← История

История · id 6627

الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى

أحمد بن خالد الناصري

Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ذكر مَا دَار بَين السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ ابْن زَيْدَانَ وَبَين الْأَمِير الْمولى مُحَمَّد بن الشريف رحمهمَا الله تَعَالَى كَانَت المكاتبات والمرسلات تقع بَين السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ بن زَيْدَانَ السَّعْدِيّ وَبَين الْأَمِير الْمولى مُحَمَّد بن الشريف السلجماسي فَمن ذَلِك رِسَالَة بعث بهَا السُّلْطَان الْمَذْكُور إِلَى الْأَمِير الْمَذْكُور فَكَانَ من فصولها أَن قَالَ لَهُ وَبَلغنِي أَنَّك تعلن فِي النوادي من الحواضر والبوادي إِن جرثومة انتمائنا لبني سعد بن بكر بن هوَازن مَعَ أَنَّهَا فِي بني نزار بن معد وافية المكاييل ثَقيلَة الموازن وأننا من تيدسي أحد الْقُصُور بوادي درعة وَمِنْهَا أنبت الله أصلنَا فأزهر غصنه وأثمر فَرعه فلئن كَانَ غرضك حط منْطقَة قَدرنَا من اللبب فَهَذَا من العلى عَلَيْك عَار وَأَن تحاول محونا من صحيفَة النّسَب فَتلك دَعْوَى لَا تغلي أَو ترخص أسواق الأسعار وَقد صرفنَا إِلَيْك نُسْخَة من مناهج الصفاء فِي أَخْبَار الشرفاء ليطلع عَلَيْهَا أنظارك من الْمُلُوك فيزول مَا بالخاطر من إشراك الشكوك فَأَجَابَهُ الْمولى مُحَمَّد بن الشريف عَن هَذَا الْفَصْل بِأَن قَالَ لَهُ وعتابكم أننا عزوناكم لبني سعد بن بكر بن هوَازن بن مَنْصُور وناشرون لذَلِك فِي الْحلَل والمدن والقصور تالله مَا فَهُنَا بذلك عَن معايرة لكم وَلَا جهل وَلَا بِأَن نضيفكم لمن لَا عشيرة لَهُ وَلَا أهل بل اعتمدنا فِي ذَلِك بِحَمْد الله على مَا نَقله الثِّقَات المؤرخون لأخبار النَّاس من عُلَمَاء مراكش وتلمسان وفاس وَلَقَد أمعن الْكل التَّأَمُّل بِالذكر والفكر فَمَا وجدكم إِلَّا من بني سعد بن بكر وَلَا معول على كتاب الْمَنْصُور من الفشاتلة وَلَا ابْن القَاضِي المكناسي وَلَا ابْن عَسْكَر الشريف الشفشاوني وسواهم إِذْ الْكل أهل بساطكم وَمحل مزاحكم وانبساطكم وَلَقَد بلغتنا نُسْخَة مناهل الصَّفَا فَلم نجد فِيهَا موردا عذب وَصفا وَكفى دَلِيلا بالباطن وَالظَّاهِر قَول الثِّقَة مَوْلَانَا عبد الله بن

стр. 1157

طَاهِر وَمَعَ هَذَا فَلم نعتمد دفعكم عَن شرف النّسَب وَلَا رفعكم على مَا وسمكم الله بِهِ من زِينَة الْحسب انْتهى الْغَرَض من هَذِه الرسَالَة وَأَشَارَ بقوله قَول الثِّقَة مَوْلَانَا عبد الله بن طَاهِر إِلَى مَا اتّفق لَهُ مَعَ الْمَنْصُور حِين جالسه على الْمَائِدَة وَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور أَيْن اجْتَمَعنَا فَقَالَ لَهُ ابْن طَاهِر على هَذَا الخوان والحكاية قد مرت فِي صدر هَذِه الدولة السعدية وَمِمَّا كتب بِهِ السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ بن زَيْدَانَ للأمير الْمَذْكُور أَيْضا وَذَلِكَ حِين غلب الْمولى مُحَمَّد على فاس وملكها فَكتب إِلَيْهِ السُّلْطَان الْمَذْكُور يحذرهُ من عائلة أهل الغرب وغدرهم برسالة من إنْشَاء وزيره الْقَائِد أبي عبد الله مُحَمَّد بن يحيى آجانا وَفِي آخرهَا قصيدة من إنْشَاء الْقَائِد الْمَذْكُور وَهِي (يَا شبْل مَوْلَانَا الشريف مُحَمَّدًا ... شمس السَّعَادَة والهلال الْأَكْمَل) (مَلَأت مهابتك الْكَبِيرَة مغربا ... فزهت بمشرقة أَصْبَهَان وموصل) (صقر الصَّيَاصِي على الأعادي صائل ... طورا يُغير وَفِي الْمَلَاحِم سيتل) (أنيابه الْبيض الْحداد صوارم ... وَبِكُل ظفر مِنْهُ أَبتر مقصل) (فجناحك الجرد الْعتاق وَإِن نظرت ... إِلَى تلمسان يطيش الشمَال) (هابتك ثوار الأقالم عنْوَة ... والوحش فَهِيَ يغص مِنْهَا المنهل) (قد طبت إِن عرقت عروقك فِي الوغا ... خلت العنابر ديف فِيهَا المندل) (يَا مَالِكًا سعدت بِهِ أوطانه ... فِيمَا مضى وزها بِهِ الْمُسْتَقْبل) (نَادَى بك النَّصْر الْعَزِيز لمغرب ... وَلكم على فاس الْجَدِيد الكلكل) (فاحذر كَمَا حذر الْغُرَاب وَلَا تكن ... كالبط يطفو عَن مطاه القوقل) (واعدل تفوز وَلَا تواخي طامعا ... ترد العداة وتعم عَنْك العذل) (لَا تصد من جبل البرابر واصطبر ... حَتَّى يهون على الجواسيس مدْخل) (لَا تأمن الْأَعْرَاب فِي أقوالها ... واقمع فضاضة من يجور ويختل) (وَعَلَيْك بالغارات فِي أوطانها ... بكتائب تسبي الأناث وَتقتل) (واغضض وَلَا تردي تجار مَدَائِن ... يبْقى عَلَيْك السّتْر دأبا يسبل)

стр. 1158

(لَا تتَّخذ من حصن فاس صاحبا ... أَو حَاكما يصل الْأُمُور ويفصل) (كالبغل عَادَته الْفِرَار وَإِن غَدا ... فِي مربط فَمَتَى استغرك يركل) (لَا تنقلن إِلَى الصحارى ذخائرا ... فَيَقُول أهل الغرب حتما يرحل) (وَاضْرِبْ لبيت الْملك أوتاد الدها ... تزداد صيتًا فِي الْقُلُوب وَتقبل) (ألف وُفُود الغرب واعرف قدرهَا ... وقروم كل قَبيلَة لَا تجْهَل) (وابسط يَديك على الْعِيَال هنيئة ... وَإِذا غرست عروق عدل تنقل) (هذي وَصَايَا قد أضعنا حُقُوقهَا ... فِي آخر مِمَّا نحاه الأول) (فَمَتَى نَشد إِلَى الْمَعَالِي رحالنا ... يأباه نصر والمقادير تخذل) (فرضينا متبعين أَحْكَام القضا ... وَالله يحكم مَا يُرِيد ويعدل) فَأَجَابَهُ الْمولى مُحَمَّد بن الشريف فِي سنة تسع وَخمسين وَألف بقصيدة ختم بهَا جَوَابه من إنْشَاء الْفَقِيه أبي عبد الله مُحَمَّد بن سَوْدَة الفاسي وَنَصهَا (أمحمد الشَّيْخ بن زَيْدَانَ الرِّضَا ... فَخر الخلائف والهمام الْأَكْمَل) (فَلَقَد أَجَبْتُك عَمَّا قد كاتبتني ... نظما ونثرا كي ترى مَا يمثل) (إِنِّي أبث لكم وَصَايَا جمة ... إِن أَنْت للنصح الْمُصَرّح تقبل) (فَإلَى مَتى طول الرقاد أما ترى ... أضعان ملكك كل يَوْم ترحل) (والدهر ينتف فِي رياش جناحكم ... ويدنسن من الصَّفَا مَا تغسل) (مَا من مليك ذاق لَذَّة رَاحَة ... إِلَّا تجلى لَهُ الهوان فيسفل) (أَحْرَى الَّذِي كثرت شقا ثواره ... يعوي عَلَيْهِ لكل عَاد معقل) (تحتال تخدعه بِكُل حباله ... حَتَّى يصاد كَمَا يصاد النعثل) (فاستيقظن من الْخمار وَمن رعى ... فِي أَرض آساد الشرى لَا يغْفل) (وانفض غُبَار الذل واخلع ثَوْبه ... يزْدَاد وَجهك بهجة ويهلل) (ضيعت ملكك فِي الرخا وَتركته ... للخزي فِي دَار الهوان يذلل) (وركنت للظل الوريف وغادة ... يزهو البديع بهَا إِذا مَا ترفل) (وَإِذا أردْت دوَام هَيْبَة همة ... وتدوم فِي ستر عَلَيْكُم يسبل) (دع عَنْك فِي الحمرا مروق سفرجل ... ومدربلا بالزعفران يفلفل) (واركب مطايا الصافنات إِلَى الوغا ... أما تحوز مزية أَو تقتل)

стр. 1159

(واقرع طبولا للرعاة وَفِي الوغا ... يجبي إِلَى الْحَرْب الْعوَان الجحفل) (وخض القفار وهز رمحا وادرع ... واثن الْعَنَان وَفِي يَمِينك منصل) (خاطر بِنَفْسِك فِي الفيافي جائلا ... تردي الْعَدو وكل ليل منزل) (واصطد نهارك بالسلاق وَبعدهَا ... عقبانها وكذاك صقر اجدل) (وَقد الجيوش كَمَا الوحوش وَلَا تدع ... من يعْص أَمرك وازجرنه فيفعل) (جنب آجانا الْجُبْن فِي تَدْبيره ... واصحب شجاعا للذخائر يبْذل) (لَا تجمعن من العلوج بطانة ... فطباعها الْغدر البليغ الأعجل) (أما الشبانة فاحذرن من غيها ... لَا بُد تغدر بالأخير وتخذل) (ترجو عواقب دولة لنفوسها ... وتود من وافى جنابك يجفل) (يعْطف عَلَيْك الدَّهْر بعد نفوره ... فتعود أَيَّام السُّعُود وَتقبل) (مَا ذاق زَيْدَانَ أَبوك حلاوة ... من ملكه حَتَّى غذاه الحنظل) (فَإِذا امتثلت صَوَاب صدق وصيتي ... يصغي الزَّمَان لكم ويصفو المنهل) وَاعْلَم أَن هَذِه الرسائل والأشعار الَّتِي أثبتناها هُنَا نازلة كَمَا ترى عَن دَرَجَة البلاغة وعادمة لما تستحقه من فن الْوَزْن وَنقد الصِّنَاعَة وَلَكِن لما كَانَ الْكتاب كتاب تَارِيخ وأخبار لَا كتاب أدب وأشعار لم نبال بذلك إِذْ كَانَ الْمَقْصُود مِنْهَا مَا تضمنته من بَيَان الْأَحْوَال والإفصاح عَنْهَا على أصح منوال فَإِن هَذِه الرسائل هِيَ عماد التَّارِيخ وملاكه ونازلة مِنْهُ بِالْمحل الَّذِي نزلت من الدَّار أسلاكه فَلِذَا أكثرنا مِنْهَا فِي هَذَا الْكتاب وَالله تَعَالَى الملهم للصَّوَاب

стр. 1160

وَفَاة السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ بن زَيْدَانَ ﵀ كَانَت وَفَاة السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ بن زَيْدَانَ ﵀ سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف وَفِي نشر المثاني أَنه توفّي قَتِيلا سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بقبور الْأَشْرَاف من قَصَبَة مراكش فِي رَوْضَة أَبِيه وعشيرته وَمِمَّا نقش على رخامة قَبره قَول الْقَائِل (لبدر سموات الْمَعَالِي أفول ... وَفِي ذَا الضريح كَانَ مِنْهُ نزُول) (مُحَمَّد الشَّيْخ بن زَيْدَانَ غاله ... حمام فَحزن الْعَالمين طَوِيل) (إِمَام الْأَنَام ذُو المآثر فعله ... لَهُ غرَّة فِي الصَّالِحَات جميل) (حباه إِلَه الْعَرْش رحمى تخصه ... بِمَا هُوَ فِي الفردوس مِنْهُ كَفِيل) وزراؤه يحيى آجانا وَولده مُحَمَّد وَغَيرهمَا وقضاته أَبُو مهْدي عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن السكتاني وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد المزوار رحم الله الْجَمِيع الْخَبَر عَن دولة السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الشَّيْخ بن زَيْدَانَ ﵀ لما توفّي السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم بُويِعَ ابْنه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد والعامة يَقُولُونَ مولَايَ الْعَبَّاس بِدُونِ لفظ الكنية وَقَامَ مقَام أَبِيه فِي جَمِيع مَا كَانَ بِيَدِهِ إِلَّا أَن حَيّ الشبانات وهم أَخْوَاله قويت شوكتهم فِي أَيَّامه وَغلظ أَمرهم عَلَيْهِ ووثبوا على الْملك وراموا الاستبداد بِهِ فضايقوه وحاصروه بمراكش أشهرا وَلما رَأَتْ أمه أَن الْأَمر لَا يزِيد إِلَّا شدَّة كَلمته فِي أَن يذهب إِلَى أَخْوَاله وَيَأْخُذ بقلوبهم ويزيل مَا فِي نُفُوسهم عَلَيْهِ فَذهب إِلَيْهِم فَلَمَّا تمكنوا مِنْهُ قَتَلُوهُ غيلَة وَأَقْبلُوا إِلَى مراكش مُسْرِعين وَبَايَعُوا فِيهَا لأميرهم عبد الْكَرِيم بن

стр. 1161

أبي بكر الشباني ثمَّ الحريزي كَمَا سَيَأْتِي وَكَانَ مقتل السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس ﵀ سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف كَذَا فِي النزهة وَالَّذِي فِي نشر المثاني أَنه قتل سنة خمس وَسِتِّينَ وَألف وَالله أعلم بغيبه قَالَ اليفرني ﵀ وَقد أذكرتني هَذِه الفعلة قَول الْمولى مُحَمَّد بن الشريف فِي قصيدته السَّابِقَة (أما الشبانة فاحذرن من غيها ... لَا بُد تغدر بالأخير وتخذل) فَإِن الْأَمر وَقع كَمَا قَالَ مَعَ أَن الْمولى مُحَمَّد بن الشريف كتب بالقصيدة الْمَذْكُورَة للسُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ فِي سنة تسع وَخمسين وَألف وغدر الشبانات للسُّلْطَان أبي الْعَبَّاس كَانَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وَلَعَلَّ الْمولى مُحَمَّد بن الشريف تلقى ذَلِك من بعض أهل الْكَشْف أَو نحوهم فَإِن كَلَامه كثيرا مَا يَقع فِيهِ مثل هَذَا وبمهلك السُّلْطَان أبي الْعَبَّاس ﵀ انقرضت دولة السعديين من آل زَيْدَانَ وانهار جرفها وانطوى بساطها وَسُبْحَان من لَا يبيد ملكه وَلَا يَزُول سُلْطَانه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم الْخَبَر عَن دولة الشبانات بمراكش وأعمالها وَمَا آل إِلَيْهِ أمرهَا من دثورها واضمحلالها لما قتل السُّلْطَان أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الشَّيْخ بن زَيْدَانَ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم ثار كَبِير حَيّ الشبانات بمراكش من عرب معقل وَهُوَ الرئيس عبد الْكَرِيم بن الْقَائِد أبي بكر الشباني ثمَّ الحريزي وحريز فَخذ مِنْهَا هِيَ النبعة والصميم فِيهَا وَعبد الْكَرِيم هَذَا يعرف عِنْد الْعَامَّة بكروم الْحَاج فَدخل مراكش ودعا النَّاس إِلَى بيعَته فَبَايعُوهُ بهَا سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف وانتظمت لَهُ مملكة مراكش ونواحيها وَسَار فِي النَّاس سيرة حميدة وَكَانَ

стр. 1162

فِي أَيَّامه الغلاء المؤرخ بعام سبعين وَألف وَهُوَ غلاء مفرط بلغ النَّاس فِيهِ غَايَة الضَّرَر حَتَّى أكلُوا الْجِيَف وَلم يزل مُسْتَقِيم الرَّأْي بمراكش إِلَى أَن توفّي بهَا سنة تسع وَسبعين وَألف قبل أَن يدخلهَا الْمولى الرشيد بن الشريف بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَقَالَ منويل لما بَايع أهل مراكش عبد الْكَرِيم الشباني خَالَفت عَلَيْهِ آسفي وأعمالها فغزاهم ثمَّ رَجَعَ مفلولا إِلَى مراكش وَكَانَت المجاعة الْمَشْهُورَة عقب ذَلِك ثمَّ قَتله بعض أجناده دخل عَلَيْهِ فطعنه بِرُمْح فأتلفه ثمَّ قبض على الْقَاتِل وَقتل أَيْضا فِي الْحِين وَلما توفّي بَايع النَّاس وَلَده أَبَا بكر ابْن عبد الْكَرِيم فَبَقيَ إِلَى أَن قدم الْمولى الرشيد وتقبض عَلَيْهِ وعَلى عشيرته فَقَتلهُمْ ثمَّ تتبع الشبانات فأفناهم قتلا وَأخرج عبد الْكَرِيم من قَبره فأحرقه بالنَّار وانقرضت دولة الشبانات والبقاء لله وَحده ولنذكر مَا كَانَ فِي هَذِه الْمدَّة من الْأَحْدَاث فَنَقُول فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَألف فِي ثَانِي عشر محرم مِنْهَا توفّي الْوَلِيّ الْكَبِير أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن الْحسن الخالدي السلاسي الْمَعْرُوف بِابْن حسون نِسْبَة إِلَى جده الْحسن الْمَذْكُور وَهَذَا الشَّيْخ هُوَ دَفِين سلا الشهير بهَا أَصله من سلاس مدشر على مرحلة من فاس ثمَّ انْتقل إِلَى سلا وَسبب انْتِقَاله إِلَيْهَا أَنه كَانَ بَين أهل سلاس حروب ومقاتلات فَكَانَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد عبد الله إِذا غلب أهل مدشره فَرح وَإِذا انْهَزمُوا حزن ففكر فِي نَفسه وَقَالَ محبَّة الْغَلَبَة تستدعي محبَّة الشَّرّ للْمُسلمين وَعلي عهد الله لَا جَلَست فِي مَوضِع أفرق فِيهِ بَين الْمُسلمين وأبغي الشَّرّ لَهُم فارتحل إِلَى سلا وَلما اسْتَقر بهَا أَتَاهُ جمَاعَة من عشيرته يراودونه على الرُّجُوع إِلَى بِلَادهمْ وحثوا عَلَيْهِ فِي ذَلِك فَأخذ قدحا وملأه من مَاء الْبَحْر وَوَضعه ثمَّ قَالَ لَهُم مَا بَال مَاء الْبَحْر يضْرب بعضه بَعْضًا وتتلاطم أمواجه وَمَا لهَذَا المَاء الَّذِي مِنْهُ فِي الْقدح سَاكن فَقَالُوا لَهُ لِأَنَّهُ لم يبْق فِي الْبَحْر فَقَالَ لَهُم الغربة تصفي

стр. 1163

وتسكن فَعَلمُوا مُرَاده وَانْصَرفُوا آيسين قلت وَفِي انْتِقَاله من سلاس إِلَى سلا إِشَارَة لَطِيفَة وَهِي أَن لفظ سلاس بِاعْتِبَار تفكيكه سلو مَوْصُول بِحرف السِّين وَهُوَ حرف ذُو قُرُون ثَلَاثَة متشعبة فَيُؤْخَذ مِنْهُ بطرِيق الْإِشَارَة أَنه سلو مَوْصُول بكدر بِخِلَاف لفظ سلا فَإِنَّهُ سلو مَحْض وَقد قدمنَا فِي أَخْبَار ابْن الْخَطِيب ﵀ أَن مَدِينَة سلا كَانَت مقصدا لِلْعِبَادَةِ وَأهل الْخلْوَة والانفراد من لدن قديم أَخذ الشَّيْخ ابْن حسون عَن أبي مُحَمَّد الهبطي عَن أبي مُحَمَّد الغزواني عَن التباع عَن الْجُزُولِيّ ﵃ وَكَانَ صَاحب أَحْوَال تهدى إِلَيْهِ الثِّيَاب الرفيعة فيأمر بهَا فَتلقى فِي بَيت مسدود فَتبقى فبه حَتَّى يأكلها السوس وتضيع وَكَانَ كل يَوْم يصبح على بَابه أَرْبَاب الْآلَات بالطبول والأبواق يضْربُونَ عَلَيْهِ النّوبَة وَغير ذَلِك وَقد تكلم عَلَيْهِ الشَّيْخ اليوسي فِي المحاضرات وَحمله محملًا جميلا وكرامات ابْن حسون كَثِيرَة شهيرة نفعنا الله بِهِ وبأمثاله وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة فِي ربيع الأول مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى العلام الرباني أَبُو المحاسن يُوسُف بن مُحَمَّد الفاسي جد السَّادة الفاسيين وأخباره ومناقبه شهيرة قد تكفل ببسطها كتاب مرْآة المحاسن لِابْنِهِ الْعَلامَة أبي عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الفاسي الْمَوْضُوع لهَذَا الْقَصْد بالخصوص وَفِي سنة أَربع عشرَة وَألف كَانَ الغلاء الْعَظِيم بفاس قَالَ صَاحب الممتع فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن حَكِيم بالأندلسي أَنه اعتراه ذَات يَوْم حَال فجَاء إِلَى بعض أفران فاس وَجعل يَقُول لصَاحب الفرن أغلق فرنك أغلق فرنك ويصيح بِهِ فَإِذا بالغلاء الْعَظِيم حدث عقب ذَلِك وَهُوَ غلاء سنة أَربع عشرَة وَألف فتعطل ذَلِك الفرن وَغَيره من أفران الْمَدِينَة وَكَانَ يمر بالطرقات فَيَقُول النَّاس يَأْكُلُون عَن أَوْلَادهم ويكرر ذَلِك على جِهَة الْإِنْكَار فجَاء الغلاء الْمَذْكُور فَكَانَ النَّاس يَأْكُلُون فِي الْأَسْوَاق عَن أَوْلَادهم وَلم يكن يعْهَد الْأكل بالأسواق قبل ذَلِك

стр. 1164

وَفِي سنة خمس عشرَة وَألف فِي ثَانِي جُمَادَى مِنْهَا جَاءَ بفاس سيل عَظِيم حَتَّى غمر دور عمل الفخارين وَذهب بِبَعْض أنادر الزَّرْع وَحمل أمة من بَاب الْفتُوح فَمَاتَتْ وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف حدث الشَّرّ بفاس وَوَقع الغلاء حَتَّى بيع الْقَمْح بأوقيتين وَربع للمد وَكَثُرت الْمَوْتَى حَتَّى أَن صَاحب المارستان أحصى من الْمَوْتَى من عيد الْأَضْحَى من سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَألف إِلَى ربيع النَّبَوِيّ من السّنة بعْدهَا أَرْبَعَة آلَاف وسِتمِائَة وَخَربَتْ أَطْرَاف فاس وخلت المداشر وَلم يبْق بلمطة سوى الوحوش وَفِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَذَلِكَ عِنْد فجر يَوْم السبت الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَجَب مِنْهَا حدثت زَلْزَلَة عَظِيمَة بفاس ذكر صَاحب الممتع فِي تَرْجَمَة أبي عبد الله بن حَكِيم الْمَذْكُور آنِفا أَنه كَانَ قبل الزلزلة الْمَذْكُورَة يَصِيح المردومات المردومات فَإِذا بالزلزلة حدثت قَالَ فَمَا بقيت دَار من دور فاس غَالِبا إِلَّا دَخَلتهَا الفؤس وَفِي خَامِس شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة نزل برد عَظِيم قدر بيض الدَّجَاج وأكبر وأصغر ورئي حجر عَظِيم مِنْهَا نزل على خيمة فخرقها وفر أَهلهَا عَنْهَا وَبَقِي لم يذب نَحْو ثَلَاثَة أَيَّام وَفِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف توفّي الإِمَام الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الفاسي الْمَعْرُوف بالعارف بِاللَّه وَهُوَ أَخُو أبي المحاسن الْمَذْكُور آنِفا ومناقبه شهيرة أَيْضا وَفِي السّنة الْمَذْكُورَة كَانَ الغلاء بفاس وَالْمغْرب وَفِي سنة أَرْبَعِينَ وَألف عَشِيَّة يَوْم الْخَمِيس ثَالِث ذِي الْحجَّة مِنْهَا توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الْهمام أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد بن عَليّ بن عَاشر الْأنْصَارِيّ نسبا الأندلسي أصلا الفاسي منشأ ودارا الْفَقِيه الْمَشْهُور كَانَ ﵀ لَهُ الباع الطَّوِيل فِي الْمُشَاركَة فِي الْعُلُوم مَعَ غَايَة التَّحْرِير وَالتَّحْقِيق وَله التَّأْلِيف الحسان الَّتِي أغْنى فِيهَا عَن الْخَبَر والعيان وَكَانَ ورعا سنيا وَكَانَ لَا

стр. 1165

يتَّخذ الْقُرَّاء على جنائز أَقَاربه وَيَقُول يَمْنعنِي من ذَلِك أَنهم يفسدون قِرَاءَة الْقُرْآن وقراءتهم تِلْكَ عذر فِي التَّخَلُّف عَن الْجَنَائِز وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف توفّي الشَّيْخ الإِمَام أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن أبي المحاسن يُوسُف الفاسي وَكَانَ ﵀ متفننا عَالما لَهُ عناية كَبِيرَة بتحصيل الْمسَائِل وتفييدها والاطلاع على غريبها وشريدها وَهُوَ صَاحب مرْآة المحاسن وَكَانَ جوالا فِي بوادي الْمغرب وحواضره حَتَّى أدته خَاتِمَة المطاف إِلَى مَدِينَة تطاوين فَألْقى بهَا عَصا التسيار إِلَى أَن توفّي فِي السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ نقل إِلَى فاس بعد سنتَيْن فَوجدَ طريا ﵀ وَفِي سنة سِتِّينَ وَألف كَانَ بالمغرب رخاء مفرط وَبلغ صَاع الْبر بِمَدِينَة سلا مِثْقَالا وَكَاد يَنْعَدِم بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ غلاء لم يعْهَد مثله وانتشر الْفساد فِي الْبِلَاد وَحل بالمغرب وباء كَبِير حَتَّى كَانَ النَّاس يموتون فِي كل طَرِيق رجَالًا وَنسَاء نسْأَل الله الْعَافِيَة وَفِي سنة سبعين وَألف كَانَ الغلاء المفرط بالمغرب لَا سِيمَا بمراكش وَهَذِه السّنة هِيَ الْمَعْرُوفَة عِنْد الْعَامَّة بِسنة كروم الْحَاج لَا زَالُوا يضْربُونَ الْمثل بغلائها إِلَى الْيَوْم وَالله تَعَالَى يحفظ الْمُسلمين ويحلهم من كنفه فِي حصن حُصَيْن آمين تمّ الْجُزْء السَّادِس ويليه الْجُزْء السَّابِع وأوله الْخَبَر عَن دولة الإشراف السجلماسيين من آل عَليّ الشريف وَذكر نسبهم وأوليتهم

стр. 1166

كتاب الاستقصا ج ٣ // إِدْخَال مكتبة الزهراء

стр. 1167

٣ -

стр. 1168

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الدولة العلوية الْخَبَر عَن دولة الْأَشْرَاف السجلماسيين من ال عَليّ الشريف وَذكر نسبهم وأوليتهم اعْلَم أَن نسب هَذِه الدولة الشَّرِيفَة العلوية من أصرح الْأَنْسَاب وسببها الْمُتَّصِل برَسُول الله ﷺ من أمتن الْأَسْبَاب وَأول مُلُوكهَا كَمَا سَيَأْتِي هُوَ الْمولى مُحَمَّد بن الشريف بن عَليّ الشريف المراكشي بن مُحَمَّد بن عَليّ بن يُوسُف بن عَليّ الشريف السجلماسي ابْن الْحسن بن مُحَمَّد بن حسن الدَّاخِل ابْن قَاسم بن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عبد الله بن أبي مُحَمَّد بن عَرَفَة بن الْحسن بن أبي بكر بن عَليّ بن الْحسن بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن قَاسم بن مُحَمَّد النَّفس الزكية ابْن عبد الله الْكَامِل ابْن الْحسن الْمثنى ابْن الْحسن السبط ابْن عَليّ وَفَاطِمَة بنت رَسُول الله ﷺ هَكَذَا ذكر هَذَا النّسَب الَّذِي هُوَ حقيق بِأَن يُسمى سلسلة الذَّهَب جمَاعَة من الْعلمَاء كالشيخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي الْقَاسِم الصومعي وَالشَّيْخ أبي عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بن يُوسُف الفاسي والعلامة الشريف أبي مُحَمَّد عبد السَّلَام القادري فِي كِتَابه الدّرّ السّني فِيمَا بفاس من النّسَب الحسني وَغَيرهم وَقد تقدم فِي أَخْبَار السعديين أَن الصَّوَاب أَن يُزَاد فِي عَمُود هَذَا النّسَب الشريف بعد قَاسم الآخر مَا نَصه ابْن الْحسن بن مُحَمَّد بن عبد الله الأشتر بن مُحَمَّد النَّفس الزكية إِلَى اخر مَا مر قَالَ أَبُو عبد الله الفاسي فِي المراة إِن الشرفاء الَّذين لَا يشك فِي

стр. 1169

شرفهم بالمغرب كَثِيرُونَ كالجوطيين من الحسينيين الإدريسيين وكشرفاء تافيلالت من الحسينيين أَيْضا المحمديين وكالصقليين والعراقيين وَكِلَاهُمَا من الحسينيين بِالْيَاءِ الساكنة بَين السِّين وَالنُّون فَإِن شرف جَمِيعهم لَا يخْتَلف فِيهِ اثْنَان من أهل بِلَادهمْ وَمن يعرفهُمْ من غَيرهم اهـ وَعَن شيخ الْجَمَاعَة الإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر الفاسي ﵀ أَنه قسم شرفاء الْمغرب بِحَسب الْقُوَّة والضعف إِلَى خَمْسَة أَقسَام وَمثل للقسم الأول الْمُتَّفق على صِحَّته بأصناف مِنْهُم هَؤُلَاءِ السَّادة السجلماسيون وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ اليوسي ﵀ شرف السَّادة السجلماسيين مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ كَالشَّمْسِ الضاحية فِي رَابِعَة النَّهَار وَعَن الشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الله بن معن الأندلسي أَنه كَانَ يَقُول مَا ولي الْمغرب بعد الأدارسة أصح نسبا من شرفاء تافيلالت وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن شرف هَؤُلَاءِ السَّادة السجلماسيين مِمَّا لَا نزاع فِي صراحته وَلَا خلاف فِي صِحَّته عِنْد أهل الْمغرب قاطبة بِحَيْثُ جَاوز حد التَّوَاتُر بمرات ﵃ ونفعنا بهم وبأسلافهم امين دُخُول الْمولى حسن بن قَاسم إِلَى الْمغرب واستيطانه بسجلماسة وَالسَّبَب فِي ذَلِك قَالُوا إِن أصل سلف هَؤُلَاءِ السَّادة ﵃ من يَنْبع النّخل من أَرض الْحجاز قَالُوا وَكَانَ رَسُول الله ﷺ قد أقطع جدهم عَليّ بن أبي طَالب أَرض يَنْبع فاستقرت ذُريَّته بِهِ وتناسلت إِلَى هَذَا الْعَهْد وَكَانَ أول من دخل مِنْهُم الْمغرب الْمولى حسن بن قَاسم فحكي عَن الْفَقِيه الْعَالم أبي عبد الله مُحَمَّد بن سعيد المرغيثي صَاحب الرجز الْمُسَمّى بالمقنع قَالَ أَخْبرنِي الشَّيْخ الإِمَام الْمولى أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ بن طَاهِر الحسني أَن جده الدَّاخِل إِلَى الْمغرب هُوَ الْمولى حسن بن قَاسم قَالَ وَكَانَ دُخُوله

стр. 1170

إِلَيْهِ فِي أَوَاخِر الْمِائَة السَّابِعَة وَكَانَ يَوْمئِذٍ من أَبنَاء السِّتين وَنَحْو ذَلِك وَتُوفِّي ﵀ قبل انْقِضَاء الْمِائَة الْمَذْكُورَة اهـ وَخبر ابْن طَاهِر هَذَا هُوَ أصح مَا ينْقل فِي كَيْفيَّة الدُّخُول وَوَقته وَذكر بَعضهم عَنهُ أَن دُخُوله كَانَ سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن هِلَال أَن دُخُوله كَانَ فِي أَوَائِل الدولة المرينية ذكر ذَلِك فِي منسكه فعلى هَذَا يكون دُخُوله فِي دولة السُّلْطَان يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني وَقد أَشَرنَا إِلَى ذَلِك فِي مَحَله فِيمَا سلف وَقَالَ الْعَلامَة أَبُو سَالم العياشي فِي رحلته إِن الْمولى حسن بن قَاسم دخل الْمغرب فِي الْمِائَة السَّابِعَة وَكَانَ سكناهُ من يَنْبع النّخل بمدشر يعرف بمدشر بني إِبْرَاهِيم فَهَؤُلَاءِ كلهم اتَّفقُوا على أَن الدُّخُول كَانَ فِي الْمِائَة السَّابِعَة وَهُوَ الصَّحِيح الصَّوَاب إِن شَاءَ الله وَزعم بَعضهم أَن ذَلِك كَانَ فِي الْمِائَة السَّادِسَة وَهُوَ بعيد وَاخْتلفُوا فِي السَّبَب الدَّاعِي إِلَى دُخُول هَذَا السَّيِّد إِلَى الْمغرب فَذكر صَاحب كتاب الْأَنْوَار السّنيَّة فِيمَا بسجلماسة من النِّسْبَة الحسنية أَن سَبَب دُخُوله أَن ركب الْحَاج المغربي كَانَ يتوارد على الْأَشْرَاف هُنَالك وَكَانَ شيخ الركب فِي بعض القدمات رجلا من أهل سجلماسة يظنّ أَنه السَّيِّد أَبُو إِبْرَاهِيم فَلَمَّا حج اجْتمع بِالْمَوْسِمِ بالسيد حسن الْمَذْكُور وَكَانَت سجلماسة وأعمالها يَوْمئِذٍ شاغرة من سُكْنى الْأَشْرَاف فَلم يزل أَبُو إِبْرَاهِيم يحسن للْمولى حسن موطن الْمغرب وَالسُّكْنَى بسجلماسة حَتَّى استماله فأجمع السّير مَعَ الركب وَقدم بِهِ أَبُو إِبْرَاهِيم فاستوطن ببلدهم سجلماسة وَقَالَ حافده الْمولى أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ بن طَاهِر فِيمَا قيد عَنهُ وَكَانَ الَّذين أَتَوا بِهِ من أهل سجلماسة أَوْلَاد البشير وَأَوْلَاد المنزاري وَأَوْلَاد المعتصم وَأَوْلَاد ابْن عَاقِلَة وصاهره مِنْهُم أَوْلَاد المنزاري اهـ وَذكر صَاحب الأرجوزة أَن الشَّيْخ أَبَا إِبْرَاهِيم الَّذِي جَاءَ بِهِ من ذُرِّيَّة عمر بن الْخطاب ﵁ وَقَالَ بَعضهم إِن أهل سجلماسة لم تكن

стр. 1171

تصلح الثِّمَار ببلدهم فَذَهَبُوا إِلَى الْحجاز بِقصد أَن يَأْتُوا بِرَجُل من أهل الْبَيْت تبركا بِهِ فَأتوا بالمولى حسن الْمَذْكُور فحقق الله رجاءهم وَأصْلح ثمارهم حَتَّى عَادَتْ بِلَادهمْ هِيَ هجر الْمغرب وَقَالَ غَيره إِن سَبَب إتيانهم بِهِ أَن الْأَشْرَاف من آل إِدْرِيس ﵁ كَانُوا قد تفَرقُوا بِبِلَاد الْمغرب وانتشر نظامهم وَاسْتولى عَلَيْهِم الْقَتْل وَالصغَار من أُمَرَاء مكناسة وَغَيرهم فَقل الشّرف بالمغرب وَأنْكرهُ كثير من أَهله حَقنا لدمائهم فَلَمَّا طلع نجم الدولة المرينية بالمغرب أكبروا الْأَشْرَاف وَرفعُوا أقدارهم واحترموهم وَلم يكن بِبَلَد سجلماسة أحد من آل الْبَيْت الْكَرِيم فأجمع رَأْي كبرائهم وأعيانهم أَن يَأْتُوا بِمن يتبركون بِهِ من أهل ذَلِك النّسَب الشريف فَقيل إِن الذَّهَب يطْلب من معدنه والياقوت يجلب من موطنه إِن بِلَاد الْحجاز هِيَ مقرّ الْأَشْرَاف وَلذَلِك الْجَوْهَر النفيس من أجل الأصداف فَذَهَبُوا إِلَى الْحجاز وجاؤوا بالمولى حسن على مَا ذكرنَا فأشرقت شمس الْبَيْت النَّبَوِيّ على سجلماسة وأضاءت أرجاؤها وظللتها من الشَّجَرَة الطّيبَة ظلالها وأفياؤها حَتَّى قيل إِن مَقْبرَة أهل سجلماسة هِيَ بَقِيع الْمغرب وكفاها هَذَا شرفا وفخرا ومزية وذخرا وَذكر بَعضهم أَن أهل سجلماسة لما طلبُوا من الْمولى قَاسم بن مُحَمَّد أَن يبْعَث مَعَهم أحد أَوْلَاده وَكَانَ يَوْمئِذٍ أكبر شرفاء الْحجاز ديانَة ووجاهة اختبر من أَوْلَاده من يصلح لذَلِك وَكَانَ لَهُ على مَا قيل ثَمَانِيَة من الْوَلَد فَكَانَ يسْأَل الْوَاحِد مِنْهُم بعد الْوَاحِد وَيَقُول لَهُ من فعل مَعَك الْخَيْر فَمَا تفعل مَعَه أَنْت فَيَقُول الْخَيْر وَمن فعل مَعَك الشَّرّ فَيَقُول الشَّرّ فَيَقُول اجْلِسْ إِلَى أَن انْتهى إِلَى الْمولى حسن الدَّاخِل فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لإخوته فَقَالَ من فعل معي الشَّرّ أفعل مَعَه الْخَيْر قَالَ فَيَعُود ذَلِك بِالشَّرِّ قَالَ فأعود لَهُ بِالْخَيرِ إِلَى أَن يغلب خيري على شَره فَاسْتَنَارَ وَجه الْمولى قَاسم وداخلته أريحية هاشمية ودعا لَهُ بِالْبركَةِ فِيهِ وَفِي عقبه فَأجَاب الله دَعوته وَكَانَ الْمولى حسن الدَّاخِل رجلا صَالحا ناسكا لَهُ مُشَاركَة فِي الْعُلُوم خُصُوصا علم الْبَيَان فَإِنَّهُ كَانَت لَهُ فِيهِ الْيَد الطُّولى وَلما اسْتَقر بسجلماسة

стр. 1172

واطمأنت بِهِ الدَّار زوجه الشَّيْخ أَبُو إِبْرَاهِيم ابْنَته وَسكن على مَا قيل بِموضع يُقَال لَهُ المصلح وَلما توفّي تنَازع أهل سجلماسة فِي مَوضِع دَفنه حَتَّى كَادَت نَار الْحَرْب تشب بَينهم فأجمع رَأْيهمْ أَن يدفنوه بِمحل وسط هم فِيهِ سَوَاء فمسحوا أَرض سجلماسة بالحبال وقسموها أَربَاعًا ودفنوه بمَكَان سوي يتوسط جَمِيع النواحي وَلم يحفظ تَارِيخ وَفَاته وَمَا استنبطه اليفرني فِي ذَلِك فمبني على غير أساس وَالله تَعَالَى أعلم ذكر ذُرِّيَّة الْمولى حسن بن قَاسم وتناسلها بالمغرب والإلمام بِشَيْء من مَنَاقِب الْمولى عَليّ الشريف لما توفّي الْمولى حسن بن قَاسم ﵀ لم يخلف إِلَّا ولدا وَاحِدًا وَهُوَ الْمولى مُحَمَّد ثمَّ خلف الْمولى مُحَمَّد هَذَا ولدا وَاحِدًا ايضا وَهُوَ الْمولى الْحسن يُسمى باسم جده وَهُوَ المدفون حول الْمَدِينَة الْكُبْرَى بِإِزَاءِ الشَّيْخ أبي عبد الله الخراز من أَرض سجلماسة وَخلف الْمولى الْحسن الْمَذْكُور وَلدين أَحدهمَا الْمولى عبد الرَّحْمَن المكنى بِأبي البركات وَهُوَ أكبرهما وَمن ذُريَّته أَوْلَاد أبي حميد بِالتَّصْغِيرِ القاطنون بوادي الرتب بِالْقصرِ الْجَدِيد على مرحلة من سجلماسة وَمِنْهُم أَيْضا الشرفاء النازلون ببني زروال وَثَانِيهمَا الْمولى عَليّ الْمَعْرُوف بالشريف وَمِنْه تفرعت فروع المحمديين وتكاثرت وَكَانَ ﵀ رجلا صَالحا مجاب الدعْوَة كثير الْأَوْقَاف وَالصَّدقَات حَاجا مُجَاهدًا ذَا همة سنية وأحوال مرضية رَحل فِي بعض الْأَوْقَات إِلَى فاس واستوطنها مُدَّة طَوِيلَة وَكَانَ سكناهُ مِنْهَا بالحومة الْمَعْرُوفَة بجزاء ابْن عَامر من عدوة الْقرَوِيين وَترك هُنَالك دَارا ثمَّ أَقَامَ مُدَّة بقرية صفر وَخلف بهَا عقارا وآثارا هِيَ بهَا إِلَى الْآن وَأقَام مُدَّة أُخْرَى بِبَلَد جرس الَّتِي على مرحلَتَيْنِ وَنصف من سجلماسة وَترك بهَا مثل ذَلِك وَدخل عدوة الأندلس برسم الْجِهَاد مرَارًا وَأقَام بهَا مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ عَاد إِلَى سجلماسة فكاتبه أهل الأندلس يطْلبُونَ مِنْهُ الْعود إِلَيْهِم ويحضونه على

стр. 1173

الاعتناء بِأُمُور الْجِهَاد ويشكون إِلَيْهِ ضعف أهل الأندلس عَن مقاومة الْعَدو وَأَنَّهَا شاغرة مِمَّن تَجْتَمِع عَلَيْهِ الْقُلُوب وَقد كَانُوا راودوه وَهُوَ مُقيم عِنْدهم على أَن يبايعوه ويملكوه عَلَيْهِم والتزموا لَهُ الطَّاعَة والنصرة فَرغب عَن ذَلِك ورعا وزهدا وعزوفا عَن الدُّنْيَا وزهراتها قَالَ اليفرني ﵀ وَقد وقفت على رسائل عديدة بعث بهَا إِلَيْهِ عُلَمَاء غرناطة يحضونه على الْجَوَاز إِلَيْهِم واستنفار الْمُجَاهدين إِلَى حماية بيضتهم ويذكرون لَهُ أَن كَافَّة أهل غرناطة من علمائها وصلحائها ورؤسائها قد وظفوا على أنفسهم من خَالص أَمْوَالهم دون توظيف سُلْطَان عَلَيْهِم أَمْوَالًا كَثِيرَة برسم الْغُزَاة الَّذين يردون مَعَه من الْمغرب وحلوه فِي بعض تِلْكَ الرسائل بِمَا نَصه إِلَى الْهمام الضرغام قطب دَائِرَة فرسَان الْإِسْلَام الشجاع الْمِقْدَام الهصور الفاتك الوقور الناسك طَلِيعَة جَيش الْجِهَاد وَعين أَعْيَان الأنجاد الْمُؤَيد بِالْفَتْح فِي هَذِه الْبِلَاد المسارع إِلَى مرضاة رب الْعباد مَوْلَانَا أبي الْحسن عَليّ الشريف اه نَص التحلية وَكَتَبُوا مَعَ ذَلِك إِلَى عُلَمَاء فاس يَلْتَمِسُونَ مِنْهُم أَن يحضوا الْمولى عليا على العبور إِلَى العدوة فَكتب إِلَيْهِ أَعْلَام فاس بِمثل ذَلِك وحثوه على المسارعة إِلَى إغاثتهم وَذكروا لَهُ فضل الْجِهَاد وَأَنه من أفضل أَعمال الْبر وَكَانَ من مُوجبَات تخلفه عَن إغاثة أهل غرناطة أَنه كَانَ قد عزم على الذّهاب إِلَى الْحَج فَقَالُوا لَهُ فِي بعض تِلْكَ الرسائل وعوضوا هَذِه الوجهة الحجية الَّتِي أجمع رَأْيكُمْ عَلَيْهَا وتوفر عزمكم لَدَيْهَا بالعبور إِلَى الْجِهَاد فَإِن الْجِهَاد أصلحكم الله فِي حق أهل الْمغرب أفضل من الْحَج كَمَا أفتى بِهِ الإِمَام ابْن رشد ﵀ حِين سُئِلَ عَن ذَلِك وَقد بسط الْكَلَام عَلَيْهِ فِي أجوبته وَوجه مَا ذهب إِلَيْهِ من ذَلِك اه وَكَانَ مِمَّن كتب إِلَيْهِ من عُلَمَاء غرناطة جمَاعَة مِنْهُم الْفَقِيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سراج شيخ الْمواق وقاضي الْجَمَاعَة بهَا وَمن شُيُوخ فاس الَّذين كتبُوا إِلَيْهِ الْفَقِيه أَبُو عبد الله العكرمي شيخ شُيُوخ الإِمَام ابْن غَازِي وَأَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن ماواس وَأَبُو زيد عبد الرَّحْمَن الرقعي صَاحب الرجز الْمَشْهُور وَغَيرهم

стр. 1174

وَمِمَّا ضمنه أهل الأندلس فِي رسائلهم القصيدة الْآتِيَة فِي مدح الْمولى عَليّ وَصَاحبه الْفَاضِل أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْعمريّ وحثهما على إجابتهم وَهِي من إنْشَاء الْفَقِيه أبي فَارس بن الرّبيع الغرناطي يَقُول فِيهَا (أيا رَاكِبًا يطوي المفاوز والقفرا ... رشدت وَلَقِيت السَّلامَة والخيرا) (ترحل وجد السّير يَوْمًا وَلَيْلَة ... وسافر تجدها فِي مطالعها زهرا) (تحمل رعاك الله مني إِلَى الحما ... تَحِيَّة مشتاق تهيجه الذكرا) (وَأم ديار الْحَيّ من سجلماسة ... فَتلك ديار تجمع الْعِزّ والفخرا) (وَسلم على تِلْكَ الديار وَأَهْلهَا ... سَلام محب لم يطق عَنْهُم صبرا) (فعندي لَهُم حب جرى فِي مفاصلي ... ومازج مني الْعظم وَالدَّم والشعرا) (فَتلك بقاع الدّين وَالْخَيْر وَالْهدى ... فكم من تَقِيّ فِي سَمَّاهَا سما بَدْرًا) (هم الْقَوْم لَا يشقى بهم جلساؤهم ... يضوع عبير الزهر من بَينهم نشرا) (وَقل يَا أهيل الْقبْلَة السَّادة الأولى ... إِذا مَا دعوا فِي حَادث أَسْرعُوا النفرا) (وَخص سليل الْهَاشِمِي ابْن صهره ... عَليّ الَّذِي يَعْلُو على زحل قدرا) (أَبَا الْحسن الْمولى الشريف الَّذِي بِهِ ... على الغرب شمس النَّصْر طبقت الصحرا) (ولاحت بآفاق الْقُلُوب عجائب ... بهَا سلب الْأَلْبَاب تحسبها سحرًا) (هُوَ الصَّقْر مهما اهتز كل مجلجل ... هزبر إِذا مَا انشب الناب والظفرا) (هُوَ الْغَوْث إِن دارت رحى الْحَرْب للقا ... وغيث إِذْ مَا المزن مَا أرْسلت قطرا) (أغار على الأعلاج فاجتاح جمعهم ... وجد لَهُم قتلا وشددهم أسرا) (بطنجة قد طَابَ الْمَمَات لزمرة ... بنصرتها ترجو من الْملك الأجرا) (دَعَاهَا بأقصى السوس قوم فأسرجوا ... من الصافنات الجرد لم يَأْخُذُوا الحذرا) (فَهبت ركاب الْقَوْم وَالشَّمْس أشرقت ... وأرهق جَيش الله أعداءه خسرا) (وَلَا عجب أَن الألى هُوَ مِنْهُم ... لُيُوث الشرى قد أوسعوا مرْحَبًا شرا) (أجر جَارك اللهفان من غمراته ... أَبَا حسن وانصر جزيرتك الخضرا) (وناد أَبَا عبد الْإِلَه خليلكم ... بِهِ تجلب السَّرَّاء فِي حَادث الضرا) (سليل أبي إِسْحَاق أكْرم بِهِ أَبَا ... لقد خلف الْفَرْع الزكي الرضي البرا) (أَلَيْسَ الَّذِي لبّى نِدَاء أهل طنجة ... وَجمع أهل الغرب من حِينه طرا)

стр. 1175

(وأوقع بالكفار أَي وقيعة ... فَمن لم يمت بِالسَّيْفِ مَا لَهُ ذعرا) (وَأصْبح ثغر الدّين أشنب باسما ... وأرهق وَجه الْكفْر من حزن قترا) (ونال من الله السَّعَادَة والرضى ... وجنات عدن فِي الْمعَاد لَهُ ذخْرا) (وَقل أَيهَا الْعدْل الَّذِي اتخذ التقى ... شعارا وسامى فِي منازلها الشعرا) (أرى كل مَا فِي الغرب أصبح قانطا ... لأندلس يَرْجُو بطلعتكم نصرا) (وغرناطة الغراء نادتكما أَقبلَا ... وبالراية الْبَيْضَاء كي تنصر الحمرا) (فساكنها وقف عَلَيْكُم رجاؤه ... كَبِيرهمْ والطفل والكاعب العذرا) (فَجِئْنَا بِمن فِي أَرْضكُم حاميا لَهُم ... رجَالًا وفرسانا غطارفة غرا) (حماة أباة الضيم من كل ماجد ... كريم يباري الْغَيْث والسيل والبحرا) (فدونكما الْكفَّار تَعْنِي طغاتها ... وتشبع من قتلاهم الْوَحْش والطيرا) (لقد طمع الْكفَّار ملك رقابنا ... وإهلاكهم فِي أَرْضنَا الْحَرْث والثمرا) (مَنَازلنَا من كل حصن وقرية ... تناديكما غوثا لخطب أَتَى أمرا) (فكم من ضَعِيف لَا حراك بجسمه ... وَشَيخ بهَا أربى على مائَة عشرا) (وبيض وَسمر من أوانس كالدمى ... وصبية مهد لَا تع النَّفْع والضرا) (ومنبر جمع للخطابة والدعا ... وَمَسْجِد دين للصَّلَاة وللإقرا) (وكرسي علم مقْعد لمهذب ... تصدر يملي مَا يضيء لنا الصدرا) (وأجداث أَبنَاء الصَّحَابَة فَوْقهَا ... وكل ولي أَشْعَث لابس طمرا) (تناديكما غوثا من الله سرعَة ... فقد كَاد أَن يستأصل الْكفْر ذَا البرا) (فحثوا لنا بالسير بعدا وقربة ... أجيراننا من كيد من أضمر الجؤرا) (وعزما بِأُخْرَى مثل تِلْكَ الَّتِي مَضَت ... ليبصر هَذَا الفنش مثلكُمْ كبرا) (وَأَنْتُم بِحَمْد الله تَدْرُونَ مَا أَتَى ... عَن الْمُصْطَفى فِي الْغَزْو من خبر خَبرا) (فَللَّه مَا أَسْنَى وددت لَو أننى ... قتلت فأحيى ثمَّ أقتل مذ مرا) (وَمَا فِي كتاب الله من آيَة أَتَت ... كشمس الضُّحَى فِي الصحو سافرة غرا) (خذاها بِحَمْد الله عذرا جبينها ... يضوع شذى تهدي لمغناكما عطرا) (وتبلغ عني للكرام تَحِيَّة ... من أندلس للغرب قد عبروا البحرا) (فعونا رجال الله عونا لعدوة ... أحاطت بهَا البأساء واشتدت الضرا)

стр. 1176

(فَأنْتم لنا الْجند الْقوي ونحوكم ... تشوفنا فاستجلوا نحونا السيرا) (ونثني على خير الْبَريَّة ذِي الْهدى ... مُحَمَّد الْمَبْعُوث بالملة اليسرا) (وَآل وَصَحب ثمَّ تال لنهجهم ... وَمن لِذَوي الْإِسْلَام قد قصد النصرا) وبهذه الرسائل العذبة الْأَلْفَاظ المستوقفة الألحاظ يعلم أَن الْمولى عليا الشريف ﵀ كَانَ مَشْهُورا فِي عصره مُتَقَدما على كَافَّة أهل مصره وَأَنه كَانَ ملحوظا بالإجلال عِنْدهم والإكبار وَأَن هَذِه الدَّار الْعَالِيَة الْبناء والأسوار معظمة من لدن قديم مشهود لَهَا بِالْخَيرِ والتقديم وأظن أَن وقْعَة طنجة الْمشَار إِلَيْهَا فِي هَذِه القصيدة هِيَ وقْعَة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَثَمَانمِائَة وَقد تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهَا فِي محلهَا وَقد كَانَ للْمولى عَليّ الْمَذْكُور جِهَاد فِي نَاحيَة أكدج من بِلَاد السودَان ورزق الظفر وَالْفَتْح كَمَا ذكره مَبْسُوطا فِي النزهة فَلْينْظر هُنَاكَ وَذكر صَاحب كتاب الْأَنْوَار السّنيَّة أَن الْمولى عليا مكث أَربع عشرَة سنة لَا يُولد لَهُ ثمَّ ولد لَهُ بعد ذَلِك ولدان أَحدهمَا الْمولى مُحَمَّد بِفَتْح الْمِيم وَالثَّانِي أَبُو المحاسن يُوسُف وَهُوَ أصغرهما أما الْمولى مُحَمَّد فخلف أَرْبَعَة أَوْلَاد وهم السَّيِّد الْحسن وَالسَّيِّد عبد الله وَالسَّيِّد عَليّ وَالسَّيِّد قَاسم وهم على هَذَا التَّرْتِيب فِي السن وَيُقَال لسائرهم أَوْلَاد مُحَمَّد نِسْبَة إِلَى هَذَا الْجد وفروعهم كَثِيرَة يطول تتبعها وَأما الْمولى يُوسُف فَإِنَّهُ ولي زَاوِيَة أَبِيه واجمع النَّاس على أَنه المتأهل لَهَا دون غَيره لرزانته ووفور عقله فتولاها بعد نزاع ورسم تَوليته لَهَا لم يزل مَوْجُودا عِنْد بعض حفدته وَكَانَ ذَلِك كُله فِي دولة بني مرين وَقَالَ صَاحب كتاب الْأَنْوَار وَقد قيل إِنَّه لم يكن لَهُ ولد حَتَّى بلغ ثَمَانِينَ سنة فولد لَهُ تِسْعَة من الْوَلَد خَمْسَة مِنْهُم أشقاء وأمهم حليمة من ذُرِّيَّة بعض المرابطين بسجلماسة وهم السَّيِّد عَليّ وَهُوَ جد الْمُلُوك أبقى الله فَضلهمْ وَالسَّيِّد أَحْمد وَالسَّيِّد عبد الْوَاحِد وَالسَّيِّد الطّيب وَالسَّيِّد عبد

стр. 1177

الْوَاحِد المكنى بِأبي الْغَيْث جد الْأَشْرَاف البلغيثيين وَإِنَّمَا كني بذلك لِكَثْرَة مَا نزل من الْغَيْث عِنْد وِلَادَته وَكَانَ النَّاس قبله فِي جَدب شَدِيد وهم على هَذَا التَّرْتِيب فِي السن وَأَرْبَعَة أشقاء أمّهم طَاهِرَة من ذُرِّيَّة بعض المرابطين أَيْضا وهم السَّيِّد الْحسن بِالتَّكْبِيرِ وَالسَّيِّد الْحُسَيْن بِالتَّصْغِيرِ وَالسَّيِّد عبد الرَّحْمَن وَالسَّيِّد مُحَمَّد وَمن منَازِل هَؤُلَاءِ الأشقاء الْيَوْم الْموضع الْمَعْرُوف بأخنوس وتفصيل أَنْسَاب هَؤُلَاءِ الْأَوْلَاد الثَّمَانِية يطول فلنقتصر على ذكر الْمولى عَليّ الْمثنى لِأَنَّهُ الْغَرَض الْمَقْصُود فَنَقُول ولد للْمولى عَليّ الْمَذْكُور ثَلَاثَة من الْوَلَد وهم السَّيِّد مُحَمَّد وَالسَّيِّد مُحرز وَالسَّيِّد هَاشم جد الْأَشْرَاف المرانيين أهل زَاوِيَة اللمراني وَكلهمْ قد عقبوا فَأَما الْمولى مُحَمَّد فولد لَهُ الْمولى عَليّ الشريف المراكشي وَهُوَ المثلث مَعَ عدَّة أَوْلَاد سواهُ وَالْمولى عَليّ هُوَ جد الْمُلُوك أَيْضا وَتُوفِّي بمراكش وَبنى عَلَيْهِ حافده أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى الرشيد قبَّة بديعة تِلْقَاء ضريح القَاضِي عِيَاض ﵀ وَولد للْمولى عَليّ الشريف الْمَذْكُور تِسْعَة من الْوَلَد الْمولى الشريف اسْما وَكَانَت وِلَادَته سنة سبع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة وَهُوَ جد الْمُلُوك وَالْمولى الْحَفِيد وَالْمولى حجاج وَالْمولى مُحرز وَالْمولى حرون وَالْمولى فُضَيْل وَالْمولى أَبُو زَكَرِيَّاء وَالْمولى مبارك وَالْمولى سعيد فَهَؤُلَاءِ هُوَ أَوْلَاد الْمولى عَليّ الشريف وَكَانَ الْمولى الشريف أفضلهم وأشرفهم وَله ﵀ عدَّة أَوْلَاد كلهم نُجُوم زاهرة ذَوُو همم باهرة مِنْهُم الْمولى مُحَمَّد بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ أكبرهم وَالْمولى الرشيد وَالْمولى إِسْمَاعِيل وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة ولوا الْأَمر بالمغرب على هَذَا التَّرْتِيب وَمِنْهُم الْمولى الحران وَسَيَأْتِي وَالْمولى مُحرز وَالْمولى يُوسُف وَالْمولى أَحْمد وَالْمولى الْكَبِير وَالْمولى حمادة وَالْمولى عَبَّاس وَالْمولى سعيد وَالْمولى هَاشم وَالْمولى عَليّ وَالْمولى مهْدي وَهُوَ شَقِيق إِسْمَاعِيل من بَينهم هَذَا مَا تيَسّر ذكره من نسب هَذِه الدولة الشَّرِيفَة ذَات الظلال الوريفة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق

стр. 1178

الْخَبَر عَن رياسة الْمولى الشريف بن عَليّ وَمَا دَار بَينه وَبَين أبي حسون السملالي الْمَعْرُوف بِأبي دميعة قد قدمنَا أَن ظُهُور أبي حسون السملالي كَانَ فِي أَيَّام السُّلْطَان زَيْدَانَ بن الْمَنْصُور السَّعْدِيّ وَأَنه استولى على الْقطر السُّوسِي أَولا ثمَّ تنَاول درعة وسجلماسة ثَانِيًا قَالُوا وَكَانَ استيلاؤه على سجلماسة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف باستدعاء الْمولى الشريف بن عَليّ لَهُ واستصراخه إِيَّاه على بني الزبير أهل حصن تابوعصامت أعدائه كَذَا فِي الْبُسْتَان فَقَدمهَا أَبُو حسون وَاسْتولى عَلَيْهَا وَولى عَلَيْهَا عَاملا من قبله وَرجع إِلَى مقره من أَرض السوس وَقَالَ اليفرني فِي النزهة كَانَ أَبُو الْأَمْلَاك الْمولى الشريف بن عَليّ وجيها عِنْد أهل سجلماسة وَسَائِر الْمغرب يقصدونه فِي الْمُهِمَّات ويستشفعون بِهِ فِي الأزمات ويهرعون إِلَيْهِ فِيمَا جلّ وَقل قَالَ وَكَانَ قد مر ذَات يَوْم وَهُوَ صبي على الإِمَام الْمولى أبي مُحَمَّد عبد الله بن عَليّ بن طَاهِر الحسني فَسَأَلَ عَنهُ إِذْ لم يكن يعرفهُ قبل ذَلِك فَقيل لَهُ هُوَ ابْن الْمولى عَليّ الشريف ففرح بِهِ أَبُو مُحَمَّد وَمسح على ظَهره وَقَالَ مَاذَا يخرج من هَذَا الظّهْر من الْمُلُوك والسلاطين فَعلم النَّاس أَن ذَلِك كَائِن لَا محَالة لما يعلمُونَ من صِحَة كشف أبي مُحَمَّد وَصدق فراسته فَكَانَ الْمولى الشريف بعد أَن كبر وَولد لَهُ الْأَوْلَاد يشيع أَن هَذَا الْأَمر لَا بُد أَن يصير إِلَى بَيته وَيكون لَهُم شَأْن عَظِيم اعْتِمَادًا على فراسة أبي مُحَمَّد بن طَاهِر ﵀ ثمَّ كَانَ بَين الْمولى الشريف الْمَذْكُور وَبَين أهل تابوعصامت وَهِي حصن منيع من حصون سجلماسة عَدَاوَة تَامَّة فاستصرخ عَلَيْهِم أَبَا حسون السملالي صَاحب السوس لصداقة كَانَت بَينهمَا واستصرخ أهل تابوعصامت أهل زَاوِيَة الدلاء فأغاث كل مِنْهُمَا من استصرخه والتقى العسكران مَعًا بسجلماسة لكنهما انفصلا على غير قتال حَقنا لدماء الْمُسلمين وَكَانَ ذَلِك سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف وَلما رأى أهل تابوعصامت مَا بَين الْمولى

стр. 1179

الشريف وَأبي حسون من الصداقة والوصلة مالوا بكليتهم إِلَى أبي حسون وخدموه بِأَنْفسِهِم وَأَوْلَادهمْ وأظهروا لَهُ النصح وَصدق الْمحبَّة طَمَعا فِي استفساده على الْمولى الشريف إِذْ كَانَ ظَاهرا عَلَيْهِم بِهِ فَلم يزَالُوا يسعون فِي ذَلِك إِلَى أَن أظلم الجو بَينهمَا واستحكمت الْعَدَاوَة وتوفرت دواعيها وَلما رأى ابْنه الْمولى مُحَمَّد بن الشريف ذَلِك اهتبل الْغرَّة فِي أهل تابوعصامت وَخرج لَيْلًا فِي نَحْو مِائَتَيْنِ من الْخَيل مظْهرا أَنه قَاصد لبَعض النواحي ثمَّ كبسهم على حِين غَفلَة وتسور عَلَيْهِم حصنهمْ فَمَا رَاع أهل تابوعصامت إِلَّا الْمولى مُحَمَّد فِي جمَاعَة قد وضعُوا السَّيْف فيهم وحكموه فِي رقابهم فَلم يكن عِنْدهم دفاع واستمكن مِنْهُم وَاسْتولى على ذخائرهم وشفى صدر أَبِيه مِمَّا كَانَ يجده عَلَيْهِم وَلما انْتهى الْخَبَر بذلك إِلَى أبي حسون حمى أَنفه وَاشْتَدَّ غَضَبه وَكتب إِلَى عَامله بسجلماسة واسْمه أَبُو بكر يَأْمُرهُ أَن يحتال على الْمولى الشريف حَتَّى يقبض عَلَيْهِ وَيبْعَث إِلَيْهِ بِهِ حَبِيسًا فامتثل أمره وتقبض على الْمولى الشريف غدرا بِأَن تمارض ثمَّ استدعاه لعيادته والتبرك بِهِ ثمَّ قبض عَلَيْهِ وَبعث بِهِ إِلَى السوس فاعتقله أَبُو حسون فِي قلعة هُنَالك مُدَّة إِلَى أَن افتكه وَلَده الْمولى مُحَمَّد بِمَال جزيل وَعَاد الْمولى الشريف إِلَى سجلماسة فِي خبر طَوِيل وَكَانَ ذَلِك كُله فِي حُدُود سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف قَالَ فِي الْبُسْتَان وَأعْطى أَبُو حسون الْمولى الشريف وَهُوَ معتقل عِنْده جَارِيَة مولدة من سبي المغافرة كَانَت تخدمه قَالَ وَهِي أم الْمولى إِسْمَاعِيل وأخيه الْمولى مهْدي اه وَلست أَدْرِي مَا مُرَاده بِهَذَا فَإِن كَانَت الْجَارِيَة نسيبة فِي المغافرة فَهِيَ حرَّة فَيكون الْمولى الشريف قد وَطئهَا بِعقد النِّكَاح وَهَذَا هُوَ الَّذِي يغلب على الظَّن بِدَلِيل أَن السُّلْطَان الْأَعْظَم الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ لما عزم على جمع جَيش الودايا قَالَ لَهُم أَنْتُم أخوالي إِشَارَة إِلَى هَذَا الصهر كَمَا سَيَأْتِي وَإِن كَانَت مَمْلُوكَة لَهُم ثمَّ صَارَت إِلَى أبي حسون فالوطء حِينَئِذٍ كَانَ

стр. 1180

بِملك الْيَمين وَالله تَعَالَى أعلم وَصَاحب الْبُسْتَان كثيرا مَا يجازف فِي النَّقْل ويتساهل فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَن يعْتَمد على مَا ينْفَرد بِهِ من ذَلِك وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الْخَبَر عَن إِمَارَة الْمولى مُحَمَّد بن الشريف وبيعته بسجلماسة وَالسَّبَب فِي ذَلِك لما قبض أَبُو حسون على الْمولى الشريف وسجنه عِنْده كَانَ وَلَده الْمولى مُحَمَّد بِفَتْح الْمِيم مجمعا على إهلاك من بَقِي من أهل تابوعصامت واستئصال شأفتهم وَكَانَ قد تقوى عضده بعض الشَّيْء بِمَا أَخذ من أَمْوَالهم فِي الْوَقْعَة السالفة فَاتخذ بعد تغريب أَبِيه إِلَى السوس جَيْشًا لَا بَأْس بِهِ وانضم إِلَيْهِ جمع من أهل سجلماسة وأعمالها وَذَلِكَ سنة خمس وَأَرْبَعين وَألف وَكَانَ أَصْحَاب أبي حسون قد أساؤوا السِّيرَة بسجلماسة ونصبوا حبالة الطمع فِي النَّاس حَتَّى ملتهم الْقُلُوب وزرعوا بغض الملكة السوسية فِي قُلُوب الْخَاصَّة والعامة وَمن عسفهم أَنهم كَانُوا قد ضربوا الْخراج بسجلماسة وأعمالها على كل شَيْء حَتَّى على من يجدونه فِي الشَّمْس زمن الشتَاء وَفِي الظل زمن الصَّيف وضيقوا على النَّاس حَتَّى ازدرتهم الْعُيُون وملتهم النُّفُوس فَلَمَّا قَامَ الْمولى مُحَمَّد وَاجْتمعَ عَلَيْهِ من ذَكرْنَاهُ آنِفا دعاهم إِلَى الْإِيقَاع بِأَهْل السوس فَأَجَابُوهُ وَوجد فيهم دَاعِيَة لذَلِك فاعصوصبوا عَلَيْهِ وصرفوا عزمهم إِلَى محو دَعْوَة أبي حسون من بِلَادهمْ فثاروا بعماله للحين وأخرجوهم عَنْهَا صاغرين بعد قتال شَدِيد ثمَّ أجمع رَأْيهمْ على بيعَة الْمولى مُحَمَّد فَبَايعُوهُ سنة خمسين وَألف فِي حَيَاة أَبِيه وَوَافَقَ على بيعَته أهل الْحل وَالْعقد بسجلماسة فاستتب أمره واستحكمت بيعَته وَوَافَقَهُ الْمُقدر وساعده السعد وافتتح من ملك الْمغرب بَابه وَإِذا أَرَادَ الله أمرا هيأ أَسبَابه

стр. 1181

اسْتِيلَاء الْمولى مُحَمَّد بن الشريف على درعه وطرده أَبَا حسون السملالي عَنْهَا لما تمت الْبيعَة للْمولى مُحَمَّد بن الشريف وَجمع الله سُبْحَانَهُ شَمله بِأَبِيهِ كَمَا مر شمر لمضايقة أبي حسون السملالي وَأهل السوس بِبِلَاد درعه إِذْ كَانَت تَحت ولَايَته كَمَا قُلْنَا فَنَهَضَ إِلَيْهِ فِي جمع كثيف وَوَقعت بَينهمَا حروب فظيعة يشيب لَهَا الْوَلِيد ثمَّ انقشع سَحَاب تِلْكَ الْفِتْنَة عَن انتصار الْمولى مُحَمَّد وانهزام أبي حسون وفراره إِلَى مسْقط رَأسه من أَرض السوس فاستولى الْمولى مُحَمَّد على درعه وأعمالها واتسعت إيالته وتوفرت جموعه وعظمت جبايته وطار فِي بِلَاد الْمغرب صيته وَكَانَ من أمره مَا نذكرهُ وقْعَة القاعة بَين الْمولى مُحَمَّد بن الشريف وَأهل زَاوِيَة الدلاء وَمَا نَشأ عَنْهَا لما صفا للْمولى مُحَمَّد بن الشريف قطر سجلماسة وَدِرْعه حدثته نَفسه بِالِاسْتِيلَاءِ على الغرب إِذْ هُوَ يَوْمئِذٍ مقرّ الرياسة ومتبوأ الْخلَافَة فَمَا دَامَ لم يحصل عَلَيْهِ اسْتِيلَاء فالملك عرضة للزوال وَصَاحبه ناسج على غير منوال وَكَانَ الرئيس أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْحَاج الدلائي يَوْمئِذٍ مستوليا على فاس ومكناسة وأعمالهما وامتدت ولَايَته بعد مهلك أبي عبد الله العياشي إِلَى سلا وأعمالها فَلَمَّا ظهر الْمولى مُحَمَّد بالصحراء واستفحل أمره وقويت شوكته خَافَ مُحَمَّد الْحَاج مِنْهُ الْوُثُوب على فاس فعاجله بِالْحَرْبِ وَعبر إلية نهر ملوية وَكَانَ الدلائي أَشد قُوَّة من الشريف وَأكْثر جمعا فضايقه بإقليم الصَّحرَاء وَقصد سجلماسة مرَارًا وَكَانَت بَينهمَا أثْنَاء ذَلِك وقْعَة القاعة ضحى يَوْم السبت الثَّانِي عشر من ربيع النَّبَوِيّ سنة سِتّ وَخمسين وَألف فَكَانَت الْهَزِيمَة فِيهَا على الشريف وَتقدم الدلائي إِلَى سجلماسة فافتتحها وَاسْتولى عَلَيْهَا وَفعلت البربر فِيهَا الأفاعيل الْعَظِيمَة

стр. 1182

ثمَّ انبرم الصُّلْح بَينهمَا على أَن مَا حازت الصَّحرَاء إِلَى جبل بني عَيَّاش فَهُوَ للْمولى مُحَمَّد وَمَا دون ذَلِك إِلَى نَاحيَة الغرب فَهُوَ لأهل الدلاء ثمَّ اسْتثْنى أهل الدلاء خَمْسَة مَوَاضِع أخر كَانَت فِي إيالة الْمولى مُحَمَّد فجعلوها لَهُم وَهِي الشَّيْخ مغفر فِي أَوْلَاد عِيسَى وَالسَّيِّد الطّيب فِي قصر السُّوق وَأحمد بن عَليّ فِي قصر بني عُثْمَان وَقصر حليمة فِي وَطن غريس وآسرير فِي فركلة فَهَذِهِ الْأَمَاكِن الْخَمْسَة شرطُوا على الْمولى مُحَمَّد أَن لَا يُحَرك لَهُم مِنْهَا سَاكِنا وانبرم الصُّلْح على ذَلِك وَرجع أهل الدلاء فِي جموعهم فَمَا كَانَ غير بعيد حَتَّى أطلع الْمولى مُحَمَّد على مَا أوجب الفتك بالشيخ مغفر وَبَعض من شرطُوا عَلَيْهِ بَقَاءَهُ ففتك بهم وَاصْطلمَ نعمتهم فَبلغ ذَلِك أهل الدلاء فَجمعُوا جموعهم ونهضوا إِلَى سجلماسة عازمين على استئصال الْمولى مُحَمَّد وشيعته وَأَن لَا يدعوا لَهُ قَلِيلا وَلَا كثيرا وَكَتَبُوا إِلَيْهِ كتابا يتهددونه فِيهِ ورموه بالغدر وَأَنه ناكث ومقسم حانث وأغلظوا لَهُ فِي الْكَلَام وأفحشوا عَلَيْهِ فِي الملام فأجابهم الْمولى مُحَمَّد برسالة يَقُول فِيهَا إِلَى السَّيِّد مُحَمَّد الملقب بالحاج ابْن السَّيِّد مُحَمَّد بن أبي بكر بن سيري الوجاري الزموري وَمن شَمله رِدَاء الدِّيوَان من الْأَبْنَاء والإخوان سَلام على جلهم سَلام اسْتِحْبَاب وَسنة فقد كتبناه إِلَيْكُم من سجلماسة كتب الله لَهَا من شركم أَنْفَع التمائم وألبسها من الظفر بكم أرفع العمائم وَبعد السَّلَام فَإِن نيران هَذِه الْفِتَن الَّتِي أضرمتموها بعد خمودها لَسْتُم لَهَا بِأَهْل إِذْ لم يعرفكم أهل الْمغرب إِلَّا بإطعام قصاع العصائد وهجو بَعْضكُم لبَعض بِمَا لَا يسمع من بشيع القصائد أما الْعُلُوم فقد أقررنا لكم فِيهَا إنصافا بِالتَّسْلِيمِ لَو قصدتم بهَا الْعَمَل وَأجر التَّعْلِيم وَايْم الله لَئِن نظم فِينَا الديَّان يَوْمًا من الدَّهْر شَمل الدِّيوَان لتعاينن أَنْت أَو بنوك مَا يُحِبهُ لنا البنون والإخوان وَلَقَد حدث

стр. 1183

السَّادة أهل البصيرة أَن ستدور عَلَيْكُم منا الدائرة المبيرة أتطمعون فِي النجَاة بعد ترويعكم الشرفاء والشريفات والعابدين والعابدات فشمروا إِن شِئْتُم عَن ساعد الْجد للصلح واغتنموا السّلم مَا دَامَ يساعدكم وَقت النجح فَإِن الْحَرْب نَار والتخلف عَنْهَا بعد إيقادها شنار وَالله يعلم أَن هَذِه المراودة لَيست بجزع وَلَا وَجل مِنْكُم وَمَا نشبهكم عِنْد الهراش إِلَّا بِمَا يطيش حول المصابيح من الْفراش بل المُرَاد الأكيد نشر رِدَاء التبري لَيْلًا تجأرون مَتى أنشبنا فِيكُم مخالب التجري وَمَا قذفتم بِهِ أعراضنا من خسة الْقدر وأننا قساة لَا نصغي لقبُول الْعذر فَأنْتم تنهون عَن الْفَحْشَاء وَقد ملأتم مِنْهَا الأجشاء وَإِن زجرتم عَنْهَا قُلْتُمْ كلا وحاشا لَكِن من نتج نَسْلًا نسب إِلَيْهِ وَمن خَافَ من شَيْء يُسَلط عَلَيْهِ وَأما مَا احتوى عَلَيْهِ بِسَاط الغرب مَا بَين بربر وعرب فقد طمعنا من الله كَونه فِي القبضة عِنْدَمَا تمكن إِلَيْهِ النهضة إِن لم أكنه بِالذَّاتِ والديوان فبالأبناء والإخوان كعوائد الدول يشيد الْأَخير مِنْهَا مَا أسسه الأول وَانْظُر مَا يكون لخاطركم بِهِ اطمئنان فنساعدكم عَلَيْهِ الْآن فَللَّه دره من دغوغي أشاع عارك بِأَبْيَات أنشدناها مولَايَ مُحَمَّد بن مبارك (وَاعْلَم بأنك من دجاجل مغرب ... فبعيسى صولة نَصره سَتَمُوتُ) (أَنْتُم عكاكز خلفتكم عاهر ... وَأَبُو يسير جدكم جالوت) (شبانكم مرد وكل كهولكم ... قرنان صَنْعَة شيخكم ديوث) (ضجرت لدولتكم سموات العلى ... واستثقلتها الأَرْض والبهموت) وَمَا أَنْت فِي الْحَقِيقَة إِلَّا قرد من القرود والقراد اللاصق فِي كل كلب مجرود وَمَا حرصتم بِهِ من الصُّلْح بَين الْمُلُوك مكيدة فقد سبقكم بهَا السُّلْطَان أَبُو حمو ﵀ وَحَتَّى الْآن رغبتم فِي الْخَيْر فَهُوَ مطلبي ومغناطيس طبي وَإِن عشقتم الْغَيْر فجوابي لكم قَول المتنبي (وَلَا كتب إِلَّا المشرفية والقنا ... وَلَا رسل إِلَّا الْخَمِيس العرمرم)

стр. 1184

اسْتِيلَاء الْمولى مُحَمَّد بن الشريف على فاس ثمَّ رُجُوعه عَنْهَا كَانَ مُحَمَّد الْحَاج الدلائي مستوليا على فاس بعد سَيِّدي مُحَمَّد العياشي كَمَا قُلْنَا وَكَانَ أهل فاس يمرضون فِي طَاعَته تَارَة ويستقيمون أُخْرَى فولى عَلَيْهِم قائده أَبَا بكر الثاملي وأنزله بدار الْإِمَارَة من فاس الْجَدِيد فاتفق أَن وَقعت بَينه وَبَين أهل فاس الْقَدِيم حَرْب فَحَاصَرَهُمْ وَقطع عَنْهُم المَاء فَكتب أهل فاس إِلَى الْمولى مُحَمَّد بن الشريف يستصرخونه ويضمنون لَهُ الطَّاعَة والنصرة بِمَا شَاءَ من عدد وعدة مَتى قدم عَلَيْهِم واحتل بَين أظهرهم وَوَافَقَهُمْ على ذَلِك عرب الغرب من الْخَلْط وَغَيرهم فاغتنمها الْمولى مُحَمَّد مِنْهُم وَأَقْبل مسرعا حَتَّى اقتحم دَار الْإِمَارَة بفاس الْجَدِيد منسلخ جمادي الثَّانِيَة سنة سِتِّينَ وَألف وَقبض على أبي بكر الثاملي فسجنه وَبَايَعَهُ أهل البلدين فاس الْقَدِيم وفاس الْجَدِيد مَعًا وَاتَّفَقُوا على نصرته وَالْقِيَام بأَمْره وكتبت لَهُ الْبيعَة بفاس سَابِع رَجَب فَأَقَامَ عِنْدهم نَحْو أَرْبَعِينَ يَوْمًا واتصل الْخَبَر بِمُحَمد الْحَاج فَجهز إِلَيْهِ جَيْشًا كثيفا فبرز إِلَيْهِم الْمولى مُحَمَّد ودافعهم يَوْمًا أَو بعض يَوْم فضعف عَنْهُم وَانْهَزَمَ بظهرالرمكة خَارج فاس يَوْم الثُّلَاثَاء عَاشر شعْبَان سنة تسع وَخمسين وَألف فَأسلم فاسا وانكفأ رَاجعا إِلَى سجلماسة وَدخل أهل فاس الَّذين كَانُوا مَعَه مدينتهم فأغلقوها عَلَيْهِم وحاصرهم الثاملي وَأَصْحَابه وَقطع عَنْهُم المَاء وَجَرت خطوب هلك فِيهَا جمَاعَة من أَعْيَان فاس مِنْهُم عبد الْكَرِيم اللايريني الأندلسي وَمُحَمّد بن سُلَيْمَان وَغَيرهمَا وَكَانَ ذَلِك أَوَاخِر صفر سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَألف ثمَّ راجعوا طَاعَة أهل الدلاء فولى عَلَيْهِم الْحَاج وَلَده أَحْمد وَلما اسْتَقر بفاس طَالب أَهلهَا بِإِخْرَاج الجناة ورؤوس الْفِتْنَة من ضريح الْمولى إِدْرِيس ﵁ فتعصب لَهُم الشريف أَبُو الْحسن عَليّ بن إِدْرِيس الجوطي وَقَامَ دونهم ثمَّ عجز واختفى حَتَّى أخرج بالأمان إِلَى زَاوِيَة أهل المخفية

стр. 1185

وَمِنْهَا خرج عَن فاس بِالْكُلِّيَّةِ وسكنت الْفِتْنَة وَكَانَ ذَلِك فِي رَمَضَان سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَألف وَاسْتمرّ أَحْمد الدلائي أَمِيرا على فاس إِلَى أَن توفّي فِي عشْرين من ربيع الأول سنة أَربع وَسِتِّينَ وَألف وَخَلفه أَخُوهُ مُحَمَّد وَمَات سنة سبعين وَألف رحم الله الْجَمِيع ثمَّ وثب على فاس الْجَدِيد أَبُو عبد الله الدريدي فاستولى عَلَيْهِ اسْتِيلَاء الْمولى مُحَمَّد الشريف على وَجدّة وشنه الغارات على تلمسان وأعمالها وَمَا نَشأ عَن ذَلِك لما أيس الْمولى مُحَمَّد بن الشريف من فاس وَالْمغْرب صرف عزمه لتمهيد عمائر الصَّحرَاء وبلاد الشرق فَسَار يتقرى الْحلَل والمداشر والقرى إِلَى أَن بلغ بسيط آنكاد فَبَايَعته الأحلاف وَهُوَ العمارنة والمنبات من عرب معقل وبايعته سقونة مِنْهُم أَيْضا فَسَار بهم إِلَى بني يزناسن وَكَانُوا يَوْمئِذٍ فِي ولَايَة التّرْك فَأَغَارَ عَلَيْهِم وانتهب أَمْوَالهم وامتلأت أيد الْعَرَب من مَوَاشِيهمْ ثمَّ انثنى إِلَى وَجدّة وَكَانَ أَهلهَا يَوْمئِذٍ حزبين بَعضهم قَائِم بدعوة التّرْك وَبَعْضهمْ خَارج عَنْهَا فانحاز الخارجون إِلَى الْمولى مُحَمَّد فأغزاهم بشيعة التّرْك فانتهبوهم وشردوهم عَن الْبَلَد وصفت وَجدّة لَهُ فاستولى عَلَيْهَا وَكَانَ ذَلِك أَعْوَام السِّتين وَألف ثمَّ دلته الْعَرَب على أَوْلَاد زكرى وَأَوْلَاد عَليّ وَبني سنوس المجاورين لَهُم فشن عَلَيْهِم الغارات وانتهبهم فَدَخَلُوا فِي طَاعَته ثمَّ سَار إِلَى نَاحيَة ندرومة فشن الْغَارة على مضغرة وقديمة وطرارة وولهاصة وَرجع إِلَى وَجدّة فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ توجه إِلَى تلمسان فَأَغَارَ على سرحها وسرح الْقرى الْمُجَاورَة لَهَا واكتسح بسائطها فبرز إِلَيْهِ أَهلهَا وَمَعَهُمْ عَسْكَر التّرْك الَّذِي كَانَ بالقصبة فأوقع بهم وَقتل مِنْهُم عددا كثيرا وَرجع عوده على بدئه إِلَى وَجدّة فشتى بهَا

стр. 1186

وَلما انصرم فصل الشتَاء خرج على طَرِيق الصَّحرَاء فَأَغَارَ على الجعافرة وانتهب أَمْوَالهم وَقدم عَلَيْهِ هُنَالك مَحْمُود شيخ حميان من بني يزِيد بن زغبة وهم الْيَوْم فِي عداد بني عَامر بن زغبة فَقدم عَلَيْهِ مَحْمُود الْمَذْكُور فِي قبيلته مبايعا لَهُ ومتمسكا بِطَاعَتِهِ وقدمت عَلَيْهِ أَيْضا دخيسة ففرح بهم وَأكْرمهمْ ودلوه على الأغواط وَعين ماضي والغاسول فنهب تِلْكَ الْقرى وأستولى على أموالها وفرت أَمَامه عرب الْحَارِث وسُويد وحصين من بني مَالك بن زغبة فنزلوا بجبل رَاشد متحصنين بِهِ فَرجع عَنْهُم واضطربت أَحْوَال الْمغرب الْأَوْسَط واشرأبت رعاياه إِلَى الانتفاض على التّرْك وَأخذ باي معسكر يخندق على نَفسه وَبعث إِلَى صَاحب الجزائر الْمُسَمّى عِنْدهم بالدولة يُخبرهُ بِمَا لحق الرعايا من عيث صَاحب سجلماسة فَأخْرج صَاحب الجزائر عساكره وهيأ مدافعه واستعد لِحَرْب الْمولى مُحَمَّد وَقدم نَائِبه بالعساكر إِلَى تلمسان فَلَمَّا سمع بِهِ الْمولى مُحَمَّد اسْتمرّ رَاجعا إِلَى وَجدّة وَفرق الْعَرَب الَّذين كَانُوا مُجْتَمعين عَلَيْهِ وَوَعدهمْ لفصل الرّبيع الْقَابِل ثمَّ قفل إِلَى سجلماسة بعد مَا شب نيران الْحَرْب فِي الإيالة التركية ونسفها نسفا وَضرب أَولهَا بأخرها وَلما وصل عَسْكَر التّرْك إِلَى تلمسان وأخبروا بِرُجُوع الْمولى مُحَمَّد إِلَى تافيلالت سقط فِي أَيْديهم ووجدوا الْبِلَاد خَالِيَة وكل الرعايا قد أجفلت عَن أوطانها وتحصنوا بالجبال وَلم يَأْتهمْ أحد بمؤنة وَلَا خراج وانحرف عَنْهُم أهل تلمسان أَيْضا وَكَانُوا قد ركنوا إِلَى الْمولى مُحَمَّد وخاطبوه فَرَأى التّرْك أَنهم قد شوركوا فِي بِلَادهمْ وزوحموا فِي سلطانهم فَرَجَعُوا إِلَى الجزائر وَكَانَ من أَمرهم مَا نذكرهُ الْآن

стр. 1187

مراسلة عُثْمَان باشا صَاحب الجزائر للْمولى مُحَمَّد بن الشريف وَمَا دَار بَينهمَا فِي ذَلِك لما رَجَعَ عَسْكَر التّرْك إِلَى الجزائر وأخبروا صَاحبهَا عُثْمَان باشا الدولة بِحَال الرعايا وَمَا نالها من صَاحب سجلماسة جمع أهل ديوانه وأرباب مشورته وتفاوضوا فِي أَمر الْمولى مُحَمَّد وَكَيف التَّخَلُّص من سطوته فَلم يرَوا أجدى لَهُم من أَن يبعثوا إِلَيْهِ برسالة مَعَ اثْنَيْنِ من أَعْيَان الجزائر وعلمائها واثنين من كبار التّرْك ورؤسائها لأَنهم كَانُوا لَا يتمكنون من حربه لَو أَرَادوا ذَلِك لِأَنَّهُ يُغير ويظفر وينتهب ثمَّ يصحر فَلَا يُمكنهُم التَّعَلُّق بأذياله وَلَا قطع فراسخه وأمياله فبعثوا إِلَيْهِ برسالة من إملاء الْكَاتِب أبي الصون المحجوب الحضري مَعَ الْوَفْد الْمشَار إِلَيْهِ يَقُول فِيهَا الْحَمد لله الَّذِي وصّى وَلَا رخص فِي مدافعه اللص والصائل شريفا أَو مشروفا وَنَصّ وَهُوَ الصَّادِق سُبْحَانَهُ على فَصم عرى أَصله المتأصل مَجْهُولا أَو مَعْرُوفا وَصلى الله على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم وعَلى آله تيجان الْعِزّ وبراقع الجباه والخياشم وصحابته صوارم الصولة الحاسمة من الْكفْر الطلي والغلاصم بِالرِّمَاحِ العاملة وَالسُّيُوف القواصم وَلَا زَائِد بعد حمد الله إِلَّا مقصد خطاب الشريف الْجَلِيل الْقدر الصَّادِق اللهجة والصدر من رتق الله بِهِ فتوق وَطنه وَحمى بِهِ من أحزاب الأباطيل أنجاد أرضه وأغوار عطنه حافد مَوْلَانَا عَليّ وسيدتنا البتول وَولد مَوْلَانَا الشريف بن مَوْلَانَا عَليّ السيتل الصؤل سَلام عَلَيْكُم مَا رصعت الجفان سموت البحور ولمعت الْجَوَاهِر الحسان على بَيَاض النحور وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته مَا أساغت مَحْض الْحَلَال ذَكَاته وَبعد فقد كاتبناكم من مُغنِي غنيمَة الْمُقِيم والظاعن والزائر رِبَاط الجريد مَدِينَة ثغر الجزائر صان الله من الْبر وَالْبَحْر عرضهَا وَأمن من زعازع العواصف والقواصف أرْضهَا إلماعا لكم معادن الرياسة وفرسان القيافة والعيافة

стр. 1188

والفراسة فضلا عَن سَمَاء صَحا من الْغَيْم والقتام جوه وضحى نشرت عَلَيْهِ الوديقة وشيا فَفَشَا ضوءه بِأَن شؤون المملكة لم يتوان عَن مَكْنُون علمكُم أمرهَا وَلَا أعوز عزائمكم زيدها وعمرها وَذَلِكَ أَن الْوَهَّاب سُبْحَانَهُ منحكم هَيْبَة وهمة فِي الْجُود والحلم والحماسة وَاخْتَارَ لكم عنوان عنايتها فِي غَابَ الصون سجلماسة لَكِن فاتكم سر رَأْي التَّدْبِير وأركبتم حزمكم جموع الْجَهْل والتبذير مَعَ أَن ذَلِك فِي الْحَقِيقَة دأب كل مؤسس لدولة لَا يجمعها إِلَّا بجنايات الجولة والصولة فخرقت على الإيالة العثمانية جِلْبَاب صونها الْجَدِيد من وَجدّة الأبلق إِلَى حُدُود الجريد فشوشت علينا أَخْلَاق أخلاط الْأَعْرَاب إِلَى أَن تعوقوا علينا فِي أرْفق الْآرَاب وشننت الْغَارة الشعواء على بني يَعْقُوب فحسمت رسمهم على العقيب والعرقوب وغادرت جماهرهم تسْعَى على عِيَالهمْ الزياني والموزونة فِي أسواق مستغانم وديار مازونه وجررت ذيل المذلة على أَطْرَاف الغاسول والأغواط فالتقطتهم بطانتك الْتِقَاط سِبَاع الطير الوطواط وقادك الْجَاهِل الجهم مَحْمُود حيمان لعين ماضي والصوانع وَبني يطفيان فراحت ريَاح وسُويد ينفض كل بَطل مِنْهُم غباره وطينه على طود رَاشد وبليد قسطينة وَلَا كادنا إِلَّا مَا هتكتم من ستر السِّرّ على مرسى أبي الرّبيع السَّيِّد سُلَيْمَان مَعَ أَنكُمْ أولى من يُرَاعِي حرمته وتوقيره ويدافع عَنهُ وَعَمن سواهُ ويرفد فقيره وتنسبون الْعَجم للْجَهْل وَأَنَّهُمْ جُفَاة وأجلاف ثمَّ صرتم بَدَلا وأخلاف خرج جَيش قصبتنا بتلمسان بِمَا لديهم من الرُّمَاة والفرسان فهزمتموهم بقرار وَقَتَلْتُمُوهُمْ قتل مذلة واحتقار فَقُلْنَا هَذَا أقل جَزَاء كل كلب حقير عقور يعرض عرضه لصولة الْأسد الهصور وَلَا وافت الآفته فِي الْغَالِب إِلَّا الْحَضَر مَعَ شيع فِي الأجنة تجني الجنى وَالْخضر كَانَ أَوْلَاد طَلْحَة وهداج وخراج يؤدون لهَذِهِ المثابة مَا ثقل وخف من الْخراج وَلَا يفوتنا من ملازمها وبر وَلَا شعر وَلَا صوف وَلَا سقب وَلَا جدي وَلَا خروف إِلَى أَن طلعت علينا غرَّة شمسك السعيدة

стр. 1189

فَعَادَت كل شيعَة قريبَة عَنَّا بعيدَة وأعانك افْتِرَاق الجفاة من أهل وَجدّة وَأَن نصيبك الأوفر مِنْهُم أهل جدة ونجدة ولولاك مَا ثار علينا أهل تلمسان وأنكروا مَا لنا عَلَيْهِم من قديم الحنانة وَالْإِحْسَان وردوا عَلَيْك الساحة والبساط ومرغوبهم أَن تزفر علينا بسطوة الثعبان والساط مَعَ علمنَا اليقيني أَن شجرتنا لَا تضعضع بزعازع حَيَّان وَلَا تندرس وَلَو انهارت عَلَيْهَا جبال جيان وَأَن الْحجر لَا يدق بالطوب والخاطف لَا يطَأ أوطية الخطوب كَذَلِك فِي الْمثل جندك خلال الصَّدْر والورود لَا يصبرون لصواعق البارود وَلَا تنجح حجَّة الدروع والذوابل إِلَّا فِي سوق شن الغارات على حلل الْقَبَائِل وَأما أسوار الجحافل وأدوار الْكَتَائِب فَلَا يصدمها فيهدمها إِلَّا سيول الْخُيُول وَالرُّمَاة الرَّوَاتِب وزنت صولتك لبني عَامر لذاذة النفار لكنف الْكَافِر وداخل الوسواس والسوس جبال طرارة ومضغرة وَبني سنوس والرعايا تود أَن يحتفل لَبنهَا فِي ضروعها لتختزن فِي تبن الخداع سنبل زروعها وَإِن قبلت مِنْهُم الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال تعل طباعها على الدولة فَتَصِير كالأغوال وَإِيَّاك إياك وَالْغرر لما عثرت عَلَيْهِ فِي كتاب الْبونِي وأوراق السُّيُوطِيّ وعَلى بَادِي وَابْن الْحَاج ورسالة أهل سبتة لعبد الْحق بن أبي سعيد المريني بأنك الْمَخْصُوص بصعود تِلْكَ الأدراج ذَلِك مِنْك بعيد الْوُصُول لَا تُدْرِكهُ بالمسرة وَلَا بقبائع النصول وَإِن أوتاد الرّوم وَالتّرْك تتقوض من أَرض الغرب وَلَا يبْقى من ينازعكم فِيهَا بِحَرب وَلَا ضرب لَيْسَ لَك فِي غنيمَة إِدْرَاكه طمع وَلَا سَبِيل لتبديد مَا نظمه حازمنا وَجمع وَقد غرتك أضغاث الأحلام وأغواك ضباب الْغَيْب فَأصْبح ظَنك مِنْهُ فِي غياهب الأظلام فَإِن حرمت بِهِ فَأَنت لَا شكّ حانث وَإِن كَانَ مِنْكُم يَقِينا فرابع أَو ثَالِث أولكم ثَائِر وَالثَّانِي مقتف لَهُ سَائِر وَالثَّالِث لَكمَا أَمِير نائر إِمَّا عَادل أَو جَائِر وَلَا تَمُدَّن بَاعَ المخاطرة إِلَى أوطاننا فتخشى مخالب سطوة سلطاننا أما الشجَاعَة الغريزة فقد علمنَا أَن لَك مِنْهَا بالمهيمن أوفر نصيب وَمِمَّنْ ضرب فِيهَا فَأصَاب

стр. 1190

الْغَرَض بِسَهْم مُصِيب لَكِن غَايَة كِفَايَة الشجاع إِذا حمي الْوَطِيس الدفاع سِيمَا فِي هَذَا الْحِين الَّتِي أبخستها عِنْد الْخَلَاص صناعَة البارود والرصاص وجسرك علينا كونك عقَابا على فرع شجر أَو يعسوب نحل احتل صدع حجر لَو رَأَيْت مُلُوك آحَاد أَمْصَار الْبر وَالْبَحْر لعَلِمت أَنَّك مَحْجُوب ومحجور فِي حق ذَلِك الْحجر وتحققت أَن بَين الْأُمَرَاء مداراة ومراعاة وَأَن أَحْوَال الدول أَيَّام وساعات كل أحد يخَاف على صدع فخاره وَيُطلق بخوره تَحت نَتن بخاره وَمَا مرادنا إِلَّا أَمَان الْعَرَب فِي الْمَوَاضِع ليطيب لَهَا جولان الِانْتِقَال فِي المشتاة والمرابع ويجلب إِلَيْهِم الْغَنِيّ والعديم مَا يحصل لَهُ فِيهِ ربح من الكساء والحناء والأديم فَإِن تعلّقت همتك بالإمارة فَعَلَيْك بالمدن الَّتِي حجرها عَلَيْك همج البرابر فَصَارَ يدعى لَهَا بهَا على المنابر فَشد لَهَا حيازيمك لتذوق حلاوة الْملك المعجونة بمرهم النجَاة أَو الهلك دع عَنْك وَطن الرمال والعجاج ومخاطرة النَّفس فِي الفدافد والفجاج فناشدناك جدك من الْأَب وَالأُم وَمَا لَك فِيهِ من أَخ وخال وَعم إِلَّا مَا تجنبت ساحات تلمسان وَلَا زاحمتها بجموع رُمَاة وَلَا فرسَان وَإِن اشتهت الْأَعْرَاب غارات بَعْضهَا على بعض فموعدها مَا نأى عَنَّا من مُطلق الأَرْض وخمسنا أبدا على الْغَالِب لِتَعْلَمُوا أَن رَأْيهمْ عَن مَعَاني الصَّوَاب غَائِب إِذْ كلهم ذَوُو جفَاء ونفار ويعمهم عِنْد الدول مَا يعم الْكفَّار ليبقى بَيْننَا وَبَيْنكُم السّتْر المديد على الدَّوَام ونلغي كَلَام الوشاة من الأقوام وَقد شيعنا نحوكم أَرْبَعَة صِحَاب تسر بمجالستهم الخواطر والرحاب الْفَقِيه الْوَجِيه السَّيِّد عبد الله النفزي والفقيه الأبر السَّيِّد الْحَاج مُحَمَّد بن عَليّ الحضري المزغنائي واثنين من أَرْكَان ديواننا وقواعد إيواننا أتراك سيوط وَغَايَة غرضنا جميل الْجَواب بِمَا هُوَ أصفى وأصدق خطاب وَالله تَعَالَى يوفقنا لِأَحْمَد طَرِيق ويحشرنا مَعَ جدك فِي خير فريق آمين وَالسَّلَام وَكتب فِي منتصف رَجَب الْفَرد الْحَرَام عَام أَرْبَعَة وَسِتِّينَ وَألف اه

стр. 1191

وَلما وصلت الرُّسُل إِلَى الْمولى مُحَمَّد وَقَرَأَ الْكتاب اغتاظ مِمَّا تضمنه من العتاب فأحضر الرُّسُل وعاتبهم على قَول مرسلهم وتحامله عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ نَحن أَتَيْنَاك سفراء برسالة باشا الجزائر فَاكْتُبْ لنا الْجَواب وَلَا تقابلنا بعتاب فَقَالَ صَدقْتُمْ فَكتب إِلَيْهِم بِكِتَاب يَقُول فِي أَوله وَبعد فقد كتبناه إِلَيْكُم من غرَّة جبين الصحارى وصرة أَمْصَار المغارب والبراري مُغنِي سجلماسة الَّتِي هِيَ قَاعِدَة الْعَرَب والبربر الْمُسَمَّاة فِي الْقَدِيم كنز الْبركَة حالتي السّكُون وَالْحَرَكَة وَمضى فِي كِتَابه إِلَى أَن خَتمه وَلم يجبهم إِلَى مَا أَرَادوا وَلما رجعُوا برسالته إِلَى صَاحب الجزائر قَرَأَهَا بِمحضر أَرْبَاب الدِّيوَان ثمَّ ردهم فِي الْحِين دون كتاب وَلما قدمُوا على الْمولى مُحَمَّد ثَانِيَة قَالُوا لَهُ إِنَّه لم يكن لنا علم بِمَا فِي الْكتاب وَلَو اكتفينا بِهِ مَا رَجعْنَا إِلَيْك نَحن جئْنَاك لتعمل مَعنا شَرِيعَة جدك وتقف عِنْد حدك فَمَا كَانَ جدك يحارب الْمُسلمين وَلَا يَأْمر بِنَهْب الْمُسْتَضْعَفِينَ فَإِن كَانَ غرضك فِي الْجِهَاد فرابط على الْكفَّار الَّذين هم مَعَك فِي وسط الْبِلَاد وَإِن كَانَ غرضك فِي الِاسْتِيلَاء على دولة آل عُثْمَان فابرز إِلَيْهَا واستعن بالرحيم الرَّحْمَن فَلَا يكن عَلَيْك فِي ذَلِك ملام فَهَذَا مَا جِئْنَا لَهُ وَالسَّلَام وَأما إيقاد نَار الْفِتْنَة بَين الْعباد فَلَيْسَ من شيم أهل الْبَيْت الأمجاد وَلَا يخفى عَلَيْك أَن مَا تَفْعَلهُ حرَام لَا يجوز فِي مَذْهَب من مَذَاهِب الْمُسلمين وَلَا قانون من قوانين الأعجام وَهَذَانِ فقيهان من عُلَمَاء الجزائر قد جَاءَا إِلَيْك حَتَّى يسمعا مِنْك مَا تَقوله وَيحكم الله بَيْننَا وَبَيْنك وَرَسُوله فقد تعطلت تِجَارَتِنَا وأجفلت عَن وطننا رعيتنا فَمَا جوابك عِنْد الله فِي هَذَا الَّذِي تَفْعَلهُ فِي بِلَادنَا وَأَنت ابْن رَسُول الله ﷺ مَعَ أَنه لم يعجزنا أَن نفعله نَحن فِي بِلَادكُمْ ورعيتكم على أننا محمولون على الظُّلم والجور عنْدكُمْ لَكِن تأبى ذَلِك همة سلطاننا فَلَمَّا سمع الْمولى مُحَمَّد كَلَامهم أثر فِيهِ وعظهم وداخلته القشعريرة

стр. 1192

وعلاه سُلْطَان الْحق فأذعن لَهُ وَقَالَ وَالله مَا أوقعنا فِي هَذَا الْمَحْذُور إِلَّا شياطين الْعَرَب انتصروا بِنَا على أعدائهم وأوقعونا فِي مَعْصِيّة الله وأبلغناهم غرضهم فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَإِنِّي أعَاهد الله تَعَالَى لَا أعرض بعد هَذَا الْيَوْم لبلادكم وَلَا لرعيتكم بِسوء وَإِنِّي أُعْطِيكُم ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله لَا قطعت وَادي تافنا إِلَى ناحيتكم إِلَّا فِيمَا يُرْضِي الله وَرَسُوله وَكتب لَهُم بذلك عهدا إِلَى صَاحب الجزائر وقنع بِمَا فتح الله عَلَيْهِ من سجلماسة ودرعة وأعمالهما وَلم يعد يَغْزُو الشرق وَلَا توجه إِلَيْهِ بعد ذَلِك إِلَى أَن خرج عَلَيْهِ أَخُوهُ الْمولى الرشيد فَكَانَ من أمره مَعَه مَا نذْكر بعد إِن شَاءَ الله ثورة الْمُقدم أبي الْعَبَّاس الْخضر غيلَان الجرفطي بِبِلَاد الهبط كَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْخضر غيلَان الجرفطي من أَصْحَاب أبي عبد الله العياشي وَكَانَ مقدما على الْغُزَاة بِبِلَاد الهبط وَلما قتل العياشي فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم اسْتَقل هُوَ برياسة تِلْكَ الْجِهَة واستمرت حَاله إِلَى ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف فثار بالفحص وزحف إِلَى قصر كتامة فبرز إِلَيْهِ أَهله فَاقْتَتلُوا مَلِيًّا ثمَّ انْهَزمُوا واتبعهم الْخضر فاقتحم الْقصر عنْوَة وَقتل جمَاعَة وافرة من أعيانه وفر الْكثير مِنْهُم إِلَى فاس مِنْهُم أَوْلَاد الْفَقِيه عبد الله الْقَنْطَرِي من أَعْيَان الْقصر وَبَقِي الْخضر متغلبا على تِلْكَ النَّاحِيَة وَفِي ذِي الْحجَّة سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف خرج من فاس المرابط الرئيس أَبُو سلهام بن كدار واتصل بالخضر غيلَان وَصَارَ فِي جملَته وَكَانَ أَبُو سلهام الْمَذْكُور مِمَّن ظَاهر الدلائيين على سَيِّدي مُحَمَّد العياشي فَبَقيَ ذَلِك فِي قلب الْخضر غيلَان حَتَّى قبض على أبي سلهام الْمَذْكُور واعتقله بآصيلا ثمَّ سرحه بعد حِين قَالَه فِي نشر المثاني

стр. 1193

وَفَاة الْمولى الشريف بن عَليّ ﵀ كَانَ الْمولى الشريف بن عَليّ بسجلماسة وأعمالها على مَا وصفناه قبل من الوجاهة والرئاسة والسيادة ممتثل الْأَمر متبوع الْعقب مُنْذُ نَشأ ثمَّ بَايعه أهل سجلماسة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف ونازعه بَنو الزبير أَصْحَاب تابوعصامت وَبِذَلِك استصرخ عَلَيْهِم أَبَا حسون السملالي حَتَّى ملك سجلماسة كَمَا مر وَلما تخلص من نكبة السوس وَعَاد إِلَى سجلماسة وجد ابْنه الْمولى مُحَمَّدًا قد قَامَ بِالْأَمر بعده فتخلى لَهُ عَنهُ وَقطع بَقِيَّة عمره فِيمَا يُرْضِي الله تَعَالَى إِلَى أَن أَتَاهُ الْيَقِين ثَالِث عشر رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف بسجلماسة مسْقط رَأسه ومقر عزه ومنبت أشباله ومدرج ملوكه وأقياله وجددت الْبيعَة للْمولى مُحَمَّد ففارقه أَخُوهُ الْمولى الرشيد فَخرج إِلَى الْجبَال فَبَقيَ متنقلا فِي أحيائها إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ إغارة الْمولى مُحَمَّد بن الشريف على عرب الحياينة من أَعمال فاس وَمَا يتبع ذَلِك لما كَانَ آخر سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف أغار الْمولى مُحَمَّد بن الشريف على زرع الحياينة بأحواز فاس فانتسفه وأفسده وَوَقعت عقب ذَلِك مجاعَة عَظِيمَة أكل النَّاس فِيهَا الْجِيَف وَالدَّوَاب والآدمي وخلت الدّور وعطلت الْمَسَاجِد وَخرج أهل فاس يستغيثون بِأَهْل الدلاء وَكَانَ الشريف أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن عَليّ بن طَاهِر الحسني قد قدم فاسا بِقصد أَن يبايعه أَهلهَا فَلم يُجِيبُوهُ وَقيل بل نَصره بَعضهم وَخرج إِلَى عرب الحياينة فَذهب بهم إِلَى قتال الْمولى مُحَمَّد بن الشريف فَلم يلقه وَفِي أَوَائِل سنة أَربع وَسبعين وَألف حَاز طاغية النجليز طنجة من يَد البرتغال قَالَ فِي الْبُسْتَان لضعفهم عَن مقاومة الْمُسلمين يَوْمئِذٍ بِسَبَب أَن

стр. 1194

الْمُسلمين غزوهم فِي هَذِه الْأَيَّام فَقتلُوا مِنْهُم سِتّمائَة مقَاتل ثمَّ غزوهم فَقتلُوا مِنْهُم أَرْبَعمِائَة أُخْرَى وَقَالَ منويل القشتيلي فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الْمغرب الْأَقْصَى سَبَب ذَلِك أَن طاغية البرتغال وَهُوَ إخْوَان السَّادِس يُقَال بِالْخَاءِ وَالْجِيم أَرَادَ تَأْكِيد الْمحبَّة بَينه وَبَين طاغية النجليز وَهُوَ كارلوس الثَّانِي فَزَوجهُ أُخْته وجهزها إِلَيْهِ بمفاتيح طنجة فَبَقيت بِيَدِهِ اثْنَيْنِ وَعشْرين سنة ثمَّ تخلى عَنْهَا للْمُسلمين اهـ قيام الْمولى الرشيد بن الشريف على أَخِيه الْمولى مُحَمَّد ومقتل الْأَخ الْمَذْكُور ﵀ قد قدمنَا مَا كَانَ من فرار الْمولى الرشيد عَن أَخِيه الْمولى مُحَمَّد يَوْم وَفَاة أَبِيهِمَا ﵀ فَذهب الْمولى الرشيد يَوْمئِذٍ إِلَى تدغة فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ سَار إِلَى دمنات فَأَقَامَ بهَا مُدَّة أَيْضا ثمَّ أَتَى زَاوِيَة أهل الدلاء فَأَقَامَ عِنْدهم مَا شَاءَ الله فَيُقَال إِن بعض أهل الزاوية أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْخرُوجِ مِنْهَا خوفًا عَلَيْهِ من الفتك بِهِ لِأَن الدلائيين كَانُوا يَزْعمُونَ فِيمَا عِنْدهم من الْعلم أَن خلاء زاويتهم يكون على يَده فَقبل الْمولى الرشيد إِشَارَته ثمَّ خرج إِلَى جبل آصرو فَأَقَامَ بِهِ بُرْهَة من الدَّهْر ثمَّ توجه إِلَى فاس وَمَعَهُ نفر قَلِيل فَبَاتَ بِظَاهِر فاس الْجَدِيد فَأكْرم رئيسها أَبُو عبد الله الدريدي ضيافته وَمن الْغَد ارتحل عَنْهَا إِلَى تازا ثمَّ إِلَى عرب الأحلاف قَالَ فِي النزهة إِلَى أَن أدته خَاتِمَة المطاف إِلَى قَصَبَة الْيَهُودِيّ ابْن مشعل وَكَانَ لهَذَا الْيَهُودِيّ أَمْوَال طائلة وذخائر نفسية ولع على الْمُسلمين صولة وَكَانَ لهَذَا الْيَهُودِيّ أَمْوَال طائلة وذخائر نفيسة وَله على الْمُسلمين صولة واستهانة بِالدّينِ وَأَهله فَلم يزل الْمولى الرشيد يفكر فِي كَيْفيَّة اغتيال الْيَهُودِيّ الْمَذْكُور إِلَى أَن أمكنه الله مِنْهُ فِي خبر طَوِيل فَقتله وَاسْتولى على أَمْوَاله وذخائره وفرقها فِيمَن تبعه وانضاف إِلَيْهِ من عرب آنكاد وَغَيرهم فقوي عضده وَكثر جمعه اهـ

стр. 1195

وَقَالَ صَاحب نشر المثاني إِن الْمولى الرشيد لما رَحل عَن فاس قدم على الشَّيْخ أبي عبد الله اللواتي بأحواز تازا وَكَانَ الشَّيْخ الْمَذْكُور ينتحل طَريقَة الْفقر ويعظم أهل الْبَيْت فَبَالغ فِي إكرامه فَبَيْنَمَا هُوَ مُقيم عِنْده إِذْ رأى ذَات يَوْم رجلا ذَا هَيْئَة من مماليك وَأَتْبَاع وخيل وَهُوَ يصطاد كَهَيئَةِ الْمُلُوك فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل لَهُ هَذَا ابْن مشعل من يهود تازا فَانْصَرف الْمولى الرشيد وَجعل مدية فِي فَمه وَجَاء إِلَى الشَّيْخ اللواتي فَلَمَّا رَآهُ الشَّيْخ على تِلْكَ الْحَال أعظم ذَلِك وَقَالَ لَهُ المَال والرقبة لَك يَا سَيِّدي فَمَا الَّذِي دهاك قَالَ تَأمر جمَاعَة من عشيرتك يَسِيرُونَ معي حَتَّى أفتك بِهَذَا الْيَهُودِيّ غيرَة على الدّين فَقَالَ قد فعلت لَا يتَخَلَّف عَنْك مِنْهُم أحد فَاخْتَارَ الْمولى الرشيد مِنْهُم جمَاعَة وواعدهم على تبييت الْيَهُودِيّ واقتحام دَاره عَلَيْهِ وَكَانَ الْيَهُودِيّ قد اتخذ دَارا بِالْبَيْدَاءِ على نَحْو مرحلة من تازا فِي جِهَة الشرق فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْموعد تقدم الْمولى الرشيد إِلَى دَار ابْن مشعل فِي صُورَة ضيف فأضافه ابْن مشعل وَلما انتصف اللَّيْل أحَاط أَصْحَابه بِالدَّار وكبس الْمولى الرشيد الْيَهُودِيّ فِي بعض خلواته فَقتله وَأدْخل الرِّجَال فاستولى على دَار ابْن مشعل بعد الفتك بِأَصْحَابِهِ وحراسه وعثر فِيهَا على أَمْوَال كَثِيرَة وذخائر نفيسة وَقيل وَهُوَ الشَّائِع عِنْد بني يزناسن أَن ابْن مشعل الْمَذْكُور كَانَ مُقيما بَين أظهرهم قد اتخذ حصنا بِبَعْض جبالهم وهم محدقون بِهِ فَجَاءَهُمْ الْمولى الرشيد وَلم يزل يلاطفهم فِي شَأْن الْيَهُودِيّ حَتَّى أثر كَلَامه فيهم ونما إِلَى الْيَهُودِيّ بعض ذَلِك وَأَنَّهُمْ مسلموه فَنزل إِلَى الْمولى الرشيد بهدية نفيسة يسترضيه بهَا فَلم يكن بأسرع من أَن قبض عَلَيْهِ وَقَتله وَتقدم إِلَى الدَّار فاستولى عَلَيْهَا واستخرج مَا فِيهَا من الْأَمْوَال فَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ ثمَّ إِن الْمولى الرشيد دَعَا لنَفسِهِ أَعْرَاب الشرق وَجمع كلمتهم وَنزل وَجدّة واتصل ذَلِك كُله بأَخيه الْمولى مُحَمَّد صَاحب سجلماسة فتخوف مِنْهُ
следующие страницы →