Полный текст (1 747 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
واربعين وَمِائَة وَألف فازداد الْأَمر شدَّة وَارْتَفَعت الأسعار وانعدمت الأقوات وَكثر الْهَرج فبعثوا إِلَى السُّلْطَان فِي الصُّلْح فَقَالَ على تَسْلِيم الْبَسَاتِين والقصاب فَأَبَوا وتجلدوا ثمَّ بعد ذَلِك وَقع الصُّلْح على يَد الْقَائِد أبي عبد الله مُحَمَّد السلاوي بضريح الْمولى إِدْرِيس ﵁ واستصحب مَعَه جمَاعَة من أَشْرَاف فاس وعلمائها إِلَى السُّلْطَان وَهُوَ بفاس الْجَدِيد فَأكْرم مقدمهم ووصلهم بِأَلف دِينَار وكساهم وَولى عَلَيْهِم الْحَاج أَبَا الْحسن عليا السلاوي فَدخل الْوَالِي الْمَذْكُور القصبة ثَانِي ربيع النَّبَوِيّ سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وشحن الْبَسَاتِين والقصاب بالمقاتلة من أَصْحَابه وافتتح عمله بقتل الشَّيْخ دحمان المنجاد من رُؤَسَاء فاس وَلما اتَّصل خَبره بالسلطان عَزله وَولى على فاس أحد أَوْلَاد حمدون الروسي الْمَعْرُوف بالبادسي ثمَّ بعد مُدَّة يسيرَة عَزله وَولى عبد النَّبِي بن عبد الله الروسي ثمَّ لما عزم على النهوض إِلَى مكناسة عَزله أَيْضا وَولى عَلَيْهِم عدوهم حمدون الروسي وارتحل فِي الْعشْرين من ربيع الأول من السّنة
وَفِي هَذِه السّنة بعث السُّلْطَان وَلَده الْمولى مُحَمَّدًا مَعَ أمه السيدة خناثى إِلَى الْحجاز بِقصد حج الْبَيْت وَالْمولى مُحَمَّد يَوْمئِذٍ دون بُلُوغ وَفِي نشر المثاني إِن هَذِه الْحجَّة كَانَت سنة ثَلَاث بعْدهَا قَالَ إِن أم السُّلْطَان الْمولى عبد الله وَهِي السيدة خناثى بنت بكار المغفرية التمست من وَلَدهَا الْمَذْكُور السّفر إِلَى الْمشرق بِقصد حج بَيت الله الْحَرَام فأجابها إِلَى ذَلِك وهيأ لَهَا جَمِيع مَا تحْتَاج إِلَيْهِ وَوجه مَعهَا وَلَده الَّذِي أيد الله بِهِ الدُّنْيَا وَالدّين بعده سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله فحج مَعهَا فِي هَذِه السّنة يَعْنِي سنة ثَلَاث واربعين وَمِائَة وَألف
стр. 1297
نهوض السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى قتال البربر وإيقاعه بهم
لما اسْتَقر السُّلْطَان الْمولى عبد الله بمكناسة وتفقد حَال البربر وجدهَا قد عَادَتْ إِلَى حَالهَا الأول من ركُوب الْخَيل واقتناء السِّلَاح والعيث فِي الطرقات فَأمر العبيد بالاستعداد لغزوهم وتمهيد الْبِلَاد وَالتَّقْصِير من بأوهم فَخرج إِلَى تادلا وصمد إِلَى آيت يمور الَّذين كَانُوا قد نزلُوا بهَا وأضروا بِأَهْلِهَا حِين نفتهم آيت ومالو عَن رَأس ملوية وغلبوهم عَلَيْهِ فنزلوا تادلا وأوقدوها نَارا فَكثر شاكيهم بِبَاب السُّلْطَان فَنَهَضَ إِلَيْهِم على مَا سبق وَلما أحسوا بدنوه مِنْهُم فروا أَمَامه ودخلوا بِلَاد آيت يسري فَتَبِعهُمْ إِلَى أَن أوقع بهم على وَادي العبيد وَقتل مِنْهُم آلافا وانتهبهم وَعَاد إِلَى تادلا ظافرا وَالله غَالب على أمره
ذكر مَا صدر من السُّلْطَان الْمولى عبد الله من العسف المخل بالسياسة والتناقض المغير فِي وَجه الرياسة
لما عَاد السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى تادلا قتل عشْرين رجلا من أَعْيَان رُمَاة أهل فاس وَكتب إِلَى إخْوَانهمْ يعْتَذر عَن قتل من قتل مِنْهُم وَيَأْمُرهُمْ بتجديد بعث آخر وتوجيهه إِلَيْهِ فعينو طَائِفَة من رماتهم وجهوها بعد أَن عرضهَا الْقَائِد حمدون الروسي بِرَأْس المَاء ثمَّ من الْغَد قتل الْقَائِد حمدون الْمَذْكُور عبد الْوَاحِد تيبر وَمُحَمّد بن الْأَشْهب من أهل فاس بِبَاب السجْن وَأمر بجرهما فِي سِكَك الْمَدِينَة ثمَّ أصبح غاديا على أَبْوَاب فاس فتتبعها بالهدم فهدم بَاب المحروق وَبَاب الْفتُوح وَبَاب الجيسة وَبَاب بني مُسَافر وَبَاب الْحَدِيد وَحمل مصاريعها كلهَا إِلَى فاس الْجَدِيد وَفِي أول يَوْم من الْمحرم من سنة ثَلَاث واربعين وَمِائَة وَألف شرع حمدون الروسي فِي هدم سور مَدِينَة فاس وجر الأنقاض الَّتِي بهَا إِلَى فاس الْجَدِيد وَفِي أثْنَاء ذَلِك
стр. 1298
ورد كتاب من السُّلْطَان يتَضَمَّن الْعَفو عَن أهل فاس وَالرِّضَا عَنْهُم فارتاب حمدون الروسي وفر إِلَى زرهون ثمَّ قفل السُّلْطَان من تادلا فَأَقَامَ بمكناسة مُدَّة يسيرَة وَخرج غازيا بِلَاد السوس فَقَدمهَا ومهدها وَعَاد مؤيدا منصورا وَفِي هَذِه السّنة أَمر بِبِنَاء بَاب مَنْصُور العلج بمكناسة فجَاء فِي غَايَة الضخامة والفراهة وأكمل سوق القصبة فجَاء على مَا يَنْبَغِي وَالله أعلم
هدم السُّلْطَان الْمولى عبد الله مَدِينَة الرياض من حَضْرَة مكناسة وَمَا اتَّصل بذلك
كَانَت مَدِينَة الرياض زِينَة مكناسة وبهجتها إِذْ كَانَ بهَا آثَار أكَابِر دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى إِسْمَاعِيل ﵀ وَبهَا دور الْعمَّال والقواد وَالْكتاب وَسَائِر أَعْيَان الحضرة الإسماعيلية بل كل من كَانَ لَهُ وظيف فِي خدمتها السُّلْطَانِيَّة بنى دَاره بهَا وتنافس الأكابر والرؤساء فِي تشييد الدّور وتنجيد الْقُصُور وَتَنَاهوا فِي ذَلِك حَتَّى كَانَ بدار عَليّ بن يشي القبلي أَربع وَعِشْرُونَ حَلقَة يجمعها بَاب وَاحِد وَكَانَت دَار الْقَائِد عبد الله الروسي وَأَوْلَاده على ذَلِك المنوال بل أعظم ضخامة وأكمل حضارة حَتَّى كَأَنَّهَا حومة مُسْتَقلَّة وَكَانَ لأمثالهما من القواد مثل ذَلِك أَو قريب مِنْهُ فخلدوا بهَا الْآثَار الْعَظِيمَة والمعالم الفخيمة وَبنى كل عَامل مَسْجِدا فِي حومته وَكَانَ بوسطها الْمَسْجِد الْأَعْظَم الْإِسْمَاعِيلِيّ ومدرسته وحمامه وفنادقه وأسواقه الموقوفه عَلَيْهِ وَكَانَت تنْفق بهَا البضائع الَّتِي لَا تنْفق فِي غَيرهَا فَأتى عَلَيْهَا من أَيَّام النحوس يَوْم ركب السُّلْطَان الْمولى عبد الله عِنْد فجره ووقف على تل عَال يشرف مِنْهُ عَلَيْهَا وَأمر النَّصَارَى والشعابنية بهدمها فتسارعوا إِلَيْهَا وشرعوا فِي هدمها من كل نَاحيَة وَالنَّاس نيام فَلم يرعهم إِلَّا بُيُوتهم تتساقط عَلَيْهِم فَمن أسْرع وخف بِحمْل مَتَاعه وآثاثه نجا وَمن لَا معِين لَهُ أَو ترَاخى فِي حمل مَتَاعه ضَاعَ تَحت التُّرَاب وَكَانَ بهَا طَائِفَة كَبِيرَة من أَخْوَاله الودايا وَغَيرهم فارتحل
стр. 1299
الودايا إِلَى فاس الْجَدِيد وانضموا إِلَى إخْوَانهمْ الَّذين بهَا وتفرق غَيرهم بِمَدِينَة مكناسة وَلم تمض عشرَة أَيَّام حَتَّى صَارَت مَدِينَة الرياض كدية من التُّرَاب وَلم يبْق بهَا إِلَّا الأسوار قَائِمَة الإشخاص والجدران مائلة للعيان وَالْأَمر لله وَحده
قَالُوا وَفِي هَذِه السّنة بعث السُّلْطَان الْمولى عبد الله بعثا مَعَ الْقَائِد أبي عمرَان مُوسَى الجراري إِلَى بعض الْجِهَات وَكَانُوا نَحْو ثَلَاثمِائَة فَلَمَّا قدمُوا عَلَيْهِ قَتله وَقتل أَصْحَابه مَعَه وَقدم عَلَيْهِ أَيْضا وَفد من عِنْد الباشا أَحْمد بن عَليّ الريفي فِي مثل هَذَا الْعدَد من طنجة وَمَعَهُمْ هَدِيَّة الباشا الْمَذْكُور فَقَتلهُمْ فَكَانَ قَتلهمْ سَبَب نفرة أَحْمد بن عَليّ عَنهُ وسعيه فِي إِفْسَاد دولته وَقتل أَيْضا من قَبيلَة حجاوة مِائَتي رجل على دَعْوَى قطع الطَّرِيق ببلادهم وَلما أَمر بِقَتْلِهِم وأخرجوا إِلَى الْمحل الْمعد لذَلِك خرج النظارة والبطالون من أهل الْبَلَد للفرجة عَلَيْهِم بِبَاب البطيوي فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذا بالسلطان قد برز من الْبَاب وَلما رأى اجْتِمَاع النَّاس قصد نحوهم فَلَمَّا رَأَوْهُ فروا إِلَى كَهْف هُنَاكَ قريب فاختفوا فِيهِ فَأتى السُّلْطَان حَتَّى وقف على بَاب الْكَهْف وَكَانَ من قربه أكوام من حجر أعدت للْبِنَاء بهَا فَأمر الأعوان من المسخرين بِوَضْع أسلحتهم وردم بَاب الْكَهْف بذلك الْحجر مَعَ التُّرَاب فَفَعَلُوا وَهلك ذَلِك الْجمع الْكثير غما وَلم يُوقف لَهُم بعد على خبر وَلَا عرف لَهُم عدد وَلما صدرت مِنْهُ هَذِه الْأَفْعَال الشنيعة عَفا الله عَنهُ كتب إِلَيْهِ أهل الدِّيوَان من مَشْرُوع الرملة يُنكرُونَ عَلَيْهِ قَتله للْمُسلمين دون مُوجب فَبعث إِلَيْهِم بالراتب وَأمرهمْ بالتهيؤ لغزو أهل فازاز فشغلهم بذلك
وَفِي هَذِه السّنة بعث مُحَمَّد بن عَليّ بن يشي الزموري القبلي واليا على فاس وَقَالَ لَهُ خُذ مِنْهُم المَال واطرحه فِي وَادي أبي الخراريب وَلَا تتركه لَهُم فَمَا أطغاهم إِلَّا المَال حَتَّى استخفوا بِأَمْر الْملك فَقدم مُحَمَّد بن عَليّ الْمَذْكُور فاسا وَنزل بدار أبي عَليّ الروسي بالمعادي وَعين من كل حومة نَقِيبًا
стр. 1300
عَارِفًا بِأَهْل الْيَسَار فجمعوه لَهُم حَتَّى كَانُوا بَين يَدَيْهِ فَأمر بسجنهم ثمَّ وظف عَلَيْهِم أَولا خَمْسمِائَة ألف مِثْقَال وزعها على التُّجَّار وَأهل الْيَسَار دون غَيرهم من الْعشْرَة آلَاف إِلَى الْألف ثمَّ شرع فِي قبض المَال الموزع وَمن ترَاخى مِنْهُم فِي الدّفع ضرب وسجن وَمن تغيب من أهل الْيَسَار حبس وَلَده أَو أَخُوهُ أَو زَوجته إِلَى أَن استوفى الْعدَد الْمَذْكُور ثمَّ عطف على أهل الصَّنَائِع والحرف وأرباب الْأُصُول من الفلاحين وَغَيرهم فوزع عَلَيْهِم قدرا وافرا من الْألف إِلَى الْمِائَة وَمَا دون ذَلِك حَتَّى لم يبْق فِي الْمَدِينَة أحد إِلَّا وَقد غرم ففر النَّاس إِلَى الْبَوَادِي والقرى وَالْجِبَال وَمِنْهُم من وصل إِلَى السودَان وتونس ومصر وَالشَّام حَتَّى لم يبْق بفاس إِلَّا النِّسَاء والذرية وَمن لَا عِبْرَة بِهِ من الرِّجَال حَتَّى أَن الَّذين كَانُوا بالسجن فينفس خُرُوجهمْ مِنْهُ فروا بِأَنْفسِهِم وَلم يعرجوا على أهل وَلَا ولد وَأقَام مُحَمَّد بن عَليّ على هَذَا الْعَمَل بفاس ثَلَاثَة عشر شهرا وَكلما اجتنى مَالا بعث بِهِ إِلَى السُّلْطَان بمكناسة وَكَانَت هَذِه الخطوب كلهَا فِيمَا بَين سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين إِلَى سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف
بعث السُّلْطَان الْمولى عبد الله جَيش العبيد إِلَى فازاز وإيقاع أَهله بهم
وَفِي سنة سِتّ واربعين وَمِائَة وَألف جهز السُّلْطَان الْمولى عبد الله جَيْشًا من العبيد يشْتَمل على خَمْسَة عشر ألفا من الْخَيل وَعقد عَلَيْهِم للباشا قَاسم ابْن ويسون وأضاف إِلَيْهِم ثَلَاثَة آلَاف من جَيش الودايا وَعقد عَلَيْهِم للقائد عبد الْملك بن أبي شفرة ووجههم إِلَى جبال آيت ومالو فَلَمَّا عبر الْجَيْش وَادي أم الرّبيع على قنطرة البروج ونزلوا بسيط آدخسان كادهم البربر بِأَن أظهرُوا الْفِرَار أمامهم وتوغلوا فِي الْجبَال فَتَبِعهُمْ العبيد إِلَى أَن توغلوا فِي تِلْكَ الْجبَال ونشبوا فِي أوعارها والبربر تَفِر مِنْهُم فِي كل وَجه وهم يتبعونهم إِلَى
стр. 1301
أَن حَان وَقت الْمسَاء فَبعث البربر لَيْلًا طَائِفَة مِنْهُم لسد الثنايا والأنقاب الَّتِي دخل مِنْهَا جَيش السُّلْطَان فأحكموا سدها بشجر الْأرز وَالْحِجَارَة وَلما أَصْبحُوا هجموا على الْجَيْش من كل نَاحيَة وصدقوهم الْقِتَال إِلَى أَن ردوهم على أَعْقَابهم فَلَمَّا انْتهى العبيد إِلَى الثنايا الَّتِي دخلُوا مِنْهَا وألفوها مسدودة دهشوا وخشعت نُفُوسهم وازدحموا عَلَيْهَا بعد أَن ترجلوا وَتركُوا الْخَيل وَالسِّلَاح والأبنية فِيهَا من الأثاث فنهب البربر جَمِيع ذَلِك ثمَّ جردوا بَاقِي الْعَسْكَر من الثِّيَاب وَلم يقتلُوا أحدا وَرجع العبيد إِلَى مكناسة راجلين متجردين من الْمخيط وَالْمُحِيط فَكَانَ ذَلِك من أقوى الْأَسْبَاب الَّتِي بغضت السُّلْطَان الْمولى عبد الله للعبيد لِأَن ذَلِك كَانَ بإشارته بزعمهم مَعَ إسرافه فِي قتل رُؤَسَائِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي وَمَعَ ذَلِك فقد أنعم عَلَيْهِم بِالْمَالِ والكسى وَوَعدهمْ بإخلاف جَمِيع مَا ضَاعَ لَهُم وَرَجَعُوا إِلَى مشرع الرملة ممتعضين لتِلْك الفعلة
ثورة العبيد على السُّلْطَان الْمولى عبد الله وفراره إِلَى وَادي نول وَمَا نَشأ عَن ذَلِك
لما كَانَت سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف فسد مَا بَين السُّلْطَان الْمولى عبد الله ﵀ وَبَين العبيد لإسرافه فِي قَتلهمْ حَتَّى كَاد يَأْتِي على عظمائهم وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ جَزَاء لَهُم على قَتلهمْ لِأَخِيهِ الْمولى عبد الْملك حَسْبَمَا سبق إِذْ كَانَ مَا بَينه وَبَينه صَالحا كَمَا مر فَقتل مِنْهُم كل من سعى فِي قَتله أَو شَارك فِيهِ أَو وَافق عَلَيْهِ حَتَّى بلغ عدد من قتل مِنْهُم أَزِيد من عشرَة آلَاف فَأَجْمعُوا على خلعه وَقَتله ودس إِلَيْهِ بَعضهم بِمَا عزموا عَلَيْهِ فِي شَأْنه ففر لَيْلًا من مكناسة وَلم يصبح إِلَّا بحلة آيت أدراسن فأجلوا مقدمه وتباروا فِي إكرامه
وَلما عزم على النهوض عَنْهُم ركبُوا مَعَه وصحبوه إِلَى تادلا ثمَّ وَدعوهُ
стр. 1302
وعادوا إِلَى بِلَادهمْ وَمضى هُوَ إِلَى مراكش وَمِنْهَا ذهب إِلَى السوس فَنزل بوادي نول على أَخْوَاله المغافرة وَكَانَ مَعَه يَوْمئِذٍ ولداه الْمولى أَحْمد فِي سنّ الْبلُوغ وَالْمولى مُحَمَّد السُّلْطَان بعده صَغِيرا وَأقَام عِنْد المغافرة نَحْو ثَلَاث سِنِين وَأما وَالِي فاس مُحَمَّد بن عَليّ بن يشي فَإِنَّهُ لما اتَّصل بِهِ فرار السُّلْطَان من مكناسة فر هُوَ أَيْضا عَن فاس لَيْلًا وَلم يصبح إِلَّا بزرهون فاطمأن بهَا جنبه وَكَانَ مَا نذكرهُ
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ أبي الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بالأعرج ﵀
لما فر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل من مكناسة إِلَى وَادي نول اجْتمع عبيد الدِّيوَان وَاتَّفَقُوا على بيعَة الْمولى أبي الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بالأعرج وَكَانَ يَوْمئِذٍ بسجلماسة فَكَتَبُوا إِلَيْهِ بذلك وبعثوا بِالْكتاب مَعَ جَرِيدَة من الْخَيل لتأتي بِهِ فَأقبل مسرعا وَلما وصل إِلَى مَدِينَة صفرو لقِيه بهَا أَعْيَان فاس وأشرافها وعلماؤها فَبَايعُوهُ ففرح بهم وَأكْرمهمْ وعادوا فِي صحبته إِلَى فاس الْجَدِيد فولى عَلَيْهِم مسعودا الروسي وَذَلِكَ فِي ربيع الثَّانِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف وَأمره أَن لايقبض مِنْهُم إِلَّا الزكوات والأعشار الشَّرْعِيَّة وَمَا جرت بِهِ الْعَادة من الْهَدَايَا الْخَفِيفَة
وَكَانَ ﵀ مَوْصُوفا بالحلم وَالْعقل متوقفا فِي الدِّمَاء فستره الله فِي آخر أمره وأجمل خلاصه ثمَّ نَهَضَ إِلَى مكناسة وَلما قدمهَا بَايعه الْجَيْش بهَا الْبيعَة الْعَامَّة هَكَذَا فِي الْبُسْتَان
وَرَأَيْت بِخَط جدنا الإِمَام الْفَقِيه الْأُسْتَاذ أبي عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم بن زَرُّوق الحسني الإدريسي مَا نَصه وَفِي الْيَوْم الأول من جُمَادَى الأولى من
стр. 1303
سنة سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف ثار عبيد الرملة على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل وَنَقَضُوا بيعَته وأعلنوا بنصر أَخِيه الْمولى عَليّ ولد عَائِشَة مباركة وَخرج لَهُم الْمولى عبد الله عَن دَار الْملك بمكناسة بعد أَن أَخذ مَا كَانَ بهَا مِمَّا أعجبه من خيل وعدة وَمَال من غير قتال وَلَا محاربة وَدخل أَخُوهُ الْمولى عَليّ دَار الْملك بمكناسة يَوْم الْجُمُعَة فاتح جُمَادَى الثَّانِيَة من السّنة الْمَذْكُورَة وَكتبه فِي الثَّانِي عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور مُحَمَّد بن زَرُّوق كَانَ الله لَهُ بمنه اه كَلَامه بِحُرُوفِهِ
وَلما اسْتَقر السُّلْطَان الْمولى أَبُو الْحسن بمكناسة قدمت عَلَيْهِ الْوُفُود ببيعاتهم وهداياهم من جَمِيع الْبلدَانِ فأجازهم وَفرق المَال على الْجَيْش إِلَى أَن نفذ مَا عِنْده وَاحْتَاجَ فَقبض على الْحرَّة خناثى بنت بكار أم السُّلْطَان الْمولى عبد الله فاستصفى مَا عِنْدهَا ثمَّ امتحنها لتقر بِمَا عَسى أَن تكون قد أخفته فَلم يحصل على طائل وَكَانَت هَذِه الفعلة مَعْدُودَة من هناته عَفا الله عَنهُ
قَالَ أَبُو عبد الله أكنسوس وخناثى هَذِه هِيَ أم السلاطين أعزهم الله وَكَانَت صَالِحَة عابدة عَالِمَة حصلت الْعُلُوم فِي كَفَالَة والدها الشَّيْخ بكار وَقَالَ رَأَيْت خطها على هَامِش نُسْخَة من الْإِصَابَة لِابْنِ حجر وَعرف بِهِ بَعضهم فَقَالَ هَذَا خطّ السيدة خناثى أم السُّلْطَان الْمولى عبد الله بِلَا شكّ اه
ثورة أهل فاس بعاملهم مَسْعُود الروسي وانتقاضهم على السُّلْطَان أبي الْحسن ﵀
ثمَّ إِن مسعودا الروسي عَامل فاس عدا على الْحَاج أَحْمد بودي رَئِيس اللمطيين فَقتله وَأمر بجره إِلَى بَاب الْفتُوح إِذْ كَانَ هُوَ الَّذِي سعى فِي قتل أَخِيه أبي عَليّ الروسي عقب وَفَاة السُّلْطَان الْمولى إِسْمَاعِيل كَمَا مر
стр. 1304
فَلَمَّا ارْتكب مَسْعُود هَذِه الفعلة اجْتمع أهل فاس وَأخذُوا أسلحتهم وتقدموا إِلَى الْقَائِد مَسْعُود ليقتلوه بِصَاحِبِهِمْ ففر مَسْعُود وَلم يدركوه فَعَطَفُوا على السجْن فكسروه وَقتلُوا الحرس والأعوان الَّذين بِهِ وسرحوا المساجين إِلَى حَال سبيلهم وَلما اتَّصل خبرهم بالسلطان الْمولى أبي الْحسن غض الطّرف عَنْهُم وَبعث إِلَيْهِم أَخَاهُ الْمولى الْمُهْتَدي وَمَعَهُ الْقَائِد غَانِم الحاجي وَكتب إِلَيْهِم يَقُول إِنِّي قد عزلت عَنْكُم مسعودا الروسي وَوليت عَلَيْكُم غانما الحاجي فَلم يقبلوه وَرجع من الْغَد إِلَى مكناسة ثمَّ رجعُوا بصائرهم بِإِشَارَة أهل الْمُرُوءَة مِنْهُم وبعثوا جمَاعَة من الْعلمَاء والأشراف بهدية كَبِيرَة مَعَ الْمولى الْمُهْتَدي إِلَى السُّلْطَان تلافيا لما فرط مِنْهُم وَلما دخلُوا على السُّلْطَان قبض هديتهم وَعدد عَلَيْهِم ذنوبهم ثمَّ أَمر بهم إِلَى السجْن وَلما انْتهى الْخَبَر إِلَى أهل فاس قَامَت قيامتهم وَأَغْلقُوا أَبْوَاب الْمَدِينَة وأعلنوا بِالْخِلَافِ ثمَّ عطفوا على أَصْحَاب مَسْعُود الروسي وكل من كَانَ لَهُ بِهِ اتِّصَال فَقَتَلُوهُمْ فِي كل وَجه وأنشبوا الْحَرْب مَعَ الودايا فِي كل نَاحيَة
وَفِي رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة قدم من عِنْد السُّلْطَان الْقَائِد أَبُو مُحَمَّد عبد الله الحمري من قواد العبيد فَاجْتمع بِأَهْل فاس وَاعْتذر إِلَيْهِم عَن السُّلْطَان وَطلب مِنْهُم أَن يبعثوا مَعَه جمَاعَة مِنْهُم إِلَى السُّلْطَان لرتق هَذَا الفتق فأسعفوه وبعثوا طَائِفَة من عُلَمَائهمْ وأشرافهم وأصحبوهم هَدِيَّة نفيسة إِلَى السُّلْطَان وَكتب عبد الله الحمري إِلَى السُّلْطَان يعْتَذر إِلَيْهِ عَنْهُم ويشفع لَهُم عِنْده فَدَخَلُوا على السُّلْطَان وعاتبهم ثمَّ عَفا عَنْهُم وسرح لَهُم إخْوَانهمْ الَّذين كَانُوا فِي السجْن وَولى عَلَيْهِم عبد الله الحمري ثمَّ لما دخلت سنة ثَمَان واربعين وَمِائَة وَألف عَزله وَولى عَلَيْهِم عبد الله بن الْأَشْقَر وسكنت الهيعة واستقام الْأَمر بعض الشَّيْء
стр. 1305
غَزْو السُّلْطَان أبي الْحسن أهل جبل فازاز فِي جَيش العبيد وهزيمتهم إِيَّاه
لما كَانَت أَوَاخِر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف أَخذ السُّلْطَان أَبُو الْحسن فِي الاستعداد وتجهيز العساكر لآيت ومالو وَكَانَ ذَلِك مِنْهُ إسعافا للعبيد ليأخذوا بثأرهم من البربر فِي الْوَقْعَة السَّابِقَة أَيَّام السُّلْطَان الْمولى عبد الله فَخرج إِلَيْهِم فِي الْمحرم فاتح سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف فِي جَيش كثيف من العبيد فَلَمَّا نذروا بإقباله إِلَيْهِم ودنوه مِنْهُم أظهرُوا الْفِرَار أمامهم مثل الفعلة الأولى فصاروا يتأخرون وَيتبع آثَارهم فَينزل مَنَازِلهمْ إِلَى أَن عبروا وَادي أم الرّبيع ودخلوا فِي الْجبَال فَعبر السُّلْطَان خَلفهم وَتقدم العبيد إِلَى الْجبَال والأوعار فاقتحموها عَلَيْهِم فَلَمَّا توسطوها كرت البربر عَلَيْهِم وانقضوا عَلَيْهِم من الثنايا انقضاض العقبان وَأَحَاطُوا بهم من كل وَجه فَوَلوا منهزمين وازدحموا على الثنايا وسلكوا سبيلهم فِي الْمرة الأولى من ترك الْخَيل وَالسِّلَاح والأبنية والأثاث والنجاة بِمُجَرَّد أَعْنَاقهم وسلبهم البربر حَتَّى من الثِّيَاب وَلم يتَعَرَّضُوا للسُّلْطَان فِي موكبه وخاصته إِلَى أَن عبر وَادي أم الرّبيع فَرَجَعُوا عَنهُ وَلما دخل مكناسة طَالبه العبيد بالكسوة وَالسِّلَاح والراتب فَلم يكن عِنْده مَا يعطيهم فشغبوا عَلَيْهِ ومرضوا فِي طَاعَته
وَقد أجمل صَاحب نشر المثاني هَذِه الْأَخْبَار فَقَالَ وَفِي هَذِه السّنة يَعْنِي سنة تسع وَأَرْبَعين وَمِائَة وَألف أهلك الله كل من خرج على السُّلْطَان مولَايَ عبد الله وقويت الْفِتَن وَارْتَفَعت الأسعار وانحبست الأمطار وقاسى النَّاس الشدائد من الغلاء وَقل الإدام وَانْقطع اللَّحْم وَهَلَكت رِقَاب كَثِيرَة وَلم يزل الْأَمر فِي شدَّة وفر النَّاس كل فرار
стр. 1306
تحرّك السُّلْطَان الْمولى عبد الله من السوس وفرار السُّلْطَان أبي الْحسن إِلَى الأحلاف وَمَا كَانَ من أمره إِلَى وَفَاته
لما كَانَ شهر ذِي الْحجَّة من سنة تسع واربعين وَمِائَة وَألف ورد الْخَبَر بِأَن السُّلْطَان الْمولى عبد الله قد أقبل من وَادي نول وَوصل إِلَى تادلا فاهتز العبيد لَهُ وتحدثت فرقة مِنْهُم برده إِلَى الْملك وَخَالفهُم سَالم الدكالي فِي جمَاعَة من شيعته وَقَالُوا لَا نخلع طَاعَة مَوْلَانَا عَليّ إِذْ كَانَ سَالم هَذَا وَأَصْحَابه هم الَّذين تسببوا فِي خلع الْمولى عبد الله وتولية أَخِيه الْمولى عَليّ
ثمَّ إِن شيعَة الْمولى عبد الله قويت وكثروا أَصْحَاب سَالم وأعلنوا بيعَته ففر سَالم فِيمَن مَعَه من القواد إِلَى زَاوِيَة زرهون مستجيرا بهَا
وَلما سمع بذلك السُّلْطَان الْمولى أَبُو الْحسن فر من مكناسة إِلَى فاس الْجَدِيد فصده الودايا عَن الدُّخُول إِلَيْهَا فَعدل إِلَى قنطرة وَادي سبو فَنزل هُنَالك يَوْمًا أَو بعض يَوْم إِلَى أَن قضى بعض إربه ثمَّ أصبح غاديا إِلَى تازا فاحتلها ثمَّ انْتقل عَنْهَا إِلَى عرب الأحلاف فَأَنَاخَ بديارهم فَفَرِحُوا بِهِ وأكرموه وصاهروه وَأقَام بَين أظهرهم عدَّة سِنِين معرضًا عَن الْملك وأسبابه إِلَى أَن رَجَعَ إِلَى مكناسة فاستوطنها بِإِشَارَة أَخِيه السُّلْطَان الْمولى عبد الله حِين وَفد عَلَيْهِ بدار الدبيبغ من فاس سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة وَألف فَأعْطَاهُ مَالا وجنات ومزارع مِمَّا كَانَ لجَانب المخزن بمكناسة وَبَعثه إِلَى دَاره بهَا فَأَقَامَ يَسِيرا ثمَّ وثب عَلَيْهِ العبيد فقبضوا عَلَيْهِ وبعثوا بِهِ إِلَى أَخِيه السُّلْطَان الْمولى عبد الله وَقَالُوا إِن هَذَا قد أفسد علينا بِلَادنَا فَأَخذه وسرحه إِلَى تافيلالت فاستقر بهَا إِلَى أَن مَاتَ ﵀ كَمَا سَيَأْتِي
стр. 1307
الْخَبَر عَن الدولة الثَّانِيَة لأمير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله بن إِسْمَاعِيل ﵀
لما فر السُّلْطَان الْمولى أَبُو الْحسن من مكناسة إِلَى الأحلاف اجْتمعت كلمة العبيد والودايا على بيعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الله فَبَايعُوهُ وَهُوَ بتادلا وتبعهم على ذَلِك أهل فاس وَسَائِر الْقَبَائِل ثمَّ إِن سالما الدكالي الَّذِي بزرهون كتب إِلَى أهل فاس يَقُول لَهُم إِن الدِّيوَان قد اتّفق على خلع الْمولى عبد الله وبيعة سَيِّدي مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بِابْن عريبة والمشورة لعلمائكم فَأَجَابُوهُ بِأَن قَالُوا نَحن تبع لكم فَلَمَّا سمع أهل الدِّيوَان بِمَا فعله سَالم الدكالي وَمَا تَقوله عَلَيْهِم خَرجُوا من الْمحلة إِلَى زرهون وقبضوا على سَالم الدكالي وَمن مَعَه من القواد وبعثوا بهم إِلَى السُّلْطَان الْمولى عبد الله بتادلا فاستفتى فيهم القَاضِي أَبَا عنان وَكَانَ يَوْمئِذٍ مَعَه فأفتاه بِقَتْلِهِم فَقَتلهُمْ ثمَّ نميت مقَالَة سَالم الدكالي إِلَى الْمولى مُحَمَّد ابْن عريبة وَهُوَ بتافيلالت فَظن أَن الْأَمر صَحِيح فَأقبل مسرعا إِلَى أَن وصل إِلَى مَدِينَة صفرو فَوجدَ النَّاس قد بَايعُوا السُّلْطَان الْمولى عبد الله وراجعوا طَاعَته فَسقط فِي يَده ثمَّ دخل فاسا مستخفيا وَأقَام بدار الشَّيْخ أبي زيد عبد الرَّحْمَن الشَّامي وَكَانَ صديقه مُعْتَقدًا لَهُ وَكَانَ أَبُو زيد يعده بِالْملكِ
وَلما أقبل السُّلْطَان الْمولى عبد الله من تادلا خرج للقائه أهل فاس وَفِيهِمْ الْأَشْرَاف وَالْعُلَمَاء وَكَذَلِكَ أهل مكناسة فوافوه بقصبة أبي فكران وَلما مثلُوا بَين يَدَيْهِ عَاتَبَهُمْ وَعدد مَا سلف مِنْهُم ثمَّ أَمر بأعيانهم فَقتلُوا وَفعل مثل ذَلِك بأعيان مكناسة واستباحهم وعزل قاضيهم أَبَا الْقَاسِم العميري وَرجع أَشْرَاف فاس وعلماؤها مذعورين مِمَّا نابهم بعد أَن ولى السُّلْطَان عَلَيْهِم مُحَمَّدًا بن عَليّ بن يشي وَاسْتمرّ هُوَ مُقيما بقصبة أبي فكران وَلم يتَقَدَّم إِلَى فاس لعدم ثقته بهم
стр. 1308
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْمَعْرُوف بِابْن عريبة وَالسَّبَب فِيهَا
لما فعل الْمولى عبد الله بأعيان فاس ومكناسة مَا فعل من الْقَتْل والاستباحة وَأقَام منكمشا بقصبة أبي فكران نبغت رُؤُوس الْفِتْنَة من الودايا بفاس الْجَدِيد وَأخذُوا فِي نهب الطرقات ثمَّ أَغَارُوا فِي يَوْم خَمِيس على سرح فاس وأجلاب سوقها فاستاقوها حَتَّى لم يتْركُوا لَهُم بقرة وَلَا شَاة وَلَا بَهِيمَة غَيرهمَا
وَلما رأى أهل فاس مَا نزل بهم اجْتَمعُوا وتحالفوا على خلع السُّلْطَان الْمولى عبد الله وبيعة أَخِيه الْمولى مُحَمَّد بن عريبة فَمَشَوْا إِلَيْهِ وَهُوَ بدار الشَّيْخ أبي زيد الشَّامي فأخرجوه وَأخذُوا عَلَيْهِ العهود ثمَّ بَايعُوهُ فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة خمسين وَمِائَة وَألف وهيؤوا لَهُ كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من خيل وَسلَاح وَآلَة حَرْب وتباروا فِي طَاعَته وخدمته وكتبت بيعَته فِي خَامِس عشر الشَّهْر الْمَذْكُور وَكتب عَلَيْهَا الْفُقَهَاء خطوطهم وَامْتنع بَعضهم من ذَلِك وَقَالُوا بيعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الله فِي أعناقنا فَلَا نخلعها فعزلوا عَن الخطط وامتحنوا ثمَّ كتب أهل فاس إِلَى عبيد الدِّيوَان يعرفونهم مَا صَنَعُوا وَيطْلبُونَ مِنْهُم موافقتهم فأجابوهم إِلَى ذَلِك وَبَايَعُوا السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد بن عريبة وَتمّ أمره
وَلما رأى السُّلْطَان الْمولى عبد الله أَن أَمر أَخِيه قد تمّ فر إِلَى جبال البربر وَأقَام هُنَالك ثمَّ فتحت أَبْوَاب فاس وانتقل السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد إِلَى فاس الْجَدِيد وَمن الْغَد نَهَضَ إِلَى مكناسة فاحتل بهَا وَبَايَعَهُ العبيد الْبيعَة الْعَامَّة وقدمت عَلَيْهِ الْوُفُود من سَائِر الأقطار بهداياهم فأجازهم وَفرق مَا كَانَ عِنْده من المَال على العبيد وَكَانَ مَا نذكرهُ
стр. 1309
بَدْء اختلال أَمر السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد بن عريبة وَمَا تسبب عَن ذَلِك
لما فرق السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد بن عريبة على العبيد مَا عِنْده من المَال لم يقنعهم ذَلِك واستزادوه فَأطلق عَفا الله عَنهُ أَيدي النهب فِي أَمْوَال الْمُسلمين وَأخذ هُوَ فِي اسْتِخْرَاج الْحُبُوب والأقوات من دور أهل مكناسة غصبا وَبحث عَنْهَا فِي الأهراء والمطامير وكل من ذكر لَهُ أَن عِنْده قمحا أَو شَعِيرًا قبض عَلَيْهِ وصادره إِلَى أَن يظْهر مَا عِنْده وكل من جلب من أهل الْبَادِيَة حبا اخذ مِنْهُ كرها فَكثر الْهَرج وعمت الْفِتْنَة وفر النَّاس من مدينتهم وَعم النهب خَارِجهَا وانقطعت السبل وَوَقع النَّاس فِي حيص بيص وَالْأَمر لله وَحده
إغارة السُّلْطَان الْمولى عبد الله على الإصطبل من مكناسة وَمَا نَشأ عَن ذَلِك
ثمَّ إِن السُّلْطَان الْمولى عبد الله الَّذِي كَانَ مُقيما عِنْد البربر قدم ذَات لَيْلَة فِي جمَاعَة من أَصْحَابه حَتَّى دخل الإصطبل وَقتل من وجد بِهِ من العبيد وَحرق أخصاصهم وَرجع عوده على بدئه وَلما نذر بِهِ السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد بن عريبة نَادَى فِي النَّاس بالنفير وَركب فِي خيله وَرجله وَقصد السُّلْطَان الْمولى عبد الله وَهُوَ بالموضع الْمَعْرُوف بالحاجب وَلما رأى العساكر مقبلة إِلَيْهِ وَالْخَيْل تَتَعَادَى خَلفه فر بِنَفسِهِ وَترك ابنيته بِمَا فِيهَا فانتهبها العبيد وتبعوه إِلَى أَن بلغُوا وَادي ملوية فتوغل فِي الْجبَال وَلم يقفوا لَهُ على أثر وَلما قَفَلُوا رَاجِعين اعْتَرَضَهُمْ البربر وتسايلوا عَلَيْهِم من المخارم والشعاب فصدقوهم الْقِتَال وهزموهم واستلبوا مَا مَعَهم من الأثقال وَرَجَعُوا بخفي حنين
قَالَ فِي الْبُسْتَان وَلما انْتَهوا إِلَى أحواز صفرو بعث الْمولى مُحَمَّد ابْن
стр. 1310
عريبة جمَاعَة من جَيْشه إِلَى من هُنَالك من الْمُسْتَضْعَفِينَ من أهل المزادغ وَغَيرهَا من الْقرى وَأمر بِقطع رؤوسهم وبعثها إِلَى فاس موهما أَنَّهَا رُؤُوس البربر اه وَالله أعلم
بَقِيَّة أَخْبَار السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد بن عريبة وَمَا تخللها من الْهَرج والشدة
لما قفل السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد بن عريبة من خرجته فِي أثر أَخِيه الْمولى عبد الله وَكَانَ حَيْثُ ذكرنَا بعث أَخَاهُ الْمولى الْوَلِيد بن إِسْمَاعِيل إِلَى فاس وَأمره بِضَرْب الْبَعْث عَلَيْهِم توصلا إِلَى مَا فِي أَيْديهم من المَال بِحَيْثُ أَن من أعْطى المَال مِنْهُم يُقيم بداره وَمن أَبى يخرج فِي الْبَعْث فتحير النَّاس وَقدم الْمولى الْوَلِيد حَضْرَة فاس وَقبض على الْحَاج أبي جَيِّدَة برادة وَكَانَ مثريا فَقتله وَأخذ أَمْوَاله وَبَاعَ أُصُوله وَقبض على الْحَاج عبد الْخَالِق عديل فَأخذ أَمْوَاله ثمَّ تسلط على أهل الزوايا وكل من ذكر لَهُ أَنه من أهل الْيَسَار إِلَى أَن استوفى غَرَضه ثمَّ سَار إِلَى مكناسة فَفعل بِأَهْلِهَا مثل ذَلِك حَتَّى لم يسلم مِنْهُم إِلَّا الْقَلِيل هَذَا وَالنَّاس فِي محنة عَظِيمَة من المجاعة والفتنة وَنهب الدّور بِاللَّيْلِ بِحَيْثُ كَانَ أهل الْيَسَار لَا ينامون وَصَارَ جلّ النَّاس لصوصا والودايا يعيشون فِي الجنات خَارج الْمَدِينَة ويغيرون على القصارين بوادي فاس وَبعد أَن صَار النَّاس يقصرون كتانهم بمصمودة انتهبوه مِنْهُم بهَا بل تناولوا القفل من الفنادق وَالسُّلْطَان معرض عَن جَمِيع ذَلِك لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَقَد هلك فِي هَذِه الْمدَّة من الْجُوع جم غفير أخبر صَاحب المارستان أَنه كفن فِي رَجَب وَشَعْبَان ورمضان ثَمَانِينَ ألفا وَزِيَادَة سوى الَّذين كفنهم أهلهم وعشيرتهم وَبِالْجُمْلَةِ فقد كَانَت أَيَّام الْمولى مُحَمَّد بن عريبة هَذَا أَيَّام نحس ووبال على الْمُسلمين وَكَذَا أَيَّام أَخِيه الْمولى المستضيء الَّذِي إِلَيْهِ يساق الحَدِيث وكل ذَلِك وَالله تَعَالَى أعلم من اسْتِيلَاء العبيد على الدولة وشؤم افتياتهم عَلَيْهَا وتحكمهم فِي أعياصها طوع أهوائهم وَحسب أغراضهم إِذْ
стр. 1311
مَعْلُوم أَنه لَا ينشأ عَن كَثْرَة الْخلْع وَالتَّوْلِيَة إِلَّا هَذَا وَشبهه نسْأَل الله تَعَالَى اللطف وَالْحِفْظ فِي الْأَهْل وَالدّين وَالْمَال فِي الْحَال والمآل
وَقد تكلم صَاحب نشر المثاني على هَذِه السّنة أَعنِي سنة خمسين وَمِائَة وَألف فَقَالَ وَفِي هَذِه السّنة هزم جَيش الثائرين على مولَايَ عبد الله يَعْنِي العبيد هزيمَة عَظِيمَة بعد أَن صدر مِنْهُم فَسَاد كَبِير وَذَلِكَ على يَد البربر وَارْتَفَعت الأسعار جدا وَجعل اللُّصُوص يهجمون على النَّاس فِي دُورهمْ لَيْلًا ويقتلونهم وهم يستغيثون فَلَا يغاثون وَبلغ الْخَوْف إِلَى أَبْوَاب الدّور المتطرفة بفاس نَهَارا فَلَا يَسْتَطِيع أحد أَن يخرج عَن بَاب مصمودة فِي العدوة وَلَا عَن بَاب القصبة الْقَدِيمَة فِي الطالعة وَلَا عَن حومة الحفارين بَاب عجيسة وَكثر الْهدم فِي الدّور لأخذ خشبها وَكثر الخراب وخلت الحارات فتجد الدَّرْب مُشْتَمِلًا على عشْرين دَارا وَأكْثر وَكلهَا خَالِيَة وَفِي هَذِه الْمدَّة قتل الْفَقِيه الْعَلامَة أَبُو الْبَقَاء يعِيش الشاوي بداره بالدوح وَقَتله كَانَ سَبَب خلاء الدوح وَافْتَضَحَ أهل الْمُرُوءَة من النَّاس وَمن يظنّ بِهِ الدّين وكل من قدر على الْفِرَار فر من فاس وَقل من سلم مِنْهُم بعد خُرُوجه عَن الْبَلَد وَخرج جمَاعَة وافرة من أهل فاس إِلَى تطاوين وَمَا والاها لجلب الْميرَة إِذْ كَانَ الله تَعَالَى قد سخر الْعَدو الْكَافِر بِحمْل الطَّعَام إِلَى بِلَاد الْمُسلمين فَاشْترى أهل فاس مِنْهُ شَيْئا كثيرا لَكِن امْتنع الجمالون من حمله لَهُم وماطلوهم فشكوهم لوالي تِلْكَ الْبِلَاد ورئيسها حِينَئِذٍ أَحْمد بن عَليّ الريفي فأظهر لَهُم النصح وأبطن الْغِشّ لانحرافه عَن السُّلْطَان وَمن يتَعَلَّق بِهِ فثبط الجمالين وهم قَبيلَة بداوة فازدادوا امتناعا وتعاصيا حَتَّى بَقِي أهل فاس معطلين بميرتهم نَحْو سِتَّة أشهر فَهَلَك بِسَبَب ذَلِك خلائق لَا يُحصونَ جوعا وَكلهمْ فِي عُهْدَة أَحْمد بن عَليّ الريفي وَمَا أغْنى مَال وَلَا مَتَاع فِي طلب الْقُوت وَلَوْلَا أَن الله سخر الْعَدو الْكَافِر بجلب الْميرَة للمغرب لهلك أَهله جَمِيعًا فِيمَا أَظن وَذَلِكَ كُله من شُؤْم الْفِتَن وَالْخُرُوج على الْمُلُوك
стр. 1312
وَأما الْأُصُول والسلع فَلم يكن شَيْء مِنْهَا يبلغ عشر ثمنه الْمُعْتَاد وَلم يقيض الله لهَذَا الْمغرب رَاحَة حَتَّى من بِرُجُوع السُّلْطَان مولَايَ عبد الله هَذَا كَلَام صَاحب نشر المثاني وَهُوَ الْفَقِيه المؤرخ سَيِّدي مُحَمَّد بن الطّيب بن عبد السَّلَام القادري وَقد حكى هَذِه الْأَخْبَار عَن مُعَاينَة لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمئِذٍ حاضرها وشاهدها
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة وَألف وَالنَّاس فِي شدَّة وَفِي الرَّابِع وَالْعِشْرين من صفر مِنْهَا ثار العبيد على السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد بن عريبة فقبضوا عَلَيْهِ وعَلى قائده على فاس الشريف أبي مُحَمَّد عبد الْمجِيد المشامري وَوَضَعُوا فِي رجْلي كل وَاحِد مِنْهُمَا قيدا وأخرجوا ابْن عريبة وَعِيَاله من دَار الْملك إِلَى دَاره الَّتِي على وَادي ويسلن بجنان حمرية ووكلوا بِهِ جمَاعَة من العبيد يحرسونه وَكَتَبُوا إِلَى أَخِيه الْمولى المستضيء بن إِسْمَاعِيل بتافيلالت يستدعونه للقدوم عَلَيْهِم ليملكوه
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى المستضيء بن إِسْمَاعِيل ﵀
لما قبض العبيد على السُّلْطَان الْمولى مُحَمَّد بن عريبة أعْلنُوا بيعَة أَخِيه الْمولى المستضيء بن إِسْمَاعِيل وَكَتَبُوا بذلك إِلَى الْآفَاق فساعدهم النَّاس عَلَيْهِ وبعثوا جَرِيدَة من الْخَيل على عَادَتهم لتأتي بِهِ فَأقبل مسرعا وَلما انْتهى إِلَى مَدِينَة صفرو لقِيه أهل فاس بهَا فِي أَشْرَافهم وعلمائهم وأدوا بيعتهم وَرَجَعُوا مَعَه إِلَى فاس الْجَدِيد فأراح بِهِ وَولى عَلَيْهِم الْقَائِد أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد الكعيدي فاستناب الكعيدي عَلَيْهِم من قبله شعشوع اليازغي وَالْحَال مَا حَال وَالظُّلم مَا زَالَ ثمَّ ارتحل السُّلْطَان الْمولى المستضيء إِلَى مكناسة فاحتل بهَا وَبَايَعَهُ العبيد الْبيعَة الْعَامَّة وقدمت عَلَيْهِ الْوُفُود والقبائل والأمصار بهداياهم فقابلهم بِمَا يجب واستتب أمره
стр. 1313
ذكر مَا صدر من السُّلْطَان الْمولى المستضيء من العسف وَالِاضْطِرَاب
لما اسْتَقر السُّلْطَان الْمولى المستضيء بمكناسة كَانَ أول مَا بَدَأَ بِهِ أَن بعث بأَخيه الْمولى مُحَمَّد بن عريبة مُقَيّدا إِلَى فاس وَمِنْهَا إِلَى سجلماسة فسجن بهَا وَبعث بقائده السَّيِّد عبد الْمجِيد المشامري وَالشَّيْخ أبي زيد عبد الرَّحْمَن الشَّامي يسجنان بفاس الْجَدِيد ونهبت دَار المشامري وصودر إِلَى أَن مَاتَ تَحت الْعَذَاب وَمثل بِهِ ثمَّ بعث السُّلْطَان كِتَابه إِلَى أهل فاس وَلَكِن رسم أَن يقْرَأ بفاس الْجَدِيد ويحضر أَعْيَان أهل فاس لاستماعه فارتابوا وتغيبوا وَلم يحضر مِنْهُم الا نَحْو الْعشْرين فَقبض عَلَيْهِم وسجنوا هُنَالك ثمَّ وظف عَلَيْهِم مَال ثقيل لم يقومُوا بِهِ
وافتقرت الدولة فِي أَيَّام هَذَا السُّلْطَان وَاحْتَاجَ إِلَى المَال ليقطع عَنهُ لِسَان العبيد فَأخذ فِي الْبَحْث عَمَّا فِي المخازن الإسماعيلية الَّتِي لم يلْتَفت إِلَيْهَا الْمُلُوك قبله فَوَقع على خزين من الْحَدِيد فاستخرجه وَبَاعه وَوَقع على الخزين الْكَبِير وَفِيه آلَاف من قناطير الكبريت فَبَاعَهَا أَيْضا وَوجد شَيْئا كثيرا من ملح البارود والشب والبقام وَغير ذَلِك مِمَّا كَانَ يجلب إِلَى الحضرة من غَنَائِم أَجنَاس الفرنج فَبَاعَ ذَلِك كُله ثمَّ اقتلع شراجب الْقبَّة الشطرنجية وَكَانَت من نُحَاس مَذْهَب واقتلع الدرابيز الَّتِي عَن يَمِينهَا وشمالها من الْحَدِيد الْمُنْتَخب من بَاب الرخام إِلَى قصر الْمولى يُوسُف وَدفعهَا لأهل الذِّمَّة وألزمهم أَدَاء ثمنهَا فأجحف بهم ثمَّ أنزل المدافع النحاسية الَّتِي كَانَت بأبراج الحضرة فَكَسرهَا وضربها فُلُوسًا فَمَا أغْنى ذَلِك شَيْئا وَقتل فِي هَذِه الْمدَّة نيفا وَثَمَانِينَ رجلا من عرب بني حسن وسلط الْعَذَاب على مساجين أهل فاس ليغرموا المَال فغرموا مَا قدرُوا عَلَيْهِ ثمَّ أَمر بِالْقَبْضِ على تجار أهل فاس ليشتروا أصُول مساجينهم فعذبوا إِلَى أَن أَدّوا بعض المَال وعجزوا وَأفْتى الْعلمَاء أَن هَذَا البيع الْوَاقِع فِي هَذِه الْأُصُول صَحِيح تَقْدِيمًا لخلاص الْأَنْفس على الْأَمْوَال
стр. 1314
ثمَّ قبض هَذَا السُّلْطَان على شرِيف من الْأَشْرَاف الْعِرَاقِيّين من أهل حومة كرنيز اتهمه بِأَن الْحرَّة خناثى بنت بكار استودعته مَالا فَضرب وامتحن ثمَّ ولى على فاس الْمولى أَبَا حَفْص عمر الْمدنِي وَكَانَ رَفِيقه وجليسه فاستناب الْمولى أَبُو حَفْص على فاس رجلا يُقَال لَهُ ابْن زيان الْأَعْوَر وَتقدم إِلَيْهِ فِي مصادرة أَشْرَاف فاس واستصفاء أَمْوَالهم فامتثل ابْن زيان أمره وَمَا قصر وَكَانَ الْحَامِل لأبي حَفْص على هَذَا أَن دَاره بفاس كَانَت قد نهبت أَيَّام الْمولى مُحَمَّد بن عريبة وَلم يُنكر ذَلِك أحد من أهل فاس فحقدها أَبُو حَفْص عَلَيْهِم إِلَى أَن أدالته الْأَيَّام مِنْهُم فِي هَذِه الْمرة فَفعل ابْن زيان مَا فعل فَأمر السُّلْطَان الْمولى المستضيء بِالْقَبْضِ على ابْن زيان وَأَن يُطَاف بِهِ على حمَار والسياط فِي ظَهره وَهُوَ يَقُول هَذَا جَزَاء من يُؤْذِي الْأَشْرَاف فطيف بِهِ ثمَّ أزيل رَأسه وعلق على بَاب المحروق هَذَا والأشراف لَا زَالُوا فِي الْعَذَاب ثمَّ أَمر بمساجين أهل فاس فحملوا إِلَيْهِ فِي السلَاسِل والأغلال ثمَّ قتلوا بِبَاب القصبة عَن آخِرهم وَأمر بِإِخْرَاج ولد مامي من الْحرم الإدريسي فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ قَتله وأسرف الْمولى المستضيء فِي الْقَتْل والعسف وَأَرَادَ أَن يتشبه بأَخيه الْمولى عبد الله الَّذِي جرد السَّيْف وَبسط الْكَفّ فَغطّى سخاؤه عَيبه وهيهات فقد كَانَ الْمولى المستضيء مسيكا مهزوم الرَّايَة على مَا قيل تغمدنا الله وإياه وَالْمُسْلِمين بِالرَّحْمَةِ وَالْعَفو والغفران ثمَّ قتل الْقَائِد غانما الحاجي ووالي مكناسة الْقَائِد سعدون وَسِتَّة من أَوْلَاد الزياتي أَصْحَاب السجْن
ثمَّ إِن السُّلْطَان الْمولى عبد الله أغرى البربر الَّذين كَانَ مُقيما فيهم بشن الغارات على الودايا والعيث فِي طرقاتهم فَفَعَلُوا وانقطعت السبل وَتعذر المعاش وَكَانَ الْمولى زين العابدين بن إِسْمَاعِيل مَحْبُوسًا عِنْد أَخِيه السُّلْطَان الْمولى المستضيء فَأمر بِإِخْرَاجِهِ وإحضاره بَين يَدَيْهِ فأحضر وَضرب ضرب التّلف وَبعث بِهِ مُقَيّدا إِلَى تافيلالت ليسجن مَعَ بعض أَشْرَافهَا فَبعث العبيد جمَاعَة مِنْهُم فانتزعوه من يَد حامليه وبعثوا بِهِ إِلَى الْقَائِد أبي الْعَبَّاس أَحْمد الكعيدي ببني يازغة وتقدموا إِلَيْهِ فِي الاحتفاظ بِهِ والاعتناء بِشَأْنِهِ
стр. 1315
إِيقَاع الباشا أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الريفي بِأَهْل تطاوين
قد قدمنَا مَا كَانَ من إغارة الباشا أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ الريفي صَاحب طنجة على أهل تطاوين وهزيمة أبي حَفْص الوقاش لَهُ وفتكه بِأَصْحَابِهِ فاستحكمت الْعَدَاوَة بَين الريفي والوقاش من يَوْمئِذٍ وَبَقِي الريفي يتربص بِهِ الدَّوَائِر ويترصد لَهُ الغوائل إِلَى أَن بُويِعَ السُّلْطَان الْمولى المستضيء فِي هَذِه الْمدَّة فَلم يقدم عَلَيْهِ أحد من أهل تطاوين وَلَا دخلُوا فِي بيعَته فَوجدَ أَبُو الْعَبَّاس الريفي السَّبِيل بذلك إِلَيْهِم وأغرى بهم السُّلْطَان الْمَذْكُور ودس إِلَيْهِم أَنهم شَقوا الْعَصَا وخالفوا الْأَمر مَعَ مَا كَانَ قد نقل عَن الْفَقِيه أبي حَفْص فِي تِلْكَ القصيدة من التَّصْرِيح بِطَلَب الْملك فنجع ذَلِك فِي الْمولى المستضيء وَكتب إِلَيْهِ يَأْمُرهُ يالإيقاع بِأَهْل تطاوين فاغتنمها أَبُو الْعَبَّاس الريفي واقتحم تطاوين فِي جموعه على حِين غَفلَة من أَهلهَا وانتهبها وَقتل من أعيانها نَحْو الثَّمَانمِائَة ووظف على من بَقِي مِنْهُم مَالا ثقيلا وَهدم أسوارها ونظمها فِي سلك مَا كَانَ مستوليا عَلَيْهِ وَبنى بهَا دَار الْإِمَارَة الْمَوْجُودَة الْآن
شغب العبيد على السُّلْطَان الْمولى المستضيء وفراره إِلَى مراكش
لما كَانَ منتصف ذِي الْقعدَة من سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَمِائَة وَألف شغب العبيد بمكناسة على السُّلْطَان الْمولى المستضيء وَتَآمَرُوا فِي عَزله ومراجعة طَاعَة أَخِيه الْمولى عبد الله وَلما أحس الْمولى المستضيء بِمَا أَجمعُوا عَلَيْهِ خرج من مكناسة فِي شيعته وأنصاره قَاصِدا ضريح الشَّيْخ أبي مُحَمَّد عبد السَّلَام بن مشيش ﵁ فَتَبِعَهُ الْمولى عبد الله فِي جمع من العبيد فأدركوه بِبَعْض الطَّرِيق فكر عَلَيْهِم وَقَاتلهمْ حَتَّى رجعُوا عَنهُ وَمضى لوجهه إِلَى أَن وصل إِلَى طنجة فَأَقَامَ بهَا نَحْو الشَّهْرَيْنِ عِنْد أَحْمد بن عَليّ الريفي
стр. 1316
وَمِنْهَا توجه إِلَى مراكش فَإِنَّهُم كَانُوا قد بَايعُوهُ وَكَانَ أَخُوهُ الْمولى النَّاصِر نَائِبا عَنهُ بهَا وَلما اسْتَقر بمراكش كَاتب قبائل الْحَوْز يستصرخهم على أَخِيه الْمولى عبد الله ويستنفرهم لِلْخُرُوجِ مَعَه إِلَيْهِ فتقاعدوا عَنهُ لِأَن عَبدة والرحامنة وَأهل السوس كَانُوا شيعَة للْمولى عبد الله وَلم يبْق فِي حزب الْمولى المستضيء إِلَّا أهل دكالة أَخْوَاله وَبَنُو حسن عرب الغرب وَلما رأى الْمولى المستضيء تقاعد قبائل الْحَوْز عَنهُ أَقَامَ بمراكش يزجي الْأَيَّام إِلَى سنة خمس وَخمسين وَمِائَة وَألف والباشا أَبُو الْعَبَّاس الريفي صَاحب طنجة يفتل للعبيد فِي الذرْوَة وَالْغَارِب إِلَى أَن بَايعُوهُ ثَانِيَة بعد أَخِيه الْمولى زين العابدين وَبعد خلع السُّلْطَان الْمولى عبد الله حَسْبَمَا نذكرهُ بعد إِن شَاءَ الله
مُرَاجعَة العبيد طَاعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الله ودخولهم فِي دَعوته
قد قدمنَا أَن السُّلْطَان الْمولى عبد الله كَانَ مُقيما فِي هَذِه الْمدَّة عِنْد البربر وَأَنه تبع الْمولى المستضيء عِنْد خُرُوجه من مكناسة ثمَّ رَجَعَ عَنهُ وَلما بلغه خبر مسيره إِلَى مراكش سَار فِي اعتراضه إِلَى أَن بلغ قَصَبَة وَادي آلزم فَلم يقف لَهُ على خبر فَأَقَامَ يتجسس أخباره إِلَى أَن اتّفق العبيد على بيعَته وَهُوَ بآلزم فَبَايعُوهُ أَوَائِل سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة وَألف وَكَتَبُوا بيعتهم وبعثوا بهَا إِلَيْهِ مَعَ بعض خاصتهم وَكَتَبُوا مَعَ ذَلِك إِلَى أهل فاس والودايا فِي الْمُوَافقَة فوافقوهم وَبَايَعُوا السُّلْطَان الْمولى عبد الله وخطبوا بِهِ على منابرهم وزينت فاس وَلما انْتهى الْحَال إِلَى هَذَا الْحَد فر الْوَزير أَبُو الْحسن عَليّ العميري من مكناسة إِذْ كَانَ وَزِير الْمولى المستضيء واحترم أَخُوهُ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم العميري بضريح بعض صلحاء مكناسة وَبعث أهل فاس جمَاعَة من أَشْرَافهم وعلمائهم ببيعتهم إِلَى السُّلْطَان الْمولى عبد الله وَمَعَهُمْ جمَاعَة من التُّجَّار وحجاج الركب الْحِجَازِي بهداياهم هَذَا كُله وَالسُّلْطَان لَا زَالَ
стр. 1317
مُقيما بقصبة آلزم وَتَوَلَّى العبيد بمكناسة النَّقْض والإبرام لتأخر مَجِيء السُّلْطَان وَظهر مِنْهُم الإدلال والاستبداد على الدولة وبعثوا من قبلهم الْقَائِد أَبَا مُحَمَّد عبد الله الحمري واليا على فاس وَقَالُوا عَن أَمر الدِّيوَان وَكثر القطاع بالطرقات واللصوص بِالْمَدِينَةِ وعادت هيف إِلَى أديانها
مَجِيء السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى مكناسة وَمَا ارْتَكَبهُ من أَهلهَا
وَفِي خَامِس عشر رَجَب سنة ثَلَاث وَخمسين وَمِائَة وَألف تحرّك السُّلْطَان الْمولى عبد الله من آلزم وَقدم مكناسة فَقبض على قاضيها الْفَقِيه أبي الْقَاسِم العميري وَالسَّيِّد أبي الْعَبَّاس أَحْمد الشدادي وَالْعَبَّاس بن رحال والفقيه المليتي وأزال عمائمهم وَفَضَحَهُمْ وَقَالَ لَهُم كَيفَ تزوجون حرمي من أخي وَأَنا حَيّ وَنكل بهم النكال الشَّديد ثمَّ أَمر بسحبهم إِلَى السجْن وَأعْطى دَار القَاضِي العميري أحد العبيد وَقَالَ لَهُم من أَرَادَ مِنْكُم دَارا بمكناسة فليأخذها فامتدت أَيدي العبيد فِي النَّاس حَتَّى صَارُوا يقفون بالأبواب وَيَقُول العَبْد لصَاحب الدَّار إِن سَيِّدي قد أَعْطَانِي دَارك أَو أَعْطَانِي ابْنَتك فيفتدي مِنْهُ بِالْمَالِ ولحقهم من العبيد فَوق مَا يُوصف وَمن شكى مِنْهُم عُوقِبَ وسجن وَالسُّلْطَان مُقيم بِبَاب الرّيح لم يدْخل القصبة الَّتِي كَانَ بهَا الْمولى المستضيء
وَولى فِي هَذِه الْمدَّة على فاس شيخ الركب الْحَاج عبد الْخَالِق عديل وَولى على قَضَائهَا الْفَقِيه أَبَا يَعْقُوب يُوسُف بن أبي عنان وَتقدم إِلَيْهِ فِي أَن يعْزل الْقُضَاة والخطباء الَّذين خطبوا بالمولى المستضيء فِي سَائِر الْبلدَانِ
وَأما الودايا فَإِنَّهُ لم يقدم على الْمولى عبد الله مِنْهُم أحد وَلَا بَايعُوهُ وَكَذَا الباشا أَحْمد بن عَليّ الريفي وَأهل الرِّيف والفحص وقبائل الْجَبَل فَاغْتَمَّ الْمولى عبد الله لذَلِك ثمَّ شفعت الْحرَّة خناثى أم السُّلْطَان فِي قَومهَا الودايا وَبعثت إِلَيْهِ جمَاعَة مِنْهُم فقبلهم وَعَفا عَنْهُم
стр. 1318
مَجِيء السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان من مراكش إِلَى الْقصر ثمَّ مسيره إِلَى فاس وحصاره إِيَّاهَا
كَانَ السُّلْطَان الْمولى سُلَيْمَان ﵀ فِي هَذِه الْمدَّة مُقيما بمراكش وَكَانَ العبيد قد ندموا على مَا فرط مِنْهُم برباط الْفَتْح من التَّخَلُّف عَن السُّلْطَان وَنهب أثاثه حَسْبَمَا مر فَجعلُوا يَتَسَلَّلُونَ إِلَيْهِ من مكناسة مثنى وفرادى حَتَّى اجْتمع عِنْده جلهم لَا سِيمَا من كَانَ مِنْهُم مَعْرُوفا بِعَيْنِه مثل القواد وأرباب الْوَظَائِف وَلما بلغه مَا كَانَ من بيعَة الْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد تربص قَلِيلا حَتَّى إِذا بلغه خُرُوجه إِلَى المراسي قلق وَخرج من مراكش فِي جَيش العبيد وَبَعض قبائل الْحَوْز يبادره إِلَيْهَا وَلما وصل إِلَى رِبَاط الْفَتْح عبر إِلَى سلا وَنزل بِرَأْس المَاء وَلما حضرت الْجُمُعَة دخل الْمَدِينَة فصلى بالجامع الْأَعْظَم مِنْهَا وَدخل دَار الْحَاج مُحَمَّد بن عبد الله معنينو من أَعْيَان أهل سلا واستصحب مَعَه الْفَقِيه الْمُؤَقت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن الْمَكِّيّ الزواوي من أهل سلا أَيْضا بِقصد الْقيام بوظيفة التَّوْقِيت وَلما وصل السُّلْطَان إِلَى قصر كتامة أَتَاهُ الْخَبَر بِدُخُول الْمولى إِبْرَاهِيم إِلَى تطاوين فَأَقَامَ هُنَالك وَكتب إِلَى الودايا وَإِلَى من بَقِي بمكناسة يحضهم على التَّمَسُّك بِالطَّاعَةِ وَكتب إِلَى وَلَده الْمولى الطّيب بفاس الْجَدِيد يَأْمُرهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ بالفقيه الأديب أبي عبد الله مُحَمَّد أكنسوس وَهُوَ صَاحب كتاب الْجَيْش
قَالَ أكنسوس فقدمنا على السُّلْطَان بريصانة على مرحلَتَيْنِ من الْقصر قَاصِدا تطاوين ومحاصرة الْمولى إِبْرَاهِيم بن يزِيد بهَا قَالَ فورد عَلَيْهِ كتاب من عِنْد الْقَائِد أبي عبد الله الْعَرَبِيّ السعيدي صَاحب طنجة بوفاة الْمولى إِبْرَاهِيم وبيعة أَخِيه الْمولى السعيد وَأَنَّهُمْ قد عَادوا بِهِ إِلَى فاس وَلما تحقق بذلك رَجَعَ على طَرِيق الْقصر يؤم فاسا ويسابق السعيد إِلَيْهَا فوافياها فِي يَوْم وَاحِد فَنزل السعيد بجموعه بقنطرة سبو وَدخل السُّلْطَان دَار الْإِمَارَة بفاس الْجَدِيد مَعَ الودايا وَلما كَانَ فجر الْغَد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة أغارت خيل الودايا
стр. 1319
شغب العبيد على السُّلْطَان الْمولى عبد الله وفراره ثَانِيَة إِلَى البربر
لما كَانَ شهر ربيع الأول من سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف شغب العبيد على السُّلْطَان الْمولى عبد الله وهموا بخلعه والإيقاع بِهِ فنذرت بذلك أمه الْحرَّة خناثى بنت بكار ففرت من مكناسة إِلَى فاس الْجَدِيد وَمن الْغَد تبعها ابْنهَا السُّلْطَان الْمولى عبد الله وَنزل بِرَأْس المَاء فَخرج إِلَيْهِ الودايا وَأهل فاس وأجلوا مقدمه واهتزوا لَهُ فاستعطفهم السُّلْطَان وَقَالَ لَهُم أَنْتُم جيشي وعدتي ويميني وشمالي وَأُرِيد مِنْكُم أَن تَكُونُوا معي على كلمة وَاحِدَة وعاهدهم وَعَاهَدُوهُ وَرَجَعُوا وَفِي أثْنَاء ذَلِك بلغه أَن أَحْمد بن عَليّ الريفي قد كَاتب عبيد مشرع الرملة وكاتبوه وَاتفقَ مَعَهم على خلع السُّلْطَان الْمولى عبد الله وبيعة أَخِيه الْمولى زين العابدين وَكَانَ يَوْمئِذٍ عِنْده بطنجة وَأَنَّهُمْ وافقوه فَوَجَمَ لَهَا السُّلْطَان الْمولى عبد الله ثمَّ استعجل أَمر الْمولى زين العابدين ففر الْمولى عبد الله إِلَى بِلَاد البربر كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُؤمنِينَ زين العابدين بن إِسْمَاعِيل ﵀
كَانَ ابْتِدَاء أَمر السُّلْطَان الْمولى زين العابدين أَنه قدم مكناسة فِي أَيَّام أَخِيه الْمولى المستضيء فَلَمَّا سمع بِهِ أَمر بسجنه قبل أَن يجْتَمع بِهِ فسجن مُدَّة ثمَّ أَمر يَوْمًا بِإِخْرَاجِهِ وضربه فَضرب وَهُوَ فِي قَيده ضربا وجيعا أشرف مِنْهُ على الْمَوْت كَمَا مر وَمَعَ ذَلِك فَلم ينْطق بِكَلِمَة ثمَّ رده إِلَى السجْن ثمَّ أَمر ببعثه مُقَيّدا إِلَى سجلماسة كي يسجن بهَا مَعَ بعض الْأَشْرَاف المسجونين هُنَالك فَلَمَّا سمع بذلك قواد رؤوسهم من العبيد بعثوا من رده من صفرو إِلَى فاس وَمن هُنَالك بعثوا بِهِ إِلَى الْقَائِد أبي الْعَبَّاس أَحْمد الكعيدي ببني يازغة وأمروه أَن يحْتَفظ بِهِ مكرما مبجلا
стр. 1320
ثمَّ لما فر الْمولى المستضيء عَن مكناسة وراجع العبيد طَاعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الله دخل الْمولى زين العابدين مَدِينَة فاس فاطمأن بهَا وسر بِولَايَة الْمولى عبد الله وخلع الْمولى المستضيء ثمَّ ذهب إِلَى مكناسة وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ سَار إِلَى طنجة فَقدم على صَاحبهَا الباشا أَحْمد بن عَليّ الريفي فَأكْرم وفادته وَأحسن مثواه وَاسْتمرّ مُقيما عِنْده إِلَى أَن كَاتب عبيد الدِّيوَان فِي شَأْنه ووافقوه فِي بيعَته فَبَايعهُ الباشا أَحْمد وَبَايَعَهُ أهل طنجة وتطاوين والفحص وَالْجِبَال وخطبوا بِهِ على منابرهم ثمَّ هيأ لَهُ الباشا أَحْمد كَتِيبَة من الْخَيل من عبيد الدِّيوَان وَغَيرهم وبعثهم مَعَه إِلَى مكناسة فَدَخلَهَا فِي ربيع سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف وبويع بهَا الْبيعَة الْعَامَّة وقدمت عَلَيْهِ وُفُود الْقَبَائِل والأمصار فقابلهم بِمَا يجب وَتمّ أمره
وفر السُّلْطَان الْمولى عبد الله من رَأس المَاء وَدخل بِلَاد البربر وَلم يقدم على الْمولى زين العابدين أحد من الودايا وَلَا من أهل فاس وَكَانَ فِيهِ أَنَاة وحلم لم يظْهر مِنْهُ عسف وَلَا امتدت يَده إِلَى مَال أحد إِلَّا أَنه لقلَّة ذَات يَده نقص العبيد من راتبهم فَكَانَ ذَلِك سَبَب انحرافهم عَنهُ كَمَا سَيَأْتِي
بَقِيَّة أَخْبَار الْمولى زين العابدين وانقراض أمره
لما اسْتَقر السُّلْطَان الْمولى زين العابدين بِحَضْرَة مكناسة وَتمّ أمره أَقَامَ بهَا نَحْو الشَّهْرَيْنِ ثمَّ تهَيَّأ لغزو الودايا وَأهل فاس الَّذين تخلفوا عَن بيعَته فَنَهَضَ إِلَيْهِم فِي جَيش العبيد منتصف جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف وَلما بَات جيشهم بسيدي عميرَة بِقصد حِصَار فاس اخْتلفت كلمة العبيد وَمن الْغَد قوضوا أبنيتهم وَارْتَحَلُوا إِلَى مكناسة وَكفى الله الودايا وَأهل فاس شرهم إِلَّا أَنهم حرقوا بيادر الزَّرْع الَّتِي كَانَت للودايا بالخميس وَلما وصلوا إِلَى مكناسة نهبوا ثمار جناتها وأفسدوا مَا قدرُوا عَلَيْهِ مِنْهَا
стр. 1321
وَانْصَرف جمهورهم إِلَى مشرع الرملة وَالَّذين دخلُوا مكناسة مَعَ السُّلْطَان طالبوه فِي الرَّاتِب وشددوا فِي اقتضائه فَلم يكن عِنْده مَا يرضيهم بِهِ فشغبوا عَلَيْهِ ومرضوا فِي طَاعَته
هَذَا وَالسُّلْطَان الْمولى عبد الله مُقيم بجبال البربر مطل على الحضرة ومتحفز للوثبة فَلَمَّا علم بِمَا الْمولى زين العابدين فِيهِ من الِاضْطِرَاب نزل من الْجَبَل وَتقدم حَتَّى دخل فاسا الْجَدِيد وَذَلِكَ فِي سادس عشر جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة فَلَقِيَهُ الودايا وَأهل فاس واهتزوا لمقدمه وطاروا بِهِ سُرُورًا ثمَّ خرج من يَوْمه إِلَى دَار الدبيبغ فاحتل بهَا
وَلما اتَّصل خَبره بأَخيه الْمولى زين العابدين ضَاقَ ذرعه وخشعت نَفسه وَأصْبح غاديا من مكناسة إِلَى حَيْثُ يَأْمَن على نَفسه معرضًا عَن الْملك وأسبابه فَكَانَ ذَلِك آخر الْعَهْد بِهِ إِلَى أَن توفّي ﵀
الْخَبَر عَن الدولة الثَّانِيَة لأمير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله ﵀
لما فر السُّلْطَان الْمولى زين العابدين عَن مكناسة اجْتمع العبيد وَاتَّفَقُوا على أَن يراجعوا طَاعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الله فبعثوا طَائِفَة من قوادهم ووجهوها إِلَيْهِ فقدموا عَلَيْهِ منتصف رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَهُوَ بدار الدبيبغ فحيوه وَأَخْبرُوهُ بِأَن إخْوَانهمْ قد خلعوا الْمولى زين العابدين وَبَايَعُوهُ فسر الْمولى عبد الله بقدومهم وَخرج الودايا إِلَى العبيد فاختلطوا بهم وسروا بمقدمهم وأجروا الْخَيل فِي ميدان الْمُسَابقَة واللعب بالبارود وزينت مَدِينَة فاس وجددت الْبيعَة الْعَامَّة من الودايا وَأهل فاس وقبائل الْعَرَب والبربر وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى آخر ذِي الْقعدَة من السّنة فَكَانَ مَا نذكرهُ
стр. 1322
مَجِيء الْمولى المستضيء من مراكش ومحاربته لِأَخِيهِ الْمولى عبد الله وَمَا يتبع ذَلِك
لما اجْتمعت كلمة العبيد والودايا وَسَائِر أهل بِلَاد الغرب على طَاعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الله أَقَامَ ﵀ بدار الدبيبغ وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك إِلَى آخر ذِي الْقعدَة من سنة أَربع وَخمسين وَمِائَة وَألف فارتاب العبيد بمقامه هُنَالك ورفضه الْمقَام بَين أظهرهم بمكناسة الَّتِي هِيَ دَار الْملك يَوْمئِذٍ فقلبوا لَهُ ظهر الْمِجَن على عَادَتهم واستدعوا الْمولى المستضيء من مراكش ليبايعوه
واتصل خبرهم بالمولى عبد الله وَأَنَّهُمْ قد بعثوا الْخَيل إِلَى الْمولى المستضيء لتأتي بِهِ فَأخذ السُّلْطَان من ذَلِك المقعد الْمُقِيم وشمر عَن ساعد الْجد وَأخذ فِي تأليف قبائل الْعَرَب والبربر وَوصل يَد بَعضهم بِبَعْض ثمَّ ألف بَينهم وَبَين الودايا وَأهل فاس وآخى بَين الْجَمِيع فَأَعْطوهُ صَفْقَة أَيْمَانهم بِأَنَّهُم يموتون دونه فتم لَهُ مِنْهُم مَا أَرَادَهُ وَفِي أثْنَاء ذَلِك قدم الْحَاج أَحْمد السُّوسِي من مراكش وَدخل فاسا فَتحدث عَنهُ بِأَنَّهُ قد دس إِلَى أهل فاس فِي مُرَاجعَة طَاعَة الْمولى المستضيء والتمسك بدعوته ونمى ذَلِك إِلَى السُّلْطَان الْمولى عبد الله فَأمر بقتْله فَقتل
ثمَّ دخلت سنة خمس وَخمسين وَمِائَة وَألف فَفِي الْمحرم مِنْهَا زحف الْمولى المستضيء من مراكش إِلَى بِلَاد الغرب وَدخل مكناسة فِي جَيش العبيد وَبني حسن وَغَيرهم وَقدم فِي ركابه الْوَزير أَبُو الْحسن العميري وَأَخُوهُ القَاضِي أَبُو الْقَاسِم وَفِي آخر الْمحرم الْمَذْكُور ورد كتاب من عِنْد الْقَائِد أبي الْعَبَّاس أَحْمد الريفي إِلَى أهل فاس يَدعُوهُم إِلَى بيعَة مخدومه الْمولى المستضيء وَالدُّخُول فِي طَاعَته فصموا عَن ذَلِك ونبذوه
стр. 1323
وَفِي ربيع الأول من السّنة الْمَذْكُورَة زحف الْمولى المستضيء فِي جَيش العبيد إِلَى فاس وعسكر بِظهْر الزاوية خَارِجهَا ففر السُّلْطَان الْمولى عبد الله من دَار الدبيبغ إِلَى آيت دارسن وَمن الْغَد هَاجَتْ الْحَرْب بَين العبيد وَبَين الودايا وَأهل فاس والحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع وَهلك فِيهَا من الْفَرِيقَيْنِ عدد كثير وَفِي رَابِع ربيع الثَّانِي قدم السُّلْطَان الْمولى عبد الله يجر أُمَم البربر خَلفه من زمور وَبني حكم وجروان وآيت آدراسن وآيت ومالو فِي عدد لَا يحصيهم إِلَّا خالقهم وَفِي شارة من اللبَاس وشكة من السِّلَاح تسر الصّديق وتسوء الْعَدو
وَلما عاين الْمولى المستضيء وعبيده تِلْكَ الجموع وَعَلمُوا أَنهم لَا طَاقَة لَهُم بِحَرْبِهِمْ اتَّخذُوا اللَّيْل جملا وأسروا إِلَى مأمنهم ونجوا بِأَنْفسِهِم واصبحت الديار مِنْهُم بَلَاقِع فسر النَّاس بذلك وشكروا الله على انفضاض تِلْكَ الجموع بِلَا قتال
وَفِي سادس جُمَادَى الأولى من السّنة توفيت أم السُّلْطَان الْحرَّة خناثى بنت بكار المغفرية رَحمهَا الله وَكَانَت فقيهة أديبة ودفنت بقبور الْأَشْرَاف من فاس الْجَدِيد
وَفِي جُمَادَى الثَّانِيَة مِنْهَا حدثت فتْنَة بفاس بَين الْحَاج عبد الْخَالِق عديل والشريف الْمولى أبي عبد الله مُحَمَّد الغالي الإدريسي فَشَكَاهُ عديل إِلَى السُّلْطَان فَأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ فعاذ الشريف بضريح جده ﵁ فألزم السُّلْطَان أهل فاس إِخْرَاجه فضيقوا عَلَيْهِ إِلَى أَن طلب الْأمان فأمنوه وساقوه إِلَى السُّلْطَان فوبخه ثمَّ ضربه وسجنه ثمَّ أَمر أهل فاس بقتل أَصْحَابه فَقَتَلُوهُمْ
стр. 1324
هَدِيَّة السُّلْطَان الْمولى عبد الله ﵀ إِلَى الْحرم النَّبَوِيّ على مشرفه أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
وَفِي هَذِه السّنة أَعنِي سنة خمس وَخمسين وَمِائَة وَألف سَافر الركب المغربي إِلَى الْحَرَمَيْنِ الشريفين فَبعث مَعَه أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله ﵀ هَدِيَّة نفيسة فِيهَا ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ مُصحفا بَين كَبِير وصغير محلاة بِالذَّهَب مرصعة بالدر والياقوت وَمن جُمْلَتهَا الْمُصحف الْكَبِير العقباني الَّذِي كَانَ الْمُلُوك يتوارثونه بعد الْمُصحف العثماني الَّذِي كَانَ عِنْد بني أُميَّة بالأندلس وانتقل إِلَى هَذِه العدوة المغربية على يَد عبد الْمُؤمن بن عَليّ حَسْبَمَا مر الْكَلَام عَلَيْهِ مُسْتَوفى وَأما هَذَا الْمُصحف العقباني فَهُوَ مصحف عقبَة بن نَافِع الفِهري الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور فاتح الْمغرب كَانَ نسخه بالقيروان من الْمُصحف العثماني على مَا قيل وَبَقِي متداولا بَين أهل الْمغرب إِلَى أَن وَقع بيد الْأَشْرَاف السعديين وَأخذ فِيهِ الْمَنْصُور مِنْهُم الْعَهْد لوَلَده الشَّيْخ على إخْوَته كَمَا مر
وَلما وصل إِلَى هَذَا السُّلْطَان ﵀ غربه من الْمغرب إِلَى الْحرم الشريف فَعَاد بِهِ الدّرّ إِلَى وَطنه والإبريز إِلَى معدنه قَالَ الشَّيْخ أَبُو عبد الله المسناوي ﵀ قد وقفت على هَذَا الْمُصحف حِين أَمر السُّلْطَان الْمولى عبد الله ﵀ بِإِخْرَاجِهِ وَبَعثه إِلَى الْحُجْرَة الشَّرِيفَة فَظهر لي أَن تَارِيخ كتبه بالقيروان فِيهِ نظر لبعد مَا بَينهمَا اه وَبعث السُّلْطَان ﵀ مَعَه أَلفَيْنِ وَسَبْعمائة حَصَاة من الْيَاقُوت الْمُخْتَلف الألوان للحجرة النَّبَوِيَّة على الْحَال بهَا أفضل الصَّلَاة وأزكى التَّحِيَّة وَتقبل الله من السُّلْطَان عمله وأجزل ثَوَابه آمين
стр. 1325
مشايعة الباشا أبي الْعَبَّاس الريفي للْمولى المستضيء على الْمولى عبد الله وزحفه إِلَى فاس وَمَا يتَّصل بذلك
لما دخلت سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَة وَألف أقبل الباشا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد ابْن عَليّ الريفي فِي جموع الفحص والجبل والريف قَاصِدا فاسا وأعمالها حَتَّى نزل بالعسال من مزارع فاس وَذَلِكَ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من الْمحرم مِنْهَا وراود أهل فاس على الانحراف عَن طَاعَة مولَايَ عبد الله فَأَبَوا
وَأَقْبل الْمولى المستضيء فِي جموع العبيد وَعَلَيْهِم الْقَائِد فاتح بن النويني حَتَّى نزل قَرِيبا مِنْهُ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرين من صفر وَلما زحف هَذَانِ الجيشان إِلَى فاس اضْطَرَبَتْ نَوَاحِيهَا ودهش النَّاس من هول هَذَا الريفي لِأَنَّهُ جَاءَ فِي استعداد لم يعْهَد مثله وأرز الحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع إِلَى أسوار فاس وَنزلت حللهم داخلها وخارجها وبعثروا مزارعها وجناتها وانتهبوا مواشيها وَهلك الْكثير مِنْهَا جوعا وهزالا وَمَاجَتْ الْفِتْنَة موج الْبَحْر وَارْتَفَعت الأسعار وَلَقي النَّاس كل شدَّة وَفِي كل صباح وَمَسَاء ترْعد المدافع وتقرع الطبول بمحلتي الْمولى المستضيء والريفي فاستعد النَّاس للحرب وَركب السُّلْطَان الْمولى عبد الله من دَار الدبيبغ فِي نَحْو عشرَة من الْخَيل وأسرع إِلَى آيت أدراسن وهم بسهب عشار فَدخل حلَّة عبد الله بن يشي مِنْهُم وقلب سَرْجه وسط جموعهم فالتف عَلَيْهِ من حضر مِنْهُم وَقَالُوا مَا الَّذِي نَاب مَوْلَانَا فَقَالَ جِئتُكُمْ لتنصروني على هَذَا الْجبلي الَّذِي كَانَ خديمنا وعبدنا وأطغاه مَا جمع من المَال فِي خدمتنا ثمَّ أَرَادَ أَن يفضحنا وجرأه علينا أخوانا المستضيء وَأَرَادَ الِاسْتِيلَاء على بِلَادنَا وَهِي فِي الْحَقِيقَة بِلَادكُمْ وَمَا قصد إِلَّا إهانتكم وَأَنْتُم أَحَق من ينصر أهل الْبَيْت وَلَا يتَحَمَّل الْعَار وَعَلَيْكُم السَّلَام ثمَّ ركب فرسه وَرجع عوده على بدئه فَلم يبت إِلَّا بدار الدبيبغ وَمن الْغَد زحف أَحْمد الريفي إِلَّا بِلَاد الحياينة ظنا مِنْهُ أَنهم لَا زَالُوا مقيمين بهَا فَلَمَّا لم يجد بهَا أحدا رَجَعَ إِلَى مَحَله الَّذِي كَانَ بِهِ وَمن الْغَد
стр. 1326
كَانَت حَرْب خَفِيفَة بَينه وَبَين الودايا وَمن لافهم من الحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع ثمَّ من الْغَد ركب أَحْمد الريفي فِي رماته وَتقدم حَتَّى وقف على كُدَيْنَة تامزيزت فَوق القنطرة وعبرت جموعه لارورات ثمَّ عبر الْمولى المستضيء فِي جموع العبيد وخلفوا رماتهم ومدافعهم وأثقالهم بالمحلة وَكتب الْمولى المستضيء كتائبه وصف جُنُوده بذلك الْبَسِيط وزحف الودايا وَأهل فاس والحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع وَجَاءَت البربر بجموعها فأشرفوا عَلَيْهِم بِالْعينِ المقبوة إِلَى دَار ابْن عَمْرو وَلما وَقعت عينهم على جموع الْمولى المستضيء ووزيره الريفي بذلك الْبَسِيط صاحوا بهم وشدوا عَلَيْهِم شدَّة رجل وَاحِد فَكَانَت الْهَزِيمَة واستحر فيهم الْقَتْل وَالسَّلب وازدحموا فِي القنطرة وتساقطوا فِي الْوَادي فَهَلَك الْكثير مِنْهُم والبربر فِي أَثَرهم يقتلُون ويسلبون وَأما الريفي فَإِنَّهُ لما رأى الْهَزِيمَة عَلَيْهِ لم يزدْ على أَن ركب فرسه وَنَجَا بِرَأْس طمرة ولجام على الْحَالة الَّتِي وصفهَا أَبُو الطّيب إِذْ قَالَ
(لَا يَأْمَن النَّفس الْأَقْصَى فيدركه ... فيسرق النَّفس الْأَدْنَى ويغتنم)
وَلم يعرج هَؤُلَاءِ وَلَا أحد من المنهزمة على الْمحلة حَتَّى انْتهى إِلَيْهَا البربر فتركوا اتِّبَاع المنهزمة وَاشْتَغلُوا بنهبها فَأتوا على مَا فِيهَا من الأخبية والكراع والأثاث الفاخر وَلم يتْركُوا بهَا إِلَّا المدافع والمهاريس وآلتها من كور وبنب وبارود فَإِن الْقَائِد أَبَا عزة صَاحب الشربيل وقف على ذَلِك حَتَّى حازه وَعَاد النَّاس وَقد امْتَلَأت أَيْديهم من الْغَنَائِم فَلَقِيَهُمْ طوائف من البربر لم يَكُونُوا قد شهدُوا الْوَقْعَة فاستلبوا مَا بِأَيْدِيهِم
قَالَ صَاحب الْبُسْتَان حَدثنِي السُّلْطَان المرحوم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله عَن هَذِه الْوَقْعَة وَكَانَ قد شَهِدَهَا وَهُوَ فِي سنّ الْبلُوغ قَالَ بَعَثَنِي وَالِدي مَعَ أخوالنا الودايا فَلَمَّا هبت ريَاح النَّصْر وَانْهَزَمَ الْعَدو فِي سَاعَة وَاحِدَة وَكنت يَوْمئِذٍ فِي خمسين فَارِسًا بَين ودايا وَأَصْحَاب تقدمنا إِلَى الْمحلة فوقفنا على قبَّة الباشا أَحْمد وأحرزناها ثمَّ أمرت الحمارة فحملوا لنا من صناديق
стр. 1327
الريال على عشْرين بغلة وَمن الملف والكتان على ثَلَاثِينَ جملا لعرب بداوة أَصْحَاب الْإِبِل وحملوا لنا قبتين إِحْدَاهمَا لِأَحْمَد الريفي وَالْأُخْرَى أظنها للْمولى المستضيء وَأما الْعَرَب والبربر والودايا وَأهل فاس فقد أخذت كل طَائِفَة بِنَاحِيَة تحمل مَا قدرت عَلَيْهِ ثمَّ لما انفصلنا عَن الْمحلة قافلين لقيتنا كتائب من البربر الَّذين لم يحضروا الْوَقْعَة وبنفس مَا خالطونا طاروا بِمَا فِي أَيْدِينَا حَتَّى لم ندر أَيْن البغال وَلَا الْإِبِل وَانْفَرَدَ بِكُل بغلة وجمل جمَاعَة من الْخَيل خَمْسُونَ أوستون أَو أَكثر وَلم يجْتَمع منا اثْنَان وعدنا كَمَا جِئْنَا وَهَكَذَا وَقع لكل من انتهب شَيْئا من حزبنا إِلَّا من دخل مَعَ البربر فِي حصتهم وَلما فرغ النَّاس من النهب اشْتغل عبيد السُّلْطَان بِجمع الرؤوس فَكَانَ عَددهَا مَا بَين أَبيض وأسود نَحْو التسْعمائَة فِيهَا رَأس الباشا فاتح بن النويني ثمَّ بعث السُّلْطَان الْمولى عبد الله البغال لجر تِلْكَ المدافع والمهاريس وَحمل الكور والبنب فسيق ذَلِك كُله إِلَى دَار الدبيبغ ثمَّ بعث بغالا أُخْرَى لحمل البارود وَكَانَ ثَلَاثمِائَة برميل فِي كل وَاحِد قِنْطَار من البارود الْجيد فَأدْخل ذَلِك كُله لخزين فاس قَالَ السُّلْطَان المرحوم سَيِّدي مُحَمَّد بن عبد الله فِي حَدِيثه وَكَانَ هَذَا أول بعث بَعَثَنِي فِيهِ وَالِدي وَأول حَرْب شهدتها وَأَنا يَوْمئِذٍ فِي سنّ الْبلُوغ وَكَانَ لي ولوع باللعب بِالرُّمْحِ والمطاعنة بِهِ إِلَى أَن مهرت فِيهِ اه كَلَامه
وَلما اجتاز المنهزمة بجبل الزَّبِيب اعْتَرَضَهُمْ أَهله وقاتلوهم فَقتلُوا فِي جُمْلَتهمْ سَيِّدي مُحَمَّد بن المستضيء يَظُنُّونَهُ من أهل الرِّيف ثمَّ خلص الريفي وَأَصْحَابه إِلَى طنجة بعد غصب الرِّيق وَكَانَ أَمر هَذِه الْوَقْعَة فتحا عَظِيما على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمولى عبد الله وشيعته
قَالَ فِي نشر المثاني فراجع طَائِفَة من العبيد طَاعَة مولَايَ عبد الله وجاءته قبائل الْمغرب بالهدايا من كل نَاحيَة فتألفهم وألان لَهُم القَوْل وَأمر العبيد بِالْمَسِيرِ إِلَى طنجة لِحَرْب الريفي فَسَارُوا ثمَّ رجعُوا وَلم يلْقوا كيدا
стр. 1328
معاودة أَحْمد الريفي غَزْو فاس وَمَا كَانَ من أمره مَعَ السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى حِين مَقْتَله
لما وصل أَحْمد الريفي إِلَى طنجة أَخذ فِي إخلاف مَا ضَاعَ لَهُ ولقومه من خيل وَسلَاح وأخبية وَنَحْوهَا وجدد لجيش العبيد من ذَلِك مَا جدده لأهل الرِّيف وَأخذ فِي الاستعداد لمعاودة غَزْو فاس وَأقسم أَن لَا يَأْكُل لَحْمًا وَلَا يشرب لَبَنًا حَتَّى يدْخل فاسا وينهبها كَمَا انتهبوا محلته
وَبعث إِلَى سُلْطَانه الْمولى المستضيء بِمِائَتي فرس ومائتي خباء وَألف مكحلة وَخمسين ألف مِثْقَال يفرقها على العبيد يتقوون بهَا وَضرب لَهُ موعدا يَجْتَمعُونَ فِيهِ على حَرْب السُّلْطَان الْمولى عبد الله وشيعته من الودايا وَأهل فاس فَكَانَ أَمر الريفي فِيمَا أنفقهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فسينفقونها ثمَّ تكون عَلَيْهِم حسرة ثمَّ يغلبُونَ﴾ الْأَنْفَال ٣٦
وَلما كَانَ شهر جُمَادَى الأولى من سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَة وَألف خرج أَحْمد الريفي من طنجة قَاصِدا حَضْرَة فاس فِي أكمل شكة وَأحسن استعداد وَلما انْتهى خَبره إِلَى السُّلْطَان الْمولى عبد الله لم يَسعهُ التَّخَلُّف عَن لِقَائِه فَكتب إِلَى عرب الحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع وَكتب إِلَى عرب الغرب من سُفْيَان وَبني مَالك وَسَائِر شيعته يستنفرهم ويحضهم على نصرته وَفرق الرَّاتِب على العبيد والودايا وزرارة وَأخرج أهل فاس بَعثهمْ الَّذِي عينوه على الْعَادة وَكتب السُّلْطَان إِلَى آيت أدراسن وجروان يُخْبِرهُمْ بعزمه على مصادمة الريفي وَجمعه وَيَقُول لَهُم إِن أردتم المَال وَالْغنيمَة فتأهبوا للنهوض إِلَى طنجة فخف نَاس مِنْهُم وَقدم عَلَيْهِم مِنْهُم أَلفَانِ من الْخَيل وَأكْثر مِنْهَا رُمَاة
ثمَّ خرج السُّلْطَان من فاس أَوَاخِر جُمَادَى الأولى وَنزل على وَادي سبو وَأقَام بِهِ إِلَى أَن عرض عساكره ورتبها فَجعل رُمَاة عبيده ورماة أهل فاس رحى وَاحِدَة وَعقد عَلَيْهِم للقائد أبي عزة صَاحب الشربيل وَجعل الودايا
стр. 1329
وزرارة وَأهل السوس خيلهم ورماتهم رحى وَاحِدَة وَعقد عَلَيْهِم لحاجبه الْقَائِد عبد الْوَهَّاب اليموري وَسَار على هَذِه التعبية فَلَقِيَهُ شراقة وَأَوْلَاد جَامع وَأَوْلَاد عِيسَى فجعلهم رحى وَاحِدَة وَعقد عَلَيْهِم للشَّيْخ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُوسَى الشَّرْقِي وَلما عبر وَادي ورغة لقِيه أهل الغرب فِي جموعهم ينتظرونه هُنَالك فَبَاتُوا مَعَه تِلْكَ اللَّيْلَة بِعَين قرواش وَمن الْغَد جعل بني مَالك فِي رحى وعقدهم عَلَيْهِم لقائدهم أبي سلهام الجمادي وَجعل سُفْيَان فِي رحى وَعقد عَلَيْهِم لقائدهم عبد الله السفياني وَسَار على هَذِه التعبية فِي ظلّ النَّصْر والسعادة
وَأما الْمولى المستضيء فِي العبيد وَبني حسن فَإِنَّهُ لما بلغه نهوض السُّلْطَان الْمولى عبد الله من فاس خَالفه إِلَى مكناسة دَار الْملك فَدَخلَهَا على حِين غَفلَة من أَهلهَا وعاث وانتهب وَفعل فِيهَا بَنو حسن الأفاعيل من سبي النِّسَاء والذرية وَغير ذَلِك ثمَّ تدارك أهل مكناسة أَمرهم وتجمعوا لِحَرْب عدوهم فَقَاتلُوا بني حسن فِي وسط الْمَدِينَة وردوهم على أَعْقَابهم وَقتلُوا مِنْهُم مَا لَا يُحْصى وَرَجَعُوا منهزمين وَأما أَحْمد الريفي فَإِنَّهُ زحف إِلَى الْقصر فِي جموع لَا تحصى من أهل الرِّيف والفحص والجبل وَأهل العرائش وَالْقصر والخلط وطليق وبداوة وَغَيرهم وَأقَام ينْتَظر سُلْطَانه الْمولى المستضيء وَجمعه
وَلما أَبْطَأَ عَلَيْهِ واتصل بِهِ خبر زحف السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَيْهِ ارتحل من الْقصر عَامِدًا نَحوه فَالتقى الْجَمْعَانِ عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم بدار الْعَبَّاس على وَادي لكس وَقَالَ فِي نشر المثاني كَانَ اللِّقَاء بالموضع الْمُسَمّى بالمنزه من أحواز الْقصر فِي رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَة وَألف
وَلما ترَاءى الْجَمْعَانِ هم جَيش السُّلْطَان الْمولى عبد الله بالنزول فَقَالَ السُّلْطَان ﵀ لَا نزُول إِلَّا على الْغَنِيمَة أَو الْهَزِيمَة ثمَّ عبر إِلَيْهِم فِي جُنُوده وأعجلهم على النُّزُول وصمد إِلَيْهِم فِي كَتِيبَة من أَخْوَاله وعبيده فخالط
стр. 1330
مقدمتهم ففضها وَكَانَ فِيهَا أهل الفحص وبداوة وطليق والخلط ثمَّ ظَهرت كَتِيبَة أهل الرِّيف الَّتِي فِيهَا قلب الْعَسْكَر وَحده وفيهَا الباشا أَحْمد بن عَليّ فَحمل عَلَيْهَا السُّلْطَان حَملَة ثَانِيَة ألحقها بالمقدمة وتقوضت جموع الريفي من كل جَانب وانهزموا للحين ومروا على وُجُوههم لَا يلوي حميم على حميم وَمضى جَيش السُّلْطَان فِي أَثَرهم يقتلُون ويسلبون إِلَى أَن جنهم اللَّيْل وَقتل الريفي فِي المعركة وَبقيت الْأَبْنِيَة والأثقال بيد السُّلْطَان كَمَا هِيَ فَنزل بهَا بدار الْعَبَّاس وعادت العساكر مسَاء بالغنائم وبرأس الباشا أَحْمد بن عَليّ الريفي عرفه بَعضهم بَين الْقَتْلَى فأزال رَأسه وأتى بِهِ السُّلْطَان فسر بِهِ وَبعث بِهِ إِلَى فاس فعلق بِبَاب المحروق وانقضى أمل أَحْمد الريفي وَذَهَبت أَيَّامه و ﴿كل من عَلَيْهَا فان وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ الرَّحْمَن ٢٦ وَقد خلف هَذَا الريفي آثارا كَثِيرَة بطنجة وتطاوين وأعمالها من أبنية وَغَيرهَا تشهد بعلو همته ﵀
زحف السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى طنجة واستيلاؤه عَلَيْهَا
لما فرغ السُّلْطَان الْمولى عبد الله ﵀ من أَمر الريفي أصبح غاديا يؤم طنجة وَلما شارفها خرج إِلَيْهِ رجالها يحملون الْمَصَاحِف على رؤوسهم وَالصبيان يحملون الألواح بَين أَيْديهم مستشفعين تَائِبين فَعَفَا عَنْهُم إِلَّا من كَانَ من بطانة أَحْمد الريفي وَدخل السُّلْطَان طنجة وَاسْتولى عَلَيْهَا وَأمر بِالِاحْتِيَاطِ على دَار الريفي ومتاعه ثمَّ أَمر الخواجا عديلا فِي جمَاعَة من تجار فاس بإحصاء مَا بدار الريفي فَدَخَلُوهَا وتطوفوا خزائنها وَاسْتَخْرَجُوا مَا فِيهَا من مَال وَسلَاح وسروج وكسى وملف وكتان وفرش وخرثي وأثاث يفوق الْحصْر فأحصى ذَلِك كُله وأحصى العبيد وَالْإِمَاء وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَجَمِيع الْمَاشِيَة من إبل وبقر وغنم فجيء من ذَلِك بِشَيْء كثير فَأعْطى الْمَاشِيَة كلهَا للبربر ثمَّ
стр. 1331
أطلق يَد الْجَيْش على الأمراس فانتشلوا مَا فِيهَا من قَمح وشعير فَأتوا عَلَيْهِ ثمَّ تتبع حَاشِيَة الريفي من عُمَّال وَكتاب وَغَيرهم مِمَّن كَانَ لَهُ بِهِ اتِّصَال فاستصفى مَا عِنْدهم من المَال والذخيرة إِلَى أَن استوفى غَرَضه
وَكَانَ هَذَا الريفي قد رسخ مجده بطنجة وأعمالها وعظمت ثروته لامتداد الدولة لَهُ ولأبيه بهَا مُنْذُ الْفَتْح فَكَانَ ظفر السُّلْطَان الْمولى عبد الله بخزائنه من بَاب الظفر بالكنوز القارونية وقدمت عَلَيْهِ فِي أثْنَاء ذَلِك وُفُود الْقَبَائِل الَّتِي هُنَالك فَعَفَا عَنْهُم وأمنهم وَأقَام ﵀ بطنجة أَرْبَعِينَ يَوْمًا وانقلب رَاجعا إِلَى فاس مؤيدا منصورا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
اعْتِرَاض الْمولى المستضيء للسُّلْطَان الْمولى عبد الله وعود الكرة عَلَيْهِ ومقتل بني حسن
لما انهزم الْمولى المستضيء من مكناسة بعد إِيقَاعه بِأَهْلِهَا خرج إِلَى حلَّة بني حسن وَأقَام بَين أظهرهم فاتصل بِهِ خبر مقتل ناصره ووزيره على أمره أَحْمد الريفي ففت ذَلِك فِي عضده وهد أَرْكَانه ثمَّ لما بلغه فتح طنجة واستيلاء السُّلْطَان عَلَيْهَا اسْتَأْنف جده وأرهف حَده وَأخذ فِي تحريض العبيد وَبني حسن على تَجْدِيد الْبَعْث والنهوض لاعتراض أَخِيه السُّلْطَان الْمولى عبد الله مرجعه من طنجة فَخرج كَبِير بني حسن يَوْمئِذٍ وَهُوَ قَاسم أَبُو عريف يطوف فِي أحيائها ويستنفر جموعها وَخرج الْمولى المستضيء فِي لمة من وُجُوه العبيد إِلَى مشرع الرملة فَجهز بهَا عشرَة آلَاف فَارس من عبيده ووافاه قَاسم أَبُو عريف بِمِثْلِهَا من بني حسن فَكَانَ مَجْمُوع الجيشين عشْرين ألفا سوى من انضاف إِلَيْهِم ثمَّ سَارُوا لاعتراض السُّلْطَان وَلَا علم لَهُ بهم
وَقدم الْمولى المستضيء أَمَامه الطَّلَائِع والعيون فعادوا إِلَيْهِ بِخَبَر السُّلْطَان وَأَنه بائت تِلْكَ اللَّيْلَة بدار الْعَبَّاس فصبحه الْمولى المستضيء فِي جموعه على حِين غَفلَة مِنْهُ فَلم يرع السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَّا نواصي الْخَيل مقبلة
стр. 1332
إِلَيْهِ فعبأ جَيْشه على عجل وَأقَام الرُّمَاة حوالي الْمحلة ثمَّ صَمد إِلَيْهِم فِي الْخَيل وأنشب الْقِتَال فَلم تكن إِلَّا سَاعَة حَتَّى انهزم بَنو حسن وولوا الأدبار وَكَانُوا ميمنة الْجَيْش وَثَبت الْمولى المستضيء وَالْعَبِيد فِي الميسرة فصمد إِلَيْهِ السُّلْطَان وَصدقه الْقِتَال فَهبت ريح النَّصْر وتمت الْهَزِيمَة على الْمولى المستضيء وعبيده ومروا على وُجُوههم لَا يلوون على شَيْء فَجرد السُّلْطَان مَعَ الْقَائِد أبي عزة صَاحب الشربيل كَتِيبَة من الْخَيل فِي أَثَرهم وَتقدم إِلَيْهِم أَن لَا يقتلُوا أحدا من العبيد وَإِنَّمَا يجردونهم لَا غير فَلم يقتل أحدا من العبيد فِي هَذِه الْوَقْعَة واستحر الْقَتْل فِي بني حسن فَهَلَك مِنْهُم مَا ينيف على الْألف وانتهب مِنْهُم أَكثر من خَمْسَة آلَاف فرس وَمن السِّلَاح مثل ذَلِك وَهَذِه الْوَقْعَة هِيَ الَّتِي خضدت شَوْكَة بني حسن وفلت من غربهم ونجى الْمولى المستضيء فِي فَلهم وَأقَام بحلتهم ينْتَظر أَن تدول لَهُ دولة لأَنهم كَانُوا شيعته كَأَهل دكالة وَأهل مراكش وَكَانَ أَخُوهُ الْمولى النَّاصِر خَلِيفَته على مراكش كَمَا مر
وقفل السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى فاس الْجَدِيد فاحتل بهَا وَفرق المَال على أَخْوَاله وعبيده وأسهم لأهل فاس وَأقَام بدار الدبيبغ إِلَى أَن دخلت سنة سبع وَخمسين وَمِائَة وَألف فَقدم عَلَيْهِ فِي شهر ربيع الثَّانِي مِنْهَا جمَاعَة من قواد العبيد تَائِبين خاضعين متنصلين مِمَّا فرط مِنْهُم فعاتبهم وَقَالَ لَهُم لَا كَلَام الْيَوْم بيني وَبَيْنكُم حَتَّى أقطع دابر بني حسن وَمن مَعَهم من شيعَة المستضيء ثمَّ عَفا عَنْهُم وَأَعْطَاهُمْ الرَّاتِب وَأمرهمْ بالقدوم عَلَيْهِ إِلَى مكناسة بِقصد غَزْو بني حسن فعادوا إِلَى مشرع الرملة عازمين على ذَلِك وَأخذ هُوَ فِي الاستعداد أَيْضا ونهض من فاس فِي جَيش العبيد والودايا وَأهل فاس والحياينة وشراقة وَأَوْلَاد جَامع وعرب الغرب وَلما انْتهى إِلَى مكناسة وافاه بهَا عبيد مشرع الرملة فِي وُجُوههم وَأهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم فجددوا التَّوْبَة واستأنفوا الْبيعَة بِمحضر الْقُضَاة وَالْعُلَمَاء وأعطوا صَفْقَة الطَّاعَة من عِنْد آخِرهم وَالله غَالب على أمره
стр. 1333
نهوض السُّلْطَان الْمولى عبد الله إِلَى بِلَاد الْحَوْز وتدويخه إِيَّاهَا وإجفال الْمولى المستضيء عَنْهَا
كَانَ الْمولى المستضيء فِي هَذِه الْمدَّة مُقيما عِنْد بني حسن كَمَا قُلْنَا وَلما بَايع العبيد السُّلْطَان الْمولى عبد الله وَاجْتمعت كلمتهم عَلَيْهِ خرج فِي طلبه وَطلب شيعته من بني حسن فسلك طَرِيق الْفَج ليحول بَين بني حسن والشعاب فصبحهم بسيط زبيدة وهم غَارونَ وَالْمولى المستضيء بَين أظهرهم فَلم يرعهم إِلَّا الْخَيل تجوس خلال بُيُوتهم وتسوق أنعامهم وشاءهم وتنتهب أثاثهم ومتاعهم فَانْفَضُّوا فِي كل وَجه وَتَفَرَّقُوا شذر مذر وأفلت الْمولى المستضيء ﵀ بجريعة الذقن وتوزعت العساكر السَّبي
وَجَاء بَنو حسن يهرعون إِلَى السُّلْطَان طَالِبين عَفوه فَأمر بالكف عَنْهُم ورد عَلَيْهِم سَبْيهمْ وَترك لَهُم خيلهم وَمضى إِلَى قبائل دكالة إِذْ اتَّصل بِهِ أَن الْمولى المستضيء قد فر إِلَيْهَا فَلَمَّا نزل قَصَبَة أبي الأعوان وَنزلت عساكره أَمَامه بذلك الْبَسِيط من دكالة فر أَهلهَا مَعَ الْمولى المستضيء إِلَى التلول ونزلوا قرب دمنات وشرعت عَسَاكِر السُّلْطَان فِي انتشال الْحُبُوب من الأمراس واستخراج الدفائن من الهميل وتخريب الْقرى وتقطيع الْأَشْجَار وَكلما فرغت من نَاحيَة انْتَقَلت إِلَى غَيرهَا متقلبة فِي ذَلِك الْبَسِيط نَحْو السّنة وَالسُّلْطَان مُقيم بالقصبة إِلَى أَن اكتسح أَرض دكالة وَتركهَا أنقى من الرَّاحَة لَيْسَ بهَا مَا يَأْكُلهُ الطَّائِر أَو يتظلل الحائر ثمَّ انْتقل إِلَى بِلَاد السراغنة وَلما توسطها قدمت عَلَيْهِ وفودها ووفود سَائِر قبائل تِلْكَ الْجبَال بمؤناتهم وهداياهم فقبلهم وَعَفا عَنْهُم ثمَّ انْتقل إِلَى نَاحيَة دمنات ففر أهل دكالة وَالْمولى المستضيء أَمَامه إِلَى جبال مسفيوة فَتَحَصَّنُوا بهَا وَكَانَت مسفيوة قد
стр. 1334
بايعته وَدخلت فِي دَعوته فَتقدم السُّلْطَان الْمولى عبد الله حَتَّى نزل بوادي الزات فَقدمت عَلَيْهِ هُنَالك عرب الرحامنة وزمران وَسَائِر أهل الْحَوْز وَكَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِطَاعَتِهِ فنزلوا مَعَه بالوادي الْمَذْكُور وعاثت العساكر فِي بِلَاد مسفيوة وأوسعوها نهبا وتخريبا وَالْحَرب فِي ذَلِك كُله قَائِمَة مَعَ الْمولى المستضيء على سَاق إِلَى أَن صَار وَادي الزات أخرب من جَوف حمَار ثمَّ انْتقل السُّلْطَان إِلَى وَادي كجي فعاثت فِيهِ العساكر على عَادَتهَا وَعجز أهل الدفاع فهدمت حصونهم وَحرقت قراهم وَقطعت أَشْجَارهم وَصَارَ وَادي كجي أوحش من وَادي الزات فطلبوا الْأمان وأعلنوا بِالطَّاعَةِ وجاؤوا مستشفعين بصبيانهم فَقَالَ لَهُم السُّلْطَان على شَرط أَن تَأْتُوا بالمستضيء فَقَالُوا إِنَّه قد فر بالْأَمْس وَلَو كَانَ عندنَا لأتيناك بِهِ فقبلهم وَعَفا عَنْهُم ثمَّ جَاءَ أهل دكالة بنسائهم وذراريهم وَقَالُوا هَذِه نساؤنا وَأَوْلَادنَا لَك وَأما المَال فقد ذهب وَمَا عندنَا مَا نقتاته فافعل بِنَا مَا بدا لَك فَعَفَا عَنْهُم وَأذن لَهُم فِي الرُّجُوع إِلَى بِلَادهمْ وَكَانَ ذَلِك أَوَاخِر سنة سبع وَخمسين وَمِائَة وَألف
وَلما دخلت سنة ثَمَان وَخمسين بعْدهَا ارتحل عَن بِلَاد مسفيوة وَنزل بقصبة آلصم بإشمام الصَّاد زايا وَبهَا قدم عَلَيْهِ وَفد من مراكش كَمَا يَأْتِي
وَأما الْمولى المستضيء فَإِنَّهُ لما فر من مسفيوة قدم مراكش وحاول الدُّخُول إِلَيْهَا فصده أَهلهَا عَنْهَا ورفضوا دَعوته وأعلنوا بنصر السُّلْطَان الْمولى عبد الله بمرأى مِنْهُ ومسمع فَلم يبْق لَهُ حِينَئِذٍ بمراكش مطمع وَكَانَ أَخُوهُ الْمولى النَّاصِر قد مَاتَ يَوْمئِذٍ فأخرجوا إِلَيْهِ أثاثه فتسلمه مِنْهُم وكر رَاجعا إِلَى بِلَاد الفحص فَلم يزل تلفظه أَرض إِلَى أَرض إِلَى أَن احتل بطنجة قانعا من الْغَيْبَة بسلامة المهجة وَسَيَأْتِي تَمام خَبره بعد إِن شَاءَ الله
стр. 1335
وفادة أهل مراكش على السُّلْطَان الْمولى عبد الله بآلصم واستخلافه وَلَده سَيِّدي مُحَمَّدًا عَلَيْهِم
لما طرد أهل مراكش الْمولى المستضيء عَن بِلَادهمْ تَآمَرُوا فِيمَا بَينهم وَأَجْمعُوا الدُّخُول فِي طَاعَة السُّلْطَان الْمولى عبد الله وعينوا جمَاعَة من وُجُوههم وأوفدوها عَلَيْهِ وَهُوَ بقصبة آلصم فَانْتَهوا إِلَيْهِ وَقدمُوا بيعتهم وَأَخْبرُوهُ بِمَا كَانَ من الْمولى المستضيء وَمَا عاملوه بِهِ من الصد والإبعاد فقبلهم وَعَفا عَنْهُم بعد العتاب ثمَّ طلبُوا مِنْهُ هم وقبائل الْحَوْز أجمع أَن يطَأ بِلَادهمْ وَيدخل مصرهم فَوَعَدَهُمْ بذلك وَلم يبرح من مَكَانَهُ إِلَى أَن وفدت عَلَيْهِ قبائل الدَّيْر كُله فَلَمَّا تفقد الْجَيْش الَّذِي خرج بِهِ من مكناسة وجد أَكْثَره قد فر وَلم يبْق مَعَه من الْعَسْكَر المخزني إِلَّا النّصْف وَأما الْقَبَائِل فَلم يبْق مَعَهم مِنْهُ إِلَّا أعيانهم فِي الأخبية لطول الْغَيْبَة وَكَثْرَة الحروب وَقلة الزَّاد فَلم يُمكنهُ التَّقَدُّم إِلَى مراكش على تِلْكَ الْحَال وَإِنَّمَا تألفهم بِأَن دفع لَهُم وَلَده الْمولى مُحَمَّدًا ﵀ وَقَالَ لَهُم إِنِّي استخلفته عَلَيْكُم فرضوا بِهِ وقرت أَعينهم فَكَانَ ذَلِك أول مَا انغرست شَجَرَة الدولة العلوية بمراكش حَتَّى صَارَت حضرتها وَدَار ملكهَا بعد أَن كَانُوا لَا يَبْغُونَ بمكناسة بَدَلا
ثمَّ بعث السُّلْطَان وَلَده الْمولى أَحْمد وَكَانَ أسن من الْمولى مُحَمَّد خَليفَة عَنهُ برباط الْفَتْح وأضاف إِلَيْهِ قبائل الشاوية وَبني حسن ثمَّ أذن السُّلْطَان لعامل فاس عبد الْخَالِق عديل فِي الرُّجُوع إِلَى فاس فَمَرض بِالطَّرِيقِ وَمَات بعد أَن دخل فاسا وَدفن بزاوية سَيِّدي عبد الْقَادِر الفاسي
ثمَّ رَجَعَ السُّلْطَان إِلَى مكناسة على طَرِيق تادلا بعد أَن أَقَامَ بِبِلَاد الْحَوْز سنة كَامِلَة فَقَدمهَا فِي شهر ربيع الثَّانِي سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة وَألف وَلما شَارف مكناسة لم يدخلهَا وَنزل بقصبة أبي فكران فَقدم عَلَيْهِ بهَا جمَاعَة من الْمُجَاهدين أهل الرِّيف من طنجة فَوق الْمِائَة وَمَعَهُمْ زَوْجَة الباشا أَحْمد الريفي وولداها مِنْهُ فَقدمت هَدِيَّة عَظِيمَة فَقبض السُّلْطَان الْهَدِيَّة وَقتل الْوَلَدَيْنِ وَمن
следующие страницы →