتَمل على مَا وَقع بَين يحيى وَأبي محلي من الشّعْر فِي غَرَض الهجاء وَغَيره
وَقد رمز تَارِيخ ثورة أبي محلي ووفاته الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد المريدي المراكشي فَقَالَ قَامَ طيشا وَمَات كَبْشًا وَلَا يخفى مَا فِيهِ بعد إِفَادَة التَّارِيخ من حسن التلميح وبديع التورية وَلما قتل ابْن أبي محلي دخل يحيى مراكش وَاسْتقر بدار الْخلَافَة مِنْهَا وَألقى بهَا عَصا تسياره ورام أَن يتخذها دَار قراره فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان زَيْدَانَ يَقُول أما بعد فَإنَّا كنت إِنَّمَا جِئْت لنصرتي وكف يَد ذَلِك الثائر عني فقد أبلغت المُرَاد وشفيت الْفُؤَاد وَإِن كنت إِنَّمَا رمت أَن تجر النَّار لقرصك وَتجْعَل الْملك من قنصك فَأقر الله عَيْنك بِهِ وَالسَّلَام فتجهز يحيى للعود إِلَى وَطنه وَأظْهر الْعِفَّة عَن الْملك وَأَنه إِنَّمَا جَاءَ ليدافع عَن السُّلْطَان الَّذِي بيعَته فِي عُنُقه وانقلب إِلَى بِلَاده وَرجع زَيْدَانَ إِلَى مراكش فاستقر بدار ملكه وَقد قيل إِن يحيى رام الْملك وَأَن أجناده من البربر لم يساعدوه فِي قصَّة طَوِيلَة وَالله أعلم
стр. 1088
بَقِيَّة أَخْبَار أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْمُنعم الحاحي وَمَا دَار بَينه وَبَين السُّلْطَان زَيْدَانَ ﵀
هُوَ يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم الحاحي الدَّاودِيّ المناني وَكَانَ جده سعيد وَاحِد وقته علما ودينا وَهُوَ الَّذِي أَحْيَا الله بِهِ السّنة بالسوس وانتعش بِهِ الْإِسْلَام فِيهِ وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة فخلفه وَلَده أَبُو مُحَمَّد عبد الله وَجرى على نهجه وسبيله بل كَانَ بعض النَّاس يفضله على أَبِيه وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَدفن بزداغة من جبل درن حَيْثُ كَانَت زاويته وَلما مَاتَ جلس وَلَده أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى مَوْضِعه وانتهج سَبيله وَكَانَ فَقِيها مشاركا رَحل إِلَى فاس وَأخذ عَن شيوخها كالمنجور وَغَيره وَعَن الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد الحسني على مَا وجد بِخَطِّهِ السوساني الشهير بأدفال دَفِين درعة وَهُوَ معتمده أَخذ عَنهُ كثيرا من الْفُنُون وَأَجَازَهُ فِي عُلُوم الحَدِيث إجَازَة عَامَّة وَكَانَ يحيى شَاعِرًا محسنا وَكَانَت لَهُ شهرة عَظِيمَة بالصلاح وَله أَتبَاع كوالده وجده وتوجهت إِلَى زيارته الهمم وَركبت إِلَيْهِ النجائب إِلَّا أَنه وَقع لَهُ قريب مِمَّا وَقع لأبي محلي فتصدى للْملك وخاض فِي أُمُور السلطنة فتكدر مشربه وَقد قَالَ بعض الْعلمَاء إِن الرياسة إِذا دخلت قلب رجل لَا تقصر عَن إذهاب رَأسه وَلذَلِك قَالَ صَاحب الْفَوَائِد فِي حَقه إِنَّه قَامَ لجمع
стр. 1089
الْكَلِمَة وَالنَّظَر فِي مصَالح الْأمة فاستمر بِهِ علاج ذَلِك إِلَى أَن توفّي وَلم يتم لَهُ أَمر وَكَانَ يراسل السُّلْطَان زَيْدَانَ وَيكثر عَلَيْهِ وَيُجِير عَلَيْهِ من استجار بِهِ ويروم إِلَى مناصحته ابْتِغَاء ويحسو من ذَلِك حسوا فِي ارتغاء وَكَانَ زَيْدَانَ يتَحَمَّل مِنْهُ أمرا عَظِيما فمما كتب بِهِ يحيى إِلَيْهِ مَا نَصه من يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم كَانَ الله لَهُ بجميل لطفه آمين اللَّهُمَّ إِنَّا نحمدك على كل حَال ونشكرك يَا ولي الْمُؤمنِينَ على دفع اللاواء والمحال وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونستوهبك يَا مَوْلَانَا جميل لطفك وجزيل فضلك فِي الْمقَام والترحال عائذين بِوَجْهِك الْكَرِيم من مؤاخذتنا بِسوء أَعمالنَا يَا شَدِيد الْمحَال هَذَا وَسَلام الله الأتم ورضوانه الْأَعَمّ وَرَحمته وَبَرَكَاته على الْمولى الإِمَام الْعلم الْمِقْدَام الْعلوِي الْهمام كَيفَ أَنْتُم وَكَيف أحوالكم مَعَ هَذَا الزَّمَان الَّذِي شمر عَن سَاقه لسلب الْأَدْيَان وألح فِي اقْتِضَاء هَوَاهُ على كل مديان فَإنَّا لله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَبعد فالباعث بِهِ إِلَيْكُم فِي هَذِه البطاقة أُمُور ثَلَاثَة مدارها على قَوْله ﷺ (الدّين النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ ولكتابه ولخاصة الْمُسلمين وعامتهم) فَالْأول بَيَان سَبَب الركون إِلَى جانبكم وَالثَّانِي الْحَامِل على دفع مناويكم وَالثَّالِث مُلَازمَة نصحكم وتذكيركم والضجر مِمَّا يصدر مِنْكُم وَمن أعوانكم للرعية أما الأول فَلهُ أَسبَاب كَثِيرَة مِنْهَا مُرَاعَاة الجناب النَّبَوِيّ الْكَرِيم فِي أهل بَيته وَرَضي الله عَن أبي بكر الصّديق الْقَائِل ارقبوا مُحَمَّدًا فِي أهل بَيته وَالْقَائِل لقرابة رَسُول الله ﷺ أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي
(يَا أهل بَيت رَسُول الله حبكم ... فرض من الله فِي الْقُرْآن أنزلهُ)
(يكفيكم من عَظِيم الْمجد أَنكُمْ ... من لم يصل عَلَيْكُم لَا صَلَاة لَهُ)
وَمِنْهَا نصح خَاصَّة الْمُسلمين الَّذِي هُوَ الدُّعَاء بالهداية لَهُم ورد الْقُلُوب النافرة إِلَيْهِم ونصحهم بِقدر الْإِمْكَان مشافهة ومراسلة ومكاتبة وَقد
стр. 1090
بذلنا الْجهد فِي الْجَمِيع أخْلص الله الْقَصْد فِي الْجَمِيع وَأما الثَّانِي فَلَمَّا جرى الْقدر بتغلب ذَلِك الْإِنْسَان المتسلط على النَّفس والحريم وَالْأَمْوَال وَأدْخل بتأويلاته الْبَعِيدَة عَن الصَّوَاب مَا لَيْسَ فِي الْمَذْهَب وتعدى خُصُوص الْوُلَاة إِلَى سَائِر الرّعية فاضلها ومفضولها وَمد مَعَ ذَلِك يَد الْوَعيد الْمُؤَكّد بِالْإِيمَان إِلَيْنَا فِي الْأَنْفس وَالْأَمْوَال فناشدناه كَمَا تقرر فِي فَتَاوَى الْأَئِمَّة ﵃ حَيْثُ توفرت فِيهِ فُصُول الصَّائِل كلهَا بِشَاهِد العيان فَكَانَ الْأَمر كَمَا قدر الله تَعَالَى ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ الرّوم ٤ وَأما الثَّالِث فالكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع أما الْكتاب فسورة وَالْعصر قَائِمَة الْبُرْهَان فِي كل أَوَان وعصر وَقَالَ تَعَالَى فِي قَضِيَّة كليمه ﴿رب بِمَا أَنْعَمت عَليّ فَلَنْ أكون ظهيرا للمجرمين﴾ الْقَصَص ١٧ وَقد اسْتشْهد بِهِ بعض الْعلمَاء فِي بري قلم لكاتب بعض الْأُمَرَاء الْمُتَقَدِّمين وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَقَوله جلّ من قَائِل ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ الْمَائِدَة ٢ وَأما السّنة فَالْحَدِيث الأول قَوْله ﷺ (الْمعِين شريك) وَقَوله (من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يقدر فبلسانه فَإِن لم يقدر فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان) وَقد كُنَّا مقتصرين على التَّغْيِير بِاللِّسَانِ والقلم لكَون التَّغْيِير العملي إِلَيْكُم حَتَّى جذبتمونا إِلَيْهِ ودللتمونا بارتكاب أصعب مرام عَلَيْهِ وَقَوله (من أعَان على قتل مُسلم وَلَو بِشَطْر كلمة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله) وَقد قَالَ الْمواق فِي شَرحه على الْمُخْتَصر من أعَان على عزل إِنْسَان وتولية غَيره وَلم يَأْمَن سفك دم مُسلم فَهُوَ شريك فِي دَمه إِن سفك ثمَّ أَتَى بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدّم استعظاما لذَلِك الْأَمر الفظيع فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على أَنا اِنْخَدَعْنَا بِاللَّه حَتَّى كُنَّا نَأْمَن بِالْقطعِ سفك الدِّمَاء إِذْ ذَاك حَيْثُ كتبت إِلَيْنَا مرَارًا وَأمنت وَأرْسلت وَكنت أَتَخَوَّف من هَذَا الْوَاقِع الْيَوْم بآزمور وآسفي ومراكش والغرب وَلذَلِك كنت ألححت عَلَيْكُم فِي تَقْرِير الْعَهْد حَتَّى أَتَانِي الْقَائِد عبد الصَّادِق بمصحف ذكر انه لسلطان تلمسان فِي جرم صَغِير وَقَالَ لي أَمرنِي السُّلْطَان أَن أَحْلف لَك فِيهِ نِيَابَة عَنهُ على بَقَائِهِ
стр. 1091
على الْعَهْد فِيمَا بَيْنك وَبَينه من تَأْمِين كل من أمنته وإمضاء كل مَا رَأَيْته صلاحا للْأمة ثمَّ لم أكتف حَتَّى أَتَى القَاضِي فَكتبت إِلَيّ مَعَه إِن كل مَا رَأَيْت فِيهِ الصّلاح للْأمة أمضيته وَأَنَّك آمَنت كل من أمنته ثمَّ بعد استقرارك فِي دَارك كتبت إِلَيّ كتابا إِنَّك بَاقٍ على مَا تعاهدنا مَعَك عَلَيْهِ من الْأُمُور كلهَا على معيار الشَّرِيعَة فَمَا راعني إِلَّا وَقد أخفرت فِي ذمَّة الله وأماني الَّذِي عقدته للنَّاس فَمن مأسور ومقيد ومطلوب بِمَال ومطرود عَن بلد وأخبار آخر ترد علينا من جِهَة السواحل وَأَن النَّاس تبَاع فِيهَا لِلْعَدو دمره الله وَلم نر من اهتبل بذلك مِمَّن قلدتموه أُمُور الثغور فَلم ندر هَل بلغك ذَلِك فَتسقط عَنَّا ملامة الشَّرْع أَو لم يبلغك فأعلمنا الله لتطمئن قُلُوبنَا فَإِنِّي أكاتبك فِي ذَلِك فَلَا أرى جَوَابا فَقضيت وَالله من الْأَمر عجبا فَإِن عددت مَا من الله بِهِ عَلَيْك من رجوعك إِلَى سَرِير ملكك واجتماعك بسربك آمنا من قبيل النعم فقيده بِمَا تقيد بِهِ كَمَا فِي كريم علمك وَإِن رَأَيْته بِنَظَر آخر فَإِن لله مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَأما الْإِجْمَاع فَلم نر من الْعلمَاء من نهى عَن نصح خَاصَّة الْمُسلمين وتنبيههم على مَا يصلح بهم وبالرعية بل عدوه من الدّين للْحَدِيث الأول وَغَيره وَأما استشعرناه من امتعاضكم من عدم الأنة القَوْل فِي مكاتبتنا لكم فَمَا خاطبناكم قطّ رعيا لذَلِك وَلَو بِنصْف مَا خَاطب بِهِ الْأَئِمَّة الأول أهل زمانهم اتكالا على مطالعتكم لكتبهم وعلمكم بِمَا لم نعلمهُ من ذَلِك وَلم نروه ويكفيكم نصح الفضيل وسُفْيَان وإمامنا مَالك ﵃ لمعاصريهم من الْوُلَاة وَمِنْهُم من بَكَى وانتفع وَمِنْهُم من غشي عَلَيْهِ وتوجع وَمِنْهُم من نَدم واسترجع إِلَى غير مَا ذكرنَا على اخْتِلَاف الْأَعْصَار وتنوع الدول والأقطار فبذلك اقتدينا وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ أشياخنا وأسلافنا لكم ولأسلافكم عَملنَا كالفقيه شيخ والدنا ﵀ سَيِّدي عبد الله الهبطي لجدكم المرحوم بكرم الله فطمعت بنجح النصح ونفعه دنيا وَأُخْرَى فَهَذَا أصل قَضِيَّتنَا مَعكُمْ وهلم جرا والذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ على كل الْأَحْوَال وَالْحَمْد لله على كل حَال وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبتاريخ أَوَاخِر ربيع النَّبَوِيّ الأنور كتبه عَن إِذْنه رَضِي الله عَنهُ
стр. 1092
عبد ربه مُحَمَّد بن الْحسن بن أبي الْقَاسِم لطف الله بِهِ بمنه اه فَأَجَابَهُ السُّلْطَان زَيْدَانَ ﵀ بِمَا نَصه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم
من عبد ربه تَعَالَى المقترف الْمُعْتَرف زَيْدَانَ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد إِلَى السَّيِّد أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن السَّيِّد أبي مُحَمَّد عبد الله ابْن سعيد أعاننا الله وَإِيَّاكُم على اتِّبَاع الْحق ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا وَسَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته وَبعد فقد ورد علينا كتابكُمْ ففضضنا ختامه ووقفنا على سَائِر فصوله ثمَّ إننا إِن جاوبناكم على مَا يَقْتَضِيهِ الْمقَام الْخطابِيّ رُبمَا غَيْركُمْ ذَلِك وَأدّى إِلَى المباغضة والمشاحنة فيحكى عَن عُثْمَان ﵁ أَنه بعث إِلَى عَليّ ﵁ وأحضره عِنْده وَألقى إِلَيْهِ مَا كَانَ يجده من أَوْلَاد الصَّحَابَة الَّذين اعصوصبوا بِأَهْل الرِّدَّة الَّذين كَانَ رجوعهم إِلَى الْإِسْلَام على يَد الصّديق ﵁ وَهُوَ فِي كل ذَلِك لَا يجِيبه فَقَالَ لَهُ عُثْمَان ﵁ مَا أسكتك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن تَكَلَّمت فَلَا أَقُول إِلَّا مَا تكره وَإِن سكت فَلَيْسَ لَك عِنْدِي إِلَّا مَا تحب وَلَكِن لما لم أجد بدا من الْجَواب أرى أَن أقدم لَك مُقَدّمَة قبل الْجَواب فلتعلم أَن الْحجَّاج لما ولاه عبد الْملك الْعرَاق وَكَانَ من سيرته مَا يُغني اشتهاره عَن تسطيره هُنَا فتأول ابْن الْأَشْعَث الْخُرُوج عَلَيْهِ وَتَابعه على ذَلِك جمَاعَة من التَّابِعين كسعيد بن جُبَير وَأَمْثَاله من أَوْلَاد الصَّحَابَة ﵃ وَلما قوي عزمهم على ذَلِك استدعوا الْحسن الْبَصْرِيّ لذَلِك فَقَالَ لَا أفعل فإنني أرى الْحجَّاج عُقُوبَة من الله فنفزع إِلَى الدُّعَاء أولى قَالَ بعض فضلاء الْعَجم يُؤْخَذ من هَذَا أَن الْخُرُوج على السُّلْطَان من الْكَبَائِر وَجَوَاز الْمقَام تَحت ولَايَة الظُّلم والجور وَقد علمت مَا كَانَ من أَمر عبد الرَّحْمَن بن الْأَشْعَث وَسَعِيد وَأَمْثَاله وَعلمت قَضِيَّة أهل الْحرَّة لما أوقع بهم جند يزِيد بن مُعَاوِيَة بِالْحرم الشريف وَلما بلغه الْخَبَر أنْشد
стр. 1093
(لَيْت أشياخي ببدر شهدُوا ... جزع الْخَزْرَج من وَقع الأسل)
وشاع ذَلِك عَنهُ وذاع وَكَانَ على عهد أكَابِر الصَّحَابَة وَأَوْلَادهمْ وَلَا تعرض أحد مِنْهُم لنكير عَلَيْهِ وَلَا تصدى لقِيَام وَلَا خاطبه بملام وَأما مَا يرجع إِلَى جَوَاب الْكتاب فَأَما مَا حكيت عَن الصّديق ﵁ فِي أهل الْبَيْت وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فيهم وَأَنه يجب تعظيمهم واحترامهم وتبجيلهم لأجل النَّبِي ﷺ فَإِن كَانَ يجب عَلَيْكُم تعظيمهم فَإِن تعظيمهم يجب على أولى وَأولى عملا بقوله تَعَالَى ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ الشورى ٢٣ وأجرى الله تَعَالَى عَادَته أَنه مَا تصدى أحد لعداوة هَذَا الْبَيْت النَّبَوِيّ إِلَّا كَبه الله لوجهه وَأما مَا أوردتم من الْأَحَادِيث فِي النصح فَإِنِّي وَالله أحب أَن تنصحني سرا وَعَلَانِيَة مَعَ زِيَادَة شكري عَلَيْهِ وأراها مِنْك مَوَدَّة وأعدها محبَّة وَلَكِنِّي أفعل مَا أقدر عَلَيْهِ لِأَن الله سُبْحَانَهُ يَقُول ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾ الْبَقَرَة ٢٨٦ وَلِهَذَا قَالَ أَكثر الْعلمَاء فِي صُدُور تصانيفهم وَلم آل جهدا فِي كَذَا لِأَن النُّفُوس الشَّرِيفَة الْعَالِيَة لَا تتْرك من فعل الْخَيْر وَالْجد فِي اكتسابه إِلَّا مَا عز تنَاوله عَلَيْهَا وصعب اكتسابه
وَأما مَا ذكرْتُمْ من أَمر أبي محلي وَسيرَته وَمَا كَانَ تسلط عَلَيْهِ أما مَا كَانَ من استنهاضكم إِلَيْهِ الْمرة بعد الْمرة وتكررت فِي ذَلِك إِلَيْكُم الرُّسُل حَتَّى أجبْت إِلَيْهِ فَلَا نحتاج فِيهِ إِلَى إِقَامَة حجَّة غير كَونه خرج عَن الْجَمَاعَة وَقد قَالَ ﷺ (من أَرَادَ أَن يشق عصاكم فَاقْتُلُوهُ كَائِنا من كَانَ) وَإِلَّا فَلَو دخل الْملك من بَابه وَبَايَعَهُ أهل الْحل وَالْعقد وَأخذ ذَلِك بوسائط مثل بيعَة جدنا المرحوم الَّتِي تضافرت عَلَيْهَا عُلَمَاء الْمغرب وَأهل الدّين الْمَشَاهِير فَلَو كَانَ وصل إِلَى ذَلِك بِمثل هَذِه الوسائط لم يجب حربه وَلَا الْقيام عَلَيْهِ بِمَا ذكرْتُمْ لِأَن السُّلْطَان لَا يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ والجور وَإِلَّا فَإِن الصَّحَابَة فِي زمن يزِيد بن مُعَاوِيَة لَا يُحْصى عَددهمْ وَمَا تصدى أحد للْقِيَام عَلَيْهِ وَلَا قَالَ بعزله وَإِلَّا فَإِنَّهُم لَا يُقِيمُونَ على الضَّلَالَة وَلَو نشرُوا بالمناشير وَأما أَبُو محلي فبمجرد قِيَامه يجب عَلَيْك وعَلى غَيْرك إعانتنا عَلَيْهِ لِأَنَّك فِي بيعتنا وَهِي لَازِمَة لَك فالطاعة وَاجِبَة عَلَيْك وَاعْلَم أَيْضا أَن والدك أفضل مِنْك بِدَلِيل ﴿آباؤكم وأبناؤكم﴾
стр. 1094
من أَبْنَائِكُم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) وَكَانَ عمنَا مولَايَ عبد الْملك ﵀ وسامحه على مَا كَانَ عَلَيْهِ واشتهر بِهِ إعلانا وَكَانَ والدك فِي دولته وبيعته ووفد عَلَيْهِ وَلم يستنكف من ذَلِك وَلَا ظهر مِنْهُ مَا يُخَالف السلطنة وَلَا أنكر وَلَا عرض بِمَا يسوء سُلْطَان الْوَقْت وَلَا سمع ذَلِك مِنْهُ فَإِن كَانَ رَاضِيا بِفِعْلِهِ فَهُوَ مثله وَإِن لم يرض فَمَا وَجه سُكُوته والوفادة عَلَيْهِ وَقد تحققت وَعلمت أَن ولَايَة أَحْمد ابْن مُوسَى الْجُزُولِيّ كَادَت تكون قَطْعِيَّة واشتهر أمره عِنْد الْخَاص وَالْعَام حَتَّى أطبق أهل الْمغرب على ولَايَته وَقد كَانَ على عهد مولَايَ عبد الله برد الله صَرِيحه وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور على مَا كَانَ عَلَيْهِ واشتهر عَنهُ وَمَا برح الشَّيْخ الْمَذْكُور يَدْعُو لَهُ ولدولته بِالْبَقَاءِ وَيظْهر حبه وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور يعْزل ويولي وَيقتل وَكَانَ قد شرد مِنْهُ إِلَى زَاوِيَة الشَّيْخ الْمَذْكُور المرابط الأندلسي وَولد آضاك وأمثالهم وَكَانَ الشَّيْخ الْمَذْكُور يقدم للشفاعة فَيشفع وَلَا يتعقب وَلَا يبْحَث عَمَّا وَرَاء ذَلِك بَاقٍ على عَهده ومودته وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور بعث لِابْنِ حُسَيْن بسد دَاره فَمَا فتحهَا حَتَّى أمره وَلَا استعظم أحد ذَلِك وَلَا أَكثر فِيهِ وَلَا جعله سَببا لفتح الْفِتْنَة وَكَانَ قواد الْمَذْكُور مثل وزيره ابْن شقراء وَعبد الْكَرِيم بن الشَّيْخ وَعبد الْكَرِيم بن مُؤمن العلج والهبطي والزرهوني وَعبد الصَّادِق بن مُلُوك وَغَيرهم مِمَّن لم يحضرني ذكرهم لبعد عصرهم قد انغمسوا فِي شرب الْخُمُور واتخاذ القيان وَبسط الْحَرِير وَغير ذَلِك من آلَات الْفضة وَالذَّهَب وَكَانَ فِي عصره أَحْمد بن مُوسَى الْمَذْكُور وَابْن حُسَيْن وَمُحَمّد الشَّرْقِي وَأَبُو عَمْرو القسطلي وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم التامنارتي والشيظمي وَغير هَؤُلَاءِ من الْمَشَايِخ وَأهل الدّين الَّذين لَا يسع من يَدعِي هَذِه الطَّرِيقَة التَّقَدُّم عَلَيْهِم وَلَا اكْتِسَاب الْفَضِيلَة دونهم فَأحْسنُوا السِّيرَة وَلَا تعرضوا للسلطنة وَلَا سمع مِنْهُم مَا يقْدَح فِي ولادَة الْأَمر وقادة الأجناد مِمَّن ذكر الَّذين كَانَ الْملك يَدُور عَلَيْهِم وَيرجع فِي تَدْبيره إِلَيْهِم وَمثل من ذكر من الْأَوْلِيَاء كَانَ عَلامَة الزَّمَان وَوَاحِد وقته شيخ مَشَايِخ إفريقية وَبَعض أهل الْمغرب عبد الْعَزِيز القسنطيني الشَّيْخ الْمُتَكَلّم الصُّوفِي صَاحب الْآيَات الْبَينَات قد كَانَ من سكان تونس وَكَانَ مُلُوك تونس وَمن انضاف إِلَيْهِم على الْفساد الَّذِي لَا ينْحَصر
стр. 1095
واشتهر أَمرهم حَتَّى عرفُوا بِهِ فِي الْمَشَارِق والمغارب وَلم يبرح الشَّيْخ الْمَذْكُور من بَينهم وَلَا تصدى لتغيير الْمُنكر وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ حَتَّى قَبضه الله إِلَيْهِ
وَأما مَا ذكرْتُمْ من أَن من أعَان على قتل مُسلم وَلَو بِشَطْر كلمة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله هَذِه حجَّة عَلَيْك لَا علينا لِأَنِّي مَا سعيت فِي قتل أحد يعلم الله وَلَا قتل من قتل إِلَّا بِأَمْر الْقُضَاة وَأهل الْعلم إِن كَانَ وَاعْلَم أَنه إِذا كَانَ هَذَا يكون وعيدا فِي قتل الْوَاحِد فَمَا بالك بِمن يُرِيد فتح بَاب الْفِتْنَة حَتَّى لَا يقف الْقَتْل على المئين والآلاف وَنهب الْأَمْوَال وكشف الْحَرِيم إِلَى غير ذَلِك أما تعلم أَن فتْنَة أبي محلي قد هلك بِسَبَبِهَا من النُّفُوس وَالْأَمْوَال مَا لَا يُحْصى عدده وَلَا يسْتَوْفى نهايته كَاتب وَكَانَ كل ذَلِك على رقبته لِأَنَّهُ هُوَ المتسبب الأول الفاتح أَبْوَاب الْفِتْنَة لِأَنَّهُ كَانَ يقتل كل من انْتَمَى إِلَيْنَا حَتَّى قتل بِسَبَبِهِ فِي يَوْم وَاحِد بمَكَان وَاحِد خَمْسمِائَة قَتِيل وَلَوْلَا أَبُو محلي مَا قتلوا وَأعظم فِي حُرْمَة النُّفُوس من هَذَا الَّذِي قلت قَوْله تَعَالَى ﴿كتبنَا على بني إِسْرَائِيل أَنه من قتل نفسا بِغَيْر نفس أَو فَسَاد فِي الأَرْض فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا﴾ الْمَائِدَة ٣٢
وَلَيْسَ فِي قَول الْمواق مَا يحْتَج بِهِ على السُّلْطَان وَإِنَّمَا هُوَ فِي أَصْحَاب الخطط على التَّرْتِيب الَّذِي كَانَ على عَهده مثل أَصْحَاب الشَّرْط كصاحب الشرطة الَّذِي ينفذ أَحْكَام القَاضِي وَصَاحب شرطة السُّوق الَّذِي ينفذ الْأَحْكَام عَن قَاضِي الحضرة وَغير ذَلِك من الولايات
وَولَايَة أبي محلي لَا تعد ولَايَة حَتَّى يعْتَبر عَزله وَمَا عِنْد الْمواق وَغَيره وقفنا عَلَيْهِ وعرفناه وتلقيناه عَن الْأَشْيَاخ الجلة وعرفنا مَا عِنْد الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة ودرسناه الْمرة بعد الْمرة وَلست مِمَّن ينطبق عَلَيْهِ قَوْله (أَشْقَى النَّاس عَالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ) وَلَكِن لماذا تحتج بقول الْمواق لغرضك وتجعله حجَّة وَلم تجبنا نَحن فِيمَا كتبنَا إِلَيْك بِهِ فِي يُونُس اليوسي وَقُلْنَا لَك
стр. 1096
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الْحرم لَا يجير عَاصِيا) قَالَ الأبي وَهَذَا يحْتَج بِهِ على أهل الزوايا وأضربت عَن الْجَواب وَلَيْسَ ذَلِك من أدب الجدل وَلَكِن أخبرنَا عَن الْوَجْه الَّذِي منعت بِهِ يُونُس اليوسي من الشَّرْع فَإِن متاعنا عِنْده وإماء أهلنا فِي دَاره إِلَى يَوْم الْوَقْعَة وترتب فِي ذمَّته للْمُسلمين من الْأَمْوَال والدماء مَا علمت فَإِن كنت مِمَّن يُرِيد الْعدْل فَهَلا عدلت فِيهِ فَحِينَئِذٍ نعلم أَنَّك لَا تريح جِهَته وَلَا تذْهب بك النَّفس مذهبها لَا جرم حِينَئِذٍ نَكُون عِنْد مَا تُرِيدُ وَمَعَ هَذَا لما أمسكنا زَوجته وكتبت لنا فِيهَا سرحناها سَاعَة وُصُول خطابك من غير توقف فَلَو كنت عناديا لعبثت بهَا عبثه هُوَ بإماء أَهلِي وَأهل دَاري على أَنِّي مَا رددت شفاعتك مُنْذُ عرفتك بعثت لي إِبْرَاهِيم بن يعزى فسرحناه لغرضك على أَنه ترَتّب فِي ذمَّته مَا ينيف على خمسين ألف أُوقِيَّة وَذَلِكَ المَال إِنَّمَا يُقَال لَهُ بَيت مَال الْمُسلمين وَإِنَّمَا كَانَ يجب تخليده فِي السجْن وَأهل الْحصن أخرجناهم مِنْهُ عَن آخِرهم وأنفذتم كتابكُمْ بردهمْ فَأمرنَا بردهمْ عَن آخِرهم وَابْن يَعْقُوب أوزال حَاكم الْبَلَد وَشبه الْخَلِيفَة تَرَكْنَاهُ على دَارنَا وحرك من غير إذننا وَلَا مشورتنا وبعثنا مَكَانَهُ فأنفذت الْكتاب فِيهِ فَرد لمكانه مَا هُوَ الْأَمر الَّذِي سَافَرت كتبك فِيهِ وَلَا أَسْرَعنَا فِيهِ خفافا وَأما مَسْأَلَة أهل آزمور فَلَمَّا جَاءَ كتابكُمْ عزلنا صَاحبه وسرحنا من كَانَ عِنْده ورددنا الْخَيل وَقَضِيَّة الحناشة النَّاس فِي شَأْنهمْ بِالِاجْتِهَادِ وَقَضِيَّة الْعَرَب اعْلَم أَن الْعَرَب قد أفسدوا الأَرْض واستطالوا سَوَاء هَذِه الْبِلَاد والغرب وَالَّذِي يَلِيق بهم مَا أفتى بِهِ سَحْنُون فِي عرب إفريقية وَالْمغْرب وَلَو طالبناهم بِمُجَرَّد الْعشْر مُدَّة هَذِه الْفِتْنَة فِي الْمغرب لأتى ذَلِك على أَمْوَالهم وَالنَّاس قد خَرجُوا عَن أطوارهم وأحبوا الْفِتَن طلبا للراحة وَانْظُر كتاب الإفادة كَذَا للْقَاضِي واستطالتهم فِيهِ عَلَيْهِ فِي قَضِيَّة شَرْعِيَّة مشروحة فِي رسمها الْقَدِيم على أَنهم أَضْعَف النَّاس قلوبا انْظُر مَا صدر مِنْهُم فَمَا بالك بالعرب الَّذين خَرجُوا عَن الطَّاعَة وتساوى الشَّيْخ وَالصَّغِير فِي ذَلِك فَإِن كنت تصغي لمقالاتهم وإسعاف شهواتهم والتعرض للسُّلْطَان دونهم فَهَذَا نفس خراب الْعَالم وطالع كتاب صاحبنا من عِنْد الرحامنة وَمَا صدر مِنْهُم لخديمكم وَرَأَيْت أَن أقدم
стр. 1097
لَك مُقَدّمَة أَمَام هَذَا وَإِن كَانَت أدبية قيل لِابْنِ الرُّومِي وَهُوَ عَليّ بن الْعَبَّاس لم لم تقل كَقَوْل ابْن المعتز
(كَانَ آذريوننا وَالشَّمْس فِيهِ عاليه ... مداهن من ذهب فِيهَا بقايا غاليه)
فَأجَاب بِأَن قَالَ لَا يقدر أَن يَقُول هُوَ فِي مثل قولي فِي وصف الرقاقة
(مَا أنس لَا أنس خبازا مَرَرْت بِهِ ... يدحو الرقاقة وَشك اللمح بالبصر)
(مَا بَين رؤيتها فِي كَفه كرة ... وَبَين رؤيتها فوراء كَالْقَمَرِ)
(إِلَّا بِمِقْدَار مَا تنداح دَائِرَة ... فِي صفحة المَاء يرْمى فِيهِ بِالْحجرِ)
وَقَالَ كل منا وصف أواني بَيته وَرب الْبَيْت أعلم بِمَا فِيهِ وَأهل مَكَّة أدرى بشعابها والصيرفي أعرف بِنَقْد الدِّينَار وقصة الْخضر والكليم صلوَات الله على نَبينَا وَعَلَيْهِم فِيهَا كِفَايَة لمن يعْتَبر فِي خرقه السَّفِينَة وَقَتله الْغُلَام وإقامته الْجِدَار والكليم يرد عَلَيْهِ فِي كل ذَلِك حَتَّى أنبأه الله بسر مَا لم يعلم على أَن علم الْخضر فِي علم مُوسَى كحلقة ملقاة فِي فلاة هَكَذَا قَالَ بعض الْعلمَاء وَقَالَ بَعضهم كل مِنْهُم على علم خصّه الله تَعَالَى بِهِ وَمن هُنَا جوز ابْن عَرَبِيّ الْحَاتِمِي فِي بعض كتبه وأحسب أَن ذَلِك فِي الفصوص أَن الْوَلِيّ الَّذِي يَتَّخِذهُ الله ويصطفيه بمحبته يطلعه على علم لم يطلع عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم فَقَالَ مُشِيرا إِلَى نَفسه أطلعني الله على علم لم يطلع عَلَيْهِ آدم فَمن دونه
وَاعْلَم أَن السلطنة لَهَا أسرار لَا بُد مِنْهَا وسياسة يُنكر ظَاهرهَا وَلَكِن نرْجِع إِلَى غرضك ومرادك أخبرنَا كَيفَ تحب أَن يسْلك النَّاس فِي الْعَرَب فَإِن كنت تحب أَن يسْلك النَّاس فيهم مَسْلَك مولَايَ عبد الله فالزمان غير الزَّمَان والأسعار قد طلعت وَبَلغت النِّهَايَة وَالله تَعَالَى قد بعث أنبياءه وَأنزل كتبه بِحَسب مَا يَقْتَضِيهِ الزَّمَان وَهَذَا يعرفهُ من خالط الشَّرَائِع والكتب الْمنزلَة وَأخذ الْعلم من أَفْوَاه الرِّجَال وأدبته مجَالِس الْعلم وَنحن نلخص لكم الْكَلَام
стр. 1098
على بعض مَا أورد النَّاس فِي الْخَارِج أما مَا بنوا عَلَيْهِ فَرْضه فِي صدر الْإِسْلَام والدول الْعِظَام فَلَا نطيل بِذكرِهِ لشهرته وَأما فِي الْمغرب خُصُوصا فَأول من فَرْضه عبد الْمُؤمن بن عَليّ وَجعله على أقطاع الأَرْض بِنَاء على أَن الْمغرب فتح عنْوَة وَإِلَيْهِ ذهب بعض الْعلمَاء وَمِنْهُم من يَقُول إِن السهل فتح عنْوَة والجبل فتح صلحا فَإِذا تقرر هَذَا وَعلمت أَن أهل ذَلِك الْعَصْر قد بادوا واندثروا وَبَقِي السهل كُله إِرْثا لبيت المَال تعين أَن يكون الْخراج فِيهِ على مَا يُرْضِي صَاحب الأَرْض وَهُوَ السُّلْطَان والجبل تتعذر معرفَة مَا كَانَ الصُّلْح عَلَيْهِ وَلَا سَبِيل إِلَى الْوُقُوف عَلَيْهِ فَيرجع فِيهِ إِلَى الِاجْتِهَاد وَقد اجْتهد سلفنا الْكِرَام رضوَان الله عَلَيْهِم فِي فَرْضه لأوّل الدولة الشَّرِيفَة على حسب وفْق أَئِمَّة السّنة ومشايخ أهل الْعلم وَالدّين فِي ذَلِك الْعَهْد فَجرى الْأَمر على السّنَن القويم إِلَى أَن هبت عواصف الْفِتْنَة لأيام ابْن عمنَا صَاحب الْجَبَل وإدالة مَوْلَانَا الإِمَام وصنوه المرحوم على حواضر الْمغرب وسهله عِنْد الزَّحْف بالأتراك وامتدت بِهِ الْفِتْنَة فِي الْجَبَل إِلَى أَن هلك مَعَ النَّصَارَى فِي الْغَزْوَة الشهيرة وَجَاء الله من مَوْلَانَا الْمُقَدّس بِالْجَبَلِ العاصم لِلْإِسْلَامِ من طوفان الْأَهْوَال فَقدر ﵁ الْأَشْيَاء حق قدرهَا وَرَأى أَن الْمغرب غب تِلْكَ الْفِتَن قد فغر فَمه لالتهامه عدوان عظيمان التّرْك وعدو الدّين الطاغية فاضطر ﵀ إِلَى الاستكثار من الأجناد لمقاومة الْعَدو والذب عَن الدّين وحماية ثغور الْإِسْلَام فَدَعَا تضَاعف الأجناد إِلَى تضَاعف الْعَطاء وتضاعف الْعَطاء إِلَى تضَاعف الْخراج وتضاعف الْخراج إِلَى الإجحاف بالرعية والإجحاف بالرعية أَمر يستنكف ﵁ من ارتكابه وَلَا يرضاه فِي سيرة عدله طول أَيَّامه فَلم يُمكن لَهُ حِينَئِذٍ إِلَّا أَن أمعن النّظر ﵀ فِي أصل الْخراج فَوجدَ بَين السّعر الَّذِي بنى عَلَيْهِ فِي قيمَة الزَّرْع وَالسمن والكبش الَّذِي تعطيه الرّعية مُنْذُ زمن الْفَرْض وَبَين سعر الْوَقْت أضعافا فَحِينَئِذٍ تحرى ﵀ الْعدْل فَخير الرّعية بَين دفع كل شَيْء بِوَجْهِهِ وَدفع مَا يُسَاوِيه بِسعْر الْوَقْت فَاخْتَارُوا السّعر مَخَافَة أَن يطلع إِلَى مَا هُوَ أَكثر
стр. 1099
فأجابهم إِلَيْهِ ﵁ وَعرف النَّاس الْحق فَلم يُنكره أحد من أهل الدّين وَلَا من أهل السياسة لَيْت شعري لَو طلبنا نَحن الرّعية بِسعْر الْوَقْت الَّذِي طلع الْيَوْم إِلَى أَضْعَاف مضاعفة مَاذَا تَقولُونَ وَقد انتقدتم علينا مَا هُوَ أخف من ذَلِك وَالْحَاصِل راجعوا رَضِي الله عَنْكُم مَا عِنْد الإِمَام الْمَاوَرْدِيّ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة فِي ضرب الْخراج فقد استوفى الْكَلَام فِي ذَلِك
وَأما مَا تقضيه من الْعجب لتعطل أجوبتنا عَنْك فَنحْن نراجع أقل مِنْك وَلَكِن كتابك آكِد مبناه على قصَّة أهل آزمور فأنفذنا من أخرج الَّذِي كَانَ بِهِ وأقصاه عَنهُ وشرد من كَانَ عِنْده فتوقف الْجَواب حَتَّى رَجَعَ الخديم فَحِينَئِذٍ أجبناكم بِمَا وصلكم وتعجيل الْأَجْوِبَة وبطؤها فَاعْلَم أَن الَّذِي يَقْتَضِي ذَلِك أُمُور مِنْهَا أَن يكون الْأَمر الَّذِي ورد الْخطاب فِيهِ مِنْكُم مَا سَمِعت بِهِ وَلَا بَلغنِي فنتوجه للبحث عَنهُ والفحص عَن أَسبَابه فَرُبمَا أوجب ذَلِك البطء بِحَسب الْأَمَاكِن والبلدان فَيكون جَوَابنَا على أساس وَبَيَان وَإِن كَانَ عندنَا خبر مَا ورد فِيهِ خطابكم فَالْجَوَاب لَا يتَأَخَّر وَقد وَقع هَذَا منا غير مرّة وَكَون تعطيله منشأه مَا من الله بِهِ علينا من رجوعنا إِلَى سَرِير ملكنا واجتماعنا بسربنا آمِنين اعْلَم أَن أهل هَذَا الْمغرب لما تمالؤوا عَليّ وَخرجت إِلَى الْمشرق والتقيت بِالتّرْكِ والأروام وجالسوني وجالستهم وخاطبوني وخاطبتهم فَمنهمْ مشافهة وَمِنْهُم مراسلة وَكنت أَيَّام مقَامي فِي أَرضهم كمقامي على سَرِير ملكي لِأَن كَبِيرهمْ وصغيرهم وَرَئِيسهمْ ومرؤوسهم كَانَ ينتجع فضلي ويمد كَفه رَغْبَة فِي نعمتي وواسيت الْجَمِيع عَطاء مترفا مَعَ قلَّة الزَّاد والذخيرة وترفعت عَن مواساة الأماثل والأكابر من الْعَجم وَالْعرب وَلَا ركنت لأحد بل تجودت بِمَا قدرت عَلَيْهِ من الأخبية حَتَّى جعلت محلّة برماتها وخيلها فترامت عَليّ الْعَجم بالرغبة وبسطوا أكف الضراعة فِي الْمقَام عِنْدهم وَالدُّخُول فِي جُمْلَتهمْ وعرضوا عَليّ الإقطاعات السّنيَّة والبلادات الملوكية بلطف مقَال وأدب خطاب حَتَّى قَالَ لي القبطان مُرَاد رَئِيس الْمُجَاهدين وَمَا مثلك يكون مَعَ الْعَرَب هَا نَحن نخدمك بِأَمْوَالِنَا وأنفسنا وبمالنا من السفن حَيْثُ أردْت وأحببت وَمَا انفصلت عَنْهُم حَتَّى
стр. 1100
كتبت لَهُم بخطي إِنِّي احْمِلْ أَهلِي وحاشيتي وأرجع إِلَيْهِم إِلَّا إِن تمكن لي الدُّخُول فِي الْملك وَالْغَلَبَة على الْبِلَاد أَو بَعْضهَا وقفلت من عِنْدهم وَلم يتَعَلَّق بِثَوْب عفافي مَا يشينه مَعَهم وَلَا مَعَ الْعَرَب وَلَا كَانَ لأحد عَليّ منَّة وَلَا نعْمَة إِلَّا فضل الله سُبْحَانَهُ وَكَانَ فضل الله علينا عَظِيما
ثمَّ إِنِّي دخلت سجلماسة على رغم أنف أَهلهَا وواليها وَمِنْهَا دخلت السوس وَجعلت ولي الله الْعَارِف بِهِ أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن الْمُبَارك وَاسِطَة بيني وَبَين أخي حَتَّى اجْتمعت بأهلي وَمَالِي ثمَّ بعث إِلَيّ التّرْك بِأحد بلكباشات اسْمه مصطفى صولجي إِلَى السوس راغبين فِي إنجاز الْوَعْد وجنحت للمسير إِلَيْهِم فَرَأَيْت الْأَهْل والأتباع قد عظم الْأَمر عَلَيْهِم واستعظموا الْخُرُوج فأسعفت رغبتهم فِي الْمقَام بالمغرب وشيعت الرَّسُول قَافِلًا إِلَى قومه من سجلماسة عِنْد الدُّخُول الثَّانِي لَهَا ومغالبة أَهلهَا عَلَيْهَا وعززته برَسُول من عِنْدِي إِلَيْهِم بتحف وأموال ورد بهَا عَلَيْهِم مَعَ رسولهم ثمَّ إِنِّي اقتحمت مراكش على أهل فاس على كَثْرَة عَددهمْ وعددهم وقلتي فَفتح الله ثمَّ خرجت إِلَى السوس مرّة أُخْرَى وأوقعت بِولد مولَايَ أَحْمد الشريف وجموع مراكش وَقد تعصبوا عَلَيْهِ لأَنهم شيعَة جده ففضضته على رغمهم ونازلته بالسهل والحزن حَتَّى أمكن الله مِنْهُ وَحكم بيني وَبَينه ثمَّ نجم الغوى أَبُو محلي وغلبت على الرَّأْي وَقد قَالَ من هُوَ أفضل مني مَوْلَانَا عَليّ كرم الله وَجهه لَا رَأْي لمن لَا يطاع وَدخل هَذِه الْبِلَاد وَخرجت أَنا إِلَى السوس ريثما تَجْتَمِع قبائلنا فِي الْمَكَان الَّذِي كَانَ اجْتِمَاعهم فِيهِ إِلَى أَن بلغتهم وَقصد إِلَيْهِم أَبُو محلي فقاتلوه ورحل عَنْهُم بعد أَن أثخنوا فِيهِ بِالْقَتْلِ ثمَّ وافيتهم فَكَانَ الْحَرْب بَيْننَا سجالا فَهَل سَمِعْتُمْ خلال هَذِه الْأَحْوَال أَنِّي احتجت إِلَى أحد فِيمَا قل أَو جلّ وَهَذَا كُله بِحَيْثُ لَا يخفى عَلَيْك اللَّهُمَّ أَن تعدوا الْوِفَادَة الَّتِي وفدنا عَلَيْك من قبيل الِاضْطِرَار والاحتياج فَلَا أَدْرِي على أَنِّي مَا قصدتك لطلب دنيا لِأَنِّي كنت أسمع مَا أَنْت عَلَيْهِ من متانة الدّين وَالصَّلَاح والإقبال على طَاعَة الله والتمسك بِسنة رَسُول الله
стр. 1101
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا غرو أَن من كَانَ هَذَا وَصفه كَانَ جَدِيرًا بِأَن يقْصد للدُّعَاء ولإصلاح الْقلب وَلَا شكّ أننا نزلنَا دَارك وحللنا بمكانك وَلما وَقع الِاجْتِمَاع بك جرت المذاكرة فِي أبي محلي وَغَيره حَتَّى كتبت الْكتاب الَّذِي علمنَا عَلَيْهِ وَهَا هُوَ بِخَط يدك فَإِن نَسِينَا بعض مَا فِيهِ وَلَا فعلنَا فَأخْبرنَا بِهِ نستدركه وَهَذِه مراكش الَّتِي ذكرْتُمْ قد كنت فِيهَا مَا ذكرْتُمْ ووقفت على عبد الْمُؤمن بن ساسي وعدته مرّة أُخْرَى فِي مَرضه وَهل قصدته لطلب دنيا أَو عَرفته لأَجلهَا وَمُحَمّد بن أبي عَمْرو لما وقفت على الْمدرسَة الَّتِي من بِنَاء مولَايَ عبد الله وقفت عَلَيْهِ فِي دَاره وكل ذَلِك إِنَّمَا نفعله تَأْكِيدًا للمحبة وَزِيَادَة فِي الْمعرفَة بِاللَّه وَلَو علمت أَن ذَلِك يعد عَيْبا ويظن أَنه نوع من الِاحْتِيَاج مَا كنت وَالله لأقف على أحد وَلَو أَنه يملكني الدُّنْيَا بحذافيرها لِأَن الْخَيْر وَالشَّر بيد الْفَاعِل الْمُخْتَار فَهُوَ أولى بالاضطرار إِلَيْهِ وَأما سربي فَمَا تروع قطّ حَتَّى يَأْمَن وَأما من كَانَ بِالدَّار الَّتِي ذكرْتُمْ فَإِنَّمَا هم أَهلِي ومتروك أعمامي وَهَذِه الدَّار الَّتِي ذكرْتُمْ فها نَحن ننتقل عَنْهَا إِلَى بعض الْبِلَاد الغربية البحرية كَمَا قلت لَك ذَلِك مشافهة سَاعَة قلت لي يَنْبَغِي للأشراف بِنَاء بِالْجَبَلِ لوقت مَا وحكيت ذَلِك عَن والدك وَأما مَا أخْبركُم بِهِ القَاضِي أَيَّام ورودي إِلَى السوس وَقت بَلغنِي كتابكُمْ الَّذِي نَصه قد اجْتمعت أنَاس وفسدت النيات وتعينت المطامع وأردنا تدبيركم لِأَن الْمُلُوك أهل التَّدْبِير وَالْمرَاد رجوعنا لأوكارنا من غير وصمة تلْحق الْجَانِبَيْنِ فَكلما حمل فَهُوَ عني والتزمته إِلَى الْآن إِلَّا مَا طَرَأَ علينا فِيهِ النسْيَان فذكرونا بِهِ فَإنَّا لَا نخرج عَنهُ وَأما يَمِين الْمُصحف وَأَنِّي حَلَفت فِيهِ للقائد عبد الصَّادِق فَلَا وَالله مَا حَلَفت فِيهِ وَلَا أَحْلف لأحد إِلَى لِقَاء الله أما علمت أَنِّي حضرت بيعَة الشَّيْخ الْمَأْمُون صَاحب الغرب سامحه الله وَحضر أَوْلَاد السُّلْطَان واستحلفهم لَهُ إِلَّا أَنا ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ فلَان لَا يحلف لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِيمَا نأمره بِهِ ونفعله وَعظم ذَلِك على إخوتي وَظَهَرت فِي وُجُوههم لأَجله الْكَرَاهِيَة وَلَكِن الَّذِي قلت لعبد الصَّادِق أَحْلف للمرابط فَإِنِّي أوفى لَك بِهِ وَلَا زلت على ذَلِك لِأَن
стр. 1102
الَّذِي كنت تَقول فِي ذَلِك الْوَقْت أَخَاف أَن تقع فِي أهل مراكش والأكابر وَنَحْوهم مثل حُكُومَة عبد الْقَادِر وَنَحْوهَا أما أهل مراكش فَمَا تعرضنا لأحد مِنْهُم حَتَّى تركنَا متاعنا لأجلكم كَوَلَد المولوع وَغَيره وَهَذَا الميدان والشقراء فَابْعَثْ من رضيت يُنَادي فيهم من لَهُ حق علينا ننصفه مِنْهُ وَمن خدامي أَيْضا وَإِن كنت سَمِعت قَضِيَّة مَنْصُور العكاري فالعكاري نزل أهلنا فِي خيمته عِنْد وقْعَة رَأس الْعين فَلَمَّا أَرَادوا الطُّلُوع إِلَى الْجَبَل تركُوا أَكثر مَالهم فِي خيمته مَعَ بعض الخدم خوفًا من غائلة البربر لما كَانَ وَقع مِنْهُم لأهل بَابا أبي فَارس فَأخذ سماطا من ذهب يزِيد على سِتِّينَ ألف أُوقِيَّة وَكَانَ أَيَّام أبي حسون مَعَه وَفِي جملَته حَتَّى مَاتَ الْقَائِم فبذل حجَّته بإنجازه عشْرين ألفا وَالْبَاقِي حَتَّى يُؤَدِّيه على سَعَة وَطلب منا أَن يتعمل ويتولى بعض الخطط لينْتَفع وَيجمع بعض ذَلِك فصرفناه حَتَّى إِذا جَاءَ أَبُو محلي وَوَقع مَا وَقع طالبناه بمتاعنا وَهُوَ لَا يَسعهُ إِنْكَاره وَهَكَذَا عبد الْكَرِيم الَّذِي فِي زاويتك بِنَفسِهِ يعلم أَن إخْوَته أخذُوا لي سلْعَة فِي وسط حلتهم وَأَنا بَين بُيُوتهم تزيد على خمسين ألفا وَأخذُوا الْإِبِل وَهَا نَحن سكتنا عَنْهُم وَلَا طالبناهم بهَا وَأَيْضًا قَالَ لَك انْظُر مَا فعل بإخوتي وصرت تكاتبنا وَأَنت لَا علم عنْدك بِأَصْل الْمَسْأَلَة وَأما الْأَمْوَال فَإِن الله سُبْحَانَهُ قد وسع علينا من فَضله وَعِنْدنَا مَا يَكْفِي الْخَامِس وَالسَّادِس من الْوَلَد وعرفنا النَّاس وعرفونا وعاملناهم وعاملونا وَلَو أردْت خَمْسمِائَة ألف مِثْقَال من أَصْحَاب أَفلا مِنْك أَو من أَصْحَاب الإنجليز وكتبت إِلَيْهِم فِي ذَلِك مَا تأنوا فِي بَعثه وَلَا لاذوا فِيهِ بمعذرة وَقد كفانا الله بِهِ وَالْحَمْد لله على ذَلِك
وَاعْلَم أَن الظَّن فِيك جميل وَلَوْلَا ذَلِك مَا أَعطيتك خَمْسَة آلَاف مِثْقَال وسمحت بِالْمَالِ الَّذِي حمل إِلَيْكُم ابْن عبد الْوَاسِع أَولا وسلعة السفن أخيرا وَبِهَذَا كُله تستدل على صفاء السريرة وَصَالح النِّيَّة وَالله سُبْحَانَهُ يعلم ذَلِك وَأما الامتعاض من عدم الأنة القَوْل وَحسن الْخطاب فَكَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾ الْبَقَرَة ٨٣ وَإنَّك لم تبلغ وَلَو نصف مَا خَاطب بِهِ
стр. 1103
الْأَئِمَّة رضوَان الله عَلَيْهِم أهل زمانهم اتكالا على علمنَا بِهِ وحسبي نصح الفضيل ابْن عِيَاض وسُفْيَان وَمَالك رضوَان الله عَلَيْهِم فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة حسبي فِي الْجَواب مِنْك انْتهى مَا وقفنا عَلَيْهِ من هَذِه الرسَالَة وَهِي دَالَّة على براعة الرجل فقها وأدبا وَكَمَال مُرُوءَة وعلو همة ﵀ وَغفر ذنُوبه
اسْتِيلَاء نَصَارَى الإصبنيول على المعمورة ونهوض أبي عبد الله العياشي لجهادهم وانتفاض أندلس سلا على السُّلْطَان زَيْدَانَ ﵀
قد قدمنَا فِي أَخْبَار الوطاسيين مَا كَانَ من اسْتِيلَاء البرتغال على المعمورة الْمُسَمَّاة الْيَوْم بالمهدية ومقامهم بهَا سِنِين قَلَائِل ثمَّ جلائهم عَنْهَا ثمَّ لما استولى الإصبنيول خذله الله فِي هَذِه الْمدَّة على العرائش كَمَا مر طمحت نَفسه إِلَى الِاسْتِيلَاء على غَيرهَا وتعزيزها بأختها فَرَأى أَن المهدية أقرب إِلَيْهَا فَبعث إِلَيْهَا الطاغية فيليبس الثَّالِث من جَزِيرَة قادس تسعين مركبا حربية فَانْتَهوا إِلَيْهَا واستولوا عَلَيْهَا من غير قتال لفرار الْمُسلمين الَّذين كَانُوا بهَا عَنْهَا هَكَذَا فِي تواريخ الفرنج
وَقَالَ شَارِح الزهرة كَانَ نزُول النَّصَارَى بمرسى الْحلق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَقيل سنة ثَلَاث وَعشْرين بعْدهَا وَقيل غير ذَلِك وَكَانَ عَدو الله الإصبنيول أَرَادَ أَن يضمها إِلَى العرائش لينضبط لَهُ مَا بَينهمَا من السواحل وتتقوى عساكره بهما فخيب الله ظَنّه وَلَقي من أهل الْإِسْلَام عرق الْقرْبَة وَكَانَ أَبُو عبد الله العياشي بعد رُجُوعه من آزمور وسلامته من اغتيال قَائِد زَيْدَانَ دخل سلا فِي نَحْو أَرْبَعِينَ رجلا وزار ضريح شَيْخه أبي مُحَمَّد بن حسون وَبَات عِنْده فَجَاءَهُ أهل سلا وَذكروا لَهُ مَا هم فِيهِ من الْخَوْف من نَصَارَى المعمورة وَأَن مسارحهم قد امتدت إِلَى الغابة وَأَن النَّصَارَى أَلفَانِ من الرُّمَاة سوى الفرسان فَأَمرهمْ بالتهيؤ إِلَيْهِم
وَفِي نشر المثاني مَا نَصه وَفِي أَوَاخِر جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ثَلَاث
стр. 1104
وَعشْرين وَألف أَخذ النَّصَارَى المهدية فَكتب أهل سلا إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ فَبعث إِلَيْهِم أَبَا عبد الله العياشي الَّذِي كَانَ مقدما بوكالته على الْجِهَاد بدكالة وَهُوَ يَقْتَضِي أَن مَجِيء العياشي إِلَى سلا كَانَ بِإِذن السُّلْطَان لَا فِرَارًا مِنْهُ وَالْأول أصح اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون مَجِيئه فَارًّا كَانَ بعد هَذَا التَّارِيخ وَالله أعلم
وَأمر أَبُو عبد الله العياشي أهل سلا بالتهيؤ للغزو واتخاذ الْعدة فَلم يجد عِنْدهم إِلَّا نَحْو الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا وَكَانَت السنون والفتن قد أضعفتها فحضهم على الزِّيَادَة والاستكثار مِنْهَا فَكَانَ مبلغ عدتهمْ بِمَا زادوه زهاء أَرْبَعمِائَة ثمَّ نَهَضَ بهم إِلَى المعمورة فصادف بهَا من النَّصَارَى غرَّة فَكَانَت بَينه وَبينهمْ حَرْب قربهَا إِلَى أَن غربت الشَّمْس فَقتل من النَّصَارَى زهاء أَرْبَعمِائَة وَمن الْمُسلمين مِائَتَان وَسَبْعُونَ وَهَذِه أول غَزْوَة أوقعهَا فِي أَرض الغرب بعد صدوره من ثغر آزمور وَمِنْهَا أقصرت النَّصَارَى عَن الْخُرُوج إِلَى الغابة وضاق بهم الْحَال
ثمَّ إِن السُّلْطَان زَيْدَانَ لما بلغه اجْتِمَاع النَّاس على سَيِّدي مُحَمَّد العياشي بسلا وسلامته من غدرة قائده السنوسي بعث إِلَى قائده على عَسْكَر الأندلس بقصبة سلا الْمَعْرُوف بالزعروري وَأمره باغتياله وَالْقَبْض عَلَيْهِ ففاوض الزعروري أَشْيَاخ الأندلس فِي ذَلِك فاتفق رَأْيهمْ على أَن يكون مَعَ العياشي جمَاعَة مِنْهُم عينا عَلَيْهِ وطليعة على نِيَّته واستخبارا لما هُوَ عازم عَلَيْهِ وَمَا هُوَ طَالب لَهُ فلازمه بَعضهم وَشعر العياشي بذلك فانقبض عَن الْجِهَاد وَلزِمَ بَيته
ثمَّ إِن الله أوقع النفرة بَين السُّلْطَان زَيْدَانَ وَبَين أهل الأندلس وَذَلِكَ أَن السُّلْطَان الْمَذْكُور كَانَ قد بعث قبل ذَلِك إِلَى الْقَائِد الزعروري أَن يُجهز إِلَى درعة أَرْبَعمِائَة من أندلس سلا فجهزهم إِلَيْهَا وطالت غيبتهم بهَا ففر أَكْثَرهم ونفرت قُلُوبهم عَن الزعروري وسلطانه فَكَانَ زَيْدَانَ يبْعَث إِلَى أهل الأندلس بسلا بتجديد الْبَعْث إِلَى درعة فيأبون الانقياد إِلَيْهِ فِي ذَلِك وكرهوه وأزمعوا على خلع طَاعَته ثمَّ وشوا إِلَيْهِ بقائده الزعروري فَبعث زَيْدَانَ
стр. 1105
بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فَقبض عَلَيْهِ وَنهب أهل الأندلس دَاره وَكَتَبُوا إِلَى السُّلْطَان بذلك مظهرين طَاعَته مكيدة ونفاقا فَبعث إِلَيْهِم مَوْلَاهُ وقائده الْمَمْلُوك عجيبا فَمَكثَ بَين أظهرهم مُدَّة فَلم يعبؤوا بِهِ وصاروا يهزؤون بِهِ ثمَّ عدوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ فَظهر مِنْهُم شقّ الْعَصَا على السُّلْطَان زَيْدَانَ وأظلم الجو بَينه وَبينهمْ وَبَقِي أهل سلا فوضى لَا وَالِي عَلَيْهِم وَكثر النهب وامتدت أَيدي اللُّصُوص إِلَى المَال والحريم وسيدي مُحَمَّد العياشي سَاكِت لَا يتَكَلَّم وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ بعد هَذَا إِن شَاءَ الله
انعطاف إِلَى خبر عبد الله بن الشَّيْخ بفاس والثوار القائمين بهَا وَمَا تخَلّل ذَلِك
قد قدمنَا مَا كَانَ من قدوم السُّلْطَان زَيْدَانَ إِلَى فاس أواسط سنة تسع عشرَة وَألف واستيلائه عَلَيْهَا ثمَّ خُرُوجه عَنْهَا وإعراضه عَنْهَا وَعَن أَعمالهَا إِلَى آخر دولته وَكَانَ عبد الله بن الشَّيْخ حَيَاة أَبِيه الشَّيْخ تَحت أمره يصغي إِلَيْهِ وَلَا يقطع أمرا دونه وَقيل إِنَّه خرج عَن طَاعَته سنة عشْرين وَألف وَلما قتل أَبوهُ بِبِلَاد الهبط كَمَا مر استبد عبد الله هَذَا بفاس وَمَا انضاف إِلَيْهَا على وَهن وفشل ريح وَكَانَ غَالب جنده من شراقة وشراقة هَؤُلَاءِ هم عرب بادية تلمسان وَمَا انضاف إِلَيْهَا وَسموا بذلك لأَنهم فِي نَاحيَة الشرق من الْمغرب الْأَقْصَى فَأهل تلمسان وأعمالها يسمون أهل الْمغرب الْأَقْصَى مغاربة وَأهل الْمغرب الْأَقْصَى يسمون أهل تلمسان وأعمالها مشارقة لَكِن الْعَامَّة يلحنون فِي هَذِه النِّسْبَة فَيَقُولُونَ شراقة فَكَانَ غَالب جند عبد الله من هَؤُلَاءِ الْعَرَب وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِم فهم حماته وأنصاره وبهم كَانَ يعتصم حَتَّى أَعْطَاهُم أجنة النَّاس ودورهم فَكَانَ الرجل من أهل فاس يَأْتِي بستانه فيجد الْأَعرَابِي بخيمته فِي وَسطه فَيَقُول لَهُ أعطانيه السُّلْطَان
ومدوا أَيْديهم إِلَى حَرِيم النَّاس ونهبوا الْأَسْوَاق وجاهروا بِالْفَسَادِ وأظهروا السكر فِي الطرقات واقتحموا على النَّاس دُورهمْ حَتَّى أَن امْرَأَة كَانَت تطبخ خليعا وَوَلدهَا رَضِيع عِنْدهَا فاقتحم عَلَيْهَا الدَّار أحد شراقة فهربت
стр. 1106
الْمَرْأَة وأغلقت عَلَيْهَا مشربَة لَهَا فَلم يقدر لَهَا على شَيْء فَرَاوَدَهَا على النُّزُول فَأَبت فَقَالَ لَهَا إِن لم تنزلي رميت الْوَلَد فِي الطنجير فتمادت على الِامْتِنَاع فَرمى بِهِ فِيهِ فَمَا هُوَ إِلَّا أَن رَأَتْ وَلَدهَا فِي وسط الطنجير صاحت وَأَلْقَتْ بِنَفسِهَا عَلَيْهِ فاندقت رقبَتهَا وَمَاتَتْ فغاظ النَّاس ذَلِك وأعظموه
وَقَامَ رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن مُحَمَّد الشريف الزرهوني محتسبا على شراقة واعصوصب عَلَيْهِ كثير من الْعَامَّة وَقَامُوا بنصرته فَقتل شراقة والتلمسانيين بفاس حَيْثُ وجدوا وَحكم السَّيْف فِي رقابهم ونفاهم عَن فاس وحماها من إذايتهم وطهرها من رجسهم فَاسْتحْسن النَّاس أمره وأذعنوا إِلَيْهِ
قَالَ فِي الْمرْآة وَفِي يَوْم الْجُمُعَة الْحَادِي وَالْعِشْرين من ربيع الأول يَعْنِي سنة عشْرين وَألف ثار بفاس الشريف أَبُو الرّبيع سُلَيْمَان بن مُحَمَّد الزرهوني وعضده الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد اللمطي الْمَعْرُوف بالمربوع وتبعهما أهل فاس بأجمعهم وأخرجوا من كَانَ بهَا من جَيش السُّلْطَان وَقتلُوا كثيرا مِنْهُم وَجَرت فِي ذَلِك خطوب آلت بعد سِنِين إِلَى انْقِطَاع الْملك بفاس وَبَقِي النَّاس فوضى إِلَى الْآن اه كَلَام الْمرْآة
وَكَانَ ابْتِدَاء أَمر شراقة واشتداد شوكتهم سنة سِتّ عشرَة وَألف كَانُوا إدالة على أهل فاس نازلين بقصبة الطالعة وبقصبة أُخْرَى وببعض الفنادق وَقرب بَاب الْمُسَافِرين إِلَى أَن قَامَ عَلَيْهِم الشريف أَبُو الرّبيع فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وَكَانَ عبد الله بن الشَّيْخ يَوْم ثورة أبي الرّبيع وفتكه بشراقة غَائِبا فِي سلا فَلَمَّا بلغه الْخَبَر قدم ورام أَن يصلح بَين أهل فاس وَبَين شراقة وراودهم على ذَلِك فَقَالُوا لَا لَا فسميت تِلْكَ السّنة سنة لَا لَا ثمَّ أَمر أَبُو الرّبيع أهل فاس بشرَاء الْعدة والتهيؤ لقِتَال شراقة وَخرج إِلَيْهِم فَاقْتَتلُوا خَارج بَاب الجيسة فانهزمت شراقة واستتب أَمر أبي الرّبيع وسكنت أَحْوَال الْمَدِينَة وَأمن النَّاس أَمَانًا لم يعْهَد من زمَان السُّلْطَان الْغَالِب بِاللَّه
وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشر جُمَادَى الثَّانِيَة سنة عشْرين وَألف كَانَت
стр. 1107
وقْعَة المترب مَوضِع خَارج بَاب الْفتُوح وسببها أَن أهل فاس اسْتَغَاثَ بهم الملالقة واستصرخوهم على شراقة مكيدة وحيلة فَخَرجُوا فِي يَوْم شَدِيد الرّيح وَكَمن لَهُم شراقة بخولان وأغاروا عَلَيْهِم بَغْتَة فَانْهَزَمَ النَّاس وَقتل من أهل فاس نَحْو الْأَلفَيْنِ
وَفِي نشر المثاني سَبْعمِائة فَقَط قَالَ وجلهم هلك بالعطش وغلقت الْأَبْوَاب واضطربت الْمَدِينَة وهاج الشَّرّ بِسَبَب ذَلِك مُدَّة ثمَّ خرج أهل فاس مرّة أُخْرَى لقِتَال عبد الله بن الشَّيْخ فهزموه وأسروه وَبَقِي فِي أَيْديهم فعفوا عَن قَتله وأطلقوه وذهبوا خَلفه حَتَّى دخل دَاره من فاس الْجَدِيد
وَلما قتل أَبوهُ الشَّيْخ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين كَمَا مر واتصل خبر مَقْتَله بِابْنِهِ عبد الله عزم على الْأَخْذ بثأره من قاتليه أَوْلَاد أبي الليف وأزمع الْمسير إِلَيْهِم وَوَافَقَهُ على ذَلِك الشريف أَبُو الرّبيع والفقيه المربوع وأصحابهما وامتنعت الْعَامَّة من الذّهاب مَعَهم لِأَن الشَّيْخ لم تبْق لَهُ فِي نفوس الْمُسلمين مَوَدَّة حَيْثُ بَاعَ العرائش لِلنَّصَارَى فاجتمعت الْعَامَّة بِجَامِع الْقرَوِيين وَقَالُوا لَا نقبل سُلَيْمَان وَلَا المربوع وحاصوا حَيْصَة حمر الْوَحْش وَاتَّخذُوا رُؤَسَاء آخَرين فَوَقع بِسَبَب ذَلِك شَرّ عَظِيم أدّى إِلَى قتل الشريف مولَايَ إِدْرِيس بن أَحْمد الجوطي العمراني التّونسِيّ وَسبب ذَلِك أَن مُنَادِي أبي الرّبيع مر يُنَادي فِي السُّوق باستنفار النَّاس مَعَ عبد الله بن الشَّيْخ فَقَامَ إِلَيْهِ الشريف مولَايَ إِدْرِيس وضربه بعصا وسبه فَأقبل أَبُو الرّبيع وَمن مَعَه واقتحموا على مولَايَ إِدْرِيس دَار القيطون وقتلوه على خصتها وَلما كَانَ صباح الْقَبْر من الْغَد قَامَ ولد مولَايَ إِدْرِيس وشكا هضيمته لعلماء فاس فأمروه بِالصبرِ ثمَّ التف عَلَيْهِ أهل العدوة وقصدوا دَار أبي الرّبيع وناوشوه الْحَرْب فَرَجَعُوا مفلولين وَقتل بَعضهم وَالْأَمر لله وَحده وَوَقع الغلاء حَتَّى بيع الْقَمْح بأوقيتين وَربع للمد وَكَثُرت الْأَمْوَات حَتَّى أَن صَاحب المارستان أحصى من الْأَمْوَات من عيد الْأَضْحَى من سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف إِلَى ربيع النَّبَوِيّ من السّنة بعْدهَا أَرْبَعَة آلَاف وسِتمِائَة وَخَربَتْ أَطْرَاف الْمَدِينَة وخلت المداسر وَلم
стр. 1108
يبْق بلمطة إِلَّا الوحوش وَكثر النهب فِي القوافل
وَلما كَانَ الْمحرم فاتح سنة سِتّ وَعشْرين وَألف قبض الشريف أَبُو الرّبيع على أَرْبَعَة من كبار شراقة ثمَّ قَتلهمْ فَوَجَمَ لَهَا اللمطيون وَخَافَ النَّاس على الْمَدِينَة وتوقعوا الشَّرّ وَعظم الرعب فِي الْقُلُوب حَتَّى وَقعت بِسَبَب ذَلِك الْهَزِيمَة فِي كل مَسْجِد من مَسَاجِد الْخطْبَة بفاس وَذَلِكَ أَنه كَانَ إِمَام جَامع الْقرَوِيين ذَات يَوْم يخْطب وَالنَّاس فِي صحن الْمَسْجِد فَوَقع شؤبوب من الْمَطَر غزير فابتدر من فِي الصحن الدُّخُول إِلَى تَحت السّقف فَظن النَّاس أَن أَبَا الرّبيع قد قَصده شراقة فَانْهَزَمُوا وَخَرجُوا من الْمَسْجِد لَا يلوي أحد على أحد فَبلغ الْخَبَر إِلَى أهل جَامع الأندلس فاقتدوا بهم وَبلغ الْخَبَر إِلَى أهل الطالعة فَكَانَ كَذَلِك وَتَتَابَعَتْ الهزائم بالمساجد
وَفِي يَوْم السبت الْخَامِس من صفر سنة سِتّ وَعشْرين وَألف قتل الشريف أَبُو الرّبيع غدرا فِي جَنَازَة رجل لمطي خرج إِلَيْهَا فَقتله الْفَقِيه المربوع وَقتل أَبَاهُ وَأَبْنَاء عَمه وَسِتَّة من أَصْحَابه وَدفن مَعَ وَالِده بِمَسْجِد الجرف وَلما قتل أَبُو الرّبيع بقيت فاس فِي يَد المربوع واعصوصب عَلَيْهِ اللمطيون واشتدت شوكته ثمَّ قدم جمع من عشيرة أبي الرّبيع من زرهون وحاولوا الفتك بالمربوع فَفطن بهم وَوَقع بَينه وَبينهمْ قتال هلك فِيهِ نَحْو مائَة وَثَلَاثِينَ رجلا وَسلم المربوع مِنْهَا
وَقَالَ صَاحب مُعْتَمد الرَّاوِي لما قتل أَبُو الرّبيع الزرهوني قَامَ أَخُوهُ مولَايَ أَحْمد يطْلب بثأره وسَاق مَعَه نَحْو أَرْبَعمِائَة من الزراهنة واقتحم بهم فاس وقاتلوا الْفَقِيه المربوع وشيعته من اللمطيين فالتف أهل فاس على المربوع وقاتلوا مَعَه الشريف يدا وَاحِدَة فَانْهَزَمَ الشريف وَقتل جلّ من مَعَه وَكَاد يقبض عَلَيْهِ بِالْيَدِ ففر إِلَى رَوْضَة سَيِّدي أَحْمد الشاوي وَمَعَهُ نَحْو الثَّمَانِينَ من أَصْحَابه فَتَبِعهُمْ الْفَقِيه المربوع فِي جمع عَظِيم من اللمطيين واقتحم عَلَيْهِم الرَّوْضَة ففر الزراهنة إِلَى بيُوت دَار الشَّيْخ فهجم عَلَيْهِم المربوع بجنده وقتلهم أَجْمَعِينَ ثمَّ إِن المربوع واللمطيين جاؤوا بِرَجُل يُقَال لَهُ عبد الرَّحْمَن الخنادقي كَانَ يتعبد بزرهون فاستقدموه فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع
стр. 1109
وَعشْرين وَألف وراموا أَن يملكوه ويجتمعوا عَلَيْهِ فأنزلوه مَعَ أَصْحَابه فِي رَوْضَة الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن حرزهم واتصل الْخَبَر بالقائد أَحْمد بن عميرَة وَزِير عبد الله بن الشَّيْخ فَأتى وفتك بأصحاب الرجل الْمَذْكُور ولجأ هُوَ إِلَى ضريح الشَّيْخ ابْن حرزهم فَرَمَوْهُ من طاق هُنَالك فَقَتَلُوهُ وَسقط مَيتا على الْقَبْر وَبَطل أمره
وَلما سئم أهل فاس من الْفِتَن وَكَثْرَة الْحصار وضاق بهم الْحَال من غارات الْأَعْرَاب ذَهَبُوا إِلَى عبد الله بن الشَّيْخ بفاس الْجَدِيد ونصروه وأظهروا الْمحبَّة لَهُ ففرح بهم غَايَة وتحالفت الْعَامَّة والخاصة على نَصره والإذعان إِلَيْهِ فصفح عَنْهُم وَعَفا لَهُم عَمَّا سلف وَبعث وزيره إِلَى المربوع بالأمان فَلم يَأْمَن وَخَافَ على نَفسه وصمم مَعَ اللمطيين على قتال عبد الله وتهيؤوا لَهُ حَتَّى لم تصل الصَّلَوَات الْخمس بالقرويين ثمَّ إِن الْقَائِد حمو بن عَمْرو وَزِير عبد الله أَمر بِأَن يُنَادى بِأَمَان اللمطيين ففر اللمطيون عَن المربوع حِينَئِذٍ حَتَّى لم يبْق مَعَه إِلَّا قَلِيل ثمَّ بعث إِلَيْهِ عبد الله بسبحته وخاتمه أَمَانًا فَلم يَأْمَن وفر لَيْلًا إِلَى بني حسن فَأَخذه شيخهم سرحان وأتى بِهِ إِلَى عبد الله فَعَفَا عَنهُ وعادت دولة عبد الله إِلَى شبابها واستتب أمره وتمهدت لَهُ الْبِلَاد وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع وَعشْرين وَألف فَجمع الجيوش وَبعث بعض جنده لحصار تطاوين وَبَعْضهمْ لقبض الأعشار وَبعث وزيره حمو بن عَمْرو مَعَ المربوع لأرجين مَوضِع من جبال الزَّبِيب فغدر المربوع بالوزير وَقَتله اعْتِمَادًا على كَلَام سَمعه من عبد الله فَغَضب عبد الله وأسرها فِي نَفسه ثمَّ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَالِث ربيع النَّبَوِيّ سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف قتل المربوع اللمطي ونهبت دَاره
وَقَالَ فِي نشر المثاني قَتله عبد الله بن الشَّيْخ وعلقه على البرج الْجَدِيد خَارج بَاب السَّبع ثمَّ أنزلهُ ولعبت عَلَيْهِ خيله ثمَّ بعد أَيَّام وظف عبد الله على اللطميين ثَمَانِينَ ألفا فثقل عَلَيْهِم أمرهَا فَهَرَبُوا فِي كل وَجه فأسقط عَنْهُم نصفهَا وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 1110
ثورة مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْمَعْرُوف بزغودة على أَخِيه عبد الله بن الشَّيْخ وَمَا وَقع فِي ذَلِك
قَالَ فِي شرح زهرَة الشماريخ لما رأى أهل بِلَاد الهبط مَا وَقع من افْتِرَاق الْكَلِمَة وتوقد الْفِتَن بَايعُوا مُحَمَّد بن الشَّيْخ الْمَعْرُوف بزغودة على ضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش ﵁ وَكَانَ الَّذِي قَامَ بدعوته الشريف أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن الإدريسي المحمدي اليونسي الْمَعْرُوف بِابْن ريسون وَهِي أم جده عَليّ نزيل تاصروت وَبَايَعُوهُ على الْكتاب وَالسّنة وعَلى إحْيَاء الْحق وإماتة الْبَاطِل فَلَمَّا بلغ خَبره أَخَاهُ عبد الله خرج لقتاله فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي الطين واقتتلوا فَانْهَزَمَ عبد الله وَتقدم مُحَمَّد إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا فِي شعْبَان سنة ثَمَان وَعشْرين وَألف وَقبض على بعض عُمَّال عبد الله فَقَتلهُمْ واستصفى أَمْوَالهم
وَفِي آخر شعْبَان الْمَذْكُور وَقعت الْحَرْب بَينهمَا بمكناسة فَانْهَزَمَ مُحَمَّد وَدخل عبد الله فاسا فِي مهل رَمَضَان من السّنة وَأظْهر الْعَفو عَن الْخَاص وَالْعَام ثمَّ قتل أهل فاس قائده ابْن شُعَيْب وَأخذُوا حذرهم من عبد الله ثمَّ وَقع قتال بَين أهل الطالعة وَأهل فاس الْجَدِيد ودام أَيَّامًا عديدة حَتَّى اصْطَلحُوا لتاسع رَجَب من سنة تسع وَعشْرين وَألف ثمَّ إِن عبد الله خرج لقِتَال أَخِيه مُحَمَّد فَوَقَعت المعركة بَينهمَا بوادي بهت فَانْهَزَمَ مُحَمَّد وفر شَرِيدًا إِلَى أَن قَتله ابْن عَمه كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة خَامِس ذِي الْقعدَة من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف قتل الْفَقِيه الْعَالم القَاضِي أَبُو الْقَاسِم بن أبي النَّعيم بعد أَن نزل من صَلَاة الْجُمُعَة
стр. 1111
بفاس الْجَدِيد فَقتلته اللُّصُوص بِبَاب الْمدرسَة العنانية وَفِي نشر المثاني قَتله اللمطيون بالزربطانة لأَنهم اتَّهَمُوهُ بالميل إِلَى عبد الله بن الشَّيْخ فَوَقع بِسَبَب قَتله شَرّ عَظِيم بَين أهل العدوتين من فاس
وَلم يزل عبد الله فِي معالجة أهل فاس فَتَارَة يميلون إِلَيْهِ وَتارَة ينحرفون عَنهُ لفساد سيرته وقبح طويته حَتَّى كَانَ قائده مامي العلج ينهب الدّور جهارا وَيُعْطِي عبد الله كل يَوْم على ذَلِك عشرَة آلَاف مِمَّا ينهب من النَّاس من غير جريمة وَلَا ذَنْب
وَقَامَ عَلَيْهِ بمكناسة أَيْضا رجل يُقَال لَهُ الشريف آمغار وَقَامَ عَلَيْهِ بتطاوين الْمُقدم أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد النقسيس وَلم يبْق فِي يَده إِلَّا فاس الْجَدِيد وَأما فاس الْقَدِيم فَتَارَة وَتارَة كَمَا ذكرنَا آنِفا لِأَنَّهُ استولى عَلَيْهَا الشريف أَبُو الرّبيع والفقيه المربوع وَلما قتلا كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا قَامَ بفاس مُحَمَّد بن سُلَيْمَان اللمطي الْمَدْعُو الْأَقْرَع وَعلي بن عبد الرَّحْمَن فَقتل ابْن سُلَيْمَان
وَقَامَ أَحْمد بن الْأَشْهب مَعَ ابْن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور فَوَقَعت فتن وحروب ثمَّ قَامَ الْحَاج على سوسان وَابْن يعلى وَتَوَلَّى أَيْضا يزرور ومسعود ابْن عبد الله وَغَيرهم من الثوار
وَكَانَت فاس أَيَّام هَؤُلَاءِ على فرق وشيع لَا يَأْمَن التَّاجِر على نَفسه إِلَّا إِن استجار بِأحد من هَؤُلَاءِ وَوَقع من الْفِتَن مَا أظلم بِهِ جو فاس ونتن أفقها العاطر الأنفاس وخلا أَكثر الْمَدِينَة وَاسْتولى عَلَيْهَا الخراب ودام الشَّرّ بَين أهل العدوتين حَتَّى كَادَت فاس تضمحل وَيَعْفُو رسمها
وَحدث غير وَاحِد من الثِّقَات أَنه لما دَامَت الْحَرْب بَين أهل العدوتين وَلم يكن لأهل الأندلس غَلَبَة على اللمطيين قَالَ الشَّيْخ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّد الفاسي لَا يغلب أحد اللمطيين مَا داموا مواظبين على قِرَاءَة الحزب الْكَبِير للْإِمَام الشاذلي ﵁ وَكَانَت طَائِفَة من اللمطيين يقرؤونه كل صباح بزاوية سَيِّدي رضوَان الجنوي من عدوة اللمطيين فَسمع ذَلِك أهل عدوة الأندلس فاحتالوا على إبِْطَال قِرَاءَة ذَلِك الحزب بِأَن بعثوا
стр. 1112
أحدا فاحتال على أُولَئِكَ الَّذين يقرؤونه فاستضافهم فَبَاتُوا عِنْده جَمِيعًا فِي منزله فَلَمَّا طلع الْفجْر أَو كَاد زعم أَن مِفْتَاح الدَّار قد سقط مِنْهُ وَتلف وَلم يزل يعاني فتحهَا إِلَى أَن طلعت الشَّمْس فَخَرجُوا وَلم يقرأوا الحزب ذَلِك الْيَوْم وَأخْبر أهل الأندلس بذلك فحملوا على أهل عدوة اللمطيين فهزموهم وتحكموا فيهم مَعَ أَنهم كَانُوا لم يَجدوا إِلَيْهِم سَبِيلا قبل ذَلِك ببركة حزب الشاذلي ﵁
وَذكر بَعضهم أَن سَبَب هَذِه الفترة مَا حُكيَ أَن عبد الله بن الشَّيْخ عزم على التنكيل بِأَهْل فاس فِي بعض غلباته عَلَيْهِم أَيَّام خُرُوجهمْ عَلَيْهِ فاستشفعوا إِلَيْهِ بالصالحين المجذوبين سَيِّدي جلول بن الْحَاج وسيدي مَسْعُود الشراط وَكَانَ من الملامتية فَلَمَّا وَقفا بَين يَدَيْهِ قَالَ أما وجد أهل فاس شَفِيعًا غير هَؤُلَاءِ الخراءين فِي ثيابهما فَغَضب سَيِّدي جلول وَقَالَ وَالله لَا تصرف فِيهَا يَعْنِي فاسا أحد أَرْبَعِينَ سنة وانصرفا فَيُقَال إِن عبد الله بن الشَّيْخ انقلبت معدته فَخرج غائطه من فَمه أَيَّامًا إِلَى أَن أَتَى بالشيخين فاسترضاهما فَكَانَ أَمر فاس كَمَا قَالَ سَيِّدي جلول لم يُطَأْطِئ رُؤُوس أعيانها سُلْطَان إِلَى أَن جَاءَ الله بالمولى الرشيد بن الشريف السجلماسي ﵀ كَمَا سَيَأْتِي وَإِنَّمَا كَانَ يتَصَرَّف فِيهَا رُؤَسَاء أهل فاس الَّذين يسمونهم السياب قَالَ اليفرني وَهَذِه حِكَايَة صَحِيحَة سَمعتهَا من غير وَاحِد بفاس ملخصها مَا ذكرنَا
وَلم يزل عبد الله فِي محاربة أهل فاس الْقَدِيم من سنة عشْرين وَألف إِلَى أَن توفّي يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّالِث وَالْعِشْرين من شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف بِسَبَب مرض اعتراه من إسرافه فِي الْخمر وإدمانه عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارا ويتعاطاه سرا وجهارا
قَالَ فِي شرح زهرَة الشماريخ وَلما توفّي عبد الله ولي بعده أَخُوهُ عبد الْملك فِي شعْبَان سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَألف وَلم يزل مُقْتَصرا على مَا كَانَ قد صفا لِأَخِيهِ إِلَى أَن توفّي فِي ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف
стр. 1113
وَمن آثَار عبد الله بن الشَّيْخ الْقبَّة الَّتِي على الخصة الكائنة أَسْفَل المنارة الَّتِي بوسط صحن جَامع الْقرَوِيين فَإِنَّهُ لم يكن فِي الْقَدِيم إِلَّا الخصة الْمُقَابلَة لَهَا شَرْقي الْجَامِع الْمَذْكُور
غَرِيبَة
قَالَ اليفرني حَدثنِي شَيخنَا الْفَقِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد قَالَ كَانَ شيخ شُيُوخنَا الْفَقِيه الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد ميارة يَقُول إِن أَحْمد ابْن الْأَشْهب الَّذِي تقدم ذكره قبل فِي الثوار أخبر بِهِ النَّبِي ﷺ قَالَ والْحَدِيث بذلك مَذْكُور فِي كتاب الْجَامِع الْكَبِير لِلْحَافِظِ جلال الدّين السُّيُوطِيّ ﵀ اه وَقتل ولد ابْن الْأَشْهب رَابِع جُمَادَى الأولى سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف فتك بِهِ عَليّ بن سعد فِي جَامع الْقرَوِيين وَهُوَ فِي صَلَاة الْعَصْر وَقَامَت بِسَبَب ذَلِك حَرْب بَين أهل الأندلس واللمطيين وانتهبت السّلع الَّتِي بسوق القيسارية وسوق العطارين وَبنى اللمطيون الدَّرْب الَّذِي بِبَاب العطارين واستمرت الْحَرْب نَحْو ثَمَانِيَة أَيَّام ثمَّ اصْطَلحُوا
ثورة أبي زَكَرِيَّاء بن عبد الْمُنعم بالسوس ومغالبته لأبي حسون السملالي الْمَعْرُوف بِأبي دميعة على تارودانت
كَانَ الْفَقِيه أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم الحاحي لما رَجَعَ من مراكش إِلَى السوس حَسْبَمَا مر بدا لَهُ فِي طلب الْملك وَجمع الْكَلِمَة لما رأى من افتراقها فِي حواضر الْمغرب وبواديه
وَكَانَ المرابط أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْوَلِيّ الصَّالح أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى السملالي وَيُقَال لَهُ أَيْضا أَبُو حسون قد ظهر بالصقع السُّوسِي عِنْد فشل ريح السُّلْطَان زَيْدَانَ بِهِ وَاسْتولى على تارودانت وأعمالها
فَلَمَّا ثار الْفَقِيه أَبُو زَكَرِيَّاء سَار إِلَى تارودانت فتغلب عَلَيْهَا وملكها من يَد أبي حسون الْمَذْكُور وَبعد أَن وَقع بَينه وَبَينه معارك ومقاتلات كَبِيرَة وَكَانَ
стр. 1114
القَاضِي بتارودانت يَوْمئِذٍ الْفَقِيه الْعَالم أَبُو مهْدي عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن السكتاني وَكَانَ أَبُو زَكَرِيَّا قد استشاره فِيمَا عزم عَلَيْهِ فَلم يُوَافقهُ على ذَلِك وَلم يساعده على مُرَاده لما فِيهِ من الْخُرُوج على السُّلْطَان بِلَا مُوجب فَغَضب عَلَيْهِ الْفَقِيه أَبُو زَكَرِيَّاء حَتَّى أَمر بقتْله غيله فِيمَا قيل فَخرج القَاضِي من الْمَدِينَة خَائفًا يترقب وَذهب إِلَى مراكش فاستقر بهَا وَعَصَمَهُ الله مِنْهُ وَكتب إِلَى أبي زَكَرِيَّاء برسالة يعظه فِيهَا وينهاه عَن الْخُرُوج على السُّلْطَان وَنَصهَا
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم
يَقُول الْفَقِير الشَّديد الْحَاجة إِلَى رَحْمَة مَوْلَاهُ الْغَنِيّ بِهِ عَمَّن سواهُ السَّائِل مِنْهُ التَّوْفِيق واللطف فِي ظعنه ومأواه كَاتبه عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن السكتاني عَفا الله عَنهُ وسمح لَهُ الْحَمد لله الَّذِي جعل الصدع بِالْحَقِّ وَظِيفَة الْأَنْبِيَاء وأورثه بعدهمْ من خلقه فريق الْعلمَاء وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم على من أكد أَمر الصُّلْح وَقَالَ (الدّين النَّصِيحَة) فَقيل لمن يَا رَسُول الله فَقَالَ (لله وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم) وَالرِّضَا على آله وَصَحبه الَّذين سلكوا سَبيله وانتهجوا من المناهج طَرِيقه وَعَن التَّابِعين وتابع التَّابِعين لَهُم إِلَى وُقُوع الْقصاص بَين الخليقة وَبعد فَإِنِّي لما قفلت بِحَمْد الله بسلامة وعافية إِلَى جبلي وجدت أَهلِي وأولادي مستوحشين من الْبَادِيَة وَإِن كَانَت مَحل سلفي ومقر تلادي بعد أَن ألفوا الحواضر وطبعوا على طباعها فَكَانُوا أَحَق بهَا وَكنت فِي غَايَة الضّيق والتأسف لما حل بالأولاد فتذكرت قَول بعض فُقَهَاء الأندلس مِمَّن نابه مثل مَا نابني وأصابه مثل مَا أصابني
(أَلَيْسَ من الْقَبِيح مقَام مثلي ... بدار الْخَسْف منكسف الْجمال)
(أخالط أهل سَائِمَة وسرح ... وأرتع بَين راعية الْجمال)
فأجلت فكري وَإِن كَانَ الْكل بِقدر الله وإرادته فَرَأَيْت أَن ذَلِك وَفِي الْقَضَاء لطف أَمر أنتجه كَمَا لَا يخفى على ذِي بَصِيرَة مَا حل بالمغرب من
стр. 1115
افْتِرَاق الْكَلِمَة وتلاعب شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ بذوي الْعُقُول مِنْهُم فصاروا أحزابا وفرقا فاتبعت كل طَائِفَة من هَواهَا مَا كَانَت تعبد حَتَّى إِذا عرض لعاقل أَو عرض عَلَيْهِ مِنْهُم الإقلاع بادره الشَّيَاطِين فسدوا عَلَيْهِ بَابه وأروه بإغوائهم وزينوا لَهُ أَن ذَلِك يشينه لَدَى الْعَامَّة وَيُوجب لَهُ السُّقُوط من أعين النَّاس مَعَ أَنه لَا يعده من السُّقُوط إِلَّا ﴿الوسواس الخناس الَّذِي يوسوس فِي صُدُور النَّاس من الْجنَّة وَالنَّاس﴾ النَّاس ٦ - ٤ وَأَيْنَ يغيب عَن الْمُوفق أَن السُّقُوط من عين الله هُوَ الطامة الْكُبْرَى وَأَيْنَ غَابَ عَنهُ أَن الْعبْرَة بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ لَا بِكَلَام الهمج الرعاع مِمَّن لَا يزَال الشَّيْطَان يلْعَب بِهِ آخِذا بزمامه سَاكِنا على قلبه وَلسَانه وَأَيْنَ يغيب عَنهُ من كتاب الله ﴿فَأَما من طَغى وآثر الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن الْجَحِيم هِيَ المأوى وَأما من خَافَ مقَام ربه وَنهى النَّفس عَن الْهوى فَإِن الْجنَّة هِيَ المأوى﴾ النازعات ٣٧ - ٤١ فَقلت إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون هَذِه مُصِيبَة عَظِيمَة نزلت بمغربنا فافترق ملأهم وَقتلت سرواتهم وانتهبت أَمْوَالهم وهتكت حرمهم ومزقت أعراضهم وفسدت أديانهم واختلت وبدت عَن التَّوْفِيق آراؤهم وكادت تطمع بل طمعت فيهم أعداؤهم اللَّهُمَّ يَا ذَا الطول والامتنان يَا حنان يَا منان يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام تداركنا بألطافك الْخفية فِي ديننَا ودنيانا يَا خَالق الأَرْض وَالسَّمَاء
فَإِن قلت مَا ذكرته من أَن خُرُوجك من الحواضر إِلَى الْبَوَادِي هُوَ نتيجة افْتِرَاق الْكَلِمَة كَمَا فعله من يَقْتَدِي بِهِ من الصَّحَابَة ﵃ فتبدى صَحِيح وَمَا دليلك على التلاعب قلت مَا خرجه أَئِمَّة الصِّحَاح من منع الْخُرُوج على الْأَئِمَّة وَأَن الْوَاجِب فِي حق من رأى مِنْهُم مَا يكره الصَّبْر والاحتساب إِذْ غائلة الْجور وَإِن تفاحش أقل بِكَثِير من غائلة الْخُرُوج الَّذِي يَتَرَتَّب عَلَيْهِ فَسَاد المهج وَالْأَمْوَال والأعراض والأديان وهتك الْحرم وَلِهَذَا صَبر على الْحجَّاج من عُلَمَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ من صَبر حَتَّى لقوا الله تَعَالَى سالمي الْأَدْيَان وبعبادته مغتنمي الزَّمَان وتذكر فَمَا بالعهد من قدم بالمرابط أبي محلي كَانَ فِي قطره عالي الصيت يقْصد ويتبرك بِهِ ويعتقد فِيهِ أَنه من قطب زَمَانه وَبلغ بِهِ الْحَال إِلَى أَن سَوَّلت لَهُ نَفسه أَو سَوَّلَ لَهَا أَنه يصلح بِهِ
стр. 1116
مَا لم يصلح بِغَيْرِهِ من أهل الزَّمَان فَقَامَ وأعانه عَلَيْهِ قوم آخَرُونَ حَتَّى مَلأ الدُّنْيَا صياحا ودعاوى وعياطا وأكاذيب لَا يشْهد لَهَا عقل وَلَا نقل فتمرد على الْمُسلمين حَتَّى لم يسلمُوا من لِسَانه وَيَده فَقتل وَنهب وَسَب واغتاب وَحمل نَفسه مَا لَا تُطِيقهُ فاستهوته شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ وَالنَّفس والهوى ثمَّ بعد ذَلِك كُله لم يحصل من سَعْيه على طائل وآفته الْغَفْلَة عَن الْكتاب وَالسّنة وَالرِّضَا عَن النَّفس حَتَّى أَنه حكمهَا فَصَارَت تلعب بِهِ إِلَى أَن فَاه وَادّعى بدعاوى استبيح بهَا مَا كَانَ مَعْصُوما من دَمه وَهَلَكت بِسَبَبِهِ بعده نفوس وأموال وَغير ذَلِك أيشك من ارتاض بِالْكتاب وَالسّنة وَنظر بِعَين الشَّرِيعَة إِن فعله ذَلِك مِمَّا حمله عَلَيْهِ من تجب مُخَالفَته من الشَّيْطَان وَالنَّفس والهوى وَرُبمَا اسحسن فعله ذَلِك من شيعته من ابْتُلِيَ بِهِ أَو قَلّدهُ تقليدا رديا فِي فعله فَإِن توليت فَإِنَّمَا عَلَيْك إِثْم الأريسيين وَإِلَى الْآن كَانُوا يستصوبون فعله ويستحسنون قَوْله مَعَ أَنه بمعزل عَن الْكتاب وَالسّنة
فَإِن قلت وَهَذِه طَائِفَة الْفُقَرَاء مَا بَين متعصب متحزب ومتحيل متصيد ومتسور على مَا اسْتَأْثر بِهِ الْبَارِي من الغيوب مرتكب للآثام مصر على الْعُيُوب قلت وَهَذِه طَائِفَة الْفُقَرَاء فِيهَا جلّ مَا تقدم وزيادات تضيق عَن الْإِحَاطَة بهَا السطور والطروس قد بددتها وَالْعِيَاذ بِاللَّه الْفِتَن وشردها مَا تخوفته من المحن بَانَتْ الْعُلُوم واضمحلت الفهوم وتعطلت الرسوم فَلَا مَنْطُوق يذكر وَلَا مَفْهُوم
(هَذَا الزَّمَان الَّذِي كُنَّا نحاذره ... فِي قَول كَعْب وَفِي قَول ابْن مَسْعُود)
وَقلت وَهَذَا الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّاء وَهُوَ الَّذِي يساق إِلَى نصحه الحَدِيث كُنَّا نستسقي بِهِ ونستشفي وَكَانَت تشد إِلَيْهِ الرّحال وَلَا يأنف من إِتْيَانه النِّسَاء وَالرِّجَال قد أَتَتْهُ من أقطار مغربنا الْوُفُود ودانت لَهُ الذئاب وَالْأسود وَكَانَ يعلم الْجُهَّال وَيهْدِي الضلال وَيطْعم الجائع ويكسو الْعُرْيَان ويعين ذَا الْحَاجة ويغيث اللهفان وَهِي سَبِيل يَا لَهَا من سَبِيل وَطَرِيقَة مَا أحْسنهَا من طَريقَة ثمَّ صَارَت تِلْكَ الجموع وَكَانَ أَمر الله قدرا مَقْدُورًا أَيدي سبا
стр. 1117
وتلاشت شذر مدر مَا لَهَا من نبا
أَيهَا الشَّيْخ أكرمك الله بتسديده أَو تَجِد فِي الْوُجُود ملكا أعظم من ذَلِك الْملك فتطلبه أَو سُلْطَانا يوازيه أَو يُقَارِبه فتحاوله أَيْن خَفِي عَلَيْك الشَّيْء وَهُوَ ضَرُورِيّ أم أَيْن ضلت عَنْك النُّصُوص من الْكتاب وَالسّنة وَأَنت منقولي معقولي ﴿ألم يَأن للَّذين آمنُوا أَن تخشع قُلُوبهم لذكر الله وَمَا نزل من الْحق﴾ الْحَدِيد ١٦ ﴿لمقت الله أكبر من مقتكم أَنفسكُم﴾ غَافِر ١٠ و (إِن أبْغض الْكَلَام إِلَى الله أَن يَقُول الرجل للرجل اتَّقِ الله فَيَقُول عَلَيْك نَفسك) وَهُوَ طرف من حَدِيث خرجه النَّسَائِيّ وَقد وعظتك وذكرتك إِن نَفَعت الذكرى قَالَ جلّ من قَائِل ﴿وَذكر فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ﴾ الذرايات ٥٥
(فَقلت من التَّعَجُّب لَيْت شعري ... أأيقاظ أُميَّة أم نيام)
فَإِن قَالَ شَيْطَان من شياطين الْإِنْس أَو الْجِنّ هَذَا مَا أُرِيد بِهِ وَجه الله قلت الله الْموعد إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث وستلقون ربكُم فيسألكم عَن أَعمالكُم وَإِن خطر هَذَا وهجس بقلب الشَّيْخ أكْرمه الله والشيطان يجْرِي من ابْن آدم مجْرى الدَّم قلت أدل دَلِيل على أَنِّي قصدت مَحْض النَّصِيحَة هُوَ أَنه استنصحني على دفاع أبي محلي فنصحته وَقلت لَهُ إِن هَذَا لَا تستقيم مَعَه الدّيانَة فَكَأَنَّهُ مَا قبل فانفصلت عَنهُ وَهُوَ يَقُول استخر لي الله فكاتبته بِأَن لَا يفعل ثمَّ لما نزل وَكَانَ على بَاب الْغَزْو من تارودانت خلوت بِهِ فَقلت لَهُ إِذْ ذَاك إِن النَّاس يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا وعرفته إِذْ ذَاك بِمَا عَرفته من أَبنَاء الزَّمَان فجمعنا فِي رَملَة إِلَى الْآن أتخيل حرهَا وتبرأ من كل مَا يُقَال وَمَا زلت على الْمَنْع إِلَى أَن جَاءَت كراريس من قبل أبي محلي فتأملتها فَوَجَدتهَا مُشْتَمِلَة على كفريات فِي جزئيات فيحنئذ شرح الله صَدْرِي لإباحة دفاعه
ثمَّ وَإِن قلت ذَلِك فنفسي آمرة وَلَا أَقُول فِي نَفسِي مَا كَانَ يَقُوله سَحْنُون فِي قَضِيَّة ابْن أبي الْجواد مَالِي وَله الشَّرْع قَتله وَلَو قلت أَو غششت لغششت فِي قَضِيَّة ذَلِك الرجل وزينت لَك قِتَاله أَولا لِأَن ذَلِك هُوَ مُقْتَضى التعصب للأمير وَإِذا لم أتعصب إِذْ ذَاك فَكيف أستسهله الْآن فَتعين
стр. 1118
أَنِّي نصحت لكم أَن قبلتم وَإِلَّا فَكَمَا قَالَ تَعَالَى عَن نَبِي من أنبيائه ﴿وَلَكِن لَا تحبون الناصحين﴾ الْأَعْرَاف ٧٩ أنْشدك الله الَّذِي بِإِذْنِهِ تقوم السَّمَاوَات وَالْأَرْض أما قلت لَك بعد رجوعي الْعَام الأول من مراكش بل الَّذِي قبله إِن الْعذر لَا يحسن وصرحت ولوحت بِأَن شقّ الْعَصَا لَا يحل غيرَة مرّة وَمَا كفاني القَوْل الدَّال على ذَلِك إِلَى أَن زِدْت الْفِعْل بِالْخرُوجِ من مَدِينَة لَا أبغضها كَمَا قَالَ
(فوَاللَّه مَا فارقتها عَن قلي لَهَا ... وَإِنِّي بشطي جانبيها لعارف)
ورضيت بالبادية مَعَ جفائها فِرَارًا من الْفِتَن وَعَملا بقوله ﷺ (يُوشك أَن يكون خير مَال الرجل غنما يتبع بِهِ سعف الْجبَال ومواقع الْقطر يفر بِدِينِهِ من الْفِتَن) ثمَّ بعد فعلى هَذَا كُله نصحت فَلم أَفْلح وخانوا فأفلحوا وعدوا عَليّ من القبائح طَاعَتي للأئمة مَعَ أَنَّك يَوْم جَاءَ إِلَى دَارك قلت لَهُم هَذَا أميركم وَنحن لَا نشك أَنَّك من المعتبرين فِي مغربنا وَأَن بيعتك لأحد لَازِمَة لنا وَكَذَلِكَ حِين ذهبت إِلَى مراكش فِي وقْعَة أبي محلي قد أَرَادَ أهل مراكش فأبيت وأبحت الْبِلَاد لخدم الْأَمِير وَقلت لَهُم إِنَّه الْأَمِير وفهمه النَّاس عَنْك بِلِسَان الْحَال وبلسان الْمقَال ونصروه بمرأى مِنْك ومسمع أفتشك بعد أَن كَانَ مِنْك هَذَا أَنَّك مبايع وَأَنت قدوة وَإِذا كَانَ هَذَا فَأَي حجَّة لَك على الْأَمِير وَلَا على المأمورين فَمن زين لَك قِتَاله فقد غشك إِذْ هُوَ مُسلم وَابْن مُسلمين
فَإِن قلت موافقتي مَشْرُوطَة بِشُرُوط لم يوف لي بهَا قلت هَب أَنه لم يوف لَك أفتستبيح قِتَاله لأجل ذَلِك وَالرَّسُول ﷺ يَقُول (إِذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار) الحَدِيث فبالله أَيهَا الشَّيْخ مَا تَقول فِي هَذَا الحَدِيث وأنظاره وَمَا تَقول فِيمَا انتهب أَو عَسى أَن ينتهب من أَمْوَال النَّاس وَأخذ بِغَيْر حق وَأنْفق فِي سَبِيل الطاغوت وَالرَّسُول ﷺ يَقُول (لَا يحل مَال امْرِئ مُسلم إِلَّا عَن طيب نفس) أَو مَا تَسْتَحي من رَبك يَوْم تسْأَل عَن النقير والقطمير وَلست مِمَّن خَفِي عَلَيْهِ ذَلِك كُله فَتعذر عِنْد
стр. 1119
المخلوقين أَو مَا علمت أَن كثيرا من الْعَوام يعْتَقد جَوَاز ذَلِك إِذْ رآك ارتكبته فَتكون قد سننت هَذِه السّنة وضل بِسَبَب ذَلِك كثير من النَّاس أَو مَا خشيت دَعْوَة الْمَظْلُوم الَّتِي مَا بَينهَا وَبَين الله حجاب أَو مَا كنت تعير من يرتكب مثل ذَلِك من الْوُلَاة وتتأسف عَلَيْهِ (لَا تعير أَخَاك الْمُؤمن) الحَدِيث
(لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله ... عَار عَلَيْك إِذا فعلت عَظِيم)
أما انْتَبَهت لما وَقع لأهل درعة من النهب وَالسَّلب واسترقاق الْأَحْرَار وهتك الْحرم (إِن دماءكم وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُم حرَام) الحَدِيث وَقد أَتَانَا السُّؤَال من قبل الشَّيْخ عَن صَنِيع سكتانة ذَلِك وَلم يسْتَطع إِذْ ذَاك من نظر بِنور الْعلم أَن يَقُول لَهُم فِي وزر نظرا إِلَى مَا آل إِلَيْهِ الْحَال فِي أهل درعة مَعَ أَن جلهم حَملَة الْقُرْآن وعامتهم بله (وَأكْثر أهل الْجنَّة البله) أفيليق بِحَق الصلحاء أَن يُسَلط عَلَيْهِم من لَا يرحمهم (وَلَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من قلب شقي) (إِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء) (من لَا يرحم لَا يرحم) (ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء) أَو نسيت أَنه يقْتَصّ للجماء من القرناء وَأَن الظُّلم الَّذِي لَا يتْركهُ الله ظلم النَّاس بَعضهم لبَعض أَفِي علمك أَن حَسَنَاتك تفي بِمَا عَلَيْك من التَّبعَات أَو أَنه لَا تباعة لأحد عَلَيْك وَلَو كنت بَدْرِيًّا لاحتمل أَن يُقَال فِي شَأْنك مَا قَالَه ﷺ لعمر (وَمَا يدْريك لَعَلَّ الله اطلع على أهل بدر) فَقَالَ (اعْمَلُوا مَا شِئْتُم فقد غفرت لكم) أَو كَمَا قَالَ ﷺ (وَالظُّلم ظلمات يَوْم الْقِيَامَة) أَو تَسْتَطِيع أَن تقتحم ظلمات الصِّرَاط وَأَنت مسؤول عَن القيراط وَحَتَّى أهل تارودانت بلغنَا أَنه لم يغن فِي شَأْنهمْ الترويع بل بلغ بهم الْحَال والجور إِلَى التقريع فَاتق الله أَيهَا الشَّيْخ وَلَا تكن كمن إِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم هَذَا مَا يتَعَلَّق بِبَعْض حُقُوق النَّاس على الْعُمُوم وَيتَعَلَّق بِحَق كَاتبه على الْخُصُوص إِنَّك أخذت عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّي الطَّاعَة للأمير ويرعى مَا هُوَ من شيم الْمُؤمنِينَ من حسن الْعَهْد والتبري من الْغدر وشق الْعَصَا بعد أَن بذل وَسعه فِي نصحك ونصح الْأَمِير وحاول بكليته على جمع الْكَلِمَة وتعب فِي ذَلِك
стр. 1120
واقتحم فِيهِ عقبات لَا يقطعهَا إِلَّا بازل وَلَا سَبِيل إِلَيْهَا لمن يكون فِي دينه وَعَمله مثلي مِمَّن هُوَ نَازل
(لعمر أَبِيك مَا نسب الْمُعَلَّى ... إِلَى كرم وَفِي الدُّنْيَا كريم)
(وَلَكِن الْبِلَاد إِذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعى الهشيم)
(إِذا غَابَ ملاح السَّفِينَة فارتمت ... بهَا الرّيح هوجا دبرتها الضفادع)
وَلَكِن لَيْسَ من شَرط النَّصِيحَة كَمَال الناصح كَمَا أَنه لَيْسَ من شَرط تَغْيِير الْمُنكر عدم ارْتِكَاب المغير مَا غير لِأَن هَذِه طَاعَة وَتلك أُخْرَى والتوفيق بيد الله سُبْحَانَهُ نعم بَلغنِي مَعَ ذَلِك وَجزم لي بِهِ أَنَّك مَعَ بذل النصح لَك وللأمير أصلح الله الْجَمِيع وَأصْلح ذَات بَينهم أخذت عَليّ بالرصد فِي قفولي لصبيتي وَالرُّجُوع إِلَيْهِم رِعَايَة لما يجب وَينْدب من حُقُوقهم وَهل هَذَا إِلَّا حكم الْهوى والشيطان أعندك مَا تستبيح بِهِ ذَلِك مَعَ أَنِّي وَالْحَمْد لله أَيْنَمَا كنت لَا أسعى إِلَّا فِي مصلحَة جهد الِاسْتِطَاعَة أَو بَث نصيحة حِين لَا أرى من يبثها أَو إغاثة ملهوف حِين تجب إغاثته ﴿لَئِن بسطت إِلَيّ يدك لتقتلني﴾ المائده ٢٨ الْآيَة وَلَكِن الله يَقُول ﴿وَلَا يَحِيق الْمَكْر السيء إِلَّا بأَهْله﴾ فاطر ٤٣ وَفِي التَّوْرَاة من حفر حُفْرَة فليوسعها وَلَا تحفرن بِئْرا تُرِيدُ بهَا أَخا فَأَيْنَ وجدت مَا يسوغ لَك ارْتِكَاب مثل هَذَا قولا أَو فعل أَو إِشَارَة أَو تَصْرِيحًا أَو تَلْوِيحًا وَأي جريمة توازي هَذِه الجريمة أَو كَبِيرَة من الآثام أكبر مِنْهَا وَالله الْموعد ﴿وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون﴾ الشُّعَرَاء ٢٢٧ هَذَا والسعاية المصحوبة بسؤالي عَن دفاع سكتانه أَيْن تَجِدُونَ مَا يُوجب إباحتها أَيْن غَابَ عَنْكُم إِنَّهَا من الْكَبَائِر وَأَيْنَ غَابَ عَنْكُم قَوْله ﷺ (إِن الرجل ليَتَكَلَّم بِكَلِمَة يهوي بهَا فِي النَّار سبعين خَرِيفًا) أَهَذا من أَخْلَاق الْمُؤمنِينَ وَالصَّالِحِينَ وَأَنت من بَيت الصّلاح مَا كَانَ جدك يرضى مثل هَذَا ﴿مَا كَانَ أَبوك امْرأ سوء﴾ مَرْيَم ٢٨ وَهَذَا وَالله أعلم نتيجة قرناء السوء وَلَا تصْحَب من لَا ينهضك حَاله وَلَا يدلك على الله مقاله وَإِلَى هَذَا يَنْتَهِي حق الصُّحْبَة أَعنِي بذل النصح إِن الله يسْأَل عَن صُحْبَة سَاعَة
стр. 1121
وَنحن صحبناك واعتقدناك ونصحناك ووعظناك (انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما) فَنَصَرْنَاك بِالرَّدِّ إِلَى الجادة أَيْن أَنْت من مَوْلَانَا الْحسن بن عَليّ إِذْ تخلى عَن الْأَمر لِابْنِ عَمه مُعَاوِيَة مَعَ أَنه هاشمي علوي فاطمي إِحْدَى ريحانتي النَّبِي ﷺ وَمُعَاوِيَة أموي يجمعهما عبد منَاف فتخلى عَن الْإِمَارَة مَعَ أَنه إِمَام وَابْن إِمَام وَأصْلح الله بِهِ وَهُوَ سيد بَين فئتين عظيمتين من الْمُسلمين بعد أَن كَانَ يلقب بأمير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه إِذْ سلم عَلَيْهِ يَا عَار الْمُؤمنِينَ فَلم يكترث بذلك وَقَالَ النَّار أَشد من الْعَار ألهمنا الله وَإِيَّاكُم رشد أَنْفُسنَا وَجَعَلنَا وَإِيَّاكُم من الَّذين يَسْتَمِعُون القَوْل فيتبعون أحْسنه انْتهى
وَلم يزل الْفَقِيه أَبُو زَكَرِيَّاء مصمما على طلب جمع الْكَلِمَة إِلَى أَن اخترمته الْمنية قَالَ صَاحب الْفَوَائِد مَا صورته قَامَ الشَّيْخ أَبُو زَكَرِيَّاء بِجمع الْكَلِمَة وَالنَّظَر فِي مصَالح الْأمة وَاسْتمرّ بِهِ علاج ذَلِك إِلَى أَن توفّي وَلم يتم لَهُ أَمر انْتهى وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْخَمِيس سادس جُمَادَى الثَّانِيَة من سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَألف بقصبة تارودانت وَحمل من الْغَد إِلَى رِبَاط وَالِده فَدفن بجنبه رَحمَه الله
стр. 1122
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان زَيْدَانَ وَذكر وَفَاته ﵀
قد ذكر المؤرخ لويز البرتغالي فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الجديدة شَيْئا من أَخْبَار السُّلْطَان زَيْدَانَ ﵀ فَقَالَ كَانَ السُّلْطَان زَيْدَانَ صَاحب مراكش مسالما لنا كافا عَن حربنا وَكَانَت الْقَبَائِل تفتات عَلَيْهِ فِي غزونا فَكَانَت غاراتهم لَا تَنْقَطِع عَنَّا وَكَانَ هُوَ أَيْضا مَعَهم فِي شدَّة ومكابدة من أجل اعوجاجهم عَلَيْهِ ثمَّ ذكر أَن من جملَة من غزاهم فِي دولته السَّيِّد سعيد الدكالي قلت وَأَظنهُ وَالِد السَّيِّد إِسْمَاعِيل صَاحب الزاوية الْمَشْهُورَة بِبِلَاد دكالة قَالَ فَنَهَضَ سعيد بِحَال وغيرة وامتعاض لِلْإِسْلَامِ وَسَار إِلَى الْجَبَل الْأَخْضَر وَغَيره فَجمع الجموع نَحْو اثْنَي عشر ألفا وزحف بهم إِلَى الجديدة وَوَافَقَهُ على ذَلِك قَائِد آزمور وَبَعض أَشْيَاخ الشاوية وَكَانُوا فِي نَحْو مِائَتَيْنِ وَخمسين من الْخَيل وارتاع النَّصَارَى مِنْهُم وخافوا خوفًا شَدِيدا وَأمرهمْ قائدهم بالجد فِي حراسة الأسوار والأنقاب وَأَن يسدوا بَاب الجديدة وَلَا يفتحوا مِنْهُ إِلَّا خوخته وحاصرهم الْمُسلمُونَ ثَلَاثًا ثمَّ قضى الله بوفاة السَّيِّد سعيد فافترق ذَلِك الْجمع قَالَ لويز مَاتَ أسفا على مَا فَاتَهُ من الفتك بالنصارى كَمَا يحب
وَفِي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف خرج السُّلْطَان زَيْدَانَ من مراكش وَقصد نَاحيَة آزمور وَلما انْتهى إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بِأم كرس من بِلَاد دكالة حمل إِلَيْهِ نَصَارَى الجديدة هَدِيَّة نفيسة ثمَّ قدم ثغر آزمور فِي نَحْو أَرْبَعِينَ ألفا من الْخَيل على مَا زعم لويز وَدخل الْبَلَد وَأخرج أهل آزمور عدَّة مدافع من البارود فَرحا بِهِ وَلما سمع نَصَارَى الجديدة بذلك أخرجُوا مدافعهم أَيْضا فَرحا بالسلطان وأدبا مَعَه
стр. 1123
وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف ثار على السُّلْطَان زَيْدَانَ الْفَقِير إِبْرَاهِيم كانوت هَكَذَا سَمَّاهُ لويز وَلم أدر من هُوَ قَالَ وَفِي خَامِس عشر من دجنبر من السّنة تواقف جَيش الثائر الْمَذْكُور مَعَ جَيش السُّلْطَان للحرب بِبِلَاد دكالة وَكَانَ جَيش السُّلْطَان يَوْمئِذٍ ألفا وَخَمْسمِائة فَقَط وَجعل على مقدمته ابْنه عبد الْملك فَانْهَزَمَ إِبْرَاهِيم وَقتل وَقتل جمَاعَة كَثِيرَة من أَصْحَابه وَقبض على وَلَده فَبَعثه السُّلْطَان مَعَ عدد وافر من رُؤُوس أَصْحَابه إِلَى مراكش وَأخرج نَصَارَى الجديدة المدافع أَيْضا فَرحا بِهَذَا الْخَبَر فَبعث إِلَيْهِم السُّلْطَان زَيْدَانَ بفرس أَحْمَر لقائدهم إِكْرَاما لَهُ وَكتب إِلَيْهِم بِكِتَاب تَارِيخه سادس رَمَضَان سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف مُكَافَأَة لَهُم على أدبهم مَعَه انْتهى كَلَام لويز وَقَالَ اليفرني ﵀ كَانَ السُّلْطَان زَيْدَانَ من لدن مَاتَ أَبوهُ الْمَنْصُور وبويع هُوَ بفاس فِي محاربة مَعَ إخْوَته وَأَبْنَائِهِمْ ومقاتلة مَعَ القائمين عَلَيْهِ من الثوار الَّذين تقدم ذكر بَعضهم وَلم يخل قطّ فِي سنة من سني دولته من هزيمَة عَلَيْهِ أَو وقيعة بِأَصْحَابِهِ وَوَقعت بَينه وَبَين إخْوَته معارك يشيب لَهَا الْوَلِيد وَكَانَ ذَلِك سَبَب خلاء الْمغرب وخصوصا مَدِينَة مراكش وَمِمَّا عد عَن نحس زَيْدَانَ وَاسْتدلَّ بِهِ على فشل رِيحه أَنه فِي بعض الوقائع بعث كَاتبه عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد التغلبي بِعشْرَة قناطير من الذَّهَب إِلَى صَاحب الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَطلب مِنْهُ أَن يمده بِبَعْض أجناده كَمَا فعل مَعَ عَمه عبد الْملك الْغَازِي فَجهز لَهُ السُّلْطَان العثماني اثْنَي عشر ألفا من جَيش التّرْك وركبوا الْبَحْر فَلَمَّا توسطوه غرقوا جَمِيعًا وَلم ينج مِنْهُم إِلَّا غراب وَاحِد فِيهِ شرذمة قَليلَة
وَقَالَ منويل إِن قراصين الإصبنيول غنمت فِي بعض الْأَيَّام مركبا للسُّلْطَان زَيْدَانَ فِيهِ أثاث نفيسة من جُمْلَتهَا ثَلَاثَة آلَاف سفر من كتب الدّين وَالْأَدب والفلسفة وَغير ذَلِك
قَالَ اليفرني وَكَانَ زَيْدَانَ غير مُتَوَقف فِي الدِّمَاء وَلَا مبال بالعظائم قلت وَهُوَ مُخَالف لما ذكره زَيْدَانَ فِي رسَالَته الَّتِي خَاطب بهَا أَبَا زَكَرِيَّاء
стр. 1124
الْمُتَقَدّمَة من أَنه مَا سعى فِي قتل أحد إِلَّا بفتوى أهل الْعلم وَالظَّن بزيدان أَنه مَا قَالَ ذَلِك إِلَّا عَن صدق وَإِلَّا فَمن الْبعيد أَن يفخر على خَصمه ويدلي بِشَيْء هُوَ متصف بضده
وَكَانَ زَيْدَانَ فَقِيها مشاركا متضلعا فِي الْعُلُوم وَله تَفْسِير على الْقُرْآن الْعَظِيم اعْتمد فِيهِ على ابْن عَطِيَّة والزمخشري
قَالَ اليفرني وَكَانَ كثير المراء والجدال كَمَا وَقع لَهُ مَعَ الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس الصومعي قلت الَّذِي وَقع لَهُ مَعَ الصومعي هُوَ أَنه لما ألف كِتَابه الْمَوْضُوع فِي مَنَاقِب الشَّيْخ أبي يعزى ﵁ وَسَماهُ المعزى بِضَم الْمِيم وَفتح الزَّاي بِصِيغَة اسْم الْمَفْعُول من الرباعي عَارضه زَيْدَانَ وَهُوَ يَوْمئِذٍ بتادلا واليا عَلَيْهَا من قبل أَبِيه بِأَنَّهُ لم يسمع الرباعي من هَذِه الْمَادَّة وَإِنَّمَا قَالَت الْعَرَب عزاهُ يعزوه ثلاثيا فأصر أَبُو الْعَبَّاس ﵀ على رَأْيه إِلَى أَن لطمه زَيْدَانَ على وَجهه بالنعل فَشَكَاهُ إِلَى الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ لَو لطمك وَهُوَ الْمُخطئ لعاقبته أما إِذا كَانَ الصَّوَاب مَعَه فَلَا
قلت كَانَ زَيْدَانَ يَوْمئِذٍ فِي عنفوان الشبيبة فصدر مِنْهُ مَا صدر
(فَإِن يَك عَامر قد قَالَ جهلا ... فَإِن منظمة الْجَهْل الشَّبَاب)
وَمَعَ ذَلِك فَمَا كَانَ من حَقه أَن يفعل وأظن أَن انتكاس رايته سَائِر أَيَّامه إِنَّمَا هُوَ أثر من آثَار تِلْكَ اللَّطْمَة فَإِن لله تَعَالَى غيرَة على المنتسبين إِلَى جنابه الْعَظِيم وَإِن كَانُوا مقصرين فنسأله سُبْحَانَهُ أَن يجنبنا موارد الشَّقَاء ويسلك بِنَا مسالك الرِّفْق فِي الْقَضَاء وللسلطان زَيْدَانَ شعر لَا بَأْس بِهِ مِنْهُ قَوْله
(فتنتنا سوالف وخدود ... وعيون مدعجات رقود)
(ووجوه تبَارك الله فِيهَا ... وشعور على المناكب سود)
(أهلكتنا الملاح وَهِي ظباء ... وخضعنا لَهَا وَنحن أسود)
وَقَوله
(مَرَرْت بِقَبْر هامد وسط رَوْضَة ... عَلَيْهِ من النوار مثل النمارق)
стр. 1125
(فَقلت لمن هَذَا فَقَالُوا بذلة ... ترحم عَلَيْهِ إِنَّه قبر عاشق)
وَكَانَت وَفَاته ﵀ فِي الْمحرم فاتح سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بِجَانِب قبر أَبِيه من قُبُور الْأَشْرَاف قبلي جَامع الْمَنْصُور من قَصَبَة مراكش وَمِمَّا نقش على رخامة قَبره قَول الْقَائِل
(هَذَا ضريح من بِهِ ... تفتخر المفاخر)
(حامي حمى الدّين ... بِكُل ذابل وباتر)
(لَا زَالَ صوب رَحْمَة ... الله عَلَيْهِ ماطر)
(أرخ وَفَاة من غَدا ... جارا لرب غَافِر)
(زَيْدَانَ سبط أَحْمد ... مبتكر المآثر)
(أجل من خَاضَ الوغا ... وللأعادي قاهر)
(وَمن شذا رضوانه ... نفحة كل عاطر)
(بمقعد الصدْق علا ... أَبُو الْمَعَالِي النَّاصِر)
ووزراؤه الباشا مَحْمُود وَيحيى آجانا الوريكي وَغَيرهمَا وَكتابه عبد الْعَزِيز الفشتالي كَاتب أَبِيه وَعبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد التغلبي وَغَيرهمَا وقضاته أَبُو عبد الله الرجراجي وَغَيره وَترك عدَّة أَوْلَاد مِنْهُم عبد الْملك والوليد وَمُحَمّد الشَّيْخ وَهَؤُلَاء ولوا الْأَمر بعده وَأحمد وَغَيرهم رحم الله الْجَمِيع
الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي مَرْوَان عبد الْملك بن زَيْدَانَ ﵀
لما توفّي السُّلْطَان زَيْدَانَ ﵀ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم بُويِعَ بعده ابْنه عبد الْملك وَلما تمت لَهُ الْبيعَة ثار عَلَيْهِ أَخَوَاهُ الْوَلِيد وَأحمد فَوَقَعت بَينه وَبَينهمَا معارك وحروب إِلَى أَن هزمهما وَاسْتولى على مَا كَانَ بيدهما من الْعدة والذخيرة وفر أَحْمد إِلَى بِلَاد الغرب فَدخل حَضْرَة فاس يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من صفر بعد وَفَاة أَبِيه بِسِتَّة وَأَرْبَعين يَوْمًا فاتسم بسمة
следующие страницы →