Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
أطلق يَد الْجَيْش على الأمراس فانتشلوا مَا فِيهَا من قَمح وشعير فَأتوا عَلَيْهِ ثمَّ تتبع حَاشِيَة الريفي من عُمَّال وَكتاب وَغَيرهم مِمَّن كَانَ لَهُ بِهِ اتِّصَال فاستصفى مَا عِنْدهم من المَال والذخيرة إِلَى أَن استوفى غَرَضه
وَكَانَ هَذَا الريفي قد رسخ مجده بطنجة وأعمالها وعظمت ثروته لامتداد الدولة لَهُ ولأبيه بهَا مُنْذُ الْفَتْح فَكَانَ ظفر السُّلْطَان الْمولى عبد الله بخزائنه من بَاب الظفر بالكنوز القارونية وقدمت عَلَيْهِ فِي أثْنَاء ذَلِك وُفُود الْقَبَائِل الَّتِي هُنَالك فَعَفَا عَنْهُم وأمنهم وَأقَام ﵀ بطنجة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وانقلب رَاجعا إِلَى فاس مؤيدا منصورا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
اعْتِرَاض الْمولى المستضيء للسُّلْطَان الْمولى عبد الله وعود الكرة عَلَيْهِ ومقتل بني حسن
لما انهزم الْمولى المستضيء من مكناسة بعد إِيقَاعه بِأَهْلِهَا خرج إِلَى حلَّة بني حسن وَأقَام بَين أظهرهم فاتصل بِهِ خبر مقتل ناصره ووزيره على أمره أَحْمد الريفي ففت ذَلِك فِي عضده وهد أَرْكَانه ثمَّ لما بلغه فتح طنجة واستيلاء السُّلْطَان عَلَيْهَا اسْتَأْنف جده وأرهف حَده وَأخذ فِي تحريض العبيد وَبني حسن على تَجْدِيد الْبَعْث والنهوض لاعتراض أَخِيه السُّلْطَان الْمولى عبد الله مرجعه من طنجة فَخرج كَبِير بني حسن يَوْمئِذٍ وَهُوَ قَاسم أَبُو عريف يطوف فِي أحيائها ويستنفر جموعها وَخرج الْمولى المستضيء فِي لمة من وُجُوه العبيد إِلَى مشرع الرملة فَجهز بهَا عشرَة آلَاف فَارس من عبيده ووافاه قَاسم أَبُو عريف بِمِثْلِهَا من بني حسن فَكَانَ مَجْمُوع الجيشين عشْرين ألفا سوى من انضاف إِلَيْهِم ثمَّ سَارُوا لاعتراض السُّلْطَان وَلَا علم لَهُ بهم
وَقدم الْمولى المستضيء أَمَامه الطَّلَائِع والعيون فعادوا إِلَيْهِ بِخَبَر السُّلْطَان وَأَنه بائت تِلْكَ اللَّيْلَة بدار الْعَبَّاس فصبحه الْمولى المستضيء فِي جموعه على حِين غَفلَة مِنْهُ فَلم يرع السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَّا نواصي الْخَيل مقبلة
стр. 1332
إِلَيْهِ فعبأ جَيْشه على عجل وَأقَام الرُّمَاة حوالي الْمحلة ثمَّ صَمد إِلَيْهِم فِي الْخَيل وأنشب الْقِتَال فَلم تكن إِلَّا سَاعَة حَتَّى انهزم بَنو حسن وولوا الأدبار وَكَانُوا ميمنة الْجَيْش وَثَبت الْمولى المستضيء وَالْعَبِيد فِي الميسرة فصمد إِلَيْهِ السُّلْطَان وَصدقه الْقِتَال فَهبت ريح النَّصْر وتمت الْهَزِيمَة على الْمولى المستضيء وعبيده ومروا على وُجُوههم لَا يلوون على شَيْء فَجرد السُّلْطَان مَعَ الْقَائِد أبي عزة صَاحب الشربيل كَتِيبَة من الْخَيل فِي أَثَرهم وَتقدم إِلَيْهِم أَن لَا يقتلُوا أحدا من العبيد وَإِنَّمَا يجردونهم لَا غير فَلم يقتل أحدا من العبيد فِي هَذِه الْوَقْعَة واستحر الْقَتْل فِي بني حسن فَهَلَك مِنْهُم مَا ينيف على الْألف وانتهب مِنْهُم أَكثر من خَمْسَة آلَاف فرس وَمن السِّلَاح مثل ذَلِك وَهَذِه الْوَقْعَة هِيَ الَّتِي خضدت شَوْكَة بني حسن وفلت من غربهم ونجى الْمولى المستضيء فِي فَلهم وَأقَام بحلتهم ينْتَظر أَن تدول لَهُ دولة لأَنهم كَانُوا شيعته كَأَهل دكالة وَأهل مراكش وَكَانَ أَخُوهُ الْمولى النَّاصِر خَلِيفَته على مراكش كَمَا مر
وقفل السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى فاس الْجَدِيد فاحتل بهَا وَفرق المَال على أَخْوَاله وعبيده وأسهم لأهل فاس وَأقَام بدار الدبيبغ إِلَى أَن دخلت سنة سبع وَخمسين وَمِائَة وَألف فَقدم عَلَيْهِ فِي شهر ربيع الثَّانِي مِنْهَا جمَاعَة من قواد العبيد تَائِبين خاضعين متنصلين مِمَّا فرط مِنْهُم فعاتبهم وَقَالَ لَهُم لَا كَلَام الْيَوْم بيني وَبَيْنكُم حَتَّى أقطع دابر بني حسن وَمن مَعَهم من شيعَة المستضيء ثمَّ عَفا عَنْهُم وَأَعْطَاهُمْ الرَّاتِب وَأمرهمْ بالقدوم عَلَيْهِ إِلَى مكناسة بِقصد غَزْو بني حسن فعادوا إِلَى مشرع الرملة عازمين على ذَلِك وَأخذ هُوَ فِي الاستعداد أَيْضا ونهض من فاس فِي جَيش العبيد والودايا وَأهل فاس والحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع وعرب الغرب وَلما انْتهى إِلَى مكناسة وافاه بهَا عبيد مشرع الرملة فِي وُجُوههم وَأهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم فجددوا التَّوْبَة واستأنفوا الْبيعَة بِمحضر الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء وأعطوا صَفْقَة الطَّاعَة من عِنْد آخِرهم وَالله غَالب على أمره
стр. 1333
نهوض السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى بِلَاد الْحَوْز وتدويخه إِيَّاهَا وإجفال الْمولى المستضيء عَنْهَا
كَانَ الْمولى المستضيء فِي هَذِه الْمدَّة مُقيما عِنْد بني حسن كَمَا قُلْنَا وَلما بَايع العبيد السُّلْطَان الْمولى عبد الله وَاجْتمعت كلمتهم عَلَيْهِ خرج فِي طلبه وَطلب شيعته من بني حسن فسلك طَرِيق الْفَج ليحول بَين بني حسن والشعاب فصبحهم بسيط زبيدة وهم غَارونَ وَالْمولى المستضيء بَين أظهرهم فَلم يرعهم إِلَّا الْخَيل تجوس خلال بُيُوتهم وتسوق أنعامهم وشاءهم وتنتهب أثاثهم ومتاعهم فَانْفَضُّوا فِي كل وَجه وَتَفَرَّقُوا شذر مذر وأفلت الْمولى المستضيء ﵀ بجريعة الذقن وتوزعت العساكر السَّبي
وَجَاء بَنو حسن يهرعون إِلَى السُّلْطَان طَالِبين عَفوه فَأمر بالكف عَنْهُم ورد عَلَيْهِم سَبْيهمْ وَترك لَهُم خيلهم وَمضى إِلَى قبائل دكالة إِذْ اتَّصل بِهِ أَن الْمولى المستضيء قد فر إِلَيْهَا فَلَمَّا نزل قَصَبَة أبي الأعوان وَنزلت عساكره أَمَامه بذلك الْبَسِيط من دكالة فر أَهلهَا مَعَ الْمولى المستضيء إِلَى التلول ونزلوا قرب دمنات وشرعت عَسَاكِر السُّلْطَان فِي انتشال الْحُبُوب من الأمراس واستخراج الدفائن من الهميل وتخريب الْقرى وتقطيع الْأَشْجَار وَكلما فرغت من نَاحيَة انْتَقَلت إِلَى غَيرهَا متقلبة فِي ذَلِك الْبَسِيط نَحْو السّنة وَالسُّلْطَان مُقيم بالقصبة إِلَى أَن اكتسح أَرض دكالة وَتركهَا أنقى من الرَّاحَة لَيْسَ بهَا مَا يَأْكُلهُ الطَّائِر أَو يتظلل الحائر ثمَّ انْتقل إِلَى بِلَاد السراغنة وَلما توسطها قدمت عَلَيْهِ وفودها ووفود سَائِر قبائل تِلْكَ الْجبَال بمؤناتهم وهداياهم فقبلهم وَعَفا عَنْهُم ثمَّ انْتقل إِلَى نَاحيَة دمنات ففر أهل دكالة وَالْمولى المستضيء أَمَامه إِلَى جبال مسفيوة فَتَحَصَّنُوا بهَا وَكَانَت مسفيوة قد
стр. 1334
بايعته وَدخلت فِي دَعوته فَتقدم السُّلْطَان الْمولى عبد الله حَتَّى نزل بوادي الزات فَقدمت عَلَيْهِ هُنَالك عرب الرحامنة وزمران وَسَائِر أهل الْحَوْز وَكَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِطَاعَتِهِ فنزلوا مَعَه بالوادي الْمَذْكُور وعاثت العساكر فِي بِلَاد مسفيوة وأوسعوها نهبا وتخريبا وَالْحَرب فِي ذَلِك كُله قَائِمَة مَعَ الْمولى المستضيء على سَاق إِلَى أَن صَار وَادي الزات أخرب من جَوف حمَار ثمَّ انْتقل السُّلْطَان إِلَى وَادي كجي فعاثت فِيهِ العساكر على عَادَتهَا وَعجز أهل الدفاع فهدمت حصونهم وَحرقت قراهم وَقطعت أَشْجَارهم وَصَارَ وَادي كجي أوحش من وَادي الزات فطلبوا الْأمان وأعلنوا بِالطَّاعَةِ وجاؤوا مستشفعين بصبيانهم فَقَالَ لَهُم السُّلْطَان على شَرط أَن تَأْتُوا بالمستضيء فَقَالُوا إِنَّه قد فر بالْأَمْس وَلَو كَانَ عندنَا لأتيناك بِهِ فقبلهم وَعَفا عَنْهُم ثمَّ جَاءَ أهل دكالة بنسائهم وذراريهم وَقَالُوا هَذِه نساؤنا وَأَوْلَادنَا لَك وَأما المَال فقد ذهب وَمَا عندنَا مَا نقتاته فافعل بِنَا مَا بدا لَك فَعَفَا عَنْهُم وَأذن لَهُم فِي الرُّجُوع إِلَى بِلَادهمْ وَكَانَ ذَلِك أَوَاخِر سنة سبع وَخمسين وَمِائَة وَألف
وَلما دخلت سنة ثَمَان وَخمسين بعْدهَا ارتحل عَن بِلَاد مسفيوة وَنزل بقصبة آلصم بإشمام الصَّاد زايا وَبهَا قدم عَلَيْهِ وَفد من مراكش كَمَا يَأْتِي
وَأما الْمولى المستضيء فَإِنَّهُ لما فر من مسفيوة قدم مراكش وحاول الدُّخُول إِلَيْهَا فصده أَهلهَا عَنْهَا ورفضوا دَعوته وأعلنوا بنصر السُّلْطَان الْمولى عبد الله بمرأى مِنْهُ ومسمع فَلم يبْق لَهُ حِينَئِذٍ بمراكش مطمع وَكَانَ أَخُوهُ الْمولى النَّاصِر قد مَاتَ يَوْمئِذٍ فأخرجوا إِلَيْهِ أثاثه فتسلمه مِنْهُم وكر رَاجعا إِلَى بِلَاد الفحص فَلم يزل تلفظه أَرض إِلَى أَرض إِلَى أَن احتل بطنجة قانعا من الْغَيْبَة بسلامة المهجة وَسَيَأْتِي تَمام خَبره بعد إِن شَاءَ الله
стр. 1335
وفادة أهل مراكش على السُّلْطَان الْمولى عبد الله بآلصم واستخلافه وَلَده سَيِّدي مُحَمَّدًا عَلَيْهِم
لما طرد أهل مراكش الْمولى المستضيء عَن بِلَادهمْ تَآمَرُوا فِيمَا بَينهم وَأَجْمعُوا الدُّخُول فِي طَاعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الله وعينوا جمَاعَة من وُجُوههم وأوفدوها عَلَيْهِ وَهُوَ بقصبة آلصم فَانْتَهوا إِلَيْهِ وَقدمُوا بيعتهم وَأَخْبرُوهُ بِمَا كَانَ من الْمولى المستضيء وَمَا عاملوه بِهِ من الصد والإبعاد فقبلهم وَعَفا عَنْهُم بعد العتاب ثمَّ طلبُوا مِنْهُ هم وقبائل الْحَوْز أجمع أَن يطَأ بِلَادهمْ وَيدخل مصرهم فَوَعَدَهُمْ بذلك وَلم يبرح من مَكَانَهُ إِلَى أَن وفدت عَلَيْهِ قبائل الدَّيْر كُله فَلَمَّا تفقد الْجَيْش الَّذِي خرج بِهِ من مكناسة وجد أَكْثَره قد فر وَلم يبْق مَعَه من الْعَسْكَر المخزني إِلَّا النّصْف وَأما الْقَبَائِل فَلم يبْق مَعَهم مِنْهُ إِلَّا أعيانهم فِي الأخبية لطول الْغَيْبَة وَكَثْرَة الحروب وَقلة الزَّاد فَلم يُمكنهُ التَّقَدُّم إِلَى مراكش على تِلْكَ الْحَال وَإِنَّمَا تألفهم بِأَن دفع لَهُم وَلَده الْمولى مُحَمَّدًا ﵀ وَقَالَ لَهُم إِنِّي استخلفته عَلَيْكُم فرضوا بِهِ وقرت أَعينهم فَكَانَ ذَلِك أول مَا انغرست شَجَرَة الدولة العلوية بمراكش حَتَّى صَارَت حضرتها وَدَار ملكهَا بعد أَن كَانُوا لَا يَبْغُونَ بمكناسة بَدَلا
ثمَّ بعث السُّلْطَان وَلَده الْمولى أَحْمد وَكَانَ أسن من الْمولى مُحَمَّد خَليفَة عَنهُ برباط الْفَتْح وأضاف إِلَيْهِ قبائل الشاوية وَبني حسن ثمَّ أذن السُّلْطَان لعامل فاس عبد الْخَالِق عديل فِي الرُّجُوع إِلَى فاس فَمَرض بِالطَّرِيقِ وَمَات بعد أَن دخل فاسا وَدفن بزاوية سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي
ثمَّ رَجَعَ السُّلْطَان إِلَى مكناسة على طَرِيق تادلا بعد أَن أَقَامَ بِبِلَاد الْحَوْز سنة كَامِلَة فَقَدمهَا فِي شهر ربيع الثَّانِي سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة وَألف وَلما شَارف مكناسة لم يدخلهَا وَنزل بقصبة أبي فكران فَقدم عَلَيْهِ بهَا جمَاعَة من الْمُجَاهدين أهل الرِّيف من طنجة فَوق الْمِائَة وَمَعَهُمْ زَوْجَة الباشا أَحْمد الريفي وولداها مِنْهُ فَقدمت هَدِيَّة عَظِيمَة فَقبض السُّلْطَان الْهَدِيَّة وَقتل الْوَلَدَيْنِ وَمن
стр. 1336
مَعهَا من أهل الرِّيف ثمَّ قتل مَعَهم ثَلَاثمِائَة من بني حسن كَانُوا قدمُوا عَلَيْهِ للتهنئة فَكَانَ ذَلِك سَبَب نفرة النَّاس عَنهُ فَسَاءَتْ عَنهُ الأحدوثة وَكَثُرت القالة من الْجَيْش والرعايا حَتَّى فِي الْأَسْوَاق وانقبض النَّاس عَنهُ حَتَّى أهل فاس فضلا عَن غَيرهم
مكر السُّلْطَان الْمولى عبد الله بأعيان البربر وإخفار ذمَّة مُحَمَّد واعزيز فيهم ثمَّ إِطْلَاقهم بعد ذَلِك
لما صدر من السُّلْطَان الْمولى عبد الله مَا صدر من قتل أهل الرِّيف وَبني حسن وانقباض النَّاس عَنهُ انقبض فِي جُمْلَتهمْ البربر فَلم يَأْته مِنْهُم أحد وَكَانُوا قد حرثوا بأحواز مكناسة فَلَمَّا أدْرك زرعهم أَمر السُّلْطَان العبيد بانتهابه فعمدوا إِلَيْهِ وحصدوه ودرسوه وأكلوه فازدادت نِيَّة البربر فِيهِ فَسَادًا
وَلما رأى انقباضهم عَنهُ كَاتب كَبِيرهمْ مُحَمَّدًا واعزيز وَكَانَت بَينهمَا خلة ومصافاة حَتَّى كَانَ يَقُول لَهُ أَنْت أبي إِذْ كَانَ مُحَمَّد واعزيز هَذَا هُوَ الَّذِي حشد لَهُ جموع البربر وشايعه على عدوه أَحْمد الريفي حَتَّى قَتله فَكتب إِلَيْهِ يلومه على انقباضه عَنهُ وتخلف قبيله عَن الْحُضُور بِبَابِهِ مَعَ أَنهم شيعته ومواليه فَلَمَّا ورد عَلَيْهِ كتاب السُّلْطَان لم يَسعهُ التَّخَلُّف عَن إجَابَته وَاسْتَشَارَ فِي ذَلِك قومه فَلم يوافقوه فراجعهم فَقَالُوا أَلا ترى إِلَى مَا وَقع بِمن وَفد عَلَيْهِ من غَيرنَا فَقَالَ لَا ترَوْنَ إِلَّا الْخَيْر وَلم يزل بهم حَتَّى غلبهم على رَأْيهمْ وَتَفَرَّقُوا عَنهُ لجمع الْهَدِيَّة وَتَعْيِين الْوَفْد فَجمعُوا من ذَلِك مَا قدرُوا عَلَيْهِ ثمَّ أَتَوْهُ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ القَوْل وَحَذرُوهُ الْغدر فَقَالَ هَذَا لَا يكون ولستم مثل أُولَئِكَ فَمَا وسعهم إِلَّا إجَابَته وَأَقْبلُوا مَعَه حَتَّى انْتَهوا إِلَى قَصَبَة أبي فكران حَيْثُ هُوَ السُّلْطَان فَاجْتمعُوا بالحاجب أبي مُحَمَّد عبد الْوَهَّاب اليموري فَلَمَّا رَآهُمْ بهت وتحركت مِنْهُ الرَّحِم البربرية لكنه لم
стр. 1337
يُمكنهُ ردهم بعد بلوغهم إِلَى ذَلِك الْمحل وَكَانُوا نَحْو الْمِائَة كلهم أَعْيَان فترجلوا عَن خيولهم وَوَضَعُوا أسلحتهم ثمَّ دخلُوا على السُّلْطَان الْمولى عبد الله فوجدوه جَالِسا على كرسيه بوسط القلعة فأدوا وَاجِب التَّحِيَّة فأجابهم وَأمرهمْ بِالْجُلُوسِ فجلسوا بَين يَدَيْهِ ثمَّ دخل الحرس والزبانية فوقفوا على رؤوسهم وَأَحَاطُوا بهم وَأخذ السُّلْطَان فِي معاتبتهم على مَا يرتكبونه فِي الطرقات والغارات على الْمُسْتَضْعَفِينَ من الْأَعْرَاب وَغَيرهم وانتهاب بضائع التُّجَّار وَمَا كَانُوا يعاملون بِهِ عَسَاكِر الْمُلُوك من النهب وَالسَّلب وَعدد عَلَيْهِم الحسائف الْقَدِيمَة وَالْأَفْعَال الذميمة ثمَّ أَمر الحرس بِالْقَبْضِ عَلَيْهِم فانقضوا عَلَيْهِم انقضاض العقبان وَلم يكن بأسرع من أَن ألقوا بَين يَدَيْهِ مُقرنين فِي الحبال وَلم يقبض على مُحَمَّد واعزيز من بَينهم فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا أغدرا بعد أَمَان وَلست من أَهله فَقَالَ لَهُ إِن هَؤُلَاءِ الْقَوْم قد حادوا عَن الدّين وَحل مَالهم ودمهم لخروجهم عَن الطَّاعَة وشقهم عَصا الْجَمَاعَة وَقد أعياني أَمرهم وَمَا عدت إِلَى هَذَا الْأَمر بعد خروجي مِنْهُ إِلَّا من أَجلهم أردْت أَن أقابل هَذَا التيس الْأسود يَعْنِي العبيد بِهَذَا الْكَبْش الْأَبْيَض يَعْنِي البربر وأستريح من غُصَّة من هلك مِنْهَا وأتمسك بِالْآخرِ وَلَوْلَا أَنَّك بِمَنْزِلَة وَالِدي مَا أطلعتك على مَا فِي ضميري فَقُمْ فِي حفظ الله وَلَا بَأْس عَلَيْك فَقَالَ مُحَمَّد واعزيز وَالله لَا أقوم وَلَا أكون إِلَّا مَعَ إخْوَانِي حَيْثُمَا كَانُوا فَإِن هَلَكُوا هَلَكت مَعَهم وَيكون لَك غدرك وَإِن سلمُوا سلمت مَعَهم وَلَا يتحدث النَّاس أَنِّي سقتهم إِلَى الذّبْح وَرجعت أَنا سالما فَبِأَي وَجه أَسِير إِلَى أَوْلَادهم وَأي أَرض تحميني من عشيرتهم وَإِلَى أَيْن أقصد فَإِن كَانَ لَا بُد من الْقَتْل فقتلك لي مَعَهم أجمل بِي وَلَا إِثْم عَلَيْك فِي ذَلِك وَلَا عَار لِأَنِّي أَنا الَّذِي سقتهم إِلَيْك وأرحتهم عَلَيْك بعد أَن عرضوا عَليّ هَذَا كُله فَلم أقبل مِنْهُم فَلَمَّا سمع السُّلْطَان هَذَا الْكَلَام العالي وتمكنت مِنْهُ صولته الحقة جعل يتدبره ثمَّ الْتفت إِلَى الْحَاجِب عبد
стр. 1338
الْوَهَّاب وَقَالَ يَا عبد الْوَهَّاب لَا خير فِي الرجل يَقُول للرجل أَبَة ثمَّ لَا يشفعه فِي جمَاعَة من قَبيلَة خلوا عَنْهُم فسرحوهم وَخَرجُوا كَأَنَّمَا نشرُوا من الْقُبُور فَرَكبُوا خيلهم وَسَارُوا إِلَى حلتهم ولسان حَالهم ينشد مَا قَالَه الْأَعرَابِي الَّذِي بَال بواسط فَضَربهُ الْحجَّاج وسجنه ثمَّ أطلقهُ
(إِذا نَحن جاوزنا مَدِينَة وَاسِط ... خرئنا وبلنا لَا نَخَاف عقَابا)
زحف البربر إِلَى السُّلْطَان الْمولى عبد الله بِأبي فكران وفراره إِلَى مكناسة
لما خلص جمَاعَة البربر إِلَى حلتهم أَقبلُوا على مُحَمَّد واعزيز وعاتبوه على مَا حملهمْ عَلَيْهِ من الْوِفَادَة على السُّلْطَان والقرب مِنْهُ حَتَّى جرى عَلَيْهِم مَا جرى مَعَ أَنهم كَانُوا فِي غنى عَن ذَلِك كُله وَقَالُوا لَهُ نَحن متْنا وبعثنا وَلَا بُد لنا من الْأَخْذ بالثأر فَقَالَ شَأْنكُمْ وَمَا تُرِيدُونَ فخلصوا نجيا وتفاوضوا فِي شَأْنهمْ إِلَى أَن أجمع رَأْيهمْ على غَزْو السُّلْطَان لمضي ثَلَاث وَمن تخلف عَنْهَا أحرقت خيمته فَقَالَ لَهُم مُحَمَّد واعزيز إيَّاكُمْ والطرقات ثمَّ افعلوا مَا بدا لكم فَتَفَرَّقُوا لحللهم واستعدوا للحرب وَأَقْبلُوا فِي الْيَوْم الرَّابِع يجرونَ الشوك والمدر فَلم يرع السُّلْطَان وَهُوَ بِأبي فكران إِلَّا الرَّايَات قد أطلت عَلَيْهِ من الْحَاجِب وَالْخَيْل تسيل بهَا الأودية والشعاب فَلم يَسعهُ إِلَّا أَن حمل أثقاله وأركب عِيَاله وجعلهم أَمَامه مَعَ رحى من رُمَاة المسخرين وأردفهم رحى أُخْرَى من الْخَيل ثمَّ تلاهم هُوَ فِي موكبه وردفته رحى ثَالِثَة من خيل العبيد جَاءَت من خَلفه وَانْحَدَرَ فِي بطن الْوَادي وتفرق الْجند عَن يَمِين الْوَادي ويساره وَسَار السُّلْطَان على هَذِه التعبية وَكلما دفعت خيل البربر على المسخرين من الْجند أطْلقُوا عَلَيْهِم شؤبوبا من الرصاص فَيسْقط مِنْهُم الْأَرْبَعُونَ وَالْخَمْسُونَ وَإِذا دفعت خيلهم على رحى الْخَيل فَكَذَلِك وعَلى موكب السُّلْطَان فَكَذَلِك وَهَكَذَا إِلَى أَن دخل بَاب القزدير فاحتل بمكناسة
стр. 1339
وَهلك من العبيد فِي هَذِه الْوَقْعَة نَحْو الثلاثمائة وَمن البربر على مَا قيل نَحْو الْخَمْسمِائَةِ وجمعوا قتلاهم فكفنوهم فِي أخبية العبيد إِذْ كَانَت بِأَيْدِيهِم وَلم يرجِعوا بسوى ذَلِك وَكَانَت هَذِه الْوَقْعَة أواسط سنة تسع وَخمسين وَمِائَة وَألف
وَاعْلَم أَنه قد وَقع هُنَا لفظ الرَّحَى وَلَفظ المسخرين وَغير ذَلِك وَهِي ألقاب لطوائف من جَيش هَذِه الدولة السعيدة فَلَا بُد من بَيَان الِاصْطِلَاح فِي ذَلِك تتميما للفائدة فَنَقُول إِن الْجَيْش السلطاني الْيَوْم بِهَذِهِ الدولة الشَّرِيفَة يَنْقَسِم أَولا إِلَى ثَلَاثَة أَقسَام أَصْحَاب ومسخرين وجيش فَأَما الْأَصْحَاب فهم طَائِفَة من الْجند تلازم السُّلْطَان حضرا وسفرا لَا يفارقونه بِحَال وهم أَرْبَاب الْوَظَائِف المخزنية مِنْهُم الْكتاب الَّذين هم إِلَى نظر الْوَزير الْأَعْظَم وَمِنْهُم أَرْبَاب الْفراش وَمِنْهُم القهارمة القائمون على طَعَام السُّلْطَان وَشَرَابه وَمِنْهُم أَرْبَاب الْوضُوء وَغير هَؤُلَاءِ مِمَّن يطول ذكرهم وكل طَائِفَة برئيسها وَأما المسخرون فهم ملازمون للسُّلْطَان حضرا وسفرا أَيْضا وشأنهم أَن يَكُونُوا فُرْسَانًا فِي الْغَالِب وَقد يكون فيهم الرُّمَاة وهم أهل الشَّوْكَة والغناء وهم الموجهون فِي الْمُهِمَّات لِأَن عَلَيْهِم الْمدَار فِي الْأُمُور المخزنية كَمَا يَقْتَضِيهِ تسميتهم بالمسخرين وَإِذا ركب السُّلْطَان فِي سفر أَو نَحوه انقسموا قسمَيْنِ فالعبيد مِنْهُم يكونُونَ خَلفه لأَنهم الموَالِي والودايا وشراقة يكونُونَ أَمَامه وَأما الْجَيْش فَهُوَ أصل الْجَمِيع كَمَا يَقْتَضِيهِ لَفظه وَمِنْه تنتخب الطوائف السَّابِقَة وَهُوَ عَسْكَر السُّلْطَان الَّذِي يحويه ديوانه إِلَّا أَن معظمه يكون مُتَفَرقًا فِي حلله وبلاده إِلَّا إِذا أَرَادَ السُّلْطَان غزوا فيوجه على مَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهُ أما الْجَمِيع أَو الْبَعْض وَيكون ذَلِك مناوبة على مَا هُوَ مَعْرُوف عِنْدهم وَأما الرَّحَى فَهِيَ عبارَة عَن ألف من الْجَيْش خيلا أَو رُمَاة وَرُبمَا زَادَت أَو نقصت بِحَسب مَا يتَّفق وَالله أعلم
стр. 1340
شغب العبيد على السُّلْطَان الْمولى عبد الله وانتقاله إِلَى فاس وانتقال عبيد الدِّيوَان من مَشْرُوع الرملة إِلَى مكناسة
لما وصل العبيد الَّذين كَانُوا مَعَ السُّلْطَان الْمولى عبد الله بِأبي فكران إِلَى مكناسة واجتمعوا بإخوانهم الَّذين كَانُوا هُنَالك تكلمُوا بِمَا فِي أنفسهم على السُّلْطَان من الغيظ ونفثوا بِمَا فِي صُدُورهمْ عَلَيْهِ من الإحنة وَقَالُوا إِنَّه قد قَالَ لمُحَمد واعزيز أردْت أَن أصدم هَذَا التيس الْأسود بِهَذَا الْكَبْش الْأَبْيَض ودارت بَينهم هَذِه الْكَلِمَة وَأخذت مِنْهُم كل مَأْخَذ وَقَالُوا لم يبْق لنا شكّ فِي أَن هَذَا الرجل لَا غَرَض لَهُ إِلَّا فِي هلاكنا فانظروا لأنفسكم أَو دعوا ثمَّ كتبُوا إِلَى عبيد الدِّيوَان يخبرونهم بِمَا صدر من السُّلْطَان فِي جانبهم ويستشيرونهم فِي أمره فجَاء بعض عُيُون السُّلْطَان من عبيد مكناسة إِلَيْهِ وَأَخْبرُوهُ بِمَا دَار بَين العبيد وَبِمَا كتبُوا بِهِ إِلَى أهل الدِّيوَان فطير السُّلْطَان بِالْكِتَابَةِ إِلَى ودايا فاس الْجَدِيد يَقُول لَهُم إِن كَانَت لكم حَاجَة بِابْن أختكم عبد الله فاقدموا عَلَيْهِ السَّاعَة ثمَّ أَخذ فِي جمع أثاثه وتنضيده وَحمل مَاله وشده وإسراج خيله وإنهاض رجله وَقَالَ لخاصته غَدا إِن شَاءَ الله نرْجِع إِلَى أبي فكران فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعشَاء وصل إِلَى بَاب القزدير من جَيش الودايا أَرْبَعمِائَة فَارس فَأخْرج إِلَيْهِم السُّلْطَان أثاثه وَمَاله وَعِيَاله ثمَّ ركب فِي خاصته وأسروا ليلتهم وَلم يصبحوا إِلَّا بفاس الْجَدِيد فَدخل السُّلْطَان دَاره وَأمن على نَفسه وَأما عبيد الدِّيوَان فَإِنَّهُ لما بَلغهُمْ كتاب إخْوَانهمْ الَّذين بمكناسة وقرؤوه قَالُوا إِنَّه لَا يجمل بِنَا الْمقَام فِي وسط بني حسن لَا ننفع إِخْوَاننَا وَلَا ينفعوننا فَأَجْمعُوا الرحيل والانتقال إِلَى مكناسة وَبعد ثَلَاث انتقلوا إِلَيْهَا وأعروا مَشْرُوع الرملة واستراحت تِلْكَ الْبِلَاد من عيثهم لَا سِيمَا سلا وأحوازها فَإِنَّهُم كَانُوا قد أشجوا أَهلهَا ولاقوا مِنْهُم عرق الْقرْبَة
стр. 1341
وَلما وصلوا إِلَى مكناسة نزلُوا بِالْمَدِينَةِ وبالقصبة وبالإصطبل وبريمة وبهدراش وبالرحاب التِّسْعَة فملؤوها واجتمعوا بإخوانهم وَاطْمَأَنَّ جنبهم
وَلما كَانَ عيد الْفطر من سنة تسع وَخمسين وَمِائَة وَألف قدم على السُّلْطَان بفاس جمَاعَة من قوادهم مَعَ القَاضِي وَالْفُقَهَاء والأشراف من أهل مكناسة فَحَضَرُوا مَعَه الْعِيد على الْعَادة وطلبوا مِنْهُ أَن يرجع إِلَى مكناسة وتنصلوا مِمَّا بلغه عَنْهُم وَاعْتَذَرُوا اليه فَوَعَدَهُمْ الرُّجُوع وَأَعْطَاهُمْ مَالا وَانْصَرفُوا إِلَى مَنَازِلهمْ وَلما كَانُوا بالجديدة قرب مكناسة اعْتَرَضَهُمْ البربر وجردوهم وَأخذُوا مَا مَعَهم وَلم يتْركُوا إِلَّا القَاضِي أَبَا الْقَاسِم العميري على بغلته وَأصْبح الْوَفْد على بَاب مكناسة عُرَاة ينظر بَعضهم إِلَى بعض
إجلاب مُحَمَّد واعزيز على السُّلْطَان الْمولى عبد الله وانتقاض أهل فاس والقبائل عَلَيْهِ
لما رَجَعَ البربر إِلَى بِلَادهمْ من وقْعَة أبي فكران كتب كَبِيرهمْ مُحَمَّد واعزيز إِلَى أهل فاس يتظلم من السُّلْطَان الْمولى عبد الله ويخبرهم بِمَا اتّفق لَهُ مَعَه من إخفار ذمَّته وعزمه على الفتك يإخوانه ويدعوهم مَعَ ذَلِك إِلَى أَن يَكُونُوا مَعَه يدا وَاحِدَة فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِك ودخلوا فِي حزب البربر ثمَّ كتب واعزيز بِمثل ذَلِك إِلَى عرب الغرب من سُفْيَان وَبني مَالك وَكَبِيرهمْ يَوْمئِذٍ حبيب الْمَالِكِي فَقَالُوا نَحن لكم تبع وحربنا حربكم وَسلمنَا سلمكم وانتقضت الفتوق على السُّلْطَان من كل جِهَة وهاجت الْحَرْب بَين الودايا وَأهل فاس وَبعد أَيَّام ورد الْخَبَر بِأَن ركب الْحَاج قد وصل إِلَى تازا وَهُوَ مَحْصُور بهَا فاستغاث أهل فاس بالبربر ليأتوهم بإخوانهم فجردوا مِنْهُم خَمْسمِائَة من الْخَيل إِلَى تازا فَمروا فِي طريقهم بغرب الحياينة فانضموا إِلَيْهِم ودخلوا فِي حزبهم وصاروا بأجمعهم إِلَى تازا فخلصوا الركب الَّذِي بهَا وَقدمُوا بهم إِلَى فاس فَدَخَلُوا على بَاب الْفتُوح وَنزل البربر والحياينة بالزيتون وَدخل
стр. 1342
جمَاعَة مِنْهُم الْمَدِينَة لقَضَاء أغراضهم
وَفِي أثْنَاء ذَلِك أغار عَلَيْهِم الودايا ففضوهم وَقتلُوا مِنْهُم كثيرا فَأَمرهمْ السُّلْطَان أَن يعلقوا رؤوسهم على سور قَصَبَة شرافة فَفَعَلُوا ثمَّ بدا لأهل فاس فِي مُرَاجعَة طَاعَة السُّلْطَان فبعثوا إِلَيْهِ فِي ذَلِك فأجابهم بِأَن يقدموا عَلَيْهِ فَخرج إِلَيْهِ الْعلمَاء والأشراف والأعيان فَلَمَّا مثلُوا بَين يَدَيْهِ عدد عَلَيْهِم أفعالهم ووبخهم وَشرط عَلَيْهِم شُرُوطًا مِنْهَا أَن يعطوه زرع أهل الغرب المخزون عِنْدهم وَأَن يهدموا دُورهمْ ويبنوا بأنقاضها دَار الدبيبغ ويختاروا إِحْدَى خَصْلَتَيْنِ إِمَّا أَن يَكُونُوا جَيْشًا وَإِمَّا أَن يَكُونُوا نائبة فَقَالُوا نَجْتَمِع على هَذَا الْأَمر مَعَ إِخْوَاننَا وَيكون الْجَواب وَلما رجعُوا من عِنْده أغلقوا أَبْوَاب مدينتهم وَقَالُوا لَا نقبل شَيْئا من ذَلِك كُله وعادت الْحَرْب جَذَعَة وَارْتَفَعت الأسعار وعظمت الأخطار وَفِي سَابِع ذِي الْحجَّة من سنة تسع وَخمسين وَمِائَة وَألف نهب عَامَّة فاس قفاطين المخزن الَّتِي كَانَت بفندق النجارين على يَد الْأمين الْحَاج الْخياط عديل وَأَرَادُوا مصادرته على مَال المخزن الَّذِي عِنْده فَافْتدى مِنْهُم بِثَلَاثَة آلَاف مِثْقَال فأطلقوه بعد الْقَبْض عَلَيْهِ وَكَانَت القفاطين ثَلَاثَة آلَاف قفطان فرقوها على رماتهم يُعِيدُوا بهَا عيد الْأَضْحَى واستمرت الْحَرْب بَينهم وَبَين الودايا وَسَائِر شيعَة السُّلْطَان إِلَى أَن دخلت سنة سِتِّينَ وَمِائَة وَألف
وَفِي أَوَائِل جُمَادَى الأولى مِنْهَا قدمت قبائل البربر وقبائل الغرب لمشايعة أهل فاس على حَرْب السُّلْطَان فَنزل مُحَمَّد واعزيز فِي بربره بجبل أطغات وَنزل حبيب الْمَالِكِي فِي أهل الغرب وطليق والخلط بدار الأضياف وانجحر الودايا بفاس الْجَدِيد وَالْعَبِيد بقصبة شراقة وَالسُّلْطَان بدار الدبيبغ وضاق الخناق على السُّلْطَان وشيعته وَمن الْغَد ركب حبيب فى عربه وزحف إِلَى السُّلْطَان بدار الدبيبغ والبربر على أَثَره وَلما وصل إِلَى حزيمها بلغه أَن البربر قد نهبوا محلته فَرجع مُنْهَزِمًا وَعبر الْوَادي وَتوجه إِلَى بِلَاده وَأما البربر فَإِنَّهُم
стр. 1343
لما فرغوا من محلّة أهل الغرب أجلوا إِلَى سايس وَيُقَال إِن السُّلْطَان دس بِاللَّيْلِ إِلَى مُحَمَّد واعزيز بِمَال على أَن يخذل عَنهُ هَذِه الجموع ويفرقها ففرقها بِنَهْب محلّة أهل الغرب وبجبهة العير يفْدي حافر الْفرس وَلما انْقَضتْ هَذِه الجموع إِلَى بلادها بَقِي أهل فاس فِي الْقِتَال والحصار سنتَيْن وَزِيَادَة كَمَا سَيَأْتِي وبعثوا أثْنَاء ذَلِك إِلَى الْمولى المستضيء الْمُقِيم بأحواز طنجة ليقدم عَلَيْهِم فيبايعوه وتجتمع كلمتهم عَلَيْهِ فَرد رسلهم بمخ العرقوب ووعد عرقوب
ذكر السَّبَب الَّذِي هاج بعث السُّلْطَان الْمولى عبد الله الجيوش إِلَى أهل الغرب ومراجعتهم طَاعَته
وَفِي سنة سِتِّينَ وَمِائَة وَألف أثْنَاء حَرْب الودايا لأهل فاس قدم جمَاعَة من عرب بني حسن على السُّلْطَان الْمولى عبد الله شاكين إِلَيْهِ عرب الغرب وَأَنَّهُمْ لما انقلبوا رَاجِعين بجموعهم إِلَى بِلَادهمْ مروا بحلة بني حسن فَأَغَارُوا عَلَيْهَا وانتهبوها فحركوا من السُّلْطَان مَا كَانَ كامنا فِي صَدره عَلَيْهِم وَبعث إِلَيْهِم جَيْشًا كثيفا من العبيد والودايا وَأمرهمْ بِالْفَتْكِ بِأَهْل الغرب وَنهب أَمْوَالهم وَأَن لايبقوا لم على سيد وَلَا لبد فَخرج الْجَيْش يؤم بِلَاد الغرب فنذروا بِهِ وانجفلوا أَمَامه عَن بِلَادهمْ وتبعهم طليق والخلط فأرزوا إِلَى مَدِينَة العرائش وتحصنوا بسورها فتبع الْجَيْش آثَارهم حَتَّى نزل عَلَيْهِم بهَا وحاصرهم ثَلَاثَة أشهر هَلَكت فِيهَا ماشيتهم جوعا وبعقب ذَلِك وَردت عَلَيْهِم جمَاعَة من الودايا بِأَمَان السُّلْطَان ومصحفه وسبحته فعاهدوهم على ذَلِك وَأَفْرج الْجَيْش عَنْهُم وَخَرجُوا مَعَ الودايا فقدموا على السُّلْطَان بهديتهم فَعَفَا عَنْهُم وَولى عَلَيْهِم كَبِيرهمْ حبيبا الْمَالِكِي وأضاف إِلَيْهِ قبائل الْجَبَل كلهَا وَأما الْجَيْش الَّذِي كَانَ على العرائش فَإِنَّهُم لما قَفَلُوا باتوا بقصر كتامة فضيفهم أَهله بِمَا قدرُوا عَلَيْهِ من الطَّعَام والعلف وَمن الْغَد دخلُوا الْقصر فاستباحوه ونهبوا وَسبوا وَقتلُوا وفعلوا الأفاعيل الْعَظِيمَة واستمروا على ذَلِك
стр. 1344
سِتَّة أَيَّام وَكَانَ الْحَادِث عَظِيما وَعز ذَلِك على النَّاس كلهم وتأسفوا لَهُ وَكَانَ ذَلِك فِي محرم سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف
زحف البربر إِلَى الودايا ومظاهرة أهل فاس لَهُم عَلَيْهِم
لما كَانَ جُمَادَى الثَّانِيَة من سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف عزم السُّلْطَان الْمولى عبد الله على غَزْو البربر فَخرج من فاس الْجَدِيد حَتَّى أَتَى أَبَا فكران فَعَسْكَرَ بِهِ ظنا مِنْهُ أَن العساكر ستقدم عَلَيْهِ هُنَالك كَمَا هِيَ الْعَادة فَلم يَأْته أحد فَبعث إِلَى العبيد يستنفرهم لغزو البربر فَقَالُوا حَتَّى يَأْتِي الودايا والقبائل ونأتي نَحن أَيْضا وَلما رأى تثاقل النَّاس عَنهُ عَاد إِلَى منزله وَأعْرض عَمَّا كَانَ هم بِهِ وَلما سمع البربر بِرُجُوعِهِ عَنْهُم طمعوا فِيهِ وَأَجْمعُوا غزوهم فَقَالَ لَهُم مُحَمَّد واعزيز الرَّأْي أَن ننزل بسايس ونحول بَينه وَبَين العبيد حَتَّى لَا يصل إِلَيْهِم وَلَا يصلوا إِلَيْهِ فَأَقْبَلُوا حَتَّى نزلُوا ببسيط سايس ثمَّ تقدّمت جموعهم حَتَّى شارفوا مزارع فاس الْجَدِيد فَأَغَارُوا على الودايا ونهبوا ماشيتهم وزروعهم وضيقوا عَلَيْهِم ثمَّ وصلوا أَيْديهم بِأَهْل فاس فَدَخَلُوا مدينتهم وتسوقوا بهَا فباعوا واشتروا عشرَة أَيَّام وانقلبوا إِلَى أهلهم فاكهين
وَفِي أول رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة ورد الْخَبَر بِأَن أهل الرِّيف قبضوا على الْمولى المستضيء الْمُقِيم ببلادهم ونهبوا خيله وأثاثه وَمَاله وثقفوه حَتَّى يَدْفَعُوهُ لِأَخِيهِ الْمولى عبد الله لِأَنَّهُ كَانَ قد اشْتغل بظُلْم النَّاس بالفحص وطنجة وَقبض على الْقَائِد عبد الْكَرِيم بن عَليّ الريفي وَهُوَ أَخُو أَحْمد بن عَليّ الْمُتَقَدّم الذّكر فَأخذ مَاله وسمل عَيْنَيْهِ وَأما أهل تطاوين فَلم يبايعوه وَلَا عرجوا عَلَيْهِ وَفِي شعْبَان أحرق الودايا بَاب المحروق لَيْلًا فَفطن لَهُم الحرس ودافعوهم عَن الْبَاب وَمن الْغَد ركبُوا بِهِ أبوابا جددا
стр. 1345
مُرَاجعَة أهل فاس طَاعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الله وانعقاد الصُّلْح بَينهم وَبَين الودايا
لما طَال الْحصار على أهل فاس وأضرت بهم معاداة جيرانهم من الودايا وسئموا الْحَرْب راجعوا بصائرهم وجنحوا للسلم وَطَاعَة السُّلْطَان فاتفق أَن كَانَ عِنْدهم رجل من أَشْرَاف تافيلالت فَأَرْسلُوهُ إِلَى السُّلْطَان وَاسِطَة بَينهم وَبَينه وبعثوا مَعَه كتابا بالاعتذار وَالتَّوْبَة فَقبل السُّلْطَان ذَلِك وسر بِهِ وَوَقع مِنْهُ الْموقع وَكتب إِلَيْهِم يَنْفِي ظنونهم ويسل سخائمهم وَيقسم لَهُم أَنه لم يَأْمر بِحَرْبِهِمْ وَلَا إضرارهم قطّ وَإِنَّمَا فعل ذَلِك الودايا من قبل أنفسهم فَلَمَّا وصل إِلَيْهِم كتاب السُّلْطَان بذلك طابت نُفُوسهم وفرحوا وعينوا جمَاعَة من فقهائهم وأشرافهم وَأهل الْخَيْر مِنْهُم فأوفدوها على السُّلْطَان بمكناسة فِي شَوَّال من السّنة الْمَذْكُورَة ففرح بهم وَأكْرمهمْ وَصرح لَهُم بِالْعَفو وَالرِّضَا عَنْهُم فاغتبطوا بذلك وانقلبوا إِلَى أهلهم فرحين مستبشرين ثمَّ كَانَ الصُّلْح بَينهم وَبَين الودايا بضريح الْمولى إِدْرِيس ﵁ وَفتحت أَبْوَاب الْمَدِينَة بعد الْحصار سنتَيْن وَثَلَاثَة أشهر وَكَانَ ذَلِك فِي ذِي الْقعدَة من سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَلما حضر الْعِيد قدمُوا على السُّلْطَان وَهُوَ بمكناسة بالْخبر وعادوا بِهِ خوفًا من البربر
стр. 1346
خُرُوج العبيد على السُّلْطَان الْمولى عبد الله وبيعتهم لوَلَده سَيِّدي مُحَمَّد وَالسَّبَب فِي ذَلِك
لما رَاجع أهل فاس طَاعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الله واصطلحوا مَعَ الودايا وهدأت الْفِتْنَة سَاءَ البربر ذَلِك وكرهوه وبلغهم مَعَ ذَلِك أَن السُّلْطَان قد اسْتنْفرَ العبيد لغزوهم فاحتالوا فِي تَفْرِيق الْكَلِمَة على السُّلْطَان بِأَن أخذُوا فِي شن الغارات على العبيد بمكناسة والتضييق عَلَيْهِم واختطاف أَوْلَادهم من البحائر والجنات فراسل العبيد البربر فِي الْمَسْأَلَة وَالصُّلْح فَقَالُوا لَهُم إِن السُّلْطَان أمرنَا بِهَذَا فَلَمَّا سمع العبيد ذَلِك مِنْهُم لم يشكوا فِي صدقهم بِسَبَب مَا كَانُوا أسلفوه من التقاعد عَن السُّلْطَان والتثاقل عَن النهوض مَعَه لغزو البربر حَتَّى عَاد إِلَى منزله بعد المعسكرة بِأبي فكران كَمَا مر ثمَّ اتّفق رَأْي العبيد على الفتك بالسلطان واغتياله ونما إِلَيْهِ ذَلِك مِنْهُم فَخرج فَارًّا من مكناسة إِلَى دَار الدبيبغ فاستقر بهَا وَكَانَ ذَلِك فِي صفر سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف
وَلما ضَاقَ العبيد ذرعا بِفعل البربر كاتبوهم فِي الصُّلْح فأجابوهم إِلَيْهِ على شَرط أَن يبايعوا سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله فَبَايعُوهُ بمكناسة وبعثوا إِلَيْهِ ببيعتهم وَهُوَ بمراكش مَعَ جمَاعَة من أعيانهم وخطبوا بِهِ بمكناسة وزرهون وَالسُّلْطَان بدار الدبيبغ لَا يملك من أمره شَيْئا وَلما قدم وَفد العبيد على سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رد بيعتهم وعاتبهم على مَا ارتكبوه فِي حق وَالِده وتألفهم بِشَيْء من المَال وَأعْرض عَن الْخَوْض فِي أَمر الْبيعَة إِذْ كَانَ ﵀ بارا بوالده ساعيا فِي مرضاته وَبعث إِلَيْهِ فِي صفر من هَذِه السّنة بهدية قدرهَا على ماقيل ثَلَاثُونَ ألف مِثْقَال فَرجع وَفد العبيد من عِنْد سَيِّدي مُحَمَّد وَقد أيسوا من إجَابَته إيَّاهُم وَمَعَ ذَلِك استمروا على الْخطْبَة بمكناسة وزرهون
стр. 1347
ثمَّ إِن السُّلْطَان الْمولى عبد الله ﵀ لما رأى أَن الْقُلُوب قد نفرت عَنهُ وَأَن العبيد والبربر قد امتدت عيونهم إِلَى وَلَده سَيِّدي مُحَمَّد وتعلقت آمالهم بِهِ بتلافى أمره وَأخذ فِي استصلاح الرّعية وتألفها فَأمر فِي شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة بِأَن يُنَادى بأسواق فاس على العبيد الَّذين بهَا من لم يحضر إِلَى دَار الدبيبغ لوقت كَذَا فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه فَحَضَرَ العبيد الَّذين بفاس كلهم فَأَعْطَاهُمْ خَمْسَة دَنَانِير لكل وَاحِد وَقَالَ لَهُم ابْعَثُوا إِلَى إخْوَانكُمْ الَّذين بمكناسة فَمن أَتَى مِنْهُم إِلَيّ قبض مثل مَا قبضتم فَكَتَبُوا إِلَيْهِم فَلم يزدهم ذَلِك إِلَّا نفورا وبعثوا إِلَى البربر الَّذين بسايس يَقُولُونَ لَهُم كل من صادفتموه منا مُتَوَجها إِلَى فاس فَاقْتُلُوهُ وأعلنوا بخلع السُّلْطَان
ثمَّ استدعى السُّلْطَان بعد ذَلِك مُحَمَّد واعزيز كَبِير البربر ووعده ومناه فَقدم عَلَيْهِ فِي إخوانه فِي رَمَضَان فَأَعْطَاهُمْ عشرَة آلَاف دِينَار وَحضر الْعِيد فقدموا عَلَيْهِ أَيْضا فَأَعْطَاهُمْ عشرَة آلَاف أُخْرَى وَأعْطى الودايا عشر آلَاف أَيْضا وَأعْطى أهل فاس مثل ذَلِك ولج العبيد فِي نفورهم وركبوا رَأْسهمْ فِي جماحهم عَن السُّلْطَان والقرب مِنْهُ
مَجِيء سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله من مراكش إِلَى مكناسة وتوسطه للعبيد فِي الصُّلْح مَعَ وَالِده رحمهمَا الله
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف فَفِي أَوَاخِر جُمَادَى الأولى مِنْهَا قدم الْمولى مُحَمَّد بن السُّلْطَان الْمولى عبد الله من مراكش إِلَى مكناسة فَوجدَ العبيد لَا زَالُوا يخطبون بِهِ فعاتبهم على ذَلِك وَقَالَ لَهُم إِنِّي بَرِيء مِنْكُم وَمن فعلكم هَذَا وَإِنَّمَا أَنا خديم وَالِدي فتركوا الْخطْبَة وراجعوا بصائرهم وجددوا الْبيعَة للسُّلْطَان وتلافوا أَمرهم فِي طَاعَته وَكَانَت هَذِه هِيَ الْبيعَة السَّابِعَة للعبيد مَعَ السُّلْطَان الْمولى عبد الله لأَنهم خلعوه قبلهَا سِتّ مَرَّات
стр. 1348
حَسْبَمَا مر الْخَبَر عَن ذَلِك مُسْتَوفى
وَلما تمّ لسيدي مُحَمَّد مَعَ العبيد مَا أَرَادَ من مراجعتهم طَاعَة وَالِده ارتحل من مكناسة فِي جَيْشه الَّذِي قدم بِهِ من الْحَوْز وَكَانَ نَحْو أَرْبَعَة آلَاف واستصحب مَعَه جمَاعَة من أَعْيَان العبيد وَقدم على وَالِده بدار الدبيبغ فَخرج الودايا وَأهل فاس لملاقاته وفرحوا بمقدمه وَلما دخل على وَالِده أدّى التَّحِيَّة وَأهْدى إِلَيْهِ هَدِيَّة نفيسة وشفع للعبيد عِنْده فشفعه فيهم وَقَالَ لَهُ لَا تبت هُنَا فَقَالَ نعم يَا سَيِّدي وَلم يبت إِلَّا بِرَأْس المَاء وَأصْبح غاديا إِلَى مراكش ثمَّ حضر العبيد فَقدم على السُّلْطَان جمَاعَة من جروان وَبني مطير فَأَعْطَاهُمْ عشْرين ألف مِثْقَال وَقدم عَلَيْهِ قواد العبيد من مكناسة فَلم يعطهم شَيْئا
وَفِي هَذِه السّنة توفّي الْمولى أَحْمد ابْن السُّلْطَان الْمولى عبد الله بفاس وَدفن بقبور الْأَشْرَاف ﵀
انحراف العبيد ثَانِيَة عَن السُّلْطَان الْمولى عبد الله والتجاؤهم إِلَى ابْنه سَيِّدي مُحَمَّد بمراكش وَالسَّبَب فِي ذَلِك
لما أعْطى السُّلْطَان الْمولى عبد الله بني مطير وجروان عشْرين ألف مِثْقَال وَحرم العبيد قَامَت قيامتهم وقلبوا للسُّلْطَان ظهر الْمِجَن وَاتَّفَقُوا على الذّهاب إِلَى ابْنه سَيِّدي مُحَمَّد بمراكش فقدموا عَلَيْهِ فِي ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَقَالُوا لَهُ إِمَّا أَن تكون سلطاننا وَإِمَّا أَن نُبَايِع عمك الْمولى المستضيء وَشَكوا إِلَيْهِ إهمال وَالِده جانبهم وَقَالُوا لَهُ إِنَّه أعْطى البربر أَعدَاء الدولة وحرمنا فرضخ لَهُم بِشَيْء من المَال طيب بِهِ نُفُوسهم وَكتب لَهُم كتابا إِلَى وَالِده يستعطفه لَهُم وانقلبوا من عِنْده مسرورين
стр. 1349
وَأما السُّلْطَان الْمولى عبد الله فَإِنَّهُ لما سمع بذهاب عبيد مكناسة إِلَى مراكش أعْطى الودايا عشرَة آلَاف ريال وَأعْطى العبيد الَّذين مَعَه ثَلَاثَة آلَاف ريال وَلما قدم عبيد مكناسة على السُّلْطَان بِكِتَاب ابْنه سامحهم وَأَعْطَاهُمْ عشْرين ألف ريال وَتمّ الصُّلْح بَينهم وَبَينه وعادوا إِلَى مكناسة مغتبطين
وَفِي هَذِه السّنة بعث سَيِّدي مُحَمَّد من مراكش بهدية إِلَى وَالِده مَعَ جمَاعَة من أَصْحَابه فَأثْنى عَلَيْهِ خيرا ودعا لَهُ بِهِ وفيهَا ورد الْخَبَر بِأَن أهل تطاوين قتلوا عاملهم أَبَا عبد الله الْحَاج مُحَمَّدًا تَمِيم ثمَّ قدم جمَاعَة مِنْهُم على السُّلْطَان معتذرين من قَتله فَقَالَ لَهُم أَنْتُم وليتموه عَلَيْكُم وَأَنْتُم قَتَلْتُمُوهُ فَاخْتَارُوا لأنفسكم فَوَقع اختيارهم على أبي عبد الله الْحَاج مُحَمَّد بن عمر الوقاش فولاه عَلَيْهِم وَانْصَرفُوا إِلَى بلدهم
ثمَّ دخلت سنة خمس وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف فِيهَا قدم أهل تطاوين على السُّلْطَان الْمولى عبد الله لحضور عيد المولد الْكَرِيم وبيدهم هَدِيَّة مقدارها ثَلَاثُونَ ألف مِثْقَال وَقدم بصحبتهم باشدور الإصبنيول وَمَعَهُ مائَة ألف ريال وَمَا يُنَاسِبهَا من الْحَرِير والملف والكتان وَغير ذَلِك بِقصد فكاك أسرى جنسه فَقبض السُّلْطَان المَال وَقَالَ للباشدور حَتَّى تَأْتُوا بأسرى الْمُسلمين وَأعْطى العبيد من ذَلِك المَال ريالين لكل وَاحِد وَأعْطى نِسَاءَهُمْ مثل ذَلِك وَكَانُوا أَلفَيْنِ وَمِائَتَيْنِ
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف فِيهَا قدم عبيد مكناسة على السُّلْطَان لحضور الْعِيد فَأَعْطَاهُمْ عشرَة آلَاف ريال وفيهَا نَهَضَ أهل فاس لشراء الْخَيل وَالْعدة والإكثار مِنْهَا
وفيهَا انْعَقَدت الشُّرُوط بَين السُّلْطَان وَبَين جنس الإصطادوس وهم سبع قبائل من الفلامنك وَهِي اثْنَان وَعِشْرُونَ شرطا مرجعها إِلَى عقد الْأمان وَالصُّلْح بَين الإيالتين وَأَن يَجْعَل جنس الإصطادوس قنصلا أَو أَكثر بِالْبَلَدِ الَّذِي يختاره من بِلَادنَا وَيكون يُعْطي خطّ يَده الْمُسَمّى بالباصبورط لمن
стр. 1350
يُسَافر من مراكبنا إِلَى جِهَة بِلَادهمْ وَكَذَلِكَ هم أَيْضا إِلَى غير ذَلِك
وَفِي هَذِه السّنة أَو مَا يقرب مِنْهَا أغار نَصَارَى الجديدة على آزمور واقتحموا ضريح الشَّيْخ أبي شُعَيْب لَيْلًا وَقتلُوا بِهِ عددا كثيرا من أهل آزمور نَحْو الْخمسين وَكَانَت اللَّيْلَة لَيْلَة جُمُعَة وَعَادَة أهل آزمور أَن يبيتوا لَيْلَة الْجُمُعَة بضريح الشَّيْخ الْمَذْكُور فنما ذَلِك إِلَى النَّصَارَى الَّذين بالجديدة فجاؤوا مستعدين حَتَّى اقتحموا عَلَيْهِم على حِين غَفلَة وأطفؤوا المصابيح وَوَقع الْقَتْل حَتَّى كَانَ الْمُسلمُونَ يقتل بَعضهم بَعْضًا وَرجع النَّصَارَى عودهم على بدئهم
وَذكره لويز مَارِيَة مؤرخ الجديدة فَقَالَ مَا ملخصه وَفِي لَيْلَة الثَّانِي عشر من نوفمبر سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَسبع عشرَة مائَة مسيحية خرج عشرَة من برتغال الجديدة وقصدوا آزمور حَتَّى دخلُوا ضريح الشَّيْخ أبي شُعَيْب لَيْلًا وَقتلُوا هُنَالك أَرْبَعِينَ من الْمُسلمين وَقَامَت الهيعة بِالْبَلَدِ وتسابقوا إِلَيْهِم على الصعب والذلول فَرجع النَّصَارَى من حينهم وأدركهم الْمُسلمُونَ بِالطَّرِيقِ فجرحوا بَعضهم ونجوا بعد مشقة فادحة هَكَذَا زعم لويز وَأَن النَّصَارَى كَانُوا عشرَة فَقَط وَأهل آزمور يَزْعمُونَ أَنهم كَانُوا أَكثر من ذَلِك بِكَثِير وَالله أعلم
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف فَلم يكن فِيهَا حدث فِي الدولة
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَسِتِّينَ بعْدهَا فِيهَا توفّي مُحَمَّد واعزيز كَبِير آيت أدراسن ووازعها الَّذِي كَانَت تقف عِنْد إِشَارَته وتجري أمورها على مُقْتَضى إدارته
стр. 1351
فتْنَة آيت أدراسن وكروان مَعَ الودايا وَالسَّبَب فِي ذَلِك
لما مَاتَ مُحَمَّد واعزيز لم يبْق بآيت أدراسن من يقوم فِيهَا مقَامه فهاجت الْفِتْنَة بَينهم وَبَين جروان فزحفوا إِلَى كروان وأوقعوا بهم فانهزمت كروان أمامهم ولجؤوا إِلَى دَار الدبيبغ معتصمين بهَا ومستجيرين بالسلطان الَّذِي بهَا وضاق بهم رحب الفضاء وعدموا المرعى فشرعوا فِي بيع مَوَاشِيهمْ فبلغت الْبَقَرَة بسوق فاس خمس أَوَاقٍ وَالشَّاة أُوقِيَّة فَأمر السُّلْطَان الْمولى عبد الله الودايا بنصرتهم وآخى بَينهم وَبينهمْ وَعقد لَهُم حلفا مؤكدا مَعَهم فَقَامُوا لحمايتهم والدفاع عَنْهُم وأنشبوا الْقِتَال فَكَانَت الْهَزِيمَة على آيت آدراسن ففرت خيلهم ومقاتلتهم وانكسرت حلتهم وَقتلُوا فِي كل وَجه وَمن سلم مِنْهُم لَجأ إِلَى بِلَاد شراقة فَاسْتَجَارَ بهَا فَكَانَ عدد من قتل مِنْهُم بِتِلْكَ الْوَقْعَة نَحْو الْخَمْسمِائَةِ وَهَذَا سَبَب حلف الودايا مَعَ جروان
ثمَّ دخلت سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف فِيهَا قدم على السُّلْطَان الْمولى عبد الله عبيد مكناسة وَرَغبُوا إِلَيْهِ فِي الذّهاب مَعَهم إِلَيْهَا إِذْ هِيَ دَار ملكه وَملك أَبِيه من قبله فَقَالَ لَهُم كَيفَ أذهب مَعكُمْ وَفِي وسطكم فلَان وَفُلَان لجَماعَة سماهم مِنْهُم كَانُوا منحرفين عَنهُ فَرجع العبيد إِلَى منزلهم وَلما جن اللَّيْل طرقوا أُولَئِكَ الْمُسلمين وأمثالهم فِي رحالهم فَقَتَلُوهُمْ إرضاء للسُّلْطَان وتطييبا لنَفسِهِ وَكَانَ مِنْهُم الْقَائِد مُحَمَّد السلاوي والقائد سُلَيْمَان بن العسري والقائد زعبول وَغَيرهم
وَلما بلغ السُّلْطَان ذَلِك بعث إِلَيْهِم بِأَرْبَعِينَ ألف مِثْقَال راتبا وصرفهم إِلَى مكناسة وَقَالَ لَهُم إِذا فرغت من عَمَلي أتيتكم
وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا قدم عَلَيْهِ الْقَائِد أَبُو عبد الله مُحَمَّد الوقاش فِي أهل تطاوين بهدية فِيهَا ألف ريال وبأسارى وسلع من سلع النَّصَارَى غنمتها قراصينهم فَأكْرمه السُّلْطَان وَأَعْطَاهُ جاريتين وانقلب إِلَى أَهله مَسْرُورا
وفيهَا قدم على السُّلْطَان أَخُوهُ الْمولى أَبُو الْحسن المخلوع بدار الدبيبغ
стр. 1352
فَأعْطَاهُ مَالا وأثاثا قِيمَته عشرَة آلَاف مِثْقَال وخيره بَين تافيلالت ومكناسة فأختار مكناسة فَأعْطَاهُ مُسْتَفَاد مكسها وجنات المخزن الَّتِي بهَا وأرضا للحراثة فَقدم الْمولى أَبُو الْحسن مكناسة واستوطن واغتبط بهَا وَلما جَاءَ وَقت إبان الْحَرْث وحرث وثب عَلَيْهِ العبيد فقبضوا عَلَيْهِ وقيدوه وبعثوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان مُقَيّدا وَقَالُوا لَهُ إِن هَذَا قد أفسد علينا بِلَادنَا فَحل بَيْننَا وَبَينه فسرحه وَبعث بِهِ إِلَى سجلماسة
وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا نهب البربر جَمِيع مَاشِيَة الودايا وأفسدوا زُرُوعهمْ وبحائرهم
ثمَّ دخلت سنة سبعين وَمِائَة وَألف فِيهَا كَانَت بَين آيت أدراسن وكروان حَرْب فظيعة أعَان فِيهَا الودايا كروان فهزموا آيت أدراسن ببسيط النخيلة من سايس وَالله أعلم
وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل ﵀
كَانَت وَفَاة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل ﵀ بدار الدبيبغ يَوْم الْخَمِيس فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر الْخَيْر سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَألف وَدفن بقبور الْأَشْرَاف من فاس الْجَدِيد حَيْثُ دفن وَلَده الْمولى أَحْمد رحمهمَا الله
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان كَانَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله فِيهِ شدَّة وبطش وبسببهما نفرت قُلُوب الْجند والرعية عَنهُ وَبَقِي مهملا بدار الدبيبغ سِنِين لَا يَأْتِيهِ أحد وبيعته فِي أَعْنَاق النَّاس وهم فارون مِنْهُ لِكَثْرَة مَا سفك من الدِّمَاء بِغَيْر سَبَب ظَاهر واستمرت حَالَته على ذَلِك مُدَّة اثْنَتَيْ عشرَة سنة من سنة تسع وَخمسين إِلَى سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَألف ﵀ وَغفر لنا وَله ولسائر الْمُسلمين وَمِمَّا مدح بِهِ هَذَا السُّلْطَان قَول بَعضهم
стр. 1353
(عَلَيْك سَلام يَا ضِيَاء العوالم ... وَيَا بهجة الْأَشْرَاف من آل هَاشم)
(وَيَا من سما غَضبا على كل جَاهِل ... وَأصْبح مَسْرُورا بِهِ كل عَالم)
(وَأصْبح ظلّ الله فِي الأَرْض نَاظرا ... إِلَى كل مِسْكين بمقلة رَاحِم)
(وَيَا من كَسَاه الله مِنْهُ مهابة ... تذل لَهَا رغما أنوف الْأَعَاجِم)
(وَيَا من لَهُ حزم وعزم وسطوة ... تفتت إرهابا قُلُوب الضراغم)
(كَفاك افتخارا أَن عزك ظَاهر ... وجودك منسي بِهِ جود حَاتِم)
(وَكَون سجاياك الَّتِي فاح عرفهَا ... سجايا الْمُلُوك الشم أهل المكارم)
(لعمري لقد أَلْقَت إِلَيْك زمامها ... ضروب الْعلَا إِذْ كنت أحزم حَازِم)
(فَقُمْت على الْملك المشيد رُكْنه ... تذود لَدَيْهِ بالقنا والصوارم)
(وأغناك رب النَّاس عَن جمع عَسْكَر ... بِرَأْي مُصِيب للعساكر هازم)
(وَنَفس علت فَوق السماكين همة ... وعقل غَنِي عَن هِدَايَة عَالم)
(فَجئْت وسيل الغرب قد بلغ الزبى ... وأسواقه معمورة بالجرائم)
(ونار الشرور فِي الفجاج تأججت ... فطاب لأهل الْبَغي هتك الْمَحَارِم)
(فدوخته من بَعْدَمَا استنسرت بِهِ ... بغاث وَقد طَالَتْ رُعَاة الْبَهَائِم)
(فأمنتنا من كل طَار وطارق ... وحصنتنا من كل داه وداهم)
انعطاف إِلَى سِيَاقَة الْخَبَر عَن آخر أَمر الْمولى المستضيء ﵀
قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان الْمولى عبد الله خرج سنة سبع وَخمسين وَمِائَة وَألف فِي طلب أَخِيه الْمولى المستضيء وَأَنه دوخ بِلَاد الْحَوْز لأَجله وشرده عَن جبال مسفيوة ولجأ إِلَى مراكش فطرده أَهلهَا وَلما لم يجد بالحوز مُسْتَقرًّا رَجَعَ أدراجه يقتري الْبِلَاد والقرى ويصل حرارة التهجير ببرك السرى فاجتاز بِبِلَاد دكالة ثمَّ بتامسنا ثمَّ ببني حسن فزهدوا فِيهِ فَتقدم إِلَى طنجة وأعمالها فاستقر بالفحص مِنْهَا وطاب لَهُ الْمقَام بِهِ وعسف أُنَاسًا فِي تِلْكَ الْمدَّة إِلَى أَن عدا على الْقَائِد عبد الْكَرِيم الريفي فسجنه وَسلمهُ وَأخذ مَاله كَمَا
стр. 1354
مر فَوَثَبَ عَلَيْهِ أهل الرِّيف وقبضوا عَلَيْهِ ونهبوا خيله ومضاربه وأثاثه وسلبوا أَصْحَابه وامتحنوه وأوثقوه حَتَّى يبعثوا بِهِ إِلَى أَخِيه الْمولى عبد الله ثمَّ بدا لَهُم فسرحوه وَلما خلص من المحنة كتب إِلَى أَخِيه الْمولى عبد الله وَهُوَ بفاس يعْتَذر إِلَيْهِ عَمَّا سلف مِنْهُ وَيطْلب مِنْهُ محلا يسْتَقرّ بِهِ فَأَجَابَهُ السُّلْطَان الْمولى عبد الله بأنك لم تأت إِلَيّ ذَنبا وَلم ترتكب فِي حَقي عَيْبا إِنَّمَا كنت تطلب ملك أَبِيك كَمَا كنت أطلب ملك أبي والآن فَإِن أردْت الخمول مثلي فأقم بآصيلا واسكن بهَا فَهِيَ أحسن من دَار الدبيبغ الَّتِي أَنا بهَا وأرح نَفسك كَمَا أرحتها وَإِن كنت إِنَّمَا تطلب الْملك فشأنك وإياه فَإِنِّي لَا أنازعك فِيهِ وَالسَّلَام فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ كتاب السُّلْطَان انْتقل إِلَى آصيلا واستوطنها واعتنى بهَا وَأصْلح مَا يحْتَاج إِلَى الْإِصْلَاح مِنْهَا وَأصْلح دَار الْخضر غيلَان الَّتِي بقصبتها وسكنها سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَاجْتمعَ عَلَيْهِ بعض أهل الطمع والشره مِمَّن كَانَ هُنَالك فدلوه على وسق الزَّرْع للْكفَّار وتوسطوا لَهُ فِي الْكَلَام مَعَ بعض تجار النَّصَارَى الَّذين بطنجة وتعاقدوا مَعَه على وسقه فانتقل ذَلِك التَّاجِر إِلَى آصيلا وَلما قدم عَلَيْهِ مركبه وسق الزَّرْع وَأدّى صاكته أَي واجبه فَظهر للْمولى المستضيء الرِّبْح فِي ذَلِك فشرهت نَفسه وَرغب فِي شِرَاء الزَّرْع وَبيعه مِمَّن يَأْتِيهِ من التُّجَّار وتسامع النَّصَارَى بِأَن الزَّرْع يوسق من مرسى آصيلا فَلم تمض إِلَّا أَيَّام قَلَائِل حَتَّى قدمت مراكبهم من كل وَجه وعمرت المرسى وَقصد الْأَعْرَاب الْبَلَد بالقمح وَالشعِير من كل فج وَالْمولى المستضيء يَشْتَرِي مِنْهُم وَيبِيع لِلنَّصَارَى والمراكب تسق مَا قدرت عَلَيْهِ فَكَانَ يحصل لَهُ الرِّبْح فِي ذَلِك مضاعفا ربح الثّمن وَربح الصاكة فحسنت حَاله وأثرى وَكثر تابعوه وَأخذ فِي شِرَاء الْعدة من تطاوين وتسليح أَصْحَابه وتقويمهم واتصل خَبره بالسلطان الْمولى عبد الله فندم على إِذْنه لَهُ فِي الْمقَام هُنَالك وَكتب إِلَى الْقَائِد أبي مُحَمَّد عبد الله السفياني يَأْمُرهُ بالزحف إِلَى
стр. 1355
الْمولى المستضيء وحصاره بآصيلا حَتَّى يَنْفِيه عَنْهَا وَكتب إِلَى وَلَده سَيِّدي مُحَمَّد بمراكش يَأْمُرهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ من يُخرجهُ مِنْهَا وَيكون مَعَه الْقَائِد عبد الله السفياني فِي خَمْسمِائَة من الْخَيل فَبعث إِلَيْهِ سَيِّدي مُحَمَّد رَفِيقه وَابْن عَمه الْمولى إِدْرِيس بن الْمُنْتَصر فِي مائَة فَارس وَأمره أَن يستصحب مَعَه فِي طَرِيقه عبد الله السفياني فِي خَمْسمِائَة من الْخَيل كَمَا رسم لَهُ وَالِده ويضيقوا على الْمولى المستضيء بآصيلا حَتَّى يخرجوه مِنْهَا فَمضى الْمولى إِدْرِيس والسفياني حَتَّى نزلا عَلَيْهِ وحاصراه فَخرج إِلَيْهِمَا وراود ابْن أَخِيه الْمولى إِدْرِيس على الإفراج عَنهُ وَتَركه وشأنه وَاعْتذر إِلَيْهِ بِأَن السُّلْطَان أذن لَهُ فِي سُكْنى آصيلا وَأَعْطَاهُ مُسْتَفَاد مرْسَاها ينْتَفع بِهِ فَلم يقبل الْمولى إِدْرِيس مِنْهُ وَلم يزل بِهِ حَتَّى أخرجه وَاسْتولى على مَا وجد بداره من مَال وأثاث وَسلَاح وبارود وَغير ذَلِك فساقه إِلَى عَمه السُّلْطَان الْمولى عبد الله
وَأما الْمولى المستضيء فَإِنَّهُ لما خرج من آصيلا سَار إِلَى فاس فَنزل بضريح الشَّيْخ أبي بكر بن الْعَرَبِيّ ﵁ وَقدم وَلَده إِلَى السُّلْطَان الْمولى عبد الله يشكو لَهُ مَا فعل بِهِ وَلَده سَيِّدي مُحَمَّد من تجهيز العساكر إِلَيْهِ ونفيه عَن آصيلا فَكَانَ من جَوَاب السُّلْطَان أَن قَالَ لَهُ قل لأَبِيك ذَاك لَا سَبِيل لي عَلَيْهِ هُوَ أعظم شَوْكَة مني ومنك فسر إِلَى بِلَاد أَبِيك وَجدك وأرح نَفسك من التَّعَب وَالْمَوْت قريب مني ومنك فَلَمَّا بلغه كَلَام السُّلْطَان لم يَسعهُ إِلَّا التَّوَجُّه إِلَى مَدِينَة صفرو بعد أَن ترك عِيَاله بدار الشريف الْمولى التهامي بالجوطيين من فاس وَنزل هُوَ بدار الْإِمَارَة من صفرو وَلما قدم الْمولى إِدْرِيس بن الْمُنْتَصر على السُّلْطَان بِمَال الْمولى المستضيء وأثاثه قبض السُّلْطَان البارود وَالسِّلَاح ورد الْبَاقِي وَأرْسل إِلَى عَامل فاس يَأْمُرهُ أَن يكْتب إِلَى الْمولى المستضيء ليَبْعَث وَكيلا يحوز إِلَيْهِ مَتَاعه فَكتب إِلَيْهِ فَبعث من حَاز مَاله وأثاثه وَدفعه إِلَى عِيَاله بدار الْمولى التهامي وَكَانَ الْمولى المستضيء لما اطمأنت بِهِ الدَّار بصفرو بعث إِلَى أَعْيَان آيت يوسي على مَا
стр. 1356
قيل فقدموا عَلَيْهِ فندبهم إِلَى نصرته وَالْقِيَام بدعوته فتخاذلوا عَنهُ وَقَالُوا لَهُ سر إِلَى آيت أدراسن وكروان فَإِن أجابوك فَنحْن مَعَهم وَلما لم يتم لَهُ أَمر بصفرو بعث من حمل إِلَيْهِ عِيَاله وأثاثه من فاس وَذهب إِلَى سجلماسة فاستوطنها وَذَلِكَ سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف وَأعْرض عَن الْملك وأسبابه وَاسْتمرّ مُقيما بهَا إِلَى أَن توفّي سنة ثَلَاث وَسبعين وَمِائَة وَألف ﵀ وغفرله
انعطاف إِلَى سِيَاقَة الْخَبَر عَن هَؤُلَاءِ العبيد الَّذين جمعهم السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل من لدن وَفَاته إِلَى دولة السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله
قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل كَانَ قد اعتنى بِجمع العبيد وترتيبهم وتهذيبهم إِلَى أَن بلغ عَددهمْ مائَة وَخمسين ألفا وبلغوا فِي أَيَّامه من الْعِزّ والرفاهية وتشييد الدّور والقصور وارتباط الْجِيَاد وانتخاب السِّلَاح واقتناء الْأَمْوَال وَحسن الشارة والزي مَا لم يبلغهُ غَيرهم وَكَانَ بالمحلة من مشرع الرملة مِنْهُم سَبْعُونَ ألفا مَا بَين خيل ورماة وَكَانَ عدد اليكشارية مِنْهُم وهم أَصْحَاب الباشا مساهل خَمْسَة وَعشْرين ألفا كلهم رُمَاة إِلَّا القواد مِنْهُم فَإِنَّهُم كَانُوا أَصْحَاب خيل وَكَانَ بتانوت وَوجه عروس مِنْهُم خَمْسَة آلَاف يدعونَ قواد رؤوسهم كلهم أَصْحَاب خيل وَبَاقِي الْعدَد وَهُوَ خَمْسُونَ ألفا كَانُوا مُتَفَرّقين فِي قلاع الْمغرب لعمارتها وحراسة الطَّرِيق وحماية الثغور وَكَانُوا فِي غَايَة من الْكِفَايَة وَالسعَة لِأَن كل قَبيلَة من قبائل الْمغرب كَانَت تدفع أعشارها فِي قلعتها المبنية بهَا لمؤنة جيشها وعلف خيلها وَاسْتمرّ ذَلِك إِلَى أَن توفّي السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ فَانْقَطع بوفاته عَن جَيش القلاع المدد الَّذِي كَانَ بِهِ قوامهم
وَلما ولي بنوه من بعده واتصلت الْفِتَن بَينهم أهملوا أَمر هَؤُلَاءِ العبيد وَلم يلتفتوا إِلَيْهِم فضعفت مادتهم وتلاشى أَمرهم وانتشروا فِي الْقَبَائِل الَّتِي كَانُوا
стр. 1357
مجاورين لَهَا للتكسب على أنفسهم وَأَوْلَادهمْ وَلما أعروا تِلْكَ القلاع الَّتِي كَانُوا مقيمين بهَا امتدت إِلَيْهَا أَيدي الْقَبَائِل من الْعَرَب والبربر بالنهب والتخريب واقتلعوا أَبْوَابهَا وخشبها وماراق مِنْهَا وتركوها خاوية على عروشها لم يبْق بهَا إِلَّا الجدرات قَائِمَة وَهَكَذَا كَانَ مآل محلّة مشرع الرملة فَإِنَّهُ لما ارتحل العبيد عَنْهَا إِلَى مكناسة أَيَّام السُّلْطَان الْمولى عبد الله خَلفهم بَنو حسن فِيهَا بالنهب والتخريب وكل من عثروا عَلَيْهِ مُتَأَخِّرًا بهَا نهبوه واستلبوا مَا مَعَه وَأخذُوا كل مَا تَرَكُوهُ مِمَّا ثقل عَلَيْهِم حَتَّى يرجِعوا إِلَيْهِ إِذْ كَانَ العبيد يظنون أَنهم سيرجعون إِلَى مشرع الرملة ثمَّ تجاوزت بَنو حسن ذَلِك إِلَى تخريب الدّور والقصور وَحمل أَبْوَابهَا وخشبها إِلَى سلا فَكَانَت تبَاع بهَا بالبخس فقد كَانَ بِهَذِهِ الْمحلة دور وقصور لَيست بالحواضر وَكَانَ كل قَائِد مِنْهُم يفتخر على نَظِيره بِبِنَاء أعظم من بنائِهِ وتشييد فَوق تشييده وتنميق أحسن من تنميقه وتزويق أبدع من تزويقه فَأتى بَنو حسن على ذَلِك كُله وانتسفوه وطمسوا أَعْلَامه فِي أسْرع من لحس الْكَلْب أَنفه وَلم يتْركُوا إِلَّا الجدرات قَائِمَة إِلَّا أَن خربوها بعد ذَلِك شَيْئا فَشَيْئًا بل صَارُوا يبعثرون الأَرْض على الدفائن الَّتِي بهَا فعثروا من ذَلِك على شَيْء كثير
ثمَّ إِن العبيد الَّذين رحلوا إِلَى مكناسة لم يصل مِنْهُم إِلَيْهَا إِلَّا دون النّصْف إِذْ تفَرقُوا فِي الْقَبَائِل وَقت رحيلهم فَكل من كَانَ أَصله من قَبيلَة قَصدهَا وكل من كَانَ لَهُ مدشر عَاد إِلَيْهِ ثمَّ الَّذين وصلوا إِلَى مكناسة لم يسْتَقرّ بهم قَرَار لقلَّة ذَات الْيَد وَغَلَاء الأسعار وَكَانَ الْوَقْت وَقت مجاعات وَفتن فَلم يبْق بهَا إِلَّا القواد أهل الْيَسَار وَأهل الْحَرْف الَّذِي يتعيشون بحرفهم وَمَعَ ذَلِك فقد ضَاقَتْ بهم السُّكْنَى بهَا من أجل غَلَبَة البربر الَّذين كَانُوا يغيرون عَلَيْهِم ويتخطفون أَوْلَادهم من البحائر والجنات الْمرة بعد الْمرة فتسلل جلهم للمعاش بالقرى والقبائل ونسوا أَمر الجندية والتمرس بالقنا والقنابل وتفرق مِنْهُم ذَلِك الْجُمْهُور وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور
وَلما وَقعت الزلزلة بمكناسة سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف حَسْبَمَا نذكرهُ فِي الْأَحْدَاث هلك من العبيد فَحسب نَحْو خَمْسَة آلَاف وَهَكَذَا لم يزَالُوا فِي
стр. 1358
تلاش واضمحلال وتناثر واختلال إِلَى أَن كَانَت دولة السُّلْطَان الْأَعْظَم الْمولى مُحَمَّد بن عبد الله ﵀ فَأدْرك مِنْهُم صبَابَة يسيرَة وعصابة حقيرة فاعتنى بهم وجمعهم من الْقَبَائِل بعد الانتشار وَأَحْيَا رسمهم بعد الاندثار وأظهرهم بعد الخمول وأركبهم المسومة من الْخُيُول وَرفع لَهُم الْأَعْلَام والبنود وصيرهم من أعز الْجنُود وَهُوَ الَّذِي جدد هَذِه الدولة الإسماعيلية بعد تلاشيها وأحياها بعد خمود جمرتها وتمزيق حواشيها بِحسن سيرته ويمن نقيبته رَحمَه الله تَعَالَى وَرَضي عَنهُ
وَهنا انْتهى بِنَا الْكَلَام على السَّادة الْأَشْرَاف أَوْلَاد الْمولى إِسْمَاعِيل رحم الله الْجَمِيع بمنه قَالَ أكنسوس وَالْحق الَّذِي لَا شكّ فِيهِ أَن كل من قَامَ مِنْهُم بعد بيعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الله فَإِنَّمَا هُوَ ثَائِر عَلَيْهِ لَا إِمَامه لَهُ وَإِنَّمَا يكون خَبره مسوقا من جملَة أَخْبَار دولة الْمولى عبد الله
قلت وَمثله يُقَال فِي السُّلْطَان الْمولى أَحْمد بن إِسْمَاعِيل فَهُوَ الإِمَام الْمُعْتَبر وَالْمولى عبد الْملك خَارج عَلَيْهِ وَقد علم من مَذْهَب الأشعرية أَن طرُو الْفسق لَا يعْزل الإِمَام وَالله تَعَالَى أعلم وَأحكم
انعطاف إِلَى سِيَاقَة الْخَبَر عَن خلَافَة سَيِّدي مُحَمَّد ابْن عبد الله بمراكش من مبتدئها إِلَى مُنْتَهَاهَا
قد تقدم لنا أَن السُّلْطَان الْمولى عبد الله كَانَ قد خرج سنة سبع وَخمسين وَألف فِي طلب أَخِيه الْمولى المستضيء إِلَى أَن شرده عَن بِلَاد مسفيوة وَأَنه قدم عَلَيْهِ هُنَالك أهل مراكش وَرَغبُوا إِلَيْهِ أَن يدْخل حَضرتهمْ وَلم يساعده الْوَقْت فَلَمَّا عزم على القفول إِلَى بِلَاد الغرب بعث وَلَده الْأَكْبَر الْمولى أَحْمد إِلَى رِبَاط الْفَتْح نَائِبا عَنهُ بهَا وأضاف إِلَيْهِ قبائل الشاوية وَبني حسن وَمَا بَينهمَا وَبعث وَلَده الْأَصْغَر سَيِّدي مُحَمَّدًا مَعَ أهل مراكش نَائِبا عَنهُ فِيهَا فَكَانَ ذَلِك أول انغراس شَجَرَة الْملك الْعلوِي بمراكش واتخاذها كرسيا لَهُم وَلما وصل سَيِّدي مُحَمَّد ﵀ إِلَى مراكش نزل بقصبتها وَهِي يَوْمئِذٍ خراب
стр. 1359
لَيْسَ بهَا إِلَّا آثَار السعديين والموحدين قبلهم قد أخنى عَلَيْهَا الدَّهْر وعشش بهَا الصدا والبوم فَضرب بهَا مضاربه ثمَّ شرع ﵀ فِي حفر أساس دَاره بالفضاء الْبعيد عَن الْقُصُور الخربة بهَا من دَاخل السُّور وَلما رأى عرب الرحامنة ذَلِك اتَّفقُوا على مَنعه لأَنهم كَانُوا قد ألفوا العيث فِي أَطْرَاف مراكش فأحبوا أَن لَا تكون بهَا دولة تكبحهم عَن ذَلِك فَاجْتمع طَائِفَة من غوغائهم وتقدموا إِلَى الْخَلِيفَة سَيِّدي مُحَمَّد وجبهوه بِالْمَنْعِ وأخرجوه عَن القصبة بعد أَن شرع فِي الْعَمَل فانتقل سَيِّدي مُحَمَّد ﵀ عَن مراكش إِلَى آسفي
وَأما الْمولى أَحْمد صَاحب العدوتين فَإِنَّهُ قدم رِبَاط الْفَتْح وَنزل بالقصبة مِنْهَا وانضاف إِلَيْهِ عبيد القصبة وَاسْتمرّ خَليفَة بهَا إِلَى أَن سمع أهل العدوتين مَا عَامل بِهِ الرحامنة خَليفَة مراكش فَجرى هَؤُلَاءِ على سُنَنهمْ وَاتَّفَقُوا على طرد الْمولى أَحْمد بن عبد الله عَن بِلَادهمْ فتقدموا إِلَيْهِ بِالْحَرْبِ وحاصروه بالقصبة وَمَعَهُ عبيد فلَان الَّذين كَانُوا فِيهَا إدالة من عهد السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل وَقَطعُوا الْميرَة وَالْمَاء إِلَى أَن مسهم الْجهد وعضهم الْحصار فطلبوا الْأمان أَن يخرجُوا بِأَنْفسِهِم فأمنوهم وَخرج الْمولى أَحْمد فَسَار إِلَى أَخِيه سَيِّدي مُحَمَّد بآسفي فَنزل عَلَيْهِ ثمَّ كَانَ آخر أمره أَن توفّي بفاس كَمَا مر سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف
وَلما خرج الْمولى أَحْمد إِلَى آسفي عمد أهل رِبَاط الْفَتْح إِلَى عبيد القصبة فأنزلوهم مِنْهَا وفرقوهم بِالْمَدِينَةِ حَتَّى لَا تبقى لَهُم شَوْكَة وَلَا عصبية هَذَا مَا كَانَ من خلَافَة الْمولى أَحْمد
وَأما خلَافَة سَيِّدي مُحَمَّد فَإِنَّهُ لما خرج من مراكش قَاصِدا إِلَى آسفي اعترضته قبائل عَبدة وأحمر وضيفوه ببلادهم وأهدوا إِلَيْهِ وتسابقوا على الْخَيل ولعبوا بالبارود سُرُورًا بمقدمه وتنويها بِشَأْنِهِ وصحبوه إِلَى آسفي فَدَخلَهَا وَنزل بقصبتها ففرح أهل آسفي بمقدمه واغتبطوا بِهِ وَكَانَ مبارك الناصية أَيْنَمَا توجه وَلما اطمأنت بِهِ الدَّار رفع إِلَيْهِ أهل آسفي هداياهم وتبعهم على ذَلِك تجار النَّصَارَى وَالْيَهُود وتباروا فِي ذَلِك وتنافسوا فِيهِ وَعمر سوقه عرب عَبده برجالاتهم وأعيانهم وبذلوا لَهُ أَوْلَادهم لخدمته وأوصلوه
стр. 1360
بِكُل مَا قدرُوا عَلَيْهِ وسرح للتجار وسق السّلع بالمرسى فأهرعت إِلَيْهِ المراكب من بر النَّصَارَى بأنواع سلعها وقصدها التُّجَّار بالبضائع من كل جِهَة يبيعون بهَا ويشترون وَكَثُرت الْخيرَات ونمت البركات فاستركب واستلحق وَعلا أمره وطار صيته فِي الْبِلَاد الحوزية وَدخل الشياظمة وحاحة فِي طَاعَته وتباروا فِي خدمته فَلم تمض عَلَيْهِ سِتَّة أشهر حَتَّى كَانَ يركب فِي نَحْو الْألف فَلَمَّا سمع الرحامنة مَا صَار إِلَيْهِ أَمر عَبدة وأحمر اقتالهم من تشرفهم بولائه وتقدمهم فِي خدمته نفسوا ذَلِك عَلَيْهِم وراجعوا بصائرهم فَاجْتمع طَائِفَة من أعيانهم وَقدمُوا عَلَيْهِ آسفي وَقدمُوا بَين يديهم هَدِيَّة استرضوه بهَا وَلما دخلُوا عَلَيْهِ اعتذروا إِلَيْهِ مِمَّا فرط مِنْهُم ونسبوا ذَلِك إِلَى السُّفَهَاء وَأَنَّهُمْ لم يأمروا بِشَيْء من ذَلِك وَلَا رضوه وأقسموا لَهُ أَن لَا يبرحوا من بَابه حَتَّى يسير مَعَهم إِلَى مراكش وَلَو أَقَامُوا هُنَالك سنة وأسعفهم وَسَار مَعَهم وَصَحبه من أَعْيَان عَبدة نَحْو ألف فَارس وَكَانَ فِي موكبه من أَصْحَابه وحاشيته نَحْو الْخَمْسمِائَةِ كلهم بالخيول المسومة والشارة الْحَسَنَة والشكة التَّامَّة
وَلما انْتهى إِلَى مراكش نزل بالقصبة وجاءه أهل مراكش بهداياهم وَكَذَا قبائل الْحَوْز ثمَّ تلاهم قبائل الدَّيْر كُله بهداياهم أَيْضا وَجَاء الرحامنة بأولادهم للْخدمَة السُّلْطَانِيَّة مُنَافَسَة لعبدة وأحمر فِي ذَلِك وقفاهم فِي ذَلِك سَائِر أهل الْحَوْز وَقدم عَلَيْهِ عبيد دكالة الَّذين كَانُوا بسلا فَاجْتمعُوا إِلَيْهِ وَحسنت مَنْزِلَتهمْ عِنْده وَلما سمع بذلك عبيد مكناسة تسللوا إِلَيْهِ فُرَادَى وأزواجا فاستعملهم فِي خدمَة الْبناء فبنوا بُيُوتهم وَأَصْلحُوا شؤونهم واجتهد هَذَا الْخَلِيفَة فِي بِنَاء دَاره الْكُبْرَى بقصبة مراكش إِلَى أَن أكملها وسكنها ثمَّ شرع فِي بِنَاء ماتلاشى من أسوار القصبة وَركب أَبْوَابهَا وأفردها عَن الْمَدِينَة ثمَّ غرس بستانا عَظِيما مُتَّصِلا بداره الْكُبْرَى على جِهَة الغرب سَمَّاهُ النّيل وَأسسَ قصرا آخرا مُتَّصِلا بغربي هَذَا الْبُسْتَان سَمَّاهُ الْقصر الْأَخْضَر وَيُسمى أَيْضا الْمَنْصُور وَجعل لهَذَا الْبُسْتَان أَرْبَعَة أَبْوَاب فِي زواياه الْأَرْبَع كَذَا قيل وَالْمَوْجُود الْيَوْم ثَلَاثَة أَبْوَاب فَقَط وَجعل لَهُ بَابَيْنِ آخَرين أَحدهمَا للدَّار الْكُبْرَى شرقا وَالْآخر للقصر الْأَخْضَر غربا وَجعل فِي وسط هَذَا الْبُسْتَان قبَّة منتخبة
стр. 1361
يتَّصل بهَا من جهاتها الْأَرْبَع مماشي تمْضِي إِلَى قباب أخر منتخبة أَيْضا وَطول هَذَا الْبُسْتَان ينيف على مِائَتي خطْوَة تَقْرِيبًا وَعرضه قريب من ذَلِك وَهَذَا الْقدر هُوَ مساحة مَا بَين القصرين أَعنِي الدَّار الْكُبْرَى وَالْقصر الْأَخْضَر ثمَّ أصلح هَذَا الْخَلِيفَة جَامع الْمَنْصُور الَّذِي بالقصبة إِذْ كَانَ متهدما يَوْمئِذٍ ثمَّ أسس مَسْجِدا آخر للخطبة بجوار قصره وَهُوَ الْمَعْرُوف الْيَوْم بِمَسْجِد بريمة وَهُوَ مَسْجِد حافل بديع وَبنى مدرستين لطلبة الْعلم بالقصبة الْمَذْكُورَة وَبنى حَماما ببريمة وَعمر مَسَاجِد غير ذَلِك للأحرار وَالْعَبِيد وَفرق الْأَمْوَال على من انحاش إِلَيْهِ مِنْهُم لعمارة مساكنهم وَبِنَاء دُورهمْ بعد أَن كَانَت من الطين والقصب وَكتب الْكَتَائِب وجند الأجناد فَاجْتمع لَدَيْهِ من العبيد ألف وَخَمْسمِائة كلهم فَارس شاكي السِّلَاح وَمن عَبدة وأحمر مثل ذَلِك وَمن الرحامنة وَأهل الْحَوْز ألف فَارس كَذَلِك
وَلما خرج العبيد بمكناسة على وَالِده وَقدمُوا عَلَيْهِ بمراكش مبايعين لَهُ عَاتَبَهُمْ وَقدم مكناسة وَأصْلح بَينهم وَبَين وَالِده كَمَا مر
وَلما كَانَت سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف غزا بِلَاد السوس ودوخها ومهد أقطارها وجبى أموالها وَقرر الحامية بتارودانت مِنْهَا ثمَّ سَار إِلَى آكادير فَقبض على الطَّالِب صَالح الثائر بِهِ والمستبد بِمَال مرساه فسجنه واستصفى أَمْوَاله الَّتِي استفادها من المرسى ورتب الحامية فِي آكادير أَيْضا ثمَّ إِن الطَّالِب صَالحا الْمَذْكُور ذبح نَفسه فِي السجْن وأفضى إِلَى مَا قدم بعد أَن ترك فِي الْقطر السُّوسِي صيتًا وذكرا وَهُوَ الَّذِي يُوجد طابعه على السِّلَاح السُّوسِي من مكحلة وسكين وخنجر إِلَى الْآن وَهُوَ سلَاح منتخب عِنْدهم
وقفل الْخَلِيفَة سَيِّدي مُحَمَّد ﵀ إِلَى مراكش مؤيدا منصورا فَمَكثَ فِيهَا أَيَّامًا يسيرَة ثمَّ خرج غازيا بِلَاد الشاوية فِي السّنة نَفسهَا لما ظهر مِنْهُم من الْفساد وَقطع الطرقات وَنهب الْمَارَّة فَقتل من أعيانهم عددا وَبعث الْبَاقِي فِي السلَاسِل إِلَى مراكش
ثمَّ تقدم إِلَى أَرض سلا فَبَاتَ برباط الْفَتْح وَخرج إِلَيْهِ أَهلهَا بالمؤن
стр. 1362
والهدايا وَاسْتَبْشَرُوا بمقدمه وَأما أهل سلا فَلم يخرج إِلَيْهِ مِنْهُم أحد بل أغلق صَاحبهَا عبد الْحق بن عبد الْعَزِيز فنيش أَبْوَابهَا فِي وَجهه فَأَعْرض عَنهُ سَيِّدي مُحَمَّد ﵀ وتنكب الْمُرُور بسلا وَعبر مشرع الْمجَاز أَسْفَل من العدوتين وَسَار إِلَى قصر كتامة من بِلَاد الهبط فَقدم عَلَيْهِ بِهِ عبيد مكناسة مَعَ كَبِيرهمْ الباشا الزياني وَفِي ذَلِك الْيَوْم قتل العبيد باشاهم الْمَذْكُور وَقتلُوا مَعَه الْقَائِد يُوسُف السِّلَاح لِأَنَّهُمَا كَانَا يمنعانهم من الْقدوم عَلَيْهِ إِلَى مراكش فولى عَلَيْهِم الْقَائِد سعيد بن العياشي وَمن الْغَد ارتحل إِلَى تطاوين فَتَلقاهُ أَهلهَا مَعَ قائدهم مُحَمَّد بن عمر الوقاش فَقبض عَلَيْهِ وتهدده ثمَّ أطلقهُ ثمَّ مضى إِلَى جِهَة سبتة حَتَّى أشرف عَلَيْهَا ثمَّ سَار مِنْهَا إِلَى طنجة ثمَّ كرّ رَاجعا فَمر بالعرائش ثمَّ بسلا فَلم يحفل بِهِ عبد الْحق أَيْضا فطوى لَهُ سَيِّدي مُحَمَّد ﵀ على الْبَتّ ثمَّ سَار إِلَى مراكش فاستقر بهَا مؤيدا منصورا إِلَى أَن وافته الْخلَافَة الْكُبْرَى بهَا بعد وَفَاة وَالِده ﵀
تمّ الْجُزْء السَّابِع ويليه الْجُزْء الثَّامِن وأوله الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله رَحمَه الله
стр. 1363
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الدولة العلوية
الْقسم الثَّانِي
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله ﵀
لما توفّي أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل فِي التَّارِيخ الْمُتَقَدّم أَعنِي السَّابِع وَالْعِشْرين من صفر الْخَيْر سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة وَألف كَانَ النَّاس قد سئموا الْهَرج والفتن وأعياهم التفاقم وَالِاضْطِرَاب وملوا الْحَرْب وملتهم إِذْ كَانَت أَيَّامه لَا سِيمَا أخرياتها كأيام الفترة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا سُلْطَان وَكَانَت حَال الرّعية مَعَه مثل الفوضى الَّذين لَا وازع لَهُم فَكَانَ ذَلِك من أقوى الْأَسْبَاب الَّتِي صرفت وُجُوه أهل الْمغرب كُله إِلَى بيعَة السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد ﵀ وجمعت كلمتهم عَلَيْهِ لَا سِيمَا مَعَ مَا كَانَ قد ظهر مِنْهُ أَيَّام خِلَافَته من حسن السياسة وَكَمَال النجدة وجودة الرَّأْي وَتَمام الْمعرفَة بإدارة الْأُمُور على وَجههَا وإجرائها على مُقْتَضى صوابها حَتَّى أحبته الْقُلُوب وعلقت بِهِ الآمال وَعرفت لَهُ من بَين بني أبيَّة تِلْكَ الشنشنة وتضافرت على ولائه وَنَصره الْقُلُوب والألسنة فَلَمَّا قضى الله بوفاة وَالِده بَادر أهل فاس إِلَى عقد الْبيعَة لَهُ من غير توقف وَلَا تريث
قَالَ وَلَده الْفَقِيه أَبُو مُحَمَّد الْمولى عبد السَّلَام بن مُحَمَّد بن عبد الله فِي كِتَابه الْمُسَمّى بدرة السلوك بُويِعَ لمولانا الْوَالِد السُّلْطَان الْأَعْظَم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله الْبيعَة الْعَامَّة الصَّحِيحَة التَّامَّة وحضرها جمَاعَة من أَعْيَان
стр. 1364
الْعلمَاء مثل قَاضِي الْجَمَاعَة بمكناسة السَّيِّد سعيد العميري وقاضي الْجَمَاعَة بفاس السَّيِّد عبد الْقَادِر أبي خريص وَشَيخ الْجَمَاعَة بهَا السَّيِّد مُحَمَّد بن قَاسم جسوس وَالْإِمَام الْمُحَقق حَامِل لِوَاء الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول الشَّيْخ أبي حَفْص عمر الفاسي وَابْن عَمه السَّيِّد أبي مَدين الفاسي وَهُوَ الَّذِي تولى كِتَابَة الْبيعَة بِيَدِهِ وَإِمَام جَامع الشرفاء بفاس الْأُسْتَاذ الْمولى عبد الرَّحْمَن المنجرة وَالشَّيْخ الْعَلامَة السَّيِّد التاودي ابْن سَوْدَة المري وَإِمَام الْمَسْجِد الْكَبِير بفاس الْجَدِيد السَّيِّد عبد الله السُّوسِي وَالْإِمَام الْحَافِظ السَّيِّد أبي الْعَلَاء إِدْرِيس الْعِرَاقِيّ وَغَيرهم مِمَّن لَا يُحْصى كَثْرَة
وَقَوله فِي قَاضِي مكناسة السَّيِّد سعيد العميري صَوَابه ابْنه أَبُو الْقَاسِم العميري
وَوصل الْخَبَر بِمَوْت السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى ابْنه سَيِّدي مُحَمَّد وَهُوَ بمراكش فَأَقَامَ مأتمه وازدحم على بيعَته أهل مراكش وقبائل الْحَوْز والدير وقدمت عَلَيْهِ وُفُود السوس وحاحة بهداياهم ثمَّ قدم عَلَيْهِ العبيد والودايا وَأهل فاس من الْعلمَاء والأشراف وَسَائِر الْأَعْيَان وقبائل الْعَرَب والبربر وَالْجِبَال وَأهل الثغور كل ببيعته وهديته لم يتَخَلَّف عَنهُ أحد من أهل الْمغرب فَجَلَسَ للوفود إِلَى أَن فرغ من شَأْنهمْ وَأَجَازَهُمْ وَزَاد العبيد بِأَن أَعْطَاهُم خيلا كَثِيرَة وسلاحا كثيرا عرفُوا بهَا محلهم من الدولة وانقلبوا مسرورين مغتبطين
مَجِيء السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله عقب الْبيعَة من مراكش إِلَى فاس وَمَا اتّفق لَهُ فِي ذَلِك
لما فرغ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى مُحَمَّد ﵀ من أَمر الْوُفُود أَخذ فِي الاستعداد للنهوض إِلَى الغرب فَخرج من مراكش فِي عَسْكَر الْحَوْز ووجوهة حَتَّى انْتهى إِلَى مكناسة فَدخل دَار الْملك بهَا وَفرق على العبيد الْخَيل وَالسِّلَاح وَالْمَال وَكَانُوا على غَايَة من سوء الْحَال والاستكانة لغَلَبَة البربر إِذْ كَانُوا يتخطفون أَوْلَادهم من البحائر والجنات ويبيعونهم فِي
стр. 1365
قبائلهم كَمَا قُلْنَا فجبر الله صدعهم بِولَايَة هَذَا السُّلْطَان الْجَلِيل
ثمَّ لما قضى إربه من مكناسة ارتحل إِلَى فاس وَلما نزل فِي عساكره بالصفصافة خرج لملاقاته الودايا وَأهل فاس فهش للنَّاس وألان جَانِبه لَهُم وَاخْتَلَطَ بهم فَكَانُوا يطوفون بِهِ ويقبلون أَطْرَافه وَلَا يمنعهُم أحد وَفرق المَال وَالْكِسْوَة وَالسِّلَاح فِي الودايا وَعبيد السلوقية وَأعْطى الْفُقَهَاء والأشراف وطلبة الْعلم وَأهل الْمدَارِس والمكتبيين وَالْأَئِمَّة والمؤذنين والفقراء وَالْمَسَاكِين وأزاح علل الْجَمِيع وَلم يحرم أحدا وَلما حضرت الْجُمُعَة جَاءَ من الْمحلة فِي تَرْتِيب حسن وزي عَجِيب فَخرج أهل البلدين لرُؤْيَته وامتلأت الأَرْض من العساكر والنظارة وَدخل فاسا الْجَدِيد فصلى بِهِ الْجُمُعَة ثمَّ جلس لفقهاء الْوَقْت وَسَأَلَ عَنْهُم وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى عرفهم ثمَّ خرج إِلَى تربة وَالِده فزارها وَأمر بتفريق الصَّدقَات عِنْدهَا وترتيب الْقُرَّاء بهَا ثمَّ دخل إِلَى دَار الْحرم فَوقف على من بهَا من أخواته وعزاهن فِي مصاب والدهن وَطيب نفوسهن ثمَّ رَجَعَ عَشِيَّة النَّهَار إِلَى الْمحلة فَبَاتَ بهَا وَمن الْغَد جَاءَ إِلَى دَار الدبيبغ فَدَخلَهَا ووقف على متخلف وَالِده من مَال وأثاث وَسلَاح وخيل إِلَى أَن عاينه وأحصاه وَأبقى ذَلِك بيد من كَانَ بِيَدِهِ من أَصْحَاب وَالِده وأوصاهم بالاحتفاظ بِهِ بعد أَن جعل الْجَمِيع إِلَى نظر الْحَاجِب أبي مُحَمَّد عبد الْوَهَّاب اليموري وعامل أَصْحَاب أَبِيه بالجميل وخفض لَهُم الْجنَاح وألان لَهُم القَوْل ووصلهم بِمَال اقتسموه فِيمَا بَينهم ثمَّ بعد ذَلِك حَاز مِنْهُم مَا كَانَ بِأَيْدِيهِم من مَال وَالِده فَكَانَ أَكْثَره ذَهَبا من ذَلِك ألف خرج وَتَسْمِيَة المغاربة السماط من الْجلد الفيلالي بأقفالها فِي كل وَاحِد ألفا دِينَار بالتثنية من ضربه وَكَانَت تكون على سروج خيله فِي السّفر فَإِذا نزل الْجَيْش وَضربت الأخبية رَفعهَا الموكلون بهَا كل وَاحِد اسْمه وعينه إِلَى الْقبَّة السُّلْطَانِيَّة وَعند الرحيل كَذَلِك تدفع لَهُم بالإحصاء وَالتَّقْيِيد وَمن ذَلِك مائَة رحى من الذَّهَب الْخَالِص كقرص الشمع فِي كل رحى وزن أَرْبَعَة آلَاف ريال وَكَانَت تكون مَحْمُولَة على البغال فِي أعدالها مغطاة بالقطائف الْمُسَمَّاة عِنْد المغاربة بالحنابل مشدودا عَلَيْهَا بالحبال أَربع أرحاء فِي كل
стр. 1366
عَدْلَيْنِ فالمجموع خمس وَعِشْرُونَ بغلة تسير أَمَامه فَإِذا نزل الْجَيْش رفعت إِلَى الْقبَّة السُّلْطَانِيَّة كَالَّذي قبلهَا
وَكَانَ السُّلْطَان الْمولى عبد الله ﵀ يرى ذَلِك من الحزم حَيْثُ يحمل مَاله مَعَه أَيْنَمَا سَار لَا يُفَارِقهُ وَمِمَّا وجده سَيِّدي مُحَمَّد من مَال وَالِده أَيْضا ثَلَاثمِائَة ألف ريال إِلَّا خَمْسَة عشر ألفا وَوجد نَحْو الْعشْرين ألفا من الموزونات الدقيقة من ضرب سكته هَذَا مَا خَلفه ﵀ من المَال الصَّامِت وَكَانَ يكون على يَد الْقَائِد علال بن مَسْعُود من وصفانه فحاز ذَلِك كُله أَمِير الْمُؤمنِينَ سَيِّدي مُحَمَّد وَنَقله إِلَى محلته ووكل بِهِ وزعته وَتقدم إِلَى أَصْحَابه بِأَن يعاملوا أَصْحَاب أَبِيه بالتوقير والاحترام ونظمهم فِي سلك خدمته فَمن ظَهرت نجابته أدناه وَمن لَا عِبْرَة بِهِ أقصاه
ثمَّ وَفد عَلَيْهِ بفاس عَامَّة قبائل الغرب وازدلفوا اليه بالهدايا والتحف فَأكْرم كلا بِمَا يُنَاسِبه وَكَانَ فِي ابْتِدَاء أمره سهل الْحجاب رَفِيقًا لم يعْزل أحدا من قواد الْقَبَائِل وعمال الحواضر الَّذين كَانُوا فِي دولة أَبِيه فِي حكم الاستبداد بل أبقى مَا كَانَ وَلم ينكب أحدا إِلَّا بعد الِاسْتِبْرَاء والاختبار غير أَن أهل تطاوين كَانَ قائدهم أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر الوقاش منحرفا عَنهُ أَيَّام خِلَافَته بمراكش فَكَانَ إِذا كتب اليه بِأَمْر نبذه وَرَاء ظَهره وَرُبمَا قَالَ للرسول الْمَرْأَة لَا تتَزَوَّج برجلَيْن أَو كلَاما يشبه هَذَا يَعْنِي أَنه مجبور لطاعة السُّلْطَان الْمولى عبد الله
فَلَمَّا بُويِعَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد وَقدم حَضْرَة فاس انقبض عَنهُ الوقاش الْمَذْكُور وعاذ بضريح الشَّيْخ عبد السَّلَام بن مشيش بِمَالِه وَولده خوفًا على نَفسه من السُّلْطَان لسوء مَا قدم ثمَّ قدم عَلَيْهِ أهل تطاوين طائعين متنصلين من فعل عاملهم الْمَذْكُور ومخبرين بِشَأْنِهِ فولى السُّلْطَان عَلَيْهِم الْفَقِيه أَبَا مُحَمَّد عبد الْكَرِيم بن زاكور أحد كِتَابه كَانَ بَعثه من مراكش إِلَى العرائش واليا عَلَيْهَا فَلَمَّا وَفد عَلَيْهِ أهل تطاوين ولاه عَلَيْهِم لكَونه حضريا مثلهم وَأقَام السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد ﵀ بفاس شَهْرَيْن وَعَاد إِلَى مكناسة وَالله أعلم
стр. 1367
إِحْدَاث المكس بفاس وبسائر أَمْصَار الْمغرب وَمَا قيل فِي ذَلِك
لما بُويِعَ السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله ﵀ وَقدم حَضْرَة فاس رفع إِلَيْهِ أَهلهَا مَا كَانُوا يؤدونه إِلَى وَالِده الْمولى عبد الله مِمَّا كَانَ موظفا على الموازين كميزان سَيِّدي فرج وميزان قاعة السّمن وميزان قاعة الزَّيْت وَغير ذَلِك وَقدره ثَلَاثمِائَة مِثْقَال فِي كل شهر يجب فِيهَا لكل سنة ثَلَاثَة آلَاف مِثْقَال وسِتمِائَة مِثْقَال
فَلَمَّا حضر فُقَهَاء فاس عِنْد السُّلْطَان سَيِّدي مُحَمَّد كَلمهمْ فِي شَأْنهَا حَتَّى يكون الْأَمر فِيهَا مُسْندًا إِلَى فَتْوَى الْفُقَهَاء فَقَالُوا إِذا لم يكن للسُّلْطَان مَال جَازَ لَهُ أَن يقبض من الرّعية مَا يستخدم بِهِ الْجند فَأَمرهمْ أَن يكتبوا لَهُ فِي ذَلِك فَكَتَبُوا لَهُ تأليفا اعْتَمدهُ السُّلْطَان ووظف على الْأَبْوَاب والغلات والسلع وَكَانَ مِمَّن كتب لَهُ فِي ذَلِك الْعَلامَة الشَّيْخ التاودي ابْن سَوْدَة والعلامة الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم جسوس وَالْإِمَام أَبُو حَفْص عمر الفاسي والفقيه الشريف أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن المنجرة والفقيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الصَّادِق الطرابلسي والفقيه القَاضِي أَبُو مُحَمَّد عبد الْقَادِر أَبُو خريص وَغَيرهم فاعتمد السُّلْطَان على فتواهم ووظف مَا ذَكرْنَاهُ آنِفا
وَاعْلَم أَن أَمر المكس مِمَّا عَمت بِهِ الْبلوى فِي سَائِر الأقطار والدول مُنْذُ الْأَعْصَار المتطاولة والسنين الأول فَلَا بَأْس أَن نذْكر مَا حَرَّره الْعلمَاء فِي ذَلِك فَنَقُول قد تكلم على ذَلِك الإِمَام حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ ﵁ فِي كِتَابه شِفَاء الغليل بِمَا نَصه فَإِن قَالَ قَائِل توظيف الْخراج على الأَرْض وَوُجُوب الارتفاقات مصلحَة ظَاهِرَة لَا تنتظم أُمُور الْوُلَاة فِي رِعَايَة الْجند والاستظهار بكثرتهم وَتَحْصِيل شَوْكَة الْإِسْلَام إِلَّا بِهِ وَلذَلِك لم يلف عصر خَالِيا عَنهُ والملوك على تفَاوت سيرهم وَاخْتِلَاف أَخْلَاقهم تطابقوا عَلَيْهِ وَلم يستغنوا عَنهُ فَلَا تنتظم مصلحَة الدّين وَالدُّنْيَا إِلَّا بِإِمَام مُطَاع ووال
стр. 1368
مُتبع يجمع شتات الْإِيمَان ويحمي حوزة الدّين وبيضة الْإِسْلَام ويرعى مصلحَة الْمُسلمين وغبطة الْأَنَام وَلَا يستتب ذَلِك إِلَّا بنجدته وشوكته وَجُنُوده وعدته فيهم مجاهدة الْكفَّار وحماية الثغور وكف أَيدي الطغاة المارقين ومنعهم من مد الْأَيْدِي إِلَى الْأَمْوَال وَالْحرم والأزواج فهم الحراس للدّين عَن أَن تنْحَل دعائمه وتتخاذل قواه بتوغل الْكفَّار فِي بِلَاد الْمُسلمين وهم الحماة للدنيا عَن أَن يخْتل نظامها بالتغالب والتسالب والتواثب من طغام النَّاس بِفضل العرامة والباس وَلَا يخفى عَلَيْكُم كَثْرَة مؤنهم واستيعاب حاجاتهم فِي نُفُوسهم وعيالهم والمرصد لَهُم خمس الْخمس من الْغَنَائِم والفيء وَذَلِكَ مِمَّا يضيق فِي غَالب الْأَمر عَن الْوَفَاء بخراجاتهم والكفاية لحاجاتهم وَلَيْسَ يعم ذَلِك الا بتوظيف الْخراج على الْأَغْنِيَاء فَإِن كُنْتُم تتبعون الْمصَالح فَلَا بُد من الترخيص فِي ذَلِك مَعَ ظُهُور الْمصلحَة
قُلْنَا الَّذِي نرَاهُ جَوَاز ذَلِك عِنْد ظُهُور الْمصلحَة وَإِنَّمَا النّظر فِي بَيَان وَجه الْمصلحَة فَنَقُول أَولا التوظيف فِي عصرنا هَذَا مزاجه ومنهاجه ظلم مَحْض لَا رخصَة فِيهِ فَإِن آحَاد الْجند لَو استوفيت جراياتهم ووزعت على الكافة لكفتهم بُرْهَة من الدَّهْر وَقدرا صَالحا من الْوَقْت وَقد شمخوا بتنعمهم وترفههم فِي الْعَيْش وإسرافهم فِي إفَاضَة الْأَمْوَال على العيارة ووجوه التجمل على سَائِر الأكاسرة فَكيف يقدر احتياجهم إِلَى توظيف خراج لإمدادهم وإرفاقهم وكافة أَغْنِيَاء الدَّهْر فُقَرَاء بِالْإِضَافَة إِلَيْهِم فَأَما لَو قَدرنَا إِمَامًا مُطَاعًا مفتقرا إِلَى تَكْثِير الْجند لسد الثغور وحماية الْملك بعد اتساع رقعته وانبساط خطته وَقد خلا بَيت المَال عَن المَال وأرهقت حَاجَة الْجند إِلَى مَا يكفيهم وخلت عَن مِقْدَار كفايتهم أَيْديهم فللإمام أَن يوظف على الْأَغْنِيَاء مَا يرَاهُ كَافِيا لَهُم فِي الْحَال إِلَى أَن يظْهر مَال فِي بَيت المَال ثمَّ إِلَيْهِ النّظر فِي توظيف ذَلِك على وُجُوه الغلات والارتفاقات بِحَيْثُ لَا يُؤَدِّي تَخْصِيص بعض النَّاس بِهِ إِلَى إيغار الصُّدُور وإيحاش الْقُلُوب وَيَقَع ذَلِك
стр. 1369
قَلِيلا من كثير وَلَا يجحف بهم وَيحصل بِهِ الْغَرَض ثمَّ اسْتدلَّ الشَّيْخ أَبُو حَامِد ﵁ لذَلِك من النَّقْل وَالْعقل بِمَا يطول جلبه
وَقَالَ فِي كِتَابه الْمُسْتَصْفى مَا نَصه إِن قيل توظيف الْخراج من الْمصَالح فَهَل إِلَيْهِ من سَبِيل قُلْنَا لَا سَبِيل إِلَيْهِ مَعَ كَثْرَة الْأَمْوَال فِي أَيدي الأجناد أما إِذا خلت الْأَيْدِي وَلم يكن فِي بَيت المَال مَا يَفِي بخراجات الْعَسْكَر وَلَو تفَرقُوا وَاشْتَغلُوا بِالْكَسْبِ لخيف دُخُول الْكفَّار بِلَاد الْإِسْلَام فَيجوز للْإِمَام أَن يوظف على الْأَغْنِيَاء مِقْدَار كِفَايَة الْجند ثمَّ إِن رأى فِي طَرِيق التَّوْزِيع التَّخْصِيص بالأراضي فَلَا حرج لأَنا نعلم أَنه إِذا تعَارض شران وضرران وَجب دفع أَشد الضررين وَأعظم الشرين وَمَا يُؤَدِّيه كل وَاحِد مِنْهُم قَلِيل بِالْإِضَافَة إِلَى مَا يخاطر بِهِ من نَفسه وَمَاله وَلَو خلت خطة الْإِسْلَام عَن ذِي شَوْكَة يحفظ نظام الْأُمُور وَيقطع مَادَّة الشرور لفسدت الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَقَوله على الْأَغْنِيَاء يُرِيد من لَهُ قدرَة وطاقة على دفع شَيْء لَا يجحف بِهِ وَوَقع فِي جَوَاب للْقَاضِي أبي عمر بن مَنْظُور ﵀ إِن لضرب الْخراج وتوظيفه على الْمرَافِق شُرُوطًا الأول مِنْهَا أَن يعجز بَيت المَال وتتعين حَاجَة الْجند فَلَو كَانَ فِي بَيت المَال مَا يقوم بِهِ لم يجز أَن يفْرض على الرّعية شَيْء قَالَ ﷺ لَا يدْخل الْجنَّة صَاحب مكس وَهُوَ إغرام المَال ظلما ثَانِيهمَا إِن الإِمَام يتَصَرَّف فِيهِ بِالْعَدْلِ فَلَا يجوز لَهُ أَن يستأثر بِهِ دون الْمُسلمين وَلَا أَن يُنْفِقهُ فِي سرف وَلَا أَن يُعْطي من لَا يسْتَحق وَلَا أَن يُعْطي أحدا أَكثر مِمَّا يسْتَحق ثَالِثهَا أَن يصرفهُ فِي مصروفه بِحَسب الْمصلحَة وَالْحَاجة لَا بِحَسب الشَّهْوَة وَالْغَرَض وَهَذَا يرجع إِلَى الثَّانِي رَابِعهَا أَن يكون الْغرم على من يكون قَادِرًا عَلَيْهِ من غير ضَرَر وَلَا إجحاف وَمن لَا شَيْء لَهُ أَو لَهُ شَيْء قَلِيل فَلَا يغرم شَيْئا خَامِسهَا أَن الإِمَام يتفقد هَذَا فِي كل وَقت فَرُبمَا جَاءَ وَقت لَا يفْتَقر فِيهِ إِلَى زِيَادَة على مَا فِي بَيت المَال وَكَذَلِكَ إِذا تعيّنت الْمصلحَة فِي
стр. 1370
المعونة بالأبدان وَلم يكف المَال فَإِن النَّاس يجبرون على التعاون بأبدانهم على الْأَمر الدَّاعِي للمعونة بِشَرْط الْقُدْرَة وَتعين الْمصلحَة والافتقار إِلَى ذَلِك انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ وَالله تَعَالَى أعلم
مقتل أبي الصخور الخمسي وَمَا كَانَ من أمره
لما رَجَعَ السُّلْطَان مُحَمَّد بن عبد الله من فاس إِلَى مكناسة أَقَامَ بهَا يَسِيرا ثمَّ خرج إِلَى جبال غمارة بِسَبَب مَا بلغه عَن المرابط أبي عبد الله مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الخمسي الْمَعْرُوف بِأبي الصخور وَكَانَ لَهُ صيت وشهرة بقبائل الْجَبَل وَكَانَ يظْهر التنسك وَالْعِبَادَة وَيَزْعُم أَنه يستخدم الْجِنّ فَكَانَ للعامة فِيهَا اعْتِقَاد كَبِير ثمَّ صَار يَقُول للنَّاس هَذَا السُّلْطَان لَا تطول مدَّته فَأَخذه السُّلْطَان وَقَتله وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى فاس وَولى على قبائل غمارة والأخماس وَتلك النواحي الباشا العياشي وأنزله بِمَدِينَة شفشاون وقفل إِلَى مكناسة فَدَخلَهَا مَرِيضا فاتح محرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَمِائَة وَألف فَقَالَ المرجفون مَا أَصَابَهُ الْمَرَض إِلَّا من قَتله لأبي الصخور وَقَالُوا إِنَّه قد صدق فِي قَوْله لَا تطول مدَّته فعافى الله السُّلْطَان وأكذب ظن الشَّيْطَان وَأقَام السُّلْطَان بمكناسة إِلَى أَن انْسَلَخَ الْمحرم وَدخل صفر فَعَاد إِلَى مراكش بعد أَن أَمر بِنَقْل عبيد السلوقية إِلَى مكناسة وضمهم إِلَى إخْوَانهمْ واستصحب مَعَه إِلَى مراكش من رجالتهم ألفا فَلَمَّا دَخلهَا أَعْطَاهُم الْخَيل وَالسِّلَاح والكسي وعادوا إِلَى مكناسة ثمَّ قدم عَلَيْهِ مِنْهُم ألف آخر فأركبهم وكساهم وَاسْتمرّ حَاله مَعَهم على هَذَا إِلَى أَن استوفوا خيلهم وسلاحهم وكساهم وَلم يسألهم عَمَّا كَانَ فِي أَيْديهم أَيَّام الفترة
следующие страницы →