Полный текст (1 747 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
حَدِيث أبي البهار الصنهاجي مَعَ الْمَنْصُور ابْن أبي عَامر وَمَا نَشأ عَن ذَلِك
كَانَ أَبُو البهار بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي قد خَالف على ابْن أَخِيه مَنْصُور بن بلكين ابْن زيري بن مُنَاد الصنهاجي أَمِير إفريقية وَظُهُور الدولة العبيدية وخلع دَعْوَة الشِّيعَة وَمَال إِلَى دَعْوَة المروانيين وَغلب على المهدية وتونس وشلشال وتلمسان ووهران وشلف وَكثير من بِلَاد الزاب وخطب للمؤيد وحاجبه الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَبعث ببيعته إِلَيْهِم وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَسبعين وثلاثمائة فَلَمَّا وصلت بيعَته إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر بعث إِلَيْهِ بعهده على مَا بِيَدِهِ من الْبِلَاد وبهدية وخلع وبأربعين ألف دِينَار فَلَمَّا قبض أَبُو البهار المَال والهدية أَقَامَ على بيعتهم نَحْو الشَّهْرَيْنِ ثمَّ خلعهم وَعَاد إِلَى العبيديين فَبلغ ذَلِك الْمَنْصُور فَغَاظَهُ وَكتب إِلَى زيري بن عَطِيَّة بعهده على بِلَاد أبي البهار وَأمره بقتاله عَلَيْهَا فَسَار إِلَيْهِ زيري بن عَطِيَّة من فاس فِي جيوش لَا تحصى من قبائل زناتة وَغَيرهم ففر أَبُو البهار أَمَامه وَلحق بِابْن أَخِيه مَنْصُور بن بلكين وَترك لَهُ الْبِلَاد فَملك زيري بن عَطِيَّة تلمسان وَسَائِر أَعمال أبي البهار فانبسط سُلْطَانه بالمغرب من السوس الْأَقْصَى إِلَى الزاب وَكتب بِالْفَتْح إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَبعث لَهُ بهدية عَظِيمَة فِيهَا مِائَتَا فرس من عتاق الْخَيل وَخَمْسُونَ جملا مهريا سَابِقَة وَألف درقة من جُلُود اللمط وأحمال كَثِيرَة من قسي الزان وقطوط الغالية والزرافة وأصناف الوحوش الصحراوية كاللمط وَغَيره وَألف حمل من التَّمْر الْجيد فِي جنسه وأحمال كَثِيرَة من ثِيَاب الصُّوف الرقيقة فسر بهَا الْمَنْصُور وكافأه عَلَيْهَا وَكتب لَهُ بتجديد عَهده على الْمغرب وَذَلِكَ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة واقام زيري بن عَطِيَّة بفاس وأسكن قبيله بأنحائها وبالقرب مِنْهَا فِي قياطينهم وَدفع بني يفرن عَن فاس وأحوازها إِلَى نواحي سلا فاستولوا عَلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي
стр. 212
وفادة زيري بن عَطِيَّة على الْمَنْصُور بن أبي عَامر بالأندلس
لما كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة استدعى الْمَنْصُور بن أبي عَامر زيري بن عَطِيَّة أَن يقدم عَلَيْهِ بقرطبة فاستخلف على الْمغرب وَلَده الْمعز بن زيري وَأمره بسكنى تلمسان واستخلف على عدوة الأندلس من فاس عبد الرَّحْمَن بن عبد الْكَرِيم بن ثَعْلَبَة وعَلى عدوة الْقرَوِيين مِنْهَا عَليّ بن مُحَمَّد بن أبي عَليّ بن قشوش وَولى قَضَاء المدينتين الْفَقِيه الْفَاضِل أَبَا مُحَمَّد قَاسم بن عَامر الْأَزْدِيّ وَسَار إِلَى الأندلس وَقدم بَين يَدَيْهِ هَدِيَّة عَظِيمَة من جُمْلَتهَا طَائِر فصيح يتَكَلَّم بِالْعَرَبِيَّةِ والبربرية ودابة من دَوَاب الْمسك ومهاة وحشية تشبه الْفرس وحيوانات غَرِيبَة وأسدان عظيمان فِي قفصين من حَدِيد وَشَيْء كثير من التَّمْر فِي غَايَة الْكبر الْوَاحِدَة مِنْهُ تشبه الخيارة عظما وَحمل مَعَه من قومه وَعبيدَة ثَلَاثمِائَة فَارس وثلاثمائة راجل فاحتفل الْمَنْصُور لقدومه احتفالا عَظِيما وبرز الْخَاصَّة والعامة للقائه وأنزله بقصر جَعْفَر الْحَاجِب وَتوسع لَهُ فِي الجرايات وَالْإِكْرَام ولقبه باسم الْوَزير وأفاض عَلَيْهِ أَمْوَالًا جسيمة وخلعا نفيسة وَعجل بسراحه إِلَى عمله بعد أَن جدد لَهُ عَهده على الْمغرب وعَلى جَمِيع مَا غلب عَلَيْهِ مِنْهُ فَعبر الْبَحْر واحتل بِمَدِينَة طنجة فَلَمَّا اسْتَقر بهَا وضع يَده على رَأسه وَقَالَ الْآن علمت أَنَّك لي فاستقل مَا وَصله بِهِ الْمَنْصُور واستقبح اسْم الوزارة الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ وَلَقَد خاطبه بِهِ بعض رِجَاله فَنَهَاهُ عَن ذَلِك وَقَالَ وَزِير من يالكع لَا وَالله إِلَّا أَمِير ابْن أَمِير وَاعجَبا لِابْنِ أبي عَامر ومخرقته لِأَن تسمع بالمعيدي خير من أَن ترَاهُ وَالله لَو كَانَ بالأندلس رجل مَا تَركه على حَاله وَإِن لَهُ منا ليوما وَبَلغت مقَالَته الْمَنْصُور فصر عَلَيْهَا أُذُنه وَزَاد فِي اصطناعه إِلَى أَن كَانَ مَا نذكرهُ
стр. 213
اسْتِيلَاء يدو بن يعلى اليفرني على فاس ومقتله
تقدم لنا أَن بني يفرن من أَعْيَان قبائل زناتة وَكَانَ يدو بن يعلى بن مُحَمَّد بن صَالح اليفرني قد قَامَ بِأَمْر بني يفرن بعد مقتل أَبِيه يعلى بن مُحَمَّد حِين قَتله جَوْهَر الْكَاتِب قَائِد الشِّيعَة سنة سبع وَأَرْبَعين وثلاثمائة فَملك يدو كثيرا من بوادي الْمغرب واتصلت رياسته إِلَى هَذَا التَّارِيخ
وَتقدم لنا أَن مغراوة دفعُوا بني يفرن إِلَى سلا وأحوازها فاستولوا عَلَيْهَا وَكَانَ الْأَمِير يدو بن يعلى مضاهيا لزيري بن عَطِيَّة فِي الْحسب وَالْفضل وَالْمَال
وَلما استدعى الْمَنْصُور بن أبي عَامر زيري بن عَطِيَّة للوفادة الْمُتَقَدّمَة أَرَادَ أَن يفعل بيدو بن يعلى مثل ذَلِك وَكَانَ قَصده أَن يمكر بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يطمئن إِلَيْهِ اطمئنان زيري بن عَطِيَّة فاساء يدو بن يعلى إِجَابَة الْمَنْصُور وَقَالَ مَتى عهد الْمَنْصُور حمر الْوَحْش تنقاد للبياطرة فأقصر عَنهُ الْمَنْصُور
وَكَانَت بَين زيري ويدو بن يعلى منافسات ومنازعات على الرياسة بالمغرب فَكَانَ يدو بن يعلى إِذا غلب على زيري دخل مَدِينَة فاس وَاسْتولى عَلَيْهَا وَإِذا غلب عَلَيْهِ زيري أخرجه عَنْهَا وملكها وَكَانَت الْحَرْب بَينهمَا سجالا وسئمت الرّعية بفاس كَثْرَة تعاقبهم عَلَيْهَا
ثمَّ لما سَافر زيري بن عَطِيَّة إِلَى الأندلس انتهز يدو بن يعلى الفرصة فِي غيبته فزحف إِلَى فاس وَدخل مِنْهَا عدوة الأندلس بِالسَّيْفِ فِي ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَقتل بهَا خلقا كثيرا من مغراوة فَلَمَّا نزل زيري بن عَطِيَّة بطنجة اتَّصل بِهِ خبر يدو بن يعلى واستيلاؤه على فاس فأسرع السّير نَحوه حَتَّى نزل قَرِيبا من فاس فَكَانَت بَينهمَا حَرْب شَدِيدَة هلك فِيهَا خلق كثير من القبيلتين مغراوة وَبني يفرن إِلَى أَن هَزَمه زيري واقتحم عَلَيْهِ فاسا عنْوَة فَقتله وَمثل بِهِ وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر بقرطبة وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وثلاثمائة
стр. 214
بِنَاء مَدِينَة وَجدّة
لما قتل زيري بن عَطِيَّة يدو بن يعلى صفا لَهُ أَمر الْمغرب وَلم يبْق لَهُ بِهِ مُنَازع وهابته الْمُلُوك وَبَقِي الْأَمر مُسْتَقِيمًا بَينه وَبَين الْمَنْصُور فِي الظَّاهِر فَسَمت همته إِلَى بِنَاء مَدِينَة تكون خَاصَّة بِهِ ويقومه وأرباب دولته فَبنى مَدِينَة وَجدّة وشيد أسوارها وَأحكم قصبتها وَركب أَبْوَابهَا وسكنها بأَهْله وحشمه وَنقل إِلَيْهَا أَمْوَاله وذخائره وَجعلهَا قَاعِدَة ملكه لكَونهَا وَاسِطَة الْبِلَاد وثغرا للعمالتين الْمغرب الْأَقْصَى والأوسط وَكَانَ اختطاطه إِيَّاهَا فِي شهر رَجَب سنة أَربع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَلم يزل زيري بن عَطِيَّة فِي علو سُلْطَان وارتفاع شَأْن إِلَى سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلاثمائة ثمَّ حدث مَا نذكرهُ
حُدُوث النفرة بَين زيري بن عَطِيَّة والمنصور بن أبي عَامر وَمَا نَشأ عَن ذَلِك
ثمَّ فسد مَا بَين الْمَنْصُور وَبَين زيري بن عَطِيَّة واتصل بالمنصور أَن زيري ينتقصه ويعرض فِي شَأْنه وحجره على الْمُؤَيد وَيتَكَلَّم فِيهِ بالقبيح فَقطع الْمَنْصُور عَنهُ رزق الوزارة الَّذِي كَانَ يجريه عَلَيْهِ فِي كل سنة ومحى اسْمه من ديوانه ونادى بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُ فعزم زيري على خلَافَة فَقطع ذكره من الْخطْبَة وَاقْتصر على ذكر هِشَام الْمُؤَيد وطرد عماله من الْمغرب وألجأهم إِلَى سبتة فأنفذ إِلَيْهِ الْمَنْصُور بن أبي عَامر مَوْلَاهُ وَاضحا الْفَتى فِي جَيش عَظِيم وأمده بِالْحُمَاةِ من سَائِر الطَّبَقَات وأزاح عللهم وأفاض عَلَيْهِم الْأَمْوَال للنفقات
стр. 215
وأنواع السِّلَاح والكسى فَعبر وَاضح الْبَحْر وَاسْتقر بِمَدِينَة طنجة فانضم إِلَيْهِ بعض قبائل البربر من غمارة وصنهاجة وَغَيرهم وَبَايَعُوهُ على قتال زيري بن عَطِيَّة وَمن مَعَه من قبائل زناتة فَأَفَاضَ عَلَيْهِم الْخلْع وَالْأَمْوَال
ثمَّ أمد الْمَنْصُور بِمن كَانَ مَعَه بالأندلس من مُلُوك البربر النازعين عَن زيري بن عَطِيَّة إِلَيْهِ فتكاملت جيوشه وَخرج بهم وَاضح من طنجة يؤم فاسا فاتصل خَبره بزيري بن عَطِيَّة فَخرج إِلَيْهِ من فاس فِي عَسَاكِر زناتة فَالتقى الْجَمْعَانِ بوادي زادات فَكَانَت بَينهمَا حروب بعد الْعَهْد بِمِثْلِهَا مُدَّة من ثَلَاثَة أشهر إِلَى أَن انهزم وَاضح وَقتل أَكثر جَيْشه وفر وَاضح إِلَى طنجة فَدَخلَهَا مُنْهَزِمًا وَكتب إِلَى الْمَنْصُور يطْلب مِنْهُ المدد
وَقَالَ ابْن خلدون إِن وَاضحا حِين برز من طنجة وزحف إِلَيْهِ زيري بن عَطِيَّة تواقفا ثَلَاثَة أشهر ثمَّ تنَاول وَاضح آصيلا ونكور فضبطهما واتصلت الوقائع بَينه وَبَين زيري ثمَّ بَيت وَاضح معسكر زيري بنواحي آصيلا وهم غَارونَ فأوقع بهم
وَخرج الْمَنْصُور من قرطبة فوصل إِلَى الجزيرة الخضراء ثمَّ أجَاز ابْنه عبد الْملك المظفر بِجَمِيعِ عَسْكَر الأندلس وقوادها حَتَّى بَقِي الْمَنْصُور وَحده وَأمره بِحَرب زيري بن عَطِيَّة فَركب المظفر الْبَحْر من الجزيرة الخضراء إِلَى سبتة
واتصل خبر المظفر بزيري بن عَطِيَّة فخافه وَأخذ فِي الاستعداد لملاقاته وَكتب إِلَى جَمِيع قبائل زناتة يستصرخهم فَأَتَتْهُ الْوُفُود من بِلَاد ملوية وتلمسان والزاب وَسَائِر بوادي وناتة فَنَهَضَ بهم إِلَى قتال عبد الْملك المظفر بن الْمَنْصُور بن أبي عَامر وبرز عبد الْملك من طنجة وَمَعَهُ وَاضح الْفَتى فِي جيوش لَا تحصى والتقى الْجَمْعَانِ بوادي منى من أحواز طنجة فَكَانَت بَينهم
стр. 216
حَرْب أعظم من الأولى ودام الْقِتَال بَينهم يَوْمًا إِلَى اللَّيْل
وَكَانَ فِي عَسْكَر زيري بن عَطِيَّة غُلَام أسود اسْمه سَلام كَانَ زيري قد قتل أَخَاهُ فَوجدَ الفرصة إِلَيْهِ فانتهزها وضربه بسكين فِي نَحره ثَلَاث ضربات فأشواه أَي لم يصب مَقْتَله وَمر الْأسود يشْتَد نَحْو المظفر وبشره بقتل زيري فاستكذبه ثمَّ سقط إِلَيْهِ الْخَبَر الصَّحِيح بِأَن زيري قد أثبت فَشد عَلَيْهِم عبد الْملك وهم فِي حَال دهشة من جرح أَمِيرهمْ فَهَزَمَهُمْ واستمرت الْهَزِيمَة على زيري وَأَصْحَابه واثخن فيهم عبد الْملك بِالْقَتْلِ وَملك محلّة زيري بأسرها واحتوى على جَمِيع مَا فِيهَا من المَال وَالسِّلَاح والكراع وَالْإِبِل وَالْعدة فاستولى من ذَلِك على مَا لَا يَأْخُذهُ الْحصْر
وَمضى زيري على وَجهه حَتَّى انْتهى إِلَى مَوضِع يعرف بمضيق الْحَيَّة بِالْقربِ من مكناسة فَعَسْكَرَ بِهِ وَاجْتمعَ إِلَيْهِ الفل من قومه وعزم على الرُّجُوع لمناجزة المظفر فاتصل الْخَبَر بالمظفر فانتخب من عسكره خَمْسَة آلَاف فَارس وَقدم عَلَيْهِم وَاضحا الْفَتى ونهضوا إِلَى زيري بن عَطِيَّة فَضربُوا فِي محلته لَيْلًا بمضيق الْحَيَّة وهم آمنون فأوقعوا بهم وقْعَة عَظِيمَة أسر فِيهَا من اشراف مغراوة نَحْو ألفي رجل وَذَلِكَ فِي منتصف رَمَضَان سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فامتن عَلَيْهِم عبد الْملك المظفر وأركبهم مَعَه فَكَانُوا من جنده وفر زيري بن عَطِيَّة فِي شرذمة من أَصْحَابه وَبني عَمه فَانْتهى إِلَى فاس فأغلق أَهلهَا الْأَبْوَاب دونه فَسَأَلَهُمْ أَن يخرجُوا إِلَيْهِ عِيَاله وَأَوْلَاده فأخرجوهم إِلَيْهِ وَأَعْطوهُ مَعَ ذَلِك الزَّاد وَالدَّوَاب فَأَخذهُم وَانْصَرف إِلَى الصَّحرَاء فَنزل بِلَاد صنهاجة وَكَانَ مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 217
قدوم عبد الْملك المظفر بن الْمَنْصُور بن أبي عَامر مَدِينَة فاس وَمَا كَانَ من شَأْنه بهَا
لما انهزم زيري بن عَطِيَّة من مضيق الْحَيَّة إِلَى الصَّحرَاء نَهَضَ عبد الْملك المظفر من مُعَسْكَره يؤم فاسا فَدَخلَهَا يَوْم السبت منسلخ شَوَّال سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فَاسْتَقْبلهُ أَهلهَا مستبشرين بِهِ فَأحْسن لقاءهم وَكتب إِلَى أَبِيه الْمَنْصُور بِالْفَتْح فَقَرَأَ الْكتاب على مِنْبَر جَامع الزهراء من قرطبة وعَلى مَنَابِر مَسَاجِد الأندلس كلهَا شرقا وغربا وَأعْتق الْمَنْصُور ألفا وَخَمْسمِائة مَمْلُوك وثلاثمائة مَمْلُوكَة شكرا لله تَعَالَى وَفرق أَمْوَالًا كَثِيرَة على الْفُقَرَاء وَذَوي الْحَاجَات وَكتب إِلَى وَلَده المظفر بعهده على الْمغرب وأوصاه بِحسن السِّيرَة وَالْعدْل فَقَرَأَ كِتَابه على مِنْبَر مَسْجِد الْقرَوِيين وَذَلِكَ يَوْم الْجُمُعَة آخر ذِي الْقعدَة من السّنة الْمَذْكُورَة
وَانْصَرف وَاضح إِلَى الأندلس واستوطن عبد الْملك مَدِينَة فاس وَعدل فِيهَا عدلا لم يعهدوه من أحد قبله وَأقَام بهَا سِتَّة أشهر ثمَّ صرفه وَالِده عَنْهَا إِلَى الأندلس وَبعث إِلَيْهَا عوضا عَنهُ عِيسَى بن سعيد صَاحب الشرطة فَأَقَامَ واليا عَلَيْهَا إِلَى صفرَة سنة تسع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فَعَزله الْمَنْصُور عَنْهَا وَعَما كَانَ ولاه من بِلَاد العدوة وَولى عَلَيْهَا وَاضحا الْفَتى وَانْصَرف عِيسَى بن سعيد إِلَى الأندلس من السّنة الْمَذْكُورَة بَقِيَّة أَخْبَار زيري بن عَطِيَّة
لما نزل زيري بن عَطِيَّة بِبِلَاد صنهاجة وجدهم قد اخْتلفُوا على ملكهم باديس بن مَنْصُور بن بلكين بن زيري بن مُنَاد صَاحب إفريقية فَأرْسل زيري بن عَطِيَّة فِي قبائل زناتة حاشرين فَأتى مِنْهُم خلق كثير من مغراوة
стр. 218
وَغَيرهم فاغتنم زيري تِلْكَ الفرصة من صنهاجة فزحف إِلَيْهِم وأوغل فِي بِلَادهمْ وَهزمَ جيوشهم وَدخل مَدِينَة تاهرت وَجُمْلَة من بِلَاد الزاب وَملك مَعَ ذَلِك تلمسان وشلف والمسيلة وَأقَام بهَا الدعْوَة للمؤيد وحاصر مَدِينَة آشير قَاعِدَة بِلَاد صنهاجة وَكتب إِلَى الْمَنْصُور بن أبي عَامر بذلك يسترضيه وَيشْتَرط على نَفسه الرَّهْن والاستقامة إِن أُعِيد إِلَى ولَايَته وبينما هُوَ محاصر لآشير يباكرها ويراوحها بِالْقِتَالِ انْقَضتْ عَلَيْهِ جراحاته الَّتِي كَانَ جرحه الْأسود فَمَاتَ مِنْهَا سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلاثمائة
الْخَبَر عَن دولة الْمعز بن زيري بن عَطِيَّة المغراوي
لما هلك زيري بن عَطِيَّة اجْتمع آل خزر وكافة مغراوة من بعده على ابْنه الْمعز بن زيري فَبَايعُوهُ وَضبط أَمرهم وأقصر عَن محاربة صنهاجة وَصَالح الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَقَامَ بدعوته وَرجع إِلَى طَاعَته وَلم يزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي الْمَنْصُور وَولي ابْنه بعده عبد الْملك المظفر فيايعه الْمعز أَيْضا ودعا لَهُ على منابره فعزل المظفر وَاضحا الْفَتى عَن فاس وَسَائِر بِلَاد الْمغرب وَصَرفه إِلَى الأندلس وَكتب إِلَى الْمعز بن زيري بعهده على فاس وَسَائِر أَعمال الْمغرب حواضره وبواديه وَذَلِكَ سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلاثمائة وَشرط لَهُ الْمعز أَن يُؤَدِّي إِلَيْهِ فِي كل سنة مَالا مَعْلُوما وخيلا ودرقا يُوصل ذَلِك إِلَى قرطبة وَأَعْطَاهُ مَعَ ذَلِك وَلَده معنصر بن الْمعز رهنا وَكَانَت نُسْخَة كتاب الْعَهْد
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله
من الْحَاجِب المظفر سيف الدولة دولة الإِمَام الْخَلِيفَة هِشَام الْمُؤَيد بِاللَّه أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ عبد الْملك بن الْمَنْصُور بن أبي عَامر إِلَى كَافَّة أهل مدينتي فاس وكافة أهل الْمغرب سلمهم الله أما بعد أصلح الله
стр. 219
شَأْنكُمْ وَسلم أَنفسكُم وأديانكم فَالْحَمْد لله علام الغيوب وغفار الذُّنُوب ومقلب الْقُلُوب ذِي الْبَطْش الشَّديد المبدئ المعيد الفعال لما يُرِيد لَا راد لأَمره وَلَا معقب لحكمه بل لَهُ الْملك وَالْأَمر وَبِيَدِهِ الْخَيْر وَالشَّر إِيَّاه نعْبد وإياه نستعين وَإِذا قضى أمرا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد سيد الْمُرْسلين وعَلى آله الطيبين وَجَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَالسَّلَام عَلَيْكُم أَجْمَعِينَ وَإِن الْمعز بن زيري بن عَطِيَّة أكْرمه الله تَابع رسله لدينا وَكتبه متنصلا من هَنَات دَفعته إِلَيْهَا ضرورات ومستغفرا من سيئات حطتها من تَوْبَته حَسَنَات وَالتَّوْبَة ممحاة الذَّنب وَالِاسْتِغْفَار منقذ من العتب وَإِذا أذن الله بِشَيْء يسره وَعَسَى أَن تكْرهُوا شَيْئا وَلكم فِيهِ خَيره وَقد وعد من نَفسه استشعار الطَّاعَة وَلُزُوم الجادة واعتقاد الاسْتقَامَة وَحسن المعونة وخفة الْمُؤْنَة فوليناه مَا قبلكُمْ وعهدنا إِلَيْهِ أَن يعْمل بِالْعَدْلِ فِيكُم وَأَن يرفع أَعمال الْجور عَنْكُم وَأَن يعمر سبلكم وَأَن يقبل من محسنكم ويتجاوز عَن مسيئكم إِلَّا فِي حُدُود الله ﵎ وأشهدنا الله عَلَيْهِ بذلك وَكفى بِاللَّه شَهِيدا وَقد وجهنا الْوَزير أَبَا عَليّ بن حذيم أكْرمه الله وَهُوَ من ثقاتنا ووجوه رجالنا ليَأْخُذ بِشَأْنِهِ ويؤكد الْعَهْد فِيهِ عَلَيْهِ بذلك وأمرناه بإشراككم فِيهِ وَنحن بأمركم معتنون ولأحوالكم مطلعون وَأَن يقْضِي على الْأَعْلَى للأدنى وَلَا يرضى فِيكُم بِشَيْء من الْأَدْنَى فثقوا بذلك واسكنوا إِلَيْهِ وليمض القَاضِي أَبُو عبد الله أَحْكَامه مشدودا ظَهره بِنَا معقودا سُلْطَانه بسلطاننا وَلَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم فَذَلِك ظننا بِهِ إِذْ وليناه وأملنا فِيهِ إِذا قلدناه وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ولتبلغوا منا سَلاما طيبا جزيلا وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
стр. 220
وَلما وصل إِلَى الْمعز بن زيري الْعَهْد بولايته على الْمغرب مَا عدا كورة سجلماسة فَإِنَّهَا كَانَت لبني خزرون بن فلفل ضم نشره وثاب إِلَيْهِ نشاطه وَبث عماله فِي جَمِيع كور الْمغرب وجبا خراجها لم تزل ولَايَته متسقة وَطَاعَة رعاياه منتظمة إل إِلَى افترق أَمر الْجَمَاعَة بالأندلس واختل رسم الْخلَافَة بهَا فاضطرب أَمر الْمغرب على الْمعز وَأقَام على ذَلِك إِلَى أَن هلك سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة كَذَا عِنْد ابْن خلدون
وَفِي القرطاس لم تزل بِلَاد الْمغرب أَيَّام الْمعز فِي غَايَة الْهُدْنَة والعافية والرخاء والأمن إِلَى أَن توفّي فِي جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَالله أعلم
وَأما ابْنه معنصر فَإِنَّهُ أَقَامَ بقرطبة إِلَى أَن قَامَت الْفِتْنَة بالأندلس وانقرضت الدولة العامرية فَانْصَرف معنصر إِلَى أَبِيه وعشيرته بفاس
وَحكي فِي القرطاس أَنه لما كَانَت سنة تسع وَتِسْعين وثلاثمائة وَتُوفِّي عبد الْملك المظفر وَولي بعده أَخُوهُ عبد الرَّحْمَن بن الْمَنْصُور بن أبي عَامر بعث إِلَيْهِ الْمعز بن زيري بهدية نفيسة فِيهَا خَمْسُونَ فرسا وَكَانَ وَلَده معنصر مرتهنا عِنْده بقرطبة كَمَا قُلْنَا فأحضر الْحَاجِب عبد الرَّحْمَن معنصر بن الْمعز حِين وصلت إِلَيْهِ هَدِيَّة أَبِيه فَخلع عَلَيْهِ وعَلى الرُّسُل الَّذين قدمُوا عَلَيْهِ بالهدية وَبعث بِهِ إِلَى أَبِيه مكرما فَجمع الْمعز كل فرس كَانَ عِنْده وَبعث بِهِ إِلَى قرطبة وَكَانَ مبلغ عدد الْخَيل تِسْعمائَة فرس وَلم تصل من الْمغرب إِلَى الأندلس هَدِيَّة أعظم مِنْهَا
стр. 221
الْخَبَر عَن دولة حمامة بن الْمعز بن عَطِيَّة المغراوي
لما توفّي الْمعز بن زيري بن عَطِيَّة ولي بعده ابْن عَمه حمامة بن الْمعز بن عَطِيَّة وَلَيْسَ بِابْن لَهُ كَمَا زعم بعض المؤرخين وَإِنَّمَا هُوَ ابْن عَمه وَقع الِاتِّفَاق فِي بعض الْأَسْمَاء فَنَشَأَ الْغَلَط وَاسْتولى حمامة على عمل فاس وَالْمغْرب واستفحل ملكه وقصده الْأُمَرَاء وَالْعُلَمَاء وأتته الْوُفُود ومدحه الشُّعَرَاء
وَكَانَت الدولة بالأندلس قد تداعت إِلَى الاختلال فَكَانَ ذَلِك من أَسبَاب استفحال الدولة المغراوية بفاس وَالْمغْرب واستقلال بِالْأَمر فَكَانَ لحمامة من الظُّهُور مَا ذَكرْنَاهُ إِلَى أَن أَصَابَته عين الْكَمَال بمنازعة أبي الْكَمَال على مَا نذكرهُ
الْخَبَر عَن دولة أبي الْكَمَال تَمِيم بن زيري اليفرني واستيلائه على فاس وأعمالها
قد تقدم لنا أَن بني يفرن كَانُوا قد تحيزوا إِلَى النواحي سلا فاستولوا عليهاوعلى مَدِينَة شالة ثمَّ ملكوا تادلا وَمَا والاها من الْبِلَاد
ثمَّ لما كَانَت سنة أَربع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة كَانَ الْأَمِير على بني يفرن أَبَا الْكَمَال تَمِيم بن زيري بن يعلى بن مُحَمَّد بن صَالح اليفرني فزحف من سلا إِلَى فاس فِي قبائل بني يفرن وَمن انضاف إِلَيْهِم من زتاته وبرز إِلَيْهِ حمامة فِي جموع مغراوة وَمن إِلَيْهِم فَكَانَت بَينهم حَرْب شَدِيدَة أجلت عَن هزيمَة حمامة وَمَات من مغراوة أُمَم وَاسْتولى تَمِيم على فاس وأعمال الْمغرب ودخلها فِي جُمَادَى الْآخِرَة من السّنة الْمَذْكُورَة واستباح يهود فاس فَقتل مِنْهُم أَكثر من سِتَّة آلَاف يَهُودِيّ وسبى حرمهم وَاصْطلمَ نعمتهم بالمرة وَلحق حمامة بوجدة فاستمد من كَانَ هُنَالك من قبائل مغراوة وزناتة
стр. 222
وأنجاد قبائل ملوية وانْتهى إِلَى تنس فاستنفر من هُنَالك من زناتة وَبعث الحاشدين فِي قياطينهم إِلَى جَمِيع بِلَاد الْمغرب الْأَوْسَط وَكَاتب من بعد عَنهُ من رجالاتهم فَاجْتمع لَهُ من ذَلِك جم غفير ثمَّ زحف إِلَى فاس سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فأفرج عَنْهَا أَبُو الْكَمَال وَلحق بِبَلَدِهِ ومقر ملكه من شالة وَأقَام بهَا إِلَى أَن هلك سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَت مُدَّة استيلائه على فاس وأعمالها خمس سِنِين وَقيل سبع سِنِين
وَكَانَ أَبُو الْكَمَال اليفرني يغلب عَلَيْهِ الْجفَاء وَالْجهل وَمَعَ ذَلِك فقد كَانَ صلبا فِي دينه مُسْتَقِيمًا فِيهِ مُولَعا بجهاد برغواطة كَانَ يغزوهم مرَّتَيْنِ فِي السّنة إِلَى أَن توفّي وَلما كَانَت سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقتل ابْنه فِي حَرْب لمتونة جاؤوا بِهِ ليدفنوه إِلَى جَانب قبر أَبِيه أبي الْكَمَال فَسَمِعُوا من قَبره تَكْبِيرا وتشهدا كثيرا فنبشوا قَبره فألفوه لم يتَغَيَّر مِنْهُ شَيْء ثمَّ رَآهُ بعض قرَابَته فِي النّوم فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا التَّكْبِير وَالتَّشَهُّد الَّذِي سمعناه من قبرك قَالَ تِلْكَ الْمَلَائِكَة وَكلهمْ الله بقبري يكبرُونَ ويهللون ويسبحون وَيكون ثَوَاب ذَلِك لي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ وَبِمَ نلْت ذَلِك قَالَ بجهادي برغواطة حُكيَ هَذَا الْخَبَر فِي القرطاس وَالله على كل شَيْء قدير وَأقَام حمامة فِي سُلْطَان فاس وَالْمغْرب إِلَى أَن توفّي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقيل غير ذَلِك
стр. 223
الْخَبَر عَن دولة دوناس بن حمامة ابْن الْمعز بن عَطِيَّة المغراوي
لما توفّي حمامة بن الْمعز ولي بعده ابْنه دوناس بن حمامة ويكنى ابا العطاف وَاسْتولى على فاس وَسَائِر مَا كَانَ لِأَبِيهِ من مدن الْمغرب وأعماله وَخرج عَلَيْهِ لأوّل دولته ابْن عَمه حَمَّاد بن معنصر بن الْمعز بن عَطِيَّة فجرت لَهُ مَعَه حروب وخطوب وَكَثُرت جموع حَمَّاد وَغلب على ضواحي فاس وحاصرها حصارا شَدِيدا وَقطع عَن عدوة الْقرَوِيين جرية الْوَادي واحتفر السياج الْمَعْرُوف بسياج حَمَّاد وَيُقَال إِن دوناس خَنْدَق بِهِ على نَفسه وَاسْتمرّ حَمَّاد محاصرا لفاس إِلَى أَن هلك سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فاستقامت دولة دوناس وانفسحت أَيَّامه وَصَارَ النَّاس فِي هدنة ودعة ورخاء كثير
وَفِي أَيَّامه عظمت فاس وعمرت وَكَثُرت أرباضها وقصدها النَّاس والتجار من جَمِيع النواحي فأدار دوناس السُّور على أرباضها وَبنى بهَا الْمَسَاجِد والحمامات والفنادق واستبحر عمرانها فَصَارَت حَاضِرَة الْمغرب من يَوْمئِذٍ وَلم يشْتَغل دوناس من يَوْم ولي إِلَى ان توفّي إِلَّا بِالْبِنَاءِ والتشييد وَكَانَت وَفَاته فِي شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
الْخَبَر عَن دولة فتوح بن دوناس المغراوي
لما توفّي دوناس بن حمامة ولي بعده ابْنه الْفتُوح بن دوناس وَنزل بعدوة الأندلس ونازعه اللأمر أَخُوهُ الْأَصْغَر واسْمه عجيسة وَكَانَ شهما محربا
стр. 224
فاستولى على عدوة الْقرَوِيين واستبد على أَخِيه وافترق أَمر فاس وأعمالها بافتراقهما وَقَامَت الْحَرْب بَينهمَا على سَاق وَبنى الْفتُوح بعدوة الأندلس قَصَبَة منيعة بالموضع الْمَعْرُوف بالكدان وَبنى عجيسة أَيْضا قَصَبَة مثلهَا بِرَأْس عقبَة السعتر من عدوة الْقرَوِيين وَكَثُرت الْعَدَاوَة بَينهمَا واستحكمت فَكَانَا لَا يفتران عَن الْقِتَال لَيْلًا وَنَهَارًا وَعظم الْخَوْف بالمغرب وَكثر الْهَرج وغلت الأسعار واشتدت المجاعة وَظَهَرت لمتونة على أَطْرَاف الْبِلَاد فملكوها وَالْأَمر لَا زَالَ وَالْحَال مَا حَال وَلَيْسَ لأهل فاس شغل إِلَّا الْقِتَال وَاسْتمرّ الْأَمر على ذَلِك ثَلَاث سِنِين إِلَى أَن بَيت الْفتُوح عجيسة فاقتحم عَلَيْهِ عدوة الْقرَوِيين لَيْلًا فَقتله وَاسْتولى على العدوتين مَعًا
والفتوح بن دوناس هَذَا هُوَ الَّذِي بنى بَاب الْفتُوح من مَدِينَة فاس بسورها القبلي وَبِه عرف إِلَى الْآن وَأَخُوهُ عجيسة هُوَ الَّذِي بنى بَاب عجيسة بِرَأْس عقبَة السعتر من عدوة الْقرَوِيين من نَاحيَة الْجوف وَبِه عرف أَيْضا إِلَى ألآن فَلَمَّا ظفر الْفتُوح بعجيسة وَقَتله أَمر بتغيير اسْم الْبَاب الْمَنْسُوب إِلَيْهِ فأسقط النَّاس الْعين من عجيسة وعوضوا عَنْهَا الْألف وَاللَّام فَقَالُوا بَاب الجيسة قَالَه فِي القرطاس وَقَالَ ابْن خلدون خففوه لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال
وَلم يزل الْفتُوح مستوليا على فاس إِلَى أَن دهم الْمغرب مَا دهمه من أَمر المرابطين من لمتونة وخشي الْفتُوح مغبة ذَلِك فأفرج عَن فاس وتخلى عَنْهَا وزحف صَاحب القلعة بلكين بن مُحَمَّد بن حَمَّاد الصنهاجي إِلَى الْمغرب سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَدخل فاسا وَاحْتمل من أكابرها وأشرافها عددا رهنا على الطَّاعَة وقفل إِلَى قلعته
الْخَبَر عَن دولة معنصر بن حَمَّاد بن معنصر بن الْمعز بن عَطِيَّة المغراوي
لما تخلى الْفتُوح بن دوناس عَن ملك فاس وأعمالها قَامَ بِالْأَمر بعده
стр. 225
قريبَة معنصر بن حَمَّاد بن معنصر بن الْمعز بن عَطِيَّة فَبَايَعته قبائل مغراوة الَّذين بفاس وأحوازها وَذَلِكَ فِي رَمَضَان سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ معنصر ذَا حزم ورأي وشجاعة وإقدام وشغل بِحَرب لمتونة وَكَانَت لَهُ عَلَيْهِم الْوَقْعَة الْمَشْهُورَة
ثمَّ غلب يُوسُف بن ناشفين على فاس وَخلف عَلَيْهَا عَامله وارتحل إِلَى عمَارَة وَفتح الْكثير من بلادها حَتَّى أشرف على طنجة ثمَّ رَجَعَ إِلَى حِصَار قلعة فازاز فخالفه معنصر إِلَى فاس وملكها وَقتل الْعَامِل وَمن مَعَه من لمتونة وَمثل بهم بالحرق والصلب واتصل الْخَبَر بِيُوسُف بن تاشفين وَهُوَ محاصر لقلعة فازاز فاستدعى مهْدي بن يُوسُف الكزنائي صَاحب مكناسة ليستجيش بِهِ على فاس فاستعرضه معنصر فِي طَرِيقه قبل أَن تتصل أَيْدِيهِمَا وناجزه الْحَرْب ففض جموعه وَقَتله وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى وليه الْحَاجِب سكُوت البرغواطي صَاحب سبتة
واستصرخ أهل مكناسة بِيُوسُف بن تاشفين فسرح عَسَاكِر لمتونة إِلَى حِصَار فاس فَأخذُوا بمخنقها وَقَطعُوا الْمرَافِق عَنْهَا وألحوا بِالْقِتَالِ عَلَيْهَا حَتَّى اشْتَدَّ بِأَهْلِهَا الْحصار ومسهم الْجد وبرز معنصر لإحدى الراحتين فَكَانَت الدائرة عَلَيْهِ وفقد فِي الملحمة ذَلِك الْيَوْم سنة سِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فَلم يدر مَا فعل الله بِهِ
الْخَبَر عَن دولة تَمِيم بن معنصر المغراوي
لما فقد معنصر بن حَمَّاد فِي الملحمة الَّتِي كَانَت بَينه وَبَين اللمتونيين بَايع أهل فاس من بعده لِابْنِهِ تَمِيم بن معنصر فَكَانَت أَيَّامه أَيَّام حِصَار وفتنة وَجهد وَغَلَاء
وشغل يُوسُف بن تاشفين عَنْهُم بِفَتْح بِلَاد غمارة حَتَّى إِذا كَانَت سنة ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَفرغ من فتح غمارة صعد إِلَى فاس فحاصرها أَيَّامًا ثمَّ اقتحمها عنْوَة وَقتل بهَا زهاء ثَلَاثَة آلَاف من مغراوة وَبني يفرن ومكناسة وَغَيرهم
стр. 226
وَهلك تَمِيم بن معنصر فِي جُمْلَتهمْ حَتَّى عجز النَّاس عَن مواراتهم فُرَادَى فاتخذوا لَهُم الأخاديد وقبروا جماعات وخلص من نجا من الْقَتْل مِنْهُم إِلَى تلمسان قَالَه ابْن خلدون
وَقَالَ فِي القرطاس دخل يُوسُف بن تاشفين مَدِينَة فاس الدخلة الثَّانِيَة الْكُبْرَى فَقتل بهَا من مغراوة وَبني يفرن فِي أزقتها وجوامعها مَا يزِيد على الْعشْرين ألف رجل وَذَلِكَ سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وانقرضت دولة مغراوة من الْمغرب والبقاء لله وَحده
وَكَانَت مُدَّة دولتهم نَحْو مائَة سنة وَفِي دولتهم عظم شَأْن فاس وبنيت الأسوار على أرباضها وحصنت أَبْوَابهَا وَزيد فِي مسجديها الْقرَوِيين والأندلس زِيَادَة كَثِيرَة واتسع النَّاس فِي أَيَّام مغراوة فِي الْبناء فعظمت فاس واستبحر عمرانها وَكَثُرت خيراتها واتصل الْأَمْن والرخاء جلّ أيامهم إِلَى أَن ضعفت أَحْوَالهم وجاروا على رعيتهم بِأخذ أَمْوَالهم وَسَفك دِمَائِهِمْ والتعرض لحرمهم فَانْقَطَعت عَنْهُم الْموَاد وَكثر الْخَوْف فِي الْبِلَاد وغلت الأسعار وبلى الله عباده بِشَيْء من الْخَوْف والجوع وَنقص من الْأَمْوَال والأنفس والثمرات وَذَلِكَ فِي دولة الْفتُوح بن دوناس وَمن بعده فَكَانَ رُؤَسَاء مغراوة وَبني يفرن يلجون على النَّاس دُورهمْ فَيَأْخُذُونَ مَا يَجدونَ بهَا من الطَّعَام ويتعرضون لنسائهم وصبيانهم وَيَأْخُذُونَ أَمْوَال التُّجَّار فَلَا يقدر أحد أَن يصدهم عَن ذَلِك
وَكَانَ سفهاؤهم وعبيدهم يصعدون على قنة جبل الْعرض فَيَنْظُرُونَ إِلَى الدّور الَّتِي بِالْمَدِينَةِ فَإِذا رَأَوْا دَارا بهَا دُخان قصدوها وَأخذُوا مَا وجدوا بهَا من طَعَام أَو غَيره وَمن تعرض لَهُم فِي ذَلِك قَتَلُوهُ فَلَمَّا ارتكبوا هَذِه العظائم سلبهم الله ملكه وَغير مَا بهم من نعْمَة ﴿الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم﴾ فَسلط عَلَيْهِم المرابطين فمحوا آثَارهم من الْمغرب ونفوهم عَنهُ بِالْكُلِّيَّةِ وطهروه من جَوْرهمْ
وَفِي أيامهم اتخذ أهل فاس المطامير فِي بُيُوتهم للطحن والطبخ لِئَلَّا
стр. 227
يسمع دوِي الرَّحَى فتقصدهم سُفَهَاء مغراوة وفيهَا أَيْضا اتَّخذُوا غرفا لَا مراقي لَهَا حَتَّى إِذا كَانَ عشى النَّهَار صعد الرجل بأَهْله وَعِيَاله إِلَيْهَا بسلم ثمَّ يرفع السّلم مَعَه لِئَلَّا يدْخل عَلَيْهِ فَجْأَة وَكَانَ من هَذَا شَيْء كثير
وَكَانَ من الْأَحْدَاث فِي هَذِه الْمدَّة أَنه فِي لَيْلَة الْخَمِيس الثَّالِث وَالْعِشْرين من رَجَب سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وثلاثمائة ظهر نجم فِي السَّمَاء كَانَ فِي رَأْي الْعين مثل الصومعة الْعَظِيمَة طلع من جِهَة الْمشرق وتهافت جَريا فِيمَا بَين الْمغرب والجوف وتطاير مِنْهُ شرر عَظِيم فزع النَّاس مِنْهُ واستغاثوا رَبهم فِي صرف مَكْرُوهَة عَنْهُم
وَفِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ بعْدهَا كَانَ الْكُسُوف الْكُلِّي الَّذِي أذهب جَمِيع الفرص
وَفِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلاثمائة كَانَت الرّيح الهائلة الَّتِي نظر النَّاس فِيهَا إِلَى الْبَهَائِم تمر بَين السَّمَاء وَالْأَرْض نَعُوذ بِاللَّه من سخطه
وَفِي سنة أَربع وَتِسْعين وثلاثمائة طلع الْكَوْكَب الْوَقَّاد وَهُوَ نجم عَظِيم ضخم الجرم كثير الضياء
وَفِي سنة سِتّ وَتِسْعين وثلاثمائة طلع نجم عَظِيم من ذَوَات الأذناب شَدِيد الارتعاد
وَفِي سنة سبع وَأَرْبَعمِائَة انقرضت دولة بني أُميَّة بالأندلس وَقَامَت بهَا دولة بني حمود فَكَانَت مدَّتهَا نَحْو سبع سِنِين وانقرضت أَيْضا وافترق أَمر الْجَمَاعَة بالأندلس وَصَارَ الْملك بهَا طوائف إِلَى أَن نسخ ذَلِك يُوسُف بن تاشفين
وَفِي سنة إِحْدَى عشرَة وَأَرْبَعمِائَة اشْتَدَّ الْقَحْط بِبِلَاد الْمغرب كلهَا من تاهرت إِلَى سجلماسة وَكثر الفناء فِي النَّاس نسْأَل الله الْعَافِيَة
وَفِي سنة خمس عشرَة وَأَرْبَعمِائَة كَانَت الزلزلة الْعَظِيمَة بالأندلس اضْطَرَبَتْ لَهَا الأَرْض وانهدت الْجبَال
стр. 228
وَفِي سنة سبع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة توفّي الْفَقِيه ابْن الْعَجُوز بفاس
وَفِي سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة توفّي الشَّيْخ الْفَقِيه أَبُو عمرَان الفاسي قَالَ فِي التشوف أَبُو عمرَان مُوسَى بن عِيسَى بن أبي حَاج الفاسي أَصله من مَدِينَة فاس وَنزل بالقيروان فَأخذ عَن ابي الْحسن الْقَابِسِيّ ثمَّ رَحل إِلَى بَغْدَاد فَحَضَرَ مجْلِس القَاضِي أبي بكر بن الطّيب ثمَّ عَاد إِلَى القيروان وَبهَا مَاتَ لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من شهر رَمَضَان سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ مقدما فِي الْفضل وَالْأَمَانَة اه
стр. 229
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الدولة المرابطية
الْخَبَر عَن الدولة الصنهاجية اللمتونية المرابطية وأوليتها
قد تقدم لنا عِنْد الْكَلَام على نسب البربر وشعوبها أَن صنهاجة إِحْدَى قبائل البرانس من البربر وَأَنَّهُمْ أعظم قبائلها بالمغرب لَا يكَاد قطر من أقطاره يَخْلُو من بطن من بطونهم فِي جبل أَو بسيط حَتَّى زعم كثير من النَّاس أَنهم ثلث البربر
وَتقدم لنا أَن النسابين من الْعَرَب زَعَمُوا أَن صنهاجة وكتامة من حمير خَلفهم الْملك إفريقيش بالمغرب فاستحالت لغتهم إِلَى البربرية وَالتَّحْقِيق خلاف ذَلِك وَأَنَّهُمْ من كنعان بن حام كَسَائِر البربر وَتَحْت صنهاجة قبائل كَثِيرَة تَنْتَهِي إِلَى السّبْعين مِنْهُم لمتونة وكدالة ومسوفة ومسراته ومداسة وَبَنُو وَارِث وَبَنُو دحير وَبَنُو زِيَاد وَبَنُو مُوسَى وَبَنُو فشتال وَغير ذَلِك وَتَحْت هَذِه الْقَبَائِل بطُون وأفخاذ تفوت الْحصْر
وَكَانَت لَهُم بالمغرب دولتان عظيمتان إِحْدَاهمَا دولة بني زيري بن مُنَاد الصنهاجيين بإفريقية ورثوا ملكهَا من يَد الشِّيعَة العبيديين وَالْأُخْرَى دولة الملثمين بالمغرب الْأَقْصَى والأوسط والأندلس كَمَا سَيَأْتِي
وموطن هَؤُلَاءِ الملثمين أَرض الصَّحرَاء والرمال الجنوبية فِيمَا بَين بِلَاد البربر وبلاد السودَان ومساحة أَرضهم نَحْو سَبْعَة أشهر طولا فِي أَرْبَعَة عرضا وَفِيهِمْ قوما لَا يعْرفُونَ حرثا وَلَا زرعا وَلَا فَاكِهَة وَإِنَّمَا أَمْوَالهم الْأَنْعَام وعيشهم اللَّحْم وَاللَّبن يُقيم أحدهم عمره لَا يَأْكُل خبْزًا إِلَّا أَن يمر ببلادهم التُّجَّار فيتحفونهم بالخبز والدقيق وَإِنَّمَا قيل لَهُم الملثمون لأَنهم
стр. 230
يتلثمون وَلَا يكشفون وُجُوههم أصلا
قَالَ ابْن خلكان اللثام سنة لَهُم يتوارثونها خلفا عَن سلف وَسبب ذَلِك على مَا قيل إِن حمير كَانَت تتلثم لشدَّة الْحر وَالْبرد تَفْعَلهُ الْخَواص مِنْهُم فَكثر ذَلِك حَتَّى صَار تَفْعَلهُ عامتهم وَقيل كَانَ سَببه أَن قوما من أعدائهم كَانُوا يقصدون غفلتهم إِذا غَابُوا عَن بُيُوتهم فيطرقون الْحَيّ فَيَأْخُذُونَ المَال والحريم فَأَشَارَ عَلَيْهِم بعض مشايخهم أَن يبعثوا النِّسَاء فِي زِيّ الرِّجَال إِلَى نَاحيَة ويقعدوا هم فِي الْبيُوت مُتَلَثِّمِينَ فِي زِيّ النِّسَاء فَإِذا أَتَاهُم الْعَدو وظنوهم نسَاء خَرجُوا عَلَيْهِم فَفَعَلُوا ذَلِك وثاروا عَلَيْهِم بِالسُّيُوفِ فَقَتَلُوهُمْ فلزموا اللثام تبركا بِهِ بِمَا حصل لَهُم من الظفر بالعدو
وَقَالَ عز الدّين ابْن الْأَثِير فِي كَامِله مَا مِثَاله وَقيل إِن سَبَب تلثمهم أَن طَائِفَة من لمتونة خَرجُوا مغيرين على عَدو لَهُم فخالفهم الْعَدو إِلَى بُيُوتهم وَلم يكن بهَا إِلَّا الْمَشَايِخ وَالصبيان وَالنِّسَاء فَلَمَّا تحقق الْمَشَايِخ أَنه الْعَدو أمروا النِّسَاء أَن يلبسن ثِيَاب الرجل ويتلثمن ويضيقنه حَتَّى لَا يعرفن ويلبسن السِّلَاح ففعلن ذَلِك وَتقدم الْمَشَايِخ وَالصبيان أمامهن واستدار النِّسَاء بِالْبُيُوتِ فَلَمَّا أشرف الْعَدو رأى جمعا عَظِيما فَظَنهُ رجَالًا وَقَالُوا هَؤُلَاءِ عِنْد حريمهم يُقَاتلُون عَنْهُن قتال الْمَوْت والرأي أَن نسوق النعم ونمضي فَإِن اتبعونا قاتلناهم خَارِجا عَن حريمهم فَبَيْنَمَا هم فِي جمع النعم من المراعي إِذْ أقبل رجال إِلَى الْحَيّ فَبَقيَ الْعَدو بَينهم وَبَين النِّسَاء فَقتلُوا من الْعَدو خلقا كثيرا وَكَانَ من قتل النِّسَاء أَكثر فَمن ذَلِك الْوَقْت جعلُوا اللثام سنة يلازمونه فَلَا يعرف الشَّيْخ من الشَّاب وَلَا يزيلونه لَيْلًا وَلَا نَهَارا
وَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو مُحَمَّد بن حَامِد الْكَاتِب
(قوم لَهُم شرف الْعلَا من حمير ... وَإِذا انتموا صنهاجة فهم هم)
(لما حووا أحراز كل فَضِيلَة ... غلب الْحيَاء عَلَيْهِم فتلثموا)
وَقَالَ ابْن خلدون كَانَ دين صنهاجة أهل اللثام الْمَجُوسِيَّة شَأْن برابرة
стр. 231
الْمغرب وَلم يزَالُوا مستقرين بِتِلْكَ المفالات الصحراوية حَتَّى كَانَ إسْلَامهمْ بعد فتح الأندلس وَكَانَت الرياسة فيهم للمتونة واستوسق لَهُم ملك ضخم عِنْد دُخُول عبد الرَّحْمَن بن مُعَاوِيَة إِلَى الأندلس توارثه مُلُوك مِنْهُم من بني ورتنطيو وطالت أعمارهم فِيهِ إِلَى الثَّمَانِينَ وَنَحْوهَا ودوخوا تِلْكَ الْبِلَاد الصحراوية وَجَاهدُوا من بهَا من أُمَم السودَان وحملوهم على الْإِسْلَام فدان بِهِ كثير مِنْهُم واتقاهم آخَرُونَ بالجزية فقبلوهم مِنْهُم ثمَّ افترق أَمرهم من بعد ذَلِك وَصَارَ ملكهم طوائف ورياستهم شيعًا واستمروا على ذَلِك مائَة وَعشْرين سنة إِلَى أَن قَامَ فيهم الْأَمِير أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن تيفاوت الْمَعْرُوف بتاسرت اللمتوني فَاجْتمعُوا عَلَيْهِ وأحبوه وَبَايَعُوهُ وَكَانَ من أهل الْفضل وَالدّين وَالْجهَاد وَالْحج فَلبث فيهم ثَلَاث سِنِين ثمَّ اسْتشْهد فِي بعض غَزَوَاته
الْخَبَر عَن رياسة يحيى بن إِبْرَاهِيم الكدالي وَمَا كَانَ من أمره مَعَ الشَّيْخ أبي عمرَان الفاسي رحمهمَا الله
لما توفّي أَبُو عبد الله بن تيفاوت قَامَ بِأَمْر صنهاجة من بعده يحيى بن إِبْرَاهِيم الكدالي وكدالة ولمتونة أَخَوان يَجْتَمِعَانِ فِي أَب وَاحِد وكل مِنْهُمَا قبيل كَبِير يسكنون الصَّحرَاء الَّتِي تلِي بِلَاد السودَان ويليهم من جِهَة الْمغرب الْبَحْر الْمُحِيط فاستمر الْأَمِير يحيى بن إِبْرَاهِيم على رياسة صنهاجة
стр. 232
وحربهم لأعدائهم إِلَى أَن كَانَت سنة سبع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فاستخلف على صنهاجة ابْنه إِبْرَاهِيم بن يحيى وارتحل إِلَى الْمشرق برسم الْحَج فَلَمَّا قضى حجه وزريارته قفل إِلَى بِلَاده فَمر فِي عوده بالقيروان فلقي بهَا الشَّيْخ الْفَقِيه أَبَا عمرَان الفاسي وَحضر مجْلِس درسه وتأثر بوعظه فَرَآهُ الشَّيْخ أَبُو عمرَان محبا فِي الْخَيْر فأعجبه حَاله وَسَأَلَهُ عَن اسْمه وَنسبه وبلده فَأخْبرهُ بذلك كُله وأعلمه بسعة بِلَاده وَمَا فِيهَا من كَثْرَة الْخلق فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ وَمَا ينتحلون من الْمذَاهب قَالَ إِنَّهُم قوم غلب عَلَيْهِم الْجَهْل وَلَيْسَ لَهُم كَبِير علم فاختبره الشَّيْخ وَسَأَلَهُ عَن فروض دينه فَلم يجده يعرف مِنْهَا شَيْئا إِلَّا أَنه حَرِيص على التَّعَلُّم صَحِيح النِّيَّة والعقيدة فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ وَمَا يمنعك من تعلم الْعلم فَقَالَ يَا سَيِّدي عدم وجود عَالم بأرضي وَلَيْسَ فِي بلادي من يقْرَأ الْقُرْآن فضلا عَن الْعلم وَمَعَ ذَلِك فَأهل أرضي يحبونَ الْخَيْر ويرغبون فِيهِ لَو وجدوا من يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن ويدرس لَهُم الْعلم ويفقههم فِي دينهم وَيُعلمهُم الْكتاب وَالسّنة وَشَرَائِع الْإِسْلَام فَلَو رغبت فِي الثَّوَاب من الله تعال لبعثت معي بعض طلبتك يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن ويفقههم فِي الدّين فينتفعون بِهِ وَيكون لَك وَله الْأجر الْعَظِيم عِنْد الله تَعَالَى إِذْ كنت سَبَب هدايتهم فندب الشَّيْخ أبوعمران تلامذته إِلَى ذَلِك فاستصعبوا دُخُول أَرض الصَّحرَاء وَأَشْفَقُوا مِنْهَا فَقَالَ الشَّيْخ أَبُو عمرَان ليحيى بن إِبْرَاهِيم إِنِّي أعرف بِبَلَد نَفِيس من أَرض المصامدة فَقِيها حاذقا ورعا أَخذ عني علما كثيرا واسْمه وأجاج بن زلو اللمطي من أهل السوس الْأَقْصَى أكتب إِلَيْهِ كتابا لينْظر فِي تلامذته من يَبْعَثهُ مَعَك فسر إِلَيْهِ لَعَلَّك تَجِد حَاجَتك عِنْده فَكتب إِلَيْهِ الشَّيْخ أَبُو عمرَان كتابا يَقُول فِيهِ أما بعد إِذا وصلك حَامِل كتابي هَذَا وَهُوَ يحيى بن إِبْرَاهِيم
стр. 233
الكداني فَابْعَثْ مَعَه من طلبتك من تثق بِعِلْمِهِ وَدينه وورعه وَحسن سياسته ليقرئهم الْقُرْآن وَيُعلمهُم شرائع الْإِسْلَام ويفقههم فِي دين الله وَلَك وَله فِي ذَلِك الثَّوَاب وَالْأَجْر الْعَظِيم وَالله لَا يضيع أجر من أحسن عملا
وَأَبُو مُحَمَّد واجاج هَذَا من رجال التشوف قَالَ فِيهِ وَمِنْهُم واجاج بن زلو اللمطي من أهل السوس الْأَقْصَى رَحل إِلَى القيروان وَأخذ عَن أبي عمرَان الفاسي ثمَّ عَاد إِلَى السوس فَبنى دَارا سَمَّاهَا بدار المرابطين لطلبة الْعلم وقراء الْقُرْآن وَكَانَ المصامدة يزورونه ويتبركون بدعائه وَإِذا أَصَابَهُم قحط استسقوا بِهِ اه
فَسَار يحيى بن إِبْرَاهِيم بِكِتَاب الشَّيْخ أبي عمرَان حَتَّى وصل إِلَى الْفَقِيه واجاج بِمَدِينَة نَفِيس فَسلم عَلَيْهِ وَدفع إِلَيْهِ الْكتاب وَكَانَ ذَلِك فِي رَجَب سنة ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة فَنظر الْفَقِيه واجاج فِي الْكتاب ثمَّ جمع تلامذته فقرأه عَلَيْهِم وندبهم لما أَمر بِهِ الشَّيْخ أَبُو عمرَان فَانْتدبَ لذَلِك رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ عبد الله بن ياسين الْجُزُولِيّ وَكَانَ من حذاق الطّلبَة وَمن أهل الْفضل وَالدّين والورع والسياسة مشاركا فِي الْعُلُوم فَخرج مَعَ يحيى بن إِبْرَاهِيم إِلَى الصَّحرَاء وَكَانَ من أمره مَا نَقصه عَلَيْك
الْخَبَر عَن دُخُول عبد الله بن ياسين أَرض الصَّحرَاء وَابْتِدَاء أمره بهَا
لما انْتهى يحيى بن إِبْرَاهِيم إِلَى بِلَاده وَمَعَهُ الْفَقِيه عبد الله بن ياسين الْجُزُولِيّ تَلقاهُ قبائل كدالة ولمتونة وفرحوا بمقدمهما وتيمنوا بالفقيه وبالغوا فِي إكرامه وبره فشرع يعلمهُمْ الْقُرْآن وَيُقِيم لَهُم رسم الدّين ويسوسهم بآداب الشَّرْع وألفاهم يَتَزَوَّجُونَ بِأَكْثَرَ من أَربع حرائر فَقَالَ لَهُم لَيْسَ هَذَا من السّنة وَإِنَّمَا سنة الْإِسْلَام أَن يجمع الرجل بَين أَربع نسْوَة حرائر فَقَط وَله فِيمَا شَاءَ من ملك الْيَمين سَعَة
стр. 234
وَجعل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وكبحهم عَن كثير من مألوفاتهم الْفَاسِدَة وشدد فِي ذَلِك فأطرحوه واستصعبوا علمه وَتركُوا الْأَخْذ عَنهُ لما جشمهم من مشاق التَّكْلِيف
فَلَمَّا رأى عبد الله بن ياسين إعراضهم عَنهُ واتباعهم لأهوائهم عزم على الرحيل عَنْهُم إِلَى بِلَاد السودَان الَّذين دخلُوا فِي دين الْإِسْلَام يَوْمئِذٍ فَلم يتْركهُ يحيى بن إِبْرَاهِيم لذَلِك وَقَالَ لَهُ إِنَّمَا أتيت بك لأنتفع بعلمك فِي خَاصَّة نَفسِي وَمَا عَليّ فِيمَن ضل من قومِي وَكَانَ قومه لَيْسَ عِنْدهم من الْإِسْلَام إِلَّا الشَّهَادَة دون مَا عَداهَا من أَرْكَان الْإِسْلَام وشرائعه
ثمَّ قَالَ يحيى بن إِبْرَاهِيم لعبد الله بن ياسين هَل لَك فِي رَأْي أُشير بِهِ عَلَيْك إِن كنت تُرِيدُ الْآخِرَة قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ إِن هَهُنَا جَزِيرَة فِي الْبَحْر قَالَ ابْن خلدون هُوَ بَحر النّيل يُحِيط بهَا من جهاتها يكون ضحضاحا فِي المصيف يخاض بالأقدام وغمرا فِي الشتَاء يعبر الزوارق قَالَ يحيى بن إِبْرَاهِيم وفيهَا الْحَلَال الْمَحْض من شجر الْبَريَّة وصيد الْبر وَالْبَحْر ندخل فِيهَا ونقتات من حلالها ونعبد الله تَعَالَى حَتَّى نموت فَقَالَ عبد الله بن ياسين إِن هَذَا الرَّأْي حسن فَهَلُمَّ بِنَا فلندخلها على اسْم الله فَدَخلَهَا وَدخل مَعَهُمَا سَبْعَة نفر من كدالة وابتنى عبد الله رابطة هُنَاكَ وَأقَام فِي أَصْحَابه يعْبدُونَ الله تَعَالَى مُدَّة فِي ثَلَاثَة أشهر فتسامع النَّاس بهم وَأَنَّهُمْ اعتزلوا بدينهم يطْلبُونَ الْجنَّة والنجاة من النَّار فَكثر الواردون عَلَيْهِم والتوابون لديهم فَأخذ عبد الله بن ياسين يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن ويستميلهم إِلَى الْخَيْر ويرغبهم فِي ثَوَاب الله ويحذرهم ألم عِقَابه حَتَّى تمكن حبه من قُلُوبهم فَلم تمر عَلَيْهِ إِلَّا مُدَّة يسيرَة حَتَّى اجْتمع لَهُ من التلامذة نَحْو ألف رجل وَكَانَ من أَمرهم مَا تسمعه عَن قريب
стр. 235
شُرُوع عبد الله بن ياسين فِي الْجِهَاد وإعلانه بالدعوة وَمَا كَانَ من أمره فِي ذَلِك
لما اجْتمع إِلَى عبد الله بن ياسين من أَشْرَاف صنهاجة نَحْو ألف رجل سماهم المرابطين للزومهم رابطته
وَلما تفقهوا ورسخ فيهم الدّين قَامَ فيهم خَطِيبًا فوعظهم وشوقهم إِلَى الْجنَّة وخوفهم من النَّار وَأمرهمْ بتقوى الله وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَأخْبرهمْ بِمَا فِي ذَلِك من ثَوَاب الله تَعَالَى وعظيم جَزَائِهِ ثمَّ ندبهم إِلَى جِهَاد من خالفهم من قبائل صنهاجة وَقَالَ لَهُم معشر المرابطين إِنَّكُم الْيَوْم جمع كثير نَحْو ألف رجل وَلنْ يغلب ألف من قلَّة وَأَنْتُم وُجُوه قبائلكم ورؤساء عشائركم وَقد أصلحكم الله تَعَالَى وهداكم إِلَى صراطه الْمُسْتَقيم فَوَجَبَ عَلَيْكُم أَن تشكروا نعْمَته عَلَيْكُم بِأَن تأمروا بِالْمَعْرُوفِ وتنهوا عَن الْمُنكر وتجاهدوا فِي الله حق جهاده فَقَالُوا لَهُ أَيهَا الشَّيْخ الْمُبَارك أمرنَا بِمَا شِئْت تجدنا سَامِعين لَك مُطِيعِينَ وَلَو أمرتنا بقتل آبَاءَنَا لفعلنَا فَقَالَ لَهُم اخْرُجُوا على بركَة الله وأنذروا قومكم وخوفوهم عِقَاب الله وأبلغوهم حجَّته فَإِن تَابُوا فَخلوا سبيلهم وَإِن أَبَوا من ذَلِك وتمادوا فِي غيهم ولجوا فِي طغيانهم استعنا بِاللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم وجاهدناهم حَتَّى يحكم الله بَيْننَا وَهُوَ خير الْحَاكِمين فَسَار كل رجل مِنْهُم إِلَى قومه وعشيرته فوعظهم وَأَنْذرهُمْ ودعاهم إِلَى الإقلاع عَمَّا هم بسبيله فَلم يرفعوا بذلك رَأْسا
فَخرج إِلَيْهِم عبد الله بن ياسين بِنَفسِهِ وَجمع أَشْيَاخ قبائلهم ووجوهها وَقَرَأَ عَلَيْهِم حجَّة الله ودعاهم إِلَى التَّوْبَة ورغبهم فِي الْجنَّة وخوفهم من النَّار وَأقَام ينذرهم سَبْعَة أَيَّام وهم فِي ذَلِك كُله لَا يلتفتون إِلَى قَوْله وَلَا يزدادون إِلَّا فَسَادًا فَلَمَّا يئس مِنْهُم قَالَ لأَصْحَابه قد أبلغنا فِي الْحجَّة
стр. 236
وأنذرنا وأعذرنا وَقد وَجب علينا الْآن جهادهم فاغزوهم على بركَة الله فَبَدَأَ أَولا بقبيلة كدالة فغزاهم فِي ثَلَاثَة آلَاف رجل من المرابطين فَانْهَزَمُوا بَين يَدَيْهِ وَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا وَأسلم الْبَاقُونَ إسلاما جَدِيدا وَحسنت حَالهم وأدوا مَا يلْزمهُم من كل مَا فرض الله عَلَيْهِم وَكَانَ ذَلِك فِي صفر سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
ثمَّ سَار إِلَى قَبيلَة لمتونة فَنزل عَلَيْهَا وَقَاتلهمْ حَتَّى أظهره الله عَلَيْهِم وأذعنوا إِلَى الطَّاعَة وَبَايَعُوهُ على إِقَامَة الْكتاب وَالسّنة
ثمَّ سَار إِلَى قَبيلَة مسوفة فَقَاتلهُمْ حَتَّى أذعنوا لَهُ وَبَايَعُوهُ على مَا بايعته لمتونة وكدالة
فَلَمَّا رأى ذَلِك سَائِر صنهاجة سارعوا إِلَى التَّوْبَة والمبايعة وأقروا لَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة فَكَانَ كل من أَتَاهُ تَائِبًا مِنْهُم يطهره بِأَن يضْربهُ مائَة سَوط ثمَّ يُعلمهُ الْقُرْآن وَشَرَائِع الْإِسْلَام وَكَانَ يَأْمُرهُم بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَأَدَاء الْعشْر وَاتخذ لذَلِك بَيت مَال يجمع فِيهِ مَا يرفع إِلَيْهِ من ذَلِك
ثمَّ أَخذ فِي اشْتِرَاء السِّلَاح وأركاب الجيوش من ذَلِك المَال وَجعل يَغْزُو الْقَبَائِل حَتَّى ملك جَمِيع بِلَاد الصَّحرَاء وذلل قبائلها
ثمَّ جمع أسلاب الْقَتْلَى فِي تِلْكَ الْمَغَازِي وَجعلهَا فَيْئا للمرابطين وَبعث بِمَال دثر مِمَّا اجْتمع لَدَيْهِ من الزكوات والأعشار والأخماس إِلَى طلبة الْعلم بِبِلَاد المصامدة فاشتهر أمره فِي جَمِيع بِلَاد الصَّحرَاء وَمَا والاها من بِلَاد السودَان وبلاد الْقبْلَة وبلاد المصامدة وَسَائِر أقطار الْمغرب وَأَنه قَامَ رجل بكدالة يَدْعُو إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَيحكم بِمَا أنزل الله وَأَنه متواضع زاهد فِي الدُّنْيَا وطار لَهُ ذكر فِي الْعَالم وَتمكن ناموسه من الْقُلُوب وأحبته النَّاس
ثمَّ توفّي يحيى بن إِبْرَاهِيم الكدالي على أثر ذَلِك وَحكى ابْن خلدون أَن وَفَاة يحيى بن إِبْرَاهِيم كَانَت قبل اعتزال عبد الله بن ياسين وَأَصْحَابه فِي الجزيرة وَالله أعلم
стр. 237
الْخَبَر عَن رياسة يحيى بن عَمْرو بن تكلاكين اللمتوني
لما توفّي يحيى بن إِبْرَاهِيم الكدالي عزم عبد الله بن ياسين على تَقْدِيم رجل يقوم بِأَمْر المرابطين فِي حربهم وجهادهم لعدوهم
وَكَانَت قَبيلَة لمتونة من بَين قبائل صنهاجة أَكثر طَاعَة لله تَعَالَى ودينا وصلاحا فَكَانَ عبد الله بن ياسين يكرمهم ويقدمهم على غَيرهم وَذَلِكَ لما أَرَادَهُ الله تَعَالَى من ظُهُور أَمرهم وتملكهم على الْخلق فَجمع عبد الله بن ياسين رُؤُوس الْقَبَائِل من صنهاجة وَولى عَلَيْهِم يحيى بن عمر اللمتوني وَعبد الله بن ياسين هُوَ الْأَمِير على الْحَقِيقَة لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَأْمر وَينْهى وَيُعْطِي وَيمْنَع وَعَن رَأْيه يصدرون فَكَانَ يحيى بن عمر يتَوَلَّى النّظر فِي أَمر الْحَرْب وَعبد الله بن ياسين ينظر فِي أَمر الدّين وَأَحْكَام الشَّرْع وَيَأْخُذ الزكوات والأعشار
وَكَانَ يحيى شَدِيد الانقياد لعبد الله بن ياسين وَاقِفًا عِنْد أمره وَنَهْيه فَمن حسن طَاعَته لَهُ أَنه قَالَ لَهُ يَوْمًا قد وَجب عَلَيْك أدب قَالَ يحيى فيماذا يَا سَيِّدي قَالَ لَا أعرفك بِهِ حَتَّى آخذه مِنْك فكشف لَهُ يحيى عَن بَشرته فَضَربهُ عشْرين سَوْطًا ثمَّ قَالَ لَهُ إِنَّمَا ضربتك لِأَنَّك باشرت الْقِتَال واصطليت بِنَار الْحَرْب بِنَفْسِك وَذَلِكَ خطأ مِنْك فَإِن الْأَمِير لَا يُقَاتل وَإِنَّمَا يقف ويحرض النَّاس وَيُقَوِّي نُفُوسهم فَإِن حَيَاة الْجند بحياة أميره وهلاكه بهلاكه
واستقام الْأَمر ليحيى بن عمر وَملك جَمِيع بِلَاد الصَّحرَاء وغزا بِلَاد السودَان فَفتح كثيرا مِنْهَا وَكَانَ من أهل الزّهْد وَالدّين وَالصَّلَاح
стр. 238
الْخَبَر عَن غَزْو عبد الله بن ياسين وَيحيى بن عمر سجلماسة وَالسَّبَب فِي ذَلِك
قد تقدم لنا عِنْد الْكَلَام على بني مدرار المكناسيين أَصْحَاب سجلماسة أَن انْقِرَاض دولتهم كَانَ على يَد خزرون بن فلفل بن خزر المغراوي وَأَنه زحف إِلَى سجلماسة سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة وبرز إِلَيْهِ صَاحبهَا أَبُو مُحَمَّد المعتز بِاللَّه آخر مُلُوك بني مدرار الصفرية فَهَزَمَهُ خزرون وَقَتله وَاسْتولى على بَلَده وذخيرته وَبعث بِرَأْسِهِ إِلَى قرطبة وَكَانَ ذَلِك لأوّل حجابة الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَاسْتمرّ خزرون بن فلفل واليا على سجلماسة إِلَى أَن هلك وَولي بعده ابْنه وانودين بن خزرون إِلَى أَن هلك أَيْضا وَولي ابْنه مَسْعُود بن وانودين
وَلما انقرضت الدولة الأموية بالأندلس وافترق أَمر الْجَمَاعَة بهَا وَصَارَ الْملك طوائف استبد أُمَرَاء الْأَطْرَاف وملوك زناتة بالمغرب كل بِمَا فِي يَده وَعدم الْوَازِع وتصرفوا فِي الرعايا بِمُقْتَضى أغراضهم وشهواتهم فنال فاسا وأعمالها من جور بني عَطِيَّة المغراويين مَا حكينا بعضه قبل ونال أهل سجلماسة ودرعة من بني خزرون بن فلفل المغراويين مثل ذَلِك أَو أَكثر
فَلَمَّا كَانَت سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَقد انْتَشَر ذكر عبد الله بن ياسين وَأَصْحَابه المرابطين فِي الْعَالم اجْتمع فُقَهَاء سجلماسة ودرعة وَكَتَبُوا إِلَى عبد الله بن ياسين وَيحيى بن عمر وأشياخ المرابطين كتابا يرغبون إِلَيْهِم فِي الْوُصُول إِلَى بِلَادهمْ ليطهروها مِمَّا هِيَ فِي من الْمُنْكَرَات وَشدَّة العسف من الْأُمَرَاء وعرفوهم بِمَا هم فِيهِ أهل الْعلم وَالدّين وَسَائِر الْمُسلمين من الذل وَالصغَار مَعَ أَمِيرهمْ مَسْعُود بن وانودين المغراوي
فَلَمَّا وصل الْكتاب إِلَى عبد الله بن ياسين جمع رُؤَسَاء المرابطين وقرأه عَلَيْهِم وشاورهم فِي الْأَمر فَقَالُوا أَيهَا الْفَقِيه هَذَا مِمَّا يلْزمنَا ويلزمك فسر بِنَا على بركَة الله فَدَعَا لَهُم بِخَير وحضهم على الْجِهَاد
стр. 239
وَخرج بهم فِي عشْرين من صفر سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة فِي جَيش كثيف من المرابطين وَقيل كَانَ خُرُوجه سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة فَسَار حَتَّى وصل إِلَى بِلَاد درعة فَوجدَ بهَا عَامل مَسْعُود بن وانودين فنفاه عَنْهَا وَوجد بهَا خمسين ألف نَاقَة لمسعود الْمَذْكُور وَكَانَت ترعى فِي حمى حماه لَهَا هُنَالك فاكتسحها عبد الله بن ياسين واتصل الْخَبَر بمسعود فَجمع جيوشه وَخرج نَحوه فَالتقى الْجَمْعَانِ فِيمَا بَين درعة وسجلماسة فَكَانَت بَينهمَا حَرْب فظيعة منح الله فِيهَا المرابطين النَّصْر على مغراوة فَقتل أَمِيرهمْ مَسْعُود وَأكْثر جَيْشه وفر الْبَاقُونَ
وَاسْتولى عبد الله بن ياسين على دوابهم وأسلحتهم وَأَمْوَالهمْ مَعَ الْإِبِل الَّتِي كَانَ اكتسحها فِي درعة فَأخْرج الْخمس من ذَلِك كُله وفرقه على فُقَهَاء سجلماسة ودرعة وصلحائهم وَقسم الْأَرْبَعَة أَخْمَاس على المرابطين
واتحل من فوره إِلَى سجلماسة فَدَخلَهَا وَقتل من وجد بهَا من مغراوة وَأقَام بهَا حَتَّى أصلح شَأْنهَا وَغير مَا وجد بهَا من الْمُنْكَرَات وَقطع المزامير وَآلَة اللَّهْو وأحرق الدّور الَّتِي كَانَت تبَاع بهَا الْخُمُور وأزال المكوس وَأسْقط المغارم المخزنية ومحا مَا أوجب الْكتاب وَالسّنة محوه وَاسْتعْمل على سجلماسة عَاملا من لمتونة وَانْصَرف إِلَى الصَّحرَاء
ثمَّ توفّي الْأَمِير أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن عمر فِي بعض غَزَوَاته بِبِلَاد السودَان سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
الْخَبَر عَن رياسة أبي بكر بن عمر اللمتوني وَفتح بِلَاد السوس
لما توفّي الْأَمِير يحيى بن عمر اللمتوني ولى عبد الله بن ياسين مَكَانَهُ أَخَاهُ أَبَا بكر بن عمر وَذَلِكَ فِي محرم سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وقلده أَمر الْحَرْب وَالْجهَاد ثمَّ ندب المرابطين إِلَى غَزْو بِلَاد السوس والمصامدة فزحف إِلَيْهَا فِي جَيش عَظِيم فِي ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة
стр. 240
وَكَانَ أَبُو بكر بن عمر رجلا صَالحا ورعا فَجعل على مقدمته ابْن عَمه يُوسُف بن تاشفين اللمتوني ثمَّ سَار حَتَّى انْتهى إِلَى بِلَاد السوس فغزا جزولة من قبائلها وَفتح مَدِينَة ماسة وتارودانت قَاعِدَة بِلَاد السوس وَكَانَ بهَا قوم من الرافضة يُقَال لَهُم البجلية نِسْبَة إِلَى عَليّ بن عبد الله البَجلِيّ الرافضي كَانَ سقط إِلَى بِلَاد السوس أَيَّام قيام عبيد الله الشيعي بإفريقية فأشاع هُنَالك مَذْهَب الرافضة فتوارثوه عَنهُ جيلا بعد جيل وعضوا عَلَيْهِ فَكَانُوا لَا يرَوْنَ الْحق إِلَّا مَا فِي يدهم فَقَاتلهُمْ عبد الله بن ياسين وَأَبُو بكر بن عمر حَتَّى فتحُوا مَدِينَة تارودانت عنْوَة وَقتلُوا بهَا خلقا كثيرا وَرجع من بَقِي مِنْهُم إِلَى مَذْهَب السّنة وَالْجَمَاعَة
وَحَازَ عبد الله بن ياسين أسلاب الْقَتْلَى مِنْهُم فَجَعلهَا فَيْئا وَأظْهر الله المرابطين على من عداهم ففتحوا معاقل السوس وخضعت لَهُم قبائله وَفرق عبد الله بن ياسين عماله بنواحيه وَأمرهمْ بِإِقَامَة الْعدْل وَإِظْهَار السّنة واخذ الزكوات والأعشار وَإِسْقَاط مَا سوى ذَلِك من المغارم المحدثة
فتح بِلَاد المصامدة وَمَا يتبع ذَلِك من جِهَاد برغواطة وَفتح بِلَادهمْ وَذكر نسبهم
ثمَّ ارتحل عبد الله بن ياسين إِلَى بِلَاد المصامدة فَفتح جبل درن وبلاد رودة ومدينة شفشاوة بِالسَّيْفِ ثمَّ فتح مَدِينَة نَفِيس وَسَائِر بِلَاد كدميوه ووفدت عَلَيْهِ قبائل رجراجة وحاحة فَبَايعُوهُ ثمَّ ارتحل إِلَى مَدِينَة أغمات
стр. 241
وَبهَا يَوْمئِذٍ أميرها لقوط بن يُوسُف بن عَليّ المغراوي فَنزل عَلَيْهَا وحاصرها حصارا شَدِيدا
وَلما رأى لقوط مَا لَا طَاقَة لَهُ بِهِ أسلمها وفر عَنْهَا لَيْلًا هُوَ وَجَمِيع حشمه إِلَى تادلا فَاسْتَجَارَ ببني يفرن مُلُوك سلا وتادلا
وَدخل المرابطون مَدِينَة أغمات سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة فَأَقَامَ بهَا عبد الله بن ياسين نَحْو الشَّهْرَيْنِ ريثما استراح الْجند ثمَّ خرج إِلَى تادلا فَفَتحهَا وَقتل من وجد بهَا من بني يفرن مُلُوكهَا وظفر بلقوط المغراوي فَقتله
وَكَانَ للقوط هَذَا امْرَأَة اسْمهَا زَيْنَب بنت إِسْحَاق النفزاوية قَالَ ابْن خلدون وَكَانَت من إِحْدَى نسَاء الْعَالم المشهورات بالجمال والرياسة وَكَانَت قبل لقوط عِنْد يُوسُف بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن وطاس شيخ وريكة فَلَمَّا قتل المرابطون لقوط بن يُوسُف المغراوي خَلفه أَبُو بكر بن عمر على امْرَأَته زَيْنَب بنت إِسْحَاق الْمَذْكُورَة إِلَى أَن كَانَ من أمرهَا مَا نذكرهُ
ثمَّ تقدم عبد الله بن ياسين إِلَى بِلَاد تامسنا فَفَتحهَا وَاسْتولى عَلَيْهَا ثمَّ أخبر بِأَن بساحل تامسنا قبائل برغواطة فِي عدد كثير وَجمع عَظِيم
ولنذكر هُنَا كلَاما مُلَخصا فِي برغواطة ودولتهم ثمَّ نرْجِع إِلَى مَا نَحن بصدده فَنَقُول اخْتلف النَّاس فِي نسب برغواطة هَؤُلَاءِ إِلَى أَي شَيْء يرجع فبعضهم يلحقهم بزناتة وَبَعْضهمْ يَقُول فِي متنبئهم صَالح بن طريف البرغواطي إِنَّه يَهُودِيّ الأَصْل من سبط شَمْعُون بن يَعْقُوب ﵇ نَشأ ببرباط حصن من عمل شدونة من بِلَاد الأندلس ثمَّ رَحل إِلَى الْمشرق وَقَرَأَ على عبيد الله المعتزلي واشتغل بِالسحرِ وَجمع مِنْهُ فنونا وَقدم الْمغرب فَنزل بِلَاد تامسنا فَوجدَ بهَا قبائل جُهَّالًا من البربر فاظهر لَهُم الصّلاح والزهد وموه عَلَيْهِم وخلبهم بِلِسَانِهِ وسحرهم بنير نجاته فصدقوه واتبعوه فَادّعى النُّبُوَّة وَشرع لَهُم شرائع وَوضع لَهُم قُرْآنًا حَسْبَمَا تقدم الْخَبَر عَنهُ مُسْتَوفى فَكَانَ يُقَال لمن تبعه وَدخل فِي دينه برباطي ثمَّ عربته الْعَرَب فَقَالُوا برغواطي فسموا برغواطة
стр. 242
قَالَ ابْن خلدون وَهَذَا من الأغاليط الْبَيِّنَة وَصحح أَن الْقَوْم من المصامدة بِشَهَادَة الموطن والجوار وَغير ذَلِك وَالتَّحْقِيق أَن برغواطة قبائل شَتَّى لَيْسَ يجمعهُمْ أَب وَاحِد وَإِنَّمَا هم أخلاط من البربر اجْتَمعُوا إِلَى صَالح بن طريف الَّذِي ادّعى النُّبُوَّة بتامسنا سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة من الْهِجْرَة فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَتسَمى بِصَالح الْمُؤمنِينَ وَشرع لأتباعه الدّيانَة الَّتِي أخذوها عَنهُ وَكَانَ صَالح قد شهد مَعَ أَبِيه طريف حروب ميسرَة المضغري كَبِير الصفرية لعهده وَكَانَ طريف يكنى أَبَا صبيح وَمن كبار أَصْحَاب ميسرَة الْمَذْكُور وَيُقَال إِنَّه ادّعى النُّبُوَّة أَيْضا وَشرع لِقَوْمِهِ الشَّرَائِع ثمَّ هلك سنة سبع وَعشْرين وَمِائَة وَقَامَ بأَمْره ابْنه صَالح بن طريف الْمَذْكُور فعفت مخارقه على مُخَارق أَبِيه وَكَانَ أَولا من أهل الْعلم وَالدّين ثمَّ انْسَلَخَ من آيَات الله وَانْتَحَلَ دَعْوَى النُّبُوَّة وأتى من الْبُهْتَان بِمَا أوضحناه قبل فِي ولَايَة حَنْظَلَة بن صَفْوَان الْكَلْبِيّ على الْمغرب
ثمَّ خرج صَالح بن طريف إِلَى الْمشرق سنة أَربع وَسبعين وَمِائَة بعد أَن ملك أَمرهم سبعا وَأَرْبَعين سنة وَوَعدهمْ أَنه يرجع إِلَيْهِم فِي دولة السَّابِع مِنْهُم وَأوصى بِشَرِيعَتِهِ إِلَى ابْنه إلْيَاس بن صَالح وَلم يزل إلْيَاس مظْهرا لِلْإِسْلَامِ مصرا على مَا أوصاه بِهِ أَبوهُ من كلمة كفرهم وَكَانَ متظاهرا بالعفاف والزهد إِلَى أَن هلك سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ لمضي خمسين سنة من ولَايَته ثمَّ ولي من بعده ابْنه يُونُس بن إلْيَاس فأظهر دينهم ودعا إِلَى كفرهم وَقتل من لم يدْخل فِي أمره حَتَّى حرق مَدَائِن تامسنا وَمَا والاها يُقَال إِنَّه حرق مِنْهَا ثَلَاثمِائَة وَثَمَانِينَ مَدِينَة واستلحم أَهلهَا بِالسَّيْفِ لمخالفتهم إِيَّاه وَقتل مِنْهُم بِموضع يُقَال لَهُ تاملوكالات وَهُوَ حجر عَال نابت وسط الطَّرِيق سَبْعَة آلَاف وَسَبْعمائة وَسبعين نفسا
قَالَ زمور بن صَالح ثمَّ رَحل يُونُس بن إلْيَاس إِلَى الْمشرق وَحج
стр. 243
وَلم يحجّ أحد من أهل بَيته قبله وَلَا بعده وَهلك سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ لأَرْبَع وَأَرْبَعين سنة من ملكه وانتقل الْأَمر عَن بنيه إِلَى غَيرهم من قرَابَته فولي أَمرهم أَبُو غفير مُحَمَّد بن معَاذ بن اليسع بن صَالح بن طريف فاستولى على ملك برغواطة وَأخذ بدين آبَائِهِ واشتدت شوكته وَعظم أمره وَكَانَت لَهُ فِي البربر وقائع مَشْهُورَة وَأَيَّام مَذْكُورَة أَشَارَ إِلَى شَيْء مِنْهَا سعيد بن هِشَام المصمودي فِي أَبْيَات مِنْهَا قَوْله
(وهذي أمة هَلَكُوا وَضَلُّوا ... وعاروا لَا سقوا مَاء معينا)
(يَقُولُونَ النَّبِي أَبُو غفير ... فأخزى الله أم الكاذبينا)
(سَيعْلَمُ أهل تامسنا إِذا مَا ... أَتَوا يَوْم الْقِيَامَة مفظعينا)
(هُنَالك يُونُس وَبَنُو أَبِيه ... يقودون البرابر حائرينا)
وَاتخذ أَبُو غفير من الزَّوْجَات أَرْبعا وَأَرْبَعين لأَنهم يبيحون فِي ديانتهم الخسيسة أَن يتَزَوَّج الرجل من النِّسَاء مَا شَاءَ وَكَانَ لَهُ من الْوَلَد مثل ذَلِك أَو أَكثر وَهلك أَوَاخِر الْمِائَة الثَّالِثَة لتسْع وَعشْرين سنة من ملكه
ثمَّ ولي بعده ابْنه أَبُو الْأَنْصَار عبد الله بن أبي غفير فاقتفى سنَنه وَكَانَ كَبِير الدعْوَة مهيبا عِنْد مُلُوك عصره يهاودنه ويدافعونه بالمواصلة وَكَانَ يلبس الملحفة والسراويل ويلبس الْمخيط من الثِّيَاب وَلَا يعتم أحد فِي بِلَاده إِلَّا الغرباء وَكَانَ حَافِظًا للْجَار وافيا للْعهد وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وثلاثمائة لأَرْبَع وَأَرْبَعين سنة من ملكه وَدفن بتاسلاخت وَبهَا قَبره
وَولي بعده ابْنه أَبُو مَنْصُور عِيسَى بن أبي الْأَنْصَار وَهُوَ ابْن اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة فَسَار سيرة آبَائِهِ وَادّعى النُّبُوَّة وَاشْتَدَّ أمره وَعلا سُلْطَانه ودانت لَهُ قبائل الْمغرب قَالَ زمور بن صَالح كَانَ عسكره يناهز الثَّلَاثَة آلَاف من برغواطة وَعشرَة آلَاف من سواهُم
وَقد كَانَ لملوك العدوتين فِي غَزْو برغواطة هَؤُلَاءِ وجهادهم آثَار عَظِيمَة من الأدارسة والأموية والشيعة وَغَيرهم
وَلما زحف بلكين بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي إِلَى الْمغرب زحفه
стр. 244
الْمَشْهُور وأجفلت قبائل زناتة وملوكها بَين يَدَيْهِ وانحازوا إِلَى سبتة وأطل عَلَيْهِم من جبل تطوان وعاين جمعهم الكثيف عَنْهُم إِلَى جِهَاد برغواطة فأوقع بهم وَقتل أَمِيرهمْ ابا مَنْصُور عِيسَى بن أبي الْأَنْصَار وَبعث بسبيهم إِلَى القيروان وَذَلِكَ سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة
ثمَّ حاربتهم أَيْضا جنود الْمَنْصُور بن ابي عَامر لما عقد ابْنه عبد الْملك المظفر لمَوْلَاهُ وَاضح على جِهَاد برغواطة فَعظم أَثَره فيهم بِالْقَتْلِ والسبي
ثمَّ حاربهم أَيْضا بَنو يفرن لما اسْتَقل بَنو يعلى بن مُحَمَّد بن صَالح مِنْهُم بِنَاحِيَة سلا واقتطعوها عَن عمل زيري بن عَطِيَّة المغراوي صَاحب فاس
وَكَانَ لأبي الْكَمَال تَمِيم بن زيري اليفرني فيهم جِهَاد كَبِير حَسْبَمَا تقدم التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَعْوَام الْعشْرين وَأَرْبَعمِائَة فَغَلَبَهُمْ على تامسنا وَولى عَلَيْهَا من قبله بعد أَن أثخن فيهم سبيا وقتلا
ثمَّ تراجعوا من بعده إِلَى أَن جَاءَت دولة المرابطين ودخلوا أَرض الْمغرب دخلتهم الثَّانِيَة وفتحوا بِلَاد المصامدة وبلاد تادلا وتامسنا فَأخْبر عبد الله بن ياسين بِأَن بساحلها قبائل برغواطة فِي عدد كثير وَجمع عَظِيم وَأَنَّهُمْ مجوس أهل ضَلَالَة وَكفر وَأخْبر بِمَا تمسكوا بِهِ من ديانتهم الخبيثة وَقيل لَهُ إِن برغواطة قبائل كَثِيرَة وأخلاط شَتَّى اجْتَمعُوا فِي أول أَمرهم على صَالح بن طريف المتنبئ الْكذَّاب وَاسْتمرّ حَالهم على الضَّلَالَة وَالْكفْر إِلَى الْآن فَلَمَّا سمع عبد الله بن ياسين بِحَال برغواطة وَمَا هم عَلَيْهِ من الْكفْر رأى أَن الْوَاجِب تَقْدِيم جهادهم على جِهَاد غَيرهم فَسَار إِلَيْهِم فِي جيوش المرابطين والأمير يَوْمئِذٍ على برغواطة هُوَ أَبُو حَفْص عبد الله من ذُرِّيَّة أبي مَنْصُور عِيسَى بن أبي الْأَنْصَار عبد الله بن أبي غفير مُحَمَّد بن معَاذ بن اليسع بن صَالح بن طريف فَكَانَت بَينه وَبَين عبد الله بن ياسين ملاحم عِظَام مَاتَ فِيهَا من الْفَرِيقَيْنِ خلق كثير وَأُصِيب فِيهَا عبد الله بن ياسين الْجُزُولِيّ مهْدي المرابطين فَكَانَ فِيهَا شَهَادَته ﵀
وَلما حَضرته الْوَفَاة قَالَ لَهُم يَا معشر المرابطين إِنِّي ميت من يومي
стр. 245
هَذَا لَا محَالة وَإِنَّكُمْ فِي بِلَاد عَدوكُمْ فإياكم أَن تجبنوا أَو تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم وَكُونُوا أعوانا على الْحق وإخوانا فِي ذَات الله وَإِيَّاكُم والتحاسد على الرياسة فَإِن الله يُؤْتِي ملكه من يَشَاء من خلقه ويستخلف فِي أرضه من أَرَادَ من عباده فِي كَلَام غير هَذَا
وَتُوفِّي عبد الله بن ياسين عَشِيَّة ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ يَوْم الْأَحَد الرَّابِع وَالْعِشْرين من جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَدفن بِموضع يعرف بكريفلة وَبني على قَبره مَسْجِد وَهُوَ مَشْهُور بهَا إِلَى الْآن
وَكَانَ عبد الله بن ياسين ﵀ شَدِيد الْوَرع فِي الْمطعم وَالْمشْرَب إِنَّمَا يتعيش من لُحُوم الصَّيْد وَنَحْوهَا لم يَأْكُل شَيْئا من لُحُوم صنهاجة وَلَا من أَلْبَانهَا مُدَّة إِقَامَته فيهم
وَكَانَ مَعَ ذَلِك كثير النِّكَاح يتَزَوَّج فِي كل شهر عددا من النِّسَاء ثمَّ يُطَلِّقهُنَّ وَلَا يسمع بِامْرَأَة جميلَة إِلَّا خطبهَا وَمن حسن سياسته أَنه أَقَامَ فِي صنهاجة السّنة وَالْجَمَاعَة حَتَّى أَنه ألزمهم أَن من فَاتَتْهُ صَلَاة فِي جمَاعَة ضرب عشْرين سَوْطًا وَمن فَاتَتْهُ رَكْعَة مِنْهَا ضرب خَمْسَة أسواط
وَمن كراماته أَن المرابطين خَرجُوا مَعَه فِي بعض غَزَوَاته بِبِلَاد السودَان فنفذ مَا مَعَهم من المَاء حَتَّى أشرفوا على الْهَلَاك فَقَامَ عبد الله فَتَيَمم وَصلى رَكْعَتَيْنِ ودعا الله تَعَالَى وَأمن المرابطون على دُعَائِهِ فَلَمَّا فرغ من الدُّعَاء قَالَ لَهُم احفروا تَحت مصلاي هَذَا فَحَفَرُوا فصادفوا المَاء على نَحْو شبر من الأَرْض عذبا بادرا فَشَرِبُوا واستقوا وملؤوا أوعيتهم وَمن تقواه وورعه أَنه لم يزل صَائِما من يَوْم دخل بِلَاد صنهاجة إِلَى أَن توفّي ﵀
وَاسْتمرّ الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر على رياسته وجددت لَهُ الْبيعَة بعد وَفَاة عبد الله بن ياسين فَكَانَ أول مَا فعله بعد تَجْهِيزه إِيَّاه وَدَفنه أَن زحف إِلَى برغواطة مصمما فِي حربهم متوكلا على الله فِي جهادهم فأثخن فيهم قتلا وسبيا حَتَّى تفَرقُوا فِي المكامن والغياض واستأصل شأفتهم وَأسلم الْبَاقُونَ إسلاما جَدِيدا ومحا أَبُو بكر بن عمر أثر دعوتهم من الْمغرب وَجمع غنائمهم وَقسمهَا بَين المرابطين وَعَاد إِلَى مَدِينَة أغمات
стр. 246
غَزْوَة أبي بكر بن عمر بِلَاد الْمغرب سوى مَا تقدم وفتحه إِيَّاهَا
لما اسْتَقر الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر بأغمات أَقَامَ بهَا إِلَى صفر من سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَخرج غازيا بِلَاد الْمغرب فِي أُمَم لَا تحصى من صنهاجة وجزولة والمصامدة فَفتح جبال فازاز وَسَائِر بِلَاد زناتة وَفتح مَدَائِن مكناسة ثمَّ نزل على مَدِينَة لواتة فحاصرها حَتَّى اقتحمها عنْوَة بِالسَّيْفِ وَقتل بهَا خلقا كثيرا من بني يفرن وخربها فَلم تعمر بعد إِلَى الْآن
وَكَانَ تخريبه إِيَّاهَا فِي آخر يَوْم من ربيع الثَّانِي من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَدِينَة أغمات
عود أبي بكر بن عمر إِلَى بِلَاد الصَّحرَاء وَالسَّبَب فِي ذَلِك
كَانَ الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر اللمتوني قد تزوج زَيْنَب بنت إِسْحَاق النفزاوية وَكَانَت بارعة الْجمال وَالْحسن كَمَا قُلْنَا وَكَانَت مَعَ ذَلِك حازمة لَبِيبَة ذَات عقل رصين ورأي متين وَمَعْرِفَة بإدارة الْأُمُور حَتَّى كَانَ يُقَال لَهَا الساحرة فَأَقَامَ الْأَمِير أَبُو بكر عِنْدهَا بأغمات نَحْو ثَلَاثَة أشهر ثمَّ ورد عَلَيْهِ رَسُول من بِلَاد الْقبْلَة فَأخْبرهُ باختلال أَمر الصَّحرَاء وَوُقُوع الْخلاف بَين أَهلهَا
وَكَانَ الْأَمِير أَبُو بكر رجلا متورعا فَعظم عَلَيْهِ أَن يقتل الْمُسلمُونَ بَعضهم بَعْضًا وَهُوَ قَادر على كفهم وَلم ير أَنه فِي سَعَة من ذَلِك وَهُوَ متوالي أَمرهم ومسؤول عَنْهُم فعزم على الْخُرُوج إِلَى بِلَاد الصَّحرَاء ليصلح أمرهَا وَيُقِيم رسم الْجِهَاد بهَا
وَلما عزم على السّفر طلق امْرَأَته زَيْنَب وَقَالَ لَهَا عِنْد فِرَاقه إِيَّاهَا يَا
стр. 247
زَيْنَب إِنِّي ذَاهِب إِلَى الصَّحرَاء وَأَنت امْرَأَة جميلَة بضة لَا طَاقَة لَك على حَرَارَتهَا وَإِنِّي مطلقك فَإِذا انْقَضتْ عدتك فَانْكِحِي ابْن عمي يُوسُف بن تاشفين فَهُوَ خليفتي على بِلَاد الْمغرب فَطلقهَا ثمَّ سَافر عَن أغمات وَجعل طَرِيقه على بِلَاد تادلا حَتَّى أَتَى سجلماسة فَدَخلَهَا وَأقَام بهَا أَيَّامًا حَتَّى أصلح أحوالها ثمَّ سَافر إِلَى الصَّحرَاء
وَنقل ابْن خلكان عَن كتاب المعرب عَن سيرة مُلُوك الْمغرب فِي سَبَب رُجُوع الْأَمِير أبي بكر بن عمر إِلَى الصَّحرَاء مَا مِثَاله قَالَ كَانَ أَبُو بكر بن عمر رجلا ساذجا خير الطباع مؤثرا لبلاده على بِلَاد الْمغرب غير ميال إِلَى الرَّفَاهِيَة وَكَانَت وُلَاة الْمغرب من زناتة ضعفاء لم يقاوموا الملثمين فَأخذُوا الْبِلَاد من أَيْديهم من بَاب تلمسان إِلَى سَاحل الْبَحْر الْمُحِيط فَلَمَّا حصلت الْبِلَاد لأبي بكر بن عمر سمع أَن عجوزا فِي الصَّحرَاء ذهبت لَهَا نَاقَة فِي غَدَاة فَبَكَتْ وَقَالَت ضيعنا أَبُو بكر بن عمر بِدُخُولِهِ إِلَى بِلَاد الْمغرب فَحَمله ذَلِك على أَن اسْتخْلف على بِلَاد الْمغرب رجلا من أَصْحَابه اسْمه يُوسُف بن تاشفين وَرجع إِلَى بِلَاده الجنوبية اه
وَكَانَ سفر أبي بكر بن عمر إِلَى الصَّحرَاء فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَلما وصل إِلَيْهَا أصلح شَأْنهَا ورتب أحوالها وَجمع جَيْشًا كثيفا وغزا بِهِ بِلَاد السودَان فاستولى مِنْهَا على نَحْو تسعين مرحلة
وَكَانَ يُوسُف بن تاشفين قد استفحل أمره أَيْضا بالمغرب وَاسْتولى على أَكثر بِلَاده فَلَمَّا سمع الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر بِمَا آل إِلَيْهِ أَمر يُوسُف بن تاشفين وَمَا منحه الله من النَّصْر أقبل من الصَّحرَاء ليختبر أَحْوَاله وَيُقَال إِنَّه كَانَ مضمرا لعزله وتولية غَيره فأحس يُوسُف بذلك فَشَاور زَوجته زَيْنَب بنت إِسْحَاق وَكَانَ قد تزَوجهَا بعد أبي بكربن عمر فَقَالَت لَهُ إِن ابْن عمك متورع عَن سفك الدِّمَاء فَإِذا لَقيته فاترك مَا كَانَ يعهده مِنْك من الْأَدَب والتواضع مَعَه وَأظْهر أثر الترفع والاستبداد حَتَّى كَأَنَّك مسَاوٍ لَهُ ثمَّ لاطفه مَعَ ذَلِك بالهدايا من الْأَمْوَال وَالْخلْع وَسَائِر طرف الْمغرب واستكثر من ذَلِك
стр. 248
فَإِنَّهُ بِأَرْض صحراء كل مَا جلب إِلَيْهِ من هُنَا فَهُوَ مستطرف لَدَيْهِ
فَلَمَّا قرب أَبُو بكر بن عمر من أَعمال الْمغرب خرج إِلَيْهِ يُوسُف بن تاشفين فَلَقِيَهُ على بعد وَسلم عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكب سَلاما مُخْتَصرا وَلم ينزل لَهُ وَلَا تأدب مَعَه الْأَدَب الْمُعْتَاد فَنظر أَبُو بكر إِلَى كَثْرَة جيوشه فَقَالَ لَهُ يَا يُوسُف مَا تصنع بِهَذِهِ الجيوش قَالَ أستعين بهَا على من خالفني فارتاب أَبُو بكر بِهِ ثمَّ نظر إِلَى ألف بعير قد أَقبلت موقرة فَقَالَ مَا هَذِه الْإِبِل الموقرة قَالَ أَيهَا الْأَمِير إِنِّي قد جئْتُك بِكُل مَا معي من مَال وأثاث وَطَعَام وإدام لتستعين بِهِ على بِلَاد الصَّحرَاء فازداد أَبُو بكر تعرفا من حَاله وَعلم أَنه لَا يتخلى لَهُ عَن الْأَمر فَقَالَ لَهُ يَا بن عَم انْزِلْ أوصيك فَنزلَا مَعًا وجلسا فَقَالَ أَبُو بكر إِنِّي قد وليتك هَذَا الْأَمر وَإِنِّي مسؤول عَنهُ فَاتق الله تَعَالَى فِي الْمُسلمين وأعتقني وَأعْتق نَفسك من النَّار وَلَا تضيع من أُمُور رعيتك شَيْئا فَإنَّك مسؤول عَنهُ وَالله تَعَالَى يصلحك ويمدك ويوقفك للْعَمَل الصَّالح وَالْعدْل فِي رعيتك وَهُوَ خليفتي عَلَيْك وَعَلَيْهِم ثمَّ ودعه وَانْصَرف إِلَى الصَّحرَاء فَأَقَامَ بهَا مواظبا على الْجِهَاد فِي كفار السودَان إِلَى أَن اسْتشْهد من سهم مَسْمُوم أَصَابَهُ فِي شعْبَان سنة ثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة بعد أَن استقام لَهُ أَمر الصَّحرَاء كَافَّة إِلَى جبال الذَّهَب من بِلَاد السودَان وَالله غَالب على أمره
الْخَبَر عَن دولة أَمِير الْمُسلمين يُوسُف بن تاشفين اللمتوني
لما عزم الْأَمِير أَبُو بكر بن عمر على السّفر إِلَى بِلَاد الصَّحرَاء دَعَا ابْن عَمه يُوسُف بن تاشفين بن إِبْرَاهِيم اللمتوني فعقد لَهُ على بِلَاد الْمغرب وفوض إِلَيْهِ أمره وَأمره بِالرُّجُوعِ إِلَى قتال من بِهِ من مغراوة وَبني يفرن وَسَائِر زناتة والبربر وَاتفقَ على تَقْدِيمه أَشْيَاخ المرابطين لما يعلمُونَ من فَضله وَدينه
стр. 249
وشجاعته ونجدته وعدله وورعه وسداد رَأْيه ويمن نقيبته فَعَاد يُوسُف من سجلماسة بِنصْف جَيش المرابطين بعد ارتحال أبي بكر بن عمر بِالنِّصْفِ الآخر وَذَلِكَ فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
وَلما انْتهى يُوسُف بن تاشفين إِلَى ملوية ميز جيوشه فَوَجَدَهَا أَرْبَعِينَ ألفا من المرابطين فَاخْتَارَ مِنْهُم أَرْبَعَة من القواد وهم سير بن أبي بكر اللمتوني وَمُحَمّد بن تَمِيم الكدالي وَعمر بن سُلَيْمَان المسوفي ومدرك التلكاني وَعقد لكل قَائِد مِنْهُم على خَمْسَة آلَاف من قبيلته وجعلهم مُقَدّمَة بَين يَدَيْهِ لقِتَال من بالمغرب من مغراوة وَبني يفرن وَسَائِر قبائل البربر القائمين بِهِ ثمَّ سَار هُوَ فِي أَثَرهم يتقرى الْمغرب بَلَدا بَلَدا ويتتبع أَهله قَبيلَة قَبيلَة فقوم يقاتلونه ثمَّ يظفر بهم وَقوم يفرون بَين يَدَيْهِ وَقوم يلقون إِلَيْهِ السّلم ويبذلون الطَّاعَة حَتَّى دوخ بِلَاد الْمغرب ثمَّ سَار حَتَّى دخل مَدِينَة أغمات وَلما اسْتَقر بهَا تزوج زَيْنَب بنت إِسْحَاق النفزاوية الَّتِي كَانَت تَحت أبي بكر بن عمر فَكَانَت عنوان سعده والقائمة بِملكه والمدبرة لأَمره والفاتحة عَلَيْهِ بِحسن سياستها لأكْثر بِلَاد الْمغرب وَمن ذَلِك إشارتها عَلَيْهِ فِي أَمر أبي بكر بن عمر وَكَيْفِيَّة ملاقاته حَسْبَمَا ذَكرْنَاهُ آنِفا وَهَكَذَا كَانَ أمرهَا فِي كل مَا تحاوله رَحمهَا الله
وَمِمَّا يستطاب من حَدِيثهَا مَا حَكَاهُ ابْن الْأَثِير فِي كَامِله وَقد تكلم على يُوسُف بن تاشفين هَذَا فَقَالَ كَانَ حسن السِّيرَة خيرا عادلا يمِيل إِلَى أهل الْعلم وَالدّين يكرمهم ويحكمهم فِي بِلَاده ويصدر عَن رَأْيهمْ وَكَانَ يحب الْعَفو والصفح عَن الذُّنُوب الْعِظَام من ذَلِك أَن ثَلَاثَة نَفرا اجْتَمعُوا فتمنى أحدهم ألف دِينَار يتجر بهَا وَتمنى الآخر عملا يعْمل فِيهِ لأمير الْمُسلمين وَتمنى الآخر زَوجته وَكَانَت من أحسن النِّسَاء وَلها الحكم فِي بِلَاده فَبَلغهُ الْخَبَر فأحضرهم وَأعْطى متمني المَال ألف دِينَار وَاسْتعْمل الآخر وَقَالَ للَّذي تمنى زَوجته يَا جَاهِل مَا حملك على هَذَا الَّذِي لَا
стр. 250
تصل إِلَيْهِ ثمَّ أرْسلهُ إِلَى زَوجته فتركته فِي خيمة ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ أمرت بِأَن يحمل إِلَيْهِ فِي كل يَوْم طَعَام وَاحِد ثمَّ أحضرته وَقَالَت لَهُ مَا أكلت فِي هَذِه الثَّلَاثَة الْأَيَّام قَالَ طَعَاما وَاحِدًا فَقَالَت لَهُ كل النِّسَاء شَيْء وَاحِد وَأمرت لَهُ بِمَال وَكِسْوَة وسرحته إِلَى حَال سَبيله وَكَانَت وفاتها سنة أَربع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
بِنَاء مَدِينَة مراكش
لما دخلت سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة كَانَ أَمر يُوسُف بن تاشفين قد استفحل بالمغرب جدا ورسخت قدمه فِي الْملك وَعظم صيته فَسَمت همته إِلَى بِنَاء مَدِينَة يأوي إِلَيْهَا بحشمه وجنده وَتَكون حصنا لَهُ ولأرباب دولته فَاشْترى مَوضِع مَدِينَة مراكش مِمَّن كَانَ يملكهُ من المصامدة وَقَالَ صَاحب المعرب كَانَ ملكا لعجوز مِنْهُم ثمَّ نزل الْموضع الْمَذْكُور بخيام الشّعْر وَبنى مَسْجِدا لصلاته وقصبة صَغِيرَة لاختزان مَاله وسلاحه وَلم يبن على ذَلِك سورا وَقَالَ أَبُو الْخطاب بن دحْيَة فِي كتاب النبراس إِن مَوضِع مَدِينَة مراكش كَانَ مزرعة لأهل نَفِيس فَاشْتَرَاهُ يُوسُف مِنْهُم بِمَالِه الَّذِي خرج بِهِ من الصَّحرَاء وَفِي كتاب المعرب إِن يُوسُف بن تاشفين اختط مَدِينَة مراكش بِموضع كَانَ يُسمى بذلك الِاسْم وَمَعْنَاهُ بلغَة المصامدة امش مسرعا وَكَانَ ذَلِك الْموضع مكمنا للصوص فَكَانَ المارون فِيهِ يَقُولُونَ لرفقائهم تِلْكَ الْكَلِمَة فَعرف الْموضع بهَا وَضبط هَذِه الْكَلِمَة بِضَم الْمِيم وَفتح الرَّاء الْمُشَدّدَة بعْدهَا ألف وَبعد ألف كَاف مَكْسُورَة ثمَّ شين مُعْجمَة وَيُقَال كَانَ فِي موضعهَا قَرْيَة صَغِيرَة فِي غابة من الشّجر وَبهَا قوم من البربر فاختطها يُوسُف وَبنى بهَا الْقُصُور والمساكن الأنيقة وَهِي فِي مرج فسيح وحولها جبال على فراسخ
следующие страницы →