← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أول من اخترعه وأضيف إِلَيْهِ فَقيل المنصورية وَكَانَ فِي مُدَّة الْمَنْصُور من الْأَحْدَاث أَنه فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَقع غلاء عَظِيم بالمغرب حَتَّى عرف ذَلِك الْعَام بعام الْبُقُول قَالَ فِي الْمرْآة لما انتهب النَّاس غنيمَة وَادي المخازن كَانَ النَّاس يتوقعون مغبتها لاختلاط الْأَمْوَال بالحرام فَظهر أثر ذَلِك من غلاء وَغَيره وَكُنَّا نسْمع أَن الْبركَة رفعت من الْأَمْوَال من يَوْمئِذٍ وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا أصَاب النَّاس فِي بعض فصولها سعال كثير قل من سلم مِنْهُ وَكَانَ الرجل لَا يزَال يسعل إِلَى أَن تفيض نَفسه فَسمى الْعَامَّة تِلْكَ السّنة سنة كحيكحة وَفِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الْكَبِير الشَّأْن أَبُو النَّعيم رضوَان بن عبد الله الجنوي نِسْبَة إِلَى جنوة من بِلَاد الفرنج كَانَ أَبوهُ نَصْرَانِيّا وَأمه يَهُودِيَّة وَسبب إِسْلَام وَالِده مَا حَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاس الأندلسي فِي رحلته أَنه كَانَ لَهُ فرس بِبَلَدِهِ جنوة فَانْطَلق لَيْلًا وَدخل الْكَنِيسَة الْعُظْمَى وراث فِيهَا من غير أَن يشْعر بذلك أحد من السَّدَنَة وَلَا غَيرهم ثمَّ بَادر بِإِخْرَاج الْفرس وَلما أصبح أهل الْكَنِيسَة وَرَأَوا الروث قَالُوا إِن الْمَسِيح جَاءَ البارحة على فرسه إِلَى الْكَنِيسَة وراث فِيهَا فاهتز الْبَلَد لذَلِك وتنافس النَّصَارَى فِي شِرَاء ذَلِك الروث حَتَّى بيع قدر الذّرة مِنْهُ بِمَال جزيل فَعلم أَن النَّصَارَى على ضلال وَهَاجَر إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام فَنزل برباط الْفَتْح من أَرض سلا فَوجدَ هُنَالك امْرَأَة يَهُودِيَّة فَتزَوج بهَا وَولدت لَهُ الشَّيْخ أَبَا النَّعيم فَنَشَأَ مثلا فِي الْعلم وَالْولَايَة ومحبة النَّبِي ﷺ وَكَانَ ﵁ يَقُول خرجت من بَين فرث وَدم أَخذ الطَّرِيقَة عَن أبي مُحَمَّد الغزواني وَقدم عَلَيْهِ مراكش ثمَّ عَاد إِلَى فاس فَمَاتَ بهَا فِي السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن خَارج بَاب الْفتُوح وَفِي سنة خمس وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ الْعَلامَة الإِمَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ المنجور كَانَ متبحرا فِي الْعُلُوم خُصُوصا أصُول الْفِقْه أَخذ عَن اليسيتني وَأبي زيد سقين العاصمي وَأبي الْحسن بن هَارُون وَأبي مَالك الوانشريسي وَغَيرهم

стр. 1052

وَفِي سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة توفّي الشَّيْخ أَبُو الشتَاء الشباوي دَفِين جبل آمركو من بِلَاد فشتالة وَيُقَال اسْمه مُحَمَّد بن مُوسَى وكني بِأبي الشتَاء لِأَن النَّاس قحطوا ولجؤوا إِلَيْهِ فسقوا فِي الْحِين وَهُوَ من أَصْحَاب الشَّيْخ الغزواني وَيُقَال مَا لقِيه إِلَّا مرّة بقبيلتهما الشاوية فعينه ومكنه فهام على وَجهه وَكَانَ من أمره مَا كَانَ وَفِي ثامن عشر ربيع الثَّانِي سنة ثَلَاث وَألف توفّي القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي وَدفن بروضة الشَّيْخ أبي زيد الهزميري خَارج بَاب مصمودة من عدوة فاس الأندلس وَقد تقدّمت بعض أخباره وَفِي سنة أَربع وَألف توفّي الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن مَنْصُور البوزيدي الْمَعْرُوف بِأبي الشكاوي دَفِين شالة وَبهَا كَانَ سكناهُ أَخذ عَن الشَّيْخ المجذوب وَأبي الرواين المحجوب وَغَيرهمَا وَأَوْلَاده ينتسبون إِلَى عِيسَى بن إِدْرِيس الحسني دَفِين آيت عتاب وَالله تَعَالَى أعلم وَفِي سنة سِتّ وَألف توفّي الشَّيْخ الرباني أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مبارك الزعري دَفِين تاستاوت من مشاهير الْأَوْلِيَاء كَانَ أول نشأته بمكناسة الزَّيْتُون ثمَّ خرج إِلَى الْبَادِيَة بعد أَن صعبت عَلَيْهِ الْقِرَاءَة وَرَأى النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ إِنَّك لن تقْرَأ وَلَكِنَّك شيخ فَخرج إِلَى الْبَادِيَة وَكَانَ يظنّ أَنه يكون من أَشْيَاخ الْقَبَائِل حَتَّى هبت عَلَيْهِ نفحة رحمانية فَقدم مراكش وَأخذ عَن الشَّيْخ أبي عَمْرو القسطلي وَرجع إِلَى باديته فَبنى مَسْجِدا فِي الْموضع الَّذِي عين لَهُ شَيْخه لسكناه فَيُقَال إِنَّه لما قيل لَهُ جعلت محرابه منحرفا عَن الْقبْلَة أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى جِهَة مَكَّة فتزحزحت الْجبَال حَتَّى شَاهد الْحَاضِرُونَ مَكَّة وَالله على كل شَيْء قدير وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشَّرْقِي معاصرا لَهُ فَقيل لَهُ إِن الشَّيْخ ابْن مبارك قَالَ أهل زَمَاننَا محسوبون علينا فَقَالَ اشْهَدُوا أَنا من أهل زمَان ابْن مبارك وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا كَانَ الطَّاعُون الْعَظِيم بمراكش وَغَيرهَا بِحَيْثُ عَم تلول الْمغرب واستطال فِيهَا وَمَات بِهِ جمع من الْأَعْيَان مِنْهُم الشَّيْخ ابْن مبارك الْمَذْكُور وَفِي سنة تسع وَألف فِي جُمَادَى الْآخِرَة مِنْهَا كَانَ سيل عَظِيم بفاس ثمَّ

стр. 1053

فِي شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة كَانَ سيل أعظم من الأول تهدمت مِنْهُ الدّور والحوانيت وتهدم سد الْوَادي بفاس على وثاقته وإحكامه وَهَذَا السد هُوَ الَّذِي كَانَ جدده السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الوطاسي ثمَّ جدده الْمَنْصُور فِي هَذِه الْمرة من أحباس الْقرَوِيين وَفِي سنة عشر وَألف توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الرباني أَبُو عبد الله وَيُقَال أَبُو عبد الله مُحَمَّد فتحا الشَّرْقِي ابْن الْوَلِيّ الصَّالح أبي الْقَاسِم الزعري الجابري ثمَّ الرثمي هَكَذَا نسبه صَاحب الْمرْآة وَغَيره وَرفع أَبُو عَليّ المعداني فِي كِتَابه الرَّوْض الفائح نسبه إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب ﵁ ثمَّ نقل عَن حفيده الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي عبد الله مُحَمَّد الصَّالح بن الْمُعْطِي مَا نَصه إِن الشَّيْخ سَيِّدي مُحَمَّد الشَّرْقِي لم تُوجد هَذِه النِّسْبَة العمرية بِخَطِّهِ فِيمَا عثرنا عَلَيْهِ أما بَنو أَخِيه وَبَنوهُ وحفدته فقد وجدت بِخَط الثِّقَة مِنْهُم وتواتر نقلهَا عَنْهُم وكتبت فِي إجازاتهم وَكَذَا فِي تمليكاتهم اه وَهَذَا الشَّيْخ أَعنِي أَبَا عبد الله الشَّرْقِي كَانَ من أكَابِر أهل وقته يُقَال إِنَّه بلغ دَرَجَة القطبانية وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْأَوْلِيَاء وَبعث إِلَيْهِ الْمَنْصُور جمَاعَة يختبرونه فظهرت لَهُم كراماته واتفقت لَهُ مَعَ الشَّيْخ المنجور كَرَامَة حَملته على أَن وَفد عَلَيْهِ زَائِرًا ومدحه بقصيدة ذكر بَعْضهَا اليفرني فِي الصفوة وَله مَعَ أبي المحاسن الفاسي مراسلات ومواصلات وَوَقع بَينهمَا كَلَام طَوِيل انْظُر ابتهاج الْقُلُوب أَخذ ﵁ عَن وَالِده عَن الشَّيْخ التباع وَاعْتمد على الشَّيْخ الْكَبِير أبي عبد الله مُحَمَّد بن عَمْرو المختاري من أحواز مكناسة وَأخذ أَيْضا عَن ابْن مبارك الزعري

стр. 1054

وَأبي مُحَمَّد بن ساسي وَتُوفِّي أَوَائِل الْمحرم من السّنة الْمَذْكُورَة وَدفن بجعيدان وقبره شهير نفعنا الله بِهِ وبسائر أهل الله تمّ الْجُزْء الْخَامِس ويليه الْجُزْء السَّادِس وأوله الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْمَعَالِي زَيْدَانَ بن أَحْمد الْمَنْصُور رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 1055

٦ -

стр. 1056

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الدولة السعدية الْقسم الثَّانِي الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْمَعَالِي زَيْدَانَ بن أَحْمد الْمَنْصُور رَحمَه الله تَعَالَى لما توفّي الْمَنْصُور ﵀ وَفرغ النَّاس من دَفنه اجْتمع أهل الْحل وَالْعقد من أَعْيَان فاس وكبرائها وَالْجُمْهُور من جَيش الْمَنْصُور على بيعَة وَلَده زَيْدَانَ وَقَالُوا إِن الْمَنْصُور اسْتَخْلَفَهُ فِي حَيَاته وَمَات فِي حجره وَكَانَ مِمَّن تصدى لذَلِك القاضيان قَاضِي الْجَمَاعَة بفاس أَبُو الْقَاسِم بن أبي النَّعيم وَالْقَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عمرَان السلاسي والأستاذ أَبُو عبد الله مُحَمَّد الشاوي وَالشَّيْخ النظار أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الْقصار وَغَيرهم ويحكى أَن القَاضِي ابْن أبي النَّعيم قَامَ فِي النَّاس خَطِيبًا وَقَالَ أما بعد السَّلَام عَلَيْكُم فَإِن رَسُول الله ﷺ لما مَاتَ اجْتمع النَّاس على أبي بكر ﵁ وَنحن قد مَاتَ مَوْلَانَا أَحْمد وَهَذَا وَلَده مَوْلَانَا زَيْدَانَ أولى بِالْملكِ من إخْوَته فَبَايعهُ الْحَاضِرُونَ يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّادِس عشر من ربيع الأول سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف قَالُوا وَكَانَ زَيْدَانَ لما توفّي وَالِده كتم مَوته وَبعث

стр. 1057

جمَاعَة للقبض على أَخِيه الشَّيْخ المسجون بمكناسة فَمَنعهُمْ من ذَلِك الباشا جؤذر كَبِير جَيش الأندلس وَحمل الشَّيْخ موثقًا إِلَى مراكش حَتَّى دَفعه إِلَى أَخِيه أبي فَارس وَكَانَ شقيقا لَهُ فَلم يزل مسجونا عِنْده إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا يَأْتِي كَذَا قَالَ بَعضهم وَقَالَ فِي شرح زهرَة الشماريخ إِن زَيْدَانَ لما اشْتغل بدفن وَالِده احتال الْقَائِد أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مَنْصُور العلج فَذهب بِنصْف الْمحلة إِلَى مراكش نازعا عَن زَيْدَانَ إِلَى أبي فَارس وَمر فِي طَرِيقه بمكناسة فَأخْرج الشَّيْخ من اعتقاله واحتمله مَعَه إِلَى أبي فَارس فسجنه فَلم يزل مسجونا عِنْده إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ وَالله تَعَالَى أعلم انحراف أهل مراكش عَن طَاعَة زَيْدَانَ وبيعتهم لأبي فَارس وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من الْفِتْنَة كَانَ الْمَنْصُور ﵀ قد فرق عمالات الْمغرب على أَوْلَاده كَمَا مر فَاسْتعْمل الشَّيْخ على فاس والغرب وولاه عَهده وَاسْتعْمل زَيْدَانَ على تادلا وأعمالها واستخلف عِنْد نهوضه إِلَى فاس ابْنه أَبَا فَارس على مراكش وأعمالها وَكَانَ يكاتبه بِمَا مر بعضه من الرسائل فَلَمَّا اتَّصل بِأَهْل مراكش وَفَاة الْمَنْصُور وَكتب إِلَيْهِم أهل فاس بمبايعتهم لزيدان امْتَنعُوا وَبَايَعُوا أَبَا فَارس لكَونه خَليفَة أَبِيه بدار ملكه الَّتِي هِيَ مراكش وَلِأَن جلّ الْخَاصَّة من حَاشِيَة أَبِيه كَانَ يمِيل إِلَى أبي فَارس لِأَن زَيْدَانَ كَانَ منتبذا عَنْهُم بتادلا سَائِر أَيَّام أَبِيه فَلم يكن لَهُم بِهِ كثير إِلْمَام وَلَا مزِيد استئناس مَعَ أَنه كَانَ جَدِيرًا بِالْأَمر لعلمه وأدبه وَكَمَال مروءته ﵀ إِلَّا أَن السعد لم يساعده وَقد قيل فِي الْمثل قَدِيما قَاتل بِسَعْد وَإِلَّا فدع وَلما شقّ أهل مراكش الْعَصَا على زَيْدَانَ كثر فِي ذَلِك القيل والقال حَتَّى صدرت فَتْوَى من قَاضِي فاس ابْن أبي النَّعيم ومفتيها أبي عبد الله الْقصار تَتَضَمَّن التَّصْرِيح بِحَدِيث (إِذا بُويِعَ خليفتين فَاقْتُلُوا الآخر مِنْهُمَا) وَكَانَت بيعَة أبي فَارس

стр. 1058

بمراكش يَوْم الْجُمُعَة أَوَاخِر ربيع الأول من سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَهُوَ شَقِيق الشَّيْخ الْمَأْمُون أمهما أم ولد اسْمهَا الْجَوْهَر وَيُقَال الخيزران وَاسم أبي فَارس هَذَا عبد الله وتلقب بالواثق بِاللَّه وَكَانَ أكولا عَظِيم الْبَطن مصابا بِمَسّ الْجِنّ وَيُقَال إِنَّه لذَلِك ابتنى الْمَسْجِد الْجَامِع بجوار ضريح الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس السبتي وشيد مَنَارَة وشحن الخزانة الَّتِي بقبلي الْجَامِع الْمَذْكُور بمنتخب الْكتب ونفيس الدفاتر كل ذَلِك رَجَاء أَن تعود عَلَيْهِ بركَة ذَلِك الشَّيْخ بالبرء من تِلْكَ الْعلَّة وَكَانَ مَعَ ذَلِك يمِيل إِلَى الْمُرُوءَة والرفق وَحسن السِّيرَة ﵀ نهوض السُّلْطَان زَيْدَانَ لِحَرْب أبي فَارس وانهزامه بِأم الرّبيع ثمَّ فراره إِلَى تلمسان لما بَايع أهل مراكش أَبَا فَارس بن الْمَنْصُور عزم زَيْدَانَ على النهوض إِلَيْهِ فَخرج من فاس يؤم بِلَاد الْحَوْز واتصل الْخَبَر بِأبي فَارس فَجهز لقتاله جَيْشًا كثيفا وَأمر عَلَيْهِم وَلَده عبد الْملك إِلَى نظر الباشا جؤذر فَقيل لَهُ إِن زَيْدَانَ رجل شُجَاع عَارِف بمكايد الْحَرْب وخدعه وولدك عبد الْملك لَا يقدر على مقاومته فَلَو سرحت أَخَاك الشَّيْخ لقتاله كَانَ أقرب للرأي لِأَن أهل الغرب لَا يقاتلونه لِأَنَّهُ كَانَ خَليفَة عَلَيْهِم مُدَّة فهم آنس بِهِ من زَيْدَانَ فَأطلق أَبُو فَارس أَخَاهُ الْمَأْمُون من ثقاف السجْن وَأخذ عَلَيْهِ العهود والمواثيق على النصح وَالطَّاعَة وَعدم شقّ الْعَصَا ثمَّ سرحه فِي سِتّمائَة من جَيش المتفرقة الَّذين كَانَ الْمَنْصُور جمعهم ليَبْعَث بهم إِلَى كاغو من أَعمال السودَان وَقَالَ لَهُ ولأصحابه جدوا السّير اللَّيْلَة كي تصبحوا بمحلة جؤذر على وَادي أم الرّبيع فَلَمَّا انْتهى الشَّيْخ إِلَى الْمحلة الْمَذْكُورَة وَعلم النَّاس بِهِ أهرعوا إِلَيْهِ وَاسْتَبْشَرُوا بمقدمه ثمَّ كَانَت الملاقاة بَينه وَبَين السُّلْطَان زَيْدَانَ بِموضع يُقَال لَهُ حواتة عِنْد أم الرّبيع ففر عَن زَيْدَانَ أَكثر جَيْشه إِلَى الْمَأْمُون وحنوا إِلَى

стр. 1059

سالف عَهده وقديم صحبته فَانْهَزَمَ زَيْدَانَ لذَلِك وَرجع أدراجه إِلَى فاس فتحصن بهَا وَكَانَ أَبُو فَارس قد تقدم إِلَى أَصْحَابه فِي الْقَبْض على الشَّيْخ مَتى وَقعت الْهَزِيمَة على زَيْدَانَ فَلَمَّا فر زَيْدَانَ انْعَزل الشَّيْخ فِيمَن انْضَمَّ إِلَيْهِ من جَيش أهل الغرب وَامْتنع على أَصْحَاب أبي فَارس فَلم يقدروا مِنْهُ على شَيْء وانتعش أمره واشتدت شوكته ثمَّ سَار إِلَى فاس يقفو أثر السُّلْطَان زَيْدَانَ وَلما اتَّصل بزيدان خبر مَجِيئه إِلَيْهِ راود أهل فاس على الْقيام مَعَه فِي الْحصار والذب عَنهُ وَالْوَفَاء بِطَاعَتِهِ الَّتِي هِيَ مُقْتَضى بيعتهم الَّتِي أعْطوا بهَا صفقتهم عَن رضى مِنْهُم فامتنعوا عَلَيْهِ وقلبوا لَهُ ظهر الْمِجَن وأعلنوا بنصر الشَّيْخ وبيعته لقديم صحبتهم لَهُ وَلما آيس زَيْدَانَ من نَصرهم وَقد أرهقه الشَّيْخ فِي جموعه خرج من فاس بحشمه وَثقله ناجيا بِنَفسِهِ وَتَبعهُ جمع عَظِيم من أَصْحَاب الشَّيْخ فَلم يقدروا مِنْهُ على شَيْء وَذهب إِلَى تلمسان فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ وَأما الشَّيْخ فَإِنَّهُ لما وصل إِلَى فاس تَلقاهُ أَهلهَا ذُكُورا وإناثا وأظهروا الْفَرح بمقدمه فَدَخلَهَا ودعا لنَفسِهِ فَأُجِيب واستبد بملكها ثمَّ أَمر جَيش أهل مراكش أَن يرجِعوا إِلَى بِلَادهمْ فانقلبوا إِلَى صَاحبهمْ مخفقين وَكَانَ الشَّيْخ لما تمّ غَرَضه من الاستبداد بِالْأَمر والانفراد بالسلطنة دَعَا بالشيخين الفقيهين قَاضِي الْجَمَاعَة أبي الْقَاسِم بن أبي النَّعيم ومفتيها أبي عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الْقصار فلامهما على مبايعة زَيْدَانَ وقولهما فِيهِ وَفِي أَخِيه أبي فَارس إِن أَوْلَاد الْإِمَاء لَا يتقدمون فِي الْأَمر على أَوْلَاد الْحَرَائِر وَكَانَ أَبُو فَارس وَالشَّيْخ وَلَدي أمه اسْمهَا الخيزران كَمَا مر وزيدان أمه حرَّة من الشبانات وعزم أَن ينكل بهما ثمَّ بعث بهما مَعَ جَيش مراكش إِلَى أَخِيه أبي فَارس ليرى فيهمَا رَأْيه فَأَما الشَّيْخ الْقصار فَتوفي ﵀ على مقربة من مراكش بزاوية الشَّيْخ ابْن ساسي وَحمل إِلَى مراكش فَدفن بقبة القَاضِي عِيَاض

стр. 1060

وَذَلِكَ فِي أواسط سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَأما القَاضِي أَبُو الْقَاسِم فَاجْتمع بِأبي فَارس فَقبل عذره وصفح عَنهُ ورده مكرما إِلَى فاس هَكَذَا ذكره بَعضهم وَقيل إِن الَّذِي بعث بالشيخ الْقصار إِلَى مراكش هُوَ السُّلْطَان زَيْدَانَ على وَجه يُخَالف هَذَا وَالله أعلم نهوض عبد الله بن الشَّيْخ لِحَرْب عَمه أبي فَارس واستيلاؤه على مراكش ثمَّ إِن الشَّيْخ المتغلب على فاس دَعَا بتجار أَهلهَا فاستسلف مِنْهُم مَالا كثيرا وَأظْهر من الظُّلم وَسُوء السِّيرَة وخبث السريرة مَا هُوَ شهير بِهِ ثمَّ تتبع قواد أَبِيه فنهب ذخائرهم واستصفى أَمْوَالهم وعذب من أخْفى من ذَلِك شَيْئا مِنْهُم ثمَّ جهز جَيْشًا لقِتَال أَخِيه أبي فَارس بمراكش وَكَانَ عدد الْجَيْش نَحْو الثَّمَانِية آلَاف وَأمر عَلَيْهِ وَلَده عبد الله فَسَار بجيوشه فَوجدَ أَبَا فَارس بمحلته فِي مَوضِع يُقَال لَهُ إكلميم وَيُقَال فِي مرس الرماد فَوَقَعت الْهَزِيمَة على أبي فَارس وَقتل نَحْو الْمِائَة من أَصْحَابه ونهبت محلته وفر هُوَ بِنَفسِهِ إِلَى مسفيوة وَدخل عبد الله بن الشَّيْخ مراكش فأباحها لجيشه فنهبت دورها واستبيحت محارمها وَا شتغل هُوَ بِالْفَسَادِ وَمن يشابه أَبَاهُ فَمَا ظلم حَتَّى حُكيَ أَنه زنى بِجوَارِي جده الْمَنْصُور واستمتع بحظاياه وَأكل رَمَضَان وَشرب الْخمر فِيهِ جهارا وَعَكَفَ على اللَّذَّات وَألقى جِلْبَاب الْحيَاء عَن وَجهه وَكَانَ دُخُوله مراكش فِي الْعشْرين من شعْبَان سنة خمس عشرَة وَألف

стр. 1061

مَجِيء السُّلْطَان زَيْدَانَ إِلَى الْمغرب واستيلاؤه على مراكش وطرده عبد الله بن الشَّيْخ عَنْهَا كَانَ السُّلْطَان زَيْدَانَ لما فر من فاس إِلَى تلمسان كَمَا مر أَقَامَ بهَا مُدَّة وَكَانَ قد بعث إِلَى ترك الجزائر يستمدهم ويستعديهم على أَخَوَيْهِ فأبطؤوا عَلَيْهِ وَطَالَ عَلَيْهِ انتظارهم فَلَمَّا يئس مِنْهُم توجه إِلَى سجلماسة فَدَخلَهَا من غير قتال وَلَا محاربة ثمَّ انْتقل عَنْهَا إِلَى درعة وَمِنْهَا إِلَى السوس فَكتب إِلَيْهِ أهل مراكش وَقد ندموا على مَا فرطوا فِيهِ من أمره وَالدُّخُول فِي طَاعَته أَن يَأْتِيهم وَلَو وَحده فَتوجه إِلَيْهِم وَدخل عَلَيْهِم لَيْلًا فَلم يفجأ عبد الله بن الشَّيْخ إِلَّا نِدَاء أهل مراكش بنصر السُّلْطَان زَيْدَانَ وتحزبوا مَعَه وتقدموا إِلَى قائدهم عبد الله آعراس الَّذِي ولاه عَلَيْهِم الشَّيْخ فَقَتَلُوهُ وَخرج عبد الله فَارًّا بجموعه من أهل فاس والغرب فَحَاصَرَهُمْ أهل مراكش بَين الأسوار والجنات وَقتلُوا من أَصْحَاب عبد الله بِموضع يعرف بجنان بكار نَحْو الْخَمْسَة آلَاف وَخَمْسمِائة وَأمر زَيْدَانَ بقتل كل من تخلف عَن عبد الله من جَيْشه فَأتى الْقَتْل على جَمِيع من وجد بمراكش من جَيش أهل فاس وَذَلِكَ فِي أَوَاخِر سنة خمس عشرَة وَألف وفر عبد الله بن الشَّيْخ ناجيا بِنَفسِهِ حَتَّى قدم على أَبِيه بفاس فِي أَسْوَأ الْحَالَات مفلول العساكر مهزوم الجموع معتاضا عَن جَيش النَّصْر بِجَيْش الدُّمُوع

стр. 1062

عودة عبد الله بن الشَّيْخ إِلَى مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا وطرده زَيْدَانَ عَنْهَا لما قدم عبد الله بن الشَّيْخ على أَبِيه بفاس سليبا مهزوما قَامَت قِيَامَته وَرَأى أَن يُهَيِّئ عسكرا آخر ويجدد جمعا ثَانِيًا فَلم يجد لذَلِك طَاقَة لفراغ يَده من المَال وَقلة جبايته واستحيى أَن يستسلف من التُّجَّار لِأَنَّهُ كَانَ استسلف مِنْهُم فَلم يرد لَهُم شَيْئا وَلما أعيته الْحِيلَة رَجَعَ على قواده فَقلب لَهُم ظهر الْمِجَن وَنهب أَمْوَالهم واستلب ذخائرهم وَصَارَ يفرقها على التُّجَّار فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك أَمْوَال عريضة فرقها فِي جَيْشه وتهيأ عبد الله للمسير إِلَى مراكش وَكَانَ أهل فاس قد غضبوا لمن قتل من إخْوَانهمْ بهَا وَنَادَوْا بِأخذ ثأرهم حَتَّى إِن بَعضهم خرج مَعَ عبد الله من غير أَخذ مُرَتّب وَلَا جامكية فَخرج عبد الله بجموع عديدة وجيوش حفيلة وَلما بلغ خَبره للسُّلْطَان زَيْدَانَ بعث إِلَيْهِ العلج مصطفى باشا فِي جيوش كَثِيرَة قَالَ فِي شرح زهرَة الشماريخ كَانَ بعث مصطفى باشا وَخُرُوجه من مراكش فِي شعْبَان سنة سِتّ عشرَة وَألف فَالتقى الْجَمْعَانِ بِموضع يُقَال لَهُ تافلفلت على طَرِيق سلا فَهزمَ مصطفى باشا وَقتل من جَيش مراكش نَحْو التِّسْعَة آلَاف وَبعث الشَّيْخ جمَاعَة من عدُول فاس إِلَى مَوضِع المعركة حَتَّى أحصوا الْقَتْلَى ثمَّ توجه عبد الله إِلَى مراكش فبرز إِلَيْهِ أَهلهَا فِي سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف مقَاتل والتقى الْجَمْعَانِ بِموضع يُقَال لَهُ رَأس الْعين فَانْهَزَمَ أهل مراكش وَتقدم عبد الله بن الشَّيْخ فاقتحمها بجيشه وفر زَيْدَانَ إِلَى المعاقل المنيعة وَالْجِبَال الشامخة فَبَقيَ منتقلا هُنَالك إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ

стр. 1063

ثورة مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ وانقراض أمره وعود زَيْدَانَ إِلَى مراكش لما دخل عبد الله بن الشَّيْخ مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا فعل فِيهَا أعظم من فعلته الأولى وهربت شرذمة من أهل مراكش إِلَى جبل جيليز وَاجْتمعَ هُنَالك مِنْهُم عِصَابَة من أهل النجدة وَالْحمية وَاتفقَ رَأْيهمْ على أَن يقدموا للخلافة مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ وَكَانَ رجلا خيرا دينا صينا وقورا فَبَايعهُ أهل مراكش هُنَالك والتفوا عَلَيْهِ فَخرج عبد الله بن الشَّيْخ لقِتَال من بجبل جيليز وَالْقَبْض على أَمِيرهمْ الْمَذْكُور وَلما التقى الْجَمْعَانِ انهزم عبد الله وَولى أَصْحَابه الأدبار فَخرج من مراكش مهزوما سادس شَوَّال سنة سِتّ عشرَة وَألف وَترك محلته وأنفاضه وعدته وَجل الْجَيْش وَأخذ على طَرِيق تامسنا وامتحن أَصْحَابه فِي ذهابهم حَتَّى كَانَ مد الْقَمْح عِنْدهم بِثَلَاثِينَ أُوقِيَّة والخبزة من نصف رَطْل بِربع مِثْقَال وَلم يزل أَصْحَابه ينتهبون مَا مروا عَلَيْهِ من الْخيام والعمود ويسبون الْبَنَات إِلَى أَن وصلوا إِلَى فاس فِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة وَأما مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن فَإِنَّهُ لما دخل مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا صفح عَن الَّذين تخلفوا بهَا من أهل الغرب من جَيش عبد الله بن الشَّيْخ وَأَعْطَاهُمْ الرَّاتِب فَلم يعجب ذَلِك أهل مراكش ونقموا عَلَيْهِ إبقاءه عَلَيْهِم وَكَانُوا نَحْو الْألف وَنصف فَكَتَبُوا سرا إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ بِالْجَبَلِ فَأَتَاهُم وخيم نازلا بِظَاهِر الْبَلَد فَخرج مُحَمَّد بن عبد الْمُؤمن إِلَى لِقَائِه فَانْهَزَمَ ابْن عبد الْمُؤمن وَدخل السُّلْطَان زَيْدَانَ مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا وصفح هُوَ أَيْضا عَن الفئة المتخلفة عَن عبد الله بن الشَّيْخ وَذكر فِي شرح زهرَة الشماريخ إِن هَذَا الثائر بجبل جيليز اسْمه أَبُو حسون من أَوْلَاد السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس الْأَعْرَج وَالله أعلم وَلَعَلَّ هَذَا الصَّوَاب بِدَلِيل مَا يَأْتِي فِي رِسَالَة زَيْدَانَ إِن شَاءَ الله

стр. 1064

خُرُوج جالية الأندلس من غرناطة وأعمالها إِلَى بِلَاد الْمغرب وَغَيرهَا قد قدمنَا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء الطاغية صَاحب قشتالة على غرناطة وأعمالها سنة سبع وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَإِن أهل غرناطة التزموا طَاعَته والبقاء تَحت حكمه على شُرُوط اشترطوها عَلَيْهِ قد ذكرنَا بَعْضهَا فِيمَا سلف وَأَن عَدو الدّين قد نقض تِلْكَ الشُّرُوط عُرْوَة عُرْوَة وَكَانَ أهل الأندلس من أجل ذَلِك كثيرا مَا يهاجرون من بِلَاد الْكفْر إِلَى بِلَاد الْإِسْلَام أثْنَاء هَذِه الْمدَّة السالفة غير أَن عامتهم كَانُوا قد تخلقوا بأخلاق الْعَجم وَأثر فيهم ذَلِك أثرا ظَاهرا لطول صحبتهم لَهُم ونشأة أَعْقَابهم بَين أظهرهم فَكَانَت تصدر مِنْهُم فِي بعض الأحيان مقالات قبيحة فِي حق وُلَاة الْمُسلمين من أهل الْمغرب وعامتهم لَا سِيمَا إِذا نالهم مِنْهُم بعض الظُّلم وَلَقَد رَأَيْت فِي كتاب المعيار وَغَيره سُؤَالَات وفتاوى صدرت عَن عُلَمَاء الْمغرب فِي حق هَؤُلَاءِ الصِّنْف مِنْهُم وَكَانَ الْمُلُوك السعديون قد جمعُوا مِنْهُم جندا كَبِيرا وبهم فتح الْمَنْصُور إقليم السودَان وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى أَن كَانَت سنة سِتّ عشرَة وَألف فَهَاجَرَ جَمِيع من لم يتنصر مِنْهُم إِلَى بِلَاد الْمغرب وَغَيرهَا قَالَ فِي نفح الطّيب كَانَ النَّصَارَى بالأندلس قد شَدَّدُوا على الْمُسلمين بهَا فِي التنصر حَتَّى أَنهم أحرقوا مِنْهُم كثيرا بِسَبَب ذَلِك ومنعوهم من حمل السكين الصَّغِير فضلا عَن غَيرهَا من الْحَدِيد وَقَامُوا فِي بعض الْجبَال على النَّصَارَى مرَارًا وَلم يقيض الله لَهُم ناصرا إِلَى أَن كَانَ إِخْرَاج النَّصَارَى إيَّاهُم أَعْوَام سَبْعَة عشرَة وَألف فَخرجت أُلُوف بفاس وألوف أخر بتلمسان ووهران وَخرج جمهورهم بتونس فتسلط عَلَيْهِم الْأَعْرَاب وَمن لَا يخْشَى الله تَعَالَى فِي الطرقات ونهبوا أَمْوَالهم وَهَكَذَا كَانَ بِبِلَاد تلمسان وفاس وَنَجَا الْقَلِيل مِنْهُم من هَذِه الْمضرَّة وَأما الَّذين خَرجُوا بنواحي تونس فَسلم أَكْثَرهم وهم لهَذَا الْعَهْد قد عمروا قراها الخالية وبلادها اه

стр. 1065

وَقَالَ صَاحب الْخُلَاصَة النقية فِي أُمَرَاء إفريقية مَا نَصه وَفِي سنة سِتّ عشرَة وَألف قدمت الْأُمَم الجالية من جَزِيرَة الأندلس فأوسع لَهُم صَاحب تونس عُثْمَان داي كنفه وأباح لَهُم بِنَاء الْقرى فِي مَمْلَكَته فبنوا نَحْو الْعشْرين قَرْيَة واغتبط بهم أهل الحضرة وتعلموا حرفهم وقلدوا ترفهم اه ثمَّ قَالَ فِي نفح الطّيب وَكَذَلِكَ خرج طوائف مِنْهُم بتطاوين وسلا والجزائر وَلما استخدم سُلْطَان الْمغرب الْأَقْصَى مِنْهُم عسكرا جرارا وَسَكنُوا سلا كَانَ مِنْهُم من الْجِهَاد فِي الْبَحْر مَا هُوَ مَشْهُور الْآن وحصنوا قلعة سلا وبنوا بهَا الْقُصُور والحمامات والدور وهم الْآن بِهَذَا الْحَال وَوصل جمَاعَة مِنْهُم إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة الْعُظْمَى وَإِلَى مصر وَالشَّام وَغَيرهَا من بِلَاد الْإِسْلَام اه كَلَام نفح الطّيب وَقَوله وحصنوا قلعة سلا يَعْنِي بهَا رِبَاط الْفَتْح إِذْ هِيَ يَوْمئِذٍ مُضَافَة إِلَى سلا ومعدودة مِنْهَا وَالله تَعَالَى أعلم اسْتِيلَاء السُّلْطَان زَيْدَانَ على فاس وفرار الشَّيْخ بن الْمَنْصُور عَنْهَا إِلَى العرائش ثمَّ إِلَى طاغية الإصبنيول كَانَ الشَّيْخ بن الْمَنْصُور عَفا الله عَنهُ على مَا تقدم من قبح السِّيرَة والإساءة إِلَى الْخَاصَّة والعامة حَتَّى مِلَّته النُّفُوس ورفضته الْقُلُوب وضاق أهل فاس بشؤمه ذرعا وَكَانَ قد بعث ابْنه عبد الله مرّة ثَالِثَة إِلَى حَرْب السُّلْطَان زَيْدَانَ بمراكش وأعمالها فَخرج عبد الله من فاس آخر ذِي الْحجَّة سنة سِتّ عشرَة وَألف فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي بوركراك فَكَانَت الْهَزِيمَة على عبد الله وفر فِي رَهْط من أَصْحَابه وَترك محلته بِمَا فِيهَا بيد السُّلْطَان زَيْدَانَ فاستولى عَلَيْهَا وانضم إِلَيْهِ جَيش عبد الله من أهل فاس وَغَيرهم ميلًا إِلَيْهِ ورغبة فِي صحبته فَعَفَا عَنْهُم وتألفهم واستفحل أَمر السُّلْطَان زَيْدَانَ وَتكلم بِهِ أهل فاس وَسَائِر بِلَاد الغرب واتصل الْخَبَر بالشيخ وَعرف أَن قُلُوب النَّاس عَلَيْهِ فخاف الفضيحة وَأصْبح غاديا فِي أَهله وحشمه إِلَى نَاحيَة العرائش فاحتل

стр. 1066

بِالْقصرِ الْكَبِير وَهُنَاكَ لحق بِهِ ابْنه عبد الله مهزوما من وقْعَة بوركراك وانضم إِلَيْهِمَا أَبُو فَارس بن الْمَنْصُور فَإِنَّهُ بعد فراره من مرس الرماد إِلَى مسفيوة أَقَامَ بهَا مُدَّة وَلما استولى السُّلْطَان زَيْدَانَ على مراكش كَمَا مر شدد فِي طلبه ففر إِلَى السوس وَلما أعيت عَلَيْهِ الْمذَاهب وزيدان فِي طلبه لحق بشقيقه الشَّيْخ فَكَانَ مَعَه إِلَى هَذَا التَّارِيخ ثمَّ إِن السُّلْطَان زَيْدَانَ بعث كَبِير جَيْشه مصطفى باشا إِلَى فاس فَانْتهى إِلَيْهَا وَنزل مخيما بِظهْر الزاوية وَوجد لأَصْحَاب الشَّيْخ زروعا كَثِيرَة فَأرْسل مصطفى باشا عَلَيْهَا جَيْشه فانتسفوها وَدخلت فاس فِي طَاعَته ثمَّ نَهَضَ إِلَى نَاحيَة الْقصر الْكَبِير نَاوِيا الْقَبْض على الشَّيْخ وَحزبه واتصل بالشيخ خَبره ففر إِلَى العرائش وَمِنْهَا ركب الْبَحْر إِلَى طاغية الإصبنيول مستصرخا بِهِ على السُّلْطَان زَيْدَانَ وَحمل مَعَه أمه الخيزران وَبَعض عِيَاله وَجَمَاعَة من قواده وبطانته وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة سبع عشرَة وَألف وانْتهى مصطفى باشا إِلَى الْقصر الْكَبِير فَقبض على من وجد بِهِ من أَصْحَاب الشَّيْخ وفر عبد الله وَأَبُو فَارس فَنزلَا بِموضع يُقَال لَهُ سطح بني وارتين فَبلغ خبرهما إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ فجَاء حَتَّى نزل قبالتهما بِموضع يُقَال لَهُ آرورات ففر من كَانَ مَعَهُمَا إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ وَلما بقيا أوحش من وتد بقاع فرا إِلَى دَار الْيَهُودِيّ ابْن مشعل من بِلَاد بني يزناسن فأقاما بهَا وَاخْتصرَ صَاحب الْمرْآة هَذَا الْخَبَر فَقَالَ كَانَ السُّلْطَان أَبُو الْمَعَالِي زَيْدَانَ بن الْمَنْصُور التقى مَعَ ابْن أَخِيه عبد الله بن الشَّيْخ صَاحب فاس برؤوس الشعاب يَوْم الْخَمِيس السَّابِع وَالْعِشْرين من شَوَّال سنة سبع عشرَة وَألف فَانْهَزَمَ عبد الله بن الشَّيْخ وفر إِلَى محلّة أَبِيه بالعرائش ثمَّ رَجَعَ إِلَى جِهَة فاس وانْتهى إِلَى دَار ابْن مشعل وَاسْتولى عَمه السُّلْطَان زَيْدَانَ على محلته وَسَار إِلَى فاس فَدَخلَهَا وَأقَام بهَا اه وَفِي دخلة السُّلْطَان زَيْدَانَ هَذِه إِلَى فاس قبض على الْفَقِيه القَاضِي أبي

стр. 1067

الْحسن عَليّ بن عمرَان السلاسي ﵀ قَالَ اليفرني فِي الصفوة كَانَ القَاضِي الْمَذْكُور مِمَّن أَخذ عَن الشَّيْخ الْقصار وَكَانَ مَعَ ذَلِك لما ولي الْقصار الْفَتْوَى والخطابة بِجَامِع الْقرَوِيين يسْعَى عِنْد السُّلْطَان فِي تَأْخِيره حَتَّى أخر وَولي هُوَ مَكَانَهُ مُدَّة يسيرَة ثمَّ أُعِيد الْقصار وَكَانَت بَينهمَا شَحْنَاء عَظِيمَة بِسَبَب فَتْوَى تنَازعا فِيهَا ثمَّ أفضت الْحَال بِالْقَاضِي أبي الْحسن إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ السُّلْطَان زَيْدَانَ بِسَبَب أَنه عثر لَهُ على كتاب كتبه إِلَى بعض إخْوَته ينتقصه فِيهِ ويوهن أمره فأوغر ذَلِك قلب السُّلْطَان عَلَيْهِ فسطا بِهِ وسجنه وَنهب دَاره وأثاثه ثمَّ سقَاهُ سما على مَا قيل فَكَانَ فِيهِ حتفه وَقد حُكيَ هَذَا الْخَبَر فِي مَوضِع آخر من الصفوة مطولا فَقَالَ كَانَ القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عمرَان السلاسي شَدِيد الانحراف عَن الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الفاسي سيئ الِاعْتِقَاد فِيهِ وَلم يزل يسْعَى بِهِ ويكيده فاتفق أَن اجْتمع بالشيخ فِي بعض اللَّيَالِي بعض من يتعاطى الْعلم فتكلموا فِي مسَائِل من صِفَات الله فَنقل كَلَام الشَّيْخ إِلَى القَاضِي على غير وَجهه فَأنْكر ذَلِك وَركب من حِينه إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ وَهُوَ يَوْمئِذٍ بفاس منتهزا للفرصة فَقَالَ إِن هَهُنَا رجلا يعلم النَّاس الْبدع ويلقنهم آراء الْفرق الضَّالة فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان من هُوَ قَالَ فلَان قَالَ أَخُو سَيِّدي يُوسُف قَالَ نعم قَالَ سمعنَا أَنه أعلم من أَخِيه ثمَّ بعث السُّلْطَان إِلَيْهِ وَهُوَ مستشيط غَضبا لخَبر بلغه من ثورة بعض أَقَاربه عَلَيْهِ فجَاء الشَّيْخ أَبُو زيد وَلم يخلع نَعله حَتَّى بلغ بِسَاط السُّلْطَان فَسلم عَلَيْهِ وَمد يَده فصافحه ثمَّ تكلمُوا فِي الْمَسْأَلَة فَانْقَطع القَاضِي وَلم يجد مَا يَقُول إِلَّا أَن النَّاقِل لم يحسن نقلهَا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ فَهَلا تثبت وَكَانَ بعض عُلَمَاء مراكش حَاضرا فَبَالغ فِي عتاب القَاضِي وَقيل للشَّيْخ مَا سَبَب الوحشة بَيْنك وَبَين هَؤُلَاءِ فَقَالَ لَا شَيْء إِلَّا الِاسْتِغْنَاء عَنْهُم فَقَالُوا يَا سَيِّدي هَذَا وصف يُوجب الْحبّ فَمَا انْفَصل الشَّيْخ عَن السُّلْطَان حَتَّى اطلع على مَا يُوجب الْقَبْض على القَاضِي فَقبض عَلَيْهِ وَنهب دَاره فِي الْحِين فَنزل الشَّيْخ من فاس الْجَدِيد فلقي أثاث القَاضِي فِي الطَّرِيق جِيءَ بِهِ منهوبا وَبَقِي فِي السجْن إِلَى أَن مَاتَ مسموما ﵀ وَكَانَ

стр. 1068

الأديب الْكَاتِب أَبُو عبد الله المكلاثي قد كتب إِلَيْهِ بِأَبْيَات يَقُول فِيهَا مَا نَصه (أما لهِلَال غَابَ عَنَّا سفور ... فيجلى بِهِ خطب دجاه تثور) (فصبرا لدهر رام يمنحك الأسى ... فَأَنت عَظِيم والعظيم صبور) (سَيظْهر مَا عهدته من جمالكم ... فللبدر من بعد الْكُسُوف ظُهُور) (وتحيى رسوم للمعالي تَغَيَّرت ... فللميت من بعد الْمَمَات نشور) (أَبَا حسن إِنِّي على الْحبّ لم أزل ... مُقيما عَلَيْهِ مَا أَقَامَ ثبير) (فَفِي الْفَم مَاء من بقايا ودادكم ... وَذَلِكَ عِنْدِي سَائِغ ونمير) (عَلَيْكُم سَلام الله مَا هطل الحيا ... وغنت بأغصان الرياض طيور) قَالَ منشئها وَقد أنشدتها بَين يَدَيْهِ بمحبسه فَبكى حَتَّى ظَنَنْت أَنه سيهلك ثمَّ أَفَاق وَقَالَ ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ الرّوم ٤ فراجعني ﵁ بِأَبْيَات يَقُول فِيهَا (تفتق عَن زهر الرّبيع سطور ... فَمَا هِيَ إِلَّا رَوْضَة وغدير) (هزمت من الصَّدْر الجريح همومه ... فَأَنت على جند الْكَلَام أَمِير) (مُحَمَّد هَل فِي الْعَصْر غَيْرك شَاعِر ... لَهُ مَعكُمْ فِي الْخَافِقين ظُهُور) (فَإِنِّي على صفو الوداد وإنني ... سأشدوا وقلبي بالهموم كسير) (مَتى وَعَسَى يثني الزَّمَان عنانه ... بنهضة جد وَالزَّمَان عثور) (فتدرك آمال وتقضي مآرب ... وتحدث من بعد الْأُمُور أُمُور) (عَلَيْك سَلام الله مني فإنني ... غَرِيب بأقصى المغربين أَسِير) وَكَانَت وَفَاة القَاضِي الْمَذْكُور ﵀ فِي جَامع المشور فِي مهل ربيع الثَّانِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف

стр. 1069

عود عبد الله بن الشَّيْخ إِلَى فاس واستيلاؤه عَلَيْهَا ومقتل مصطفى باشا ﵀ لما دخل السُّلْطَان زَيْدَانَ حَضْرَة فاس وَاسْتولى عَلَيْهَا أَقَامَ بهَا إِلَى أَن دخلت سنة ثَمَان عشرَة وَألف فاتصل بِهِ خبر قيام بعض الثوار عَلَيْهِ بِنَاحِيَة مراكش فَنَهَضَ إِلَيْهَا مزعجا واستخلف على فاس مَوْلَاهُ مصطفى باشا وَلما اتَّصل خبر نهوضه بِعَبْد الله بن الشَّيْخ وَهُوَ بدار ابْن مشعل زحف إِلَى فاس فِيمَن انْضَمَّ إِلَيْهِ فبرز إِلَيْهِ مصطفى باشا وَضرب محلته بِظَاهِر فاس من نَاحيَة بَاب الْفتُوح قَالَ فِي الْمرْآة وَعرض لأبي الْحسن عَليّ بن يُوسُف الأندلسي الْمَعْرُوف بالبيطار غَرَض من أُمُور الْعَامَّة كَانَ يتَرَدَّد فِيهِ إِلَى الْمحلة فَركب إِلَيْهَا يَوْم الِاثْنَيْنِ السَّابِع عشر من ربيع الثَّانِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف فَالتقى الْجَمْعَانِ يَوْمئِذٍ بَين الظهرين فأجلت الْحَرْب عَن مقتل مصطفى باشا وفقد أَبُو الْحسن ابْن البيطار وَقَالَ فِي النزهة لما رَحل زَيْدَانَ إِلَى مراكش بِسَبَب مَا بلغه من قيام بعض الثوار عَلَيْهِ هُنَالك قدم عبد الله بن الشَّيْخ وَعَمه أَبُو فَارس إِلَى فاس فَخرج مصطفى باشا لمقاتلتهما فعثر بِهِ فرسه وَقتل وَأخذت محلته بأسرها وَهلك مَا لَا يُحْصى من النَّاس وَوَقع النهب حَتَّى انتهب من الْبَقر الَّتِي تحلب نَحْو سِتَّة آلَاف وَدخل عبد الله بن الشَّيْخ فاسا مَعَ عَمه أبي فَارس وَذَلِكَ سَابِع عشر ربيع الثَّانِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف

стр. 1070

تَلْخِيص خبر أبي فَارس ومقتله رَحمَه الله تَعَالَى تقدم لنا أَن أَبَا فَارس بن الْمَنْصُور بُويِعَ بمراكش وَبعث أَخَاهُ الشَّيْخ لقِتَال السُّلْطَان زَيْدَانَ فنكث الشَّيْخ عَهده واستبد عَلَيْهِ ثمَّ بعث إِلَيْهِ ابْنه عبد الله فَهَزَمَهُ إِلَى مسفيوة ثمَّ فر مِنْهَا إِلَى السوس فَأَقَامَ عِنْد حَاجِب أَبِيه عبد الْعَزِيز بن سعيد الوزكيتي ثمَّ لما بَالغ زَيْدَانَ فِي طلبه فر إِلَى أَخِيه الشَّيْخ فَلم يزل مَعَ ابْنه عبد الله بن الشَّيْخ إِلَى أَن قتل مصطفى باشا وَدخل عبد الله فاسا فاستولى عَلَيْهَا كَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا فاتفق رَأْي قواد شراكة على قتل عبد الله وتولية عَمه أبي فَارس فَبلغ ذَلِك عبد الله فَدخل على عَمه أبي فَارس لَيْلًا مَعَ حَاجِبه حمو بن عمر فَوَجَدَهُ على سجادته وجواريه حوله فأخرجهن وَأمر بِعَمِّهِ فخنق وَهُوَ يضْرب برجليه إِلَى أَن مَاتَ وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان عشرَة وَألف هَذَا هُوَ الصَّوَاب لَا مَا فِي نشر المثاني على اضطرابه فأسف النَّاس عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ يردهُ عَن المناكر ويزجره عَن كثير من القبائح وَذكر فِي الْمُنْتَقى أبياتا من إنْشَاء الْكَاتِب أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن أَحْمد بن الْقَاسِم الفشتالي مِمَّا كتب تطريزا على نجاد الواثق بِاللَّه أبي فَارس الْمَذْكُور وَهِي (أتيه وأزرى بِكُل نجاد ... يروق على حلَّة اللابس) (إِذا كنت يَوْم الوغى محملًا ... لعضب حكى شعلة القابس) (على عاتق الْملك المرتضى ... سليل الْوَصِيّ أبي فَارس)

стр. 1071

عودة السُّلْطَان زَيْدَانَ إِلَى فاس واستيلاؤه عَلَيْهَا ثمَّ إعراضه عَنْهَا سَائِر أَيَّامه لما سمع السُّلْطَان زَيْدَانَ وَهُوَ بمراكش بمقتل مصطفى باشا نَهَضَ إِلَى فاس وَجَاء على طَرِيق الْجَبَل وَكَانَ نَصَارَى الإصبنيول يَوْمئِذٍ قد نزلُوا على العرائش وحاولوا الِاسْتِيلَاء عَلَيْهَا وَذَلِكَ بِإِذن الشَّيْخ كَمَا سَيَأْتِي وَكَانَ عبد الله بن الشَّيْخ بفاس فَسمع بنزول النَّصَارَى على العرائش فاستنفر النَّاس وحضهم على الْجِهَاد فتهيؤوا لذَلِك وعزموا على النهوض إِلَيْهَا فَمَا راعهم إِلَّا السُّلْطَان زَيْدَانَ قد أقبل من نَاحيَة أدخسان وَقد أنزل بِهِ محتله وَتقدم إِلَى جِهَة فاس وَضرب بأنفاضه فأنهزم النَّاس عَن عبد الله وَدخل شراكة فاسا فَبعث زَيْدَانَ قائده عبد الصَّمد لتسكين روعة أهل الْبَلَد وَأمر الْمُنَادِي أَن يُنَادي بنصره فَنزل الْمُنَادِي إِلَى أَن بلغ بَاب السلسلة فَقَامَ فِي وَجهه بعض السياب من أهل العدوة وضربه فجرحه وَرجع الْمُنَادِي وَبَطل الْأَمر فَبلغ الْخَبَر السُّلْطَان زَيْدَانَ فَأمر بِإِطْلَاق السَّبِيل فِي أهل فاس وتحكيم السَّيْف فيهم ثمَّ نَدم فَأَمنَهُمْ وَسكن روعتهم وَنزل زَيْدَانَ بوادي فاس فَخرج النَّاس للقائه وَهُوَ غَضْبَان عَلَيْهِم وَقد استولى على فاس وَتمكن مِنْهَا فَأخذ يسب أعيانهم وهم بِقَتْلِهِم وَلَكِن الله سلم ثمَّ إِن الْعَرَب اجْتَمعُوا عِنْد قنطرة المهدومة فِي نَحْو ثَمَانِيَة آلَاف فَخرج إِلَيْهِم زَيْدَانَ وَمَعَهُ عرب الشرق فَانْهَزَمُوا عَنهُ وَلم يبْق مَعَه إِلَّا رَهْط يسير فَرَأى زَيْدَانَ أَمَامه خيلا قَليلَة فقصدها فَإِذا فِيهَا عبد الله بن الشَّيْخ وَقد رأى زَيْدَانَ مُقبلا إِلَيْهِ ففر مَعَ أَن زَيْدَانَ إِنَّمَا قصد الْفِرَار إِلَيْهِ من غير علم لَهُ بِهِ فاستتب أَمر زَيْدَانَ وتراجع إِلَيْهِ أَصْحَابه وَمن الْغَد رَجَعَ إِلَى فاس فَخرج إِلَيْهِ أهل فاس يهنئونه كبارًا وصغارا فَاتَّهمهُمْ بِأَنَّهُم يستهزئون بِهِ فَأمر بهم فسلبوا رجَالًا وَنسَاء فَكَانَ بَعضهم ينظر إِلَى عَورَة بعض وَكَانَ عدد السَّلب نَحْو عشرَة

стр. 1072

آلَاف كسْوَة وَدخل أَصْحَاب زَيْدَانَ فاسا فنهبوها وفعلوا فِيهَا الأفاعيل ثمَّ أَمر زَيْدَانَ بتسكين الروعة والأمان وَكَانَ ذَلِك كُله سادس رَجَب سنة تسع عشرَة وَألف فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الْحَادِي عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور نزل عبد الله بن الشَّيْخ بِرَأْس المَاء فَخرج إِلَيْهِ زَيْدَانَ واقتتلوا فَانْهَزَمَ زَيْدَانَ وَقتل من أَصْحَابه نَحْو الْخَمْسمِائَةِ وفر إِلَى محلته الَّتِي ترك بأدخسان وَكَانَ ذَلِك آخر رُجُوع زَيْدَانَ إِلَى فاس فَإِنَّهُ لما أعياه أَمر الغرب أعرض عَنهُ وَصرف عنايته إِلَى ضبط مَا خلف وَادي أم الرّبيع إِلَى مراكش وأعمالها وتوارث بنوه سلطنته على ذَلِك النَّحْو من بعده وَبَقِي عبد الله بن الشَّيْخ يقطع الْأَيَّام بفاس إِلَى أَن هلك وَقَامَ بِأَمْر فاس من بعده ثوارها وسيابها على مَا نذْكر وَفِي كتاب ابتهاج الْقُلُوب فِي أَخْبَار الشَّيْخ المجذوب مَا صورته تكلم الشَّيْخ سَيِّدي كدار يَوْمًا فِي مُلُوك وقته فَقَالَ أما الشَّيْخ معطي العرائش فَإِن أهل الله قد دقوا أوتاده هُنَالك حَتَّى يَمُوت فَلم يتَجَاوَز مَحَله إِلَى أَن قتل بِهِ حوز تطاوين كَمَا سَيَأْتِي وَأما زَيْدَانَ فَإِنَّهُ لما أطلق السَّبِيل فِي أهل فاس ضربه مولَايَ إِدْرِيس بركلة صيرته وَرَاء أم الرّبيع فَلم يتجاوزه بعد ذَلِك اه

стр. 1073

اسْتِيلَاء نَصَارَى الإصبنيول على العرائش وَالسَّبَب فِي ذَلِك قد تقدم لنا مَا كَانَ من خبر الشَّيْخ الْمَأْمُون من أَنه فر إِلَى العرائش وَمِنْهَا ركب الْبَحْر إِلَى طاغية الإصبنيول مستصرخا بِهِ على أَخِيه السُّلْطَان زَيْدَانَ فَأبى الطاغية أَن يمده فراوده الشَّيْخ على أَن يتْرك عِنْده أَوْلَاده وحشمه رهنا ويعينه بِالْمَالِ وَالرِّجَال حَتَّى إِذا ملك أمره بذل لَهُ مَا شارطه عَلَيْهِ وَلم يزل بِهِ إِلَى أَن شَرط عَلَيْهِ الطاغية أَن يخلي لَهُ العرائش من الْمُسلمين ويملكه إِيَّاهَا فَقبل الشَّيْخ ذَلِك وَالْتَزَمَهُ وَخرج حَتَّى نزل حجر باديس فِي ذِي الْحجَّة سنة ثَمَان عشرَة وَألف ثمَّ تقدم فَنزل بِبِلَاد الرِّيف وَلما سمع ذَلِك أهل فاس خَافُوا من شوكته وَذهب جمع من عُلَمَائهمْ وأعيانهم كَالْقَاضِي أبي الْقَاسِم بن أبي النَّعيم والشريف أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم الصّقليّ الْحُسَيْنِي وَغَيرهمَا لملاقاته وتهنئته بالقدوم فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ فَرح بهم وَأمر قبطان النَّصَارَى أَن يخرج مدافعه وأنفاضه إرهابا وإظهارا لقُوَّة النَّصَارَى الَّذين استنصر بهم فَفعل حَتَّى اصطكت الآذان وارتجت الْجبَال وَنزل القبطان من السَّفِينَة للسلام على الْأَعْيَان فَلَمَّا رَأَوْهُ مُقبلا أَمرهم الشَّيْخ بِالْقيامِ لَهُ فَقَامُوا إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ وجازوه خيرا على مَا فعل مَعَ الشَّيْخ من الْإِحْسَان والنصرة وَسلم هُوَ عَلَيْهِم بِنَزْع قلنسوته على عَادَة النَّصَارَى وَأنكر النَّاس على أُولَئِكَ الْأَعْيَان قيامهم للْكَافِرِ وضربوا بعصى الذل حَتَّى أَنهم فِي رجوعهم إِلَى فاس تعرض لَهُم عرب الحياينة فسلبوهم وَأخذُوا مَا مَعَهم وجردوهم من ملابسهم جَمِيعًا مَا عدا القَاضِي ابْن أبي النَّعيم فَإِنَّهُ عرف بزِي الْقَضَاء فاحترموه ثمَّ إِن الشَّيْخ انْتقل إِلَى الْقصر الْكَبِير وَهُوَ قصر كتامة وَقصر عبد الْكَرِيم فَأَقَامَ بِهِ مُدَّة وراود قواده ورؤساء جَيْشه أَن يقفوا مَعَه فِي تَمْكِين النَّصَارَى من العرائش ليفي لَهُ الطاغية بِمَا وعده من النُّصْرَة فَامْتنعَ النَّاس من إسعافه فِي

стр. 1074

ذَلِك وَلم يُوَافقهُ على غَرَضه إِلَّا قائده الكرني فَإِنَّهُ ساعده على ذَلِك فَبَعثه الشَّيْخ إِلَيْهَا وَأمره أَن يخليها وَلَا يدع بهَا أحدا من الْمُسلمين فَذهب الكرني الْمَذْكُور وكلم أَهلهَا فِي ذَلِك فامتنعوا من الْجلاء عَنْهَا فَقتل مِنْهُم جمَاعَة وَخرج الْبَاقُونَ وهم يَبْكُونَ تخفق على رؤوسهم ألوية الصغار وَلما خرج مِنْهَا الْمُسلمُونَ أَقَامَ بهَا الْقَائِد الكرني إِلَى أَن دَخلهَا النَّصَارَى واستولوا عَلَيْهَا فِي رَابِع رَمَضَان سنة تسع عشرَة وَألف وَوَقع فِي قُلُوب الْمُسلمين من الامتعاض لأخذ العرائش أَمر عَظِيم وأنكروا ذَلِك أَشد الْإِنْكَار وَقَامَ الشريف أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن إِدْرِيس العمراني وَدَار على مجَالِس الْعلم بفاس ونادى بِالْجِهَادِ وَالْخُرُوج لإغاثة الْمُسلمين بالعرائش فانضاف إِلَيْهِ أَقوام وعزموا على التَّوَجُّه لذَلِك ففت فِي عضدهم قائدهم حمو الْمَعْرُوف بِأبي دبيرة وَصرف وجوهم عَمَّا قصدوه فِي حِكَايَة طَوِيلَة وَكَانَ الشَّيْخ لما خَافَ الفضيحة وأنكار الْخَاصَّة والعامة عَلَيْهِ إعطاءه بَلَدا من بِلَاد الْإِسْلَام للْكفَّار احتال فِي ذَلِك وَكتب سؤالا إِلَى عُلَمَاء فاس وَغَيرهَا يذكر لَهُم فِيهِ أَنه لما وغل فِي بِلَاد الْعَدو الْكَافِر واقتحمها كرها بأولاده وحشمه مَنعه النَّصَارَى من الْخُرُوج من بِلَادهمْ حَتَّى يعطيهم ثغر العرائش وَأَنَّهُمْ مَا تَرَكُوهُ خرج بِنَفسِهِ حَتَّى ترك لَهُم أَوْلَاده رهنا على ذَلِك فَهَل يجوز لَهُ أَن يفْدي أَوْلَاده من أَيدي الْكفَّار بِهَذَا الثغر أم لَا فَأَجَابُوهُ بِأَن فدَاء الْمُسلمين سِيمَا أَوْلَاد أَمِير الْمُؤمنِينَ سِيمَا أَوْلَاد سيد الْمُرْسلين صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 1075

من يَد الْعَدو الْكَافِر بِإِعْطَاء بلد من بِلَاد الْإِسْلَام لَهُ جَائِز وَإِنَّا موافقون على ذَلِك وَوَقع هَذَا الاستفتاء بعد أَن وَقع مَا وَقع وَمَا أجَاب من أجَاب من الْعلمَاء عَن ذَلِك إِلَّا خوفًا على نَفسه وَقد فر جمَاعَة من تِلْكَ الْفَتْوَى كَالْإِمَامِ أبي عبد الله مُحَمَّد الْجنان صَاحب الطرر على الْمُخْتَصر وكالإمام أبي الْعَبَّاس أَحْمد الْمقري مؤلف نفح الطّيب فاختفيا مُدَّة اسْتِبْرَاء لدينهما حَتَّى صدرت الْفَتْوَى من غَيرهمَا وبسبب هَذِه الْفَتْوَى أَيْضا فر جمَاعَة من عُلَمَاء فاس إِلَى الْبَادِيَة كالشيخ أبي عَليّ الْحسن الزياتي شَارِح جمل ابْن المجراد والحافظ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف الفاسي وَغَيرهمَا بَقِيَّة أَخْبَار الشَّيْخ ومقتله ﵀ وَتجَاوز عَنهُ ثمَّ إِن الشَّيْخ ابْن الْمَنْصُور نزل بالفحص وَاجْتمعت عَلَيْهِ لمة من أهل الذعارة وَالْفساد على شاكلته فَنَهَضَ بهم إِلَى تطاوين فاستولى عَلَيْهَا وَأخرج مِنْهَا كبيرها الْمُقدم الْمُجَاهِد أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد النقسيس وَلم يزل الشَّيْخ يجول فِي بِلَاد الفحص ويعسف أَهلهَا إِلَى أَن مِلَّته الْقُلُوب وتمالأ أَشْيَاخ الفحص على قَتله لما رَأَوْا من انحلال عقيدته ورقة ديانته وتمليكه ثغر الْإِسْلَام للْكفَّار ففتك بِهِ الْمُقدم أَبُو الليف فِي وسط محلته بِموضع يعرف بفج الْفرس وَبَقِي صَرِيعًا مَكْشُوف الْعَوْرَة أَيَّامًا حَتَّى خرج جمَاعَة من أهل تطاوين فَحَمَلُوهُ مَعَ من قتل مَعَه من أَصْحَابه كالدبيريين وَبَعض أَوْلَاده ودفنوهم خَارج تطاوين إِلَى حمل الشَّيْخ إِلَى فاس الْجَدِيد مَعَ أمه الخيزران فدفنا بِهِ وَكَانَ مَقْتَله خَامِس رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف

стр. 1076

وَقَالَ منويل إِنَّه وصل إِلَى قرب تطاوين وَبنى هُنَالك أفراكا وَأقَام ينْتَظر اجْتِمَاع الجيوش عَلَيْهِ ثمَّ سكر ذَات يَوْم على عَادَته وَخرج إِلَى عين مَاء هُنَالك فاستلقى قربهَا فِي نَبَات أَخْضَر أَعْجَبته خضرته فَجَاءَهُ أنَاس من أهل تِلْكَ الْبَلدة فعرفوه وشدخوا رَأسه بصخرة فَقَتَلُوهُ وَيُقَال إِن قَتله كَانَ بِإِشَارَة الثائر أبي محلي الْآتِي ذكره وَإنَّهُ كتب إِلَى المقدمين النقسيس وَأبي الليف يحضهما على قَتله فَقَتَلُوهُ وانتهبوا مَاله وَكَانَ شَيْئا كثيرا وَمن جملَة مَا نهب مِنْهُ نَحْو الْمَدّ من الْيَاقُوت وَبَقِي من أثاثه نَحْو وسق سفينة كَانَ قد تَركه بطنجة فاستولى عَلَيْهِ نصاراها من البرتغال لما قتل وَكَانَ للشَّيْخ عَفا الله عَنهُ مُشَاركَة فِي الْعلم وَيَد فِي مبادئ الطِّبّ أَخذ عَن أَشْيَاخ الحضرتين وَله شعر مُتَقَارب وَمن كِتَابه الأديب المتفنن أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الغرديس التغلبي وَكَانَ من أهل الإجادة والتبريز فِي صناعَة الْإِنْشَاء قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي فِي شَرحه لدلائل الْخيرَات عِنْد قَوْله وَكَانَ لي جَار نساخ مَا نَصه وَقد كَانَ الشَّيْخ الْكَاتِب الرئيس أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد الغرديس شيخ كتاب الْإِنْشَاء بِحَضْرَة فاس ﵀ اسْتعَار مني كتاب الأنباء فِي شرح الْأَسْمَاء للإقليشي ثمَّ مرض مرض مَوته فعدته فَوجدت الْكتاب عِنْد رَأسه وَمَعَهُ كراريس مَنْسُوخَة وَأُخْرَى معدة للنسخ فَقَالَ لي إِنِّي إِذا وجدت رَاحَة كتبت مِنْهُ مَا قدرت عَلَيْهِ فَإِذا غلبني مَا بِي أَمْسَكت فَقَالَ لَهُ وَلم تتكلف هَذَا فَقَالَ إِنِّي عصيت الله بِهَذِهِ الْأَصَابِع مَا لَا أحصيه فرجوت أَن يكون مَا أعانيه على هَذِه الْحَال من نسخ هَذَا الْكتاب خَاتِمَة عَمَلي وَكَفَّارَة لذَلِك فكمل الله قَصده وَأتم الْكتاب وَتُوفِّي من مَرضه ذَلِك وَقد طَال بِهِ سنة عشْرين والف اه وَلِهَذَا الْكَاتِب يَقُول الشَّاعِر (تمتعت يَا غرديس والدهر رَاقِد ... وَأَنت بفاس وَابْن حيون وَاجِد) (بسعدك راحت خيزران لقبرها ... مصائب قوم عِنْد قوم فَوَائِد)

стр. 1077

رياسة ولي الله تَعَالَى أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد العياشي على الْجِهَاد ومبدأ أمره فِي ذَلِك هَذَا الرجل هُوَ ولي الله تَعَالَى الْمُجَاهِد فِي سَبيله أَبُو عبد الله مُحَمَّد فتحا ابْن أَحْمد الْمَالِكِي الزياني الْمَعْرُوف بالعياشي ونسبته إِلَى بني مَالك ابْن زغبة الهلاليين وهم الْيَوْم قَبيلَة من عرب الغرب كَانَ ﵀ مستوطنا مَدِينَة سلا وَكَانَ من تلامذة الْوَلِيّ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أبي مُحَمَّد عبد الله بن حسون السلاسي دَفِين سلا وَكَانَ ابْتِدَاء أَمر أبي عبد الله أَنه كَانَ ملازما لشيخه الْمَذْكُور من أقرب التلامذة إِلَيْهِ وأسرعهم إِلَى خدمته وأولهم دُخُولا عَلَيْهِ وَآخرهمْ خُرُوجًا عَنهُ وَكَانَ مَعَ ذَلِك كثير الْوَرع قَلِيل الْكَلَام مديما للصيام وَقِرَاءَة الْقُرْآن فَكَانَ الشَّيْخ ابْن حسون ملتفتا إِلَيْهِ وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن شاعت مَنَاقِب الشَّيْخ وَكثر غاشيه فأهدى لَهُ يَوْمًا بعض أَشْيَاخ الْقَبَائِل فرسا فَأمر الشَّيْخ بإسراجه وَقَالَ أَيْن مُحَمَّد العياشي فَقَالَ هَا أَنا ذَا يَا سَيِّدي فَقَالَ الشَّيْخ اركب بحول الله فرسك ودنياك وآخرتك فتفهقر تأدبا فَحلف عَلَيْهِ ليركبن وَحبس لَهُ الركاب بِيَدِهِ وَقَالَ لَهُ ارتحل عني إِلَى آزمور وَانْزِلْ على أَوْلَاد أبي عَزِيز وَلَا بُد لَك من الرُّجُوع إِلَى هَذِه الْبِلَاد وسيكون لَك شَأْن عَظِيم فودعه أَبُو عبد الله وَوضع الشَّيْخ يَده على رَأسه وَبكى ودعا لَهُ بِخَير فقصد نَاحيَة آزمور وَنزل حَيْثُ عين لَهُ شَيْخه الْمَذْكُور وَذَلِكَ لأوّل دولة السُّلْطَان زَيْدَانَ سنة ثَلَاث عشرَة وَألف فَلم يزل أَبُو عبد الله العياشي مثابرا على الْجِهَاد شَدِيد الشكيمة على الْعَدو عَارِفًا بِوُجُوه المكايد الحربية بطلا شهما مقداما فِي مَوَاطِن الإحجام وقورا صموتا عَن الْكَلَام فطار بذلك فِي الْبِلَاد صيته وشاع بَين النَّاس ذكره لما هُوَ عَلَيْهِ من

стр. 1078

التَّضْيِيق على نَصَارَى الجديدة وَكَانُوا يَوْمئِذٍ قد أَمر أَمرهم ففرح بذلك قَائِد آزمور وَلم يزل الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن توفّي قَائِد الفحص والبلاد الآزمورية فَسَأَلَ السُّلْطَان زَيْدَانَ عَمَّن يَلِيق بتولية ذَلِك الثغر فَقيل لَهُ سَيِّدي مُحَمَّد العياشي فَكتب إِلَيْهِ بالتولية فَقبل ونهض بأعباء مَا حمل من ولَايَة الفحص وجهاده وَكَانَت لَهُ مَعَ نَصَارَى الجديدة وقائع وضيق عَلَيْهِم حَتَّى مَنعهم من الْحَرْث والرعي فَبعث النَّصَارَى إِلَى حَاشِيَة السُّلْطَان زَيْدَانَ بالتحف ونفائس الْهَدَايَا ليعزلوا عَنْهُم أَبَا عبد الله الْمَذْكُور لمضايقته لَهُم فخوفوا السُّلْطَان زَيْدَانَ عاقبته وحضوه على عَزله وأظهروا لَهُ أَنه مسموع الْكَلِمَة فِي تِلْكَ النواحي وَأَنه يخْشَى على الدولة مِنْهُ وَكَانَ أَبُو عبد الله العياشي كلما بعث بالغنائم وَمَا يفتح الله بِهِ عَلَيْهِ من الْأُسَارَى إِلَى مراكش ازدادت شهرته وتناقل النَّاس حَدِيثه فوغر بذلك قلب زَيْدَانَ وحنق عَلَيْهِ فَبعث إِلَيْهِ قائده مُحَمَّد السنوسي فِي أَرْبَعمِائَة فَارس وَأمره بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَقَتله وَألقى الله فِي قلب الْقَائِد الْمَذْكُور الشَّفَقَة عَلَيْهِ لما يعلم من بَرَاءَته مِمَّا قذف بِهِ فَبعث إِلَيْهِ خُفْيَة أَن أَنْج بِنَفْسِك فَإنَّك مغدور فَخرج أَبُو عبد الله العياشي فِي أَرْبَعِينَ رجلا فُرْسَانًا وَمُشَاة قَاصِدين سلا فاستقر بهَا سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف وَلما انْتهى السنوسي إِلَى آزمور وَلم يجد لَهُ أثرا أظهر الْعِنَايَة بالبحث عَنهُ وعاقب شرذمة من أهل الفحص على إفلاته تعمية على السُّلْطَان وَإِقَامَة لعذره عِنْده فَقبل السُّلْطَان زَيْدَانَ ذَلِك وَالله غَالب على أمره

стр. 1079

ثورة الْفَقِيه أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله السجلماسي الْمَعْرُوف بِأبي محلي قَالَ فِي كِتَابه أصليت الخريت مَا ملخصه كَانَت ولادتي سنة سبع وَسِتِّينَ وَتِسْعمِائَة بسجلماسة وَالَّذِي تلقيته من أبي وكافة عمومتي أَن أَوْلَاد أبي محلي من ذُرِّيَّة الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁ وَأما جدنا الْأَشْهر المكنى بِأبي محلي فتح الْمِيم والحاء وَكسر اللَّام الْمُشَدّدَة بعْدهَا يَاء تحتية سَاكِنة مَعَ كَبِير شهرته لَا علم لي الْآن بِسَبَب تكنيته بذلك وَلَا بتفاصيل أَحْوَاله بعد الْبَحْث عَنهُ قَالَ وبخطة الْقَضَاء اشْتهر نسبنا فنعرف بأولاد القَاضِي وزاويتنا بزاوية القَاضِي وَلم تزل بَقِيَّة الْعلم فِي دُورنَا وخصوصا دَار أبي اه وَقَالَ صَاحب الْبُسْتَان أَبُو محلي هَذَا اسْمه أَحْمد بن عبد الله وينتسب إِلَى بني الْعَبَّاس ويعرفون فِي سجلماسة بأولاد ابْن اليسع أهل زَاوِيَة القَاضِي انْتهى قلت أما الانتساب إِلَى الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ﵁ فقد أنكر ابْن خلدون وجود النِّسْبَة العباسية فِي الْمغرب قَالَ فِي فصل اخْتِلَاط الْأَنْسَاب وَمَا بعده مَا نَصه وَلم يعلم دُخُول أحد من العباسيين إِلَى الْمغرب لِأَنَّهُ كَانَ مُنْذُ أول دولتهم على دَعْوَة العلويين أعدائهم من الأدارسة والعبيديين فَكيف يسْقط العباسي إِلَى أحد من شيعَة العلويين اه ثمَّ قَالَ أَبُو محلي فِي الْكتاب الْمَذْكُور فَلَمَّا نشأت فِي حجر وَالِدي بذل مجهوده فِي تعليمي وَقد كَانَت أُمِّي رَأَتْ وَهِي حَامِل بِي وليا من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى أحد شُيُوخ التربية ببلدنا وَهُوَ الشَّيْخ أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله السجلماسي قد سَقَاهَا قدحا من لبن وَأَرْجُو الله صدق تَأْوِيلهَا بِالْعلمِ وَالدّين وَحقّ الْيَقِين قَالَ وَكَانَ خروجي لطلب الْعلم بفاس فِي حُدُود

стр. 1080

الثَّمَانِينَ وَتِسْعمِائَة وَأَنا يَوْمئِذٍ مراهق أَو بَالغ الْحلم لَا همة لي إِلَّا فِي الْعلم فأقمت بفاس نَحْو خمس سِنِين إِلَى أَن جَاءَ النَّصَارَى إِلَى وَادي المخازن فدهش النَّاس واستشرت أَخا من الطّلبَة فدلني على الْخُرُوج إِلَى الْبَادِيَة حَتَّى ينجلي نَهَار الْأَمْن فَخرجت إِلَى كريكرة فَحفِظت فِيهَا الرسَالَة وَقد كنت مَا حصلت بفاس إِلَى النَّحْو ثمَّ رجعت إِلَى فاس بعد أَن زَالَ الدهش بهزيمة النَّصَارَى وَولَايَة الْمَنْصُور والنحو صنعتي وَفِي الْفِقْه رغبتي وَقد كنت فِي الخرجة الأولى إِلَى الْبَادِيَة زرت قبر الشَّيْخ أبي يعزى ﵁ فطلبت الله عِنْده أَن أكون من الراسخين فِي الْعُلُوم بأسرها وتوبة يتقبلها فَمَا دَار عَليّ الْحول إِلَّا وَأَنا بزاوية الشَّيْخ أبي عبد الله سَيِّدي مُحَمَّد بن مبارك الزعري لَا عَن قصد لكوني إِذْ ذَاك مُولَعا بِالْعلمِ أما طَرِيق الْفقر فَلَا تخطر لي ببال لِأَن الْمُعْتَمد يَوْمئِذٍ فِي فُقَرَاء الْوَقْت أَخْلَاق الضلال فَكنت أَشد النَّاس حذرا مِنْهُم إِلَى أَن انْكَشَفَ السّتْر فَرَأَيْت مَا رَأَيْت ووعيت فصاحبت شَيْخي الَّذِي لولاه مَعَ فضل الله لهلكت وَلَوْلَا هدايته بِإِذن الله لضللت أَعنِي أَبَا عبد الله مولَايَ مُحَمَّد بن مبارك الزعري الْقَبِيل الجراري السَّبِيل وَهُوَ ﵁ من قَبيلَة عرب بالمغرب يُقَال لَهُم زعير بِصِيغَة التصغير وَالنّسب إِلَيْهَا زعرى على التَّكْبِير وَهِي قَبيلَة من عرب السوس بالمغرب الْأَقْصَى قَالَ فَبَقيت فِي صُحْبَة شَيْخي الْمَذْكُور نَحوا من ثَمَان عشرَة سنة وَمَا فارقته إِلَّا عَن أمره إِذْ هُوَ الَّذِي وجهني إِلَى بلدي سجلماسة من غير اخْتِيَار قَائِلا لي صَلَاحهمْ فِيك ثمَّ ناولني عَصَاهُ وبرنسه وَنَعله من غير طلب مني لشَيْء من ذَلِك وَجعل فِي رَأْسِي قلنسوة كالخرقة بِيَدِهِ الْيُمْنَى عِنْد الْوَدَاع فَلَمَّا استوطنت بلدي عَن إِذْنه زرته مِنْهُ إِحْدَى عشرَة مرّة وَفِي الْأَخِيرَة مِنْهَا وَذَلِكَ بعد مقفلي من الْحجَّة الأولى الَّتِي كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف دَعَا لي بقوله بلاك الله أَكثر مِمَّا بلاني فتأولتها بإقبال الْخلق كَمَا ترى وَقد صَاح عِنْدهَا صَيْحَة عَظِيمَة لم أر مثلهَا مِنْهُ مُنْذُ

стр. 1081

صحبته إِذْ عَادَته كَانَت الطُّمَأْنِينَة وَلما توفّي ﵀ بقيت نَحوا من ثَلَاث سِنِين عاطلا ثمَّ تحلى النَّحْر بدرر لطائفه الْمَوْعُود بهَا فَلهُ الْحَمد على مَا أسدى وَله الشُّكْر فِيمَا أولى ثمَّ ذكر بَقِيَّة أشياخه كالشيخ أبي الْعَبَّاس المنجور وَالشَّيْخ أبي الْعَبَّاس السوداني وَالشَّيْخ سَالم السنهوري وَغَيرهم مِمَّن يطول ذكرهم قَالَ ثمَّ كملت الْفَائِدَة بعد المقفل من الْحَج فَرَجَعت إِلَى الديار المغربية وَنزلت بوادي الساورة ثمَّ تحولت بِجَمِيعِ عيالي إِلَى الْوَادي الْمَذْكُور هَذَا ملخص أوليته مَنْقُولًا من كِتَابه الْمَذْكُور وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد التواتي رَحمَه الله تَعَالَى فِي رسَالَته الَّتِي سَمَّاهَا مقامة التحلي والتخلي من صُحْبَة الشَّيْخ أبي محلي وَهِي رِسَالَة طَوِيلَة مسجعة قَالَ كَانَ الْفَقِيه أَبُو محلي فِي أول أمره فَقِيها صرفا ثمَّ انتحل طَريقَة التصوف مُدَّة حَتَّى وَقع على بعض الْأَحْوَال الربانية ولاحت لَهُ مخايل الْولَايَة فانحشر النَّاس لزيارته أَفْوَاجًا وقصدوه فُرَادَى وأزواجا وَبعد صيته وَكَثُرت أَتْبَاعه قَالَ فَلَمَّا سَمِعت بذلك ذهبت إِلَيْهِ وَجَلَست عِنْده إِلَى أَن وجدته يُشِير إِلَى نَفسه بِأَنَّهُ الْمهْدي الْمَعْلُوم المبشر بِهِ فِي صَحِيح الْأَحَادِيث فتركته وَرَاء ونبذته بالعراء اه وَقَالَ الشَّيْخ اليوسي فِي محاضراته وَقد تكلم على الدَّعْوَى الفاطمية مَا نَصه وَمِمَّنْ ابْتُلِيَ بهَا قَرِيبا أَحْمد بن عبد الله بن أبي محلي التستاوتي خَاضَ فِي الطَّرِيق حَتَّى حصل لَهُ نصيب من الذَّوْق وَألف فِيهَا كتابا يدل على ذَلِك ثمَّ نزغت بِهِ هَذِه النزغة فحدثونا أَنه كَانَ فِي أول أمره معاشرا لمُحَمد بن أبي بكر الدلائي وَكَانَ الْبَلَد إِذْ ذَاك قد كثرت فِيهِ المناكر وشاعت فَقَالَ ابْن أبي محلي لِابْنِ أبي بكر ذَات لَيْلَة هَل لَك فِي أَن نخرج غَدا إِلَى النَّاس فنأمر بِالْمَعْرُوفِ وننهى عَن الْمُنكر فَلم يساعفه لما رأى من تعذر ذَلِك لفساد الْوَقْت وتفاقم الشَّرّ فَلَمَّا أصبحا خرجا فَأَما ابْن أبي بكر فَانْطَلق إِلَى نَاحيَة النَّهر فَغسل ثِيَابه وازال شعثه بِالْحلقِ وَأقَام صلَاته وأوراده فِي أَوْقَاتهَا

стр. 1082

وَأما ابْن أبي محلي فَتقدم لما هم بِهِ من الْحِسْبَة فَوَقع فِي شَرّ وخصام أَدَّاهُ إِلَى فَوَات الصَّلَاة عَن الْوَقْت وَلم يحصل على طائل فَلَمَّا اجْتمعَا بِاللَّيْلِ قَالَ لَهُ ابْن أبي بكر أما أَنا فقد قضيت مآربي وحفظت ديني وانقلبت فِي سَلامَة وصفاء وَمن أَتَى مُنْكرا فَالله حسيبه أَو نَحْو هَذَا من الْكَلَام وَأما أَنْت فَانْظُر مَا الَّذِي وَقعت فِيهِ ثمَّ لم ينْتَه إِلَى أَن ذهب إِلَى بِلَاد الْقبْلَة ودعا لنَفسِهِ وَادّعى أَنه الْمهْدي المنتظر وَأَنه بصدد الْجِهَاد فاستخف قُلُوب الْعَوام واتبعوه اه وَصَارَ ابْن أبي محلي يُكَاتب رُؤَسَاء الْقَبَائِل وَعُظَمَاء الْبلدَانِ يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ ويحضهم على الاستمساك بِالسنةِ ويشيع أَنه الفاطمي المنتظر وَأَن من تبعه فَهُوَ الفائز وَمن تخلف عَنهُ فموبق وَرُبمَا كَانَ يَقُول لأَصْحَابه محرضا لَهُم على نصرته أَنْتُم أفضل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ لأنكم قُمْتُم بنصر الْحق فِي زمن الْبَاطِل وهم قَامُوا بِهِ فِي زمن الْحق وَنَحْو هَذَا من زخارف كَلَامه وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ الْفَقِيه أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْمُنعم الحاحي فِي بعض قصائده معرضًا بِأبي محلي الْمَذْكُور فَقَالَ (يَا أمة الْمُصْطَفى الْهَادِي أَلَيْسَ لكم ... فِيمَن مضى أُسْوَة من سَائِر العلما) (نسيتم دين خير الْخلق وافترقت ... آراؤكم فغدا الْإِسْلَام منقسما) (أتحسبون بِأَن الله تارككم ... سدى وخلقكم قد تعلمُونَ لما) (ناشدتكم بِالَّذِي فِي الْعرض يجمعنا ... أما فطنتم ومالاه كمن فهما) (بِأَن مغربكم قد عَمه سخط ... من الْمُهَيْمِن يَا لله معتصما) (إِن قيل للنَّاس إِن الْهَرج يوبقكم ... قَالُوا الْفَقِيه فلَان قبلنَا اعتزما) (لَو لم يكن جَازَ مَا أفتى الإِمَام بِهِ ... وَلَا أَتَاهُ أَلا تبنوا الَّذِي انهدما) (وَمن يقل قَالَ خير الْخلق قيل لَهُ ... هَا صَاحب الْوَقْت يكفينا الَّذِي علما) (وَنحن أفضل من صحب الرَّسُول لنا ... أجر يُضَاعف فِي أجفارنا نظما) (وزخرفوا ترهات القَوْل فانفعلت ... لَهُم نفوس عوام رشدها عدما)

стр. 1083

نهوض ابْن أبي محلي إِلَى سجلماسة ودرعة واستيلاؤه عَلَيْهَا ثمَّ على مراكش بعدهمَا كَانَ أَبُو الْعَبَّاس بن أبي محلي عَفا الله عَنهُ لما كثرت جموعه وانثال النَّاس عَلَيْهِ يُصَرح بِوُجُوب الْقيام بتغيير الْمُنكر الَّذِي شاع فِي النَّاس وَيَقُول إِن أَوْلَاد الْمَنْصُور قد تهالكوا فِي طلب الْملك حَتَّى فنى النَّاس فِيمَا بَينهم وانتهبت الْأَمْوَال وانتهكت الْمَحَارِم فَيجب الضَّرْب على أَيْديهم وَكسر شوكتهم وَلما بلغه مَا فعل الشَّيْخ من إجلاء الْمُسلمين عَن العرائش وَبَيْعهَا لِلْعَدو الْكَافِر استشاط غَضبا وَأظْهر انه غضب لله لَا لشَيْء سواهُ فَخرج يؤم سجلماسة وَكَانَ خَليفَة زَيْدَانَ عَلَيْهَا يَوْمئِذٍ يُسمى الْحَاج المير فَخرج عَامل زَيْدَانَ لمصادمته وَهُوَ فِي نَحْو أَرْبَعَة آلَاف وَابْن أبي محلي فِي نَحْو أَرْبَعمِائَة فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ كَانَت الدبرة على جَيش زَيْدَانَ وأشاع النَّاس أَن الرصاص يَقع على أَصْحَاب أبي محلي بَارِدًا لَا يضرهم وَنفخ الشَّيْطَان فِي هَذِه الْفِرْيَة فسكنت هيبته فِي الْقُلُوب وَتمكن ناموسه مِنْهُ وَلما دخل سجلماسة أظهر الْعدْل وَغير المناكر فأحبته الْعَامَّة وقدمت عَلَيْهِ وُفُود أهل تلمسان والراشدية يهنئونه وَفِيهِمْ الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو عُثْمَان سعيد الجزائري الْمَعْرُوف بقدورة شَارِح السّلم وَهُوَ من تلامذة ابْن أبي محلي كَمَا ذكره فِي الأصليت وَلما بلغ خبر الْهَزِيمَة إِلَى زَيْدَانَ وانْتهى إِلَيْهِ فلهَا جهز إِلَيْهِ من مراكش جَيْشًا وَأمر عَلَيْهِ أَخَاهُ عبد الله بن الْمَنْصُور الْمَعْرُوف بالزبدة فَسمع بِهِ أَبُو محلي فَسَار إِلَيْهِ فَكَانَ اللِّقَاء بَينهمَا بدرعة فَوَقَعت الْهَزِيمَة على عبد الله بن الْمَنْصُور وَمَات من أَصْحَابه نَحْو الثَّلَاثَة آلَاف فقوي أَمر ابْن أبي محلي واشتدت شوكته وَجمع بَين سجلماسة ودرعة وَكَانَ الْقَائِد يُونُس الأيسي قد هرب من زَيْدَانَ لأمر نقمه عَلَيْهِ وَقصد إِلَى أبي محلي فجَاء مَعَه يَقُودهُ ويطلعه على عورات زَيْدَانَ ويهون عَلَيْهِ أمره وَمَا زَالَ بِهِ إِلَى أَن أَتَى بِهِ

стр. 1084

إِلَى مراكش فَبعث إِلَيْهِ زَيْدَانَ جَيْشًا كثيفا فَهَزَمَهُ أَبُو محلي وَتقدم فَدخل مراكش وَاسْتولى عَلَيْهَا وفر زَيْدَانَ إِلَى ثغر آسفي وهم بركوب الْبَحْر إِلَى بر العدوة هَكَذَا فِي النزهة وَذكر الْوَزير البرتغالي فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الجديدة إِن نَصَارَى الجديدة بعثوا إِلَى السُّلْطَان زَيْدَانَ بمائتين من مُقَاتلَتهمْ إِعَانَة لَهُ على عدوه من غير أَن يطْلب مِنْهُم ذَلِك فَلَمَّا وصلوا إِلَيْهِ أنف من الِاسْتِعَانَة بهم على الْمُسلمين لكنه أحسن إِلَيْهِم وَأطلق لَهُم بعض أَسْرَاهُم وردهم مكرمين هَذَا كَلَامه وَالْحق مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء وَذَلِكَ هُوَ الظَّن بزيدان ﵀ وَلما دخل أَبُو محلي قصر الْخلَافَة بمراكش فعل فِيهِ مَا شَاءَ وَولد لَهُ هُنَالك مَوْلُود سَمَّاهُ زَيْدَانَ وَيُقَال إِنَّه تزوج أم زَيْدَانَ وَبنى بهَا ودبت فِي رَأسه نشوة الْملك وَنسي مَا بنى عَلَيْهِ أمره من الْحِسْبَة والنسك وَفِي المحاضرات للشَّيْخ اليوسي ﵀ مَا صورته وَزَعَمُوا أَن إخوانه من الْفُقَرَاء ذَهَبُوا إِلَيْهِ حِين استولى على مراكش برسم زيارته وتهنئته فَلَمَّا كَانُوا بَين يَدَيْهِ أخذُوا يهنئونه ويفرحون لَهُ بِمَا حَاز من الْملك وَفِيهِمْ رجل سَاكِت لَا يتَكَلَّم فَقَالَ لَهُ مَا شَأْنك لَا تَتَكَلَّم وألح عَلَيْهِ فِي الْكَلَام فَقَالَ الرجل أَنْت الْيَوْم سُلْطَان فَإِن أمنتني على أَن أَقُول الْحق قلته قَالَ لَهُ أَنْت آمن فَقل فَقَالَ إِن الكرة الَّتِي يلْعَب بهَا الصّبيان يتبعهَا المائتان وَأكْثر من خلفهَا وينكسر النَّاس وينجرحون وَقد يموتون وَيكثر الصياح والهول فَإِذا فتشت لم يُوجد فِيهَا إِلَّا شراويط أَي خرق باليه ملفوفة فَلَمَّا سمع ابْن أبي محلي هَذَا الْمثل وفهمه بَكَى وَقَالَ رمنا أَن نجبر الدّين فأتلفناه انْتهى

стр. 1085

استصراخ السُّلْطَان زَيْدَانَ بِأبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْمُنعم الحاحي ومقتل أبي محلي ﵀ لما التف الرعاع من الْعَامَّة على أبي محلي وَكَثُرت جموعه وَعلم زَيْدَانَ ضعفه عَن مقاومته كتب إِلَى الْفَقِيه أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم الحاحي ثمَّ الدَّاودِيّ مستغيثا بِهِ ثمَّ وَفد عَلَيْهِ بِنَفسِهِ وَكَانَ يحيى بزاوية أَبِيه من جبل درن وَله شهرة عَظِيمَة بالصقع السُّوسِي وَله أَتبَاع فَأَتَاهُ السُّلْطَان زَيْدَانَ وَقَالَ لَهُ إِن بيعتي فِي أَعْنَاقكُم وَأَنا بَين أظْهركُم فَيجب عَلَيْكُم الذب عني ومقاتلة من ناوأني فلبي أَبُو زَكَرِيَّاء دَعوته وَحشر الجيوش من كل جِهَة وَخرج يؤم مراكش فِي ثامن رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف وَلما انْتهى إِلَى فَم تانوت مَوضِع على مرحلَتَيْنِ من مراكش كتب إِلَيْهِ أَبُو محلي بِمَا نَصه بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من أَحْمد بن عبد الله إِلَى يحيى بن عبد الله أما بعد فقد بَلغنِي أَنَّك جندت وبندت وَفِي فَم تانوت نزلت اهبط إِلَى الوطاء ينْكَشف بَيْننَا الغطاء فالذئب ختال والأسد صوال وَالْأَيَّام لَا تستقيم إِلَّا بطعن القنا وَضرب الحسام وَالسَّلَام فَأَجَابَهُ يحيي بِمَا نَصه من يحيى بن عبد الله إِلَى أَحْمد بن عبد الله أما بعد فَلَيْسَتْ الْأَيَّام لي وَلَا لَك إِنَّمَا هِيَ للْملك العلام وَقد أَتَيْتُك بِأَهْل البنادق الْأَحْرَار من الشبانة وَمن انْتَمَى إِلَيْهِم من بني جرار وَمن أهل الشرور والبؤس من هشتوكة إِلَى بني كنسوس فالموعد بيني وَبَيْنك جيليز هُنَالك ينْتَقم الله من الظَّالِم ويعز الْعَزِيز ثمَّ زحف يحيى إِلَى مراكش فِي جموعه فَنزل بِقرب جيليز جبل مطل على مراكش وبرز إِلَيْهِ أَبُو محلي والتحم الْقِتَال بَينهمَا فَكَانَت أول رصاصة فِي نحر أبي محلي فَهَلَك مَكَانَهُ وانذعرت جموعه ونهبت محلته واحتز

стр. 1086

رَأسه وعلق على سور مراكس فَبَقيَ مُعَلّقا هُنَالك مَعَ رُؤُوس جمَاعَة من أَصْحَابه نَحوا من اثْنَتَيْ عشرَة سنة وحملت جثته فدفنت بروضة الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس السبتي تَحت الْمكتب الْمُعَلق هُنَالك عِنْد الْمَسْجِد الْجَامِع وَزعم أَصْحَابه أَنه لم يمت وَلكنه تغيب قَالَ اليفرني وحَدثني من أَثِق بِهِ من أهل وَادي الساورة أَن فيهم إِلَى الْآن من هُوَ على هَذَا الِاعْتِقَاد وَذكر الشَّيْخ اليوسي فِي المحاضرات أَن أَبَا محلي كَانَ ذَات يَوْم عِنْد أستاذه ابْن مبارك فورد عَلَيْهِ وَارِد حَال فَتحَرك وَجعل يَقُول أَنا سُلْطَان أَنا سُلْطَان فَقَالَ لَهُ الْأُسْتَاذ يَا أَحْمد هَب أَنَّك تكون سُلْطَانا إِنَّك لن تخرق الأَرْض وَلنْ تبلغ الْجبَال طولا وَوَقع فِي يَوْم آخر للْفُقَرَاء سَماع فَتحَرك أَبُو محلي وَجعل يَقُول أَنا سُلْطَان أَنا سُلْطَان فَتحَرك فَقِيرا آخر وَجعل يَقُول ثَلَاث سِنِين غير ربع ثَلَاث سِنِين غير ربع قَالَ وَهَذِه هِيَ مُدَّة ملكه اه وَيذكر انه لما طَاف بِالْبَيْتِ فِي وجهته الحجازية سمع وَهُوَ يَقُول يَا رب إِنَّك قلت وقولك الْحق ﴿وَتلك الْأَيَّام نداولها بَين النَّاس﴾ آل عمرَان ١٤٠ فَاجْعَلْ لي يَا رب دولة بَينهم قَالُوا وَلم يسْأَل حسن الْعَاقِبَة فرزق الدولة وَآل بِهِ الْأَمر إِلَى مَا أبرمته يَد الْقُدْرَة وَكَانَ أَبُو محلي ﵀ فَقِيها محصلا لَهُ قلم بليغ وَنَفس عَال وَله تآليف مِنْهَا الوضاح والقسطاس والأصليت والهودج ومنجنيق الصخور فِي الرَّد على أهل الْفُجُور وَجَوَاب الخروبي عَن رسَالَته الشهيرة لأبي عَمْرو القسطلي وَغير ذَلِك وَقد وَقعت بَينه وَبَين يحيى بن عبد الله مراسلات ومهاجيات نظما ونثرا كَقَوْلِه (أيحيى الخسيس النذل مَالك تَدعِي ... بزور شعارا للفحول الْأَوَائِل) (كدعواك فِي بَيت النُّبُوَّة نِسْبَة ... وَأَنت دنيء من أخس الْقَبَائِل) (ووجهك وَجه القرد قبح صُورَة ... ورأسك رَأس الديك بَين الْمَزَابِل)

стр. 1087

ويزعمون أَن يحيى كَانَ معاشرا لأبي محلي أَيَّام الطّلب بِالْمَدْرَسَةِ بفاس قَالَ اليفرني وحَدثني صاحبنا القَاضِي أَبُو زيد السكتاني أَنه وقف على تأليف كَبِير مُشْتَمل على مَا وَقع بَين يحيى وَأبي محلي من الشّعْر فِي غَرَض الهجاء وَغَيره وَقد رمز تَارِيخ ثورة أبي محلي ووفاته الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد المريدي المراكشي فَقَالَ قَامَ طيشا وَمَات كَبْشًا وَلَا يخفى مَا فِيهِ بعد إِفَادَة التَّارِيخ من حسن التلميح وبديع التورية وَلما قتل ابْن أبي محلي دخل يحيى مراكش وَاسْتقر بدار الْخلَافَة مِنْهَا وَألقى بهَا عَصا تسياره ورام أَن يتخذها دَار قراره فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان زَيْدَانَ يَقُول أما بعد فَإنَّا كنت إِنَّمَا جِئْت لنصرتي وكف يَد ذَلِك الثائر عني فقد أبلغت المُرَاد وشفيت الْفُؤَاد وَإِن كنت إِنَّمَا رمت أَن تجر النَّار لقرصك وَتجْعَل الْملك من قنصك فَأقر الله عَيْنك بِهِ وَالسَّلَام فتجهز يحيى للعود إِلَى وَطنه وَأظْهر الْعِفَّة عَن الْملك وَأَنه إِنَّمَا جَاءَ ليدافع عَن السُّلْطَان الَّذِي بيعَته فِي عُنُقه وانقلب إِلَى بِلَاده وَرجع زَيْدَانَ إِلَى مراكش فاستقر بدار ملكه وَقد قيل إِن يحيى رام الْملك وَأَن أجناده من البربر لم يساعدوه فِي قصَّة طَوِيلَة وَالله أعلم

стр. 1088

بَقِيَّة أَخْبَار أبي زَكَرِيَّاء يحيى بن عبد الْمُنعم الحاحي وَمَا دَار بَينه وَبَين السُّلْطَان زَيْدَانَ ﵀ هُوَ يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم الحاحي الدَّاودِيّ المناني وَكَانَ جده سعيد وَاحِد وقته علما ودينا وَهُوَ الَّذِي أَحْيَا الله بِهِ السّنة بالسوس وانتعش بِهِ الْإِسْلَام فِيهِ وَتُوفِّي سنة ثَلَاث وَخمسين وَتِسْعمِائَة فخلفه وَلَده أَبُو مُحَمَّد عبد الله وَجرى على نهجه وسبيله بل كَانَ بعض النَّاس يفضله على أَبِيه وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وَدفن بزداغة من جبل درن حَيْثُ كَانَت زاويته وَلما مَاتَ جلس وَلَده أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى مَوْضِعه وانتهج سَبيله وَكَانَ فَقِيها مشاركا رَحل إِلَى فاس وَأخذ عَن شيوخها كالمنجور وَغَيره وَعَن الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد الحسني على مَا وجد بِخَطِّهِ السوساني الشهير بأدفال دَفِين درعة وَهُوَ معتمده أَخذ عَنهُ كثيرا من الْفُنُون وَأَجَازَهُ فِي عُلُوم الحَدِيث إجَازَة عَامَّة وَكَانَ يحيى شَاعِرًا محسنا وَكَانَت لَهُ شهرة عَظِيمَة بالصلاح وَله أَتبَاع كوالده وجده وتوجهت إِلَى زيارته الهمم وَركبت إِلَيْهِ النجائب إِلَّا أَنه وَقع لَهُ قريب مِمَّا وَقع لأبي محلي فتصدى للْملك وخاض فِي أُمُور السلطنة فتكدر مشربه وَقد قَالَ بعض الْعلمَاء إِن الرياسة إِذا دخلت قلب رجل لَا تقصر عَن إذهاب رَأسه وَلذَلِك قَالَ صَاحب الْفَوَائِد فِي حَقه إِنَّه قَامَ لجمع

стр. 1089

الْكَلِمَة وَالنَّظَر فِي مصَالح الْأمة فاستمر بِهِ علاج ذَلِك إِلَى أَن توفّي وَلم يتم لَهُ أَمر وَكَانَ يراسل السُّلْطَان زَيْدَانَ وَيكثر عَلَيْهِ وَيُجِير عَلَيْهِ من استجار بِهِ ويروم إِلَى مناصحته ابْتِغَاء ويحسو من ذَلِك حسوا فِي ارتغاء وَكَانَ زَيْدَانَ يتَحَمَّل مِنْهُ أمرا عَظِيما فمما كتب بِهِ يحيى إِلَيْهِ مَا نَصه من يحيى بن عبد الله بن سعيد بن عبد الْمُنعم كَانَ الله لَهُ بجميل لطفه آمين اللَّهُمَّ إِنَّا نحمدك على كل حَال ونشكرك يَا ولي الْمُؤمنِينَ على دفع اللاواء والمحال وَصلى الله عَلَيْهِ وَسلم ونستوهبك يَا مَوْلَانَا جميل لطفك وجزيل فضلك فِي الْمقَام والترحال عائذين بِوَجْهِك الْكَرِيم من مؤاخذتنا بِسوء أَعمالنَا يَا شَدِيد الْمحَال هَذَا وَسَلام الله الأتم ورضوانه الْأَعَمّ وَرَحمته وَبَرَكَاته على الْمولى الإِمَام الْعلم الْمِقْدَام الْعلوِي الْهمام كَيفَ أَنْتُم وَكَيف أحوالكم مَعَ هَذَا الزَّمَان الَّذِي شمر عَن سَاقه لسلب الْأَدْيَان وألح فِي اقْتِضَاء هَوَاهُ على كل مديان فَإنَّا لله وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَبعد فالباعث بِهِ إِلَيْكُم فِي هَذِه البطاقة أُمُور ثَلَاثَة مدارها على قَوْله ﷺ (الدّين النَّصِيحَة لله وَلِرَسُولِهِ ولكتابه ولخاصة الْمُسلمين وعامتهم) فَالْأول بَيَان سَبَب الركون إِلَى جانبكم وَالثَّانِي الْحَامِل على دفع مناويكم وَالثَّالِث مُلَازمَة نصحكم وتذكيركم والضجر مِمَّا يصدر مِنْكُم وَمن أعوانكم للرعية أما الأول فَلهُ أَسبَاب كَثِيرَة مِنْهَا مُرَاعَاة الجناب النَّبَوِيّ الْكَرِيم فِي أهل بَيته وَرَضي الله عَن أبي بكر الصّديق الْقَائِل ارقبوا مُحَمَّدًا فِي أهل بَيته وَالْقَائِل لقرابة رَسُول الله ﷺ أحب إِلَيّ أَن أصل من قَرَابَتي (يَا أهل بَيت رَسُول الله حبكم ... فرض من الله فِي الْقُرْآن أنزلهُ) (يكفيكم من عَظِيم الْمجد أَنكُمْ ... من لم يصل عَلَيْكُم لَا صَلَاة لَهُ) وَمِنْهَا نصح خَاصَّة الْمُسلمين الَّذِي هُوَ الدُّعَاء بالهداية لَهُم ورد الْقُلُوب النافرة إِلَيْهِم ونصحهم بِقدر الْإِمْكَان مشافهة ومراسلة ومكاتبة وَقد

стр. 1090

بذلنا الْجهد فِي الْجَمِيع أخْلص الله الْقَصْد فِي الْجَمِيع وَأما الثَّانِي فَلَمَّا جرى الْقدر بتغلب ذَلِك الْإِنْسَان المتسلط على النَّفس والحريم وَالْأَمْوَال وَأدْخل بتأويلاته الْبَعِيدَة عَن الصَّوَاب مَا لَيْسَ فِي الْمَذْهَب وتعدى خُصُوص الْوُلَاة إِلَى سَائِر الرّعية فاضلها ومفضولها وَمد مَعَ ذَلِك يَد الْوَعيد الْمُؤَكّد بِالْإِيمَان إِلَيْنَا فِي الْأَنْفس وَالْأَمْوَال فناشدناه كَمَا تقرر فِي فَتَاوَى الْأَئِمَّة ﵃ حَيْثُ توفرت فِيهِ فُصُول الصَّائِل كلهَا بِشَاهِد العيان فَكَانَ الْأَمر كَمَا قدر الله تَعَالَى ﴿لله الْأَمر من قبل وَمن بعد﴾ الرّوم ٤ وَأما الثَّالِث فالكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع أما الْكتاب فسورة وَالْعصر قَائِمَة الْبُرْهَان فِي كل أَوَان وعصر وَقَالَ تَعَالَى فِي قَضِيَّة كليمه ﴿رب بِمَا أَنْعَمت عَليّ فَلَنْ أكون ظهيرا للمجرمين﴾ الْقَصَص ١٧ وَقد اسْتشْهد بِهِ بعض الْعلمَاء فِي بري قلم لكاتب بعض الْأُمَرَاء الْمُتَقَدِّمين وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَقَوله جلّ من قَائِل ﴿وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى وَلَا تعاونوا على الْإِثْم والعدوان﴾ الْمَائِدَة ٢ وَأما السّنة فَالْحَدِيث الأول قَوْله ﷺ (الْمعِين شريك) وَقَوله (من رأى مِنْكُم مُنْكرا فليغيره بِيَدِهِ فَإِن لم يقدر فبلسانه فَإِن لم يقدر فبقلبه وَذَلِكَ أَضْعَف الْإِيمَان) وَقد كُنَّا مقتصرين على التَّغْيِير بِاللِّسَانِ والقلم لكَون التَّغْيِير العملي إِلَيْكُم حَتَّى جذبتمونا إِلَيْهِ ودللتمونا بارتكاب أصعب مرام عَلَيْهِ وَقَوله (من أعَان على قتل مُسلم وَلَو بِشَطْر كلمة جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوبًا بَين عَيْنَيْهِ آيس من رَحْمَة الله) وَقد قَالَ الْمواق فِي شَرحه على الْمُخْتَصر من أعَان على عزل إِنْسَان وتولية غَيره وَلم يَأْمَن سفك دم مُسلم فَهُوَ شريك فِي دَمه إِن سفك ثمَّ أَتَى بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدّم استعظاما لذَلِك الْأَمر الفظيع فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون على أَنا اِنْخَدَعْنَا بِاللَّه حَتَّى كُنَّا نَأْمَن بِالْقطعِ سفك الدِّمَاء إِذْ ذَاك حَيْثُ كتبت إِلَيْنَا مرَارًا وَأمنت وَأرْسلت وَكنت أَتَخَوَّف من هَذَا الْوَاقِع الْيَوْم بآزمور وآسفي ومراكش والغرب وَلذَلِك كنت ألححت عَلَيْكُم فِي تَقْرِير الْعَهْد حَتَّى أَتَانِي الْقَائِد عبد الصَّادِق بمصحف ذكر انه لسلطان تلمسان فِي جرم صَغِير وَقَالَ لي أَمرنِي السُّلْطَان أَن أَحْلف لَك فِيهِ نِيَابَة عَنهُ على بَقَائِهِ
следующие страницы →