Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وَلما وصلت الرُّسُل إِلَى الْمولى مُحَمَّد وَقَرَأَ الْكتاب اغتاظ مِمَّا تضمنه من العتاب فأحضر الرُّسُل وعاتبهم على قَول مرسلهم وتحامله عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ نَحن أَتَيْنَاك سفراء برسالة باشا الجزائر فَاكْتُبْ لنا الْجَواب وَلَا تقابلنا بعتاب فَقَالَ صَدقْتُمْ فَكتب إِلَيْهِم بِكِتَاب يَقُول فِي أَوله وَبعد فقد كتبناه إِلَيْكُم من غرَّة جبين الصحارى وصرة أَمْصَار المغارب والبراري مُغنِي سجلماسة الَّتِي هِيَ قَاعِدَة الْعَرَب والبربر الْمُسَمَّاة فِي الْقَدِيم كنز الْبركَة حالتي السّكُون وَالْحَرَكَة وَمضى فِي كِتَابه إِلَى أَن خَتمه وَلم يجبهم إِلَى مَا أَرَادوا
وَلما رجعُوا برسالته إِلَى صَاحب الجزائر قَرَأَهَا بِمحضر أَرْبَاب الدِّيوَان ثمَّ ردهم فِي الْحِين دون كتاب وَلما قدمُوا على الْمولى مُحَمَّد ثَانِيَة قَالُوا لَهُ إِنَّه لم يكن لنا علم بِمَا فِي الْكتاب وَلَو اكتفينا بِهِ مَا رَجعْنَا إِلَيْك نَحن جئْنَاك لتعمل مَعنا شَرِيعَة جدك وتقف عِنْد حدك فَمَا كَانَ جدك يحارب الْمُسلمين وَلَا يَأْمر بِنَهْب الْمُسْتَضْعَفِينَ فَإِن كَانَ غرضك فِي الْجِهَاد فرابط على الْكفَّار الَّذين هم مَعَك فِي وسط الْبِلَاد وَإِن كَانَ غرضك فِي الِاسْتِيلَاء على دولة آل عُثْمَان فابرز إِلَيْهَا واستعن بالرحيم الرَّحْمَن فَلَا يكن عَلَيْك فِي ذَلِك ملام فَهَذَا مَا جِئْنَا لَهُ وَالسَّلَام وَأما إيقاد نَار الْفِتْنَة بَين الْعباد فَلَيْسَ من شيم أهل الْبَيْت الأمجاد وَلَا يخفى عَلَيْك أَن مَا تَفْعَلهُ حرَام لَا يجوز فِي مَذْهَب من مَذَاهِب الْمُسلمين وَلَا قانون من قوانين الأعجام وَهَذَانِ فقيهان من عُلَمَاء الجزائر قد جَاءَا إِلَيْك حَتَّى يسمعا مِنْك مَا تَقوله وَيحكم الله بَيْننَا وَبَيْنك وَرَسُوله فقد تعطلت تِجَارَتِنَا وأجفلت عَن وطننا رعيتنا فَمَا جوابك عِنْد الله فِي هَذَا الَّذِي تَفْعَلهُ فِي بِلَادنَا وَأَنت ابْن رَسُول الله ﷺ مَعَ أَنه لم يعجزنا أَن نفعله نَحن فِي بِلَادكُمْ ورعيتكم على أننا محمولون على الظُّلم والجور عنْدكُمْ لَكِن تأبى ذَلِك همة سلطاننا
فَلَمَّا سمع الْمولى مُحَمَّد كَلَامهم أثر فِيهِ وعظهم وداخلته القشعريرة
стр. 1192
وعلاه سُلْطَان الْحق فأذعن لَهُ وَقَالَ وَالله مَا أوقعنا فِي هَذَا الْمَحْذُور إِلَّا شياطين الْعَرَب انتصروا بِنَا على أعدائهم وأوقعونا فِي مَعْصِيّة الله وأبلغناهم غرضهم فَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَإِنِّي أعَاهد الله تَعَالَى لَا أعرض بعد هَذَا الْيَوْم لبلادكم وَلَا لرعيتكم بِسوء وَإِنِّي أُعْطِيكُم ذمَّة الله وَذمَّة رَسُوله لَا قطعت وَادي تافنا إِلَى ناحيتكم إِلَّا فِيمَا يُرْضِي الله وَرَسُوله وَكتب لَهُم بذلك عهدا إِلَى صَاحب الجزائر وقنع بِمَا فتح الله عَلَيْهِ من سجلماسة ودرعة وأعمالهما وَلم يعد يَغْزُو الشرق وَلَا توجه إِلَيْهِ بعد ذَلِك إِلَى أَن خرج عَلَيْهِ أَخُوهُ الْمولى الرشيد فَكَانَ من أمره مَعَه مَا نذْكر بعد إِن شَاءَ الله
ثورة الْمُقدم أبي الْعَبَّاس الْخضر غيلَان الجرفطي بِبِلَاد الهبط
كَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْخضر غيلَان الجرفطي من أَصْحَاب أبي عبد الله العياشي وَكَانَ مقدما على الْغُزَاة بِبِلَاد الهبط وَلما قتل العياشي فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم اسْتَقل هُوَ برياسة تِلْكَ الْجِهَة واستمرت حَاله إِلَى ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف فثار بالفحص وزحف إِلَى قصر كتامة فبرز إِلَيْهِ أَهله فَاقْتَتلُوا مَلِيًّا ثمَّ انْهَزمُوا واتبعهم الْخضر فاقتحم الْقصر عنْوَة وَقتل جمَاعَة وافرة من أعيانه وفر الْكثير مِنْهُم إِلَى فاس مِنْهُم أَوْلَاد الْفَقِيه عبد الله الْقَنْطَرِي من أَعْيَان الْقصر وَبَقِي الْخضر متغلبا على تِلْكَ النَّاحِيَة
وَفِي ذِي الْحجَّة سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف خرج من فاس المرابط الرئيس أَبُو سلهام بن كدار واتصل بالخضر غيلَان وَصَارَ فِي جملَته وَكَانَ أَبُو سلهام الْمَذْكُور مِمَّن ظَاهر الدلائيين على سَيِّدي مُحَمَّد العياشي فَبَقيَ ذَلِك فِي قلب الْخضر غيلَان حَتَّى قبض على أبي سلهام الْمَذْكُور واعتقله بآصيلا ثمَّ سرحه بعد حِين قَالَه فِي نشر المثاني
стр. 1193
وَفَاة الْمولى الشريف بن عَليّ ﵀
كَانَ الْمولى الشريف بن عَليّ بسجلماسة وأعمالها على مَا وصفناه قبل من الوجاهة والرئاسة والسيادة ممتثل الْأَمر متبوع الْعقب مُنْذُ نَشأ ثمَّ بَايعه أهل سجلماسة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَألف ونازعه بَنو الزبير أَصْحَاب تابوعصامت وَبِذَلِك استصرخ عَلَيْهِم أَبَا حسون السملالي حَتَّى ملك سجلماسة كَمَا مر وَلما تخلص من نكبة السوس وَعَاد إِلَى سجلماسة وجد ابْنه الْمولى مُحَمَّدًا قد قَامَ بِالْأَمر بعده فتخلى لَهُ عَنهُ وَقطع بَقِيَّة عمره فِيمَا يُرْضِي الله تَعَالَى إِلَى أَن أَتَاهُ الْيَقِين ثَالِث عشر رَمَضَان سنة تسع وَسِتِّينَ وَألف بسجلماسة مسْقط رَأسه ومقر عزه ومنبت أشباله ومدرج ملوكه وأقياله وجددت الْبيعَة للْمولى مُحَمَّد ففارقه أَخُوهُ الْمولى الرشيد فَخرج إِلَى الْجبَال فَبَقيَ متنقلا فِي أحيائها إِلَى أَن كَانَ من أمره مَا نذكرهُ
إغارة الْمولى مُحَمَّد بن الشريف على عرب الحياينة من أَعمال فاس وَمَا يتبع ذَلِك
لما كَانَ آخر سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف أغار الْمولى مُحَمَّد بن الشريف على زرع الحياينة بأحواز فاس فانتسفه وأفسده وَوَقعت عقب ذَلِك مجاعَة عَظِيمَة أكل النَّاس فِيهَا الْجِيَف وَالدَّوَاب والآدمي وخلت الدّور وعطلت الْمَسَاجِد وَخرج أهل فاس يستغيثون بِأَهْل الدلاء وَكَانَ الشريف أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن عَليّ بن طَاهِر الحسني قد قدم فاسا بِقصد أَن يبايعه أَهلهَا فَلم يُجِيبُوهُ وَقيل بل نَصره بَعضهم وَخرج إِلَى عرب الحياينة فَذهب بهم إِلَى قتال الْمولى مُحَمَّد بن الشريف فَلم يلقه
وَفِي أَوَائِل سنة أَربع وَسبعين وَألف حَاز طاغية النجليز طنجة من يَد البرتغال قَالَ فِي الْبُسْتَان لضعفهم عَن مقاومة الْمُسلمين يَوْمئِذٍ بِسَبَب أَن
стр. 1194
الْمُسلمين غزوهم فِي هَذِه الْأَيَّام فَقتلُوا مِنْهُم سِتّمائَة مقَاتل ثمَّ غزوهم فَقتلُوا مِنْهُم أَرْبَعمِائَة أُخْرَى وَقَالَ منويل القشتيلي فِي كِتَابه الْمَوْضُوع فِي أَخْبَار الْمغرب الْأَقْصَى سَبَب ذَلِك أَن طاغية البرتغال وَهُوَ إخْوَان السَّادِس يُقَال بِالْخَاءِ وَالْجِيم أَرَادَ تَأْكِيد الْمحبَّة بَينه وَبَين طاغية النجليز وَهُوَ كارلوس الثَّانِي فَزَوجهُ أُخْته وجهزها إِلَيْهِ بمفاتيح طنجة فَبَقيت بِيَدِهِ اثْنَيْنِ وَعشْرين سنة ثمَّ تخلى عَنْهَا للْمُسلمين اهـ
قيام الْمولى الرشيد بن الشريف على أَخِيه الْمولى مُحَمَّد ومقتل الْأَخ الْمَذْكُور ﵀
قد قدمنَا مَا كَانَ من فرار الْمولى الرشيد عَن أَخِيه الْمولى مُحَمَّد يَوْم وَفَاة أَبِيهِمَا ﵀ فَذهب الْمولى الرشيد يَوْمئِذٍ إِلَى تدغة فَأَقَامَ بهَا مُدَّة ثمَّ سَار إِلَى دمنات فَأَقَامَ بهَا مُدَّة أَيْضا ثمَّ أَتَى زَاوِيَة أهل الدلاء فَأَقَامَ عِنْدهم مَا شَاءَ الله فَيُقَال إِن بعض أهل الزاوية أَشَارَ عَلَيْهِ بِالْخرُوجِ مِنْهَا خوفًا عَلَيْهِ من الفتك بِهِ لِأَن الدلائيين كَانُوا يَزْعمُونَ فِيمَا عِنْدهم من الْعلم أَن خلاء زاويتهم يكون على يَده فَقبل الْمولى الرشيد إِشَارَته ثمَّ خرج إِلَى جبل آصرو فَأَقَامَ بِهِ بُرْهَة من الدَّهْر ثمَّ توجه إِلَى فاس وَمَعَهُ نفر قَلِيل فَبَاتَ بِظَاهِر فاس الْجَدِيد فَأكْرم رئيسها أَبُو عبد الله الدريدي ضيافته وَمن الْغَد ارتحل عَنْهَا إِلَى تازا ثمَّ إِلَى عرب الأحلاف
قَالَ فِي النزهة إِلَى أَن أدته خَاتِمَة المطاف إِلَى قَصَبَة الْيَهُودِيّ ابْن مشعل وَكَانَ لهَذَا الْيَهُودِيّ أَمْوَال طائلة وذخائر نفسية ولع على الْمُسلمين صولة وَكَانَ لهَذَا الْيَهُودِيّ أَمْوَال طائلة وذخائر نفيسة وَله على الْمُسلمين صولة واستهانة بِالدّينِ وَأَهله فَلم يزل الْمولى الرشيد يفكر فِي كَيْفيَّة اغتيال الْيَهُودِيّ الْمَذْكُور إِلَى أَن أمكنه الله مِنْهُ فِي خبر طَوِيل فَقتله وَاسْتولى على أَمْوَاله وذخائره وفرقها فِيمَن تبعه وانضاف إِلَيْهِ من عرب آنكاد وَغَيرهم فقوي عضده وَكثر جمعه اهـ
стр. 1195
وَقَالَ صَاحب نشر المثاني إِن الْمولى الرشيد لما رَحل عَن فاس قدم على الشَّيْخ أبي عبد الله اللواتي بأحواز تازا وَكَانَ الشَّيْخ الْمَذْكُور ينتحل طَريقَة الْفقر ويعظم أهل الْبَيْت فَبَالغ فِي إكرامه فَبَيْنَمَا هُوَ مُقيم عِنْده إِذْ رأى ذَات يَوْم رجلا ذَا هَيْئَة من مماليك وَأَتْبَاع وخيل وَهُوَ يصطاد كَهَيئَةِ الْمُلُوك فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل لَهُ هَذَا ابْن مشعل من يهود تازا فَانْصَرف الْمولى الرشيد وَجعل مدية فِي فَمه وَجَاء إِلَى الشَّيْخ اللواتي فَلَمَّا رَآهُ الشَّيْخ على تِلْكَ الْحَال أعظم ذَلِك وَقَالَ لَهُ المَال والرقبة لَك يَا سَيِّدي فَمَا الَّذِي دهاك قَالَ تَأمر جمَاعَة من عشيرتك يَسِيرُونَ معي حَتَّى أفتك بِهَذَا الْيَهُودِيّ غيرَة على الدّين فَقَالَ قد فعلت لَا يتَخَلَّف عَنْك مِنْهُم أحد فَاخْتَارَ الْمولى الرشيد مِنْهُم جمَاعَة وواعدهم على تبييت الْيَهُودِيّ واقتحام دَاره عَلَيْهِ وَكَانَ الْيَهُودِيّ قد اتخذ دَارا بِالْبَيْدَاءِ على نَحْو مرحلة من تازا فِي جِهَة الشرق فَلَمَّا كَانَت لَيْلَة الْموعد تقدم الْمولى الرشيد إِلَى دَار ابْن مشعل فِي صُورَة ضيف فأضافه ابْن مشعل وَلما انتصف اللَّيْل أحَاط أَصْحَابه بِالدَّار وكبس الْمولى الرشيد الْيَهُودِيّ فِي بعض خلواته فَقتله وَأدْخل الرِّجَال فاستولى على دَار ابْن مشعل بعد الفتك بِأَصْحَابِهِ وحراسه وعثر فِيهَا على أَمْوَال كَثِيرَة وذخائر نفيسة وَقيل وَهُوَ الشَّائِع عِنْد بني يزناسن أَن ابْن مشعل الْمَذْكُور كَانَ مُقيما بَين أظهرهم قد اتخذ حصنا بِبَعْض جبالهم وهم محدقون بِهِ فَجَاءَهُمْ الْمولى الرشيد وَلم يزل يلاطفهم فِي شَأْن الْيَهُودِيّ حَتَّى أثر كَلَامه فيهم ونما إِلَى الْيَهُودِيّ بعض ذَلِك وَأَنَّهُمْ مسلموه فَنزل إِلَى الْمولى الرشيد بهدية نفيسة يسترضيه بهَا فَلم يكن بأسرع من أَن قبض عَلَيْهِ وَقَتله وَتقدم إِلَى الدَّار فاستولى عَلَيْهَا واستخرج مَا فِيهَا من الْأَمْوَال فَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ
ثمَّ إِن الْمولى الرشيد دَعَا لنَفسِهِ أَعْرَاب الشرق وَجمع كلمتهم وَنزل وَجدّة واتصل ذَلِك كُله بأَخيه الْمولى مُحَمَّد صَاحب سجلماسة فتخوف مِنْهُ
стр. 1196
لما يعلم من صرامته وشهامته فَنَهَضَ لقتاله وَالْقَبْض عَلَيْهِ فَلَمَّا التقى الْجَمْعَانِ ببسيط آنكاد كَانَت أول رصاصة فِي نحر الْمولى مُحَمَّد فَكَانَ فِيهَا حتفه وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة التَّاسِع من الْمحرم سنة خمس وَسبعين وَألف وَدفن بدار ابْن مشعل فأسف الْمولى الرشيد لقَتله وَأظْهر الْحزن عَلَيْهِ وَتَوَلَّى تَجْهِيزه بِنَفسِهِ فَحَمله إِلَى بني يزناسن ووراه هُنَالك فِي رمسه ﵀ وَغفر لَهُ
وَكَانَ الْمولى مُحَمَّد شجاعا مقداما لَا يُبَالِي بالعظائم وَلَا يخْطر بِبَالِهِ خوف الرِّجَال وَلَا يدْرِي مَا هِيَ النكبات والأوجال وَتقدم وصف أهل الدلاء لَهُ بقَوْلهمْ الأجدل الَّذِي لَا تؤده هموم اللَّيَالِي وَلَا حرارة قيظ المصيف عِقَاب أَشهب على قنة كل عقبَة لَا يقنعه المَال دون حسم الرَّقَبَة وشجاعته شهيرة وَكَانَ مَعَ ذَلِك قَوِيا فِي بدنه أيدا فِي أَعْضَائِهِ وجسمه لَا يُقَاوم فِي الصراع وَلَا يزاول فِي الدفاع
حُكيَ أَنه فِي بعض أَيَّام حصاره لتابوعصامت جعل يَده فِي بعض ثقب الْحصن وَصعد عَلَيْهَا مَا لَا يُحْصى من النَّاس حَتَّى كَأَنَّهَا خَشَبَة مَنْصُوبَة ولبنة مَضْرُوبَة وَكَانَ سخيا جدا حَتَّى أَنه أعْطى الأديب الشهير الْمُتَقَدّم فِي صناعَة الشّعْر المعرب والملحون أَبَا عُثْمَان سعيدا التلمساني صَاحب القصيدة العقيقية وَغَيرهَا نَحوا من خَمْسَة وَعشْرين رطلا من خَالص الذَّهَب جَائِزَة لَهُ على بعض أمداحه فِيهِ وحكاياته فِي هَذَا الْمَعْنى شهيرة
وَلما قتل ﵀ قَامَ بسجلماسة وَلَده الْمولى مُحَمَّد الصَّغِير مقَامه لَكِن لم يتم لَهُ أَمر وَسَيَأْتِي بعض خَبره إِن شَاءَ الله
стр. 1197
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى الرشيد بن الشريف ﵀
لما قتل الْمولى مُحَمَّد بن الشريف ﵀ فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم وانحشرت جموعه كلهَا إِلَى أَخِيه الْمولى الرشيد فَبَايعُوهُ الْبيعَة الْعَامَّة وَدخل فِي طَاعَته الأحلاف وَبَنُو يزناسن وَغَيرهم وَبعث إِلَى أهل تِلْكَ النواحي كلهَا من الْعَرَب والبربر يَدعُوهُم إِلَى الطَّاعَة واجتماع الْكَلِمَة فَقدمت عَلَيْهِ وفودهم بالهدايا وَكتب من كَانَ مَعَ اخيه فِي ديوَان جَيْشه وكساهم وَأَعْطَاهُمْ الْخَيل وَالسِّلَاح وَعظم أمره وَعلا كَعبه ثمَّ احْتَاجَ إِلَى المَال وَكَانَ قد أَخذ ولد الْيَهُودِيّ ابْن مشعل يَوْم قتل أَبَاهُ فَجَاءَت أمه تطلب فداءه فتفرس فِيهَا وماطلها بِهِ ثمَّ قَالَ لَا أسرحه حَتَّى تدليني على مَال زَوجك أَو أَقتلهُ فأنعمت لَهُ بذلك وَركب مَعهَا إِلَى القصبة فدلته على خزانَة فِي بَيت فَنقبَ عَنْهَا فلقي فِيهَا خوابي مَمْلُوءَة ذَهَبا وَفِضة فاستخرجها وارتاش بِتِلْكَ الْأَمْوَال وَفرق مِنْهَا على من مَعَه من الْعَرَب والبربر وَسَائِر الأجناد فحسنت حَاله وحالهم وعد ذَلِك من سعادته وَلما قضى إربه ورتب جنده بعث رسله إِلَى الْآفَاق بالأعذار والإنذار والوعود والوعيد لأهل الطَّاعَة والعصيان ثمَّ سَار على أَثَرهم قَاصِدا فتح الْمغرب الَّذِي كَانَ قد تعذر على أَخِيه من قبله فَنزل على وَادي ملوية وَأقَام بِهِ أَيَّامًا للاستراحة وانتظار من يَأْتِيهِ من أهل تِلْكَ النواحي مثل جاوت والريف وَغَيرهمَا فَلم يَأْته أحد وَالله غَالب على أمره
стр. 1198
فتح مَدِينَة تازا ثمَّ سجلماسة وَمَا تخَلّل ذَلِك
لما أَقَامَ الْمولى الرشيد ﵀ على ملوية وَلم يَأْته من أهل الْمغرب أحد تقدم إِلَى تازا فاقتحمها بعد محاربة طَوِيلَة وَبَايَعَهُ أَهلهَا والقبائل الَّتِي حولهَا وَلما اتَّصل خبر ذَلِك بِأَهْل فاس اجْتَمعُوا مَعَ جيرانهم من عرب الحياينة والبهاليل وَأهل صفر وَغَيرهم وتحالفوا على حَرْب الْمولى الرشيد وَعدم بيعَته بِحَال ظنا مِنْهُم أَنه يفعل بهم مَا فعله أَخُوهُ الْمولى مُحَمَّد بالحياينة من النهب وَالْقَتْل وَأمر رُؤَسَاء فاس عامتها بشرَاء الْخَيل وَالْعدة والإكثار مِنْهَا ووظفوا على كل دَار مكحلة وَمن لم تُوجد عِنْده مكحلة مِنْهُم يُعَاقب فاشتروا من ذَلِك فَوق الْكِفَايَة وَخَرجُوا إِلَى بَاب الْفتُوح لعرض الْخَيل وَالسِّلَاح وَعمِلُوا اللّعب الْمُسَمّى بالميز واجتمعوا أَيْضا مَعَ الحياينة وأكدوا الْحلف على حَرْب الْمولى الرشيد وَلما بلغه خبرهم وَمَا هم عَلَيْهِ أعرض عَنْهُم وَعدل إِلَى سجلماسة وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ صَوَابا فِي الرَّأْي إِذْ قدم الأسهل فالأسهل وَتَنَاول الأخف فالأخف
وَلما أَنَاخَ على سجلماسة حاصرها نَحْو تِسْعَة أشهر إِلَى أَن فر عَنْهَا ابْن أَخِيه الْمولى مُحَمَّد الصَّغِير المنتزى بعد أَبِيه كَمَا مر فَخرج مِنْهَا لَيْلًا ودخلها الْمولى الرشيد وَاسْتولى عَلَيْهَا وسد فرجهَا ورتب حاميتها ومهد أطرافها وَرجع إِلَى تازا فاحتل بهَا وَلكُل أجل كتاب
стр. 1199
حِصَار مَدِينَة فاس ثمَّ فتحهَا والإيقاع بثوارها
لما قفل الْمولى الرشيد ﵀ من سجلماسة إِلَى تازا أَقَامَ بهَا أَيَّامًا فاتفق أهل فاس مَعَ أحلافهم من الحياينة أَن يُغيرُوا عَلَيْهِ بمستقره مِنْهَا ويبدأوه بِالْحَرْبِ قبل أَن يبدأهم ليَكُون ذَلِك كاسرا من شوكته وفاتا فِي عضده فتأهبوا للحرب وَخَرجُوا فِي شَوَّال سنة خمس وَسبعين وَألف وَلما قابلوا محلته افْتَرَقت كلمتهم وَرَجَعُوا منهزمين من غير قتال فَتَبِعهُمْ الْمولى الرشيد إِلَى قنطرة نهر سبو خَارج فاس ثمَّ رَجَعَ عَنْهُم فبعثوا إِلَيْهِ فِي الصُّلْح فَلم يتم بَينه وَبينهمْ صلح إِلَى أَن ملك أَطْرَاف الْمغرب كُله وَكَانَ ذَلِك من حسن تَدْبيره وترتيبه الْأُمُور
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسبعين وَألف فَفِي صفر مِنْهَا زحف إِلَى فاس وحاصرها وقاتلها ثَلَاثَة أَيَّام فأصابته رصاصة فِي طرف أُذُنه وَرجع سالما ثمَّ عَاد إِلَى حصارها مرّة أُخْرَى فِي ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة فَقتل وَنهب وَرجع إِلَى تازا لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بِقصد فتحهَا ثمَّ توجه إِلَى الرِّيف بِقصد الرئيس أبي مُحَمَّد عبد الله آعراس الثائر بِهِ فَكَانَت بَينهمَا وقعات وحاصره فِي بعض حصونه إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ فِي رَمَضَان من السّنة فَعَفَا عَنهُ واستبقاه وكر رَاجعا إِلَى فاس فَنزل عَلَيْهَا فِي أَوَاخِر ذِي الْقعدَة من السّنة وقاتلها قتالا شَدِيدا إِلَى ثَالِث ذِي الْحجَّة فاقتحم فاسا الْجَدِيد من أَعلَى السُّور من نَاحيَة الملاح وفر أميرها يَوْمئِذٍ أَبُو عبد الله الدريدي وَهَذَا الدريدي كَانَ فِي جملَة من إخوانه بني دُرَيْد بن أثبج الهلاليين وَكَانُوا فِي ديوَان السعديين وَلما بَايع أهل فاس الرئيس أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْحَاج الدلائي كَانَ الدريدي هَذَا فِي عسكره فَلَمَّا فشلت ريح أهل الدلاء بالمغرب نزع عَنْهُم واستبد بفاس الْجَدِيد وحالف أهل فاس الْقَدِيم على حَرْب الدلائيين ثَالِث جُمَادَى الثَّانِيَة سنة أَربع وَسبعين وَألف وَقد كَانَ أَحْمد بن صَالح الليريني رَئِيس أهل عدوة الأندلس قد خطب ابْنة الدريدي لوَلَده صَالح بن أَحْمد فَزَوجهُ إِيَّاهَا والتحم
стр. 1200
مَا بَينهمَا فَكَانَ الدريدي يَشن الغارات على قبائل البربر الَّذين بأحواز مكناسة وَغَيرهَا وَيَأْتِي بالنهب والطبل يقرع عَلَيْهِ إِلَى أَن يدْخل دَار الْإِمَارَة وَاسْتمرّ على ذَلِك إِلَى أَن اقتحم عَلَيْهِ الْمولى الرشيد فاسا كَمَا قُلْنَا ففر إِلَى منجاته وَقَالَ فِي النزهة بل قَتله الْمولى الرشيد وَسكن هيعة فاس الْجَدِيد وَمن الْغَد زحف إِلَى فاس الْقَدِيمَة فحاصرها وقاتلها فضعفوا عَن مقاومته وفر رَئِيس اللمطيين ابْن الصَّغِير وَولده لَيْلًا إِلَى بستيون بَاب الجيسة وَلما طلع الْفجْر فر أَيْضا رَئِيس عدوة الأندلس أَحْمد بن صَالح فَرَأى أهل فاس أَن أَمرهم قد ضعف وكلمتهم قد افْتَرَقت فَخَرجُوا إِلَى الْمولى الرشيد وَبَايَعُوهُ وَاجْتمعت كلمتهم عَلَيْهِ فَبعث فِي طلب ابْن صَالح فَوجدَ بحوز الْمَدِينَة فجيء بِهِ وسجن بِبَاب دَار ابْن شقراء لفاس الْجَدِيد ثمَّ قتل وَقتل مَعَه عدَّة من أَصْحَابه ثمَّ قبض على ابْن الصَّغِير وَولده وَبعد سَبْعَة أَيَّام أَمر السُّلْطَان بِقَتْلِهِمَا فقتلا واستقام أَمر فاس وصلحت أحوالها قَالَ فِي النزهة افْتتح أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى الرشيد فاسا الْقَدِيمَة فَحكم السَّيْف فِي رؤسائها وأفناهم قتلا فتمهدت الْبِلَاد وَاجْتمعت الْكَلِمَة وَكَانَ دُخُوله حَضْرَة فاس الْقَدِيمَة صَبِيحَة يَوْم الِاثْنَيْنِ أَوَائِل ذِي الْحجَّة سنة سِتّ وَسبعين وَألف وبويع بهَا يَوْمه ذَلِك وَلما تمت لَهُ الْبيعَة أَفَاضَ المَال على علمائها وغمرهم بجزيل الْعَطاء وَبسط على أَهلهَا جنَاح الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة وَأظْهر إحْيَاء السّنة وَنصر الشَّرِيعَة فَحل من قُلُوبهم بِالْمَكَانِ الأرفع وتمكنت محبته من قُلُوب الْخَاصَّة والعامة اهـ
وَولي قَضَاء فاس السَّيِّد حمدون المزوار ثمَّ خرج إِلَى بِلَاد الغرب فقصد الْخضر غيلَان الثائر بِبِلَاد الهبط وَكَانَ بقصر كتامة فزحف إِلَيْهِ الْمولى الرشيد فَانْهَزَمَ الْخضر إِلَى آصيلا وَرجع الْمولى الرشيد عَنهُ إِلَى فاس أَوَائِل ربيع الأول سنة سبع وَسبعين وَألف فَكتبت لَهُ الْبيعَة بفاس وقرئت بَين يَدَيْهِ قبل زَوَال يَوْم السبت الثَّامِن عشر من ربيع الأول الْمَذْكُور ثمَّ فِي شهر ربيع
стр. 1201
الثَّانِي من السّنة غزا الْمولى الرشيد أحواز مكناسة وَقصد آيت واللال من البربر شيعَة مُحَمَّد الْحَاج الدلائي فأوقع بهم وَرجع عوده على بدئه وَبعد رُجُوعه نزل مُحَمَّد الْحَاج بجموع البربر قرب وَادي فاس بِأبي مزورة من أحواز فاس فقاتله الْمولى الرشيد ثَلَاثًا وَرجع كل إِلَى وَطنه ثمَّ خرج الْمولى الرشيد إِلَى تازا وأعمالها حادي عشر رَجَب ففقدها وَرجع إِلَى فاس فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ عزل العقيد قَائِد مكناسة ثمَّ خرج ثَانِي يَوْم النَّحْر من السّنة إِلَى بني زروال فأوقع بالشريف النابغ فيهم وَبعث بِهِ مَحْبُوسًا إِلَى فاس فَدَخلَهَا ثَانِي محرم سنة ثَمَان وَسبعين وَألف ثمَّ مَال الْمولى الرشيد إِلَى تطاوين فَقبض على رئيسها أبي الْعَبَّاس النقسيس فِي جمَاعَة من حزبه وَقدم بهم إِلَى فاس فسحبهم بهَا أَوَائِل ربيع الأول سنة ثَمَان وَسبعين وَألف إِلَى أَن كَانَ من أَمرهم مَا نذكرهُ
فتح زَاوِيَة الدلائي وتغريب أَهلهَا إِلَى فاس وتلمسان وَمَا يتبع ذَلِك
لما كَانَت ضحوة يَوْم الْخَمِيس الثَّانِي عشر من ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَسبعين وَألف خرج أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى الرشيد ﵀ غازيا زَاوِيَة أهل الدلاء وَكَانَ قد أسْند الْفَتْوَى إِلَى الْفَقِيه أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الفاسي فلقي جموع الدلائيين وَعَلَيْهِمَا ولد مُحَمَّد الْحَاج بِبَطن الرُّمَّان من فازاز فانتشبت الْحَرْب بَين الْفَرِيقَيْنِ مَلِيًّا ثمَّ انهزم الدلائيون وَرَجَعُوا يقفون أَثَرهم إِلَى الزاوية قَالَ الشَّيْخ اليوسي ﵀ فِي محاضراته كَانَ الرئيس أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْحَاج الدلائي قد ملك الغرب بسنين عديدة واتسع هُوَ وَأَوْلَاده وَإِخْوَته وَبَنُو عَمه فِي الدُّنْيَا فَلَمَّا قَامَ السُّلْطَان الْمولى الرشيد بن الشريف وَلَقي جموعهم بِبَطن الرُّمَّان ففضها دَخَلنَا على الرئيس أبي عبد الله الْمَذْكُور وَكَانَ لم يحضر المعركة لعَجزه وَكبر سنه يَوْمئِذٍ فَدخل عَلَيْهِ أَوْلَاده وَإِخْوَته وأظهروا لَهُ عَجزا شَدِيدا وضيقا عَظِيما فَلَمَّا رأى مِنْهُم ذَلِك
стр. 1202
قَالَ لَهُم مَا هَذَا إِن قَالَ لكم حسبكم فحسبكم يُرِيد الله تَعَالَى قَالَ اليوسي وَهَذَا كَلَام عَجِيب وَإِلَيْهِ يساق الحَدِيث وَالْمعْنَى إِن قَالَ الله تَعَالَى لكم حسبكم من الدُّنْيَا فكفوا راضين مُسلمين اه وَكَانَ اسْتِيلَاء الْمولى الرشيد على الزاوية فِي ثامن الْمحرم سنة تسع وَسبعين وَألف وَلما خرج إِلَيْهِ أَهلهَا عَفا عَنْهُم وَلم يرق مِنْهُم دَمًا وَلَا كشف لَهُم سترا حلما وكرما مِنْهُ ﵀ قَالَ فِي النزهة لما وَقعت الْهَزِيمَة على أهل الدلاء دخل الْمولى الرشيد الزاوية وَأمر بِمُحَمد الْحَاج وَأَوْلَاده وأقاربه أَن يحملوا إِلَى فاس ويسكنوا بهَا فحملوا إِلَيْهَا واستوطنوها مُدَّة ثمَّ أَمر أَن يذهب بهم إِلَى تلمسان فغربوا إِلَيْهَا وسكنوها مُدَّة
وَحَدثُوا أَن مُحَمَّدًا الْحَاج ﵀ لما دخل تلمسان قَالَ كنت وجدت فِي بعض كتب الْحدثَان أَنِّي أَدخل تلمسان فَظَنَنْت أَنِّي أدخلها دُخُول الْمُلُوك فدخلتها كَمَا ترَوْنَ وَلم يزل بهَا إِلَى أَن توفّي فاتح سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن عِنْد ضريح الإِمَام السنوسي ﵁ وَلما توفّي الْمولى الرشيد رَجَعَ أَوْلَاده وأقاربه إِلَى فاس فاستوطنوها بِإِذن من السُّلْطَان المظفر الْمولى إِسْمَاعِيل وَلما دخل الْمولى الرشيد الزاوية غير محاسنها وَفرق جموعها وطمس معالمها وَصَارَت حصيدا كَأَن لم تغن بالْأَمْس بعد أَن كَانَت مشرقة إشراق الشَّمْس فمحت الْحَوَادِث ضياءها وقلصت ظلالها وأفياءها وطالما أشرقت بِأبي بكر وبنيه وابتهجت وفاحت من شذاهم وتأرجت ارتحل عَنْهَا فرسَان الأقلام الَّذين ينجاب بِوُجُوهِهِمْ الظلام وَبَانَتْ عَنْهَا ربات الْخُدُور وأقامت بهَا أتافي الْقُدُور وَلَقَد كَانَ أَهلهَا يعفون آثَار الرِّيَاح فعفت آثَارهم وَذَهَبت اللَّيَالِي بأشخاصهم وأبقت أخبارهم فثل ذَلِك الْعَرْش وَعدا الدَّهْر حِين أَمن من الْأَرْش وَلم يدْفع الرمْح وَلَا الحسام وَلم تَنْفَع تِلْكَ المنن الجسام فسحقا لدُنْيَا مَا رعت لَهُم حقوقا وَلَا أبقت لَهُم شروقا وَهِي الْأَيَّام لَا تَقِيّ من تجنيها وَلَا تبقي على مواليها ومدانيها
стр. 1203
أذهبت آثَار جلق وأخمدت نَار المحلق وذللت عزة ابْن شَدَّاد وهدت الْقصر ذِي الشرفات من سنداد وكل يلقى معجله ومؤجله ويبلغ الْكتاب يَوْمًا أَجله وَلَقَد أحسن رَبِّي نعمتهم الْمقر بإحسانهم ومنتهم شيخ مَشَايِخ الْمغرب على الْإِطْلَاق الإِمَام الَّذِي وَقع على علمه وَعَمله الِاتِّفَاق أَبُو عَليّ الْحسن بن مَسْعُود اليوسي ﵀ فِي رائيته الَّتِي رثى بهَا الزاوية الْمَذْكُورَة وَبكى أَيَّامهَا يَقُول فِي مطْلعهَا
(أكلف جفن الْعين أَن ينثر الدرا ... فيأبى ويعتاض العقيق بهَا خمرًا)
وَهِي طَوِيلَة شهيرة قلت وَلم يُصَرح فِيهَا بِأَسْمَائِهِمْ مُرَاعَاة لجَانب السُّلْطَان وَذَلِكَ هُوَ الْوَاجِب وَالْمُنَاسِب فرحم الله الشَّيْخ اليوسي مَا كَانَ أعرفهُ بمقتضيات الْأَحْوَال
فتح مراكش ومقتل الْأَمِير أبي بكر الشباني وشيعته
لما فرغ الْمولى الرشيد ﵀ من أَمر الزاوية توجه إِلَى مراكش فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من صفر من السّنة أَعنِي سنة تسع وَسبعين وَألف فاستولى عَلَيْهَا وَقتل رئيسها أَبَا بكر بن عبد الْكَرِيم الشباني وَجَمَاعَة من أهل بَيته
وَقَالَ فِي النزهة لما بلغ أَبَا بكر الشباني وَقَومه مسير الْمولى الرشيد إِلَيْهِم خَرجُوا فارين بِأَنْفسِهِم من مراكش إِلَى شَوَاهِق الْجبَال لما خامر قُلُوبهم من رعبه فَدخل الْمولى الرشيد مراكش وأفنى من وجد بهَا من الشبانات وَقبض على أبي بكر وَبني عَمه فعرضهم على السَّيْف واستنزل تِلْكَ الفئة الشريدة من الصَّيَاصِي وَأخذ مِنْهُم بالأقدام والنواصي وَأخرج عبد الْكَرِيم من قَبره فأحرقه بالنَّار
وَلما فتح مراكش قَامَ بهَا نَحْو شهر ثمَّ رَجَعَ إِلَى فاس فَدَخلَهَا يَوْم الْجُمُعَة السَّابِع وَالْعِشْرين من ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة وَفِي هَذِه السّنة خرج الْمولى مُحَمَّد الصَّغِير من تافيلالت فِي شيعته وخلى سَبِيل الْبَلَد وفيهَا
стр. 1204
أَيْضا ركب الْخضر غيلَان الْبَحْر إِلَى الجزائر وخلى سَبِيل آصيلا وَلما رَجَعَ الْمولى الرشيد إِلَى فاس عزل أَبَا عبد الله الفاسي عَن الْفَتْوَى وعزل الْفَقِيه المزوار عَن قَضَائهَا منسلخ جُمَادَى الثَّانِيَة من السّنة وَولى الْقَضَاء الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن المجاصي والخطابة بِجَامِع الْقرَوِيين الْفَقِيه أَبَا عبد الله مُحَمَّدًا البوعناني وَفِي منتصف رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة غزا الْمولى الرشيد بِلَاد الشاوية وَرجع إِلَى فاس فِي سَابِع رَمَضَان الْعَام فَعَفَا عَن بعض أهل الدلاء وَبَقِي الْآخرُونَ بضريح الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن حرزهم إِلَى تَمام السّنة فَعَفَا عَن الْجَمِيع وردهم إِلَى بِلَادهمْ إِلَّا مَا كَانَ من مُحَمَّد الْحَاج وبنيه فَإِنَّهُم غربوا إِلَى تلمسان وَمَات هُوَ هُنَالك وَلما ولي الْأَمر الْمولى إِسْمَاعِيل وَقعت الشَّفَاعَة فِي الْأَوْلَاد فَرَجَعُوا إِلَى فاس كَمَا مر
وَفِي يَوْم السبت سَابِع عشر ذِي الْحجَّة من السّنة غزا الْمولى الرشيد آيت عَيَّاش من برابر صنهاجة وفيهَا أَمر بِضَرْب السِّكَّة الرشيدية وأقرض تجار فاس وَغَيرهَا اثْنَيْنِ وَخمسين ألف مِثْقَال بِقصد التِّجَارَة إِلَى أَن ردوهَا بعد سنة
وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا حَاز طاغية الإصبنيول مَدِينَة سبته من يَد البرتغال فِي سَبِيل مشارطة وَقعت بَينهم فِي مَدِينَة أشبونة واستمرت فِي يَد الإصبنيول إِلَى الْآن
بِنَاء قنطرة وَادي سبو خَارج فاس
وَفِي يَوْم السبت الرَّابِع عشر من ذِي الْقعدَة سنة تسع وَسبعين وَألف أَمر الْمولى الرشيد بِبِنَاء قنطرة نهر سبو الأقواس الْأَرْبَعَة خَارج فاس فَأخذُوا فِي تهيئة الْأَسْبَاب وحفر الأساس وَفِي منتصف جُمَادَى الثَّانِيَة سنة ثَمَانِينَ وَألف شرعوا فِي الْبناء بالآجر والجير فكملت على أحسن حَال
وَلما تكلم الشَّيْخ اليوسي فِي المحاضرات على الحَدِيث الصَّحِيح إِن
стр. 1205
أخنع الْأَسْمَاء عِنْد الله رجل تسمى بِملك الْأَمْلَاك قَالَ مَا نَصه وَمن البشيع الْوَاقِع فِي زَمَاننَا فِي الْأَوْصَاف أَنه لما بنى السُّلْطَان الْمولى الرشيد بن الشريف جسر نهر سبو صنع بَعضهم يَعْنِي القَاضِي أَبَا عبد الله المجاصي أبياتا كتبت فِيهِ برسم الْأَعْلَام أَولهَا
(صاغ الْخَلِيفَة ذَا الْمجَاز ... ملك الْحَقِيقَة لَا الْمجَاز)
قَالَ فَحَمله اقتناص هَذِه السجعة والتغالي فِي الْمَدْح والاهتبال بالاسترضاء على أَن جعل ممدوحه ملكا حَقِيقِيًّا لَا مجازيا وَإِنَّمَا ذَلِك هُوَ الله وَحده وكل ملك دونه مجَاز الممدوح وَغَيره اه
وَفِي هَذِه السّنة وَذَلِكَ يَوْم الِاثْنَيْنِ الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَجَب خرج الْمولى الرشيد غازيا الْأَبْيَض فَقبض على أَوْلَاد أخي الْأَبْيَض وَلما وصل إِلَى تازا أَمر بِقَتْلِهِم فَقتلُوا ثمَّ مرض مَرضا شَدِيدا أشرف مِنْهُ على الْمَوْت فَأمر بتسريح المساجين وَإِخْرَاج الصَّدقَات فعافاه الله
وَفِي منتصف ذِي الْقعدَة من السّنة أَمر بإعمال وَلِيمَة الْعرس لِأَخِيهِ الْمولى إِسْمَاعِيل بدار ابْن شقراء من حَضْرَة فاس الْجَدِيد قَالَ اليفرني احتفل الْمولى الرشيد فِي ذَلِك الْعرس بِمَا لم يعْهَد مثله اه وَكَانَت الْعَرُوس من بَنَات الْمُلُوك السعديين وَفِي شَوَّال من السّنة جدد قنطرة الرصيف بفاس وَالله أعلم
فتح تارودانت وإيليغ وَسَائِر السوس
قد قدمنَا أَن أَبَا حسون السملالي كَانَ مستوليا على بِلَاد السوس فاستمر حَاله على ذَلِك إِلَى أَن توفّي سنة سبعين وَألف وَكَانَ ﵀ لين الْجَانِب مَحْمُود السِّيرَة مَوْصُوفا بالعفة متوقفا فِي الدِّمَاء وَلما هلك خَلفه وَلَده أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي حسون فَلَمَّا كَانَت سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف غزا الْمولى الرشيد ﵀ بِلَاد السوس فاستولى على
стр. 1206
تارودانت رَابِع صفر من السّنة وأوقع بهستوكة فَقتل مِنْهُم أَكثر من ألف وَخَمْسمِائة وأوقع بِأَهْل السَّاحِل فَقتل مِنْهُم أَكثر من أَرْبَعَة آلَاف وأوقع بِأَهْل قلعة إيليغ دَار ملك أبي حسون فاستولى عَلَيْهَا فِي مهل ربيع الأول من السّنة وَقتل مِنْهُم بسفح الْجَبَل أَكثر من أَلفَيْنِ وَصفا أَمر السوس للْمولى الرشيد
وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا فِي سَابِع ربيع الأول مِنْهَا قتل الْمولى إِسْمَاعِيل وَكَانَ نَائِبا عَن أَخِيه بفاس سِتِّينَ رجلا من أَوْلَاد جَامع وَكَانُوا يقطعون الطَّرِيق فَقَتلهُمْ وصلبهم على سور البرج الْجَدِيد وفيهَا فِي جُمَادَى الْأَخِيرَة مِنْهَا أَمر الْمولى الرشيد بِضَرْب فلوس النّحاس المستديرة وَكَانَت قبل مربعة وَهِي الأشقوبية وَجعل أَرْبَعَة وَعشْرين فِي الموزونة وَكَانَت قبل ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين وَرجع إِلَى فاس فِي ثَالِث رَجَب من السّنة وَفِي أول شعْبَان مِنْهَا شرع فِي بِنَاء مدرسة الشراطين بدار الباشا عزوز من فاس وَكَانَ قد أَمر بِبِنَاء مدرسة عَظِيمَة بِإِزَاءِ مَسْجِد أبي عبد الله مُحَمَّد بن صَالح من حَضْرَة مراكش وَالله لَا يضيع أجر من أحسن عملا
تأليف جَيش شراقة وأوليتهم وَشرح لقبهم
قد قدمنَا فِي أَخْبَار السعديين أَن لفظ شراقة فِي الأَصْل لقب لعرب بادية تلمسان وَمن انضاف إِلَيْهِم وَسموا بذلك لأَنهم فِي جِهَة الشرق عَن الْمغرب الْأَقْصَى فَأهل تلمسان مثلا يسمون أهل الْمغرب الْأَقْصَى مغاربة وَأهل الْمغرب الْأَقْصَى يسمون أهل تلمسان مشارقة إِلَّا أَن الْعَامَّة يلحنون فِي هَذِه النِّسْبَة فَيَقُولُونَ شراقة بتَخْفِيف الرَّاء وإيقاف المعقودة وَقد كَانَ للسعديين جند من هَؤُلَاءِ الْعَرَب كَمَا مر
وَلما جَاءَ الله بدولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى الرشيد ﵀ وَاجْتمعَ عَلَيْهِ من عرب آنكاد وَغَيرهم مَا قدمنَا ذكره نزع إِلَيْهِ من أهل تِلْكَ الْبِلَاد عدَّة قبائل
стр. 1207
بَعْضهَا من الْعَرَب وَبَعضهَا من البربر أنفًا من ولَايَة التّرْك فقبلهم فَمن الْعَرَب أَشْجَع وَبَنُو عَامر وَمن البربر مديونة وهوارة وَبَنُو سنوس فَأمر ﵀ بِبِنَاء القصبة الجديدة بفاس بديار لمتون وعرصة ابْن صَالح وبذل لأَصْحَابه وقواده ألف مِثْقَال لبِنَاء سورها وَأمرهمْ بِبِنَاء الدّور فِيهَا وَأعْطى شراقة هَؤُلَاءِ ألف دِينَار لبِنَاء قَصَبَة الْخَمِيس بعد أَن كَانَ أنزلهم أَولا بأحواز فاس فَحصل مِنْهُم الضَّرَر لأهل الْمَدِينَة وشكوهم فَأَمرهمْ بالانتقال بحلتهم إِلَى بِلَاد صدينة وفشتالة بَين النهرين سبو وورغه وأقطعهم تِلْكَ الأَرْض وعزل عزابهم وَأمرهمْ بِبِنَاء بُيُوتهم على حِدة ثمَّ أَعْطَاهُم ألف دِينَار لبِنَاء سور القصبة كَمَا قُلْنَا وجعلهم قَبيلَة وَاحِدَة فَلم تتَمَيَّز الْآن عربهم من بربرهم ثمَّ خرج الْمولى الرشيد رَابِع رَمَضَان من السّنة لزيارة الشَّيْخ أبي يعزى ﵁ وَمِنْه ذهب إِلَى سلا فزار صلحاءها وَعَاد إِلَى فاس فَدَخلَهَا منسلخ رَمَضَان الْمَذْكُور
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف فِي صفر مِنْهَا بعث خيلا للْجِهَاد على طنجة وَفِي منتصف جُمَادَى الأولى بعث خيلا أُخْرَى إِلَى السوس وَعَلَيْهِم أَبُو مُحَمَّد عبد الله آعراس ثمَّ خرج إِلَى الصَّيْد بتافرطاست فَبَلغهُ هُنَالك خبر ثورة ابْن أَخِيه الْمولى مُحَمَّد بن مُحَمَّد بمراكش فَرجع إِلَى فاس فَدَخلَهَا يَوْم السبت حادي عشر رَمَضَان ثمَّ خرج مِنْهَا عصر يَوْمه ذَلِك فَلَقِيَهُ ابْن أَخِيه بفزارة مَقْبُوضا عَلَيْهِ بيد أَصْحَابه فَبعث بِهِ إِلَى تافيلالت وَسَار هُوَ إِلَى مراكش وَبعث قائده زَيْدَانَ العامري إِلَى فاس فِي ذِي الْقعدَة ليَأْتِيه بالجيش لغزو السوس فَأَتَاهُ أهل السوس طائعين وَلم يبْق للحركة مَحل بعد أَن كَانَت الأخبية قد أخرجت إِلَى وَادي فاس وَضربت بِهِ فاستقرت قَوَاعِد الْملك للْمولى الرشيد وتمهدت أُمُور الدولة وَالله غَالب على أمره
стр. 1208
وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى الرشيد ﵀
كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى الرشيد ﵀ فِي هَذِه الْمدَّة مُقيما بمراكش كَمَا قُلْنَا إِلَى أَن كَانَ عيد الْأَضْحَى من سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف فَلَمَّا كَانَ ثَانِي يَوْم النَّحْر وَهُوَ يَوْم الْخَمِيس ركب فرسا لَهُ وأجراه فجمح بِهِ فِي بُسْتَان المسرة وَلم يملك عنانه فَأَصَابَهُ فرع شَجَرَة نارنج فهشم رَأسه وَقيل دخل فِي أُذُنه وَكَانَت فِيهِ منيته ﵀ وَدفن بمراكش بالقصبة مِنْهَا ثمَّ نقل إِلَى ضريح الشَّيْخ أبي الْحسن عَليّ بن حرزهم بفاس لوَصِيَّة مِنْهُ بذلك وَمَات ﵀ وسنه اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سنة لِأَنَّهُ ولد سنة أَرْبَعِينَ وَألف ورثاه بَعضهم بقوله
(وَمَا شج ذَات الْغُصْن رَأس إمامنا ... لسوء لَهُ خدن الْمحبَّة جَاحد)
(وَلكنه قد غَار من لين قده ... وَإِن من الْأَشْجَار مَا هُوَ حَاسِد)
قلت لَا يخفى أَن مثل هَذَا الشّعْر لَا يحسن أَن تمدح بِهِ الْمُلُوك فَإِنَّهُ بالغزل أشبه مِنْهُ بالرثاء وَكَانَ قد وَقع بَين الْمولى الرشيد ﵀ وَبَين شيخ الْوَقْت الإِمَام أبي عبد الله مُحَمَّد بن نَاصِر الدرعي ﵁ مكاتبات توعده أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي بَعْضهَا فَمَاتَ عقب ذَلِك وَكفى الشَّيْخ الْمَذْكُور أمره
وَمن مآثره ﵀ أَنه لما مر فِي بعض حركاته بالموضع الْمَعْرُوف بالشط من بِلَاد الظهراء أَمر بِحَفر آبار شَتَّى فَهِيَ الْآن تدعى بآبار السُّلْطَان إِضَافَة لَهُ يَسْتَقِي مِنْهَا ركب الحجيج فِي ذَهَابه وإيابه فَهِيَ إِن شَاءَ الله فِي ميزَان حَسَنَاته وَكَانَ ﵀ محبا فِي جَانب الْعلمَاء مؤثرا لأغراضهم مُولَعا بمجالستهم محسنا إِلَيْهِم حَيْثُ مَا كَانُوا
وَمن نوادره مَعَهم مَا حُكيَ أَن الْعَلامَة أَبَا عبد الله مُحَمَّد المرابط بن مُحَمَّد بن أبي بكر الدلائي حضر يَوْمًا بِمَجْلِس السُّلْطَان الْمَذْكُور وَذَلِكَ بعد
стр. 1209
الْإِيقَاع بزاويتهم وتغريبهم إِلَى فاس فَأَنْشد السُّلْطَان معرضًا بالفقيه الْمَذْكُور قَول أبي الطّيب المتنبي
(وَمن نكد الدُّنْيَا على الْحر أَن يرى ... عدوا لَهُ مَا من صداقته بُد)
ففهم أَبُو عبد الله المرابط إِشَارَته فَقَالَ أيد الله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن من سَعَادَة الْمَرْء أَن يكون خَصمه عَاقِلا فَاسْتحْسن الْحَاضِرُونَ حسن بديهته ولطف منزعه
وَمن تواضع الْمولى الرشيد ﵀ مَعَ أهل الْعلم مَا حَكَاهُ صَاحب الْجَيْش من أَنه بعث إِلَى بعض عُلَمَاء عصره ليقْرَأ مَعَه بعض الْكتب فَامْتنعَ ذَلِك الْعَالم وَقَالَ كَمَا قَالَ الإِمَام مَالك ﵁ الْعلم يُؤْتى وَلَا يَأْتِي قَالَ فَكَانَ الْمولى الرشيد ﵀ يتَرَدَّد لمنزل ذَلِك الْعَالم للْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَقد ذكر صَاحب نشر المثاني أَنه كَانَ يحضر مجْلِس الشَّيْخ اليوسي بالقرويين اهـ وَهَذِه لعمري منقبة فخيمة ومأثره جسيمة فرحم الله تِلْكَ الهمم الَّتِي كَانَت تعرف للْعلم حَقه وتقدر قدره قَالُوا وَكَانَ ﵀ جوادا سخيا رَحل النَّاس إِلَيْهِ من الْمشرق فَمَا دونه وقصده بعض طلبة ثغر الجزائر فامتدحه ببيتين وهما
(فاض بَحر الْفُرَات فِي كل قطر ... من ندى راحتيك عذبا فراتا)
(غرق النَّاس فِيهِ وَالْتمس الْفقر ... خلاصا فَلم يجده فماتا)
فوصله بِأَلفَيْنِ وَخمسين دِينَارا
قَالَ اليفرني وشأوه ﵀ فِي السخاء لَا يلْحق والحكايات عَنهُ بذلك شهيرة وَفِي أَيَّامه كثر الْعلم واعتز أَهله وَظَهَرت عَلَيْهِم أبهته وَكَانَت أَيَّامه أَيَّام سُكُون ودعة ورخاء عَظِيم حَتَّى قيل إِنَّه فِي الْيَوْم الَّذِي بُويِعَ فِيهِ بفاس كَانَ الْقَمْح فِي أول النَّهَار بِخمْس أَوَاقٍ للمد وَصَارَ فِي آخِره بِنصْف أُوقِيَّة فتيمن النَّاس بولايته وأغتبطوا بهَا وَالله تَعَالَى أعلم
стр. 1210
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ المظفر بِاللَّه أبي النَّصْر الْمولى إِسْمَاعِيل بن الشريف ﵀
لما توفّي الْمولى الرشيد ﵀ فِي التَّارِيخ الْمُقدم وَكَانَ أَخُوهُ الْمولى إِسْمَاعِيل بمكناسة الزَّيْتُون خَليفَة على بِلَاد الغرب فَبَلغهُ خبر مَوته فَاجْتمع النَّاس عَلَيْهِ وَبَايَعُوهُ واتفقت كلمتهم عَلَيْهِ ثمَّ قدم عَلَيْهِ أَعْيَان فاس وأعلامها وأشرافها ببيعتهم وَقدم عَلَيْهِ أهل بِلَاد الغرب من الحواضر والبوادي كَذَلِك بهداياهم وبيعاتهم إِلَّا مراكش وأعمالها فَإِنَّهُ لم يَأْتِ مِنْهَا أحد فَجَلَسَ ﵀ للوفود إِلَى أَن فرغ من شَأْنهمْ ورتب أُمُوره بمكناسة وعزم على السُّكْنَى بهَا إِذْ كَانَ لَا يَبْغِي بهَا بَدَلا حَيْثُ أعجبه مَاؤُهَا وهواؤها هَكَذَا فِي الْبُسْتَان
وَقَالَ أَبُو عبد الله اليفرني فِي النزهة وَنَحْوه فِي نشر المثاني لما توفّي الْمولى الرشيد ﵀ اتَّصل خبر وَفَاته بالمولى إِسْمَاعِيل وَهُوَ يَوْمئِذٍ خَلِيفَته بفاس الْجَدِيد لَيْلَة الْأَرْبَعَاء السَّادِس عشر من ذِي الْحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَألف فبويع ﵀ وَحضر بيعَته أَعْيَان الْمغرب وصلحاؤه بِحَيْثُ لم يُنَازع فِي أَنه أَحَق بهَا وَأَهْلهَا أحد مِمَّن يشار إِلَيْهِ زَاد فِي الظل الظليل وَوَافَقَ على بيعَته أهل الْحل وَالْعقد من الْعلمَاء والأشراف كالشيخ أبي مُحَمَّد عبد الْقَادِر بن عَليّ الفاسي وَالشَّيْخ أبي عَليّ اليوسي وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ الفيلالي وَأبي الْعَبَّاس أَحْمد بن سعيد المكيلدي وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر الفاسي وأخيه أبي زيد صَاحب نظم الْعَمَل وَالْقَاضِي أبي مَدين وَغَيرهم من بَقِيَّة الْأَعْيَان وَكَانَت بيعَته فِي السّنة الثَّانِيَة من يَوْم الْأَرْبَعَاء السَّادِس عشر من ذِي الْحجَّة الْمَذْكُور آنِفا وَوَافَقَ ذَلِك الْيَوْم الثَّالِث من شهر إبريل العجمي
وَكَانَ سنه يَوْم بُويِعَ سِتا وَعشْرين سنة لِأَن وِلَادَته كَانَت عَام وقْعَة
стр. 1211
القاعة وَهِي مؤرخة بِخَط من يوثق بِهِ سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَلما تمت بيعَته نَهَضَ بأعباء الْخلَافَة وَضبط الْأُمُور وَأحسن السِّيرَة
ثورة الْمولى أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحرز بن الشريف وَمَا كَانَ من أمره
لما توفّي الْمولى الرشيد ﵀ واتصل خبر وَفَاته بِأَهْل سجلماسة وَغَيرهَا أقبل ابْن أَخِيه الْمولى أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بِمن مُحرز مبادرا إِلَى مراكش طَالبا لِلْأَمْرِ وداعيا إِلَى نَفسه والتفت عَلَيْهِ طوائف من عرب السوس وَغَيرهم وَغلب على تِلْكَ النواحي ونشبت أهل مراكش بلامع برقه وَبِذَلِك تقاعدوا عَن الْوِفَادَة على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀
وَلما صَحَّ عِنْده خبر ابْن مُحرز وَذَلِكَ فِي آخر ذِي الْحجَّة من السّنة نَهَضَ إِلَى مراكش فوصل إِلَيْهَا وبرز إِلَيْهِ أَهلهَا فِيمَن انْضَمَّ إِلَيْهِم من قبائل أحوازها وقاتلوه فانتصر عَلَيْهِم وَهَزَمَهُمْ وَدخل مراكش عنْوَة يَوْم الْجُمُعَة سَابِع صفر سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف فَعَفَا عَن أَهلهَا وأجفل ابْن مُحرز وشيعته الى حَيْثُ نَجوا
وَلما احتل الْمولى إِسْمَاعِيل بمراكش أَمر بِنَقْل شلو أَخِيه الْمولى الرشيد فِي تابوته إِلَى فاس ليدفن بضريح الشَّيْخ ابْن حرزهم كَمَا مر ثمَّ قفل السُّلْطَان إِلَى مكناسة منسلخ ربيع الأول سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَألف
стр. 1212
انْتِقَاض أهل فاس وقتلهم الْقَائِد زَيْدَانَ وإعلانهم بدعوة ابْن مُحرز وَمَا نَشأ عَن ذَلِك من محاصرة السُّلْطَان لَهُم
لما قفل أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل إِلَى مكناسة أَخذ فِي تَرْتِيب أُمُور دولته وَفرق الرَّاتِب على الْجند وَكَانَ عَازِمًا على غَزْو بِلَاد الصَّحرَاء فَلم يرعه إِلَّا الْخَبَر بِأَن أهل فاس قد انتقضوا وَقتلُوا قَائِد الْجَيْش زَيْدَانَ بن عبيد العامري وَكَانَ مَقْتَله لَيْلَة الْجُمُعَة ثَانِي جُمَادَى الأولى من السّنة فزحف السُّلْطَان إِلَيْهِم وحاصرهم وَاسْتمرّ الْقِتَال بَينه وَبينهمْ أَيَّامًا ثمَّ بعثوا إِلَى الْمولى أَحْمد بن مُحرز ليأتيهم فيجتمعوا عَلَيْهِ فَقدم دبدو وَأنزل على ملوية وَبعث إِلَيْهِم رَسُوله يعلمهُمْ بمجيئه فأعلنوا بنصره وَذَلِكَ يَوْم الْخَمِيس الْعشْرين من جُمَادَى الثَّانِيَة من السّنة وَفِي منسلخ الشَّهْر الْمَذْكُور بعثوا عشرَة من الْخَيل للقائه بتازا ثمَّ أصبح عَلَيْهِم رَسُول الْخضر غيلَان يعلمهُمْ بِأَنَّهُ قد قدم من ثغر الجزائر فِي الْبَحْر وَأَنه نزل بتطاوين مَعَ رؤسائها أَوْلَاد النقسيس فتشعبت الآراء وتعددت أَسبَاب الهراش وتكاثرت الظباء على خِدَاش وهاجت فتْنَة بفاس قتل فِيهَا نفر من أَوْلَاد الثائر الْمُتَقَدّم أبي الرّبيع سُلَيْمَان الزرهوني على يَد مولَايَ أَحْمد بن إِدْرِيس من شرفاء دَار القيطون ثمَّ قتل بعض شيعَة الزرهوني مولَايَ حفيد بن إِدْرِيس أَخا الشريف الْمَذْكُور وَكَانَ مَا كَانَ مِمَّا لست أذكرهُ
وَلما اتَّصل خبر ابْن مُحرز بالمولى إِسْمَاعِيل نَهَضَ إِلَيْهِ فِي جُنُوده قَاصِدا تازا فَحَاصَرَهُمْ بهَا أشهرا ففر عَنْهَا ابْن مُحرز وَدخل الصَّحرَاء وَلما علم السُّلْطَان بفراره عدل إِلَى نَاحيَة الهبط بِقصد الْخضر غيلَان فحاربه إِلَى أَن ظفر بِهِ وَقَتله يَوْم الْأَحَد الْعشْرين من جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَألف وَعَاد إِلَى فاس الْجَدِيد أواسط جُمَادَى الثَّانِيَة من السّنة وحاصر أهل فاس وطاولهم وَلم يحدث مَعَهم حَربًا إِلَى أَن أذعنوا إِلَى الطَّاعَة وراجعوا بصائرهم ففتحوا الْبَلَد وَخَرجُوا إِلَى السُّلْطَان تَائِبين فَعَفَا عَنْهُم وَذَلِكَ فِي سَابِع عشر
стр. 1213
رَجَب سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَألف فَكَانَت مُدَّة انتقاضهم أَرْبَعَة عشر شهرا وَثَمَانِية عشر يَوْمًا ذاقوا فِيهَا وبال أَمرهم ثمَّ ولى عَلَيْهِم الْقَائِد أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد التلمساني وعَلى فاس الْجَدِيد الْوَزير أَبَا زيد عبد الرَّحْمَن المنزاري وَسَار إِلَى مكناسة ثمَّ عَاد بِالْقربِ إِلَّا أَن هذَيْن الواليين قد جارا فِي الْحُكُومَة وعاثا فِي البلدين بِضَرْب الأبشار وَنهب الْأَمْوَال وَغير ذَلِك وَالله لايظلم مِثْقَال ذرة وعزل أَيْضا عَن خطابة الْقرَوِيين الْفَقِيه أَبَا عبد الله البوعناني وولاها القَاضِي أَبَا عبد الله المجاصي وَذَلِكَ فِي أخر رَجَب من السّنة وَالله أعلم
تَجْدِيد أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل بِنَاء مكناسة الزَّيْتُون واتخاذه إِيَّاهَا دَار ملكه
كَانَت مَدِينَة مكناسة الزَّيْتُون من الْأَمْصَار الْقَدِيمَة بِأَرْض الْمغرب بناها البربر قبل الْإِسْلَام وَلما جَاءَت دولة الْمُوَحِّدين حاصروا مكناسة سبع سِنِين ثمَّ افتتحوها عنْوَة أواسط المائه السَّادِسَة وخربوها ثمَّ بنوا مكناسة الجديدة الْمُسَمَّاة بتاكرارت وَمَعْنَاهَا الْمحلة واعتنى بهَا بَنو مرين من بعدهمْ فبنوا قصبتها وشيدوا بهَا الْمَسَاجِد والمدارس والزوايا والربط وَكَانَت يَوْمئِذٍ هِيَ كرْسِي الوزارة كَمَا أَن حَضْرَة فاس الْجَدِيد هِيَ كرْسِي الْإِمَارَة واختصت مكناسة بِطيب التربة وعذوبة المَاء وَصِحَّة الْهَوَاء وسلامة المختزن من التعفين وَغير ذَلِك وَقد وصفهَا ابْن الْخَطِيب فِي مَوَاضِع من كتبه مثل النفاضة والمقامات وَغَيرهمَا واثنى عَلَيْهَا نظما ونثرا وَأنْشد قَول ابْن عبدون من أَهلهَا فِيهَا
(إِن تفتخر فاس بِمَا فِي طيها ... وبأنها فِي زيها حسناء)
(يَكْفِيك من مكناسة أرجاؤها ... والأطيبان هواؤها وَالْمَاء)
فَلَمَّا كَانَت بِهَذِهِ المثابة كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ لَا
стр. 1214
يَبْغِي بهَا بَدَلا فَلَمَّا فرغ من أَمر فاس رَجَعَ إِلَيْهَا وَشرع فِي بِنَاء قُصُور بهَا بعد أَن هدم مَا يَلِي القصبة من الدّور وَأمر أَرْبَابهَا بِحمْل أنقاضها وَبنى لَهُم سورا على الْجَانِب الغربي وَأمر بِبِنَاء دُورهمْ بِهِ وَهدم الْجَانِب الشَّرْقِي كُله من الْمَدِينَة وزاده فِي القصبة الْقَدِيمَة وَلم يبْق أَمَامه إِلَّا الفضاء فَجعل ذَلِك كُله قَصَبَة وَبنى سور الْمَدِينَة وأفردها عَن القصبة وَأطلق أَيدي الصناع فِي الْبناء ومداومة الْعَمَل وجلبهم من جَمِيع حواضر الْمغرب وَلما لم يقنعه ذَلِك فرض العملة على الْقَبَائِل مناوبة فَصَارَت كل قَبيلَة من قبائل الْمغرب تبْعَث عددا مَعْلُوما من الرِّجَال والبهائم فِي كل شهر وَفرض الصناع وَأهل الْحَرْف على الحواضر فَصَارَ أهل كل مصر يبعثون من البنائين والنجارين وَغَيرهم عددا مَعْلُوما كَذَلِك وَأسسَ الْمَسْجِد الْأَعْظَم بداخل القصبة مجاورا لقصر النَّصْر الَّذِي كَانَ أسسه فِي دولة أَخِيه الْمولى الرشيد ﵀ ثمَّ أسس الدَّار الْكُبْرَى الَّتِي بجوار الشَّيْخ المجذوب وَاسْتمرّ الْبناء وَالْغَرْس بمكناسة سِنِين كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيه على ذَلِك فِي مَجْلِسه إِن شَاءَ الله
مَجِيء الْمولى أَحْمد بن مُحرز إِلَى مراكش واستيلاؤه عَلَيْهَا ونهوض السُّلْطَان إِلَى محاصرته بهَا
ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف فِيهَا ورد الْخَبَر على السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل وَهُوَ بمكناسة بِدُخُول ابْن أَخِيه الْمولى أَحْمد بن مُحرز مراكش واستيلائه عَلَيْهَا وَكَانَ السُّلْطَان يَوْمئِذٍ مُتَوَجها إِلَى آنكاد لما بلغه من عيث الْعَرَب الَّذين بِهِ وقطعهم الطَّرِيق فَلم يثنه ذَلِك عَنْهُم بل سَار إِلَيْهِم وأوقع بسقونة مِنْهُم وَقتل خلقا كثيرا وَنهب وَرجع مؤيدا منصورا ثمَّ استعد لِحَرْب ابْن مُحرز وَخرج فِي العساكر على طَرِيق تادلا فَكَانَ اللِّقَاء بَينهمَا على أبي عقبَة من وَادي العبيد فَاقْتَتلُوا وَانْهَزَمَ ابْن مُحرز وَقتل كَبِير جَيْشه
стр. 1215
حيدة الطويري وَرجع أدراجه إِلَى مراكش فَتَبِعَهُ السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل وَألقى بكلكله على مراكش أَوَائِل سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف ونما إِلَيْهِ أَن بعض أهل محلته قد أضمروا الْغدر مِنْهُم الشَّيْخ عمر البطوئي وَولده وَعبد الله آعراس وَإِخْوَته هَؤُلَاءِ كَانُوا أُمَرَاء عسكره فحنقهم وأتلف نُفُوسهم وَبعث إِلَى من بَقِي مِنْهُم بفاس فَقبض عَلَيْهِم وَقتلُوا وحيزت دُورهمْ وَأَمْوَالهمْ
وَاسْتمرّ السُّلْطَان محاصرا لمراكش إِلَى ربيع الثَّانِي من سنة سبع وَثَمَانِينَ وَألف فَشدد فِي الْحصار وازدلف إِلَيْهَا فِي جُنُوده فَوَقع قتال عَظِيم مَاتَ فِيهِ من الْفَرِيقَيْنِ مَا لَا يُحْصى وانحجر ابْن مُحرز دَاخل الْبَلَد وَبَقِي يُقَاتل من أَعلَى الأسوار ثمَّ تَمَادى الْحصار إِلَى ثَانِي ربيع الثَّانِي من سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف فَاشْتَدَّ الْأَمر على ابْن مُحرز وضاق ذرعا فَخرج فَارًّا عَن مراكش ناجيا فِيمَا أبقته الْحَرْب من جموعه وَدخل السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل الْمَدِينَة عنْوَة فاستباحها وَقتل سَبْعَة من رؤسائها وكحل ثَلَاثِينَ مِنْهُم وهدأت الْفِتْنَة وَذَهَبت أَيَّام المحنة وَالله غَالب على أمره
تأليف جَيش الودايا وَبَيَان فرقهم وأوليتهم
هَذَا الْجَيْش من أمثل جيوش هَذِه الدولة الشَّرِيفَة أبقى الله فَضلهَا وَبسط على الْبِلَاد والعباد يمنها وعدلها وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى ثَلَاثَة أرحاء رحى أهل السنوس ورحى المغافرة ورحى الودايا وَيُطلق على الْجَمِيع ودايا تَغْلِيبًا فَأَما أهل السوس فَمنهمْ أَوْلَاد جرار وَأَوْلَاد مُطَاع وزرارة والشبانات وَكلهمْ من عرب معقل وَكَانُوا فِي الْقَدِيم جندا للدولة السعدية وَكَانَ مُلُوكهَا يستنفرونهم للغزو بحللهم لاعتيادهم ذَلِك أَيَّام كَونهم بالصحراء ثمَّ أنزلوهم ببسيط ازغار مراغمة لعرب جشم من الْخَلْط وسُفْيَان وَغَيرهم إِذْ كَانَت
стр. 1216
الْخَلْط شيعَة بني مرين وأصهارهم كَمَا مر فَلَمَّا جَاءَت الدولة السعدية بقوا منحرفين عَنْهَا وَكلما طرقها خلل ثَارُوا عَلَيْهَا وَخَرجُوا عَن طاعتها فقيض لَهُم السُّلْطَان مُحَمَّد الشَّيْخ السَّعْدِيّ هَؤُلَاءِ الْقَبَائِل من معقل وزاحمهم بهم فِي بِلَادهمْ وشغلهم بهم فَكَانَت تكون بَينهم الحروب فَتَارَة تنتصف معقل من جشم وَتارَة الْعَكْس حَتَّى أوقع الْمَنْصُور السَّعْدِيّ بالخلط وقيعته الشهيرة وأسقطهم من الجندية فَنقل أَوْلَاد مُطَاع إِلَى زبيدة قرب تادلا
وَلما أشرفت الدولة السعدية على الْهَرم استطالت الشبانات عَلَيْهَا بِمَا كَانَ لَهُم من الخؤلة على أَوْلَاد السُّلْطَان زَيْدَانَ فاستبدت فرقة مِنْهُم بمراكش كَمَا مر وثارت أُخْرَى بفاس الْجَدِيد مَعَ أبي عبد الله الدريدي المتغلب بهَا حَسْبَمَا سلف إِلَى أَن نقل أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ جَمِيعهم إِلَى وَجدّة كَمَا سَيَأْتِي ثمَّ خلطهم بعد بإخوانهم من المغافرة والودايا وصير الْجَمِيع جَيْشًا وَاحِدًا فَهَذِهِ أولية أهل السوس
وَأما المغافرة فَسَيَأْتِي بَيَان كَيْفيَّة اتصالهم بالمولى إِسْمَاعِيل ومصاهرتهم لَهُ
وَأما الودايا فَكَانَ السَّبَب فِي جمعهم واستعمالهم فِي الجندية أَنه لما فتح الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ مَدِينَة مراكش الْفَتْح الثَّانِي وأجفل ابْن مُحرز عَنْهَا أَقَامَ بهَا أَيَّامًا ثمَّ خرج إِلَى الصَّيْد بالبسيط الْمَعْرُوف بالبحيرة من أحواز مراكش فَرَأى أَعْرَابِيًا يرْعَى غنما لَهُ وَبِيَدِهِ شفرة يقطع بهَا السدر ويضعه لغنمه لتأكل ورقة فَقَالَ للوزعة عَليّ بِأبي الشَّفْرَة فَأَسْرعُوا إِلَيْهِ وجاؤوا بِهِ إِلَى أَن أوقفوه بَين يَدَيْهِ فَسَأَلَهُ فانتسب لَهُ إِلَى ودي كغني قَبيلَة من عرب معقل بالصحراء وَأخْبرهُ بِأَنَّهُم دخلُوا من بِلَاد الْقبْلَة بِسَبَب جَدب أَصَابَهُم قَالَ دَخَلنَا السوس بنجع كَبِير فافترقنا وَذَهَبت كل طَائِفَة منا إِلَى قَبيلَة فَنزلت عَلَيْهَا وَنحن نزُول مَعَ الشبانات فَقَالَ لَهُ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ أَنْتُم أخوالي وسمعتم بخبري وَلم تَأْتُونِي والآن أَنْت صَاحِبي وَإِذا رجعت بغنمك
стр. 1217
إِلَى خيمتك فاقدم عَليّ إِلَى مراكش وَأوصى بِهِ من يوصله إِلَيْهِ ثمَّ بعد أَيَّام قدم أَبُو الشَّفْرَة على السُّلْطَان فَكَسَاهُ وَحمله وَبعث مَعَه خيلا يجمع بهَا إخوانه من قبائل الْحَوْز فَجمع من وجد مِنْهُم وَجَاء بهم إِلَى السُّلْطَان فأثبتهم فِي الدِّيوَان وكساهم وَحَملهمْ ثمَّ نقلهم بحلتهم إِلَى مكناسة الزَّيْتُون دَار الْملك ومقر الْخلَافَة
ثمَّ دخل نجع آخر بعدهمْ فأثبتهم فِي الدِّيوَان أَيْضا وَبَالغ فِي إكرامهم وَالْإِحْسَان إِلَيْهِم وَعين لسكناهم من مكناسة الْمحل الْمَعْرُوف بالرياض بجوار قصبتها وَأمرهمْ بِبِنَاء الدّور وَأعْطى أعيانهم ورؤساءهم النوائب وَهِي الزوايا الَّتِي لَا تغرم مَعَ الْقَبَائِل ثمَّ قدم نجع ثَالِث جاؤوا من جِهَة الْقبْلَة فأثبتهم كإخوانهم الَّذين قدمُوا قبلهم وسلك بهم مسلكهم
وَلما نقل ﵀ زُرَارَة والشبانات الَّذين كَانُوا بفاس الْجَدِيد مَعَ الدريدي بعث بهم إِلَيْهَا أَيْضا ليجتمعوا مَعَ إخْوَانهمْ ثمَّ قسم الودايا الَّذين بالرياض قسمَيْنِ فَبعث نصفهم إِلَى فاس الْجَدِيد وعمره بهم وَولى عَلَيْهِم الْقَائِد أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عَطِيَّة مِنْهُم وَأبقى النّصْف الآخر بالرياض من مكناسة وَولى عَلَيْهِم الْقَائِد أَبَا الْحسن عليا الْمَدْعُو بِأبي الشَّفْرَة فَكَانَا يتداولان الْقسمَيْنِ مرّة هَذَا وَمرَّة هَذَا ثمَّ اسْتَقر الْأَمر على أَن صَار أَبُو الشَّفْرَة بفاس وَابْن عَطِيَّة بالرياض
وَأما خبر الْخَلْط فَإِنَّهُ لما أوقع بهم الْمَنْصُور السَّعْدِيّ تفَرقُوا فِي الْقَبَائِل شذر مذر وصاروا عيالا على غَيرهم وَلما أشرفت الدولة السعدية على الْهَرم اجْتَمعُوا وَرَجَعُوا إِلَى أزغاز فغلبوا عَلَيْهِ وعفوا وكثروا وتمولوا وَأَكْثرُوا من الْخَيل وَالسِّلَاح إِلَى أَن جَاءَ الله بالمولى إِسْمَاعِيل ﵀ فَانْتزع مِنْهُم خيلهم وسلاحهم كغيرهم من قبائل الْمغرب وَضرب عَلَيْهِم المغارم واستمروا على ذَلِك إِلَى أَيَّام السُّلْطَان المرحوم الْمولى مُحَمَّد بن عبد الله فظهروا فِي دولته وَكَانُوا يعكسون مَعَه فِي حروب ويغرمون مَا وَجب عَلَيْهِم
стр. 1218
من الزكوات والأعشار وَكَذَلِكَ مَعَ ابْنه الْمولى سُلَيْمَان وَابْن ابْنه الْمولى عبد الرَّحْمَن بن هِشَام رحم الله الْجَمِيع بمنه وهم الْيَوْم فِي عداد الْقَبَائِل الغارمة وَكَذَا قبائل الْحَوْز الَّذين هم من عرب معقل كلهم غارمة وَالله تَعَالَى الْمُتَوَلِي لأمور الْعباد لَا معقب لحكمه وَلَا راد لقضائه
انْتِقَاض البربر شيعَة الدلائيين والتفافهم على أَحْمد بن عبد الله مِنْهُم وإيقاع السُّلْطَان بهم
لما كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ مُقيما بمراكش بعد فرار الْمولى أَحْمد بن مُحرز عَنْهَا بلغه اجْتِمَاع البربر الصنهاجيين على أَحْمد بن عبد الله الدلائي وعيثهم فِيمَن جاورهم من قبائل الْعَرَب من تادلا إِلَى سايس فَبعث ﵀ عسكرا إِلَى تادلا إِعَانَة لأَهْلهَا على البربر فهزمتهم البربر وَقتلُوا يخلف وانتهبوا واستولوا على تادلا ثمَّ بعث إِلَيْهِم عسكرا آخر فِيهِ ثَلَاثَة آلَاف من الْخَيل وَعقد عَلَيْهِ ليخلف فَهَزَمَهُمْ البربر وَقتلُوا يخلف وانتهبوا مُعَسْكَره ثمَّ أعقبهما بعسكر ثَالِث فَوَقع بِهِ مَا وَقع بالأولين هَذَا كُله وَالسُّلْطَان مُقيم بمراكش يرصد ابْن مُحرز الَّذِي بالسوس ثمَّ بلغه قيام أَخِيه الْمولى حمادة بالصحراء وحربه لِأَخِيهِ الْمولى مُحرز الثائر بهَا أَيْضا وَهُوَ وَالِد الْمولى أَحْمد صَاحب السوس فَقدم السُّلْطَان ﵀ الأهم وَرجع إِلَى حَرْب البربر بتادلا خوفًا من اتساع خرقهم على الدولة وَهُنَاكَ لقِيه أَخُوهُ الْمولى الحران جَاءَ مستصرخا لَهُ على أَخِيه الْمولى حمادة ثمَّ تقدم السُّلْطَان ﵀ إِلَى البربر فأوقع بهم وقْعَة شنعاء واستلحمهم وَقطع مِنْهُم سَبْعمِائة رَأس بعث بهَا إِلَى فاس مَعَ عبد الله بن حمدون الروسي وَفِي نشر المثاني أَنه قتل من البربر يَوْمئِذٍ ثَلَاثَة آلَاف فزينت الْمَدِينَة وأخرجت المدافع وَكَانَ يَوْمًا مشهودا وَلما انْقَضتْ الْوَقْعَة فر الْمولى الحران من
стр. 1219
الْمحلة إِلَى الصَّحرَاء وَرجع السُّلْطَان إِلَى مكناسة فَدَخلَهَا فِي أواسط شَوَّال سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَألف
وَفِي هَذِه الْأَيَّام ولي قَضَاء فاس الْفَقِيه الْوَرع أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ بردلة بعد عزل القَاضِي أبي عبد الله المجاصي وَولي مظالمها وجبايتها عبد الله الروسي وَولي مواريثها أَبَاهُ حمدون وَأمر بقتل أهل تطاوين الَّذين كَانُوا بسجن فاس وهم عشرُون فَضربت أَعْنَاقهم وَرفعت على الأسوار ثمَّ جِيءَ بالمولى الحران من الصَّحرَاء مُقَيّدا مغلولا فَلَمَّا قابله من عَلَيْهِ وَأطْلقهُ وَأَعْطَاهُ خيلا وأقطعه مداشر بالصحراء يتعيش بهَا وسرحه إِلَى حَال سَبيله
عود الْكَلَام إِلَى بِنَاء حَضْرَة مكناسة الزَّيْتُون
وَاسْتمرّ السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ بمكناسة قَائِما على بِنَاء حضرتها بِنَفسِهِ وَكلما أكمل قصرا أسس غَيره وَلما ضَاقَ مَسْجِد القصبة بِالنَّاسِ أسس الْجَامِع الْأَخْضَر أعظم مِنْهُ وَجعل لَهُ بَابَيْنِ بَابا إِلَى القصبة وبابا إِلَى الْمَدِينَة وَجعل ﵀ لهَذِهِ القصبة عشْرين بَابا عَادِية فِي غَايَة السعَة والارتفاع مقبوة من أَعْلَاهَا وَفَوق كل بَاب مِنْهَا برج عَظِيم عَلَيْهِ من المدافع النحاسية الْعَظِيمَة الأجرام والمهاريس الحربية الهائلة الأشكال مَا يقْضِي مِنْهُ الْعجب وَجعل فِي هَذِه القصبة بركَة عَظِيمَة تسير فِيهَا الْفلك والزوارق المتخذة للنزهة والأنبساط وَجعل بهَا هريا عَظِيما لاختزان الطَّعَام من قَمح وَغَيره مقبو القنانيط يسع زرع أهل الْمغرب وَجعل بجواره سواقي للْمَاء فِي غَايَة المعمق مقبوا عَلَيْهَا وَجعل فِي أَعْلَاهَا برجا عَظِيما مستدير الشكل لوضع المدافع الموجهة إِلَى كل جِهَة وَجعل بهَا إصطبلا عَظِيما لربط خيله وبغاله مسيرَة فَرسَخ فِي مثله مسقف الجوانب بالبرشلة على أساطين وأقواس عَظِيمَة فِي كل قَوس مربط فرس وَبَين الْفرس وَالْفرس عشرُون شبْرًا يُقَال إِنَّه كَانَ مربوطا بِهَذَا الإصطبل اثْنَي عشر ألف فرس مَعَ كل فرس سائس من
стр. 1220
الْمُسلمين وخادم من أسرى النَّصَارَى يتَوَلَّى خدمته وَفِي هَذَا الإصطبل سانية من المَاء دَائِرَة عَلَيْهِ مقبوة الظّهْر وأمام كل فرس مِنْهَا ثقب كالمعدة لشربه وَفِي وسط هَذَا الإصطبل قباب معدة لوضع سروج الْخَيل على أشكال مُخْتَلفَة وَفِيه أَيْضا هري عَظِيم مربع الشكل مقبو الْأَعْلَى على أساطين عَظِيمَة وأقواس هائلة لوضع سلَاح الفرسان أَصْحَاب الْخَيل وَينفذ إِلَيْهِ الضَّوْء من شبابيك فِي جوانبه الْأَرْبَعَة كل شباك ينيف وَزنه على قِنْطَار من حَدِيد وَفَوق هَذَا الهري من أَعْلَاهُ قصر يُقَال لَهُ الْمَنْصُور وَلَا يقصر ارتفاعه من مائَة ذِرَاع خَمْسُونَ فِي الْأَسْفَل وَخَمْسُونَ فِي الْأَعْلَى وَفِيه عشرُون قبَّة فِي كل قبَّة طاق عَلَيْهِ شباك من حَدِيد يشرف مِنْهُ أهل الْقبَّة على بسيط مكناسة من الْجَبَل إِلَى الْجَبَل وكل قبَّة مسقفة بالبرشلة والقرمود وَغير ذَلِك ثمَّ أَربع قباب مِنْهَا متقابلة سَعَة كل وَاحِدَة مِنْهَا سَبْعُونَ شبْرًا فِي مثلهَا وَبَاقِي الْعشْرين أَرْبَعُونَ ويجاور هَذَا الإصطبل بُسْتَان على قدر طوله فِيهِ من شجر الزَّيْتُون وأنواع الْفَوَاكِه كل غَرِيب طوله فَرسَخ وَعرضه ميلان ويتخلل هَذِه الْقُصُور الَّتِي فِي دَاخل القلعة بشوارع مستطيلة متسعة وأبواب عَظِيمَة فاصلة بَين كل نَاحيَة وَبَين الْأُخْرَى ورحاب عَظِيمَة مربعة معدة لعمارة المشور فِي كل جَانب إِلَى غير ذَلِك مِمَّا لَا يُحِيط بِهِ الْوَصْف
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان وَقد شاهدنا آثَار الأقدمين بالمشرق وَالْمغْرب وبلاد التّرْك وَالروم فَمَا رَأينَا مثل ذَلِك فِي دولهم وَلَا شَاهَدْنَاهُ فِي آثَارهم بل لَو اجْتمعت آثَار دوَل مُلُوك الْإِسْلَام لرجح بهَا مَا بناه السُّلْطَان الْأَعْظَم الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ فِي قلعة مكناسة دَار ملكه وَلم تزل تِلْكَ البناءات على طول الدَّهْر قَائِمَة كالجبال لم تخلفها عواصف الرِّيَاح وَلَا كَثْرَة الأمطار والثلوج وَلَا آفَات الزلازل الَّتِي تخرب المباني الْعِظَام والهياكل الجسام قَالَ وَمن يَوْم مَاتَ الْمولى إِسْمَاعِيل والملوك من بنيه وحفدته يخربون تِلْكَ الْقُصُور على قدر وسعهم وبحسب طاقتهم ويبنون بأنقاضها من خشب وزليج
стр. 1221
ورخام وَلبن وقرمود ومعدن وَغير ذَلِك إِلَى وقتنا هَذَا وبنيت من أنقاضها مَسَاجِد ومدارس ورباطات بِكُل بلد من بلدان الْمغرب وَمَا أَتَوا على نصفهَا هَذِه مُدَّة من مائَة سنة وَأما الجدرات فَلَا زَالَت ماثلة كالجبال الشوامخ وكل من شَاهد تِلْكَ الْآثَار من سفراء التّرْك وَالروم يعجب من عَظمته وَيَقُول لَيْسَ هَذَا من عمل بني آدم وَلَا يقوم بِهِ مَال اهـ
تأليف جَيش عبيد البُخَارِيّ وَذكر أوليتهم وَشرح تسميتهم
هَذَا الْجَيْش من أعظم جيوش هَذِه الدولة السعيدة كَمَا تقف عَلَيْهِ وَكَانَ السَّبَب فِي جمعه مَا وجد مفصلا فِي كناش كَاتب الدولة الإسماعيلية ووزيرها الْأَعْظَم الْفَقِيه الأديب أبي الْعَبَّاس أَحْمد اليحمدي ﵀ قَالَ لما استولى السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل بن الشريف على مراكش ودخلها أول مرّة كَانَ يكْتب عسكره من الْقَبَائِل الْأَحْرَار حَسْبَمَا مر حَتَّى أَتَاهُ الْكَاتِب أَبُو حَفْص عمر بن قَاسم المراكشي الْمَدْعُو عليليش وبيتهم بَيت رياسة من قديم وَكَانَ وَالِده كَاتبا مَعَ الْمَنْصُور السَّعْدِيّ وَمَعَ أَوْلَاده من بعده فَتعلق أَبُو حَفْص هَذَا بِخِدْمَة السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل وأطلعه على دفتر فِيهِ أَسمَاء العبيد الَّذين كَانُوا فِي عَسْكَر الْمَنْصُور فَسَأَلَهُ السُّلْطَان ﵀ هَل بَقِي مِنْهُم أحد قَالَ نعم كثير مِنْهُم وَمن أَوْلَادهم وهم متفرقون بمراكش وأحوازها وبقبائل الدَّيْر وَلَو أَمرنِي مَوْلَانَا بِجَمْعِهِمْ لجمعتهم فولاه أَمرهم وَكتب لَهُ إِلَى قواد الْقَبَائِل يَأْمُرهُم بشد عضده وإعانته على مَا هُوَ بصدده فَأخذ عليليش يبْحَث عَنْهُم بمراكش وينقر عَن أنسابهم إِلَى أَن جمع من بهَا مِنْهُم ثمَّ خرج إِلَى الدَّيْر فَجمع من وجد بِهِ ثمَّ سَار إِلَى قبائل الْحَوْز فاستقصى من فِيهَا حَتَّى لم يتْرك بِتِلْكَ الْقَبَائِل كلهَا أسود سَوَاء كَانَ مَمْلُوكا أَو حرطانيا أَو حرا أسود واتسع الْخرق وعسر الرتق فَجمع فِي سنة وَاحِدَة ثَلَاثَة آلَاف
стр. 1222
رَأس مِنْهُم المتزوج والعزب ثمَّ كتبهمْ فِي دفتر وَبعث بِهِ إِلَى السُّلْطَان بمكناسة فتصفحه السُّلْطَان وَأَعْجَبهُ ذَلِك فَكتب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ بشرَاء الْإِمَاء للأعزاب مِنْهُم وَيدْفَع أَثمَان المماليك مِنْهُم إِلَى ملاكهم ويكسوهم من أعشار مراكش ويأتيه بهم إِلَى مكناسة فاجتهد عليليش فِي ذَلِك وَاشْترى من الْإِمَاء ماقدر عَلَيْهِ وَجمع من الحرطانيات عددا إِلَى أَن استوفى الْغَرَض وكساهم وألزم الْقَبَائِل بحملهم إِلَى الحضرة فحملوا من قَبيلَة إِلَى أُخْرَى إِلَى أَن وصلوا مكناسة فَأَعْطَاهُمْ السُّلْطَان السِّلَاح وَولى عَلَيْهِم قوادهم وَبعث إِلَيْهِم إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بالمحلة من مشرع الرملة من أَعمال سلا
ثمَّ بعث السُّلْطَان كَاتبه أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن العياشي المكناسي إِلَى قبائل الغرب وَبني حسن وَأمره بِجمع العبيد الَّذين بهَا فَمن لَا ملك لأحد عَلَيْهِ يَأْخُذهُ مجَّانا وَمن كَانَ مَمْلُوكا لأحد فليعط صَاحبه ثمنه ويحوزه مِنْهُ فَخرج ابْن العياشي وَطَاف فِي تِلْكَ الْقَبَائِل واستقصى كل أسود بهَا وَكَانَ السُّلْطَان قد كتب أَيْضا إِلَى عماله بالأمصار بِأَن يشتروا لَهُ العبيد وَالْإِمَاء من فاس ومكناسة وَغَيرهمَا من حواضر الْمغرب عشرَة مَثَاقِيل للْعَبد وَعشرَة مَثَاقِيل للْأمة فاستوعبوا مَا وجدوا حَتَّى لم يبْق عِنْد أحد عبد وَلَا أمة فَاجْتمع مِمَّا اشْتَرَاهُ الْعمَّال ثَلَاثَة آلَاف أُخْرَى فكساهم السُّلْطَان وسلحهم وَبعث بهم إِلَى الْمحلة بعد أَن عين لَهُم قوادهم ثمَّ أَن ابْن العياشي قدم بدفتر فِيهِ أَلفَانِ من العبيد فيهم المتزوج والعزب فَكتب السُّلْطَان إِلَى الْقَائِد أبي الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي صَاحب بِلَاد الهبط أَن يَشْتَرِي للأعزاب مِنْهُم الْإِمَاء ويكسوهم ويعطيهم السِّلَاح من تطاوين ويعين لَهُم قوادهم وَيبْعَث بهم إِلَى الْمحلة فَصَارَ الْمَجْمُوع ثَمَانِيَة آلَاف وَهَذَا الْعدَد هُوَ الَّذِي نزل أَولا بهَا
ثمَّ ألزم السُّلْطَان قبائل تامسنا ودكالة أَن يَأْتُوا بعبيد المخزن الَّذين عِنْدهم فَلم يسعهم إِلَّا الِامْتِثَال فَجمعُوا كل عبد فِي بِلَادهمْ وَزَادُوا بِالشِّرَاءِ من عِنْدهم وأعطوهم الْخَيل وَالسِّلَاح وكسوهم وبعثوا بهم إِلَيْهِ فَمن تامسنا
стр. 1223
أَلفَانِ وَمن دكالة أَلفَانِ فأنزلهم السُّلْطَان بِوَجْه عروس من أحواز مكناسة إِلَى أَن بنى قَصَبَة آدخسان فَأنْزل عبيد دكالة بهَا وَأنزل عبيد تامسنا بزاوية أهل الدلاء
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف فِيهَا غزا السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل صحراء السوس فَبلغ آقاوطاطا وتيشيت وشنكيط وتخوم السودَان فَقدمت عَلَيْهِ وُفُود الْعَرَب هُنَالك من أهل السَّاحِل والقبلة وَمن دليم وبربوش والمغافرة وودي ومطاع وجرار وَغَيرهم من قبائل معقل وأدوا طاعتهم وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَفْد الشَّيْخ بكار المغفري وَالِد الْحرَّة خناثى أم السُّلْطَان الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل فأهدى الشَّيْخ الْمَذْكُور إِلَى السُّلْطَان ابْنَته خناثى الْمَذْكُورَة وَكَانَت ذَات جمال وَفقه وأدب فَتَزَوجهَا السُّلْطَان ﵀ وَبنى بهَا وجلب فِي هَذِه الْغَزْوَة من تِلْكَ الأقاليم أَلفَيْنِ من الحراطين بأولادهم فكساهم بمراكش وسلحهم وَولى عَلَيْهِم وَبعث بهم إِلَى الْمحلة وقفل هُوَ إِلَى حَضرته من مكناسة فَكَانَ عدد مَا جمع من الْعَسْكَر البُخَارِيّ أَرْبَعَة عشر ألفا عشرَة آلَاف مِنْهَا بمشرع الرملة وَأَرْبَعَة آلَاف بآدخسان وَمَا والاها من بِلَاد البربر ثمَّ عفوا وتناسلوا وكثروا حَتَّى مَا مَاتَ الْمولى إِسْمَاعِيل إِلَّا وَقد بلغ عَددهمْ مائَة وَخمسين ألفا كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
وَاعْلَم أَنه قد وَقع فِي هَذِه الْأَخْبَار لفظ الحرطاني وَمَعْنَاهُ فِي عرف أهل الْمغرب الْعَتِيق وَأَصله الْحر الثَّانِي كَأَن الْحر الْأَصْلِيّ حر أول وَهَذَا الْعَتِيق حر ثَان ثمَّ كثر اسْتِعْمَاله على الْأَلْسِنَة فَقيل الحرطاني على ضرب من التَّخْفِيف
وَأما سَبَب تَسْمِيَة هَذَا الْجَيْش بعبيد البُخَارِيّ فَإِن الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ لما جمعهم وظفر بمراده بعصبيتهم وَاسْتغْنى بهم عَن الِانْتِصَار بالقبائل بَعضهم على بعض حمد الله تَعَالَى وَأثْنى عَلَيْهِ وَجمع أعيانهم وأحضر نُسْخَة من صَحِيح البُخَارِيّ وَقَالَ لَهُم أَنا وانتم عبيد لسنة رَسُول الله ﷺ وشرعه الْمَجْمُوع فِي هَذَا الْكتاب فَكل مَا أَمر بِهِ نفعله وكل
стр. 1224
مَا نهى عَنهُ نتركه وَعَلِيهِ نُقَاتِل فعاهدوه على ذَلِك وَأمر بالاحتفاظ بِتِلْكَ النُّسْخَة وَأمرهمْ أَن يحملوها حَال ركوبهم ويقدموها أَمَام حروبهم كتابوت بني إِسْرَائِيل وَمَا زَالَ الْأَمر على ذَلِك إِلَى هَذَا الْعَهْد فَلهَذَا قيل لَهُم عبيد البُخَارِيّ
قَالَ فِي الْبُسْتَان كَانَ مآل هَذَا الْعَسْكَر البُخَارِيّ مَعَ أَوْلَاد أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ مثل مآل التّرْك مَعَ أَوْلَاد المعتصم بن الرشيد العباسي فِي كَونهم استبدوا عَلَيْهِم وصاروا يولون ويعزلون وَيقْتلُونَ ويستحيون إِلَى ان تمّ أَمر الله فيهم وتلاشى جمعهم وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَاد شذر مذر وَمَا أحياهم إِلَّا السُّلْطَان المرحوم الْمولى مُحَمَّد بن عبد الله وَلما عفوا وكثروا خَرجُوا عَلَيْهِ بِابْنِهِ الْمولى يزِيد وفعلوا فعلتهم الَّتِي فَعَلُوهَا من قبل حَسْبَمَا تسمعه بعد إِن شَاءَ الله
غَزْو أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل بِلَاد الشرق وانعقاد الصُّلْح بَينه وَبَين دولة التّرْك أهل الجزائر
ثمَّ غزا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ بِلَاد الشرق فَترك تلمسان عَن يسَاره وأصحر فِي نَاحيَة الْقبْلَة فَقدمت عَلَيْهِ هُنَالك وُفُود الْعَرَب من ذَوي منيع ودخيسه وحميان والمهاية والعمور وَأَوْلَاد جرير وسقونه وَبني عَامر والحشم فَسَار بهم إِلَى أَن نزل القويعة على رَأس وَادي شلف الْمُسَمّى الْيَوْم بوادي صا وَكَانَ رائده إِلَيْهَا وَالدَّال لَهُ عَلَيْهَا هم بَنو عَامر بن زغبة فَخرج جَيش التّرْك مَعَ ثغر الجزائر بقضهم وقضيضهم ومدافعهم ومهاريسهم ونزلوا على وَادي شلف قبالة السُّلْطَان ﵀ وَلما كَانَ وَقت الْعشَاء أرعدوا مدافعهم ليدهشوا الْعَرَب الَّذين مَعَ السُّلْطَان فَكَانَ الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ لما انتصف الَّيْلِ انْسَلَّ بَنو عَامر من محلّة السُّلْطَان وأصبحت الأَرْض مِنْهُم بَلَاقِع وَلما أصبح بَقِيَّة الْعَرَب وَعَلمُوا بفرار بني عَامر انْهَزمُوا دون قتال وَلم يبْق مَعَ السُّلْطَان إِلَّا عسكره الَّذِي جَاءَ بِهِ من الْمغرب فَكَانَ ذَلِك سَبَب تَأَخره عَن حَرْب التّرْك وقفو لَهُ إِلَى حَضرته وكاتبه التّرْك فِي أَن يتخلى لَهُم
стр. 1225
عَن بِلَادهمْ وَيقف عِنْد حد أسلافه وَمن كَانَ قبلهم من مُلُوك الدولة السعدية فَإِنَّهُم مَا زاحموهم قطّ فِي بِلَادهمْ وبعثوا إِلَيْهِ بِكِتَاب أَخِيه الْمولى مُحَمَّد بن الشريف الَّذِي كَانَ بعث بِهِ إِلَيْهِم مَعَ رسلهم حَسْبَمَا تقدم وبكتاب أَخِيه الْمولى الرشيد الَّذِي فِيهِ الْحَد بَينه وَبينهمْ فَوَقع الصُّلْح على ذَلِك الْحَد الَّذِي هُوَ وَادي تافنا
وَلما قفل السُّلْطَان ﵀ وَمن فِي طَرِيقه بِمَدِينَة وَجدّة أَمر ببنائها وتجديد مَا تثلم مِنْهَا ثمَّ قفل إِلَى فاس ثمَّ مِنْهَا إِلَى الحضرة بمكناسة الزَّيْتُون وَكَانَ ذَلِك كُله سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف
خُرُوج الْإِخْوَة الثَّلَاثَة من أَوْلَاد الْمولى الشريف ابْن عَليّ بالصحراء وَمَا كَانَ من أَمرهم
وَفِي أَوَاخِر رَمَضَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَألف بلغ السُّلْطَان ﵀ وَهُوَ بمكناسة خُرُوج إخْوَته الثَّلَاثَة الْمولى الحران وَالْمولى هَاشم وَالْمولى أَحْمد بني الشريف بن عَليّ مَعَ ثَلَاثَة آخَرين من بني عمهم وَأَنَّهُمْ تدرجوا إِلَى آيت عَطاء من قبائل البربر فَنَهَضَ إِلَيْهِم السُّلْطَان ﵀ بالعساكر وسلك طَرِيق سجلماسة فَكَانَ اللِّقَاء بجبل ساغرو فِي عشْرين من ذِي الْحجَّة من السّنة فَالتقى جَيش السُّلْطَان وجيش الخارجين وجلهم آيت عَطاء فَاقْتَتلُوا وَكَانَ الظفر للسُّلْطَان بعد أَن هلك من جَيْشه ثمَّ من رَمَاه فاس بالخصوص نَحْو أَرْبَعمِائَة دون من عداهم وَهلك قَائِد الْعَسْكَر مُوسَى بن يُوسُف وَانْهَزَمَ الْإِخْوَة وأبعدوا المفر إِلَى الصَّحرَاء
وَكَانَ فِي تِلْكَ السّنة وباء عَظِيم قد انْتَشَر فِي بِلَاد الْمغرب فَرجع السُّلْطَان على طَرِيق الفايجة فَأَصَابَهُ ثلج عَظِيم بثنية الكلاوي من جبل درن أهلك النَّاس وأتلف مَتَاعهمْ وأخبيتهم وَمَا تخلصوا مِنْهُ إِلَّا بِمَشَقَّة فادحة
وَلما نزلت العساكر بزاوية الشَّيْخ أبي الْعَزْم سَيِّدي رحال الكوش مدوا
стр. 1226
أَيْديهم إِلَى أَمْوَال النَّاس وزروعهم بالنهب لما مسهم من ضَرَر الْجُوع فَشَكا النَّاس ذَلِك إِلَى السُّلْطَان فَأمر بقتل كل من وجد خَارج الْمحلة فَقتل فِي ذَلِك الْيَوْم من الْجَيْش نَحْو الثلاثمائة ثمَّ أَمر بجر الْوَزير أبي زيد عبد الرَّحْمَن المنزري لأمر نقمه عَلَيْهِ وَقتل أَصْحَابه بالرصاص فجر الْوَزير الْمَذْكُور إِلَى فاس ومكناسة وَلم يصل إِلَيْهِمَا إِلَّا بعض شلوه فَطرح على المزبلة وَوصل السُّلْطَان إِلَى مكناسة فاحتل بدار ملكه واقتعد أريكة عزه
ثمَّ دخلت سنة تسعين وَألف فَفِي الْمحرم مِنْهَا وَقع الوباء بفاس وأعمالها فَأمر السُّلْطَان العبيد أَن يردوا النَّاس عَن مكناسة فَكَانُوا يتعرضون لَهُم فِي الطرقات بِنَاحِيَة سبو وسايس يردونهم عَن مكناسة وكل من يَأْتِي من نَاحيَة الْقصر وفاس يقتلونه فَانْقَطَعت السبل وتعذرت الْمرَافِق
وَفِي أَوَاخِر الْمحرم من هَذِه السّنة أوقع جَيش الْمُسلمين بنصارى طنجة فَقتلُوا مِنْهُم نَحْو ثَلَاثمِائَة وَخمسين وانتزعوا مِنْهُم قَصَبَة بأَرْبعَة أبراج وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين نَحْو الْخمسين ﵏
نقل زُرَارَة والشبانات إِلَى وَجدّة وَبِنَاء القلاع بالتخوم وَمَا تخَلّل ذَلِك
وَفِي هَذِه السّنة الَّتِي هِيَ سنة تسعين وَألف أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ بِنَقْل عرب زُرَارَة والشبانات قوم كروم الْحَاج من الْحَوْز إِلَى وَجدّة لما كَانُوا عَلَيْهِ من الظُّلم وَالْفساد فِي تِلْكَ الْبِلَاد فأنزلهم بوجدة ثغر الْمغرب وكتبهم فِي الدِّيوَان وَولى عَلَيْهِم أَبَا الْبَقَاء العياشي بن الزويعر الزراري وَتقدم إِلَيْهِ فِي التَّضْيِيق على بني يزناسن إِذْ كَانُوا يَوْمئِذٍ منحرفين عَن الدولة ومتمسكين بدعوة التّرْك فَكَانَ زُرَارَة والشبانات يغيرون عَلَيْهِم ويمنعونهم من الْحَرْث ببسيط آنكاد وَأمر السُّلْطَان ﵀ أَن تبنى عَلَيْهِم قلعة من نَاحيَة السَّاحِل قرينَة وَجدّة بالموضع الْمَعْرُوف برفادة وَأمر الْقَائِد
стр. 1227
العياشي أَن ينزل بهَا خَمْسمِائَة فَارس من إخوانه يمنعونهم النُّزُول ببسيط تريفة والارتفاق بِهِ من حرث وَغَيره ثمَّ أَمر ﵀ أَن تبنى قلعة أُخْرَى بِطرف بِلَادهمْ بالعيون وَينزل بهَا الْقَائِد الْمَذْكُور خَمْسمِائَة أُخْرَى من إخوانه أَيْضا وَأمر أَن تبنى قلعة ثَالِثَة بِطرف بِلَادهمْ على ملوية وَينزل بهَا خَمْسمِائَة فَارس كَذَلِك وَجعل للقائد العياشي الْمَذْكُور النّظر فِي القلاع الثَّلَاث وَهُوَ بوجدة فِي ألف فَارس فَكَانُوا فِي الدفتر أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف فَفِي جُمَادَى الثَّانِيَة مِنْهَا خرج السُّلْطَان من الحضرة فِي الْجنُود قَاصِدا بني يزناسن الَّذين تَمَادَوْا على الْعِصْيَان فاقتحم عَلَيْهِم جبلهم واعتسف بروعهم وانتسف زُرُوعهمْ وضروعهم وَحرق قراهم وَقتل رِجَالهمْ وسبى ذَرَارِيهمْ فطلبوا الْأمان فأمن بَقِيَّتهمْ على أَن يدفعوا الْخَيل وَالسِّلَاح الَّتِي عِنْدهم فدفعوها من غير توقف وَقَامُوا بدعوته جبرا عَلَيْهِم ثمَّ نزل بسيط آنكاد وَحضر عِنْده قبائل الأحلاف وسقونه فأرجلهم من خيولهم وجردهم من سِلَاحهمْ وانتزعها مِنْهُم وألزم أَشْيَاخهم أَن يجمعوا لَهُ مَا بَقِي بحلتهم مِنْهَا فَفَعَلُوا ثمَّ فعل بالمهاية وحميان كَذَلِك وانكفأ رَاجعا إِلَى الْمغرب
وَلما نزل وَادي صا أَمر بِبِنَاء قلعة تاوريرت الَّتِي بناها السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب بن عبد الْحق المريني فجددها وَأنزل فِيهَا مائَة فَارس من عبيده بعيالهم وَأَوْلَادهمْ وَلما نزل بوادي مسون أَمر أَن تبنى بِهِ قلعة أُخْرَى بجوار الْقَدِيمَة وَأنزل فِيهَا مائَة فَارس من العبيد كَذَلِك ثمَّ أنزل بتازا أَلفَيْنِ وَخَمْسمِائة من خيل العبيد بعيالهم وَولى عَلَيْهِم مَنْصُور بن الرَّامِي وَجعل نظر القلاع الَّتِي بتازا ووادي صا للقائد مَنْصُور الْمَذْكُور وَعين لكل قَبيلَة من قبائل تِلْكَ الْبِلَاد قلعتها الَّتِي تدفع بهَا زكواتها وأعشارها لمؤنة العبيد وعلف خيولهم وهم حراس الطَّرِيق فَمن وَقع فِي أرضه شَيْء عُوقِبَ عَلَيْهِ قَائِد تِلْكَ القلعة وَلما وصل السُّلْطَان إِلَى الكور أَمر أَن تبنى بِهِ قلعة أَيْضا وَأنزل بهَا
стр. 1228
مائَة فَارس من عبيده بعيالهم
وَلما انْتهى إِلَى فاس أنزل بقصبة الْخَمِيس الَّتِي بنى سورها الْمولى الرشيد خَمْسمِائَة من الْخَيل بعيالهم من شراقة الْعَرَب والبربر الَّذين قدمُوا مَعَ الْمولى الرشيد ﵀ حَسْبَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ
ثمَّ أَمر ﵀ بِبِنَاء قلعة بالمهدومة وَأُخْرَى بالجديدة من أَعمال مكناسة وَأنزل بِكُل وَاحِدَة مائَة من خيل العبيد بعيالهم لحراسة الطرقات وَبِكُل قلعة فندق لمبيت القوافل وَأَبْنَاء السَّبِيل ثمَّ دخل السُّلْطَان ﵀ حَضرته مؤيدا منصورا وَذَلِكَ فِي خَامِس شعْبَان سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَألف
فتح المهدية ومحاربة ابْن مُحرز بالسوس وَمَا تخَلّل ذَلِك
قد تقدم لنا مَا كَانَ من اسْتِيلَاء جنس الإصبنيول على المعمورة الْمُسَمَّاة بالمهدية فِي حُدُود الْعشْرين بعد الْألف وَمَا كَانَ بَينهم وَبَين أبي عبد الله العياشي وَأهل سلا من الحروب واستمروا بهَا إِلَى أَن كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف فافتتحها جَيش السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀
قَالَ فِي النزهة وَمن محَاسِن الدولة الإسماعيلية تنقية الْمغرب من نَجَاسَة الْكفْر ورد كيد الْعَدو عَنهُ قَالَ وَقد فتح السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل عدَّة مدن من يَد النَّصَارَى كَانَت من مفاسد الْمغرب وَلم يهنأ للْمُسلمين مَعَهم قَرَار من ذَلِك المعمورة فَإِنَّهُ ﵀ قد افتتحها عنْوَة بعد أَن حاصرها مُدَّة وَكَانَ فتحهَا يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر ربيع الثَّانِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف وَأسر بهَا نَحْو الثلاثمائة من الْكفَّار اهـ وَقَالَ فِي نشر المثاني كَانَ فتح المهدية عنْوَة عِنْد صَلَاة الْجُمُعَة خَامِس عشر ربيع الثَّانِي من السّنة قيل بِقِتَال وَقيل بِدُونِ قتال وَإِنَّمَا أخذت بِقطع المَاء عَنْهَا وَجِيء بالنصارى الَّذين كَانُوا بهَا أُسَارَى وَلم يصب أحد من الْمُسلمين
وَقَالَ فِي الْبُسْتَان وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَألف ورد الْخَبَر على
стр. 1229
السُّلْطَان إِسْمَاعِيل بِأَن ابْن أَخِيه الْمولى أَحْمد بن مُحرز الَّذِي بالسوس قد استولى على بِلَاد آيت زَيْنَب وقويت شوكته فَأمر السُّلْطَان ﵀ بتفريق الرَّاتِب وتجهيز العساكر إِلَيْهِ من فاس وتوجهت فِي ثامن ربيع الأول من السّنة ثمَّ بلغه أَن الْعَسْكَر المحاصر للمهدية قد أشرف على فتحهَا وتوقفوا على حُضُوره فَنَهَضَ ﵀ إِلَيْهِم حَتَّى حضر الْفَتْح وَأخرج رَئِيس النَّصَارَى فَأَمنهُ وَأمن أَصْحَابه وَكَانُوا ثَلَاثمِائَة وَسِتَّة أنفس وَأما الْغَنِيمَة فقد أحرزها المجاهدون من أهل الفحص والريف الَّذين كَانُوا مرابطين عَلَيْهَا مَعَ الْقَائِد عمر بن حدو البطوئي وَرجع السُّلْطَان إِلَى مكناسة بعد أَن أنزل بالمهدية طَائِفَة من عبيد السوس لعمارتها وسد فرجتها وَحضر هَذَا الْفَتْح جمَاعَة من متطوعة أهل سلا مِنْهُم الْوَلِيّ الصَّالح أَبُو الْعَبَّاس سَيِّدي أَحْمد حجي من صلحائها الْمَشْهُورين بهَا وَاعْلَم أَن السُّور العادي الَّذِي الْيَوْم بالمهدية هُوَ من بِنَاء البرتغال أَيَّام استيلائهم عَلَيْهَا فِي دولة الوطاسيين كَمَا مر
وَلما فرغ المجاهدون من أَمر المهدية ارتحلوا مَعَ أَمِيرهمْ عمر بن حدو فَأَصَابَهُ الوباء فَمَاتَ فِي الطَّرِيق وَتَوَلَّى رئاسة الْمُجَاهدين أَخُوهُ الْقَائِد أَحْمد بن حدو تقسمها هُوَ والقائد أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله الريفي وَكَانَ أَوْلَاد الريفي هَؤُلَاءِ من الشُّهْرَة فِي الْجِهَاد والمكانة فِي الشجَاعَة ومكائد الْحَرْب بِمَنْزِلَة أَوْلَاد النقسيس وَأَوْلَاد أبي الليف وأضرابهم رحم الله الْجَمِيع
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَألف فِيهَا غزا السُّلْطَان بِلَاد الشرق فنهب بني عَامر وَرجع إِلَى مكناسة وَأمر بِإِخْرَاج أهل الذِّمَّة من الْمَدِينَة وَبنى لَهُم حارة خَارِجهَا بالموضع الْمَعْرُوف ببريمة وكلف أهل تافيلالت الَّذين بفاس بالرحيل إِلَى مكناسة وَالسُّكْنَى بحارة الْيَهُود الْقَدِيمَة الَّتِي أخليت فَلم يزل أهل تافيلالت يذهبون أَرْسَالًا ويسكنونها بالكراء حَتَّى ضَاقَتْ بهم
ثمَّ بلغه أَن التّرْك قد خَرجُوا بعسكرهم واستولوا على بني يزناسن وعَلى
стр. 1230
دَار ابْن مشعل وَأَنَّهُمْ قد مدوا يَد الْوِفَاق إِلَى ابْن مُحرز وراسلوه وراسلهم وانبرم كَلَامهم مَعَه على حَرْب السُّلْطَان وبلغه مثل ذَلِك من نَائِبه بمراكش فَكتب إِلَيْهِ أَن يحْتَاط فِي حراسة مراكش وَيَأْخُذ بالحزم فِي ذَلِك وَيُقِيم فِي نحر ابْن مُحرز إِلَى أَن يرجع السُّلْطَان من غَزْو تلمسان ثمَّ خرج ﵀ بالعساكر لمصادمة التّرْك فَوَجَدَهُمْ قد رجعُوا إِلَى بِلَادهمْ لما بَلغهُمْ من خُرُوج النَّصَارَى بشرشال فَسَارُوا إِلَيْهِم وفتكوا فيهم فتكة بكرا وردوهم على أَعْقَابهم صاغرين وَرجع السُّلْطَان ﵀ من وجهته وَقد دخلت سنة أَربع وَتِسْعين وَألف فَسَار على تفئته إِلَى مراكش فأراح بهَا ثمَّ نَهَضَ مِنْهَا إِلَى السوس فَالتقى بِابْن أَخِيه الْمولى أَحْمد بن مُحرز فِي أَوَاخِر ربيع الثَّانِي من السّنة وَقَامَت الْحَرْب بَينهمَا على سَاق وَاسْتمرّ الْقِتَال نَحوا من خَمْسَة وَعشْرين يَوْمًا هلك فِيهَا من الْفَرِيقَيْنِ مَا لَا يُحْصى وَدخل ابْن مُحرز تارودانت فتحصن بهَا وَكَانَ الْوَقْت وَقت غلاء فَضَاقَ الْأَمر على أهل الْحَرَكَة فَجعلُوا يهربون وَكثر فيهم السجْن وَالضَّرْب وَالرَّدّ إِلَيْهَا فِي الْحِين ثمَّ كَانَ بَينهمَا حَرْب أُخْرَى هلك فِيهَا خلق كثير نَحْو أَلفَيْنِ وجرح السُّلْطَان وجرح ابْن مُحرز أَيْضا وَذَلِكَ فِي أواسط جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى رَمَضَان من السّنة
قَالَ أَبُو عبد الله أكنسوس حَدثنِي بعض الثِّقَات أَن السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ لما أعياه أَمر ابْن أَخِيه الْمَذْكُور أصبح ذَات يَوْم دهشا كئيبا فَقَالَ لوزيره الْفَقِيه أبي الْعَبَّاس اليحمدي إِنِّي رَأَيْت فِي هَذِه اللَّيْلَة رُؤْيا أحزنتني إِلَى الْغَايَة فَقَالَ وَمَا هِيَ يَا مَوْلَانَا وَعَسَى أَن تكون خيرا قَالَ رَأَيْت كَأَن هَذِه الْجنُود الَّتِي مَعنا مَا بَقِي مِنْهَا أحد وَلم يبْق إِلَّا أَنا وَأَنت مختفيين فِي غَار مظلم فَسجدَ الْوَزير اليحمدي شكرا لله تَعَالَى وَأطَال السُّجُود ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ أبشر يَا مَوْلَانَا فقد نصرنَا الله على هَذَا الرجل فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان وَمن أَيْن لَك ذَلِك فَقَالَ لَهُ من قَوْله تَعَالَى ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ التَّوْبَة ٤٠
следующие страницы →